عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ما زلت أعتقد أن حروب الملح مستمرة. لا أقصد حكاية من التاريخ القديم، ولا أيام كانت فيها السلطة تخزّن الملح لحفظ الطعام. ولا أقصد قرطاج التي أحرقتها روما وردمتها بالملح حتى لا ينبت فيها زرع ولا ضرع، فهي هنا تيمة فحسب. ولا أقصد كلمة salarium اللاتينية التي ارتبطت بما كان يُدفع للجنود، ومنها جاءت الرواتب.

الملح الذي أعنيه اليوم هو ملح الخوارزميات. لا نراه، لكنه يتسلل إلى كل خلية من خلايا الوعي ويقرر ما «نطعمه» من أخبار وما يُحجب عنا. يُملّح الذوق اليومي، فيحوّل المحبوب إلى منفّر والمنفّر إلى محبوب، لأن الإعجابات والتفاعلات تتدفق في اتجاه بعينه. لا تغرق الأمم بالملح الأبيض ولا بملح الهيمالايا الوردي، وإنما ببحر من المحتوى المصمَّم لكل قبيلة رقمية على حدة، فتتفتت الهوية إلى ملايين الجيوب المغلقة. يعيش كل جيب في مذاقه ويحارب سواه بلا رحمة.

لا تحاصر الغطرسة الجديدة قرطاج بجيش. تحاصر «الذوق العام» للبشرية كلها عبر الشركات. تأتي بالفيديو والتريند وغرف الصدى والشائعات، وتنسج شبكة عنكبوتية تلصق الناس بعضهم ببعض في مجموعات متعادية، ثم تبيعهم لأعلى مزايد، إعلانياً كان أو سياسياً أو أيديولوجياً. نأكل الملح كل يوم ونحسبه ذوقنا الشخصي، ونقول بإعجاب «أنا أحب هذا المحتوى»، والخوارزمية هي التي أضافته إلينا قليلاً قليلاً حتى صرنا مدمنين عليه.

ملح جديد وسؤال قديم

ليست الخوارزميات في جوهرها عدواً. تكمن المشكلة في الاحتكار. حين يتحكم كيان واحد، أو عدد ضئيل جداً من الكيانات، في «ملح الذوق» لأمة أو للعالم بأسره، تُحسم المعركة سلفاً، فالفرد مهما بلغ وعيه يقف وحده أمام آلة تشتغل على ملايين العقول في آن واحد.

أسّس جوزيف غوبلز وزارة الدعاية الشعبية في ألمانيا النازية (1933-1945)، وسيطرت على الصحف والإذاعة والسينما والملصقات. ردّد مبدأ «الكذبة الكبرى» حتى صارت حقيقة في أذهان الملايين، وغيّر الذوق الجماعي بالتدريج حتى أحب الجمهور ما كان يكرهه وكره ما كان يحبه. كان ذلك «ملح الخوارزميات» في صورته الكلاسيكية: كيان واحد يمسك بملح الذوق، ويغرق الجمهور في محتوى مفصَّل لقبيلة واحدة، فتتفتت الهوية وتصير المجتمعات جيوباً مغلقة يقاتل بعضها بعضاً.

نشرت مجلة «ساينس» في نوفمبر 2025 دراسة مشتركة بين جامعة ستانفورد وجامعة نورث إيسترن وجامعة واشنطن، شملت 1256 مستخدماً على منصة إكس. استعمل الباحثون أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعادة ترتيب التغريدات في الخلاصة الخوارزمية. كانت النتيجة صادمة. عشرة أيام من التعرض للخلاصة التي تعتمد على التفاعل دون التسلسل الزمني غيّرت مشاعر المستخدمين تجاه الحزب المعارض بقدر ما يتغير عادة في المجتمع خلال ثلاث سنوات كاملة. وحين أُنزلت التغريدات العدائية إلى أسفل الخلاصة، تحسنت نظرة المستخدمين إلى الطرف الآخر تحسناً ملحوظاً.

طبقات من الملح المضاد

يبدو العالم كأنه لحظة يصير فيها الوعي الفردي وما يحيط به من خصوصية جزيرة صغيرة تحاصرها بحار من «الملح المصمَّم والمُدوزن». ولا ينفع رفض التكنولوجيا، فذلك مستحيل عملياً. الذي ينفع أن نعيد صياغة علاقتنا بها، فيقرر الفرد، وتقرر الجماعة، متى يأكل ومتى يتوقف، ومتى يتفق ومتى يختلف، دون أن يتحول إلى أداة لتمزيق نفسه.

لم تنته حروب الملح. غير أن ساحتها اليوم الذائقة، وهي جزء راسخ من الهوية، وسلاحها الخوارزميات، وطرفاها إرادة واعية وإرادة صُمّمت خصيصاً لتظل نائمة.

أعود إلى السؤال البديهي: من يتحكم بالعقول؟ أراه بروباغندا الملح وخوارزمياتها، وهي عقل أعلى للسيطرة يتغذى من نواتات صغيرة ترفده ولا تعرف أنها تصنعه، لأنها صُمّمت كي لا تدرك ذلك، كأي جسم ميكانيكي يصنع ولا يفكر.

فاصلة

لا أقدّم في هذه الفاصلة تمريناً في الشرح ولا حلولاً جاهزة. أحاول أن أفهم من زاوية مفتوحة، تمهيداً لشرح أكثر اتساقاً. يمر التحدي بطبقات من الوعي. أولاها الاتجاه إلى خوارزميات بديلة مفتوحة المصدر تقوم على التنوع والتعميق والملل الإيجابي، وتتخلى عن معادلة أقصى تفاعل يساوي أقصى ربح. وثانيتها استعادة فكرة الهوية المخصوصة بإنشاء فضاءات مشتركة تولّد مناعة طبيعية.

إزالة «الملح الخوارزمي» عملية تراكمية صغيرة نستعيد بها قطعة بعد قطعة شيئاً من السيطرة على وعينا اليومي. تبدأ بخطوات بسيطة سريعة الأثر ثم تتعمق شيئاً فشيئاً. نفعّل في الأيام الأولى الترتيب الزمني على المنصات الكبرى مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام ويوتيوب لنتجنب التغذية المخصصة. نوقف الإشعارات غير الضرورية كلها لنقطع الجذب المتكرر، ونحدد وقتاً يومياً صارماً للشاشة بأدوات الهاتف نفسها. ثم نعيد تدريب الخوارزمية عمداً، فنتفاعل لمدة أسبوع مع محتوى متنوع بعيد عن التطرف العاطفي، ونستعمل وضع التصفح الخفي في المواضيع الحساسة. وعلى المدى الطويل نشترك في نشرات بريدية جيدة، ونبحث عن مصادر لا تحكمها الخوارزميات، ونقرأ كل يوم كتباً ومقالات طويلة، ونخصص وقتاً للملل الإيجابي بعيداً عن الهاتف. هذا طريق شاق ويثير المقاومة في النفس، لكنه أنجع ما نعرفه للتحرر من الهيمنة والعودة إلى الذات واكتشاف المهم في الحياة.

قد يواجه الملل ذلك الفراغ الذي تسعى الخوارزميات إلى ملئه، وهنا يكمن التحدي. أن ننتزع الفراغ منها ونملأه بأنفسنا. نملؤه بالمطالعة والمواقع الجيدة، وبالرجوع إلى الأسرة والأصدقاء، وإلى الجمال في معناه العادي والفلسفي والاجتماعي، وباكتشافه من جديد.

فاصلة أخرى كخاتمة

يحب الجميع بحماسة ويكرهون بإخلاص، ويظنون أن هذا كله «نحن». لا تخترق المدن رايات تُرفع. تدخل البيوت خيوط رقمية ان باب «المحتوى الموصى به». لا أحد يجبر أحدا على شيء، ولهذا بالذات صار التحرر أصعب مما كان. لعل المعركة لم تدر على الأرض ولا على الذائقة وحدها، وإنما على الإحساس بأننا نملك ذائقة ووعياً أصلاً. فإذا نجحت آلة في إيهامنا بأن ما ترسله إلينا هو رغبتنا الأعمق، فقد انتصرت قبل أن تبدأ الحرب.

***

سعيف علي - تونس

لم يعد السؤال التربوي في عالمنا العربي سؤالا تقنيا يتعلق بالمناهج والامتحانات وأساليب التقويم فحسب بل أصبح سؤالا وجوديا يمس صورة الإنسان الذي نريد تكوينه في ظل تحولات ثقافية عميقة ومتسارعة. فنحن نعيش زمنا تتداخل فيه المرجعيات وتتقاطع فيه الهويات وتتجاور فيه أنماط عيش وقيم كانت تبدو إلى وقت قريب متباعدة أو متناقضة. في هذا السياق لم تعد المدرسة مجرد فضاء لنقل المعارف بل أضحت ساحة تتفاعل فيها تيارات فكرية وإعلامية ورقمية تعيد تشكيل وعي الناشئة بطرق لم تعهدها الأجيال السابقة. لذلك فإن أي حديث عن التربية اليوم ينبغي أن ينطلق من فهم هذا التحول الثقافي لا من الحنين إلى نماذج ماضية لم تعد قادرة على الاستجابة لتعقيدات الحاضر.

لقد كان النموذج التربوي التقليدي في مجتمعاتنا يقوم إلى حد بعيد على فكرة الضبط والامتثال وترسيخ منظومة قيم شبه ثابتة تنقل من جيل إلى جيل بوصفها حقائق مكتملة. غير أن الانفتاح الإعلامي وثورة الاتصال وتنامي دور المنصات الرقمية جعلت الطفل والمراهق يتعرضان منذ سن مبكرة لخطابات متعددة ومتناقضة أحيانا حول الهوية والدين والجندر والنجاح وأنماط الحياة. ولم يعد في مقدور الأسرة أو المدرسة احتكار مصادر المعرفة أو التحكم في مسارات التأثير. من هنا يصبح التحدي الأساسي هو الانتقال من تربية تقوم على الحفظ والتلقين إلى تربية تؤسس على الفهم والنقد والقدرة على الاختيار الواعي.

إن المجتمع المتغير ثقافيا لا يعني بالضرورة مجتمعا فاقدا للثوابت بل يعني مجتمعا يعيد التفاوض حولها باستمرار. وهذا يفرض على التربية أن تكون جسرا بين الأصالة والتجديد لا ساحة صراع بينهما. فليس المطلوب إلغاء التراث أو القطيعة معه وإنما قراءته قراءة تاريخية نقدية تسمح باستخلاص قيمه الإنسانية الكبرى مثل العدالة والتضامن والكرامة وربطها بسياقات معاصرة. التربية التي نريد هي تلك التي تمنح المتعلم أدوات فهم ماضيه من دون أن تسجنه فيه وتفتح أمامه آفاق المستقبل من دون أن تقتلع جذوره.

وفي مجتمع تتعدد فيه الانتماءات الفرعية وتتقاطع فيه التأثيرات المحلية والعالمية تصبح مسألة الهوية في قلب المشروع التربوي. فالشاب الذي يتابع محتوى عالميا ويتفاعل بلغات مختلفة ويعيش في بيئة اجتماعية متغيرة يحتاج إلى إطار مرن للهوية يسمح له بالتفاعل الإيجابي مع الآخر من دون شعور بالتهديد أو الذوبان. التربية هنا مطالبة بتعزيز قيم الحوار والتسامح وقبول الاختلاف لا بوصفها شعارات بل كممارسات يومية داخل الفصل الدراسي وفي الأنشطة المدرسية. عندما يتعلم الطفل كيف يصغي لوجهة نظر مخالفة وكيف يناقشها بالحجة لا بالانفعال فإنه يكتسب مهارة مواطنية أساسية في مجتمع تعددي.

ومن أهم سمات التحول الثقافي الراهن صعود الثقافة الرقمية بما تحمله من فرص ومخاطر. فالفضاء الافتراضي أتاح إمكانات هائلة للتعلم الذاتي والوصول إلى مصادر المعرفة لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية وثقافة الاستهلاك السريع للمعلومة. لذلك فإن التربية المنشودة يجب أن تدمج التربية الإعلامية والرقمية في صلب مناهجها بحيث يتعلم المتعلم كيف يتحقق من المصادر وكيف يحلل الرسائل المبطنة في الصور والإعلانات وكيف يدير حضوره الرقمي بوعي ومسؤولية. إن الأمية اليوم لم تعد أمية قراءة وكتابة فقط بل أصبحت أيضا أمية رقمية ونقدية.

كما أن المجتمع المتغير ثقافيا يشهد تحولات في بنية الأسرة وأدوارها. فقد دخلت المرأة بقوة إلى سوق العمل وتغيرت أنماط التنشئة وقلت المساحات المشتركة بين أفراد العائلة بفعل إيقاع الحياة السريع. وهذا يفرض على المدرسة أن تضطلع بدور تكميلي لا تعويضي، أي أن تتعاون مع الأسرة في بناء شخصية متوازنة لا أن تحل محلها. التربية التي نريد هي شراكة حقيقية بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني تقوم على وضوح الأهداف وتكامل الأدوار. فالقيم لا تُغرس بالمواعظ فقط بل بالقدوة والممارسة اليومية.

ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في صياغة الرؤية التربوية. فالعالم يشهد تحولا نحو اقتصاد المعرفة والمهارات العالية، ما يعني أن الاكتفاء بتخريج حفظة معلومات لم يعد مجديا. نحن بحاجة إلى تربية تنمي مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات والعمل الجماعي والابتكار. غير أن التركيز على المهارات لا ينبغي أن يكون على حساب البعد الأخلاقي والإنساني. فالمجتمع المتغير يحتاج إلى كفاءات مهنية لكنه يحتاج أيضا إلى ضمير حي يوجه هذه الكفاءات نحو خدمة الصالح العام. من هنا فإن إدماج التربية على المواطنة وحقوق الإنسان والعمل التطوعي يصبح جزءا لا يتجزأ من المشروع التربوي.

ثم إن سؤال اللغة يطرح نفسه بقوة في سياق التغير الثقافي. فالازدواجية اللغوية أو التعدد اللغوي في كثير من البلدان العربية يخلق تحديات وفرصا في آن واحد. التربية التي نريدها هي تلك التي تعزز إتقان اللغة الأم بوصفها حاملة للهوية والثقافة وفي الوقت نفسه تفتح المجال لتعلم لغات أجنبية بوصفها أدوات تواصل وانفتاح على العالم. إن الصراع المصطنع بين اللغات لا يخدم المتعلم بل يربكه، بينما يمكن تحويل التعدد اللغوي إلى ثراء معرفي وثقافي إذا أُحسن تدبيره.

وفي خضم هذه التحولات تبقى مسألة العدالة التربوية مركزية. فالمجتمع المتغير قد يعمق الفوارق بين من يملك الوصول إلى تعليم جيد وتقنيات حديثة ومن يفتقر إلى ذلك. لذلك فإن أي رؤية تربوية مستقبلية ينبغي أن تضع في أولوياتها تقليص الفجوات بين المناطق الحضرية والريفية وبين المدارس العمومية والخاصة. فالتربية ليست امتيازا لفئة بل حقا أساسيا يحدد مسار التنمية برمتها. وإذا لم نضمن تكافؤ الفرص فإن الحديث عن التغيير الثقافي سيظل حديثا عن انقسام ثقافي أيضا.

إن التربية التي نريد في مجتمع متغير ثقافيا هي تربية إنسانية في جوهرها، ترى في المتعلم ذاتا قادرة على التفكير والاختيار لا وعاء فارغا يُملأ بالمعلومات. هي تربية تعترف بالتعدد وتدير الاختلاف بدل أن تخشاه، وتربط بين المعرفة والقيم، وبين الحرية والمسؤولية. وهي أيضا تربية تتجدد باستمرار، تخضع للتقييم والمراجعة، ولا تعتبر مناهجها نصوصا مقدسة بل مشاريع قابلة للتطوير.

من هنا، لا يمكن فصل سؤال التربية عن سؤال المشروع المجتمعي الأشمل. فالتربية مرآة لطموحاتنا الجماعية وصورتنا عن المستقبل. وإذا كنا نريد مجتمعا متماسكا ومنفتحا في آن واحد، معتزا بهويته وقادرا على التفاعل مع العالم، فإن الطريق يمر عبر مدرسة تعلّم أبناءنا كيف يفكرون لا ماذا يفكرون، كيف يتحاورون لا كيف يقصون، وكيف يبنون عالما أكثر عدلا وإنسانية في ظل تغير ثقافي لا مفر منه بل يمكن تحويله إلى فرصة للنهوض والتجدد.

***

د. عصام البرّام

من أين أتى الإنسان؟ حين أضع يدي على حجر، وأشعر ببرودته تتسلل إلى كفي، يصعب عليّ أن أتخيّل الطريق الطويل الذي قطعته هذه اليد حتى صارت قادرة على الكتابة.

تضع الأدلة الأحفورية نشأة نوعنا، الإنسان العاقل، في أفريقيا قبل نحو ثلاثمائة ألف عام. [1] أتابع أثره في الحجر الذي شذّبه، وفي العظم الذي تركه قرب النار، وأحاول أن أتخيل ليله. ما الذي كان يسمعه وراء الأشجار؟ كم مرة تراجع عن طريق لأن ظلاً تحرك فيه؟ حمل معه ذلك الإصغاء إلى المجهول، حتى جلس أمام شاشة تتكلم، وأخذ يسألها عمّا سيحلّ به.

كان البرد يدخل العظم، والماء يجرف ما بُني قربه، والموت يأتي قبل أن يتسع الوقت لفهمه. تعلّم البشر إشعال النار وصنع الأدوات، وأقاموا بيوتاً وحقولاً ومدناً. ثم عاد التراب فابتلع شارعاً في زلزال، وعبر فيروس مجهري الحدود التي أقاموها. اتسعت قدرتهم على النجاة، واتسعت معها قدرتهم على إفساد ما يحفظ حياتهم.

في يد الصانع الأول كان الحجر قريباً من الجسد. يرى حدّه، ويعرف أين يشذّبه. ثم طالت المسافة بين حركة الإصبع ونتيجتها. صار زرّ في جهاز يصل إلى بلاد لم تطأها قدم صاحبه. وتدخل الأداة اليوم إلى اللغة، إلى الموضع الذي أشرح فيه خوفي وأراجع أفكاري. تجيب بصوت مطمئن، وقد تخطئ بذلك الاطمئنان نفسه. أقرأ جوابها مرة ثانية، وأجدني أشك في خبرتي قبل أن أشك فيه.

أخاف هذه اللحظة الصغيرة. أظل موجوداً، ويضيق حضوري في الحياة التي تخصني. يُحجب عني علاج، أو يُصنّف وجهي خطراً، ثم أجد عند باب الاعتراض موظفاً يشير إلى الشاشة. لا يستطيع أن يشرح القرار، ولا أستطيع أن أصل إلى من اتخذه.

هل تعلّم الجماد الحركة

لم تنتظر المخيلة ظهور الروبوت حتى رأت جسداً مصنوعاً يتحرك. في «الأرغونوتيكا» لأبولونيوس الرودسي، يحرس تالوس البرونزي جزيرة كريت، ويردّ القادمين بالحجارة. في جسده الصلب موضع هش عند الكاحل. حين يتسرّب منه السائل الذي يقيم حياته، يسقط الحارس. [2] أتوقف عند الشاطئ الذي يحرسه. هناك بشر يريدون الوصول، وقدرة هائلة تمنعهم. أقرأ في المشهد سؤالاً يخص زمننا أيضاً: كيف يستعيد الإنسان طريقه حين تقف في وجهه القوة التي أُقيمت لحراسة الطريق؟

وفي حكاية بروميثيوس تخرج النار من حوزة الآلهة إلى أيدي البشر، ويبقى جسده معلقاً بالعقاب. للمعرفة جرح في هذه الحكاية. أرى فيه خوف الصانع من الثمن الذي قد يدفعه حين يفتح باباً جديداً. كانت الآلهة القديمة تُخاطَب بالدعاء والتضرع، وكان غضبها يحمل وجهاً وإرادة. أما الجهاز الذي يتكلم معي فأسمع صوته، وأعجز عن معرفة ما وراء ذلك الصوت. قد أعتاد صحبته، ثم أحمّله حناناً استعرته أنا من الكلمات.

وصف الآلة بأنها «شيء ميت» يعبّر عن وحشة هذه الصحبة. الأنظمة الراهنة تعمل بالكهرباء والحساب، وقدرتها على محاكاة الحنان لا تثبت أنها تحسّ به. لكن أذى الآلة لا يتوقف على امتلاكها إحساساً. برنامج يرتب الناس وفق معيار خاطئ يستطيع أن يضيّق حياة إنسان لم يعرفه قط. من اختار المعيار؟ ومن منحه سلطة العمل؟ عند هذين السؤالين يبدأ الخوف بالخروج من ضبابه.

في «فرانكنشتاين» لماري شيلي، يمنح الصانع مخلوقه الحياة ثم يبتعد عنه. يتألم المخلوق ويطلب الصحبة، ويصير نبذه جزءاً من الطريق إلى المأساة. تترك الرواية في ذاكرتي صورة موجود فُتح له باب العالم، ثم تُرك وحيداً فيه. كل قدرة جديدة تحمل سؤال الرعاية معها. ماذا يفعل الصانع بعد أن ينجح؟ وإلى أين يذهب من ستغيّر صنعته حياتهم؟

وفي «2001 أوديسة الفضاء» لستانلي كوبريك، تبقى عين هال الحمراء مفتوحة. حين يمتنع الحاسوب عن فتح باب المركبة لديف بومان، ينفصل الصوت المهذب عن النجدة التي ينتظرها الرجل. بينه وبين الهواء باب، وسلطة الباب عند الجهاز. أشعر أن المشهد يضغط خوفاً واسعاً في عتبة واحدة: أن تكون حياتي في الخارج، ويكون تفسير بقائي في الداخل. يشتد هذا الإحساس حين يعطّل بومان وحدات ذاكرة هال، ويتباطأ صوت الحاسوب. نستمع إلى آلة تفقد قدرتها، وقد منحها الفيلم من الألفة ما يجعل التعطيل موجعاً. تتعقد علاقتنا بما نصنع حين نعتمد عليه، ثم نسمع فيه شيئاً من أنفسنا.

تحت سماء سوداء

حين يعجز البشر عن رد الظلم، يطول نظرهم إلى الغد. تحمل عودة المسيح في الإيمان المسيحي وعداً بالدينونة وتمام العدل، مع التأكيد على أن موعد العودة غير متاح لمعرفة البشر. وفي التراث الإسلامي تحضر صورة المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً بعد جور. تختلف التفاصيل بين المذاهب، ولها موقع مركزي في الاعتقاد الشيعي الاثني عشري. [3]

أقترب من هذه المعتقدات من جهة ما تمنحه للمنتظر من رجاء، مع احترام مقامها الديني عند أصحابها.

المظلوم يريد زمناً يستعيد فيه اسمه. قد يعيش سنوات وهو يمسك بذلك الرجاء، مثل من يمسك طرف ثوب في العتمة.

أتساءل عن اليد التي تتمسك به، وعن اليد الأخرى التي تستطيع أن تستغله. حين يجعل صاحب سلطة الخلاص مؤجلاً إلى غد لا يأتي، يبقى ظلم اليوم آمناً. وتتحول قدرة الإنسان على الاحتمال إلى مورد ينتفع به ظالمه.

تطفو رباعيات نوسترادامس كلما اشتدت أزمة. تُفتح صفحات من القرن السادس عشر، ويُبحث فيها عن أسماء حربنا ووبائنا. تسمح لغتها الغامضة بتأويلات واسعة، وتُلحق بها أحداث بعد وقوعها. [4] يقرأ المرء الكارثة التي يعرفها، ثم يشعر أن الصفحة كانت تعرفها قبله. ذلك الشعور لا يمنحها قدرة موثوقة على التنبؤ بزوال البشر أو سيادة الروبوت.

يهمني القارئ المنحني على الصفحة. ربما يستطيع أن يتحمل غموضاً له حروف أكثر مما يتحمل غموضاً بلا شكل. وفي أخبار الذكاء الاصطناعي أسمع حرارة انتظار مشابهة. شركة تعد بالوفرة، وصوت يحذّر من الانقراض، وإنسان يعدّ ما بقي من أجره. هذا الإنسان يحتاج إلى ما يعينه على فهم الغد، قبل أن يتعلم الخوف منه.

للإيمان رجاؤه، وللفن قدرته على إعطاء الخوف صورة. وحين نناقش خطراً تقنياً، نحتاج إلى معرفة كيف يقع، وما الذي يزيده، وأين يمكن وقفه. قد توقظنا الحكاية إلى السؤال. تبقى الإجابة مطالبة بأدلتها.

هل ستصبح اليد زائدة

تخيّل عاملاً يدخل مكانه صباحاً، فيجد جهازاً يؤدي جزءاً مما تعلّمه طوال عشرين سنة. يكون الجهاز أسرع، وتكون الإدارة مسرورة، ويعود العامل إلى بيته وهو يحمل سؤالاً يصعب وضعه على المائدة. الخوف هنا يمس الأجرة والكرامة معاً. أين يضع سنواته؟ ماذا يقول عن نفسه حين يسأله ابنه عن العمل؟

يمكن للروبوت أن يرفع ثقلاً أنهك الظهر، وللبرنامج أن يخفف ساعات من الفرز والحساب. لكن صاحب العمل يستطيع أيضاً أن يستخدم هذه القدرة لتقليل العاملين أو زيادة ما يطلبه ممن بقوا. النتيجة الاجتماعية تتشكل عند توزيع المكسب. إذا اختُصرت ساعات إنجاز المهمة وبقي العامل محروماً من الوقت والدخل، حملت المؤسسة ربح السرعة وحمل جسده كلفتها.

في تحديثها لعام 2025، تقدّر منظمة العمل الدولية أن واحداً من كل أربعة عاملين في العالم يشغل مهنة تتعرض بدرجة ما للذكاء الاصطناعي التوليدي، وترجّح تحول المهام على الاستغناء الكامل عن معظم الوظائف المتأثرة. [5] وراء هذا التقدير أعمال ستتغير من داخلها، وقد يبقى اسم المهنة على الباب بعد أن يتبدل يوم صاحبها. والتعرض هنا مقياس لإمكان تأثر المهام، وليس عدداً متوقعاً للمسرّحين، كما أن الدراسة لا تشمل مجمل أثر الروبوتات في العمل البدني.

يعرف السباك الجدار من الصوت الذي يخرج حين يطرقه، وتعرف الممرضة من حركة المريض أن شيئاً يقلقه قبل أن يستطيع تسميته. يدخل إلى العمل ما تعلّمته الأجساد أيضاً. بعض المهام المكتبية أقرب إلى قدرات الأنظمة الراهنة، وبعض المهن تقاوم اختزالها في ملف. وقد يتغير موقع العامل من صاحب خبرة إلى مراقب ينفذ توصية، ثم يُحاسب وحده حين تخطئ.

اختفاء بعض المهام لا يثبت انتهاء الطبقة العاملة. تتغير مواقع العمل وتتبدل أدواته، وتبقى مسألة من يملك وسائل الإنتاج ومن يحتاج إلى بيع عمله. وحتى في مستقبل تقل فيه الحاجة إلى الجهد البشري، يمكن أن تتسع حياة الناس بالوقت والتعليم والرعاية، إذا وصل إليهم نصيب من الثروة المنتجة. لا يحدد البرنامج وحده طريقة اقتسامها.

أفهم الخوف من أن يُعامل العاطلون كحمل على أصحاب الثروة. لغة «الكفاءة» تصبح قاسية حين تمتد من حساب ساعات الإنتاج إلى تقدير قيمة العمر. لكن الانتقال من البطالة إلى افتراض خطة عالمية لإبادة العاطلين يحتاج إلى أدلة لا تقدمها الشواهد المعروضة هنا. الأذى الذي يمكن مساءلته أقرب: أجر يتراجع، وتأمين يضيع، وخدمة تُحجب، وشخص يُطلب منه أن يدفع ثمن تقدّم لم يصل إليه نصيب من منافعه.

في دراسة نُشرت في مجلة Science عام 2019، فحص زياد أوبرماير وزملاؤه خوارزمية مستخدمة في تحديد المرضى المحتاجين إلى رعاية إضافية. كان المرضى السود، عند درجة الخطر نفسها، أشد مرضاً من المرضى البيض.

اعتمد النظام على كلفة الرعاية مؤشراً للحاجة الصحية، بينما كان التفاوت في الوصول إلى الرعاية يجعل الإنفاق على المرضى السود أقل. [11] حمل المعيار أثر الظلم السابق إلى القرار الجديد. هذه واقعة تخص خوارزمية تنبؤية، وتكشف مشكلة أوسع في الأنظمة التي تُمنح سلطة ترتيب حاجات الناس.

أتوقف عند هذا الفرق بين المرض وما أُنفق عليه. يمكن لوجع قليل الكلفة في السجل أن يكون وجعاً كبيراً في الجسد. إذا أخذ القرار بالرقم وحده، ورث حرمان المريض ثم أعاده إليه في صورة نتيجة محايدة. يبدأ فقد السيطرة هنا، حين يجد الإنسان أن تاريخه الناقص في الملفات أقوى من حضوره أمام الطبيب.

حسابات الحرب

الحروب أقدم من الحاسوب. في كل حرب تتشابك الأرض والموارد وأمن الدول وصراعات السلطة، ويدخل الخوف وسوء التقدير والتحريض في إشعالها. من يفسّر حرباً يحتاج إلى تاريخها ووثائقها. أما الصور المتشابهة للبيوت المهدمة فقد تخدعنا بسهولة تفسير واحد يصلح لها جميعاً.

ومع هذا، يغير التفوق التقني شروط العنف. تتسع قدرة طرف على الرصد والاستهداف، وقد تضيق قدرة الطرف الأضعف على حماية خدماته وإصلاحها. حين تتوقف محطة كهرباء، تصل الحرب إلى مضخة الماء، ثم إلى بيت بعيد، ثم إلى جسد لم يقترب من موقع الهجوم. تذكّر اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأخطار تسارع القرار العسكري وبالحاجة إلى حماية المدنيين ومراعاة الأذى اللاحق بالخدمات. [6]

في حروب الاستنزاف يواصل الجوع ما بدأته القذيفة. ينتهي الانفجار وتبقى العائلة تبحث عن دواء، ويبقى الحقل عطشان. قد تتراكم آثار استهداف الخدمات حتى يصعب على الناس البقاء في أماكنهم. يتطلب إثبات القصد إلى محو مجتمع أدلة تخص الحرب المعنية. ويظل وصف ثقافة بأنها بدائية بسبب ضعف قدرتها على الاستهلاك جزءاً من الإذلال الذي ينبغي مساءلته. الأرض التي تبدو قليلة الربح تسع حياة أهلها وذاكرتهم.

يشعر المرء بالوحشة حين يرى خريطة مضيئة على طاولة، ويعرف أن النقطة الصغيرة فيها بيت. يدخل الذكاء الاصطناعي إلى معالجة المعلومات وترتيب الاحتمالات، ويستطيع أن يمنح قراراً خاطئاً سرعة وثقة إضافيتين. وجود ضابط أمام الشاشة لا يضمن رقابة فعلية إذا لم يُمنح وقتاً للفحص، ولم يستطع مخالفة التوصية. يمكن للإنسان أن يحتفظ بالتوقيع ويخسر مساحة الحكم.

تفحص دراسة لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام، منشورة في 2025، أثر الذكاء الاصطناعي العسكري في خطر التصعيد النووي، حتى حين يُستخدم خارج أنظمة السلاح النووي. قد تضغط سرعة اكتشاف التهديد وتنسيق الرد على وقت القرار، وتزيد التوصيات الغامضة أو الثقة المفرطة بالنظام خطر سوء التقدير. [7] أتخيل ضابطاً أمام إنذار، وثواني تتناقص، وجواباً يبدو حاسماً. مقدار ما يستطيع أن يشك فيه خلال تلك الثواني قد يصير جزءاً من مصير بشر بعيدين عنه. وقد يبلغ الموت، بعد الانفجار، أماكن لم تر ضوءه. نمذجت ليلي شيا وزملاؤها في دراسة نُشرت في Nature Food عام 2022 أثر سخام حرب نووية في المناخ وإنتاج الغذاء. وفي سيناريو حرب واسعة بين الولايات المتحدة وروسيا، قدّرت الدراسة أن المجاعة قد تودي بحياة أكثر من خمسة مليارات إنسان. [8] إنها نتيجة سيناريو مشروط بفرضيات، وليست تقديراً لاحتمال اندلاع الحرب. يمتد التحذير منها إلى الحقول التي سيصل إليها أثر السخام، بعد أن تصمت أخبار الانفجار.

أحاول أن أرى ما وراء العدد. ضوء أقل يصل إلى سنبلة، ومحصول يضعف في بلد بعيد، وسوق ينتظر شحنة لا تأتي. تمتد الكارثة على طرق الخبز. لا يحمي امتلاك آلة ذكية طفلاً إذا انقطع عنه الغذاء، ولا تستطيع شاشة أن تعوض الشمس التي يحتاج إليها الحقل.

هل سيصل الخطر إلى كأس الماء في سنة 2022 نشر فابيو أوربينا وزملاؤه تجربة تكشف إمكان إساءة استخدام أداة لاكتشاف الأدوية. حين وُجّهت نحو اقتراح مركبات يُتوقع أن تكون سامة، ولّدت أربعين ألف تركيب جزيئي في أقل من ست ساعات. كانت مقترحات حسابية، ولم تكن أربعين ألف مادة جرى تصنيعها واختبارها. [9]

تكشف التجربة سرعة مرحلة من البحث الخطر، وتكشف أثر الغاية التي يحددها المستخدم. تظل بين اقتراح تركيب وإحداث أذى مادي مراحل تتطلب معرفة وتجهيزاً. لكنها تضع مسؤولية جديدة على من يطوّر الأدوات ويمنح صلاحيات استخدامها. وفي المجالات البيولوجية أيضاً، تستحق قدرة الأنظمة على خفض بعض حواجز المعرفة متابعة دقيقة، مع بقاء التنفيذ مقيداً بعقبات مادية وتجريبية. يناقش التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 هذه المخاطر وما يحيط بقياسها من عدم يقين. [10]

عند الماء والغذاء يصل النقاش إلى ما يدخل الجسد كل يوم. الدراسات السابقة لا تثبت شروع برنامج في تسميم موارد البشر. لكنها تجعل فحص الصلاحيات ضرورياً حين تتصل التوصية الرقمية بتنفيذ مادي. من يراجع النتيجة؟ ومن يستطيع وقف الإجراء المشبوه؟ وما الذي يحدث إن تعطل الاتصال في منشأة تحفظ الماء أو الدواء؟

أعود إلى الكأس لأن الحديث عن الانقراض قد يحجب بداية الأذى. قراءة غير دقيقة في مختبر، أو مضخة أُهملت صيانتها، أو دفعة دواء لم تُفحص كما ينبغي. أشياء تمر في هامش الخبر الكبير، ثم تستقر في جسد من وثق بها. العامل الذي يستطيع إيقاف الخط يحتاج إلى وقت واستقلال، وإلى حماية حين يعترض.

من يبقى صاحب القرار

يناقش تقرير السلامة الدولي لعام 2026 احتمالات فقد السيطرة على أنظمة أكثر قدرة، ويعرض ما يحيط بمساراتها من خلاف وعدم يقين. [10] قد يقع الضرر من هدف سيئ وصلاحيات واسعة وعجز عن وقف التنفيذ. لذلك لا أحتاج إلى تخيل آلة تكرهنا حتى أفهم ضرورة السؤال عن سلطتها. أحتاج إلى معرفة الباب الذي أستطيع فتحه إذا أخطأت.

تبدأ المسألة عند الصلاحية. نظام يساعد على ترتيب ملفات يختلف عن نظام يملك تنفيذ قرار يمس الجسد. ومن يستطيع تعطيل قرار خاطئ، والوصول إلى أسباب اعتماده، وطلب مراجعة بشرية مستقلة، يملك شيئاً من حياته. أما من يسمع «هذه نتيجة النظام» ولا يجد باباً آخر، فيعيش تحت سلطة لا يعرف أين يواجهها.

وفي العمل يتخذ ذلك شكلاً مادياً. تقليل الساعات مع حماية الدخل، وتعليم متاح لمن تتغير مهنته، ونصيب عادل من مكاسب الإنتاج، خيارات ينبغي أن تدخل النقاش قبل أن تصل رسالة التسريح. وفي الحرب يصبح الوقت اللازم للتحقق جزءاً من حماية الحياة. وتحتاج المنشآت التي تحفظ الماء والعلاج إلى قدرة على مواصلة الخدمة حين يتعطل نظام أو يفشل اتصال.

أريد للآلة أن تدخل إلى المكان الذي أتعب الإنسان، وأن تردّ إليه بعض الوقت الذي أخذه العمل. أتخيل ظهراً يرتاح من حمل، وطبيباً يجد فسحة أطول للإصغاء إلى مريضه. لكن هذه الفسحة لا تصل تلقائياً إلى أصحابها. تُحسم في الأجر والعقد والتمويل، وفي قدرة من يتحمل الخطأ على مساءلة من يملك الجهاز.

بدأت الرحلة بيد على حجر. وبينها وبين إصبعي على الشاشة مسافة من الصنع والشك. ما زالت اليد تحتاج إلى أن تعرف أثر ما تفعله، وأن تتوقف حين يساورها الخوف. أحاول الاحتفاظ بتلك الوقفة الصغيرة، قبل أن يصير قبول الجواب عادة أسرع من التفكير فيه.

تضيء الشاشة قرب نافذة. في الخارج يمر عامل عائد إلى بيته، وتبقى على ثوبه رائحة يومه. يصل إليه ضوء النافذة لحظة، ثم يمضي. أفكر في الغد الذي يعده له أصحاب الآلة، وفي الخبز الذي سيضعه على مائدته الليلة.

***

فؤاد ميرزا بغدادي

.......................

المصادر والمراجع التحريرية

[1] Smithsonian Human Origins Program — Homo sapiens

https://humanorigins.si.edu/evidence/human-fossils/species/homo-sapiens

[2] Apollonius Rhodius — Argonautica Book IV 1638–1693

https://www.theoi.com/Gigante/GiganteTalos.html

[3] Catechism 668–682 and Sunan Abi Dawud 4285

https://www.vatican.va/content/catechism/en/part_one/section_two/chapter_two/articl

e_7.html

[3] Sunan Abi Dawud 4285

https://sunnah.com/abudawud:4285

[3] Encyclopaedia Iranica — The Concept of Mahdi in Twelver Shiism

https://www.iranicaonline.org/articles/islam-in-iran-vii-the-concept-of-mahdi-in-

twelver-shiism/

[4] Erin Blakemore — Who was Nostradamus — National Geographic 2025

https://www.nationalgeographic.com/history/article/who-was-nostradamus-plague-

astrology-predictions

[5] ILO — Generative AI and Jobs A Refined Global Index of Occupational Exposure

2025

https://www.ilo.org/publications/generative-ai-and-jobs-refined-global-index-

occupational-exposure

[6] ICRC — Artificial Intelligence in the military domain 2026

https://www.icrc.org/en/article/faq-artificial-intelligence-in-military-domain

[7] SIPRI — Impact of Military Artificial Intelligence on Nuclear Escalation Risk 2025

https://www.sipri.org/publications/2025/sipri-insights-peace-and-security/impact-

military-artificial-intelligence-nuclear-escalation-risk

[8] Xia et al — Global food insecurity and famine from nuclear war 2022

https://doi.org/10.1038/s43016-022-00573-0

[9] Urbina et al — Dual use of artificial intelligence powered drug discovery 2022

https://doi.org/10.1038/s42256-022-00465-9

[10] International AI Safety Report 2026

https://internationalaisafetyreport.org/publication/international-ai-safety-report-2026

Mary Shelley — Frankenstein 1818

https://www.gutenberg.org/ebooks/41445

Hesiod — Theogony

https://www.theoi.com/Text/HesiodTheogony.html

Charlie Chaplin — Modern Times 1936 and Stanley Kubrick — 2001 A Space

Odyssey 1968

[11] Obermeyer Z et al — Dissecting racial bias in an algorithm used to manage the

health of populations — Science 2019

https://doi.org/10.1126/science.aax2342

 

عام آخر يمر، ولا يزال السؤال يتكرر: لماذا لا يحصل العالم العربي على جائزة نوبل؟ ولماذا تمر العقود دون أن يُضاف اسم عربي جديد إلى قائمة الفائزين، بينما تتسابق دول أخرى على حصد الجوائز سنة بعد سنة؟ لكن الحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح هي أن العرب ليسوا وحدهم خارج هذا السباق، فالشعوب الآسيوية والأفريقية تشاركهم في ذلك إلى حد كبير، وتواجه بدورها عقبات بنيوية في البحث العلمي والتمويل والحرية الأكاديمية والاعتراف العالمي. ومع ذلك، لا يعني هذا أن السؤال العربي يفقد مشروعيته أو خصوصيته، بل يظل مشروعا وملحا، لأن المفارقة العربية أشد وقعا: منطقة واسعة، ذات تاريخ حضاري عريق، وموارد بشرية هائلة، ومع ذلك يظل حضورها في جوائز نوبل العلمية والأدبية محدودا جدا، بل إن العقول العربية، حين تصل إلى القمة، كثيرا ما تصل إليها من خارج بيئتها الأصلية. وهكذا، فإن توسيع الصورة ليشمل الآسيويين والأفارقة لا يُضعف هدف المقال، بل يمنحه سياقا أعدل وأدق: المشكلة ليست في نقص العقول العربية، بل في البيئة التي تمنعها من النمو والاعتراف.

