عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

في ذكرى ميلاد المرحوم البشير ربوح

فرش اشكالي: ازمة الفلسفة عندنا، كما شخصها المرحوم البشير ربوح، تتجاوز الخلل البيداغوجي إلى عطب أعمق: في علاقتها بالمجتمع والمؤسسة، والسلطة والمعنى نفسه، فحين تفقد الفلسفة قدرتها على السؤال تتحول الى طقس كهنوتي، وتفقد ماهيتها بوصفها فعلاً نقدياً يزعزع المألوف ويفتح الممكن، وهكذا تنقلب إلى كسل فكري، وقحط وجودي، وانغلاق يفصلها عن الحياة.

كان ربوح متعباً من هذا الحال، حزينا متألما لدرس فلسفي هزيل يعاني من الانتكاسة والانغلاق، يدور حول نفسه بلا أثر لكنه — وهنا تكمن شجاعته — لم يستسلم للتشخيص. كان يؤمن بإمكانية التعافي، وبأن الفلسفة قادرة على أن تعانق الحياة من جديد إذا واجهت أعطابها واقتربت من الشارع وتفاعلت مع الزمن. « فحين تريد الفلسفة أن تفكر، أن تسأل، أن تتخطى، أن تنقد، فما عليها إلاّ أن تعانق الحياة. معانقة تقودنا مباشرة إلى مفاصلها، وتعاريقها، وانشغالاتها. ربَّ انفتاح يمنحنا فرصة التحرر من الكسل، والقحط الوجودي، والتحجر، والانغلاق، ويضعنا في قلبها النابض بعشقها».

بهذه الكلمات لم يكن يفتتح درساً، بل كان يفتتح جرحاً وفي ذكرى ميلاده، 21 أوت، لا نحتفي بتاريخ ولادته، بل باستحالة موت سؤاله: كيف نُعيد للفلسفة صوتها المزعج؟ كيف نُخرج الدرس الفلسفي في الجزائر من القحط البيداغوجي إلى الشارع الأنطولوجي؟ وكيف نُخرجها من قاعة الدرس إلى زوايا الشارع حيث تتدفق الحياة بكلّ ما فيها من قبح وجمال؟

لم يكن مسار ربوح مساراً اعتيادياً. في الوقت الذي كان فيه كثيرون يكتفون بتلقين البرنامج الرسمي، كان هو يخصص وقته للقراءة والتأمل، ويجيد الحوار مع النصوص الغربية دون أن يسقط في شراكها. اشتغل على هايدغر في أطروحة نقدية حول «المساءلة النقدية لمفهوم الميتافيزيقا في فضاء اللغة»، وقرأ إدوارد سعيد بعمق، مستفيداً مما أسماه «النقد الدنيوي» الذي يجمع بين العمق النظري والانخراط في الواقع. وقد افتتح مقاله «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي» باقتباس لسعيد يلخص مشروعه كله: «إن لم تستطع أن تلهم طلابك ليفهموا بأن التعليم هو تعليم ذاتي فعلاً وليس قبولاً بلا نقاش لما يقوله المسؤول، حينها عليك أن تدرك بأنك سلمتهم إلى عبودية فكرية وبالتالي أخلاقية»

من هنا نفهم حدة تشخيصه لأزمة الدرس الفلسفي. ليست الأزمة مجرد مشكل بيداغوجي يُحل بتغيير منهج أو كتاب مدرسي، بل هي أزمة بنيوية تعكس أزمة المجتمع بأسره. ويمكن إجمال عوائقها في خمسة محاور متشابكة:

أولها: غياب الهوية والمرجعية، فالدرس الفلسفي عندنا يبدو بلا بيت، يستورد مفاهيمه من افلاطون وديكارت وكانط وصولا الى بشلار وفوكو وتشومسكي... دون أن يجري عملية توطين حقيقية. وهنا التلميذ الذي ندرسه «العقد الاجتماعي» لروسو مثلا لا يجد نفسه داخل هذا الطرح ، فنحن نحدثه عن المواطنة دون أن يتساءل عن المواطنة الجزائرية في تجربتها المحددة إيجابا وسلبا . فيتحول الدرس إلى لغة معلّقة في الهواء، لغة بلا كينونة.

ثانيها: تشرنق النخب فأساتذة الفلسفة في الثانوي، بدلاً من أن يكونوا كتلة تاريخية فاعلة كما كان يأمل ربوح مستلهماً المصطلح من غرامشي، صاروا جزراً منعزلة. لا جمعية وطنية حقيقية تجمعهم، ولا مجلة ديداكتيكية محلية، لا ملتقيات تناقش همومهم المشتركة. فتتبدد الطاقات في صراعات هامشية، بينما يحتاج الدرس إلى من يتحدث باسمه ويدافع عنه.

ثالثها: غياب الذات الفاعلة. فالأستاذ عندنا يفتقر غالباً إلى الوعي النقدي. يرى نفسه أداة تنفيذ للبرنامج الرسمي، لا ذاتاً تتساءل وتنتقد وتبني. ينظر إلى الحاضر فقط (إنهاء البرنامج، تقديم دروس دعم لتلاميذ البكالوريا...)، لا يمتد فكره إلى المستقبل: كيف يغيّر هذا الدرس وعي جيل؟  وهنا يصير الدرس، في أحسن الأحوال، درساً بهرجاً، كما كان يسميه ربوح مستعيراً المصطلح من الفارابي: متأملاً مجرداً يحتقر العامة ويتوجه إلى خاصة الخاصة، دون أن يحدث أثراً في المجتمع.

رابعها: عجز الجامعة، وهذا الواقع المؤلم نلمسه في غياب التكوين الجامعي فغالباً ما يكون قاصراً. فمعاهد ومدارس الفلسفة تدرس تاريخ الفلسفة كمادة تحفظ فيها الأسماء والتواريخ، لا كممارسة للتفكير. وتغيب عنها الديداكتيك والتربية الفلسفية بشكل جدي. فينتج عن ذلك أستاذ يمارس الشرح بسطحية دون السؤال، والتحليل دون النقد.

خامسها: احتكار الحقيقة، فالخطاب الديني حول الفلسفة إلى مادة مشبوهة، والنخب التي تمارس الوعظ الديني ترى في نفسها الفئة المرشحة لامتلاك السلطة بحسبانها وعداً ميتافيزيقياً، وهنا يجد الأستاذ نفسه في موقف دفاعي دائم. مضطراً إلى تبرير درسه بدلاً من السؤال به. فيصير الدرس مدافعاً، لا هاجماً في معنى الاجتهاد والنقد.

لكن ربوح رغم حدة تشخيصه، لم يكن يكتفي بالتشريح. فالرجل الذي قرأ فوكو وهايدغر كان يدرك أن النقد إن لم يقترن ببرنامج عمل فإنه يبقى عاجزاً، وهنا يتجلى التجاوز في مشروع ربوح: المقاومة عنده ليست ردّ فعل، بل بديل تاريخي ونهج فكري واجتماعي.

من هنا جاءت دعوته إلى «الشارع الأنطولوجي»: ذلك الفضاء الذي تتحول فيه الطاقة العفوية إلى فعل مؤسس، ويتحول الهمّ الشعبي إلى مشروع حضاري. ومع انطلاق الحراك الشعبي الجزائري في 2019، كان ربوح كاملاً في الصفوف الأولى، يقرأ شعارات الحراك بلغة هايدغر («اللغة بيت الكينونة»)، ويرصد القطائع التي أحدثها جيل جديد مع الماضي.

وفي هذا السياق يكتمل مشروعه البيداغوجي: اعتبار الدرس الفلسفي سلوكاً ديمقراطياً. فالدرس الذي ينبثق من الحوار ليس تقنية تدريسية فحسب، بل علاقة وجودية بين الأستاذ والتلميذ. فحين يتعلم التلميذ الاعتراف بالآخر كذات مستقلة لها كرامتها، والتسامح مع المختلف، واحترام الرأي المخالف، فإنه يتعلم الديمقراطية قبل أن يدرسها نظرياً. وهذا يقتضي شروطاً إبستمية صارمة: الأشكلة، والأفهمة، والحجاج، و هذه الشروط لا تكتمل إلا حين تتحول إلى فعل يُخرج الأستاذ والتلميذ معاً من العبودية الفكرية.

كان ربوح يرفض أن يقدّم نفسه بصيغة نرجسية. حين سُئل يوماً «من هو؟» أجاب بأن السؤال نيتشوي في جوهره، يخاطب الذات في أعلى مراتب عشقها لذاتها، ثم اختار أن يقول ببساطة: «أنا الباحث المتواضع في مجال الفلسفة». هذا التواضع لم يكن مجاملة، بل موقفاً فلسفياً. فالرجل الذي ولد في رأس الوادي، المدينة نفسها التي أنجبت البشير الإبراهيمي، ظل يرى في الفلسفة فعلاً مشتركاً لا عرضاً فردياً للمعرفة. كان يسافر ليلاً في رمضان مسافات طويلة لضمان استمرار الندوات، ويحاور، ويرسل كتبه إلى أصدقائه قبل نشرها، ويؤمن بأن «الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ.

في ذكرى ميلاده... رحمه الله، نستأنف اسئلته الحارقة وعباراته الواخزة املا في ان تشرق شمس الفلسفة غدا.

***

عمرون علي

 

لم تكن الكتابة في أي مرحلة من تاريخ الإنسانية مجرد أداة للتعبير أو وسيلة لتدوين الوقائع، بل كانت دائمًا فعلًا حضاريًا يختزل قدرة الإنسان على مقاومة النسيان، وإعادة بناء العالم بالكلمة، وتحويل التجربة الفردية إلى وعي جمعي يتجاوز حدود الزمان والمكان. فمنذ أن اكتشف الإنسان قوة اللغة، أصبحت الكتابة أحد أهم مظاهر الحرية، لأنها تمنح العقل القدرة على مساءلة الواقع، وتفكيك أنساقه، واقتراح صور جديدة للحياة أكثر اتساعًا وعدلًا وإنسانية.

ولا يمكن الحديث عن الإبداع بمعزل عن الحرية، فالعلاقة بينهما ليست علاقة تكامل فحسب، بل علاقة وجود. إذ لا يزدهر الخيال في بيئة يخضع فيها الفكر لسلطة الخوف، ولا تستطيع الكلمة أن تؤدي رسالتها وهي مكبلة بقيود الرقابة أو رهينة للأفكار الجاهزة. ولهذا كانت الكتابة الحرة، عبر مختلف العصور، أحد أهم محركات التحول الحضاري، لأنها لم تكتف بوصف العالم، بل سعت إلى إعادة اكتشافه وتغييره.

لقد أدرك كبار المفكرين أن الكاتب لا يعيش خارج زمنه، لكنه لا يجوز أن يكون أسيرًا له. فهو شاهد على عصره، وناقد لتحولاته، وصانع لأسئلة جديدة تفتح آفاق التفكير أمام المجتمع. ومن هنا تكتسب الكتابة بعدها الفلسفي، لأنها ليست مجرد صناعة للنصوص، بل صناعة للوعي، وإعادة تشكيل للعلاقة بين الإنسان والحرية والمعرفة.

الإبداع بوصفه ممارسة نقدية لإعادة بناء العالم

الإبداع الحقيقي لا يبدأ من البلاغة اللغوية، ولا من براعة الأسلوب وحدها، وإنما يبدأ من امتلاك رؤية مختلفة للعالم. فالمبدع لا يكتفي بوصف الأشياء كما تبدو، بل يسعى إلى اكتشاف ما يختبئ خلفها من دلالات، وما تنطوي عليه من تناقضات وأسئلة. ولهذا فإن كل كتابة أصيلة تحمل في جوهرها بعدًا نقديًا، حتى وإن اتخذت شكل الرواية أو القصيدة أو المقال الفكري.

وقد أشار إدوارد سعيد إلى أن المثقف الحقيقي هو الذي يحتفظ بمسافة نقدية من السلطة ومن السائد، لأن وظيفته ليست ترديد ما يقوله الجميع، بل مساءلة ما يبدو بديهيًا، وكشف المناطق التي يغيب عنها التفكير الحر. ومن هنا تتحول الكتابة إلى موقف أخلاقي قبل أن تكون إنجازًا جماليًا، لأنها تنحاز إلى حق الإنسان في المعرفة، وترفض الخضوع لمنطق الامتثال.

ولا يختلف هذا التصور كثيرًا عما ذهب إليه ميلان كونديرا حين رأى أن الرواية ليست مجرد مرآة للواقع، بل وسيلة لاكتشاف الوجود الإنساني في تعقيده وغموضه. فالنص العظيم لا يقدم أجوبة نهائية، بل يوسع مساحة الأسئلة، ويجعل القارئ شريكًا في البحث عن المعنى. وهنا تكمن قيمة الإبداع؛ فهو لا يصنع اليقين، بل يحرر العقل من يقيناته المغلقة.

إن الكاتب الذي يكرر الأفكار السائدة لا يضيف شيئًا إلى الثقافة، أما الكاتب الذي يمتلك شجاعة الاختلاف، فإنه يفتح أمام قارئه أبوابًا جديدة للتفكير، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم. فالكتابة ليست نقلًا للواقع، بل إعادة تأويل له، وإعادة بناء لمعناه في ضوء التجربة الإنسانية.

والكاتب الحقيقي لا يخشى الأسئلة التي يمكن أن تزعزع المسلمات، لأن مهمته ليست حماية السائد من النقد، وإنما حماية العقل من التحول إلى مساحة مغلقة. فحين تصبح الكتابة قادرة على مساءلة ما يبدو نهائيًا، فإنها تستعيد جوهرها بوصفها فعلًا من أفعال الحرية. ومن هنا يمكن فهم الأدب والفكر باعتبارهما مجالين لمقاومة الجمود، لا مجرد فضاءين لإنتاج النصوص.

الحرية شرط لتجدد الكتابة وازدهار الخيال

كل ازدهار ثقافي في تاريخ البشرية ارتبط باتساع فضاء الحرية، لأن الخيال لا يعمل في بيئة يسودها الخوف، والعقل لا ينتج معرفة جديدة إذا كان محاصرًا بالمحرمات الفكرية. فالحرية ليست مطلبًا سياسيًا فقط، بل هي شرط معرفي وجمالي يسمح للكاتب بأن يغامر، وأن يجرب، وأن يعيد اكتشاف اللغة بوصفها فضاءً لا نهائيًا للإبداع.

لكن الحرية التي يحتاجها الكاتب تبدأ من داخله قبل أن تتحقق في محيطه. إنها حرية التخلص من سلطة النمط، ومن إغراء التكرار، ومن الخضوع لمعايير القبول السريع. فالكاتب الذي يكتب لإرضاء الجميع يفقد خصوصيته، بينما يظل الكاتب الحر وفيًا لصوته الداخلي، حتى وإن خالف المألوف أو أثار الجدل.

وقد بيّن رولان بارت أن النص الحقيقي لا يفرض معنى واحدًا، بل يفتح المجال أمام قراءات متعددة، لأن ثراء الكتابة يكمن في قدرتها على إنتاج الدلالة لا في إغلاقها. ومن هنا فإن الحرية ليست فقط شرطًا لولادة النص، بل أيضًا شرط لاستمراره، إذ يظل النص الحي قادرًا على اكتشاف معانٍ جديدة مع كل قراءة.

إن المجتمعات التي تؤمن بحرية الفكر تنتج أدبًا حيًا وفلسفة متجددة، بينما تقود هيمنة الرقابة والانغلاق إلى إعادة إنتاج الأفكار نفسها، وإلى تراجع روح الابتكار. ولهذا تصبح الحرية استثمارًا في مستقبل الثقافة، وليست مجرد مطلب لفئة من الكتّاب أو المثقفين.

غير أن أخطر القيود ليست دائمًا تلك التي تأتي من خارج الكاتب؛ فقد تتحول الجماعة نفسها إلى سلطة رمزية تفرض على المبدع ما ينبغي أن يقول وما ينبغي أن يصمت عنه. وقد يجد الكاتب نفسه، تحت ضغط الجمهور أو المؤسسات أو الرغبة في الانتشار، يعيد إنتاج اللغة التي يريد الآخرون سماعها. وهنا تصبح الحرية الداخلية أكثر صعوبة من الحرية الخارجية، لأنها تتطلب شجاعة مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين.

فالكتابة الحرة لا تعني أن يقول الكاتب كل شيء بلا مسؤولية، وإنما تعني أن يمتلك حق التفكير والاختلاف والتجريب، وأن يتحمل في الوقت ذاته مسؤولية ما ينتجه من أفكار ومواقف. الحرية والإبداع، بهذا المعنى، ليسا انفلاتًا من كل الضوابط، بل هما قدرة على تحويل الوعي إلى اختيار، والاختيار إلى موقف، والموقف إلى معرفة قابلة للنقاش.

مسؤولية الكاتب في زمن التحولات

إذا كانت الحرية تمنح الكاتب حق التعبير، فإنها تمنحه في المقابل مسؤولية مضاعفة تجاه مجتمعه وتجاه الحقيقة. فالكاتب ليس مراقبًا محايدًا للأحداث، ولا خطيبًا يردد الشعارات، وإنما هو صاحب رؤية يسعى إلى بناء وعي نقدي يحرر الإنسان من الاستسلام للأفكار الجاهزة.

لقد أوضح ميشيل فوكو أن المعرفة والسلطة ترتبطان بعلاقة معقدة، وأن الخطاب ليس بريئًا دائمًا، بل قد يتحول إلى وسيلة لإنتاج الهيمنة. ومن هنا تبرز أهمية الكاتب المستقل، الذي يمتلك القدرة على تفكيك الخطابات السائدة، وكشف ما تخفيه من مصالح وآليات تأثير، دون أن يقع في فخ الدعاية أو التبعية.

ويزداد هذا الدور أهمية في زمن الثورة الرقمية، حيث تتدفق المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، بينما تتراجع في كثير من الأحيان القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين المعرفة والانفعال. وهنا تصبح الكتابة الرصينة ضرورة حضارية، لأنها لا تلاحق الحدث فقط، بل تمنحه سياقه، وتكشف أبعاده، وتساعد القارئ على بناء موقف واعٍ منه.

لقد أصبح الكاتب المعاصر يواجه تحديًا جديدًا يتمثل في منافسة السرعة. فالمنصات الرقمية تدفع نحو الاختصار، والتفاعل السريع، والعنوان الصادم، والصورة الأكثر قدرة على جذب الانتباه. وفي مثل هذا المناخ، تصبح الكتابة العميقة فعل مقاومة لثقافة الاستهلاك السريع للمعنى. فالكاتب لا يستطيع أن ينافس تدفق المعلومات بسرعته، لكنه يستطيع أن يمنحها ما تفتقده: السياق، والتأمل، والتحليل، والقدرة على طرح السؤال.

ومن هنا فإن مسؤولية الكاتب اليوم لا تتعلق فقط بما يكتبه، وإنما أيضًا بالطريقة التي يتعامل بها مع الحقيقة. فالكلمة يمكن أن تبني وعيًا، لكنها يمكن كذلك أن تساهم في إنتاج الوهم حين تنفصل عن التحقق والنزاهة. ولذلك فإن الحرية الصحفية والثقافية لا يمكن أن تستقيم من دون أخلاق الكتابة، ولا يمكن للكاتب أن يدافع عن حريته إذا كان مستعدًا للتنازل عن الحقيقة من أجل الشهرة أو الانتشار أو إرضاء جهة ما.

لقد رأى أوكتافيو باث أن الحرية والشعر وجهان لحقيقة واحدة، ويمكن توسيع هذا المعنى ليشمل كل أشكال الإبداع؛ فالكلمة التي تنبع من عقل حر لا تكتفي بوصف العالم، بل تعيد اكتشاف الإنسان، وتمنحه القدرة على مقاومة العزلة والخوف واللامبالاة.

 ليست قيمة الكاتب في عدد النصوص التي ينتجها، ولا في حجم حضوره في المنصات الإعلامية، وإنما في مقدار ما يضيفه إلى وعي الإنسان. فالكتابة التي لا تغير شيئًا في طريقة النظر إلى العالم قد تكون جميلة، لكنها تظل محدودة الأثر؛ أما الكتابة التي تجعل القارئ يتوقف، ويسأل، ويعيد التفكير، ويكتشف ما كان غائبًا عنه، فإنها تتجاوز حدود النص لتصبح فعلًا ثقافيًا.

إن الحرية هي الروح التي تمنح الكتابة قدرتها على الابتكار، والكتابة هي إحدى الأدوات التي تحمي الحرية من التحول إلى شعار فارغ. وبينهما تنشأ مسؤولية الكاتب: أن يكون حرًا دون أن يكون عبثيًا، ناقدًا دون أن يتحول إلى مجرد معترض، ملتزمًا بالحقيقة دون أن يصبح أسيرًا لأي سلطة، ومخلصًا للإنسان دون أن يفقد حقه في الاختلاف.

هكذا تظل الكتابة، في جوهرها الأعمق، محاولة دائمة لتحرير الإنسان من الخوف ومن الجهل ومن استبداد المعنى الواحد. إنها ليست مجرد كلمات تُكتب على الورق أو تُنشر على الشاشة، وإنما أثر يتركه العقل الحر في زمنه. وكلما استطاع الكاتب أن يجعل من كلمته مساحة للسؤال، ومن سؤاله طريقًا إلى المعرفة، ومن المعرفة سبيلًا إلى وعي أكثر حرية، استعاد الإبداع معناه الحقيقي بوصفه إحدى أكثر الممارسات الإنسانية قدرة على مقاومة الجمود وإعادة بناء العالم.

***

البشير عبيد - شاعر وكاتب تونسي

 

اشارات حول فلسفة فتحي التريكي

المسألة ليست: هل التريكي «مع» اليسار أو «ضد» اليسار؟ ولا: هل هو «مع» النهضة أو «ضدها»؟ وإنما: من أي أفق فلسفي ينبغي أن نقرأ مفاهيم الصديق والعدو، والأخلاق والأخلاقيات، والوطنية والكونية، والاختلاف والعيش المشترك؟

وهذا مهم خصوصًا أن مشروع التريكي يربط بالفعل بين فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة وبين التنوع والعقل والحرية وجمالية العيش المشترك، كما تربط مشروعه بفكرة «أخلاقية العيش المشترك» وبالتعقّل بوصفه ممارسة عملية موجهة إلى حسن العيش.

من الأخلاق إلى الإيتيقا: في فلسفة فتحي التريكي وإشكال الصديق والعدو

ليس من اليسير أن يُقرأ موقف فلسفي خارج الأفق النظري الذي أنتجه. فكثير من سوء الفهم لا ينشأ من غموض العبارة في ذاتها، وإنما من إخضاعها لمفاهيم ومنظومات تصورية تنتمي إلى أفق آخر. وهذا ما يبدو أنه يحدث في بعض القراءات التي تتناول مواقف فتحي التريكي، حين تُقرأ عباراته السياسية المباشرة بمنطق الاصطفاف الإيديولوجي التقليدي، فيُسارع إلى وضعه في خانة «اليسار» أو «اليمين»، أو في خانة الدفاع عن هذه الحركة السياسية أو تلك، بينما قد يكون المطلوب فلسفيا هو الانتقال من سؤال الاصطفاف إلى سؤال الأفق الفلسفي الذي يجعل هذا الاصطفاف نفسه موضع نقد.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مسألتين مترابطتين: الأولى تتعلق بموقع فلسفة فتحي التريكي من الأخلاق والإيتيقا، ومن الحداثة وما بعدها، ومن التنوع والاختلاف والعيش المشترك؛ والثانية تتعلق بإعادة التفكير في ثنائية الصديق والعدو في ضوء هذا الأفق الفلسفي. فإذا لم نحدد أولا طبيعة فلسفة التريكي، استحال علينا أن نفهم كيف يمكن أن يستعمل مفردات سياسية كلاسيكية مثل «الصديق» و«العدو» دون أن يعني ذلك بالضرورة العودة إلى المنطق السياسي الذي جعل من هذه الثنائية أساسا للسياسة.

أولا: قبل الحكم على التريكي: أي فلسفة نقرأ؟

تكمن إحدى مشكلات القراءة في التعامل مع فتحي التريكي كما لو كان مجرد مثقف سياسي له موقف من هذا الحزب أو ذاك، أو كما لو كان امتدادا آليا لإيديولوجيا سياسية سابقة. والحال أن مشروعه الفلسفي أوسع من هذه الاصطفافات بكثير. فقد ارتبط مشروعه، في دراسات تناولت فلسفته، بفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة، وبالتنوع والعقل والحرية وجمالية العيش المشترك، وبالسعي إلى جعل الفلسفة متصلة بالحياة العمومية لا منفصلة عنها.

لذلك فإن اختزال التريكي في «موقف إيديولوجي» يهدد بإضاعة السؤال الفلسفي الذي ينبغي أن يُطرح: ما الذي يجعل موقفا سياسيا ما منسجما أو متعارضا مع شروط العيش المشترك؟

إن الأمر هنا لا يتعلق بتبرئة التريكي مسبقا من أي نقد، فهذا ليس من وظيفة الفلسفة، وإنما يتعلق بتحديد مستوى النقد. فالفيلسوف لا يُحاكم فقط بالنظر إلى هوية الجماعة التي عارضها أو الجماعة التي وافقها، وإنما أيضا بالنظر إلى المفاهيم التي تحكم موقفه، وإلى الاتساق الداخلي بين هذه المفاهيم.

وهذا هو المدخل الذي يسمح بفهم التريكي باعتباره فيلسوفا للتنوع والتعدد والعيش المشترك، لا باعتباره منظرا لأخلاق الاصطفاف الإيديولوجي.

ثانيا: من الأخلاق إلى الأخلاقيات: التحول الذي يغير معنى الموقف

هنا تظهر المسألة المنهجية الأهم: الفرق بين الأخلاق والإيتيقا، أو بين الأخلاق بوصفها نسقا معياريا مغلقا، والأخلاقيات بوصفها تفكيرا في شروط العيش مع الآخر.

ليس المقصود بهذا التمييز مجرد اختلاف اصطلاحي بين morale وéthique. فالمسألة أعمق من ذلك. إن الأخلاق، في أحد استعمالاتها الكلاسيكية، تنطلق من منظومة من القواعد والمعايير التي تحدد مسبقا ما ينبغي فعله وما ينبغي رفضه، ومن ثم يمكن أن تتحول إلى منظومة مكتفية بذاتها، تستمد مشروعيتها من اعتقادها بامتلاك الحقيقة المعيارية. أما الإيتيقا فتضع العلاقة بالآخر، وبالاختلاف، وبالسياق، وبإمكان العيش معا في قلب السؤال.

لهذا فإن الانتقال من الأخلاق إلى الإيتيقا يعني، فلسفيا، الانتقال من سؤال:

ما السلوك الصحيح الذي ينبغي للجميع أن يلتزموا به؟

إلى سؤال أكثر انفتاحا:

ما الشروط التي تجعل إمكان العيش معا ممكنا رغم اختلافنا؟

والفرق بين السؤالين جوهري. فالأول قد ينتهي إلى توحيد البشر حول معيار واحد، بينما الثاني يبدأ من حقيقة أنهم مختلفون أصلا، وأن المشكلة السياسية والأخلاقية ليست في إزالة الاختلاف، وإنما في إنتاج شروط تجعل الاختلاف قابلا للعيش.

وهنا تحديدا يمكن فهم مكانة «العيش المشترك» في مشروع التريكي. فالدراسات التي تناولت فلسفته تربط بين مفهوم التعقّل عنده وبين بناء فلسفة إنسية غايتها بلوغ «أخلاقية العيش المشترك»، كما تجعل من التعقل ممارسة عملية وأخلاقية تتجه إلى حسن العيش في المدينة ومع الآخرين.

وبهذا المعنى، فإن فلسفة التريكي لا تنطلق من البحث عن مجتمع متجانس يمحو الاختلاف، بل عن وحدة لا تلغي التعدد، وكونية لا تلغي الخصوصية، وهوية لا تتحول إلى سجن للآخر.

ثالثا: التنوع ليس إضافة إلى فلسفة التريكي، بل هو شرطها

إذا كان الاختلاف واقعة إنسانية لا يمكن إلغاؤها، فإن العيش المشترك لا يمكن أن يقوم على مبدأ إزالة الاختلاف. إنه يقوم على تحويل الاختلاف من سبب للصراع إلى شرط للتعايش.

ومن هنا تتخذ مفاهيم مثل «جمالية العيش المشترك» و«أخلاقيات العيش المشترك» معناها الفلسفي. فالجمال هنا ليس مجرد وصف جمالي للعيش، والأخلاقيات ليست مجموعة أوامر سلوكية؛ إنهما يشيران إلى محاولة بناء نمط من الوجود المشترك يجعل من الآخر شريكا في العالم لا عقبة ينبغي التخلص منها.

ارتبط مشروع التريكي بفكرة أن العيش المشترك يقوم على الحوار، واحترام الاختلاف، والكرامة، والحرية، وعلى إمكان بناء أرضية مشتركة بين الأنا والآخر دون أن يفقد أحدهما هويته

ومن ثم فإن الكونية التي يمكن نسبتها إلى هذا المشروع ليست كونية التجانس، ولا كونية إلغاء الخصوصيات باسم نموذج واحد، وإنما هي كونية تنشأ من التقاء الاندفاعات الخلاقة بين البشر؛ أي كونية لا تسبق التعدد وإنما تتشكل من داخله.

وهنا يصبح الاختلاف ليس نقيضا للوحدة، بل طريقا آخر إليها.

رابعا: حين تتخذ الأخلاق شكل الإيديولوجيا

من هذه الزاوية يمكن فهم المفارقة التي تكشفها التجارب السياسية الحديثة والمعاصرة. فليس كل خطاب أخلاقي بالضرورة خطابا إنسانيا، وليس كل من رفع راية التحرر قد تحرر من منطق الهيمنة.

إن التاريخ السياسي الحديث يبين أن مشاريع ادعت تمثيل الإنسان أو الثورة أو الدين أو الأمة أو التحرر استطاعت، في ظروف معينة، أن تنتج أشكالا جديدة من الإقصاء والعنف. ولذلك لا يكفي أن يعلن مشروع سياسي أنه يحمل قيمة أخلاقية حتى يصبح بالضرورة حاميا للإنسان.

هنا ينبغي أن نستعيد، بحذر وبتمييز تاريخي، أمثلة من تاريخ الفلسفة نفسها: فقد صدرت عن بعض الكتابات الأوروبية، بما فيها كتابات ماركس وإنجلز، مواقف من الاستعمار يمكن أن تبدو اليوم متعارضة مع المبدأ التحرري الذي يُنسب إلى المشروع الماركسي. وهذه المفارقات لا تثبت أن «الماركسية هي الاستعمار»، كما لا تثبت العكس، وإنما تكشف شيئا أكثر أهمية فلسفيا: أن الإيديولوجيا التحررية قد تحمل داخلها توترات بين مبدأها الكوني وتطبيقاتها التاريخية.

والأمر نفسه يصدق على التيارات الدينية السياسية حين تتحول قيمة دينية أو أخلاقية إلى معيار لإلغاء الآخر، أو حين تتداخل الشعارات الدينية مع مشاريع القوة والحرب والتدخل الخارجي.

المشكلة إذن ليست في الدين وحده ولا في اليسار وحده ولا في اليمين وحده. المشكلة في تحول الأخلاق إلى يقين مغلق يمنح صاحبه حق تعريف الخير والشر نيابة عن الجميع، ثم يحول الاختلاف في الرأي إلى خروج من دائرة الشرعية الإنسانية.

وهنا يصبح السؤال الإيتيقي أكثر صعوبة: ليس «هل نحن أصحاب الأخلاق؟»، وإنما «هل أخلاقياتنا تسمح للآخر بأن يكون مختلفا عنا؟

خامسا: من نقد الإيديولوجيا إلى نقد احتكار الحقيقة

إذا كان ثمة ما ينبغي الدفاع عنه في فلسفة التريكي، فهو ليس انتماءه إلى هذا المعسكر أو ذاك، وإنما ضرورة عدم اختزاله في هذه المعسكرات أصلا.

فالفلسفة التي تجعل التنوع والاختلاف والعيش المشترك في مركز اهتمامها لا تستطيع أن تكون فلسفة احتكار للحقيقة. إنها تنطلق من الاعتراف بأن الإنسان لا يعيش في عالم أحادي الصوت، وأن الاختلاف ليس خللا ينبغي تصحيحه، وإنما هو أحد شروط وجود المجال العمومي ذاته.

ولهذا فإن من يقرأ التريكي بمنظار «التخندق» الإيديولوجي قد يكون، paradoxically، قد نقل النقاش من مستوى الفلسفة إلى مستوى الإيديولوجيا التي يدعي أنه ينتقدها.

فأن تقول إن التريكي «مع النهضة» أو «ضد النهضة»، أو «مع اليسار» أو «ضده»، لا يحسم السؤال الفلسفي. وحتى لو صحّ توصيف موقف سياسي بعينه، يبقى السؤال: ما المعيار الذي حكم هذا الموقف؟

سادسا: المسألة الثانية — الصديق والعدو

من دون هذا التمهيد يصعب فهم العبارة التي قالها فتحي التريكي بشأن اليسار الكلاسيكي ومشاركته في مظاهرة 20 أوت، حيث اعتبر أن بعض عناصر اليسار الكلاسيكي «ضائعون»، وربط العمل السياسي بضرورة «تحديد الصديق وتحديد العدو»، ثم رأى أن مشاركة اليسار في تلك المظاهرة «عبث ولخبطة» قد تمثل خطرا على مستقبل تونس.

