عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

كتب: براين نورتن

ترجمة: علي حمدان

***

بالنسبة لبرنارد ستيجلر، الفيلسوف صاحب الرؤية الثاقبة لعصرنا الرقمي، فإن التقنية هي السمة المميزة للتجربة الإنسانية*

***

في أواخر القرن العشرين، بدأ ستيغلر بتطبيق هذه الفكرة على تقنيات الإعلام الجديدة، كالتلفزيون، مما أدى إلى تطوير مفهوم أطلق عليه اسم "علم الأدوية" - وهي فكرة تشير إلى أننا لا نستخدم أدواتنا الرقمية فحسب، بل إنها تتغلغل فينا وتُغيرنا، تمامًا كالأدوية. واليوم، يمكننا توسيع نطاق هذا التشبيه. فالإنترنت يُقدم لنا أرشيفًا ضخمًا من المعلومات المُنسقة والمتاحة بسهولة. مواقع مثل ويكيبيديا تحتوي على تيرابايتات من المعرفة، تراكمت وتناقلتها الأجيال عبر آلاف السنين. في الوقت نفسه، يُتيح هذا التبادل غير المسبوق للمعلومات نشر كميات هائلة من المعلومات المُضللة، ونظريات المؤامرة، وغيرها من المحتويات الضارة. العالم الرقمي، كما يقول دريدا، سمٌّ ودواءٌ في آنٍ واحد.

دفع هذا النوع من التعددية ستيغلر إلى التفكير بتمعن في التقنيات أكثر من التكنولوجيا نفسها. فبالنسبة لستيغلر، ثمة مخاطر كامنة في التفكير من منظور التكنولوجيا: فكلما ازداد انتشار التقنيات الرقمية في حياتنا، كلما سهُل علينا نسيان أن هذه الأدوات نتاج اجتماعي صنعه البشر. كيف نستمع إلى الموسيقى، والطرق التي نسلكها للوصول من مكان إلى آخر، وكيف نتواصل مع الآخرين، كل هذه الجوانب من حياتنا اليومية أعيد تشكيلها بفعل التقنيات الجديدة والبشر الذين ينتجونها. ومع ذلك، نادرًا ما نتوقف لنفكر في دلالات ذلك بالنسبة لنا. اعتقد ستيغلر أن هذا النسيان يخلق أزمة عميقة لجميع جوانب التجربة الإنسانية. فبالنسيان، نفقد قدرتنا البالغة الأهمية على تخيل طرق بديلة للعيش. ويبدو المستقبل محدودًا، بل ومحددًا سلفًا، بفعل التكنولوجيا الجديدة.

في العالم الناطق بالإنجليزية، يُعرف ستيغلر بكتابه الأول "التقنية والزمن، الجزء الأول: خطأ إبيميثيوس" (1994). في الجملة الأولى، يُبرز الرابط الحيوي بين فهمنا للتقنيات التي نستخدمها وقدرتنا على تخيّل المستقبل. يكتب: "موضوع هذا العمل هو التقنية، باعتبارها أفق كل الاحتمالات القادمة وكل احتمالات المستقبل". ينظر إلى علاقتنا بالأدوات باعتبارها القوة الحاسمة لجميع الاحتمالات المستقبلية؛ فالتقنية هي السمة المميزة للتجربة الإنسانية، وهي سمة أغفلها الفلاسفة من أفلاطون وأرسطو وحتى يومنا هذا. فبينما طرح رينيه ديكارت وهوسرل ومفكرون آخرون أسئلة مهمة حول الوعي والتجربة المعيشة (الظاهراتية)، وطبيعة الحقيقة (الميتافيزيقا) أو المعرفة (نظرية المعرفة)، إلا أنهم لم يُفسروا الطرق التي تُساعدنا بها التقنيات في إيجاد إجابات لهذه الأسئلة، أو تُوجهنا نحوها. بحسب ستيجلر، فإن "التقنية هي ما لم يُفكر فيه".

ولتأكيد أهمية التقنيات، يلجأ ستيغلر إلى أسطورة الخلق التي رواها الشاعر اليوناني هسيود في كتابه "الأعمال والأيام"، الذي كُتب حوالي عام 700 قبل الميلاد. أثناء خلق العالم، طلب زيوس من التيتان إبيميثيوس توزيع المواهب الفردية على كل نوع. منح إبيميثيوس الطيور أجنحة لتطير، والأسماك زعانف لتسبح. ولكن عندما وصل إلى البشر، لم يتبقَّ لدى إبيميثيوس أي مواهب. لجأ إبيميثيوس، الذي يعني اسمه (بحسب ستيغلر) "النسيان" باليونانية، إلى أخيه بروميثيوس طلبًا للمساعدة. فسرق بروميثيوس النار من الآلهة، وقدمها للبشر بدلًا من موهبة بيولوجية. وهكذا، وُلد البشر مرة أخرى من فعل النسيان، تمامًا كما في نظرية أفلاطون عن التذكر. ويكمن الاختلاف مع قصة هسيود في أن التقنيات هنا تُوفر أساسًا ماديًا للتجربة الإنسانية. بسبب افتقار الإنسان العاقل لأي مواهب فسيولوجية، يجب عليه البقاء على قيد الحياة باستخدام الأدوات، بدءًا من النار.

يرى ستيغلر أن علم الأدوية التقنية يتيح فرصًا لعلاقات إيجابية أو سلبية مع الأدوات. وكما كتب الشاعر فريدريك هولدرلين في اقتباسٍ كثيرًا ما استشهد به ستيغلر: "حيث يكمن الخطر، تنمو أيضًا قوة الإنقاذ". وبينما يركز دريدا على قدرة الكلمة المكتوبة على تقويض سيادة الفرد، يوسع ستيغلر هذا الفهم لعلم الأدوية ليشمل مجموعة متنوعة من الوسائط والتقنيات. فليس الكتابة وحدها، بل المصانع ومراكز البيانات وحتى الأدوية النفسية تمتلك القدرة الدوائية على تسميم عالمنا أو شفائه، والأهم من ذلك، فهمنا له. يمكن للتطور التكنولوجي أن يدمر إحساسنا بأنفسنا كذوات عقلانية متماسكة، مما يؤدي إلى معاناة ودمار واسعين النطاق. لكن الأدوات يمكن أن تمنحنا أيضًا إحساسًا جديدًا بمعنى الإنسانية، مما يؤدي إلى أنماط جديدة من التعبير والممارسات الثقافية.

في كتابه "البؤس الرمزي، المجلد الثاني: كارثة المحسوس" (2015)، يتناول ستيغلر أثر التقنيات الحديثة، ولا سيما تلك المصاحبة للتصنيع، على الفن والموسيقى. غالبًا ما يُنظر إلى الصناعة، التي تُعرَّف بالإنتاج الضخم والتوحيد القياسي، على أنها مناقضة للحرية الفنية والتعبير. لكن ستيغلر يحثنا على إلقاء نظرة فاحصة على تاريخ الفن لنرى كيف استجاب الفنانون للتصنيع. فعلى سبيل المثال، ردًا على آثار التوحيد القياسي للآلات الجديدة، استخدم مارسيل دوشامب وغيره من رواد الطليعة الفنية في القرن العشرين الأدوات الصناعية لابتكار أشكال جديدة من التعبير الإبداعي. في لوحة "عارية تنزل الدرج، رقم 2" (1912)، وظّف دوشامب المنظورات الزمنية الجديدة التي أتاحها التصوير الفوتوغرافي والسينما لرسم نوع مختلف جذريًا من الصور الشخصية. استلهم دوشامب من قدرة الكاميرا على التقاط الحركة إطارًا بإطار، فرسم عارضة عارية تظهر في لحظات متعددة في آن واحد، كسلسلة من الصور المتتابعة بتقنية الفاصل الزمني. لاقت الصورة رواجًا فوريًا، وأصبحت رمزًا للحداثة وما نتج عنها من تداخل بين الفن والتكنولوجيا الصناعية.

لم تخلُ الابتكارات التقنية، في نظر ستيغلر، من تداعيات سياسية واجتماعية. فعلى سبيل المثال، ربما ساهم الفونوغراف في توحيد الأداء الموسيقي الكلاسيكي بعد اختراعه في أواخر القرن التاسع عشر، ولكنه أسهم أيضًا في تطوير موسيقى الجاز، وهو نوع موسيقي كان رائجًا بين الموسيقيين الذين مُنعوا من الوصول إلى عالم النخبة في الموسيقى الكلاسيكية. وبفضل الفونوغراف، تمكّن موسيقيون سود، مثل عازف البيانو والملحن ديوك إلينغتون، من تعلّم العزف على آلاتهم سماعيًا، دون الحاجة إلى تعلّم قراءة النوتات الموسيقية أولًا. ومن المفارقات أن تصنيع الفونوغراف للأداء الموسيقي أدى إلى الارتجال الحرّ لعازفي الجاز.

يلفت كتاب "التقنية" انتباهنا إلى قدرات أدواتنا في تشكيل العالم، مع تذكيرنا في الوقت نفسه بالطبيعة المصطنعة لواقعنا التكنولوجي. ولا يتجاهل فهم ستيغلر الشامل للتقنية، الذي يشمل كل شيء من الأدوات الزراعية القديمة إلى جهاز التلفزيون، الابتكارات الجديدة. ففي عام 2006، أسس ستيغلر معهد البحث والابتكار، وهو منظمة تابعة لمركز بومبيدو في باريس، تُعنى بدراسة تأثير التكنولوجيا الرقمية على المجتمع المعاصر. وقد أدى إيمان ستيغلر بقدرة التكنولوجيا على تشكيل العالم من حولنا في كثير من الأحيان إلى اتهامه بأنه من دعاة الحتمية التكنولوجية، الذين يعتقدون أن مسار التاريخ برمته يتشكل بفعل الأدوات والآلات. صحيح أن ستيغلر يعتقد أن التكنولوجيا تُحدد هويتنا كبشر، لكن هذه العملية لا تُقيدنا دائمًا بنتائج مُحددة مسبقًا. بل إنها في الوقت نفسه تُوفر لنا أفقًا ماديًا من التجارب الممكنة. تحثنا نظرية ستيغلر في التقنية على إعادة النظر في تاريخ الفلسفة والفن والسياسة، لكي نفهم بشكل أفضل كيف شكّلت التكنولوجيا عالمنا. ومن خلال اكتساب هذا الوعي التاريخي، يأمل أن نتمكن في نهاية المطاف من تصميم أدوات أفضل، مستخدمين التكنولوجيا لتحسين عالمنا بطرق فعّالة.

لا يعني هذا أن ستيغلر متفائلٌ بالتكنولوجيا، وينظر إليها نظرةً عمياء كحلٍّ سحريٍّ لمشاكلنا. أحد مخاوفه الرئيسية بشأن التكنولوجيا الرقمية هو قدرتها على توحيد العالم الذي نعيش فيه. فالبيانات الضخمة، في رأي ستيغلر، تُهدد بتقييد إدراكنا لما هو ممكن، بدلاً من توسيع آفاقنا وفتح آفاق جديدة للتعبير الإبداعي. وكما قامت أفلام هوليوود في القرن العشرين بتصنيع ونشر أيديولوجية الرأسمالية الاستهلاكية في جميع أنحاء العالم، يُشير ستيغلر إلى أن شركات التكنولوجيا مثل جوجل وآبل غالباً ما تنشر قيماً خفية. وخير مثال على ذلك مسابقة الجمال الأولى التي تُحكم بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي. فكما ناقشت عالمة الاجتماع روها بنجامين في كتابها "العرق بعد التكنولوجيا" (2019)، روّج مطورو Beauty.AI للمسابقة على أنها فرصة لتقييم الجمال بطريقة خالية من التحيز. إلا أنهم وجدوا أن الأداة التي صمموها أظهرت تفضيلاً ساحقاً للمتسابقات البيض.

في كتابه "المجتمع الآلي، المجلد الأول: مستقبل العمل" (2016)، يُبين ستيغلر كيف يُمكن للبيانات الضخمة أن تُوحّد عالمنا من خلال إعادة تنظيم العمل والتوظيف. في البداية، نُظر إلى الأدوات الرقمية كقوة مُزعزعة قادرة على كسر رتابة الصناعات الكبرى، إلا أن صعود أشكال العمل المرنة في اقتصاد العمل الحر قد خلق طبقة مهمشة كبيرة. فقد باتت فئة جديدة من سائقي أوبر وغيرهم من العمال ذوي الأوضاع الهشة يعملون في ظروف بالغة عدم الاستقرار، محرومين حتى من الحماية التقليدية التي توفرها وظائف الطبقة العاملة. ولا يُقدم الاقتصاد الرقمي دائمًا بدائل مرغوبة، إذ تتلاشى معه أساليب العمل والمعيشة السابقة.

كان أحد الشواغل الملحة التي تناولها ستيغلر قبل وفاته المفاجئة عام 2020 هو قدرة الأدوات الرقمية على مراقبتنا. فقد أدى صعود شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل وأمازون إلى توغل أدوات المراقبة في كل جانب من جوانب حياتنا. فالمنازل الذكية مزودة بكاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة، وتنفق شركات التسويق مليارات الدولارات لجمع البيانات حول كل ما نفعله على الإنترنت. في كتابيه الأخيرين اللذين نُشرا باللغة الإنجليزية، "النيغانثروبوسين" (2018) و"عصر الاضطراب: التكنولوجيا والجنون في الرأسمالية الحاسوبية" (2019)، يشير ستيغلر إلى أن انتشار أدوات المراقبة على نطاق واسع يتعارض مع الوعد الدوائي للتكنولوجيا الجديدة. فعلى الرغم من أن أدوات التتبع قد تكون مفيدة، على سبيل المثال، في الحد من انتشار الأمراض الضارة، إلا أنها تُستخدم أيضًا لحرماننا من عوالم من التجارب الممكنة.

تؤثر التكنولوجيا، سلباً وإيجاباً، على كل جانب من جوانب حياتنا. فإحساسنا بهويتنا يتشكل ويتغير باستمرار بفعل الأدوات المتاحة لنا. تكمن المشكلة، في رأي ستيغلر، في أننا عندما نولي اهتماماً مفرطاً لأدواتنا، بدلاً من كيفية تطويرها واستخدامها، فإننا نعجز عن فهم واقعنا. نقع في فخّ وصف العالم التكنولوجي وفقاً لشروطه الخاصة، مما يزيد من صعوبة فهم تأثيرات التقنيات الرقمية على تجاربنا اليومية. من خلال تشجيعنا على إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القدرة على تشكيل العالم، بما تنطوي عليه من إمكانات للضرر والشفاء، يُرينا ستيغلر ما هو ممكن أيضاً. هناك طرق أخرى للعيش والوجود والتطور. إن التقنيات، لا التكنولوجيا، هي التي ستمنح المستقبل وجهه الجديد.

"انتبهوا، الوحش الذي بداخلكم ساكن، ينتظر الشرارة ليهجم".. الكاتب

تقديم: ليس المسخ كائنا من عالم آخر، إنه في داخلنا، إنه نحن حين نسلّم القيادة للجسد، حين نفقد القدرة على الحب والتفاهم والتعاطف، إن ما تبقى منا، من إنسانيتنا في عصر الحروب والظلم وتسليع الإنسان، يهدّد المسخ الذي بداخلنا وييسّر له أسباب الظهور والخروج، ليضمن مكانا في عالم فقد سيطرته على الأخلاق والقيم.

حين يصنع الإنسان مسخه، فهو لا يخلق كائناً مشوَّهاً بالضرورة، كالمسخ فرانكشتاين، أو مسخ الدكتور مورو، أو الجوليم، وحوشاً بمواصفات مرعبة، لأنه في ثقافتنا ومنطوقنا المسخ كائن مشوَّه، مرعب ومخيف، فالمسخ هنا، غالبا ما يُجسّد أسوأ ما في الإنسان ليُصبح مرآة لقبح الصانع حين تركبه الأهواء والحماقات والانتقام والكره، فيظهر على حقيقته التي تختبئُ وراء الوجه المسالم الذي يعرفه الناس به. فالمسخ لا يلد نفسه، ولا يولد من تلقاء نفسه، بل يخرج من رحم الخوف والغرور والظن بالقدرة على التحكّم، فيتجبَّر، «فهو ليس مجرد تغيير في الشكل، بل هو انعكاس مادّي للتّشوّه الدّاخلي الذي أحدثه المجتمع أو الخوف في روح الإنسان»، وقد يرتد على صانعه حين يشعر أنه ملك هامشا من الاستقلالية الوجودية. فالصانع لا ينقل المحاسن فقط، بل ينقل النزعات التدميرية الكامنة في اللاوعي البشري. فالوحش الرابض في ظلمات النفس يظهر ويختفي كالظل يُظهره بصيص من نور، فينزع إلى الدمار والكراهية، ويُخرج من الغضب المكبوت والمخاوف القديمة والأنانية وغرائز البقاء البدائية ما يجعله وحشاً مدمّراً.

يطفو المسخ أو الوحش على السطح عندما تضعف السيطرة الواعية للعقل، ويستنزف طاقاته النفسية والجسدية، وعندما تحيط به لحظات الخوف أو الخطر ويبتلع المهانات، يظهر المسخ ويتصرف بشراسة غير معهودة لحماية النفس أو للسيطرة على الآخر والمحيط، ويختفي المسخ، وهو هنا لا يموت لأنه جزء من التكوين البشري، لكنه ينام ويخضع للسيطرة حين يتصالح الإنسان مع نفسه ويفهم مخاوفه ونقاط ضعفه، أو حين لا تجد الغرائز الشرسة مبرّراً للظهور، لذا لا يمكن إنكاره أو قتله، بل ترويضه ليظهر، حين يطفو على السطح، أقل وحشية وأكثر تفكيراً واتزاناً.

عندما تتراكم الخسارات، وتصل النفس البشرية إلى الطريق المسدود حيث لا رجعة، وحين يضعف الشعور بالحرية والكرامة بسبب الإذلال والاستغلال والقمع والاحتقار، وحين لا يبقى من الإنسان إلا بقايا إنسان متهالك، أو ما يُشبه الإنسان، عندما يعجز العقل عن قولا "لا"، أو حين يخاف عواقب التمرد والمواجهة، في لحظات الضعف القصوى هاته، يظهر المسخ، وتتبدّى بوادر التّمرّد على السطح، ويَتَسلّم الجسد القيادة بدل العقل، فيفسخ العقود الإنسانية، ويختار شكله الذي به سيواجه خوفه وضُعفه، وينفجر المسخ ثائراً ضد جلاّديه، وهذا هو الثمن الذي يدفعه الإنسان المقهور ليحصل على حريته وكرامته.

وقد يظهر المسخ أيضا، عندما يريد الإنسان أن يتحدّى قدراته، ويخوض سباقاً محموماً للارتقاء بقواه المعرفية أو المادية إلى سقف القدرة المطلقة، فيأتي على القيم فيضربها، وعلى الأخضر فيجرفه ولا يُبقي شيئا، ويكتسي لحظة ضُعف الآخر، حين يتذلّلُ ولاءً، لباس السلطة والجاه والأنا، وينظر إلى ذاته كأنّه الأهم والأحق بالتبجيل، إذ في غمرة هذا الاعتداد والزّهو يظهر المسخ، ذاك الكيان الوحشي الذي ينبث من رحم السيطرة وحب السلطة واحتقار الآخر، فينزع عنه جوهره  الإنساني، ويتحول إلى قوة متوحّشة تهدد من حولها.

كلّنا يحمل مسخه داخله، ليس شرّاً مطلقا ولا رغبة في الأذى، لكنه الجانب المظلم والخفي من النفس البشرية، التي يعجّ مستودعها بالرغبات والدوافع والأحقاد والغرائز التي تسكننا ونرفض الاعتراف بها، لأنّ المجتمع يحكم عليها بالسوء والرفض. لذا، فالوعي بوجود الوحش أو المسخ داخلنا، وأن الشر يحمل بذور فنائه داخله، هو أولى الخطوات لمنعه من السيطرة على أفعالنا أو التّسلل، في غفلة منّا، إلى تصرفاتنا الصغيرة واليومية، فالمسخ لا يملك ولاءً لنفسه، فهو دائماً، قاب قوسين من الظهور حين نتخلّى عن قيمنا الإنسانية، فيدمّر ما حوله ويدمّرنا في الآن نفسه. فالإنسان حين يصنع مسخه يصبح هو نفسه ضحية الوحش الذي أوجده، إذ تُسجن النفس داخل دائرة الشر فتُسحق، لأن الشر ليس طاقة بناء، بل طاقة استهلاك. «فمن يحارب الوحوش عليه أن يحذر لئلاّ يُصبح وحشا هو الآخر.» (نيتشه)

***

عبد الهادي عبد المطلب

الدار البيضاء ـ المغرب

مدخل: في أزمنة التحولات الحضارية الكبرى، لم يكن المثقف يوماً مجرد فائضٍ عن حاجة المجتمع، بل كان الضمير الحي الذي يفكك بنية التخلف ويستشرف آفاق النهوض، بينما في زمننا الراهن نصطدم بمفارقة تراجيدية؛ حيث في ذروة ثورة الاتصال الكوني، أصبح صانع الأفكار يعيش أعمق درجات اغترابه الأنطولوجي!! هل استقال المثقف طوعاً من دوره الشهودي؟ أم أن تسونامي التفاهة الرأسمالية قد أقصاه قسراً ليُخلي الساحة لـ"فقاعات" الاستعراض؟

المثقف في زمن "الاستعراض"

عبر المنعطفات التاريخية التي تحدد مصائر الأمم، ظلت "الكلمة" هي الحامل الطبيعي لمشاريع النهضة، والمثقف هو حارسها المؤتمن، إلا اننا في المشهد الحضاري الراهن نحن أمام انقلاب جذري في موازين التلقي والتأثير؛ فقد انتقلت ساحات التدافع المعرفي من أروقة الحوار الرصين وحلقات التفكير العميق، إلى منصات رقمية صاخبة لا تحكمها قوة الحجة، بل خوارزميات الاستهلاك اللحظي وأنظمة "التريند".

مع هذا النسق المأزوم، لم يعد التحدي الأكبر الذي يواجه النخب الفكرية،  فقط الرقابة أو ضيق هوامش الحرية، بل تجاوزه إلى تحدٍ أشد فتكاً يتمثل في بنية العصر ذاته؛ عصرٌ يمجّد السطحية، ويحتفي بالصورة على حساب الجوهر، ويقدم الانفعال الغريزي على حساب التعقل الفلسفي، أمام هذا الانزياح الخطير، اختار الكثير من المفكرين الانكفاء على الذات، والدخول في حالة من الاغتراب او العزلة، تاركين الفضاء العام لثقافة التفاهة والرداءة والهشاشة، كما لا يخفى على أحد منا، أن قراءة هذه الظاهرة لم تعد ترفاً أكاديمياً، بل هي مدخل رئيسي لفهم أزمة الوعي التي تعصف بالعقل الإنساني والإسلامي المعاصر.

الاغتراب الثقافي في "زمن السيولة"

إن مقاربة عزلة المثقف المعاصر مقاربة موضوعية لا تتم بمعزل عن التحولات المعرفية العميقة التي أفرزتها حقبة ما بعد الحداثة، حيث  أفضت هذه المرحلة، كما يشخصها ببراعة الفيلسوف وعالم الاجتماع "زيغمونت باومان"، إلى حالة من "السيولة" الشاملة التي أذابت السرديات الكبرى واليقينيات الصلبة التي كان يستند إليها العقل البشري في بناء تصوراته عن الكون والمجتمع، ومع تسيد المناخ الرقمي المتوحش، فقدت المعرفة طابعها التراكمي والبنائي، وتحولت إلى شظايا معلوماتية متناثرة، أين تم تبلور الاغتراب الأنطولوجي للمثقف؛ فهو كائن نسقي يبحث عن المعنى الكلي، في عالم يكتفي باللذة الجزئية والمؤقتة، بينما المثقف الذي اعتاد أن يبني أطروحاته على التفكيك المتأني والتركيب المنهجي، يصطدم بواقع يرفض الانتظار والعمق والتفاصيل، فزمن السيولة متسارع يلهث وراء التحديث المستمر، مما يجعل أدوات التحليل الرصينة تبدو وكأنها لغة غريبة فقدت صلاحيتها في سوق التداول اليومي، وهو ما يعمق الهوة النفسية والمعرفية بين المثقف ومجتمعه.

تسليع الخطاب المعرفي

تفكيكاً بعمق لهذه العزلة، تجد أطروحة الفيلسوف الفرنسي "غي ديبور" حول "مجتمع الاستعراض" راهنيتها القصوى في قراءة واقعنا، كون المجتمع برمته تحول إلى شاشة عرض كبرى، حيث تتراجع قيمة "الكينونة" (أن تكون مثقفاً حقيقياً) لصالح "الظهور" (أن تبدو كذلك أمام الكاميرات)، في ظل مجتمع الاستعراض، أصبح المعيار الأوحد للموثوقية هو "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy) والقدرة على حصد التفاعلات واللايكات، وليس القدرة على إنتاج الحقيقة الفلسفية أو تغيير الواقع المتردي.

أمام تسونامي الاستعراض، يتعرض الفكر لعملية تسليع ممنهجة ومبتذلة،  في ظل الاقتصاد الرقمي لا يقصي الفكر تماماً، بل يقوم بابتلاعه وإعادة إنتاجه في قوالب مفرغة من محتواها النقدي، محولاً إياه إلى "بضاعة" استهلاكية تنتهي صلاحيتها بمجرد ظهور مؤثر جديد، حيث يُطلب من المثقف، عبر ضغط خفي، أن يتخلى عن عمقه المنهجي ويتحول إلى "شبه مثقف" يختزل نظرياته في مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة لتلائم "خوارزمية" المنصة، ومن يرفض الانخراط في هذه اللعبة الاستعراضية، يُحكم عليه بالإعدام الرمزي والتهميش والإقصاء والتسقيط مجتمعياً.

 مجتمع الاستعراض من عالم "الأفكار" إلى عالم "الأشياء"

لو أسقطنا هذا الواقع على جراحنا الحضارية، مستعيرين الرؤية الثاقبة للمفكر الجزائري "مالك بن نبي" رحمه الله، لأدركنا أن جوهر الأزمة يكمن في انتقال مركز الثقل في شبكة العلاقات الاجتماعية من "عالم الأفكار" إلى "عالم الأشياء" وعالم الأشخاص، حيث صارت  مجتمعاتنا  تستهلك التكنولوجيا كأشياء صماء، مفرغة من الروح الحضارية، في ظل هذا الاختلال المفاهيمي، تتراجع مكانة "الكلمة" باعتبارها وعاء الفكرة، لصالح "الصورة" التي تخاطب الغرائز والعواطف، هنا تتجلى محنة المجتمع المسلم المعاصر؛ فالمثقف المسلم، الذي يستمد مرجعيته من نص قرآني مؤسس على التفكر والتدبر، يجد نفسه في مواجهة نمط مادي يمارس ما أسماه المفكر "علي شريعتي" بـ "الاستحمار الحديث". وهو استحمار لا يعتمد على تغييب المعرفة، بل على إغراق الإنسان في طوفان من المعلومات التافهة والملهيات المبرمجة التي تشتت انتباهه عن قضاياه المصيرية، وفي هذا المناخ الخانق، تتحول عزلة المثقف أحياناً إلى رد فعل دفاعي مشروع، ومحاولة نبيلة لحماية لغته ومفاهيمه من التلوث والابتذال الذي تفرضه ثقافة الغوغاء.

"المثقف الشاهد" وشروط الخلاص

رغم قسوة هذا التوصيف، فإن النقد الحضاري لا ينبغي أن يقودنا إلى العدمية أو تبرير الاستقالة التاريخية للنخب، لأن الخروج من نفق الاغتراب يتطلب صياغة "عقد تواصل جديد" ينقلنا من مفهوم "المثقف العضوي" (بمفهومه الغرامشي الذي قد يقع في فخ الذوبان الإيديولوجي)، إلى مفهوم أرحب وأعمق نابع من صميم الرؤية التوحيدية القرٱنية، وهو مفهوم "المثقف الشاهد".

 "المثقف الشاهد" هو النقيض الجذري للمثقف المنسحب في برجه العاجي أو الناقم على مجتمعه، إنه المثقف الحاضر بوعيه في صميم المعركة الحضارية السوسيوثقافية، والذي يمتلك من "النباهة" ما يجعله يرى ما لا يراه المجموع المستلَب في مجتمع الاستعراض، حيث الشهادة هنا (بمفهومها القرآني: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ليست مجرد مراقبة سلبية للأحداث او رد فعل اعتباطي، بل هي حضور أخلاقي ومعرفي فاعل، يرفض تسليع الفكرة، ويتدخل لتقويم الانحراف ويصحح المسارات ويستشرف خيارات الخلاص، المثقف الشاهد يدرك يقيناً أن المعرفة أمانة ائتمانية، وأن الفاعلية وتغيير الواقع هما شرطان من شروط "العبادة العمرانية"، فينزل إلى الميدان ليكون حجة على مجتمعه، منخرطاً بشجاعة في صناعة الوعي البديل.

في الختام، لا مناص أن اغتراب المثقف في مجتمع الاستعراض ليس قدراً أنطولوجياً لا فكاك منه، بل هو عرضٌ مرضي ناتج عن خلل في موازين التفاعل الحضاري، صحيح أن العزلة قد تكون محطة منهجية ضرورية للخلوة التأملية، وترتيب الأفكار بعيداً عن سيولة "التريند"، لكن استدامتها تمثل خيانة صريحة لوظيفة "الشهادة الحضارية".

كون التحدي الأكبر الذي يواجه العقل العربي والإسلامي اليوم، هو كيفية اختراق هذه الحجب الرقمية وبناء "عمران معرفي" جديد عمرانٌ يسترد فيه المثقف دوره كمهندس للوعي، ليس عبر مداهنة مجتمع الاستعراض، بل عبر التأسيس لمنصات تنويرية جادة تخاطب الفطرة، وتستعيد للكلمة قداستها، وتزرع بذور النباهة في حقلٍ أرهقه الاستحمار والاستعمار، إنها معركة إرادات قبل أن تكون معركة أفكار، والانتصار فيها يبدأ من خروج المثقف الشاهد من عزلته، حاملاً مشعل التجديد، مؤمناً بأن زبد التفاهة يذهب جفاءً، وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض.. والله المستعان.

***

بقلم: مراد غريبي

هناك مفكرون يضيفون إلى المكتبة كتابا، وهناك من يضيفون إلى الوعي طريقة جديدة في النظر إلى العالم. وبين الصنفين مسافة شاسعة؛ فالأول يترك أثرا على رفوف المكتبات، أما الثاني فيترك أثره في العقول والضمائر. والدكتور محمد مدين ينتمي بلا شك إلى الفئة الثانية؛ أولئك الذين لا يكتفون بكتابة الفلسفة، وإنما يعيشونها، ولا يدرسون الفكر بوصفه تاريخا مضى، بل باعتباره طاقة متجددة لتحرير الإنسان من أوهامه، والدفاع عن العقل في زمن تتكاثر فيه أشكال اليقين الزائف

لم يكن مشروعه الفكري مجرد ممارسة أكاديمية داخل قاعات الجامعة، وإنما كان رحلة طويلة للبحث عن الإنسان، وعن معنى الحرية، وعن قيمة السؤال، وعن ذلك الخيط الرفيع الذي يصل الحضارات بعضها ببعض. ولذلك جاءت أعماله في التأليف والترجمة امتدادا لرؤية تؤمن بأن المعرفة لا وطن لها وأن الفلسفة لا تعترف بالحدود، وأن الحضارات لا تتصارع بقدر ما تتحاور حين تجد من يتقن لغة العقل.

لقد استطاع الدكتور محمد مدين أن يحتل مكانة رفيعة بين أساتذة الفلسفة في مصر والعالم العربي، ليس لأنه حفظ تاريخ الفلسفة أو أتقن شرح نظرياتها، وإنما لأنه تعامل معها باعتبارها مشروعا لتحرير الوعي الإنساني. فكان دائم الانحياز إلى العقل النقدي، وإلى الحوار، وإلى الانفتاح على الثقافات المختلفة، مؤمنا بأن الفلسفة ضرورة حضارية ولا يمكن لأمة أن تتقدم من دونها.

ولعل أحد أهم ملامح مشروعه الفكري يتمثل في إيمانه العميق بالترجمة. فالترجمة عنده لم تكن نقلا حرفيا للكلمات، وإنما كانت إعادة بناء للمعنى، وجسرا تعبر عليه الأفكار بين الأمم. ولذلك أسهم في نقل عدد من الأعمال الفلسفية المهمة إلى العربية، واضعا نصب عينيه أن اللغة العربية قادرة على استيعاب أكثر المفاهيم الفلسفية تعقيدا

حين نتأمل المشروع الفكري للدكتور محمد مدين، ندرك أننا أمام عقل اختار أصعب مسارات الفلسفة وأكثرها دقة. فلم ينشغل بالشعارات الفكرية الكبرى، بقدر ما انشغل بالبنية العميقة للمفاهيم، وباللغة التي تتشكل داخلها الأحكام الأخلاقية، وبالسؤال الدقيق عن المعنى والقيمة والمنهج. ولهذا جاءت مؤلفاته وكأنها حلقات متصلة في مشروع فلسفي واحد، غايته إعادة الاعتبار للفلسفة التحليلية وللفكر الأخلاقي في الثقافة العربية.

إن من يقرأ كتبه يكتشف أنه لا يكتب بلغة مغلقة أو متعالية، بل بلغة تجمع بين الدقة الأكاديمية والعمق الفكري، فيشعر القارئ أنه يتحاور مع عقل حي، لا مع صفحات جامدة. وربما كانت هذه إحدى أهم خصائص الفلاسفة الحقيقيين. أنهم يجعلون القارئ شريكا في التفكير، لا مجرد متلقي للمعرفة.

إنه يدرك أن الحضارات لا تنهض وهي منغلقة على نفسها، وأن كل نهضة إنسانية كبرى بدأت بترجمة الآخر، لا بنفيه. ولهذا جاءت ترجماته امتدادا لرؤية فلسفية ترى أن المعرفة ملك للبشرية كلها، وأن اللغة ليست جدارا يعزل الشعوب، وإنما جسر يصل بينها.

في كتابه "جورج إدوارد مور: بحث في منطق التصورات الأخلاقية" أعاد قراءة أحد أهم مؤسسي الفلسفة التحليلية، كاشفا كيف تحولت الأخلاق عند مور من مجرد مواعظ معيارية إلى تحليل منطقي للمفاهيم والقيم. ثم واصل هذا المشروع في كتابيه "الحدس الخلقي: الإطار النظري والمنهجي" و"الحدس الخلقي: مقال في المنهج الأخلاقي"، قدم معالجة فلسفية عميقة لنظريات الحدس الأخلاقي، مبينا أن الضمير الإنساني ليس شعورا عابرا، بل قضية فلسفية تستحق التحليل والنقد.

أما كتابه "الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر: دراسة في مشكلة المعنى. فيمثل أحد أهم إسهاماته في تعريف القارئ العربي بالفلسفة التحليلية الحديثة، إذ تناول فيه قضية المعنى بوصفها محور الفلسفة في القرن العشرين، موضحا كيف أصبح تحليل اللغة مدخلا لتحليل الفكر نفسه.

وفي منطق البحث: دراسة في منطق الفيلسوف الأمريكي جون ديوي.. انتقل إلى الفلسفة البراغماتية مبينا أن التفكير ليس تأملا مجردا، بل عملية بحث متصلة، وأن المعرفة لا تتولد إلا من مواجهة المشكلات والسعي إلى حلها بمنهج علمي نقدي.

ولم يغب ديفيد هيوم عن مشروعه الفكري، فخصص له كتابين مهمين هما "فلسفة هيوم الأخلاقية" و"نظرية القيمة عند ديفيد هيوم: بحث في إعادة بناء رسالة في الطبيعة البشرية"، مقدما قراءة تحليلية دقيقة لأحد أبرز الفلاسفة الذين أسهموا في إعادة صياغة الفكر الأخلاقي الحديث، وكاشفا عن عمق العلاقة بين العاطفة والقيمة والحكم الأخلاقي في فلسفة هيوم.

كما واصل اهتمامه بفلسفة الأخلاق من خلال مؤلفات مثل "دراسات في النظرية الأخلاقية الحديثة"، و"التوجهات الميتاأخلاقية للنظرية المعيارية"، و"التعادلية في القيمة"، و"ألفريد يونج: دراسة في منطق النقد الأخلاقي"، و"النظرية الأخلاقية عند برتراند راسل"، وهي أعمال تشكل في مجموعها موسوعة عربية رصينة في فلسفة الأخلاق المعاصرة، تجمع بين الدقة التحليلية والقدرة على تبسيط أكثر الإشكاليات الفلسفية تعقيدا.

وامتد اهتمامه إلى فلسفة الفن وعالم القيم من خلال كتابيه النظرية الطبيعية في الفن والأكسيولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر، مؤكدا أن الجمال والقيمة ليسا موضوعين هامشيين، بل يمثلان جوهر الخبرة الإنسانية، وأن الحضارة لا تقوم على المعرفة وحدها، بل على الوعي بالقيم التي تمنح تلك المعرفة معناها.

أما كتابه مقدمة في الفلسفة العامة فقد جاء ثمرة خبرة أكاديمية طويلة، يقدم للقارئ مدخلا رصينا إلى أهم القضايا الفلسفية، جامعا بين وضوح العرض وعمق التحليل، حتى أصبح مرجعا مهما للدارسين والباحثين.

ولم يقتصر عطاؤه على التأليف، بل كان واحدا من أبرز المترجمين الذين أدركوا أن الترجمة ليست نقلا للكلمات، وإنما نقل لطرائق التفكير. فقد أثرى المكتبة العربية بترجمات نوعية، من أبرزها كتاب "مشكلة القيم في فلسفة هارتمان ولويس، الذي قدم من خلاله إحدى أهم النظريات المعاصرة في فلسفة القيم، وترجمة كتاب حل المشكلات اليومية بالمنهج العلمي : كيف نفكر مثل العالم؟".. الذي جعل التفكير العلمي أقرب إلى الحياة اليومية، وترجمة كتاب النزعة الإنسانية، التي أعادت طرح سؤال الإنسان بوصفه مركزا للثقافة الحديثة، إضافة إلى ترجمته المهمة لكتاب الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين، الذي فتح للقارئ العربي نافذة واسعة على أبرز التيارات الفلسفية الفرنسية الحديثة.

وإلى جانب كتبه وترجماته، جاءت بحوثه العلمية لتؤكد اتساع مشروعه الفكري؛ فقد ناقش قضايا شائكة مثل نقد الوضعية المنطقية، واللغة الدينية، والإرهاب بوصفه مفهوما فلسفيا، والسببية عند هيوم، والحركة التحليلية، وقدم قراءات نقدية لإسهامات عدد من كبار الفلاسفة المصريين، مؤكدا أن الفلسفة لا تكتفي بشرح التراث، بل تمارس نقده وإعادة بنائه باستمرار.

وهكذا تتكامل صورة المشروع الفكري للدكتور محمد مدين؛ مشروع لا يقوم على كثرة المؤلفات فحسب، بل على وحدة الرؤية. رؤية تؤمن بأن الفلسفة فعل تحليل، وأن الأخلاق قضية عقل، وأن اللغة مفتاح الفكر، وأن الترجمة جسر الحضارات، وأن الدفاع عن العقل هو في النهاية دفاع عن الإنسان نفسه

وربما يستطيع التاريخ أن يحصي عدد ما ألّفه وما ترجمه، لكنه لن يستطيع أن يحصي عدد الأفكار التي أيقظها، ولا عدد العقول التي ساعدها على اكتشاف نفسها، ولا مقدار الأثر الذي تركه في كل من عرفه أو قرأ له أو تتلمذ على يديه.

فالأفكار العظيمة لا تموت، لأنها تسكن البشر، والكتب الحقيقية لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، لأنها تبدأ في عقل القارئ. وهكذا سيظل محمد مدين واحدا من أولئك الذين يثبتون أن الفيلسوف الحقيقي لا يعيش في الماضي، ولا ينعزل عن الحاضر، بل يصنع المستقبل بصبر، وبكلمة صادقة، وبعقل لا يتوقف عن التفكير.

لقد سار طويلا في دروب الفكر، ولم يكن همه أن يصل وحده، بل أن يترك خلفه علامات مضيئة حتى لا يضل القادمون الطريق. فيجمع المعاني كما يجمع البستاني أزهاره، ويغرس الأفكار كما يغرس الفلاح بذوره، مؤمنا بأن المعرفة لا تزهر في موسم واحد، وإنما تحتاج إلى أعمار كاملة حتى تؤتي ثمارها.

لذلك، فإن احتفائي بالفيلسوف القدير محمد مدين ليس احتفاءا بمسيرة أكاديمية وقيمه علميه فحسب، بل احتفاء بفكرة نبيلة قاومت الزمن؛ فكرة أن العقل يستطيع أن يكون أكثر رحمة من التعصب، وأن المعرفة أكثر خلودا من السلطة، وأن الكلمة الصادقة تستطيع، في هدوء، أن تهزم ضجيج العالم.

وما أجمل أن يمضي الإنسان في هذه الحياة، ثم يلتفت خلفه، فلا يجد آثار أقدامه على الطريق، بل يجد حدائق كاملة من الأفكار نبتت حيث مر، ووجوها كثيرة صارت ترى العالم بعيون أكثر جمالا واتساعا

تحية إلى رائد الفلسفة التحليلية الذي آمن بأن العقل هو آخر حصون الإنسان، وأن الترجمة ليست نقلا للمعرفة فحسب بل صناعة للحوار، وأن الثقافة ليست ترفا بل شرطا ضروريا لبقاء الحضارة نفسها.