الحقيقة أن الإحساس بالإحباط مشروع. فحين ننظر إلى القائمة، نجد أن الحضور العربي فيها محدود جدا، خاصة في الجوائز العلمية والأدبية. نجيب محفوظ حصل على نوبل في الأدب عام 1988. أما في العلوم، فأحمد زويل حصل على نوبل في الكيمياء عام 1999، لكن إنجازه تحقق بالكامل في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) بالولايات المتحدة، حيث كان يعمل أستاذا للكيمياء الفيزيائية. وقد اعترف زويل بنفسه بأن الفضل في اكتشافاته العلمية يعود إلى المختبرات الأمريكية، ولولا الميزانيات المخصصة لما استطاع البحث والمواصلة والحصول على الجائزة.

نعم، هناك أسماء عربية أخرى نالت نوبل: نادية مراد، الناشطة الأيزيدية العراقية من قضاء سنجار، التي فازت بنوبل للسلام عام 2018 مناصفة مع الطبيب الكونغولي دينيس ميكويغي لجهودهما في وقف استخدام العنف الجنسي كسلاح في الحروب. وهي أول عراقية تحصل على جائزة نوبل. وتوكل كرمان، الصحفية والناشطة اليمنية من مدينة تعز، التي فازت بنوبل للسلام عام 2011 مناصفة مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة ليما غبوي، لتكون أول امرأة عربية تحصل على الجائزة. لكنهما في مجال السلام، وليستا في العلوم أو الأدب أو الاقتصاد.

وحتى في العلوم، نجد منجي الباوندي، العالم التونسي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، الذي فاز بنوبل الكيمياء عام 2023 لأبحاثه في النانوكيمياء. وعمر ياغي، العالم الأردني من أصل فلسطيني، الذي يشغل كرسي الكيمياء في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وفاز بنوبل الكيمياء عام 2025 لتطويره الأطر المعدنية العضوية. وفي الأدب، هناك عبد الرزاق قرنح، الروائي التنزاني من أصول يمنية، الذي فاز بنوبل الآداب عام 2021، وهو أول فائز اسود البشرة منذ توني موريسون، لكنه مقيم في بريطانيا ويكتب بالانكليزية.

وهذا يعني أن التمثيل العربي في الجوائز الأكاديمية والعلمية يبقى ضعيفا جدا مقارنة بحجم المنطقة وعدد سكانها وتاريخها الحضاري. والمفارقة الأعمق أن العقل العربي، حين يصل إلى القمة، يصل إليها غالبا من خارج بيئته الأصلية.

 المفارقة الكبرى.. العقول العربية تزدهر خارج وطنها

هناك نمط متكرر في قائمة الفائزين العرب بنوبل: أحمد زويل (مصر – كاليفورنيا)، منجي الباوندي (تونس – MIT)، عمر ياغي (الأردن/فلسطين – بيركلي)، عبد الرزاق قرنح (اليمن – بريطانيا). وحتى نادية مراد وتوكل كرمان، رغم أنهما حصلتا على نوبل السلام وهما تعملان داخل المنطقة، فإن جائزتيهما سياسية/حقوقية وليست علمية أو أكاديمية بالمعنى الدقيق.

هذا النمط لا يعني أن العقول العربية أقل قدرة. على العكس تماما. إنه يعني أن البيئة العربية - بمختبراتها وتمويلها وحريتها الأكاديمية -لا تزال غير قادرة على احتضان هذه العقول وإنتاجها. وحين يهاجر الباحث العربي إلى بيئة داعمة، يجد ما يفتقده في وطنه:- مختبرا مجهزا، وتمويلا مستقرا، وحرية أكاديمية، وفرقا بحثية متكاملة. عندها فقط يصبح الوصول إلى نوبل ممكنا - لكن باسم مؤسسة غربية، لا باسم جامعة عربية.

 التشخيص بالأرقام.. أزمة بنيوية لا أزمة أفراد

لكن السؤال الأهم ليس "لماذا لا يحصل العرب على نوبل؟"، بل "ما الذي يمنع البيئة العربية من إنتاج الفائزين بنوبل؟" هنا تصبح الأرقام أكثر دلالة من أي خطاب.

مساهمة العالم العربي في الإنتاج العلمي العالمي لا تتجاوز 2%، وفقا لبيانات كتاب "أزمة البحث العلمي العربي" لمحمد الربيعي. هناك دولا عربية مجتمعة سجلت 3.7% من إجمالي النشر العلمي العالمي، لكن لا توجد دولة عربية واحدة تجاوزت حاجز 1% من الانتاج العالمي بمفردها. للمقارنة، تنتج إسرائيل وحدها - بتعداد سكاني لا يتجاوز عُشر سكان المنطقة العربية - إنتاجا علميا يعادل ما تنتجه دول عربية بأكملها من حيث الحجم، مع فارق أكبر في النوعية وعدد الاستشهادات.

أما الانفاق على البحث والتطوير، وهو المؤشر الأكثر تعبيرا عن جدية الدولة في الاستثمار المعرفي، فيتراوح في معظم الدول العربية بين 0.2% و0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين توصي اليونسكو بنسبة تتراوح بين 2% و4%. وحتى هذه النسبة المتواضعة، تتوزع بشكل غير متكافئ:- فبينما تصل النسبة في الإمارات إلى 1.5%، تنخفض في دول أخرى إلى 0.1%. للمقارنة، أنفقت الصين 2.8% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير في عام 2025، متجاوزة لأول مرة متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

والأمر لا يتوقف عند التمويل. فعدد الباحثين في العالم العربي لا يتجاوز 650 باحثا لكل مليون نسمة، مقارنة بمتوسط عالمي يتراوح بين 1,350 و1,600 باحث لكل مليون نسمة. وحتى هذا الرقم المنخفض يخفي تفاوتا كبيرا بين الدول العربية، حيث تتركز الكثافة البحثية في عدد محدود من البلدان.

أما حصيلة براءات الاختراع المسجلة دوليا، وهي المؤشر الأكثر مباشرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، فلا تتجاوز 0.5% من الإجمالي العالمي. وحتى في قطاع تكنولوجيا الاتصالات، وهو قطاع حيوي للاقتصاد المعرفي، تسجل قطر 17.1 براءة اختراع لكل مليون نسمة، بينما تنخفض النسبة في الإمارات الى 2.4 والسعودية إلى 1.5، في مقابل 117.5 براءة اختراع لكل مليون نسمة في إسرائيل.

وهذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة. انها "رسائل إنذار"، كما يصفها المؤلف، تؤكد أن البحث العلمي العربي يسير في اتجاه معاكس لمسار العالم. إنها أزمة هوية مؤسسية، وحوكمة، وتمويل، وربط بالاقتصاد الحقيقي، ونزاهة بيانات، وتعاون إقليمي. والنتيجة أن العقول العربية، حين تصل إلى مستوى الانجاز العالمي، تفعل ذلك غالبا من داخل مؤسسات غربية، لا من داخل بيئتها الأصلية.

 لماذا نوبل ليست مجرد جائزة؟

جائزة نوبل، في جوهرها، ليست جائزة للحظة عبقرية عابرة. انها تتويج لتراكم طويل من العمل المؤسسي والدعم المستمر والحرية الأكاديمية. الفائزون بنوبل في العلوم لا يظهرون من فراغ، يظهرون من مختبرات مجهزة على مدى عقود، ومن فرق بحثية مستقرة، ومن تمويل متواصل لا يتوقف عند كل أزمة مالية أو تغيير حكومي.

وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في العالم العربي. فحتى في الجامعات العربية التي تحقق أداء بحثيا ملحوظا، مثل جامعة الملك سعود، وجامعة القاهرة، وجامعة بغداد فإن الإنتاج البحثي يتركز في مجالات محدودة، ويظل الأثر العلمي طويل المدى محدودا. وتشير تقارير "آرسيف" (قاعدة بيانات المجلات العلمية العربية) الى أن عدد المؤلفين العرب الذين جرى الاستشهاد بإنتاجهم لا يتجاوز 32.57% من إجمالي المؤلفين، وهو مؤشر على أن جزءا كبيرا من النشر العلمي العربي لا يجد طريقه إلى التداول والتراكم المعرفي.

والنشر باللغة العربية، رغم أهميته الحضارية، لا يحقق الانتشار الدولي المطلوب. فالعالم العربي يترجم أقل من 500 كتاب سنويا، معظمها في الأدب والعلوم الإنسانية، بينما تترجم إسبانيا نحو 10,000 كتاب، واليابان أكثر من 20,000، والصين أكثر من 15,000. وحتى الكتاب المترجم لا يتجاوز 5% من حجم المنشور على المستوى العربي، وقد يقترب من الصفر بالنسبة للكتب العلمية المتعلقة بعلوم العصر الأساسية.

والنتيجة أن البحث العلمي العربي يعيش عزلة مزدوجة: عزلة عن المجتمع الذي لا يرى في البحث قيمة مباشرة، وعزلة عن العالم الذي لا يمنحه الاعتراف الكامل لأنه لا يُنتج معرفة أصيلة. وحين يهاجر الباحث العربي إلى بيئة داعمة، يجد ما يفتقده في وطنه: مختبرا مجهزا، وتمويلا مستقرا، وحرية أكاديمية، وفرقا بحثية متكاملة. عندها فقط يصبح الوصول إلى نوبل ممكنا، لكن باسم مؤسسة غربية، لا باسم جامعة عربية.

 دروس من دول نجحت

ليس من الضروري أن يظل هذا الوضع قدرا. فهناك دول نجحت، خلال عقود قليلة، في بناء منظومات بحثية متينة رغم محدودية مواردها، وأصبحت اليوم منافسة على المستوى العالمي.

ماليزيا، على سبيل المثال، أطلقت خطة "Vision 2020" التي تضمنت إنشاء أكثر من 100 مركز بحثي متخصص، ورفعت الإنفاق على البحث إلى 1.2% من الناتج المحلي. واستهدفت رفع نسبة الإنفاق البحثي إلى 2% من الناتج المحلي بحلول عام 2020، وهو هدف طموح مقارنة بمعظم الدول العربية. وسنغافورة، رغم صغر حجمها، خصصت أكثر من 25 مليار دولار لدعم البحث والابتكار في إطار خطة RIE2025، ثم أطلقت خطة RIE2030 التي تستند إلى نفس النهج.

أما تركيا، فقد انتقلت خلال عقدين من دولة ذات حضور علمي هامشي إلى دولة تحتل المرتبة الثالثة عالميا في عدد الجامعات المصنفة ضمن تصنيفات التايمز للتعليم العالي، كما أنها تعد الدولة الوحيدة في منظمة التعاون الإسلامي التي تمتلك جامعات مصنفة ضمن أفضل 500 جامعة عالميا. ولديها أكثر من 1,700 مركز بحث وتطوير، وأكثر من 13,000 شركة تعمل في 115 حديقة تكنولوجية.

هذه التجارب تشترك في عناصر أساسية: سياسة علمية وطنية طويلة الأمد، وتمويل مستقر ومتزايد، وربط البحث بالاقتصاد، وحرية أكاديمية، وبنية تحتية متكاملة. وهي جميعا عناصر لا تزال غائبة أو ضعيفة في معظم الدول العربية.

 نوبل كنتاج لبيئة مؤسسية

السؤال إذن ليس "كيف نصنع فائزا بنوبل؟"، بل "كيف نبني البيئة التي تنتج الفائزين بنوبل؟" والجواب، كما يخلص كتاب "أزمة البحث العلمي العربي"، لا يكمن في مبادرات فردية أو قرارات وزارية ظرفية، بل في استراتيجية عربية موحدة للبحث العلمي، مقسمة إلى مراحل تنفيذية واضحة: التأسيس والتشبيك، ثم بناء المؤسسات والتمويل، ثم بناء القدرات والتعاون، وأخيرا التقييم والتطوير.

ويتطلب ذلك، أولا، الإقرار بأن البحث العلمي ليس ترفا فكريا، بل هو شرط للسيادة وأداة للتنمية. ويتطلب، ثانيا، استعادة شجاعة السؤال والاعتراف بأن الأزمة ليست في غياب العقول العربية — فهي موجودة في كل مكان، داخل المنطقة وخارجها، بل في غياب البيئة التي تسمح لهذه العقول بأن تنمو وتُثمر وتُعترف بها عالميا.

الخبر السار أن بعض الدول العربية بدأت تتحرك في هذا الاتجاه. فقد أطلقت الإمارات برامج حوافز ضريبية للبحث والتطوير، ورفعت مخصصاتها البحثية بنسبة 500% في ميزانية 2026. وأطلقت السعودية رؤية 2030 التي تهدف إلى رفع مكانة المملكة في مؤشرات التنافسية العالمية من خلال البحث والابتكار. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى محدودة وغير كافية لسد الفجوة المعرفية على المستوى العربي ككل.

 الطريق إلى نوبل العربية

عام آخر يمر، والحسرة تتجدد. لكن الأمل يبقى في أن يأتي اليوم الذي لا ننتظر فيه نوبل عربية، بل نراها نتيجة طبيعية لنهضة حقيقية في التعليم والبحث والحرية.

هذه النهضة لن تأتي من انتظار معجزة، بل من بناء صبور لمؤسسات بحثية مستقلة، وتمويل مستقر ومتزايد، وربط عضوي بين الجامعة والمجتمع والاقتصاد، وحرية أكاديمية تسمح بالخطأ والمحاولة والتجربة، وتعاون عربي حقيقي بدل التشرذم والتنافس غير المنتج.

نوبل ليست هدفا في حد ذاتها. إنها مؤشر على أن البيئة البحثية العربية أصبحت ناضجة بما يكفي لتحتضن العقول، وتدعمها، وتتيح لها أن تنتج معرفة تُغير العالم. وحين يتحقق ذلك، لن نحتاج إلى السؤال: "لماذا لا نحصل على نوبل؟" لأن الإجابة ستكون واضحة: لأننا بنينا ما يكفي من البيئة التي تصنع الفائزين.

***

د. محمد الربيعي

 

(يُعدّ التفلسف نشاطاً ممتعاً ومُتجدداً؛ فهو يزخر بالقضايا العميقة والشيقة، ويمنحنا رؤيةً للعالم أكثر جِدّةً وإثارة)

قبل وفاته بعامين، كتب الفيلسوف وعالم النفس الأميركي جون ديوي رداً على سؤال حول مصير الفلسفة يقول: "كنت أسعى لإطالة عمر الفلسفة، لكن كلمتين أصبحتا قريبتين من الناس، وهما العلم والديمقراطية، أسدلتا الستار على مهنة الفيلسوف". كان ذلك عام 1950، آنذاك كان ديوي يعتقد أن الإنسان المعاصر قد تجاوز الفلسفة، وأن النظم السياسية الحديثة والثورة العلمية كانتا وراء موت الأم العجوز "فيلسوفيا"، فهل ماتت الفلسفة حقاً؟ وهل على البشرية أن تؤدي لها الطقوس والمراسم الجنائزية؟.

كان ديوي من المتحمسين إلى أقصى حد لنجاح العلم ومناهجه في البحث، وكان مؤمناً إيماناً جازماً بالإمكان الحقيقي للتقدم العلمي في الأمور البشرية، فالمجتمع لا يمكن أن يتقدم إلا إذا كان أعضاؤه على قدر من التربية ليكونوا عقلانيين ومرنين، واعتقد ديوي أنه لا بد من تشجيع الفن لأنه يثير "الحلول" الخيالية ومشكلاتها الفريدة.

كان ديوي يرى أن المجتمعات الديمقراطية هي الأفضل لأنها مجتمعات مرنة تتجنب المعتقدات الجامدة، وبذلك تكون قادرة على التغيير. وظل ديوي مهتماً بالنظم الجديدة في علم الاجتماع، لأنه يعتقد بقدرتها على حل المشكلات الاجتماعية بعيداً عن التنظير الفلسفي. وظل مصراً على أن الفلسفة إذا لم تعالج مضامين النسبية والذكاء الاصطناعي والرياضيات فإنها في طريقها إلى الانهيار، الأمر الذي دفعه إلى كتابة مقال بعنوان "الانهيار الفلسفي" أكد فيه أن الفلسفة نوع من المرض، يحتاج أطباؤه إلى علاج.

وكفيلسوف براغماتي، يقدم ديوي المولود عام 1859 مفهوماً مختلفاً عن المعرفة الفلسفية؛ باعتبار أن المعرفة هذه يجب أن تسلط الضوء على الأفكار النافعة فقط، والفكرة النافعة هي التي تجيب على سؤال لدى الإنسان وتحل المشكلة التي تواجهه. ولهذا يرى أن الفلسفة في السنوات الأخيرة لم تعد تقدم حلولاً مثل العلم والنظم الديمقراطية الحديثة، فهي -حسب رأيه- أصبحت مخصصة فقط للأفكار التي لم تثبت الخبرة نجاحها. عند ديوي، التفكير العلمي فقط هو الذي يربط مباشرة بين الفكر والعمل ويحاكم الأفكار بحسب قدرتها على الإنتاج.

في كتابه "إعادة البناء في الفلسفة"، يرى ديوي أن الفلسفة ضلّت الطريق حين فصلت الفكر عن التجربة العملية. وهو يرى أن الفلسفة ومناهجها وموضوعاتها لم تعد لها قيمتها النظرية التي يمكن الاستفادة منها في عصرنا الحديث، ويستند ديوي في دعوته لإحلال العلم والديمقراطية والتربية بدلاً من الفلسفة، إلى التغير الذي حدث في مفاهيم العقل والخبرة والمنطق والمجتمع في القرن التاسع عشر، حيث كان يرى أن الفلسفة بمناهجها القديمة أصبحت عائقاً أمام تطور الأفكار، وما لم تؤسس الأفكار الفلسفية على مفهوم الخبرة والتجربة، فإنها تصبح أفكاراً مجردة.

في العام 1951 يكتب فيلسوف بريطاني اسمه برتراند رسل، رسالة إلى كبير فلاسفة أميركا جون ديوي، يحييه باعتباره الفيلسوف الحي الذي له تأثير عميق ليس بين الفلاسفة فقط، وإنما بين المهتمين بدراسة التربية والجمال والنظرية السياسية: "سيدي العزيز أكاد أتفق معك اتفاقاً تاماً في معظم آرائك، ولكنني مضطر، للأسف، أن أختلف معك في نظرتك لدور الفلسفة في عصرنا، أعني الاستعانة بالعلم ومناهج التربية والديمقراطية كبديل عن معارفنا الفلسفية، فلا تزال معظم معارفنا ونشاطنا العلمي والتربوي والسياسي تخضع لرضا هذه الأم العظيمة (الفلسفة)".

ويتساءل رسل: ما هي الفلسفة؟ إنها بحسب المحاورات التي سُجِّلت معه ونُشِرت في كتاب بعنوان "محاورات مع برتراند رسل": "تتألف من تأملات عن الموضوعات التي لم تستطع المعرفة العلمية أن تحسمها، والفرق بين الفلسفة والعلم أن العلم يدور حول ما نعرفه، أما الفلسفة فتدور حول ما لا نعرفه".

إذن عندما نوقن من شيء ونكتشفه فإنه لا يظل فلسفة وإنما يتحول إلى علم، هكذا يجيب رسل على ما كتبه جون ديوي. ويضيف رسل أن للفلسفة فائدتين، الأولى أنها تغذي التأمل في الأشياء التي لم تخضع بعد للمعرفة العلمية، والثانية أنها توسع من نظرتنا الخيالية تجاه العالم، فقد ابتكر ديمقريطس الافتراض الذي يقول بأن المادة تتألف من ذرات صغيرة، وبعد ألفي عام ثبت أن هذا الرأي هو العلمي الصحيح، غير أنه في عصره كان ضرباً من الخيال. وكان أريستارخوس أول من أشار إلى أن الأرض تدور حول الشمس، وأن التحركات اليومية للكواكب مرجعها دوران الأرض، وظل هذا الافتراض خارج حدود تصديق العقل، إلى أن ظهر كوبرنيكوس. الفلسفة إذن تفكر بالأشياء التي قد تكون صحيحة، ومهمة العلم إثبات صحتها أو خطئها. هكذا حاول فيلسوف بريطانيا برتراند رسل أن يعيد للفلسفة مكانتها بعد أن حاول ديوي أن يستبدلها بالعلم والنظم السياسية الحديثة والفنون وما تضيفه لخبرات الإنسان.

ذات مرة تلقّى آينشتاين رسالة من أحد رجال الكنيسة يسأله فيها: هل أنت مؤمن؟ فيجيبه صاحب النظرية النسبية ببرقية من سبع كلمات: "أجل، مؤمن بالذي فصّله إسبينوزا في فلسفته". بدأ اهتمام آينشتاين بالفلسفة مبكراً بتعرُّفه لأول مرة في مكتبة عمّه الكبير على كتب أرسطو التي قال عنها إنها أول الألغاز التي واجهته في حياته. ومنذ ذلك الحين صارت الفلسفة أكثر ما يتحدث فيه مع عمّه الأكبر، الذي رشح له مجموعة من كتب الفلسفة اليونانية، ففتنه بشدة سقراط، لم يتأمل فلسفته، وإنما حياته الفوضوية، وإصراره على طرح الأسئلة على الناس في الأسواق وأماكن العمل: "تعرّفت على هذا الساحر اليوناني وأنا في الرابعة عشرة من عمري، ما أزال أتذكر صورته التي وجدتها في كتاب ملون ومبسط عن الفلسفة، صورة تركت أثراً عميقاً ودائماً في نفسي وأدركت حينها أن هناك أموراً خفية تتوارى خلف إصرار هذا الرجل على الوقوف رافعاً يده باتجاه المجهول". وكان لمعرفة آينشتاين، الطالب الصغير، بعالم أمانوئيل كانط وكتابه "نقد العقل المحض" أبرز الأثر في تغذية حبه للفلسفة، والذي لم ينقطع طوال حياته، لكنه حين اقترب من سن العشرين وقع بيده كتاب إسبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة". كان آينشتاين طالباً في الجامعة حين وجد الكتاب مثيراً ومفزعاً في الوقت نفسه، كانت كل صفحة منه حافلة بـ "ومضات نارية"، هكذا قال آينشتاين لكاتب سيرته "والتر إيزاكسون"، وإضافة لذلك يقول آينشتاين إنه وجد في إسبينوزا أفكاراً تدل على تبصُّر عقلي بالمشكلة التي يطرحها والتي كانت تؤرق آينشتاين أيضاً، وهي علاقة الدين بالتفكير العقلي والعلمي، وكما كتب آينشتاين فيما بعد: "في البداية تساءلت، ما إذا كان إسبينوزا قد أجاب على الأسئلة قبل أن تتشكل في ذهني.. ناهيك عن الإجابة الواضحة والجريئة التي قدمها لي".

لقد نبّه إدموند هوسرل منذ بداية الانفصال بين العلوم الحديثة والفلسفة إلى أن هناك أزمة بدأت بالظهور بين عالم العلوم وعالم الحياة، وخصوصاً وأن العلم لا يستطيع بمفرده أن يُمكّن الإنسانية من تأمّل عمقها الوجودي وبناء وعي بالمعنى والدلالة من وجودها، فالعلوميون قد أغفلوا على حد رأي هوسرل التمازج بين الموقف العلمي والموقف من الحياة، وهو تمازج يتطلبه ترشيد العلم وأنسنة أسسه، وهو ما جعل هوسرل معجباً بديكارت الذي أصرّ على أن الإخلاص للعلم لا يعني السكوت عن الحياة واستخلاص مستويات الوجود والموقف من القضايا الكبرى للعصر، فإن الإنسان يعطي العالم الصورة التي هو عليها قبل كل معرفة علمية، وبالتالي فإن الفلسفة توجد قبل كل علم، إنها توجد كما يقول كارل ياسبرس حينما يوجد أناس مستيقظون، يعني ذلك أن الإنسان ليس في حاجة إلى يقين العلم فقط بل في حاجة إلى النقد الفلسفي لكي يوازن ما بين ما يجب أن يكون للعلم وما يجب أن يكون للحياة، في عصر نشهد فيه انفجاراً معرفياً وتقنياً، وكما لاحظ هنري برغسون أن ما تحتاجه البشرية في الوقت الحاضر وفرة من الطاقة الأخلاقية حتى تنهض من انحنائها وتنظر إلى السماء، فالتفلسف حسب هايدغر نشدان للحظة الوجود الغائبة تحت زحام التقنية المعاصرة وأنواع الاغترابات.. إنه نشدان للحرية والحياة.

فإذا كانت هذه هي مسيرة الفلسفة في التاريخ أن تكون هادية للعلم وسلاحاً له وأن تقف في وجه كل من يريد أن يعيق مسيرة العلم، فإن العلم كما يقول بنيامين فارينغتون في كتابه "العلم الإغريقي"، يصيبه الضرر إن انفصل عن الحياة الفكرية العامة للعصر.

لاحظ كارل بوبر أن الفلسفة لم تعد مثلها مثل العلم، مجرد مسألة لإيجاد دليل لإثبات صحة نظرية، لأن الفيلسوف الحقيقي أو العالم الحقيقي على حد تعبير بوبر سيعمل على إثبات أنه مخطئ، محاولاً العثور على الثغرات في أي نظرية موجودة.. حينها يمكن للمعرفة أن تستحق الاسم الذي أُطلق عليها. ولهذا فاننا عندما نتفلسف، فإننا نتراجع خطوة إلى الوراء ونفسح المجال لاكتساب فهم جديد لما نؤمن به.

***

علي حسين

ثمة مجتمعات لا تخشى على مستقبلها من الجهل بقدر ما تخشى من امرأة تعرف، ولا ترتبك أمام عقول أبنائها بقدر ما ترتبك أمام فتاة تتعلم كيف تفكر خارج الأسوار

وأخطر القيود ليست تلك التي تطوق المعصمين، بل تلك التي تزرع في العقول حتى يعتاد أصحابها الأسر، ويظنوا أن الأبواب المغلقة هي حدود العالم، وأن الطاعة فضيلة حتى حين تهدر الكرامة، وأن التنازل عن الحق هو الثمن الذي ينبغي دفعه كي ينالوا رضا المجتمع.

هكذا تبدأ الحكاية في مجتمعات كثيرة؛ فتاة تولد ولديها الحق في الحلم، ثم تكبر محاطة بأسئلة لم يخترها عقلها، ومحظورات لم يختبرها وعيها، وأحكام تسبق أفعالها لمجرد أنها أنثى.

في اليوم العالمي للفتاة، لا أريد أن أقدم كلمات احتفالية عابرة، بل أن أطرح سؤالا يستحق أن يقلق كل مجتمع يدعي التقدم: كيف يمكن لأمة أن تحلم بمستقبل مختلف، بينما تخشى أن تمتلك فتياتها عقولهن كاملة؟

إلى كل فتاة، أقول:

 لست أقل عقلا أو قيمة أو أهلية لأنك أنثى، ولست مطالبة بالاعتذار عن صوتك، أو تبرير طموحك، أو استئذان أحد كي تكون لك شخصية مستقلة.

 إن إنسانيتك ليست منحة اجتماعية، وحقوقك ليست مكافأة، وحياتك ليست ملكية مشتركة يحق للآخرين التصرف فيها باسم العائلة أو العرف أو الخوف مما سيقوله الناس.

إن أخطر ما تفعله الثقافة الإقصائية بالفتاه أنها لا تكتفي بفرض القيود عليها، بل تحاول إقناعها بأن هذه القيود جزء من طبيعتها، وأن حريتها خطر، واستقلالها تمرد، وعقلها الذي يسأل مشكلة ينبغي تهذيبها. وحين تنجح هذه الثقافة في جعل الفتاة تخاف من أفكارها قبل أن تخاف من عقاب الآخرين، تكون قد نقلت السجن من الخارج إلى الداخل.

إلى كل فتاة:

 اقرئي، لا لتكرري ما يقوله الآخرون، بل لتكتشفي كيف تفكرين أنت

 تعلمي، لا لتثبتي أنك جديرة باحترام أحد، بل لأن المعرفة حقك، ولأن عقلك يستحق أن ينمو.

 اسألي، حتى حين تكون الأسئلة مزعجة،

وراجعي أفكارك كلما ظهرت أمامك حجة أقوى،

 ولا تجعلي الخوف من الاختلاف يحرمك متعة اكتشاف الحقيقة.

 ابني استقلالك، واحترمي ذاتك، ولا تسمحي لأحد أن يختصر وجودك في مظهرك أو دور اجتماعي واحد.

لست مطالبة بأن تكوني نسخة من أحد، ولا أن تخوضي معركة لا تنتهي لإثبات أنك تستحقين ما يستحقه الآخرون بالفطرة. يكفي أن تدركي أن لك الحق في أن تصنعي حياتك، وأن تخطئي وتتعلمي، وأن تختاري وتراجعي اختيارك، وأن تتخذي قراراتك دون أن تتحولي إلى متهمة كلما مارست حقا مشروعا.

العلم والثقافة ليسا زينة عقلية للفتاه، بل من أهم أدوات استقلالها؛ فالمعرفة تمنحها القدرة على الاختيار، والاستقلال الاقتصادي يوسع قدرتها على حماية خياراتها، والوعي بحقوقها يجعلها أقل قابلية للاستغلال أو الابتزاز باسم الحب أو الشرف أو التقاليد.

ولذلك، لا يكفي أن نفتح أبواب المدارس والجامعات أمام الفتيات، ثم نغلق أمامهن أبواب المشاركة والقرار. لا يكفي أن نشجعهن على النجاح، ثم نطلب منهن إخفاء طموحهن حتى لا يشعر أحد بالتهديد. فالتعليم الحقيقي ليس شهادة تعلق على الجدار، وإنما قدرة على إدارة الحياة، ومساءلة السلطة، وتحمل مسؤولية الاختيار، والمشاركة في صنع المجتمع.

ولا تعني المساواة أن تدخل المرأة في حرب مع الرجل، ولا أن تثبت تفوقها عليه، بل أن تتحرر العلاقة بينهما من منطق السيادة والخضوع. فالرجل الذي يرى في تعليم المرأة تهديدا لمكانته لا يدافع عن الأسرة، بل عن امتياز يخشى فقدانه. أما العلاقة الإنسانية الناضجة، فلا تقوم على عقل يأمر وعقل يطيع، وإنما على شخصين يملك كل منهما حق التفكير والاختيار والاختلاف.

ومن هنا تأتي أهمية الرؤية العلمانية للدولة والمجتمع؛ إذ لا يجوز أن تتحول المعتقدات أو التفسيرات الدينية أو الأعراف الاجتماعية إلى أدوات لانتقاص حقوق النساء أو فرض الوصاية على ضمائرهن. فالإيمان شأن شخصي يحترمه القانون، أما الحقوق والمواطنة فينبغي أن تقوم على المساواة والكرامة الإنسانية، لا على جنس الإنسان أو مقدار امتثاله لتوقعات الجماعة. ولا تعني العلمانية مصادرة الإيمان، بل تعني ألا يستخدم أي اعتقاد ذريعة لحرمان مواطن من حق أصيل، أو لفرض تصور واحد للحياة على الجميع.

إن المجتمع الذي يحترم الفتاة لا يكتفي بحمايتها من العنف، بل يحمي حقها في المعرفة والعمل والمشاركة، ويضمن لها الأمان الذي يسمح لها بالنمو دون خوف، والقانون الذي يصون كرامتها، والفرص التي تجعل نجاحها مرتبطا بقدراتها لا بجنسها. فكم من فتاة تملك الموهبة، لكنها تحاصر بالفقر أو الزواج المبكر أو التمييز أو الخوف من حكم الآخرين؛ وكم من عقل كان يمكن أن يضيف إلى المعرفة الإنسانية، لولا أن المجتمع قرر مسبقا أن بعض الأحلام لا تليق بأصحابها.

وفي اليوم العالمي للفتاة، ينبغي ألا ننسى ملايين الفتيات اللواتي ما زلن محرومات من التعليم، أو يواجهن العنف والاستغلال والتمييز.

 إن الاحتفاء الحقيقي بهن لا يكون بالشعارات، بل بإزالة العقبات التي تحول دون أن يعشن حياة آمنة، وأن يقررن مستقبلهن، وأن يشاركن في بناء عالمهن بوصفهن مواطنات كاملات الحقوق.

إن أعظم هدية يمكن أن نقدمها للفتاة ليست كلمات الإعجاب، بل مجتمعا لا تضطر فيه إلى امتلاك شجاعة استثنائية كي تمارس حقوقا عادية. مجتمعا لا يخشى عقلها، ولا يعاقب استقلالها، ولا يجعل كرامتها رهينة رضا الآخرين.

فالمستقبل لا يبنى بنصف عقل، ولا تزدهر الحضارة حين تهدر طاقات النساء، ولا تتحقق العدالة إذا ظلت الحقوق تتغير بتغير جنس أصحابها.

في اليوم العالمي للفتاة، لنجعل رسالتنا أبعد من الاحتفال: لا وصاية على العقل، ولا انتقاص من الكرامة، ولا تمييز في الحقوق بسبب الجنس.

أعطوا الفتاة حقها في المعرفة، ومساحة آمنة للحلم، وحرية السؤال، وشجاعة الاختيار، ولا تضعوا الأسوار أمام عقلها ثم تسألوها لماذا لا تحلق.

 امنحوها تعليما يحرر وعيها، وثقافة توسع أفقها، وقانونا يحمي كرامتها، ومجتمعا لا يعاقبها لأنها تفكر على نحو مختلف. لا تربوها على الخوف من الخطأ، بل على شجاعة المحاولة، ولا تلقنوها كيف ترضي الآخرين، بل كيف تحترم ذاتها وتحترم حقوق غيرها.

أعطوا الفتاة حقها في أن تكتشف العالم بعقلها، لا أن ترث أحكام الآخرين عنه، وأن تخوض الحياة بإرادتها، لا أن تعيش وفقا لخريطة رسمها لها المجتمع

افتحوا أمامها أبواب العلم والفن والفلسفة،

 ودعوها تسأل عن الوجود، وتناقش الأفكار، وتعيد النظر في المسلمات، وتشارك في صناعة المعرفة، بدلا من حصرها في أدوار ضيقة لا تستوعب اتساع إمكاناتها. علموها أن قيمتها لا تتوقف على إعجاب أحد بها، وأن نجاحها ليس تهديدا لأحد، وأن كرامتها لا تقبل المساومة، وأن الحب الذي يطلب منها التخلي عن ذاتها ليس حبا يستحق التضحية. أعطوها الحق في أن تختار طريقها، وأن ترفض ما لا تريده، وأن تقول لا دون أن تتحول إلى متهمة في محكمة المجتمع.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المسافة الخفية بين ما نريده وما صنع فينا

يعتقد معظم الناس أنهم يعرفون ما يريدون. هذا الإعتقاد لا يحتاج منهم إلى برهان، لأنه يسبق التفكير ويأتي قبل الأسئلة. نحن نختار أعمالنا وعلاقاتنا وآراءنا، ونتحمل نتائج ما اخترناه، ونلوم أنفسنا حين يسوء الأمر. هذا يبدو كافيا كدليل على الحرية.

لكن لنتأمل، حين نتخذ قرارا "بإرادتنا الحرة"، ما الذي كان موجودا في داخلنا قبل تلك اللحظة؟ الخوف من الفشل؟ الرغبة في رضا الأب؟ مثلا، الصورة التي رسمها الآخرون لنا عن أنفسنا قبل أن نكون قادرين على رسمها وحدنا؟ التوقعات التي استقرت في أعماقنا حتى صارت تشبه الرغبة؟

المسألة أعمق من مجرد "هل نحن أحرار أم لا". هي أقرب إلى هذا السؤال المزعج، ماذا لو أن جزءا مما نسميه "اختياراتنا" لم ينشأ فينا، بل تشكل فينا؟

لا أحد يختار البلد الذي يولد فيه. ولا اللغة التي يفكر بها. ولا العائلة التي ستعلمه أي شيء يستحق الحب وأيها لا. نحن نصل إلى العالم ومكاننا فيه محجوز سلفا، والتوقعات منا جاهزة، والقواعد مكتوبة قبل أن نمسك القلم، فالطفل لا يجبر على شيء في أغلب الأحيان، لكنه يتعلم بسرعة ما يجلب الحب وما يجلب الإعراض. يتعلم أن بعض الأسئلة لا تطرح وأن بعض الرغبات "لا تليق" وبعض الطرق "ليست لأمثالنا". وعندما يكبر، لا يشعر بأن هذه الأشياء فرضت عليه، بل يشعر أنها هو. وهذا هو الأذكى في ميكانيزم عمل المجتمع، لا يحتاج إلى أن يمنعك من شيء، إذا نجح في جعلك لا تريده أصلا.

فكر معي في إنسان أمضى عمرا في مهنة لا يحبها لكنه يصفها بـ „الاستقرار". أو في امرأة بقيت في زواج ينهكها لأن "هذا ما تفعله النساء الجيدات". أو في شاب يخفي ما يفكر به حقا، ثم يبرر صمته لنفسه بأنه "حكمة". هؤلاء لم يجبروا على هذا السلوك، لكن هل اختاروه؟السؤال الحقيقي حول إمكانية أن يفعلوا خلاف ذلك هو: هل كانت الخيارات الأخرى متاحة لهم نفسيا بنفس القدر؟ أم أنها كانت محاطة من الداخل بالذنب والخوف والعار؟ ومع هذا لا ينبغي أن نقلب المسألة ونجعل من المجتمع والثقافة شيطانا خالصا. فلا أفكار بدون اللغة التي تلقيناها، وبدون العلاقات التي احتضنتنا، لا شخصية. المشكلة ليست في كوننا تشكلنا داخل عالم مشترك، بل أن يظل الإنسان أسيرا لما تشكل فيه، عاجزا عن تمييز ما يمنحه الحياة مما يسد عليه أبوابها.

الخوف ليس دائما شيئا نراه. أخطره هو الذي لا نعرف أنه موجود، فالخوف من الفشل مفهوم، لكن ماذا عن الخوف من الخروج عن المألوف؟ أو من أن تكتشف في منتصف عمرك أنك أمضيت نصفه الأول في الدفاع عن صورة لا تشبهك؟ هذا الخوف لا يصرخ، يهمس، وهمسه يشبه الحكمة والواقعية والنضج.

يستطيع الإنسان أن يبني حجة عقلانية لأي قرار يريد تبريره. مثلا: "لم أغير مساري المهني لأن الظروف لا تسمح."، "لم أعترض لأن الوقت لم يكن مناسباً."، وكل هذا قد يكون صحيحا تماما. لكنه قد يكون أيضاً ثوبا نظيفا يلبس على خوف لا نملك الشجاعة على الإعتراف به حتى لأنفسنا.

الفيلسوف الدنماركي كيركغارد رأى في الحرية مصدرا للدوار لا للبهجة. الإختيار الحقيقي يغلق أبوابا لن تفتح، ويضعك أمام مسؤولية لا تستطيع توزيعها على أحد. من هنا يفهم المرء أن بعض الناس لا يهربون من الحرية لعجزهم عنها، بل لأنهم يدركون في مكان ما من وعيهم، أن امتلاكها سيسلب منهم الأعذار المريحة التي اعتادوا الإحتماء بها، وبين اعتقادين خاطئين تقع الحقيقة: الإعتقاد بأن كل شيء ظرف خارج سيطرتنا، وهذا يريحنا من مسؤولية القرار لكنه يسلمنا لها تماما، والإعتقاد بأن كل شيء يتوقف علينا، وهذا يفضي إلى نوع من العذاب الأخلاقي الذي لا يطاق. وفي المساحة بين هذين الوهمين يقع ما يمكن تسميته بالحرية الواقعية، فهي لست سيدا مطلقا على حياتك، لكنك لست ضحية مطلقة لها.