إن قراءة هذه العبارة قراءة حرفية قد تقود إلى نتيجة مفادها أن التريكي يعود إلى السياسة الكلاسيكية القائمة على ثنائية الصديق والعدو. لكن هذه النتيجة تحتاج إلى قدر من التحفظ؛ لأن المفهوم نفسه لا يحمل المعنى ذاته في كل سياق فلسفي.

فـ«الصديق والعدو» مفهوم له تاريخ طويل في الفكر السياسي، ولا يمكن اختزاله في نموذج واحد. ويبلغ أحد أشهر أشكاله الحديثة ذروته مع كارل شميت، حيث تصبح التفرقة بين الصديق والعدو معيارا للسياسي ذاته. غير أن مجرد استعمال المفردتين لا يعني تبني النظرية الشميتية، كما أن استعمالهما في سياق فلسفة للعيش المشترك يقتضي إعادة تحديد دلالتهما.

وهنا يمكن اقتراح قراءة مختلفة لموقف التريكي: العدو، في أفق فلسفة العيش المشترك، ليس من يختلف معي، بل من يهدد إمكان الاختلاف نفسه.

وهذه نقطة فاصلة.

سابعا: العدو ليس المختلف

إذا كان الاختلاف قيمة مؤسسة للعيش المشترك، فلا يمكن أن يكون المختلف عدوا لمجرد اختلافه. بل إن تحويل المختلف إلى عدو هو بالضبط ما تهدف فلسفة التعدد إلى مقاومته.

فاليساري ليس عدوا لأنه يساري، والإسلامي ليس عدوا لأنه إسلامي، والقومي ليس عدوا لأنه قومي، والليبرالي ليس عدوا لأنه ليبرالي. إن الاختلاف السياسي، مهما بلغ، يدخل في صميم المجال العمومي الذي لا معنى له من دون تعدد.

لكن الأمر يتغير عندما لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف، بل يتحول إلى ممارسة تهدم شروط الاختلاف ذاته.

هنا يمكن أن نعيد تعريف العدو داخل أفق فلسفة العيش المشترك: إنه ليس الشخص الذي يختلف عني، وإنما الفعل أو المشروع أو الممارسة التي تجعل العيش المشترك مستحيلا؛ أي التي تقوم على الإقصاء، أو العنف، أو نزع الإنسانية عن الخصم، أو تبرير القتل، أو رفض حق الآخرين في الوجود والاختلاف.

وبهذا المعنى، يصبح الصديق هو الآخر الذي يختلف معي ولكنه يقبل مبدئيا أن أكون مختلفا عنه؛ أما العدو فهو الذي يريد أن يجعل اختلافنا نفسه مستحيلا.

وهذا التعريف ينقل الثنائية من هوية الأشخاص إلى طبيعة الممارسات.

إنه انتقال فلسفي مهم: لسنا أمام «عدو» بالمعنى الأنطولوجي، أي شخص ولد عدوا أو ينتمي إلى جماعة هي بطبيعتها عدو، وإنما أمام موقف أو ممارسة يمكن أن تتحول إلى تهديد لشروط العيش المشترك.

ثامنا: هل يمكن للعيش المشترك أن يتسامح مع من يرفض التسامح؟

هنا نصل إلى المعضلة الأصعب.

إذا كان العيش المشترك قائما على الاختلاف، فهل ينبغي أن يقبل أيضا من يرفض الاختلاف؟ وإذا كان التسامح قيمة مؤسسة له، فهل يجب أن يتسامح مع من يجعل من التسامح نفسه هدفا للعداء؟

هذه ليست مسألة خاصة بالتريكي، بل هي واحدة من أعمق معضلات الفلسفة السياسية والأخلاقية الحديثة والمعاصرة. فالعيش المشترك لا يمكن أن يكون ساذجا إلى درجة أن يسمح لقوى تسعى إلى تدميره باستعمال حرياته لتقويضها.

ومن هنا يمكن أن يصبح موقف التريكي مفهوما على نحو أكثر دقة: إن التحالف أو التظاهر المشترك لا يُقاس فقط بهوية المشاركين فيه، وإنما بما قد يعنيه هذا الاشتراك بالنسبة إلى شروط المجال العمومي والتنوع والتعدد.

فإذا اجتمعت جماعات مختلفة سياسيا حول قضية واحدة، فالسؤال الفلسفي ليس فقط: «هل القضية عادلة؟»، وإنما أيضا: هل هذا الاشتراك يحمي شروط العيش معا أم يهددها؟

وهذا السؤال لا يسمح بإدانة اليسار أو تبرئة اليمين أو العكس. إنه يضع الجميع أمام المعيار نفسه.

تاسعا: من «الصديق والعدو» إلى "صديق العيش المشترك وعدو العيش المشترك"

إذا أردنا إذن أن نفهم العبارة ضمن فلسفة التريكي، فقد يكون من الأجدى ألا نستعمل ثنائية «الصديق/العدو» بمعناها الشميتي المباشر، بل أن نعيد صياغتها على النحو التالي:

صديق العيش المشترك هو من يحمي إمكان الاختلاف، وعدو العيش المشترك هو من يهدد هذا الإمكان.

وعندئذ يصبح معيار الصداقة والعداوة معيارا إيتيقيا-سياسيا لا معيارا حزبيا.

قد يكون شخص من اليسار صديقا للعيش المشترك، وقد يكون شخص من اليسار نفسه خصما له إذا تحول مشروعه إلى إقصاء وعنف؛ وقد يكون شخص من اليمين مدافعا عن التعدد في موقف ما، وقد يصبح خصما للعيش المشترك إذا رفض حق الآخرين في الاختلاف. وكذلك لا تكفي الهوية الدينية أو العلمانية أو القومية أو الاشتراكية لتحديد الصديق والعدو.

المعيار هو الموقف من العيش معا.

وهذا هو المعنى الذي يسمح بفهم فلسفة التريكي دون ردها إلى أخلاق الاصطفاف.

عاشرا: الوطنية والكونية: لا وطنية بلا انفتاح

من هنا أيضا يمكن فهم موقف التريكي من الوطنية والخصوصية والكونية. فالوطنية لا تصبح قيمة فلسفية لمجرد أنها وطنية، كما أن الكونية لا تصبح قيمة لمجرد أنها كونية.

الوطنية التي تنغلق على ذاتها يمكن أن تتحول إلى قومية إقصائية، والكونية التي تفرض نموذجا واحدا على الجميع يمكن أن تتحول إلى شكل من أشكال الهيمنة. لذلك فإن الرهان الحقيقي هو بناء علاقة جدلية بين الخصوصية والكونية: أن يكون للإنسان وطنه دون أن يتحول الوطن إلى ذريعة لإنكار إنسانية الآخر، وأن يكون منفتحا على الكوني دون أن يفقد خصوصيته.

وهنا يمكن استعادة أحد أهم رهانات فلسفة التريكي: الوحدة لا تكون بإلغاء التنوع، والكونية لا تكون بإلغاء الخصوصيات.

فالكونية الإيجابية ليست كونية القوة التي تقول للآخر: كن مثلي، وإنما كونية اللقاء التي تسمح لمختلف الذوات والثقافات بأن تلتقي دون أن تتحول إلى نسخة واحدة. وهذا ما يجعل «العيش المشترك» أكثر من مجرد تعايش سلبي؛ إنه مشروع إيجابي لإنتاج عالم يستطيع المختلفون أن يتقاسموا فيه المجال نفسه.

حادي عشر: في نقد القراءة الكلاسيكية لموقف التريكي

لهذا يبدو أن الاعتراض على موقف التريكي يصبح فلسفيا فقط عندما يتجاوز سؤال: «مع من وقف؟» إلى سؤال: أي تصور للعيش المشترك يحكم موقفه؟

فمن الممكن بالطبع نقد التريكي والقول إن تحديد «العدو» قد ينزلق إلى منطق الإقصاء، أو أن تقدير خطر سياسي معين قد يكون مبالغا فيه، أو أن تصنيف المشاركين في فعل جماعي تحت عنوان واحد قد يكون تبسيطا مفرطا. وهذه اعتراضات مشروعة.

لكن النقد يصبح أقل مشروعية حين يبدأ من افتراض أن استعمال مفهوم «العدو» يعني بالضرورة العودة إلى السياسة الشميتية، أو أن انتقاد مشاركة اليسار في تظاهرة معينة يعني الانحياز إلى خصومه السياسيين.

الفلسفة لا تعمل بهذه الطريقة.

فالمطلوب هو اختبار المفهوم داخل منظومته، ثم مساءلة اتساقه ونتائجه.

وهنا تظهر المفارقة: قد يكون نقد التريكي ممكنا من داخل فلسفة العيش المشترك نفسها، لكن لا يمكن إنصافه بإعادته إلى الإيديولوجيا التي يحاول تجاوزها.

خاتمة: ليس السؤال من الصديق ومن العدو، بل ما الذي يجعلنا قادرين على العيش معا؟

في النهاية، لا ينبغي أن تنتهي قراءة موقف فتحي التريكي إلى إعادة إنتاج ثنائية اليسار واليمين، أو النهضة والتجمع، أو العلمانية والدين، أو الوطنية والخيانة. فهذه الثنائيات قد تكون موضوعا للسياسة، لكنها ليست بالضرورة معيارا للفلسفة.

السؤال الفلسفي الأعمق هو: ما الذي يحفظ إمكان العيش المشترك؟

وعندما يصبح هذا السؤال هو نقطة الانطلاق، يتغير معنى كل شيء: يصبح الاختلاف قيمة لا جريمة، والتنوع شرطا لا عائقا، والآخر شريكا في العالم لا خصما يجب محوه، والوطن مجالا للمشاركة لا ملكية حصرية، والكونية أفقا للقاء لا أداة للهيمنة.

وعندئذ أيضا ينبغي أن نفهم عبارة «الصديق والعدو» بطريقة مختلفة: ليس الصديق هو من ينتمي إلى معسكرنا، وليس العدو هو من ينتمي إلى المعسكر المقابل؛ الصديق هو من يجعل الاختلاف ممكنا، والعدو هو من يجعل الاختلاف مستحيلا.

لكن هذا التعريف لا ينبغي أن يتحول هو الآخر إلى عقيدة مغلقة. فحتى الدفاع عن العيش المشترك يمكن أن يتحول إلى إيديولوجيا إذا ادعى امتلاك تعريف نهائي لمن هو «عدو العيش المشترك». لذلك تظل الإيتيقا أكثر انفتاحا من الأخلاق المغلقة: إنها لا تتخلى عن المعيار، لكنها تضعه باستمرار موضع الفحص؛ لا تتخلى عن القيم، لكنها ترفض تحويلها إلى وثوقية؛ ولا تتخلى عن الحكم، لكنها تجعل الحكم قابلا للتبرير والمراجعة.

ومن هنا تحديدا يمكن العثور على فتحي التريكي الذي يصعب العثور عليه إذا بحثنا عنه فقط داخل خرائط الاصطفاف السياسي: فتحي الحداثة وما بعدها، فتحي الوحدة والتنوع، فتحي الخصوصية والكونية، فتحي الحرية والعيش المشترك.

وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الحاسم ليس: هل كان فتحي التريكي مع اليسار أم ضده؟ ولا: هل كان مع النهضة أم ضدها؟ وإنما: هل كان موقفه، في هذه اللحظة أو تلك، وفيا للمبدأ الذي يجعل فلسفته ممكنة: حماية إمكان أن نعيش معا رغم اختلافنا؟

هنا فقط ينتقل النقاش من السياسة اليومية إلى الفلسفة؛ ومن الأخلاق التي تحاكم الآخر وفق معيار مكتمل سلفا إلى الإيتيقا التي تسأل عن شروط إمكان الحياة المشتركة؛ ومن «الصديق والعدو» بوصفهما هويتين ثابتتين إلى «صديق العيش المشترك وعدوه» بوصفهما وظيفتين سياسيتين وأخلاقيتين قابلتين للفحص والنقد.

وهذا، في تقديري، هو المدخل الذي يسمح بقراءة موقف التريكي لا بوصفه تخندقا إيديولوجيا، وإنما بوصفه موقفا يحتاج إلى أن يُختبر من داخل مشروع فلسفي يجعل من التنوع والاختلاف والعيش المشترك أفقا للحياة السياسية والإنسانية.

***

أحمد الكافي يوسفي: باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة

اعتاد المهتمون بالتصوف الإسلامي كحركة تجديد في التاريخ الإسلامي توصيف الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي بأنه سلطان العارفين إسوة بالشاعر الصوفي عمر بن الفارض بأنه سلطان العاشقين، وهذا الاستحقاق للأول بالمعرفة مفاده أن ابن عربي يشبه النحلة النشيطة، إذ ينتقل من روض معرفي إلى آخر، ينهل ويتعلم ويعي ويفطن ما يتعلمه، وكانت عزيمته لا تعرف الكلل، ونبغ في مجاله وميدانه حتى أجازه أساطين عصره من أمثال ابن عساكر إمام هذا الوقت وزمانه، وكذلك ابن الجوزي الذي كان علامة العصر والزمان والتاريخ. ويمكننا أن نلمح نشاط قطبنا الصوفي الكبير في مؤلفاته، حيث ترك عدداً ضخماً من المؤلفات في شتى العلوم الصوفية تقدر بحوالي ثلاثمائة كتاب من أشهرها الفتوحات المكية التي تقع في أربعة مجلدات ضخمة، وكتاب فصوص الحكم. ويعد هذا الكتاب من الدرر التي كتبت في تاريخ التصوف الإسلامي بمجمله، إذ استطاع فيه ابن عربي أن يقدم رؤية صوفية إزاء بعض التي يمكن توصيفها بالفلسفية المجردة والتي تحتاج إلى عناية كبيرة بتقديمها إلى القارئ العربي بقصد توضيحها وتيسيرها عليه، وديوان (ترجمان الأشواق)، وهذا الأخير اجتهد المفسرون وفقهاء التاريخ أن يضعوا حدوداً جغرافية وتنظيرات تأويلية له عن مقصده وهدفه ولمن كتب. وابن عربي كصوفي وقطب كبير يختلف تمام الاختلاف مع نظرائه من أهل التصوف، فلقد ابتعد عن التقليد الذي كان شائعا ًفي زمانه، ولم يهتم بأن يكون مردداً لكلام من سبقوه بغير تفهم لمقاصدهم الرئيسة.

 فأتى بأسلوب رشيق وجديد ومليئ بالمفارقات والدهشة، بل كما يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه (التجليات الروحية في الإسلام ـ نصوص صوفية عبر التاريخ) إلى أن ابن عربي جاء بمتضادات مفهومية يتحير العقل إزاءها، ومن أمثال ذلك عبارته الشهيرة  ” سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها، فكيف يكون الخالق هو عين المخلوق؟.

ولا يعد ابن عربي الوحيد من متصوفة الإسلام الذين استبقوا في الاهتمام بالعرفانية أو بالأحرى الأخذ بالطرح الفلسفي القريب إلى الذهنية بغير تخلٍ عن جوهر التصوف وهو المحبة، بل هناك أقطاب كثيرون يمكن الاجتهاد في محاولة رصد وسرد أسمائهم مثل السهروردي وشقيق البلخي والإمام الجنيد والمحاسبي ويأتي على رأس كل هؤلاء إمام التصوف الإسلامي الشيخ عبد الجبار النفري بكتابه الماتع المواقف والمخاطبات. والعرفانية لدى أقطاب التصوف لا تخرج عن صفاء الروح وعقلية رائقة تتسع لكافة الأفكار والطروحات والرؤى لاسيما وأنها تجربة تتمايز كلية عن التجربة الدينية العادية.

وربما الاتهامات المتلاحقة التي نالت من التصوف بحجة أنه اتجاه روحي فحسب ولا علاقة له بالعقل أو فعل الإرادة الذهنية، هي التي دفعت المتأخرين من مؤرخي حركة التصوف الإسلامي نحو إبراز دور الوعي والإدراك لدى متصوفة الإسلام، وأن كنه التصوف لا يتمثل في مساجلات تنظم شعراً أو مجرد أقوال مرهونة بمواقف محددة بل هو وعي شديد الحضور وضرب من ضروب النشاط العقلي والذهني، وإن جازت التسمية في بعض الأحايين بأنه ما فوق الإدراك وما وراء المعرفة. وإذا كان مؤرخو التصوف الإسلامي قد أسرفوا في جمع المواضعات الخاصة والمرتبطة بالمفهوم وركزوا غالباً على التجربة الروحية للمتصوفة معتمدين في ذلك على التعريف الأشهر للتصوف الذي قاله الصوفي الكبير بشر بن الحارث المعروف بالحافي بأن التصوف هو صفاء الأسرار ونقاء الآثار، فإن كثيرين أيضاً أكدوا على أن التجربة الروحية تلك متلازمة على الدوام مع العقل، بل إن بعضهم أجاز اعتبار صمت المتصوفة خير دليل على إعمال العقل والتدبر في المجردات والمحسوسات.

وهذه العرفانية الموغلة في ذهنية السرد هي التي ألجأت الكثير من أقطاب المتصوفة إلى الرمزية في التعبير، والرمزية لغة خاصة ظن أولئك أنها تحميهم من هوس العامة تارة ومن عنف التوجه الفقهي القائم في فتراتهم تارة أخرى. وخصوصا أن فقهاء العصور التي عاش فيها الفقهاء الذين امتازوا ببطش الرأي كانوا يعتقدون أن الخطاب الصوفي غير المألوف هو من باب التخريب العقائدي، الأمر الذي دفع كليهما إلى مساجلات ومعارك مستدامة انتهت دوما لصالح الخطاب الفقهي الذي طالما جاء وقتئذ مناصرا لرأي الخلفاء والسلاطين.

واستغراق المتصوفة في الذهنية التي يمكن توصيفها بالمبالغة أدت بهم إلى حتمية اللجوء للإشارة بل أيضا لتشفير النصوص الصوفية ذاتها، فهم عادة يستخدمون بوعي شديد تقنيات الإيحاء بالمعنى والاكتفاء بالنهايات المغلقة التي قد لا تتطلب تأويلا خاصا بمعنى آخر احتكار نهايات القول وترك فرصة التأويل لإحداثيات النص السردية التي تسبق النهاية. ولربما حجة المتصوفة في ذلك الإبهام مفادها ستر المعرفة والحقيقة عمن ليس أهلا لها. في حين أن بعض أهل الاستشراق ادعوا أن التجاء المتصوفة إلى استخدام الإشارة في العبارة والمعنى يرجع إلى تحاشيهم اللعنف اللغوي لدى الفقهاء إذ يرى أقطاب التصوف أن قطاعا كبيرا من هؤلاء الفقهاء يتربصون بكل لفظة قد تحتمل دلالات مغايرة للمعنى الذي أراده القطب الصوفي.

  وهذه التقنية الإشارية نجم عنها ما عرف بالتفسير الصوفي الإشاري كما ورد بموسوعة التصوف الإسلامي (2009) والذي يعني تأويل الآيات القرآنية الكريمة على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، ويشير الدكتور جودة المهدي إلى أن حجة الإسلام الشيخ أبا حامد الغزالي احتج بالتفسير الإشاري الفيضي قائلا: ” فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل ومحفوظا مثله فما معنى تخصيصه بذلك؟ ”. أي أن تخصيص حبر الأمة بتعليم التأويل دليل على خصوصية التأويل المفاض على القلب لخواص الأمة، وذلك في مقابلة التفسير الظاهر المتداول بالسماع لعموم علمائها.

والتأويل الإشاري المعني بالسطور السالفة قوامه المعرفة الصوفية التي تعتمد وترتكز على أساس رصين أكد عليه الدكتور محفوظ عزام حينما رصد أساس المعرفة وصفاتها عند الصوفية في ” الميثاق ” الوارد في قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) (الأعراف: 172). وهذه المعرفة المقصودة هي التي تتصل بالتجربة أكثر من اتصالها بجوانب أخرى. وأبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد يقول في تأويله للآية الكريمة السابقة أن الله أخبر جل ذكره أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كانوا واجدين للحق من غير وجودهم لأنفسهم، فكان الحق بالحق في ذلك موجودا بالمعنى الذي لا يعلمه غيره، ولا يجده سواه، فكان واجدا محيطا شاهدا عليهم.

ويمكن اعتماد فعل التأويل هذا كمرتبة أعلى من التفسير الظاهري المباشر، وهذا يتوافق مع ما ذهب إليه ابن رشد في كونه ـ التأويل ـ فعلا معرفيا ينقل الإنسان من رتبة العامة إلى رتبة العلماء وبذلك فابن رشد باتجاهه صوب التأويل يسعى لتكوين وتأسيس السلطة العلمية للعلماء في مجتمعات العامة، بخلاف الفقيه ابن حزم الذي لا يرتضي بالتأويل سبيلا بل يسير في كنف التفسير الظاهري المباشر الذي يرفض توزيع النص القرآني إلى ظاهر وباطن، وهو يرى أيضا أن النص وحدة لغوية متكاملة وثابتة يفسر بعضها بعضا دون اللجوء إلى التأويل.

وإذا كنا نرصد في سطورنا هذه التقنية الصوفية لاستخدام الإشارات والتأويلات الخاصة بهم، فمن الضرورة وبالغ الأمانة أن نرجع صعوبة الخطاب الصوفي سواء على مستويات الفهم والإدراك والتحليل إلى عدم اتساع اللغة المتداولة لتعبيرات الصوفيين أنفسهم، بجانب ثمة عوامل أخرى يمكن إرجاعها إلى أن التصوف نفسه يمثل حركة ثقافية بالإضافة إلى كونها حركة تجديدية كما قلنا، وبالتالي فهي ثقافة ضد الثقافة الجمعية التقليدية التي تحظى برضا كبير من العامة وفقا لرضا فقهاء العصر أنفسهم.

لكننا أمام خطاب متعدد الاتجاهات، كونه يعتمد اعتمادا رئيسا على تقنية الرمز الذي يعد أحد هذه الجوانب الأكثر حضوراً في نصوص المتصوفة، بل إن الرمز يمثل أحد أبرز السمات المميزة للتصوف الإسلامي، ولطالما عبَّر الصوفيون عن أذواقهم وتجاربهم الروحية عن طريق التلميح دون التصريح، والإشارة دون ذكر العبارة، أو استخدام لغة مغايرة لما يستعمله العوام من مفردات كاشفة، وأحياناً كثيرة يلجأ الصوفي إلى استعمال اللغة الرمزية الأكثر خصوصية هرباً من الفهم الضيق وفقر التأوي الذي يعاني منه بعض متلقي النص الصوفي، وكانت مشكلة المتصوفة أن نصوصهم تتطلب قدراً عالياً من امتلاك اللغة ودلالة مفرداتها لدى المريدين والمتلقيين من ناحية، وامتلاكهم ذائقة تمكنهم من الإحساس بالنص وصاحبه من ناحية أخرى. وربما أصاب مؤرخو التصوف الإسلامي حينما أشاروا إلى أن استخدام الصوفي للغة الرمزية جاء مناسباً للتعبير عن المواجيد والأحوال والمقامات التي لا تناسبها لغة اعتيادية كالجذب والاصطلاء والمحبة والوجد المطلق والفناء، في نفس الوقت الذي أشاروا فيه إلى أن استعمال الرمز قُصِدَ به الإشارة إلى حقائق روحية، وهذه اللغة الرمزية قد نالت من الصوفيين كثيراً حتى ألصق ببعضهم تهم الزندقة والخروج عن الدين.

ورمزية الصوفية تمثل دعوة للتحرر والخلاص ـ عادة ـ من الواقع الثقافي، لذا فالخطاب الصوفي جدلية قائمة بين الواقع والتأويل اللانهائي له، وهذه الجدلية هي الاستثناء الذي سمح للخطاب ـ نفسه ـ أن يجعل من التجربة الصوفية لأصحابها لتصبح خطابا جمعيا في نفس الوقت. ولذلك فإنه من قبيل الخطأ أن تتم قراءة نصوص الصوفية وفق سياقات مرجعية أو تاريخية فهذا محض خطأ لا يعتريه الصواب أبدا، لاعتماد النصوص على إشارات ولغة رمزية قد تستشرف مستقبلا أو تتناول قضية معرفية متنقلة بين الماضي الضارب في القدم والحاضر الآني، لذلك نصوص الصوفية رغم قدمها فإنها تعد نصوصا معاصرة ترفض أدلجة الامتدادات التاريخية، فضلا عن هذه الرمزية واللغة الإشارية، فمن العبث ممارسة حيلة الإسقاط الأيديولوجي على النصوص الصوفية، فالصوفي عكس الأديب، لا يبحث عن أسلوب أو طريقة أو كيفية لإرضاء ذوق الجمهور.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية جامعة المنيا.

 

في كل النقاشات والحوارات الفكرية والثقافية، تتأكد الحاجة الدائمة إلى تحديد المصطلحات المتداولة وبيان المقصود منها.. لأنه في كثير من الأحيان، تكون التباينات الفكرية والأيدلوجية حي النقاش المعرفي، تباينات شكلية، لأن كل طرف يفهم من المصطلح المتداول معنى ومفهوم، ويرتب على هذا الفهم قناعاته الفكرية والمعرفية..

لهذا فإن تحديد المصطلحات وبيان المعنى الدقيق منها، يساهم في تظهير النقاشات الفكرية، وإبراز المشتركات والابتعاد المنهجي من كل الهواجس التي تحول دون الفهم المتبادل بين المتناقشين أو المتحاورين..

ولعل من أهم المصطلحات التي تتداولها دون الاتفاق على معنى محدد لها، هو مصطلح (الدولة المدنية)، وكل طرف انطلاقا من خلفيته الفكرية بلور موقفه من هذا المصطلح تأييدا أو رفضا.. ولكن دون أن يتبلور معنى دقيق ومشترك لهذا المصطلح..

لهذا فإن هذا المقال يستهدف بالدرجة الأولى بيان معنى الدولة المدنية..

على المستوى النظري والفكري، تتفق جميع التوجهات الدينية والثقافية في الدائرة الاسلامية، أن التشريعات القرٱنية والاسلامية عموما، لم تحدد شكلا معينا للدولة ونظام الحكم.. وإنما التشريعات عينت وصاغت مجموعة من القيم والمبادئ، التي اعتبرتها أساسية في نظام الحكم ومؤسسة الدولة، دون تحديد الإطار أو الهيكل العام، الذي تطبق وتجسد هذه القيم والمبادئ..

فالمطلوب دائما انجاز مفهوم العدالة وسيادة القانون، بصرف النظر عن الشكل أو الإطار العام الذي يحقق هذه القيم في الواقع الخارجي.. انطلاقا وتأسيسا على هذه الحقيقة، التي أضحت ما يشبه المسلمة الفكرية، تم الاقتراب المنهجي والنظري من مسألة الحكم والدولة في الرؤية والمنظور الإسلامي..

وعليه فإننا نعتقد أن الإشكالية الفكرية والمنهجية المطروحة اليوم حول دينية الدولة أو مدنيتها في التجربة التاريخية الإسلامية، إشكالية ليست حقيقية أو نابعة من التصورات الاسلامية للمسألة السياسية وشؤون الحكم والسلطة بمعنى أن جميع التصورات التي صاغها المسلمون في أزمنة مختلفة، لم تتحدث عن مؤسسة الدولة بوصفها مؤسسة ليست تمثيلية للأمة والمجتمع.. فجميع النظريات تتحدث عن الدولة بوصفها ضرورة مجتمعية وإنسانية، وإن هذه الضرورة، لا يمكن أن تتجسد وتتشكل بعيدا عن إرادة الناس..

فالناس بإراداتهم ووعيهم وكيفية النظرة إلى ذواتهم، هم الذين يحددون شكل الدولة.. وبالتالي فإن الدولة في وظائفها وأدوارها وممارساتها، هي فعل بشري بامتياز، خاضعة لإرادة الناس واختياراتهم.. ولا توجد دولة في المنظور الإسلامي خارج إرادة الناس.. وبالتالي فما دامت الدولة كمؤسسة هي نتاج إرادة الناس، ومعنية بتمثيلهم وانجاز طموحاتهم ومشروعاتهم العامة، فهي دولة ليست ثيوقراطية، ولا تحكم إلا بإسم الناس.. وحينما يقرى الناس وفق ٱليات متداولة في الفقر السياسي والدستوري، رفضهم لأداء هذه الدولة أو رفضهم لخياراتها وأولوياتها، فلهم الحق سرعة وقانونا ممارسة حريتهم واختيارهم على الصعيد السياسي والقانوني..

ولأن الدولة وفق الرؤية الإسلامية لا يمكن أن تكون خارج إرادة الناس، لأنها في صورها الأساسية انعكاس لإرادة الناس واختياراتهم.. فالمقدس في هذا السياق، ليس شكل الدولة أو هيكلها المؤسسي، وإنما هو إرادة الناس واختيارهم.. فهي (أي إرادة الناس) هي المعيار والفيصل، وهي الضابطة النوعية..

وبالتالي فإن الدولة كمؤسسة هي بالضرورة مدنية، ولا يمكن أن نتصورها في هذا السياق بعيدا عن النطاق والممارسة المدنية..

وعليه فإننا نستطيع تحديد معنى الدولة المدنية من خلال النقاط التالية:

1- حينما تعبر مؤسسة الدولة في خياراتها واستراتيجياتها عن إرادة الناس وخياراتهم، فهي دولة مدنية.. لأنه لا يمكن أن نتصور دولة مدنية مناقضة لإرادة الناس وخياراتهم العامة..

ولكون الدولة تعبر عن إرادة الناس، فهي حصيلة جهدهم، وليست فعلا ميتافيزيقيا أو متعاليا على ظروف الزمان والمكان..

فعي (أي الدولة) جند بشري جماعي ومؤسسي، وهي مفتوحة لجميع المواطنين بدون استثناء، وهي مشروع مفتوح لإبداعات الإنسان فردا وجماعة..

وهؤلاء النفر الذين يسيرون شؤون الدولة ومؤسساتها المختلفة، يستهدون بهدي القيم العامة لمجتمعهم وأمتهم، ويكافحون بكل الوسائل المتاحة، لتحويلها إلى برنامج عمل يعملون لإنجازها في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي..

فالدولة المدنية ليست مفصولة عن قيم الناس التي تعبر عن إرادتهم، وإنما هي الفضاء العام الأساسي، الذي يعبرون الناس فيه  عن قيمهم العامة والحضارية، كما يعبرون فيها عن إرادتهم الجماعية وخياراتهم العامة..

2-علاقة الدولة المدنية مع مواطنيها محكومة بعقد اجتماعي

سياسي، يحدد حقوق وواجبات كل طرف على الآخر.. فالدولة ليست بديلا عن الناس ومبادراتهم، ومن المهم أن لا تتغول الدولة ضد الناس وإراداتهم، كما أن إرادة الناس، ليست بدلا عن ضرورة وجود دولة تنظم الشؤون العامة المجتمع، وتدير شؤون المجال العام وتحفظ حقوق الجميع بدون استئثار أو افتئات على أحد..

فالعلاقة بين الدولة والناس أي المواطنين، ليست علاقة جافة أو اعتباطية، وإنما هي خاضعة لعقد اجتماعي – سياسي، جميع الأطراف معنية بالالتزام بمقتضيات ومتطلبات العقد الاجتماعي

السياسي..

فالدولة بصرف النظر عن أيديولوجيتها أو عقيدة القائمين عليها، إذا لم يكن لديها عقدا اجتماعيا – سياسيا، ينظم علاقتها مع مواطنيها، فهي دولة ليست مدنية وإن أدعت ذلك ..

فالدولة المدنية بالضرورة، ينبغي أن تكون مرتبطة مع مواطنيها بعقد واضح وصريح، ويحدد مسؤولية كل طرف وواجباته..

فالدولة المدنية لا تكتفي بتداول المناسبة المواقع عبر آلية الانتخاب الحر والمفتوح لكل المواطنين وإنما هناك قانون أو عقد اجتماعي – سياسي ينظم العلاقة بكل أطوارها ومراحلها بين مؤسسة الدولة والمواطنين كآحاد وكمؤسسات أهلية ومدنية يعبر من خلالها الناس عن مصالحهم، ويقدمون بواسطتها خدماتهم لأبناء مجتمعهم ووطنهم..

3- في الدولة المدنية الذي يحدد نظام علاقة مؤسسات الدولة مع المواطنين هو نظام المواطنة بكل حمولته الحقوقية..

فمؤسسات الدولة المدنية تحترم الإنتماء الديني والمذهبي والقومي والعرقي للمواطنين، وتوفر على المستوى القانوني كل أشكال الاحترام والحماية لهذه الانتماءات..

والعنوان الوحيد الذي تتعامل فيه الدولة مع المواطنين هو عنوان المواطنة الذي يتساوى فيه الجميع..

أعتقد أن هذه المعايير، من أهم المعايير، التي تحدد مدنية الدولة سواء في الدائرة الإسلامية أو في أي دائرة إنسانية أخرى.. وهذه المعايير لا تتجاهل خصوصيات المجتمع أو انتماءات المواطنين، وإنما تحترم هذه الخصوصيات والانتماءات، وتتعامل مع الجميع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.. وعلى ضوء هذه الرؤية فإننا نعتقد أن مفهوم الدولة المدنية، لا يناقض التزام المسلم بإسلامه، لأنها دولة تستند على مرجعية الإسلام وقيمه الكبرى.  