سلام على أولئك الذين اختاروا أن تكون حياتهم رسالة، وأن يكون الحرف وطنهم، وأن تكون الحكمة رفيقة أعمارهم  وأن تكون كتبهم نوافذ نطل منها على إنسانيتنا .

وسلام على الدكتور محمد مدين، الذي أثبت أن العمر الحقيقي ليس ما نعيشه من سنوات، بل ما نتركه من ضوء في أرواح الآخرين... وأن بعض البشر لا ينتهون عند آخر صفحة من كتبهم، بل يبد أون هناك، حيث يفتح قارئ شاب كتابا، فتولد الفكرة من جديد، ويولد معها الأمل

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إذا كانت المدرسة هي المصنع الذي ينتج الإنسان، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح قبل بناء أي مدرسة هو أي نوع من البشر نريد أن نصنع؟ هل نريد إنسانا يحفظ ما يقال له ثم يعيده في ورقة الامتحان؟ أم نريد إنسانا قادرا على إنتاج المعرفة، وتحليل الواقع، ونقد الأفكار، واقتراح الحلول؟ للأسف، فإن معظم الأنظمة التعليمية في العالم النامي اختارت الطريق الأسهل، وهو إنتاج حافظين لا مفكرين. فالطالب يقضي أكثر من خمس عشرة سنة داخل الفصول الدراسية، لكنه يخرج وهو عاجز عن كتابة مقال تحليلي، أو مناقشة فكرة بهدوء، أو تقييم خبر قبل تصديقه، أو التمييز بين البرهان والدعاية. لقد أصبح التعليم في كثير من البلدان عملية ميكانيكية تقوم على الحفظ والاستظهار، حتى تحولت الشهادة إلى غاية، بينما أصبحت المعرفة مجرد وسيلة للحصول عليها. وهكذا فقدت المدرسة رسالتها الحقيقية، وتحولت من مؤسسة لصناعة الإنسان إلى مؤسسة لصناعة الأوراق الرسمية.

إن أخطر ما يفعله التعليم التقليدي أنه يقتل الفضول، والفضول هو بداية كل اكتشاف علمي وكل تقدم حضاري. فالطفل يولد وهو يسأل باستمرار: لماذا؟ كيف؟ ماذا لو؟ لكنه يدخل المدرسة فيتعلم أن المطلوب منه ليس السؤال، بل الإجابة التي يريدها المعلم. ومع مرور السنوات، تتراجع قدرته على التفكير المستقل، ويصبح أكثر ميلا إلى التكرار من الابتكار. وهكذا تتحول المدرسة، من حيث لا تشعر، إلى مؤسسة لإعادة إنتاج العقل نفسه جيلا بعد جيل، دون مراجعة أو تطوير. ولهذا فإن كثيرا من المجتمعات تكرر أخطاءها التاريخية، لأنها تعلم أبناءها الإجابات القديمة، لكنها لا تعلمهم كيف يطرحون أسئلة جديدة. إن الحضارة لا تتقدم بالإجابات وحدها، بل تتقدم بالأسئلة أيضا. فكل اكتشاف علمي بدأ بسؤال، وكل نظرية فلسفية بدأت بشك، وكل اختراع عظيم بدأ برفض الواقع كما هو. أما المجتمع الذي يعتبر السؤال وقاحة، والنقد تمردا، والاختلاف تهديدا، فإنه يغلق الباب أمام أي إمكانية للتطور. وتأتي أهمية الفلسفة، لأنها لا تعلم الإنسان ماذا يفكر، بل كيف يفكر. إنها تحرره من أسر التقليد، وتدفعه إلى مراجعة المسلمات، وإخضاع الأفكار للعقل لا للأشخاص.

ولهذا السبب، لم تكن الفلسفة في يوم من الأيام عدوا للدين أو للأخلاق أو للمجتمع، وإنما كانت عدوا للجمود الفكري. فالفلسفة لا تحطم القيم، بل تمتحنها، ولا ترفض المعتقدات لمجرد أنها موروثة، وإنما تسأل عن أسبابها وحدودها وآثارها. إن المجتمع الذي يمنع أبناءه من التفكير بحجة الحفاظ على الاستقرار، يشبه طبيبا يمنع المريض من معرفة مرضه بحجة المحافظة على راحته النفسية. فالجهل قد يمنح شعورا مؤقتا بالأمان، لكنه لا يصنع مستقبلا. ولعل أكبر دليل على ذلك أن الدول التي تتصدر مؤشرات الابتكار والبحث العلمي ليست هي التي تفرض على طلابها أكبر قدر من الحفظ، وإنما هي التي تمنحهم أكبر مساحة من الحرية الفكرية، وتشجعهم على التجربة، وتقبل الخطأ باعتباره جزءا من عملية التعلم. إن الخطأ في هذه المجتمعات ليس فشلا، بل خطوة نحو النجاح. أما في أنظمتنا التعليمية، فإن الخطأ يتحول إلى وصمة، فينشأ الطالب خائفا من التجربة، ويصبح همه الوحيد هو تجنب العقاب، لا اكتشاف الحقيقة. وهكذا يختفي الإبداع تدريجيا، لأن الإبداع يحتاج إلى بيئة تسمح بالمحاولة، بينما الخوف لا ينتج إلا التقليد ومن المشكلات الكبرى أيضا أن كثيرا من المناهج التعليمية تركز على الماضي أكثر من المستقبل. فهي تعلم الطالب ماذا قال السابقون، لكنها لا تعلمه ماذا يمكن أن يضيف هو. وكأن مهمة الإنسان أن يحفظ التراث فقط، لا أن يشارك في صناعة التاريخ.

إن احترام الماضي لا يعني السكن فيه، كما أن الاعتزاز بالتراث لا يعني تحويله إلى قيد يمنعنا من التقدم. فالحضارات العظيمة لم تتشكل لأنها عبدت الماضي، بل لأنها استفادت منه ثم تجاوزته نحو آفاق جديدة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، أصبحت الحاجة إلى التفكير النقدي أكبر من أي وقت مضى. فالمشكلة لم تعد نقص المعلومات، بل كثرتها. ولم يعد الإنسان يعاني من صعوبة الوصول إلى المعرفة، بل من صعوبة التمييز بين الصحيح والزائف. ولهذا فإن المدرسة التي لا تعلم أبناءها التفكير النقدي، إنما تتركهم فريسة سهلة للشائعات، والدعاية، ونظريات المؤامرة، وخطابات الكراهية.

 في القرن الحادي والعشرين ليست الأمية الأبجدية، وإنما الأمية الفكرية؛ أن يستطيع الإنسان القراءة، لكنه لا يستطيع الفهم، وأن يمتلك المعرفة، لكنه يعجز عن تحليلها. ولهذا فإن إصلاح التعليم لا يبدأ بتغيير الكتب فقط، ولا ببناء المدارس وحدها، وإنما يبدأ بإعادة تعريف وظيفة التعليم نفسها. فالتعليم ليس حفظا للمعلومات، بل صناعة للعقل، وليس تلقينا للحقائق، بل تعليما لمنهج الوصول إليها. وعندما يصبح التفكير عادة يومية داخل المدرسة، يصبح الإبداع نتيجة طبيعية، ويصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، لأن الأمم التي تعلم أبناءها كيف يفكرون لا تخشى المستقبل، بل تصنعه.

***

زكريا نمر

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي

قبل أن نقف عند نقد ابن خلدون لأوهام المؤرخين، يلزمنا التذكير بما قد أشرنا إليه آنفًا في تصنيف ابن خلدون للعلوم؛ إذ وجدناه يفصل فصلًا منهجيًا بين ميدان العلوم الشرعية وميدان العلوم العقلية، ويميز بين نوعين من الخطاب: خطاب هداية يحمل أمرًا مقدسًا (أمرًا شرعيًا) أو “خبرًا” من الله عز وجل ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أمر يستوجب التصديق والإيمان والعمل، وخطاب دراية يخبر عن وقائع من عالم الطبيعة والحياة والتاريخ، ولكل خطاب منهج للمعرفة ومقياس للصدق، ولا يجوز الخلط بين المنهجين.

فمنهج الإسناد، أو التجريح والتعديل، هو منهج الخطاب المقدس الذي يقوم على أساس النقل والسماع والتصحيح، وردِّه باستمرار ردًا تراجعيًا عبر سلسلة الرواة إلى اللحظة “المطلقة”، لحظة التلقي عن الأصل المقدس. أما منهج الخطاب الطبيعي، فهو منهج عقلي إنساني استقرائي استدلالي، قابل للنقاش والنقد.

نقرأ في المقدمة هذا النص المهم:

“… وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية؛ لأن معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها، وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط. وأما الأخبار عن الوقائع فلا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة، فلذلك وجب أن يُنظر في إمكان وقوعها، وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدمًا عليه.”

ولا جدال في أن هذا الفصل المنهجي بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية يعد خطوة حاسمة نحو العقلانية النقدية في عالم يهيمن عليه النقل والتقليد والمقدس.

ومن اللافت للنظر أن ابن خلدون، في تصنيفه للعلوم، لم يشر إلى علم التاريخ، لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية. ولعل هدف ابن خلدون من ذلك هو تمييز علم التاريخ عن سائر العلوم، وعدُّه علمًا جديدًا، كما جاء في المقدمة.

لقد كانت الخطوة الجريئة والحاسمة في عمل ابن خلدون هي إخراج علم التاريخ من مجال العلوم الشرعية، وهو بذلك قد تميز عن تقليد نظري راسخ في الفكر الإسلامي، تقليد لا يرى في العلوم جميعها إلا علومًا شرعية أو طبيعية، ذات نفع أخروي وغاية أخلاقية وعظية.

أما عدم تصنيف علم التاريخ ضمن العلوم العقلية المعروفة، فيعود -في رأينا- إلى أن ابن خلدون قد استبدل بالتاريخ التقليدي علمًا جديدًا هو فلسفة التاريخ، فهو لذلك: “علم أصيل في الحكمة، عريق، وجدير بأن يُعد في علومها وخليق.”

وكلمة الحكمة الواردة في هذا النص تعني عند ابن خلدون “الفلسفة”، وهو ما يمكن ملاحظته في فصل “إبطال الفلسفة”، إذ يظهر تضلع ابن خلدون في المعرفة الفلسفية وتاريخها، ويورد في تعريفه للفلاسفة: “(جمع فيلسوف، وهو في اللسان اليوناني: محب الحكمة)”. كما أنه كثيرًا ما يستخدم تعبيرات: “العلوم العقلية”، و”العلوم الحكمية والفلسفية”، و”علوم الفلسفة والحكمة”.

وربما كان حرص ابن خلدون الشديد من مغبة تهمة الفلسفة في زمانه وعواقبها، هو ما جعله يخفي الاسم الحقيقي لعلمه الجديد، ويكتفي بالتلميح إليه وإثارة فضول القارئ ليفهم ما بين السطور، إذ كتب يقول:

“إن غرض المقدمة هو بيان علم مستقل ذي موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذي مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته، واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم، وضعيًا كان أو عقليًا. واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص… وهو علم مستنبط النشأة، ولعمري ما وقفت على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة… وهذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائل هذا الموضوع والطلب.”

ومن الواضح أن العلم الجديد الذي اكتشفه ابن خلدون ليس هو التاريخ بمعناه التقليدي، كما أنه لا يمكن أن يكون الفلسفة بمعناها التجريدي الميتافيزيقي، بل هو وسط بينهما. إنه علم العمران البشري، كما يعتقد بعض الدارسين، وعلم فلسفة التاريخ، كما نعتقد نحن، بالاتفاق مع عدد واسع من الباحثين؛ إذ إن فلسفة التاريخ، من حيث هي فرع جديد من فروع المعرفة التاريخية، تقع في موقع وسط بين علم التاريخ التقليدي وبين الفلسفة التجريدية.

فقد أخذ ابن خلدون من الفلسفة نظرتها العقلية النقدية الكلية، ومن التاريخ واقعيته ومعطياته الجزئية، ليكون منهما علمًا جديدًا واحدًا، يجذب فيه الفلسفة إلى عالم الوقائع حتى لا تحلق في سماء اليوتوبيات، ويجذب فيه التاريخ إلى الفلسفة حتى لا يصبح مجرد روايات وسرد أخبار جزئية لا رابط بينها؛ فإن الفلسفة دون تاريخ خواء، والتاريخ دون فلسفة عمى.

وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي أن أهمية الطفرة التي قام بها ابن خلدون في تاريخ الفكر الاجتماعي تكمن في أنه قام بأول محاولة جادة للنزول بالفلسفة من عليائها، والدخول بها في معترك الحياة الواقعية.

إن غرضنا من التركيز على تلك النزعة الفلسفية الأصيلة التي انطوت عليها مقدمة ابن خلدون يهدف إلى إماطة اللثام عن مكمن السر في امتلاكه رؤية منهجية عقلانية نقدية يندر العثور عليها عند جمهرة المؤرخين وعلماء الاجتماع التقليديين الذين يفتقدون إلى الحس الفلسفي النقدي. فقد كانت قيمة الفلسفة لدى ابن خلدون قيمة منهجية أكثر منها قيمة نظرية تأملية؛ فهو لم يبحث فيما يجب أن يكون عليه المجتمع، بل فيما هو كائن فعلًا، وهو بذلك يقف على طرف نقيض من الفلسفة التقليدية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

نعيش في زمنٍ غريب تتقاطع فيه المفارقات على نحوٍ مربك. فبينما يتزايد القلق من الذكاء الاصطناعي وخطر “تفوّق الآلة”، نجد أنفسنا يوميًا في حوارات بشرية لا تقل ميكانيكية عن أي خوارزمية. كأننا نخشى أن تفكر الآلات بدلًا منا، في الوقت الذي نتنازل فيه نحن تدريجيًا عن التفكير ذاته.

تتداول اليوم مفردات مثل “فقدان الإنسانية” و“برودة التكنولوجيا” عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي، وكأن المشكلة تكمن حصريًا في الآلة. لكن المفارقة الأعمق هي أننا في كثير من الأحيان نمارس شكلاً من الخطاب الآلي دون وعي: عبارات جاهزة، آراء مُعلّبة، ومواقف تُستعاد دون تفكير أو مساءلة. وكما يميّز الفيلسوف الأمريكي ستانلي كافيل بين مجرد “استخدام الكلمات” وامتلاك “صوت إنساني أصيل”، فإن جزءًا كبيرًا من تواصلنا اليوم لا يتجاوز كونه إعادة تدوير للغة لا تحمل أثرًا تأمليًا ولا حضورًا ذاتيًا حقيقيًا.

كم من “آراء” نتلقاها يوميًا ليست سوى تكرار لأفكار مسبقة، أو تحيزات متجذرة، أو سرديات إعلامية تتداول دون تحقق أو نقد؟ وكم من الخطابات التي تبدو شخصية ليست في حقيقتها إلا انعكاسًا لما هو شائع ومقبول اجتماعيًا؟ هنا يلفت مارتن هايدغر النظر إلى مفهوم “الثرثرة اليومية” حيث تتحول اللغة إلى دوران مغلق حول “ما يُقال” بدل أن تكون انكشافًا حقيقيًا للعالم. عندها تفقد الكلمات قدرتها على الكشف، وتصبح مجرد صدى لخطاب جماعي لا يسائل نفسه.

لم تكن ميكنة الخطاب البشري ظاهرة جديدة، لكنها اليوم بلغت مستوى غير مسبوق. فمع هيمنة الشبكات الاجتماعية وتدفّق المعلومات داخل “فقاعات خوارزمية”، تراجعت المسافة بين الرأي والتكرار، بين الفكرة والتلقين. لم تعد النقاشات تنطلق من أرضية معرفية مشتركة، بل من عوالم منفصلة من المعلومات، يعيد كلٌّ منها إنتاج قناعاته، ويصعب فيه اللقاء الحقيقي بين الاختلافات.

في هذا السياق، تبدو المفارقة لافتة: أحيانًا يكون الذكاء الاصطناعي أكثر انضباطًا من الخطاب البشري. ليس لأنه أكثر وعيًا، بل لأنه أقل انخراطًا في الأهواء والمعتقدات. فهو لا “يؤمن” بما يقول، بل يحلّل أنماطًا لغوية واحتمالات إحصائية. ومع ذلك، فإنه لا يخلو من التحيزات، إذ يعيد إنتاج ما يحمله البشر أصلًا في بياناتهم. وكما يشير رولان بارت، فإن كثيرًا مما يبدو طبيعيًا في الخطاب هو في الحقيقة بناء أيديولوجي متراكم، يتخفى تحت قناع البديهية.

الذكاء الاصطناعي، بهذا المعنى، لا يقدم حقيقة مطلقة، بل يعرض شكلاً آخر من الذاتية: ذاتية بلا انتماءات عاطفية أو ولاءات فكرية مباشرة، لكنها مشروطة ببنية البيانات التي تشكّلها المجتمعات نفسها. ومن هنا، قد يساعدنا أحيانًا على تفكيك أفكارنا بدل تثبيتها، وعلى اختبارها بدل الاكتفاء بها، لأنه لا يحمل يقينًا خاصًا به ليُدافع عنه.

لكن الأهم من ذلك أن طريقة تعاملنا مع هذه الأدوات تكشف الكثير عن أنفسنا. فحين نحسن طرح الأسئلة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدفعنا إلى مزيد من الدقة، وإلى إعادة صياغة أفكارنا بوضوح أكبر، تمامًا كما كان سقراط يرى في السؤال أداةً لإيقاظ الفكر لا لتقديم إجابات جاهزة. غير أن هذا لا يعني أننا نصل إلى موضوعية خالصة، بل إلى نوع مختلف من التفكير، أقل ارتباطًا بالانحيازات المباشرة، وأكثر انفتاحًا على الاحتمالات.

في المقابل، يذكّرنا هذا كله بأن الخطر الحقيقي قد لا يكمن في “تحدث الآلات”، بل في الطريقة التي نتحدث بها نحن أنفسنا. هل ما زلنا نمارس التفكير كفعل حيّ، أم أننا انزلقنا إلى إعادة إنتاج تلقائية لما يُقال حولنا؟ أحيانًا يبدو أن الآلة ليست سوى مرآة تكشف مدى آلية خطابنا البشري.

وهكذا، فإن الخوف من الذكاء الاصطناعي قد يخفي سؤالًا أكثر إلحاحًا: ليس هل ستصبح الآلات شبيهة بالبشر، بل هل أصبح البشر، في طريقة تفكيرهم وتواصلهم، أقرب إلى الآلات مما يظنون؟

في النهاية، لا يكمن التحدي في رفض التكنولوجيا أو تبجيلها، بل في تعلم كيفية استخدامها دون أن نفقد قدرتنا على التفكير. فالقيمة الحقيقية للكلام ليست في تبادل المعلومات فقط، بل في قدرته على تعميق فهمنا للعالم ولأنفسنا، وإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وصوته الداخلي في عالم يزداد ضجيجًا.

***

محمد إبراهيم الزموري

ثمة دوافع ومتطلبات عديدة، ساهمت في بلورة الحاجة إلى مفاهيم وقيم وثقافات، تساهم في زيادة وتيرة التفاهم بين الأمم والشعوب، وتؤسس لعلاقة سلمية وبعيدة عن خيارات القطيعة والصدام والحروب المفتوحة. فكلما توسعت المسافة بين الشعوب والأمم، ازدادت الحاجة إلى أطر ومبادرات تحول دون أن تتحول هذه المسافة إلى سبب إلى الصراع والصدام.. ولهذا نجد أنه على مستوى التجارب الإنسانية أنه من رحم التعصب الديني والقومي والعرقي تبلورت أفكار التسامح والتعايش، ومن تداعيات الحروب وأهوالها الكبرى نضجت مفاهيم المحبة والحوار وقبول الآخر كجزء لا يتجزأ من الذات والوجود.

ولكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسانية اليوم هو: كيف نجعل من هذه المفاهيم والقيم التي تجسر العلاقة بين الأمم والشعوب، وتضبط حالات التنوع والاختلاف قيما حاكمة وسائدة ليس على مستوى النخب والأطر الضيقة، وإنما تشكل تيارا مجتمعيا قويا، تتجاوز من خلاله كل محاولات التزييف والحصار. ويبدو من نظام العلاقات الدولية السائدة، والجهود العالمية المبذولة لعلاج الكثير من المشكلات العالقة والمزمنة في الإطار الإنساني، أن العالم اليوم لا يتعاطى مع هذه المفاهيم على أسس سليمة، لذلك تبرز حالة الكيل بمكيالين والازدواجية في المعايير وحالات التعامل. من هنا فإننا لا نبالغ حين القول: أنه في الكثير من الحالات يتم التعامل مع هذه المفاهيم على المستوى الدولي وفق أنظمة الاستهلاك التي تتجه إلى توظيفها من أجل مصالح وأهداف خاصة ومحددة..

إن هذه القيم والمفاهيم الإنسانية والأخلاقية، هي من المساحات الهامة المشتركة بين الإنسانية بل هي من صلب الاجتماع الإنساني.. بمعنى أن غياب هذه المفاهيم والقيم على مستوى الواقع، يحول الوجود البشري إلى غابة مليئة بالوحوش والتجاوزات بكل صورها وأشكالها..

ولعلنا لا نجانب الحقيقة حين القول: أن الكثير من المشاكل والأزمات التي تعاني منها المجتمعات الإنسانية سواء على صعيدها الداخلي أو على صعيد علاقاتها مع المجتمعات الأخرى، هي من جراء غياب العدالة وأنظمتها ومتطلباتها في نظام العلاقة على المستويين الداخلي والخارجي. والفصام النكد بين النظر والعمل، بين القول والفعل فاقم من هذه الأزمات والمشكلات. فلا أحد على المستوى النظري والتجريدي يكره العدل أو يتخذ من لوازمه موقفا سلبيا، ولكن على المستوى الواقعي والفعلي تمارس كل الأعمال والممارسات المناقضة لهذه القيمة. وبفعل هذا الفِصام والازدواجية لم نتمكن كشعوب عربية وإسلامية من الانعتاق من أسر التخلف والانحطاط، ولم نتمكن من تجاوز المحن الكبرى التي تواجهنا.

وذلك لأن التقدم والقدرة على تجاوز المحن، بحاجة إلى طاقة تدمج بين النظر والعمل وتجعل الإيمان معطى عمليا، مفعما بالحيوية والفعالية.. وعلى هذا فإن المجتمع بكل شرائحه وفئاته، يتحمل مسؤولية كبرى تجاه توطيد حقائق التسامح في المحيط الاجتماعي. وذلك لأن سيادة القيم المناقضة للتسامح، تهدد استقرار المجتمع ووحدته وكل مكاسبه التاريخية والراهنة.. لذلك فإن توطيد حقائق التسامح في المحيط الاجتماعي، هو في حقيقته دفاع عن راهن المجتمع ومستقبله. من هنا فإن هذه المسؤولية، مسؤولية عامة وتستوعب جميع الشرائح والفئات. حيث تسعى كل شريحة من موقعها وعلاقاتها أن تجذر مستوى التفاهم والتعارف بين ابناء المجتمع الواحد، وتؤسس لحقائق التسامح كوسيلة مجتمعية وحضارية في إدارة الفوارق والتمايزات المتوفرة في المجتمع الواحد. فإذا كانت الوحدة مطلبا إسلاميا وحضاريا، إذ قال تعالى [ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ]. (الشورى، الآية١٢ ). فإن الاختلاف هو من الأمور الطبيعية في حياة الإنسان عبر التاريخ، وحقيقة إنسانية عميقة لا يمكن نكرانها. وهنا نصل إلى مربط الفرس، حيث أن الوحدة لا تعني غياب الاختلافات لأنها من جبلة البشر. ولعلنا نرتكب خطيئة تاريخية كبرى، حينما نساوي بين الوحدة والتوحيد القسري بين البشر.

وإن المطلوب هو إعادة النظر في مفاهيم الوحدة والاختلاف. حيث أن الوصول إلى حقيقية الوحدة في المجتمع، تتطلب احترام الاختلافات وإدارتها بعقلية حضارية ومنفتحة، حتى تتراكم عن طريق هذه الإدارة الحضارية حقائق الوحدة القائمة على احترام كل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.. فالوحدة لا تبني على أنقاض الخصوصيات، وإنما احترام هذه الخصوصيات وإدارتها وفق نسق حضاري - تعددي هو الذي يوصلنا إلى الألفة والوحدة.

فالوحدة مهما كان شكلها أو مستواها، لا تبني حينما نغرس بذور العداوة والكراهية والخصومة. إن هذه الوقائع تزيد من التشظي والانقسام، وتباعد بين المجتمع وحقائق الوحدة.

وإن التحليل العميق لمسار الوحدة في المجتمعات الإنسانية، يوصلنا إلى قناعة أساسية ألا وهي: أن التسامح والقبول القانوني والاجتماعي بتعدد الآراء والأفكار والتعبيرات، هو الذي يقود إلى تراكم تقاليد الألفة والاتحاد، وتجاوز كل الإحن والأحقاد في المجتمعات الإنسانية.. فالتسامح تجاه القناعات والأفكار والآراء، لا يقود إلى الفوضى والتشتت. وإنما الذي يقود إلى هذا هو التعامل مع مطلب الوحدة بعيدا عن حقائق التاريخ والمجتمع.

وعليه فإن السعي إلى الوحدة، يقتضي إرساء معالم التسامح والقبول بالآخر وجودا ورأيا. وذلك لأن هذه المعالم هي التي تزيد من فرص التضامن الداخلي، وهي التي تعلي من شأن الانسجام والائتلاف، وهي التي ترعى وتحتضن كل وقائع الوحدة في الوسط الاجتماعي. فالإكراه لا يقود إلى الإيمان، كما أن نفي الخصوصيات لا يقود إلى الوحدة.

لذلك نجد اللّه سبحانه وتعالى، يحذر من ممارسة الإكراه لحمل الناس على الإيمان. إذ يقول الحق [ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ].. ( سورة يونس، الآية 99). فإذا كان الحمل على الحق بالقوة والإكراه محظورا في الإسلام، فمن باب أولى أن يكون الحمل على ما كان ظنيا، أو كان مورد اجتهاد ونظر منهيا عنه باعتبار تسلطا وقهرا. لذلك فإن تسعير البغضاء وتنمية الأحقاد، يعد من عوامل الهدم الأساسية لأي كيان اجتماعي..

وفي إطار العمل على بلورة المسؤولية الاجتماعية تجاه قيم التسامح والتضامن ونبذ

الكراهية، نؤكد على النقاط التالية:

1- إن التسامح كحقيقة اجتماعية، لا يمكن أن تتجسد بدون تطوير الثقافة المجتمعية التي تحتضن كل معالم وحقائق هذه القيمة. وبالتالي فإن المسؤولية الاجتماعية الأولى، هي العمل على تطوير ثقافة الحرية والتواصل وحقوق الإنسان ونبذ العنف والإقصاء والمفاصلة الشعورية بين أبناء المجتمع الواحد. فلكي يبنى التسامح الاجتماعي وتسود علاقات المحبة والألفة وحسن الظن صفوف المجتمع، نحن بحاجة أن نعلي من شأن الثقافة والمعرفة القادرة على استيعاب الجميع بتنوعاتهم واختلافاتهم الاجتماعية والفكرية. وهذا بطبيعة الحال، يتطلب ممارسة قطيعة معرفية واجتماعية مع كل ثقافة تشرع لممارسة العنف والتعصب، أو تبرر لمعتنقها ممارسة النبذ والإقصاء مع الآخرين. فالتسامح الاجتماعي لا ينمو ويتجذر إلا في بيئة تقبل التعدد والاختلاف، وتمارس الانفتاح الفكري والمعرفي، وتطلق سراح الرأي للتعبير والنقد.. فلكي نحقق التسامح، نحن بحاجة أ نبذ واقعنا كل أشكال التعصب وممارسة العنف.. حيث أنه لا يمكن أن تتجسد معالم التسامح في مجتمع تسوده ثقافة تدفع إلى الانغلاق والتعصب وممارسة العنف تجاه المخالفين. إن التسامح بحاجة إلى ثقافة مجتمعية جديدة، قوامها القبول بالآخر المختلف والتعامل معه على أسس حضارية تنسجم وقيم المساواة والعدل.

2-بناء وتعزيز أطر ومؤسسات التفاهم بين مختلف شرائح المجتمع. وذلك لأن الكثير من أنماط العداء والخصومة، ليست وليدة الاختلاف المحض، وإنما هي من جراء غياب أطر ومؤسسات للتفاهم والحوار المباشر. فالجفاء والتباعد المتبادل، يساهم في توسيع شقة الخلاف وتباين وجهات النظر. لذلك من الأهمية بمكان ومن أجل إرساء معالم التسامح في الوسط الاجتماعي، العمل على تطوير خيار التفاهم والحوار المباشر بين مختلف الفرقاء. صحيح أن التفاهم لا ينهي الاختلافات الإنسانية، ولكنه بالتأكيد يمنع تأججها وتحولها إلى مصدر لممارسة العنف والتطرف، وفي ذات الوقت يبقيها في حدودها الطبيعية.

فالتفاهم بين مختلف الآراء والتعبيرات، هو الذي يعمق من خيار التسامح في المجتمع. والتفاهم الذي نقصده هنا لا يعني تطابق وجهات نظر الجميع حول مختلف القضايا والأمور، لأن ذلك مستحيل من الناحية الطبيعية والواقعية. وإنما يعني وجود الاختلافات التي يمكن إدارتها وحلها بوسائل لا نمطية، وبعيدة عن ممارسة العنف والعسف. ونحن هنا لا نلغي جدلية الصراع الاجتماعي، وإنما نلغي فقط أداة خطيرة من أدواته. ومن ثم يمكننا القول: أن إشاعة أجواء السلم والتسامح والقبول بالآخر وجودا ورأيا، هي السلاح الفعال للقضاء على ظاهرة العنف البشري.

فتوطيد أسس التفاهم في المحيط الاجتماعي، هو الذي يبلور آداب وأخلاقيات وضوابط الاختلاف، كما أنه يوفر لنا جميعا الأسباب الموضوعية للدنو والقرب من الحقيقة، ويجعلنا نتعلم من بعضنا البعض على مختلف المستويات.

وفي هذا الإطار لا بد من الإدراك، أن من المهم أن نلتزم بقاعدة الفهم قبل التفاهم.. بمعنى أن يسعى كل طرف إلى أن يفهم وجهة النظر الأخرى كما هي وبدون زيادة أو نقيصة. وبدون الدخول في متاهات التشوية وحرب الشائعات والأوراق الصفراء.

إن الالتزام بهذه القاعدة الذهبية، هو الذي يجعل المجتمع يبدع أسس وأطر للتفاهم بشكل مستديم. وبذلك تتراكم الخبرة الحضارية للمجتمع، وتزداد أسس وقواعد التسامح في المحيط الاجتماعي.

فالمسؤولية الاجتماعية تتجسد في توطيد أركان ثقافة الحوار والتواصل والتسامح والسلم، والقيام ببناء الأطر والمؤسسات التي تعنى بشؤون التفاهم بين مختلف الفئات والشرائح في المجتمع.

وخلاصة الأمر: إننا بحاجة إلى مجتمع جديد، يتجاوز في علاقاته وأنظمته الداخلية، تلك القواعد التي ساهمت بشكل أو بآخر في تفاقم الأزمات، وازدياد المآزق، ووصولنا جميعا إلى طريق مسدود.. وحده المجتمع الجديد الذي يتمكن من تجاوز محن الراهن وبناء المستقبل على أسس حضارية وإنسانية..

***

محمد محفوظ

تعد العقلية المتفتحة والذهنية المتوقدة من أبرز مؤشرات النضج الإنساني والوعي الذاتي العميق، فهي لا ترتبط فقط بامتلاك المعرفة أو سرعة البديهة، بل تتجلى أساساً في القدرة على مراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ دون مقاومة داخلية أو تبرير دفاعي أو تهرب من المسؤوليات الشخصية والاجتماعية، بهدف حماية الصورة الشخصية على حساب الحقيقة. هذا النمط من التفكير يعكس اتزاناً داخلياً وانضباطاً وشفافية شخصية، تجعل الإنسان أكثر قدرة على التفاعل والتعامل بإيجابية مع الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون عليه.

في المقابل، يظهر بعض الأفراد وكأنهم أسرى لقناعة داخلية مطلقة بصواب آرائهم وسلوكياتهم وأفعالهم، بحيث تتحول الفكرة لديهم إلى جزء من الهوية الشخصية، وليس مجرد رأي قابل للنقاش أو التعديل. هنا يصبح الاعتراف بالخطأ تهديداً للشخص نفسه وليس لسلوكه فقط، وشعوراً بالنقص والدونية لديه، فيلجأ إلى الإنكار أو التبرير أو إلقاء اللوم على الآخرين، واتهامهم بالتقصير، وإثارة موضوعات ضدهم نكاية فيهم أو كراهية لهم، حتى لو كانت الأدلة واضحة ومباشرة. هذا النمط لا يعكس ضعفاً في الذكاء العقلي والعاطفي بقدر ما يعكس هشاشة في المرونة النفسية والمعرفية، وضعفاً في إدارة الأنا والذات.

الشخص المتفتح ذهنياً لا يرى في التراجع عن موقف ما هزيمة، بل يراه انتقالاً طبيعياً من مستوى فهم إلى مستوى أعمق. لذلك تجده أكثر هدوءاً في النقاش والحوار، وأكثر استعداداً للاستماع الفعال، وأقل اندفاعاً في إصدار الأحكام. وهو يدرك أن الحقيقة ليست ملكاً فردياً، وأن الزاوية التي يرى منها قد تكون ناقصة، وأن هناك زوايا أخرى ووجوهاً مختلفة للرؤية. لذلك يرحب بالمعلومات الجديدة حتى لو هزّت قناعاته السابقة، ويتقبل الآراء والأفكار المختلفة عن أفكاره ورؤيته ونظرته.

أما الشخص ذو العقلية الجامدة، فيميل إلى تحويل الحوار إلى ساحة لإثبات الذات ومعركة شخصية، يتهم فيها غيره ويسقط ضعفه وإخفاقاته على الآخرين، بدلاً من البحث عن الحقيقة وصوابية الأفكار والمواقف والأحداث. يتعامل مع النقد باعتباره استهدافاً لشخصه ومكانته، ويشعر أن الاعتراف بالخطأ ينتقص من قيمته وهيبته أمام الآخرين. لذلك يتشبث بموقفه حتى لو فقد المنطق، لأن الهدف يصبح حماية الصورة الذاتية لا تصحيح المسار.

في بيئة العمل يظهر هذا الفرق بشكل واضح. قد نجد مديراً يتخذ قراراً تنظيمياً معيناً، ثم تبدأ المؤشرات الميدانية بإظهار أن هذا القرار غير فعال. الشخص المتفتح يعيد النظر ويتراجع في خطواته، يناقش الفريق ويعدل القرار وفق البيانات الجديدة، بينما الشخص الجامد يصر على استمرار النهج ذاته، ويبرر النتائج السلبية بعوامل خارجية دون أن يتحمل نفسه المسؤولية، مما يؤدي غالباً إلى تراكم المشكلات وإضعاف العلاقة التواصلية بين أعضاء فريق العمل، وبالتالي تراجع الأداء وضعف الإنتاجية. وفي العلاقات المهنية والاجتماعية كذلك، يظهر الشخص المتفتح كعامل تهدئة وتلطيف للأجواء وبناء لها، لأنه يقلل من التصعيد ويعزز ثقافة الحوار، بينما يسهم النمط الآخر في خلق توتر دائم ومشكلات وصراعات متكررة بسبب الإصرار على الصواب المطلق دون مراجعة أو تصحيح للمسار.

هذا الفارق يرتبط بعدة عوامل نفسية، من أهمها طريقة بناء الوعي والإدراك وإدارة وتقدير الذات، فكلما ارتبطت قيمة الشخص بالكمال وعدم الخطأ، كلما أصبح الاعتراف بالخطأ لاحقاً أكثر صعوبة وتعقيداً. كما يرتبط بما يسمى في علم النفس بالتحيز التأكيدي للذات دون الاعتراف بأحقية الآخرين بأفكارهم وجهودهم، حيث يميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تدعم قناعاته وتجاهل ما يخالفها. كذلك تلعب الخبرات الاجتماعية دوراً مهماً، فالأفراد الذين تربوا في بيئات تعتبر الخطأ عيباً أخلاقياً وتعاقب عليه وليس فرصة للتعلم، غالباً ما يطورون دفاعية عالية تجاه النقد لحماية أنفسهم من المحاسبة.

إن تطوير العقلية المتفتحة يبدأ من إدراك بسيط لكنه عميق، وهو أن الخطأ ليس تهديداً للذات بل فرصة لتطويرها ونموها. حين يفصل الإنسان بين قيمته الشخصية وبين آرائه، يصبح أكثر حرية في التفكير، وأكثر شجاعة في الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، وأكثر قدرة على النمو. كما أن ممارسة الاستماع الفعال، وتقبل وجهات النظر المختلفة، وإعادة فحص المعتقدات بشكل دوري، كلها ممارسات تعزز هذا النضج الذهني وتجعله سلوكاً يومياً وليس مجرد فكرة نظرية.

وفي النهاية، يمكن القول إن الفارق الحقيقي بين الإنسان الناضج والإنسان الجامد الذي يفتقر إلى الوعي لا يكمن في عدد المرات التي يكون فيها على صواب، بل في قدرته على أن يكون مخطئاً دون أن يفقد توازنه أو يشعر بالحرج، وأن يعيد بناء فهمه دون أن يشعر بأن ذلك ينتقص من قيمته. فالعقل المتفتح لا يبحث عن الانتصار في الحوار، بل عن التطور في الفهم، وهذه هي العلامة الأعمق للنضج الإنساني الحقيقي. كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ما ناظرت أحداً قط على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه.

***

د. أكرم عثمان

27-6-2026

كتب: براين نورتن

ترجمة: علي حمدان

***

بالنسبة لبرنارد ستيجلر، الفيلسوف صاحب الرؤية الثاقبة لعصرنا الرقمي، فإن التقنية هي السمة المميزة للتجربة الإنسانية*

***

أصبح من شبه المستحيل فصل تأثيرات التقنيات الرقمية عن تجاربنا اليومية. يُفسَّر الواقع عبر شاشات متوهجة، وتدفقات بيانات لا تنضب، وحلقات تغذية راجعة بيومترية، وأطراف اصطناعية رقمية، وشبكات متنامية تربط ذواتنا الافتراضية بمصفوفات أقمار صناعية في مدار ثابت بالنسبة للأرض. تُفسِّر ساعات اليد حالتنا الجسدية من خلال عدّ الخطوات ونبضات القلب. تتتبع الهواتف كيفية قضائنا وقتنا على الإنترنت، وترسم خرائط المواقع الجغرافية للأماكن التي نزورها، وتسجل تاريخنا في أرشيفات رقمية. تُقيم منصات التواصل الاجتماعي تحالفات وتخلق إمكانيات سياسية جديدة. وتُحدِّد الشبكات اللاسلكية الواسعة - التي تربط الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والأسلحة "الذكية" - كيفية خوض حروب عصرنا. تجاربنا في العالم مُشبعة بالتقنيات الرقمية.

لكن بالنسبة للفيلسوف الفرنسي برنارد ستيغلر، أحد أوائل وأبرز منظري عصرنا الرقمي، فإن فهم العالم يتطلب منا تجاوز النظرة التقليدية للتكنولوجيا. فقد اعتقد ستيغلر أن التكنولوجيا لا تقتصر على تأثيرات الأدوات الرقمية وكيفية تأثيرها على حياتنا، ولا على كيفية ابتكار الأجهزة واستخدامها من قبل منظمات قوية أو دول أو أفراد. إن علاقتنا بالتكنولوجيا أعمق وأكثر جوهرية، إنها تتعلق بالتقنيات نفسها.

بحسب ستيغلر، فإنّ التقنية - أي صنع التكنولوجيا واستخدامها بمعناها الأوسع - هي ما يُميّزنا كبشر. فأسلوب وجودنا الفريد في العالم، المُختلف عن باقي الكائنات، يتحدد بالخبرات والمعارف التي تُتيحها لنا أدواتنا، سواءً أكانت واجهة متطورة بين الدماغ والحاسوب مثل نيورالينك، أو فأسًا من الصوان استُخدم في عصور ما قبل التاريخ لإزالة الأشجار. لكن لا تظنّوا خطأً: فكلمة "تقنية" ليست مُجرّد مُرادف لكلمة "تكنولوجيا". وكما كتب مارتن هايدغر في مقالته "المسألة المُتعلّقة بالتكنولوجيا" (1954)، والتي استخدم فيها المصطلح الألماني "Technik" بدلًا من "Technologie" في العنوان الأصلي: "جوهر التكنولوجيا ليس بأي حال من الأحوال شيئًا تكنولوجيًا". وهذا يتوافق مع تاريخ الكلمة: فأصل كلمة "تقنية" يُعيدنا إلى ما يُشبه المصطلح اليوناني القديم للفن - "technē". إذن، جوهر التكنولوجيا لا يكمن في جهاز، مثل الجهاز الذي تستخدمه لقراءة هذه المقالة. إنها عملية إبداعية مفتوحة، وعلاقة مع أدواتنا والعالم.