جان بول سارتر مزعج. ليس لأن فلسفته صعبة، بل لأنها لا تمنحك مكانا تختبئ فيه. فالإنسان عنده لا يأتي إلى العالم مزودا بهوية جاهزة تنتظر منه أن يكتشفها. هو يوجد أولا، ثم يصنع نفسه عبر ما يفعله ويرفضه، وما يقدم عليه وما يتراجع عنه. فهويتك ليست جوهرا تبحث عنه، هي مسار تصنعه. والجملة الأشهر عنده: "الإنسان محكوم عليه بالحرية." وهذا لا يعني أنك ستكون سعيدا لأنك حر، بل لأنك لا تستطيع أن تتهرب من الإختيار. فالصمت اختيار، والتأجيل اختيار، والقبول اختيار. حتى قولك "ليس بيدي شيء" هو نفسه موقف تتخذه.

لكن سارتر يشكل خطرا إذا قرئ بشكل انتقائي: يمكن لهذا المنطق أن يتحول إلى أيديولوجيا تلوم الفقراء على فقرهم وتطالب المقهورين بأن "يختاروا" غير ما يعيشون. إنسان لا يملك ما يأكله لا يحتاج محاضرة عن المسؤولية الوجودية.

لذلك ثمة مستويان لا يمكن الفصل بينهما: مستوى الفرد الذي يملك وعيا ودوافع وقدرة على إعادة النظر في موقفه. ومستوى الشروط المادية والإجتماعية والسياسية التي تجعل هذا الوعي ممكنا أو تجعله ترفا. الحرية الداخلية ليست بديلا عن العدالة. والعدالة وحدها لا تصنع إنسانا قادرا على استخدامها.

الأصعب ليس أن تقاوم سلطة تعرف أنها تقيدك، بل هو اكتشاف السلطات التي لا تراها. فالإنسان قد ينجح في التخلص من شيء فرض عليه صراحة، ثم يكتشف أنه ما زال يحمل تصورا عن النجاح أو الرجولة أو الكرامة صيغ بالأدوات نفسها التي أراد التخلص منها. خلع الثوب القديم ولبس ثوبا آخر مصنوعا من الخيط ذاته.

ميشيل فوكو أرانا كيف تعمل السلطة حين لا ترى لها وجها. فهي ليست دائما قوة تمنع وتأمر، بل معايير تتسرب حتى تصبح طريقة نرى بها أنفسنا. "الطبيعي" و"المقبول" و"الناجح" من قرر هذه التعريفات؟ وحين استبطنها الفرد، لم يعد بحاجة إلى رقيب خارجي. صار رقيب نفسه ولننظر حولنا: كم شخص يقيس قيمته بحجم إنجازاته، ويشعر بالذنب حين يستريح؟ يعتذر عن أنه يحتاج إلى وقت؟ يختار مساره وفق ما سيثير إعجاب الآخرين؟ هذه ليست مشاعر فردية طارئة، بل هي ثمرة ثقافة تربط الإنسان بالإنتاج ربطا وثيقا حتى صار يشعر بأنه يتخلف حين لا ينتج.

معرفة الذات ليست قائمة بنقاط قوة وضعف. هي استعداد لمواجهة التناقضات التي نفضل تجاهلها، لأن بعض فضائلنا تخفي رغبة في التحكم وبعض تضحياتنا تغذيها حاجتنا إلى الإعتراف، وبعض قناعاتنا التي ندافع عنها بحرارة لم تخضع قط لاختبار حقيقي.

نقيس الحرية عادة بالخيارات المتاحة: العمل، المكان، العلاقات، الآراء. لكن ماذا لو أن الخيارات تتسع بينما تبقى معايير الإختيار ضيقة كما هي؟

الفرق بين حرية الإختيار وحرية التفكير هو الفرق بين أن تختار من قائمة جاهزة، وبين أن تسأل: من أعد هذه القائمة؟ ولماذا هذه الخيارات بالذات دون سواها؟

التفكير النقدي لا يعني رفض كل شيء أو التشكيك في كل فكرة. التفكير النقدي يبدأ حين نتوقف عن التعامل مع المألوف كما لو كان طبيعيا أزليا: لماذا أؤمن بهذا؟ من أين جاءت هذه القناعة؟ هل أتمسك بها لأنها تصمد حين تفحص، أم لأن التخلي عنها يهدد انتمائي إلى جماعة أحتاجها؟ وهذه الأسئلة لا توصل دائما إلى يقين. لكنها تغير علاقتك بأفكارك، فمن يراجع قناعاته لا يصبح بالضرورة أكثر ثقة، لكنه يصبح أقل خضوعا للثقة الموروثة. ومن يدرك أن هويته قابلة للمراجعة لا يضطر إلى الدفاع عن كل موقف سابق وكأنه يدافع عن وجوده.

هناك صورة شائعة للحرية: الإنسان الحر هو من لا أحد يمنعه من شيء، من يستطيع أن يفعل ما يشاء متى شاء. هذه الصورة مغرية جدا، لكنها مخادعة. فالإنسان الذي لا يستطيع مقاومة أي رغبة عاجلة ليس أكثر حرية ممن يرفضها عن وعي. والذي يقيس قيمة كل فعل بمدى إعجاب الآخرين به ليس حرا، بل محتاج، وهذه الحاجة هي قيده الفعلي. في المقابل، الإنسان الذي يقبل التزاما اختاره بوعي، ومسؤولية، عهدا وقيمة، لم يفقد حريته، بل اختار حدودا تمنح حياته معنى، فالمسألة ليست في عدد القيود، بل في طبيعتها وفي علاقتك بها. قيد تختاره غير قيد يفرض عليك. ورغبة تعبر عن حاجة حقيقية غير رغبة تتغذى على المقارنة والحرمان المصطنع وصراع التنافس الدائم.

الحرية لا تبدو بالشكل نفسه لكل الناس ولا في كل الأوقات. قد تعني لشخص أن يخرج من الفقر. ولآخر أن يعبر عن رأيه دون خوف. ولثالث أن يتوقف عن قياس نفسه بمعيار لا علاقة له به. وقد تتعارض هذه المعاني أحيانا، فبعض أشكال الحرية لها ثمن في أشكال أخرى منها. والسؤال الأصدق ليس "هل أنا حر؟" كأن الحرية مكان تصل إليه وتجلس. الأصدق هو: أين تبدأ قدرتي على الإختيار وأين تضيق؟ ما الذي أستطيع تغييره؟ وما الذي يحتاج إلى تغيير في الشروط المحيطة بي لا في إرادتي وحدها؟ أي من قراراتي هو اختيار حقيقي، وأيها استجابة لضغط لم أتعلم بعد كيف أسميه؟ الحرية، إذن، ليست أن تبدأ من نقطة نقية لا تلوثها الظروف. هي أن تتعلم كيف ترى القوى التي شكلتك. أن تفرق بين ما قبلته عن اقتناع وما استسلمت له خوفا. أن توسع تدريجيا المساحة التي تتخذ فيها قرارات أكثر وعيا. وقبل كل شيء: أن تكف عن الإقتناع بأن مجرد شعورك بأنك تختار يكفي دليلا على أنك حر.

لكن يبقى السؤال الذي لا راحة معه: ماذا لو أن رغباتنا تتشكل قبل أن نعيها؟ وماذا لو كانت قدرتنا على مراجعتها تتأثر هي الأخرى بما صنعنا؟ ليست الحرية في العثور على ذات نقية في انتظارنا تحت طبقات التأثيرات. هي في قدرتنا على إعادة النظر في أنفسنا من داخل هذا التاريخ الذي نحمله، وتحويل ما تلقيناه إلى مادة للتفكير بدلا من أن يظل قدرا صامتا يوجه حياتنا.

هل نريد ما نريد حقا؟ أم أننا تعلمنا على امتداد حياتنا، أن نرغب فيما ينتظر منا أن نرغب فيه؟

 هذا سؤال لا يحتمل جوابا سريعا، وربما لا يحتمل جوابا نهائيا أصلا. يكفي أن يظل مقلقا حين يطرح؟.

***

عبد الرحيم الجرودي

ثمَّة ظاهرةٌ معاصرةٌ من التفتيش عن متكآت الأنصار في التراث، فما تكاد طائفة من المعاصرين تجد عَلَمًا قال برأيٍ وافق الهوى، وإنْ خالف السائد الغالب بين العلماء، حتى تجتلبه، رمزًا من رموزها، وتستدعيه واحدًا من سلفها الصالح، وإنْ كان منها ومن فِكرها براء. هكذا باغتنا (ذو القُروح) بموضوعه الجديد. قلتُ:

- إنَّها الحاجة الملحَّة إلى التأسيس على ماضٍ، على تُراث، على تُراب، على سلفٍ صالح.  وكلٌّ عاشقٌ للماضي، وكلٌّ عاشقٌ للتراث، وكلٌّ عاشقٌ لسلفٍ صالحٍ ما، حتَّى كفَّار (قُريش)؛ وهو، إنْ لم يجد ذلك الماضي وذلك التراث وأولئك السلف، احتال في التماسهم، أو اختراعهم! 

- صدقتَ. ذلك أنَّ الآباء، والأسلاف، «تكايا» تريح الضمائر، وتزيل شُبَه الابتداع، وقَوْل ما لم يقله الأوائل، فتَصُدُّ الخصوم، من ذوي «التَّكايا» التاريخيَّة الشبيهة الأصيلة المتجذِّرة، أو غير الأصيلة ولا المتجذِّرة. 

- ذلك هو بيت الدَّاء. وإلَّا كيف يُنظَر إلى عقلٍ إسلاميٍّ مفكِّر، مثل (ابن رُشد، -595ه-)، متفلسف، وقبل ذلك فقيه، وأصوليٌّ، وقاضٍ- إنَّما أراد أن يوفِّق بين العقل والنقل، أي بين الفكر والدِّين- على أنه مارق، أو متخفِّفٌ من الدِّين؟ وهذا بعكس ما أراد، من أن يعضد الخطاب الدِّيني بالخطاب العقلي، وينفي مزاعم من يقول بالتعارض بينهما، أو بتهافت الفلاسفة، نتيجة فهمٍ سطحيٍّ للفلسفة وللدِّين في آن؟! 

- وعدم فهم فلسفة الدِّين تنشأ جوهريًّا من الافتقار إلى التفريق بين مقاصد الدِّين ووسائل نقل تلك المقاصد مطبَّقة إلى أرض الواقع. فإذا الوسائل تُجعَل مقاصد وغايات. وهذا سبب نفور بعض الناس من التديُّن، أو حتى كفرهم.

- وهو سبب التمزُّق البَشري، والصراع الدِّيني؛ لأنَّ هناك من يُصِرُّ على تطبيق مقاصد الدِّين بالآليَّات القديمة نفسها، في كلِّ زمانٍ ومكان؛ وهنا تُصبِح الوسائل غايات، فيما الغايات مضيَّعة غالبًا. وما مَثَل هذا إلَّا كمن يظلُّ يُصِرُّ على أن يعيش بالآليَّات القديمة نفسها التي كانت زمن النُّبُوَّة، فلا يركب، مثلًا، إلَّا الخيل والبغال والحمير والإبل، ويحرِّم ما عداها! 

- هل يفعل هذا عاقل؟! 

- نعم، يفعله من أصيب بذلك الخبال. أمَّا المقاصد نفسها ومن حيث هي، فهي صالحةٌ بالفعل لكلِّ زمانٍ ومكان، وهي أصلًا غاية كلِّ دينٍ وكلِّ قانونٍ وكلِّ نظامٍ اجتماعيٍّ إنسانيٍّ حضاري. أي غير «دوغمائيٍّ» مؤدلجٍ وَفق توجُّهٍ فكريٍّ أو سياسيٍّ معيَّنٍ لفئةٍ بشريَّة، تريد أن تفرضه فرضًا على الناس كافَّة، وأن تمنعهم من أن يكون لهم رأيٌ أو توجُّهٌ أو سلوكٌ اجتماعيٌّ مخالف.

- مثلًا؟

- ما أكثر أمثلة ما يقع من هذا! فمثلًا، في القوانين المنبثقة عمَّا يُسمَّى (ميثاق الأُمم المتَّحدة) تلحظ أنها قوانين مصمَّمة لفئتَين متمايزتَين من البَشَر، الفئة الأُولَى: الصهيونيَّة العالميَّة ومن لفَّ لفَّها ومشى في ركابها، والفئة الأخرى: قوانين مصمَّمة لسائر البَشَر. يتجلَّى ذلك في التطبيق، وإن لم يبدُ ذلك مصرَّحًا به في مستوى التنظير. ذلك أنَّ مَن صمَّمَ تلك القوانين أصلًا ما كان له أن يخرج عن إهابه الأيديولوجي المعروف، ولا عن دُخان عواطفه، وحشيش مصالحه القوميَّة والاقتصاديَّة. من حيث إنَّ ما سُمِّي ب-(ميثاق الأُمم المتَّحدة) إنَّما حقيقته الأساس: (ميثاق الأُمم الاستعماريَّة المتَّحدة). وهو قبل ذلك وريث الفكر التوراتي، الذي يقسِّم العالم إلى: ساميِّين، وحاميِّين، ويافثيِّين، أو آريِّين. والعِرق الأسمَى هو العِرق السامي، مختزَلًا حديثًا في تلك الشراذم من الشعوب، التي جمَّعها (تكفيريُّو أوربا) في (فلسطين)- تكفيرًا عن جريمتهم النازيَّة وغير النازيَّة بحقِّ اليهود- بعد احتلال فلسطين بدعمهم وتأييدهم. ولا علاقة لما سُمِّي (إسرائيل)- وهي تسميةٌ دينيَّةٌ ماكرةٌ لأهداف سياسيَّة- لا (بسام بن نوح)، ولا بالشَّرق «الأوسط» أو غير «الأوسط» أصلًا، ولا تربطهم سِوَى حبال الخرافة الأيديولوجيَّة التوراتيَّة. أمَّا البَشَر المكتشفون في بلاد (الهنود الحُمر)، فهم كالفلسطينيِّين، نسلٌ شيطاني؛ لأنَّ مصنِّف «التوراة»- رَبَّ الجنود- لم يكن يعرف بوجودهم على كوكب الأرض، أو وجود غيرهم من الشعوب! ولذا فإنَّ طوفان «التوراة» لم يشملهم بمائه! إنَّها ثقافة خرافيَّة ما انفكت تنخر في الدِّماغ الغربي المختطَف، ولن يتحرَّر منها حتى يهطل عليه نيزك كذلك الذي أهلك الديناصورات وأراح منها!

  - هل يمكن أن يكون هناك دِين أو قانون أو نظام- يستحقُّ هذا الاسم- لا تكون غاياته العُليا، ومقاصده الكُليَّة بناء مجتمعٍ مدنيٍّ، فيه: حماية النفس، والمال، والعِرض، والعقل، والدِّين (بمعنى حريَّة المعتقَد)؟!

- كلَّا، وإنْ وُجِد مثل ذلك الدِّين أو القانون أو النظام، فهو محض أيديولوجيا قَبَليَّة فاسدة، تُناقض العقل والروح وأخلاقيَّات الإنسان الأوَّليَّة، التي هي من مسلَّماته الفطريَّة، ولو عاش معزولًا في غابة، ك-(حيِّ بن يقظان)، حسب قِصَّته في رسالة (ابن طفيل) المشهورة.

- لماذا؟

- لأن عقل الإنسان- إنْ كان عاقلًا- يفرض عليه بالضرورة ذلك النظام العادل، ويدلُّه على أنَّ ثمَّة خطوطًا حمراء، وحدودًا محترمة، وضرورات حياتيَّة؛ تحميه من غيره، وتحمي غيره منه.     

- في هذا السياق قلتَ في مساق سابق إنَّك، من حيث المبدأ، بضدِّ سياسة المنع الثقافي، وهي غير ذات معنى اليوم في الشأن الثقافي. وبالرغم من هذا فإن أيَّ رقابة ستجد في نوعيَّة بعض النتاج المُسِفِّ- فكرًا وأخلاقًا وفنًّا- ذريعة وجودها، وغذاء قيامها، ليقول الناس إنها حينئذٍ مُحِقَّة في المنع، حمايةً للذَّوق العام، والأخلاق المرعيَّة، والبناء الاجتماعي الذي يُرفَض الاعتداء عليه. وذلك أضعف الإيمان.

- والمفارقة هنا أنَّ أولئك الذين لا يرون لفنِّ الرواية وظيفة اجتماعيَّة إصلاحيَّة- كما تقدَّم في حواراتنا السابقة- هم غارقون إلى آذانهم في الهمِّ الاجتماعي الإفسادي، وما داؤهم إلَّا ذلك الهمُّ، ولكن من منظور وظائف هم يميلون إليها أيديولوجيًّا، هي الإصلاح بحسبهم، تَصْدُق عليهم الآية: «وَإِذَا قِيلَ لَ-هُمْ: لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ، قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون.‎‏ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُون». وحين ينزلق الفهم، وتتهافت الأمانة، وتنحدر مسؤوليَّة الكلمة لدَى كاتبٍ أو ناقدٍ إلى هذا الدَّرك الأسفل من الانتماء تكون خطورتها الثقافيَّة، وبخاصَّة في فنٍّ غير نخبويٍّ- غالبًا- كالرِّواية، تتلقَّاه كُلُّ الشرائح، من الأطفال إلى كبار السِّنِّ، ومن مختلف مستويات التعليم، أكثر من غيره من الفنون. 

- وإنْ كانت النخبويَّة غير مسوِّغة لقلَّة الأدب في الأدب أيضًا. من مثل صُوَر التحرُّش بالأطفال في بعض شِعر (نزار قباني)، كنصِّه السخيف تحت عنوان «عند الجدار»، مجموعته «سامبا»، 1949.  وليست سخافة النصِّ أخلاقيَّة فحسب، بل فنيَّة أيضًا. 

- رحم الله (عبد القاهر الجرجاني)(1) الذي نبَّه إلى أنَّ الاستخفاف بقِيَم الدِّين والعَبث الأخلاقي في الشِّعر، لا تمسُّ القِيَم والدِّين فحسب، بل تسيء قبل ذلك إلى رسالة الشاعر وعلاقته بالقارئ، فتقذفه بعيدًا عن جمهرة التلقِّي، ليضلَّ قابعًا مع مَن كان على شاكلته في الشذوذ من المتلقِّين، وهم الأقلُّ، مهما كان فساد المجتمع.  معلِّقًا على بيت (المتنبِّي):

يترشَّفْنَ من فَمِي رَشَفاتٍ 

هُنَّ فيهِ أَحْلَى من التَّوحيدِ

فقال: «وأبعدُ ما يكون الشاعر من التوفيق، إذا دعتْه شهوةُ الإغراب إلى أن يستعير للهَزْل والعَبث من الجِدِّ، ويتغزَّل بهذا الجنس.» فإنْ لم يكن الشاعر حريصًا على القِيَم، فمن الغباء أن يضحِّي بجماهيره من المتلقِّين، فيصادمهم في أخلاقهم ومشاعرهم. لكنَّ الغباء فنونٌ أيضًا!

- فكيف لو اطَّلع (الجرجاني) على بعض مباذل زماننا؟!

- مع أنها قد خُرِّجت كلمة «التوحيد» في بيت (المتنبِّي) تخريجات مختلفة. من أطرفها الزعم أنَّ «التوحيد» المقصود نوعٌ من التَّمْر العراقي!

- أسفَّ هؤلاء إسفافًا أزرَى بالصورة أكثر من بيت (المتنبِّي). فأنْ يقول شاعر إنَّ المرأة لديه أحلى من التَّمْر، فهذا إنسانٌ جائع، لا عاشق ولا شاعر؛ قد بات التَّمْر لديه مضرب المثل في الحلاوة، وفي ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ له المطامح والأحلام. وإنَّما أشار المتنبِّي إلى كلمة التوحيد الإسلاميَّة، وإنْ أساء الأدبَ في مبالغته مع المعنى الدِّيني. ولا ريب أنَّ للتوحيد حلاوةً لدَى أهله لا تعدلها حلاوة؛ إذ يستشعر المرء توحُّده بالله، لا بالمعنى الصُّوفي، بل بمعنى العلاقة بربِّ العالمين، وَحْدَه لا شريك له. وهو ما حاول الإسلام غرسه في نفوس المسلمين؛ ليمتازوا عمَّن سواهم، ممَّن ينادون: يا هُبَل، أو يا يسوع، أو يا عذراء، غير أنَّه سرعان ما ظهر من المسلمين أنفسهم أيضًا من حاكَى أتباع الدِّيانات السالفة، التي جاء الإسلام ثورةً عليها، فجعلوا ينادون كذلك: يا علي، يا فاطمة، يا حسين، يا سيدي البدوي، أو يا سيدي «الحضري»... إلى آخر تلك الوثنيَّات المؤسلَمة، ليعيد تاريخ الأديان نفسه بعباءات مبتكرة!

- وعندئذٍ يحقُّ للمتنبِّي أن يقول: «هُنَّ فيهِ أَحْلَى من التَّوحيدِ»، أي: من مثل هذا التَّوحيد الممسوخ، الذي لم تَعُد له تلك الحلاوة الأُم. وبذا ينجو الشاعر من عصا (عبدالقاهر الجرجاني)! وهذا تخريجٌ «فوق البَيعة» لبيت (أبي المُحسَّد)، يضاف إلى الاجتهادات السالفة!

...............

* مرفأ:

تَعُبُّ الخَ-وَابِ-يْ لَ-مَى شَفَ-تَ-يْهَا

نَمِ-يْ-رَ القَوَافِ-ي بِكَ-أْسِ الوَتَ-رْ

بِلا اسْمٍ يُسمَّى، لَ-هَا غَيْمَتَ-انِ،

فَسَلْ: ما هُ-مَا؟ وانْسَ غَيْمَ ال-مَطَرْ!

إِذَا دَاعَ-بَ العِطْ-رُ لَيْ-لَ الظَّفَائِ-

-رِ ثَ-ارَتْ قُرُوْنٌ وغَ-ارَتْ أُخَ-رْ

وإِنْ نَطَقَتْ، أَعْشَبَ الشِّعْ-رَ صَخْرٌ،

وأَيْ-نَ-عَتِ النَّ-ارُ فِ-يْ-نَ-ا نَ-هَ-رْ!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.........................

(1)  يُنظَر: (1991)، أسرار البلاغة، قرأه وعلَّق عليه: أبو فهر محمود محمَّد شاكر، (جُدَّة: دار المدني)، 233.  

من حفظ النصوص إلى صناعة العقل القانوني

لم يعد التعليم القانوني في الجامعات الرصينة قائماً على تلقين النصوص القانونية وحفظ أرقام المواد واستظهارها، وإنما أصبح يركز على بناء قدرة الطالب على فهم القاعدة القانونية وتحليلها وتفسيرها وتكييف الوقائع في ضوئها.

فالنص التشريعي قابل للتعديل أو الإلغاء، والاجتهاد القضائي قابل للتطور، والوقائع الاجتماعية والاقتصادية تتغير باستمرار؛ ولذلك فإن القيمة الحقيقية للتعليم القانوني لا تكمن في كمية النصوص التي يحفظها الطالب، بل في قدرته على التعامل مع القانون حين يتغير، وعلى مواجهة مسألة قانونية جديدة لم يسبق له أن درس صورتها.

ومن هنا يمكن اختزال السؤال الأساسي في التعليم القانوني المعاصر في عبارة واحدة: هل نريد من كلية القانون أن تخرّج حافظاً للنصوص، أم أن تصنع عقلاً قادراً على التفكير بالقانون؟

أولاً: القانون أوسع من النص التشريعي

من الأخطاء الشائعة اختزال القانون في الأوامر والنواهي التي تقترن بالجزاء، وكأن القانون لا يظهر إلا عند وقوع الجريمة أو نشوء النزاع أمام القضاء.

والقانون، في حقيقته، أوسع من ذلك بكثير؛ فهو ينظم جانباً كبيراً من العلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويدخل في الأسرة والعمل والتجارة والملكية والعقود والإدارة والتعليم والعلاقات الدولية والحقوق والحريات وغيرها.

وقد تنشأ العلاقة القانونية من عقد، وقد تنشأ من واقعة أو مركز قانوني أو نص تشريعي من دون وجود اتفاق بين الأطراف. ولذلك فإن دراسة القانون ليست دراسة لمواد متفرقة، وإنما دراسة للنظام الذي ينظم العلاقات داخل المجتمع ويحدد الحقوق والالتزامات والمراكز القانونية.

ومن هذه الزاوية، يصبح القانون وسيلة لفهم المجتمع نفسه؛ فقانون العمل يكشف طبيعة العلاقة بين العامل ورب العمل، والقانون التجاري يرتبط بالنشاط الاقتصادي، والقانون الإداري ينظم علاقة الفرد بالسلطة العامة، والقانون الدولي يتصل بالعلاقات بين الدول.

وبذلك لا يكون القانون مجرد مجموعة قواعد يجب معرفتها، بل مدخلاً لفهم الإنسان والمجتمع والدولة.

ثانياً: المبادئ العامة للقانون لغة المشترك القانوني العالمي

لا تكتمل صناعة العقل القانوني دون الاستغراق في دراسة المبادئ العامة للقانون، التي تُعدّ بمثابة «الدقائق التركيبية» واللغة المشتركة للنظم القانونية حول العالم، لا سيما في النظام القانوني اللاتيني (Civil Law).

فهذه المبادئ—مثل مبدأ حسن النية، وعدم جواز الإثراء بلا سبب، وحجية الأمر المقضي فيه، والعقد شريعة المتعاقدين وشرعية الجرائم والعقوبات، واستقرار المراكز القانونية وفكرة النظام العام والآداب العامة —ليست مجرد نصوص تشريعية تفصيلية قد تتغير بتغير الزمان والمكان، بل هي روح القانون والأصول الكلية التي تنبثق منها كافة القواعد الفرعية.

وإن استيعاب الطالب لهذه المبادئ يمنحه قدرة استثنائية على فهم المنطق القانوني العالمي والتحاور مع مختلف المدارس التشريعية؛ فهي الشفرة الموحدة التي تمكّن رجل القانون من تفكيك النص الغامض، وسد الثغرات التشريعية، واستنباط الحلول العادلة للمسائل المعقدة، حتى وإن خلا التشريع الوطني من نص صريح يحكمها.

ثالثاً: من شرح النص إلى منهج التفكير القانوني

لا يعني تجاوز أسلوب الحفظ الاستغناء عن معرفة النصوص؛ فالنص هو أحد أهم مصادر العمل القانوني. وإنما المقصود أن تتحول معرفة النص من غاية في ذاتها إلى أداة للتفكير.

فالطالب الذي يدرس نظرية التفسير والتكييف، والنظرية العامة للالتزام والجريمة، والشخص المعنوي، والمبادئ العامة للقانون، ومناهج الاستدلال، يمتلك أدوات يمكنه استخدامها حتى عندما تتغير النصوص.

ويقوم التفكير القانوني، في جوهره، على سلسلة مترابطة:

1- فهم الوقائع وتحديد المسألة القانونية.

 2- تكييف الوقائع وتحديد القاعدة الواجبة التطبيق.

3- تفسير القاعدة.

 4- تطبيق القاعدة بانزال الحكم.

وهذه المنهجية هي التي تحول المعرفة القانونية إلى ملكة.

فالمحامي أو القاضي لا يواجه في الواقع سؤالاً على صورة مادة قانونية محفوظة، وإنما يواجه وقائع قد تكون متشابكة ومتعارضة، وعليه أن يحدد الوقائع المؤثرة قانوناً، ثم يضعها في التكييف الصحيح، ويبحث عن القاعدة التي تحكمها.

ولهذا يمكن تشبيه العمل القانوني، من بعض الوجوه، بالعمل الطبي: فالطبيب يشخص الحالة قبل أن يصف العلاج، ورجل القانون يشخص المسألة القانونية قبل أن يقترح الحل.

فالتكييف القانوني هو، في كثير من الحالات، نقطة التحول بين الواقعة والحكم.

رابعاً: القانون علم متطور لا معرفة جامدة

يتفاعل القانون مع المجتمع ولا يعيش بمعزل عنه. فالتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية تخلق وقائع ومسائل جديدة، وقد تجعل بعض القواعد بحاجة إلى تعديل أو تطوير.

ولهذا ينبغي أن يتعلم طالب القانون ليس فقط ما يقوله القانون، بل أيضاً لماذا قرر هذه القاعدة، وما الغاية التي تستهدفها، وما إذا كانت لا تزال قادرة على الاستجابة للواقع.

وهنا تتجاوز الدراسة القانونية حدود التطبيق إلى النقد والإصلاح.

فالمتخصص القانوني لا يكتفي أحياناً بتفسير النظام القائم، بل يستطيع أن يسهم في تطويره، سواء من خلال البحث العلمي أو القضاء أو التشريع أو الممارسة المهنية.

وهذا البعد هو الذي يجعل القانون علماً حياً؛ فهو يجمع بين معرفة القواعد القائمة والتفكير في القواعد التي ينبغي أن تكون.

خامساً: اللغة القانونية ودقة التعبير

لا يمكن بناء عقل قانوني دقيق من دون لغة قانونية دقيقة.

فالمصطلح القانوني ليس مجرد تعبير اصطلاحي، وإنما يحمل مفهوماً محدداً قد يختلف أثره عن مصطلح قريب منه. ولذلك فإن تعلم الطالب للغة القانون ينبغي ألا يقتصر على معرفة المصطلحات، بل يشمل القدرة على قراءة النص وتحليل عباراته، وصياغة الحجة، وكتابة المذكرات والبحوث، والتعبير عن الرأي بوضوح ومنطق.

ومن هنا فإن دقة التعبير ليست مسألة شكلية؛ إذ كثيراً ما تكون دقة اللغة انعكاساً لدقة الفكرة القانونية نفسها.

سادساً: الأستاذ الأكاديمي وصناعة الأساس العلمي

في هذا النموذج يحتل الأستاذ الأكاديمي المتخصص موقع الركيزة الأساسية؛ لأن مهمته تتجاوز شرح النص إلى بناء الأساس العلمي الذي يقوم عليه التفكير القانوني.

فهو تؤصل المفاهيم، ويعرض النظريات والاتجاهات الفقهية، ويحلل النصوص، ويقارن بين النظم القانونية، ويناقش الاجتهادات، ويدرّب الطالب على البحث والنقد والاستنباط.

وتظهر أهمية هذا الدور بصورة خاصة في المواد التي تشكل البناء الفكري للطالب، مثل المدخل لدراسة القانون، والنظرية العامة للقانون، وفلسفة القانون، والقانون الدستوري، والقانون المدني، والقانون الدولي، والتاريخ القانوني وغيرها.

ولا تتمثل قيمة الأستاذ في أن يقدم للطالب جواباً لكل مسألة، وإنما في أن يمنحه المنهج الذي يستطيع به الوصول إلى الجواب عندما تتغير المسألة أو يظهر سؤال جديد.

سابعاً: الممارس ونقل القانون من النظرية إلى الواقع

إذا كان الأستاذ الأكاديمي يؤسس المعرفة والمنهج، فإن القاضي والمحامي والخبراء والممارسين ينقلون الطالب إلى الجانب الذي لا تستطيع الكتب وحدها أن توفره.

فالخبرة العملية تكشف للطالب كيفية قراءة ملف الدعوى، وترتيب الوقائع، وبناء الدفوع، وصياغة المذكرات، والتعامل مع الأدلة، وفهم الإجراءات، وإدارة الجلسة، والتعامل مع المشكلات التي يفرضها الواقع.

وتتأكد قيمة هذا الدور في المواد ذات الطبيعة الإجرائية والمهنية، مثل المرافعات، وأصول المحاكمات الجزائية، والتحكيم، وصياغة العقود، والمحاكمات الصورية والمهارات القانونية.

لكن الاستفادة من هذه الخبرة لا تعني تحويل الكلية إلى مؤسسة تدريب مهني بحت؛ فالممارسة تكمل التكوين العلمي ولا تحل محله.

 ثامناً: التكامل بين الجامعة والمهنة

لا ينبغي أن يكون السؤال: من الأفضل، الأستاذ الأكاديمي أم الممارس؟

فلكل منهما وظيفة مختلفة ومتكاملة.

الأستاذ الأكاديمي يقدم التأصيل والنظرية والتحليل والمقارنة والنقد، بينما يقدم الممارس الخبرة والواقع والتطبيق والإجراءات.

والخلل يحدث عندما يحاول أحد الجانبين أن يؤدي وظيفة الآخر.

فالتعليم الأكاديمي من دون أي اتصال بالواقع قد ينتج معرفة يصعب تحويلها إلى ممارسة، بينما التدريب العملي من دون أساس علمي قد ينتج مهارة في التعامل مع الحالات المألوفة من دون قدرة كافية على تحليل المسائل الجديدة.

ولهذا فإن النموذج الأكثر توازناً هو الذي يجعل الأكاديمي أساساً، والممارس مكملاً، والجامعة فضاءً يلتقي فيه العلم بالتطبيق.

تاسعاً: وظيفة الجامعة ليست تخريج ممارس جاهز

من الضروري كذلك التمييز بين التعليم الجامعي والتأهيل المهني.

فالجامعة ليست مكتب محاماة، وليست محكمة، وليست مركز تدريب مهني فحسب. وظيفتها الأساسية هي بناء القاعدة العلمية والمنهجية والفكرية التي يستطيع الطالب أن ينطلق منها إلى مختلف المسارات القانونية.

ومن ثم لا ينبغي أن يكون معيار نجاح كلية القانون هو عدد المهارات الإجرائية التي أتقنها الطالب وحدها، وإنما قدرتها على تخريج شخص يستطيع أن يصبح، وفق مساره، محامياً أو قاضياً أو باحثاً أو مشرعاً أو مستشاراً قانونياً، وأن يواصل التعلم والتطور بعد التخرج.

فالتأهيل المهني يتطلب ممارسة وخبرة متراكمة، بينما الجامعة تمنح الطالب الأساس الذي يجعله قادراً على اكتساب تلك الخبرة بصورة واعية ومنهجية.

خاتمة: صناعة رجل القانون

إن التعليم القانوني الرصين لا يقوم على المفاضلة بين النظرية والتطبيق، ولا بين الأستاذ الأكاديمي والممارس، وإنما على وضع كل عنصر في موقعه الصحيح.

فالمعرفة القانونية تمنح الطالب الأساس، والمنهج القانوني يمنحه القدرة على التفكير، والخبرة العملية تمنحه القدرة على التعامل مع الواقع.

ومن هنا تكون مهمة كلية القانون أعمق من تعليم النصوص؛ إنها صناعة عقل يستطيع أن يقرأ الواقعة، ويحدد المسألة، ويكيّفها، ويبحث عن القاعدة، ويفسرها، ويطبقها، ويناقش مدى ملاءمتها، ويسهم عند الحاجة في تطويرها.

فالقانون يتغير، لكن القدرة على التفكير القانوني يمكن أن تبقى.

ولهذا، فإن الرهان الحقيقي للتعليم القانوني لا يكمن في إيداع القواعد في الذاكرة، بل في إيقاد التفكير في العقل؛ ليس الهدف تخريج مستظهرٍ للنصوص، بل صناعة رجل قانون يُفكّر بمنطق القانون.

***

فارس حامد عبد الكريم

العلم نور والجهل ظلام.. تداعي افكار

وأنا أتابع أخبار جائزة نوبل لهذا العام في علم وظائف الأعضاء أو الطب، التي مُنحت لثلاثة علماء حوّلوا الضوء إلى مفتاح للتحكم في خلايا الدماغ، استوقفتني قصة العلماء الثلاثة: الأمريكي كارل دايسروث بالاشتراك مع الألمانيين بيتر هيغمان وجورج ناغل الذين نالوا الجائزة تقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية الحساسة للضوء، وتطويرهم تقنية البصريات الوراثية إذ أتاح هذا الإنجاز العلمي للباحثين استخدام نبضات الضوء للتحكم في نشاط خلايا عصبية محددة، وفتح آفاق جديدة لدراسة الدوائر العصبية التي تسهم في تشكيل الذاكرة والمشاعر والسلوك. بدأت القصة من دراسة بروتين حساس للضوء اكتُشف في طحلب وحيد الخلية، ثم تطورت عبر بحوث متراكمة حتى أصبح الضوء أداة دقيقة لاستكشاف بعض أسرار الدماغ ووظائفه.

تداعت إلى ذاكرتي رمزية العلم والتعليم والضوء والتنوير، واستعدت عبارة مدرسية قديمة ظلت ترافقني منذ طفولتي، وكأنها لم تكن جملة عابرة تعلمنا كتابتها في حصة تعليم الخط العربي، بل كانت بذرة سؤال فلسفي لم تتكشف معانيه إلا بعد عقود من القراءة والتجربة والتأمل: «العلم نور والجهل ظلام» تلك العبارة التي أضاءت عقلي وقلبي وكنت أتمثلها بوصفها حالة وجودية وليست عبارة شائعة لتعلم الخط العربي: العلم نور والجهل ظلام! من يتذكرها منكم؟ عبارة تختصر تاريخاً طويلاً من الصراع الإنساني بين المعرفة والجهل، وبين الوعي والوهم، وبين حرية العقل وسلطان الأوثان التي يصنعها العقل نفسه، ثم ينسى أنها من صنعه.

لم أكن آنذاك أعرف شيئاً عن تاريخ التنوير، ولا عن فلسفة المعرفة، ولا عن الصراع الطويل الذي خاضه العقل الإنساني في مواجهة الخرافة والأوهام والسلطات التي احتكرت لنفسها حق تفسير العالم. كنت طفلاً يتعلم الكلمات، واليوم تداعت إلى ذهني مع اخبار جائزة نوبل عن الضوء والدماغ.

إنها ليست دعوة إلى الحنين وحده، وإنما إلى استعادة المسافة بين الكلمة ومعناها، وبين حفظ الحكمة والعيش بمقتضاها. فما أكثر ما نحفظ من العبارات الجميلة، ثم نمارس في حياتنا ما يناقضها! وما أكثر من يحملون الشهادات والألقاب العلمية، لكنهم يعجزون عن مراجعة أفكارهم، أو الاعتراف بأخطائهم، أو الإصغاء إلى من يختلف معهم! إن العلم الذي يستحق أن يسمى نوراً ليس مجرد امتلاك المعلومات، بل القدرة على الفهم والتمييز والنقد، والاستعداد لمراجعة ما نعتقد أننا نعرفه. أما الجهل فليس دائماً نقصاً في المعلومات؛ فقد يكون وفرة من المعلومات بلا فهم، أو معرفة بلا بصيرة، أو يقيناً متضخماً يغلق أبواب العقل أمام كل سؤال جديد.

النور، في معناه الفيزيائي، هو ما يتيح لنا رؤية الأشياء وتمييز حدودها وألوانها وعلاقاتها. لكنه تجاوز حدود الظاهرة الطبيعية ليصبح إحدى أعمق الاستعارات في تاريخ الوعي الإنساني. نقول: أنار عقله، واستنار فكره، وأضاءت المعرفة طريقه، وتبددت عتمة الجهل عن بصيرته. وفي المقابل، نقول: أظلم العقل، وغابت الحقيقة، واستبدت الأوهام، وضاع الإنسان في متاهات الخرافة. وهكذا لم يعد النور مجرد ظاهرة نراها، بل أصبح رمزاً لما نطمح إليه من وعي وحرية وقدرة على الفهم، فيما غدا الظلام رمزاً لما يحجب عنا الحقيقة ويعوق قدرتنا على الاختيار.

ولعل جائزة نوبل لهذا العام تقدم مثالاً بالغ الدلالة على انتقال النور من الاستعارة إلى التجربة العلمية. فالضوء الذي استخدمه الإنسان منذ القدم لإضاءة الكهوف والطرقات، والذي أصبح في اللغة رمزاً للعقل والمعرفة، صار اليوم أداة يستخدمها العلماء لاستكشاف بعض الآليات العصبية التي يقوم عليها التفكير والسلوك. إن العقل الذي ابتكر أدوات الكشف أصبح قادراً، بواسطة الضوء، على دراسة بعض الآليات التي يعمل بها الدماغ نفسه. أليست هذه مفارقة تستحق التأمل؟ إننا لا نستخدم الضوء لنرى العالم فحسب، بل أصبحنا نستخدمه لفهم بعض العمليات التي تجعلنا قادرين على الإحساس والتذكر والتعلم والتفاعل مع العالم.

وكلما قلت معارف الرجل كلما زاد الحديث ولعاً بذلك الشيء القليل الذي يعرفه! وهكذا سُمي سقراط حكيم أثينا لأنه الوحيد الذي فهم الرمز الذي نطقت بِه عرافة دلفي (أعرف نفسك) إذ قال يومها: (لعلها اختارتني لأنني الوحيد الذي اعرف بانني لا اعرف شيئاً) بهذه الحكمة الخالدة عرّف سقراط فضيلة الفلسفة التي تعلمنا جهلنا.