*** 

محمد محفوظ

 

فيما يشبه التمهيد لفهم معنى المتحف

لم يكن الإنسان، بوصفه كائناً حياً، قادراً على البقاء في هذا الكوكب من دون العلم والتفكير. وقبل أن يصبح العلم مفهوماً معرفياً له مناهجه ومؤسساته وفلاسفته، كان ممارسة يومية فرضتها ضرورات الحياة ومشكلاتها. وربما كان أول قانون علمي أدركه الإنسان، بصورة غريزية وواعية في آن، هو قانون مقاومة الفناء والمحافظة على البقاء. فمنذ أن وجد الإنسان نفسه في مواجهة الجوع والعطش والبرد والمرض والوحوش والمسافات والمياه، بدأ يفكر في كيفية حماية وجوده وتوفير شروط بقائه.

كانت الحياة بلا مزايا هي المختبر الأول، وكانت الحاجة هي المعلم الأول، وكان الكائن هو الباحث والمجرب والمكتشف. فأول مأوى لم يكن فكرة فلسفية عن السكن، بل استجابة للخوف من الطبيعة؛ وأول نار لم تكن نظرية في الطاقة، بل وسيلة لمقاومة البرد وطهي الطعام وإبعاد الحيوانات المفترسة. وحين واجه الإنسان النهر فكر في الخشب وصنع القارب، وحين واجه المطر والبرد والشمس والريح صنع ملابسه، وحين واجه الجوع اتجه إلى الصيد ثم إلى الزراعة، وحين واجه العطش حفر الآبار، وحين واجه المسافات روّض الحيوانات، وحين واجه البحر صنع السفن، وحين واجه المرض بحث عن الدواء فالبيئة هي الوسط الحيوي الذي تعيش فيه الكائنات، والمكان هو المجال الذي تتعين فيه الكينونة وتمارس فيه الحياة وجودها. فالأرض أم جميع الكائنات الحية؛ منها ولدنا، وفيها نعيش ونتنفس ونتغذى وننمو ونزدهر ونموت، وفي فضائها نفكر ونخترع ونبدع. ولهذا لا يمكن التفكير في الإنسان من دون التفكير في المكان الذي يحتضنه، كما لا يمكن التفكير في الحياة من دون التفكير في البيئة التي تجعلها ممكنة؛ كون، كان، مكان، كائن، كيان، كينونة، مكين، تمكين تكشف عن مركزية المكان في التجربة الإنسانية. فلا كائن بلا مكان، ولا حياة بلا وسط حيوي، ولا تاريخ بلا زمان ومكان. والمكان ليس مجرد مساحة هندسية محايدة، وإنما هو أحد الشروط التي تتشكل داخلها الكينونة الإنسانية. إنه لغة صامتة تقول الأشياء بحضورها؛ فالجبال والأنهار والغابات والصحارى والمناخ والتربة والموارد ليست مجرد عناصر طبيعية، وإنما شروط تصنع إمكانات مختلفة للحياة.

عبر الممارسة اليومية الفورية المباشرة تعلم الإنسان، عبر التجربة والخطأ، أين يجد الماء والغذاء، وكيف يتعامل مع الحيوان والنبات، وأين يبني مأواه، وكيف يحتمي من الحر والبرد والمطر والرياح. لقد كان عليه أن يفهم بيئته لكي يعيش فيها فالحيوان يعيش المكان في صورته الطبيعية ويتكيف معه بغريزته، أما الإنسان فقد امتلك القدرة على إعادة تأثيث المكان بالأدوات والتقنيات. حوّل الكهف إلى مأوى، والأرض إلى حقل، والطريق إلى وسيلة اتصال، والنهر إلى مجال للري والمواصلات، والبحر إلى طريق للتجارة. ومن هنا بدأت الجغرافيا تتحول إلى تاريخ.

لكن مشكلات الإنسان لم تكن كلها خارجية. فقد اكتشف الإنسان، بعد أن واجه الطبيعة، أن أصعب مشكلاته قد تكون كامنة في داخله؛ في طريقة تفكيره، وفي معتقداته، وفي علاقته بالآخر. وهنا يصبح العلم ممارسة لتحرير العقل، لا مجرد وسيلة للسيطرة على الطبيعة.

يرى عالم النفس السويسري جان بياجيه أن الطفل في مراحل معينة من نموه يواجه صعوبة في النظر إلى الأشياء من منظور الآخرين؛ ليس لأنه أناني بالمعنى الأخلاقي، وإنما لأن إدراكه لا يزال متمركزاً حول ذاته. فهو يرى العالم من موقعه الخاص، ويجد صعوبة في تصور أن للآخر منظوراً مختلفاً.

وهذه الملاحظة العلمية تحمل معنى فلسفياً وتربوياً بالغ الأهمية إذ تعني إن النضج العقلي ليس مجرد زيادة كمية المعلومات، وإنما القدرة على الخروج من مركزية الذات. فالعقل الناضج هو الذي يدرك أن ذاتي الفردية أو الجماعية ليست مركز الكون، وأن الآخرين ليسوا نسخاً مني، وأن الحقيقة أوسع من زاوية نظر واحدة.

وهنا يصبح العلم المستنير بالفلسفة، في أعمق معانيه، ممارسة للخروج من مركزية الذات. فالعالم لا يتغير لكي يوافق معتقداتنا؛ نحن الذين ينبغي أن نغير معتقداتنا عندما تصطدم بالواقع. ولذلك فإن المعرفة العلمية لا تبدأ من اليقين، بل من السؤال، ولا تنمو بالتمسك بالإجابة الأولى، وإنما بمراجعتها واختبارها وتصحيحها فكلما اتسعت المعرفة الحقيقية زاد معها شعور الإنسان بحدود ما يعرفه، بينما تمنح المعرفة المغلقة صاحبها وهماً خطيراً بأنه امتلك الحقيقة كاملة.

وتلخص حكاية كأس الشاي الممتلئ هذا المعنى بصورة رمزية بليغة: العقل الممتلئ بنفسه لا يتسع لشيء جديد. فلكي يتعلم الإنسان ينبغي أن يترك مساحة للسؤال والدهشة والشك. وليس المقصود إفراغ العقل من المعرفة، وإنما تحريره من وهم الاكتفاء.

فالسؤال الحقيقي في التربية والتعليم ليس: ماذا نعلم الإنسان؟ وإنما: أي عقل نريد أن نصنع؟ هل تساعد المدرسة الإنسان على الخروج من مركزية ذاته والانفتاح على تعدد المنظورات، أم تعيد إنتاجها في صورة أخرى؟ هل تعلمه أن العالم مفتوح ومتعدد، أم تلقنه أن هناك إجابة واحدة ونهائية لكل سؤال؟

إن التعليم التقليدي القائم على النقل والتلقين والحفظ والاستظهار يقع في مفارقة عميقة؛ فهو يريد أن يعلم عقل الإنسان، لكنه قد يطالبه في الوقت نفسه بألا يثق بعقله وألا يسأل وألا يشك وألا يعيد التفكير فيما تلقاه. إنه يعلمه ماذا يقول، لكنه لا يعلمه لماذا يقول؛ ويعلمه الإجابة، لكنه لا يعلمه السؤال.

وهذا ما انتقده باولو فريري في مفهومه الشهير عن «التعليم البنكي»؛ حيث يتحول المتعلم إلى وعاء تُودع فيه المعلومات، ويصبح المعلم الطرف الفاعل، بينما يظل الطالب طرفاً متلقياً يقتصر دوره على الحفظ والاسترجاع. وخطورة هذا النمط أنه قد ينتج أفراداً متعلمين في الشكل، لكنهم عاجزون عن إنتاج المعرفة أو نقدها أو إعادة تفسيرها.

إن عقل الطفل ليس وعاءً فارغاً يمكن ملؤه بما نشاء، وإنما هو كائن حي يتفاعل مع المعرفة ويعيد بناءها داخل خبرته. وهنا تكتسب أفكار بياجيه حول النمو المعرفي أهميتها؛ فالعقل لا ينمو بمجرد إضافة معلومات جديدة، وإنما ينمو عندما يواجه المشكلات والتناقضات ويعيد تنظيم بنيته المعرفية.

والطفولة هي منبع الفضول والدهشه والاسئلة الأولى : ما هذا؟ لماذا؟ كيف؟ من أين جاء؟ ولعل هذه الدهشة الفطرية هي أول منابع التفكير الفلسفي. وقد أكد غاريث ماثيوز قدرة الأطفال على طرح أسئلة فلسفية مبكرة تتعلق بالوجود والقيم والمعرفة واللغة. ولذلك فإن مهمة التربية الحقيقية ليست قتل السؤال الذي يولد مع الطفل، وإنما الحفاظ عليه وتنميته.

فالمشكلة ليست أن الطفل كثير السؤال، وإنما أن المدرسة قد تجعله أقل سؤالاً. يبدأ الطفل حياته مدهوشاً من العالم، ثم يتعلم تدريجياً أن هناك أسئلة لا ينبغي طرحها، وأفكاراً لا ينبغي مناقشتها، وأجوبة لا يجوز الشك فيها. وهنا تتحول التربية من صناعة العقل إلى إغلاق العقل.

ومن ثم فإن التربية الحقيقية لا تعلم الطفل ماذا يفكر فقط، وإنما تعلمه كيف يفكر. وهذه المسألة تزداد أهمية في عصر سريع التغير، حيث تتغير العلوم والتقنيات والمعارف بوتيرة غير مسبوقة، وحيث يعيد الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ووسائل الإعلام الجديدة تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل.

فكيف نعلم أبناءنا اليوم معارف قد تصبح قديمة قبل أن يغادروا المدرسة أو الجامعة؟ وكيف نعدهم لمهن لم تظهر بعد، ولمشكلات لم نعرفها بعد؟ فالمعرفة المتجددة تحتاج إلى عقل متجدد، والعقل المتجدد هو العقل الذي لا يخاف من مراجعة نفسه. ولهذا ينبغي الانتقال من تعليم المعرفة إلى تعليم إنتاج المعرفة، ومن تلقين الإجابات إلى صناعة الأسئلة، ومن الحفظ إلى الفهم، ومن الخوف من الخطأ إلى التعلم منه.

إن العلم في جوهره ليس مجرد تراكم للمعلومات، ولا مجموعة من النظريات والمعادلات، وإنما هو قبل ذلك كله طريقة في التعامل مع المشكلات الواقعية: ملاحظة المشكلة، وصياغة السؤال، واقتراح الفرضية، واختبارها، واكتشاف الخطأ، وتصحيح المسار، ثم تحويل المعرفة إلى ممارسة نافعة. ولذلك فإن قيمة العلم لا تقاس فقط بما يضيفه إلى المكتبات، وإنما أيضاً بما يضيفه إلى قدرة الإنسان على مواجهة مشكلات الحياة.

ومن هنا فإن مستقبل المجتمعات لا يتوقف على كمية ما تمتلكه من معلومات، بل على قدرتها على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى خبرة، والخبرة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة مستدامة على حل المشكلات. فالعلم الذي لا يغير شيئاً في حياة الناس يتحول إلى معرفة ساكنة، والعلم الذي يتحول إلى ممارسة حية يصبح قوة من قوى الحضارة.

لقد بدأ العلم عندما واجه الإنسان مشكلة، وسيظل حياً ما دام الإنسان قادراً على رؤية المشكلات بوصفها أسئلة قابلة للفهم والحل. أما الفلسفة فقد جاءت لاحقاً لتسأل: كيف نعرف؟ وما الذي يجعل معرفتنا علمية؟ وما حدودها؟ وما نتائجها؟ وبذلك فإن العلم ممارسة قبل الفلسفة التي تكفّلت برعايته، والبيئة هي المجال الحيوي لهذه الممارسة، والمكان هو مسرحها، والتاريخ ذاكرة لمسارها، والفلسفة وعيها النقدي، والحضارة هي المجال الذي تظهر فيه ثمارها.

ختاما نكرر: لم يولد العلم من رغبة الإنسان في امتلاك الحقيقة المجردة، وإنما من حاجته إلى أن يعيش؛ ثم جاءت الفلسفة بعد ذلك لتسأل عن معنى ما عرفه وكيف عرفه، وجاء التاريخ ليحفظ مسار هذه المعرفة، وجاءت الحضارة لتجسد نتائجها في العالم فأول علامة للحضارة ليست الأداة التي صنعتها يد الإنسان، وإنما اليد التي امتدت إلى إنسان آخر لكي تمنعه من السقوط.

سألت إحدى الطالبات ذات مرة عالمة الأنثروبولوجيا "مارجريت ميد" عما تعتبره أول علامة حضارة في تاريخ الإنسان.

توقع الجميع أن تحدثهم العالمة عن الخطافات أو الأواني الفخارية أو أدوات الصيد.....

لكن كان ردها معاكس لجميع التوقعات حيث قالت:"إن أول علامة على الحضارة في الثقافة القديمة هي الدليل الذي وجدناه، عبارة عن عظام لشخص اصيب بكسر في عظم الفخذ وشفي منه واستمر في الحياة.

في مملكة الحيوان عموماً، إذا كسرت رجلك، سوف تموت لا مفر من ذلك، حيث انك لن تتمكن من الهروب من الخطر المحدق بك من كل جانب أو الذهاب إلى النهر لشرب الماء أو البحث عن الطعام مثلاً، زيادة على ذلك ستصبح فريسة سهلة للحيوانات المفترسة، في الغاب لا ينجو أي حيوان كسرت ساقه، لعدم توفر الوقت لغاية شفاء العظم. إن عظم الفخذ المكسور الذي وجدناه والذي تم معالجته، دليل على أن شخصًا ما آخر استغرق وقتًا للبقاء مع المصاب وحمياته والاعتناء به لغاية ان يتعافى.

أن مساعدة شخص ما على تجاوز مصاعب الحياة هي نقطة البداية للحضارة ؛ ان الحضارة مساعدة مجتمعية "

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

يبدو العراق، في كثير من التفسيرات السياسية والاجتماعية، وكأنه يعيش أزمة جماهيرية قبل أن يكون في أزمة نخبوية؛ إذ كثيرًا ما تُفسَّر مشكلاته من خلال ضعف الوعي السياسي للمواطن، أو الانقسامات الاجتماعية والطائفية، أو قابلية الجمهور للاستقطاب، أو ثقافة الاتكالية السياسية.

غير أن هذا النوع من التفسير ينطوي على مشكلة منهجية عميقة، لأنه يبدأ من الطرف الأقل قدرة على صناعة القرار وينتهي إلى تحميله مسؤولية النتائج التي تصنعها الأطراف الأكثر قدرة على التحكم في القرار. 

فالجمهور قد يؤثر في السياسة من خلال الانتخابات والاحتجاج والقبول والرفض، لكنه لا يمتلك في العادة الأدوات التي تمتلكها النخب في صياغة القوانين، وتوزيع الموارد، وإدارة المؤسسات، وتحديد السياسات العامة، وإنتاج الخطابات التي يعاد من خلالها تشكيل الوعي الجمعي.

ومن هنا، فإن الانتقال من سؤال «ماذا يفعل الجمهور؟» إلى سؤال «من يملك القدرة على الفعل السياسي؟» يمثل انتقالًا من تفسير سلوك المجتمع إلى تحليل بنية السلطة. وهذه النقلة لا تعني إعفاء الجمهور من المسؤولية، ولا تنفي دوره في إعادة إنتاج النظام السياسي، وإنما تعني إعادة ترتيب المسؤوليات بحسب تفاوت القدرة على التأثير. فليست المسؤولية الأخلاقية والسياسية متساوية بالضرورة بين من يملك القرار ومن يخضع له، وبين من يصوغ قواعد اللعبة ومن يلعب داخلها.

وتزداد أهمية هذا التحول في الحالة العراقية؛ لأن إعادة تشكيل النظام السياسي بعد عام 2003 لم تكن عملية اجتماعية تلقائية، وإنما ارتبطت بقوى سياسية ونخب تفاوضت على شكل الدولة ومؤسساتها وتوزيع السلطة داخلها. وقد أظهرت دراسات الانتقال السياسي العراقي أن عملية الانتقال كانت إلى حد كبير عملية من أعلى إلى أسفل، قادتها مجموعة محدودة من النخب السياسية، في ظل غياب نقاش وطني واسع حول مستقبل الدولة وطبيعة تقاسم السلطة والثروة.

وعليه، فإن هذا المطلب ينطلق من فرضية أساسية: لا يمكن فهم أزمة الدولة العراقية من دون إعادة تحديد الفاعل الذي ينتج الأزمة ويستفيد منها ويملك في الوقت نفسه القدرة على تغييرها.

أولاً: نقد التفسير الذي يجعل الجمهور مصدر الأزمة

يقوم جزء من الخطاب السياسي التقليدي على افتراض ضمني مفاده أن المجتمع هو أصل المشكلة: الجمهور منقسم، أو طائفي، أو عشائري، أو غير قادر على ممارسة المواطنة بصورة حديثة. لكن هذا التفسير يغفل أن الانقسامات الاجتماعية لا تتحول بالضرورة إلى أزمات سياسية إلا عندما تدخل في بنية السلطة والمؤسسات.

فالطائفية، مثلًا، ليست مجرد اعتقاد اجتماعي أو انتماء ثقافي؛ إنها تصبح قوة سياسية عندما تقوم النخبة بتحويل الانتماء إلى وسيلة لتوزيع المناصب والموارد والتمثيل. وكذلك العشيرة لا تتحول بذاتها إلى بديل عن الدولة إلا عندما تتداخل مع السلطة السياسية والموارد العامة وشبكات الزبائنية. ولذلك ينبغي التمييز بين المجتمع بوصفه حاملًا لهويات متعددة وبين النخبة بوصفها الجهة القادرة على تحويل هذه الهويات إلى مؤسسات سياسية ومصالح منظمة.

وهنا تبرز أهمية إعادة النظر في مفهوم المسؤولية. فإذا كان المواطن يصوّت لحزب أو جماعة، فإن السياسي هو الذي يحول هذا التصويت إلى حكومة أو تشريع أو سياسة عامة. وإذا كان الجمهور يتأثر بخطاب طائفي، فإن إنتاج الخطاب السياسي وتوجيهه يقع بدرجة أكبر على عاتق النخب التي تمتلك وسائل الإعلام والمنابر والمؤسسات السياسية والدينية. وإذا كان المواطن يعتمد على شبكة من العلاقات للحصول على وظيفة أو خدمة، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند سلوكه، بل يجب أن يمتد إلى النظام الذي جعل الوصول إلى الحق العام مرتبطًا بالوساطة والولاء.

وتؤكد الدراسات الخاصة بالعراق بعد 2003 أن الزبائنية لم تكن ظاهرة هامشية، بل ارتبطت بتوزيع الموارد العامة عبر الانقسامات السياسية والفصائلية، بحيث أصبحت المحاصصة الطائفية جزءًا مؤسسيًا من البيئة التي تنتج الفساد والمحسوبية.

ومن ثم، فإن نقد التفسير الجماهيري لا يعني إنكار مسؤولية المجتمع، بل يعني رفض تسطيح المسؤولية السياسية. فالجمهور يمكن أن يكون شريكًا في إعادة إنتاج النظام، لكنه ليس بالضرورة صاحب المبادرة الأولى في إنتاج قواعده.

ثانياً: من مفهوم «النخبة» إلى مفهوم «شبكة النخب»

لا ينبغي استخدام مفهوم النخبة بصورة ضيقة للدلالة على السياسيين وحدهم. فالنخبة، بالمعنى السوسيولوجي والسياسي، تشير إلى أولئك الذين يمتلكون موارد تجعلهم قادرين على التأثير في اتجاه المجتمع: السلطة، والثروة، والمعرفة، والشرعية الدينية، والمكانة الاجتماعية، والقدرة التنظيمية، والسيطرة على وسائل إنتاج الخطاب.

وبهذا المعنى يمكن الحديث عن شبكة من النخب العراقية، تشمل:

- النخبة السياسية التي تمتلك سلطة التشريع والتنفيذ وصناعة القرار.

- النخبة الاقتصادية التي تمتلك رأس المال والقدرة على التأثير في توزيع الموارد.

- النخبة الدينية التي تمتلك أشكالًا من الشرعية الرمزية والأخلاقية.

- النخبة الأكاديمية والخبرائية التي تنتج المعرفة وتقدم المشورة وصياغات السياسات.

- النخبة العشائرية والاجتماعية التي تمتلك قدرة على الوساطة والتعبئة وحل النزاعات.

- النخبة الإعلامية والثقافية التي تسهم في إنتاج الصور والتمثلات السياسية.

- النخب النقابية والمهنية التي تمثل المصالح المنظمة للفئات المهنية.

- النخب المجتمعية والمدنية التي تمتلك قدرة على التعبئة والمساءلة والتأثير في الرأي العام.

وهذا التصور أكثر ملاءمة للحالة العراقية؛ لأن السلطة لا توجد في مكان واحد. إنها موزعة بين مؤسسات رسمية وشبكات غير رسمية، وبين الدولة والمجتمع، وبين السياسي والديني والاقتصادي والاجتماعي. وقد خلصت دراسة متخصصة في النخب العراقية إلى أن فهم ممارسة السلطة بعد 2003 يتطلب النظر إلى النخب السياسية والدينية والاقتصادية، وإلى الطريقة التي تستخدم بها هذه النخب الإدارة والقبيلة وغيرها من قنوات النفوذ.

ومن هنا يمكن إعادة تعريف النخبة لا باعتبارها «أقلية تحكم أغلبية» فقط، بل باعتبارها شبكة من المواقع التي تتيح لأصحابها إنتاج التأثير وتوزيعه. فقد لا يكون الأكاديمي صاحب قرار سياسي مباشر، لكنه قد ينتج المعرفة التي تستند إليها السياسات؛ وقد لا يكون رجل الأعمال صاحب منصب حكومي، لكنه يستطيع التأثير في القرار من خلال رأس المال؛ وقد لا يمتلك الزعيم الاجتماعي سلطة دستورية، لكنه قد يمتلك قدرة على التعبئة أو الوساطة تفوق أحيانًا قدرة المؤسسة الرسمية.

وبذلك تتحول دراسة النخبة من البحث عن «الأشخاص الأقوياء» إلى دراسة شبكة القوة نفسها.

ثالثاً: النخبة بين الموقع الاجتماعي والمسؤولية الأخلاقية

غير أن امتلاك موقع نخبوّي لا يعني بالضرورة امتلاك فضيلة أخلاقية. وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين: النخبة بوصفها موقعًا اجتماعيًا، والنخبة بوصفها مسؤولية أخلاقية.

فقد يكون الإنسان من النخبة لأنه يمتلك الثروة أو المنصب أو المعرفة أو النفوذ، لكن ذلك لا يجعله بالضرورة «نخبة مسؤولة». فالموقع الاجتماعي يصف ما يملكه الفرد من قدرة على التأثير، أما المسؤولية الأخلاقية فتتعلق بكيفية استخدام هذه القدرة ولأي غاية.

وهذه النقطة أساسية لفهم أزمة الدولة العراقية. فالمشكلة ليست في وجود النخب؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع حديث أن يعمل من دون نخب سياسية وعلمية واقتصادية وثقافية. المشكلة تبدأ عندما تتحول النخبة من وظيفة إنتاج المصلحة العامة إلى وظيفة إنتاج المصلحة الخاصة.

ومن هنا يمكن اقتراح تمييز منهجي بين ثلاثة أنماط:

النخبة الوظيفية: وهي التي تستخدم موقعها وخبرتها لأداء وظيفة محددة داخل المجتمع.

النخبة المصلحية: وهي التي تستخدم موقعها لحماية مصالحها أو مصالح شبكتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

نخبة الدولة: وهي التي تتجاوز المصلحة الخاصة نحو بناء المؤسسات وحماية المصلحة العامة، وتتعامل مع السلطة بوصفها مسؤولية تاريخية لا ملكية شخصية.

وبهذا المعنى، لا تكون النخبة الوطنية هي النخبة التي تتحدث كثيرًا عن الوطن، وإنما النخبة التي تقبل بأن تكون مصالحها الخاصة خاضعة لمصلحة الدولة والقانون.

وهنا يمكن استثمار مفهوم المسؤولية السياسية عند التفكير في النخبة العراقية: كلما ازدادت قدرة الفاعل على التأثير، ازدادت مسؤوليته عن النتائج. فالمسؤولية ليست مجرد نية حسنة، وإنما علاقة بين القدرة والفعل والنتيجة. ومن يمتلك القدرة على تغيير المؤسسات ولا يفعل، أو يستخدمها لمصلحة جماعته على حساب الدولة، لا يمكن مساواته أخلاقيًا بمن لا يمتلك أي قدرة على التأثير.

رابعاً: النخبة وإعادة إنتاج النظام السياسي

لا تكتفي النخبة في الأنظمة السياسية بإدارة الواقع، بل تستطيع إعادة إنتاجه. وهذه نقطة جوهرية في فهم الحالة العراقية؛ لأن النظام لا يستمر فقط بسبب القوانين الرسمية، وإنما بسبب مجموعة من القواعد غير الرسمية وشبكات المصالح التي تجعل استمراره مفيدًا للقوى المهيمنة عليه.

بعد عام 2003، نشأ نظام سياسي قائم رسميًا على مؤسسات ديمقراطية وانتخابات ودستور، لكنه تطور في الممارسة ضمن تسوية سياسية غير رسمية ذات طابع توافقي ومحاصصي. وقد بينت دراسات حديثة أن هذا الترتيب نقل جزءًا مهمًا من القوة من الجهاز البيروقراطي المستقل نسبيًا إلى الأحزاب السياسية التي أصبحت أكثر قدرة على التحكم في المؤسسات والموارد العامة.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الدولة موجودة مؤسسيًا، لكنها ليست بالضرورة مستقلة عن النخب التي تديرها.

فالوزارة قد تكون مؤسسة دستورية، لكنها تصبح عمليًا مرتبطة بالحزب الذي يسيطر عليها. والوظيفة العامة قد تكون حقًا قانونيًا، لكنها قد تتحول إلى مكافأة سياسية. والموارد العامة قد تكون ملكًا للمجتمع، لكنها تصبح مجالًا للمساومة بين القوى السياسية. وبذلك لا يجري إلغاء الدولة، وإنما يجري إعادة توزيع الدولة داخل شبكات النفوذ.

وقد أظهرت أبحاث حديثة أن النظام التوافقي غير الرسمي في العراق ساهم في إضعاف استقلال الجهاز البيروقراطي، وأن توزيع الوظائف والموارد وفق الولاءات الحزبية أدى إلى تقويض التماسك المؤسسي للدولة.  وتشير دراسات أخرى إلى استمرار الزبائنية السياسية بوصفها آلية قابلة للتكيف مع تغير الأنظمة، من العهد الملكي إلى النظام الحالي.

وهذا يعني أن أزمة الدولة ليست مجرد «فساد أفراد»، بل قد تكون فسادًا في قواعد إنتاج السلطة نفسها.

خامساً: من النخبة السياسية إلى النخبة المستحوذة

تزداد خطورة الظاهرة عندما لا تكتفي النخب بالسيطرة على القرار، بل تسعى إلى السيطرة على مصادر إنتاج القرار. وهنا ننتقل من النخبة الحاكمة إلى النخبة المستحوذة.

فالنخبة المستحوذة لا تريد فقط أن تحكم الحكومة؛ إنها تريد التأثير في البرلمان، والإدارة، والموارد، والإعلام، والاقتصاد، والتعيينات، وأحيانًا في المجال الأمني والاجتماعي. وبذلك تصبح الدولة نفسها موردًا تتنافس النخب على السيطرة عليه.

وتتضح هذه الظاهرة بصورة خاصة في الاقتصاد الريعي العراقي؛ إذ إن اعتماد الدولة الكبير على الإيرادات النفطية يجعل السيطرة على الدولة ذات قيمة اقتصادية هائلة، لأن الوصول إلى السلطة يعني القدرة على التأثير في توزيع مورد عام واسع. وقد خلصت دراسة حديثة عن النخبة السياسية العراقية إلى أن الاقتصاد الريعي والنظام الطائفي يخلقان منافسة بين النخب للسيطرة على إيرادات الدولة، مع إهمال المصالح طويلة الأمد للمجتمع.

سادساً: سؤال المسؤولية ـ من يملك القدرة ومن يتحمل النتائج؟

يصل التحليل هنا إلى السؤال المركزي للمطلب: من يملك القدرة على التأثير، ومن يتحمل مسؤولية نتائج هذا التأثير؟

إن الإجابة تتطلب تجاوز التصور البسيط الذي يساوي بين جميع الفاعلين. فالمواطن يمتلك صوتًا انتخابيًا، لكن السياسي يمتلك أدوات التشريع والتنفيذ. والمواطن قد يطلب خدمة عامة، لكن المسؤول يملك قرار تخصيص الموارد. والموظف قد يخضع لنظام إداري، لكن القيادة السياسية قد تحدد قواعد التعيين والترقية. ولذلك ينبغي أن تكون المسؤولية متناسبة مع درجة القدرة على صناعة القرار.

ولا يعني ذلك أن الجمهور بريء بصورة مطلقة؛ فالجمهور يمكن أن يعيد انتخاب النخب نفسها، أو يقبل شبكات الزبائنية، أو يعيد إنتاج الانقسامات. لكن هذه المشاركة ينبغي فهمها ضمن بنية أوسع تحدد الخيارات المتاحة أمامه. فالمواطن الذي يطلب خدمة عبر وسيط لا يمكن وضعه في المستوى الأخلاقي نفسه مع الفاعل الذي أنشأ نظام الوساطة وجعلها شرطًا للحصول على الحق.

وهذه النتيجة تكتسب أهمية خاصة في العراق، حيث تشير الأدبيات الحديثة إلى أن التحالفات النخبوية لا تتطابق دائمًا مع الانقسامات الطائفية أو الإثنية البسيطة؛ فقد تتجاوز النخب هذه الهويات عندما تتعلق المسألة بالمساومة على السلطة والموارد. وتكشف دراسات السوق السياسية المحلية أن التحالفات بين النخب يمكن أن تتجاوز الانقسامات الهوياتية، بينما تؤدي أولوية شراء الولاءات والمحسوبية على تقديم الخدمات إلى عجز مزمن في الحكم.

وهذا يقود إلى نتيجة شديدة الأهمية: ليست الهوية وحدها هي التي تفسر سلوك النخبة، بل المصلحة أيضًا. ولذلك فإن اختزال السياسة العراقية في الطائفية قد يحجب البنية المصلحية التي تستخدم الطائفية أحيانًا كأداة لتنظيم النفوذ وتقاسم الموارد.

سابعاً: من نقد النخبة إلى إعادة تعريف الفاعل السياسي

إن إعادة تحديد الفاعل السياسي لا تعني استبدال «الجمهور» بـ«النخبة» بوصف أحدهما سببًا مطلقًا للأزمة، وإنما تعني الانتقال من تفسير أحادي إلى تحليل متعدد المستويات للسلطة. فالجمهور والنخبة والمؤسسة والسوق والهوية والإعلام كلها عناصر متفاعلة، لكن وزنها في صناعة القرار ليس متساويًا.

ومن هنا ينبغي النظر إلى العراق بوصفه نظامًا تتحرك داخله عدة دوائر:

دائرة القرار: السياسيون وصانعو السياسات.

دائرة التأثير: رجال الأعمال، رجال الدين، الأكاديميون، الإعلام، الزعامات الاجتماعية.

دائرة إعادة الإنتاج: الأحزاب، الشبكات الزبائنية، المؤسسات، التحالفات غير الرسمية.

دائرة الاستجابة: الجمهور، الحركات الاحتجاجية، المجتمع المدني، الناخبون.

وعندما تتداخل هذه الدوائر، يصبح السؤال عن «من يحكم العراق؟» أكثر تعقيدًا من البحث عن الحكومة الرسمية. فالحكم الفعلي قد يكون موزعًا بين مؤسسات الدولة وشبكات النفوذ التي تعمل داخلها وحولها.

وهذه النتيجة تنسجم مع الدراسات التي ترى أن السياسة العراقية بعد 2003 لا يمكن فهمها من خلال المؤسسات الرسمية وحدها، لأن العلاقات الشخصية وشبكات المحسوبية والروابط الجماعية أصبحت ذات أهمية كبيرة في تشكيل النظام السياسي ومخرجاته.

خاتمة

يتبين من هذا التحليل أن الانتقال من «الجمهور» إلى «النخبة» ليس مجرد تغيير في موضوع الدراسة، بل هو تغيير في زاوية النظر إلى الأزمة العراقية نفسها. فبدل أن نبدأ بالسؤال عن سبب فشل المجتمع في إنتاج دولة مستقرة، ينبغي أن نبدأ بالسؤال عن القوى التي امتلكت القدرة على تصميم النظام السياسي، وإدارة مؤسساته، وتوزيع موارده، وإنتاج شرعياته، ثم نسأل بعد ذلك عن كيفية تفاعل الجمهور مع هذا النظام.