هذا هو إرث ستيغلر. طوال حياته، طوّر فكرة التقنيات هذه، التي استكشفها لأول مرة أثناء سجنه بتهمة السطو المسلح، أكثر من أي شخص آخر. لكن أفكاره غالبًا ما تم تجاهلها وسوء فهمها، حتى قبل وفاته عام 2020. واليوم، أصبحت هذه الأفكار أكثر ضرورة من أي وقت مضى. كيف لنا أن نتعلم، بخلاف ذلك، فصل تأثيرات التقنيات الرقمية عن تجاربنا اليومية؟ كيف لنا أن نبدأ في فهم تاريخ واقعنا الغريب؟

لم يكن طريق ستيغلر ليصبح الفيلسوف الأبرز في عصرنا الرقمي سهلاً على الإطلاق. فقد وُلد في فيلبون سور إيفيت، جنوب باريس، عام 1952، خلال فترة ازدهار ونهضة شهدتها فرنسا عقب ويلات الحرب العالمية الثانية. في سن السادسة عشرة، شارك ستيغلر في الموجة الثورية عام 1968 (وانضم لاحقًا إلى الحزب الشيوعي)، حين أجبرت انتفاضة طلابية وعمالية جذرية الرئيس شارل ديغول على اللجوء مؤقتًا إلى ألمانيا الغربية. إلا أنه بعد الدعوة إلى انتخابات جديدة وإزالة المتاريس، خاب أمل ستيغلر في الماركسية التقليدية، وكذلك في التيارات السياسية السائدة في فرنسا آنذاك. بدا اليسار الفرنسي ممزقًا بين وجودية ما بعد الحرب لجان بول سارتر، ومعاداة الإنسانية للويس ألتوسير. بينما أصرّ سارتر على قدرة الإنسان الإبداعية على تشكيل مصيره، جادل ألتوسير بأنّ هيمنة الأيديولوجيا في المجتمع الرأسمالي قد تركتنا عالقين بلا حول ولا قوة في أنظمة سلطة خارجة عن سيطرتنا. لم يُرضِ أيٌّ من هذين الخيارين ستيغلر، لأنّ أياً منهما لم يستطع تفسير الصعود السريع لقوة تاريخية جديدة: التكنولوجيا الإلكترونية. بحلول سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أدرك ستيغلر أنّ هذه التكنولوجيا الجديدة تُعيد تعريف علاقتنا بأنفسنا، وبالعالم، وببعضنا البعض. ولتفسير هذه الظروف الجديدة، اعتقد أنّه لا بدّ من إعادة كتابة تاريخ الفلسفة من جذوره، من منظور التقنية. لم تقترب لا الوجودية ولا الماركسية ولا أيّ مدرسة فلسفية أخرى من الاعتراف بالرابط الجوهري بين الوجود الإنساني والتاريخ التطوري للأدوات.

في العقد الذي تلى عام 1968، افتتح ستيغلر نادياً لموسيقى الجاز في تولوز، أغلقته الشرطة بعد بضع سنوات بتهمة ممارسة الدعارة غير القانونية. ولحاجته الماسة لتأمين لقمة العيش، لجأ ستيغلر إلى سرقة البنوك لسداد ديونه وإطعام أسرته. وفي عام 1978، أُلقي القبض عليه بتهمة السطو المسلح وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. كان ستيغلر، الذي ترك الدراسة الثانوية ولم يشعر يوماً بالراحة في بيئة السجون، قد طلب زنزانة خاصة به عند وصوله إلى السجن، ودخل في إضراب عن الطعام حتى تمت الموافقة على طلبه. وبعد أن وافق مدير السجن أخيراً، بدأ ستيغلر يلاحظ كيف كانت القراءة والكتابة تُؤثران على علاقته بالعالم الخارجي. كان هذا إدراكاً بالغ الأهمية. فمن خلال الكتب والورق والأقلام، تمكن من التواصل مع الناس والأماكن خارج أسوار السجن.

خلال فترة سجنه، بدأ ستيغلر بدراسة الفلسفة بتعمق أكبر، يلتهم كل كتاب يقع بين يديه. في مذكراته الفلسفية "التصرف بجرأة" (2009)، يصف ستيغلر فترة سجنه بأنها كانت فترة استكشاف ذاتي جذري وتجربة فلسفية. قرأ أعمالًا كلاسيكية في الفلسفة اليونانية، ودرس اللغة الإنجليزية، وحفظ الشعر الحديث، لكن الكتاب الذي لفت انتباهه حقًا كان حوار "فيدروس" لأفلاطون. في هذا الحوار بين سقراط وفيدروس، يوضح أفلاطون مفهومه عن "التذكر"، وهي نظرية في التعلم تنص على أن اكتساب المعرفة الجديدة ليس إلا عملية تذكر ما كنا نعرفه في حياة سابقة. ففي دوامة لا تنتهي من الموت والولادة، ننسى ما نعرفه في كل مرة نولد فيها من جديد. بالنسبة لستيغلر، أصبحت فكرة التعلم كذكرى أقل روحانية وأكثر مادية: فالتعلم والذاكرة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالتقنيات. من خلال الأدوات التي نستخدمها - بما في ذلك الكتب والكتابة والمحفوظات - يمكننا تخزين وحفظ كميات هائلة من المعرفة.

بعد محاولة أولية لكتابة الروايات في السجن، التحق ستيغلر ببرنامج فلسفي مُصمم خصيصًا للسجناء. وخلال فترة سجنه، حصل على شهادة في الفلسفة، وتواصل مع مفكرين بارزين، من بينهم الفيلسوف والمترجم جيرار غرانيل، الذي كان أستاذًا ذا نفوذ في جامعة تولوز لو ميراي (التي عُرفت لاحقًا بجامعة تولوز جان جوريس). عرّف غرانيل ستيغلر على بعض أبرز الشخصيات الفلسفية في ذلك الوقت، بمن فيهم جان فرانسوا ليوتار وجاك دريدا. أشرف ليوتار على رسالة الماجستير لستيغلر بعد إطلاق سراحه، بينما أشرف دريدا على أطروحته للدكتوراه، التي أنجزها عام 1993، والتي أُعيدت صياغتها ونُشرت بعد عام كأول مجلد في سلسلة "التقنية والزمن". بمساعدة هؤلاء الفلاسفة ومُثُلهم الجديدة، بدأ ستيغلر في إعادة تشكيل التزامه السياسي السابق بالمادية الماركسية، ساعياً إلى تفسير الطرق التي تُشكل بها التقنيات الجديدة العالم.

مع بداية سبعينيات القرن العشرين، بدأ عدد متزايد من الفلاسفة والمنظرين السياسيين في التشكيك في فورية تجربتنا المعيشية. لم يعد العالم من حولنا يُنظر إليه من قِبل هؤلاء المفكرين على أنه أمر مُسلّم به، كما كان الحال بالنسبة للفلاسفة الظاهريين مثل إيمانويل كانط وإدموند هوسرل. بل أصبح العالم يُقدّم نفسه كبيئة مبنية تتألف من أشياء مثل الطرق ومحطات توليد الطاقة والمنازل، وكلها أصبحت ممكنة بفضل المؤسسات السياسية والممارسات الثقافية والأعراف الاجتماعية. وهكذا، بدت الحقيقة أيضاً وكأنها بناء اجتماعي، وليست أمراً مُسلّماً به.

كان لويس ألتوسير أحد أبرز الفلاسفة الفرنسيين الذين تعمقوا في دراسة واقعية اللحظة الراهنة. ففي مقالته "الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية"، التي نُشرت عام 1970، أي قبل سنوات من تتلمذ ستيغلر على يديه، يُشير ألتوسير إلى أن الأيديولوجيا ليست مجرد معتقد فردي، بل هي ظاهرة تتجاوز بكثير نطاق الفرد، أو حتى المجتمع. فكما نلتفت لا شعوريًا عندما نسمع من ينادينا من الخلف، فإن للأيديولوجيا تأثيرًا تلقائيًا ولا شعوريًا علينا، إذ تتسلل إلينا من الخارج. وقد طوّر ميشيل فوكو، أحد تلاميذ ألتوسير في المدرسة العليا للأساتذة في باريس، نظريةً للسلطة تعمل بطريقة مماثلة. في كتابه "المراقبة والمعاقبة" (1975) وفي مواضع أخرى، يجادل فوكو بأن السلطة الاجتماعية والسياسية لا تتركز في أيدي الأفراد، بل تُنتَج من خلال "الخطابات، والمؤسسات، والأشكال المعمارية، والقرارات التنظيمية، والقوانين، والتدابير الإدارية، والبيانات العلمية، والمقترحات الفلسفية والأخلاقية والإنسانية". وقد تمثلت رؤية فوكو في إظهار كيف تُشكّل السلطة كل جانب من جوانب العالم، بدءًا من التفاعلات الصفية بين المعلم والطالب، وصولًا إلى مفاوضات اتفاقية تجارية بين ممثلين عن دولتين مختلفتين. من هذا المنظور، تتشكل السلطة في الممارسات المادية ومن خلالها، لا أنها شيء يمتلكه الأفراد.

هذه هي الأسس التي بنى عليها ستيغلر فكرته عن التقنية. ورغم تقديره للطرق التي حاول بها فوكو وألتوسير تفسير التكنولوجيا، إلا أنه ظل غير راضٍ عن إهمال أنواع محددة منها، فضلاً عن عدم تقديم أيٍّ منهما بدائل حقيقية لأشكال السلطة التي وصفاها. في كتابه "رعاية الشباب والأجيال" (2008)، يوضح ستيغلر أنه استطاع تجاوز فوكو بمساعدة مفهوم "الفارماكون" الذي طرحه معلمه دريدا. في مقالته "صيدلية أفلاطون" (1972)، بدأ دريدا بتطوير هذه الفكرة وهو يستكشف كيف يمكن لقدرتنا على الكتابة أن تخلق وتقوض (تعالج وتسمم) إحساس الفرد بهويته. بالنسبة لدريدا، فإن فعل الكتابة - وهو بحد ذاته نوع من التكنولوجيا - له علاقة متناقضة بالذاكرة الفردية. على الرغم من أن الكتابة تتيح لنا تخزين المعرفة والخبرة عبر فترات زمنية طويلة، إلا أنها تثبط عزيمتنا عن ممارسة قدرتنا الذهنية على التذكر. فالكلمة المكتوبة تقطع الصلة المباشرة بين التجربة المعيشة والذاكرة الداخلية. إنها "تعالج" حدودنا المعرفية، ولكنها في الوقت نفسه "تسمم" إدراكنا بتقييد قدراتنا.

"كل تكريم يمنحه المجتمع هو إعلان غير مباشر عن نوع المستقبل الذي يريده لأبنائه، فالقيم التي يرفعها إلى القمة اليوم هي ذاتها التي ستقود وعي الأجيال الصاعدة، وترسم ملامح حضارته غداً " (الكاتب).

تشكل الشخصيات التي يمنحها المجتمع مكانة التقدير والاحترام مرآة صادقة لمنظومته الثقافية واتجاهه الحضاري، لأنها تعكس القيم التي يختار ترسيخها في وعي أفراده والأجيال القادمة. فالتقدير الاجتماعي ليس فعلاً عفوياً أو مجرد استجابة للإعجاب، بل هو آلية ثقافية تعلن من خلالها الجماعة ما تعتبره جديراً بالاقتداء والاتباع.

لذلك فإن دراسة الشخصيات التي تتصدر المشهد العام تكشف كثيراً من ملامح البناء الثقافي للمجتمع، وتوضح طبيعة الأولويات التي تحكمه. فإذا كانت المكانة تمنح لأصحاب الفكر، والعلم، والإبداع، والنزاهة، فإن ذلك يعكس مجتمعاً يستثمر في رأس ماله الثقافي ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً ورقياً. أما إذا انتقلت هذه المكانة إلى أصحاب النفوذ الفارغ، أو الشهرة العابرة، أو الإثارة الإعلامية، فإن المجتمع يكون قد بدأ في إعادة صياغة منظومة قيمه على أسس هشة، الأمر الذي يمثل مؤشراً مبكراً على بداية التراجع الحضاري والانحطاط الثقافي.

وحسب دراسات علم الاجتماع الثقافي المعاصرة، لا يبدأ الانحطاط الثقافي بانهيار المؤسسات الكبرى، وإنما يبدأ بتغير المعايير التي تحدد من يستحق المكانة والاحترام داخل المجتمع. فعندما تتراجع قيمة المعرفة أمام جاذبية الاستعراض، ويهمش أصحاب الكفاءة لحساب أصحاب العلاقات والمصالح، وتصبح الشهرة بديلاً عن الإنجاز، فإن المجتمع يدخل في مرحلة من الاضطراب القيمي يعيد خلالها تعريف النجاح بصورة مشوهة.

وهنا تتجلى أخطر مظاهر الانحطاط الثقافي، إذ تنشأ الأجيال الجديدة وهي تعتقد أن المكانة الاجتماعية لا تكتسب بالعطاء أو الإبداع أو المسؤولية، بل بالقدرة على لفت الانتباه وتحقيق المكاسب السريعة. ومع تكرار هذه الأنماط تتراجع المكانة الرمزية للعلم، ويضعف تأثير المثقف الحقيقي، وتتقلص قيمة العمل المنتج، بينما تتسع دائرة النماذج التي تستهلك الوعي أكثر مما تبنيه. وبهذا يصبح الانحدار الثقافي عملية اجتماعية متراكمة، تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، حتى تتحول إلى جزء من الوعي الجمعي يصعب الانفكاك عنه.

إن مستقبل المجتمعات يصنع قبل كل شيء داخل منظومة القيم التي تحدد من يستحق أن يكون قدوة ورمزاً في الوعي العام. فالمجتمع الذي يكرم أصحاب الضمير والعلم والإبداع يبعث برسالة واضحة مفادها أن التقدم يبدأ من العقل، وأن الحضارة تبنى بالمعرفة والعمل والمسؤولية. أما المجتمع الذي يخلط بين الشهرة والقيمة، وبين الحضور الإعلامي والاستحقاق، فإنه يفقد تدريجياً بوصلته الثقافية، لأن القدوات التي يصنعها اليوم ستصبح المرجعية التي تشكل طموحات الأجيال في المستقبل.

 ولهذا فإن مواجهة الانحطاط الثقافي لا تبدأ بإدانة نتائجه، بل بإصلاح معايير التقدير الاجتماعي، وإعادة الاعتبار للنخب العلمية والفكرية، وترسيخ ثقافة تكافئ الإنجاز الحقيقي لا الضجيج، وتحتفي بمن يضيف إلى وعي المجتمع لا بمن يستثمر في تسطيحه. فحين ترتقي معايير التكريم، يرتقي معها الوعي الجمعي، وتستعيد الثقافة دورها في بناء الإنسان وصناعة الحضارة.

خلاصة القول، إن استعادة العافية الثقافية لا تبدأ بإقصاء أشخاص أو استبدال أسماء بأخرى، بل ببناء وعي جمعي يمتلك القدرة على مراجعة معاييره باستمرار، وعلى مساءلة كل قيمة قبل تحويلها إلى نموذج يحتذى. فالمجتمعات الحية هي التي تعلم أبناءها أن الاحترام مسؤولية تكتسب بالعطاء، وأن المكانة تبنى بالأثر لا بالضجيج، وأن القيمة الحقيقية لأي إنسان تقاس بما يضيفه إلى حياة الآخرين وإلى مستقبل مجتمعه. لذلك، اجعلوا من التربية، والقراءة، والنقد الواعي، والذائقة الثقافية الرفيعة، أدوات يومية لإعادة تشكيل الوعي العام، لأن نهضة الأمم لا تبدأ من وفرة الموارد، بل من جودة المعايير التي تحكم أحكامها واختياراتها.

 وحين يصبح المجتمع قادراً على التمييز بين القيمة الحقيقية والقيمة المصطنعة، فإنه لا يستعيد ثقافته فحسب، بل يؤسس لحضارة أكثر رسوخاً وعدالة وقدرة على صناعة المستقبل. ولا يتحقق هذا التمييز بالانطباعات أو بالدعاية أو بالشهرة العابرة، وإنما بمنظومة من المعايير الموضوعية التي تجعل الإنجاز مقدماً على الولاء، والكفاءة متفوقة على النفوذ، والأثر المجتمعي أسبق من الصورة الإعلامية. فالمجتمعات الناضجة لا تقيس قيمة الأفراد بما يمتلكونه من سلطة أو حضور، بل بما يتركونه من معرفة، وما يحققونه من منفعة عامة، وما يرسخونه من قيم أخلاقية ومؤسساتية قابلة للاستمرار. وعندما تصبح هذه المعايير جزءاً من الوعي الجمعي، يفقد التزييف قدرته على صناعة الرموز، ويتراجع تأثير الامتيازات المصطنعة أمام الاعتراف المستند إلى الجدارة. وعندئذ يتحول التكريم من مجرد فعل احتفالي إلى آلية اجتماعية لإعادة إنتاج القيم الأصيلة، وتغدو الذاكرة الجمعية أكثر قدرة على فرز النماذج الجديرة بالاقتداء من تلك التي صنعتها السلطة أو المال أو الدعاية، وبذلك يترسخ نظام رمزي يكافئ الاستحقاق، ويؤسس لمسار حضاري يجعل من الكفاءة والإنجاز معياراً للارتقاء الاجتماعي، لا الولاء أو المصالح العابرة.

***

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

لم يعد التعليم مجرد عملية تقنية لنقل المعرفة، بل أصبح ظاهرة مركبة يمكن فهمها فقط عند تقاطع الفلسفة وعلم الاجتماع. من جهة فلسفية، التعليم مرتبط بسؤال الوجود والمعنى ما الإنسان؟ ما المعرفة؟ ما الغاية من التربية؟ ومن جهة سوسيولوجية، التعليم هو مؤسسة اجتماعية تعمل داخل علاقات قوة طبقية وسياسية وثقافية، وتعيد إنتاج هذه العلاقات بشكل مستمر. بين هذين البعدين يتشكل جوهر التعليم كمساحة صراع على تعريف الإنسان نفسه.

في الفلسفة، التعليم يرتبط مباشرة بنظرية المعرفة ونظرية الإنسان. عند أفلاطون، التعليم هو خروج من الكهف نحو الحقيقة أي انتقال من الوهم إلى المعرفة. عند كانط، التعليم مرتبط بالانتقال من القصور العقلي إلى الاستقلال العقلي أي قدرة الإنسان على استخدام عقله دون وصاية. عند فوكو، المعرفة ليست بريئة، بل مرتبطة بالسلطة، والتعليم جزء من أنظمة الضبط التي تنتج الإنسان القابل للحكم والتنظيم. هذا يعني أن التعليم في الفلسفة ليس بريئا أبدا، بل هو جزء من سؤال أكبر من يملك تعريف الحقيقة؟ ومن يحدد شكل العقل؟. علم الاجتماع ينظر إلى التعليم كمؤسسة اجتماعية وظيفتها الأساسية ليست فقط نقل المعرفة، بل إعادة إنتاج البنية الاجتماعية. عند إميل دوركايم، التعليم هو وسيلة لدمج الأفراد في المجتمع عبر غرس القيم المشتركة. عند بيير بورديو، التعليم ليس محايدا، بل يعيد إنتاج الطبقة الاجتماعية من خلال ما يسميه الرأسمال الثقافي، حيث يتم تفضيل ثقافة الطبقات العليا وإعادة إنتاج امتيازاتها داخل المدرسة. عند باولو فريري، التعليم التقليدي هو تعليم بنكي يودع فيه المعلم المعرفة في الطالب، بينما التعليم التحرري هو الذي يحول المتعلم إلى فاعل نقدي يشارك في إنتاج المعرفة. يظهر أن التعليم ليس فقط مؤسسة معرفية، بل هو تقاطع بين الفلسفة التي تسأل عن معنى المعرفة، وعلم الاجتماع الذي يدرس كيف يتم توزيع هذه المعرفة داخل المجتمع، ولمصلحة من.

في الواقع السياسي، هذا التقاطع يصبح أكثر حدة. الدولة تستخدم التعليم كأداة لتشكيل المواطن، ليس فقط عبر القوانين، بل عبر تشكيل الوعي نفسه. هنا يتقاطع فوكو مع علم الاجتماع السياسي فالسلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل بإنتاج أنظمة معرفة تجعل بعض الأفكار طبيعية وأخرى غير ممكنة. المناهج الدراسية ليست مجرد محتوى، بل هي اختيار سياسي لما يعتبر حقيقة.

في الواقع الاقتصادي، يظهر تحليل ماركس غير المباشر للتعليم: المدرسة ليست منفصلة عن نمط الإنتاج، بل جزء من البنية الفوقية التي تعكس وتدعم الاقتصاد. التعليم الحديث في ظل الرأسمالية يتحول إلى جهاز لإنتاج قوة عمل متخصصة، ويعيد تشكيل الإنسان وفق احتياجات السوق. هنا يتقاطع التحليل الاقتصادي مع الفلسفة النفعية التي تختزل المعرفة في فائدتها العملية، ومع علم الاجتماع الذي يدرس كيف يتم توزيع الفرص التعليمية بشكل غير متكافئ.

يظهر بوضوح أن التعليم ليس مساحة متساوية. نظرية بورديو عن إعادة الإنتاج الاجتماعي تفسر كيف أن الطالب لا يدخل المدرسة بشكل محايد، بل يحمل معه رأس مال ثقافي ولغوي واجتماعي يؤثر على نجاحه. المدرسة تبدو محايدة، لكنها في الواقع تفضل أنماط التفكير والتعبير الخاصة بالطبقات المهيمنة؛ وهنا يصبح التعليم أداة لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل تقليصها. أما من زاوية الفلسفة النقدية، فإن التعليم يجب أن يكون مساحة لتحرير الإنسان من الطبيعة الاجتماعية المفروضة عليه. عند هابرماس مثلا، المعرفة لا تكون حقيقية إلا إذا كانت ناتجة عن تواصل عقلاني حر من الهيمنة، لكن الواقع التعليمي غالبا ما يكون بعيدا عن هذا النموذج، لأنه محكوم بعلاقات سلطة داخلية وخارجية.

في المجتمعات المتعددة ثقافيا، يتضاعف هذا التوتر بين الفلسفة وعلم الاجتماع. فلسفيا، التعليم يجب أن يعترف بتعدد الهويات والمعاني؛ أما سوسيولوجيا، فالتعليم غالبا ما يخدم مركزا ثقافيا واحدا ويهمش بقية المكونات. هنا يتحول التعليم إلى أداة لإنتاج هوية رسمية بدل أن يكون مساحة للاعتراف بالتعدد. الأزمة العميقة هنا أن التعليم يعيش تناقضا دائما بين وظيفتين وظيفة فلسفية تقول إن التعليم يجب أن يحرر العقل ويطور الإنسان كذات واعية، ووظيفة سوسيولوجية تقول إن التعليم يجب أن ينظم المجتمع ويعيد إنتاج استقراره. هذا التناقض لا يمكن حله بسهولة، لأنه ليس خطأ في النظام، بل هو جزء من طبيعته. كل نظام تعليمي هو في الوقت نفسه مشروع فلسفي عن الإنسان، ومشروع اجتماعي عن النظام.

 التعليم ليس مجرد مؤسسة داخل المجتمع، بل هو نقطة تقاطع بين سؤال الفلسفة عن معنى الإنسان، وسؤال علم الاجتماع عن كيفية تنظيم البشر داخل المجتمع. وبين هذين السؤالين يستمر الصراع هل التعليم يصنع إنسانا حرا يفكر خارج النظام، أم إنسانا مندمجا داخل النظام دون مساءلة؟.

***

زكريا نمر

 

في زمن صارت فيه الكتابة الفلسفية لدى كثير من تلامذتنا أقرب إلى "طقس كهنوتي" اشبه بترانيم مكررة وشاحبة، تُقدَّم يوم الامتحان كقداس للتكفير عن خطيئة عدم التفكير وذنب تغيب السؤال. ترانيم حزينة عكست وتعكس أنين الحكمة الى اليوم، تُحفظ عن ظهر قلب وتُستظهر يوم الخلاص.

نعم المقالات التي نطلق عليها في اقسامنا اسم مقالات فلسفية ونتداولها اليوم تغيب عنها لذة الكتابة وتنعدم فيها الدهشة. انها تُثقل كاهل الروح وتُتعب الجسد لحظة تصحيحها وتقييمها، فهي لا تنبع من الداخل، ولا تصدر عن معاناة فكرية، ولا يحركها قلق سؤال. ولا صلة لها بجوهر الفعل الفلسفي الصادق والاصيل: ذلك الفعل المتفرد والمتمرّد تفكيرا وقولا وكتابة، كتمرّد بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة، لقد اراد أن يمنح البشر، بتمرده على الرتابة والمألوف، نور المعرفة والدفء والحضارة.

تلك النار المحرقة المحركة والفاعلة، أوحت بالشعلة الأولمبية وولّدت عند أهل الحكمة وخاصتها ما سمي "أولمبياد الفلسفة الدولي" وهو فضاء وضّاءٌ بازغٌ، تتنافس فيه عقول طلاب الثانوية من أكثر من خمسين دولة، عقول تلاميذ مفكرة يتقاسمون دهشة السؤال وحرقته ويشتغلون على مدار أربعة ساعات على كتابة أجود المقالات الفلسفية وأعمقها وأكثرها أصالة.

هنا يكمن التوتر الذي ينطلق منه مقالنا هذا: من جهة نفور مما هو كائن من "كتابات استهلاكية استعراضية"، تجترّ المعلوم وتكرر الماضي، عاطلة عن الفعل ومعطّلة للفكر، ومن جهة أخرى انجذاب الى ما يجب أن تكون عليه الكتابة في أولمبياد الفلسفة، حيث المقال الفلسفي ليس ترفاً لغوياً ولا استعراضاً لمحفوظات، بل هو جواب مؤسَّس على سؤال يُفهم في بعده الإشكالي. إنه كالشعور: تيار متدفق، وتجربة فريدة، تعكس تفكير صاحبه في تماسكه وجرأته وأصالته. إنه أشبه بقبس من تلك النار المسروقة، نارٌ تحمل في داخلها دفء الحكمة ونورها الوضّاح.

هناك، في دورة 2025، تكررت مغامرة بروميثيوس: مقالات جريئة ومبدعة ومتمردة على المألوف، كتبها تلاميذ تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والعشرين، غاب عنها العرب. مقالات أصيلة كشفت عن صرامة التحليل وعمقه، ومهّدت، كسابقاتها، الطريق نحو دورة أولمبياد الفلسفة الدولي لعام 2026 -النسخة الرابعة والثلاثين- التي أقيمت في وارسو عاصمة بولندا، في الفترة من 14 إلى 17 ماي 2026.

وبين هاتين الدورتين، يعود السؤال الذي ظل يلازمني منذ مقالي الأول "أولمبياد الفلسفة.. تقليد لا يمارسه العرب" المنشور قبل خمس سنوات: لماذا يعجز عقل التلميذ العربي عن كتابة مقال فلسفي متميز ورصين، ليكون حاضراً في هذا المحفل العالمي؟ هل المشكلة في غياب القدرة المؤسسة لهذا الفعل، أم في مناهجنا الفلسفية ذاتها التي لا تزال أسيرة الحفظ والاستظهار؟ وهل عقل أستاذ الفلسفة عندنا قادر على الانفتاح على هذه النماذج، أم إنه "عقل لم يتصير عقل بعد"، بتعبير المرحوم البشير ربوح؟ وكيف ننتقل بالتلميذ العربي من كائن يخاف السؤال إلى كائن يقدّسه، فيمارس حقّه في سرقة نار المعرفة كما فعل بروميثيوس؟

المقالات الفائزة لعام 2026

دورة 2026 قدمت لنا مقالات استثنائية، يمكن قراءتها كمختبر حي لمعايير المقال الفلسفي المتميز شكلا ومضمونا، وكشفت عن نمطين رئيسيين من النجاح الفلسفي: النمط الجدلي النقدي المتوازن، والنمط التفكيكي الإبداعي.

- النوع الأول: النمط الجدلي النقدي المتوازن

يمثله مقالان: الأول لـ لويس إيمانويل غوميز غوزمان (المكسيك) حول الاختيار عند أرسطو، والثاني لـ أبينيشواري نارايانان (سنغافورة) حول اقتباس آيريس موردوخ للفيلسوفة والروائية الإنجليزية آيريس مردوخ (1919-1999): "نعيش في عالم خيالي، عالم أوهام والمهمة الكبرى في الحياة هي العثور على الواقع"

غوميز غوزمان تلميذ البكالوريا في التعليم الثانوي بالمكسيك أمسك بأطروحة أرسطو في "الأخلاق إلى نيقوماخوس" وفككها بدقة جراحية، انطلق من حجتين مؤيدتين قويتين (العقل يمنع الاندفاع، الشخصية ضرورة أخلاقية)، ثم انقلب عليها باستدعاء خصمين فلسفيين من الإرث الفلسفي الحديث والمعاصر: دافيد هيوم وفكرة العقل عبد للعواطف، والرغبة هي المحرك الأول للفعل والفيلسوف جون بول سارتر ومسلمة الحرية تسبق العقل، ونحن نختار أولاً ثم نبرر. وهو لا يروم من ذلك هدم فكرة أرسطو، بل ليصل إلى نتيجة مركبة ومتوازنة: أرسطو يصف "الفرد الأخلاقي المثالي"، لا السلوك البشري الفعلي في فوضويته.

العقل والرغبة والشخصية: دراسة نقدية لأرسطو حول الاختيار

لويس إيمانويل غوميز غوزمان (Luis Emanuel Gómez Guzmán) -المكسيك

سؤال ما الذي يميز الفعل البشري عن الحركة المجردة قد شغل الفلاسفة لقرون. يقدم أرسطو، في كتاب أخلاقيات نيقوماخوس، إجابة دقيقة: أصل الفعل هو الاختيار (prohairesis)، والاختيار نفسه ينشأ من الرغبة والتفكير الموجه نحو غاية. ثم يضيف شرطًا حاسمًا – لا يمكن أن يوجد الاختيار بدون كل من العقل والذهن وحالة أخلاقية. بمعنى آخر، يتطلب الفعل الجيد (ونقيضه) مزيجًا من الذهن والشخصية. أجد هذا الادعاء عميق الإلهام، لكنه غير كامل أيضًا. بينما أوافق على أن الاختيار يفترض العقل والتربية الأخلاقية، سأجادل بأن أرسطو يقلل من دور العاطفة وظاهرة ضعف الإرادة (akrasia)، والتي تعقد تركيبه الأنيق. للدفاع عن هذا الموقف، سأحلل أولاً التمييزات الرئيسية عند أرسطو، ثم أقدم حجتين مؤيدتين لرأيه، يلي ذلك حجتان مضادتان مستمدتان من ديفيد هيوم وجان بول سارتر، وأخيرًا أقدم خاتمة متوازنة.

يميز أرسطو بين السبب الكافي والسبب الغائي. السبب الكافي هو ما يحرك العملية؛ أما السبب الغائي فهو الغرض أو الغاية التي يُفعل من أجلها الشيء. هنا، يقول إن الاختيار هو الأصل الكافي للفعل – وليس السبب الغائي، الذي هو الغاية المرغوبة. ينبع الاختيار نفسه من مصدرين: الرغبة (orexis) والتفكير (logos) الذي يحسب الوسائل نحو غاية. هذا يتحدى بالفعل أي تفسير فكري بحت أو عاطفي بحت للفعل. علاوة على ذلك، يصر أرسطو على أن الاختيار يتطلب حالة أخلاقية (hexis)، أي استعدادًا مستقرًا للشخصية يتشكل من خلال التعود. بدون شخصية جيدة، لا يستطيع العقل وحده إنتاج اختيار جيد. النتيجة اللافتة هي أن كلا الذهن والشخصية ضروريان. إذا افتقر المرء إلى الحكمة العملية (phronesis) أو كانت شخصيته فاسدة، فسيكون الاختيار معيبًا.

هذا الرأي جذاب لأنه يتوافق مع التجربة اليومية: نحن نعجب بالأشخاص الذين لا يعرفون الصواب فحسب، بل يرغبون في فعله ولديهم الميل الاعتيادي للتصرف جيدًا. ومع ذلك، يترك إطار أرسطو مجالًا ضيقًا للحظات يعرف فيها المرء الخير لكنه يفشل في اختياره – وهي مشكلة سأعود إليها.

من الأسباب القوية للاتفاق مع أرسطو أنه بدون التفكير، سيصبح الفعل مجرد اندفاع. تخيل شخصًا يتصرف بناءً على رغبة فورية فقط – مثل الإمساك بكعكة لأنها تبدو لذيذة، دون التفكير في العواقب الصحية أو البدائل. قد لا يُعتبر هذا الفعل حتى اختيارًا بمعنى أرسطو؛ إنه أقرب إلى سلوك الحيوانات. يتضمن الاختيار الحقيقي التداول، مهما كان موجزًا. كما كتب أفلاطون في بروتاغوراس (352c): «قوة المعرفة شيء جميل قادر على حكم الإنسان، وإذا عرف شخص ما الخير والشر، فلن يُغلب أبدًا بشيء». يدافع أفلاطون هنا عن الفكرية – فكرة أن المعرفة تضمن الفعل الصحيح. أرسطو أكثر اعتدالًا: هو يمنح الرغبة دورًا، لكنه يحافظ على أن التفكير الموجه نحو غاية لا غنى عنه.

يمكننا اختبار ذلك بمثال. افترض أن طالبًا يقرر الدراسة للامتحان بدلاً من الذهاب إلى حفلة. يتضمن هذا الاختيار تفكيرًا (الدراسة تؤدي إلى درجات أفضل، والتي تؤدي إلى مستقبل مرغوب) ورغبة (الرغبة في النجاح). بدون تفكير، قد يذهب الطالب إلى الحفلة اندفاعيًا. وبدون رغبة، لن يكون لدى الطالب دافع حتى. لذا، يحدد أرسطو بشكل صحيح المصدر المزدوج للاختيار. يوافق كثير من علماء النفس المعاصرين على أن الوظائف التنفيذية (العقل) والدافعية (الرغبة) كلاهما مطلوبان للفعل المتعمد.

الحجة الثانية المؤيدة لأرسطو هي أن العقل وحده لا يمكنه ضمان الفعل الجيد لأن العقل محايد – يمكنه خدمة غايات جيدة أو سيئة. يستخدم المجرم الذكي التفكير بفعالية لكنه يفتقر إلى حالة أخلاقية فاضلة. لذا، كما كتب أرسطو: «لا يمكن أن يوجد فعل جيد بدون مزيج من الذهن والشخصية». هذا يتردد صداه مع ادعائه الشهير بأن الفضيلة هي هكسيس اختيارية (hexis prohairetike) – استعداد يتضمن الاختيار. يوافق إيمانويل كانط، رغم أنه يأتي من تقليد مختلف، على أن القيمة الأخلاقية تعتمد على توافق الإرادة مع الواجب، لا على الذكاء فقط. يقول كانط في أساس ميتافيزيقا الأخلاق: «من المستحيل تصور أي شيء في العالم، أو حتى خارجه، يمكن اعتباره خيرًا بلا قيد أو شرط، إلا إرادة طيبة». إرادة كانط الطيبة تشبه الحالة الأخلاقية الفاضلة عند أرسطو: إنها التوجه الداخلي الذي يجعل الفعل جديرًا بالثناء الأخلاقي.

لذلك، أرسطو على حق في الإصرار على أن الذهن والشخصية يجب أن يعملا معًا. قد يعرف شخص أن الصدق فضيلة لكنه يكذب إذا كانت شخصيته فاسدة. وعلى العكس، قد يكون شخص ذو شخصية جيدة لكنه بدون حكمة عملية طيبًا بطرق مضللة. فقط عندما تتحدان الحكمة العملية والفضيلة يظهر الاختيار الجيد الموثوق. هذا هو السبب في أن أخلاقيات الفضيلة لا تزال مؤثرة: فهي تلتقط تعقيد الوكالة الأخلاقية.

رغم قوة رأي أرسطو، أعتقد أنه يغفل أولوية العاطفة في تحفيز الفعل. جادل ديفيد هيوم بشكل شهير بأن «العقل هو، ويجب أن يكون فقط، عبد العواطف، ولا يمكنه أبدًا أن يدعي أي وظيفة أخرى سوى خدمة العواطف وطاعتها» (رسالة في الطبيعة البشرية). بالنسبة لهيوم، لا ينتج العقل الفعل أبدًا؛ إنه يحسب الوسائل فقط نحو غايات تحددها العواطف. الرغبة، لا التداول العقلي، هي محرك الاختيار. قد يرد أرسطو بأن الرغبة بدون تفكير عمياء، لكن هيوم يمكنه الرد بأن التفكير بدون رغبة خامل. الخلاف الأعمق يتعلق بما إذا كان العقل قادرًا على توليد الرغبة. يبدو أن أرسطو يفترض أن التفكير نحو غاية ينتج الاختيار بشكل طبيعي، لكن الرغبة في تلك الغاية يجب أن تكون موجودة بالفعل.

اعتبر حالة واقعية: شخص يقرر التبرع بالمال للأعمال الخيرية. الرغبة في مساعدة الآخرين (عاطفة) تأتي أولاً؛ ثم يحدد التفكير أفضل جمعية خيرية. لو غابت الرغبة، فلن يؤدي أي قدر من التفكير إلى التبرع. لذا، قد يُعكس تعبير أرسطو «الاختيار هو رغبة وتفكير»: الرغبة هي المصدر الأولي، والتفكير أداة ثانوية. هذا يتحدى ادعاء أرسطو بأن الاختيار لا يمكن أن يوجد بدون عقل وذهن. إذا كانت العاطفة وحدها قادرة على تحريكنا (كما في أعمال بطولية مفاجئة بدون تداول)، فقد ينشأ الاختيار من مركبات شخصية-عاطفية ليست بالضرورة عقلانية. قد يكون تأكيد أرسطو على التفكير فكريًا جدًا.

النقد الثاني، الأكثر داخلية، يأتي من الظاهرة التي تصدى لها أرسطو نفسه بشكل مشهور: ضعف الإرادة (akrasia). الشخص الضعيف الإرادة يعرف ما هو الخير (لديه تفكير صحيح) ولديه حالة أخلاقية مقبولة، لكنه يختار العكس مع ذلك. على سبيل المثال، شخص يعرف أن التدخين ضار لكنه يدخن على أي حال. يناقش أرسطو هذا في الكتاب السابع من أخلاقيات نيقوماخوس، لكن تفسيره – أن الضعيف الإرادة لديه معرفة بمعنى مؤهل، مثل شخص نائم أو سكران – ليس مقنعًا تمامًا. إذا كان الاختيار يتطلب عقلًا وحالة أخلاقية، فيجب أن يكون الفعل الضعيف الإرادة مستحيلاً. لكنه يحدث طوال الوقت.

يقدم جان بول سارتر بديلاً جذريًا: الاختيار ليس محددًا بالعقل أو الشخصية؛ إنه فعل حر غير مشروط. في الوجودية إنسانية، يكتب سارتر: «الإنسان ليس شيئًا آخر سوى ما يصنعه من نفسه». بالنسبة لسارتر، حتى شخصيتنا وتفكيرنا هما نتاج اختيارات سابقة. الشخص الضعيف الإرادة ليس لغزًا بل دليلاً على أننا نستطيع دائمًا اختيار ما يخالف حكمنا الأفضل. هذا الرأي الوجودي يعارض مباشرة ادعاء أرسطو بأن الاختيار يتضمن دائمًا تفكيرًا نحو غاية. سيقول سارتر إن الاختيار يسبق العقل؛ نختار أولاً، ثم نبرر.

بينما لا أقبل تمامًا حرية سارتر الجذرية (يبدو أنها تتجاهل علم النفس والعادة)، فإن نقطته تكشف ضعفًا في أرسطو. إذا كان ضعف الإرادة حقيقيًا، فإن الارتباط الضروري بين الاختيار والتفكير ينكسر. قد يعيش مراهق في السابعة عشرة هذا يوميًا: أعرف أنني يجب أن أدرس، ولدي شخصية جيدة (في الغالب)، لكنني أختار مشاهدة يوتيوب. سيقول أرسطو إن تفكيري كان ناقصًا أو حالتي الأخلاقية غير كاملة. لكن هذا يبدو كتبرير للمشكلة بدلاً من حلها.

كيف سيكون رد أرسطو على هذه الحجج المضادة؟ قد يقبل نقطة هيوم لكنه يصر على أن الرغبة البشرية ليست عمياء؛ من خلال التعود، تصبح رغباتنا عقلانية. يرغب الشخص الفاضل فيما يوافق عليه العقل. لذا، الرغبة والتفكير ليسا قوتين منفصلتين بل متكاملتين. أما بخصوص ضعف الإرادة، فيحافظ أرسطو على أن الشخص الضعيف الإرادة يفتقر إلى معرفة حقيقية – لديه معرفة عامة فقط («التدخين سيء») لكنه لا يطبقها على الخصوص («هذه السيجارة الآن سيئة لي»). هذا التمييز معقول لكنه ضعيف Arguably عندما ننظر في ضعف الإرادة الواعي (مثل شخص يدخن وهو مدرك تمامًا للمخاطر ويقول حتى «لا يجب أن أفعل هذا»).

في رأيي، يقدم أرسطو إطارًا ممتازًا للوكالة الأخلاقية المثالية، لكن الفعل البشري الحقيقي أكثر فوضوية. أحيانًا تتجاوز العواطف التفكير دون تدمير الاختيار. وضعف الإرادة يظهر أن الشخصية والذهن يمكن أن يتعارضا. لذا، أخلص إلى أنه بينما أرسطو على حق في أن الاختيار يتطلب كلا العقل والحالة الأخلاقية في الوكلاء الذين يعملون جيدًا، فإن ادعائه قوي جدًا كضرورة عامة. بيان أدق سيكون: الاختيار يتضمن عادة العقل والشخصية، لكن الأفعال يمكن أن تنشأ من الرغبة وحدها أو من صراع بين المعرفة والفعل. هذا الرأي المنقح يحتفظ برؤية أرسطو دون تجاهل تعقيد الإنسان.