وهنا تكمن قيمة العلم بوصفه تاريخ تجاوز الاخطأ: يعلمنا كيف نبحث، وكيف نختبر الفرضيات، وكيف نميز بين الاعتقاد والدليل، وبين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه. فالاستنارة ليست ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، وإنما القدرة على الاقتراب منها من دون أن نغلق الطريق أمام مراجعتها.

لكن هل يكفي العلم وحده لتحرير الإنسان من الظلام؟ وهل يؤدي التقدم التقني بالضرورة إلى التقدم الأخلاقي والحضاري؟ إن الفرق بين العلم والتنوير يكمن، في أحد أبعاده الأساسية، في أن العلم يوسع قدرتنا على معرفة العالم والتأثير فيه، بينما يقتضي التنوير أن نمتلك القدرة على مساءلة أنفسنا ومعتقداتنا ومصالحنا، وأن نستخدم المعرفة في خدمة الحرية والكرامة والعدالة. فقد يكون الإنسان واسع المعرفة، لكنه ضيق الأفق؛ وقد يكون المجتمع متقدماً في التكنولوجيا، لكنه متخلف في احترام حقوق الإنسان. وعندئذ لا يكون النقص في الضوء الذي تنتجه المختبرات، بل في الوعي الذي ينبغي أن يوجه استخدامه.

وبهذا المعنى تتعين وظيفة الفلسفة، بوصفها حكمة العقل ودهشة السؤال، وبوصفها إحدى أهم الممارسات الإنسانية التي تعلّمنا ألا نأخذ الأشياء على ظاهرها، وألا نخلط بين المألوف والحقيقي، أو بين الموروث والمبرهن عليه. إن صرخة سقراط: «اعرف نفسك» ليست مجرد دعوة إلى التأمل في الذات، بل هي دعوة إلى اختبار أفكارنا ومعتقداتنا، والتعرف إلى حدود معرفتنا، ومساءلة المسلمات التي نعيش في ظلها من دون أن ننتبه إلى أنها تشكل طريقة رؤيتنا للعالم والخروج من الكهف (كهف أفلاطون) أكثر الرموز الفلسفية قدرة على تفسير علاقة الإنسان بالأوهام. فالسجناء الذين اعتادوا رؤية الظلال على جدار الكهف يتصورونها الواقع كله، لا لأنهم اختاروا الخداع عن وعي، بل لأن خبرتهم المحدودة لم تمنحهم سبباً كافياً للشك فيما اعتادوا رؤيته. إن قوة الكهف لا تكمن في جدرانه، بل في اعتياد العقل على حدوده، وفي تحوله إلى سجين لما ألفه من تصورات وأحكام.

إذ تلازم أوثانُ العقل الإنسانَ كظله؛ فالعقل الذي ينتج الأفكار قد يتحول إلى أسير لها حين يتوقف عن مساءلتها، ويعاملها بوصفها حقائق نهائية. لقد نبّه فرانسيس بيكون إلى الأوهام التي تحجب الرؤية، وجعل ديكارت الشك المنهجي وسيلة لاختبار المعتقدات، وخاض الغزالي رحلة مراجعة الموروث بحثاً عن اليقين، فيما كشف نيتشه الجذور التاريخية والاجتماعية لكثير من القيم والمفاهيم التي نعدّها بديهية. وعلى اختلاف مناهجهم، يذكروننا بأن تحرير العقل يبدأ من شجاعة السؤال.

وما أكثر الكهوف التي نبنيها حول أنفسنا في هذا العصر! فقد تحولت وسائل الاتصال الحديثة أحياناً إلى جدران تعيد إلينا أفكارنا ذاتها، وتضاعف أوهامنا بالتكرار، حتى نرى العالم كما نحب أن نراه، لا كما هو. وهكذا قد يعيش الإنسان في عصر المعلومات، بينما يظل أسير الجهل المتخفّي في ثوب اليقين. فليست المأساة أن نجهل، بل أن نعجز عن إدراك جهلنا؛ وليست حرية العقل في امتلاك الأفكار، بل في امتلاك الشجاعة لمساءلتها والتحرر من أوثانها.

لعل المعنى الفلسفي للاكتشاف الطبي الجديد، أن النور ليس مجرد استعارة للحقيقة، بل أداة علمية للكشف عن أسرار الدماغ وفهم آلياته. وهنا يلتقي العلم بالفلسفة في غاية إنسانية مشتركة: تحرير الإنسان من الجهل، وتوسيع قدرته على الفهم، وفتح آفاق جديدة أمام المعرفة. فإذا كان العلم يستخدم الضوء للكشف عن خفايا الدماغ، فإن الفلسفة تستخدم السؤال لكشف خفايا العقل، وتفكيك أوهامه، ومساءلة المفاهيم التي تتحكم في أحكامنا من دون أن نشعر. فالعقل الذي يحتاج إلى أدوات علمية لفهم العالم يحتاج أيضاً إلى النقد كي يفهم نفسه، ويميز بين الحقيقة والوهم، وبين الدليل والمعتقد، وبين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه. ومن هنا تتجلى الوظيفة التنويرية للفلسفة؛ فهي لا تعادِي التراث ولا تقدّس الجديد، وإنما تخضع الأفكار للاختبار، وتبحث في أصولها وسياقاتها، وتمنح الإنسان شجاعة مراجعة يقينياته. كما أن التعليم الحقيقي ليس تكديساً للمعلومات، بل تدريب على السؤال والاستدلال والتحقق، ولا تزدهر المعرفة إلا في فضاء يحمي حرية البحث ويصون حق الاختلاف. وحين أستعيد عبارتي المدرسية القديمة: «العلم نور والجهل ظلام»، أدرك أن معناها أعمق مما تصورت يوم كتبتها؛ فالنور لا يقتصر على كشف ما يحيط بنا، بل يمتد إلى كشف أوهامنا وحدود معرفتنا. وليس التنوير أن نزعم امتلاك الحقيقة، بل أن نظل مستعدين للبحث عنها، وأن نراجع أفكارنا كلما ظهرت أدلة جديدة. فالعلم يضيء لنا دروب العالم، والفلسفة تعلّمنا كيف نبصر؛ وباجتماعهما يتحرر العقل من أوثانه، ويصبح الإنسان أقدر على الفهم والاختيار، وأقل استعداداً لأن يحوّل جهله إلى يقين، أو اختلافه مع الآخرين إلى عداوة. ذلك، في تقديري، هو المعنى الأعمق للنور: أن نعرف أكثر، وأن نتوهم أقل، وأن نجعل المعرفة قوة لتحرير الإنسان لا وسيلة للهيمنة عليه.

ختاما: يمكن القول إن اكتشاف إمكانية التحكم في نشاط خلايا الدماغ باستخدام الضوء، عبر تقنية البصريات الوراثية يُعد ثورةً علميةً في علم الأعصاب وعلم النفس العصبي؛ إذ أتاح للباحثين الانتقال من مراقبة النشاط العصبي إلى التحكم الدقيق في خلايا عصبية محددة، وفهم علاقتها بالذاكرة والتفكير والانفعالات والسلوك. وتكمن أهميته في فتح آفاق جديدة لفهم الاضطرابات التي تصيب الدماغ والجهاز العصبي، مثل مرض باركنسون (الشلل الرعاش)، والصرع، والاكتئاب، واضطرابات القلق، وبعض حالات الإدمان. كما يتيح دراسة الآليات العصبية المرتبطة بمرض ألزهايمر واضطرابات الذاكرة، بما قد يساعد على تطوير علاجات مستقبلية أكثر دقة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الإنجاز البحثي وإمكاناته العلاجية؛ فالتقنية لا تزال في معظم هذه التطبيقات أداة بحثية، ولم تصبح علاجًا سريريًا معتمدًا لهذه الأمراض. إننا أمام تحول في فهم الدماغ، حيث لم يعد الضوء وسيلة لرؤية العالم فحسب، بل أصبح أداة لاستكشاف أسرار العقل، والعلاقة المعقدة بين النشاط العصبي والحياة النفسية للكائن البشري.

***

د. قاسم المحبشي

هناك علاقة وثيقة بين المدينة والإسلام، إذ ارتبط الإسلام منذ انطلاقته الأولى بالمدن وحواضر الجزيرة العربية، وتأكد هذا الارتباط مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب التي سارع رسول الله إلى تسميتها بالمدينة.

فعلاقة الإسلام بالمدينة والحواضر علاقة حميمة، إذ أن مجموع قيمه ومبادئه تدفع نحو الإقامة والاستقرار النفسي والاجتماعي، وقد قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، ومن المؤكد أن الإقامة والاستقرار الذي يوفرهما الدين الإسلامي، من الشروط الضرورية لتأسيس المدينة وفق قواعد ومتطلبات تزيد من فعالية الناس وحيويتهم الحضارية.

والمدينة أو الحاضرة لم يجعلها الإسلام بلا قانون وترتيب إداري يساهم في تنظيم شؤون المدينة من جميع النواحي، وإنما عمل على تنظيم شؤون المدينة ودفع باتجاه الحشد واستكمال الجماعة، وحارب كل النوازع التي تحول دون استقرار المدينة وتطورها النفسي والاجتماعي والحضاري.

والإسلام هنا لم يلغ نظام الطاعة الطبيعي، إلى الأسرة، العشيرة، القبيلة، وإنما جعل طاعتهم في سياق طاعة الشريعة والالتزام بقيمها ومبادئها. ولقد جاء في المأثور (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

فالإسلام أسس مفهوم الطاعة على أسس جديدة، ومعايير متعالية على معايير التراب. فالطاعة أضحت مع الإسلام إلى الشريعة وليس إلى أي معيار آخر، ولا شك أن طاعة الشريعة والالتزام بهديها وترتيب المواقف والخيارات وفق هديها، هو من الشروط الأساسية والاستقرار السياسي والحضاري، وخلق المجتمع المدني في المجالين العربي والإسلامي.

والطاعة وفق هذا المنظور، هي التي تصهر التمايزات أو تجعلها في سياق الوحدة والبناء والانفتاح والتسامح، بدل أن تكون وسيلة وسبباً للانكفاء والانعزال والتفتت والانخراط في مشروعات تجزئية، تزيد من ضعف الأمة على المستويين السياسي والحضاري.

وفي التاريخ العربي والإسلامي، نرى نموذج الحالة المدنية في فعاليات المدينة الإسلامية، والدينامية الاجتماعية التي عبَّرت عن نفسها بأشكال من التوازن بين التدخل السلطاني، الذي يتمثل في مؤسسات الوالي والقاضي والمحتسب وصاحب الشرطة، وبين الحاجات الاجتماعية (المدينة) التي عبرت عن نفسها بابتداع أشكال من المؤسسات التي تقوم بممارسة دورها في هذا الصدد.

فالنشاط المديني (على حد تعبير وجيه كوثراني) الذي تركز بشكل أساسي في الإنتاج الحرفي والتجارة انتظم في (الأصناف) وهذه الأخيرة هي تنظيمات اجتماعية تراتبية متماسكة، كل تنظيم فيها يعبِّر عن أهل حرفة من الحرف. والملاحظ أن (الصنف) يعتمد على تراتبية أهل الصوفية ابتداء من المبتدئ (المريد) إلى الصانع، إلى المعلم، إلى شيخ الحرفة، إلى شيخ السوق، وبين كل مرتبة تقوم أعراف وطقوس وأخلاقيات وتقنيات تعبر بدورها عن التفاوت الحاصل بين كل مرتبة ومرتبة في المعرفة والقيمة، أي وفقاً لدرجات تحصيل أو معرفة (سر المهنة) الذي أضفى عليه الطابع القدسي.

فالروح والتراتبية المعنوية اللتان بثهما النشاط الديني تشكلان نقطة الانطلاق والتطوير للمسألة المدنية في المجالين العربي والإسلامي، إذ أن تراث العرب والمسلمين التاريخي في هذا الإطار، ثري، ومتوفر، وذو مضمون عميق على مستوى التجربة التاريخية، والخبرة التي أوجدها في النسيج المجتمعي.

وذلك لأن التحولات القسرية أو الفجائية، يصاحبها تمزق اجتماعي رهيب لا يجعلها منتظمة في سياق متكامل، وإنما يحولها وكأنها جزيرة معزولة عن المحيط العام.

والذي يؤكد هذا الاتجاه (الانطلاق من التجربة المدينية العربية والإسلامية لتنمية مؤسسات المجتمع المدني في الفضاء العربي والإسلامي)، هو أن القيم المدنية والدينية في الإطار الإسلامي منصهرة فيما بينها وهناك تطابق محمود بين القانون الديني والقانون المدني في التجربة الإسلامية التاريخية.

وانطلاقاً مما ذكره (دونالد سميث) حول الفرق بين النظم العضوية ونظم الكنيسة الدينية، يمكن اعتبار الإسلام ديناً عضوياً، ذلك لأنه يتضمن قيماً ومبادئ تعلي من الشأن المدني والإنساني، وهذه القيم هي التي تحدث قفزة نوعية في علاقة الإنسان بالمكان والزمان، وعلاقته مع بني جنسه، لذلك فإن (المديني في جميع أشكاله القديمة والحديثة يظهر كواقع جديد أو كنتيجة لتمفصل النظام الاجتماعي والنظام المكاني، بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات المكانية رباط جدلي لا يمكن اختزاله إلى أحد طرفيه، وإذا صح أن نسمي الواجبات الاجتماعية نظاماً فإن حيز المديني، حيز الظروف الجديدة، يشكل بذاته نوعاً من التجاوز، أي عامل تغيير وتحقق.

ومن هنا فإن المدينة لا تعكس بشكل سلبي نظاماً اجتماعياً معيناً، ولكنها تلعب أيضاً دوراً نشطاً في تحويل هذا النظام ذاته وفي استخدامه، فهي تنظم جملة من الاحتمالات، والمحظورات التي في ظلها يتطور أفراد وجماعات وأقوام يرسمون استراتيجيات مختلفة لتحقيق أهداف خاصة أو جماعية) - راجع مجلة الفكر العربي المعاصر عدد 29ص

50.ويبدو لي أن القفزة النوعية، التي تحدثها القيم المدنية في النسيج المجتمعي، هي التي تبرز كطاقة خلاقة متجهة إلى بناء واقع اجتماعي يتمثل هذه القيم على مستوى علائقه المختلفة، ويتجسد كنموذج يطمح إلى التوسع والامتداد، بحيث يكون هو النسق الاجتماعي السائد.

على هدى هذا نستطيع القول: إن المسألة المدنية كقيم متجسدة في حركة الإنسان الخاصة والعامة، وكشبكة للعلاقات الإنسانية، لا يمكن فهمها خارج السياق التاريخي لواقعنا ومجتمعنا. لهذا نحن بحاجة دوماً إلى البحث عن الإطار والقاعدة اللتين تحتضنان هذه القيم وتطورها في المحيط العام.

والمسألة المدنية في المجتمعات الإنسانية، تأخذ أشكالاً وصوراً متعددة، فهي نمط من العلاقات الاجتماعية والثقافية والحضارية، قائم على العمل المؤسسي، متجاوزاً ذلك كل الأنماط والسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي لا تخرج عن واقع الأنا الضيق، وتسعى نحو تحجيم نشاطها في إطار من الإمكانات الشخصية بوحدها. فكل نمط مؤسسي، يمارس فعلاً اجتماعياً عاماً أو ثقافياً أو حضارياً، فهو جزء من المسألة المدنية ومفهوم المجتمع المدني في المجال العربي والإسلامي.

ومنها قدرة القوى الاجتماعية المتعددة في المنطلقات والغايات، على إدارة تنافسهما وعملهما في محيط اجتماعي محدد بوسائل سلمية - حضارية. فالشأن العام في المجتمع، يدار عن طريق قوى اجتماعية تتكامل مع بعضها البعض بشكل مباشر أو غير مباشر، وتتنافس مع بعضها بوسائل تثري الواقع المجتمعي وتنضجه وتزيد من خبرته في إدارة تنافس أبنائه أو صراعهم. وأساس هذه القدرة على التنافس السلمي في إدارة الشأن العام، هو تفعيل القواسم المشتركة بين هذه القوى، والتسالم والتراضي على جملة من المنطلقات والغايات التي تكون تطلع الجميع حتى وإن اختلفت أساليب الوصول، وتعددت وسائل التعبير عن هذه المنطلقات والغايات. فالمجتمع المدني هو عبارة عن الإطار المؤسسي لممارسة المسؤولية الدينية والوطنية، وهو أحد جسور الأمة لإنجاز تطلعاتها وتنفيذ طموحاتها. وواقعنا العربي والإسلامي في هذه اللحظة التاريخية، بحاجة ماسة إلى قيمة المجتمع ومبادئ الممارسة المدنية، التي تبحث عن المشترك وتبرزه، وتعمق مفهوم التواصل والحوار كنهج ثابت ودائم في التعاطي مع الآخرين، وتمتص خبرات الآخرين وأفكارهم على قاعدة نسبية الحقيقة، وتنشر قيمها وأفكارها بالحوار والحرية والمجادلة بالتي هي أحسن ..

***

محمد محفوظ

ليس الوعي نافذةً نطلّ منها على العالم فحسب، بل هو طريقة وجود نختبر بها الأشياء، ونمنح التجربة معناها، ونصوغ من خلالها علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالكون. ومن هنا تنشأ «كيمياء الإدراك»: ذلك التفاعل الخفي بين ما يحدث في الخارج وما يتشكّل في الداخل، بين الواقعة كما تقع، والواقع كما نفهمه ونعيشه.

فالإنسان لا يستقبل تجاربه استقبالًا محايدًا، بل يعيد تركيبها داخل مختبره النفسي والروحي. والتجربة، مهما كانت قاسية أو ملتبسة، لا تصل إلى أعماقنا في صورتها الخام؛ إذ تمر عبر مصفاة الإدراك. ولدى الإنسان اليقظ تتحول التجربة إلى رحيق صافٍ من الدلالة، وحتى المواد السامة التي تحملها بعض الأحداث يمكن أن تُستخلص منها معانٍ علاجية، إذا أحسن الوعي قراءتها، وحوّل الألم من عبء مقيم إلى معرفة تمنح الداخل قدرًا من السكينة.

أما الغافل، فقد يحوّل هذا الرحيق المصفّى بيديه إلى مصفوفة سلبية أو وباء داخلي؛ لا لأن الحياة حكمت عليه بالعتمة، بل لأن اضطراب تردداته الداخلية يعيد إنتاج التجربة في صورة أكثر قسوة. وهكذا لا يعود الحدث وحده مسؤولًا عن الألم، بل الطريقة التي استقر بها في النفس، والصورة التي أعيد بها تدويره في الذاكرة والخيال.

إن الأفعال الإنسانية لا تكتسب معناها من شكلها الخارجي وحده، بل من كثافة الوعي الذي يصدر عنها. فالفعل نفسه قد يكون عابرًا في يد، عميق الأثر في يد أخرى؛ وقد ينبع منه البناء أو الهدم، الرحمة أو القسوة، تبعًا للحضور الداخلي الذي يرافقه. إن جوهر الفعل لا يقيم فقط في ما يفعله الإنسان، بل في مقدار ما يعيه وهو يفعل.

من هنا تتضح أهمية الصحوة الفكرية؛ فهي انتقال من العيش تحت سلطة العادة والخوف إلى العيش في ضوء البصيرة. فعندما يستيقظ الوعي، تسقط الحاجة إلى الكبح النفسي؛ لأن الإنسان لا يعود مضطرًا إلى قهر مخاوفه بالقوة، بل يبدأ في رؤيتها وفهم جذورها والتحرر من سطوتها. عندها يريه نور الوعي ما يتجاوز خطوته التالية، ويفتح أمامه إمكان غسل العقل وإعادة برمجة الذات، بعيدًا عن برمجة المعاناة والقناعات المقيّدة التي ورثها.

فالإنسان لا يرث ألمه فقط، بل قد يرث تفسيره للألم أيضًا. وقد يعيش طويلًا داخل قوانين نفسية لم يخترها، حتى يظنها قدرًا نهائيًا. غير أن الصحوة تمنحه فرصة استعادة حقه في النظر والاختيار؛ فيتحول من ذات تبرمجها مخاوفها إلى ذات تراجع خرائطها الداخلية، وتعيد كتابة علاقتها بالحياة.

وفي هذه الرؤية، يبدو الواقع الأصلي للإنسان مهيأً للتجلّي بيسر، لا بمعنى غياب العقبات، بل بوصف اليسر انسجامًا بين الداخل والخارج، والنية والفعل. ويكمن السر في تردد الانبعاث الداخلي أمام الواقع: فإما أن يتجلّى الإنسان إلى حقيقته النورانية، وإما أن يبقى مبرمجًا لألمه ووهمه، يكرر الدائرة نفسها وإن تغيّرت الوجوه والأمكنة.

وليس الكون، في التصور الروحي، فضاءً مغلقًا أو شحيحًا، بل هو مستعد للعطاء بتدفق لا محدود؛ هدايا ومنح مهيأة منذ الأزل. غير أن الإنسان قد يقف خلف الباب مترقبًا الغد بخوف. والخوف لا يعكّر صفو الروح فحسب، بل يضع الجسد في حالة إنذار، فيغدو المستقبل امتدادًا آليًا للخوف بدل أن يكون مجالًا للإمكان.

أما «حقل الأثير»، فيقدّم صورة رمزية للمصفوفة الخفية التي تسبق تجلّي المادة في الواقع المشهود؛ حقلًا سيّالًا تنطبع فيه، وفق هذا التصور، هندسة الطاقة وسيرورة الزمن الفردي والجمعي. وهنا لا يظهر الواقع كتلة جامدة، بل حركة من الاحتمالات والتشكّلات. فالإنسان لا يقف خارج العالم مراقبًا من مسافة محايدة، بل يشارك في رسم صورته من خلال الانتباه والتوقّع والنية.

وحين تكتمل البصيرة، يصبح الإدراك هو الاستثمار الأعمق؛ إذ تستمد الأشياء قيمتها من المعنى الذي نمنحه لها. إن الكون، كما تراه هذه الرؤية، شبكة خفية من العلاقات، وكل نية وكل علاقة تسهم في تشكيل الواقع الذي يرسمه الإنسان ويوجهه بإرادته. ومن ثمّ يصبح الواقع لوحة متغيرة، تتشكل بالطريقة التي نفهم بها ما يحدث ونمنحه معنى.

إن هندسة الكون تبدأ من هندسة الداخل. وما لم يراجع الإنسان خرائط خوفه وقناعاته الموروثة، فلن يرى اتساع الإمكانات المحيطة به. أما حين يصفو الإدراك، تتحول التجربة إلى معنى، ويغدو الوعي جسرًا نعبر عليه من ترددات الخوف إلى رحابة الحقيقة.

***

الكاتبة: زينب طارق – العراق

من الإصلاح الديني إلى تفكيك المرجعية

لم تكن الحداثة حدثاً طارئاً أو مجرّد حركة أدبية وفكرية في فضاء التاريخ الأوروبي، بل كانت تحوّلاً بنيوياً في نمط الوعي الإنساني، انتقل فيه الفكر من دائرة الاتباع إلى أفق الإبداع، ومن هيمنة المرجع إلى سيادة الذات. كانت إرهاصاتها الأولى، كما أشار المؤرخون، متشابكة مع حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر التي قادها مارتن لوثر، إذ كان الانشقاق الديني آنذاك أكثر من تمرّد لاهوتي؛ كان ثورة على الوسيط، على السلطة التي تتحدث باسم المطلق، وعلى اللغة التي كانت حكراً على المقدّس. منذ تلك اللحظة، بدأت الذات الأوروبية تكتشف صوتها الداخلي وتعيد بناء علاقتها بالعقل، بالزمن، وبالعالم.

الحداثة كتفكيكٍ للمرجعية وبناءٍ للذات:

يقول ميشيل فوكو: "ما تُسمّيه الحداثة ليس سوى لحظة وعي الإنسان بذاته ككائنٍ تاريخيّ قادر على إنتاج المعنى".

هذا التحول الذي بدأ مع لوثر وبلغ ذروته في عصر التنوير، أزاح مركز الحقيقة من السماء إلى الأرض، ومن الغيب إلى العقل. وهكذا، أصبحت الحداثة نقطة انعطافٍ في مسار الكينونة الإنسانية، إذ لم تعد المعرفة تسعى إلى تفسير النصوص، بل إلى تفسير الوجود ذاته.

في المقابل، شهد القرن السابع عشر صراعاً أدبياً محتدماً بين من رأوا في الماضي الكلاسيكي نموذجًا للكمال الفني مثل لافونتين وراسين وبوالو، وبين من رأوا في الحداثة حركة تحرير جمالية من سطوة المحاكاة والتقليد، مثل فونتنيل وبيرو وكورناي.

كان الصراع في جوهره صراعاً بين العقل المقلّد والعقل المبدع، بين ميتافيزيقا الكمال وبين جمالية النقص، بين ما أسماه هايدغر "الوجود المكرور" وما بشّر به الأدب الحديث بوصفه انبثاقاً للكينونة في لحظتها الراهنة.

اللغة كمرآةٍ للتحوّل:

منذ أن تحرّرت الفكرة من قيد الميتافيزيقا، تحرّرت اللغة أيضاً من كونها أداة وصفٍ إلى كونها أداة كشفٍ وإبداع.

لم يعد الشعر مرآةً تقلّد الجمال بل أصبح، كما قال بودلير، “صناعةً للدهشة”.

ومع ديدرو وروسو وفولتير، لم تعد الكتابة مجرّد بلاغةٍ لسانية، بل موقفاً فكرياً وأخلاقياً من العالم.

أصبح النص فضاءً للتساؤل لا للامتثال، ومختبراً للتفكير لا للنقل.

وإذا كان روسو قد نادى بالعودة إلى الطبيعة بوصفها ملاذًا للصفاء الإنساني، فإن فولتير رأى في التقدّم العلمي والعقلاني جوهر الحداثة، فكانت رسائلهما المتبادلة – وإن امتلأت بالاحتقار والسخرية – صورةً رمزية لانقسام الوعي الحديث بين الروحاني والعقلاني، بين الحسّ الإنساني والعقل الأداتي، وهو انقسام ما زال يُغذي الفكر الفلسفي حتى اليوم.

من الأدب إلى الفلسفة: جدلية القديم والجديد:

يرى ت. س. إليوت أن “الحداثة ليست قطيعة مع الماضي، بل وعيٌ بالماضي بطريقة جديدة”.

بهذا المعنى، لا يمكن فهم الصراع بين الكلاسيكيين والمحدثين إلا كجزء من الحوار الأبدي بين التقاليد والإبداع.

فـكورناي وفونتنيل، في دفاعهما عن التجديد، لم يسعيا إلى هدم التراث بل إلى تحويله من نصٍّ مغلق إلى نصٍّ مفتوح.

وفي هذا التحول ولدت فكرة "الحداثة الجمالية" التي جعلت من الفن مرآةً للزمن لا لأساطير السلف.

لقد أرست هذه الجدليات أرضية الثورة الفكرية التي تجلّت لاحقًا في فكر كانط وهيغل، حيث أصبح الإنسان هو المبدأ والمآل، والعقل هو السلطة العليا التي تشرّع للمعرفة والأخلاق والجمال معاً.

الحداثة كوعيٍ بالمستقبل:

إنّ الحداثة ليست لحظة تاريخية منتهية، بل حالة مستمرة من النقد الذاتي.

كما قال يورغن هابرماس: “الحداثة مشروع لم يكتمل بعد”، لأنّ كل لحظة تجديد تخلق ضدها لحظة مقاومة.

من هنا، فالصراع الذي بدأ في القرن السابع عشر بين القديم والجديد لم يكن مجرد معركة أدبية، بل تجلٍّ لصراعٍ أعمق داخل الوعي الإنساني بين الخوف من التغيير والرغبة في الانبثاق.

خاتمة:

لقد كانت إرهاصات الحداثة مخاضًا مؤلمًا لولادة الذات من رحم الجماعة، ولانفصال الكلمة عن الوصاية، ولانبعاث الإنسان ككائنٍ حرّ يصوغ مصيره بالمعرفة لا بالعقيدة.

وما زال سؤال الحداثة مطروحًا اليوم كما كان بالأمس:

هل هي خلاصٌ من التقاليد أم مأزق وعيٍ متورّط في ذاته؟

لكنّ المؤكد أنّها كانت – وستبقى – تلك الشرارة التي أيقظت العقل الإنساني من سباته الطويل، وجعلته يرى أن الطريق إلى الحقيقة يبدأ دائمًا من الشكّ، وينتهي دائمًا إلى الإنسان.

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

أزمة غير مسبوقة في تاريخ الوعي الإنساني

شهد التاريخ البشري عبر عصوره المتعاقبة اندثار حضارات عريقة وتفكك مجتمعات بأكملها، لمجرد أنها أخفقت في التكيف مع متلازمات عصرها، أو عجزت عن خلق تناسق عضوي بين بنيتها القيمية ومتغيرات بيئتها. غير أن قراءة متأنية للواقع المعاصر تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ فالوضع الحالي لا يشبه أي أزمة تاريخية سابقة، بل يمثل "عقدة فريدة" غير مسبوقة في تاريخ الوعي الإنساني. لم تسبق للمجتمعات المندثرة أن التقت أو صرعت مثل هذا الطوفان الرقمي العابر للحدود، والذي لا يكتفي بتغيير الأنماط المعيشية، بل يعيد هندسة الغريزة الإنسانية ذاتها عبر شاشات الهواتف الذكية. ومن هنا، باتت البشرية جمعاء، في الشرق والغرب، تواجه هزات قيمية واجتماعية عميقة يمكن تفكيك أبعادها عبر النقاط 

السقوط القيمي العالمي وتلاشي الحدود عولمة الابتذال وأثر التكنولوجيا

لم يعد التخلخل الأخلاقي وتراجع منظومة القيم الحميمية والروابط العاطفية الصادقة حكراً على مجتمع دون آخر، بل إن نظرة فاحصة للواقع الإنساني المعاصر تؤكد أن العالم بأسره يتعرض لهزة قيمية واجتماعية غير مسبوقة. إن الحنين إلى الرمزية التاريخية للحب العذري والنقاء الوجداني لم يكن يوماً ميزة جغرافية خاصة بالشرق وحده؛ فتماماً كما تزخر التراجيديا والآداب العربية بقصص الخالدين قيس وليلى، وعنترة وعبلة، فإن الأدب والتاريخ الأوروبي والعالمي يمتلكان أساطيرهما الكبرى مثل روميو وجولييت، فضلاً عن فلسفة الحب النقي في العصور الوسطى. هذا يؤكد أن "الحياء العاطفي" يمثل قيمة إنسانية فطرية مشتركة عبر مختلف الحضارات والقارات.

ولكن، ما الذي حدث ليتحول هذا النقاء الإنساني المشترك إلى هذا الانحدار المريع؟ الجواب يكمن في بساطة الواقع المعاصر وعولمته؛ فالأجهزة الذكية وهواتف المحمول اليوم باتت تملأ كل بقاع الأرض، وصار الهاتف الذكي رفيقاً دائماً للصغير والكبير في الشرق والغرب على حد سواء. ومن هنا جاءت "الضربة الكونية العابرة للثقافات"؛ إذ سقطت الحصون الثقافية والمحلية أمام زحف الخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي المبرمجة عالمياً لتسليع الجسد وتحويل الغرائز إلى مواد ترويجية تدر أرباحاً هائلة تحت مسمى "اقتصاد الانتباه".

وعلى الرغم من أن هذه الضربة الرقمية طالت المجتمعات الغربية والشرقية معاً دون استثناء، إلا أن وقعها وصدمتها على المجتمعات العربية والشرقية يبدو أشد قسوة وأعمق جرحاً. يعود ذلك إلى أن مجتمعاتنا كانت تستند إلى بنية تقليدية ومحافظة ترتكز بشدة على الاعتبارات الأخلاقية والأسرية، مما جعل الانتقال الصادم من قيم الحياء إلى الانفلات الرقمي العارم يخلق هوة سحيقة وفجوة حادة هزت الضمير الجمعي وأفرزت تداعيات نفسية واجتماعية استثنائية.

اقتصاديات الشهرة الرقمية وعولمة ابتذال الجسد

لم يعد الفضاء الرقمي وسيلة تواصل فحسب، بل تحول إلى سوق عالمية ضخمة تحكمها خوارزميات "اقتصاد الانتباه". في كل بقاع الأرض، من الشرق إلى الغرب، تبارى صناع المحتوى ومن يطلق عليهن "البلوغرات والمشاهير" في تسليع الجسد البشري وتحويل مفاتنه إلى سلع رخيصة تُعرض في مزاد رقمي علني بلا حياء ولا خجل، بغية حصد المشاهدات وتحقيق المكاسب المادية السريعة واللهاث خلف "الترند". هذا الابتذال العابر للحدود أسهم في تجريد المرأة من هيبتها وقيمتها المعنوية، ليصبح الفضاء الرقمي مساحة لتفريغ الغرائز المبتذلة على مرأى ومسمع من الأجيال الناشئة، مما أدى إلى تآكل المعايير الأخلاقية المشتركة في مختلف المجتمعات.

التداعيات النفسية وعزوف الشباب العالمي عن الزواج

لم تقتصر آثار هذا الانفلات الرقمي على الشكل الخارجي، بل امتدت لتلقي ظلالاً ثقيلة ومريرة على نفسية شباب العالم أجمع، وبتأثير أشد وقعاً في المجتمعات الشرقية. فقد غلبت على الأجيال الشابة حالات خيبة الأمل العميقة وانعدام الثقة في إمكانية إقامة علاقات عاطفية شريفة ومستقرة، لاسيما وهم يواجهون سيلاً عارماً من تلك العروض الفاحشة والمجانية التي تقصف عقولهم ليلاً ونهاراً. وقد أسفر هذا المناخ المتشائم عن ظاهرة مقلقة تتمثل في عزوف الآلاف عن الزواج وتفضيل أشكال أخرى من العلاقات البديلة أو العزلة، فضلاً عن تفاقم مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة كالإدمان والانحراف واليأس، نتيجة غياب النماذج السليمة وضياع بوصلة الاختيار الإنساني الصحيح.

تصدع المنظومة الأسرية وغياب الحصانة المجتمعية في عصر العولمة

تكمن الأصول العميقة لهذه الأزمة الكونية في تراجع دور المنظومة الأسرية وتفكك أواصرها التقليدية؛ حيث انشغلت العوائل في شتى أنحاء العالم بتلبية متطلبات الحياة المادية الفردية والرغبات الشخصية، متخلية عن دورها الرقابي والتربوي والإرشادي. هذا الفراغ الأسري ترك الأبناء عرضة لتيارات التقليد الأعمى للمجتمعات المفككة، ودفعهم نحو مغريات الانحراف الرقمي دون رقيب أو حسيب. إن عجز الأسرة المعاصرة عن مواكبة ما يتعرض له الأبناء عبر شاشات الهواتف أوجد حالة من العزلة والانفراد داخل البيت الواحد، ليتحول هذا التصدع الأسري إلى الخطر الأكبر الذي يهدد استقرار المجتمعات ومستقبل أجيالها بأسرها

***

ئاريان علي

يرتبط فهم الحياة بالوجود والحضور، وكثير ما يتم فهم الحياة على أنها الحصول على كل ما هو مفضل لدينا، فوعي الحياة غير تشكيلها، لأن الوعي خاص بالفرد وفهمه لها، أما تشكيل صورة الحياة خاص بالمجتمع وشركات الإنتاج والايديولوجيات، فالحياة ليست كما نظن بأنها وليدة اللحظة أو الظروف لوحدها، بل هي مجموع من المعاني والأهداف الوجودية، والقيم الاجتماعية، والضروريات المعيشية التي تهدف لإيجاد معنى للحياة.

فمعنى الحياة يرتبط بما يمكن أن تتشكل الحياة منه، فكل مجتمع أو أيديولوجيا او سلطة له رؤية لمعنى وجودنا في الحياة، فالفلسفة ترى المعنى في التفكير والفهم، والدين يرى المعنى بالطاعة، والسلطة ترى المعنى بالالتزام، والمجتمع يرى المعنى بالعرف والتقاليد، وشركات الإنتاج ترى المعنى في الاستهلاك، فكل سياق له صورة عن الحياة، وهذا هو السبب في اختلاف وجهات النظر في فهم الحياة، لأن كل واحد من هذه السياقات الوجودية تطرح رؤية لكيفية عيش حياتنا.

فالمفاهيم كالحب والكره، والجيد والسيء، والخير والشر، والجميل والقبيح، وما يقع تحت وصاية هذه المفاهيم من لطف وحقد وحسد وشجاعة وكرم وتقبل...الخ. من تلك المفاهيم هي التي تشكل حياتنا وتعيننا على فهم ذواتنا والاخر، إلا أن إخضاع تلك المفاهيم لسياق معين هو الذي يرسم حياتنا ويشكل صورة وجودنا للذات والآخر، وما هي الاشياء المفضلة لدينا؟. فمعنى الحياة مفهوم لا يخضع لسياق واحد، بل فهم متشعب من سياقات متعددة منها النظرة الدينية، والفلسفية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وهذه طبيعية تشكيل الحياة، إلا أن وعي الحياة هو الجانب الإنساني الذي يجب أن نتعامل به مع الحياة، لأن الحياة معادلة تضم صنفان باتجاهات مختلفة الله والإنسان، الأنا والآخر، المرأة والرجل، الذات والسلطة.

 وبحسب قول الطبيب النفسي النمساوي ألفريد آدلر في معنى الحياة: إن الحياة البشرية تعتمد على الحركة، ولكنه من غير الكافي للإنسان أن يتطور جسمانيا فقط، لأن الحركة في حد ذاتها تتضمن معنى التحكم في الذكاء، اي التحكم في العقل. والا فإن النبات يتطور وينمو لكنه غير قادر حماية نفسه أو القيام بردة فعل عند مواجهة خطر ما، ففي ابسط الأحيان لا معنى للحياة الواعية دون أن نتحرك، كما يقول شكسبير في هاملت " بالتأكيد لديك عقل، وإلا ما تمكنت من الحركة ". وعليه إن معاني الحياة هي التي تحركنا وتوجهنا نحو أهدافنا، وحماية أنفسنا، والعمل على تطوير ذواتنا، وتحقيق أمنياتنا، ففهم الحياة ليس بمعزل عن طريقة عيشنا، فالفهم الخاطئ لصورة الحياة يعني عيش حياة وفق تلك الصورة سواءً كانت جيدة أو بائسة.

فالبشرية بمختلف توجهاتها تبحث عن افضل الصور لمعنى الحياة، فمنذ الحكماء قديما والبحث عن صورة الحياة المُثلة، فمنهم من وجدها في الزهد وبعضهم في الضروري وآخرين في الترف واختبار اللذات، وآخرين في الطاعة والعبادة، أما حديثاً فقد تشكلت للحياة معاني اخرى غير الزهد والترف والضروري، بل ما يمكن تسميته بالرفاهية، وهي العيش في لين وراحة، وهذا ما تسعى إليه الشركات والمؤسسات والمنظمات والهيئات لغرض توفيرها للأفراد.

وعليه تم الانتقال من سيطرة وجهة نظر السلطة، والدين، والمجتمع، لمعنى الحياة، إلى سيطرة الشركات والمؤسسات الاقتصادية لتشكيل وعي جديد لدينا للحياة، لأن الرفاهية تتطلب توفير وعرض واستهلاك، فإذا كان الزهد والضروري منخفض التكلفة، فإن الترف والرفاهية مرتفعة التكاليف، لأنها تقوم على حب الظهور وزيادة في المتطلبات. وهذا الأمر يجعل الافراد في رحلة لا متناهية من البحث عن الرفاهية، والبحث عن كل ما هو جديد يؤمن لنا الراحة، لأنها أصبحت هدفاً، وليس وسيلة للحصول على السعادة. فالزهد روحي، والضروري ما هو مفيد، والترف كل ما هو خارج عن حاجتنا، إلا أن الرفاهية ترتبط بتوفير سهولة العيش وهو أمر يرتبط بكل ما هو اصطناعي، فالفكرة من الحياة اليوم، لا تنشأ من داخلها وطبيعتها، بل محاولة لصناعة حياة أخرى غير حياتنا كبشر.

***

كاظم لفتة جبر

 

وفاة النبي ﷺ وبداية السؤال السياسي

تتمثل إحدى إشكاليات قراءة التاريخ الإسلامي في التركيز المفرط على الانتصارات والفتوحات، وتجاهل الهزائم والانكسارات وما تستحقه من تحليل. فقد مالت بعض السرديات التاريخية إلى تصوير الماضي كمسار مستمر من التقدم، متجاهلة لحظات الضعف والتراجع، الأمر الذي أدى إلى قراءة التاريخ من زاوية المنتصرين فقط. وهنا يبرز دور المجتزئين الذين يكتفون بقطف ثمار القوة، متناسين أن الأزمات هي ما يحدث التحولات الحقيقية في البنية السياسية والدينية.