إن النخبة، في الحالة العراقية، ليست طبقة سياسية مغلقة، وإنما شبكة متعددة من الفاعلين الذين يمتلكون موارد مختلفة للتأثير. ولذلك فإن دراسة النخبة ينبغي أن تشمل السياسي والديني والاقتصادي والأكاديمي والعشائري والإعلامي والمجتمعي. غير أن هذا الاتساع لا ينبغي أن يؤدي إلى تمييع المسؤولية؛ إذ إن المساواة بين امتلاك الموقع وامتلاك القدرة ليست صحيحة، كما أن امتلاك القدرة يرفع مستوى المسؤولية عن نتائج استخدامها.

والنتيجة الأهم أن أزمة العراق لا يمكن تفسيرها فقط بانقسام المجتمع، بل ينبغي البحث في الطريقة التي تقوم بها النخب بتحويل الانقسامات الاجتماعية إلى قواعد سياسية، وتحويل الموارد العامة إلى أدوات للولاء، وتحويل الدولة من فضاء للمصلحة العامة إلى مجال للتنافس على النفوذ. وقد أظهرت الأدبيات الحديثة حول العراق أن الترتيبات التوافقية والمحاصصية أسهمت في تقوية نفوذ الأحزاب داخل الجهاز البيروقراطي وإضعاف استقلال مؤسسات الدولة، فيما ساعد الاقتصاد الريعي على جعل السيطرة على موارد الدولة محورًا أساسيًا للمنافسة النخبوية.

ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي ليس إلغاء النخب، وهو أمر مستحيل في المجتمع السياسي الحديث، وإنما الانتقال من نخبة تستمد قوتها من الدولة إلى نخبة تستمد شرعيتها من قدرتها على بناء الدولة.

***

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

ما زالت دراسة لويس تيرمان التي انطلقت عام 1921 تستحضر في الكتابات المعاصرة كحكاية تأسيسية عن العلاقة بين الذكاء والانجاز، كما حدث مؤخرا في مقال استعرض مسار هؤلاء الاطفال المتفوقين دراسيا ليخلص الى ان العبقرية ليست مجرد درجة ذكاء مرتفعة. لكن الوقوف عند هذه النتيجة وكانها اكتشاف حديث يكشف عن ارتباك منهجي اعمق، فالمشكلة ليست في ان تيرمان اخطا التوقع، بل في ان ادواته ومفاهيمه كانت مهترئة منذ البداية، وفي ان اعادة تدوير حكايته اليوم، دون تفكيك اسسها، يعني تكرار ذات الاخطاء التي وقع فيها قبل قرن كامل.

تلك الدراسة التي يعاد الاحتفاء بها لم تكن مجرد تنبؤ خاطئ، بل كانت وليدة تصور ضيق للقدرة الانسانية، اختزل فيه العقل البشري في بضع مهارات لغوية ورياضية يمكن قياسها بارقام صماء. وهذا الاختزال ليس هامشيا، بل هو الجذر الذي انتج كل الارتباك اللاحق. وكأنما كان البرت اينشتاين يقرا نتائج تيرمان قبل ان تصدر، حين قال ساخرا: "كل انسان هو عبقري بشكل او باخر، لكن المشكلة اننا نحكم على الجميع من خلال مقياس واحد، فلو قيمنا سمكة من خلال مهارتها في تسلق شجرة، فانها ستعيش طوال حياتها معتقدة انها غبية." فالعلم المعرفي الحديث لم يعد ينظر الى الذكاء بهذه الاحادية، بل اثبت ان النجاحات الكبرى والاكتشافات الفارقة لا تنبثق من هذا النوع المجرد من التفوق العددي، وانما من تفاعل معقد بين انماط متعددة من الذكاءات: طبيعية، اجتماعية، عملية، وقدرات على التكيف مع البيئة والمجتمع. ان تجاهل هذه الابعاد في دراسات مثل دراسة تيرمان، وفي المقالات التي تستعيدها اليوم، لا يبقي النقاش في دائرة القصور المنهجي فحسب، بل ينقل هذا القصور الى فهمنا المعاصر للابداع.

والاكثر اشكالية من حصر الذكاء في مقياس واحد، هو التصور الرومانسي الذي يروج له كثير من هذه الكتابات عن "العبقري المتكامل"، ذلك الشخص الذي يملك شخصية استثنائية في جميع جوانبها المعرفية والاجتماعية. هنا يكمن احد اعقد اوجه الارتباك في تراثنا الفكري عن التفوق. فالتاريخ العلمي يثبت عكس ذلك تماما: كثير من العلماء والمبتكرين الذين قلبوا مفاهيم عصرهم راسا على عقب، كانوا يعانون من بلادة واضحة في علاقاتهم الاجتماعية، وسطحية مزمنة في وعيهم السياسي، وقصور كبير في تدبير ابسط شؤون حياتهم اليومية. لقد تحقق انجازهم نتيجة انغماس هوسي في فكرة بحثية واحدة ضيقة، دفعتهم الى تهميش كل شيء اخر، بل واقصاء التواصل الانساني ذاته. هذه الظاهرة، التي تغيب تماما عن السرديات الشائعة، تحيل العبقرية من صفة شاملة الى نوع من "الخلل الوظيفي المعرفي" المنتج، حيث يتحول التركيز المفرط على جبهة بحثية مدعومة بذكاء طبيعي كاف وظروف اجتماعية - اقتصادية مواتية، الى المحرك الفعلي للاكتشاف، وليس تلك الصورة الشعرية للمفكر الموسوعي المتامل. وهنا يستحضرنا قول علي الوردي، الذي ذهب في تحليله للشخصية المبدعة الى اعتبار العبقرية "اجتماع النقائض في شخصية واحدة"، فالمبدع الحقيقي، كما يرى الوردي، ليس ذلك الكائن المتوازن الذي تجتمع فيه الفضائل، بل هو كائن تعيش فيه التناقضات بعنف، مما يجعله غالبا غير مؤهل للحياة الاجتماعية الرتيبة، لكنه مؤهل لان يرى ما لا يراه الاخرون، وهو ما يذكرنا ايضا بتعريف ارثر شوبنهاور للعبقرية بانها "القدرة على ضرب هدف لا يستطيع احد ان يراه"، فالموهبة تضرب اهدافا مرئية، اما العبقرية فتصنع اهدافها الجديدة من رحم ذلك الخلل المعرفي المنتج.

ان اغفال هذا البعد في قراءة دراسة تيرمان وفي تحليل شروط الابداع عموما، يقود الى فهم مشوه لدور البيئة. فالمقالات التي تستعيد قصص "الصدفة التي قادت الى البنسلين" او "الطفلين المرفوضين اللذين نالا نوبل" تقدم لنا العبقرية وكأنها نتاج لحظات انتباه فردية او مفارقات تاريخية طريفة، متناسية ان هذه الحالات الاستثنائية لا تصبح اكتشافات الا حين تصادف بيئة ممولة، ومؤسسات احتضنها التاريخ، وفرصا هيكلية تتيح للانغماس الفكري ان يتحول الى نتاج تطبيقي. صحيح ان توماس اديسون عرف العبقرية بانها "واحد بالمئة الهام وتسعة وتسعون بالمئة عرق"، لكن ما تغفله هذه المقولة الشهيرة، وتسقطه ادوات قياس مثل اختبارات تيرمان، هو ان هذا "العرق" لا يثمر شيئا ما لم يصادف ارضية خصبة من التمويل والمؤسسات الراعية، والا لكان كل مجتهد مكافح عبقريا، وهو ما لا يحدث. فالمحاولات الكثيرة وتراكم الاعمال العادية التي تشير اليها تلك المقالات ليست اكثر من شرط ثانوي اذا لم تقترن ببنية داعمة تنفض عنها الغبار وتحولها الى انجاز. على النقيض من كل ذلك، يصر الخطاب السائد على تحميل الفرد وحده مسؤولية عبقريته، وكأنه يطفو فوق السياق، متجاهلا ان اثينا وفلورنسا وبغداد زمن بيت الحكمة لم تنتج عباقرتها لان سكانها تغيروا جينيا، بل لان افكارها تلاقحت في فضاءات مفتوحة ودعمتها بيئة راعية.

ثمة ارتباك اخير يكشف عن هشاشة هذه النماذج التفسيرية، وهو الخلط بين العبقرية كخاصية ذاتية قابلة للقياس، والعبقرية كحكم يصدره التاريخ بعد وقوع الانجاز. فان فان كوخ لم يكن اقل ابداعا في حياته، لكن لقب العبقري لم يلصق به الا بعد موته، مما يثبت ان هذا الوصف ليس صفة بيولوجية مغلقة او هالة اسطورية تمنحها المقاييس او المصادفة، بل نتاج تاويلات متاخرة تخضع لتقلبات الذائقة والظروف الثقافية. وهذا بالضبط ما كان يشير اليه علي الوردي في حديثه عن "عبقرية الهامش" حين راى ان الافكار الكبرى غالبا ما تولد في السياقات المتوترة والمهمشة، ولا يصنعها العقل الهادئ المستقر. فالتأويل المتاخر، كما في حالة فان كوخ او حتى في حالة اعادة اكتشاف اعمال اسحاق نيوتن، يثبت اننا لا نمنح لقب العبقري لمن يمتلك قدرات خارقة فحسب، بل لمن يتوافق ناتجه الفكري مع حاجات العصر وتقلبات الذائقة الثقافية. وحتى علم الاعصاب، الذي يحاول تلمس "مركز العبقرية" في الدماغ، كما حدث مع دماغ اينشتاين، لم يجد سوى فوضى تركيبية لا تفسر شيئا، بل ان حالات الخرف النادرة التي تطلق مواهب فنية دفينة تذكرنا بان الدماغ لا يزال يحتفظ باسرار تجعل كل يقين سابق حول العبقرية مجرد وهم.

ان الخروج من هذا الارتباك يتطلب تجاوزا جذريا للنماذج التفسيرية التي ظلت اسيرة لتلك الدراسة العتيقة وللحكايات القصصية المتراكمة. العبقرية، في ضوء ما نعرفه اليوم عن العقل البشري، ليست صفة يمتلكها الفرد بمعزل عن العالم، بل هي حصيلة تضافر ظرفي لحظوي بين استعدادات معرفية وهوس تخصصي، من جهة، وبيئة داعمة ممولة ومؤسسات عاقلة وفرص هيكلية، من جهة اخرى. وبدلا من الاصرار على التنقيب عن العباقرة في قوائم درجات الذكاء او في سرديات الصدفة الملهمة، ربما ينبغي لنا ان نطرح السؤال الاكثر ازعاجا: كم عبقريا مر من جانبنا في العقود الماضية، ودفنته بيئة غير مهيأة، او مؤسسات غير مكترثة، او فهم قاصر لطبيعة الابداع الحقيقية؟ طالما ظللنا نعيد تدوير اخطاء تيرمان ومن خلفه، فان اجابتنا عن هذا السؤال ستظل عاجزة، مثل تلك الدراسة التي مرت العبقرية من بابها فلم ترها.

***

ا. د. محمد الربيعي

هل أخطأ المفكر المصري جمال حمدان حينما وهب حياته وقلمه وسنوات عمره في سبيل الجغرافيا؟ على مستوى التقييم الشخصي فإن جمال حمدان يعد ملمحاً حضارياً وثقافيا لمصر الباهرة في سنواتها النضرة، ومن قبله كان أيضاً الجغرافي الموسوعي الدكتور محمد عوض الذي على حد اليقين لا يعرفه الطلاب المتخصصون في الجغرافيا اللهم من ألهمه الله بصيرة في التقاط اسم المؤلف على صدر كتابه .

ونتيجة التغافل الإعلامي بصحفه وقنواته الفراغية وشبكات التواصل الاجتماعي التي لا تخلو من صفحات عن الحب والغرام والنكات السخيفة وطبق اليوم لم يعد طالب الجامعة ولا المواطن يفطن من علم الجغرافيا سوى العبارة الاستثنائية في مسرحية العبقري فؤاد المهندس والمشهد الذي جمعه والفنان الملتزم جمال إسماعيل حينما أخطأ في نطق كلمة الجغرافيا بـ ” فنوغرافيا ”، ومع ذلك استمرأ الإعلام ومؤسسات الثقافة بالجغرافيا وكأن ثمة عوامل تتضافر بشراهة واشتهاء عجيب في إعلان الموت الإكلينيكي للجغرافيا وفروعها .

(أ) مَوْتُ الجُغْرَافيَا:

ولأن الجغرافيا هو أول دروس الهوية والوطنية التي تعلمناها منذ الصغر في المرحلة الابتدائية، فإنه من الأحرى تنبيه الجغرافيين المصريين بطروحاتهم التنظيرية المكرورة بحقيقة قد تكون غير طيبة أخبارها، وهي أن ثمة تحديات تزلزل عرش الجغرافيا المصرية لاسيما منذ السقوط الثقافي الذي أعقبه سقوط أخلاقي عقب الانتفاضة الشعبية في يناير 2011 أي منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير حينما تفرغ الشباب والشيوخ إلى تحليل المشهد السياسي وإسقاط كل ما بداخلنا من مركبات وعقد نفسية صوب الحراك السياسي الذي استمر حتى عزل الرئيس المعزول بإرادة شعبية وطنية في الثلاثين من يونيو 2013 .

هذا السقوط الثقافي الجغرافي تمثل في تقاعس الجغرافيين المصريين في تكريس وتعزيز الهوية الوطنية لدى الشباب عن طريق توجيه ولفت انتباههم نحو الأماكن التاريخية والجغرافية الساحرة في مصر المحروسة، وكان ينبغي على أولئك المهتمين بعلم الجغرافيا والآثار والتاريخ أن يتبنوا مبادرة وطنية خالصة لوجه الله والوطن في تنمية الوعي الوطني وتعزيز الانتماء لمصر المحروسة وحضارتها الضاربة في عمق التاريخ . وماذا كان سيضرهم في الماضي أو في الأيام المقبلة لو أن أساتذة الجغرافيا بجامعاتنا المصرية قاموا بتدشين مبادرة عنوانها اعرف بلدك لتكتشف انتماءك، تقوم هذه المبادرة قبل أن تسقط الجغرافيا سقوطها الأخير بغير قيام في الترويج للأماكن التاريخية كالمتاحف والمعابد والقرى التاريخية الساحرة المنتشرة في كافة ربوع مصر، والمحميات الطبيعية التي تزيد وتعمق من إيماننا بقدرة الخالق سبحانه وتعالى والإيمان بإبداعه لأنه بحق البديع .

وربما مصطلح ” وفاة الجغرافيا ” لم يكن جديداً على المشهد الثقافي، فلقد تنبأ البعض بهذه الوفاة الاضطرارية، تحديداً حينما زعم توفلر في سنة 1970 في كتابه ” صدمة المستقبل ” حيث قال إن تطور تكنولوجيا النقل والمواصلات ونمو الميديا المعرفية وتدفق الأشخاص المكثف أدى إلى نتيجة وهي أن المكان لم يعد مصدراً رئيساً وأساسياً للتنوع، وهو ما يهدم المزية التاريخية لعلم الجغرافيا وهي المكان، فالجغرافيا هي إنسانية المكان . وبفضل الثورة المعلوماتية والتطور التكنولوجي والتثوير الاقتصادي الذي عرف بعد ذلك بمصطلح العولمة والاقتصاد الحر تم اعتبار الجغرافيا حقلاً معرفياً وتنظيرياً فقط، بل إن الجغرافيين اليوم وتحديداً منذ نكسة يونيو 1967 فشلوا في تحديد دور إيجابي لهم يربطهم بالمكان والحجم والموقع لأنهم باختصار أجهدوا أنفسهم في تحليلات وطروحات فكرية وصاروا رهن ما تنبئهم به الخريطة التي لم تعد كما كانت . وبعدما كانت الجغرافيا خريطة سهلة واضحة المعالم أصبحت اليوم بفضل التدفق البشري والتغيير الثقافي المرتبط بالسلع والمنتجات جغرافيات جديدة ومعقدة يصعب فهمها وتحليلها .

ويبدو أن جغرافي مصر قد اغرورقوا حتى الثمالة في جغرافيتهم السياسية التي لم يتعد لها مكان اليوم لأنهم باختصار أعني وأقصد كتاباتهم وليس شخصهم الكريم فقدوا السيطرة على ترويض غول العولمة الذي استطاع بكفاءة أن يسقط الخريطة ويودي بحياتها اللهم سوى وجودها على استحياء في كتب الدراسات الاجتماعية بالمرحلة الابتدائية، وجعلوا اهتمامهم داخل المحاضرات إن اهتموا بالذكر أو من خلال كتاباتهم الصحافية بمناهضة العولمة، والأخيرة دوما في صراع ضد العقل الذي لا يعترف بالقوميات أو بالهويات الوطنية بقدر ما يسمح بالتعدد والتنوع الثقافي المرتبط بالناحية الاقتصادية فحسب .

وتجئ هذه السطور بسبب زيارة أعدها تاريخية على المستوى الشخصي لأنها أعادت اكتشاف إنسانيتي لكافة المناطق السياحية والأثرية التاريخية بمحافظات قنا والأقصر وأسوان بمشاركة طلاب من جميع الجامعات المصرية، واكتشفت والطلاب هذا الأثير الطاغي الذي تخلل أنسجتنا الوطنية ونحن نتفقد حضارتنا المصرية الساحرة والقاهرة والشاهدة على أن وطنا كمصر يستطيع أن يتغلب على جميع مشكلاته المعاصرة، وليس بمقدور كيان صغير أو دويلات فقيرة التاريخ والأصل والنسب أن تتغلب على مصر وطنا وشعب عن طريق حملات دعائية مستخدمة فيها الإعلام المشبوه والمشوه . وقررنا جميعا عندما نعود أن يستغل كل منا هذه الطاقة الإيجابية التي اكتسبناها من خلال زيارة متحف النوبة ومعبد دندرة وفيلة والكرنك والبر الغربي وحتشبسوت وغيرها من المناطق الرائدة في الترويج لمصر وتعميق الرؤية الوطنية لدى شبابنا، فإذا كانت الجغرافيا في طريقها إلى الوفاة الإكلينيكية إلا إذا استفاقت لدورها وتاريخها، فنحن بحاجة إلى علم جغرافي شعبي جديد يمكننا من مناهضة فتور الانتماء الوطني وفقر الوعي الحضاري لمكانة مصر العظيمة عن طريق توجيه مستمر لأهمية هذه المزارات وتاريخها وأن وجود الشباب في هذه البقعة الجغرافية الساحرة المسماة بمصر كفيل بأن يستطيعوا الوصول إلى عنان التقدم وارتياد منصات التتويج الثقافي والحضاري.

والملمح الأكثر حضورا ونحن ننعي حال الجغرافيا في تكريس وتعزيز الانتماء الوطني والوعي القومي هو أن جهات بعينها داخلية وخارجية تسعى إلى تقويض الهوية المصرية، وتسعى في الخريطة فساداً وخراباً لطمس ملامحها الأزلية تحديداً تلك الملامح التي تتعلق بحقنا الأصيل في الحصوصل على ترتيب الأول حضاريا وثقافيا لما نمتلكه من مظاهر وأماكن وصفات استثنائية . وبحق، فإن الجغرافيا ستموت إذا ما انصرف الجغرافيون عنها واهتموا بالدراسات الاجتماعية أو السيسيولوجية واعتمدوا على الدراسات الاجتماعية الاقتصادية وغفلوا عن مجالهم الصحيح والحيوي هذه الأيام وهو تدعيم الانتماء الوطني لدى الشباب .

ويكفيك أن تهتم على عجلٍ بتصفح كتاب Geographies of Globalization للأكاديمي النيوزلندي ورويك موراي المنشور في نسخته العربية في العام(2013) والذي تناول العلاقة بين الجغرافيا والعولمة، وهذا الكتاب صال وجال للبحث عن إجابة حصرية وحاسمة لسؤال: هل ماتت الجغرافيا ؟، وفي هذا الكتاب رصد حالة انخفاص الصلة بين علم الجغرافيا الأكاديمي والمحبوس في الكتب التنظيرية الجافة والأبحاث والدراسات الكاذبة التي لا تمت للواقع بصلة وبين العولمة التي تتصاعد حدتها ويتعالى نشاطها الاقتصادي والتنويري والاقتصادي، ومدى انحسار وفتور الوعي الوطني لدى الأمم نتيجة استغراق معظم الشباب في اللهاث وراء كل غريب ووافد وأجنبي. ولا شك أن الكتاب انتهى بنتائج غير سارة بالنسبة للجغرافية ومستقبلها المعاصر .

واليوم وفي ظل المحاولات والمساجلات المحمومة والمريضة الموجهة صوب مصر من أجل إبعادها عن دورها الريادي في المنطقة والعالم فإن الجغرافيا دورها اليوم بات ضروريا وملحاً، وعلى الجغرافيين اليوم أن يجتمعوا على هدف واحد ومهمة وطنية محددة وهي تنمية الوعي الحضاري وتعزيز الانتماء الوطني لدى شباب هذه الأمة .

(ب) جمال حمدان .. فارس المكان وبوصلة عشق الوطن:

إنه جمال حمدان، باختصار لا يشوبه التقصير وباختزال لا يتعريه طول التفسير هو فارس المكان، وهو البوصلة القادرة على التحشيد بغير انتفاضات شعبية نحو عشق الوطن وافتراس تفاصيله الجميلة بجنون، جمال حمدان حينما نتكلم عنه فإننا لا شعورياً نتجه باتجاه الوطن ونلامس أراضيه، وتأبى اللغة أن تتحدث عنه بلغة نثرية علمية جافة بل تجبرنا كتاباته ومسيرة حياته أن نتخلى ولو نسبياً عن جفاف اللغة العلمية ونلجأ إلى اللغة الشاعرية التي بحق تناسب مقامه ومكانته وتوازي عشقنا وعشقه للوطن.

والمدهش أن قراءتنا بغير تأويل أو عقد نقدية تجرنا لمساحات بعيدة عن الوطن، لكتابات المفكر الجغرافي الدكتور جمال حمدان هي قوة إجبارية تفرض علينا التفكير في واقعنا المصري المتسارع سياسياً والبطئ نحو النهضة والارتقاء، فجمال حمدان من خلال ما سطره من كتابات مثل الموسوعة العبقرية شخصية مصر، والقاهرة، والعالم الإسلامي المعاصر، واستراتيجية الاستعمار والتحرير، وكتابه المتميز عن اليهود كلها تؤكد أولاً نظرته العميقة للمستقبل وكأن ما سطره كان أشبه بصيحات التحذير لما نحن فيه الآن من أزمات ومثالب سياسية واجتماعية.

فمكانة مصر التاريخية والاستراتيجية الراهنة تجدها في هذه الكتابات المتميزة، التحذير من فوضى التعصب والتطرف تلمسها في سطور متناثرة خطها بقلمه حينما تحدث عن وسطية هذا الوطن العظيم، فهو يقرر أن مصر لموقعها الجغرافي المتوسط بين قارات العالم اتخذت لها موضعاً أكثر وسطية، ونجحت بالفعل لسنوات بعيدة أن تحافظ على هذه الخصوصية التي تحتوي متناقضات ومتضادات عجيبة في صورة أعجب وأبلغ، وإذا استقرأنا مهاد مصر لاكتشفنا أنها لم تعرف أبداً طوال تاريخها الضارب في القدم أنصاف الحلول أو المغالاة في التمايز لطرف في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، بل كانت وسطاً دائماً في النظرة والتفكير والاختيار، وربما هذه الوسطية هي التي أفرزت لنا قاماتنا الفكرية بتعددها الأيديولوجي كالشيخ محمد عبده وطه حسين والعقاد وسلامة موسى وزكي نجيب محمود وغيرهم مما تحفظهم الذاكرة .

كما يشير عبقري المكان الدكتور جمال حمدان إلى أن هذه الوسطية التي تميزت بها مصر حفظت لها وحدتها السياسية، مع وجود مساحات متفاوتة زمنيا من الجدال السياسي لا كالذي نشاهده ليل نهار إما في برلمان المرجعية الدينية المنحل، أو في برامج الفضائيات المكرورة التي توصف دوماً بأنها فراغية الجوهر، كالفراغ الذي الذي لا حيز له ونحترف في إهداره بمهارة فائقة تشبه إضراباتنا واعتصاماتنا ومليونياتنا الثورية التي تصيب جسد هذا الوطن بسهام نافذة مميتة .

وثمة كتابات نجدها مطروحة تفتش عن ذكريات أكاديمية للدكتور جمال حمدان، وأخرى تتناول كيف كان يعيش في قرية ” ناي ” مسقط رأسه بمحافظة القليوبية، ومدرسته الابتدائية بشبرا حينما انتقل مع والده معلم اللغة العربية وغير ذلك من القصص التي تشبه رواية الأيام للتنويري المفكر المجدد الدكتور طه حسين، رغم أنه من الأحرى التأكيد على صياغاته الفكرية عن مصر وتحليلاته التنظيرية التي تؤكد عمق هذا الوطن الضارب في التاريخ بقوة، والتي تدفع الناشئة والكبار أيضاً إلى زيادة الوعي بماضي هذه الأمة ومن ثم زيادة التوعية والانتباه بمستقبلها الذي بدا بعض الشئ مترنحاً وغامضاً في ظل هذا التصارع السياسي على إسقاط مصر وهي في حقيقة الأمر وطن صعب مراسه.

فجمال حمدان يؤكد في مجمل أعماله ويقرر أن مصر محكوم عليها بالعروبة والزعامة، وأن من قدرها أن تكون رأس العالم العربي، وقلبه، وضابط إيقاعه، وفي هذا الصدد يقر حقيقة بالغة الأهمية في ظل ظروفنا السياسية الراهنة وهي أن مصر أكثر من عضو ضخم في الجسد العربي، بل هي رأسه المؤثر، وجهازه العصبي المركزي الفعال والنشط والمحرك. ولم ينس العبقري جمال حمدان مرحلة أكتوبر بانتصاراتها المجيدة فنجده يعتبر مصر أكتوبر دليلاً قاطعاً على الشعب المحارب، وتكذيباً دامغاً لنظرية الشعب غير المحارب.

ورغم هذا العشق المستدام الذي يربط الدكتور جمال حمدان بمصر وطناً ومكاناً متميزاً، نجده شديد التأثر مرارة وحزناً بواقع مصر أيامه والتي تتشابه كثيراً مع واقعنا الراهن المحموم والمستعر غضباً واحتجاجاً، فهو يرى ـ في وقته ـ أن مصر بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير وإطالة النظر بعمق وتدبر في كيانها وهويتها ومصيرها، وهذا يدفعنا للتأكيد على أن مصر بعمقها وحضارتها وتاريخها وطن يصعب مراسه وتطويعه ولي ذراعه بتيارات وأفكار تسعى إلى إجهاض تنويره واستنارته، فإن هذا يتطلب مزيداً من العمل الدءوب بشأن تثوير الطاقات المنتجة، والعقول الأكثر إنتاجاً، وهذا لا ولن يتحقق إلا من خلال منطلقات ومرتكزات ثابتة نسبياً تشترك في إطلاقها مجموعة من المؤسسات الرسمية والمدنية وبعض الفئات المنوطة بتطوير هذا الوطن ومنتسبيه.

فهذا مواطن عليه أن يغير نظرته لذاته من شخصية سلبية مقهورة إلى أخرى أكثر إيجابية نشطة، يشارك ويمارس نشاطات مواطنته في وطن هو أحد مؤسسيه، وهذا نظام تعليمي عليه أن يستفيق قليلاً من سبات عميق، ويدرك أن عليه مهاماً جساماً تقتضي منه اليقظة المستدامة في مستويات إعداد المعلم، وأطر المناهج الدراسية، وتنشئة الطالب، إن كان يريد هذا النظام التعليمي أن يصبح مشاركاً فعالاً في صحوة هذا الوطن.

أما المؤسسات الرسمية أعني الدينية منها، فإن دورها الذي اقتصر في الماضي على معالجة الأزمات الطائفية، والظهور الإعلامي في مناسبات قمع الفتنة لابد وأن ينحسر تدريجياً، فالدور الحقيقي لها على مستوى الشراكة الوطنية هو قراءة المشهد الثقافي والمجتمعي للشارع المصري الذي يموج بتيارات وأفكار لا طاقة لنا بها هنا، ومن ثم تجهيز العقلية المصرية لمواجهة بوادر أية فتنة من الممكن وقوعها. وما أحوجنا إلى تثقيف بعض أئمتنا لاسيما الموجودين بالزوايا الريفية ببعض الدروس القيمة المنثورة بكتب التراث الإسلامي ومنها ما خطه ابن الأزرق في كتابه بدائع السلك حينما ذكر ما عاهد عليه الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) نصارى الشام، ومنه ما كتبه راعي الكنيسة إلى عمر فيما معناه أن لا يمنع كنائس الشام أن ينزلها أحد المسلمين، هذا في الزمن الجميل التي كانت دور العبادة ملاذاً ومكاناً يسع الجميع.

ومنه أيضاً ما ينبغي التأكيد عليه في مدارسنا ومساجدنا بأن بر أهل الذمة مأذون فيه لقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) . وليت بعض أئمتنا المنتشرين فوق منابر اعتلاها يوما رسولنا الكريم (عليه والصلاة والسلام) يفطنون إلى تفسير المقري لهذه الآية حينما قال إن هذا البر مأذون فيه، ويقصد به التقرب والإحسان، وهو مستحب جائز، والإقساط هو العدل الواجب فيهم، وهو مستحق واجب.

وها هو عبقري المكان جمال حمدان أو كما يصفه الدكتور محمد عبد الرحمن الشرنوبي بعاشق تراب مصر يكتب عن الخصية المصرية وكأنه يقرأ المستقبل ويستشرفه، وهي قراءة ملؤها الشجاعة في وقت نرى الشجاعة فيها مجرد أصوات عالية وصراخ غير منقطع وممارسات سياسية تستهدف تقويض الوطن ذاته، لكنه في قراءته للوطن مكاناً لم يغفل عن قراءة مرتكزات ومقدرات الوطن البشرية من سكان، ذلك حينما أشار إلى أن الشخصية المصرية تستغل فقط تاريخها حينما تواجه عدواً خارجياً لكنه من الأحرى استغلال والإفادة من هذا الإرث التاريخي في النهوض بالبلاد وفي استثارة عزائمنا الفاترة وفي إدراك مكانتنا والوعي بها باستمرارية بغير انقطاع أو تغييب عمدي ومقصود.

وهو يعمد دائماً إلى استنهاض الطاقات ويحذر من خطر الهروب من الحاضر إلى الماضي، ويشبه هذا الهروب بالمخدرات التاريخية التي تجعلنا أكثر عرضة للافتراس الذاتي لأننا نكون قد تخلينا عن مواجهة الحاضر بإحداثياته ومتغيراته المتسارعة. وليتنا نخجل من أنفسنا ونحن نعيد قراءة الطروحات الفكرية الجغرافية للعبقري جمال حمدان لاسيما وهو يصر على جعل مصر سيدة الحلول الوسطى وملكة الحد الأوسط، وهي أمة وسط بكل معنى الكلمة، بكل معنى الوسط الذهبي، وليست أمة نصفاً، ومصر جغرافياً وتاريخياً تطبيق عملي لمعادلة هيجل تجمع بين التقرير والنقيض في تركيب متزن أصيل .

وختاماً لا أملك القول سوى كلمات هذا العبقري في موسوعته الجغرافية والثقافية الفريدة ” شخصية مصر”: إننا كلما أمعنا تحليل شخصية مصر وتعمقناها استحال علينا أن نتحاشى هذا الانتهاء، وهي أنها فلتة جغرافية لا تتكرر في أي ركن من أركان العالم، فالمكان، الجغرافيا كالتاريخ لا يعيد نفسه أو تعيد نفسها، تلك هي حقيقة عبقريتها الإقليمية.

***

د. بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

استكمالا لحديثنا السابق عن المعرفة الإنسانية، نقول: إذا كانت المعرفة قد بدأت من سؤال الإنسان عن نفسه والعالم، فإنها كلما تعمقت لا تلبث أن تتجاوز حدود الأشياء المتفرقة إلى البحث عن الوحدة التي تنتظمها. فالإنسان في بدايات معرفته يرى الموجودات متكثرة، والظواهر متباينة، والتجارب متفرقة، لكنه كلما اتسعت بصيرته أخذ يبحث عن المعنى الذي يجمع هذا التعدد، وعن الأصل الذي تنتظم فيه هذه الكثرة، وعن الحقيقة التي تجعل للوجود كله وحدة تتجاوز مظاهره المتعددة.

ومن هنا لا تكون المعرفة مجرد انتقال من الجهل إلى العلم، بل انتقال من التشتت إلى الوحدة، ومن رؤية الأشياء في انفصالها إلى إدراك علاقاتها ومآلاتها ومصدر معناها. وكلما اقترب الإنسان من هذه الوحدة، أدرك أن المعرفة لا تكتمل بكثرة ما يراه، وإنما بقدرته على أن يرى وراء الكثرة وحدة، ووراء الظواهر حكمة، ووراء الجمال دالا على مصدر الجمال.

وهنا تتجلى العلاقة بين المعرفة والجمال بصورة أكثر عمقا؛ فالجمال الذي أدركه الإنسان في المحبة لم يعد مجرد إحساس يثير الوجدان، وإنما يصبح في المعرفة موضوعا للتأمل والكشف. فالإنسان حين يتأمل جمال الكون، وتناسق الموجودات، ودقة النظام، وتنوع الحياة، لا يقف عند حدود الإعجاب بالمشهد، وإنما يسأل عن مصدر هذا الجمال، وعن الحكمة التي جعلت الوجود قابلا لأن يكون موضعا للجمال والمعنى. وهكذا ينتقل الجمال من كونه تجربة وجدانية إلى كونه سؤالا معرفيا، ومن السؤال المعرفي إلى أفق الحقيقة.