في الخاتمة، يظل حساب أرسطو للاختيار واحدًا من أكثر التفسيرات إقناعًا للفعل البشري لأنه يعترف بأن لا العقل ولا الرغبة وحدهما كافيان للوكالة الأخلاقية. إصراره على أن الفعل الجيد يتطلب كلا الذهن والحالة الأخلاقية الفاضلة يلتقط حقيقة مهمة عن الحياة الأخلاقية: يتصرف الناس جيدًا ليس فقط لأنهم يعرفون الصواب، بل لأنهم طوّروا الشخصية التي تجعلهم يرغبون فيه ويسعون إليه. في الوقت نفسه، تكشف النقدات التي أثارها هيوم وسارتر قيودًا مهمة في إطار أرسطو. غالبًا ما يدفع البشر بالعاطفة بطرق تتجاوز السيطرة العقلانية، وواقع ضعف الإرادة يظهر أن المعرفة والشخصية لا تضمنان دائمًا الفعل الصحيح. لهذا السبب، يعمل نظرية أرسطو بشكل أفضل كوصف للوكيل الأخلاقي المثالي بدلاً من حساب كامل للسلوك البشري الفعلي. في النهاية، يتشكل الاختيار من تفاعل معقد بين العقل والرغبة والعاطفة والحرية. يحدد أرسطو بشكل صحيح الدور المركزي للعقل والشخصية، لكن نظرية مقنعة تمامًا للفعل يجب أن تعترف أيضًا بعدم الاستقرار والصراع اللذين هما جزء من التجربة البشرية العادية.

نارايانان تلميذة البكالوريا ابدعت في استراتيجية "القراءات المتعددة". اختبرت "القراءة القوية" لادعاء موردوخ (العالم خيال مطلق، والواقع هو الهدف الأعظم) وحطمت بحجج مضادة للشك (حجة مور ومعيار اليقين). ثم فكرة (الواقع مُشيَّد ذاتياً كما عند كانط وما بعد الحداثة). لكنها في النهاية خلت إلى أن الصورة "المتواضعة" لموردوخ (الدعوة إلى الفضائل المعرفية والتساؤل) هي الأكثر بقاءً، وإن كانت فلسفياً "تافهة" لا جديد فيها. السمة هنا هي الصرامة المنطقية: القدرة على عرض الحجج وتفنيدها بلا مجاملة، مع شجاعة القول إن الفيلسوفة الكبيرة قد تكون مخطئة، أو على الأقل غير أصلية في ادعائها الأقوى.

- النوع الثاني: مقالة النمط التفكيكي الإبداعي

تمثله مقالة سيميون كاردجييف (بلغاريا) حول الاقتباس نفسه لموردوخ

كاردجييف لا يناقش الاقتباس، بل يزعزع افتراضاته الأنطولوجية. يرى أن موردوخ تسجننا في ثنائية (وهم/واقع) كل طرف فيهما لا يُعرَّف إلا بنفي الآخر، فيقعان في دائرة منطقية مغلقة. ثم يستدعي مفهوماً فلسفياً غير متوقع: "الافتراضي" عند جيل دولوز. الافتراضي ليس وهماً ولا واقعاً فعلياً، بل هو "حقيقي دون أن يكون فعلياً"، مثل الذاكرة أو العاطفة تجاه شخصية روائية. بهذا المفهوم الثالث، يهدم كاردجييف الثنائية كلها، ويعيد تعريف الحقيقة لا كشيء "يُعثر عليه" بل كشيء ينكشف.

نعيش في عالم خيالي، عالم وهم.

المهمة الكبرى في الحياة هي اكتشاف الواقع. — آيريس موردوخ

سيميون كاردجييف (Simeon Kardzhiev) — من بلغاريا.

طالب في الصف الحادي عشر

إنه بالضبط هذا السؤال — حول ما هو «حقيقي» وما هو «زائف» — الذي لاحق وطارد بلا راحة تاريخ الفكر الغربي وتطوره منذ طاليس. لقد عمل هذا الانقسام في الوقت نفسه كمحفز للتغيير في الفلسفة الغربية، ولكنه أيضًا بدا وكأنه غير قابل للحل إلى الأبد. وبسبب هذه المفاهيم ذاتها، وبناها، وبنية الأنطولوجيا التي نألفها، لا نجرؤ على التفكير خارج هذا النموذج. يبدو أننا، بحكم الطبيعة، نميل إلى التفكير بأن الواقع والحقيقة شيء يجب «العثور عليه». في الاقتباس نفسه، تظهر هذه التوتر واضحًا؛ إذ يفترض ثلاثة أمور:

1. أننا نسكن عالم وهم، عالم زيف، عالم لا يتوافق مع الواقع، عالم يُعرَّف فقط بعدم علاقته بالصدق.

2. أن هدف «الحصول» على هذه الحقيقة هو «مهمة عظيمة»، جبل يجب تسلقه.

3. أن المهمة هي «العثور» على تلك الحقيقة، أي ما يتوافق مع الحق.

علينا اكتشاف النموذج الثابت للوجود الذي اعتبرته العادة مركز بنيتنا. في هذه المقالة، سأحاول تفكيك هذه البنى والثنائيات، لأرسم شيئًا يمكن أن يكون حقيقيًا وزائفًا في الوقت نفسه، ولأوجه فكرنا لا إلى «العثور» على الواقع الثابت، بل إلى تعزيز اكتشاف نشط للوجود داخل أنفسنا.

الواقع، والحقيقة بالطبع، ليسا شيئين ثابتين مفردين يُعثَر عليهما. الواقع والحقيقة هما حدث، حدوث مستمر في العالم، وليسا مجرد شيء يُعثَر عليه؛ إنهما يكشفان نفسيهما لنا في الوجود ذاته. إن المعارضة التي تخلقها موردوخ بين الخيالي والحقيقي دائرية؛ فهما يبرران بعضهما البعض ويسكنان مجالًا واحدًا. الشيء الذي لا تستطيع هذه البنية الثنائية احتواءه هو المفهوم الديلوزي للـ«افتراضي» (virtual) — ذلك الذي هو إمكاني، لكنه غير فعلي؛ إنه ليس في الواقع (غير حاضر)، ولا في الخيال؛ إنه ممكن. من خلال الافتراضي، يمكننا إعادة التفكير في الانقسام بين الحقيقي وغير الحقيقي، لا كشيء موجود أنطولوجيًا بالضرورة، بل كشيء يُيسَّر بواسطة بنى الفكر. الحقيقة ليست شيئًا يُنال، بل هي أليتيا (aletheia) — ذلك الذي يكشف نفسه لنا — ولا تكتشف نفسها بمحاولتنا «العثور» عليها، بل بحضورنا في الوجود. في هذا الإطار، ليس الخيال والوهم معارضين تمامًا لفعل تجربة الحقيقة، بل هما شيء يساعدنا على تجربة الواقع.

1- العلاقة بين الخيال والواقع

يفترض الاقتباس أن طبيعة الواقع مفردة، وأن كل فرد في هذا «نحن» الذي تشير إليه موردوخ يختبر الوجود بنفس الطريقة. لكن هذا تعميم خطير جدًا؛ يمكننا فقط افتراض أن كل ذات تختبر هذه البنية المفردة للواقع. بنية — مرة أخرى — تبدو محصورة في الواقع ذاته ويجب «العثور» عليها. «العثور» على شيء يعني اعتباره شيئًا ملموسًا. نحن نعرف ما نحتاجه، وكل ما علينا هو معرفة أين نبحث. يبدو كأن مهمتنا هي اتباع والمشاركة في هذه الأنطولوجيا للحضور، لنعثر على الحق مرة واحدة وإلى الأبد ونسكنه. التيليولوجيا (علم الغايات) التي نميل إلى اتباعها هي التوافق مع الحق والواقع. ولكي نكون حاضرين وجزءًا من الواقع، نُجبر أيضًا على اعتبار أن الواقع والحقيقة ذاتهما ثابتين. مفهوم ونمط فكري تكلسا في الفكر الغربي منذ أفلاطون ومثل الغار، مرورًا باللاهوتيين المدرسيين، وتاريخ الفلسفة الحديثة، وصولًا إلى يومنا هذا. لكن بالتراجع خطوة إلى الوراء والنظر إلى مصدر الالتباس — أفلاطون — يمكننا رؤية أصل الالتباس. حسب هايدغر في محاضرته «عقيدة أفلاطون في الحقيقة»، اعتدنا اعتبار الحقيقة شيئًا ثابتًا وغير قابل للتغيير إلا بالصدفة البحتة. هناك، يعيد هايدغر — وفي «الوجود والزمان» — تعريف الحقيقة حسب تعريفها المفقود: أليتيا — عدم الاختباء — وأن الحقيقة تكشف نفسها. في الغار، لا تُمسك الذات الحقيقة و«تعثر» عليها، بل من خلال تجربته تكشف الحقيقة نفسها له عبر الظلال والنار والنجوم والشمس. من خلال هذه المشاركة الديناميكية والمتدفقة والمتغيرة في الوجود، يختبر الحقيقة والواقع، ولا «يعثر» عليه. لذلك، لا يمكننا أن نربط الحقيقة بشيء مفرد أو ثابت، بل كشيء ديناميكي.

بالعودة إلى الاقتباس، نرى أن اللغة التي تستخدمها موردوخ تزرع فورًا في فكرنا تسلسلًا هرميًا للنمطين من الوجود اللذين يشكلاننا حسبها. في هذه البنية، يُرتب الوهم والخيال في أسفل السلم؛ ليس لهما وزن أو سلطة أو أهمية، بخلاف الواقع والحقيقة اللذين يجلسان في القمة وهما سمو هذه الميتافيزيقا. لذا، ليس لدينا خيار سوى التفكير في كل شيء من خلال هذا التعارض الثنائي: إما حقيقي أو زائف. من السيئ أن نعيش في الخيال، لأننا لا نحقق المهمة العظيمة المتمثلة في العثور على الواقع. لكن إذا نظرنا عن كثب وبدأنا نسأل أنفسنا: ما الذي يجعل شيئًا جزءًا من الواقع أو الخيال؟ فإن هذا الإطار الصلب ينهار على نفسه. الوهمي لا يُعرَّف بغير عدم علاقته بالحقيقي، والعكس بالعكس؛ الحقيقي هو فقط ما ليس في مجال الخيال. هذه المفاهيم التي اعتدنا اعتبارها آمنة تنهار تحت توترها الخاص، لأن تعارضهما يتميز فقط بعدم كونهما ما هو الآخر. لذا، ليسا في تعارض حقيقي، بل يخدمان لتبرير بعضهما البعض. إنهما يشكلان نفسيهما ذاتيًا، ولا يمكنهما الوجود بدون بعضهما، محيطين بنا في منطق دائري يبدو صعب الخروج منه. وربما بالفعل، بسبب تركيزنا الشديد على تحقيق المهمة العظيمة المتمثلة في العثور على الواقع، لا نستطيع تحقيقها. إن دافعنا النشط للعثور على الحقيقة هو العائق الذي يمنعنا من اكتشافها، حسب هايدغر، بالضبط لأننا نريد بشدة السيطرة على الوجود، وأمر أنفسنا عقلانيًا، فلا ننجح. بل نحتاج إلى تعزيز ما يسميه «الانفتاح على الكشف». نتيجة بحثنا حتى الآن هي أن لا الخيال ولا الوهم في هذا الإطار يوجدان حقًا بذاتهما دون أن يكونا مقيدين بالمفهوم الذي يعارضانه. وهذا يثبت أن مركز هذه البنية ليس داخلها، بل خارجها. وسأحاول الآن العثور على شيء لا تستطيع البنية ومفاهيمها المكونة الاستيلاء عليه بالكامل.

2- المصطلح الثالث: الافتراضي (الافتراضي)

لكن هل هناك شيء قد يكون وهميًا وحقيقيًا في الوقت نفسه، ولا نستطيع تصنيفه بسهولة في فئة واحدة؟ إنه هذا المصطلح الثالث الذي تخفيه البنية ضمنيًا، والذي من خلاله يمكننا زعزعة مركزها وتفكيكها، ونكون قادرين على رؤية كيفية عملها حقًا. الافتراضي، الذي صاغه برغسون أصلًا، يُجذِّره ديلوز ويعرفه بأنه ذلك الذي يسكن الواقع دون أن يكون ممكنًا. الافتراضي نفسه غير مُفعَل، ولا يمكن تفعيله بالكامل. الافتراضي يتناقض مع الانقسام الأنطولوجي التقليدي من أرسطو فصاعدًا، بين الممكن والفعلي. الفعلي حاضر، يمكن العثور عليه، يمكن الإشارة إليه، هو حقيقي، هو هنا ويمكن الإشارة إليه. الكرسي حقيقي وفعلي في آن. أما الممكن فيفترض داخل نفسه غاية — الفعلية. لكن الافتراضي حقيقي دون أن يكون فعليًا؛ إنه ليس لا شيء، لكنه ليس أي شيء؛ إنه قوة، ميل. بذور الشجرة افتراضية؛ الشجرة موجودة وحقيقية، لكنها غير فعلية.

من خلال هذا، يمكننا إعادة تقييم كلا مفهومي الخيال والواقع. إذا حاولنا تطبيق إطار موردوخ على شيء مثل الذاكرة، على سبيل المثال، نرى أنه لا يستطيع الصمود. الذاكرة ليست حقيقية تمامًا، فهل تعني ذلك أنها شيء وهمي؟ الماضي ليس شيئًا يمكننا الإشارة إليه بشكل ملموس، لكنه حقيقي بالتأكيد، لأنه حدث. فكيف لا نستطيع تعريفه بسهولة حسب مصطلحات موردوخ؟ يصبح الأمر أكثر إرباكًا عندما نفكر في تأثيرات الذكريات؛ يمكن للذاكرة أن تحتوي على مجموعة واسعة من المزاجات، وعند العودة إليها يمكننا اختبار هذه العواطف. إنها ليست شيئًا حقيقيًا بمعنى أنها محيطة بنا وملموسة، بل هي غير ملموسة جذريًا، حتى من خلال اللغة، لكننا نستطيع إدراكها تمامًا من خلال التجربة. على أي حال، لها وزن أنطولوجي. ينهار منطق موردوخ هنا؛ الذكريات ليست خيالًا، لكنها ليست حقيقية تمامًا أيضًا. لذلك يمكننا تعريف الذاكرة كشيء افتراضي — إنها حقيقية لكنها غير فعلية؛ حقيقتها تكشف نفسها لنا من خلال التجربة والمسافة. محتويات وتأثيرات هذا المثال للافتراضي حقيقية وتغير إدراكنا للعالم، دون أن تكون الذاكرة نفسها شيئًا يمكن الإشارة إليه. الحزن الذي نشعر به تجاه شخصية خيالية حقيقي، دون أن تكون الشخصية فعلية، وهذا الحزن يمكن أن يؤثر فينا ويغير الطريقة التي نختبر بها الواقع والحقيقة. إنه هذا التأثير الذي يمكن أن يسمح لنا بـ«العثور» على الواقع، لا كشيء نهائي، بل كمفتاح لمشاركتنا في الوجود. الرغبة حقيقية، لكننا لا نستطيع الإشارة إليها، رغم أن تأثيرها علينا شيء يمكن ملاحظته.

3- الخاتمة

مفارقة موردوخ هي أنه رغم كونها كاتبة غزيرة الإنتاج، فإنها تبدو وكأنها تدين الخيال كشيء غير حقيقي وخيالي يصرفنا عن هدف العثور على الواقع. ببساطة، في هذا النمط الثنائي للفكر — بين الخيال والواقع — لا يستطيع الوجود ذاته أن يظهر نفسه بشكل كامل وأصيل في كل مجالاته وسجلاته. إذا اعتقدنا أن الواقع هو مرمى هدف، أو كأس يُفوز به، أو مكافأة نهائية لطريق، فلن نستطيع أبدًا اختبار الوجود والواقع في تعقيده. بالضبط هذا الاقتباس يعمل كنقطة تفكيك من خلالها نفهم موردوخ والوجود بشكل أفضل؛ إذ إن ما يُعتبر خيالًا هنا هو بالمفارقة الشيء الذي يسمح لنا بإدراك الواقع والحقيقة. الخيال ليس عقبة أمام الفهم وكشف الواقع، بل هو شيء من خلاله نستطيع اكتشافه بشكل أفضل. البنى التي نعتبرها صلبة تخفي داخلها علاقة نحتاج إلى التكيف معها. علينا تحويل التركيز من الخارجي الذي يمكن امتلاكه، إلى الافتراضي الداخلي، الأرضية غير المؤسسة التي تسمح للحقيقة بأن تكشف نفسها لنا.

بارك يون وو تتفوق على الجميع بتحليلها لسلطة أرندت. تنطلق من تعريف أرندت (السلطة هرمية غير قسرية، تقف بين الإكراه بالقوة والإقناع بين أنداد) ثم تختبره بلا هوادة. تبتكر "عتبة انقلاب القوة" وجدولاً يصنف أشكال القوة، وتحلل العلاقة بين "ذات السلطة" و"موضوع السلطة" كما لو كانت معادلة فيزيائية. لكن ضربتها الكبرى هي تجربتها الفكرية عن "الشخص ج": ذات عقلانية محضة، متحررة من كل حاجة وكل علاقة، يُعرض عليها الدخول طواعية في سلطة. تثبت بارك، خطوة بخطوة، أن هذا الشخص لن يقبل، لأن العقل الخالص لا مصلحة له في سلطة. إنها تصل إلى نتيجة وجودية مزلزلة: السلطات توجد، لكنها لا تستطيع تبرير وجودها داخلياً أبداً.

- أسئلة العقل العربي معنى الغياب وإمكان الحضور

نعود الآن إلى الأسئلة التي افتتحنا بها هذا المقال، والتي تزداد إلحاحاً بعد هذه الرحلة.

لماذا يعجز عقل التلميذ العربي؟ ليس لأن الذكاء مفقود، ولا لأن الموهبة معدومة. الخلل أعمق. الخلل في أن مناهجنا صممت لتنتج "الترانيم الحزينة" التي وصفناها، لا "النار المحرقة" التي ننشدها. تلميذنا يُدرّب على الحفظ والاستظهار، لا على السؤال والتفكيك. يُطلب منه أن يكون وعاءً للمعلومة، لا منتجاً للمعنى. وحين يصل إلى لحظة الكتابة، لا يجد في داخله إلا صدى ما حُفظ، لا صوت ما فُكّر فيه. كيف ننتقل به من الخوف إلى التقديس؟ بأن نغير السؤال في فصولنا: لا "ماذا قال أرسطو؟"، بل "ماذا تقول أنت؟ وكيف ترد على أرسطو؟". بأن نعلمه أن الفلسفة ليست مادة دراسية، بل مغامرة وجودية، و"سرقة نار" كما فعل بروميثيوس ولن نصل الى هذه الغاية الا بإصلاح تربوي شامل.

وهل عقل أستاذ الفلسفة "لم يتصير عقل بعد"؟ سؤال البشير ربوح يوجع لأنه صادق. كثير من أساتذتنا وقعوا في الفخ نفسه: صاروا حراساً للمعرفة لا مشاركين في إنتاجها. يدرّسون الفلسفة كما تدرس الجغرافيا: أسماء وتواريخ ونظريات واغلب الأساتذة للأسف لا يقرأون ولا يكتبون وبالتالي لا يفكرون فلسفيا. والفلسفة الحقيقية تُمارس. ولكي نمارسها مع تلامذتنا، علينا العودة جميعا الى لحظة الدهشة والى مصادرها . وعلينا أن ننفتح على هذه النماذج العالمية، لا لنقلدها، بل لنفهم روحها. روح التحليل والتفكيك والجرأة على قول "لا" لنص فلسفي كبير. إذا كان أستاذنا يخاف السؤال، فكيف لتلميذه ألا يخاف؟

أليس غيابنا عن هذا الأولمبياد مرآة تعكس علاقتنا الملتبسة بالفلسفة أصلاً: نقدّسها في كتب التراث ونغتالها في ممارساتنا التعليمية؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً. نحن أمة تتفاخر بفلاسفتها القدامى، لكنها لا تنتج فلاسفة. تحتفي بالكندي وابن رشد، لكنها لا تخلق فضاءً لشاب في الثامنة عشرة ليكتب مقالاً أصيلاً وينافس به العالم. ثمة انفصام بين التمجيد اللفظي للفلسفة والتخلّي العملي عنها. وحده الفعل الذي يرمم هذا الانفصام. فعل تأسيسي وثورة تبدأ من القرار السياسي بإصلاح الفلسفة والنظام التعليمي ككل، ويمر بتدريب الأساتذة على التفلسف لا تدريس الفلسفة، وينتهي بتلميذ يكتب مقاله بقلمه وروحه، لا بذاكرته. وحين سرق بروميثيوس النار، لم يستأذن. لم ينتظر أن تصدر الآلهة مرسوماً يبيح له الفعل. هو فعل ما فعل لأن حبه للبشر كان أكبر من خوفه من العقاب. هذا هو الدرس الأخير الذي تحمله إلينا مقالات أولمبياد الفلسفة: أنها مكتوبة بروح بروميثيوس. روح لا تنتظر الإذن، ولا تخشى التمرد على المألوف، ولا ترضى بكتابة "ترانيم حزينة" فمتى نقرر نحن العرب، أن نسرق النار؟ متى نقرر أن نعلّم تلامذتنا ألا يخافوا السؤال وحرقته، تلك هي "المهمة الكبرى" للفلسفة.

***

عمرون علي

استفتِ قلبك وأن أفتوك..

هذا الشعار المهم يجب حمله مع القوانين والتشريعات الدينية، فالضمير الأخلاقي هو الأساس والبوصلة لخطى الإنسان، لأن الحكم الفقهي ظاهري في غالبيته قد لا يصيب الواقع، وهو يفيد إبراء الذمة يوم القيامة فيما اذا اتبعنا الحكم الخاطىء، فنكون معذورين أمام الله تعالى، لكن في الحياة الدنيا نحن غير معذورين حين نسيء لأحد ونأكل حقوقه بحجة أن المفتي قال ذلك.. المفتي يعطي الحكم بعنوانه الأولي العام، ولايعلم ملابسات قضيتك الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، أنت من تشخص موضوع مسألتك، وتقع عليك مسؤولية تحقيق العدالة، ولذلك بعض الأحيان المكلف يتلاعب بموضوعه لتضارب المصالح، كمثال: الولاية الجبرية للأب، يقول المفتي: اذا وجد الأب أن مصلحة الطفل تقتضي البقاء مع الأم فيجب ابقاؤه معها حتى وان تزوجت وبلغ الطفل السابعة، هنا يضع الحق بيد الأب في تقرير مصلحة الطفل، لكن قد تتضارب مصلحته مع مصلحة المحضون، فقد لايريد الانفاق عليه، فيخدع نفسه فيقرر أخذ الطفل من أمّه.

فالأب هنا بيده السلطة التي تجعله المتحكم في القرار فيصدر قراره بناء على مصلحته، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، فيكيّف الوقائع بما يخدم مصلحته الشخصية، ثم يختبئ خلف الفتوى ليمنح قراره غطاءً شرعياً..

بينما في هذه المسألة يجب الرجوع للقاضي الذي تعينه الدولة لأحقاق حق المواطن بغض النظر عن الفتوى الفقهية المستمدة من فقه الفرد، لا فقه الدولة أو المحتمع، فالفقه هنا يتعامل مع افراد متفرقين وليس بينهم الا علاقات الابوة والأمومة والبنوة والزوجية والقرابة.

فأعطت للرجل صلاحيات واسعة في أتخاذ القرارات بشأن الأبن، مع افتراض حسن نيته وعدالته. فلا وجود لمصلحة الأسرة مثلا، لأن هو لايفهم هذه الجماعة، الا من خلال عناوين معينة المذكورة بالكتب الفقهية،فهو يتعامل مع افراد: الاب، الزوج، الأم، الوارث، الدائن، المدين. فلا ولاية للقاضي او الدولة في مراعاة حقوق المواطنين خارج حق الأب والأم والجد على الطفل.

ركز الفقه الفردي على الحقوق الفردية والعلاقات المباشرة، أكثر من تركيزه على مفهوم المؤسسة الاجتماعية كالأسرة بوصفها كيانا كاملا فهي لاتظهر كوحدة احتماعية ذات مصلحة عامة، بل كمجموعة حقوق متقابلة بين أفراد يمتلكون سلطات متفاوتة

أن التجربة الإنسانية تثبت أن السلطة حين تجتمع مع المصلحة الخاصة تحتاج دائما الى رقابة خارجية، لأن الإنسان يميل الى تبرير أفعاله، خاصة عندنا يمتلك سندا دينيا أو قانونيا يخفف عنه تأنيب الضمير.

من هنا تظهر ضرورة الانتقال من فقه الفرد الى فقه الدولة والمجتمع التي يمكنها أن تقيم محاكم خارج ما أنتجه الفقه الفردي من منظومة حقوقية.

المشكلة ليست بالدين أو الفقه نفسه بل بالنزعة الفردية حين تم نقلها بكل تصوراتها لتكون قانونا عامل يشمل الدولة، بلا آليات جديدة تراعي كيان المجتمع والدولة.

إن وجود سلطة قضائية مستقلة عن مصالح الافراد لايناقض الدين بل يحمي المقاصد الأخلاقية للدين من التلاعب الفردي، بينما الأن – كما يلاحظ في العراق – أن المحكمة ذاتها تطلب نصوصا موحدة للجميع تستمد من الفقه الفردي نفسه لتقرر على ضوئه القرار القضائي أو القرار التمييزي، فلا تخرج قرارات السلطة القضائية عن فتاوى وتفسيرات الفتوى الفردية نفسها. فالقضاء أصبح هنا مجرد إدارة ملفات إدارية، وإلزام تنفيذي على المكلف، فلم تعد الفتاوى خاصة بالامتثال الفردي، بل يجبر على تنفيذ الفتوى الفقهية، التي صارت قانونا عاما ينفذ في كل واقعة تقريبا.

إن الدولة الحديثة لم تنشأ فقط لتنظيم السلطة، بل أيضا لمنع الأفراد من أن يكونوا خصوما وحكاما في الوقت نفسه، لكن الفقه المقنن بقى يعطي الحق للأب -في هذا المثال المذكور - أن يكون هو الخصم والحكم عندما جعلت سنا معينا محددا للطفل للانتقال من حضانة الأم المنفصلة عن الأب، إلى الأب، دون البحث الكافي في كل حالة حول مصلحة المحضون. فالقضاء هنا تحول الى أداة تنفيذية فقط ما رسمه الفقه الفردي الخاص بإبراء الذمة الأخروي

في الفقه الإسلامي؛ الإنسان قد يكون معذورا أمام الله تعالى إذا اتبع فتوى خاطئة عن حسن نية، لكن ذلك لايلغي الضرر الذي يقع على الناس في الحياة الدنيا. فالظلم باقٍ حتى لوامتلك الظالم فتوى تبرر فعله. لذلك الضمير الأخلاقي النابع من القلب هو الأساس، وهذا مايذكره الحديث المنسوب للنبي ص: (استفت قلبك وأن افتاك الناس وأفتوك). فالقلب يعرف العدالة، استفت قلبك وهو ليس بديلا عن الفقه بل رقيب عليه من الداخل يمنع الناس من تحويل الأحكام الشرعية الى أدوات سلطة والتهرب من المسؤولية، وطلم الناس باسم الشريعة، ومن بعد ذلك تأتي الدولة بقوانينها الرادعة والملزمة إذا تاه الفرد عن بوصلة أخلاقه، وكان الفقه يخاطب الفرد فقط. بفقه ظاهري ينفع يوم الحساب في إبراء الذمة ولايفيد الحياة الدنيا بالضرورة.

***

ا. د. بتول فاروق

النجف ٢٥/ ٦/ ٢٠٢٦

مقاربة تفكيكية للخطاب الأسطوري والخطاب الاستعماري المعاصر

البنية المعرفية للأسطورة وتوظيفها السلطوي

يرتكز الفهم الفلسفي المعاصر للخطاب الأسطوري على كونه ليس مجرد حكايات خرافية غابرة تنتمي إلى طفولة البشرية الأولى، بل هو بنية معرفية ممتدة وعابرة للتاريخ تُستخدم بوعي لإنتاج المعنى وتثبيت دعائم السلطة عبر أطر لغوية مدروسة بعناية. في هذا السياق، ينطلق المشروع النقدي للمفكر رولان بارت من فكرة ثورية تؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة محايدة للتواصل البشري، بل هي نظام فكري عقائدي متكامل يتجلى بوضوح في أطروحاته التأسيسية حول صياغة الكتابة والأنظمة العلاماتية المعاصرة.

تتبدى الأسطورة في هذا الطرح بوصفها نظاماً علاماتياً يعمد بالدرجة الأولى إلى تفريغ الواقع التاريخي من محتواه الحركي السائل، وتحويله إلى "طبيعة بديهية" أزلية ساكنة لا تقبل النقاش أو المساءلة. إن الأسطورة تأخذ الوقائع التاريخية والتحولات السياسية وتحيلها إلى ما يشبه القوانين الطبيعية الفيزيائية؛ فهي تجعل الهيمنة الطبقية أو التوسعية تبدو كأنها أمر حتمي وطبيعي تماماً كما تشرق الشمس وتغرب، مما يحرم المتلقي القدرة على رصد الصيرورة التاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذا الواقع وأسست لتلك الامتيازات.

المأزق الاصطلاحي والصراع الدلالي في الفضاء العربي

يتأصل هذا التزييف اللغوي الممنهج في صميم الصراع الدلالي حول تسمية المفاهيم وتحديد غاياتها؛ إذ يكشف تفكيك مصطلح "ما بعد الاستعمار" عن قطيعة معرفية متوهمة تصوّر وجود حد فاصل بين مرحلة ما قبل الاحتلال وما بعدها، متغافلة عن امتداد آليات الهيمنة بوسائل ناعمة. وفي الفضاء التداولي العربي، يثور جدل لغوي وعميق حول ترجمة اللفظ الأجنبي للاستعمار؛ إذ تحمل اللفظة العربية في جذرها دلالة إيجابية مستمدة من التعمير والبناء والاستخلاف، بينما ينطوي الواقع الفعلي والممارس على الأرض على الإذلال والنهب المنظم واقتلاع الهويات. هذا التناقض الصارخ دفع كوكبة من المفكرين التفكيكيين إلى اقتراح بدائل مفاهيمية تكشف عن جوهر الفعل مثل "الاستخراب" أو "الاستكبار" للتعبير الدقيق عن حقيقة التدمير البنيوي.

يتوازى هذا التزييف مع مصطلح "التغريب" الذي يحمل في جذوره اللغوية الأصلية معاني التنحية، والإقصاء، والنفي عن الوطن والبيئة، لكنه شهد تطوراً بنيوياً هائلاً في العصر الحديث ليعبر عن استلاب الهوية وإقصاء الذات الحضارية والثقافية لصالح قيم المركز المهيمن وفرض نمطه المعرفي كنموذج وحيد للتقدم الإنساني.

العقل الأداتي: من ملحمة أوديسيوس إلى الهيمنة المعاصرة

إن الارتداد التنويري نحو الأسطورة يمثل في جوهره إعادة إنتاج مستمرة لعلاقة الصراع العنيف والهيمنة على الطبيعة والإنسان على حد سواء. هذا التحول العميق يفسره الفيلسوفان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر عبر قراءة فلسفية تفكيكية لأسطورة أوديسيوس في الملحمة اليونانية القديمة؛ حيث يقيد أوديسيوس نفسه بإحكام إلى صاري السفينة ليسمع غناء الحوريات الساحر دون أن يندفع نحوهن ويهلك، مستعبداً في الوقت ذاته بحارته عبر سد آذانهم بالشمع ليتفرغوا للتجديف دون وعي بما يدور حولهم. تعبر هذه الصورة الأسطورية الرمزية بدقة عن نشأة "العقل الأداتي" بوصفه أداة للسيطرة الذاتية الصارمة وقمع الغرائز بهدف إحكام الهيمنة على الطبيعة والسيطرة على الآخر وإخضاعه.

يجدر بنا هنا التمييز بين مفهومين محوريين:

مفهوم "المحاكاة" التي تحفظ التوازن والانسجام الفطري بين الذات والموضوع، ومفهوم "الإسقاط" الذي يمثل حالة من العوارض الارتيابية التسلطية التي تحول البيئة المحيطة وكل ما هو خارجي إلى مجرد امتداد تابع للذات المستبدة، مما يلغي خصوصية الآخر ويسلبه وجوده المستقل.

هندسة التضليل والتعمية: البلاغة كبديل للقوة المادية

ينشأ التوازي الجوهري والعميق بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب التوسعي الهيمني المعاصر من هذه النقطة بالذات؛ حيث يتحول الخطاب السياسي إلى عقيدة تبريرية مطلقة للسلطة عندما تفصل الجماعة التاريخية فصلاً حاداً بين الحاكم والمحكوم. وكما يوضح ماكس فيبر عبر التحليلات الهرمنيوطيقية للفيلسوف بول ريكور، فإن هذه المرحلة من الانفصال تتطلب بالضرورة صياغة خطاب بلاغي إقناعي مكثف وشديد التأثير ليكون بديلاً مستداماً عن الاستخدام العاري والمستمر للقوة المادية والبطش العسكري.

تاريخياً، وظف الخطاب الأسطوري الرموز الميتافيزيقية السامية والتعبيرات الفقهية الموجهة لشرعنة الاستبداد وإضفاء هالة من القداسة على الحاكم الفرد. وفي العصر الراهن، يعيد الخطاب الهيمني المعاصر علمنة هذه الأسطورة وصياغتها في قوالب حداثية؛ إذ حل مفهوم "النظام العالمي الجديد" أو "قيم المركزية الغربية" محل المشيئة الإلهية المطلقة، لتبرير غزو الشعوب وتدمير بنيتها الاجتماعية ونهب مقدراتها الاقتصادية باسم نشر قيم الديمقراطية، والعولمة، وحماية حقوق الإنسان.

إن فعل الخداع في كلا الخطابين يقوم على بنية منطقية مغالطة وممنهجة بعناية فائقة لتوجيه الوعي الجمعي وإفراغ التفكير النقدي من مضمونه التساؤلي؛ إذ لا يُعنى هذا الجدل السياسي بإثبات الحقائق الموضوعية، بل بحسم الصراع لصالحه من خلال إثارة العواطف ومخاطبة مخاوف الذات المقهورة وتوجيه قلقها.

العقيدة، السرد، وصناعة الجهل البنيوي

لا تكتمل دائرة الخداع والتعمية بالاعتماد على المغالطات المنطقية الفردية أو العابرة، بل تتطلب بالضرورة بناء نسق سردي متكامل وممتد يتداخل فيه النص بالتوجه الفكري لإنتاج الجهل وإعادة توليده دورياً. يفكك النقد البنيوي الآلية السردية للخطابات المهيمنة مبنياً الدور المحوري لـ "ضمير الغائب" في الرواية وكتابة التاريخ؛ إذ يرى بارت أن استخدام ضمير الغائب يمنح السرد موضوعية مصطنعة ومحايدة توفر للقارئ طمأنينة التخييل القابل للتصديق على الرغم من زيفه البنيوي الكامن. ينتصر ضمير الغائب على ضمير المتكلم في أدبيات الطبقات المهيمنة لأنه يعرض الجوهر والمواقف كمعطيات نهائية وأزلية معزولة تماماً عن الذات الكاتبة وصراعاتها المصلحية الواقعية، مما يمنح الأسطورة حصانة شكلية تبعدها عن مشرط التشكيك والنقد.

في المقابل، يسعى الخطاب السياسي الاستبدادي في المنطقة إلى فرض صوته الأوحد من خلال لغة غامضة وتعاليم حاسمة تؤكد باستمرار على علاقات الفوقية والتبعية؛ حيث يتحول الخطاب من كونه حواراً مجتمعياً متبادلاً إلى إملاء عمودي يفرض السمع والطاعة المطلقة، معززاً أطروحات "مكرمات الراعي على الرعية" كبديل مشوه عن الحقوق الدستورية والمدنية الأصيلة للأفراد.

آليات الدفاع النفسي والدورات المفرغة لإعادة إنتاج الخضوع

يستمر نظام الخداع النفسي الإدماني بالعمل بكفاءة عبر آليات سلوكية دفاعية تلجأ إليها الشعوب الواقعة تحت القهر للتخفيف من وطأة عجزها التاريخي الممتد، وهي دفاعات تنقلب في نهاية المطاف لتسهم في إغلاق الدائرة المفرغة وإعادة إنتاج شروط التخلف والخضوع التام. وتتخذ هذه الآليات الدفاعية النفسية والاجتماعية صوراً بنيوية محددة يمكن تفصيلها في المحاور التالية:

الانكفاء على الماضي والجمود:

عندما يستعصي الواقع الراهن والمعقد على التغيير، وتنسد آفاق الفعل الحضاري والإنتاجي أمام الإنسان المقهور، فإنه ينكفئ تلقائياً على ذاته مستمسكاً بالتقليد الحرفي والعودة المتخيلة إلى الماضي المجيد كدرع واقٍ ضد قلق التلاشي والضياع الهوياتي. يغدو هذا الماضي ملاذاً وهمياً يُعوض فيه الفرد في مخيلته عن مهانته الحاضرة وتبعيته الحالية. ورغم أن هذا التمسك يكتسب في بدايته دلالة حمائية للدفاع عن الذات، إلا أنه يتحول بفعل المبالغة والتقديس إلى جمود معرفي صارم يرفض النقد الذاتي، مما يبقي المجتمع عاجزاً عن امتلاك أدوات العصر المعرفية والتقنية، وبالتالي تكرس السلفية الفكرية التبعية المطلقة للمركز الاستعماري المتفوق أداتياً وعلمياً.

الذوبان في العلاقات الدمجية والتعصب الأعمى:

يفر الإنسان المقهور من مسؤولية وعيه الحاد بفقدان كرامته الفردية وحريته الشخصية عبر الذوبان الكامل وغير المشروط في الجماعة والعلاقات الدمجية الأولية كالعشيرة، أو القبيلة، أو الطائفة المذهبية. تسهم هذه الكيانات الفرعية في تفتيت الهوية الوطنية الجامعة وتآكل المفهوم الحديث للدولة؛ حيث تكتسب العصبية الضيقة دلالة المثل الأعلى والخير المطلق في نظر أعضائها، بينما يُسقط على كل ما هو خارجها دلالات شريرة ومشاعر العداء المستحكم والخشية الدائمة. يتحول الخارج هنا إلى "أسطورة الشر والسوء المطلق" التي تجب محاربتها لحماية النقاء المتوهم للداخل، مما يؤدي إلى هدر طاقات الداخل والخارج معاً في صراعات عبثية، ويسهل على القوى التوسعية اختراق هذه الكيانات المفتتة وإدارتها والتحكم في مصيرها بيسر تام.

الهروب السحري والارتباط بخرافة الخلاص الميتافيزيقي:

أمام العجز المادي والعملي عن مواجهة أدوات القهر المنظم، يتخلى العقل المقهور عن سببيته المنطقية الصارمة وينزلق نحو التفكير الانفعالي الغيبي والسحري. يتجلى ذلك بوضوح في اللجوء العارم لـ "أسطورة قضاء الحاجات" والتعلق المفرط بالتمائم، والخوارق لكف الحسد، أو جمع الحبيبين، أو تحقيق النصر المؤزر على الخصوم دون أي مجهود مادي أو علمي مبذول على أرض الواقع. يتولى هؤلاء الأولياء أو المخلصون الغيبيون في المخيلة الشعبية حل المشكلات العميقة التي تعجز الجماهير عن تحقيقها بجهدها الفعلي، أو ما قصر الطاغية المستبد في تلبيته من احتياجات أساسية. تلبي هذه الأوهام حاجة نفسية طارئة لتخفيف القلق الوجودي، لكنها تفصل الجماهير تماماً عن الفعل السياسي والتاريخي الحقيقي، وتجعلها مستسلمة لقدرها وقابلة لمزيد من التلاعب المنظم من قبل أجهزة السلطة وهيمنة الآخر.

مقاربة تفكيكية لتجاوز بنية الاستلاب والاعتراف

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن التوازي المطرد بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب الاستعماري المعاصر ليس توافقاً عارضاً أو وليد الصدفة، بل هو ترابط بنيوي وثيق وممتد في أدوات الهيمنة المعرفية والنفسية والاجتماعية. فالخداع المشترك ينجح باستمرار من خلال استغلال الهشاشة السيكولوجية للمتلقي وتحويل استلابه الحضاري إلى حالة إدمانية حادة يدافع الضحية عنها بنفسه ويبرر وجودها.

إن تأسيس "مقاومة معرفية" حقيقية لمواجهة صناعة الجهل يتطلب التحرر الفعلي والعملي من أجهزة صناعة الجهل البنيوي الكولونيالية والمحلية على حد سواء، وذلك من خلال الانتقال الحاسم من مناهج التلقين واستبطان التقاليد والمقولات الجاهزة التي لا تحتمل النقاش، إلى ترسيخ مناهج التفكير النقدي، والتحليلي، والاستقصائي التفكيكي التي تكشف الافتراضات المضمرة والخفية للخطابات المهيمنة وتكسب الأجيال الجديدة مناعة فكرية صلبة ضد مغالطات التضليل وآليات التعمية البلاغية.

تقتضي هذه المهمة المصيرية كشف زيف الخطاب الحداثي الشكلي والتمويلي، ومواجهة خطابات الاستبداد التقليدية في آن واحد. يبدأ هذا التحرر المعرفي بإعادة تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية العارية، وتعرية الطمأنينة المزيفة التي يضفيها ضمير الغائب السردي، لتعود الذات المقهورة ناطقة بضمير المتكلم الفاعل، المسؤول تاريخياً وحضارياً عن صياغة مصيرها واستعادة حريتها المسلوبة.