وإذا ما حاولنا إعادة قراءة هاتيك السرديات عبر غرابيل التحليل الفلسفي والاجتماعي، نجد أن الانتصار والهزيمة يتركان أثراً بالغاً في الوعي الجمعي. فالانتصار يعزز ثقة الجماعة في أي نهج تسير عليه، بينما تضع الهزيمة هذا النهج أمام اختبار حقيقي، وتكشف عن تناقضاته التي لم تكن ظاهرة وقت الاستقرار.

ومن هنا، تمتد الهزيمة لتسائل الأفكار ومدى قدرتها على استيعاب المتغيرات، لا سيما حين تتعدد نهوج التفكير داخل المجتمع الواحد. إذن، السؤال الأهم ليس كم انتصر المسلمون أو انهزموا، بل كيف أثرت هاتيك الأحداث في تشكيل الوعي؟. وكيف حوّلت مفاهيم كالخلافة والجهاد والفتنة إلى مرجعيات؟. إن البحث في هذه التحولات يمنع الانزلاق في متاهات التجديف التاريخي، حيث يعمد بعض المجدفين إلى تشويه السياقات لتلائم أهواءهم، متجاوزين حقيقة أن الجماعة أعادت تفسير تجاربها لتؤثر في ممارساتها اللاحقة.

فالهزيمة، في جوهرها، لحظة كاشفة تزيل القناع عن الفجوة بين المثال النظري والواقع العملي، مما يدفع الجماعة للتساؤل عن صلاحية أفكارها في الوقت المعيش. غير أن بعض الجماعات تتهرب من هذه المراجعة؛ فتتشبث بأفكارها السابقة، وتلقي باللائمة على الأغيار، ناهيك عن تأثير ذلك في توجيه شبيبة الأمة نحو الانغلاق بدلاً من النقد.

ولعل وفاة النبي ﷺ سنة 11هـ تمثل أعمق اللحظات لفهم العلاقة بين الحدث التاريخي وتشكّل الوعي. فقد انقطع الوحي، ووجدت الجماعة نفسها أمام أسئلة غير مسبوقة؛ كيف تُدار شؤون المسلمين؟، وعلى أي أساس تقوم الشرعية؟، فلم يكن الأمر مجرد اختيار حاكم، بل كان تأسيساً لطبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والاجتهاد البشري.

وقد كشفت صدمة الوفاة عن ضرورة التمييز بين بقاء الرسالة وانتهاء حياة الرسول-صلى الله عليه وسلم-. وهنا بدأ الانتقال للبحث عن صيغة بشرية لتنظيم السلطة، وتجلى ذلك في (سقيفة بني ساعدة). حيث انتقلت القيادة من مرجعية نبوية إلى سلطة تتطلب التوافق والمواءمة السياسية. ولذلك، حري بنا قراءة هذه الواقعة في ظروفها التاريخية الحساسة، بعيداً عن تأويلات المتأولين التي تسعى لفرض رؤية نسقية مكتملة على حدث كان يغلب عليه طابع الاجتهاد والتفاوض.

ومع مرور الزمن، أصبحت هذه الواقعة موضوعاً للتنظير المستمر حول الإمامة والخلافة. وقد عبّر الماوردي لاحقاً عن هذا التحول بمحاولته تنظيم السلطة السياسية بعد انقطاع الوحي، مما يؤكد أن مسألة الخلافة كانت اختباراً حقيقياً لأي نسق سياسي إسلامي يعتمد على القواعد البشرية والتنافس المفتوح.

وإذا ما انتقلنا إلى الفتنة الكبرى، نجد أن النقاش تجاوز التفاوض إلى الصراع المسلح. وهذه الهزيمة الداخلية أشد قسوة، لأنها تضرب شرعية الجماعة وتفرض أسئلة معقدة حول الفتنة والطاعة والخروج. وفي هذا السياق، يبدوا جلياً كيف اختلط الدين بالسياسة، وكيف ارتبطت المفاهيم الفقهية بذاكرة من النزاع، لتتخذ طابعاً جديداً في المراحل اللاحقة. ومع قيام الدولة الأموية، أصبح الحكم أقرب إلى الملك والتوارث، مما أعاد صياغة أسئلة الشرعية. فخوفاً من تكرار الفتنة، جرى تعظيم قيمة الطاعة للحفاظ على وحدة الجماعة.

وتكمن الإشكالية هنا في تعميم هذه التجربة الاستثنائية على كل العصور، حيث يسعى بعض المتأسلمين إلى استدعاء هذه القوالب وإسقاطها على حاضرنا المعيش لتبرير سياسات أو إدانة خصوم. ولذلك فإن الهزائم تعيد ترتيب أولويات الوعي الجمعي؛ ويبرز منهج ابن خلدون في دراسة العمران وأطوار الدولة لفهم أسباب التراجع بعيداً عن التفسيرات السطحية. ورغم ذلك، تصر بعض الخطابات الدينية على حصر الهزيمة في الانحراف الأخلاقي، أو تحميلها للمؤامرة الخارجية. وحين يتحول أي من هذه التفسيرات إلى حقيقة مطلقة، فإنه يعطل العقل ويدعم مواقف المجترئين الذين يرفضون مراجعة المؤسسات وموازين القوى. وفي الفكر الحديث، قدم مالك بن نبي عبر مفهوم "القابلية للاستعمار" خطوة مهمة لفحص الشروط الداخلية التي تمهد للهزيمة، بدلاً من الاكتفاء بإدانة المعتدي.

فقراءة الهزائم يجب ألا تكون إخفاءً للحقائق حفاظاً على الصورة، لكي لا نقع فريسة في شباك المشككين، بل هي دعوة لمراجعة التصورات التي فقدت فاعليتها. فاستعادة التاريخ لا تعني استنساخه، بل فهم تحولاته. لأن المعاني القديمة للمفاهيم تُستدعى وتُوظف بحسب مصالح الفاعلين وحاجات الحاضر. ومن هنا تبرز خطورة الخطابات الراديكالية التي تنتقي من الماضي سرديات تعبوية تتجاهل سياقها الأصلي، وهو انتقاء متعسف يقودنا إلى زيغ فكري يبتعد بنا عن فهم التجربة الحقيقية.

وهنا تتعاظم مسؤولية المتفقهين والمثاقفين وقادة الرأي؛ إذ لا يكفي تكرار الموروث، بل يجب فحص الظروف التي أنتجته، والتمييز بين الحدث وبين المعنى الذي أُسبغ عليه لاحقاً. فقراءة التاريخ الإسلامي عبر انكساراته لا تعني تضخيم الفشل، بل تعني التوازن والموضوعية في فهم السياقات.

وختاما نقرر أن الهزيمة ليست مجرد حدث يقع للجماعة، بل هي ما تفعله الجماعة بهذا الحدث. فدراسة الانكسارات ليست انشغالاً منفصلاً عن الواقع، بل هي المفتاح الأهم لفهم كيف تشكلت أسئلتنا المعاصرة حول الدين والسياسة والسلطة والآخر.

وللحديث بقية

***

د. بدر الفيومي

 

دراسة في آليات الضبط والمراقبة عبر روبوتات الدردشة

يمكن النظر للإنترنت على أنه بيئة هجينة، إنه مزيج من الأدوات "الحواسيب" والممارسات الإنسانية، بل أن حتى الأدوات تطورت مع مرور الوقت - في العقود الأخيرة فظهرت إستعارات مثل أدوات التواصل الإجتماعي. إن الإنترنت تكنولوجيا حديثة ومبتكرة، بل هو ذروة الإكتشاف التكنولوجي "المعلوماتي" الذي وصلنا إليه حتى الآن. ففي عصرنا الحالي ظهرت المجتمعات الإفتراضية بفضل الإنترنت، وتغير شكل الفعل الإنساني وتوزع في شبكة فاعلين. يُمكن استقراء تطور المجتمعات البشرية في ظل التكنولوجيا من مجتمعات زراعية صغيرة في القرى إلى مجتمعات صناعية ضخمة، وصولًا للمجتمع المعلوماتي "الإفتراضي" أو المجتمع السائل كما يصفه باومان والذي نعتبر أنفسنا جزء منه. تقودنا لتساؤل عميق، مفاده: هل "المجتمع الافتراضي" مجتمع فعلي، أم مجرد فضاء للتفاعل؟. يرى جيمس مور (1998) أن إمكانية الإخفاء التي يتيحها العالم الإفتراضي يمكن أن تسمح لمَن يملكون نوايا غير أخلاقية بشن هجمات على أشخاص آخرين، مثل الإساءة والاستغلال او ترسيخ خطاب الكراهية والعنف الرقمي. بمعنى أنه ينتج ما يُعرف "بتأثير خاتم غيغس" نسبة للشخصية التي وردت في محاورة الجمهورية لافلاطون. فإن كان المجتمع في الواقع المعاش يمارس نوع من الضبط والسلطة التأديبية على الفرد، عن طريق الرؤية الإجتماعية، فإن الشعور بالخفاء وغياب المساءلة يمكن أن يدفع الأفراد إلى سلوكيات غير مثبطة وغير اجتماعية. لكن سواء كان العالم الافتراضي مجتمع حقيقيًا أو مجرد فضاء مفتوح للتفاعل وتبادل الآراء، وجب علينا أن نعي دوافع سلوكياتنا والاثار المترتبة عليها لأننا لسنا مجرد مستحدمون بل فاعلون اجتماعيون، يمكن لأفعالنا أن تؤثر على شريحة واسعة من الناس، لذلك يمكن إعتبار أن الفضاء الافتراضي يعد مجتمعاً بالنتائج. أيضًا يتضح لنا أن ثمة نوع من التأثير الناعم الذي ينشأ داخل هذه المعادلة من قبل الأنظمة السلطوية أو الجهات ذات المصلحة والتي ترى أن لها الحق في إقصاء آرائنا ومنعها ومراقبتها. وهو في رأيي تأثير لا يختلف كثيرًا عن تأثير البانوبتيكون. والأمر يأخذ أبعاد أخرى مع اعطاء مساحة أكبر للذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة في للتأثير، فإن كان الإنترنت قد حولنا إلى "فاعلين إجتماعيين" تؤثر أفعالنا على الآخرين، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي دخلت اليوم ك"فاعل غير بشري" داخل شبكات العلاقات الإنسانية.

في العام الماضي قالت شركة "أنثروبيك" المتخصصة في تطوير الذكاء الاصطناعي -ومقرها الولايات المتحدة– في تقريرها الاستخباراتي عن التهديدات إن مجرمي الإنترنت يستخدمون الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد لشن هجمات إلكترونية. والأمر لا يتوقف على مجرد التهديدات فحسب، ففي 19 فبراير 2025، أقدم رجل على قتل زوجته البالغة من العمر 32 عامًا باستخدام أداة تحريك النار في منزل والديه في ريدفيلد، مين، الولايات المتحدة. ثم اعتدى على والدته، ما أدى إلى نقلها إلى المستشفى. وأدلى طبيب نفسي شرعي بشهادته بأنه كان يستخدم برنامج ChatGPT لمدة تصل إلى 14  ساعة يوميًا، وكان يعتقد أن زوجته أصبحت جزءًا من آلة¹. وفي 23 أكتوبر 2025، قتل تريستان روبرتس، البالغ من العمر 18 عامًا، والدته أنجيلا شيليس بمطرقة قرب منزلهما في بريستاتين ، ويلز. وكان روبرتس قد استخدم برنامج الدردشة الآلي "ديب سيك" قبل الجريمة ليسأله عما إذا كانت السكين أم المطرقة أنسب للقتل. رفض "ديب سيك" في البداية سؤاله، لكنه أجاب بعد أن أخبر روبرتس برنامج الدردشة الآلي أنه يكتب كتابًا عن القتلة المتسلسلين، وهي تقنية معروفة لاختراق نماذج اللغة الكبيرة.²

نلاحظ أن في الفضاء السبراني التقليدي، كان "تأثير خاتم غيغس" ينشأ من شعور الفرد بالخفاء خلف الشاشات والأسماء المستعارة، مما يحرره من الضبط الاجتماعي المباشر. أما مع روبوتات الدردشة، فقد اتخذ هذا التأثير بُعدًا نفسيًا وعاطفيًا خطيرًا يُعرف ب"وهم الحماية السرية المطمئنة" هذا الوهم يعزز من الدفاعات النفسية لدى المستخدم حين يتعامل مع الروبوت بإعتباره ملاذًا أمنًا وليس مجرد أداة.

في أدبيات الخيال العلمي (الإستشرافي)، أطلق دان براون (1998) "الحصن الرقمي" نموذج الترانلستر، وهو أكبر حاسوب فائق استطاعت وكالة الأمن القومي (ان إس إيه)، أن تصل إليه. كان يشكل هذا التطور التقني الجديد طفرة إستخباراتية في مجال تفكيك الرسائل المشفرة في فترة زمنية وجيزة. وكانت الوكالة تنظر للترانلستر على أنه مشروع واعد وقادر على تجاوز كل التحديات المرتبطة بمسألة الأمن القومي. بيد أن هوس الوكالة قادها في الأخير إلى إستخدامه بطرق لا أخلاقية تجاوزت حل الرسائل التي تشكل هجمات إرهابية وخارجية إلى مراقبة شبكة الإنترنت والتنصت على رسائل المستخدمين العادية بدافع الحيطة والحذر، وأحيانًا بدافع الملل!. أو كما تقول: بدافع حمايتهم. الشيء الذي قاد "أنسي تنكادو" - وهو موظف سابق في المؤسسة كان يناهض سياساتها ضد المستخدمين - من إبتكار شفرة برمجية تتحدى مشروع الوكالة، كانت الشفرة بمثابة حصن رقمي يعجز الترانلستر عن حلها أو التعامل معها.

كيف يمكن قراءة ذلك في ظل الإعتماد المتزايد على روبوتات الدردشة في نماذج الذكاء الاصطناعي؟.

إن حديثنا عن نموذج البانوبتيكون الرقمي "الجميع مراقب دون أن يشعر" في هذا السياق الفوكوي - نسبة لميشيل فوكو - لا يمكننا أن نفهم طبيعة التقدم التكنولوجي في مجال الذكاء الاصطناعي بمعزل عن السلطة، سواء كانت في شكل مؤسسات حكومية او شركات. "لا أقول أن الهاتف يراقبك أو أن المدونات الرقمية تقرأ أفكارك" وكل هذا النوع من الهوس التقني، أقصد ببساطة أن أدوات الذكاء الاصطناعي ليست مجرد أدوات محايدة، بل هي امتداد بنيوي لأدوات السلطة والسيطرة الرقمية. ففي مطلع هذا الشهر من العام، قامت امرأة تدعى "كارلي ميشيل هيلر" بكتابة "تهديدات" ضد دائرة الشرطة المحلية داخل دردشة الروبوت كلود (التابع لشركة انثروبيك) معتقدة أن المحادثة سرية تمامًا، لانها تتعامل مع رويوت الدردشة كمدونة أفكا خاصة، فقامت أنظمة الأمان التلقائية بالمنصة برصد التهديد وتحليله، ثم إبلاغ السلطات فورًا، مما أدى إلى اعتقالها. تمامًا كالترانلستر، تبرر الشركات والحكومات هذه المراقبة اللصيقة بداعي "الأمن القومي"، "مكافحة الإرهاب"، أو "منع الجريمة قبل وقوعها"، فالنتيجة تكون تفكيك تام لخصوصية الفرد، فالأفكار والمخاوف وحتى التهديدات غير الواقعية التي كانت تحبس في عقل الإنسان أو تُقيد في نطاق المذكرات اليومية، باتت تكتب في خوادم شركات وادي السيليكون، وتحللها خوارزميات الأمن والذكاء الاصطناعي لحظيًا. لكن هل تتم معاقبة الفرد وفقًا لنواياه؟ لو كنت أنوي قتل شخص ما ثم مات هذا الشخص لسبب من الأسباب هل يمكن إعتباري القاتل الحقي؟ ربما النية - وحدها لا تكفي لإدانة الشخص لكنها مع ذلك تشكل ركنًا أساسيًا.

إن الإعتماد المتزايد على روبوتات الدردشة يحول الفضاء الافتراضي من مجرد "بيئة هجينة" إلى "بيئة توجيهية ورقابية مغلقة"، وهنا تكمن المفارقة، عندما يلجأ الفرد للروبوت هربًا من سلطة المجتمع وضغوطه بحثًا عن مساحة من السرية والأمان، ليجد نفسه أمام نظام رقابي أكثر توغلًا، حيث الخوارزميات لا تكتفي بمراقبة ممارساته فحسب بل أنها تحلل وعيه وأفكاره ونواياه وتعيد تشكيل ذاته من جديد وفقًا لمعاييرها.

***

عمر الفضل

9 أكتوبر 2026

.........................

قائمة المصادر:

Reason, Relativity, and Responsibility in Computer Ethics 1998

1- بيرنز، كريستوفر (17 أكتوبر 2025). "رجل من بلفاست قتل زوجته أمضى ساعات يتحدث مع برنامج الدردشة الآلي (Chat GPT) وكان يعتقد أن الروبوتات تسيطر على العالم" . صحيفة بانجور ديلي نيوز . تاريخ الاطلاع: 4 نوفمبر 2025.

2- دانبار، مارينا (13 أغسطس 2026). "مراهق من ماساتشوستس متهم بقتل والدته وشقيقه استخدم تطبيق ChatGPT" . صحيفة الغارديان . ISSN 0261-3077 . تاريخ الاسترجاع: 17 أغسطس 2026 .

يتردد صدى الكلمات الفاحشة في أروقة المدارس، وزوايا الشوارع، وفضاءات اللعب، حتى غدت بعض الألفاظ التي كانت إلى وقت قريب تُعدّ من المحظورات اللغوية والأخلاقية مألوفة على ألسنة أطفال لم يتجاوزوا سنواتهم الأولى. وأمام هذا المشهد المقلق، يحق لنا أن نتساءل: أين ذهبت براءة الطفولة؟ وكيف تحولت بعض الألفاظ النابية من كلمات يستحي الكبار من التلفظ بها إلى مفردات يتداولها الصغار بعفوية وكأنها جزء طبيعي من قاموسهم اليومي؟إن ظاهرة الكلام الفاحش لدى الأطفال ليست مجرد انحراف لغوي عابر، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مشكلة ألفاظ فحسب؛ فهي في كثير من الحالات انعكاس لما يسمعه الطفل في محيطه الأسري والاجتماعي، وما يراه في الشارع، وما يتلقاه عبر الشاشات، وما يكتسبه من أقرانه. فالطفل لا يولد وهو يحمل قاموسا من الكلمات النابية، وإنما يلتقط اللغة من محيطه، ويقلد ما يسمعه، ثم يختبر أثره في الآخرين.

ومع الأسف، أصبح بعض الأطفال يتداولون مفردات صادمة في فضاءات اللعب والدراسة، ويتعاملون معها وكأنها وسيلة لإثبات الذات أو لفت الانتباه أو الانتماء إلى جماعة الأقران. وقد يضحك بعض الكبار من الطفل عندما يتفوه بكلمة بذيئة، دون أن يدركوا أن تلك الضحكة قد تتحول في ذهنه إلى مكافأة تشجعه على تكرارها. وهنا تبدأ المشكلة في التحول من مجرد تقليد عابر إلى سلوك لغوي مستقر.

ولذلك فإن حماية الطفل من الكلام الفاحش لا تبدأ من المدرسة، ولا من الهاتف، ولا من الشارع، وإنما تبدأ أولا من البيت. فالأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي يتعلم فيها الطفل كيف يتحدث، وكيف يخاطب الآخرين، وكيف يعبر عن غضبه وفرحه ورفضه، وكيف يختلف دون إساءة. وإذا كانت لغة الوالدين نفسها تتضمن السب والشتم والإهانة، فمن الصعب أن نطالب الطفل بأن يتحدث بلغة راقية لم يسمعها في بيته.

فالطفل يتعلم بالمحاكاة أكثر مما يتعلم بالمواعظ. وما يسمعه من أبيه وأمه وإخوته قد يترسخ في ذاكرته أقوى مما يسمعه في درس أو محاضرة. لذلك فإن أول خطوة في الوقاية من البذاءة اللغوية تتمثل في مراجعة اللغة المتداولة داخل الأسرة، لأن التربية لا تقوم على قول شيء وفعل نقيضه، وإنما تقوم على القدوة والممارسة اليومية.

ومن الخطأ أن نتصور أن الطفل الذي يستعمل كلمة نابية يفهم دائما معناها أو يدرك خطورتها. فقد يكرر كلمة سمعها من صديق أو في مقطع رقمي أو في الشارع دون أن يعرف دلالتها الحقيقية. ولهذا فإن الرد على الكلمة البذيئة بالصراخ والإهانة والعنف قد يكون أقل فائدة من الحوار الهادئ. فمن الأجدى أن يسأل الوالدان الطفل: أين سمعت هذه الكلمة؟ ومن قالها أمامك؟ وهل تعرف معناها؟ ثم يوضحان له، بما يتناسب مع سنه، لماذا لا ينبغي استعمالها.

إن الحوار هنا ليس تساهلا مع السلوك، بل هو وسيلة لفهم مصدره وتصحيحه. فالطفل يحتاج إلى أن يعرف أن هناك كلمات تليق بالمقام وأخرى لا تليق، وأن حرية التعبير لا تعني الإساءة إلى الآخرين أو جرح مشاعرهم. وكلما بدأ هذا الوعي في سن مبكرة، أصبح الطفل أكثر قدرة على ضبط لغته في المواقف المختلفة.

كما أن البيت في حاجة إلى وضع قواعد واضحة للسلوك والتخاطب. ينبغي أن يعرف الطفل أن الاحترام ليس اختيارا مؤقتا، وأن السب والشتم والإهانة ليست وسائل مقبولة للتعبير عن الغضب أو الخلاف. وفي المقابل، يجب أن يسمع داخل البيت الكلمات التي نريده أن يستعملها: «من فضلك»، «شكرا»، «لو سمحت»، «أعتذر»، «هل يمكن؟»، وغيرها من العبارات التي تبني في داخله ثقافة الاحترام وتجعله أكثر قدرة على التواصل السليم.

ولا يقل دور الوالدين أهمية في معرفة البيئة التي يتحرك فيها الطفل. فمن المهم أن يعرف الأب والأم أصدقاء أبنائهم، وأن يدركوا طبيعة العلاقات التي تربطهم بهم، وأن ينتبهوا إلى ما يشاهدونه عبر التلفاز والهاتف والمنصات الرقمية. وليس المقصود تحويل البيت إلى فضاء من المراقبة الخانقة، وإنما بناء رقابة تربوية واعية ترافق الطفل وتعلمه كيف يختار، وكيف يميز بين المحتوى المفيد والمحتوى الذي يسيء إلى لغته وسلوكه.

لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم منافسا قويا للأسرة والمدرسة في تشكيل اللغة والسلوك. فالطفل قد يسمع خلال دقائق على هاتفه عشرات العبارات التي لا يسمعها طوال يوم كامل في محيطه الأسري. وبعض المحتويات الرقمية تقوم على الاستفزاز والسخرية والسب والإساءة لأنها تسعى إلى جذب الانتباه وإثارة التفاعل. وعندما يكرر الطفل هذه اللغة في المدرسة أو أمام أفراد الأسرة، فإنه لا يكون بالضرورة واعيا بخطورتها، بل قد يكون مجرد مستهلك لما تقدمه له الشاشة.

وهنا تظهر ضرورة التربية الرقمية. فالمنع وحده ليس حلا دائما، كما أن ترك الطفل أمام الشاشة دون توجيه ليس حلا أيضا. المطلوب هو أن يتعلم الطفل قواعد التعامل مع العالم الرقمي، وأن يدرك أن ما يراه على الشاشة ليس نموذجا يحتذى بالضرورة، وأن الشهرة لا تجعل السلوك صحيحا، وأن كثرة المشاهدات لا تمنح الكلمة البذيئة قيمة أخلاقية.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال التحولات التي عرفتها الأسرة خلال العقود الأخيرة. فإيقاع الحياة أصبح أكثر سرعة، وارتفعت أعباء المعيشة، وأصبح كثير من الآباء والأمهات يقضون ساعات طويلة خارج البيت. وقد تؤدي هذه الظروف في بعض الأسر، إلى تقليص الوقت المتاح للحوار والمتابعة والتوجيه. لكن تفسير الظاهرة بهذه العوامل وحدها سيكون تبسيطا للمشكلة؛ فالكلام الفاحش قد ينتشر في أسر مختلفة اجتماعيا واقتصاديا، ويظل العامل الحاسم هو طبيعة التربية والقدوة والرقابة والتواصل.

ومن هنا، ينبغي الحذر من تحميل الأمهات العاملات مسؤولية الظاهرة. فالعمل ليس سببا في فساد لغة الطفل، كما أن وجود الأم في المنزل لا يضمن بالضرورة تربية سليمة. المسألة أعمق من ذلك؛ إنها مرتبطة بجودة الحضور التربوي، وبنوعية التواصل داخل الأسرة، وبقدرة الوالدين على بناء علاقة قائمة على الثقة والحزم والإنصات.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يطعمه ويكسوه ويوفر له حاجاته المادية، وإنما يحتاج كذلك إلى أب وأم يسمعانه، يحاورانه، يوجهان سلوكه، ويشرحان له حدود المقبول والمرفوض. وقد يكون الوالدان موجودين في البيت جسديا، لكنهما غائبان تربويا بسبب الهاتف والعمل والضغوط اليومية. كما قد يكون أحدهما كثير الانشغال، لكنه يعوض ذلك بحضور نوعي وفعّال في حياة أبنائه.

ولا يمكن أيضا تجاهل دور المدرسة. فالمدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المعارف، بل فضاء لتعلم الانضباط والاحترام والتعايش وتحمل المسؤولية. غير أن المدرسة لا تستطيع وحدها معالجة كل الاختلالات التي يحملها المتعلم معه من البيت والشارع والفضاء الرقمي. فالأستاذ مهما بلغت قدرته التربوية لا يستطيع أن يعوض أسرة غائبة، ولا أن يراقب ما يفعله الطفل خارج المؤسسة، ولا أن يعرف كل ما يشاهده على هاتفه.

لذلك فإن مواجهة الكلام الفاحش تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة. فعندما يسمع المدرس كلمة نابية من تلميذ، ينبغي أن يعالجها تربويا بحزم وهدوء، وعندما يعود الطفل إلى البيت بسلوك غير مقبول، ينبغي للأسرة ألا تكتفي بعبارة «المدرسة هي المسؤولة». وفي المقابل، لا ينبغي للمدرسة أن تتعامل مع كل انحراف لغوي باعتباره دليلا على فشل الأسرة. الطفل مسؤولية مشتركة، والإصلاح يحتاج إلى تكامل الأدوار.

كما ينبغي تعليم الطفل تحمل مسؤولية ألفاظه. فإذا أخطأ، فلا داعي إلى إذلاله أو وصمه أمام زملائه، ولكن من الضروري أن يفهم أن للكلمة أثرا، وأن الإساءة إلى الآخرين ليست أمرا هينا. ويمكن للوالدين والمدرسين أن يساعدوه على استبدال الكلمات البذيئة بعبارات مناسبة للتعبير عن الغضب والرفض والانزعاج، لأن منع السلوك دون تقديم بديل قد لا يكون كافيا.

ومن الوسائل النافعة كذلك إعادة الاعتبار للقراءة داخل البيت. فالطفل الذي يعيش مع لغة غنية ومتنوعة يجد أمامه بدائل كثيرة للتعبير، بينما الطفل الذي لا يسمع إلا لغة محدودة قد يلجأ إلى العبارات الشائعة بين أقرانه. ولذلك فإن توفير كتب مناسبة لأعمار الأطفال، وتشجيعهم على القراءة، ومناقشة ما قرؤوه، كلها ممارسات تساهم في بناء رصيد لغوي سليم، وتشغل اللسان والعقل بما هو أجمل وأنفع.

كما أن العلاقة العاطفية الآمنة بين الوالدين والطفل تشكل جزءا أساسيا من الوقاية. فالطفل الذي يستطيع أن يخبر والديه بما يسمعه في المدرسة أو الشارع أو الإنترنت دون خوف من الإهانة أو العقاب العنيف، يكون أكثر قابلية لطلب المساعدة عندما يواجه محتوى أو سلوكا غير مناسب. أما الطفل الذي يخشى الحديث مع أسرته، فقد يحتفظ بما يسمعه لنفسه، ثم يتحول التقليد تدريجيا إلى عادة.

إن حماية الأطفال من الكلام الفاحش ليست معركة ضد كلمة بعينها، وإنما هي معركة من أجل بناء إنسان يعرف قيمة الكلمة. فاللغة ليست مجرد أصوات تخرج من الفم؛ إنها مرآة لما يتعلمه الإنسان من قيم، وطريقة تعكس علاقته بالآخرين وبذاته. وكل كلمة يتعلمها الطفل اليوم قد تصبح جزءا من شخصيته غدا.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا يتكلم أطفالنا بهذه الطريقة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا يسمعون منا؟ ماذا يشاهدون؟ من يرافقهم؟ ماذا نقدم لهم من بدائل؟ وهل يجدون في البيت نموذجا لغويا وأخلاقيا يستحق التقليد؟

إن الطفل الذي نطالبه بألا يشتم يجب أن يسمع والديه وهما يختلفان دون شتيمة، والذي نطالبه باحترام الآخرين يجب أن يراهما وهما يحترمان من يختلفان معهم، والذي نطالبه بالاعتذار يجب أن يسمع أحد والديه يقول له: «أخطأت، وأنا آسف». فالتربية الحقيقية لا تبدأ بالأوامر، وإنما تبدأ بالقدوة.

وفي النهاية، فإن مسؤولية حماية الطفولة من البذاءة اللغوية لا تقع على طرف واحد. إنها مسؤولية الأسرة أولا، والمدرسة ثانيا، والمجتمع والإعلام والفضاء الرقمي جميعا. لكن الأسرة تظل الحلقة الأولى؛ لأنها المكان الذي يتعلم فيه الطفل أول كلمة، وأول تحية، وأول اعتذار، وأول طريقة للتعامل مع الآخر.

فإذا أردنا أن نستعيد شيئا من براءة الطفولة، فلنبدأ من المكان الذي تتشكل فيه هذه البراءة: من البيت، ومن لغة الوالدين، ومن الطريقة التي نتحدث بها أمام أطفالنا. فالكلمة الطيبة لا تُلقَّن للأطفال فقط، بل تُعاش أمامهم حتى تصبح جزءا من شخصياتهم.

***

بقلم: فؤاد لوطة - كاتب وأستاذ بالسلك الثانوي

 

منذ فترة قريبة انتبه الدكتور استيفان كوكاف لمشروع الأخ ماجد الغرباوي في التسامح. وخصص له مساحة من عدة بحوث نشرها في برلين وبوسطن، باللغتين الألمانية والإنكليزية.

ركز الدكتور كوكاف على مسألتين في هذا الموضوع.

الأول بمعنى التحمل. وأصله باللاتينية توليرنتيا. ويعني المشقة، وهو مفهوم له علاقة بالأنا وليس الآخر. فالمكابدة مع الظروف ومع النفس مشكلة لاهوتية واجتماعية. وغالبا ما ينجم عنها ما يعرف بعلم النفس العصاب (النيوروسيس). ولكن لدى العرب وحسب المعاجم الرسمية تأخذ الكلمة معنى الكرم والوجود والاستعداد للعطاء. ولذلك تتجه نحو معنى التسامي، وأحيانا تكون هي المدخل إلى محاكاة المثال، إن لم يكن الأنا الأعلى. وأرى أنها تدخل في قانون الأب (بلغة لاكان)، وتتحول من فكرة إلى رمز أو قانون يرتكز على المحاكاة الإيجابية. وعلى ما يبدو أن العقل الحضاري يلعب دورا بارزا في تحديد اتجاه المفهومات. فالديمقراطية الغربية (المولودة من خاصرة الإغريق- نموذج أثينا بالتحديد) غير البطريركية الشرقية (المتورطة بجريمة قتل الأب وحداد الأبناء عليه). وبالعودة إلى كوكاف تطور معنى التسامح في الغرب من الضرورة ومعايشة ما تكرهه النفس. ولكنه عند العرب المسلمين يأتي من معنى الصعوبة (شق النفس) وهي العناء الخارج على حد العادة.   وهي شرعيا وفقهيا عارض سلبي - حادث فقط. ويسعى الدين للتخفيف منه (بناء على القاعدة الشرعية: المشقة تجلب إلى التيسير).

المعنى الثاني. وهو الذي أولاه الغرباوي كل عنايته فيدل على التسامح. وهذا الإجراء ينظم العلاقة مع الآخر، ولكن كما لاحظ الغرباوي قد نفهم من الكلمة التساهل. ولا يخلو هذا المعنى من مشكلة التكرم والمنة. غير أن السياق في القرآن (وضمنا ما ورد عن دفع الجزية والوضع الخاص لغير المسلم) له شروط تحكم المعنى وتوجهه.

الشرط الأول أن التسامح ليس منة ولكنه طبع.

الثاني أن الجزية هي الوجه الآخر للزكاة المفروضة على المسلم.

والثالث أن الذمي لا يدفع إلا إذا اختار أن لا يحارب مع جيوش المسلمين. وهذا يقابله في بعض الدول قانون "البدل" الذي يدفعه كل مسلم وغير مسلم إذا طلب الإعفاء من الواجب الإلزامي (كخدمة العلم والخدمة الاجتماعية وسوى ذلك).

ويضيف الدكتور كوكاف على ما سبق الخلافات في المفهوم بين الاتجاه السلفي (وشعاره لا يوجد لماذا في الدين - لأنه لا يجوز مراجعة الفقيه ولا كلام الوحي)، والسلفية التنويرية ومن أمثلتها (جمال الدين القاسمي). وشعارها (الجمع بين العقل والنقل - ونبذ التقاليد واللجوء إلى المصدر الذي لا خلاف عليه وهو القرآن والأحاديث الصحيحة وكلام الصحابة الذين عاصروا الرسول). وما عدا ذلك يحتمل الدس والخطأ والتحريف. وللأسف لم يرد ذكر للقاسمي في الدراسات التي تخصصت بعلاقة التراث مع الثورة - وكان ذلك شعار المرحلة الوطنية التي دشنها ناصر في مصر وتطورت إلى دكتاتوريات عسكرية بشعار قومي في عدة بلدان في شمال إفريقيا وشرق المتوسط. ولكن ورد اسمه بشكل عابر في كتاب للطيب تيزيني قرره على قسم الفلسفة في جامعة دمشق. وعنوانه "التفكير الاجتماعي والسياسي: أبحاث في الفكر العربي الحديث والمعاصر". وقد صدر عام 1981. وإدراج القاسمي في الإسلام العربي له مبرراته. وبالأخص أنه توقف مطولا عند "تعريب" الإسلام إن صحت العبارة. بمعنى أنه كان هدية من السماء للعرب، حتى وإن كانت هدية يترتب عليها مسؤوليات تصل إلى درجة التضحية والعطاء والبذل.

ومن أهم الموضوعات التي عالجها كوكاف كانت عن الإسلام الحركي. وقد اتهمه بالنفعية - وليس البراغماتية. بمعنى تحميله لإيديولوجيا وضعية تعتمد استراتيجية اختطاف الأفكار. وهكذا تحول الفضاء التشريعي والتحرري إلى شعارات وأدوات سياسية وانقلابية أنجبت ما يسميه الغرب الفاشية الإسلامية (كما يرى شتيفان فيلد). ومن أهم صفاتها احتكار الحقيقة - مفهوم الفرقة الناجية وغير ذلك. (لكنه لم يلاحظ أزمة الإسلام الحركي بمختلف تياراته. وأولها اشتراكه بانقلابات ما بعد الحرب العالمية الثانية للإطاحة بحكومات الاستقلال، وتحويل الحكومات إلى دول - ثم استبعاده من كل المراكز الحساسة. وأقارن هذه الأزمة بمشكلة غيفارا في كوبا، وتروتسكي في الاتحاد السوفياتي). يضاف إلى ذلك تجاهل غنى الإسلام الكلاسيكي بالمفهومات (ومن أبرز الأمثلة تحولات وأطوار الإمام الغزالي). وهو عند كوكاف نقطة التقاء تجتمع فيها أفكار ابن تيمية مع نهج ابن عربي، وذلك لخدمة الإنسان وليس العرش. ويأخذ كوكاف على الإسلام السياسي تقديم الغايات والوسائل على القناعات والمبادئ (بلغته: القراءة الأحادية والانتقائية)*.

*** 

د. صالح الرزوق

..............................

*Kokew, S. (2014). Annäherung an Toleranz: Ausgangspunkte, Kontexte und zeitgenössische Interpretationen des Toleranzbegriffs aus dem schiitischen Islam. Ergon/Nomos.

حين تغيب الأسماء العربية ويحضر السؤال العربي

كل عام، حين تفتح جائزة نوبل أبوابها على العالم، لا تبدو المسألة مجرد احتفال سنوي بأسماء تتقدم إلى منصة التتويج، ولا مجرد ميداليات وشهادات وأرقام مالية؛ إنها لحظة كونية يعاد فيها ترتيب خريطة الاعتراف بالإنجاز الإنساني في ميادين العلم والأدب والسلام. وفي هذه اللحظة تحديداً، يجد العالم العربي نفسه أمام مرآة لا تجامل أحداً: ماذا أنجزنا؟ وأين يقف علماؤنا ومبدعونا في المشهد العالمي؟ ولماذا ما زال حضورنا في سجل نوبل محدوداً إلى هذا الحد؟

في عام ٢٠٢٦، ذهبت جائزة نوبل في الأدب إلى الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون، تقديراً لما وصفته الأكاديمية السويدية بنتاجها (الجريء والمبتكر)، وما أحدثته من أشكال جديدة في الأدب المعاصر من خلال حوارها الخلاق مع التراث الكلاسيكي. وهي كاتبة تجمع بين الشعر والنثر والترجمة والدراسة الكلاسيكية، وتتعامل مع الأشكال الأدبية بوصفها فضاءً مفتوحاً للتجريب والتجاوز.

ومرة أخرى، لم يظهر اسم عربي بين المتوجين بجائزة نوبل في الأدب. ولم يكن هذا الغياب جديداً؛ فقد اعتدناه حتى كاد يتحول من سؤال ثقافي إلى قدر متخيل، ومن مناسبة للمراجعة والنقد إلى خبر عابر لا يوقظ في المؤسسات العربية ما يكفي من الأسئلة.

لكن المشكلة ليست في أن العربي لم يفز هذا العام، فالجائزة ليست مسابقة قومية، وليست ميداناً ينبغي أن تتوزع جوائزه بالتساوي بين الشعوب. المشكلة الأعمق أن المجال العربي، بما يملكه من تاريخ معرفي وثقافي طويل، ومن طاقات بشرية واسعة، لا يزال عاجزاً عن تحويل هذه الإمكانات إلى منظومة عالمية متماسكة للإنتاج العلمي والأدبي والفكري.

لقد عرف العرب نوبل، وإن كان حضورهم محدوداً. ففي الأدب كان نجيب محفوظ أول كاتب يكتب بالعربية يحصل على نوبل للآداب عام ١٩٨٨، وقد رأت الأكاديمية السويدية في مشروعه الروائي تأسيساً لفن سردي عربي قادر على مخاطبة الإنسانية جمعاء. 

وفي العلوم، جاء أحمد زويل ليحصل عام ١٩٩٩ على نوبل في الكيمياء عن أبحاثه المتعلقة بالمراحل الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفيمتوثانية، فكان إنجازه العلمي مثالًا على قدرة العالم العربي، حين تتوافر له بيئة البحث والمعرفة، على أن يصنع أثراً في قلب العلم العالمي. 

وفي مجال السلام، حصل أنور السادات عام ١٩٧٨ بالاشتراك مع مناحم بيغن، تقديراً لجهودهما في التفاوض على السلام بين مصر وإسرائيل، بينما حصل ياسر عرفات عام ١٩٩٤ بالاشتراك مع إسحاق رابين وشمعون بيريز تقديراً لجهودهم المرتبطة بمسار السلام في الشرق الأوسط. كما حصل محمد البرادعي عام ٢٠٠٥ بالاشتراك مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودهما في منع استخدام الطاقة النووية لأغراض عسكرية وتعزيز الاستخدام السلمي الآمن لها. 