وكذلك الكمال؛ فالإنسان لا يطلب الكمال في ذاته إلا لأنه يحمل في داخله معنى يتجاوز ما هو ناقص ومحدود. وكلما أدرك نقصه، ازداد توقه إلى الكمال، وكلما ارتقى في المعرفة، ازداد وعيا بحدوده، حتى يصبح البحث عن الكمال بحثا عن الأصل الذي لا يعتريه نقص، وعن الحقيقة التي لا تستمد كمالها من غيرها.

ومن هنا يمكن فهم المعرفة بوصفها مدرجا من مدارج الكمال والجمال معا؛ فهي كمال لأنها تخرج الإنسان من ضيق الغفلة إلى سعة الوعي، وهي جمال لأنها تكشف له ما كان خفيا من المعاني والدلالات. وكلما ازدادت المعرفة عمقا، ازداد الإنسان قدرة على رؤية الجمال في مواضعه، والكمال في مراتبه، والحكمة في تجاربه، دون أن يخلط بين الكامل والناقص، أو بين الغاية والوسيلة، أو بين ما هو أصيل وما هو عارض.

ولذلك فإن المعرفة الحقيقية لا تزيد الإنسان غرورا بامتلاكه الحقيقة، وإنما تزيده تواضعا أمام اتساعها. فالإنسان كلما عرف أكثر، أدرك أن ما يجهله أوسع مما عرف، وأن الحقيقة أكبر من أن تحيط بها ذات محدودة. ومن هنا كان التواضع من أصدق ثمار المعرفة، لأن المعرفة التي تورث الكبر لم تبلغ بعد درجة البصيرة، وإنما بقيت في حدود الحيازة الذهنية.

وقد كان هذا المعنى حاضرا في التراث الإسلامي حين اقترنت المعرفة بالخشية، لا لأن المعرفة غاية لإخضاع الإنسان، وإنما لأن انكشاف عظمة الحقيقة يجعل الإنسان أكثر إدراكا لمحدوديته. فكل معرفة ترفع الإنسان فوق غروره هي معرفة تقترب به من الحكمة، وكل معرفة تزيده تواضعا أمام الحقيقة هي معرفة تتجاوز حدود المعلومات إلى بناء الإنسان.

ومن هنا تتأكد أهمية التمييز بين العلم والمعرفة في مشروعنا. فالعلم يمكن أن يمنح الإنسان قدرة على تفسير الظواهر، أما المعرفة فتدفعه إلى التساؤل عن معناها وغايتها وموقعه منها. وقد يتقدم الإنسان في العلوم، ثم يبقى عاجزا عن الإجابة عن السؤال الذي يخص وجوده هو: لماذا أنا هنا؟ وما الغاية من هذا الوجود؟ وإلى أين ينتهي هذا الطريق؟

وليس في هذا التقليل من شأن العلم، بل على العكس؛ فالعلم من أرقى أدوات الإنسان في اكتشاف العالم، لكن قيمته الإنسانية تكتمل حين ينفتح على السؤال عن المعنى. فالمعرفة التي نريدها لا تناصب العلم خصومة، وإنما تضعه داخل أفق أوسع، بحيث يصبح اكتشاف قوانين الوجود مقدمة للتأمل في الحكمة، ويصبح فهم النظام مدخلا إلى التساؤل عن مصدره، ويصبح إدراك الجمال بداية للبحث عن الحقيقة التي وراءه.

وفي هذا المستوى تصبح معرفة الإنسان بنفسه أكثر عمقا. فبعد أن كان الإنسان يسأل: من أنا؟ يبدأ في اكتشاف أن ذاته ليست شيئا مغلقا على نفسها، وإنما هي نقطة التقاء بين الجسد والعقل والقلب والإرادة والروح، وبين العالم الذي يعيش فيه والغاية التي يسعى إليها. وكلما تعمقت معرفته بذاته، أدرك أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم نفسه بمعزل عن علاقته بالوجود، ولا أن يفهم وجوده بمعزل عن السؤال عن مصدره وغايته.

وهنا تعود المحبة لتلتقي بالمعرفة مرة أخرى. فالمحبة كانت قد حررت القلب من التشتت، ووحدت وجهته، ودفعت الإنسان إلى طلب محبوبه، ثم جاءت المعرفة لتمنحه بصيرة أعمق بما أحب. وكلما ازداد إدراكا لجلال المحبوب وكماله وجماله، ازداد حبه رسوخا، وكلما رسخت المحبة، أصبح القلب أكثر استعدادا لرؤية ما لا تراه المعرفة المجردة. وهكذا لا يعود القلب والعقل طرفين متعارضين، بل يتكاملان في رحلة واحدة نحو الحقيقة.

وفي التجربة الروحية يصبح هذا التكامل أكثر وضوحا؛ فالمعرفة التي لا تغير القلب تظل ناقصة، والمحبة التي لا تهذب المعرفة قد تنحرف إلى الوهم. أما حين تتحد المحبة والمعرفة، فإن الإنسان ينتقل من معرفة يتأملها من الخارج إلى حقيقة يعيش آثارها في الداخل. ولا يعود التوحيد عندئذ مجرد قضية نظرية يثبتها العقل، وإنما يصبح معنى تتجه إليه حياة الإنسان كلها.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كانت المعرفة في رحلتنا ثمرة للمحبة ومدخلا إلى التوحيد في الوقت نفسه. فالمحبة وحدت مقصد الإنسان، والمعرفة تكشف له حقيقة المقصد، ثم يأتي التوحيد ليمنح هذه الوحدة معناها النهائي. وبذلك لا تكون المعرفة نهاية مستقلة، وإنما تكون مدرجا يهيئ الإنسان للانتقال من وحدة المقصد إلى وحدة الحقيقة.

وهنا تبلغ رحلة الإنسان في مدارج الكمال والجمال منعطفا حاسما؛ لأن المعرفة حين تبلغ أفقها الأعلى لا تعود تسأل عن كثرة الموجودات بقدر ما تسأل عن وحدتها، ولا عن اختلاف مظاهرها بقدر ما تبحث عن الأصل الذي تنتظم فيه، ولا عن الجمال في صوره المتعددة بقدر ما تتطلع إلى الجمال المطلق الذي تستمد منه الأشياء جمالها، ولا عن الكمالات الجزئية بقدر ما تتجه إلى الكمال الذي لا يحده نقص.

ومن ثم يتجاوز الإنسان مرحلة أن يرى العالم مجرد مجموعة من الموجودات المستقلة، إلى أن يدركه بوصفه وجودا مفتوحا على دلالة واحدة، وأن اختلاف الأشياء لا ينفي وحدة مصدرها، وأن تعدد الصور لا يلغي وحدة الحقيقة التي تستمد منها وجودها ومعناها.

وهنا يصبح التوحيد أكثر من اعتقاد ذهني أو قضية كلامية؛ إنه اكتمال لمسار الوجود الإنساني كله. فالإنسان الذي بدأ رحلته بالوعي بعمره، ثم واجه الألم، وتعلم الصبر، وأحسن التوكل، وبلغ الرضا، وتذوق المحبة، واستنار بالمعرفة، إنما كان يتحرك في العمق نحو تحرير وجوده من التشتت، حتى تتوحد إرادته، وقلبه، وعقله، ومقصده في الحقيقة العليا.

ولهذا فإن التوحيد في أفق هذه الرحلة لا يعني مجرد القول بوحدانية الله، على جلالة هذا المعنى وأصالته، وإنما يعني أن تنعكس هذه الحقيقة على بنية الإنسان الداخلية كلها؛ فيتوحد ما تفرق فيه، ويستقيم ما اضطرب، ويتحرر من عبودية المحبوبات الجزئية، ولا يرى الكثرة حجابا عن الوحدة، ولا الوحدة إلغاء للكثرة، بل يرى الموجودات جميعا في مواضعها، ويعرف أن استقلالها في الوجود ليس استقلالا عن خالقها.

وبذلك تكتمل الصلة بين المعرفة والمحبة؛ فالمحبة قادت الإنسان إلى طلب الحقيقة، والمعرفة كشفت له طريقها، والتوحيد يوحد في وعيه مقصد الرحلة وغايتها. وإذا كانت المحبة قد أورثته الأنس والقرب، فإن المعرفة تورثه البصيرة واليقين، وإذا كان الأنس قد أزال وحشة الطريق، فإن البصيرة تكشف له وجهته، حتى لا يعود السير مجرد حركة في الزمن، وإنما يصبح ارتقاء واعيا في مدارج الكمال والجمال.

وخلاصة القول: إن المعرفة ليست مجرد امتلاك للحقيقة، وإنما استعداد دائم لاستقبالها، وليست تكديسا للمعلومات، وإنما تحرير للوعي من الغفلة، وليست انفصالا عن الحياة، وإنما عودة إليها بعين أكثر بصيرة. إنها الثمرة التي تنضج في قلب المحبة، والمدرج الذي يرتقي فيه الإنسان من وعي الذات إلى وعي الحقيقة، ومن تعدد الظواهر إلى وحدة المعنى، ومن تفرق المقاصد إلى الغاية التي تنتظم عندها معاني الوجود كلها.

وهكذا يصل الوجود الإنساني إلى عتبة أخيرة في رحلته؛ فبعد أن عرف الإنسان قيمة عمره، وفهم حكمة ألمه، وتعلم الصبر، وأحسن التوكل، وبلغ الرضا، وتذوق المحبة، واستنارت بصيرته بالمعرفة، لم يعد السؤال: كيف أعيش؟ ولا: ماذا أعرف؟ وإنما يصبح السؤال الأعمق: إلى أي حقيقة ينبغي أن يتجه هذا الوجود كله؟

وهنا تتهيأ الرحلة للوقوف عند التوحيد، لا بوصفه خاتمة لفظية لمسار طويل، وإنما بوصفه الغاية الكبرى التي تتجمع عندها خيوط الرحلة كلها؛ حيث يلتقي الكمال بالجمال، والمحبة بالمعرفة، والقلب بالعقل، والإرادة بالغاية، ويتحرر الإنسان من تفرق المقاصد ليبلغ وحدة المقصد في الله.

وهنا، عند وحدة المقصد، تبدأ قراءة أخرى للوجود الإنساني؛ قراءة لا تبحث عن الله في نهاية الطريق فحسب، بل تكتشف أن كل مدارج الطريق لم تكن إلا تهيئة للوعي بهذه الحقيقة. وذلك هو ما سنقف عنده في المقالة القادمة: التوحيد، باعتباره الغاية الكبرى للوجود الإنساني، والأفق الذي تتكامل فيه مدارج الكمال والجمال.

***

بقلم: أ. د ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

يقول "فيورباخ": (علينا أن نصبح متدينين مرة أخرى، يجب أن تصبح السياسة ديننا، لكنها لن تكون كذلك مالم يكن لنا كائن أسمى يجعل السياسة ديناً في نظرنا. ).(1)

وفيورباخ يقصد بالكائن الأسمى هنا الإنسان ذاته الذي أوجد الدين البدائي مع بداية تطور وجوده الاجتماعي ووعيه المرافق لهذا الوجود. وهنا يلتقي مع هيجل في هذه الفكرة، مع أن هيجل يعتبر هذا الكائن هو الدولة. (2).

تعتبر أطروحة فيورباخ هذه، أي إحلال السياسة بدل الدين، هي مشروع أيضاً لإحلال الفلسفة محل الدين، فعندما يحل الإنسان العقلاني محل الإنسان المتدين، يجب أن تحل هنا شراكة العمل والتعاون والانفتاح على الآخر وعمران الحياة ونشر المحبة والعدالة والمساواة والحرية بين الناس، محل شراكة الطقوس الدينيّة وأيديولوجياتها المغلقة وتفريعاتها الطائفيّة والمذهبيّة وعداواتها للمختلف وفرقها الناجية .

يقول فيورباخ: إن الدين بالمعنى المألوف ليس رابطة تشدّ الدولة وتقويها وتمنحها القدرة على التماسك، بقدر ما هي عامل انحلال لها، وتفتيت مكوناتها إلى طوائف ومذاهب متصارعة من أجل إرضاء السماء كما يعتقدون بدل إرضاء أنفسهم. فإذا كان (الله) هو السيد الذي اعتمد الإنسان عليه في جلب المطر بصلاة الاستسقاء، وهو من يحقق له النصر في المعارك.. الخ.. إلا أنه بدءً من الاعتماد على نفسه وعلى غيره من بني جنسه لتسيير أمور حياته، عبر مؤسسات اجتماعية يأتي في قمتها دولة لهم بعقد اجتماعي يتفقون عليه، عند ذلك يُضعفون بالضرورة مسألة الاعتماد كليّاً على الله، على اعتبار أن الله ليس هو من يبني الدولة ويجلب المطر للزراعة في صلاة الاستسقاء، وإنما خلق الإنسان كي يعمر هذه الأرض، لذلك فإن الإيمان بالإنسان (كخليفة) هنا، هو الذي يفسر أصل الدولة وسيرورتها وصيرورتها، (وأمرهم شورى بينهم)، وإن ربطت هذه الدولة في الدين أو الإله، فهي ليست أكثر من رغبة تريد تحقيقها القوى الحاكمة المستبدّة، لمنح الدولة الصفة المقدسة من جهة، ومنح القوى الحاكمة ذاتها لهذه الدولة، صفة التقديس أيضاً، وجعلها تحكم باسم الإله، أو ممثلة له كما جرى في العصور الوسطى في أوربا، وفي الخلافة الإسلامية، وعند طارحي الحاكمية اليوم.

إذن، إن الدولة بكل مؤسساتها هي الإنسان عبر سيرورة وصيرورة حياته، وهي الدولة التي تُبنى تصرفاتها وتشريعاتها وفقاً لمصالح القوى المتحكمة بقيادة الدولة من جهة، ووفقاً لمصالح مكوناتها في حالة تناقضاتهم وصراعاتهم من جهة ثانية. وفي حالة هذه التناقضات والصراعات بين المكونات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية والأيديولوجيّة، غالباً ما تبرز على الساحة السياسيّة توجهات سياسيّة جديدة لا تبتعد في آليّة تكوينها وعملها عن تكوين وعمل الدولة الدينيّة، وأقصد هنا الدولة (الشمولية أو الكليانيّة)، بصيغتها الوضعيّة التي تلغي دور الكتلة الاجتماعية في قيادة الدولة والمجامع، أو إلغاء دور الشعب كمصدر للسلطات، لتجسد دور الفرد الحاكم (الصمداني) الذي يُخضع كل السلطات في الدولة تحت أمرته أو سلطته، لتتجسد الدولة به وحده، كما قال " لويس الرابع عشر" (أنا الدولة والدولة أنا). وهذا الأنموذج من الدولة الشموليّة الاستبداديّة رغم أن المجتمعات الغربيّة قد تجاوزته لتحل بدلاً عن الحاكم الفرد المستبد، طبقة رأسماليّة متوحشة راحت تعمل على تهجين الإنسان ونمذجته، وتفرده وبالتالي (حيونته).

بيد أن هذا الدولة (الشموليّة) في صيغتها الأولى، أي سيطرة الفرد الحاكم سيطرة مطلقة على شؤون الدولة وتحويل الشعب إلى رعيّة، راحت تتجلى في دول العالم الثالث ومنها عالمنا العربي، حيث تجد الظروف الموضوعيّة والذاتية التي تساعد على ظهورها واستمراريتها. وفي كلا حالات الدولة الشموليّة في الغرب كانت أو دول العالم الثالث، نجد أن الدولة ظلت من حيث الجوهر تدار أو تحكم بآليّة الطبقة الحاكمة المقدسة كما هو الحال في الغرب، أو تدار بحكم القائد الفرد (الصمداني) على حد تعبير الصديق المفكر الراحل "هادي العلوي أبو "الحسن") كما هو الحال في دول العالم الثالث المتخلف، ومنه عالمنا العربي.

العلمانيّة خشبة الخلاص:

إذا كانت الدولة الشموليّة في علمنا العربي تمثل عالم الخرافة والأسطورة وتغييب العقل وتجذير الاستبداد والقهر وزرع الخوف في عقول ونفوس المواطنين الذين أصبحوا أقرب في حياتهم إلى الرعايا، ونشر الفساد في الدولة والمجتمع، وتجسيد فكرة القائد الفرد وفقهه، وبالتالي الاشتغال على كل المرجعيات المتخلفة التي تساهم في إضعاف المجتمع وتفتيته وتحطيم بنية دولة القانون والمؤسسات والأهم بنية المواطنة، لتحل بدلاً عنها الطائفيّة والمذهبيّة والعشائريّة والقبليّة والفرقة الناجية، وتجار الدين والسياسة والقوى البيروقراطيّة والطفيليّة والعسكرة...وغير ذلك من قضايا اللامعقول. فإن العلمانيّة كشروع تنموي وحضاري يدعو إلى تجسيد دولة المؤسسات، وإن الشعب هو المرجعيّة الأساس في بناء الدولة ومؤسساتها التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة، مع التأكيد عن فصل هذه المؤسسات، وبناء المواطنة بين مكونات المجتمع والدولة، كون المواطنة هي من يحقق لحمة المجتمع وتوازنه وتحقيق مصالح الفرد والمجتمع فيه، فالمواطنة هي من يحقق بالضرورة تكافؤ الفرص والحريّة والديمقراطيّة والمشاركة الفاعلة من قبل الجميع لقيادة وبناء الدولة والمجتمع بعيداً عن تفرد أي قوى مهما تكن مرجعياتها سياسيّة أو دينيّة أو طبقيّة أو كاريزميّة. أي لتكون العلمانيّة المشروع الذي يعيد الدولة إلى حضن المجتمع وللعقد الاجتماعي الذي يمنح الشعب حرية اختيار نظامه وشكله وحوامله السياسيّة، وبالتالي تكون المشروع الذي ينزع المقدس عن الدولة في شقها الديني الذي يطالب بحاكميّة الدين وتشريعاته وعقائده على حياة الناس وهذا يتحقق من خلال العمل على فصل الدين عن السياسة وجعل الدين لله والوطن للجميع. كما تعمل العلمانيّة على الغاء التفرد بالسلطة وفرض الوصاية على الشعب من قبل حزب ما، أو حاكميّة فرد ما، يمثل بعقليته "الصمدانيّة" المرجع الأساس للدولة والمجتمع في كل شيء، وهو الذي لا يأتيه الباطل من خلفه أو بين يديه. وهنا يعمل المشروع العلماني أيضاً على نزع المقدس عن السلطات الحاكمة الشموليّة المستبدة، والعودة بالسلطة إلى الشعب صاحب المصلحة الحقيقة في إدارة دولته ومصالحه من خلالها. وعلى هذا الأساس تأتي العلمانيّة في الحقيقة كرابطة أيضاً تشدّ الإنسان مع أخيه الإنسان، بعيداً عن أي مرجعية متخلفة طائفيّة كانت أو مذهبيّة أو عشائريّة أو قبليّة. أي تشدّ مكونات المجتمع جميعاً وتقذفهم في عالم المواطنة والمشاركة السياسيّة في قيادة الدولة والمجتمع. بينما يظل الدين حالة فرديّة (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) له احترامه وتقديره وعدم المساس بخصوصياته طالما هي لا تقصي الآخر المختلف ولا تحط من قيمته أو تسيئ للوطن.

علينا أن ندرك إن أهداف ومقاصد الدين في عصرنا هي غير مقاصد وأهداف السياسة إلى حد كبير، فإذا كانت أهداف الدين تقوم على تربية المواطن الذي ولد على الفطرة نقيّاً غير ملوث بمفاسد الواقع الاجتماعي كما يقول رجال الدين، إلا أن هذا الواقع راح يعمل على تلويث هذا الإنسان وإفساده شيئاً فشيئاً، فالكثير من رجال الدين أنفسهم بسبب تغذيتهم الفرد على قيم الطائفة والمذهب، مبعدين إياه عن حالته الفطريّة النقيّة التي يدعوا إليها الدين الحنيف، قد ساهموا بالتالي في تلويث البنية الاجتماعية بالروح الطائفة والفرقة الناجية، وهنا  لا بد من تنقية هذا الفرد روحيّاً واخلاقيّاً وفقاً لمبادئ وأهداف السياسة العقلانيّة التنويريّة ومقاصدها كما تريدها العلمانيّة أو تبشر بها، فهي ترمي إلى تربية الإنسان قبل أي شيء على روح المواطنة، أي كمواطن دولة لها أنظمتها وقوانينها ومؤسساتها التي تعمل على نشر وتجذير محبة الوطن وعدم التفريق أو التمييز بين أبنائه من ذكر وأنثى، أو التمييز في اللون أو الدين أو الطائفة أو المذهب، مثلما هي قائمة – أي هذه الأنظمة والقوانين والمؤسسات العلمانيّة - على نشر وتجذير العدالة والمساواة والحريّة واحترام الرأي والرأي الاخر، وضرورة مشاركة الجميع في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، أي الايمان بالتعدديّة السياسيّة وتداول السلطة.

بشكل عام إن المراد من (التربية المدنيّة) هذه، هو معرفة الإنسان للصح والخطأ الذي تحدده مصالح الناس في حالات تطورها وتبدلها، وليس على طريقة الحرام والحلال التي تحددها قيم معيارية ثابته لكل زمان ومكان، وهي قيم الدين التي لا تقبل التعديل او المراجعة أو النقد.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد من سوريّة

.....................

(1) كارل لوفيت، من هيجل إلى نتشه، تعريب ميشيل كيلو، ج!، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1989، ص102

(2) المرجع نفسه، ص102

لو جمعت نيتشه وكامو على منصة واحدة، لاتفقا على التشخيص واختلفا في كل شيء آخر. كلاهما يُقرّ بأن المعنى لا يأتي من خارج الإنسان وأن الإنسان الحديث يعيش في فراغ خلّفه انهيار اليقينيات الكبرى، الدينية والميتافيزيقية والأخلاقية. كلاهما يرفض الأجوبة السهلة والعزاءات الجاهزة. وكلاهما أيضا يطرح فلسفته كمحاولة للعيش في عالم أسقطت فيه الأصنام القديمة ولم تُشيَّد بعد أصنام جديدة تحلّ محلها. لكن ما يفعله كل منهما بهذا التشخيص المشترك مختلف جوهريا، يمسّ طبيعة الفلسفة ذاتها ودورها في الحياة البشرية. فالعدمية تبدأ من الغياب المطلق. ليس من التساؤل، بل من الحكم: لا معنى، لا قيمة موضوعية، لا حقيقة تستحق الاسم خارج ما يصطلح عليه البشر لأسباب نفسية واجتماعية. هذا الغياب يصبح نقطة الصفر التي منها إما أن يستسلم لها الإنسان فيقع في العدمية السلبية، وإما أن يعلو عليها بخلق معنى جديد من الإرادة المحضة. العبثية بالمقابل لا تبدأ من الغياب المطلق ولا تنتهي إليه. تبدأ من التصادم بين شيئين موجودين: رغبة الإنسان في المعنى من جهة، وصمت العالم من جهة أخرى. العبث هو الاحتكاك المتواصل بين هذين الطرفين، وهو في نظر كامو لا يُلغى إلا بإلغاء أحد طرفيه، وهو ما يرفضه رفضا قاطعا.

الفارق بين المفهومين دقيق جدا، وربما تبعاته أهم مما هو في مقدماته. العدمية تتعامل مع غياب المعنى كحكم كوني ثابت، كمعطى يُسلَّم به ثم يُبنى عليه إما بالاستسلام وإما بالتجاوز. العبثية تتعامل مع غياب المعنى كتجربة بشرية حية، كعلاقة وليس كحكم، كمسرح تقع فيه الأفعال والاختيارات وليس كمقبرة تُدفن فيها. الفرق إذن ليس فقط في النتيجة، بل في طريقة القراءة للواقع، فيما إذا كنت تقف خارج المعادلة لتحكم عليها، أم تقف داخلها وتحياها بوعي.

نيتشه مثلا يريد الخروج من العدمية، لا الإقامة فيها. يريد أن يتجاوزها إلى شيء آخر، إلى إنسان يخلق قيمه بدل أن يرثها أو يستسلم لغيابها. كامو من جهته يريد البقاء داخل العبث دون أن يُطبع معه ودون أن يهرب منه. ولهذا يرى كامو في "الإنسان الأعلى" النيتشوي نوعا غير مُعلَن من الهروب: حين تقرر أنك ستخلق معناك الخاص بإرادتك المطلقة، فأنت تحلّ مشكلة اللامعنى بجواب تصنعه أنت لنفسك. لكن ألا يشبه هذا بطريقة ما، ما يفعله صاحب الإيمان الديني حين يُقرر أن للحياة معنى لأن الله يريد كذلك؟ كلاهما، في نظر كامو، يُسكّت السؤال بجواب قبل أن يستنفد السؤال نفسه. التمرد الكاموي يرفض حتى هذا الحل، لأنه يريد الإنسان يقظا أمام السؤال إلى آخر لحظة، لا أن يجد جوابا يريحه ويغلق الملف.

الفارق الثاني يتعلق بالأخلاق، وهو فارق يترتب عليه أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. العدمية في صيغتها الأشد جذرية تتساءل بشكل مشروع: ما الداعي للأخلاق إن لم يكن ثمة معنى موضوعي؟ لماذا الفضيلة على الرذيلة، ولماذا العدل على الظلم، إن كانت كل القيم مجرد اصطلاحات بشرية في فراغ كوني لا يُبدي رأيا؟ نيتشه نفسه لا يُسقط الأخلاق دون بديل، يريد أخلاقا أخرى، أخلاق "السادة" بدل ما يسميه أخلاق "العبيد" والضعفاء المُرسَّخة في المسيحية. لكن هذا التمييز، مهما كانت نوايا نيتشه خلفه، فتح بابا واسعا من سوء الفهم وسوء الاستخدام عبر التاريخ الأوروبي المعاصر. كامو بالمقابل يستنتج من العبث أخلاقا بدلا من إسقاطها. التمرد يقود إلى التضامن: من يدرك عبثه ويُقرّ به يدرك بالضرورة أن الآخرين يعيشون عبثهم أيضاً بنفس الثقل ونفس الوطأة. هذا الإدراك المشترك لا يُنشئ نظاما أخلاقيا مكتمل البنيان، لكنه يُنشئ أخوّة حقيقية قائمة على الاعتراف المتبادل بثقل الحياة، وهو على هشاشته الظاهرة، أمتن بكثير من الأخلاق المستمدة من شريعة كونية لم تُكتب قط.

الفارق الثالث في الموقف من الإيمان الديني. العدمية في صيغتها الأكثر صرامة ترفض الدين باعتباره وهما وظيفيا أنتجه العجز البشري ليملأ فراغا لا يُملأ حقا، وهذا الرفض في الغالب لا يحمل رثاء ولا تعاطفا، إنه ببساطة حكم ينتهي بنقطة. كامو بالمقابل يقف من الإيمان موقفا أكثر دقة وربما أكثر احتراما وأصعب تصنيفا: لا يرفضه لأنه وهم، بل لأنه "قفزة" تتجاوز العبث بدلا من التحديق فيه والعيش معه. الإيمان في نظره حلٌّ إنساني مفهوم ومُحترَم كتجربة روحية عميقة، لكنه مرفوض كفلسفة لأنه يُجيب على السؤال بتجاوزه لا بمواجهته.

ثمة فارق أعمق وأشد جذرية يتعلق بالزمن الذي كتب فيه كل منهما، وهو فارق لا يمكن تجاهله لفهم الفرق بين الموقفين. نيتشه كتب في القرن التاسع عشر، حين كانت الأيديولوجيات الكبرى في طور النشوء لا في طور الهذيان الدموي. كان يرى انهيارا ثقافيا وميتافيزيقيا في الأفق الأوروبي، لكنه لم يعاين ما تفعله "الإرادة المطلقة" حين تمسك برقاب الأمم. كامو رأى ذلك. كتب "أسطورة سيزيف" عام 1942 والأوروبيون يُقتَلون باسم "المعاني الكبرى"، الجنس الأعلى تارة، والتاريخ الحتمي تارة أخرى. لهذا ربما لم يستطع أن يقفز نحو أي "إنسان أعلى" أو "إرادة مطلقة"، وهو يرى كيف يبدو هذا الإنسان الأعلى حين ينزل إلى الشوارع ويمسك بمقاليد السلطة: يشبه القائد الذي لا يُحاسَب لأنه هو من يُعرّف المعنى ويصك القيم.

قد يُقال إن هذا ظلم لنيتشه، وفي هذا حق جزئي. نيتشه ذاته أبدى ازدراءه الصريح للقومية الألمانية ومعاداة السامية في أكثر من موضع، وكان يرفض أن تُوظَّف أفكاره في خدمة العقليات القطيعية والجمعية. لكن الأفكار لا تمشي وحدها في العالم، بل تمشي في أيدي من يحملونها ويوظفونها، ويصعب على أي فيلسوف أن يُقرر مسبقا كيف سيُساء فهمه وإلى أين. كامو عاش هذه الإساءة كعصر لا كنظرية، ولهذا جاءت فلسفته محصّنة بطريقة مختلفة، إعتراف مسبق بأن كل "معنى مطلق" هو بذرة طغيان في الانتظار.

ما يجمع المدرستين في نهاية المطاف أعظم مما يفرقهما بالمقياس الأول. كلتاهما تأبى الوهم وترفض الأجوبة المصنّعة، وكلتاهما تطالب الإنسان بأن يقف أمام سؤاله الحقيقي دون أن يبحث عن وسيط يتحمل عنه ثقله. لكن العدمية في أحد وجوهها الأشد حدة تميل إلى أن تجعل من الإنسان سيد فراغه، يملأه بما يشاء وكيفما شاء، بلا مرجع خارجي ولا حدٍّ موضوعي. بينما تجعل العبثية من الإنسان شاهد تصادمه، يبقى حاضرا أمام السؤال، متمردا دون أن يُجيب، وواعيا دون أن يطمئن. الأولى تطلب الاكتمال ولو اكتمالا يصنعه الإنسان لنفسه بيده. والثانية تقبل النقص المستمر وتجعل منه موضع الكرامة لا موضع الخزي. ومع ذلك، حين يجلس الإنسان بمفرده مع هذا الفراغ الحقيقي، ويتناول المسألة كحقيقة تسكن ليالي الأرق وتُطلّ في منتصف الأيام العادية بعيدا عن وهم حلها بالقلم، يتضاءل الفارق بين المدرستين كثيراً. السؤال في نهاية المطاف واحد: كيف تعيش وأنت تعلم؟ نيتشه يقول: أخلق. كامو يقول: تمرّد. لا شيء في الكون يُرجّح جوابا على الآخر بشكل نهائي. ما يُرجّح هو أنت، من أنت، وما الذي استطعت أن تحتمله، وما الذي انكسر منك ومتى وكيف أعدت التقاطه. الفلسفة تُنيرك حتى حافة السؤال، ثم تتركك هناك وحدك، وهذا هو الشيء الوحيد الذي تستطيع فعله باحترام حقيقي للإنسان الذي يقرأ.

***

عبد الرحيم الجرودي

ثمة أشياء صغيرة جدًا في حياتنا، لكنها تحمل من المعنى ما لا تستطيع الأشياء الكبيرة أن تحمله. قد تمرّ بجانبها عشرات المرات دون أن تلتفت إليها، ثم يأتي يومٌ ما فتكتشف أنها لم تكن مجرد أشياء، بل كانت أفكارًا متجسدة في صورة مادية بسيطة.

كنت أراها معلقة على جذوع الأشجار، مختلفة الأحجام والأشكال، بعضها بفتحات دائرية صغيرة، وبعضها بشقوق طولية ضيقة، ولم أكن أرى فيها في البداية أكثر من صناديق خشبية أعدّها الساكنين بالجور لجذب الطيور والفراشات. لكنني كلما تأملتها أكثر، شعرت أن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تُبنى هذه البيوت؟ وإنما: أي إنسان هو ذلك الذي يبني بيتًا لكائن ضعيف لا يستطيع أن يطلب منه بيتًا، ولا أن يشكره عليه، ولا أن يدفع له ثمنًا!

فمنذ أن بدأ الإنسان يبني، كان يبني لنفسه.

بنى الكهف ثم البيت، ثم القرية والمدينة، ثم القصر والقلعة، وشق الطرق وأقام الجسور والموانئ. لقد كان تاريخ الحضارة، في جانب منه، تاريخًا لتحويل المكان الطبيعي إلى مكان إنساني.

فما المعنى من إن يبني الإنسان بيتا لكائن آخر؟

هذا السؤال هو الذي انقدح في ذهني وانا اشرع لأول مرة في حياتي ببناء بيت العصفور في حديقة المتحف. فالبيت الذي يبنيه الإنسان لطائر لا يمتلكه، ولا يروضه، ولا يستخدمه، هو خروج من منطق الملكية إلى منطق الرعاية. إنه اعتراف بأن المكان لا ينبغي أن يكون حكرًا على الأقوى، وأن الحياة لا تُقاس بقدرة الكائن على الدفاع عن نفسه. إن بناء بيت لطائر هو، في جوهره، اعتراف بحق الضعيف في الوجود. وهذا هو المعنى الفلسفي للتحضر الإنساني

فالإنسان الذي يوسع عالمه ليشمل كائنًا صغيرًا لا يستطيع الكلام، يكتشف شيئًا جوهريًا عن إنسانيته هو. الحضارة لا تظهر فقط في الأبراج التي نبنيها، ولا في الطرق التي نشقها، ولا في التكنولوجيا التي ننتجها؛ ربما تظهر بصورة أكثر صدقًا في الطريقة التي نتعامل بها مع ما لا يستطيع أن يرد علينا.