***

غالب المسعودي

في البداية، هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ وما وجه الاختلاف إذا افترضنا وجود اختلافات فعلية بينهما؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى إشكاليًا، لأن المثقف العراقي هو في نهاية المطاف جزء من الفضاء الثقافي العربي، ويتشارك معه اللغة والمرجعيات الكبرى والأسئلة الحضارية ذاتها. ومع ذلك، فإن خصوصية التجربة العراقية خلال العقود الخمسة الأخيرة تجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت هذه التجربة قد أنتجت نموذجًا مختلفًا للمثقف العراقي، أو على الأقل فرضت عليه شروطًا تاريخية ومعرفية تختلف عن تلك التي عاشها نظيره العربي في بلدان أخرى.

برأيي المتواضع، ما تزال المرجعيات الفكرية للمثقف العراقي محكومة إلى حدٍّ بعيد بإرث الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ولا أقصد بذلك التقليل من قيمة تلك المرحلة أو منجزاتها الفكرية والأدبية، بل الإشارة إلى أن الكثير من التصورات والأسئلة والأسماء التي شكلت الوعي الثقافي العراقي آنذاك ما تزال تحتل موقع المركز في المخيال الثقافي العراقي حتى اليوم.؟ لا ننسى أن هناك تحشيد حزبي ثقافي يساري يميني (قومي) تشكل منذ الخمسينات من القرن الماضي في العراق وكان من أشهر ضحاياه الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب. كذلك، ربما يعود ذلك التباين العربي العراقي في المنجز الثقافي إلى وجود فجوة تاريخية امتدت لما يقارب عقدين من الزمن، بدأت بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وتواصلت مع سنوات الحصار الاقتصادي والثقافي التي لم تؤدِّ فقط إلى إنهاك المجتمع والدولة، بل أسهمت أيضًا في قطع الكثير من قنوات التواصل المعرفي والثقافي مع العالم العربي والعالم الأوسع. وخلال تلك الفترة، شهدت الساحات الثقافية العربية تحولات فكرية ومنهجية وجمالية متسارعة، بينما كان المثقف العراقي منشغلًا بمواجهة تداعيات الحرب والعزلة والانهيار الاقتصادي، الأمر الذي خلق نوعًا من الانقطاع الزمني بينه وبين محيطه الثقافي.

فهل تغيّرت هذه المعادلة بعد عام 2003، ومع الانفتاح الكبير الذي شهده العراق على وسائل الاتصال الحديثة وشبكات المعرفة العالمية؟ في الداخل العراقي، لا أعتقد أن التغيير كان بالحجم الذي يُفترض أن يحدث. فما تزال أشباح المثقفين الرواد وأسماؤهم تهيمن على المشهد الثقافي العراقي ، ليس فقط بوصفهم جزءًا من الذاكرة الثقافية الوطنية، بل بوصفهم مرجعيات حاضرة بقوة المقارنات الساذجة والغير موضوعية في عملية إنتاج المعنى والحكم على التجارب الجديدة. وكأن الثقافة العراقية ما تزال تنظر إلى نفسها من خلال مرآة الماضي، أكثر مما تنظر إلى إمكاناتها الراهنة ومستقبلها الممكن.

ولا يعني ذلك غياب المواهب الشابة أو انعدام التجارب الجديدة، فثمة أسماء وتجارب واعدة في الشعر والسرد والنقد والفنون المختلفة، إلا أن هذه التجارب لم تستطع بعد أن تشكل تيارًا ثقافيًا مؤثرًا وعابرًا للتحقيب التاريخي، قادرًا على فرض أسئلته الخاصة وإنتاج مرجعياته المستقلة. وما يزال الكثير من النتاج الثقافي الجديد يتحرك داخل الأطر التي رسمتها الأجيال السابقة، أو يسعى إلى اكتساب شرعيته من خلالها. أما في فضاء الشتات العراقي، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا. فقد انقسم عدد غير قليل من الكتّاب والمثقفين العراقيين المقيمين في الخارج بين اتجاهين متناقضين إلى حدٍّ ما. الأول اتجاه ماضوي يواصل اجترار الأسئلة القديمة وإعادة إنتاج الخطابات ذاتها، وكأن الزمن الثقافي العراقي توقف عند لحظة معينة لا يجوز تجاوزها. أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه نهضوي أو كوزموبوليتاني يسعى إلى الاندماج الكامل في السياقات الفكرية العالمية، ويقفز أحيانًا فوق الفوارق التاريخية والثقافية والمعرفية التي تفصل بين بيئة المهجر والبيئة العراقية. وفي كثير من الأحيان، لا يأخذ هذا الاتجاه الأخير بالاعتبار اختلاف شروط التلقي والإنتاج الثقافي بين العالم الذي يعيش فيه ويكتب ضمن مؤسساته الفكرية والثقافية، وبين العراق الذي يمتلك إيقاعًا مختلفًا في تطوره الاجتماعي والمعرفي. ولذلك تبدو بعض الخطابات الثقافية القادمة من الخارج متقدمة جدًا على واقعها العراقي، أو منفصلة عنه جزئيًا، ليس بسبب ضعفها الفكري، بل بسبب اختلاف التوقيت المعرفي بين البيئتين.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بتفوق المثقف العراقي أو تأخره مقارنة بالمثقف العربي، بقدر ما تتعلق بالظروف التاريخية الاستثنائية التي مرت بها الثقافة العراقية، والتي جعلت علاقتها بالزمن الثقافي العربي والعالمي علاقة معقدة ومتذبذبة وربما مضادة للتحديث.

المثقف أو منتج الثقافة العراقي ما يزال يحمل إرثًا ثقيلًا من الانقطاعات والحروب والهجرات والتحولات السياسية الحادة، وهي عوامل تركت آثارها العميقة على طبيعة إنتاجه الثقافي وعلى مرجعياته الفكرية. ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ بل: هل استطاعت الثقافة العراقية أن تتجاوز آثار القطيعة التاريخية التي عاشتها خلال العقود الماضية؟ هل تمكنت من إنتاج جيل ثقافي جديد قادر على بناء توازن خلاق بين الوفاء لتراثها الفكري الغني، والانفتاح على الأسئلة المعاصرة والتحولات العالمية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ما تزال مفتوحة، وربما تحتاج إلى مزيد من الزمن والدراسات قبل أن تتضح ملامحها بصورة نهائية.

***

ياسين غالب

إذا كان العمر هو المجال الذي تجري فيه التجربة الإنسانية، وكانت الآلام والابتلاءات من الحقائق الملازمة لهذه التجربة كما بينت المقالة السابقة "الوجود الإنساني بين حكمة الألم وأفق الأمل"، فإن الصبر يمثل الاستجابة الوجودية والروحية التي تحدد الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع تلك الحقائق. ومن هنا كان الصبر أحد أكثر المفاهيم عمقا في الفكر الديني والفلسفي والروحي؛ لأنه لا يتعلق بما يقع للإنسان بقدر ما يتعلق بما يصير إليه الإنسان من خلال ما يقع له. فالألم واقعة قد تفرض على الإنسان، أما الصبر فهو موقف وجودي وروحي يتخذه الإنسان إزاء ما يواجهه من أحداث وتقلبات.

ولعل من أسباب شيوع مفهوم الصبر أن كثيرا من الناس يتصورونه مفهوما بسيطا واضح الدلالة، بينما يكشف التأمل العميق أنه من أكثر المفاهيم تركيبا واتساعا. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم، ولا مجرد تماسك نفسي في مواجهة الشدائد، بل هو رؤية مخصوصة للوجود، وطريقة في فهم العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين الإرادة الإنسانية ومجريات القدر، وبين المحدود البشري والحكمة الإلهية التي تحكم حركة العالم. وليس الصبر مجرد فضيلة أخلاقية يكتسبها الإنسان بجهده الخاص، بل هو كذلك منحة ربانية ونعمة إلهية امتن الله بها على عباده، ولذلك تكرر الأمر به في القرآن الكريم، ووعد الصابرين بأعظم الجزاء. ولعل سر هذه العناية الإلهية أن الصبر هو سفينة الإنسان في بحر الوجود المتلاطم؛ إذ لا يكاد يخلو عمر من بلاء أو تكليف أو صراع مع النفس، فجعل الله له من الصبر ما يعينه على عبور تلك الأمواج دون أن يفقد وجهته أو يغرق في اليأس والاضطراب.

إن الإنسان بطبيعته كائن يتطلع إلى الثمرة قبل أوانها، ويرغب في اختصار المسافات، ويتمنى أن تخضع الحياة لرغباته وتوقعاته. غير أن قوانين الوجود لا تسير دائما وفق ما يشتهي الإنسان؛ فهناك ما يتأخر رغم السعي إليه، وهناك ما يفقده الإنسان رغم تعلقه به، وهناك من الآلام ما يداهمه دون اختيار منه. وهنا يظهر الصبر بوصفه قدرة على التعايش الواعي مع تعقيد الحياة دون أن يفقد الإنسان اتزانه أو إيمانه أو ثقته بالمعنى.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الصبر باعتباره أحد أهم شروط النضج الإنساني. فالطفولة النفسية تتجلى في الرغبة الدائمة في الإشباع الفوري، أما الرشد الوجودي فيبدأ حين يتعلم الإنسان كيف يؤجل رغباته، وكيف يحتمل الغموض، وكيف يواصل السير في الطريق دون يقين كامل بمآلاته. ولهذا فإن الصبر ليس مجرد فضيلة أخلاقية بين الفضائل، بل هو البنية الداخلية التي تستند إليها فضائل كثيرة؛ إذ لا علم بلا صبر، ولا إصلاح بلا صبر، ولا حب صادق بلا صبر، ولا مشروع حضاري أو روحي يمكن أن يكتمل دون صبر طويل.

وإذا تأملنا مفهوم الصبر وجدناه يتخذ صورا متعددة تعكس تنوع التجربة الإنسانية نفسها. فهناك الصبر على الابتلاءات والمصائب وما يصحبها من آلام وخسارات، وهناك الصبر على الطاعة والالتزام بما يقتضيه الواجب الأخلاقي والديني رغم ما فيه من مشقة، وهناك الصبر عن الشهوات والأهواء حين تدعو النفس إلى ما يفسد توازنها أو يبدد طاقتها الروحية. ولهذا لم ينظر الحكماء إلى الصبر بوصفه حالة عارضة، بل باعتباره مشروعا متكاملا لتربية الإرادة الإنسانية وتحريرها من الاستبداد الخفي للرغبات والانفعالات.

والصبر - من الناحية الفلسفية – يرتبط ارتباطا وثيقا بمشكلة الزمن. فالإنسان الذي يأسره منطق العجلة يريد أن يرى نتائج أفعاله فورا، وأن يزول ألمه في اللحظة نفسها التي يشعر بها، وأن تنكشف له الحكمة كاملة قبل اكتمال التجربة. أما الصبر فيعلم الإنسان أن للوجود إيقاعا خاصا لا يخضع دائما لعجلة البشر، وأن كثيرا من الحقائق لا تنضج إلا بمرور الزمن، وأن بعض الحكم لا تدرك إلا بعد اجتياز المحنة نفسها. ولهذا كان الصبر نوعا من المصالحة الواعية مع الزمن، وثقة بأن المعنى لا يتكشف دفعة واحدة، بل يتدرج في الظهور كما تتدرج الثمرة في النضج.

ولعل الحكمة الإلهية الكامنة في الصبر تتجلى في كونه الوسيلة التي ينتقل بها الإنسان من أسر الانفعال إلى رحابة البصيرة. فالنفوس في بداياتها تحاكم الأحداث من خلال ما تجلبه لها من لذة أو ألم، ربح أو خسارة، قرب أو بعد. أما الصبر فيدفع الإنسان إلى تجاوز هذه القراءة الجزئية نحو رؤية أعمق للوقائع، رؤية لا تتوقف عند ظاهر الحدث بل تحاول النفاذ إلى ما وراءه من دلالات ومعان. فالوقائع في ذاتها قد تكون متشابهة، لكن المعنى الذي يكتشفه الإنسان فيها هو الذي يحدد قيمتها في بناء شخصيته وتوجيه مسار حياته.

ومن هنا ارتبط الصبر في الرؤية الإيمانية بمفهوم الابتلاء. فالابتلاء ليس مقصودا لذاته، ولا الألم مطلوبا في ذاته، وإنما المقصود ما يمكن أن ينشأ عنهما من تهذيب للنفس، وتحرير للإرادة، وتوسيع لأفق الرؤية. ولعل من أعمق الحكم الكامنة في الابتلاء أنه يكشف للإنسان عن حقيقة نفسه أكثر مما تكشفها أوقات الرخاء؛ فالشدائد لا تخلق جوهر الإنسان بقدر ما تكشفه. وما يظهر في لحظات المحنة من ثبات أو ضعف أو سعة أفق أو ضيق رؤية إنما هو تعبير عن مكنونات كانت كامنة في النفس تنتظر ظرفا يزيح عنها الحجاب. فالذهب لا تظهر نقاوته إلا بعد تعرضه للنار، وكذلك النفس الإنسانية كثيرا ما تكتشف أعماقها وقدراتها الكامنة في أوقات الشدة أكثر مما تكتشفها في أوقات الرخاء.

وفي التجربة الصوفية يكتسب الصبر بعدا أكثر عمقا واتساعا. فالصبر عند أهل السلوك ليس مجرد احتمال للمحنة، بل مقام من مقامات الترقي الروحي. ولهذا تعددت تعريفات الصوفية له تبعا لاختلاف زوايا النظر إليه؛ فبعضهم رآه حبسا للنفس عن الجزع، وبعضهم نظر إليه بوصفه مجاهدة مستمرة للأهواء، وبعضهم جعله احتمالا للمكروه مع دوام التعلق بالحكمة الإلهية. غير أن هذه التعريفات جميعا تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن الصبر مدرسة لتزكية الإرادة وتحرير القلب من الاستسلام للانفعالات العابرة.

إنه انتقال من الانشغال بالفعل الإلهي إلى التأمل في الحكمة الإلهية، ومن النظر إلى البلاء بوصفه حدثا مؤلما إلى النظر إليه بوصفه فرصة للتزكية والمراجعة والتقرب. ولهذا كان الصبر عندهم مرتبطا بالمجاهدة؛ لأن النفس بطبعها تنفر من المشقة، وتتطلع إلى العاجل، وتضيق بالغموض، بينما يعلمها الصبر كيف تتحرر من أسر هذه النزعات لتبلغ درجة أعلى من الصفاء والسكينة. بل إنه يمثل في كثير من تجليات التجربة الصوفية حركة دائمة من التخلية والتحلية؛ تخلية النفس من السخط والجزع والاعتراض، وتحليتها بالثقة والسكينة وحسن الظن بالله.

غير أن الصبر في هذا المقام لا يعني إلغاء المشاعر الإنسانية أو إنكار الألم. فالإنسان الصابر قد يحزن ويتوجع ويبكي، لكنه لا يسمح للألم أن يتحول إلى قنوط، ولا للحزن أن يتحول إلى اعتراض على معنى الوجود. إنه يدرك أن المشاعر جزء من إنسانيته، لكنه يدرك أيضا أن الاستسلام لها ليس قدره المحتوم. ومن هنا كان الصبر نوعا من الحرية الداخلية التي تمكن الإنسان من الاحتفاظ بتوازنه الروحي مهما اضطرب العالم من حوله.

إن أعظم ما يمنحه الصبر للإنسان أنه يعيد ترتيب علاقته بذاته وبالعالم. فهو يحرره من وهم السيطرة المطلقة على مجريات الحياة، ويعلمه أن الكمال ليس في امتلاك كل شيء، بل في حسن التعامل مع ما يأتي وما يذهب. كما يوقظه إلى حقيقة أن كثيرا من معارك الإنسان ليست مع الخارج بقدر ما هي مع ذاته القلقة، ورغباته المستعجلة، ومخاوفه المتضخمة.

ومن هنا تتجلى فلسفة الارتقاء التي يشير إليها عنوان هذه المقالة. فالارتقاء الإنساني ليس صعودا في المكانة أو زيادة في المكاسب المادية فحسب، بل هو قبل ذلك ارتقاء في الوعي، واتساع في البصيرة، ونضج في العلاقة مع الذات والوجود. والصبر هو أحد أهم الجسور التي تعبر عليها النفس نحو هذا الارتقاء؛ لأنه يعلمها كيف تحول المحنة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والانتظار إلى مدرسة للحكمة.

ومع ذلك يبقى الصبر مرحلة من مراحل الارتقاء الروحي لا غايته النهائية؛ إذ إن الصابر ما زال يعيش حالة المجاهدة والمقاومة في مواجهة أعباء الحياة وتقلباتها. ومن رحم الصبر يولد مقام أعمق وأوسع، هو مقام التوكل؛ ذلك أن الإنسان كلما تمرس بالصبر أدرك حدود قدرته البشرية، وأيقن أن الأخذ بالأسباب - على ضرورته - لا يكفي وحده لضمان النتائج. وهنا ينتقل من مجرد احتمال الشدائد إلى الثقة بالله في خضمها، ومن الانشغال المفرط بالمآلات إلى السكينة الناشئة عن الاعتماد عليه مع استمرار السعي والعمل. ومن ثم كان الصبر تربية للإرادة في مواجهة الابتلاء، بينما كان التوكل تربية للقلب على الثقة بمن بيده تدبير الأمور كلها.

خلاصة القول: الصبر ليس مجرد خلق من الأخلاق، بل هو رؤية وجودية ومقام روحي وفعل معرفي في آن واحد. إنه القدرة على السكنى في زمن الابتلاء دون انهيار، وعلى مواصلة السير في الطريق دون استعجال، وعلى الثقة بالحكمة الإلهية دون تعطيل للإرادة الإنسانية. وإذا كان العمر هو ميدان التجربة، وكانت الآلام إحدى حقائقها الكبرى، فإن الصبر هو الفن الذي يحول تلك التجربة من مجرد تعاقب للأحداث إلى مسار للارتقاء الإنساني والروحي، ومن مجرد معاناة عابرة إلى حكمة باقية تنير الطريق للإنسان في رحلته نحو اكتماله الممكن.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

دراسة في أنثروبولوجية التصوف البصري أنموذجًا

أُثير هذا التساؤل عن إمكانية تقديم قراءة مختلفة للتصوف الإسلامي في العراق بشكل عام، والتصوف الإسلامي البصري بشكل خاص؛ بقصد توجيه بوصلة البحث الأكاديمي إلى تلك الفجوة بين واقع هذه الظاهرة العامة للتصوف، وبين الدراسات المقدَّمة متعدِّدة الأطر، والرامية لتقديم دراسة شاملة ومتكاملة وبحثية لكل دقائق الأمور عن هذا التوجه، سواء أكان توجهاً عقدياً، أم سياسياً، أم معرفياً، أم سلوكياً، أم أخلاقياً، أم اجتماعياً، أم مناطقياً محلياً.

والمهم من كل ذلك هو أن نبحث في خصائص هذه الظاهرة من الجوانب المذكورة كافة، لنقدم دراسة اجتماعية وأنثروبولوجية أوسع، لكون التصوف البصري يتميز بسمعة عالمية تضرب في عمق التاريخ والتراث، ولتأثيره الجلي على الحركات السياسية والعقائدية كافة عبر العصور المنصرمة؛ مما أثَّر في التصوف الإقليمي والمحلي امتداداً من البصرة وحتى شمال العراق. فالتراث الصوفي العراقي بشكل عام نابع من أصوله البصرية، ومتأثر بالتيارات الدينية الإقليمية والمحلية الناشئة عبر عصورها وظروفها المختلفة.

فالتراثية، والديمومة، والاستمرار، والنشاط، والتجديد؛ هي خصائص يقع على عاتق الدراسات الأنثروبولوجية تغطيتها من مساحة هذه الظاهرة في التاريخ، والجغرافيا، والدين، والثقافة، والاجتماع، والسياسة، وغيرها مما يمكن أن تكون حاضرة فيه وفاعلة وسط الثقافة البصرية وهويتها الحضارية الإسلامية.

ومن هنا، ندعو إلى محاولة تقديم قراءة أنثروبولوجية للتصوف البصري، انطلاقاً من خواصه الإنسانية التي يتميز بها الإنسان البصري، وطريقته في التصوف التي عُدَّت مثالاً لكل تجربة صوفية.

***

د. رائد عبيس

يظل الإنسان متطلِّباً الكمال، مع أنه بطبيعته البشرية يمارس الخطأ والصواب، حتى قيل إنه خطّاءٌ، يحصل هذا خارج التنظير الفلسفي أو الديني، أي في الحياة العامة، حتى فُلسف هذا الهاجس، فظهر مفهوم «الإنسان الكامل»، وعُبِّر عنه أنه الكون ذاته، والكمال من كمال الخالق، وبهذا ليس المصطلح مجرد تصوُّر أخلاقي للكمال البشري، بل مشروعٌ معرفيٌّ فلسفيٌّ. ظهر في الفلسفة اليونانية، في صورة الفيلسوف كما هو الحال في «جمهورية أفلاطون»، وظهر في المدينة الفاضلة للفارابي، ورسائل «إخوان الصفا»، وغيرها من الكتب التي تناولت نظام الحكم الأمثل، لم يكن هذا الفيلسوف معصوماً من الخطأ، لكنه بلغ من الحكمة ما يؤهِّله لقيادة الآخرين.

وترى كماله عند أرسطو طاليس ثمرةً للعقل والفضيلة، لا هبةً فوق بشرية. وهكذا بقي الإنسان الكامل في الفلسفة كائناً يجاهد لبلوغ الحكمة، مع بقاء احتمالات الخطأ قائمة. اتخذ مفهوم الإنسان الكامل عند المتصوفة، مرآةً للأسماء الإلهية، ومظهراً لأعلى درجات المعرفة الروحية.

هنا لم يَعُد الكمال مجرد تفوّق أخلاقي أو عقلي، بل أصبح مقاماً وجودياً يجمع بين العالم الإلهي والعالم الإنساني. ومع ذلك ظل هذا الكمال عند الصوفية مرتبطاً بالتجربة الروحية، لا بالتشريع أو السُّلطة الدينية. يبرز عند هذه النقطة مفهوم العصمة الدينية.

فالعصمة، في معناها العقائدي، تعني العصمة من الخطأ فيما يتعلق بالتبليغ الإلهي، أو الهداية الدينية، التي تختلف عن الكمال الفلسفي، لأن مصدرها ليس الاجتهاد الإنساني، بل العناية الإلهية. لذلك فإن الفيلسوف الكامل قد يُخطئ في استنتاجه، أما المعصوم، بحسب الاعتقاد الديني، فلا يُخطئ في أداء المهمة التي أوكلت إليه؛ فهو مطبوع على الكمال، وما يُسمى عند الشيعة الإمامية بالعصمة، وهي مقتصرة على الأئمة الاثني عشر، أي مركز الإمامة، يضاف إليهم السيدة فاطمة الزهراء، وفي المقدمة تأتي العصمة النبوية، وهنا يكون الحكم بيد المعصوم الكامل، بخلاف فكرة الحاكم الفيلسوف، الذي يكون كاملاً بما هو أقل من العصمة.

وبهذا يكون التاريخ الفكري قد شهد تداخلاً بين المفهومين، الكمال مع العصمة والكمال دون العصمة. فبعض الاتجاهات رفعت شخصيات دينية إلى مستوى يقترب من النموذج الفلسفي للكمال، كما الحال عند أقطاب الصوفية، بينما حاولت اتجاهات أخرى تفسير العصمة باعتبارها ذروةً أخلاقية يمكن الاقتداء بها، وليست العصمة المطلقة، كما هو الحال في المعصومية الشيعية المعروفة.

لا ندري إذا ترك الداعون إلى حكم الفيلسوف تقديس الفيلسوف الحاكم، وبالتالي عدم مراجعته، ففي العصمة الدينية، أو الكمال المُطلق المكتسب من الله، تُعدم المراجعة أو الاعتراض على أقواله أو أفعاله، وفي كل الأحوال، كلما اتسعت دائرة الكمال المنسوب إلى الفرد، تقلّصت مساحة النقد والاعتراض. لقد أدرك مفكرو الإسلام الأوائل خطورة الخلط بين المثال البشري والمُطلق الإلهي. فالبشر، مهما علت منزلتهم، يظلون جزءاً من التاريخ، بينما يبقى المطلق خارج التاريخ. لهذا نجد أن كثيراً من المناقشات دارت حول حدود القداسة الدينية وحدود العقل الإنساني.

إن الفرق الجوهري بين الإنسان الكامل الفلسفي والمعصوم الديني الأول، يستمد شرعيته ومكانته من المعرفة والفضيلة والتجربة الإنسانية، أما الثاني فيستمدها من النص والعقيدة الدينية، وبين هذين التصورين سعت المجتمعات إلى الموازنة بين الحاجة إلى المثال الأعلى، والحفاظ على الطبيعة الإنسانية التي لا تنفكُّ عن النقص والاجتهاد. تبدو من الناحية التاريخية أن فكرة (الإنسان الكامل) بدأت فلسفيةً، ثم دخلت في المجال الديني، واتخذت طابع التقديس، حيث الكمال المُطلق الإلهي، بينما فكرة الكمال الفلسفية ترتبط بالتربية البشرية، بإعداد الفيلسوف الحاكم لهذه المهمة.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

مفتتح: ثمة أسئلة تنتظر أجوبتها في الصالونات الأكاديمية، وثمة أسئلة تطرق الأبواب بعنف وتُطالب بالإجابة الآن، في هذه اللحظة التاريخية الحرجة بالذات، حيث سؤال التعارف الحضاري من النوع الثاني لا الأول، كونه ليس ترفاً فلسفياً يتسلى به المفكرون في ساعات الفراغ، بل هو سؤال من يريد أن يعرف أين يقف وسط هذا العالم، وماذا يُقدّم للتاريخ، واي مشروع   حضاري يريد من الٱخرين قراءته في مرحلة تتشكل فيها خارطة القوى الكونية من جديد.

المسلم المهتم بأمر أمته اليوم، يتساءل وهو يرى حضارته في حالة تقلّص ومراجعة وأحياناً انكسار: أيَّ تعارف نريد مع الحضارات الأخرى؟ والأدق: هل نحن أهلٌ للتعارف أصلاً؟ هل نملك نتحكم فيما نطمح ان نُعرِّفه؟

القرآن الكريم لم يترك الأمر غامضاً، في آية واحدة، في سورة الحجرات، رسم مشروعاً حضارياً كاملاً من أوله إلى آخره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، إنها آيةٌ تبدأ بالأصل الإنساني المشترك، وتمر بالتنوع الحضاري المنشود، وتنتهي بمعيار التقويم الأخلاقي، ثلاث مقتضيات لا يصح الاكتفاء بواحدة منها دون الباقيين، وإلا انهار الصرح كله.

فالجَعل: حين يكون التنوع برنامجاً لا حادثة، لعلنا نتساءل: ما الذي يجعل هذه الآية استثنائيةً في موضوع الحضارة؟ الجواب في فعل واحد: "جَعَلَ"، لأنه لو قال القرآن "خلقناكم شعوباً وقبائل" لكان الأمر إخباراً عن واقعة تكوينية، بينما قول الله تعالى "جَعَلْنَاكُمْ"، وهو فعل يحمل في العربية معنى التحويل القصدي نحو غاية مُضمَرة أو مُصرَّح بها، بالتالي الجعل يعني أن التنوع الحضاري ليس عرضاً تاريخياً، ولا نتيجة لتفرق جغرافي عشوائي، بل هو تصميم إلهي مُقصود لغاية يُعلنها القرآن مباشرةً: التعارف.

هنا يقع الكثير من المفكربن في خطأ منهجي فادح حين يُختزل التعارف في "التعايش السلمي" أو "حوار الأديان"، لكن التعارف أعمق من ذلك بكثير، فـ"تَعارَفُوا" في العربية فعلٌ مُشترَك تفاعلي متبادل، يعني أن يُعرِّف كل طرف الآخرَ على حقيقته الداخلية، على رسالته ونسيجه القيمي وتجربته في الحياة، لا على العرض البراني وواجهته الإعلامية، التعارف الحق هو التكاشف المعرفي المتبادل في الجوهر، لا التجاور البارد في المظهر.

والأشد دلالةً أن اللام في "لِتَعَارَفُوا" هي لام الغاية، وهي أقوى أدوات التعليل في العربية، أي أن الكون لم يتنوع حضارياً اعتباطاً، بل تنوّع لغاية التعارف، هذا يعني أن الأمة التي تنكفئ على نفسها وتُعرض عن التعارف الحضاري تخون غاية الوجود الكوني ذاته.

المقاربات الحضارية الثلاث

منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، هيمنت ثلاثة مقاربات كبرى على مشهد التفكير في العلاقة بين الحضارات، وقد آن الأوان لمحاكمتها محاكمة صارمة:

أولاً - مقاربة الصدام: أعلنها صمويل هنتنغتون سنة 1996م وهو يقول إن الحضارات ستصطدم لأنها تختلف في جوهرها، وأن خطوط الكسر الحضارية ستحل محل الأيديولوجيات الباردة، وقد كان هذا النموذج في حقيقته ليس توصيفاً علمياً بريئاً، بل أيديولوجيا مُلبَّسة بزي أكاديمي، تُشرعن الهيمنة الغربية وتُضفي على الخوف من الإسلام  والكونفوشية طابعاً حضارياً، ومع ذلك، والخطير في الأمر، أن بعض المسلمين تبنّوا هذا النموذج عن غير وعي، فجعلوا من "الصدام" مشروعاً حضارياً بديلاً، وهو إلباس الهزيمة ثوب المقاومة.

ثانياً - مقاربة الحوار: جاءت رداً على الصدام، وصارت شعاراً يرفعه الجميع من الأمم المتحدة إلى المنظمات الدينية إلى المنتديات الثقافية، بيد أن الحوار، بصيغته السائدة، ظل في أغلب أحواله مجالسةً فاخرة بلا رهان حقيقي؛ حوارات تُعقد في فنادق مُكيَّفة للتكاذب، وتنتهي إلى بيانات دبلوماسية تُعلن احترام التنوع وتُثبّت واقع الهيمنة، حيث الحوار الذي لا يستند إلى توازن في الفاعلية الحضارية هو مونولوج يُؤدّيه طرف واحد ويستمع إليه الآخر مُتذللا بائسا مغلوبا مستسلما..

ثالثاً - مقاربة التعارف: وهي الأطروحة البديلة التي انبثقت من رحم القرآن وأعلنها المفكر السعودي الدكتور زكي الميلاد عام 1997م في مقالة غيّرت مجرى الحوار الفكري، إذ رفض الأطروحة الهنتنغتونية ورفض معها الحوار الفارغ، ودعا إلى نموذج تتعرف فيه الحضارات على بعضها معرفةً عميقة دون أن تتوهم إمكانية الإلغاء أو الاختزال، هذه المقاربة تعتبر الأقرب إلى روح الجعل القرآني، شريطة أن نملأها بمحتوى حضاري حقيقي لا بمجرد كلام على الحضارة.

مرتكزات التعارف البناء

القرآن يُعلن الغاية، والعقل يُحدد المرتكزات والشروط، والتاريخ يُقدّم الشواهد. والتعارف الحضاري الأمثل يرتكز  على ثلاثة مرتكزات لا مهرب منها:

المرتكز الأول - أن تكون لك هوية قابلة للتعريف، لا يُتصوَّر تعارف بين طرف يحمل مشروعاً حضارياً وآخر يفتش عن هويته أو يستعيرها من الطرف الأول، هكذا التعارف يتأسس على "القابلية على التعارف"، أي امتلاك مشروع داخلي متماسك، نسيج قيمي حيّ، وإنتاج معرفي فاعل، لأن الأمة التي لا تُنتج معرفةً لا تملك ما تُعرِّفه للآخرين، وحضورها في الجلسة الحضارية الكونية لن يعدو كونه تابعاً مُؤدَّباً.

المرتكز الثاني — أن تعرف الآخر من الداخل لا من أعدائه، التعارف الذي يقوده القرآن هو معرفة استيعابية لا استئصالية، وقد كان النموذج النبوي في التعامل مع سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي درساً بليغاً: ثلاثة أشخاص من حضارات مختلفة، استُوعبت تجاربهم، ورُفعت قيمتهم الإنسانية، وحُوِّلت خبرتهم الحضارية الخاصة إلى رصيد في بناء الأمة الجديدة، لم يُطلب منهم أن يمحوا ماضيهم، بل أن يرفعوه نحو الأعلى.

المرتكز الثالث — أن يكون الميزان قيمياً لا مادياً. ختام الآية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ليس مجرد تذكير أخلاقي عابر، بل هو قلب المشروع الحضاري القرآني، حيث إنه يُسقط معيار القوة المادية  كمقياس وحيد للتفاضل الحضاري، ويُؤسّس معياراً بديلاً: الإسهام في إعلاء الكرامة الإنسانية وتحقيق العدل ورفع الظلم، وهذا يعني أن الأمة الإسلامية، حتى في ضعفها المادي الراهن، قادرة على خوض التعارف الحضاري بمصداقية إذا صدقت في حمل هذه القيم وتجسيدها أمام التاريخ.

الرهانات الثلاثة الفاشلة

يواجه المسلمون اليوم ثلاثة رهانات قد تبدو متناقضة لكنها تؤدي جميعها إلى الطريق المسدود ذاته:

رهان الانكفاء الذي يقول: احتفظ بهويتك بالانعزال عن العالم، وهو خطاب يبدو دفاعاً عن الأصالة لكنه في الحقيقة هروب من المسؤولية الحضارية، كون الهوية التي لا تُجرَّب في ملتقى الحضارات هوية قاتلة أو ميتة لا حيّة، وإسلام لا يُقدّم رسالته للعالم إسلامٌ يخون أحد غايات ومقاصد وجوده الكوني.

رهان الذوبان القائل: الحداثة الغربية هي الحضارة الإنسانية الكونية الوحيدة، فإما أن تنخرط فيها كاملاً أو تبقى على هامش التاريخ، وهو رهان يستبطن خنوع وخضوع وقبول بالهزيمة، حيث يعتمد منطق القوة ذاته الذي يدّعي نقده، لأن الانخراط الكامل دون رسالة مستقلة ليس تعارفاً بل استسلاماً بصورة  قد تبدو مشرَّفة.

رهان الصدام الذي يريك الحضارة الأخرى هي العدو الوجودي، فالمعركة لا مناص منها، وهذا أخطر الرهانات الثلاثة لأنه يُلبَّس لبوس الحمية الدينية، فيصادر الغاية القرآنية من الداخل وينتج هنتنغتوناً مسلماً يؤدي الدور ذاته من الطرف المقابل.

 البديل الثالث: التعارف البنّاء

"التعارف البنّاء" هو البديل الأمثل الذي يُقرّ بأن الحضارات متنوعة ومختلفة، لكنها ليست عدوّة بالضرورة؛ يُؤمن بأن للإسلام رسالة حضارية فريدة، لكنه لا يدّعي أنه يحمل الحقيقة الوحيدة في كل مسائل الحياة؛ يدعو إلى استيعاب المنجز الإنساني الكوني، لكن من موقع الفاعل المُبادِر لا المتلقّي المُستهلِك او التابع المقهور.

هذا البديل يتطلب جرأةً غير معتادة على مستويات ثلاثة:

فكرياً: الانخراط في إنتاج المعرفة الكونية، وصياغة المفاهيم الكبرى، والمشاركة في رسم السؤال الحضاري لا فقط في الإجابة عنه.

أخلاقياً: تجسيد مبدأ الكرامة الإنسانية الكونية والعدل والشهادة على الشعوب قبل الدعوة إليها، لأن الفعل أبلغ من الخطاب.

سياسياً: استعادة القابلية الداخلية على التعارف بتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية التي تُفرغ الهوية الحضارية من محتواها وتجعل "التعريف بها" مجرد إحراج.

 لِتَعارَفُوا... غاية الأمة الواحدة

اللام في ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ لم تُنزَع من الآية بمرور التاريخ، إنها تقف ثابتة في النص، تُطالب بالإيفاء بها في كل عصر وجيل، بينما المحزن أن أمةً أُنيطت بها هذه الرسالة الكونية الكبرى باتت في كثير من أحوالها موضوعاً للتعارف لا فاعلاً فيه؛ تُدرَس في الأطروحات الاستشراقية وتُحلَّل في مراكز الأبحاث الغربية بدلاً من أن تكون هي من يُقدّم نفسها بنفسها للتاريخ، إلا أن الأزمة ليست نهاية المطاف، فالقرآن حين قرر "الجعل" لم يجعله لأمة واحدة في لحظة واحدة، بل جعله مشروعاً إنسانياً مفتوحاً، وكل جيل يُدرك الغاية ويُصرّ على الإيفاء بها معيداً كتابة الحظ الحضاري لأمته من نقطة جديدة.

أيّ تعارف نريد؟ ذاك الذي ينهض فيه المسلمون شركاءَ صانعين لا متفرجين مستضعفين متألمين، لامفعول بهم ولافيهم بل فاعلين، ويُقدّمون للتاريخ رسالة قابلة للتعريف لأنها حية ومتجددة وحاملة لإجابة على السؤال الذي لا تزال الإنسانية تبحث عنه: كيف نعيش معاً دون أن يُلغي بعضنا بعضاً، وكيف نتنوع دون أن نتصارع؟

ذلك هو الجعل القرآني في كمال بيانه، وتلك هي الأمانة الثقيلة التي لن ينهض بها إلا من آمن أن الحضارة ليست ترفاً بل واجب، وأن التعارف ليس خياراً بل رسالة أمة شاهدة على الناس ورسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم شاهد عليها..

***

مراد غريبي

 

ثمة ظاهرة آخذة في الاتساع داخل بعض الكتابات الصحفية والثقافية، تتمثل في تحوّل الذات من مصدر من مصادر الرؤية إلى مركز الرؤية كلها. عند هذه النقطة يفقد الموضوع استقلاله تدريجياً، ويغدو مجرد مناسبة جديدة لظهور الكاتب. تتبدل العناوين أسبوعاً بعد آخر، وتتغير القضايا والأحداث والكتب والأشخاص، غير أن البطل الحقيقي يبقى واحداً في كل مرة.

يقرأ المرء مقالاً عن الأدب فيجد سيرة الكاتب تتقدم على الأدب. ويقرأ عن السياسة فتتزاحم الانطباعات الشخصية على حساب الوقائع. ويقرأ عن المجتمع والثقافة والفن، فيكتشف أن العالم الواسع بكل تشعباته قد جرى اختصاره في حدود تجربة فردية واحدة. الموضوع حاضر في ظاهر النص، أما في أعماقه فتدور الحكاية حول صاحب المقال نفسه.

الكتابة الجيدة تحمل دائماً أثراً من صاحبها، فالأفكار لا تولد في الفراغ، والتجارب الشخصية تمنح النص حرارة وصدقية. غير أن الأمر يختلف حين تتحول الذات إلى مرجعية مكتفية بنفسها، تستدعي العالم لكي يؤكدها، وتستحضر الوقائع لكي تعزز صورتها، وتنتقي من الأحداث ما ينسجم مع أحكامها المسبقة. عندئذ تتراجع الأسئلة، ويتقدم اليقين. تضيق مساحة الاكتشاف، وتتسع مساحة التأكيد.

يبدو أن النشر المنتظم وما يرافقه من شعور بالحضور والاعتراف يصنع أحياناً وهماً خفياً. يبدأ الكاتب بالنظر إلى صورته العامة أكثر مما ينظر إلى موضوعاته. ومع مرور الوقت تنشأ علاقة ملتبسة بينه وبين تلك الصورة. يكتب لكي يحافظ عليها، ثم يكتب لكي يكررها، ثم يكتب من داخلها. وهكذا تتحول المقالة من مغامرة معرفية إلى تمرين متواصل على إعادة إنتاج الذات.

من هنا يمكن فهم كثير من الخلاصات العجيبة التي تملأ بعض المقالات. تجربة محدودة ترتدي هيئة قاعدة عامة. حادثة عابرة تكتسب وزن ظاهرة اجتماعية. مجموعة صغيرة من الأشخاص تصبح نموذجاً للبشر جميعاً. انطباع شخصي يظهر في صورة حقيقة نهائية. وفي كل مرة تتسع المسافة بين الواقع كما هو والواقع كما يراه صاحب المقال.

المفارقة أن الكاتب الأكثر عمقاً يكون غالباً الأقل اطمئناناً إلى أحكامه. فكل معرفة حقيقية تفتح أبواباً جديدة من الشك والتساؤل. وكل احتكاك جاد بالعالم يكشف مقدار تعقيده واستعصائه على الاختزال. لذلك تحمل الكتابة الناضجة قدراً من التواضع المعرفي، وتفسح مكاناً للأصوات الأخرى وللاحتمالات المتعددة ولما لا يعرفه الكاتب بقدر ما تعرفه خبرته.

أما في مقالات كوكب الذات فالأمر يجري على نحو مختلف. العالم كله يتحول إلى مادة خام لتأكيد الأنا. الوقائع تؤخذ بقدر ما تخدم الفكرة المسبقة. الأشخاص يظهرون بقدر ما يعززون الرواية الشخصية. الأحداث تمر عبر مصفاة ضيقة قبل أن تصل إلى الصفحة. وفي نهاية المطاف يخرج القارئ بمعرفة إضافية عن الكاتب، بينما تبقى القضية التي جاء من أجلها في مكانها الأول.

لهذا تبدو بعض المقالات متنوعة في موضوعاتها، متشابهة في جوهرها. لكل مقال عنوان مختلف، ولكل مناسبة اسم جديد، غير أن النص العميق الكامن خلف هذه العناوين جميعاً يظل النص نفسه. الكاتب حاضر في المقدمة، حاضر في التفاصيل، حاضر في الاستنتاجات، حاضر في الخاتمة. حتى ليخيل للقارئ أن العالم بأسره لم يعد سوى هامش طويل يدور حول سيرة ذاتية لا تنتهي.