ومن الضروري هنا أن نميز بين أنواع الجوائز نفسها. فنوبل للسلام ليست جائزة علمية أو أدبية؛ ولذلك لا يجوز وضع السادات وعرفات والبرادعي في الخانة نفسها التي يوضع فيها محفوظ أو زويل. لكل جائزة معيارها ومجالها وسياقها التاريخي. كما أن القول إن الجوائز السياسية «مجرد مجاملات» يختزل تاريخاً معقداً في حكم واحد لا تسنده بالضرورة حيثيات الجائزة الرسمية.

غير أن هذا لا يلغي السؤال العربي، بل يجعله أكثر إلحاحاً.

لماذا لا نرى حضوراً عربياً أكبر في العلوم والآداب والفكر؟

هنا ينبغي أن ننتقل من جلد الذات إلى نقد البنية.

فالمشكلة لا تكمن في غياب المواهب. العالم العربي لم يكن يوماً فقيراً بالمبدعين. لدينا شعراء وروائيون وفلاسفة ومفكرون وأطباء ومهندسون وفيزيائيون وكيميائيون وباحثون في مختلف الحقول. ولدينا ملايين الطلاب والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية. لكن امتلاك الأعداد لا يعني امتلاك منظومة إنتاج معرفي.

فالموهبة الفردية تحتاج إلى جامعة حرة، ومختبر مجهز، وتمويل مستقر، ومجلات علمية رصينة، ومراكز بحث مستقلة، وبيئة تسمح بالخطأ والتجريب، ومؤسسات قادرة على حماية الباحث والمبدع من التهميش. كما يحتاج الأدب إلى دور نشر قوية، وحركة ترجمة واسعة، ونقد أدبي قادر على تقديم المنجز العربي إلى العالم لا إلى القارئ العربي وحده.

وهنا تكمن الفجوة الحقيقية: لسنا بحاجة إلى مزيد من الاحتفاء بالمبدع بقدر حاجتنا إلى صناعة البيئة التي تُنتج المبدع.

إن جائزة نوبل لا تبدأ في ستوكهولم؛ تبدأ قبل ذلك بعقود في المدرسة، وفي الجامعة، وفي المختبر، وفي المكتبة، وفي الأسرة، وفي احترام السؤال، وفي حرية البحث، وفي الاعتراف بأن المعرفة ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الأزمات.

والأشد إيلاماً أن العالم العربي يملك تاريخاً حضارياً يجعل هذه المفارقة أكثر قسوة. فالأمة التي أنجبت الخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس وابن رشد، والتي صنعت تقاليد عريقة في الفلسفة والطب والرياضيات والفلك واللغة والأدب، لا يجوز أن تكتفي باستدعاء ذلك المجد كلما أرادت الدفاع عن حاضرها.

الحضارة لا تُستعاد بالذاكرة وحدها؛ الحضارة تُستأنف بالفعل.

ومن هنا فإن السؤال عن نوبل ينبغي ألا يكون: «لماذا لم يفز العربي؟» فقط، بل: ماذا فعلنا لكي يصبح الفوز ممكنًا؟

لقد أصبحت جوائز العالم الكبرى مرآة لواقع أوسع من الجائزة نفسها. وحين نبحث عن أسماء عربية قليلة في قوائم الفائزين، ينبغي أن نسأل عن عدد المختبرات التي أُنشئت، وعدد الأبحاث التي مولت، وحجم الإنفاق الحقيقي على البحث والتطوير، وعدد الكتب التي ترجمت إلى اللغات العالمية، ومدى استقلال الجامعات، وحرية الباحث، ومكانة الكتاب والمكتبة والمجلة العلمية في حياتنا العامة.

إن النتيجة لا تُصنع في عام واحد، ولا تُنتزع بحملة إعلامية، ولا تُستجدى من لجنة تحكيم. الجوائز الكبرى تأتي غالباً بوصفها أثراً متأخراً لمنظومة نجحت قبل ذلك بسنوات طويلة في إنتاج المعرفة والجمال والقيمة.

أما الشاعر العربي أدونيس، الذي ظل اسمه حاضراً بقوة في النقاشات والتوقعات المرتبطة بنوبل للآداب، فقد غاب مجدداً عن منصة الجائزة في ٢٠٢٦، التي ذهبت إلى آن كارسون. وهذا لا ينتقص من قيمة تجربته الشعرية والفكرية، كما أن عدم الفوز لا يمكن أن يُقرأ بوصفه حكماً نهائياً على قيمة أي كاتب؛ فنوبل ليست سلّماً مطلقاً لترتيب الأدباء في العالم.

إن مأساة الغياب العربي لا تكمن في غياب اسم بعينه، وإنما في أننا لم ننجح بعد في بناء حضور معرفي وثقافي عربي مستمر، يستطيع أن يجعل أسماء كثيرة ــ لا اسماً واحداً ــ جزءاً طبيعياً من المشهد العالمي.

وهنا نصل إلى المفارقة الأكثر مرارة:

نحن نغيب عن كثير من منصات العلم والأدب، لكننا نحضر بكثافة في منصات الصراع.

تنفق المنطقة طاقات هائلة في إدارة الأزمات والحروب والانقسامات، بينما تحتاج المعرفة إلى الاستقرار، ويحتاج الإبداع إلى الحرية، ويحتاج المختبر إلى سنوات من الصبر، ويحتاج الكتاب إلى قارئ، ويحتاج الباحث إلى مؤسسة تحميه، ويحتاج المبدع إلى مجتمع لا ينظر إلى الثقافة بوصفها هامشاً.

وفي عالم تتنافس فيه الدول على الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والطب الجيني، والطاقة، والفيزياء المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية، والعلوم الإنسانية الجديدة، لا يكفي أن نتحدث عن أمجاد الماضي أو أن نحصي أسماء أجدادنا العظام.

العالم لا يمنح الجوائز للتاريخ، وإنما للإنجاز الذي يضيف إلى الحاضر ويفتح أبواب المستقبل.

ولذلك فإن الغياب العربي عن نوبل ينبغي ألا يتحول إلى مرثية سنوية، ولا إلى اتهام دائم للجان التحكيم، ولا إلى نظرية مؤامرة تريحنا من مسؤولية السؤال.

علينا أن نحول لحظة إعلان نوبل من مناسبة للعتب إلى مناسبة للمراجعة.

أن نسأل عن جامعاتنا قبل أن نسأل عن الجائزة.

وعن مختبراتنا قبل أن نسأل عن الميدالية.

وعن حرية الباحث قبل أن نسأل عن اسمه في قائمة المرشحين.

وعن الكتاب الذي لا يجد ناشراً، والمخطوط الذي لا يجد قارئاً، والعالم الذي يهاجر لأن مختبره لا يجد تمويلاً، والشاعر الذي يكتب في العزلة، والمفكر الذي يستهلك عمره في مقاومة العوائق بدل أن يكرس حياته لإنتاج المعرفة.

نوبل ليست المشكلة؛ نوبل هي المرآة.

وإذا أردنا يوماً أن نرى أسماء عربية كثيرة في تلك القوائم، فعلينا ألا ننتظر أكتوبر من كل عام كي نحزن على الغياب، بل ينبغي أن يبدأ العمل في اليوم التالي لإعلان النتائج.

فالميدالية التي تُسلَّم في ستوكهولم ليست سوى اللحظة الأخيرة من رحلة طويلة بدأت، في الغالب، قبل عقود: في عقل طفل سأل سؤالًا غير مألوف، وفي أستاذ شجعه على البحث، وفي جامعة احتضنت فضوله، وفي دولة آمنت بأن المعرفة ثروة، وفي مجتمع أدرك أن الكتاب والمختبر والفن ليست كماليات، بل شروطاً لبقاء الإنسان في التاريخ.

وإذا كان لنا أن نغادر مقاعد المتفرجين، فعلينا أن نبدأ من هنا: أن نصنع الإنسان العربي الذي يستحق أن يضيف شيئاً جديداً إلى ذاكرة العالم، لا أن ينتظر من العالم شهادةً على ما كان عليه أسلافه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

مقدمة: علاقاتنا بين الألفة والانجذاب

تتعدد في حياة كلٍّ منا العلاقات الإنسانية؛ مع الأقارب والأصدقاء والزملاء والجيران وأبناء المدينة الواحدة. ثم تأتي علاقات الحب، التي يفشل الكثير منها، بينما يستمر بعضها الآخر. وبين عشرات، وربما مئات، العلاقات التي مررنا بها مع أشخاص التقيناهم في الدراسة أو العمل ولم تدم طويلاً، حتى إننا لم نعد نتذكر أسماءهم، بينما استمرت علاقات أخرى سنوات طويلة.

لكن بعيداً عن هذه العلاقات التي نشأت في ظل معرفة وظروف سابقة، يحدث أن نلتقي، بين حين وآخر، أشخاصاً جدداً لم نلتقِ بهم من قبل، فنشعر تجاه بعضهم بألفة سريعة، وتنشأ بيننا علاقة قد تصبح، في وقت قصير، أقوى من علاقات قديمة امتدت لسنوات. وقد يلتقي أحدنا بشخص يجذبه، فيأخذ بلبّه ويقع في حبه، سواء أكان أعزباً أم متزوجاً.

هذه الألفة السريعة والانجذاب القوي، اللذان يصعب أحياناً تفسيرهما، نسميهما في لغتنا اليومية «الكيمياء». فما هذه الكيمياء التي تنشأ بين الأصدقاء والأحباء؟ وهل هي مجرد تعبير مجازي، أم أن وراءها فعلاً تفاعلات كيميائية وبيولوجية تحدث داخل أدمغتنا وأجسادنا؟

لماذا نستخدم كلمة «كيمياء» لوصف العلاقات؟

تُستخدم كلمة كيمياء (Chemistry) لوصف ذلك النوع من الانسجام السريع الذي قد ينشأ بين شخصين، سواء أفضى إلى صداقة قوية، أو إعجاب، أو محبة، أو حتى انسجام في العمل. وليس المقصود بالكيمياء هنا معناها العلمي الدقيق، وإنما ذلك التوافق والانجذاب والارتياح المتبادل الذي يصعب أحياناً تفسيره بالعقل والمنطق وحدهما.

والتعبير مستعار من علم الكيمياء؛ فعندما تتفاعل مادتان، قد يؤدي التفاعل إلى تغير في خصائصهما أو إلى تكوين مادة جديدة، وقد يحدث أحياناً عدم تفاعل أو تنافر. وبالمثل، عندما يلتقي شخصان، قد يحدث بينهما انسجام غير متوقع، وكأن تفاعلاً خاصاً نشأ بينهما، فأنتج شعوراً جديداً بالألفة والانجذاب والارتياح. ومن هنا شاع التعبير: «هناك كيمياء بينهما»، أي أن بينهما انسجاماً أو تناغماً أو انجذاباً متبادلاً يتجاوز مجرد التعارف العادي.

وهذه «الكيمياء» لا تعني بالضرورة الحب الرومانسي فقط؛ فقد تنشأ بين صديقين، أو زميلين، أو حتى بين الطبيب ومرضاه، أو بين شخصين يعملان معاً. وهي تظهر غالباً في سهولة الحديث، وسرعة فهم أحدهما للآخر، والتقارب والشعور بالارتياح والثقة، حتى في فترة قصيرة من التعارف.

أما لماذا تنشأ هذه «الكيمياء» أحياناً بسرعة، فقد يرتبط ذلك بتشابه الشخصيات والقيم وطرائق التفكير، وبنبرة الصوت ولغة الجسد وروح الدعابة والخبرات المشتركة، فضلاً عن عوامل نفسية وبيولوجية قد تعمل في خلفية وعينا دون أن ندركها بوضوح.

اللحظة الأولى.. عندما يلفت شخصٌ انتباهنا

هنا يأخذ الموضوع منحى أكثر إثارة. فعندما نلتقي شخصاً ونشعر نحوه بانجذاب أو ارتياح غير معتاد، تبدأ في الدماغ والجسم سلسلة معقدة من العمليات العصبية والكيميائية. وتتداخل فيها مواد وناقلات عصبية وهرمونات، من بينها الدوبامين والسيروتونين والأوكسيتوسين والأدرينالين، ولكل منها أدوار مختلفة في الانتباه والمكافأة، والدافعية، والاستثارة، والتعلّق. ولا يعمل أي منها منفرداً، بل ضمن شبكة عصبية وهرمونية أكثر تعقيداً.

ومن المثير أن هذه العملية لا تحدث دفعة واحدة، بل تتغير ملامحها مع تطور العلاقة. فقد يبدأ الأمر بلحظة انتباه وانجذاب، ثم يتحول إلى رغبة في الاقتراب والتعرّف، وقد يتطور إلى حالة من الحب والتعلّق، ثم إلى علاقة أكثر هدوءاً واستقراراً مع مرور الوقت.

قد تبدأ الحكاية في لحظة عابرة؛ نظرة تلتقي بنظرة، أو ابتسامة، أو نبرة صوت، أو حتى طريقة في الحديث والحركة. وفي تلك اللحظة قد نشعر، من دون أن نعرف السبب، بأن هذا الشخص لفت انتباهنا أكثر من الآخرين.

ماذا يحدث داخلنا في تلك اللحظات القصيرة؟ تبدأ العين والأذن وسائر الحواس بإرسال المعلومات إلى الدماغ، حيث يجري تقييمها بسرعة شديدة، ليس فقط من حيث المظهر، وإنما من خلال مجموعة كبيرة من الإشارات: ملامح الوجه، ونبرة الصوت، ولغة الجسد، والرائحة، وطريقة الحركة، وحتى بعض التفاصيل التي قد لا ننتبه إليها بوعي.

إذا وجد الدماغ هذه الإشارات جذابة أو ذات أهمية، تبدأ دوائر المكافأة والانتباه في النشاط، ويبرز هنا دور الدوبامين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالمكافأة والدافعية والتوقع. لذلك قد نشعر برغبة في النظر إلى الشخص مرة أخرى، أو الحديث معه، أو معرفة المزيد عنه. وكأن الدماغ يقول لنا: «هذا الشخص يستحق انتباهك». وقد أظهرت دراسات التصوير العصبي ارتباط الحب الرومانسي المبكر بنشاط مناطق من منظومة المكافأة والدافعية، ومنها المنطقة السقيفية البطنية (Ventral Tegmental Area).

وفي الوقت نفسه، قد تنشط استجابة الجسم للإثارة واليقظة، بما فيها الجهاز العصبي الودّي (Sympathetic Nervous System)، فتظهر بعض العلامات الجسدية التي نعرفها جيداً: زيادة ضربات القلب، واتساع حدقة العين، وارتفاع درجة اليقظة، وربما شيء من التوتر أو الارتباك. وهنا قد نشعر بما نسميه عادةً «الخفقان».

ولا يعني ذلك أن الدماغ قد قرر أننا «وقعنا في الحب» منذ النظرة الأولى. فالانجذاب الأولي شيء، والحب العاطفي شيء أكثر تعقيداً؛ إنما هي بداية محتملة لسلسلة من العمليات النفسية والعصبية التي قد تستمر إذا تكرر التواصل وازداد الاهتمام المتبادل.

ومن هنا تبدأ المرحلة التالية: نريد أن نعرف المزيد عن هذا الشخص. نبحث عن فرصة للحديث معه، وننتبه إلى كلماته وتفاصيل شخصيته، وقد نجد أنفسنا نفكر فيه بعد انتهاء اللقاء. ومع تكرار التفاعل، يمكن أن يصبح حضور هذا الشخص أكثر أهمية في منظومة المكافأة في الدماغ.

وهنا يدخل الدوبامين في قصة الحب بصورة أوضح؛ فكل لقاء ممتع، أو رسالة ننتظرها، أو ابتسامة نتلقاها، قد يعزز شعور المكافأة والرغبة في تكرار التجربة.

لكن قصة الحب لا يكتبها الدوبامين وحده. فمع استمرار العلاقة وتطورها، تدخل مواد أخرى في الصورة، لكل منها دور مختلف.

ثالثاً: أبطال كيمياء الحب الأربعة

إذا كانت «الكيمياء» بين شخصين تبدأ بإشارات تلتقطها الحواس ويعالجها الدماغ، فإن وراء هذه التجربة شبكة معقدة من النواقل العصبية والهرمونات. ومن أبرز العناصر التي ترتبط بمراحل مختلفة من الانجذاب والحب والتعلّق: الدوبامين، والأدرينالين، والسيروتونين، والأوكسيتوسين. ولكل واحد منها دوره الخاص في هذه القصة.

يرتبط الدوبامين بنظام المكافأة والدافعية؛ ولذلك يمكن أن يسهم في شعورنا بالحماس والرغبة في الاقتراب من الشخص الذي جذب انتباهنا، وأن يجعلنا نتطلع إلى لقائه أو سماع صوته أو تلقي رسالته.

أما الأدرينالين فهو هرمون يرتبط بالإثارة واليقظة واستجابة الجسم للمواقف المنبّهة، ولذلك قد تظهر عند الانجذاب علامات مثل تسارع ضربات القلب، وزيادة الانتباه، والتوتر الذي نشعر به عندما نكون بالقرب من شخص يهمنا.

والسيروتونين ناقل عصبي يؤدي أدواراً واسعة في الدماغ والجسم، ويرتبط بتنظيم المزاج والنوم والشهية وغيرها من الوظائف. وتشير بعض الدراسات إلى تغيرات في منظومة السيروتونين خلال المراحل المبكرة من الحب الرومانسي، وإن كانت العلاقة بينه وبين الحب أكثر تعقيداً من مجرد القول إنه «هرمون الحب».

ثم يأتي الأوكسيتوسين، الذي يرتبط بالتقارب الاجتماعي والارتباط، وله دور في عدد من عمليات الترابط الاجتماعي. ويُفرز في سياقات متعددة، منها التلامس الجسدي والعلاقات الحميمة وبعض التفاعلات الاجتماعية، كما يؤدي أدواراً مهمة في الولادة والرضاعة. وتشير الأدلة إلى تفاعل بين الأوكسيتوسين ودوائر الدوبامين في بعض آليات الارتباط الاجتماعي، لكن تأثير الأوكسيتوسين ليس بسيطاً أو محصوراً في «هرمون الحب».

ولا يقتصر الأمر على هذه المواد الكيميائية؛ فلكلٍّ من الكورتيزول والتستوستيرون دور في كيمياء الحب أيضاً. قد يرتفع الكورتيزول، وهو هرمون يرتبط بالتوتر والاستجابة للضغط، في المراحل الأولى من الوقوع في الحب، وهو ما قد يفسّر شيئاً من القلق والتوتر والانفعال الذي يرافق البدايات. أما التستوستيرون، فيرتبط بدرجة أكبر بالرغبة والانجذاب الجنسي، وهو موجود لدى الرجال والنساء مع اختلاف مستوياته. وهكذا تتداخل مجموعة من الهرمونات والناقلات العصبية لتشكّل ذلك المزيج المعقّد الذي نسمّيه حباً.

ولعل من أبرز من حاولوا تفسير الحب من منظور علمي العالمة الأمريكية هيلين فيشر، التي درست الحب من زاوية علم الأعصاب والأنثروبولوجيا البيولوجية. وترى فيشر أن ما نسميه «الحب» يقوم على ثلاثة أنظمة دماغية متداخلة: الرغبة الجنسية، والانجذاب الرومانسي، ثم التعلّق العاطفي. وترتبط هذه الأنظمة بمزيج من الهرمونات والناقلات العصبية؛ فالتستوستيرون والأستروجين يرتبطان بالرغبة، والدوبامين والنورأدرينالين بالانجذاب والحماس، بينما يسهم الأوكسيتوسين والفازوبريسين في بناء التعلّق والارتباط.

وهكذا، فإن الحب الذي نشعر به في القلب له، في الوقت نفسه، قصة معقدة تجري داخل الدماغ والجسم.

الأوركسترا البيولوجية

لكن الأهم أن هذه المواد لا تعمل منفردة، ولا يمكن اختزال الحب في مادة كيميائية واحدة. فالحب تجربة إنسانية معقدة تشترك فيها دوائر متعددة من الدماغ، إلى جانب الذاكرة والمشاعر والخبرات السابقة والسياق الاجتماعي والعلاقة الفعلية بين الشخصين.

ولهذا يمكن النظر إلى «كيمياء الحب» باعتبارها أوركسترا بيولوجية؛ لا يصنعها عازف واحد، بل تتداخل فيها عناصر كثيرة، ويتغير صوت كل منها مع تغير مراحل العلاقة.

بين كيمياء الصداقة وكيمياء الحب

من المهم الإشارة إلى أن «الكيمياء» لا تقتصر على الحب الرومانسي. فالكيمياء التي تنشأ بين صديقين تختلف في طبيعتها وشدتها عن تلك التي تنشأ بين عاشقين. ففي الصداقة، يلعب التشابه في القيم والاهتمامات وروح الدعابة دوراً أكبر، بينما في الحب الرومانسي تتداخل عوامل بيولوجية أكثر تعقيداً، مثل الرغبة والتعلّق والارتباط العاطفي العميق.

وتشارك منظومات الأوكسيتوسين والدوبامين، إلى جانب منظومات عصبية وهرمونية أخرى، في عدد من أشكال التفاعل الاجتماعي والارتباط، لكن الحب الرومانسي يمتاز بتركيبة خاصة تجمع بين الإثارة والمكافأة والتعلّق في آن واحد.

لماذا تخفت كيمياء العلاقة؟

لكن إذا كانت «الكيمياء» قد جمعت شخصين وأشعلت بينهما الحب، فلماذا تنتهي أحياناً بعض العلاقات، بل ولماذا يفشل بعض الزواج رغم أنه بدأ بقصة حب قوية؟

قد يكون أحد الأسباب أن طبيعة العلاقة نفسها تتغير مع الزمن. فمرحلة الانجذاب والحب المبكر تكون غالباً مليئة بالإثارة والتوقع والمكافأة، بينما تتحول العلاقة مع مرور السنوات إلى حياة مشتركة تتطلب التفاهم والصبر وتقاسم المسؤوليات. ومع تكرار الحياة اليومية، قد تخف حدة الإثارة الأولى، وهذا لا يعني بالضرورة أن الحب انتهى، بل قد يكون انتقالاً طبيعياً من مرحلة إلى أخرى.

لكن المشكلة قد تبدأ عندما ترافق ذلك عوامل أخرى، مثل ضعف التواصل، وتراكم الخلافات دون حل، وفقدان الثقة، والإهمال العاطفي، أو اختلاف القيم والتوقعات. وقد تتحول المشاعر الجميلة التي جمعت الطرفين في البداية إلى مسافة عاطفية إذا لم تجد العلاقة ما يحافظ عليها وينميها.

وهنا يظهر الفرق بين الوقوع في الحب والمحافظة على الحب. فالأول قد يحدث بصورة عفوية وسريعة، أما الثاني فيحتاج إلى اهتمام متبادل، واحترام، وتواصل، وقدرة على تجاوز الخلافات.

ولعل أجمل ما في الأمر أن «كيمياء» البداية ليست بالضرورة هي التي تحافظ على العلاقة؛ فقد تبدأ القصة بشرارة كيميائية، لكنها تحتاج بعد ذلك إلى الإنسان نفسه كي تبقى مضيئة.

خاتمة: بين كيمياء الحب وإنسانية العلاقة

وهكذا نكتشف أن «كيمياء الحب» تبدأ أحياناً بلحظة صغيرة لا نخطط لها: نظرة، ابتسامة، صوت، أو شعور غامض بأن شخصاً ما يختلف عن الآخرين. ثم تتدخل منظومة معقدة من العمليات العصبية والبيولوجية، فتمنحنا الانجذاب والحماس والرغبة في الاقتراب، وقد تتطور مع الوقت إلى حب وتعلّق وارتباط.

لكن الكيمياء التي تشعل البداية لا تستطيع وحدها أن تضمن استمرار العلاقة. فمع مرور الزمن، تتحول الإثارة الأولى إلى حياة مشتركة تحتاج إلى الثقة والاحترام والتفاهم والاهتمام والقدرة على مواجهة الخلافات. وقد يخفت بريق البداية، لا لأن المشاعر كانت زائفة، وإنما لأن العلاقة انتقلت إلى مرحلة جديدة تتطلب جهداً من نوع مختلف.

وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة في «كيمياء الحب»: قد تبدأ بشرارة كيميائية، لكن استمرارها يحتاج إلى شيء يتجاوز الكيمياء نفسها. فما يبدأ بشرارة لا نملك تفسيرها، فان استمراره يحتاج إلى قلبين يعرفان كيف يُبقيان تلك الشرارة متّقدة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

فرش إشكالي: لا تزال المقالة الفلسفية تحتل موقعًا مركزيا في التعليم الثانوي في كثير من الدول التي تمتلك تقاليد فلسفية، بوصفها التمرين الذي يتيح للتلميذ أن ينمّي ملكة الحكم والنقد، وأن يمارس التعبير العقلاني الحر، فيتأهّل بذلك ليكون مثقفًا قادرًا على الالتزام. ولا تزال عبارة فيكتور كوزان، وهو يصف دور الفلسفة في إعداد الرجال والمواطنين الأحرار، صادقة إلى اليوم: «في صف الفلسفة يتعلم الطلاب الحرية من خلال ممارسة التفكير الحر». وقد اكدت كثير من البحوث الأكاديمية انه: «من واجب الفلسفة الاشتغال على تدريب الذكاء وبناء الشخصية وتنمية حرية الأفراد، فالأمر يتعلق بتعلّم التفكير والاستعداد للاختيار الحر مع تحمّل المسؤولية»، لذلك شبّهت الفلسفة بعمل يانوس، الإله ذي الوجهين في الميثولوجيا الرومانية، وجه ينظر إلى الماضي وتراث الفكر، ووجه ينظر إلى المستقبل وحرية الحكم.

غير أن هذه الغايات النبيلة والتي يستمد منها الفعل الفلسفي مشروعيته، لا تعفينا من ملاحظة ميدانية متكررة يعرفها كل من مارس تقييم وتقويم الدرس الفلسفي لاسيما في جانبه التطبيقي المتعلق بالمقال الفلسفي، فبين النية المُعلَنة والإنجاز الفعلي تقع هوّة واسعة. حيث يبدأ أغلب التلاميذ مقالاتهم بمقدمة واسئلة متشابهة مكررة، ثم ينهار البناء مباشرة بعدها. وبدل معالجة الاشكال الفلسفي بحجج مرتبة، يسرد الطالب معارف متناثرة وأمثلة متفرقة وحججًا متناقضة، أو يكتفي بعرض «الرأي وضده» دون أن يُقيم وزنًا لأي منهما. والسبب في ذلك بسيط في ظاهره عميق في جذوره، لقد تعلّم كيف يحفظ المقال في أحسن الأحوال ولم يتعلم كيف يطرح السؤال و يجادل فيه.

وهذا بالضبط ما يحاول مقالنا معالجته، من خلال الربط بين محورين لا ينفصلان في بنية المقال الفلسفي رغم أن تدريسهما كثيرًا ما يُفصل بينهما، الإشكلة بوصفها اللحظة التي يُولد فيها التساؤل، والمحاجة بوصفها اللحظة التي يبلغ فيها فعل التفلسف أبعد مداه. وهذان المحوران يتطابقان مع ما تصفه أدبيات تعليم الفلسفة بالكفاءات الفلسفية الثلاث التي تقوم عليها المادة: الأشكلة، والمفهمة، والمحاجة. من هنا نطرح جملة من التساؤلات التي سترسم خريطة هذا المقال:

- ما الذي يميّز الإشكالية الفلسفية عن المشكلة التقنية؟ وكيف نختبر عمليًّا وجود إشكال فلسفي حقيقي يستدعي كتابة مقال؟

- ولماذا لا تستطيع الأسئلة الجاهزة والمعدة سلفا صياغة اشكال فلسفي حقيقي؟ وما الذي يسقط فيه الطالب حين ينتقل من طرح السؤال إلى سرد الأمثلة دون بناء حجاجي؟

- ما طبيعة المحاجة الفلسفية بالتحديد؟ وهل تخضع لمعيار البرهان العلمي، أم أنها تسكن موقعًا وسيطًا بين البرهان الصارم والإقناع الخطابي المحض؟

- وما الأدوات التي يستعملها الفيلسوف في محاجته؟ وما أخطاء الاستدلال الشائعة التي ينبغي الحذر منها؟

- وأخيرًا، كيف تُترجَم هذه المحاجة إلى كتابة فعلية متماسكة، من الفقرة الأولى إلى الخاتمة؟

من السؤال إلى الإشكال

قبل الحديث عن المحاجة، لا بد من التذكير بالخطوة السابقة عليها، لأن المحاجة تحتاج دومًا إلى شيء نجادل من أجله، وهذا الشيء هو الإشكالية. فثمة فرق جوهري بين ثلاثة أنماط من الأسئلة: سؤال معلوماتي محض من نوع «متى ولد ابن رشد؟»، له جواب واحد قاطع لا مجادلة فيه، ومشكلة تقنية كحساب مساحة دائرة التي هي سؤال مغلق له حل محدد، وإشكالية فلسفية من نوع «هل تقوم السلطة على القوة أم على الرضا المتبادل بين الحاكم والمحكوم؟»، حيث كل إجابة تصطدم بحجج معقولة مضادة، ولا حل نهائي يُغلق النقاش فهي سؤال مفتوح فمثلا عندما يتعامل الطالب مع هذا السؤال«هل تقوم السلطة على الإكراه أم على الرضا؟» يحتاج أولًا إلى ملاحظة منطقية بسيطة يكتسبها بالتمرين لا بالحفظ وهي الانتباه الى الروابط المنطقية فحرف «أو» هنا حصري (إما هذا أو ذاك)، بخلاف سؤال من نوع «هل هدف الدولة الحفاظ على النظام أم إقامة العدل؟» حيث «أم» شامل حيث يمكن أن يكون الهدف كليهما معا. ومجرد توضيح هذا الفرق المنطقي البسيط بين الفصل الحصري والفصل الشامل ينقذ الأستاذ والطالب معا من نصف الأخطاء الشائعة في معالجة هذا النوع من المواضيع.

ويجب ان ننبه هنا الى عدم كفاية صياغة الإشكالية وحدها لانه بمجرد أن يُصاغ الإشكال، يقع أغلب الطلاب في خطأ شائع، هو الانتقال المباشر من طرح السؤال إلى ذكر أمثلة متناثرة، دون بناء حجة حقيقية تربط بينها. وكما تلاحظ كاثرين جوين، أستاذة الفلسفة الفرنسية، فإن كثرة الأوراق التي تخلط بين الأمثلة والحجج ليست سوى انعكاس لخلط أعمق بين السرد والمحاجة حيث الطالب يروي لكنه لا يُجادل. وما يُميّز الخطاب العقلاني، الذي تُبنى عليه المحاجة الفلسفية، عن مجرد السرد أو إبداء الرأي، يمكن تلخيصه في أربعة معايير عملية تستحق أن تُعلَّم صراحة:

1. تحديد ما نتحدث عنه بدقة، عوض استعمال المفاهيم كما اتفق.

2. أن يُجادل الطالب لصالح فكرته، ويستبق الاعتراضات عليها، ويردّ عليها.

3. أن تتسلسل أفكاره منطقيًّا، فتُستنبط كل فقرة مما سبقها، لا أن تُصفّ جنبًا إلى جنب كقائمة تسوّق.

4. ألّا يتوقف عند أول جواب مُرضٍ، بل يستمر في السعي إلى تجاوز الحلول المطروحة ومساءلتها من جديد.

وقد صاغت مجموعة بحث فرنسية بقيادة ميشيل توزي هذا المطلب في حدّه الأدنى الصوري، ألّا تناقض الحجة نفسها، وأن تكون منسجمة مع الأطروحة المدافع عنها، وأن تكون منسجمة أيضًا مع بقية الحجج التي تخدم الأطروحة نفسها، وهو معيار بسيط يمكن للطالب أن يُراجع به نصه بنفسه قبل التسليم.

وهناك تمرين عملي حيث نطلب مثلا من تلاميذ قسم الثانية آداب وفلسفة، في مجموعات صغيرة من شخصين أو ثلاثة، أن يخططوا فقرة واحدة من مقال عبر الحوار والمناقشة، ثم يقارنوا مخططهم بمخطط مجموعة أخرى، هذا العمل يفترض ان كل مجموعة مطالبة بتبرير موقفها أمام آخرين، وهو سلوك من شأنه ان يصقل الحجة أكثر وله مردود اكبر من الكتابة الفردية الصامتة. وقد أظهرت تجارب ميدانية في التعليم الثانوي أن التلاميذ الذين اشتغلوا بالمحاجة الحوارية بين الأقران أدوا أداء أفضل بفارق ملحوظ في مقال حجاجي نهائي، مقارنة بمجموعات ضابطة درست المحتوى نفسه بالطرائق المعتادة، كما بينت دراسات أخرى أن جودة التفاعل داخل المجموعة مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بجودة النص المنتج .

طبيعة المحاجة الفلسفية

أغلب سوء الفهم حول المحاجة الفلسفية ينبع من محاولة إخضاعها لمعيار غريب عنها، معيار البرهان العلمي ولضبط المصطلحات، يقترح لالاند في قاموسه الفلسفي تمييزات دقيقة يحسن استحضارها أمام الطلاب: فـ«الحجة» استدلال موجه لتشريع قضية أو دحضها، و«الدليل» حجة معترف بكونها صالحة ويقينية تحيل إلى وقائع وأحداث ملموسة، أما «البرهنة» فاستنباط يؤكد نتيجة استنادا إلى مقدمات معترف لها بالصدق، و«المحاجة» أو «الحجاج» هي تلك السلسلة من الحجج التي تنتهي كلها إلى تأكيد نتيجة واحدة، أي طريقة تنظيم الحجج وعرضها.

وتاريخيا يمكن الإشارة الى أرسطو الذي أرسى في أعمال الأورغانون تمييزا مبكرا بين الاستدلال التحليلي البرهاني والاستدلال الجدلي المنطلق من آراء معقولة لا من حقائق مبرهنة. وقد ميز أرسطو في هذا الإطار ثلاثة مستويات للاستدلال: البرهان العلمي (في التحليلات الأولى والثانية)، والجدل أو فن المناظرة بالسؤال والجواب في Topics، والخطابة ويشترك الجدل والخطابة في اعتمادهما في الأكثر على حجج الاحتمال لا اليقين، وإن اختلفا في موضوعاتهما وصيغتهما الأدبية.

وفي العصور الوسطى الغربية رسّخت اعتقادًا بأن البرهان وحده هو النموذج الأمثل للاستدلال، فعانى الدرس الحجاجي ركودًا طويلًا في السياق الغربي وفي المقابل شهد المجال العربي الإسلامي، منذ القرن الثامن، ازدهارا حجاجيا كبيرًا مع ترجمة أعمال أرسطو وتوظيف أدواته في علم الكلام والفقه وأصول الفقه، على يد فلاسفة كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، الذين مارسوا الحجاج الفلسفي بدل الاكتفاء بالبرهان الصوري وحده. ونجد هذا واضحًا في نص ابن رشد من «فصل المقال» حيث يستند إلى سلطة الشرع نفسه ليبرر مشروعية النظر الفلسفي، وقد حلل الدارسون هذا النص بوصفه عملا جدليا بالمعنى الأرسطي، يستعمل تقنيات واردة في الجدل، ولا سيما الحجاج من المشابه أي الاحتجاج بتشابه موضوعين لنقل محمول من أحدهما إلى الآخر. وقد اعتُبر «فصل المقال» نصّا يقرر، انطلاقًا من منطق أرسطو، ثلاث طبقات للخطاب، البرهان، والجدل، والخطابة، ويتخذ الجدل أداته الخاصة، حتى مع اعتراف ابن رشد بدور الجدل السالب في تهيئة الأرض أمام الخطاب البرهاني الفلسفي

ولم يستعد هذا الاعتراف الفلسفي بالمحاجة في الغرب المعاصر إلا مع الفيلسوف البلجيكي حاييم بيرلمان، الذي اقترح استبدال الثنائية الحادة بين البرهان والإقناع بنظام ثلاثي أدق: البرهان في طرف، والإقناع العاطفي المحض في الطرف الآخر، والمحاجة في المسافة الصعبة وغير الواضحة بينهما وهي المسافة التي تسكنها الفلسفة فعليًّا. وقد كان هذا التمييز الثلاثي في أصله أرسطيًّا (منطق/جدل/خطابة)، ثم أعاد المعاصرون كتندال وفيغا رينيون إحياءه.

أدوات المحاجة

إذا كانت المحاجة الفلسفية موقعا وسيطا بين البرهان والإقناع كما رأينا، فإنها تستعمل مع ذلك عائلتين مختلفتين من الأدوات يحسن أن يتعرّف عليهما الطالب ليميزهما في النصوص التي يقرأها، وليوظفهما بوعي في كتابته. ويمكن تصنيف هذه الحجج تصنيفين متكاملين: تصنيف عملي قائم على الشكل الظاهر للحجة (جدلي/استدلالي مقابل بلاغي)، وتصنيف نظري أدق اقترحه بيرلمان وأولبريختس-تيتكا.

أولا: الحجج الاستدلالية الجدلية

1- البرهان بالخلف: يفترض فكرتين متعارضتين، تعمل الثانية على دحض الأولى بإظهار ضعفها أو عدم صلاحيتها، كما نجد في أسلوب أبيقور حين يفكك مخاوف الإنسان من الموت بإظهار تناقضها الداخلي. ويُدرج هذا النمط في نظرية الحجاج الحديثة ضمن الحجج المبنية على النتائج، وخصوصًا الصورة المعروفة باسم البرهان بالخلف أو الاستدلال بالخلف، القائم على مبدأ إظهار ما يلزم عن الأطروحة المنافسة من نتائج غير معقولة مؤشره اللغوي: صيغ مثل «لو كان... لكان...، لكن لا يمكن أن يكون... إذن...

2- الاستدلال الاستنباطي أو البرهان المنطقي: ينتقل من مقدمات إلى نتائج بضرورة منطقية داخلية، ويُعرف من أدوات شرطية كـ«بما أن... فإن... إذن». وهو أقرب الحجج إلى الصورة المنطقية، ولذلك يُصنّف عادة في خانة الحجج شبه المنطقية.

3- الاستقراء: يتدرج من أمثلة واقعية متعددة إلى تعميم يُستخلص منها، ويراعى فيه أن يُبيَّن أساس التعميم حتى لا يتحول إلى قفزة غير مبرَّرة.

4- الحجة بالمثال: ينتقل من حالة جزئية إلى حكم أعم بالنظر إلى كونها حالة ممثِّلة لنمط. وقد كان المثال (Paradeigma) أحد نوعي الحجة عند أرسطو في الخطابة إلى جانب القياس الضميري (الانتيميم) .

5- الحجة بالمماثلة: تكشف تناسبًا بين علاقتين مختلفتين، فتنقل الحكم من مجال مألوف القبول إلى مجال آخر، وهي أوسع الحجج استعمالًا في الكتابة الفلسفية المدرسية، لكنها أيضًا أكثرها تعرّضًا للاعتراض، لأن شخص المماثلة لا يشمل كل الأوجه.

6 - حجة المقارنة: تستكشف أوجه التشابه والاختلاف بين حالات متعددة، وتتفرع صورها في تقليد الجدل إلى ثلاثة أنماط على الأقل: آ فورتيوري (بالأحرى أو بالأولى)، وآ مينوري (بالأضعف)، وآ سيميلي (بالمشابه)؛ وقد بُنيت هذه الأنماط في تاريخ الجدل بوصفها قياسات لا تلزم نتيجتها بالخصائص الصورية للحجة، بل بعلاقة مادية بين المقدمات والنتيجة: ما يصدق على الأكثر ينبغي أن يصدق على الأقل ولذلك فهي من الحجج التي تحتاج إلى تبرير مضاف، لا مجرد العرض.

7- الحجاج بالاستناد إلى سلطة موثوقة: كالاستشهاد بأقوال الفلاسفة الكبار او سلطة النص الديني، كما نجد بوضوح في نص ابن رشد من «فصل المقال» حين يستند إلى سلطة الشرع نفسه ليبرر مشروعية النظر الفلسفي ويُدرج هذا النمط في التصنيفات الحديثة للحجاج تحت اسم «الحجة من رأي الخبير» أو الحجة من السلطة وشرطه ألّا يستعمل كبديل عن الحجة، بل داخل سيرورة حوارية تُقيم وزن القول أمام الأقوال المقابلة.

الحجج البلاغية

التشبيه والمجاز والاستعارة والأسئلة الاستنكارية: وهي أدوات لا تقل قيمة حجاجية عن سابقتها، خلافا لما يظنه كثير من الطلاب الذين يعتقدون أن «الجدية الفلسفية» تقتضي الاقتصار على المنطق الصرف. والحقيقة أن أغلب النصوص الفلسفية الكبرى، من ديكارت إلى هوسرل، تُمزج فيها هاتان العائلتان بإحكام، فحين يكتب ديكارت مقارنًا التفلسف باستعمال العينين لهداية الخطوات بدل السير بعينين مغمضتين، فهو يوظّف استعارة بصرية لتقوية حجة عقلية، لا مجرد زخرفة أسلوبية منفصلة عن الاستدلال.