قبل أيام، وجدتُ جزءًا من هذه الفلسفة في متحف ناتورا دوسيه للتاريخ الطبيعي (Natura Docet)، أقدم متحف إقليمي للتاريخ الطبيعي في هولندا، الذي تأسس عام 1911م اسم المتحف وحده (Natura Docet) بمعنى (الطبيعة تُعلِّم) يكفي لفتح باب طويل من التأمل الفلسفي وهذا هو ما سوف نحاوله في الأيام المقبلة.

منحتني السيدة، جوليان مديرة المتحف بطاقة اشتراك في ورشة صناعة بيوت الطيور والفرشات، واستقبلني السيد جوس كينهاوس وزملاؤه، من (منظمة حماية الطيور والطبيعة) ببشاشة ومنحوني أدوات العمل والمواد اللزمة . بدأت أصنع بيتًا للعصفور من خشب الأرز وأثناء انهماكي بصناعة البيت عادت بي الذاكرة إلى أيام الطفولة. تذكرت أبي، رحمه الله، حين كان يرسلني مع إخوتي في مواسم البذار (الذري) وفي موسم لحصاد لحماية البذور والمحصول من الطيور والجراد. كنا ننهض قبل الفجر، نصعد الطرق الجبلية الوعرة، حتى نصل قبل الطيور في أعالي المدرجات الزراعية القريبة من القمم الجبلية وكان لدينا مرامي يدوية لقنص العصافير الصغيرة بالحصى المدببة كما كنا اثناء الحراسة المضنية نقضي وقتنا في عمل الفخاخ الترابية والخشبية والحجرية (المحانيب) للإيقاع في الطيور.

في طفولتنا كانت العلاقة في بيئتنا انذاك محكومة بمنطق البقاء المباشر: حماية محصول الأسرة من كائن ينافسها على الغذاء. أما اليوم، فقد وجدت الأمر مختلفا كليا في هولندا فحين يستطيع مجتمع أن يهتم بمصير طائر صغير، فهذا يعني أنه بدأ يتجاوز مقياس المنفعة المباشرة. فليست كل قيمة مرتبطة بما يمكن أن نحصل عليه من الشيء. هناك قيمة للحياة لأنها حياة، وللكائن لأنه كائن، وللتنوع لأنه شرط لاستمرار الكل.

ففي هولندا، تخضع الطيور لحماية قانونية وبيئية واسعة، في إطار القوانين الوطنية والأوروبية، وتعمل منظمات كبرى على المستوى الوطني، فيما تضطلع مجموعات محلية بمهمة أكثر دقة، لأنها تعرف تضاريس المكان وحقول المزارعين ومواقع الأعشاش ومسارات الطيور. وهذا النموذج يكشف أن حماية البيئة ليست قرارًا حكوميًا فقط، ولا نشاطًا فرديًا فقط، وإنما شبكة من القانون والعلم والمجتمع المدني والمبادرة المحلية.

في متحف التاريخ الطبيعي تذكرت مقالاتي القديمة عن البيئة وأهمية حمايتها التي كنت أنشرها في صحيفة 14 أكتوبر العدنية منذ عام 1999، في الصفحة التي كانت تديرها الأستاذة الطاف عبدالله، زوجة الشهيد محمد ناجي سعيد. رحمة الله عليهما ، كما عادت بي الذاكرة إلى جمعية حماية البيئة التي أسسناها في عدن عام 1991 مع الدكتور حمود العودي والراحل خالد حريري والصديق أبي علا اليزيدي وآخرين لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم الآن. وكما أسسنا الجمعية الفلسفية، وذهبنا إلى صنعاء بغرض دمج الجمعيتين، فضاع كل شيء!

نعود إلى بيوت الطيور في الغابات الهولندية.

لقد اكتشفت أن هذه البيوت ليست مجرد أعمال يدوية جميلة، وإنما جزء من فلسفة أوسع في حماية التنوع الحيوي. فتصميم البيت يتغير بحسب نوع الطائر؛ قطر فتحة الدخول وحجم الصندوق وموقعه وارتفاعه كلها تفاصيل لها علاقة بسلوك الطائر وحاجاته وقدرته على الدفاع عن نفسه. وبعض الطيور تحتاج إلى صناديق مغلقة، فيما تفضل أنواع أخرى منصات مفتوحة.

أما بيوت الفراشات، فهي مختلفة تمامًا؛ لا تُبنى بالضرورة للتعشيش، وإنما توفر مأوى اختياريًا من المطر والرياح والبرد والحيوانات المفترسة. وتحتوي عادة على شقوق طولية ضيقة وأغصان جافة تستطيع الفراشات أن تتشبث بها أثناء الراحة.

لهذا أصبحت بيوت الطيور بالنسبة لي أكثر من صناديق خشبية معلقة على الأشجار. إنها رسائل صغيرة يكتبها الإنسان للطبيعة بلغة الخشب. تقول لها: نحن نعرف أننا لسنا وحدنا. وتقول للطفل الذي يراها: ثمة كائن آخر يستحق أن يعيش. وتقول للمجتمع: إن الحضارة لا تقاس فقط بما تبنيه للإنسان، وإنما أيضًا بما تتركه للكائنات الأخرى.

وربما لهذا أحببت تجربة متحف ناتورا دوسيه؛ لأنه لا يعرض الطبيعة باعتبارها ماضيًا محنطًا داخل خزائن، بل يحاول أن يجعلها درسًا حيًا. فالمتحف يربط العلم بالثقافة، والطبيعة بالإنسان، والتاريخ بالمكان، والمعرفة بالمسؤولية.

سأعود في مقالات لاحقة إلى هذا المتحف الأثري الراقي، وإلى مقتنياته المدهشة: هياكل الماموث، والحيوانات المحنطة، والطيور النادرة، والحشرات، والأحافير، والعينات الجيولوجية والمعدنية، وغرف العجائب التي تروي كيف حاول الإنسان أن يفهم العالم من حوله.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

ما عاد الحديث عن ضرورة خوض إصلاحات بخصوص القانون الدولي شأنا جنوبيا صادرا من دول جنوب العالم. باتت الأصوات تتعالى من داخل الغرب ذاته، بضرورة إدخال تحويرات فعلية للحفاظ على السلم العالمية وإرساء علاقات دولية متّزنة. الأستاذ جوستافو جوتسي، أستاذ تاريخ الفكر السياسي في جامعة بولونيا الإيطالية، صدر له مؤلف بالعربية، تُرجِم لدى "مشروع كلمة" في أبوظبي بعنوان: "القوانين والحضارات.. القانون الدولي تاريخه وفلسفته". في أعقاب حديث عن صنّاع القانون الدولي وعمّا آلت إليه الأمور، يطرح جوتسي سؤالين مهمّين: هل من الممكن إيجاد قانون دولي قادر فعليا على تعزيز العدالة دون أن يكون أداة لمشروعات إمبريالية؟ وهل يمكن إرساء قانون دولي عالمي يقوم على أساس مبادئ تُستَقى من تعدّدية الحضارات والنظم القانونية؟

في ظلّ مناخ عام تعلو فيه المطالبة بالمراجَعات كيف يحضر الدّين كقوة ناعمة في العلاقات الدولية؟ ما من شكّ أن الالتجاء إلى العامل الديني، يأتي حينا من باب البراغماتية الصرفة، وآخر من باب الإقرار بفاعليته في الاجتماع. فضلًا عن يقين أنّ ما جرى من إقصاء متعمَّد، طيلة عقود، جاء جرّاء خلفيات إيديولوجية بين المكوَّن الكاثوليكي الأوروبي والطرح العَلماني الفرنسي، ممّا أشاع جوّا مشحونا ساد في المركز الفرنكفوني وفي لواحقه الإفريقية والعربية، لن ندخل في تفاصيله.

بات العالم اليوم أمام وضع جديد يحضر فيه الدين في المجال العمومي الوطني وفي المجال الدولي. وتُطِلُّ فيه الأديان بموجب إيمان بحيازتها مخزونا من الثروة الرمزية والثقافية والخُلقية والأنشطة، يمكن تسخيرها في سبيل الصالح العام.

فمن يَقْدِر اليوم أن يستهينَ بحاضرة الفاتيكان وأثرها في جيوبوليتيك السياسة الدوليّة؟ لقد ولّى العهد الذي يُحقَّر فيه من أثَر الدين، المتلخِّص في تلك القولة الشهيرة لجوزيف ستالين: كم وحدةً عسكريةً يملك البابا؟ والحال كما يقول الشاعر العربي:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا / ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّد.

الإيطالي أنطونيو سْبادارو في كتاب بعنوان "حاضرة الفاتيكان والسياسة الدولية"[1]، يوضّح أنّ حاضرة الفاتيكان تضطلع بدور فاعل في السياسة الدولية، من خلال منظور مميَّز لمفهوم الدبلوماسية عبر تفعيل خاص للعمل الدبلوماسي. وقد تبلور هذا الحضور في أعقاب الحرب العالمية الثانية، على إثر مشاركة الفاتيكان كناشط مستقلّ في لعبة السياسة الدولية، وكسلطة أخلاقية تأبى الانخراط في سياسة المحاور. بدا ملمح هذا الدور مطلّا بوضوح على المسرح الدولي منذ حقبة البابا بولس السادس (ت. 1978) وهو ما ترسّخ بقوة مع البابا الأرجنتيني فرنسيس ماريو برغوليو (ت. 2025)، مما شكّلَ هوية للدبلوماسية الفاتيكانية كونها دبلوماسية راعية للسياسة لا منخرطة فيها.

ويُبرِز سبادارو أن خيار الكنيسة الكاثوليكية لا يأتي من فراغ لأنّ 183 تمثيلا دبلوماسيا يربط حاضرة الفاتيكان بدول العالم، وأن مليارا و378 مليونا من سكان المعمورة يتطلّعون نحو روما، يرعاهم جيش مهول من رجال الدين الكاثوليك المكرَّسين والراهبات. فالكنيسة الكاثوليكية وحدة مركّبة، تضمّ في داخلها أكثر من 120 حركة كَنَسية معترف بها، علاوة على جماعات دينية عديدة تزيد على الألف جماعة. وذلك بحسب الأعداد الواردة في التقرير الإحصائي (Annuarium statisticum ecclesiae) (2022).

تبدو حاضرة الفاتيكان من خارج مجرّد هيئة ذات امتدادات عالمية تسعى للتحاور مع ساسة العالم لكسب امتيازات، واستصدار تشريعات، تمكّنها من التحكم بضمائر المؤمنين، وهي من منظور داخلي واقع رسالي تبشيري يتأسّس على الإيمان يهدف إلى أنجلة الأرواح بدعوى الخلاص يوم الدينونة. لكن في خضمّ هذا التداخل في التوصيف، تبقى الكنيسة الكاثوليكية مؤسّسة نشيطة والأقوى على نطاق عالمي من حيث إمكانياتها ونفوذها.

متابعةً لتلك القوة الناعمة للدّين على مستوى كاثوليكي. نقول منذ رحيل بندكتوس السادس عشر (راتسينغر) (ت. 2022) واعتلاء البابا الأرجنتيني فرنسيس سدّة البابوية في روما شهدت الكنيسة تحويرا جذريا في سياستها الخارجية، لا سيّما مع الصين والعالم الإسلامي، ويلوح أنّ البابا الحالي لاون الرابع عشر يحافظ على النهج نفسه ويتفادى ما يعكّر صفو تلك السياسة. كانت زيارته الأخيرة إلى الجزائر هادئة خافية، وتجنّب نكأ الجراح حتى القريبة منها الحادثة في تيبحرين (1996) إبّان العشرية الأليمة في الجزائر.

لقد طوّر البابا الراحل فرنسيس لغة ليتورجية منفتحة مع العالم الإسلامي، تجاوزت مقرّرات مجمع الفاتيكان الثاني. كان اللّقاء بشيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، في أبوظبي (2019) وتوقيع "وثيقة الأخوة الإنسانية" فرصة مهمّة لتقارب العالمين الإسلامي والمسيحي. ولم تقف سياسة الكنيسة الناعمة عند ذلك الحدّ، بل سار البابا فرنسيس قدما بلقاء المرجع آية الله السيستاني وزيارة مدينة أور، مهد النبي إبراهيم (ع)، في مسعى لاحتضان الإرث القِيَمي المشترك بين الأديان الثلاثة.

بالمثل سلكت الكنيسة دبلوماسية ناعمة مع الصين، منذ الثاني والعشرين من سبتمبر 2018، تاريخ إبرام الاتفاق بين جمهورية الصين الشعبية وحاضرة الفاتيكان، بعيدا عن تعنّت تنصيب إكليروس الكنيسة في الصين من روما الذي ميّز العقود الماضية بخصوص.

***

من جانب آخر، تناهز أعداد الإنجيليين في العالم (أي مختلف تنوعات ورثاء البروتستانت) 700 مليون نسمة، وفق ما يورده الخبير الفرنسي في الشأن الإنجيلي سباستيان فات[2]. ولكن من هم الإنجيليون الجدد؟ هو توجّهٌ ديني متحرّر من الهرميّة، وإن شئنا تجمّعات دينية مشرّعة. تظلّ خَلفيتها العامة بروتستانتية. وتصطبغ توجّهاتها عموما بخاصيات مسيحانية، أي الإيمان بحلول المخلّص يومًا؛ وبمنزع أخلاقي يهودي-مسيحي؛ وبالتطلّع إلى عهد ألفي يهنأ فيه الناس. بعبارة موجزة نشأت الإنجيليات الجديدة كردّ فعل على البروتستانتية التقليدية الخاملة التي استنزفها التدافع المحموم مع الكاثوليكية طيلة قرون.

تُعتَبر الساحة الأمريكية، في الراهن، المحجّ لهذا التكتل الديني الذي يصنَّف إجمالا تحت مسمّى "اليمين المسيحي" -Christian Right-، أو ما يُعرف أحيانا بـ "المحافظين الجدد". وتُنعت النّواة الصلبة في ذلك بالـ "تِـيُوكُون"، أي من يستلهمون المقولات الدّينية، أكان لتحليل الأوضاع الاجتماعية، أو لتبرير ترسيخ قِيَم الآباء في المجال العمومي[3].

يزعم الإنجيليون أنّ ثمة تراجعا في القِيم الخُلقية بين الأمريكان، ويفسّرون الأمر بقوّة ضغط العلمانية. والملاحظ في توجّه الإنجيليين، أنّ الخصائص المسيحية ليست الغالبة عليه، بل يحمل في طياته عنصرا كتابيا قويا يمثّله اليهود الأمريكان، لذلك ثمة إلحاح بينهم على وحدة التراث اليهودي المسيحي.

داخل هذا الزخم يحضر الإنجيليون بوصفهم مسارا لاهوتيا متنوّع المشارب، يتكوّن من عدّة كنائس، على غرار "جيش الخلاص"، و"المعمدانيين"، و"الكاريزميين"، و"كنيسة المعترفين"، "والإنجيليين الجدد"، و"الأصوليين"، و"التحرّريين"، و"اللّوثريين"، و"الميتوديين"، و"المشيخيين"، و"الإصلاحيين" وآخرين. حاول المؤرخ دافيد بيبنتون ضبط خصائص جامعة لهذا الشتات المسمى بالإنجيليات على أساس أربعة عناصر مشتركة بينها: الاهتداء (أي تحوير نمط العيش تحت تأثير التجربة الدينية)، النشاط (المستند أساسا إلى الالتزام الفعلي)، التمركز الكتابي (بوصف الكتاب المقدس كلمة الرب الموحاة) والصليبوية ( المتمثلة في محورية الرؤية الثالوثية)[4]. لكن هذا التعريف وإن أبرزَ ما يميّز الإنجيليات من خصائص: "الولادة الروحية مجددا" (born again) و"الاستقامة الفعلية" (orthopraxie)، فهو يغفل عن ملامح دنيوية تلبّي متطلّبات الفرد وحاجاته، داخل مسار متكامل ينطلق من "مرحلة التبشير"، مرورا بـ "مرحلة التحوير" للمجتمع، وإلى غاية "مرحلة التصدير" نحو العالم. والذي يعنينا هنا أساسا وهو المرحلة الثالثة كيف تبدو القوة الناعمة للدين فيها بمدلولها الإنجيلي وكيف تنعكس في العلاقات الدولية؟

في واقع الأمر تعيش الشرائح الاجتماعية الوسطى تناغما مع طروحات الكنائس الإنجيلية، وتجد في ما توفره للأتباع من أنشطة اجتماعية وتربوية وثقافية ورياضية شبه مجانية، ما يلبّي حاجاتها وما يجعلها تميل إلى خياراتها وتبيعُها صوتها الانتخابي مقابل ما تلقاه من مغانم. هناك خيطٌ براغماتي يشدّ الطرفين.

ليست الكنائس العملاقة -megachurch- التي بحوزة الإنجيليين هياكل للاستعراض فحسب، بل تعبّر أيضا عن قوة أنشطة، تغطّي مجالات متنوّعة. تحاول من خلالها التنظيمات الدينية مواكبة احتياجات الأتباع. يقول سباستيان فات الخبير في الشأن الإنجيلي: يُعَدّ التيّار الإنجيلي، إلى جانب الإحياء الإسلامي، أقوى الخيارات الدّينية حركية وانتشارا في العالم. فالتيّار الإنجيلي يبقى أكثر التوجّهات الدّينية قدرة على توظيف تقنيات الاتصال واللّوبيات والمؤسّسات والخبرات في الانتشار[5].

ولعلّ رمزية الكنائس العملاقة، العامرة بالأنشطة الدنيوية المتنوعة، بما يفوق أنشطتها الدينية، هو رأس جبل الجليد العائم في عملية التنشئة الدينية الجديدة. وهي ظاهرة ما عادت محصورة بأمريكا أو بشطر القارة الجنوبي، بل تتمدّد نحو الخارج لتبلغ آسيا وإفريقيا.

صحيح في أمريكا أرسى الدستور فصلًا صريحًا بين الكنيسة والدولة، لكن الأمر ليس بتلك الصرامة المعهودة في أوروبا. فلطالما تجلّت تلك العلاقة الوثيقة في شعارات على غرار: "الربّ يبارك أمريكا" و"في الله نثق" و"المسيح هو الحلّ" (Jesus is the answer). إذ يحضر تقليدٌ اجتماعيٌ ديني مميَّز يسود في أمريكا، يجد سندًا له في ما يُعرف بمفهوم "الدين المدني".

السياسة في الغرب باتت تستعين بالدين، ولربّما تعتمد عليه بوصفه "قوة مؤثّرة" في الاجتماع وقادرة على مدّ السياسي بالدعم المرجو، لا سيّما عند التطلّع إلى تمرير خيارات شائكة تتطلب تضافر القوى. الطريف في ذلك التحول الديني- السياسي الذي تشهده أمريكا، كما يقول فوريو كولومبو في بحث بعنوان: "إله أمريكا.. الدين والسياسة في أمريكا": ليست الكنائس التي اجتاحت السياسة، بل العكس السياسة هي التي اجتاحت الكنائس[6].

كان الأستاذ مختار بن بركة، من أوائل من اهتموا بعلاقة الإنجيليين بالسياسة، قد قدّر في كتابه "اليمين المسيحي الأمريكي: الإنجيليون في البيت الأبيض"، أعداد الإنجيليين الذين استوطنوا إسرائيل، بشكل شبه دائم، زهاء خمسة وعشرين ألفا[7]. حيث ينظر الإنجيليون للفلسطينيين، بوصفهم ممن ينبغي أن يُنصَّروا قسرًا أو يُجلوا قهرًا، كون النّبوءة الكتابية المزعومة تتجلّى في اليهود وفي إسرائيل، لا في المسلمين أو المسيحيين العرب، الذين يعدّون ضالين منحرفين[8].

ما من شك أنّ ثمة مواقف غائمة أو شبه منقوصة تروج في الجانب العربي بخصوص الإنجيليّين، غالبا ما تُخلّف خلطًا، وهي مواقف مستوحاة من علاقات الإنجيليين الجدد في أمريكا خصوصا باليهودية المتصهيِنة، لكن الجلي أنّ الإنجيليين لا تجمعهم كنيسة واحدة ولا يقودهم بابا جامع، وإن تحدُثُ توتّرات في فضاء فلا يعني انسحابها على سائر الفضاءات. ففي أندونيسيا، وفي بلدان ما وراء الصحراء، وفي آسيا الوسطى، يحضر في هذا المجال الرحب شكلان من العروض الدينية، الإسلامية والإنجيلية، يلتقي المتنافسان كلّ يوم ويتعايشان بشكل سلميّ في مجمل الحالات. لا يتقاسم الطرفان الاعتقادات ذاتها، لكن كلاهما يُعرِّف نفسه أنه مؤمن. وفي أوروبا، في أحضان القارة المعلْمَنَة يتمَوْقَع الإسلام والمسيحية الإنجيلية كفاعلين ناشطين، ضمن أوضاع الأقلية لذلك غالبا ما يتحالفان في المطالبات الحقوقية. ما نريد قوله أنّ الصدام الجيوسياسي المزعوم بين الإسلام والحركات الإنجيلية هو نسبيّ[9].

***

عزالدّين عناية

 أستاذ جامعي تونسي مقيم في روما- إيطاليا

......................

نصّ مداخلة ألقيت في ندوة "استحضار القوة في إدارة العلاقات الدولية: الخلفيات والتداعيات" بمركز البحوث والدراسات في حوار الحضارات والأديان المقارنة، في مدينة سوسة- تونس بتاريخ 4 جوان 2026.

[1] Antonio Spadaro, L’atlante di Francesco: Vaticano e politica Internazionale, Marsilio Editori, Venezia- Italia, 2023.

[2] Sébastien Fath, Le pouvoir nouveau evangélique, Crasset 2026, p. 8.

[3] Flavio Felice, Neocon e Teocon. Il ruolo della religione nella vita pubblica statunitense, Rubettino, Catanzaro-Italia 2006.

[4] Bebbington David. Evangelicalism in Modern Britain: A History from the 1730s to the 1980. London: Unwin Hyman, 1989, p. 17.

[5] Sébastien Fath, In God we trust. Evangelici e fondamentalisti cristiani negli Stati Uniti, Lindau, Torino 2005, p. 207 e s.

[6] Furio Colombo, Il Dio d’America. Religione e Politica in USA, Claudiana, Torino (Italy) 2014.

[7] Mokhtar Ben Barka, La droite chrétienne américaine, p. 180.

[8] Ibid., p. 177.

[9] سباستيان فات، "الإنجيليات الجديدة واهتماماتها السياسية"، ترجمة: عزالدين عناية، 'مجلة التفاهم'، العدد 42، عُمان 2013، ص: 131-144.

لن يمنحك مقالي هذا إجابة مبتذلة قريبة المنال بقدر ما يفتح بصيرتك على تساؤلات أشرس وأعند، فالسؤال الجاد لا بد من أن ينتهي إلى تساؤلات أثقل تنقلك إلى مدى أبعد مما تصوّرت وجوده يوما ما.

وقبل أن أحاول التعريج إلى حيثيات السؤال وأبعاده، دعوني أوطّئ طرحي بتعريف الماورائيات حتى نبدأ سويا من أرضية مشتركة، ولنتبنَّ تعريفا ينأى عن التعقيد والإطناب، فأقول: الماورائيات ما لا تطوله الحواس عادةً، أي: ما وراء الحسّ وما يتجاوز المعقول، وبغضّ النظر عن مدى كونه تعريفا جامعا مانعا، إلا أن الغاية هي - كما أسلفت - الانطلاق من أرضية مشتركة حول المفهوم المحوري للسؤال المطروح: الماورائيات.

إنّ المُعطى للعقل البشري يأتيه من طريق حواسنا، فالمرئيات تدخل عن طريق حاسة البصر، والمسموعات عن طريق حاسة السمع، وهلمّ جرا، ثم يأتي دور الدماغ ليعالج هذه المعطيات القادمة استجابةً لما رصده من العالم الخارجي عبر قنواته، حواسِّه، فلا يُصدِر إلا عن مَعين الحواسّ، وهو ما نطلق عليه المُخرَجات؛ وعليه فالعقل البشري رهين مُعطى الحواسّ، ولا يمكنه تقبّل ما جاوز ذلك واستيعابُه، هذا من الناحية المنطقية والنظرية.

ولكن من أين تأتي مادة الخيال والأحلام والأساطير؟ يبدو أنّ للعقل البشري قدرة فائقة على تصوّر ما هو غير موجود مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر! فمثلا: يمكننا جميعا أن نحلم أو نتخيل أو نتوارث سردية قديمة تدور مثلا حول كائنٍ له جسد فيل ورأس أفعى وقوائم نعامة، وصورة هذا الكائن رغم عدم وجوده حقيقة إلا أن عقولنا قادرة على تصوّره، وهناك مثلا منطقة الأديان الخصبة بتصورات ماورائية لا يقبلها العقل البشري في تفاصيل حياته الأخرى، بل لربما يتندّر منها؛ لكنه يستسيغها عقله ويتقبّلها، رغم ما فيها من خروقات صارخة لقوانين عقله، وهكذا في أساطير التاريخ، التي تتجاوز الاستيعاب إلى الاقتناع.

هذه القدرة على تصور ما هو غير محسوس، هل تحيلنا إلى حقيقة ما؟ ولماذا لدى عقولنا القدرة على الخيال في المقام الأول؟ وحين أقول الخيال فإنني أعنيه بشقّيه خيال اليقظة - بأشكاله كافّة - والمنام، مع فارق أن المنامات تتشكّل بعيدًا عن إرادتنا الحرة، وإذا كانت هذه القدرة متطورة فلأي احتياج نشأ هذا التطور؟ وماالداعي إليه؟ وهل هناك ما طُمِس عنّا أنشأ هذه القطيعة بين إدراكنا الماورائي وبين حالنا اليوم وكأننا كائنات تكاد تكون مادية بحتة؟ إذْ لا يمكنني إخفاء استغرابي من وجود هذه القدرة على تصوّر الماورائي دون وجود غاية، بل وغاية عظيمة لها، ناهيك عمّا إذا اعتبرنا وجود عقل جمعي أدرك في بعض مراحله بعض المدرَكات في وقت مضى، ولتقادم العهد بها أطلقنا عليها ما ورائيات، بَيْدَ أنها ليست كذلك.

وأحب أن أختم لفتتي هذه بسؤال يراودني منذ أَمَدٍ بعيد، وتحديدا منذ أن تعرّى أمامي قصور العقل وسقطت هيبته وأدركت أنه ليس سوى زوبعة في فنجان، ولكننا مرهونون به شئنا أم أبينا، هذا السؤال هو: هل لدينا آلة إدراكية أخرى تنافس العقل تتستّر خلف ما نسميه إحساسا داخليا وحدسا لا يمر عبر قنوات الحواسّ؟ أم هل هو العقل نفسه ولكن بمستوى عميق من الإدراك؟ ولو تسالَمنا على دقة المعلومة السائدة من كون الدماغ يمثله ذلك العضو المحبوس تحت قضبان جمجمتنا، وأن العقل شيء آخر، وهو المفكر الحقيقي، وهو غير ملموس! وهذه بذاتها مفارقة محيّرة وهي أن العقل برمّته كيانٌ ماورائي! بالدرجة الأولى، وأنه غير خاضع لبُعدي الزمان والمكان - بحسب كارل يونغ - فهو يغذّي الدماغ بمادة الماورائيات! أقول لو تسالَمنا، وما أكثر ما نتسالَم عليه لأننا لا نملك جوابا أقل ثغرات منه، فسيكون السؤال حينها هل يمكن للماورائي - أي العقل - إدراك الماورائيات؟ وهذه قفزة في ارتدادات السؤال تستحق الالتفات.

***

محمد سيف - عُمان

 

في التاسعَ عشرَ من أغسطس عام ٢٠٢٤م، تم إلغاءُ مادة الفلسفة، كمادةٍ رئيسةٍ مضافة للمجموع في الثانويةِ العامةِ المصرية. هذه الواقعة ليست الأولى في الحقبة المعاصرة؛ فقد حدثَ في العهد الناصري، أن اتُّخِذَ قرارٌ من كمال الدين حسين بإلغاء مادة الفلسفة من الثانوية العامة، غير أن هذا القرار واجهَ اعتراضاتٍ قويةً من بعض أساتذة الفلسفة، وعلى رأس الذين قاموا بالتصدي لهذا القرار: د. مراد وهبة، د. زكي نجيب محمود، د. عثمان أمين، مما اضطَّرَّ مُتَّخِذي القرار إلى التراجعِ عنه، وعودة مادة الفلسفة كمادة رئيسة في الثانوية العامة(١).

إن الفلسفة تعني -من ضمن ما تعني- طَرْحَ السؤال، فهل هناك تقدُّم ونهضة علمية، في أي مجال كان، دون طَرْح السؤال؟

إن الفلسفةَ تتطلب التفردَ والتفكيرَ النقدي، ومعنى أنْ تتم المحاولةُ، أكثر من مرة، لإقصاء الفلسفة كمادة تعليمية؛ إذن فهذا ليس عَبَثًا، ولكنها ذهنيةٌ تريدُ الاتباعَ لا الإبداع، تريدُ إماتة كل تفكيرٍ نقدي مِن شأنه أن يوجد، ومعنى أن تُلغى في مرحلة الثانوية العامة، أي أننا نقول للجيل الذي في هذه المرحلة: لا قيمةَ للتفكير ولا لإعمال العقلِ، ونُربِّي فيهم السمع والطاعة، ومِن ثَمَّ تَسْهُل السيطرةُ على هذه العقول، وتكون لديها قابليةِ التطرفِ أكثر من غيرها، ومعنى هذا أيضًا أننا نُسلِّمُهم للتيارات المتطرفةِ تتلاعبُ بعقولهم، وتسخِّرُهم لتأكيد تمددها في بِنية مجتمعاتنا.

ومِن الغريب أن بعضهم لا يَكُفُّ عن المناداة باتِّباعِ خُطَى الغربِ، وفي نفس الوقت تصل بهم الحالُ إلى ازدراء الفلسفةِ إلى حد إلغائها، فهل هم بذلك مُقلِّدون للغرب الذي يأخذونه أنموذجًا للاتباع؟ وهل قامتْ أوروبا بإلغاء الفلسفةِ وازدراء التفكير النقدي، والسعي وراء تنشئة جيلٍ منزوع التفكير النقدي، وغير قادرٍ على طرْح السؤال؟

الفلسفة والنهضة الأوروبية

إن أوروبا الحالية، بكل ما فيها مِن تقدُّمٍ على المستوييْن: العلمي والفكري، تعود بهذا الفضل إلى عصر التنوير والذين أسسوا له، والذين جاءوا بعده وأكملوا المَسِيرةَ، وإذا عَلِمْنا أن هذا العصر قد دارتْ فيه، وفي الحقبة السابقةِ عليه، معاركُ طاحنةٌ بين الفكر اللاهوتي الأصولي المتشدد، الرافض لكل إبداعٍ وجديد، حتى على مستوى العلومِ التجريبيةِ، والرافض كذلك لأي خروجٍ عن النهْج التقليدي المتوارَث، هذه المعارك من قِبَل فلاسفة هذه الحقبة، كانت السبب الرئيس في القطيعة التي حدَثَتْ بين أوروبا المُظلمة، وأوروبا الحديثة(٢)، التي بدأتْ عصرًا جديدًا تُمثِّلُ الفلسفةُ الركنَ الرئيس فيه إلى جوارِ العِلْمِ التجريبي.

وإذا عَلِمْنا أن أبرز الأسماء في هذه الحقبة كانت أسماء مثل: ديكارت، فرانسيس بيكون،، سبينوزا، جون لوك، ديڤيد هيوم، إيمانويل كانط، ڤولتير...إلخ، كانوا فلاسفةً في المقام الأول، فأقولُ: أليست هذه دلالة على أن الفلسفةَ هي التي حَمَلَتْ على كاهلها عبء النهضة الأوروبية؟ وتَهْيئة الطريق أمام حضارةٍ عملاقة؟ إننا نرى أكثر الدول الغربية تقدمًا لم تفكِّر يومًا في إلغاء الفلسفة؛ بل على النقيض من ذلك؛ فإن الدراسات الفلسفية تزدهِرُ أكثر بشتى فروعها في هذه البلدان، ويتزايد عددُ المشتغلين بالفكر الفلسفي أضعاف ما كان عليه في السابق، وليس من ناحية العددِ فقط؛ وإنما من ناحية الموضوعاتِ الفلسفية المطروحة، والمشاكل التي تتصدَّى لها الفلسفةُ؛ للوصول فيها إلى حلول(٣).