وحين تبلغ الكتابة هذه المرحلة، تفقد إحدى أهم فضائلها: القدرة على الخروج من حدود صاحبها. فالكتابة وُجدت لكي توسّع العالم أمام الإنسان، لا لكي تختصر العالم في إنسان واحد. وعندما تصبح الأنا مقياس الأشياء كلها، تتحول المقالة من نافذة على الحياة إلى غرفة مغلقة لا يرى القارئ فيها سوى صاحبها، جالساً في المركز، يروي الحكاية نفسها بعناوين مختلفة. 

***

بولص آدم 

 

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي

برهن ابن خلدون على تمييز الإنسان عن سائر الكائنات الحية بالعقل والقدرة على التفكير، من حيث إن الإنسان في طبيعته هو كائن مفكر، «لا يفتر عن الفكر طرفة عين، بل إن اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر»، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم.

ويشرح خصائص تعليم العلوم، وكيف أن العلم من جملة الصنائع، وأن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، ويميز بين العلم الذي هو ملكة أرفع من الفهم والوعي المشترك (وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها)، وبين التلقين، معدًّا هذا الأخير غير داخل في طبيعة العلم.

ثم انتقل ابن خلدون لبيان كيف أن العلوم لا تزدهر إلا بازدهار الحضارة ورسوخها، وتخرب بخراب العمران والمدن والحضارة. وينتقد وهم الاعتقاد بأن ازدهار العلم في المشرق العربي وضعفه في المغرب إنما يعود إلى أن عقول أهل المشرق أكمل من عقول أهل المغرب بالفطرة، ويعيد ذلك التفاوت إلى أسباب تاريخية، إذ «تكثر العلوم حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».

وفي سياق التناول الدقيق لسوسيولوجيا العلم، يصف ابن خلدون وضع العلوم في المغرب العربي والشمال الأفريقي في ضوء منهجية مقارنة مع المشرق العربي، الذي هو أرسخ في صناعة تعلم العلم، وأن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف السنين.

إن النظرة الثاقبة في تحليل ظاهرة العلم وتفسيرها تجعل ابن خلدون رائدًا لسوسيولوجيا المعرفة العلمية التي لم تظهر إلا في القرن العشرين.

يصعب الإحاطة بأبعاد الثورة المنهجية الخلدونية دون الإلمام بالمستوى الذي بلغته المعرفة العلمية في عصره، وموقف ابن خلدون منها. فقد وجدناه يمتلك وعيًا عميقًا بالحدود التي وصلت إليها المعرفة العلمية وتاريخ تطورها منذ أقدم العصور.

وهذا ما يشف عنه تصنيفه الدقيق للعلوم وخصائصها، فقد رأى «أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلًا وتعليمًا هي على صنفين: صنف العلوم العقلية، وصنف العلوم النقلية الوضعية، وهذه الأخيرة مسندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في الفروع».

* العلوم الشرعية النقلية تشتمل على: علوم القرآن من التفسير والقراءات، وعلوم الحديث، وعلوم الفقه، وعلم الفرائض، وعلم أصول الفقه ومذاهبه، وعلم الكلام الذي يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد. ثم علم التصوف وعلم تعبير الرؤيا، والعلوم الشرعية تعد علومًا تختلف من ملة إلى أخرى.

* العلوم العقلية: التي هي طبيعية للإنسان من حيث هو كائن عاقل مفكر، فهي علوم لجميع أفراد النوع الإنساني، ومنها علم المنطق، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، والفلك، وعلم العدد، وعلم الموسيقى، والطبيعيات، وعلم الطب، وعلم الفلاحة، وعلم الإلهيات، وعلوم السحر والطلسمات، وعلم أسرار الحروف.

أما الفلسفة فتكمن أهميتها في ثمرة واحدة، وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجاج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين، فهي أصح ما علمناه من قوانين الأنظار.

ويرى توبي أ. هف في كتابه «فجر العلم الحديث» أن بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى، بشكل عام، كانت ذات طبيعة جعلت طلب العلوم العقلية وعلوم الأولين أمرًا يثير الشكوك.

إشكالية البحث في المنهج الخلدوني:

للمنهج الخلدوني طبيعته المزدوجة شكلًا ومضمونًا ووظيفة، إذ إنه منهج ينطوي على لحظتين أو بعدين: البعد النقدي والبعد البنائي؛ الأول سلبي والثاني إيجابي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ أن الطبيعة التركيبية للمنهج الخلدوني، التي جعلت منه بنية مغلقة شديدة التعقيد، ومن ثم عسير الفهم والتنميط، تكمن في كون ابن خلدون قد جمع بين ميادين تاريخية واجتماعية وأنساق معرفية متنوعة وموضوعات مختلفة كالتاريخ والفلسفة والعلم والدين، والاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة، وعلم النفس والفراسة والأدب والجغرافيا والأخلاق والمنطق، والتصوف وتفسير الأحلام والاقتصاد والفلك… إلخ.

إن هذه الصفة الموسوعية للمقدمة، من حيث تنوع الموضوعات المدروسة، ومن ثم تنوع النظريات التي تفسرها، لا ريب أنها تطلبت عدة طرائق منهجية مختلفة، كالمنهج التجريبي الاستقرائي، والمنهج الاستنباطي، والمنهج الجدلي التاريخي، والمنهج الوصفي، والمنهج المقارن، والمنهج التقليدي في «الجرح والتعديل» والقياس، والمنهج الحدسي التصوري، والمنهج الأنثروبولوجي، والتحليل والتركيب.

غير أن هذا التنوع النظري والمنهجي البادي في المقدمة ينبغي ألا يحول دون قدرتنا على التمييز الدقيق بين الطرائق والأدوات المنهجية التي استخدمها ابن خلدون في دراسة موضوعاته المتنوعة المتباينة وتفسيرها، وبين المنهج النقدي التاريخي الذي تسمح بنيته العقلية المفتوحة باستيعاب عدد من الطرائق المنهجية المختلفة، فهذا المنهج هو الإطار المنهجي العام والشامل الذي اعتمده ابن خلدون في فلسفته التاريخية الاجتماعية.

وقد اختلف الدارسون والنقاد بشأن منهجه كما اختلفوا في شأن نظريته وسلوكه. فمع ابن خلدون نجد أنفسنا إزاء شخصية نأت بنفسها عن كل تصنيف أو تنميط مدرسي تقليدي بقالب ضمن مذهب أو تيار أو اتجاه أو مدرسة فكرية. إذ لا يمكن حتى تحديد تخصصه الدقيق، إنه مفكر ناشز متمرد على أنماط القولبة والتأطير في أي من القوالب والأطر الجاهزة أو الأنماط المألوفة. فهو مؤرخ، وعالم اجتماع، وفيلسوف في التاريخ، وعالم بالأنثروبولوجيا، ومفكر سياسي، وعالم نفس، وفيلسوف في التربية والتعليم، وجغرافي، وعالم في الاقتصاد السياسي. فضلًا عن ذلك هو فقيه وقاضٍ ومربٍ وعالم في اللاهوت والتصوف، وهو الأشعري-المعتزلي-السني ذو الميول الشيعية، وهو الأديب الشاعر والمستشار والدبلوماسي، وهو المثقف السياسي، حامل القلم والسيف، الجبان الشجاع، وهو كذلك محب المنصب والجاه من ناحية، ومحب الدرس والعلم من الناحية الأخرى. وهو كذلك المخلص الخائن، والعصامي الوصولي، والنزيه الانتهازي، والحصيف المتهور، والمتواضع المتكبر، والجاد المتهتك، والعنيف المسالم، والحازم اللين، والقاسي المرن، والسهل الممتنع، والمتشائم المتفائل، والرحالة المستقر، والعربي الأصل البربري الثقافة، والمغربي التكوين المشرقي الهوى، والتونسي المولد القاهري الوفاة، وغير ذلك من المواقف والمواقع والمتناقضات التي سارت عليها حياة ابن خلدون الخاصة والعامة، الفكرية والعاطفية، والثقافية والسياسية، والنظرية والمنهجية، وربما كان ذلك هو سر العبقرية، كما ألمح إلى ذلك المستشرق الفرنسي أم سيرية بقوله: «إن مؤلف الكتاب المعروف بالمقدمة لا يزال شبه لغز من ألغاز علم النفس، فطبيعته المزدوجة، والبون الشاسع بين عقائده وتصرفاته، والتباين بين محاولاته في الإصلاحات الاجتماعية ومخالفته للنظم الاجتماعية، وبين نظرته للمصلحة العامة وأنانيته الظاهرة، وبين عدم تحيزه في البحث العلمي وتفضيل نفسه على الآخرين تفضيلًا صارخًا، وبين أفقه الواسع الرحب وكونه مزهوًا بنفسه، كل هذه المتناقضات في رجل هو في ذات الوقت عالم وقور وأديب طموح، إذ ترك لكتاب سيرته الشخصية مهمة صعبة شاقة، وأغلب هذه المتناقضات، مع هذا، يمكن عزوها إلى طبيعة العباقرة المزدوجة».

من هنا تكمن إشكالية دراسة ابن خلدون، فهو في سلوكه ومنهجه وفلسفته وعلمه نسيج كامل من المتناقضات يجعلنا بإزاء فكر شديد الوعورة، وفلسفة شديدة التعقيد، ومنهج محفوف بالمزالق. وقد وجدناه، بعد تمحيص وتقصٍّ لتاريخه، عصيًا على التعريف والضبط؛ فلا هو مؤرخ محترف، ولا فيلسوف متسق، ولا عالم اجتماع متخصص، ولا عالم اقتصاد، ولا مفكر سياسي، ولا مروج أساطير، ولا تأملي ولا مادي. كما أن منهجه أيضًا ليس بمنهج علمي تجريبي، أو منهج تأملي استدلالي، أو حدسي عرفاني، أو عقلي برهاني، بل هو منهج يعيش على تخوم كل هذه المناهج المعرفية المتنوعة المتباينة، ويلامس شواطئها من غير أن يغوص أو يغرق في قاع أي منها.

لقد بدا فيلسوف القرن الرابع عشر على هذا النحو نسرًا يحلق بعيدًا عن السرب، فهو نسيج وحده، متفرد اللحن والنغم، وهذا هو ما جعله مثار اهتمام شرائح واسعة من الدارسين والمهتمين من مختلف التخصصات والأنساق المعرفية المتعددة. فكل وجد فيه التخصص الذي يعنيه، وكل راح يؤوله بما يؤوله تخصصه الضيق؛ فهو عند الفلاسفة مبدع فلسفة التاريخ، وعند علماء الاجتماع مؤسس علم الاجتماع، وعند المؤرخين مؤرخ بارع، وعند السياسيين مفكر سياسي راسخ، وعند التربويين عالم من علماء التربية الكبار… إلخ.

وهنا نجد تفسيرًا لذلك السيل المتدفق من الكتابات والدراسات والآراء والأفكار التي كتبت على مدى القرنين الماضيين في الغرب والشرق عن ابن خلدون وفكره ومنهجه.

ومع كثرة ما كتب عنه، فقد كان لافتًا لنظرنا شح الدراسات النقدية التي تناولت منهجه بالدرس والتحليل، ولعل هذا هو ما   حفزنا للبحث في المنهج النقدي العقلاني عند ابن خلدون.

***

ا. د. قاسم المحبشي

من المفهوم إلى التشخيص إلى الفعل

فرش اشكالي: في محضنه اللغوي الأول، عربياً كان أم اعجميا، لم يكن الدرس الفلسفي يوماً درساً محايداً أو بريئاً. إنه في جوهره، ابن صراع الأضداد الذي أدركه هيراقليطس، درس محكومٌ بقانون الهدم والبناء: يهدم سذاجة الرأي، غثاء الأحكام المتسرعة، غباء التسليم الأعمى...، وكل ما يجعل العقل عبداً لما ينبغي أن يكون سيداً عليه. وفي الآن نفسه يبني الإنسانَ في أبعاده الثلاثة: فكراً، وقولاً، وفعلاً، وهو بهذا المعنى لا يمثل بناءً نظرياً مجرداً، بل بناءً يطال الذات في صميم وجودها الأخلاقي والعقلي ذات واعية مدركة لنفسها وللذوات الأخرى فاعلة وملتزمة.

هذا الدرس لا يمكن أن يحيا إلا بما سمّاه القدماء برغبة الايروس: تلك المحبة العاقلة التي تجمع المعلم والتلميذ في صداقةٍ حول الحقيقة فالفلسفة عند هايدجر ليست حب الحكمة بقدر ما هي حكمة الحب. ولا يستقيم هذا الدرس إلا بدافع الايتوس: ونعني به الالتزام الأخلاقي بألا يكون الدرسُ سلطةً تُمارس على العقول، بل فضاءً تُحرر فيه.

لكن هذا المعنى الأصيل للفعل الفلسفي، أصابه الانحراف في واقعنا. فما كان يفترض أن يكون فضاءً للحوار والصدام المنتج، صار فضاءً للصمت والامتثال. وما كان يفترض أن يبني الذات النقدية، صار ينتج ذواتٍ مستسلمة خائفة لا تجرؤ على السؤال. وما كان يفترض أن يعلّم التواضعَ أمام تعقيد الحقيقة، تحول إلى آلةٍ لتوزيع المقالات المعلّبة. وبين الأصل الفلسفي والواقع التعليمي، انفتحت فجوة عميقة، صارت أشبه بجرح مفتوح في جسد الثقافة والتعليم وهنا نتساءل:

- إذا كان الدرس الفلسفي في جوهره هدمٌ للسذاجة وبناءٌ للإنسان فكراً وقولاً وفعلاً، فكيف تحوّل في واقعنا التعليمي إلى درسٍ يهدم الثقة بالعقل ويبني الامتثال للقوالب الجاهزة؟

- أين تكمن لحظة الانحراف التي جعلت الفلسفة تعلن تحرير العقل وتمارس تلقينه، وتدّعي السؤال المفتوح وتفرض الجواب؟

- كيف نفسّر هذا الانفصام المزمن بين غايات الدرس الفلسفي وآليات إنتاجه الفعلية؟

- لماذا تغيب عن هذا الدرس أسئلةُ التلميذ الحارقة التي تمس وجوده المشخَّص، ليحل محلها "مشكل زائف" لا يربك ولا يحفز ولا يحرر؟

- هل يمكن الحديث عن أزمة درسٍ أم عن أزمة ثقافة ونسق كامل؟

- وكيف السبيل الى تجاوز حالة التأزم؟

في مفهوم الدرس الفلسفي واشكال تحققه التاريخي

ليس المقصود بالدرس الفلسفي المادة المعرفية التي يلقنها المعلم للمتعلم، بل الفعل الفلسفي نفسه حين يصير تعلُّماً وتعليماً، وحين يصير لقاءً بين سائل ومجيب في أفق الحقيقة. انه فضاء ينفتح على ثلاثة شروط:

- حضور سؤال حقيقي يمس الذات والعالم.

- حضور آخر يُصغي ويُسائل ويدفع إلى التدقيق.

- حضور الإيروس بمفهومه الافلاطوني والإيتوس (الالتزام الأخلاقي)

هذا المفهوم لايشكل نظرة طوباوية او نزوعا نحو المثالية بل تجربة ممكنة التحقق وقد تجسد هناك في شوارع أثينا في الاغورا هناك حوَّل السوفسطائيون الشارعَ الأثيني إلى درس فلسفي مفتوح، فالإنسان في فلسفتهم هو مقياس الأشياء كلها يستطيع أن يفكر في كل شيء: في الآلهة، في القوانين، في اللغة، في الأخلاق. لقد كان هذا اتساعاً جريئاً للعقل خارج الوصايات. ثم جاء سقراط ليضيف إلى هذه الجرأة شرطاً آخر: الشجاعة الأخلاقية. لم يكتفِ بتعليم التفكير، بل علّم بالموت أن الفلسفة التزامٌ حتى آخر رمق. في هذا اللقاء بين جرأة السوفسطائي وشجاعة سقراط، وُلد الدرس الفلسفي بوصفه فضاءً لا يُعلِّم أجوبةً، بل يُعلِّم كيف يقف الإنسان على قدميه فكراً وخُلُقاً. ولم يكن الدرس الفلسفي في أثينا محصوراً في حلقة أفلاطون أو رواق زينون. لقد تسرَّب إلى الشعراء (فكروا في أسئلة الوجود في الملاحم والتراجيديات) فكانت اللغة عندهم هي بيت الكينونة، وإلى النحاتين (الذين صوَّروا في الرخام فكرة الجمال والحقيقة)، و المسرحيين (الذين جعلوا الخشبة مختبراً للصراع الأخلاقي)، وإلى السياسيين (الذين جلبوا السؤال الفلسفي إلى الأغورا). وهذا يعني أن الدرس الفلسفي تحقق أيضاً بوصفه "غيرية كريمة": لم يظل حبيس الفيلسوف المحترف، بل فتح ذراعيه للفن والأدب والسياسة، فاغتنى بها وأغناها. كان درساً يسير في الشوارع، يُرى في التماثيل، ويُسمع في الأبيات، ويُختبر في القرار السياسي.

و في الحضارة العربية الإسلامية، وجد الدرس الفلسفي متسعاً آخر: المجلس. في "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي، حيث يتسامر الأصدقاء في مسائل العقل واللغة والوجود والأخلاق....، تمتزج فيها الجدية بالظرف، والحجة بالنادرة، والعمق بالبساطة. هنا صار الدرس الفلسفي مؤانسةً، لا لأن الفلسفة فقدت صرامتها، بل لأنها ربحت الحياة. الفكر لم يعد مرهقاً يُؤدَّى فرضاً، بل صار لذةً تُطلَب حباً. هذا هو الإيروس في أجلى صوره. أما إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري، فقد قدموا نموذجاً آخر: الدرس الفلسفي بوصفه موسوعةً يشارك فيها جمع لا فرد. لم يكن الواحد منهم هو المعلم المطلق، بل كانوا جماعة تتدارس الرياضيات والمنطق والطبيعة والإلهيات والموسيقى والأخلاق، بهدف تطهير النفس وتحريرها بالعلم. في رسائلهم نرى أن الدرس الفلسفي الأصيل يتسع للمعرفة كلها، ويجمع بين العقلي والروحي، ويُمارَس في أخوّة تُذكِّر بالإيتوس في معناه الرفيع: التزامٌ أخلاقي بأن تكون الحكمة للجميع، لا حكراً على أحد.

هذا هو المفهوم الذي سنحمله معنا الآن، لنرى كيف انحرف في واقع الدرس الفلسفي في الجزائر، حتى صار ضده. بين هذا التحقق التاريخي وما سنعاينه من أزمة، تنفتح هوة هي موضوع مقالنا كله.

حين ينقلب المفهوم على نفسه

عندما ننظر إلى واقع الدرس الفلسفي في جزائر اليوم، لا نرى أثراً حياً لتلك المساحات الرحبة التي أثبتناها. ما نراه هو انقلابٌ كاملٌ للمعنى، يمكن تبيّنه في أربعة انقلابات تقابل المحطات التي وقفنا عندها:

الانقلاب الأول: من فضاء السؤال إلى سجن الجواب

حيث كان السوفسطائي وسقراط يفتحان للعقل فضاءَ الجرأة والشجاعة معاً، نجد درسَنا اليوم يغلق هذا الفضاء بإحكام. السؤال الحقيقي الذي يربك ويحرر، صار ممنوعاً ضمنياً؛ ليس بقانون مكتوب، بل بآلية أشد خبثاً: الامتحان. التلميذ لا يسأل لأنه يريد أن يعرف، بل لأنه يريد أن يجيب. والأستاذ لا يعلّم السؤال، بل يعلّم تقنية الجواب النموذجي. لقد انتقلنا من درسٍ يعلّم الشجاعة على مواجهة المجهول، إلى درس يُدرّب على الخوف من الخروج عن المألوف. الفلسفة التي علّمت بالموت ألا تراجع، صارت تُدرَّس بالخوف من الرسوب.

الانقلاب الثاني: من غيرية كريمة إلى عزلة عقيمة

وحيث كانت الفلسفة في أثينا تنفتح على الشاعر والنحات والمسرحي والسياسي في غيرية كريمة، صار درس الفلسفة في جزائر اليوم معزولاً في قوقعة "المادة الدراسية". أي حوار بين الفلسفة والأدب الجزائري؟ وأي اتصال بينها وبين التشكيل أو المسرح أو السينما؟ وأي مساءلة للخطاب السياسي اليومي؟ لا شيء من ذلك. الدرس الفلسفي صار معزولاً عن الثقافة الحية، لا يلامسها ولا تلامسه. صارت الفلسفة مادة تُقرأ في القسم وتُنسى في الشارع، بينما كانت في الأصل نسيجَ الحياة العامة.

الانقلاب الثالث: من مؤانسة المحبة إلى عنف التلقين

في مجالس التوحيدي، كان الدرسُ مؤانسةً، والفكرُ لذةً، والحقيقةُ مطلوبةً حباً. أما في قسم الفلسفة اليوم، فالدرسُ واجب ثقيل، والحقيقةُ مفروضة من خارج، واللذةُ غائبة إلا لذةَ النجاح في الامتحان. الإيروس (المحبة) التي كانت تجمع المعلم والتلميذ حول السؤال، استُبدلت بعلاقة رأسية من الأعلى إلى الأسفل: المعلم يملِك الأجوبة، والتلميذ وعاءٌ يملؤه. هذا عنف رمزي يقتل الفلسفة في مهدها، لأن الفلسفة لا تُقبَل هبةً ولا تُؤخذ سلطةً، بل تُكتشف محبةً.

الانقلاب الرابع: من موسوعية إخوانية إلى اختزال مقرري

وعوض الموسوعية الجماعية التي بشّر بها إخوان الصفا، حيث تتحد المعرفة كلها في سبيل تطهير النفس وتحريرها، نجد درس الفلسفة اليوم مختزلاً إلى "برنامج" محدود الساعات، مقسّم إلى وحدات، يُدرَّس بوتيرة ميكانيكية، ويُقوَّم في امتحان لا يقيس إلا قدرة الحفظ وإعادة الإنتاج. الفلسفة التي كانت حياةً كاملة، صارت "مادة" كغيرها من المواد، تُحصى حصصها، وتُعدل معاملاتها، وتُختصر في "مقال" له مقدمة وعرض وخاتمة. الموسوعي صار مقررياً، والجماعي صار فردياً معزولاً، والتحرري صار انتقائياً.

هذا الانقلاب ليس جزئياً ولا عرضياً. إنه انقلاب جوهري يجعل الفلسفة تنقلب على معناها الأصيل. ما يُدرَّس اليوم باسم الفلسفة هو، في العمق، نقيضها: إنه تدريب منهجي على الامتثال، وقتل للسؤال، وإطفاء للإيروس، وتجفيف للإيتوس. الدرس الفلسفي في الجزائر يعاني من "انفصام بنيوي مزمن" لأنه يدّعي غاية هي تحرير العقل، بينما آليات إنتاجه وتداوله وتقويمه كلها مصمَّمة لإنتاج نقيض هذه الغاية.

معالم الأزمة

المعلم الأول: الغياب — الفلسفة تفقد موضوعها (الإنسان الحي)

في صميم الدرس الفلسفي كما تحقق تاريخياً، كان هناك إنسان حاضر بجسده وهمومه ومصيره. سقراط في الأغورا يسائل صانع الأحذية والسياسي؛ والتوحيدي في مجلسه يؤانس من كان حاضرا في مجلس المناظرة بأسئلة تمس حياتهم؛ وإخوان الصفا يتدارسون المعرفة لتطهير نفوس هم بشر من لحم ودم. هذا الإنسان الحي، المتشخَّص، المثقل بأسئلة الوجود والموت والمعنى، هو "موضوع" الفلسفة الأول والأخير. في مقابل ذلك درس الفلسفة في جزائر اليوم، يغيب هذا الإنسان. ولا نعني بذلك الغياب المادي، فأقسام الدروس الخصوصية والجامعات مملوءة بالتلاميذ. انه غياباً آخر: غياب أسئلتهم الحارقة عن الدرس، غياب وجودهم المشخَّص عن المفهوم الذي يُدرَّس. حين يُشرح محور "الحق والواجب والعدل" او الحرية والمسؤولية مثلاً، لا يلتقي الدرسُ مع تلميذ يعيش تناقضات الحرية يومياً: في البيت، في الشارع، في علاقته بالسلطة السياسية والدينية. حين يُدرَّس "الغير"، لا يُسأل التلميذُ عن غيريته هو: عن تمزقه بين لغات (العامية، الفصحى، الأمازيغية، الفرنسية)، عن نظرته إلى المهاجر الإفريقي في شارعه، عن علاقته بالآخر المختلف مذهبياً أو ثقافياً. وحين يُعالج "العمل"، لا يُربط ذلك بشبح البطالة الذي يطارد وعيَه، ولا بصور الهجرة غير الشرعية التي تملأ شاشاته.

هذا الغياب ليس صدفة ولا سهواً، بل هو أثر بنيوي لانقلاب المفهوم: فحين صار الدرس مقرراً مؤقتاً بامتحان، تعيّن أن تكون "المفاهيم" مجردة بما يكفي لتُقوَّم قياسياً. والتجريد هنا يعني، بالضرورة، إفراغها من الإنسان الحي الذي تسكن فيه. هكذا يتحول التلميذ إلى شبح في درس الأشباح: يكتب عن الموت ولا يفكر في موته هو، ويكتب عن الدولة ولا يسأل عن دولته، ويكتب عن الأخلاق ولا يُختبر في خلقه.

ولكي يتضاعف الغياب، يغيب الأستاذ أيضاً بوصفه إنساناً حياً. فهو مطالب بأن يكون ناقلاً أميناً للمقرر لا شاهداً على أسئلته هو. لا يُسمح له بأن يقول لتلاميذه: "هذا المفهوم يربكني أنا أيضاً"، ولا أن يعترف بأن سؤال التلميذ فتح له أفقاً لم يفكر فيه. الأستاذ الحي يتحول إلى "صوت للبرنامج"، كما تحول التلميذ الحي إلى "يد تكتب المقال".

وهكذا يتم الدرس في فراغ وجودي هائل: يتحرك المفهوم في فلك ذاته، ويعيش التلميذ في فلك آخر، وبينهما جدار من الزجاج السميك؛ يرى كل منهما الآخر دون أن يلمسه. هذا هو "معلم الغياب": ألا تلمس الفلسفةُ الحياة، وألا تُسأل فيها الأسئلة التي توجع وتشغل وتحرك.

المعلم الثاني: الامتحان القاتل - حين يصير التقويم بروكروستياً

إذا كان الغياب هو أثرُ المؤسسة على المحتوى الحي للدرس، فإن الامتحان هو أداتها المركزية لفرض هذا الغياب وتعميقه. الامتحان، في الأصل، لحظة حقيقة: لحظة يختبر فيها التلميذ قدرته على مواجهة سؤال فلسفي بذاته. لكنه، في واقع الدرس الجزائري، تحوّل إلى "طقس بروكروستي" (نسبة إلى سرير بروكروست الأسطوري الذي كان يمدد الضيوف أو يبترهم ليلائموا سريره).

"سرير بروكروست" هنا هو "المقال الفلسفي الجاهز": نموذج صارم له مقدمة وعرض وخاتمة، له عدد محدد من العناصر، له لغة بعينها (لا لغة التلميذ الحية)، له طريقة قياسية في طرح المشكل وحلّه. وبدل أن يكون هذا القالب أداة لتنظيم الفكر، صار سريراً يُبتَر عليه الفكرُ إن زاد، ويُمطَّط إن نقص، حتى يلائم القياس.

هكذا ينتج الامتحان "فوضى الدال وعقم المدلول"، كما وصفها أحد المحللين: يكتب التلميذ كلمات فلسفية كبرى (الحرية، العقل، الواجب، الوعي...) ولكنها فارغة من أي مدلول معيش، لأن المطلوب ليس أن يفكر في الحرية بل أن يعيد إنتاج الدرس عن الحرية. ويكتب "مقدمة" تطرح "الإشكالية"، لكنها إشكالية مزيفة لأن الجواب معروف مسبقاً، ومحفوظ في الكراس. السؤال الحقيقي الذي يربك ويحرر ويحفز على البحث غائب، وحلّ محله "المشكل الزائف" الذي يجيب عنه التلميذ بالحفظ لا بالفهم.

والأخطر من هذا كله أن الامتحان تحول إلى أداة عقاب للخارجين عن القالب. التلميذ الذي يجرؤ على التفكير بطريقة شخصية، بلغة تخصه، بمنطق يبنيه هو لا يُكافَأ، بل يُعاقَب بنقطة متدنية لأنه لم يحترم "المنهجية". وهكذا يتعلم التلاميذ، جيلاً بعد جيل، أن التفلسف خطر على المستقبل، وأن النجاح في الامتحان لا علاقة له بالتفكير. هذا هو الامتحان القاتل: ليس قاتلاً بمعنى أنه صعب، بل بمعنى أنه يقتل الفلسفة في صدر التلميذ، ويحولها من فعل تحرر إلى طقس امتثال.

المعلم الثالث: البيئة الحاضنة مسمومة

لا يُعزل درس الفلسفة عن البيئة الثقافية التي يتنفس فيها. وإذا تأملنا هذه البيئة، وجدناها تنضح بـ"كراهية الحكمة" بأشكال شتى. المجتمع الذي يُفترض أن يكون حاضناً للسؤال الفلسفي، صار يمجّ "الوصفة السحرية" ويحتقر التردد والالتباس. المتفلسف في المخيال الجمعي، شخصٌ ثرثار يعيش في الغيوم، لا "وليٌّ صالح" يحمل أجوبة مضمونة للنجاح. وهذا "الولي الصالح" موجود فعلاً، متجسداً في أستاذ الدرس الخصوصي الذي يوزع "الملخصات" الجاهزة، ويحفظ تلاميذه "المقالات النموذجية" عن ظهر قلب، ويرفع معدلاتهم في البكالوريا؛ فيُصبح هو "المنقذ" بينما يتحول أستاذ القسم الذي يحاول تعليم التفكير إلى شخص هامشي لا يُؤبه له.

هذه البيئة ليست محايدة. إنها "تربة مسمومة" تنمو فيها كل أمراض الدرس الفلسفي الأخرى. كيف تزدهر الفلسفة في بيئة لا تقرأ، أو تقرأ "المقالات الجاهزة" ولا تقرأ النصوص الأصلية؟ كيف تزدهر في بيئة لا تحترم السؤال، بل تريد الأجوبة سريعةً هشةً كالوجبات الخفيفة؟ وكيف تزدهر في بيئة تخلط بين "الحرية" و"الانفلات"، وبين "النقد" و"العدمية"، فلا هي تثق في العقل، ولا هي تريح صاحبه؟ إن الدرس الفلسفي هنا لا يسبح مع التيار، بل ضده. وأي أستاذ يحاول أن يُدرّس فلسفةً حقيقية يشعر بهذا التيار الجارف الذي يدفع تلاميذه -والمجتمع من ورائهم- نحو السؤال الوحيد: "ما الذي سيأتي في الامتحان؟"

المعلم الرابع: بؤس الجامعة

هنا نصل إلى ينبوع الأزمة العميق. قد يظن المرء أن الأزمة تنحصر في الطور الثانوي، لكن الحقيقة أن "أم الأزمات" تكمن في الجامعة. لقد تحولت أقسام الفلسفة في كثير من الجامعات، كما شخص الأمرَ بعضُ نقادها بعنف، إلى "مصنع لإنتاج موظفي الفلسفة" لا إلى "مشتل لإنتاج الفلاسفة".

الطالب الذي يدخل قسم الفلسفة يتعلم، في الغالب، كيف يجتاز الامتحانات، وكيف يحفظ الشروح، وكيف يتقن الصراعات المفاهيمية العقيمة التي تدور في فلكها وتحوم حول ذاتها. لكنه نادراً ما يتعلم كيف يكون فيلسوفاً؛ أي كيف يواجه نصاً أصلياً مواجهة حرة، وكيف يبني سؤالاً بحثياً أصيلاً، وكيف يكتب فلسفةً لا تقريراً عن الفلسفة.

ثم يتخرج هذا الطالب أستاذاً في الثانوي، فيحمل معه المرضَ نفسه الذي أصابه: يفهم أن "النجاح" في درس الفلسفة هو في حفظ القوالب لا في كسرها، وفي إعادة الإنتاج لا في الإبداع. هكذا يصير الأستاذ "البروكروستي" ضحيةً قبل أن يكون جلاداً. إنه يُمارس على تلاميذه ما مارسته عليه الجامعة. وبدل أن تكون الجامعة "ضميراً" للدرس الفلسفي وسنداً له، صارت طرفاً أساسياً في إعادة إنتاج "فقر الدم الفلسفي" ذاته. وما لم ينكسر هذا الإسفين في الجامعة، فكل إصلاح في الثانوي سيكون ترقيعاً فوق جرح غائر.

المعلم السادس: التنظير في وادٍ والممارسة في وادٍ آخر

هذا المعلم هو الخيط الناظم الذي يربط كل ما سبق. إنه "الانفصام المدوي" بين ما تقوله الوثائق الرسمية وما يحدث في قاع القسم.

تقرأ "دليل بناء الاختبارات" أو "المناهج الطموحة"، فترى كلاماً جميلاً عن "التفكير النقدي"، و"الحوار"، و"بناء المواطن الصالح"، و"التفتح على العالم". لكنك في القسم ترى العكس تماماً: تلقيناً، قمعاً، خوفاً، ومقالاً جاهزاً. هذه هي "الكذبة الممنهجة" التي تحدثنا عنها: أن ندّعي أننا نعلّم التفكير النقدي بينما كل جهازنا التعليمي مصممٌ لقمع كل أثر للتفكير النقدي الحقيقي.

إنه "الفعل المزدوج" بعينه: خطاب حداثي طموح يخاطب اليونسكو والتقارير الدولية، وممارسة بيروقراطية متخشبة تخاطب الامتحان ومعدلات النجاح. والتلميذ هو ضحية هذا الانفصام، لأنه يُربى على أن "النفاق المعرفي" هو القاعدة: قل شيئاً وافعل شيئاً آخر، اكتب في ورقة الامتحان أنك تحب الفلسفة وأنت تكرهها في أعماقك لأنها تحولت إلى كابوس.

هذه الديناميكية المفرغة بين هذه المعالم الستة تنتج "البؤس" و"العقم" و"فوضى الدال" التي تملأ أقسامنا: كلمات فلسفية ضخمة تدور في الفراغ، بلا بشر، بلا حياة، بلا أسئلة حقيقية.

تجاوز الأزمة من التشخيص إلى الفعل

أمام هذا التشخيص القاتم، هل من مخرج؟

إن المخرج لا يمكن أن يأتي من "فوق"، من إصلاح وزاري هش تطارده التناقضات نفسها. المخرج يبدأ من "تحالف نقدي" يُبنى في الفراغات التي لا تراها المؤسسة. إنه "فعل كلام" يفضح الكذبة الممنهجة، ويبني درساً موازياً حيثما وجد متسع.

أولاً: فضح "الكذبة الممنهجة"

تحويل الامتحان من طقس سري إلى حدث فكري عمومي. أن يُنشر سؤال البكالوريا في اليوم ذاته، ويُناقش علناً: هل هو سؤال حقيقي؟ هل يسمح بالتفكير؟ أم هو "سرير بروكروست" آخر؟ هذا الفعل البسيط، الذي مارسه بعض النقاد بشجاعة، يضرب جوهر الأزمة في مقتل.

ثانياً: بناء "درس موازٍ"

لا ننتظر الإذن. ننشئ ورشات فلسفة في المكتبات العامة، ودور الثقافة، ونوادي في الثانويات، خارج إكراهات البرنامج والامتحان. نستعيد "ليالي الإمتاع والمؤانسة" في مقاهينا الفكرية، ونحوّل الفلسفة إلى حدث ثقافي وليس مادة دراسية. التجارب المغاربية والدولية في "فلسفة الأطفال" و"المقاهي الفلسفية" تقدم نماذج عملية جاهزة للتطويع.

ثالثاً: خلق ذاكرة نقدية وفضح النماذج

توثيق التحليلات النقدية للامتحانات، ونشر نماذج لدروس فلسفية حية، ومقارنة أسئلتنا بأسئلة دول أخرى تحترم العقل الفلسفي. هذا يُراكم وعياً ويجعل كل جيل يبني على ما سبقه، بدل أن يبدأ من الصفر.

رابعاً: كسر العزلة والانفتاح اللغوي والمعرفي

الاستفادة من المنصات الرقمية (يوتيوب، بودكاست) لنشر محتوى فلسفي هادف بالعربية واللغات الأخرى التي يجيدها التلاميذ. ترجمة نصوص أساسية، واستضافة فلاسفة، وفتح نقاش حولهم. هذا يحرر الدرس من سجن اللغة الواحدة والمرجع الواحد، ويُسمع التلميذَ أصواتاً فلسفية حية.

خامساً: "الخيانة المبدعة" للقالب

على الأستاذ أن يمارس، حيث يستطيع، "خيانة مبدعة": أن يترك مساحة لسؤال حر لا علاقة له بالامتحان، أن يعلّم منهجية المقال بوصفها أداة مؤقتة لا غاية، أن يقول لتلاميذه إنه مسموح لهم بأن يفكروا بطريقة لم تخطر له هو على بال. هذه أفعال صغيرة لكنها، إذا تكاثرت، تصنع تياراً مضاداً.

هذه الأفعال تحتاج إلى "فاعل نقدي" جديد، يتشكل من أساتذة يرفضون أن يكونوا سجانين، وأكاديميين يرفضون اللامبالاة، ومثقفين مستقلين، وتلاميذ يكتشفون متعة السؤال. هذا التحالف ليس وهماً. إنه موجود، لكنه معزول.

***

عمرون علي - الجزائر

يُعَدُّ التأثيل اللغوي من أرقى مباحث الدرس اللغوي وأدقِّها مسلكاً؛ إذ يتجاوز الوقوف عند ظاهر الألفاظ إلى التنقيب في أصولها البعيدة، وتتبع رحلتها عبر الأزمنة والأمكنة، والكشف عن التحولات الصوتية والدلالية التي طرأت عليها في مسيرتها التاريخية. فالكلمة ليست بناءً صوتياً جامداً، وإنما كائنٌ ثقافيٌّ حيٌّ يحمل في أعماقه آثار الحضارات، وشواهد التفاعل الإنساني، وملامح التطور الفكري والاجتماعي للأمم.

والتأثيل، وهو المقابل العربي للمصطلح الأوروبي Etymology ــ ( ايتيمولوجي) علمٌ يبحث في أصول الكلمات وأنسابها اللغوية، ويستقصي مسالك انتقالها بين اللغات، ويُعنى ببيان الصلات الخفية التي تربط بين الألفاظ المتباعدة ظاهرًا والمتقاربة أصلاً. أما الباحث المتخصص في هذا الميدان فيُعرف بالمؤثِّل اللغوي، وهو أشبه بالمؤرخ الذي يقرأ الوثائق القديمة، غير أن وثائقه هنا هي الكلمات ذاتها.

جذور التأثيل في التراث العربي:

وإن كان مصطلح التأثيل اللغوي حديث النشأة، فإن جوهره المعرفي ليس غريباً عن التراث العربي؛ فقد مارس علماء العربية الأوائل صوراً متعددة من البحث التأثيلي تحت عناوين مختلفة، مثل الاشتقاق، وفقه اللغة، وتعليل التسمية، والمعرَّب والدخيل، والنحت اللغوي.

لقد أدرك هؤلاء العلماء أن اللفظ لا يُفهم على وجهه الأكمل إلا بردِّه إلى أصله، وأن المعنى الراهن ليس سوى حلقة من سلسلة طويلة من التطورات الدلالية. ولذلك نجد الخليل بن أحمد الفراهيدي يبحث في أصول الأبنية اللغوية، وابن دريد يربط بين الكلمات وأصولها الاشتقاقية، وابن فارس يؤسس نظريته الشهيرة في «المقاييس» القائمة على ردِّ الألفاظ إلى أصول دلالية جامعة، في حين اهتم الثعالبي والجواليقي والسيوطي بدراسة الألفاظ الدخيلة والمعرَّبة، وكشفوا عن مسالك دخولها إلى العربية.

ولم يكن هؤلاء العلماء مجرد جامعي ألفاظ، بل كانوا مؤرخين للمعنى، يقرؤون في الكلمة تاريخها، ويستنبطون من بنيتها أسرار نشأتها وتطورها.

التأثيل اللغوي في الدراسات الحديثة:

مع نشأة علم اللغة المقارن في القرن التاسع عشر اتخذ التأثيل اللغوي طابعًا علميًا أكثر دقة ومنهجية. فقد وضع اللغويون الأوروبيون أسس المقارنة المنتظمة بين اللغات، واستندوا إلى قوانين صوتية ثابتة لا تقبل الاستثناء إلا بضوابط معلومة.

ومن أبرز رواد هذا الاتجاه فرانتس بوب الذي أسهم في تأسيس الدراسات الهندوأوروبية المقارنة، وياكوب غريم الذي صاغ قانونه الصوتي الشهير، وفرديناند دي سوسير الذي فتح آفاقًا جديدة لفهم البنية اللغوية وعلاقاتها التاريخية.

وبفضل هذه الجهود تحوّل التأثيل من ملاحظات متفرقة إلى علم قائم على الشواهد والنصوص والقوانين الصوتية والتاريخية، وأصبح قادرًا على إعادة بناء مراحل لغوية اندثرت منذ قرون طويلة.

منهج المؤثِّلين اللغويين:

يقوم التأثيل اللغوي على جملة من الأسس العلمية المحكمة، من أهمها:

- مقارنة الكلمة بنظائرها في اللغات ذات الصلة.