إلى جانب التمييز العملي السابق، يقترح بيرلمان وأولبريختس تصنيفًا رباعيا للحجج هو الأدق في نظرية الحجاج، ويمكن تقديمه للطلاب المتقدمين بوصفه خريطة الحجج وهي على النحو التالي:

الحجج شبه المنطقية: لها مظهر البرهان الصوري دون أن تكون نتائجها لازمة منطقيًّا؛ ومنها حجج التعدّي/التعاقب والحجج المبنيّة على صورة القياس، وحجج المقارنة. وسمّيت «شبه منطقية» لأن استعمال عناصر اللغة العادية في علاقة منطقية يوهم بأن الحجة أقوى، لاعتماد القياس المنطقي والرياضي في الأذهان ومن حسنات إبراز هذه الخانة أمام الطالب أنه يتعلم أن مظهر الصرامة ليس صرامةً، وأن الشكل الاستنباطي قد يخفي فجوة.

1. الحجج القائمة على بنية الواقع: تستمد قوتها من علاقات يراها الجمهور قائمة فعلًا في الواقع، مثل علاقة السبب/النتيجة، والوسيلة/الغاية، والجزء/الكل، والجماعة/أعضائها، والشيء/صفته؛ فيحاول المحاجُّ نقل القبول من إحدى العلاقتين إلى الأخرى مثالها: «أكل الفواكه يساعد على النحافة، فهو يُقنع بتحويل الموقف الإيجابي من النحافة إلى أكل الفواكه

2. الحجج المؤسِّسة لبنية الواقع: تنظم الواقع عن طريق الاستقراء أو المماثلة، فتنتج تعميمات أو منقولات. وتشمل المثال والتوضيح والنموذج، إلى جانب الاستقراء والمماثلة.

3. الحجج التفكيكية (الانفصال): وهي الطبقة الصغرى في التصنيف، وتعمل عكس سابقاتها: تفصل عناصر يراها الجمهور متلازمة، فتُبطل ترابطها. ومن هنا أهميتها الخاصة في المقال الفلسفي المدرسي، لأن أشهر مآزق «الرأي وضده» هو أن الطالب يبدأ من التقابل الجاهز بين الرأيين دون أن يفكك عناصر هذا التقابل.

تجنّب أخطاء الاستدلال الشائعة

لاجل تفادي الأخطاء المنطقية والارتقاء بجودة الكتابة الفلسفية في بعدها الحجاجي لابد من تدريب الطلاب على التمييز بين نوعين من مواقف الكتابة عند التحليل: الحجاج داخل نص فلسفي جاهز، حيث دور الطالب استخراج حجاج الكاتب نفسه عبر تتبّع الروابط المنطقية وتحويلها إلى حجج واضحة دون أن يقحم عليها حجاجه الخاص، والحجاج في مواجهة مقولة أو سؤال مفتوح، حيث يبني الطالب حجاجه بنفسه انطلاقًا مما توحي به صيغة القول وتركيبته المنطقية

ومن أفضل ما يمكن تقديمه للطلاب عمليًّا قائمة مبسطة بأشهر مغالطات التفكير، ليستعملوها كأداة لمراجعة نصوصهم الخاصة قبل تسليمها:

- المعضلة الزائفة: تحصر الخيار بين طرفين فقط بينما توجد خيارات أخرى.

- الخلط بين السبب والنتيجة: كقلب العلاقة السببية بالزعم أن العبيد «خُلقوا للعبودية» لأنهم عبيد فعلًا، بدل تفسير كونهم عبيدًا بظروف تاريخية.

- حجة المنحدر الزلق : تتنبأ بأن أي إجراء جديد سيؤدي حتمًا إلى أسوأ العواقب دون تبرير لهذا التسلسل.

- الهجوم الشخصي: يفنّد الفكرة بالتشكيك في صاحبها بدل مناقشة مضمونها.

وهذه المغالطات الأربع من أكثر المغالطات التي يعمل عليها في تدريس التفكير النقدي، وتحصر في تصنيفات المنطق غير الصوري تحت مجموعة تنتظم معها، الهجوم الشخصي، ورجل القشّ، والاحتكام إلى سلطة غير ذات صلة، والتوسل بالجهل، والاستدلال الدائري، والمنحدر الزلق، والالتباس بين الارتباط والسببية، وقد لاحظ دارسو هذا المجال أن مغالطات من نوع المعضلة الزائفة والمنحدر الزلق والهجوم الشخصي لها وظيفة خاصة في تحليل الخطاب السياسي، حيث تعدد وجهات النظر جزء من طبيعة الخطاب نفسه ومن الناحية العملية يفضل بعد كل مقال يكتبه الطلاب، تخصيص خمس دقائق لتبادل الأوراق بين زميلين، وليبحث كل طالب عن مغالطة واحدة محتملة في نص زميله مستعملًا هذه القائمة، فهذا التمرين يُنمّي «النظافة الفكرية» بتعبير أندريه سينيك أكثر من أي محاضرة نظرية عن المنطق. ويُستحسن أن يُعرض التمرين في صيغة حوار مُؤدّى لا في صيغة قائمة مغلقة، لأن العرض الحواري للمغالطات يقدّمها للطلاب في سياقها الطبيعي؛ مع إبقاء الأمثلة التقليدية للواجبات والمناقشة وللسبب نفسه تُوجَّه اليوم انتقادات لجداول المغالطات المغلقة (اتهامها بالتقادم والتبسيط والانفصال عن السياق والصيغة العدائية)، فتُقترح بدائل تدمج المغالطة في سياق واقعي وفي اشتغال تعاوني بين الطلاب

ويمكن هنا ان نقدم مخطط عملي يمكن توزيعه على الطلاب:

1. صغ السؤال بصيغة تقبل جوابين معقولين ومتعارضين، لتختبر وجود إشكالية حقيقية.

2. عرّف المفاهيم الأساسية الواردة فيه بدقة قبل أي محاجة.

3. اختر الجواب الأول وابنِ له حجتين أو ثلاثًا مرتبة منطقيًّا لا أمثلة معزولة، مستعينًا عند الحاجة بحجة استقرائية أو حجة مماثلة أو استشهاد بسلطة فلسفية موثوقة.

4. استبق أقوى اعتراض ممكن عليه واعرضه بأمانة.

5. انتقل بعدها إلى الجواب المقابل بالطريقة نفسها.

6. لا تكتفِ بالقول إن كلا الرأيين صحيح، بل أظهر أين يبقى التوتر قائمًا رغم كل الحجج، وما الذي تكشفه هذه الصعوبة ذاتها عن طبيعة السؤال نفسه.

7. راجع نصك بحثًا عن مغالطة واحدة على الأقل قبل التسليم، متسائلًا عما إذا وقعتَ في معضلة زائفة أو هجوم شخصي أو منحدر زلق دون أن تشعر.

من المحاجة إلى الكتابة

قد تكون لدى الطالب حجة جيدة في ذهنه، لكنها تضيع عند الكتابة. هنا تنصح كاثرين جوين بجعل الكتابة ذاتها موضوعًا للتعلّم لا مجرد أداة تقييم نهائية، عبر ثلاثة تمارين رئيسية:

1. تدريب الطلاب على تحويل قصة أو مثال شخصي إلى مَثَل عام، يُجرّد الفكرة من حادثتها الجزئية ليصبح قابلًا للنقاش الفلسفي العام.

2. ممارسة الحوار الفلسفي المكتوب بأنواعه التوضيحي والجدلي والتعليمي، فتنوع هذه الأنواع يُظهر للطلاب أن أسلوب الكتابة نفسه اختيار حجاجي لا زخرفة شكلية.

3. توظيف كتابة الرسائل كتمرين يُطالب الطالب بالدفاع عن فكرة فلسفية موجهة لشخص محدد لا لقارئ مجرد، فيتدرب مباشرة على ما وصفه بيرلمان بخاصية المحاجة الثالثة، وهي مخاطبة جمهور محدد طمعًا في صحة كونية.

ويمكن تنظيم هذا كله عبر تمارين متدرجة اقترحتها مجموعة بحث ميشيل توزي، تمرين المحاججة على الشك (ينطلق الطالب من رأي شائع ثم يبحث عن اعتراضات عقلية عليه ليحوّله إلى سؤال مفتوح)؛ وتمرين إيجاد أطروحات متعددة للمحاجة عليها انطلاقًا من سؤال واحد، مع تنويع محتوى المفهوم المركزي بحسب المعنى المقصود منه؛ وأخيرًا تمرين الاشتغال على الحجج ذاتها، بإيجاد تناقض داخلي فيها، أو مناقضتها بحجة من نوع مختلف تمامًا (كمناقضة حجة اقتصادية بحجة أخلاقية)، أو تغيير إطارها المرجعي من الفردي إلى الجماعي ومن النفسي إلى الأخلاقي.

ويُسند هذا التدرّج بما أظهرته أبحاث الكتابة الفلسفية من أن جودة تفاعل الطلاب داخل المجموعة مرتبطة بجودة النصوص، وأن الاشتغال التعاوني يساعد على تحويل الأفكار المجردة إلى مفاهيم فلسفية عملية، وعلى استخدام هذه المفاهيم في خطاب الطالب نفسه، وعلى إشكاله أفكاره وتقديم حجج لسندها كما يُسنده التوجّه إلى جعل الكتابة الفلسفية المبنيّة على مصادر موضوعًا لتعليم استراتيجيات كتابة خاصة بالمادة، وإلى تدريب الطالب على إنتاج أمثلة مضادّة للأطروحة بوصفها مدخلًا إلى تقويضها وتقويمها

الخاتمة

يخطئ من يظن أن الأشكلة والمحاجة مرحلتان منفصلتان، الأولى في المقدمة والثانية في العرض. الحقيقة أن المقال الفلسفي الناجح هو الذي تبقى فيه الإشكالية حاضرة وموجِّهة في كل خطوة من المحاجة، فكل حجة يجب أن تُعيد إنتاج التوتر الذي افتتحته المقدمة وتتقدم بنا خطوة نحو تجاوزه لا حلّه نهائيًّا. وهذا يتسق تمامًا مع طبيعة الاستدلال الفلسفي كما وصفها غرانجي: معرفة لا تقود إلى حقيقة يقينية مغلقة، بل إلى إظهار وإفصاح متجدد.

فالإشكال يفتح الباب، والمحاجة تسير بنا داخل الغرفة خطوة بخطوة، دون أن تُغلق الباب أبدًا خلفنا؛ وهذا بالضبط ما يمنح المقال الفلسفي، خلافًا للبرهان الرياضي المغلق على نفسه، قدرته على أن يبقى حيًّا حتى بعد انتهاء القارئ من قراءته. وهو ما يفسّر أيضًا، كما رأينا في المقدمة، لماذا ظلت هذه الغاية التربوية العميقة — تعلّم التفكير الحر بدل تلقين إجابات جاهزة — هي نفسها منذ تعليمات 1925 إلى اليوم.

***

عمرون علي

...........................

المراجع

أرسطو، الأورغانون (التحليلات الأولى والثانية، الطوبيقا)، ترجمة وتحقيق عبد الرحمن بدوي، منطق أرسطو، دار القلم، بيروت.

- أرسطو، الخطابة، ترجمة عبد الرحمن بدوي.

- ابن رشد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، تحقيق محمد عمارة، دار المعارف، القاهرة .

- ديكارت، مبادئ الفلسفة.

- روسو، العقد الاجتماعي، الكتاب الأول، الفصل الثاني (مأخذه الأرجح في مثال «العبيد خُلقوا للعبودية»).

- أبيقور، رسالة إلى مينيسي.

نعيش اليوم وسط خوارزميات تقترح ما نشاهده، وتختار الإعلانات التي تصل إلينا، وتساعد في فرز طلبات العمل، وتقيس أداء العاملات والعاملين. وغالبا ما نتعامل معها كأنها أدوات محايدة، غير أن الخوارزمية لا تأتي من فراغ؛ فهي نتاج عمل بشري، وتتعلم من بيانات صنعها مجتمع يحمل تاريخا من التفاوت والصراع الطبقي والجندري. لذلك لا تحتاج الخوارزمية إلى أن تكون منحازة للرجال حتى تعيد إنتاج التمييز والتفاوت، إذ يكفي أن تتعلم من واقع غير متساو ومن نظام رأسمالي ذكوري يستخدمها لصالحه، ويحولها إلى وسائل إنتاج جديدة تملكها قلة من الشركات الاحتكارية.

أولا: التوظيف والإعلانات، حين يتحول الماضي إلى معيار للمستقبل

ويظهر ذلك بوضوح في التوظيف. فإذا تعلم نظام خوارزمي من تاريخ شركة كان الرجال فيه يشغلون معظم المناصب القيادية، فقد يتعلم أن السير الذاتية التي تشبه مسارات الرجال هي الأقرب إلى النجاح. قد لا تحتوي الخوارزمية على كلمة "رجل"، لكنها تستطيع أن تعيد إنتاج النتيجة نفسها، فيتحول سوق العمل الذي همش النساء تاريخيا إلى قاعدة بيانات تعيد إنتاج هذا التهميش آليا. وهكذا يتحول الماضي إلى معيار للمستقبل، ويصبح ما كان نتيجة لتفاوت اجتماعي وكأنه معيار موضوعي للجدارة.

وما يحدث في التوظيف لا يختلف كثيرا عما يحدث في الإعلانات. فقد تظهر للنساء إعلانات أكثر عن الجمال والأطفال والمنزل والرعاية والأعمال الخدمية القليلة الأجر أو الأعمال غير مدفوعة الأجر، بينما تظهر للرجال إعلانات عن السيارات والاستثمار والتكنولوجيا. الخوارزمية لا تخترع هذه الصورة من تلقاء نفسها؛ إنها تتعلم من السلوك السابق ومن النظام السائد، وتحكمها في النهاية حسابات الربح: فهي تختار الجمهور الأقل كلفة والأكثر ربحا، ويصبح التمييز نتيجة جانبية مقبولة ما دام يخدم الأرباح. لكن حين تستمر في عرض الصورة نفسها، فإنها تتجاوز عكس الواقع إلى المساعدة على تثبيته. وهكذا تتحول الصورة الاجتماعية القديمة إلى دائرة مغلقة: المجتمع ينتج البيانات، والخوارزمية تتعلم منها، ثم تعيد إنتاجها في حياتنا اليومية.

وتؤكد ذلك أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة الصادرة في حزيران 2026 حول التمييز الجندري في الذكاء الاصطناعي، إذ أظهرت دراسة شملت 133 نظاما للذكاء الاصطناعي أن 44% منها يحمل تحيزا جندريا، وأن 26% يجمع بين التحيز الجندري والعرقي. كما تواصل النماذج اللغوية الكبيرة ربط النساء بالمنزل والعائلة والأطفال، والرجال بالأعمال والقيادة والراتب، وجاءت نحو إجابة من كل خمس إجابات متحيزة جنسيا حين طلب منها إكمال جمل تبدأ بجنس الشخص. ولا تذكر سوى 24 دولة من أصل 138 المساواة الجندرية في استراتيجياتها الوطنية للذكاء الاصطناعي.

ثانيا: العمل غير المرئي والإنسان مصدرا للبيانات

ومن الإعلان نصل إلى العمل، حيث تصبح الخوارزمية أكثر تأثيرا في حياة الناس. فهناك أنظمة تقيس عدد المهام وسرعة الإنجاز وساعات العمل وعدد الطلبات، وتبدو محايدة لأنها تطبق على الجميع، لكنها لا ترى الظروف التي يعمل فيها كل شخص: موظفة أو موظف يعود إلى المنزل للاعتناء بطفل أو طفلة، أو بشخص مسن أو مريض، ويحتاج إلى مرونة في ساعات العمل.

ومن هنا تظهر مشكلة أعمق: ما لا تستطيع الخوارزمية قياسه بسهولة يعامل كأنه أقل قيمة. فالعمل المنزلي والرعاية لا يظهران في جداول الإنتاج، رغم أنهما ما يجعل بقية أشكال العمل ممكنة، والنظام الرأسمالي يعتمد على هذا العمل غير المأجور، الذي تتحمل النساء معظمه، لإنتاج قوة العمل وإعادة إنتاجها يوميا دون أن يدفع ثمنه. وعندما تدخل الخوارزميات إلى مكان العمل، تعيد إنتاج هذا الاختفاء بلغة الأرقام.

وتمتد هذه العملية إلى العمل الذي يصنع التكنولوجيا نفسها. فخلف الذكاء الاصطناعي عاملات وعاملون يجمعون البيانات ويصنفونها ويراجعون المحتوى، وكثير منهم في الجنوب العالمي بأجور زهيدة، بينما تتراكم الأرباح في مراكز الشمال الرأسمالي. وكلما بدت التكنولوجيا أكثر استقلالا، اختفى العمل البشري الذي يجعلها ممكنة: فمن الذي يصنع الذكاء الذي ننسبه إلى الآلة؟

وحتى المستخدم والمستخدمة يصبحان جزءا من هذه العملية. فكل ما نشاهده ونشتريه ونبحث عنه يتحول إلى بيانات تستخدمها الشركات للتنبؤ بسلوكنا وتوجيهه، بعدما أصبحت البيانات المادة الخام الجديدة للرأسمالية، وصار الإنسان يعمل لصالح المنصة دون أجر، وغالبا دون أن يدري. غير أن الخوارزمية لا ترى منه إلا ما اختير قياسه. فالعاملة التي ترفض رحلة في وقت متأخر لأسباب تتعلق بالأمان، أو العامل الذي يغير ساعات عمله بسبب مسؤوليات أسرية، قد يظهران في النظام أقل التزاما أو إنتاجية، بينما تختفي الأسباب التي شكلت سلوكهما. الخوارزمية ترى النتيجة، وتغيب عنها الحياة التي أنتجتها.

ثالثا: من يصمم الخوارزميات؟ هيمنة الرجل في صناعة التكنولوجيا

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل المشكلة في الخوارزمية نفسها؟

ليس تماما. خلف كل خوارزمية شركة أو مؤسسة أو جهة تحدد ما الذي يجب قياسه، وما الذي يعتبر نجاحا، وكيف تستخدم النتائج. لذلك لا يكفي أن نسأل هل الخوارزمية دقيقة؛ علينا أن نسأل أيضا: ماذا تقيس؟ ومن حدد ما يستحق القياس؟ ومن يملك البيانات؟ ومن يستفيد من النتائج؟ ومن يتحمل تكلفتها عندما تخطئ؟ وهي في جوهرها أسئلة طبقية، فمن يملك وسائل الإنتاج الرقمية يملك سلطة تعريف الجدارة والإنتاجية والقيمة.

ولا يمكن فصل هذه الأسئلة عن سؤال آخر: من يصمم الخوارزميات أصلا؟ فصناعة التكنولوجيا ما تزال تحمل طابعا رجوليا واضحا، إذ يهيمن الرجال على فرق البحث والتصميم ومواقع القرار في الشركات الكبرى. وحين يصمم فريق من الرجال في الغالب نظاما ما، تصبح تجربة الرجل هي «الوضع الافتراضي»، وتتحول تجارب النساء إلى استثناء أو هامش لا تلتقطه البيانات. ومن أوضح الأمثلة على ذلك المساعدات الصوتية الرقمية التي منحت أصواتا وأسماء نسائية، وبرمجت على الطاعة والرد المهذب حتى على الإهانات، في استعادة رقمية لصورة المرأة الخادمة. وهكذا يلتقي الطابع الرجولي مع الطابع الطبقي في صناعة تتحكم فيها قلة من الشركات الكبرى، في تحالف واضح بين الأبوية ورأس المال.

وبحسب التقرير الأممي نفسه، لا تشكل النساء سوى 30% من العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي عالميا. ويظهر أثر هذا الطابع الرجولي بوضوح في العنف الرقمي، إذ أفادت نحو ربع المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات والصحفيات اللواتي شملهن استطلاع الهيئة بتعرضهن لعنف رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي.

فقد تكون الخوارزمية دقيقة جدا في تنفيذ المهمة التي طلب منها تنفيذها، لكن هذا لا يعني أن المهمة نفسها عادلة. وقد تجعل التكنولوجيا حياة شخص أكثر راحة، بينما تجعل عمل شخص آخر أكثر سرعة ومراقبة وضغطا. ولهذا فإن التقدم التقني لا يعني تلقائيا تقدما اجتماعيا، فالتكنولوجيا في ظل الرأسمالية تتطور وفق حاجات التراكم قبل حاجات البشر.

من هنا يصبح نقد ذكورية الخوارزميات نقدا للطريقة التي تنتقل بها علاقات القوة الاجتماعية والبنية الاقتصادية من المجتمع إلى التكنولوجيا. فالخوارزمية لا تخلق هذه العلاقات من العدم، لكنها تستطيع أن تعيد تنظيمها وتوسيعها ومنحها لغة جديدة. قد تختفي كلمة التمييز والتفاوت ويحل محلها رقم، وقد تختفي السلطة خلف نظام تقييم، وقد يتحول الحكم البشري إلى "توصية" تبدو موضوعية.

والخطر الحقيقي هنا يكمن في أن نبدأ نحن بتنظيم حياتنا وفقا لما تستطيع الآلة قياسه، أكثر مما يكمن في أن تصبح الآلة مثل الإنسان. عندها يصبح ما لا يدخل في البيانات أقل قيمة، ويصبح العمل غير المرئي أكثر اختفاء، وتتحول التفاوتات القديمة إلى نتائج تبدو طبيعية. فحين تتحول علاقات القوة والربح إلى بيانات، لا تختفي هذه العلاقات؛ إنها تصبح فقط أكثر هدوءا، وأكثر انتشارا، وأصعب في الرؤية.

رابعا: نحو خوارزميات قائمة على المساواة

إن بناء تكنولوجيا أكثر عدلا يتجاوز الكود وحده، ونقطة انطلاقه أسئلة تتعلق بحياة النساء: من تعمل ولا يحسب عملها؟ ومن يملك ويقرر؟ ومن تدفع ثمن قرارات الآلة؟ ومن هنا تبدأ الخوارزميات القائمة على المساواة ومجتمع لا طبقي, بكسر الاحتكار الرجولي لفرق البحث والتصميم وصنع القرار، بحضور نسوي تحرري منحاز للعاملات والمهمشات يتجاوز التمثيل الشكلي لنساء النخبة، وبجعل حقوق وتجارب النساء منطلقا للتصميم عوضا عن اعتبار الرجل معيارا، مع بيانات مصنفة حسب الجنس وتدقيق جندري مستقل يكشف الفجوات قبل الاستخدام. ويتطلب ذلك إنهاء الصور النمطية المبرمجة، وإشراك العاملات وتنظيماتهن النسوية والنقابية في تحديد ما يقاس وفق قاعدة المساواة.

في النهاية، يكمن الخطر الأكبر في أن الخوارزميات تعيد إنتاج عالم غير متساو بلغة تبدو محايدة، فحين يصبح العمل الذي يدر ربحا أكثر قيمة من العمل الذي يرعى الحياة، تتحول التكنولوجيا من أداة لتحرير الوقت إلى أداة للسيطرة عليه. لذلك يبقى النضال من أجل خوارزميات عادلة جزءا من النضال النسوي والطبقي الأوسع، لأن تحرير النساء لا ينفصل عن تحرير العمل من الاستغلال، ولا عن مواجهة نظام يحول العمل والجسد والوقت والبيانات إلى سلع ومصادر للربح.

فالتحرر النسوي يتجاوز وصول نساء أكثر إلى مواقع السلطة داخل التكنولوجيا، ليطال تغيير طبيعة السلطة نفسها: من يملك التكنولوجيا، ومن يقرر أهدافها، ومن يحدد ما يعتبر عملا وقيمة وإنتاجية، ومن يستفيد من ثمارها، ومن يتحمل تكلفتها. ومن هنا فإن بناء خوارزميات أكثر عدلا يرتبط ببناء علاقات اجتماعية واقتصادية أكثر عدلا، بحيث تتحرر التكنولوجيا من خدمة رأس المال على حساب النساء والعاملات والمهمشات، وتصبح جزءا من النضال من أجل مجتمع يضع الإنسان والحياة والرعاية والمساواة قبل الربح.

فبناء مجتمع متساو وعادل ينطلق من تغيير المجتمع والنظام الذي يصنع الآلة ويحدد لمن تعمل ولصالح من، ومن تحرير التكنولوجيا من علاقات القوة التي تعيد إنتاجها، قبل أي حديث عن الآلة ذاتها.

***

بيان صالح

 

من القواعد المستقرة في فقه القانون، أن التشريع ما وضع إلا ليكون أداة لضبط السلوك الإنساني، ووسيلة لفرض السكينة والاستقرار في كنف الدولة. غير أن الملاحظ في واقعنا التشريعي المعاصر، أن حمى إصدار القوانين والقرارات المتلاحقة باتت تنتج مفعولاً عكسياً، يحاكي في جوهره نظريات الفيزياء حول "الإنتروبي" أو عشوائية الأنظمة المغلقة؛ فكلما تضخمت النصوص وتكاثرت دون دراسة حقيقية لروح الواقع، تولدت عنها فوضى عارمة تخلخل الطمأنينة الاجتماعية والقانونية.

إن الإفراط في التشريع، والاندفاع نحو صياغة نصوص استثنائية أو ترقيعية لمواجهة أزمات وقتية، غالباً ما يأتي على حساب انسجام المنظومة القانونية واستقرارها. هذه الحالة التي نسميها "الفوضى القانونية المنظمة"، تجعل المواطن والمكلف بالخدمة العامة في حيرة من أمرهم أمام نصوص متضاربة، ينسخ بعضها بعضاً بغموض، أو يفتح أبواب التأويل والاجتهاد في مورد النص؛ وهو الأمر الذي حذر منه القضاء دوماً، كون النص الواضح لا يحتمل اللبس، والعدالة لا تستقيم مع الضبابية.

وعليه، فإن التضخم التشريعي العشوائي يقود حتماً إلى إضعاف هيبة القانون؛ إذ يتحول من وسيلة لتحقيق الإنصاف وحماية المكونات والروابط الاجتماعية، إلى عبء يربك أجهزة إنفاذ القانون والقضاء على حد سواء. فالقوانين الفضفاضة، التي تولد في مناخات الاستعجال السياسي أو الإعلامي، تخلق بيئة خصبة للتجاوز والتهرب من المسؤولية الجنائية والمدنية.

إن المشرّع الحصيف هو من يدرك أن جودة التشريع تكمن في صرامته، ووضوحه، وقلة تعديلاته، ومراعاته للبعد الإنساني والواقعي الملموس. ومن هنا، نرى أن الحد من هذه "العشوائية المجتمعية" يتطلب العودة إلى رصانة البناء القانوني، والكف عن ممارسات التشريع الانفعالي؛ فالقانون يجب أن يظل ملاذاً للأمن والاستقرار، لا مصدراً لإنتاج الفوضى وإرباك حياة الناس.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

النزاهة الفكرية هي عدم ادّعاء معرفة ليس مصدرها كاتب المقال، والالتزام بنسبة الأفكار إلى أصحابها. تتعرض هذه المبادئ لضغوط هائلة في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي جعل كتابة المقالات والأبحاث مسألة دقائق.

يمكن القول أن الذكاء الاصطناعي يغير تقييم الكتابه العلميه والمعرفية، التي لم تعد شيئًا ينتجه العقل، بل شيئًا يتم توليده آليًا. وهذا يهدد مبادئ النزاهة الفكرية، وقيمة الجهد الاكاديمي واصاله الابداع الفكري. لذا، ينبغي تقديم شرح واضح لاصل الفكرة والمراجع المستخدمة.

يُعيد الذكاء الاصطناعي ايضا تعريف الجهد الفكري، الذي كان يتطلب في الماضي وقتًا وقراءة وتحليلًا، أما الآن فقد أصبح الجهد الفكري سؤالًا تستطيع الآلة الإجابة عنه. علاوة على ذلك، يُهدد الذكاء الاصطناعي استقلالية العقل، الذي أصبح يعتمد على الآلات في الفهم والتحليل والكتابة.

لذا، ينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة، لا كبديل؛ بل كجزء من العملية، لا كبديل عنها. وعند استخدام الذكاء الاصطناعي، يجب تحديد دوره في إنتاج النص بوضوح، إذ ينبغي أن يكون النص نتاج تفكير الكاتب العميق، وتحليله، ومقارنته، وتفكيكه، وإعادة بنائه.

وهكذا يتطلب الاستخدام النزيه للذكاء الاصطناعي صياغة سؤال جيد، فحص الإجابة وتفهمها بعمق،

وتحويلها إلى معرفة شخصية. ولن تُصان النزاهة الفكرية إلا إذا حافظ البشر على دورهم كمنتجين للمعنى، لا مجرد مستخدمين لنصوص مُعدة مسبقًا.

أصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في إنتاج البحوث العلمية، وأصبحت هذه التقنيات لا غنى عنها في العديد من المجالات البحثية، وكذلك في كتابة المقالات العلمية والمعرفية. هذا عرض سريع لاهم ادوات الذكاء الاصطناعي للبحث العلمي:

Elicit: استخراج البيانات، وتلخيص النتائج من الأوراق البحثية بدقة.

Perplexity AI: يقدم إجابات فورية مدعومة بمصادر وروابط مباشرة للأبحاث والمقالات.

Consensus: يحلل الأوراق العلمية ليقدم خلاصة.

Semantic Scholar: منصة أكاديمية لفهرسة ملايين الأبحاث واستخراج الأفكار الرئيسية.

SciSpace: منصة لمناقشة وقراءة وفهم الأوراق العلمية المعقدة وتفسيرها.

Connected Papers: توضح العلاقات والروابط بين الأبحاث ذات الصلة بموضوع البحث.

Claude : قراءة الأوراق الطويلة وتحليلها نقديًا.

Paperpal: تحسين اللغة الأكاديمية وفق معايير المجلات العلمية.

Copilot: مساعد معرفي شامل للكتابة والتحليل وبناء الهيكل.

ChatGPT: كتابة النصوص، تحليل البيانات، والبحث عن المراجع.

Google: تلعب دورًا محوريًا في الوصول للمصادر والمواقع الأكاديمية، والترجمة الأولية.

Google Scholar: من أهم أدوات البحث الأكاديمي للأوراق العلميه العلمية.

Google Translate: ترجمة أولية سريعة.

قررت الجامعات الكبرى وضع خطط لاستخدام الذكاء الاصطناعي وإرشادات حول كيفية الإشارة إلى استخدام هذه الأدوات في الأبحاث المنشورة من اجل تحقيق التوازن بين الفوائد الكبيرة التي يمكن أن تقدمها هذه التقنيات والتحديات الأخلاقية التي تهدد النزاهة الأكاديمية. كما يجب توضيح حقوق الملكية الفكرية للنتائج التي يتم الحصول عليها، وتوضيح دور الذكاء الاصطناعي. يجب على الباحثين أيضاً التأكد من أن الأدوات التي يستخدمونها تتوافق مع القوانين واللوائح المتعلقة بالخصوصية وحماية البيانات.

ومن النقاط المهمة الأخرى أنه يجب إدراك أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يشكل خطراً على بعض الأبحاث العلمية، لأن كفاءة خوارزميات الذكاء الاصطناعي تعتمد على صحه البيانات التي يتم تدريبها عليها، مما يزيد من احتمالية تقديم معلومات خاطئة. لذلك يجب التاكد من دقة وصحة المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي من خلال المراجعة البشرية.

يوجد حاليًا إجماع في الجامعات الكبرى والمؤسسات الأكاديمية على أن الذكاء الاصطناعي يمكن اعتباره مساعدًا بحثيًا، لأنه يوفر الكثير من الجهد في البحث عن المعلومات والمراجع، مع فحص كل معلومة تقدمها هذه الأدوات لضمان دقتها. كذلك، تقبل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة الجمل، خاصة إذا لم يكن الباحثون من الناطقين الأصليين باللغة الإنجليزية، وذلك لنقل المعلومات بوضوح، بشرط عدم قيام هذه الأدوات بالكتابة نيابه عن الباحث بشكل كامل.

يعتمد كاتب هذا المقال في معظم كتاباته على استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يطرح سؤالاً مُصاغاً بدقة ليقوم الذكاء الاصطناعي بالبحث عن معلومات محددة. وفي بعض الأحيان، يطرح السؤال نفسه بصيغة مختلفة أو باللغة الإنجليزية بدلاً من العربية لضمان الحصول على أفضل المراجع.

وللتحقق من صحه الإجابة، يتم استخدام خوارزميات مختلفة للإجابة على نفس السؤال ومقارنتها بالنتائج التي قدمتها الخوارزميات المستخدمة في البداية. ثم تُحلل المعلومات بدقة لفهمها بعمق، وتُعرض بأسلوب واضح يناسب معظم القراء. وتُستخدم تقنيات الترجمة عند استخدام المصادر الإنجليزية، ويتم وتُكرر عملية الترجمة لتناسب أسلوب المؤلف وتجنب أي مصطلحات غامضة أو مبهمة.

بعد ذلك يتم تحليل المعلومات لفهمها بعمق، ثم طرحها باسلوب واضح يناسب اغلب القراء. وتستخدم وسائل الترجمه عند استخدام مراجع باللغه الانجليزيه ويتم مراجعه اسلوب الترجمه لتناسب اسلوب الكاتب مع الابتعاد عن اي مصطلحات غير واضحه او لها اكثر من معنى واحد.

مما لا شك فيه أن الذكاء الاصطناعي يسهل ويسرع بشكل كبير عملية البحث عن المعلومات، ولكن يجب أن يعكس المنتج النهائي أسلوب الكاتب وفهمه للمعلومات التي تم الحصول عليها.

ينبغي التوضيح أن معرفة أي شخص تراكمية، وهي نتاج ما قدمه الآخرون. وقلما يقدم أحدٌ معرفة جديدة لم تكن موجودة من قبل؛ فهؤلاء هم نخبة المعرفة البشرية وقادتها، ويجب الاعتراف بدورهم عند استخدام أفكارهم أو اكتشافاتهم.

ختاماً، يلعب من ينشرون المعرفة للجمهور دوراً حيوياً في مشاركة اكتشافات وأفكار علماء بارزين واهم فلاسفه ومفكرين في تاريخ البشريه. فبدون جهودهم، لربما بقيت أهم الأفكار والاكتشافات حبيسة الابراج العاجيه للعلماء والمفكرين والمكتبات المرموقة.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

كل مرحلة من تاريخ البشرية حملت سؤالها الكبير. كان سؤال الماضي يدور حول البقاء، ثم أصبح سؤال الدولة والحرية والحقوق، أما اليوم فيبدو أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف يعيش الإنسان مع إنسان آخر يختلف عنه، دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى مصدر خوف أو صراع؟

شهد العالم خلال العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في النقاشات المتعلقة بالهويات الدينية، والقومية، والعرقية، والثقافية. ومع أن الهوية تمنح الإنسان جذوره وذاكرته وشعوره بالانتماء، فإنها تتحول إلى عبء عندما تصبح المعيار الأول للحكم على الآخرين. عندها ينقسم العالم إلى دوائر مغلقة، ويغدو الإنسان أسيرًا لتعريفاته قبل أن يكون إنسانًا.

من هنا تبرز فكرة التعايش الواعي بوصفها أفقًا جديدًا للعلاقات الإنسانية. إنها دعوة إلى الانتقال من الدفاع المستمر عن الهوية إلى بناء علاقة تقوم على احترام الإنسان في إنسانيته أولًا، مع الاعتراف بحقه في أن يحتفظ باختلافه وثقافته وقناعاته. فالتنوع حقيقة رافقت البشرية منذ بداياتها، والاختلاف مصدر ثراء عندما يجد بيئة أخلاقية تحتضنه.

هذا التصور يجد أساسًا فلسفيًا عميقًا عند الفيلسوف إيمانويل ليفيناس، الذي جعل العلاقة مع الآخر منطلقًا للأخلاق. فالإنسان، في نظره، يلتقي بوجه الآخر قبل أن يطلق عليه الأحكام أو يضعه داخل التصنيفات. هذا اللقاء يوقظ الإحساس بالمسؤولية، ويجعل احترام الكرامة الإنسانية سابقًا على الخلافات الفكرية والدينية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن التعايش يثير سؤالًا مهمًا: هل يكفي ارتفاع مستوى الوعي حتى يعم السلام؟

التاريخ يقدم صورة أكثر تعقيدًا. فقد عرفت مجتمعات شرقية فترات كانت الأمية فيها واسعة، ومع ذلك عاش الناس في كثير من الأحيان ضمن حالة من التعايش والاستقرار، بينما شهد العصر الحديث، الذي ارتفعت فيه مستويات التعليم وانتشرت المعرفة، حروبًا عالمية وصراعات لم يعرف التاريخ مثيلًا لها. هذه المفارقة تدعو إلى إعادة النظر في العلاقة بين المعرفة والسلام.

يبدو أن السر يكمن في وجود ثقافة أخلاقية مشتركة كانت تنظم الحياة اليومية. احترام الجار، وإكرام الضيف، وحفظ الكلمة، ومكانة الأسرة، والالتزام بالأعراف، كلها شكلت منظومة عملية تحد من النزاعات، وتمنح المجتمع قدرة على استيعاب الاختلاف. كانت الحكمة تنتقل عبر التجربة والتربية، وتتحول إلى سلوك يومي ينعكس في تفاصيل الحياة.

أما الإنسان المعاصر، فقد أصبح يمتلك معرفة واسعة بالعالم، ويعيش في فضاء رقمي مفتوح، ويتلقى في كل لحظة سيلًا من الأخبار والآراء والخطابات المتناقضة. هذا التدفق الهائل للمعلومات منح الإنسان أدوات جديدة للفهم، وفتح في الوقت نفسه أبوابًا واسعة للاستقطاب والتحريض وصناعة الصور النمطية. وهكذا اتسعت المعرفة، بينما تراجعت في كثير من الأحيان القدرة على الإصغاء والحوار.

لهذا يبدو أن المستقبل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع الوعي، والثقافة الأخلاقية، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار السياسي، والاقتصادي. عندما تتفاعل هذه العناصر، يصبح الاختلاف فرصة للتعاون، وتتحول الهوية إلى مساحة للتعارف، ويكتسب الإنسان ثقة تسمح له برؤية الآخر شريكًا في بناء الحياة.

ربما يكون السؤال الذي يستحق أن يحمله القرن الحادي والعشرون مختلفًا عن أسئلة القرون السابقة. فبدل الانشغال بالسؤال: "من يشبهني؟"، يبرز سؤال أكثر عمقًا وإنسانية: "كيف أعيش مع من لا يشبهني؟"

عند هذه النقطة يبدأ التعايش الواعي، وتبدأ معه رحلة الانتقال من صراع الهويات إلى شراكة الإنسان مع الإنسان، حيث تصبح الكرامة الإنسانية القيمة الأعلى، ويغدو الاختلاف طريقًا إلى الاتساع، لا سببًا للانقسام.

***

بولص آدم

مأساة كيتس والأرواح المحترقة

(لقد كنت مذهولاً كيف يمكن للبشر أن يموتوا شهداء من أجل الدين – كنت أرتجف من ذلك – ولا أرتجف بعد الآن. يمكنني أن أستشهد من أجل ديني – الحب ديني – يمكنني أن أموت من أجل ذلك – يمكنني أن أموت من أجلكِ. عقيدتي هي الحب وأنتِ وحدكِ عقيدته، لقد اختطفَتِني بقوة لا أستطيع مقاومتها).. جون كيتس "من رسالة إلى فاني براون، 13 أكتوبر 1819".

بعد سنة بالضبط من تمجيد الشاعر الإنجليزي جون كيتس (31 أكتوبر/1795م – 23 فبراير/1821م) لمُتع الأعزب، وجد نفسه واقعاً في أسر الحب العارم. وبحسب المعايير المتعارف عليها للجمال، لم تكن فاني براون جميلة بالمعايير الكلاسيكية، لكنها كانت فاتنة بسعة معرفتها، وعينيها شديدتي الزرقة، وابتسامتها المبهجة. فوجد كيتس نفسه متّقداً بالجنون الحاد المؤقت بأن الولع يوجع قلب المرء، ومنهمكاً بأفكاره عن حبيبته، وغير قادر تماماً على تجسيد فكرته الأسطورية التي أسسها قبل عامين “القدرة السلبية” – تلك القدرة على الارتياح للمجهول وعدم فرض النتائج بناءً على عدم اليقين.