إن الحاجةَ إلى الفلسفةِ تتمثلُ في الذي حلَّ بالعقل الإنساني من تغير من بنيته الذهنية، بحيث أصبح أداة لتدمير الحضارةِ الإنسانية بدلًا من أن يكون أداة لتطويرها، كما أن شيوعَ الفكر الأصولي من أبرز الأسبابِ الداعيةِ إلى إحياء الفلسفةِ والتفكيرِ الفلسفي؛ فالتوجُّه الأصولي المتزمت المنغلق دائمًا ما يَدَّعي أنه هو وحده القادر على حيازةِ الحقيقةِ المُطلقة، وحيث إن المُطَلَق بطبيعته واحدٌ لا يقبل التعدد؛ وبالتالي فإن مَن يدَّعي امتلاك الحقيقةِ المُطلقة لن يَسْمَحَ بظهورِ مُطْلَقٍ آخَر أو عِدة مُطلقات، وإذا تجرَّأتْ وتجاسَرَتْ هذه المُطلقاتُ وأرادت الظهورَ والإعلانَ عن نفسها؛ فالقضاءُ عليها أمرٌ لازمٌ عند مُلَّاك الحقيقة المُطلقة، ومِن هنا ينشأ صراعُ الأصولياتِ، وهو صراعٌ في حدِّهِ الأدنى التكفير، وفي حده الأقصى الإرهاب(٤).

ويكفي أن أنقلَ للقارئ نظرةَ الغربيين لمَن يحتقر الفلسفةَ ويهمِّشُها، ويظن أنها عديمة النفْع، ففي هذا الصدد، يرى الغربيون أن: الأصواتِ التي نسمعها اليوم تعلن عن قرْبِ انتهاء الفلسفة، أو الزَّعْم بأنها من الأمور الكمالية التي لا نفْعَ فيها، إنْ هي إلا أصوات تَصْدُرُ عن «جهل» بماهية الفلسفة ومعناها ورسالتها التي من المفترض أن تقوم بها، ونحن في بلادنا الناهضةِ، لا ينبغي أن نظنَّ أن الفلسفة الآن تُعَدُ نوعًا مِن الترفِ، وأن البلادَ النامية (يقصد دول العالَم الثالث المتخلفة) عندها ما يكفيها من التفكير في مسائل الحياة المادية؛ والفلسفة في حقيقةِ الأمرِ ليست ترفًا؛ وإنما الفلسفةُ -كما قال ديكارت- هي وحدها التي تميزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وأن حضارةَ الأمةِ وثقافتها إنما تُقاسُ بمقدار شيوعِ التفلسف والفكر الفلسفي فيها، ولذلك فإن أجَلَّ نعمةٍ ينعمُ اللهُ بها على بلدٍ من البلاد هي أن يمنحه فلاسفة حقيقيين(٥).

أرأينا كيف يُنظَر إلى المُهمِّشين للفلسفة؟ يُنظَر إليهم على أنهم أقوامٌ همجيون، ويرى الغرب أن احتقار الفلسفة إنما هي سِمَة الدول المتخلفة/ دول العالَم الثالث، كما وردَ في النص السابق.

وفي رأيي، أن هناك سببًا آخر لمحاولات إقصاءِ الفلسفة، بالإضافة إلى العاملِ السابقِ المذكور من كون هؤلاء يجهلون الفلسفة وقيمتها، وينغمسون في التفكير المتخلف، فأقولُ: هناك سبب آخر غير جهْل هؤلاء بالفلسفة، وهذا السبب يتمثل في: خوف بعضهم من شيوع التفكير الفلسفي، لأن شيوعَ هذا التفكيرِ يعني أن الوسطَ الذي ستنتشرُ فيه الفلسفةُ سيكون لديه وعي بما يدور حوله من أمور، ولن ينظرَ إلى الأمورِ نظرة سطحية، ولن يقبلَ الانقيادَ كالقطيع، ولن يكون مِن السهلِ إقناعه بتوافه الأمور، ولا بالتنازلِ عن حقه، فالفكرُ الفلسفيُّ لا يتناسب مع البيئات الاستبدادية في الفكر وغيره؛ فهذه البيئات يناسبها التفكيرُ الديني الأصولي المنغلق؛ فهو القادر على التبرير للأمر الواقع البائس، وإيجاد المستندات الشرعية له، وإلباسه ثوْب الشرْع والقداسة.

وآية ذلك أننا في الوقتِ الذي نجِدُ أن الفلسفة تم إقصاؤها كمادةٍ مضافة للمجموع من الثانوية العامة، والتهميش للفكر الفلسفي على قَدَمٍ وساق؛ نجِدُ على الجانبِ الآخر الإعلاءَ مِن سُلطة رجال الدين على الناسِ، وإبراز كثير منهم بخطاباتهم المُدَجِّنة للعقول، ولا أبرِّئ المتلقين وكثير من الناس مِن سبب الإزراء بالتفكير الفلسفي، وشيوع الفكر الأصولي على حسابه؛ فنحن نتحمل جزءًا من هذا الأمر؛ وذلك بالاستماع إلى هؤلاء وتقديسهم، حتى حدثَتْ تسوية -تقريبًا- في العقل الجمعي بين هؤلاء -رجال الدين- وبين الدين نفسه؛ ونتيجة ذلك أنْ أصبح النقْد لهؤلاء نقْدًا وطعنًا في الدين ذاته، ولا يمكن أن تزدهِرَ الفلسفةُ في بيئةٍ كهذه تسيطرُ فيها الأصولياتُ المنغلقة؛ فالأصولياتُ تزْعم امتلاك الحقيقة المُطلقة، بينما الفلسفة تدعو إلى النسبيةِ والسلام والتعايش والتعدد، ولا يمكن -في العقل المُطْلَق- أن يلتقي المُطلَق بالنسبي في كأس واحد، فالمُطلقات لا تريد إلا التفرد بالساحة.

وإذا كانت المعاناةُ مِن التيارات الدينيةِ والمتطرفةِ ظاهرةً، بما تتسببُ فيه مِن تكريسِ، بل وتقديس الجمود والجهل، ومواجهة أيَّةِ محاولاتٍ للإصلاحٍ؛ فإنه لم يَعُد أمامنا إلا إحياء الفلسفة كمادة رئيسة وإرجاعها إلى وضعها، بل أفضل من وضعها الذي كانت عليه؛ وتقريرها حتى على الشعبةِ العلمية، لا في الثانوية العامة فقط؛ بل وفي كافة الجامعات والكليات؛ فالفلسفةُ تتعلقُ بالتفكير وبناء العقل، الذي يُنتِجُ المعارَفَ والفنونَ والعلوم، ولا يكفي هذا فقط؛ ولكن لابد من إحياء الفلسفة كأسلوب حياة، وليس حصْرها في القاعات الأكاديميةِ فقط، وكقيمةٍ عُليا، لمواجهة حالة الركودِ والانحطاط، الذي خَيَّمَ وسيطرَ على العقلِ الجمعي، بحيث لا نترْك الساحةَ لتياراتٍ متطرفةٍ أو جامدة تُقدِّسُ الجهلَ وتُفرِزُ التطرفَ، ولا تريد إلا ترسيخَ مزيد من هذا الجهل و القداسة على نفسها وعلى خطابها، الذي يرى «أن كل الناس على خطأ، وهذا يُعَد نوعًا مِن الحَوَلِ الثقافي، الذي يَبْخَثُ تجارِبَ الآخرين حقها، لأن الثقافةَ تُملي على صاحبها أن يقْبَلَ التعددَ، بل والتغير؛ فلا يسعى لِمَحْو ثقافةِ الآخرين أفرادًا وأفكارًا...فالحقيقةُ لم يُصِبْها ككل أحدٌ بعينه، ولم يُخطئها ككل أحدٌ بعينه»(٦).

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

.....................

الهوامش

(١) د. مراد وهبة، حوار في جريدة «المصري اليوم»، الاثنين: ٢٤-١٠-٢٠١٦م:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/1029534

(٢) د. هاشم صالح، «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا». (ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٠م)، ص ٧.

(٣) جوزيف بوخينسكي، «مدخل إلى الفكر الفلسفي»، ترجمة: د. محمود حمدي زقزوق، (ط٣، القاهرة، دار الفكر العربي، ١٩٩٦م)، ص ١٦: ١٧.

(٤) د. مراد وهبة، «رؤيتي للقرن الحادي والعشرين»، (ط١، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ٢٠٢١م)، ص ١٥٩: ١٦٠.

(٥) جوزيف بوخينسكي، «مدخل إلى الفكر الفلسفي»، ص ٦.

(٦) د. سيد عبد الستار ميهوب، «هؤلاء المثقفون وفكرهم الإصلاحي»، (ط١، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، ٢٠٠٩م)، ص ١٦٥.

 

ثمة لحظة في حياة الإنسان يدرك فيها أن أطول رحلة يمكن أن يخوضها ليست رحلة إلى مكان بعيد، وإنما رحلة العودة إلى ذاته.

كنت أظن أنني أعرف نفسي، حتى أخذت الحياة مني أشياء كثيرة كنت أظن أنها جزء مني. كلما سقطت صورة كنت أختبئ خلفها، اكتشفت امرأة أخرى في داخلي؛ امرأة لم أكن أعرفها، ولم أكن مستعدة لمواجهتها

هناك اوجاع لا ترى، لكنها تعيد تشكيل الانسان من الداخل. لا تترك على الجسد ندبة، وانما تترك في الوعي اثرا كبيرا.

كما تعلمون، نحن لا نعيش حياتنا كما تبدو للاخرين. فخلف كل وجه هادئ قد تختبئ معركة، وخلف كل ابتسامة قد يقيم سؤال مؤجل، وخلف كلمة «انا بخير» تاريخ كامل من الصمت والمقاومة. فالانسان، في كثير من الاحيان، لا يخفي المه عن الاخرين فحسب، بل يخفيه عن نفسه ايضا، لان الاعتراف بالهشاشة يحتاج الى شجاعة قد تكون اصعب من احتمال الالم ذاته.

ولعل المفارقة الاكثر عمقا ان الانسان لا يعرف ذاته كاملة في لحظات القوة، وانما يكتشف اكثر اجزائه صدقا حين يتصدع. في هذه اللحظات تسقط الصور التي صنعناها عن انفسنا، ويتراجع الوهم، ويظهر الانسان عاريا امام وجوده، بلا اقنعة ولا يقين جاهز.

وهكذا لم يعد السؤال الذي يطاردني: كيف نجوت من كل هذا؟

فثمة نجاة لا تعني ان نعبر الالم سالمين، وانما ان نعبره وقد تغير فينا شيء الى الابد.

واصبح سؤالي الاعمق: من اصبحت بعد ان مررت بكل هذا؟

ومن هذا السؤال تبدأ حكايتي...

حكاية امرأة تعلمت ان تخفي ارتجاف قلبها خلف ابتسامة، وان تمضي بين الناس بوجه هادئ، بينما كانت في اعماقها تعيد بناء مدن كاملة هدمتها الايام.

امرأة لم تكن تبحث عن يد تنتشلها من عتمتها، بقدر ما كانت تبحث عن معنى يجعل لكل ما عاشته قيمة، ولكل جرح حكمة، ولكل سقوط بداية جديدة.

كان يخيل لمن يراني انني في احسن حال. كنت ابدو هادئة، ابتسم، اتحدث، وامارس حياتي كأن شيئا لم يحدث. لكن احدا لم يكن يعرف كم كان يلزمني من القوة كي ابدو بهذه العادية.

كنت اقنع الجميع انني بخير، بينما كنت ابحث عن نفسي بين الركام. كنت في داخلي اخوض معركة لا يعرف عنها احد شيئا، معركة طويلة مع الخذلان، والفقد، والوحدة، ومع اشياء كثيرة انكسرت في داخلي ولم اجد لها اسما.

كنت ابحث عن نفسي بين ركام ايام لم تكن رحيمة، واحاول ان استعيد مني امرأة بعثرتها الحياة في اكثر من اتجاه.

كنت ارتدي قناع الابتسامة، واخفي خلفه ندوب قلبي النازفة، وفي اعماقي مدائن مهدومة يسكنها صمت طويل لا يسمعه احد. كنت الملم شتات روحي في الخفاء، واعقد صلحا مؤقتا مع انكساراتي، كي لا يلمح العابرون عراء حزني، ولا يدركوا كم مرة سقطت ثم نهضت وحدي.

كنت تلك الطائرة التي تحلق بجناح كسير، وتغني... لا طربا، بل لتخرس انين الجرح في صدرها.

احمل فوق كتفي ثقل وجود اثقل من قدرتي على الاحتمال، واتلفع بالصبر، لا لانني لا اتالم، بل لانني تعلمت ان بعض الالام لا تجد لغة تليق بها.

كان بعض حملي اشياء احببتها ولم تستطع البقاء، واشخاصا تركوا وراءهم فراغا لا يملا، وكلمات ظلت عالقة في الذاكرة، ومواقف مرت على الاخرين عابرة، لكنها بقيت في روحي كانها حدثت بالامس.

كنت احمل كل ذلك معي، وامضي.

كنت الملم شتات نفسي قطعة قطعة.

وفي كل مرة كنت اظن انني تعافيت، كانت الحياة تكشف لي جرحا اخر لم اكن قد وصلت اليه بعد.

حتى ادركت ان بعض المعاناة لا تحدث دفعة واحدة، انها تتراكم في اعماقنا بهدوء، طبقة فوق طبقة، حتى يصبح الانسان غريبا عن نفسه.

ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، ولم يكن أصعب ما واجهته أنني امرأة، بل أنني كنت أريد أن أكون إنسانة كاملة في عالم اعتاد أن يضع للمرأة حدودا قبل أن يسألها عن أحلامها. تعلمت منذ وقت مبكر أن أنوثتي كانت في نظر البعض سببا كافيا لأن يقرروا نيابة عني كيف أفكر، وماذا أقول، وما الذي يحق لي أن أطمح إليه.

ولدت أنثى، لكن معركتي لم تكن يوما مع كوني امرأة، بل مع كل ما حاول أن يجعل من أنوثتي قيدا على عقلي، ومن اختلافـي ذنبا، ومن أسئلتي تمردا، ومن حريتي عبئا ينبغي أن أعتذر عنه.

 كان مطلوبا مني أن أكون قوية، ولكن دون أن تبدو قوتي تحديا، وأن أكون عاقلة، ولكن دون أن يتحول عقلي إلى سلطة، وأن أملك رأيا، بشرط ألا يتعارض مع ما اعتاده المجتمع. ومع الوقت أدركت أن المعركة الحقيقية لم تكن مع كوني امرأة، بل مع الصورة التي أرادوا أن يحبسوني داخلها. لذلك اخترت أن أكون أنا، لا النسخة التي صاغتها التوقعات الاجتماعية. دفعت ثمن هذا الاختيار، وعرفت الرفض والخذلان والاغتراب، لكنني تعلمت أن الحرية تبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن طلب الإذن كي يكون ذاته.

ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، لكنني لم أقبل أن تكون الأنوثة سجنا، ولا الذكورة معيارا للإنسانية. أردت فقط أن أعيش بإنسانيتي كاملة، أن أفكر دون وصاية، وأسأل دون خوف، وأختلف دون أن أدفع ثمن اختلافـي

كنت ابدو قوية طاهريا، لان العالم لا يمنح الضعفاء وقتا كافيا لالتقاط انفاسهم. وكنت اضحك احيانا، لا لان الفرح كان يسكنني، وانما لانني ادركت ان الانسان قد يبتكر ابتسامة كاملة كي يخفي بها خرابا لا يراه احد.

ثم جاءت السنوات بما يكفي من الخذلان، والفقد، والوحدة، والاغتراب، حتى وجدتني ذات يوم أقف أمام نفسي ولا أعرف: من هذه المرأة التي أصبحتها؟

جلست طويلا امام اوجاعي، لا لاجلد نفسي، ولا لابحث عن مذنب، وانما لافهم. فادركت ان الانسان لا يعرف اعماقه حقا حين تكون الحياة لطيفة معه، انه يعرفها حين تسقط عنه الاشياء التي كان يستند اليها، حين يجد نفسه واقفا في منتصف العاصفة بلا يقين.

وبدأ النضج الحقيقي عندي، لا عندما بدأت اتخلص من اوجاعي، بل حين توقفت عن اعتبارها عدوا. فادركت ان بعض الجراح لا تأتي لتقتلنا، وانما لتعيد تشكيل وعينا بانفسنا. وبعض الانكسارات لا تهدم الانسان، بل تهدم الصورة الوهمية التي كان يعيش داخلها عن ذاته، وعن الاخرين، وعن العالم.

لقد فهمت، بعد وقت طويل، انني لم اكن ابحث عن طريق للخروج من العتمة، بقدر ما كنت ابحث عن عينين قادرتين على رؤية ما كنت عليه في قلبها.

ولكني كنت أجهل ان العتمة ليست دائما غياب النور، احيانا تكون المساحة التي يتعلم فيها الانسان كيف يصنع نوره بنفسه.

ولهذا لم اعد انتظر المخلص او المنقذ. لأن النجاة ليست يدا تمتد الينا من الخارج، بل لحظة داخلية نقرر فيها، رغم كل شيء، الا نترك انفسنا للهاوية.. ولا حتى أبحث عن إجابات تمنحني راحة مؤقتة.

لقد جلست طويلا الى جوار حزني، دون ان اهرب منه. اصغيت اليه كما يصغي الفيلسوف الى سؤال عصي، حتى امتلكت شجاعة المواجهة.

ومنذ ذلك الحين، لم اعد اخجل من ندوب قلبي.

فالندبة ليست دليلا على اننا كسرنا فقط، بل شهادة على اننا عبرنا الكسر ولم نبق فيه.

انا لست المرأة التي لم تتالم.

انا المرأة التي عرفت الالم، وعبرت من خلاله، وخرجت منه بوعي لم يكن لها ان تعرفه لولا تلك الرحلة القاسية.

لذلك، ان رايتموني ابتسم، فلا تظنوا انني لم اعرف الحزن.

وان رايتموني قوية، فلا تظنوا انني لم انكسر.

وان رايتموني امضي بهدوء، فلا تظنوا ان الطريق كان سهلا.

لقد مشيت طويلا فوق رماد اشياء احببتها

ودفنت في قلبي مدنا كاملة، وودعت نسخا قديمة مني، حتى ادركت ان الحياة لا تطلب منا ان نخرج منها سالمين، بل ان نخرج منها اكثر وعيا، واكثر رحمة، واكثر تفردا، والا نكون نسخة مما اراده الاخرون لنا.

انا لم اخرج من كل هذا كما كنت.

ثمة امرأة قديمة في داخلي ماتت مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت اعود منها بملامح مختلفة، وبقلب اكثر حذرا، ووعي اكثر عمقا.

واليوم لا اريد ان اعود الى تلك المرأة...

لكنني اريد ان اشكرها.

لانها تحملت اكثر مما قالت، وبكت اكثر مما اظهرت، وسقطت اكثر مما عرف الاخرون، ثم قامت في كل مرة دون جمهور، ودون تصفيق، ودون يد تمتد اليها.

اريد ان اقول لها:

لقد كنت متعبة، نعم...

لكنك لم تكوني ضعيفة.

كنت مكسورة، نعم...

لكنّك لم تكوني مهزومة.

وكل هذا الذي ظننته يوما نهايتك، كان يصنع منك امرأة جديدة بوعي جديد.

خرجت وانا اعرف ان بعض الجراح لا تشفى تماما، لكنها تتوقف عن النزف حين نتعلم كيف نعيش معها.

وهذه هي نجاتي الحقيقية...

انني لم اعد ابحث عن قيمتي في كلام احد، ولم اعد مضطرة الى ارتداء القوة كي اخفي هشاشتي.

لقد تصالحت مع المرأة التي كنتها، ومع كل ما انكسر فيها، ومع كل الطرق التي اضطرت الى السير فيها وحيدة.

لقد اكتشفت ان القنديل الذي كنت ابحث عنه في عتمة عالمي لسنوات طويلة كان، طوال الوقت، مختبئا في داخلي.

وانني حين ظننت انني فقدت الطريق، كنت في الحقيقة اتعلم للمرة الاولى كيف اصنعه.

تصالحت مع حقي في ان اسال، ومع حقي في ان اشك، ومع حقي في ان ابحث عن الحقيقة دون ان اخاف من الطريق اليها.

وهنا، للمرة الاولى، لم تعد الحيرة سجنا لي...

اصبحت فضاء للحرية.

بل نافذة اطل منها على وجود اكثر اتساعا، وعلى ذات لم اعد اخاف من مواجهتها.

شككت في اشياء كثيرة كنت اظن انني امتلك يقينا بشانها.

 ووقفت طويلا امام اسئلة لم يكن الخوف منها في عدم العثور على اجاباتها، بل في اكتشاف ان بعض الاجابات التي ورثناها لم تعد قادرة على اقناع ارواحنا.

ولم يعد الشك هاوية اسقط فيها...

بل اصبح طريقا الى وعي اكثر صدقا، ونظرة اكثر تحررا، وحياة لا اخاف فيها من السؤال.

وكان اصعب ما في الرحلة انني لم اكن ابحث عن اجابات تمنحني الراحة، بل عن حقيقة تمنحني السلام، حتى لو كانت الحقيقة اكثر قسوة من الوهم.

ولذلك كان اغترابي في اعمقه اغترابا عن النسخة التي ارادها الاخرون مني. كنت اريد ان اصل الى نفسي دون وصاية، وان امتلك شجاعتي في السؤال كما امتلكت شجاعتي في الاحتمال.

وفي نسختي الجديدة، فهمت ان الشك لم يكن خصما للايمان، ولا الحيرة عجزا، ولا القلق ضعفا، بل كانت كلها علامات على ان وعيي يرفض ان يعيش مستسلما لما لم يفحصه.

كنت ابحث عن حياة استطيع ان اعيشها دون ان اخون اسئلتي، او اتخلى عن صوتي الداخلي.

لقد اتعبتني اسئلتي، نعم...

لكنها انقذتني ايضا.

فلو لم اشك، ربما عشت مطمئنة داخل يقين لم اصنعه بنفسي. ولو لم احتار، ربما قبلت طرقا لم تكن طريقي. ولو لم اغترب، ربما لم اكتشف ان اقسى انواع الغربة ان يعيش الانسان بعيدا عن ذاته.

لقد عشت اغترابي، وحيرتي، وشكوكي، لا بوصفها هزيمة، بل بوصفها جزءا من رحلتي نحو ذات اكثر صدقا.

ربما لم اصل الى اليقين الذي كنت ابحث عنه...

لكنني وصلت الى نفسي.

وكان ذلك، في النهاية، اصدق يقين عرفته

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تقاطعات فساد السلطة والنص والإنسان في ظل الرأسمالية المراوغة

تفكيك "الهلوسات الفلسفية" في مقاربة الأزمة

تمثل "معضلة الشرق الأوسط" واحدة من أعقد الإشكاليات ذات الأبعاد الجغرافية والسياسية والاجتماعية في العصر الحديث، حيث تتداخل فيها أزمات الهوية، وانسداد الأفق الديمقراطي، والتبعية الاقتصادية، مع تدخلات القوى الكبرى وصراعاتها. غير أن محاولات فهم هذه المعضلة غالباً ما تصطدم بما يمكن تسميته بـ "الهلوسات الفلسفية". وتتمثل هذه الهلوسات في مقاربات تحليلية تكتفي بملامسة السطح، أو تغرق في التنظير الأخلاقي المجرد، مفضلةً المواقف السريعة على التحليل السببي الطويل والمعقد. إنها مقاربات تخشى طرح الأسئلة الجذرية، فتعجز عن التفريق بين السبب والنتيجة، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الخطاب السائد وتكريس الاستقطاب بدلاً من تفكيك بنية الأزمة.

لتجاوز هذا القصور المنهجي، يقتضي التحليل المعمق تفكيكاً منطقياً لثلاثية محورية تتشابك في صناعة المشهد:

(فساد السلطة، فساد النص، وفساد الإنسان)، وصولاً إلى تحديد المحرك الفعلي للأزمة مقابل العوامل المُسرّعة أو المُسوّغة لها. وفي هذا السياق، يبدو جلياً أن الانطلاق من فرضية أن "فساد الإنسان" هو العلة الأولى يعكس اختزالاً مخلاً؛ فالإنسان في هذه الجغرافيا ليس فاعلاً معزولاً، بل هو نتاج بنيوي لمصفوفة من القهر. إن فساد الإنسان يمثل عاملاً مُسرّعاً ومُعقّداً للمشهد، لكنه لا يمكن أن يكون المحرك الوحيد أو البنية التأسيسية.

في المقابل، يمثل "فساد النص" أداة أيديولوجية بالغة التعقيد، يتم من خلالها تحويل التراث والاجتهاد البشري التاريخي إلى مقدسات مطلقة تُستخدم لتسويغ الاستبداد. ورغم خطورة هذه الأداة، تشير القراءة الفاحصة إلى أن "فساد السلطة" يقف كعامل بنيوي أعلى وأكثر حسماً. السلطة هنا ليست مجرد كيان إداري، بل هي بنية تحتكر القرار والموارد، وتُعيد إنتاج النصوص بما يخدمها، وتُشوه الإدراك الإنساني، ضامنةً بذلك استدامة منظومتها عبر آليات القمع، واقتصاديات الريع، وإدارة التناقضات والحروب بالوكالة. وإذا كانت السلطة مبنية على هذه الاستدامة القهرية، فإن أي تحليل يتجاهل هذا الثقل البنيوي يصبح، بوعي أو بدونه، جزءاً من منظومة الدفاع عن الوضع القائم.

ولا يمكن عزل هذه التفاعلات الحركية الداخلية عن المؤثرات الخارجية، لا سيما في ظل التحولات العميقة التي تشهدها الرأسمالية العالمية. وتبرز هنا "الرأسمالية المراوغة" التي تجلت بوضوح في المقاربات النفعية القائمة على نهج الصفقات المباشرة في السياسة الخارجية؛ كنمط يعتمد على الواقعية التعاقدية وإدارة الغموض الاستراتيجي، مما يعمّق أزمات الهوية وضياع الأفق. إن تفاعل هذا النمط العالمي النفعي مع البنى السلطوية الهشة في الشرق الأوسط يُنتج سرديات تحررية عقيمة ومخرجات وعي متدنية، حيث يتحول المجال العام إلى مسرح لتصفير السياسة وتدوير النخب بدلاً من معالجة المشكلات الجوهرية للحكم والعدالة.

ثقل السلطة كعامل بنيوي حاسم

لا يُفهم "فساد السلطة" في سياق معضلة الشرق الأوسط بمعناه السلوكي أو الأخلاقي البسيط، المتمثل في الرشوة أو التجاوزات الإدارية، بل يُقصد به الفساد البنيوي والوظيفي الذي يحوّل مفهوم الدولة من مؤسسة دستورية راعية لعقد اجتماعي متوازن، إلى "بنية تقفل أبواب التغيير" وتعمل حصراً على تأمين استمراريتها. إن فساد السلطة هو المحرك البنيوي الأعلى تأثيراً، حيث يوظف كلاً من النص والإنسان كملحقات تسوّغ وتربك مشهد التغيير.

دولة المكونات والمحاصصة

لفهم كيفية مأسسة فساد السلطة تحت مظلة ديمقراطية هشة، يجب إدراك أن الانتقال من النظام الشمولي الصارم لم يُنتج دولة مؤسسات حديثة، بل أسفر عن نموذج "الدولة الهجينة". في هذا النموذج، تتعايش المؤسسات الديمقراطية الرسمية كالدستور والبرلمان وصناديق الاقتراع، مع شبكات نفوذ عميقة غير رسمية تقوم على "المحاصصة الطائفية والقومية" والولاءات الفرعية. إن الهشاشة البنيوية هنا ليست ضعفاً عابراً أو فشلاً إدارياً مؤقتاً، بل هي "خيار إداري قسري" انتهجته النخب السياسية للحفاظ على استقرار نخبوي متخادم من خلال توزيع الريع بدلاً من بناء مؤسسات مواطنة فاعلة.

في هذا السياق، تفقد الدولة قدرتها على احتكار العنف الشرعي، وتبرز قوى "لادولتية" مسلحة تنافس سلطة المركز وتأتمر بأجندات خارجية، مما يخلق بيئة من "سيولة السيادة". إن عملية "تداول السلطة السلمي"، والتي تعني في النظم الديمقراطية منح الحكومة المنتخبة فرصة لتطبيق رؤيتها عبر تعيينات سياسية تمثل برنامجها، تتحول في نظام المحاصصة إلى تقاسم دائم للنفوذ، حيث يمثل المسؤولون مصالح أحزابهم داخل مؤسسات الدولة وليس رؤية حكومية موحدة لخدمة الصالح العام. ونتيجة لذلك، يصبح تدوير النخب مجرد مسرحية تعطي انطباعاً زائفاً بالتغيير، بينما يظل الجوهر الاستغلالي مستمراً.

 نزع التسييس وتصفير السياسة

هذا المسار يؤدي إلى "تصفير السياسة" بدلاً من تصفير المشكلات؛ فإضعاف المجال العام يُقابل بتقديم "حلول تقنية" لا تمس جذور أزمات الحكم، والعدالة، وتوزيع الثروة. وعندما تنعدم قنوات التعبير التنازعي السلمي، يزداد خطر تحول التناقضات المجتمعية إلى أعمال عنف، أو استغلالها من قبل قوى خارجية، مما يبرر للسلطة مجدداً استخدام القمع تحت لافتة حماية الاستقرار والأمن. هكذا يتكرس فساد السلطة كبنية مغلقة تصنع أزماتها ثم تقدم نفسها كحل وحيد لها.

فساد النص كأداة أيديولوجية لاحتكار الحقيقة

إذا كانت السلطة تمثل الهيكل العظمي لمنظومة القهر، فإنها تحتاج إلى وعاء أيديولوجي يضفي الشرعية على ممارساتها ويُدجّن وعي الجماهير. هنا يبرز دور "فساد النص". إن فساد النص لا يُقصد به الطعن في النصوص التأسيسية المقدسة ذاتها، بل هو توصيف لفساد آليات الفهم، والتأويل، والتوظيف الأيديولوجي، التي تنتزع النص من سياقه التاريخي وتحوّل الاجتهادات البشرية التراثية إلى مُسَلَّمات عقائدية جامدة تخدم إرادة القوة والاستبداد.

تآكل الوعي وفخ الموقف الأخلاقي السريع

يعاني الفرد في ظل هذه المنظومة من تدني مخرجات الوعي فلسفياً وثقافياً. وهذا التدني لا يقاس بنقص تدفق المعلومات في عصر الفضاء الرقمي، بل يتجلى في "ضعف أدوات التفكير الهيكلي". يفقد العقل الجمعي قدرته على التفريق المنهجي بين السبب (كالاقتصاد الريعي والفساد المؤسسي) والنتيجة (كالفقر والبطالة وتدهور الخدمات).

يُنتج هذا الضعف المعرفي تفضيلاً ملحوظاً لاتخاذ "المواقف الأخلاقية السريعة" والعاطفية تجاه الأزمات، بدلاً من الشروع في "التحليل السببي الطويل" الذي يتطلب صبراً ومواجهة لأسئلة مؤلمة حول الذات والهوية. وفي ظل خطاب أحادي مسيطر يخاف الأسئلة النقدية ويجرمها، تنشأ سرديات لا تُفسر الواقع ولا تُقنع المخالف، بل تزيد من الاستقطاب. فالإنسان الذي يفشل في تحليل بيئته، يتحول إلى متلقٍ منفعل، ينقاد بسهولة خلف الشائعات ونظريات المؤامرة التي تعفيه من مسؤولية التغيير.

الرأسمالية بنسختها النفعية المراوغة

لا يكتمل تفكيك معضلة الشرق الأوسط دون ربط التفاعلات الداخلية بالسياق العالمي؛ إذ يمر النظام الدولي بمرحلة انتقال عاصفة، يتلاشى فيها نظام القطبية الأحادية دون أن تبرز قوة بديلة قادرة على فرض قواعد نظامية جديدة، مما يخلق حالة من "الغموض الاستراتيجي" وانعدام اليقين لكافة الفاعلين الدوليين.

يمكن توصيف التحول الأبرز في السياسة الخارجية للقوى العظمى بالانتقال نحو "الواقعية التعاقدية"؛ إذ تعتمد هذه المقاربة على التخلي عن الالتزامات المؤسسية طويلة الأمد والمبادئ السياسية الثابتة، لصالح صفقات ثنائية تحكمها المنفعة المباشرة، مع تفضيل الدبلوماسية المشخصنة والإعلامية.

في هذا النمط، تُستبدل استراتيجيات الوضوح بـ "إدارة الغموض الاستراتيجي". ويظهر ذلك جلياً في الشرق الأوسط من خلال التذبذب المستمر بين التصريحات العدوانية والتهديد بالقوة من جهة، وبين المبادرات الدبلوماسية المفاجئة والتراجع عن التدخل من جهة أخرى. هذا التذبذب أضعف المصداقية الدولية وزاد من مخاطر التصعيد وسوء التقدير.

تستند ظاهرة "نهج الصفقات" في السياسة الخارجية إلى عدة ركائز أساسية، أبرزها:

الشك في الالتزامات الكلاسيكية للأمن القومي، واعتبار التجارة الثنائية المحرك الحيوي للمصلحة، واستخدام الإنذارات النهائية للحصول على مكاسب دبلوماسية سريعة، وتقليص الإنفاق الدفاعي الخارجي، ورفض التدخل بدوافع حقوق الإنسان أو بناء الدول. تطرح الرأسمالية في حلتها النفعية المراوغة مقاربات تُترجم في الشرق الأوسط إلى فوضى منظمة، تتلخص في:

تغذية الانقسام المربح:

بدلاً من معالجة أسباب الصراعات الهيكلية، يُقدَّم الدعم العسكري والسياسي لفصائل أو دول محددة لتأجيج تكلفة الصراع على الخصوم الاستراتيجيين ضمن حروب وكالة معقدة.