- دراسة التحولات الصوتية وفق قوانين ثابتة.

- تتبع أقدم الشواهد النصية للكلمة.

- تحليل تطورها الدلالي عبر العصور.

- الاستفادة من المعطيات التاريخية والحضارية والجغرافية.

فالكلمة لا تُردُّ إلى أصل معين لمجرد التشابه في الحروف أو الأصوات، وإنما لا بد من سلسلة من الأدلة المتضافرة التي تؤيد هذا الأصل وتثبته.

ومن هنا يتضح الفرق بين التأثيل العلمي والتخمين الشعبي؛ فالأول يستند إلى منهج وبرهان، أما الثاني فيقوم غالبًا على الظن والتوهم والتشابه العارض.

حذر العلماء العرب من التأثيلات المتعسفة:

تميّز علماء العربية القدامى بدرجة عالية من الاحتياط العلمي في قضايا الاشتقاق والأصول اللغوية. فقد كانوا يشترطون السماع الصحيح والرواية الموثوقة والشاهد اللغوي المعتبر، ويحذرون من بناء الأحكام على مجرد التشابه الصوتي.

وقد عبّر ابن فارس عن هذا المنهج بوضوح حين رفض ردَّ الألفاظ إلى أصول متوهمة لا يسندها دليل معتبر. ولذلك ظل التراث العربي محافظًا على قدر كبير من الانضباط العلمي في معالجة قضايا الاشتقاق والتعليل.

وهذا الموقف يكشف عن وعي مبكر بأهمية المنهج، فالحقيقة اللغوية لا تُنال بالحدس وحده، وإنما تُستخرج من النصوص والشواهد والقرائن.

-  بين العربية واللغات الأخرى:

إن دراسة الألفاظ المعرَّبة والدخيلة تمثل أحد الميادين الخصبة للتأثيل اللغوي. فكلمات كثيرة دخلت العربية عبر الاحتكاك الحضاري والتجاري والعلمي، ثم اندمجت في نسيجها الصوتي والصرفي حتى أصبحت جزءًا من معجمها المعاصر.

ومن ذلك كلمة «بطاطا» التي يُرجعها الباحثون إلى أصول أمريكية قديمة انتقلت عبر الإسبانية إلى لغات العالم المختلفة، ثم استقرت في العربية بصورتها المعروفة. وليس هذا الحكم وليد رأي فردي أو اجتهاد عابر، وإنما هو ثمرة بحوث مقارنة اعتمدت النصوص التاريخية والمعاجم التأثيلية والشواهد اللغوية المتوافرة.

ومع ذلك يبقى التأثيل علمًا مفتوحًا للمراجعة؛ إذ قد تظهر وثائق جديدة أو شواهد أقدم تدفع الباحثين إلى إعادة النظر في بعض النتائج السابقة.

إن التأثيل اللغوي ليس ترفاً معرفياً، بل هو نافذة تطل منها اللغة على تاريخها العميق، ومرآة تنعكس عليها مسيرة الحضارات وتفاعلات الشعوب. ومن خلاله ندرك أن الكلمات ليست أصواتاً عابرة، وإنما سجلات حية تختزن ذاكرة الإنسان وثقافته وتجربته الوجودية.

ولعل أعظم ما يعلِّمنا إياه هذا العلم أن اللغة كائن متجدد، يجمع بين الثبات والتحول، وبين الأصالة والتفاعل، وأن فهم اللفظ لا يكتمل إلا بمعرفة جذوره ومسالك تطوره. فالكلمات، كما يقول أهل اللغة، لها أنساب كما للناس أنساب، ومن عرف أنساب الألفاظ أدرك جانبًا من تاريخ الأمم وعقولها وأحلامها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

"فوبيا نظام الطيبات" مصطلح يصف حالة من التوجس والهلع بشأن "نظام الطيبات" الغذائي، والذي ابتكره الراحل الدكتور ضياء العوضي، وفكرة نظام الطيبات هو أنه يسمي أطعمه معينة بـ" الطيبات" وينصح بتناولها، وهذه الأطعمة وعلى عكس المتعارف عليه علميا هي السكريات والمعلبات، وهناك أطعمة أخرى يسميها " الأطعمة الخبيثة"، وهذه الأطعمة ويدعو لتجنبها تماما وهي " الدجاج"، والبيض، والألبان .

والسؤال الآن من هو الدكتور ضياء العوضي؟.. هو ضياء الدين شلبي محمد العوضي.- وُلد عام 1979 داخل أسرة أكاديمية، حيث تخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وقد بدأ مسيرته المهنية في تخصص في العناية المركزة، وقضي فترة طويلة من حياته بين أجهزة التنفس الصناعي، والتقارير، والمعلومات الدقيقة التي لا تعرف إلا الحقيقة، ولا توجد أي مساحة للاجتهاد الفلسفي.

ثم تدرج في العمل الأكاديمي، حتى وصل إلى درجة أستاذ مساعد بقسم الرعاية المركزة، ثم استمر في العمل الجامعي حتى عام 2023. ولكن سرعان ما أدرك أن تخصص العناية المركزة مقيدة ولا تعطيه أي فرصة لكي يخرج الطاقات المكبوتة بداخله، ومن ثم أدرك أن تخصص العناية المركزة لا تروق له، ولو أنه ظل طيلة عمره في دراسة هذا التخصص سيظل منغلق على  نفسه داخل غرفة العناية المركزة.

وفجأة قرر الدكتور ضياء العوضي أن يترك ويغادر ما تعلمه من كلية الطب ويهب نفسه لمشروعه في نظام الطيبات، حيث بدأ  يأخذ خطوات سريعة كي ينفذ هذا القرار العظيم، وذلك حين أنشأ حساب على التيك توك، وقد أفاضت السوشيال ميديا في الحديث عنه في الأيام والأشهر الماضية، وذلك من خلال متابعيه الذين وصلوا بالملايين وفيديوهاته التي تحقق مشاهدات عالية جدا .

وهنا بدأت أشاهد أول فيديو من فيديوهاته، فاكتشفت أنني أمام رجل يقف أمام الكاميرا وفي يده سيجارة، ويقول كلام ليس له أي علاقة بالطب البشري، ولا بالطب البيطري، لدرجة أنه يطلب من المرضي الذين يتابعونه، أن يوقفوا العلاج والأدوية التي يتعاطونها ؛ بل وينصحهم أن يلقوا بها في أقرب سلة مهملات، وألا يتابعوا على الأطباء، وأن يوقفوا عمل أي أشعة، أو تحاليل.

وهنا يقول الدكتور العوضي :" مبدئيا وقبل ما نضع أيدينا في أي حوار لازم تعرفوا أنه لا توجد ما يسمى أمراض مزمنة أصلا، دي مجرد نصب من عمل أيدي الأطباء وشركات الأدوية وقد اتفقوا وأجمعوا عليها سويا كي يجعلوكم تشترون تلك الأدوية بحيث تسيروا عليها طيلة عمركم .. أي مؤامرة من الآخر .. فالسكر مرض بسيط جدا يمكن معالجته في ساعة بمنتهي السهولة، والأنسولين والذي تتعاطونه في شكل حقن داخل أجسامكم. مجرد اشتغاله كبيرة فهو لا يعالج السكر وفي نفس الوقت يضر بالجسم، يعني " لا منه ولا كفاية شره"، وأنا شخصيا كل مرضي السكر الذين يتم علاجهم عندي أوقفوا الأنسولين، وبعد أن أوفقوه وزارة الصحة ردت وقالت عنهم أنهم قد شفوا تماما ".

وبالنسبة لمرض الفشل الكلوي قال الدكتور ضياء العوضي" فلا يوجد ما يسمى شيء اسمه "فشل كلوي" أصلا يا ابني .. فشل كلوي أيه" . وأما فيما يخص مرض السرطان "ففيه فعلا مرض اسمه السرطان ولكنه مرض بسيط جدا ولا يختلف كثيرا عن نزلة البرد، وعلاجه لا يحتاج إلى إشعاع ولا كيماوي"، وقد ذكر الدكتور ضياء العوضي أنه تمكن من معالجة 300 مريضة بسرطان الثدي من غير أي أدوية .

والدكتور ضياء العوضي بعد أن نسف كل نظريات الطب القديم والحديث والتي قد اجتهد فيه الأطباء فيها، ودمر كل أنواع الأدوية، قام في أحد فيديوهاته يشعل سيجارة وقال أمام كل مشاهديه :" الآن قد آن الأوان أن أقول لكم عن الاختراع المذهل الذي قد ابتكرته بنفسي كي أنقذ البشرية، وهذا الاختراع هو نظام الطبيبات وهذا النظام يشفي كل الأمراض من أولها لأخرها ويغني عن كل الأدوية والعقاقير والأشعة والتحاليل، ونظام الطيبات هو نظام غذائي بسيط جدا، ليس فقط يتماثل المريض من خلاله الشفاء فقط من كل الأمراض التي أصابتكم، ولكن يجعل صحتكم جيدة تماما، وأن المريض لا يأتيكم بغته" .

ونظام الطبيبات كما رواه الدكتور ضياء العوضي يقوم على مجموعة من المبادئ البسيطة مثل أن السجائر غير مضرة، والدليل على ذلك حسب قول الدكتور ضياء العوضي أن الإنسان البدائي، كان يشغل النار ويجلس أمامها الساعات الطول، ويظل يستنشق الدخان من تلك النار، ومع ذلك لم يصاب بأي أمراض خبيثة، والدليل أن الدكتور ضياء العوضي نفسه قال أنه لما ذهب المريض لعمل أشعة في مستشفى ما فوجد أن الرئة لديه سليمة.

هذا بالإضافة أنه حسب نظام طيبات الدكتور ضياء العوضي، فإن أكل الخضار ليس طعام الإنسان، ولكنه أكل المواشي، ومن ثم ينصحنا ألا نأكله ولا أن نقترب منه، وإلا أمعائك تتعب ومعدتك تصاب بالقرح، ومن جهة أخرى ينصحنا الدكتور ضياء العوضي بضرورة الابتعاد عن البطيخ والمانجو.

نقطة أخرى لابد من الأخذ بها في نظام الطيبات وهي ضرورة تناول الحلوي، وياحبذا لو تتناول مجموعة من الدهون المسبكة والمليئة بزيت الزيتون والسمن البلدي، ولا تصدق الأطباء الذين يقولون أن تناول الحلوى والدهون الكثيرة مضرة بصحة البشر، ولابد أن تدرك الدهون والسكريات لا يقتربون من شرايينك على الإطلاق.

لم يكتف الدكتور ضياء العوضي في نظام الطبيبات بذلك، بل حرم علينا أكل البيض والفراخ، حيث حسب اعتقاده تسبب العقم والكوابيس وبلغم على الصدر، وضرب لنا مثال بإخواننا الإيرانيين الذين رفضوا تناولها، فلأجل ذلك لا يهابون العدو الإسرائيلي ولا الأمريكي في حروبهم الدائرة حاليا.

والسؤال الآن: كيف استقى الدكتور ضياء العوضي معلوماته الطبية؟، فكيف عرف الدكتور ضياء العوضي أن الأنسولين ليس له أي فائدة تذكر للجسم؟، وكيف أدرك أنه لا يوجد ما يسمى الفشل الكلوي، وأن مرض السرطان ليس في حاجة للكيماوي؟، وأن البيض والفراخ يدمروا الجسم؟، فهل هناك بحث علمي اطلع عليه الدكتور ضياء العوضي في المجلات الطبية العالمية، أو عالم واحد خلقه الله قال بذلك؟

وهنا يشجبنا وينهرنا الدكتور ضياء العوضي فيقول : "والله عيب والله، كل هذا اجتهاد شخصي مني، وبرغم ذلك هناك شريحة من الناس تتبع نظام الطيبات ويصدقوه ويدافعون عن نظامه دفاع من لا يخشى الموت، بل الأدهى والأمر أن هناك مرضي سكر أوقفوا تناول الأنسولين وقرر السير على نظام الطيبات، فلماذا فعلوا ذلك ومن أين تلك الثقة في كلام الدكتور ضياء العوضي؟.. مع العلم أن هؤلاء المرضي قد لفوا على المستشفيات والدكاترة وجميعهم أكدوا بلا شك لهم أن الأنسولين هو علاجهم الوحيد ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوقفوه أو يستغنوا عنه؟!

والحقيقة أن هناك في ذلك أسباب كثيرة، أولها أن كثير من المرضي المصريين دائما ما يتعلقون بأي بارقة أمل كي تنقذهم مما هم فيه، وذلك بسبب المنظومة الصحية التي تجهدهم في الحصول على الدواء، علاوة على أن المواطن المصري عندما يقرر أن يتم علاجه سرعان ما يدرك أنه لا توجد منظومة تأمين صحي تحميه، ولا مستشفيات عامة تقدم له الخدمة اللائقة، وإذا ما شاءت له الأقدار وتمكن أن يحصل من مستشفى عامة يجدها كالخرابة بلا أجهزة ولا أدوية ولا سراير، ولكي يتمكن من دخولها لابد من الوقوف في طابور ليس له آخر، ويبيت أمام باب تلك المستشفى بالأيام، وفي تلك الظروف لا يجد المريض بداً من ثلاث حلول : إما أن يسلم أمره لله ولا يعالج نفسه بها، وإما أن يسلم نفسه للعيادات والمستشفيات الخاصة، وهنا يضطر أن يبيع كل ما يملك كي يتم علاجه بسبب الأدوية الباهظة الثمن، وإلا أغلبها ناقص وليس موجود .

والحل الثالث أن يسير وراء نظام الطيبات اعتقادا منه أنه أخف الأضرار، لكونه يعد بارقة الأمل التي يدعوا إليها الدكتور ضياء العوضي، وذلك حين يقول له بأنه قد صنع له نظام غذائي سهل، وهذا النظام سيعالجك من كل الأمراض، ويحسن من صحتك، وفي ذات الوقت يوفر من أموالك التي تنفقها بلا طائل، ومن ثم فإن هذا النظام سيساعدك من إيقاف الأنسولين، ويرحمك من الذهاب للعيادات والمستشفيات، والدكتور ضياء العوضي بعد أن يعطي تلك البارقة من الأمل المغشوش، فإنه يحاول أن يثبت لهم ذلك من تقريظه لذاته من أنه يفوق أينشتين، وأنه عالم كبير لا يضاهيه أحد من الأطباء حتي الدكتور مجدي يعقوب لا يساويه في المنزلة.

ونظام الطبيات هو حسب قول الدكتور ضياء العوضي موجود في القرآن، وهو يضع هذا النظام من خلال موقع إلكتروني كبير، وقد فرغ به كل فيديوهاته، ويعمل تحت إمرته ورعايته لجان إلكترونية ليس لها إلا نشر وبث فيديوهاته في كل الفضاء السيبراني الحقيقية وغير الحقيقية من خلال مرضي ساروا على نظام الطيبات بعد أوقفوا العلاج، ومن بعدها شفوا تماما من مرض السكر، ولما امتنعوا عن تناول الأنسولين أصبحت صحتهم جيدة، ومن هنا أضحي نظام الطبيات هو النظام الذي يجب اتباعه والتمسك به

وفي أثناء النجومية التي حصل عليها الدكتور ضياء العوضي من انتشار نظام الطبيات، حدثت حادثة في شهر فبراير الماضي، وهي أن سيدة مصرية قد سمعت عن الدكتور ضياء العوضي وبدأت تتابع فيديوهاته شأنها شأن كثير من متابعيه، ولما أدركت أنه طبيب فعلا ومعه دكتوراه في الطب، وأنه يقول بمنتهي الثقة أن الأنسولين مجرد نصب وليس علاج، فقد صدقته، وقررت ألا تعطي لأبنتها الأنسولين، فكانت النتيجة أنه بعد مرور ثلاث أيام بالضبط أن الفتاة دخلت في غيبوبة وكادت أن تموت، لولا أن الأطباء أنقذوها بالمستشفى في آخر لحظة.

وعندما انتشرت تلك الحادثة عبر المواقع، هنا أدركت كل مؤسسات الدولة المصرية الطبية بدأوا يتحركون، وأدركوا أن أمرا ما بيت بليل، وأن فيديوهات الدكتور ضياء العوضي تمثل أذى . وهنا انتقدوا الدكتور ضياء العوضي لدرجة أن نقابة الأطباء قد حولته لمجلس تأديب، وبعد ذلك شطبت اسمه من النقابة، ثم قامت وزارة الصحة وسحبت منه ترخيص مزاولة الطب، وتم إغلاق عيادته، وفي اليوم التالي قام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقد دخل على حط التماس وأخرج قرار بمنع استضافة الدكتور ضياء العوضي في كل القنوات .

في ظل تلك النكبات التي أحلت بمستقبل الدكتور ضياء العوضي الطبي والمهني، كنا نتوقع منه أن يتوارى في الظل إلى أن يشاء الله وتهدأ الأمور، ولكن الدكتور ضياء العوضي لم يفعل ذلك، بل خرج لنا وقام ببث مباشر عبر الإنترنت، وبعد أن نفخ أمام المشاهد بالسجائر، خرج علينا وهو يغني ويسب في كل من تسبب في إيقافه عن مزاولة عمله ويقول :" ظلموني الناس ظلموني، فصلوني من النقابة وحرموني... إلخ، ثم قال بعد ذلك أنا ما زلت الدكتور ضياء العوضي ولا يستطيع أحد أن يمنعني من ممارسة الطب .

وهناك كثير من المتابعين والمشايعين لنظام الطبيات، عندما عرفوا بالقرارات التي أخذتها الدولة ضد الدكتور ضياء العوضي قرروا أن يدعموه ويدافعوا عنه ويحولوه لفتوة الناس الغلابة، وحملوه على أكتافهم وأخذا يطوفون به في كل أنحاء السوشيال ميديا على أساس أنه يمثل في نظرهم بمثل البطل المظلوم، والذي دفع ثمن شهامته ووقوفه مع الناس ضد مافيا، وهنا أخذوا يسبون في كل القائمين والمتسببين عن إيذائه وحرمانه من ممارسة عمله

ومنذ الإعلان عن وفاة الدكتور ضياء العوضي في دبي في الثاني عشر من أبريل الماضي والجدل حول وفاته مستمر، هذا بالإضافة إلى الجدل حول طريقة الدكتور ضياء العوضي لنظام الطيبات، فهناك من يمتدحها ويعتبرها ممتازة، وهناك من بهاجمها ويقولون عنها أنه سم وتقتل الناس وأنها تمثل دجل .

ومصر والعالم العربي منشغلة بالحديث عما سمى بظاهرة كما ضياء العوضي كما أسماها الدكتور خالد منتصر أو كما أسماها الفنان "تامر حسني" بـ" الفتنة الغذائية"، فمنذ وفاة هذا الرجل وأنا أتأمل موته الذي مات بها بطريقة غريبة عن عمر يناهز 47 سنة وغير معروف سبب موته أو قتله.. وللحديث بقية..

***

دكتور محمود محمد علي

مفكر مصري

من وحي ندوة الدراسات التاريخية

هو الوهج الذي أشتعل قبيل انطفاء الشمعة

البارحة، في المعهد العالمي للتجديد العربي، ووحدة الدراسات التاريخية، حضرت ندوة نقاشية بعنوان: (من ابن خلدون إلى هابرماس: مقارنات في فلسفة المجتمع والتاريخ)، بهدف إبراز أوجه التشابه والاختلاف بين رؤيتيهما لفهم نشأة المجتمعات وآليات تماسكها وتطورها التاريخي وأسس السلطة والشرعية فيها. قدمت المحاضرة الدكتورة بولا أبي حنا، وعقب عليها الدكاترة: عبدالرحيم غانم، وبدر شحادة، وباب أحمد الشيخ، وأدار الندوة الدكتور عماد غزلي بكفاءة واقتدار.

وتربطني بالدراسات التاريخية علاقات طيبة منذ سنوات، فضلًا عن اهتمامي بابن خلدون وفلسفته، وإشارة الإعلان إلى فلسفة التاريخ والمجتمع عند ابن خلدون وهابرماس. استمعت وتداخلت، وأحسست بأهمية التعريف بابن خلدون وفلسفته ومنهجه وكيفية مقارناته، وإليكم ما أعرفه عنه في سبيل تخصيب النقاش وتأصيل العلاقة بين التاريخ والفلسفة، إذ إن قليلًا من الفلسفة ينعش قلب التاريخ! واليكم الحلقة الأولى في التعريف بابن خلدون ومنهجه وفلسفته.

إذا ما أردنا أن نقيم الثورة المنهجية الخلدونية تقييمًا صائبًا، فلا بد لنا من النظر إليها وتقييمها في سياقها التاريخي الفعلي، ذلك السياق الذي يشكل كامل الوسط الثقافي والعلمي والسياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي والحضاري والنفسي، وكل ما يتصل بالعصر الذي عاش فيه ابن خلدون وتعلم وفكر وكتب في فضائه.

فالمفكر أو المؤرخ هو كائن بشري فرد، وهو مثل غيره من الأفراد يشكل ظاهرة اجتماعية، وهو أيضًا الناطق الواعي أو غير الواعي باسم المجتمع الذي ينتمي إليه، ومن الخطأ النظر إلى ابن خلدون بمعزل عن الواقع الذي عاش فيه وكأنه نسر يرقب المشهد من فوق قمة جبل عالية، بل النظر إليه بوصفه جزءًا من ذلك التاريخ الذي حاول تفسيره، ومن ثم فهو محدد بحدود عصره وزمنه.

وربما كانت أفضل طريقة لتحديد أهمية ابن خلدون وقيمة منهجه هي طريقة المنهج التاريخي، كما عرفت عند فيلسوف التاريخ الإنجليزي “كولنجوود” (1889–1943م) وفيلسوف التاريخ الإيطالي “كروتشه” (1866–1952م)، اللذين شددا على أهمية الفهم التصوري للماضي الذي ندرسه وتحقيق نوع من الاتصال مع أذهان أولئك الذين نكتب عنهم وتمثل حقيقة وضعهم التاريخي.

وبالقياس إلى عصره يمكن القول إن ما حققه ابن خلدون على صعيد المنهج النقدي العلمي التاريخي يعد، بكل المقاييس، ثورة حقيقية لا تختلف عن الثورة المنهجية الكبرى التي شهدها العلم الطبيعي الحديث على يدي الإنجليزي “فرنسيس بيكون” (1561–1626م)، والفرنسي “رينيه ديكارت” (1596–1650م).

وهذا ما جعل ابن خلدون متقدمًا على كل من جاء بعده من علماء الاجتماع وفلاسفة التاريخ الحديثين أمثال ميكافيللي، وبودان، وفيكو، وفولتير، ومونتسكيو، وكوندرسيه، وكارل ماركس، وأوغست كونت، وشبنجلر، وتوينبي، وغيرهم ممن درسوا الظاهرة التي درسها ابن خلدون: التاريخ والعمران البشري والاجتماع الإنساني ونظم السياسة وتعاقب الحضارات وأساليب الإنتاج وقوى الإنتاج وأسباب الحروب والصراع والتغلب بين الناس… إلخ.

وهذا ما شهد به كبار المفكرين والدارسين، أمثال المؤرخ “جورج سارتون” في كتابه (تاريخ العلم)، الذي كتب في معرض حديثه عن ابن خلدون:

“لم يكن أعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخًا كعملاق بين قبيلة من الأقزام فحسب، بل كان من أوائل فلاسفة التاريخ، سابقًا ميكافيللي وبودان وفيكو وكونت وكورنو”.

ويذهب آرنولد توينبي إلى وصف مقدمة ابن خلدون التي اسماها (كتاب العِبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) ب«أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم»

وفي ذات السياق يذهب المؤرخ الإسباني (رافائيل ألتاميرا) في كتابه “آراء حول نظرية ابن خلدون التاريخية” إلى أن: “ابن خلدون قد صاغ مجموعة من الأفكار ولخصها بقوة عقلية جبارة، كمخترع عبقري يبني فوق سوابق ضئيلة عملًا جديدًا من نوعه”.

وبمثل ذلك كتب الفيلسوف الإسباني “خوسيه أورتيغا” عن نظريات ابن خلدون في المسائل الأفريقية:

“إن مقدمة ابن خلدون هي، من حيث الزمن، أول كتاب في فلسفة التاريخ”، وأن ابن خلدون “هو عقلية واضحة كلها ضوء، وأن ضوءه العقلي يمزق كل غموض، ويصل نقيًا إلى الأشياء ويستخرج منها كتابًا يبدو كأن الذي كتبه مهندس بارع، وهو في الوقت نفسه أول عالم اجتماع”.

ويكتب المستشرق الألماني “فون قيسنديك” في كتابه “ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربية في القرن الرابع عشر”:

“إن ابن خلدون أشاد حصنًا شامخًا من العلم المتين، الابتكار المطبوع، فهو عقل مبتكر ومثل أعلى في الآداب العربية، إذ يقف مؤرخ الحضارة الإسلامية العظيم وحيدًا في المشرق، لم يعقبه خلف ولم ينسج على منواله ناسج، وينطبق ما كان يشعر به أو يدعو إليه على أوروبا في القرن التاسع عشر أصح تطبيق وأتمه”.

ويرى المستشرق الأمريكي شميدت أن ابن خلدون “قد تقدم في علم الاجتماع إلى حدود لم يصل إليها الفيلسوف كونت نفسه في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فلو أن المفكرين الذين وضعوا أسس علم الاجتماع من جديد كانوا قد اطلعوا على مقدمة ابن خلدون في حينها، وعلى المنهج الذي أوجده ذلك العبقري العربي قبلهم بمدة طويلة، لاستطاعوا أن يتقدموا بهذا العلم الجديد بسرعة أعظم مما تقدموا به فعلًا”.

ويرى المؤرخ الفرنسي “إيف لاكوست” في كتابه “العلامة ابن خلدون” أنه عندما اكتشفت المقدمة وترجمت في الغرب، كانت أوروبا مهتمة بعلم الاجتماع، ولذا لفت نظر العلماء أوجه التشابه الموجودة بين طروحات ابن خلدون وبين المسائل التي كانوا يبحثونها، فلقبوه بالمؤرخ، وبعالم الاجتماع، وبفيلسوف التاريخ، وعالم الاقتصاد، ومفكر السياسة.

وكتب الفيلسوف والمؤرخ الإسكتلندي روبرت فلنت في كتبه المهم ( تاريخ فلسفة التاريخ) قائلا:" إنه لا العالم الكلاسيكي ولا النصراني الوسيط قد أنجب مثيلاً له في فلسفة التاريخ... أما كباحث نظري في التاريخ، فليس له مثيل في أي عصر أو قُطْر، حتى ظهر (فيكو) بعده بأكثر من ثلاثة قرون... لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها" ( ينظر، روبرت فلنت Robert Flint، تاريخ فلسفة التاريخ، دار نشر تشارلز سكريبنرز، 1894)

في الواقع، ثمة آراء عديدة قيلت في ابن خلدون ومقدمته ونظريته ومنهجه، وهي على كثرتها وتنوعها واختلافاتها تتفق في شيء واحد، هو التقدير الرفيع للمنهج الذي اكتشفه ابن خلدون في المقدمة.

ورغم تنوع الموضوعات التي عالجها ابن خلدون واختلاف أنساقها النظرية في العلوم الحديثة، كالتاريخ والحضارة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والدين والتصوف والجغرافيا والأنثروبولوجيا والعلم والأيديولوجيا، وغير ذلك من الحقول المعرفية التي طرق عتباتها ابن خلدون، فقد كانت رؤيته المنهجية هي الروح الخفية التي تسري في كل أجزاء هذا النسيج الفكري وتمنحه الوحدة والمعنى والقوة.

نظرية ابن خلدون ومنهجه:

من الأخطاء الشائعة في حياتنا الثقافية العربية الاعتقاد أن النظرية تأتي في الترتيب قبل المنهج، وأن المنهج هو تطبيق للنظرية، في حين أننا نجد من واقع الخبرة العملية أن العلاقة بين النظرية والمنهج هي على درجة شديدة من التعقيد والتداخل والتمازج، إذ يصعب الفصل الفعلي بين أنساقها المتداخلة وعناصرها، لا سيما في الدراسات التاريخية. فمن الخطأ الظن أن التفكير النظري يعد ترفًا فكريًا زائدًا عن اللزوم، لأن ممارسة النشاط النظري لم تكن لتحصل لولا وجود قضايا حقيقية تدفع البشر إلى اللجوء إلى النظرية، وهي قضايا نواجهها جميعًا في حياتنا اليومية، كسعينا لفهم ما يجري لنا وللآخرين من حولنا، وهذا هو بالضبط ما فعله ابن خلدون حينما فكر في شؤون مجتمعه ومشكلاته وحياة عصره، فأبدع نظريته في ضوء رؤية منهجية نقدية تاريخية ناضجة.

وإذا كان أبسط تعريف للنظرية هو أنها محاولة تفسير خبراتنا اليومية في الحياة، تلك الخبرات الشخصية اللصيقة بنا في ضوء تفاعلنا مع أناس آخرين، وخبراتنا السابقة، وعواطفنا المكبوتة، ومعارفنا المتحصلة من التعليم المنهجي والتقليد والنقل والتراث، فإن المنهج هو: طريقة الوصول إلى تكوين هذه النظرية وبنائها واستخلاص قوانينها.

ولا أهمية للتساؤل عن أيهما أسبق في العلوم الإنسانية: النظرية أم المنهج، فالعلاقة بينهما علاقة جدلية ديناميكية مرنة وضرورية؛ فلا نظرية متماسكة وعلمية من دون منهج علمي، ولا منهج من دون نظرية. إذ تبدو ضرورة المنهج عند ابن خلدون تعبيرًا عن مقتضى التعليل الناتج من تصوره لموضوع التاريخ، ولذلك ليس المنهج سابقًا لفكر ابن خلدون ولا لاحقًا له، أي إنه ليس ترتيبًا بعديًا لقواعد مطبقة انكشف خطها فجأة، وليس منظومة قواعد موضوعة بصورة مسبقة، بل ثمة ترابط شديد بين النظرية والمنهج، وهما متحايثان متضايفان.

فقد تمكن ابن خلدون من الجمع الخلاق بين المنهج والنظرية، وترك لنا إرثًا علميًا عظيمًا ما زال يتمتع بكامل قيمته وقوته وحيويته، وما زلنا نلتمس الخطى في سبيل فهمه واكتشاف ثيماته المتخفية. يقول المستشرق روزنتال: “باءت بالفشل كل محاولة لمعرفة النموذج الذي احتذاه ابن خلدون في تفكيره”.

ابن خلدون ونقد أوهام المؤرخين

حينما نقارن بين المنهج النقدي الخلدوني ومنهج الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561-1626م)، وفيلسوف التاريخ الإيطالي جيوفاني باتيستا فيكو (1668-1774م)، إذ حاول الأخير في نقده لأوهام المؤرخين في كتابه “العلم الجديد والطبيعة المشتركة للأمم” تطبيق منهج بيكون في نقد أوهام المعرفة، نجد أن ما حققه ابن خلدون، بالمقارنة مع ما تم إنجازه في أوروبا على يد هذين الفيلسوفين بعد قرابة ثلاثة قرون من الزمن، يبين لنا كم كان ابن خلدون عظيمًا وجديرًا بأن يوصف بأنه صاحب أول ثورة منهجية في الدراسات التاريخية.

إننا نغمط ابن خلدون حقه حينما نتناول منهجه النقدي التاريخي بالدرس والتحليل، ونمر مرور الكرام على طبيعة ذلك النقد الذي وجهه للمؤرخين. لقد دأب الدارسون العرب والأجانب على تبسيط الثورة المنهجية الخلدونية بالنظر إليها بأنها مجرد نقد لـ”عيوب” أو “أخطاء” أو “أغاليط” أو “هفوات” أو “هنات” أو “مثالب” أو “نواقص”، إلى غير ذلك من النعوت التي ننعت بها النقد الخلدوني للمعرفة التاريخية وللمؤرخين، والتي توحي في مدلولاتها المفهومية بالتقليل من شأن ما أنجزه ابن خلدون. ولعل ذلك هو ما حفزنا إلى استخدام لفظ “الأوهام” بدلًا من الأخطاء والعيوب، إذ إننا بعد فحصنا الدقيق لطبيعة الثورة المنهجية التي أحدثها الإنجليزي فرنسيس بيكون، الذي اشتهر أكثر ما اشتهر بنقده للأوهام الأربعة الشهيرة: وهم الكهف، ووهم القبيلة، ووهم السوق، ووهم المسرح، وكذا شهرة الإيطالي فيكو بنقده لأوهام المؤرخين، وجدنا أنه من غير الإنصاف النظر إلى ابن خلدون بعده ليس سوى ناقد لأخطاء المؤرخين العرب المسلمين فقط. وهذا الموقف لا يعني بأي حال من الأحوال أننا من هواة التشبه بالغرب، بل إن موقفنا هذا يجد كامل مبرراته في طبيعة الإنجاز النقدي المنهجي الذي حققه ابن خلدون ذاته، كما لاحظنا في دراستنا لنقده أوهام المؤرخين، الذي لم تكن أوهام بيكون وفيكو إلا نسخة باهتة منه.

إننا نسمي نقد ابن خلدون للمؤرخين نقد الأوهام، لأننا وجدناه في نقده لا يقتصر على نقد الأخطاء أو الهفوات التي وقع بها هذا المؤرخ أو ذاك، بل ينقد أوهام العقل وأوهام النفس الإنسانية التي هي، من حيث طبيعتها البشرية الناقصة، عرضة دائمًا للأوهام والخرافات والأخطاء بحكم الطبيعة، لا بسبب القصور المنهجي فحسب. فالأوهام جزء من كينونة الإنسان، بل إن الحياة الإنسانية مستحيلة من دون الأوهام، فالناس يعيشون على الأوهام كما يعيشون على الماء والهواء.

ويحدد ابن خلدون في نقده لأوهام المؤرخين أسباب هذه الأوهام، فيعدها طبيعة متأصلة في النفس البشرية لا في أذهان المؤرخين فقط، إذ يرى أن الناس محكومون بعاداتهم ومألوفاتهم وبشروط حياتهم في بيئتهم الضيقة المحدودة، ومن ثم فإن تصوراتهم لا تخرج عن نطاق مألوفهم وعوائدهم، ويصعب عليهم تصور ما ليس مألوفًا لديهم إلا بالقياس على المألوف، كما لاحظنا آنفًا في قصة “الولد المسجون” الذي تصور الغنم مثل الفأر. وهذا هو ما عرفه أفلاطون بالكهف، وهذا هو ما سوف يطلق عليه بيكون وهم الكهف.

وفي ذلك كتب ابن خلدون: “والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة، ومن الغلط غير مأمونة، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه، فربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضيين ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الاختلاف بينهما كثيرًا، فيقع في مهواة من الغلط”.

هكذا إذن يعد ابن خلدون واحدًا من الأساطين الكبار الذين خرجوا من الكهف، وأولهم أفلاطون، وبعده أبو حامد الغزالي، وابن طفيل، وبيكون، وديكارت، وهيوم، وكانط في العصر الحديث.

لقد أدرك ابن خلدون أن الإنسان، من حيث هو مدني بالطبع، رهين المحبسين: محبس طبيعته المتناقضة المزدوجة، الجسدية والروحية، والغريزية والعقلية، والحيوانية والبشرية، التي منها أنه يحب ويكره، ويفرح ويحزن، ويهدأ ويغضب، ويجوع ويشبع، ويقاتل ويسالم، ويأمن ويفكر، ويخضع ويتمرد، وينام ويصحو، ويعمل ويكسل، ويعادي ويصالح، ويجشع ويقنع، ويخون ويوفي… إلخ. ومحبس أحواله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والتاريخية التي تشرط وجوده وتقيده بقيودها الضرورية الأسرية والعصبية والمعيشية والمذهبية… إلخ، التي لا يستطيع الفكاك منها. وفي ضوء هذا الأفق النقدي العقلاني الرحب ينبغي لنا النظر إلى نقد ابن خلدون لأوهام المؤرخين.

إذ مهد في نقده للأخطاء بنقد منهجي للمعرفة الإنسانية برمتها من خلال فحصه لقيمة أخلاقية متأصلة في الجبلة البشرية، وهي “الكذب”، بقوله: إن الكذب متطرق إلى الخبر بطبيعته، وله أسباب منها:

1- التعصب للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حصته من تمحيص النظر حتى يتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقه من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله. وهذا هو ما نسميه اليوم بالتعمية الأيديولوجية.

وواضح أن ابن خلدون هنا لا يبحث في الكذب من حيث هو قيمة أخلاقية مذمومة، بل يفحص شروط إنتاج الكذب وأسبابه اللاشعورية، إذ إن الناس يكذبون ليس بإرادتهم، بل لا يعرفون أنهم يكذبون، وربما اعتقدوا أنهم يقولون الحقيقة. أليس مثل هذا النقد هو ما صنع شهرة كارل ماركس في نقده للأيديولوجيا الألمانية؟

2- من أسباب الكذب في الأخبار الثقة بالناقلين، وتوهم الصدق الذي يعود إلى شهرة المنقول عنهم وذيوع صيتهم بوصفهم مؤرخين كبارًا ومفكرين تربعوا على مسرح التراث والتاريخ رموزًا موثوقة، وهذا ما يسميه بيكون وهم المسرح.

3- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، لأجل ما يداخلها من التلبيس والاختلاف، فينقلها المخبر كما رآها، وهي على غير الحق في نفسها.

4- تقرب الناس إلى أصحاب السلطة والسلطان بالثناء والمدح بهدف الكسب والجاه والحظوة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من حياة أو ثروة أو شهرة أو سلطة أو جاه.

5- حب الناس للغرائب والخرافات والمستحيلات من أخبار الجن والشياطين والكائنات الخرافية والأساطير التي تستهوي الناس لما فيها من سمة غرائبية، وتشبع فيهم نزوعًا نفسيًا لا يقاوم.

6- قياس الماضي على الحاضر قياسًا مطلقًا، اعتقادًا منهم بأن الماضي لا يختلف عن الحاضر الذي يعيشونه.

7- أهم الأسباب هو الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فإن كل حادث من الحوادث، ذاتًا كان أو فعلًا، لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحوال. فإذا كان السامع عارفًا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض.

هذه هي الأسباب التي رصدها ابن خلدون ليكشف بها الأوهام التي تكتنف المعرفة عامة، والمعرفة التاريخية تحديدًا.

كما هو واضح، لم يبحث ابن خلدون في أخطاء أو هفوات وقع فيها المؤرخون عرضًا أو بسبب قصور مناهجهم أو تعمدوها بوعي منهم، بل جاء نقده جذريًا في شروط إنتاج المعرفة التاريخية وما يكتنفها من أوهام وأباطيل يصعب التحرر منها من دون امتلاك منهج نقدي عقلاني قادر على دراسة الظاهرة التاريخية في بنيتها الشمولية وصيرورتها المتغيرة وقواها المحركة وقوانينها الطبيعية الضرورية، الثابتة والمتحولة، والجوهرية والعرضية.

ومن هنا يجب القول: إن النقد عند ابن خلدون ليس لحظة عابرة في منهجه أو ضرورة إجرائية للشروع بعمله، بل هو النواة الجوهرية في منهجه، إنه البعد الثوري في مجمل النسق الفكري الخلدوني الذي يشتمل على ثلاث حركات متضايفة من حركات الوعي: حركة الوعي بالذات، وحركة الوعي بالمجتمع، وحركة الوعي بالتاريخ. وليس هناك من بديل عن المنهج النقدي التاريخي لمن أراد أن يفهم التاريخ وقواه التي هي الثقافة والحضارة والمدنية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

جواب النداء؛ إلى الصديق الدكتور، نجيب عسكر

يعد التعليم أهم المؤسسات الحيوية المخولة بإعادة إنتاج المجتمعات وتمكينها وتطويرها بما تقوم به من وظيفة تكوّن الأجيال الجديدة بتربية وتنمية العقول ونقل الخبرة وحفظ المعرفة وتداولها، وذلك بحسب رؤية فلسفية مدركة أو مضمرة عن النخبة المعنية بأمر تسويس المجتمع وتدبيره. والمؤسسة التربوية التعليمة هي تكوينية بالأساس، إذ تنهض بمهمة تصميم وتشكيل وتمكين النمط الثقافي المرغوب فيه بمجتمعٍ من المجتمعات انطلاقا من السؤال الحيوي : ماذا نريد أن نكون؟

إذا كان المثل الأعلى لروضة الأطفال يتمثل في تمكين الأطفال من نطق وكتاب الحروف والأرقام والمثل الأعلى للمدرسة يتمثل في تمكين التلاميذ والتلميذات من المعارف الأساسية الأولية في مختلف التخصصات العلمية فإن المثل الأعلى للجامعة يتمثل في تمكين الطالبات والطلاب من فهم ماتعلموه في السنوات السابقة وتحويل معرفة الاولاد والبنات إلى قدرة الرجال والنساء المفترضة في بناء وتنمية المجتمعات والأوطان. هذا يشترط وجودة فلسفة تربوية وتعليمية وطنية عامة وملزمة أما حينما يخضع الاطفال والتلاميذ والطلاب لنظم ومناهج تربوية وتعليمية مختلفة المصادر ومتناقضة الأهداف ومضطربة الأدوات والاساليب وفي ظل غياب المنظومة التربوية الاستراتيجية الشاملة فمن المؤكد ان النتيجة ستكون كارثية ، كما هو حال العرب اليوم شعوب وجماعات وأفراد يعيشون في بلاد واحدة او بلدان متجاورة ليس بإمكانهم التفاهم مع بعضهم ، ويعجزون عن إيجاد اي قواسم مشتركة للتواصل والتفاهم والعيش معا، بل بلغ الحال بهم حد ان بعض سكان القرية او الحي او الشارع الواحد يجدون انفسهم فجاءة في حالة تشظي متناسلة.