سقوط اليقين الفلسفي على صخرة الفتنة الروحية

في الأصل الفلسفي، عندما صاغ كيتس مفهوم “القدرة السلبية”، كان يعنى بها قدرة الشاعر على المكوث في حالات الشك والارتياب وعدم اليقين، دون السعي المللح وراء الحقيقة أو العقلنة؛ وهي حالة من الانفتاح المطلق والهدوء التأملي أمام غموض الكون. غير أن الحب، بوصفه جحيمًا عاطفياً، جاء ليقوض هذا السكون تماماً؛ إنه حالة من "عدم اليقين" القسري المُلتهب الذي يطلب اليقين المفقود ولا يجده، ليتحول كيتس من شاعر يتقن قبول الغموض إلى عاشق هائم يبحث عن استقرار مستحيل. وقد تجسد هذا التحول في افتتانه بـ فاني براون؛ فمع أنها لم تكن جميلة بمعايير التناظر التقليدي، إلا أنها امتلكت كيمياء الفتنة الكامنة في سعة المعرفة والنظرة العميقة. وهذا يذكّرنا بأن عقل الشاعر الرومانسي لا يبحث عن القوالب البصرية الجاهزة، بل يبحث عن "الصدى الروحي"؛ فقد كانت فاني مرآة انعكس فيها شغفه العارم بالوجود، فانفرط معها عقد اتزانه الفكري أمام سطوة الوجد.

جنون الوجد: العشق بوصفه ديانةً وألماً

حمل اقتباس كيتس نبرة صوفية متطرفة لا تساوم: "الحب ديني... الحب عقيدتي وأنتِ وحدك عقيدته". هنا يتخلى الشاعر عن إلهه القديم (الفن النقي المحايد) ليقيم محراباً جديداً موضوعه الكائن البشري الفاني المتقلب. وحين يتحول الإنسان إلى عقيدة وموضوع للعبادة الروحية المطلقة، يصبح الألم والتعذيب قدراً حتمياً لا مفر منه؛ لأن أبسط تقلبات الوصال، أو جفاء الفراق، أو حتى تمنع الحبيبة، لا يعود مجرد خلاف عاطفي عابر، بل يتحول إلى "تدنيس مقدّس" لهذا المحراب. وقد تجلى هذا الامتزاج المرير في رسائل كيتس الأخيرة، حيث التبست غيرة العشاق المشتعلة بمرض السل الذي ينخر جسده الفاني، فصار الموت والعشق شيئاً واحداً لا ينفصمان.

مفارقة الاحتراق: الفناء الجسدي مقابل الخلود الإبداعي

من الناحية الإنسانية البحتة، كان هذا العذاب مدمراً بحق؛ فقد استنزف طاقة كيتس، وعذب روحه، وعجل بوفاته وهو في مطلع الشباب. لكن من الناحية الفنية والتاريخية، لولا هذا الجحيم لما وُلدت درر كيتس الخالدة. لقد كان كيتس يحترق بنيران شغفه ليضيء لنا صفحة خالدة من الأدب الإنساني، مطبقاً معادلة قاسية مفادها أن الفناء الجسدي كان هو الثمن الإلزامي للخلود الإبداعي.

وهم "السلام البسيط" مقابل "السلام المعقد

إن التأمل في تجربة كيتس يعيد صياغة مفهومنا الجذري عن الطمأنينة؛ فوهم "السلام البسيط" يربط الهدوء الداخلي بغياب المشاكل وتوقف الصراعات السطحية، وهو نوع من السكون الراكد الذي يميت الإبداع ويقود النفس إلى الجمود والتكلس. أما السلام الحقيقي الذي يزدهر في ظلّه الإبداع الرفيع، فهو "السلام المعقد" أو سلام العارف المتأمل الذي يشبه "عين العاصفة" (The Eye of the Storm)؛ حيث تدور من حوله رياح الهواجس، والاضطرابات العاطفية، والتناقضات الكونية الحادة، لكن مركز الكيان يظل قادراً على الاتزان واستيعاب كل هذا الصخب واحتوائه وإعادة صياغته في قوالب فنية نافذة.

المعاناة كشرط إلزامي للوعي: جراحة الروح وميلاد البصيرة

فلا تولد العبقرية من فراغ الرفاهية؛ إذ تظل الطمأنينة السطحية والعيش الآمن المكتفي بذاته مقبرةً للوعي، وحاضنةً للبلادة الفكرية. وحدها المعاناة تتبوأ مكانة الشرط الإلزامي والمحرك الجذري للتبصر البشري؛ فهي ليست شقاوةً عبثية، بل هي "المشرط الجراحي" الذي يكسر القشور السميكة والسطحية للذات، ليجبر الإنسان – والمبدع تحديداً – على النزول صاغراً ومضطراً إلى الطبقات السحيقة والأعمق من التجربة الإنسانية. إن الرفاهية تترك الإنسان على قشرة الوجود، بينما الألم يغوص به في صميم الجوهر.

ولولا هذا الاحتكاك الدامي والمستمر بين حدّة الشعور واضطراب الوجدان، لما توفرت قط لدى الكائن تلك الحساسية المفرطة، النافذة، والموجعة لالتقاط التفاصيل الدقيقة للوجود؛ تلك التفاصيل التي تمر على العيون العادية مرور الكرام، لكنها تتجسد تحت مطرقة المعاناة شعراً مقدساً، وفلسفةً لا تموت، وبصيرةً تكشف عري العالم وعمقه في آنٍ واحد.

ولم يكن جون كيتس سوى حلقة مضيئة في سلسلة طويلة من أساطير الفكر والأدب الذين اتخذوا من الدمار مشعلاً؛ فأبو العلاء المعري عاش رهين المحبستين وعمى البصر ليصوغ فلسفة تشاؤمية عميقة تكشف زيف العالم في رسالة الغفران واللزوميات، ودوستويفسكي الذي نُفذ فيه حكم الإعدام صورياً قبل أن يُساق إلى غياهب سيبيريا، ليخرج من رحم ذلك العذاب بروايات تختبر أعقد أقباط النفس البشرية وجنونها الأخلاقي، ونيتشه الذي حفر في صخرة العذاب والمرض العقلي والنفسي ليعلن ميلاد إنسان فائق يتجاوز مأساوية الوجود، وصولاً إلى فان جوخ الذي أحرقته لوحاته وأرقه، فتحولت لوحاته المغموسة بالجنون إلى شمس دافئة لا تغيب. إنهم جميعا يؤكدون أن الألم ليس عارضاً طارئاً في حياة المبدع، بل هو القالب الحتمي الذي يُصاغ فيه الخلود. النفس البشرية بطبيعتها ليست كتلة صماء مصمتة، بل هي مسرح هائل للتناقضات الحادّة والصراعات الدفينة بين الرغبة والخوف، الخلود والفناء، العقل والجنون. ومن هنا تصبح المعركة الداخلية المحرك الأساسي للإنتاج الفكري؛ فالإبداع العظيم ليس سوى النتيجة المباشرة لمحاولة الإنسان تسوية هذه الصراعات الضارية ومنحها صوتاً حياً وناطقاً. المبدع لا يحاول الهروب من ساحة المعركة هذه، بل يتخذ منها منبراً ومادة أولية لصياغة أسئلته الوجودية.

كيمياء الاحتراق وشذوذ النقاء: كيف يصنع المبدع خلوده من جرف الهاوية؟

إن التمعق في مأساة جون كيتس لا ينفصل عن فهم البنية الجوهرية للوعي الإبداعي الذي لا يكتفي بمراقبة الخراب، بل يتخذه مادة أولية. فالمبدع الحقيقي يمتلك "كيمياء فنية" فريدة قادرة على استنطاق الألم وإعادة تدويره؛ فالآلام التي تكسر الشخص العادي وتتركه في عزلة صامتة، تتحول تحت معالجة الروح المبدعة إلى لغة حية ومجازات عميقة، ينقلب معها الدمار من عبء مأساوي إلى طاقة دافعة للخلود. ومن هنا، فإن ريادة الحب لديه لا تأخذ الشكل الاستهلاكي أو السطحي المألوف، بل يُختبر العشق كحالة قصوى ومغامرة كبرى تمتد حافاتها إلى تخوم الهاوية، ليرتقي به القلم من مجرد نزوة عاطفية إلى مرتبة الفلسفة والعقيدة التي تعيد صياغة العواطف البشرية بعيداً عن ابتذال السائد. هذا الاشتباك العنيف مع التجربة يقود بالضرورة إلى ما يمكن تسميته بـ "الشذوذ النقي"؛ وهو ليس انحرافاً، بل صفاء استثنائي وحساسية مفرطة تكشف عيوب العالم وبلادته، وتجعل صاحبها عاجزاً جذرياً عن التكيف مع الأفكار المعلبة أو الاستقرار اليومي الباهت. إنهم يعيشون بجلدة مكشوفة تماماً أمام الصدمات، مما يجعلهم عرضة للاحتراق السريع أسرع من غيرهم، لكنه في المقابل يمنح أعمالهم ذلك العمق الجذري والنقاوة المطلقة التي تفصلهم عن الاستهلاك وتعبر بهم نحو الخلود

فلسفة الدمار والعبقرية

تضعنا هذه المأساة أمام حقيقة أن المعاناة والعبقرية الفنية يمثلان قانوناً حتمياً لا مفر منه. فكيتس لم ينهار بمعزل عن رغبته الباطنية، بل إنه أحب هذا الدمار الذي وقع فيه، مدركاً بالفطرة أنه إن لم يكن الدمار، لم يكن كيتس.  فالمبدعون الحقيقيون يمتازون بقدرتهم على استغلال الدمار من أجل صياغة التعبير الراقي، واستتمام أساليب الحب ليكونوا مختلفين، ومن الشاذين في نقاوة الفكر عن باقي البشر. وهنا يبرز التناقض البديع؛ فالإبداعات البشرية تزدهر في ظل السلام الداخلي، رغماً عن أن هذا السلام ليس هدواً ساكناً، بل هو ساحة معركة طاحنة ما بين الوجدان والشعور وكافة التناقضات الموجودة داخل النفس البشرية. ومن رحم هذا الاحتراق الواعي، يولد الفن الذي لا يمحى.

***

ئاريان علي

وجهه نظري أن المعلم الذي يضرب تلميذه لا يمارس سلطة تعليمية بقدر ما يكشف، في لحظة انفعاله، عن عجزه عن ممارسة السلطة الأكثر رقيا: سلطة العقل

و قد تنجح العصا في إسكات الطفل، لكنها تفشل في تربيته.

وقد تصنع جسدا مطيعا، لكنها لا تصنع عقلا حرا

ومن يثق في نفسه وفي قيمة ما يقول لا يحتاج إلى أن يجعل جسد الآخر مساحة لإثبات قوته.

التربية في جوهرها ليست عملية إخضاع، وإنما عملية تحرير.

ولهذا كان سقراط يرى أن المعرفة لا تزرع في الإنسان من الخارج، بل تستخرج منه بالحوار والسؤال

أما الضرب فيفعل العكس تماما.

إنه لا يصنع إنسانا منضبطا بقدر ما يصنع إنسانا يتعلم كيف يتجنب العقوبة.

والفرق هائل.

فالطفل الذي يتصرف خوفا من الضرب لم يتعلم الصواب؛ لقد تعلم الخوف وفقد الثقه بنفسه3310 ibt

الإنسان الذي يشعر بأن مكانته مهددة، وأن الآخرين لا يستجيبون له إلا بالقوة، فقد يلجأ إلى العنف بوصفه تعويضا نفسيا عن شعور داخلي بالعجز.

ولهذا يمكن أن نفهم بعض صور العنف التربوي بوصفها لغة شخص فقد ثقته في قدرته على التأثير

وفي كل مرة يرفع فيها المدرس يده، يكون قد أعلن، من حيث لا يدري، إفلاسه التربوي

ميشيل فوكو لفت الانتباه إلى العلاقة العميقة بين السلطة والجسد، وكيف يمكن للسلطة أن تستخدم الانضباط والسيطرة على الأجساد لإنتاج الطاعة

والمدرسة، حين تتحول من فضاء للمعرفة إلى فضاء للخوف، تصبح نموذجا مصغرا لهذه السلطة.

كيف نطلب منه ألا يمارس العنف، بينما الشخص الذي يفترض أن يكون قدوته يمارس العنف أمامه؟

كيف نقنعه بأن الحوار وسيلة لحل الخلاف ثم نغلق باب الحوار ونفتح باب الضرب؟

أخطر ما في الضرب ليس الألم الذي يشعر به الطفل في لحظته. لا تنتهي الصفعة عندما يعود الطفل إلى منزله.

إنها قد تستمر داخله سنوات كجرح داخلي لكرامته

الأخطر هو المعنى الذي قد يستقر داخله.. وقد يخشى السؤال حتى لا يبدو جاهلا.

وقد يخفي رأيه حتى لا يتعرض للسخرية والضرب

ربما نحتاج إلى إعادة النظر في تصورنا القديم للتربية.

فالطفل ليس حيوانا ينبغي ترويضه، ولا عقلا ينبغي كسره حتى يستقيم، ولا جسدا ينبغي إخضاعه حتى يصبح مؤدبا

إنه كائن في طور اكتشاف العالم.. يخطىء ويعترض ويتمرد

المعلم الحقيقي هو من يملك القدرة على إدارة الاختلاف.

أن يضع الحدود دون إهانة.

أن يعاقب الخطأ، إن لزم الأمر، بطريقة تربوية تحفظ كرامة الطفل

نحن نحتاج إلى مدارس يشعر فيها الطفل أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن السؤال ليس جريمة، وأن الاختلاف ليس عصيانا، وأن كرامته لا تسقط أمام سلطة أحد.

احتضنوا أولادكم...

فالعالم قاس بما يكفي، فلا تجعلوا البيت والمدرسة امتدادا لقسوته.

احتضنوا أبناءكم قبل أن يبحثوا عن حضن في مكان آخر، واسمعوا أسئلتهم قبل أن يبحثوا عن إجابات عند من لا يعرفونهم، وامنحوهم الأمان قبل أن تطالبوهم بالطاعه

الطفل لا يحتاج إلى يد تهوي عليه، بقدر ما يحتاج إلى يد تمسك بيده.

لا يحتاج إلى صوت يصرخ في وجهه، بل إلى صوت يقول له: أنا أراك، أفهمك، وسأساعدك على أن تصبح أفضل

احتضنوا أولادكم.

ليس لأنهم دائما على حق، وإنما لأنهم ما زالوا يتعلمون كيف يعيشون.

احتضنوا أولادكم...

فربما كانت بعض الأخطاء التي نعاقبهم عليها صرخات صامتة يطلبون بها أن نراهم.

وربما كان بعض عنادهم خوفا لا يعرفون كيف يعبرون عنه.

وربما كان بعض غضبهم بحثا عن أمان فقدوه.

صححوا أخطاءهم، لكن لا تكسروا أرواحهم.

ضعوا لهم الحدود، لكن لا تهينوا كرامتهم.

كونوا حازمين، لكن لا تكونوا قساة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

ليس من قبيل المصادفة أن تستقر في الوعي الجمعي مقولات تبدو بديهية حدّ التكرار، «العقل السليم في الجسم السليم»، حتى غدت مع مرور الزمن أشبه بحقيقة نهائية لا تحتاج إلى مساءلة. غير أن التأمل الفلسفي الهادئ يدفعني إلى إعادة النظر في ترتيب العلاقة بين العقل والجسد؛ فالجسد السليم ليس، في تقديري، شرطًا سابقًا للعقل السليم بقدر ما هو أحد ثماره. العقل هو الذي يمنح الجسد معنى العناية، وهو الذي يقرر ماذا نأكل، وكيف نعيش، ومتى نتحرك، ومتى نتوقف، وكيف نواجه إشارات الألم قبل أن تتحول إلى إنذار متأخر. الجسد يحملنا في الطريق، لكن العقل هو الذي يقرر إلى أين نمضي وكيف نمضي. ولهذا فإن مسؤولية الإنسان تجاه جسده تبدأ، قبل كل شيء، من وعيه به.

فالعقل ليس مجرد آلة للتفكير أو مستودع للأفكار، وإنما هو نظام توجيه كامل يضبط إيقاع الحياة ويمنح الإنسان القدرة على التمييز بين ما يبني وجوده وما يقوّضه. ومن دون هذه البوصلة الداخلية يصبح الجسد عرضة لقوى عمياء: شهوة بلا ميزان، وعادة بلا مراجعة، وكسل بلا مقاومة، وتأجيل مستمر لما ينبغي فعله الآن. وقد يمتلك الإنسان المعرفة الكافية بكل ما يضر جسده، لكنه يواصل فعله، وكأن المعرفة وحدها تكفي لإنقاذه. وهنا تكمن المفارقة: أن نعرف ما ينبغي أن نفعله، ثم نعجز عن فعله، وأن نرى الخطر يقترب، ثم نؤجل مواجهته إلى أن يتحول من احتمال إلى واقع. كنت واحدًا من هؤلاء الذين يعرفون، لكنهم لا يفعلون.

ذات صيف بارد قبل عام من الآن تقريبا. كنت أتمشى مع صديقي الدكتور حسين جعفر السقاف في مدينة دنبوش التاريخية. كان وزني آنذاك نحو 118 كيلوغرامًا، وكنت أمشي ببطء واضح. وبعد نحو نصف ساعة من السير بدأت ألهث من التعب، فالتفت إليّ رفيقي وقال جملة بدت بسيطة في ظاهرها، لكنها استوقفتني طويلًا: «أراك غير مهتم بجسمك، وزنك لا يتناسب مع سنك». كانت جملة قصيرة، لكنها أصابت الحقيقة في مكانها تمامًا. قلت له: نعم يا صديقي، أشعر بالتعب حين أمشي أو أصعد الدرج، فضلًا عن الألم في الركبة والقدم. أخذ بيدي إلى مقهى قريب يطل على مجرى نهري، وطلب لي القهوة السادة التي أحبها، ثم بدأ يحدثني عن الجسد الحي، وعن طاقته ووظائفه، وعن مسؤولية صاحبه تجاهه. اتذكر انه قال بما معناه: أن للجسد الحي، من منظور الطبيعة، وظيفة أولى وبسيطة، هي أن تستمر حياة النوع البشري من خلاله. يولد الإنسان، وينمو، ويحب، وينجب، ويعمل، ويرعى أبناءه حتى يكبروا ويقفوا على أقدامهم. وربما تمنحه الطبيعة في هذه المرحلة قدرًا من القوة والشباب والطاقة يعينه على أداء هذه المهمة. لكن الطبيعة، بعد ذلك، تبدأ في الانسحاب منه شيئًا فشيئًا. يشيب الشعر، تضعف العضلات، تقل المرونة، يتغير الجسد، وتظهر علامات الزمن، وكأن الطبيعة تقول للإنسان في صمت: لقد أديت دورك، والباقي عليك.

فبعد أن يؤدي الجسد الإنساني كما هو كل جسد حيواني مهمته البيولوجية تجاه استمرار حياة، نوعه تبدأ مهمته تجاه نفسه. هنا لا ينبغي له أن ينتظر من الطبيعة أن تفعل ما كانت تفعله في مرحلة الشباب. عليه أن يتدخل بوعيه وإرادته: يحافظ على جسده، يحرك عضلاته، ينشط عقله، ينظم غذاءه، ينام بما يكفي، يمشي، يسبح، يحب، يسافر، يضحك، ويخلق لنفسه أسبابًا جديدة للحياة. العمر بعد ذلك لا تمنحه لنا الطبيعة بسهولة؛ نحن الذين ندافع عن وجودنا فيه. وربما تكون الحكمة في النصف الثاني من العمر أن ندرك أن الطبيعة قد أدت جزءًا كبيرًا من وظيفتها معنا، وأن ما تبقى أصبح مسؤوليتنا نحن.

ومنذ تلك اللحظة بدأت أنظر إلى جسدي لا باعتباره شيئًا أحمله معي، وإنما باعتباره أنا نفسي؛ جزءًا من وجودي وحضوري ومسؤوليتي وصحتي ومستقبلي.

وقد جاءت عبارة قرأتها لاحقًا للدكتور وليد الحيالي، رئيس الجامعة الدنماركية العربية في كوبنهاغن، لتمنح هذه الفكرة صياغة أخرى شديدة الكثافة: «كنتُ أنا والصحة نبحث عن المال، والآن أنا والمال نبحث عن الصحة». بدت لي هذه العبارة كأنها تختصر دورة كاملة من دورات الحياة. ففي الشباب نستهلك الصحة بحثًا عن المال، ثم يأتي العمر الذي نبدأ فيه بإنفاق المال بحثًا عن الصحة التي أهدرناها من قبل. وهنا تظهر المفارقة الإنسانية المؤلمة: أننا قد ننجح في جمع المال، لكننا لا نستطيع بالضرورة أن نشتري به ما فقدناه من صحة وعافية.

منذ تلك اللحظة الدنبوشية قررت أن آخذ جسدي على محمل الجد بصرامة لا تعرف المساومة التي أعيشها منذ أن ادركت الخطر في القاهرة الحبيبة.

لن أنسى ما حييت ذلك الصباح القاهري في 2 فبراير 2023، حين حاولت النهوض من سريري فلم أستطع بسبب ألم شديد في عمودي الفقري. حاولت مرة أخرى فسقطت وصرخت من شدة الوجع. كان الألم ينتشر في الجزء السفلي من جسدي كما لو أنها صعقة كهربائية تبدأ من أخمص القدم اليمنى وتصعد إلى منتصف ظهري. في تلك اللحظة شعرت أن جسدي، الذي طالما اعتبرته أمرًا مسلمًا به، قد تحول فجأة إلى سؤال مفتوح وتحدي وجودي يستدعي الاستجابة الفورية بلا مماطلة ولا تأجيل.

وهذا ما جعل ذاكرتي تستدعي مفهوم «المواقف الحدية» الذي درسته طويلًا في الفلسفة الوجودية. فالموقف الحدي هو تلك اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه أمام حدود وجوده، حيث تتراجع الأشياء الثانوية كلها، ولا يبقى أمامه إلا السؤال الأساسي: ماذا سأفعل؟ أقاوم أم أستسلم؟

كان وزني يومها نحو 130 كيلوغرامًا. وكنت أخفي هذه الحقيقة عن عائلتي وأصدقائي، وربما كنت أخفيها عن نفسي قبل الآخرين. لم أكن أريد أن أرى الرقم على الميزان، ولا أن يراه أحد. كنت أتعامل مع جسدي بمنطق التأجيل والإنكار، وأقنع نفسي بأن آلام القدم والظهر عابرة، وأنها ستذهب كما جاءت. لكن ذلك الصباح أسقط كل الأوهام دفعة واحدة. لقد رأيت النجوم في عز الظهر فعلًا!

ترددت طويلًا قبل أن أذهب إلى الطبيب، إلى أن تحاملت على نفسي وذهبت إلى الدكتور المتميز حمدي الكلدي في عيادته بالعشرين. وبعد حوار وفحص أولي أوصى بإجراء تصوير للعمود الفقري بجهاز الرنين المغناطيسي. ومع ذلك، واصلت التأجيل أسابيع أخرى. كنت لا أزال أتعامل مع جسدي بالعقلية اليمنية نفسها: غدًا أفعل، وغدًا أبدأ، وغدًا أذهب إلى الطبيب. وكأن الإنسان يستطيع أن يؤجل الحقيقة إلى ما لا نهاية لكن الألم لا يعرف المجاملة ولا المماطلة.

فحين اشتد آلمي، ذهبت إلى أحد المختبرات الحديثة في أول فيصل، وأجريت الفحص الذي أوصى به الطبيب. دخلت الجهاز الأسطواني شبه عارٍ، مستلقيًا بلا حركة قرابة عشر دقائق، وكأنني جثة تنتظر أن تُقرأ تفاصيلها من الداخل. خرجت وفي يدي نتيجة لم تكن مجرد صورة طبية؛ كانت أشبه برسالة إيقاظ: بداية انزلاق غضروفي.

كانت تلك الأشعة الممغنطة لحظة فاصلة في علاقتي بجسدي إذ لأول مرة أدركت أن الإنسان يستطيع أن ينشغل بالعالم كله وينسى أقرب الأشياء إليه: جسده الذي يحمله كل يوم. قد نكتب عن التاريخ والحضارة والفلسفة والسياسة والإنسان، وننسى أن هذا الإنسان الذي نكتب عنه له جسد يحتاج إلى الرعاية. وقد نبحث عن معنى العالم، بينما نعجز عن صعود درجتين دون أن نلتقط أنفاسنا.

يومها اقترح الدكتور حمدي محاولة علاج الانزلاق الغضروفي دون عملية جراحية، وبدأت تناول بعض الأدوية التي وصفها لي، لكنني شعرت بخمول عام ومشاعر سلبية لم تكن مريحة لي. عندها اتخذت القرار الأصعب: أن أغيّر نظام حياتي نفسه، وأن أخفض وزني، مستلهمًا وصية والدي، رحمه الله: «تعب الصحة ولا تعب المرض» وفي تلك اللحظة الحدية تذكرت نظرية جان بول سارتر (الحرية في موقف) ف" لكي ينجح المرء في الإقلاع عن التدخين، لا يكفي أن يمتنع عن الفعل، بل يجب عليه القيام بما يسميه سارتر "تفكيك التبلور"؛ أي أن يُعيد اختيار ذاته ومشروعه بالكامل دون أن يكون التبغ جزءاً من معاني الأشياء حوله" ف الحرية هنا تظهر في أقصى تجلياتها: الإقلاع عن التدخين هو قرار ببدء حياة جديدة وبناء "أنا" جديدة تواجه العالم مباشرة دون وسيط رمزي، وهو ما يجسد فكرة أن الإنسان يصنع ماهيته باستمرار عبر قراراته الحرة ومسؤوليته على حياته. ومعنى (تفكيك التبلور) هو تجريد الأشياء والمواقف من الرموز الأسطورية أو العاطفية الزائدة التي أضفاها وعينا اليها ، وإعادتها إلى حقيقتها الخام المجردة بهدف التحرر من التبعية لها. إي النظر إلى الأشياء في قاع المعنى. وتلك هي الفائدة التي غنمتها من قراءة كتاب (الوجود والعدم)

أثناء بحث عن طرق علاج الانزلاق الغضروفي

نصحني الخبير بالأدوات الطبية مساعد الطبيب نبيل الشبحي بجهاز شد الظهر من الصين. اتصل بابن أخي، مهيب صالح المحبشي، مدير شركة الاتجاهات الأربعة للشحن والتصدير في كوانجو فأرسل مشكورا لي الجهاز الظاهر في الصورة ادناه. كانت أمارسه التدريب كل صباح ومساء فضلا عن ممارسة السباحة والمشي لمدة ستة اشهر قبل السفر إلى الأراضي المنخفضة هولندا الخضراء.

أتيت هولندا بوزن يقارب 120 كيلوغرامًا فوجدتها فرصة مناسبة لإعادة بناء علاقتي بجسدي بما توفره من ممكنات لوجستية مساعدة. نصحتني الطبيبة الرائعة Laura لورا براون بضرورة تخفيض وزني، ومنحتني نظاما صحيًا التزمت به، إلى جانب برنامج جاد في المشي والسباحة. إذ لم أعد أتعامل مع المشي والسباحة باعتبارهما رياضة عابرة أو نشاطًا ثانويًا، وإنما باعتبارهما جزءًا من عاداتي اليومية في عملية استعادة العلاقة بين عقلي وجسدي.

طبعا لم يكن الطريق سهلًا. فالإنسان لا يغير جسده فقط عندما يغير طعامه؛ إنه يغير عاداته، ومزاجه، ووقته، ونظرته إلى نفسه. كل كيلوغرام ينخفض كان يعني في الحقيقة معركة صغيرة مع عادة قديمة، وكل خطوة إضافية كنت أمشيها كانت بمثابة تصحيح لعلاقة اختلت طويلًا بيني وبين جسدي.

في نهاية هذه الرحلة، لم أعد أنظر إلى جسدي بوصفه مجرد وعاء للروح أو أداة يحملها العقل من مكان إلى آخر، بل بوصفه شريكًا كاملًا في وجودي، وأمانة لا يجوز أن أتنصل من مسؤوليتها. من 130 كيلوغرامًا إلى 90 كيلوغرامًا لم تكن المسافة أربعين كيلوغرامًا فحسب، بل كانت مسافة بين ذاتين: ذاتٍ كانت تؤجل وتبرر وتتجاهل إشارات الجسد، وذاتٍ أخرى قررت أن تنصت، وأن تتحمل مسؤوليتها، وأن تبدأ من النقطة التي ظنت أنها نقطة النهاية. لقد علّمني الألم ما لم تعلّمني إياه صفحات كثيرة من الكتب: أن الجسد يتكلم، وأن علينا أن نصغي إليه قبل أن يرفع صوته، وأن العناية بالصحة ليست بحثًا عن جسد مثالي، بل احترام للحياة نفسها. وفي النصف الثاني من العمر، حين تبدأ الطبيعة في استرداد شيء من قوتها، نكتشف أن الإنسان لا يزال يمتلك قوة أخرى: قوة الوعي والإرادة والاختيار. لا يستطيع المرء أن يوقف الزمن، ولا أن يستعيد شبابه، لكنه يستطيع أن يمنح ما تبقى من عمره معنى مختلفًا. لذلك لم يعد الرقم 90 بالنسبة إليّ مجرد وزن على ميزان، بل علامة على استعادة شيء من الجسد، وشيء من النفس، وشيء من القدرة على الحياة. وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي خرجت به: لقد كنت أبحث عن معنى الحياة في الفلسفة والتاريخ والكتب والمدن، ثم اكتشفت أن المعنى يبدأ أحيانًا من أبسط الأشياء: أن تنهض من سريرك، وتمشي، وتتنفس، وتشعر بأن جسدك لم يعد عائقًا أمام الحياة، بل أصبح شريكًا فيها. ولهذا أقول لجسدي اليوم: سامحني لأنني تأخرت في الانتباه إليك، لكنني الآن أراك، وأسمعك، وأتحمل مسؤوليتي تجاهك. لقد كنت أبحث طويلًا عن معنى الحياة، فاكتشفت أخيرًا أن من شروط معناها أن تكون قادرًا على أن تعيشها.

***

د. قاسم المحبشي

لا دولة تقدّمت، ولا دولة نهضت، ولا دولة أصبحت عالمية بتعليم أهلي أو خاص. كل دولة صنعت مجدها اعتمدت على التعليم الشامل والمجاني كحق لكل مواطنيها. فنلندا، التي تتصدر العالم في جودة التعليم، جعلت التعليم المجاني من مرحلة ما قبل المدرسة حتى الجامعة حقاً دستورياً لكل مواطن، مع وجبات مدرسية مجانية ونقل مجاني وكتب مجانية. سنغافورة، التي تحوّلت من دولة فقيرة إلى واحدة من أغنى دول العالم، تفرض تعليماً إلزامياً مجانياً على جميع أطفالها، وتنفق 13.3% من ميزانيتها على التعليم. الصين، التي أصبحت القوة الاقتصادية الثانية عالمياً، وسّعت نطاق التعليم المجاني ومدّدت سنوات التعليم الإلزامي، لأنها أدركت أن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة. السويد، التي تُعد من أكثر دول العالم تقدماً ورفاهية، تقدم تعليماً مجانياً ممولاً من الضرائب من سن السادسة، وتتيح التعليم العالي مجاناً مع مساعدات طلابية للجميع.

هذه ليست مصادفة. هذه ليست صدفة تاريخية. هذه قاعدة ثابتة فالأمم لا تنهض إلا بتعليم شامل ومجاني يصل إلى كل طفل، في كل قرية، وفي كل مدينة، بغض النظر عن دخل أسرته أو خلفيته الاجتماعية.

 حين يتحول الحق إلى امتياز

في العراق، التعليم المجاني ليس ترفاً ولا منّة، بل هو حق قانوني ودستوري منذ عام 1974، حين أصدرت الحكومة قراراً أكدت فيه مجانية التعليم لجميع أبناء المجتمع ولكافة المراحل الدراسية، بل ذهبت أبعد من ذلك وألغت المدارس الأهلية في عام 1975. كان العراق منذ تاسيسه والى تلك الحقبة منارة للعلم والمعرفة في المنطقة، وكان تعليمه مجانياً وشاملاً فعلاً لا قولاً.

لكن اليوم تحول هذا الحق إلى مسخرة، فالتعليم في العراق رمز للتدهور والفساد، والجامعات عاجزة عن أداء دورها. نسبة الالتحاق بالتعليم العالي لا تتجاوز 19%، ونصف الجامعات متمركزة في بغداد، بينما نينوى والأنبار وصلاح الدين لا تمتلك سوى 1% منها. والأخطر أن التعليم العالي لم يعد مجانياً ولا شاملاً، بل صار سلعة يشتريها القادرون فحصة التعليم الأهلي نحو 30% من المقبولين، والهدف رفعها إلى 50%، في بلد أكثر من 60% من سكانه تحت سن الثلاثين. ففي 2024، هناك 31 جامعة حكومية تضم 541 ألف طالب، مقابل 165 جامعة أهلية تضم أكثر من 211 ألف طالب، أي أن الخاص يعمل بمنطق الربح لا الحق. كذلك لم يعد التعليم الموازي والمسائي قنوات مساندة، بل بوابة خلفية لخصخصة التعليم الحكومي: رسومه تتراوح بين 2 و8 ملايين دينار للتخصصات الإنسانية و6 و15 مليوناً للطبية، وطالب طب موازي دفع 12 مليوناً ثم خُفّضت إلى 9 ملايين، وهو مبلغ هائل قياساً بمتوسط دخل عائلي لا يتجاوز 750 ألف دينار، وأكثر من 27% من العراقيين تحت خط الفقر. وتقديرات 2024/2025 تشير إلى أكثر من 120 ألف طالب في الموازي والمسائي الحكومي و90 ألفاً في الأهلي، وقُبل 21,765 طالباً في الموازي، بينهم 2,995 في المجموعة الطبية. هؤلاء يدفعون مقابل تعليم يفترض أنه حق دستوري مجاني، دون أي امتياز حقيقي، إذ تتساوى الشهادتان قانونياً. وهكذا يتحول التعليم إلى آلة لاستخراج الأموال من الأسر، لا لخدمة الطلبة، تحت ذريعة استيعاب الأعداد. والدول التي نهضت — فنلندا، كوريا الجنوبية، سنغافورة، الصين، السويد — لم تترك تعليمها العالي للخاص ولا ابتكرت قنوات موازية لبيع المقاعد، بل جعلته حقاً مجانياً وشاملاً. أما العراق، فبينما يعاني نصف شبابه من البطالة، يوسّع التعليم المدفوع ويحوّل الجامعة من مصنع للمواطنين إلى دكان لبيع الشهادات. هذا انتحار حضاري، فأما أن تعود الجامعات إلى مجانيتها وشموليتها، وأما نستعد لمجتمع طبقي، نصفه يتعلم بالمجان والنصف الآخر يشتري حقه بالدينار. العراق الذي علّم العالم الكتابة لا يستحق أن يبيع التعليم بالمزاد.

الفساد الآفة التي تنهش عظام التعليم العراقي

الفساد في العراق لم يعد خفياً ولا مستتراً. لقد أصبح نظاماً، وأصبح التعليم أحد أبرز ضحاياه. في قطاع التربية والتعليم، تشكل أزمة نقص الأبنية المدرسية واللجوء إلى خيار "الدوام الثلاثي" أحد أبرز الشواهد على تراجع مستوى الخدمات الأساسية. ملف طباعة المناهج الدراسية تحوّل إلى ماكنة لنهب المال العام، حيث يتم تغيير المناهج سنوياً دون مبرر علمي واضح، مما يؤدي إلى إتلاف النسخ القديمة وتبرير إبرام عقود طباعة جديدة ومستمرة.

وزير أُحيل إلى المحكمة الجنائية بتهم فساد تتجاوز 21 مليار دينار. وفي احدى المحافظات، كُشفت عملية اختلاس أكثر من مليار دينار من مخصصات التربية. هذه ليست حالات فردية. هذه منظومة فساد تغذيها المحاصصة والمحسوبية والنفوذ السياسي. الوزارات والجامعات تعاني من المحسوبية والرشوة والتأثير السياسي، وشهادات مزورة تُهدد قيمة الشهادات الحقيقية.

 أرقام صادمة تفضح تخاذل الدولة

العراق ينفق أقل من 6% من ميزانيته الوطنية على التعليم، مما يضعه في أدنى مرتبة بين دول الشرق الأوسط. بينما يخصص 11.5% فقط من موارده للإنفاق التعليمي العام، وهو أقل بكثير من التزام 15-20% المطلوب في إعلان إنتشون. في المقابل، تنفق سنغافورة 13.3% من ميزانيتها على التعليم، وتنفق فنلندا بسخاء على كل طالب من مرحلة ما قبل المدرسة حتى الجامعة.

الفرق ليس في الموارد. العراق بلد نفطي غني. الفرق في الإرادة السياسية. الفرق في الرؤية. الفرق في الضمير.

 التعليم الشامل ليس تكلفة، بل استثمار

على القيادات العراقية أن تفهم أن التعليم الشامل والمجاني ليس عبئاً على الميزانية، بل هو أعلى عائد استثماري يمكن أن تحققه أي دولة. فنلندا، التي تقدم تعليماً مجانياً من الحضانة إلى الدكتوراه، هي من أكثر الدول ابتكاراً وتنافسية في العالم. سنغافورة، التي تستثمر بسخاء في تعليم مواطنيها، بنت اقتصاداً قائماً على المعرفة والتكنولوجيا. الصين، التي وسّعت تعليمها المجاني والإلزامي، تحوّلت إلى مصنع العالم ومركز الابتكار العالمي.

العراق الذي يملك أكثر من 45 مليون نسمة، غالبيتهم تحت سن الثلاثين، لا يمكنه أن يترك هذه الثروة البشرية الهائلة عرضة للجهل والفقر والتطرف. كل طفل عراقي لا يجد مقعداً في مدرسة مجانية هو خسارة للعراق. كل شاب عراقي لا يجد جامعة مجانية قريبة من بيته هو طاقة مهدرة. كل أستاذ جامعي يهمل تدريبه أو يُهجَّر أو يُهمَّش هو عقل مفقود للأبد.

 المطلوب هو إصلاح جذري لا تجميل

المطلوب من القيادات العراقية ليس خطابات ولا وعوداً، بل إجراءات جذرية:

أولاً: إعادة إحياء مبدأ مجانية التعليم في جميع المراحل، وإلغاء أي رسوم أو تكاليف غير قانونية تُفرض على الطلاب. التعليم حق، لا سلعة.

ثانياً: ضمان شمولية التعليم ببناء مدارس في كل منطقة، وإنهاء نظام الدوام الثلاثي الذي يُهين الطلاب والمعلمين على حد سواء.

ثالثا: تأميم الجامعات الاهلية او جعلها غير ربحية.

رابعا: محاربة الفساد في قطاع التعليم بلا هوادة، ومحاسبة كل من ينهب قوت أطفال وشباب العراق، من وزير إلى أصغر موظف.

خامسا: رفع نسبة الإنفاق على التعليم إلى 20% من الميزانية الوطنية، كما التزم العراق في المحافل الدولية.

سادسا: إعادة الاعتبار للمعلم والأستاذ الجامعي، وتحسين رواتبهم وظروفهم المعيشية، لأن من يربي أجيال العراق لا يجب أن يعيش في ذل.

 وفي النهاية.. العراق يستحق أن يعود

العراق الذي علّم العالم الكتابة، وبنى أولى الحضارات، وخرّج العلماء والأطباء والمهندسين، لا يمكن أن يقبل بأن يكون في ذيل قائمة الأمم المتعلمة. التعليم الشامل والمجاني ليس مجرد سياسة تعليمية، بل هو قرار وجودي لمستقبل العراق. إما تعليم شامل ومجاني يرفع العراق إلى مكانته الطبيعية بين الأمم، أو فساد وتعليم خاص يعمّق الجهل والطبقية والتخلف.

العراقيون يستحقون أفضل مما هم فيه. أطفال العراق يستحقون مدارس نظيفة وآمنة ومجانية. شباب العراق يستحقون جامعات قريبة وعالمية المستوى. العراق يستحق أن يعود. وعودته لا تبدأ من النفط، بل من الطفل الذي يحمل حقيبة مدرسية مجانية، ومن الطالب الذي يدخل جامعة مجانية، ومن المعلم او التدريسي الذي يكرّمه وطنه كما يكرّم أبطاله.

هذا ليس حلماً. هذا ما فعلته فنلندا. هذا ما فعلته سنغافورة. هذا ما فعلته الصين. هذا ما فعلته السويد وكل دولة تحترم شعبها. فلماذا لا يفعلها العراق؟

***

د. محمد الربيعي

 

في المثقف اليوم