فمنذ أكثر من قرن والعالم العربي يعيش ما يشبه المفارقة التاريخية الكبرى؛ فقد دخل التعليم الحديث إلى مجتمعاتنا، وتأسست المدارس والجامعات والمعاهد العليا، وتخرجت أجيال متعاقبة من حملة الشهادات، ومع ذلك ما زال سؤال النهضة مطروحاً بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة؟ ولماذا بقي التعليم في كثير من الأحيان مؤسسة لإعادة إنتاج التخلف أكثر من كونه أداة لتحرير الإنسان وتنمية قدراته؟

والجامعة بوصفها مؤسسة أكاديمية في مجتمعاتنا العربية هي مؤسسة حديثة وجديدة في كينونتها المؤسسية وبنيتها التنظيمية ووظيفتها العلمية، والتعليمية والتنموية وقيمها المهنية والأكاديمية، وأنماط علاقاتها وأهدافها وعاداتها وتقاليدها، في حين أن مجتمعاتنا بحكم التخلف التاريخي لا تزال أسير البنى والعلاقات والقيم التقليدية على مختلف صعد الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية، والاجتماعية والأخلاقية هذه البنى الثقافية التقليدية لا ريب وأنها تأثر في المؤسسة الجامعية وتخترقها بسهامها المنطلقة من كل حدب وصوب، إذ إن الجامعة ليست جزيرة منعزلة عن المجتمع التي توجد فيه، بل هي جزء من هذا المجتمع الذي يؤثر فيها وتأثر فيه. وقد تأسست أول جامعة عربية في مصر عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م جامعة القاهرة حالياً، وكانت جامعة دمشق التي تأسست عام 1923م أول جامعة عربية حكومية حديثة وفي عام 1942م أنشأت جامعة الإسكندرية وفي العام ذاته تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، ثم تأسست جامعة الخرطوم سنة 1955م وجامعة بغداد في سنة 1957م وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 300 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م.

وهكذا كما تلاحظون ليست المشكلة في ندرة المدارس أو قلة الجامعات، وليست المشكلة أيضاً في غياب المعرفة أو انعدام الاتصال بالعالم؛ إذ لم يعد الوصول إلى المعلومات حكراً على أحد في عصر الثورة الرقمية. ومع ذلك فإن مظاهر التعصب والعنف والخرافة والامتثال الأعمى ما تزال أكثر حضوراً من قيم العقلانية والنقد والابتكار. وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم التعليم ذاته وفي طبيعة العلاقة بين العلم والثقافة.

إن التعليم في جوهره ليس عملية نقل للمعلومات، بل هو مشروع إنساني يهدف إلى تكوين الإنسان. فالمدرسة والجامعة ليستا مخزنين للمعرفة، بل مؤسستان لصناعة العقل وتشكيل الشخصية وبناء الوعي. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يعرف الطالب؟ بل: ماذا أصبح هذا الطالب بعد سنوات طويلة من التعليم؟ هل أصبح أكثر قدرة على التفكير؟ أكثر استقلالاً في الحكم؟ أكثر وعياً بذاته وبالعالم من حوله؟ أم أنه مجرد حافظ جيد لما قيل له؟

ففي مجمع لا يمتلك ثقافة مؤسسية ولا ثقافة قانونية ولا يزال يخضع لهيمنة العلاقات التقليدية كيف يمكن أن تكون فيه المؤسسة الأكاديمية وقيمها لا سيما إذا تركت مكشوفة لاعداءها التقليديين بلا حماية وبلا رعاية من الدولة والمجتمع وبلا سلطة خارجية أو ذاتية وفي ثقافة لا يزال بعض الناس فيها ينكرون الطبيعة وقوانينها والإنسان وعقلة وحريته وغير ذلك الظواهر والموضوعات التي هي الموضوع الأول والأخير لكل العلوم الطبيعية والإنسانية وينكرون العقل الإنساني كأداة ومعيار للمعرفة العلمية بل وينكرون الإنسان بعده كائن كرمه الله وأكرمه بالعقل وبالقدرة على التمييز والمعرفة ومن ثم فهو يستحق بأن يعيش حياته بحرية وكرامة وأمن وأمان هذا الإنسان الذي هو الموضوع الجوهري لكل العلوم الإنسانية والاجتماعية وفي ثقافة رسمية وشعبيه لا زال مفهوم العلم فيها يثير الالتباس وغير متفق عليه، بل لا زال الاعتقاد الراسخ، بأن العلماء هم "علماء الدين أو علما الشريعة ولا أحد سواهم)، وأن العلم هو العلم الشرعي النافع في الدار الآخرة لا في هذه الدنيا الفانية (وأن كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) هذا الحديث الشريف الذي يحذر من البدع والابتداع في العقيدة الدينية الإسلامية الحنيفة السمحاء والذي جرى تأويله وتعميمه للآسف الشديد على كل مناحي حياة المسلمين بسبب الغلو والتطرف في التأويل والتفسير، وفي مجتمع لا زالت فيه الثقافة السحرية والأسطورة والخرافية واللاهوتية تهيمن على كل الأفق الثقافي والفكري عند الخاصة والعامة في مجتمع ليس من بين مثلة العليا للنجاح العلم والتعليم والتفوق العلمي والكفاءة الشخصية والأداء المتميز والمواهب الفردية بل القرابة، العشائرية القبلية والعصبية والنفوذ والمحسوبية والرشوة والوساطة والانتهازية، والابتذال والنفاق والمزايدات السياسية الأيديولوجية... يقول (جون وجاردنر) في كتابة (التميزة الموهبة والقيادة) " "إذا أعدت الرثاثة والهرجلة مجتمعاً ما فليس من السهل على أي عضو في ذلك المجتمع أن يبقى بمعزل عن التأثر بها في سلوكه الخاص والعام"

لقد أدركت الدول المحترمة أن العلم لا يزدهر إلا عندما يصبح جزءاً من النسيج الثقافي للمجتمع. فالعلم ليس مجموعة من الحقائق الجامدة، بل نمط في التفكير ورؤية للعالم وأسلوب في التعامل مع الواقع. إنه القدرة على التساؤل والشك والنقد والتجريب وإعادة النظر في المسلمات. ولهذا السبب لا يكفي أن توجد الجامعات حتى يوجد العلم، ولا يكفي أن نُخرِّج العلماء حتى نصبح مجتمعاً علمياً فالعلم ليس مجرد تراكم للمعلومات، بل هو منظومة من الممارسات المنهجية التي تهدف إلى فهم الظواهر الطبيعية والإنسانية وتفسيرها واختبار الفروض المتعلقة بها. وهو يقوم على الشك المنهجي، والنقد المستمر، وقابلية النتائج للمراجعة والتصحيح. لذلك فإن جوهر العلم لا يتمثل في امتلاك الأجوبة، بل في القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة.

شبّه الفيلسوف جوليان هكسلي منظومات الأفكار السائدة في أي مجتمع – معتقداته وقيمه وأعرافه ومواقفه – بالهيكل العظمي في الكائن الحي: فهي التي تمنح الحياة شكلها، وتحدد طريقة العيش والحركة. فالمجتمعات التي تقدّس التغيير والتحول تستثمر العلم وتحوّله إلى طاقة للنهضة، بينما المجتمعات التي تفضل النظام القائم وتخشى الجديد تحوّل العلم إلى زخرف شكلي، يُستهلك في الشهادات والطقوس لا في الإبداع والابتكار.والسؤال هنا: لماذا نهضت اليابان والصين والهند والنمور الآسيوية منذ بدايات القرن العشرين، بعد أن كانت مستعمرات مسحوقة، في ظروف مشابهة للمنطقة العربية، بينما ظل “الشرق الأوسط” أسير التبعية والتخلف؟ بل إن بعض الدول العربية كانت، قبل عقود، أغنى موارد وأفضل بنية تحتية من تلك الدول الناهضة، لكنها لم تُحوِّل إمكاناتها إلى نهضة علمية وثقافية مستدامة فكيف نفسّر أنّ أقدم جامعتين في العالم نشأتا في أرض الإسلام – جامعة القرويين (859م) والأزهر الشريف (972م) – في حين لم تعرف الولايات المتحدة جامعاتها إلا منذ نحو ثلاثمائة عام، لكنها سرعان ما غدت، في غضون عقود، أكبر قوة علمية وتكنولوجية في العالم؟

الجواب لا يكمن في “كمية التعليم” أو “عدد الجامعات”، بل في النظام الثقافي الشامل الذي يحدد موقع العلم داخل المجتمع. فالعلم يصبح ثقافة حين يتجذر في القيم العليا، في طريقة التربية والتنشئة، في أنماط التفكير والسلوك اليومي. أما حين يبقى معزولًا عن الثقافة السائدة، فإنه يتحول إلى مجرد شهادات تُعلَّق على الجدران، أو إلى أداة في يد السلطة لتعزيز شرعيتها، أو إلى سوق مفتوحة للوظائف دون روح نقدية خلاقة. إن المعضلة الكبرى التي تواجه مجتمعاتنا العربية الإسلامية هي أنّ الثقافة السائدة لم تتصالح مع العلم بعد: فهي تحتفي بالماضي أكثر مما تنفتح على المستقبل، وتُقدّس الثبات أكثر مما تؤمن بالتحول، وتبحث عن اليقين أكثر مما تحتمل الشكّ والتجريب. وفي غياب هذه الروح، يبقى العلم جسدًا بلا روح، مؤسسة بلا ثقافة، معرفة بلا فعل.

إن تحويل العلم إلى ثقافة هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية. وما لم تتغير البنية الثقافية العميقة – من التعليم إلى الإعلام، من الدين إلى القيم الاجتماعية – سيظل العلم عابرًا وهشًا، ولن يصبح كما كان في تاريخ الإنسانية: الحليف الأول للإنسان في معركته الأبدية مع الفناء والجهل والخوف.

إن الطفل يولد مزوداً بطاقة هائلة من الفضول والدهشة وحب الاستطلاع. إنه يريد أن يعرف كل شيء: من أين جاء؟ وكيف يعمل العالم؟ ولماذا تحدث الأشياء كما تحدث؟ يقول عالم النفس كارل ساغان" أن كل فرد يولد مزود بحب الاستطلاع والدهشة مما حوله، غير أن المجتمع يتولى هزيمة ذلك في نفسه، فالأطفال الصغار الذين سيكتشفون العالم المحيط بهم ببطئ ويوجهون التساؤلات البريئة: لماذا لون العشب أخضر؟ أو اين الله؟ ومن اين ولدت؟ وكيف ولدت؟ وهل توجد كرة قدم في الجنة؟ يواجهون بردة فعل غاضبة وصارمة وزاجرة كأن يقال لهم لا توجهوا أسئلة غبية؟ أو أستغفر الله العظيم! أو تسخر منه أو تحملق في وجهه أو تضربه .. الخ. وهذا ما يعيق تفتح فطرته الطبيعية ونموها وتنميتها عقلانيا وإنسانيا. غير أن التربية التقليدية كثيراً ما تتعامل مع هذا الفضول بوصفه مشكلة ينبغي كبحها لا طاقة ينبغي تنميتها. فيتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الصمت فضيلة، وأن الطاعة أهم من الفهم، وأن الإجابة الجاهزة أكثر أماناً من السؤال الحر إذ يحل الخوف محل المبادرة، ويصبح التلميذ أكثر اهتماماً بإرضاء السلطة التعليمية من اهتمامه باكتشاف الحقيقة. وما إن يصل إلى الجامعة حتى يكون قد فقد في كثير من الأحيان أهم ما يحتاجه الباحث الحقيقي: الرغبة في التساؤل. إن أخطر ما يفعله التعليم التقليدي أنه لا يقتل المعرفة، بل يقتل الرغبة في المعرفة. فهو لا يمنع الإنسان من التعلم فقط، بل يجعله يعتقد أنه تعلم بينما هو لم يفعل سوى حفظ ما قيل له. ولذلك نجد آلاف الخريجين الذين يحملون الشهادات ولكنهم عاجزون عن التفكير النقدي أو مواجهة المشكلات الجديدة أو الإبداع خارج الحدود المرسومة لهم.

يقول جون هوليت:"ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء، فهم يخلقون كذلك بالفطرة وكلما علينا أن نفعله هو التوقف عن تربيتهم وتعليمهم الغباء الذي نحمله"

بيد أن مسألة نمو العلم وتقدمه وازدهاره ليست مسألة علمية بل تتعين في تلك المجالات الواقعة خارج العلم حيث يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، وحيث يخلق الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات التي تتشكل في سياقها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين تشكيلاً عميقاً، وهذا هو معنى الثقافة بعدها منظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله كأعضاء في المجتمع، فالثقافة السائدة في حضارة ما بوصفها نموذجاً إرشادياً (باراديم) إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهارها. في ضوء هذا المنظور يمكن تمثيل العلاقة بين العلم والثقافة بعلاقة الابن والأم، فالثقافة هي الرحم الحي لتخصيب وميلاد ونمو العلم، فكيفما كانت صحة الأم يكون الابن سليماً أو سقيماً. وهكذا كانت وما برحت وظيفة الثقافة هي: تحضير ولادة الفيلسوف والمفكر والعالِم والفنان والمؤرخ والفقيه والأديب والناقد والكاتب والخبير والمربي والسياسي وكل ما يتصل بتفتيح وتنمية قوى الإنسان وقدراته ومواهبه العقلية والعاطفية والبدنية فإذا كانت الثقافة تشجع السؤال والاختلاف والحوار، فإن العلم يزدهر. أما إذا كانت تمجد الامتثال والخضوع واليقين المطلق، فإن العلم يتحول إلى مجرد زخرفة شكلية.

ومن هنا نفهم لماذا استطاعت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند أن تحقق نهضتها العلمية خلال عقود قليلة، بينما ما زالت المجتمعات العربية تراوح مكانها رغم ما تملكه من موارد بشرية ومادية كبيرة. فالمسألة لا تتعلق بعدد الجامعات ولا بحجم الإنفاق فقط، بل بالمكانة التي يحتلها العلم داخل البناء الثقافي للمجتمع.

إن التربية التي يحتاجها عصرنا ليست تربية الامتثال والطاعة بل تربية السؤال والاستنارة. وهي لا تعني رفض التراث، بل إعادة قراءته قراءة نقدية تجعل منه مصدر إلهام لا قيداً على المستقبل. كما أنها لا تعني الانبهار بالحداثة، بل القدرة على استيعاب منجزاتها وتحويلها إلى جزء من مشروع ثقافي أصيل.

إن التغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياتنا اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع تساؤل : إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة ويضيف أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في العالم المعولم الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيل من آدم حتى الآن أقصد إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وإنكماش الزمان والمكان. عصر العلم والميديا الجديدة تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط. وهذا يعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها الإ بالاستجابة الإيجابية الفعالة وتلك الاستجابة لا يمكنها أن تكون الإ بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان في كل العصور. ماذا نريد أن نكون؟!

إن النهضة تبدأ عندما يتحول العلم من مادة تُدرَّس إلى ثقافة تُعاش، ومن شهادة تُمنح إلى عقلية تُمارس، ومن معرفة تُستهلك إلى قدرة على الخلق والإبداع. وعندئذ فقط يصبح التعليم مشروعاً لتحرير الإنسان لا لترويضه، وتصبح الثقافة قوة للتغيير لا مجرد ذاكرة للماضي، ويولد الإنسان المستنير القادر على بناء عالم أكثر عدلاً وحرية وعقلانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

لطالما وقفت متاملا ومستغربا امام هذا التناقض الصارخ الذي طالما ناديت بضرورة اصلاحه وكتبت عنه مرارا، فبين اروقة الجامعات العراقية ومقاعد مدرجاتها، اجدني امام قصة نجاح اكاديمي لافتة تخطها المراة بامتياز، لكنها سرعان ما تصطدم بجدار سميك يعكس انعداما مؤلما للعدالة وتكافؤ الفرص كلما سعت للعبور الى مراكز صنع القرار الاداري.

انه لامر يثير الدهشة حقا ان نرى قاعات الدراسات العليا تعج بالطالبات اللواتي بلغت نسبتهن نحو 69% من اجمالي المقبولين، وتشكل التدريسيات ما يقارب نصف الملاك التعليمي العام بنسبة تتراوح بين 44% الى 49%، ثم نرى هذه الكثافة والفاعلية تنحسر بشكل حاد ومفاجئ كلما صعدنا في الهرم القيادي للتعليم العالي! ان هذا المشهد يكشف لي في كل مرة عن تلك الفجوة التمييزية العميقة التي تفصل بين التاهيل العلمي العالي والاستحقاق الاداري المغيب، وهو واقع يستوجب منا وقفة جادة ومراجعة جذرية.

هذا التناقض الذي يترجم غياب العدالة المؤسساتية يتجلى بصدمة الارقام في مستويات الادارة العليا، حيث تشير البيانات والتقارير الرصدية الى ان تمثيل النساء في منصب رئيس جامعة لا يتجاوز حاجز 2.9% فقط، وغالبا ما ينحصر هذا التمثيل الشحيح في كليات او جامعات مستحدثة مخصصة للبنات لابعادهم عن القيادة العامة، بينما تصدمنا الحقيقة الاكثر اجحافا في مناصب المدراء العامين داخل هيكلية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتي تكاد تسجل نسبة 0%، مما يعني ان احتكار الرجال للقرار الاستراتيجي ورسم سياسات التعليم يتخطى حاجز 97%، في اقصاء متعمد لطاقات نسوية اثبتت تفوقها الرقمي والمعرفي في حقول العلم.

ومع النزول الاداري نحو القيادات الوسطى، يستمر مشهد غياب الانصاف وان بدا اقل حدة، اذ تتارجح نسبة النساء في عمادات الكليات بين 5% الى 12% فقط، مع حصر معظمها في التخصصات الانسانية واللغات، مقابل اقصاء شبه تام عن قيادة الكليات السياسية والهندسية والتقنية، في حين تسجل النساء الحضور القيادي الملحوظ فقط في رئاسة الاقسام العلمية بنسب تتراوح بين 25% الى 35% لكون هذه المواقع تعتمد مباشرة على الاستحقاق التلقائي للاقدمية الاكاديمية والجهد اليومي الميداني الذي لا يمكن تجاوزه، والذين يهرب منه الرجال لكثرة اعبائه وقلة امتيازاته السياسية.

ان هذا الخلل الرقمي الفاضح وفجوة العدالة القيادية لا يعودان مطلقا لقلة كفاءة المراة الاكاديمية او تراجع مؤهلاتها، بل هما نتاج مباشر لبيئة التعيينات للمناصب العليا التي تخضع لمعايير المحاصصة الحزبية والعلاقات والترتيبات الذكورية خارج اسوار الجامعة، حيث تساهم هذه التوازنات الضيقة في اقصاء الكفاءات النسوية وحرمانهن من التنافس العادل على مناصب تستحقها لغة الارقام والتفوق، مما يجعل من الضروري والملح كسر هذا الاحتكار واعادة النظر في آليات اختيار القادة الاكاديميين لتكون الكفاءة العلمية والعدالة الجندرية هما المعيار الوحيد والفيصل.

***

ا. د. محمد الربيعي

 

ثمة ظاهرة تستحق التأمل طويلًا في المشهد الثقافي العراقي بعد عام 2003. فمن اللافت أن عددًا غير قليل من الموظفين، بعد إحالتهم إلى التقاعد، اندفعوا نحو كتابة المقالات وتأليف الكتب التي توزعت بين الرواية والمذكرات والسرد الشخصي والانطباعات العامة عن المجتمع والسياسة والحياة اليومية. والمفارقة أن معظمهم لم يكن لهم، طوال سنوات عملهم الوظيفي، حضور يُذكر في الصحافة أو النشاط الأدبي أو الندوات الثقافية أو حتى في الهامش الاجتماعي الذي يدور عادة حول الكتابة والقراءة. لا يتعلق الأمر هنا بإصدار حكم قيمي مباشر على ما يكتبونه، فذلك شأن آخر تحكمه معايير النقد والجماليات واللغة والبناء الفني. إنما تكمن الملاحظة الأساسية في طبيعة هذا التحول المفاجئ نفسه: كيف ينتقل شخص أمضى أربعين عامًا بعيدًا عن أي ممارسة كتابية واضحة، إلى السعي الحثيث لاكتساب صفة “الكاتب” أو “الروائي” أو “الصحفي” في مرحلة عمرية متأخرة؟ وما الذي يدفع إنسانًا عاش داخل نظام الوظيفة، بقوانينه ورتابته اليومية، إلى محاولة إعادة تعريف ذاته من خلال الكتابة بعد أن يغادر مكتبه الأخير؟

إعادة تعريف الذات

في الظاهر، قد يبدو الأمر مجرد هواية متأخرة أو رغبة بريئة في تمضية الوقت، لكن الاقتراب من هذه الظاهرة يكشف طبقات أعمق من المعاني النفسية والاجتماعية. فالكتابة هنا لا تظهر دائمًا بوصفها فعلًا أدبيًا خالصًا، بل بوصفها محاولة لإعادة ترميم صورة الذات بعد انهيار الدور الاجتماعي القديم. ذلك أن الوظيفة، في المجتمعات التي تقوم على البيروقراطية الصارمة، لا تمنح الإنسان موردًا اقتصاديًا فقط، بل تمنحه أيضًا تعريفًا واضحًا لوجوده. وحين يفقد هذا التعريف مع التقاعد، يشعر فجأة بأنه خرج من مركز الحياة إلى هامشها الصامت.

لقد كان الموظف، لسنوات طويلة، يدخل إلى مؤسسته بوصفه شخصًا معروفًا بالاسم والصفة والموقع الإداري. كان يمتلك مكتبًا وختمًا وسلطة توقيع، وكان حضوره اليومي جزءًا من حركة المجتمع. لكن التقاعد يقطع هذه الصلة دفعة واحدة. وفجأة يجد نفسه أمام وقت فائض، وأمام شعور ثقيل بأن العالم يمضي من دونه. عند تلك النقطة بالتحديد، تبدو الكتابة وكأنها وسيلة لاستعادة الاعتراف الرمزي بالوجود.

وثائق نفسية

ولهذا يمكن قراءة كثير من هذه النصوص بوصفها وثائق نفسية واجتماعية أكثر من كونها أعمالًا أدبية مكتملة الشروط. فالقيمة الحقيقية لبعضها لا تكمن في براعة الأسلوب أو تعقيد البناء السردي، بل في ما تحتويه من تفاصيل خام عن الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية داخل مؤسسات الدولة والمدن والأحياء القديمة. إن بعض هذه الأعمال، على الرغم من بعدها الواضح عن المعايير الفنية للأدب، تظل قابلة للقراءة بوصفها مادة أرشيفية قد يعود إليها باحث أو مؤرخ أو حتى روائي يبحث عن ملامح عصر كامل جرى تسجيله من الداخل، بعفوية غير مقصودة أحيانًا.

ويبرز هذا الأمر خصوصًا في المذكرات التي تُقدَّم تحت لافتة “الرواية”. فكأن كلمة “رواية” تمنح التجربة الشخصية شرعية جمالية لا تملكها في أصلها. وهنا تتكشف واحدة من أكثر الظواهر دلالة في الثقافة العربية المعاصرة: اتساع مفهوم الرواية إلى درجة أصبحت معها قادرة على احتواء أي شيء تقريبًا؛ الذكريات، واليوميات، والشهادات الشخصية، وحتى التداعيات العابرة. لقد تحولت الرواية، في نظر كثيرين، إلى الوعاء الأكثر مرونة لتمرير السيرة الذاتية تحت غطاء أدبي يمنحها قيمة رمزية أعلى.

انهيار الشرعية الثقافية

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بطموح فردي متأخر، بل ترتبط أيضًا بالتحولات العميقة التي أصابت مفهوم الثقافة بعد عام 2003. فقد انهارت، إلى حد كبير، الحدود التقليدية التي كانت تفصل بين الكاتب والقارئ، وبين النص الأدبي والخبرة الشخصية، وبين النشر الاحترافي والنشر العابر. أصبح بإمكان أي شخص أن يطبع كتابًا، أو ينشر نصًا، أو يعلن نفسه كاتبًا من دون المرور بالسياقات الصارمة التي كانت تفرضها الصحافة الثقافية أو المؤسسات الأكاديمية أو التراكم المعرفي الطويل.

لقد تغيرت فكرة “الشرعية الثقافية” نفسها. ففي زمن سابق، كان الكاتب يصل إلى الاعتراف بعد سنوات من الاحتكاك بالمجلات والصحف والندوات والقراءات المتخصصة. أما اليوم، فقد صار اللقب الثقافي متاحًا بدرجة غير مسبوقة، وأصبح الانتقال من القارئ إلى الكاتب يحدث أحيانًا بلا مقدمات واضحة. وهذا التحول، على الرغم مما يثيره من فوضى وارتباك، يكشف أيضًا عن نزعة ديمقراطية كامنة في الثقافة الحديثة؛ نزعة تسمح للأصوات المؤجلة بأن تتكلم أخيرًا، حتى وإن جاءت تلك الأصوات مرتبكة أو غير مكتملة.

الحاجة إلى الاعتراف

من الخطأ النظر إلى هذه الظاهرة بسخرية متعالية، كما يفعل بعض المثقفين الذين يتعاملون مع الكتابة بوصفها امتيازًا نخبويًا مغلقًا. فالرغبة المتأخرة في الكتابة قد تكون، في جانب منها، تعبيرًا عن حاجة إنسانية عميقة إلى الاعتراف والسرد وإعادة ترتيب الحياة داخل معنى يمكن احتماله.

إن الإنسان، حين يتقدم في العمر، يشعر بحاجة متزايدة إلى مراجعة قصته الشخصية، وإلى تحويل سنواته الماضية إلى حكاية قابلة للرواية. وربما لهذا السبب تحديدًا تظهر المذكرات في المراحل المتأخرة من العمر أكثر من أي مرحلة أخرى.

فالكتابة، في جوهرها، ليست دائمًا فعل إبداع بقدر ما هي مقاومة للنسيان. والموظف المتقاعد الذي يكتب مذكراته أو روايته الأولى لا يحاول بالضرورة أن ينافس كبار الأدباء، بل يحاول غالبًا أن يقول إنه كان هنا، وإن حياته لم تمر من دون أثر. إنه يكتب ضد الاختفاء أكثر مما يكتب من أجل الأدب.

ولعل هذا ما يمنح بعض هذه النصوص مسحتها الإنسانية الخاصة، حتى عندما تكون ضعيفة من الناحية الفنية. فخلف اللغة المرتبكة أو السرد المترهل، يمكن أحيانًا أن نلمح خوفًا دفينًا من الصمت، ومن التلاشي داخل عالم سريع النسيان. إن الكتابة هنا تصبح شبيهة بمحاولة متأخرة لوضع اسم على جدار الزمن قبل أن يُمحى كل شيء.

من جهة أخرى، تكشف هذه الظاهرة عن فراغ ثقافي عميق عاشته أجيال كاملة داخل النظام الوظيفي العربي. فقد أمضى كثير من الموظفين حياتهم في أداء أعمال روتينية استنزفت طاقتهم الداخلية، ولم تترك لهم فرصة حقيقية لاكتشاف ميولهم الفكرية أو الإبداعية. وحين انتهت الوظيفة، بدا كأنهم يستعيدون فجأة جانبًا مؤجلًا من ذواتهم. وربما لهذا تأتي كتاباتهم محملة أحيانًا بطاقة اعتراف متأخرة، وكأنها محاولة لتعويض ما ضاع من العمر.

نصوص متعجلة

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الموجة الواسعة من الكتابة قد أفرزت أيضًا قدرًا كبيرًا من النصوص المتعجلة والضعيفة، تلك التي تخلط بين الرأي الشخصي والأدب، وبين التوثيق والانفعال المباشر. غير أن هذه الفوضى ليست معزولة عن السياق الثقافي العام الذي يعيش هو الآخر أزمة معايير واختلاطًا في المفاهيم. فحين تصبح الشهرة أسرع من التجربة، ويصبح النشر أسهل من التعلم، فإن المجال الثقافي كله يدخل في منطقة رمادية تتراجع فيها الحدود التقليدية بين الكاتب الحقيقي ومن يكتفي بادعاء الصفة. لكن، رغم كل ذلك، تبقى هذه الظاهرة جديرة بالانتباه لأنها تقول شيئًا مهمًا عن الإنسان المعاصر أكثر مما تقول عن الأدب نفسه. إنها تكشف عن خوف الإنسان من أن يعيش حياة كاملة ثم يرحل من دون أن يترك وراءه أثرًا لغويًا يدل عليه. ولهذا تبدو الكتابة، في كثير من هذه الحالات، أشبه بمحاولة أخيرة لترميم المعنى الشخصي للحياة بعد أن تنتهي الأدوار الاجتماعية الكبرى.

فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش، بل يريد أيضًا أن يروي أنه عاش. والكتابة، مهما كانت متواضعة، تمنحه هذا الوهم الجميل: أن صوته قد يبقى قليلًا بعد أن يصمت العالم من حوله.

***

مروان ياسين الدليمي

(نظرة في الفرق بين الشرح على المتون والنظريات القانونية)

تمهيد: لا يمكن فهم التطور التاريخي للأنظمة القانونية دون التمييز الدقيق بين مرتبتين علميتين في عالم القانون: مرتبة "شارح القانون" ومرتبة "الفقيه القانوني".

ويرتبط هذا التمييز تاريخياً بالصراع المنهجي بين المدرسة اللفظية (الشرح على المتون) والمدرسة التحليلية الفلسفية التي تصيغ النظريات وتستنبط المقاصد.

أولاً: مدرسة الشرح على المتون (السياق التاريخي)

ظهرت في فرنسا خلال القرن التاسع عشر مدرسة فقهية عُرفت بـ مدرسة الشرح على المتون، وقد قامت هذه المدرسة على تقديس النص التشريعي (خاصة تقنين نابليون الصادر عام 1804) واعتباره المصدر الوحيد والكامل للقانون، مع التركيز الصارم على التفسير الحرفي للنصوص والبحث عن الإرادة المفترضة للمشرّع وقت وضع النص.

وقد تعرضت هذه المدرسة لاحقاً لانتقادات واسعة؛ لأنها نظرت إلى القانون نظرة شكلية جامدة، تكتفي بظاهر اللفظ وتغفل المقاصد والأهداف الاجتماعية، الاقتصادية، والإنسانية التي يتغياها القانون كظاهرة ديناميكية متطورة.

ثانياً: الفقه القانوني وفلسفته:

الفقه القانوني (Jurisprudence) هو مجموعة الآراء والتحليلات والبحوث الإبداعية التي يصدرها علماء القانون. وهو يتجاوز رصد الأحكام إلى دراسة ماهية القانون وفلسفته وأسسه، ويعتمد في ذلك على عدة محاور أساسية:

 1. المنهج المقارن: يهدف إلى مقارنة النظم القانونية المختلفة (كالقانون اللاتيني والقانون العام) لاستنباط القواعد والمبادئ المشتركة.

 2. فلسفة القانون: البحث في جوهر القانون، غايته، ومدى ارتباطه بالعدالة والأخلاق والمنطق.

 3. صياغة النظريات: وضع الأطر والمبادئ العامة الكبرى التي تُبنى عليها الأنظمة القانونية (مثل نظرية الحق، نظرية العقد، ونظرية الظروف الطارئة).

 4. التفسير التحليلي والتوجيهي:

لا يقتصر الفقه هنا على تفكيك النص، بل يحلله ويقيمه ليوضح مراميه للقضاة والمحامين، ويرشد المشرع نحو الثغرات لتعديلها.

وتتميز طريقة الشرح الفقهي الحديث بمزج النظري بالتطبيقي؛ كما نلمسه في شروحات الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري والأستاذ الدكتور عبد المجيد الحكيم في القانون المدني، والدكتور مالك دوهان الحسن في علم أصول القانون، والدكاترة علي حسين خلف وسلطان الشاوي وواثبة السعدي في قانون العقوبات.

ثالثاً: أوجه الاختلاف بين شارح القانون والفقيه القانوني

 1. شارح القانون:

هو الممارس أو الأكاديمي الذي يقتصر عمله على تفسير النصوص القانونية القائمة، وبيان معانيها الظاهرة وكيفية تطبيقها المباشر على الوقائع العملية.

 أبرز خصائصه:

   أ. التركيز التام على النص القانوني القائم (الوضعي) والالتزام بالتفسير التقليدي والحرفي.

ب. عدم الخوض في فلسفة القانون أو نقد السياسة التشريعية.

ح. السعي لبيان "إرادة المشرّع" الحالية بدلاً من السعي لتطوير القانون مستقبلاً.

 د. تمثيله في الواقع: يظهر هذا الدور غالباً لدى كثير من الممارسين من محامين ومستشارين وموظفين قانونيين، وكذلك لدى المؤلفين الذين يعتمدون أسلوب شرح القوانين "المادة تلو الأخرى".

2. الفقيه القانوني

هو المفكر والباحث الاستراتيجي الذي يتجاوز الحدود الجامدة للشرح التقليدي، ليتعمق في بناء النظريات القانونية، وتحليل فلسفة القانون، ونقد التشريعات القائمة واقتراح البدائل.

 أبرز خصائصه:

أ. البحث الدائب عن "روح القانون" ومقاصده الكبرى لا مجرد ألفاظه.

ب. ابتكار النظريات القانونية وصياغة القواعد الكلية وتطويرها.

ج. التأثير المباشر في حركة التشريع (توجيه المشرع) وفي اتجاهات القضاء (توجيه المحاكم).

 د. الربط العضوي بين القانون والواقع الاجتماعي، السياسي، والاقتصادي.

 منهجه:الفقيه في هذه المرتبة لا يكتفي بالسؤال: (ماذا يقول النص؟)، بل يتساءل عميقاً: (لماذا وُضع النص؟ وهل ما زال يحقق غايته وعدالته؟ وكيف يمكن تطويره؟).

رابعاً: الفقيه صانع النظريات القانونية (المدارس الفكرية الكبرى)

إن القوانين الإنسانية لم تتطور عبر الشراح التقليديين، بل بفضل فقهاء وفلاسفة أسسوا مدارس ونظريات كبرى صاغت وجه العالم الحديث:

1- مدرسة القانون الطبيعي: ترى أن العدالة تستمد وجودها من مبادئ عقلية وأخلاقية أسمى وثابتة في نظام الكون، وليست مجرد إرادة للحاكم. ومن ابرز روادها: أرسطو، شيشرون، توما الأكويني، جون لوك).

 2- مدرسة العقد الاجتماعي:

بحثت في أصل الدولة وشرعية السلطة، معتبرة القانون وليد توافق مجتمعي.

ومن ابرز روادها: توماس هوبز، جون لوك، جان جاك روسو).

 3- المدرسة الوضعية القانونية:

تفصل بين القانون والأخلاق، وترى أن القانون يستمد قوته وصلاحيته من صدوره عن السلطة المختصة وفق إجراءات شكلية صحيحة.

ومن ابرز روادها: جيرمي بنثام، جون أوستن، هانس كلسن، هيربرت هارت.

 4- المدرسة التاريخية والاجتماعية: ربطت القانون بالتطور التاريخي للمجتمعات وباعتباره ظاهرة اجتماعية تنبع من ضمير الجماعة. ومن ابرز روادها: سافيني، إيرنج، وروسكو باوند.

5- مدرسة البحث العلمي الحر (المختلطة)،  مؤسسها وزعيمها الفقيه الفرنسي "فرنسوا جيني" الذي نادى بضرورة النظر إلى القاعدة القانونية من حيث شكلها وجوهرها معاً.

يرى جيني أن القاعدة القانونية تتكون من عنصرين: عنصر "العلم" (الحقائق الواقعية والتاريخية والعقلية) وعنصر "الفن" أي الصياغة (القالب الفني للنصوص).

خامساً: إسهام الفقه الإسلامي في بناء النظريات القانونية:

لم يكن بناء النظريات القانونية حكراً على الفكر الغربي؛ بل قدم الفقه الإسلامي منظومات سابقة ومتطورة جداً في فلسفة التشريع وأصوله:

 1- الإمام جعفر الصادق:

أ. أسهم بشكل استراتيجي في تأصيل قواعد الاستنباط وترسيخ دور العقل في الاجتهاد من خلال تقنين منهجية استنباط الأحكام ومنح "العقل" حجية ومكاناً بارزاً كأحد أدلة استنباط القانون (إلى جانب القرآن والسنة والإجماع). واعتبر العقل أداة لتمييز ملاكات الأحكام (العلل والتشريعات) (1)..

 ب. إرساء القواعد الأصولية الكبرى:

يُعزى إليه تأصيل قواعد تشريعية حمائية كبرى، مثل قاعدة "الاستصحاب" (وهي البقاء على اليقين السابق حتى يثبت العكس، وهو المعبر عنه حديثاً بأصل البراءة أو "المتهم بريء حتى تثبت إدانته")، وقواعد "نفي الضرر" و"الفراغ والتجاوز" التي تحمي استقرار المعاملات.

 ج. الأبوة الفقهية لأئمة المذاهب:

امتد أثره ليكون أستاذاً لعمالقة الفقه؛ فالإمام أبو حنيفة النعمان لازم الإمام الصادق سنتين وقال مقولته الشهيرة: "لولا السنتان لهلك النعمان".

كما كان الإمام مالك بن أنس يحضر مجلسه ويروي عنه، وهو القائل فيه: "ما رأت عينٌ، ولا سمعت أذنٌ، ولا خطر على قلب بشرٍ، أفضل من جعفر بن محمد فضلاً وعِلماً وورعاً".

 2- الإمام الشافعي: واضع علم أصول الفقه بشكل منهجي مدون في كتابه التأسيسي *"الرسالة"*.

 3- الأئمة (الجويني والغزالي والشاطبي): تدرجوا في صياغة "نظرية مقاصد الشريعة" ؛ بدءاً من التمهيد لها، مروراً بصياغة الكليات الخمس (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) على يد الغزالي، وصولاً لتكامل النظرية بصورتها النهائية لدى الشاطبي، وتأسيس العز بن عبد السلام لفكرة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

 4- ابن خلدون: الذي درس القانون والتشريع بوصفهما ظاهرة اجتماعية وثيقة الارتباط بالعمران البشري وطبيعة الدولة.

 5- مجلة الأحكام العدلية: التي تمثل إعجازاً تقنينياً، حيث حوّلت الفقه المذهبي السائل (2) إلى مواد قانونية موضوعية ومبوبة، أثرت بشكل مباشر في صياغة القوانين المدنية العربية الحديثة.

سادساً: قمم الفقه القانوني المعاصر (السنهوري والصدر)

تجلى الفقه القانوني في أبهى صوره التجديدية في العصر الحديث عبر قمتين شامختين:

 1. الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895–1971)

يُعد "عميد الفقه القانوني العربي الحديث" حيث

أ. نجح في الجمع بين فلسفة الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الغربية الحديثة.

 ب. صاغ أهم القوانين المدنية العربية (المصري، العراقي، السوري، الليبي).

  ترك موسوعته التاريخية "الوسيط في شرح القانون المدني" كمرجع لا غنى عنه.

ب. طور نظريات الحق والالتزام والعقد برؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

2. السيد محمد باقر الصدر (1935–1980)

يُعد من أبرز المفكرين والمجددين في الفقه والأصول والنظرية القانونية الإسلامية المعاصرة. حيث ابدع في

أ. تجاوز الاستنباط الفردي والتقليدي إلى بناء "نظريات نسقية متكاملة"، فتجلى ذلك في صياغة نظرية اقتصادية كبرى في كتابه "اقتصادنا"، ورؤية فلسفية للنظام الاجتماعي في "فلسفتنا".

ب. طور مباحث علم أصول الفقه وعمّق مناهج التحليل العقلي والمنطقي فيه، رابطاً التشريع بمتطلبات التطور ومفهوم العدالة الاجتماعية.

وعلى النحو المتقدم مثّل السنهوري قمة التطور في الفقه القانوني الوضعي العربي، بينما مثّل محمد باقر الصدر قمة التجديد في الفقه والأصول والنظرية القانونية الإسلامية المعاصرة.

 الخاتمة

إن شارح القانون مفسرٌ ومبينٌ للأحكام يقف عند حدود اللفظ وصناعة التطبيق، أما الفقيه القانوني فهو مبتكرٌ ومطورٌ  يبحث في الفلسفة والمقاصد.

فكل فقيه قادر على شرح القانون، ولكن ليس كل شارح للقانون فقيهاً لأن الفقه مرتبة معرفية عميقة تتجاوز الوصف والتفسير إلى الإبداع وبناء النظريات.

وأمام تعقد العلاقات الإنسانية وتطور المجتمعات، تبرز الحاجة الملحة دوماً للفقهاء القادرين على استلهام روح القانون، بدلاً من الانكفاء تحت عباءة النصوص الحرفية الجامدة.

***

فارس حامد عبد الكريم

............................

(1) ملاكات الأحكام (جمع مَلاك) مصطلح يُقصد به في الفقه وأصول الفقه المصالح والمفاسد الكامنة وراء الأحكام الشرعية، أو السبب والحكمة، و"المناط" الذي يدور حوله الحكم.

(2) مصطلح "الفقه المذهبي السائل" يشير إلى المنهجية الفقهية التي لا تجمد عند الحرفية في نقل وتطبيق آراء الأئمة والمذاهب الفقهية، بل تتعامل معها بمرونة وانفتاح بما يخدم مقاصد الشريعة، ويُستخدم هذا المصطلح في مقابل "الفقه الجامد" أو "المغلق"، الذي يحصر اجتهاده في إطار نصوص ومسائل مذهب معين دون الالتفات إلى سياق الواقع أو تغير أحوال الناس.

في المثقف اليوم