 تبديل الواجهات وإدارة الغموض:

رفع شعارات الترويج الديمقراطي في مرحلة، واستبدالها سريعاً بصفقات أمنية وتسليحية كبرى لدعم أنظمة سلطوية في مرحلة أخرى حسب المصلحة المالية العاجلة.

 تدوير المسؤولية:

دفع الفاعلين المحليين والإقليميين لتحمل التبعات الكارثية للحروب وانهيار الدول، بينما تحتفظ القوى العظمى بالسيطرة على سقوف الصراع والمنافذ الحيوية.

 عقم السرد التحرري وضياع بوصلة البديل

عندما تلتقي سلطة قمعية تستند إلى نصوص مؤدلجة، مع بيئة إنسانية منهكة وصراعات دولية نفعية ومراوغة، تُصاب قوى المعارضة والحركات المجتمعية بعقم فكري وبنيوي. إن "السرد التحرري" الذي رافق حركات التغيير في المنطقة يُصاب بالعقم عندما يتحول إلى أدوات بلا فاعلية، ويمكن تصنيف هذا الخلل في نمطين رئيسيين يعانيان من انسداد الأفق:

السرد الطقوسي

خصائصه: يعتمد على كثافة الكلمات، استحضار المظلوميات التاريخية، والخطابات الحماسية المستمرة.

مكامن الخلل (العقم الهيكلي):

غياب التنظيم المؤسسي، افتقاد لبرنامج حكم واقعي، وانعدام أي رؤية لاقتصاد سياسي بديل لنموذج الريع.

السرد الحتمي/التبشيري

خصائصه: يَعِدُ الجماهير بخلاص حتمي قريب (سواء بغطاء إسلامي أو قومي أيديولوجي) بناءً على حتميات تاريخية.

مكامن الخلل (العقم الهيكلي): قراءة مثالية حالمة تتجاهل التحليل المادي الدقيق للقوى العظمى، وموازين الموارد، وتعقيدات العلاقات الداخلية والدولية.

إن هذا العقم يفسر لماذا أسفرت فترات الاحتجاج الكبرى عن زعزعة السلطة دون القدرة على إرساء بديل مستقر وفعال. فالتنظيم المجتمعي يعاني من غياب "البرهان" العقلاني الذي دعا له المفكر محمد عابد الجابري كبديل عن الانفعال البياني. الوعي هنا محاصر بين يأس قاتل أو تفاؤل أعمى، وكلاهما لا يبني مؤسسات قادرة على اختراق جدار "الدولة العميقة" والميليشيات العابرة للحدود التي تستمد ديمومتها من استمرار حالة الفوضى والهشاشة.

التكيف العملي مع النظام العالمي المتشظي

خارجياً، وفي ظل غياب بنية أمنية إقليمية مستقرة، وسيطرة السياسات الدولية المراوغة، إدارة الغموض الاستراتيجي وصراعات القوى الكبرى، يجب على دول المنطقة استيعاب حقيقة أن الحماية الخارجية المضمونة لم تعد قائمة. المآل المستقبلي الآمن يتطلب من الفاعلين المحليين والإقليميين تطوير سياسات خارجية مَرِنَةً وعمليّةً، تتجنب الانخراط كأدوات في حروب الوكالة الصفرية المدمرة.

الاستقرار المستقبلي يرتهن بالانتقال من التحالفات التكتيكية المؤقتة إلى بناء شبكات استراتيجية للتعاون الإقليمي البيني في مجالات البنية التحتية مما يخلق مصالح حيوية متبادلة ترفع تكلفة الصراع وتخفف من ارتهان المنطقة للإملاءات والضغوط المتقلبة للقوى العظمى.

إن محاولة تفكيك معضلة الشرق الأوسط تتطلب تجاوز "الهلوسات الفلسفية" التي تعتمد على التفسيرات الأحادية الأخلاقية أو المؤامراتية. وقد بين هذا التحليل البنيوي المعمق أن الأزمة ليست وليدة فساد عارض أو حتمية جغرافية، بل هي نتاج لمركب ثلاثي خطير تقف في هرمه "سلطة استبدادية ريعية" تحتكر الموارد والمجال العام وتقفل أبواب التغيير. هذه السلطة تعتاش بشكل بنيوي على "فساد النص"، حيث تُنتزع النصوص الدينية والاجتهادات التاريخية من سياقها لتُحكم أيديولوجياً السيطرة على الوعي الجمعي وتسكت المعارضة. وفي قاع هذه المصفوفة، يقف "الإنسان" المنهك، الذي يفتقر لأدوات التفكير النقدي ويعاني من تعب سياسي مزمن، ليعمل كمسننات تدفع عجلة الفساد عبر الولاءات الزبائنية والمحاصصة.

أمام هذا الواقع المعقد، يعقم السرد التحرري حين يكتفي بالخطابات الطقوسية أو التبشيرية الخالية من أي برنامج مؤسسي أو قراءة واقعية للاقتصاد السياسي. إن أفق المستقبل في المنطقة لا يحمل حلولاً سحرية، بل يضع المجتمعات والنخب أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما الاستمرار في سياسة التكيف مع التردي وانتظار انهيارات سيادية ومجتمعية أعمق في ظل نظام عالمي متقلب، أو الشروع الجاد في تفكيك بنية المحاصصة والريع لبناء "عقد اجتماعي جديد" يرتكز على الإنتاج المستدام، ويُعيد الاعتبار للمجال العام والمواطنة العقلانية المتساوية كضمانة وحيدة لاستعادة استقلالية القرار وسيادة الدولة.

***

غالب المسعودي

في المساق الماضي تطرَّقنا إلى بعض إشكالات الثقافة العَرَبيَّة اليوم والبلاغة والترجمة. وممَّا جاء فيه أنَّ مصطلح الترجمة يملأ الحيطان، غير أنَّ المحصول منها قد يكون ضرره أكبر من نفعه. على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضبط بالشَّكل. وقد ضُرِبت على ذلك، بعض الأمثلة. وكان الصَّواب غالبًا من نصيب طبعة (القاهرة). قلتُ لمحاوري (ذي القُروح):

ـ كنتَ قد أشرتَ إلى أن «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، على يد (رنتز G. Rentz)، تزعم: أنَّ (جازان) «صيغة قديمة». والصحيح أنَّ (جازان) هي الصيغة العَرَبيَّة الصحيحة منذ القِدَم، أمَّا «جيزان»، فلا تعدو صيغة عامِّيَّة. ماذا عن الملحوظات الأخرى؟

ـ منها أنَّ المؤلِّف كتبَ عن صيغة (جازان) أنَّها: «لا تزال تُستعمَل كثيرًا وخاصَّة على يد الكتاب المنتمين إلى هذه المقاطعة نفسها.» والحقُّ أنَّها ظلَّت مستعملةً، وشواهدها ماثلة، منذ القرن السادس الميلادي إلى اليوم. وذلك بناءً على أقدم نصٍّ يمكن العثور عليه، من حديثٍ نبويٍّ، أورده (يحيى بن آدم القرشي، - 203هـ= 818م)(1)، في كتابه «الخَراج»، وهو: «أنَّ رجلًا قال يا رسول الله إنِّي أُحِبُّ الجِهاد والهجرة، وأنا في مالٍ لا يُصلِحه غيري، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم: لا يَأْلِتُكَ اللهُ من عملك شيئًا ولو كنتَ بضَمَد وجازان.» وأوردَه (ابن الأثير)، في «النهاية في غريب الحديث والأثر»(2)، بروايةٍ أخرى: «أَنَّ رَجُلًا سأَلَ رسولَ الله، صلى الله عليه وسلَّم، عن البَداوَة، فقال: «اتَّقِ اللهَ ولا يَضُرُّكَ أَن تَكُونَ بجانبِ ضَمَدٍ».» ولعلَّ ما ورد في هذه الرواية الأخرى للحديث ليس بأكثر من تصحيف لما ورد في الرواية الأولى؛ حيث صُحِّفت عبارة «بجازان وضَمَد» إلىٰ: «بجانب ضَمَد». ومهما يكن من شيء، فليس هذا بمجال البحث في صحَّة الحديثَين (أو الروايتَين)؛ ولكن في دلالتهما على اسم المكان الصحيح.(3)

كما أشار الشاعر الغَزِل المشهور (أبو دَهْبَل الجُمَحي، -63هـ= 682م) في شِعره إلى (جازان) ومواطنها. ولا غرو فـ(الأصفهاني)(4) يذكر أن (سليمان بن عبد الملك) كان قد أقطعَ أبا دهبل قطيعة (بحاذان) باليَمَن. وأغلب الظن أنَّ (حاذان) هاهنا ما هي إلَّا تصحيف (جازان)؛ لأنَّ «حاذان» اسمٌ لا ذِكر له في ما تحت أيدينا من كتب البُلدان المعروفة قديمة أو حديثة؛ ولأنَّ أبا دَهْبَل يذكر (جازان) في شِعره ويدعو لها بالسُّقيا، في مثل قوله:

سَقَى اللهُ جـازانًا، فمَن حَلَّ وَلْيَهُ،

فكُـلَّ فَسيلٍ مِن سَهامٍ وسُـرْدُدِ

*

ومحصولَه، الدَّارَ الَّتي خيَّمتْ بها

سَقاها، فأَرْوَى كلَّ رَبعٍ وفَـدْفَـدِ

*

فأنتِ التي كلَّفتِني البِرْكَ شاتِـيًا

وأورَدْتِنِـيهِ، فانظُري أيَّ مَوْرِدِ(5)

يُذكَر أنَّ (عبدالله بن الزُّبير) كان قد ولَّى الشاعر (أبا دهبل) بعض أعمال (اليَمَن)(6)، حتَّى ليُؤنَس من إشارات شِعره أنَّ تلك الولاية التي تولَّاها لابن الزُّبير إنَّما كانت بجازان، أو قريبًا منها. ذلك أنَّ (جازان) في الأصل إنَّما هو اسم الوادي (وادي جازان)، وقد يُطلَق على جِواره من قَبيل إطلاق اسم بعضٍ على كُل، أو خاصٍّ على عام. قال (الزَّبيدي)(7): «جازانُ: أَهْمَلَهُ الجَوْهرِيُّ. وهُوَ (وادٍ باليَمَن)، سُمِّيَتْ بِهِ القَرْيةُ المَوْجودَةُ الآنَ على البَحْرِ المِلْحِ.» ثمَّ لمـَّا جاء توزيع المناطق الإداريَّة في العهد السُّعودي، وكان مركز الإمارة بذلك القطاع في مدينة جازان، سُمِّيَتْ المنطقة التابعة للمركز كلُّها باسم منطقة جازان، أي التابعة لمركز الإمارة في مدينة جازان. وكنتُ قد تطرَّقت إلى هذا في دراستي تحت عنوان «الحركة الثقافيَّة والفكريَّة المعاصرة في منطقة جازان: (معالم وآفاق)»، ضِمن «موسوعة المملكة العَرَبيَّة السُّعوديَّة»، التي أصدرتها مكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة، عام 1428هـ، في المجلد الحادي عشر، الخاص بـ(منطقة جازان)، الباب الخامس، «الحركة الثقافيَّة»، ص375-421.(8) وبُلدانيًّا أشار (الهمداني)(9)، إلى (جازان) بالألف، لا بالياء. وممَّا أورده قوله: «منفهق جابر، وهو رأس غزيرٌ كثير الرِّياح حديدها، إلى الشَّرجة ساحل بلد حَكَم، فباحة جازان، إلى عَثَّر...»، وفي موضع آخَر: «ثمَّ بعد وادي خلب وادي جازان ووادي ضَمَد». كما قال: «والهَجَر القرية بلغة حِمْيَر والعَرَب العاربة، فمنها: هَجَر البحرين، وهجر نجران، وهجر جازان.» وأورد قول الشاعر (أبو الحيَّاش الحِجْري، من الحِجْر بن الهِنْو):

سُقِيَتْ بُرهةً قُرَى خُلَبٍ منـ

ـها فجازانُ تلك فالصَّبياءُ(10)

ولقد بقيتْ تلك التسمية مستعملةً لدَى الناطقين باسم هذا المكان على صيغته الصحيحة، من أبناء المنطقة وغيرهم. واستمرَّ ذلك في التداول اللِّساني إلى القرن العاشر الهجري، تقريبًا. يشهد بهذا ما استشهد به (رنتز) نفسه، من أنَّ الملَّاح (شهاب الدِّين أحمد بن ماجد، -906هـ= 1501م) كان يشير إلى ميناء «جازان»، بهذا اللَّفظ، لا بلفظ «جيزان». ويذكر كذلك رُبَّان جازان المشهور: «عثمان الجازاني ʿUthmān al- Djāzānī».(11) ومع هذا فقد حرَّف المترجِم نصَّ المؤلِّف، الذي جاء فيه:

Writing in the late 9th/15th century, the master pilot Shihāb al-Dīn Aḥmad b. Mādjid [q.v.] gives instructions for entering Djayzān (Djāzān) port.

فنبَّهَ المؤلِّف هاهنا بجعله (جازان) بين هلالَين إلى أنَّ هذا هو المستعمَل على لسان (ابن ماجد). أمَّا المترجِم، فساق الاسم بصيغة «جيزان»، ولم يلتفت إلى غير ذلك من النصِّ المترجَم.(12)

ولنا مزيد تفصيل، حول ما ورد في ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، في المساق المقبل، بعون الله.

***

 مرفأ:

كَذَا، فلْـتَـلْـتَـقِ الآمَـاسُ يَـوْمِـيْ

بِفَجْـرِ غَـدِيْ، يَـنَابِـيْـعًا حَـبَالَـى

تُـرَوِّيْ شَاحِـبَ الأَزْمَـانِ فَـتْـحًا

مِنَ التَّارِيْـخِ يَـنْـتَـهِبُ الـمِحَـالا

إِذا ما سِيْـمَ خَـسْفًا، سَـامَ عَـسْفًـا

سِـبَاعَ الكَـوْنِ، إِنَّ لَـهُ اصْطِـيَـالا

فــآبَ كَقَشْعَمٍ ، قَــوْلًا وفِـعْـلًا،

وآبَ عُـدَاتُـهُ رَخَـمًـا خِـطَـالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.............................

(1) (1987)، كتاب الخراج، تحقيق: حسين مؤنس، (القاهرة/ بيروت: دار الشروق)، 115.

(2) تحقيق: محمود محمَّد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، (بيروت: دار إحياء التراث العَرَبي، (د.ت)، (ضمد).

(3) وإنَّما عبارة الحديث مَثَلٌ- على طريقة العَرَب في المبالغة- ضُرِب للبُعْد عن مجتمع الرسالة الأوَّل في مدينة رسول الله، لا يقتضي الطعن في البُقعة المذكورة لذاتها ولا في أهلها تخصيصًا، فضلًا عن تعميم ذلك زمنيًّا. وما يلفت هنا استنفار بعضٍ للدِّفاع عن أن يتعلَّق نصُّ الحديث بمكانٍ معيَّن، وإنْ بالتشكيك في صحَّة الحديث، أو باللجوء إلى التأويل، وإنْ بِلَيِّ أعناق النصوص. ولو أُخذِت النصوص بسياقاتها وأزمانها ومقاصدها، لما احتيج إلى شيء من ذلك كلِّه.

(4) يُنظَر: الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبَّاس وإبراهيم السعافين وبكر عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، 7: 102، 105- 106.

(5) م.ن، 7: 105.

(6) ينظر: الزركلي، (1984)، الأعلام، (بيروت: دار العِلم للملايين)، 8: 125.

(7) تاج العروس، (جزن).

(8) لمطالعة المادَّة المشار إليها على موقع الموسوعة، التابع لمكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة، على شبكة «الإنترنت»: https://qrcd.org/9bRA

(9) يُنظَر: (1974)، صِفَة جزيرة العَرَب، تحقيق: محمَّد بن علي الأكوع الحَوالي، (الرياض: دار اليمامة)، 92، 136، 167، 336.

(10) من الطريف أنَّ يطلع على الناس أحدهم منذ حين زاعمًا أنَّ الاسم (جيزان) بالياء، لكنَّ «الجباليَّة»- يقصد أهالي القطاع الجبَلي- لا يُحسنون نُطق الكلمات بالياء فيسمُّونه (جازان)! ومعنى هذا أنَّ كلَّ من أوردوا الاسم في التراث العَرَبي، منذ صدر الإسلام، كانوا جباليَّة، لا يُحسنون نُطق الكلمات بالياء فيسمُّونه (جازان)! بل الحقُّ أنَّ العامِّيَّات هي التي تميل إلى إمالة كلِّ منصوب وكسر كلِّ مرفوع.

(11) See: Rentz, George Snavely, (1991), DJAYZĀN (The Encyclopaedia of Islam, 2: 516- 518), Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies, (Leiden: E. J. Brill), 2: 517.

(12) يُنظَر: دائرة المعارف الإسلاميَّة، (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109.

"الرئيس ترامب بوصفه كائنًا لغويًا ورمزيًا"

مقدمة: في سياق بحثنا عن اللغة التي اعتمدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مخاطبة الجماهير، لا تبدو عبارة «أمريكا أولًا» مجرد شعار انتخابي عابر، بل تكشف عن بنية لغوية وسياسية كاملة تقوم على تحويل القلق الاجتماعي إلى طاقة سياسية، وتحويل الخوف من المستقبل إلى حنين إلى ماضٍ متخيل، ثم تقديم الرئيس بوصفه الشخص القادر على إعادة ذلك الماضي إلى الحياة.

وهنا تصبح اللغة أكثر من وسيلة للتواصل؛ إنها تتحول إلى آلة لإنتاج الواقع السياسي، أو على الأقل إلى مرآة مقعرة تعيد إلى الجمهور صورته عن نفسه، ولكن بعد أن تكبر بعض مخاوفه وتختفي بعض تناقضاته.

ولعل المفارقة الساخرة في شعار «أمريكا أولًا» أنه يبدو للوهلة الأولى شديد البساطة، إلى درجة توحي بأن من يخالفه لا بد أن يكون قد ارتكب خطأً في ترتيب الكلمات. فمن يستطيع أن يعترض على أن تكون أمريكا أولًا؟ لكن المشكلة تبدأ عندما نسأل السؤال الذي تتجنبه الشعارات عادة: أمريكا أيّ أمريكا؟ هل هي أمريكا المهاجرين والسكان الأصليين والأقليات والعمال والنخب والمهمشين؟ أم أمريكا التي يجري اختزالها في صورة ثقافية وسياسية محددة؟ ومن الذي يملك حق تعريفها؟ هنا تتحول العبارة البسيطة إلى مشروع لتحديد من ينتمي إلى «أمريكا الحقيقية» ومن يقف خارجها.

وهذا هو المدخل الذي يجعل الخطاب الترامبي مادة خصبة للتحليل اللغوي والنقد السياسي. فترامب لم يقدم نفسه للجمهور باعتباره مجرد رئيس يحتاج إلى برنامج سياسي، بل باعتباره صوتًا لجماعة تشعر بأن أحدًا سرق منها شيئًا: وظائفها، أمنها، مكانتها، هويتها، وربما حتى الماضي الذي تتخيله أفضل من حاضرها. وفي هذه الرواية لا يحتاج القائد إلى أن يقدم تفسيرًا معقدًا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية؛ يكفي أن يشير إلى شخص أو جماعة يمكن أن تُحمّل مسؤولية القلق العام.

وهنا يدخل المهاجر إلى المسرح السياسي لا بوصفه إنسانًا له قصة وظروف وحقوق، بل بوصفه «علامة» تختصر الخطر. إنها براعة لغوية لا تخلو من مفارقة: فبدل أن يسأل الخطاب عن شبكة الأسباب التي صنعت مشكلة اقتصادية أو اجتماعية، يمكنه أن يقدم للجمهور وجهًا محددًا للخطر، ثم يَعِده بإزاحته. وبذلك تتحول السياسة من إدارة التعقيد إلى إدارة الانفعال. الاقتصاد معقد، الهجرة معقدة، العولمة معقدة، التحولات الديموغرافية معقدة؛ أما الشعار فليس معقدًا إطلاقًا، وهذه تحديدًا إحدى نقاط قوته.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة ما يمكن تسميته «الشعبوية اللغوية»؛ أي الطريقة التي تُستخدم بها اللغة لإنتاج «نحن» متجانسة في مواجهة «هم» يجري تصويره باعتباره مصدر المشكلة. فاللغة لا تصف الجماعة فقط، بل تصنع حدودها. وعندما يتكرر الخطاب حول «الأمريكي الحقيقي»، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالهوية الوطنية وحدها، بل يتحول إلى سؤال عن السلطة التي تمتلك حق تعريف الوطنية نفسها.

أما القاعدة العسكرية الأمريكية التي أُشير إليها في هذا السياق، فيمكن النظر إليها بوصفها جزءًا من البيئة الرمزية التي يتجاور فيها خطاب القوة العسكرية مع خطاب التعبئة السياسية؛ غير أن الأدق منهجيًا هو عدم افتراض أن قاعدة بعينها «تحاول» تعبئة الأمريكيين ضد المهاجرين من دون دليل مباشر على ذلك. الأهم هو تحليل كيف يمكن للخطاب السياسي والإعلامي أن يستثمر رموز الأمن والقوة والخطر في بناء سردية شعبوية تجعل المهاجر يبدو وكأنه مشكلة أمنية قبل أن يكون قضية إنسانية أو اجتماعية.

وهنا تبدأ السخرية النقدية من مفارقة المشهد: الدولة التي صنعت واحدة من أكثر التجارب التاريخية تعقيدًا في الهجرة تتحول فجأة إلى متحدث باسم «الأمريكا الخالصة»، وكأن التاريخ قرر أن يمحو سجلاته ويعيد كتابة نفسه بشعار انتخابي. والمهاجر الذي كان جزءًا من قصة بناء الولايات المتحدة يمكن أن يتحول، داخل الخطاب الشعبوي، إلى ضيف ثقيل لم يُدعَ أصلًا إلى الحفلة.

إن الخطورة، إذن، ليست في الشعار وحده، وإنما في ما يفعله الشعار بالعقل السياسي. فهو يمنح الجمهور شعورًا بأن الحل قريب، وأن المشكلة محددة، وأن العدو معروف، وأن القائد يمتلك المفتاح. وبذلك يصبح الوهم السياسي أكثر ذكاءً من الكذبة المباشرة؛ لأنه لا يطلب منك أن تصدق شيئًا مستحيلًا، وإنما يطلب منك أن ترى جزءًا من الحقيقة وتتعامل معه باعتباره الحقيقة كلها.

من هنا سنحاول قراءة اللغة الترامبية لا بوصفها مجموعة من العبارات الانتخابية، بل بوصفها بنية لإنتاج المعنى السياسي: كيف يصنع «الشعب»؟ كيف يُنتج «الآخر»؟ كيف يتحول الخوف إلى شعار؟ وكيف يصبح الشعار، بعد كثرة ترديده، حقيقة اجتماعية تبدو وكأنها كانت موجودة قبل أن تُقال؟ فحين تنجح اللغة في إقناع الناس بأن المهاجر هو المشكلة، يصبح السؤال عن الأسباب الحقيقية للمشكلة ترفًا. وحين ينجح الرئيس في تقديم نفسه بوصفه «صوت أمريكا»، يصبح الاعتراض عليه، في منطق الخطاب نفسه، اعتراضًا على أمريكا. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة التي تستحق أن نضحك منها قليلًا قبل أن نقلق منها كثيرًا: حين يصبح الرئيس هو المتحدث باسم الشعب، والشعار هو المتحدث باسم الحقيقة، والعدو هو المتحدث باسم المشكلة، لا يبقى للمجتمع إلا أن يصفق للنص الذي كُتب له مسبقًا.

لا يمكن دراسة الرئيس في الخطاب السياسي بوصفه شخصًا يتولى منصبًا فحسب؛ إذ إن «الرئيس» يُنتج أيضًا بوصفه كائنًا لغويًا ورمزيًا من خلال شبكة من الألفاظ والصور والاستعارات والسرديات التي تمنحه معنى يتجاوز وجوده الفردي. فالرئاسة لا تُمارس بالقانون والمؤسسات وحدهما، وإنما تمارس كذلك باللغة؛ إذ يستطيع الخطاب أن يحول الحاكم من موظف عام إلى «أب للأمة»، أو من ممثل دستوري إلى «منقذ»، أو من سياسي قابل للنقد إلى رمز يجسد إرادة الجماعة. ومن هنا تصبح اللغة جزءًا من ممارسة السلطة، لا مجرد وسيلة محايدة لوصفها.

لقد بيّن رولان بارت في كتابه أسطوريات أن الخطاب اليومي لا يقتصر على نقل الواقع أو وصف الأشياء كما هي، بل يشارك في إنتاج الطريقة التي يظهر بها الواقع أمام الوعي. فالصحافة والإعلان والصورة واللغة الشعبية والخطاب السياسي والثقافي تستطيع أن تأخذ واقعة تاريخية أو علاقة اجتماعية أو قيمة أيديولوجية نشأت في ظروف محددة، ثم تعيد تقديمها في صورة علامة تبدو بسيطة وطبيعية وبديهية. وهنا تكمن الوظيفة الأعمق لما يسميه بارت «الأسطورة»؛ فالأسطورة ليست بالضرورة حكاية خرافية، وإنما هي طريقة في جعل شيء تاريخي يبدو وكأنه طبيعي. ()

ينطلق بارت من أن العلامة في مستواها الأول تتكون من دال ومدلول ينتجان معنى معينًا، لكن هذا المعنى يمكن أن يتحول نفسه إلى دال في نظام دلالي ثانٍ هو نظام الأسطورة. وبذلك لا تقوم الأسطورة بإلغاء المعنى الأصلي للعلامة، وإنما تستولي عليه وتعيد توجيهه، بحيث يصبح حاملًا لمعنى أيديولوجي جديد. وهذه العملية هي التي تسمح للخطاب بأن يقول شيئًا تاريخيًا واجتماعيًا، ولكنه يقدمه كما لو كان حقيقة قائمة بذاتها، لا بوصفه نتيجة لصراعات ومصالح واختيارات بشرية.

ومن هنا تكتسب الأسطورة قوتها؛ فهي لا تكذب بالضرورة، وإنما تخفي تاريخ الحقيقة التي تقولها. إنها لا تحتاج إلى اختراع واقعة جديدة، بل يكفيها أن تنتزع الواقعة من سياقها التاريخي، وتفصلها عن الشروط الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها، ثم تعرضها بوصفها أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى سؤال. فالامتياز الاجتماعي يمكن أن يظهر باعتباره نتيجة طبيعية للكفاءة، والسلطة السياسية يمكن أن تبدو امتدادًا طبيعيًا للنظام، والهوية الجماعية يمكن أن تُقدَّم باعتبارها جوهرًا ثابتًا لا تاريخ له، وحتى بعض التراتبيات الاجتماعية يمكن أن تتحول في الخطاب إلى فروق «طبيعية» بين البشر.

وهذه الفكرة تسمح بفهم الشعبوية بوصفها ممارسة لغوية لا تكتفي بالتعبير عن الواقع السياسي، وإنما تسهم في إنتاج صورة معينة عنه. فحين يقول القائد «نحن الشعب»، لا يكون بصدد وصف جماعة محددة وصفًا محايدًا، بل يقوم بعملية تمثيل رمزي ينتقي من المجتمع بعض خصائصه، ويمنحها صفة «الإرادة الشعبية»، ثم يتحدث باسمها.

وهنا تكمن إحدى الخصائص المركزية للغة الشعبوية إنها لا تتعامل مع المجتمع بوصفه تركيبًا معقدًا من المصالح والهويات والطبقات والاتجاهات، وإنما تعيد تشكيله في صورة ثنائية بسيطة: الشعب في مقابل النخبة، الأصالة في مقابل الفساد، الوطني في مقابل الخائن، الأمن في مقابل الفوضى، الخير في مقابل الشر.

ويؤدي هذا الاختزال وظيفة سياسية مهمة؛ لأنه يحول الصراعات الاجتماعية المركبة إلى صراع أخلاقي واضح الأطراف. وبدل أن يسأل الخطاب عن أسباب البطالة أو الفقر أو ضعف المؤسسات أو سوء الإدارة، يبحث عن شخص أو جماعة يمكن تحميلها المسؤولية.

وقد أصبحت ثنائية «الشعب/النخبة» من أكثر البنى حضورًا في الدراسات المعاصرة للشعبوية؛ إذ يرى كاس مود أن الشعبوية تقوم على تصور المجتمع منقسمًا إلى جماعتين متجانستين ومتعارضتين: «الشعب النقي» و«النخبة الفاسدة»، مع افتراض أن السياسة ينبغي أن تكون تعبيرًا مباشرًا عن الإرادة العامة للشعب().

ولا تكمن خطورة هذا التصور في مجرد وجود نقد للنخب، فالنقد السياسي للنخب جزء مشروع من الديمقراطية، وإنما في تحويل الشعب إلى وحدة متخيلة لا خلاف داخلها، ثم الادعاء بامتلاك تمثيلها الحصري.

وبذلك تُنتج اللغة الشعبوية ما يمكن تسميته «الشعب اللغوي»؛ أي شعبًا لا يُكتشف كما هو في الواقع، وإنما يُصاغ داخل الخطاب. فالمجتمع الواقعي متعدد ومتناقض، بينما الشعب الذي تتحدث باسمه الشعبوية يبدو متجانسًا، له إرادة واحدة، ومصلحة واحدة، وذاكرة واحدة، وعدو واحد. وفي اللحظة التي ينجح فيها الخطاب في تثبيت هذه الصورة، يصبح كل اعتراض عليه قابلًا للتأويل باعتباره اعتراضًا على الشعب ذاته.

وهنا تنتقل اللغة من كونها وسيلة للتواصل إلى كونها آلية للتمثيل السياسي. فالقائد لا يقول فقط «أنا أمثل الشعب»، بل يضع نفسه داخل ضمير الجمع: «نحن». وهذه الـ«نحن» ليست بريئة؛ لأنها تقوم بعملية دمج وإقصاء في الوقت نفسه. فهي تدمج قطاعات اجتماعية مختلفة في هوية رمزية واحدة، لكنها تستبعد في المقابل من لا ينسجم مع التعريف الذي يقدمه الخطاب للشعب. وبذلك يتحول الاختلاف السياسي من اختلاف طبيعي داخل المجتمع إلى علامة على الانحراف عن الجماعة.

وتتضح هنا أهمية مفهوم الاستقطاب اللغوي؛ فكلما نجحت الشعبوية في تقسيم المجال السياسي إلى «نحن» و«هم»، أصبحت عملية التفكير في الحلول المعقدة أقل حضورًا. فاللغة لا تقول للجمهور فقط من هو الصديق ومن هو العدو، بل تقدم له أيضًا الإطار الذي ينبغي أن يفكر من خلاله في الأحداث. ولهذا فإن القوة الحقيقية للخطاب الشعبوي لا تكمن في كثرة شعاراته، وإنما في قدرته على تحديد المفردات التي يُفهم الواقع من خلالها.

هذه الالية لها حضورها في خطابات الرئيس ترام وقد استخدمها في براعة في خلق عدو وهمي هم المهاجرين وكيف جاء هو كي ينقذ امريكا وهذا الخطاب التعبوي معروف ايضا في الخطابات الشمولي في منطقتنا .

ومن هذه الزاوية يمكن الاستفادة من أطروحة لويس ألتوسير حول الأيديولوجيا؛ فالأيديولوجيا لا تعمل فقط عندما تقدم أفكارًا صريحة، وإنما تعمل حين تجعل الفرد يتعرف إلى نفسه داخل منظومة من المعاني بوصفها طبيعية وبديهية(). وبذلك يمكن النظر إلى الخطاب الشعبوي بوصفه ممارسة أيديولوجية حين يجعل تصورات تاريخية وسياسية معينة تبدو وكأنها حقائق طبيعية لا تحتاج إلى البرهان. فالتوسير يؤكد "الهوية الجماعية ليست معطى طبيعيًا، وإنما تُنتج داخل علاقات اجتماعية وأيديولوجية محددة ."فعندما يقال إن «الشعب يريد»، ينبغي أن يُطرح السؤال: أي شعب؟ وكيف عُرفت إرادته؟ ومن الذي يتحدث باسمه؟ وما الجماعات التي جرى استبعادها من تعريف الشعب؟

وهذه الأسئلة تكشف أن الوهم السياسي يبدأ غالبًا من وهم التمثيل. فالخطاب يوهم الجمهور بأن هناك تطابقًا مباشرًا بين القائد والشعب، بينما توجد في الواقع مسافة واسعة بينهما. الرئيس يتحدث بصفته فردًا أو مؤسسة، لكن اللغة تمنحه إمكانية التحدث بضمير الجماعة. وحين ينجح في إلغاء هذه المسافة، يصبح نقده أشبه بنقد «الشعب»، وتصبح معارضته أشبه بمعارضة «الإرادة العامة». وهنا تتحول اللغة إلى أداة لحماية السلطة من المساءلة.

ولا يعني ذلك أن كل خطاب يستخدم مفردات الشعب أو الأمة هو خطاب شعبوي بالضرورة. فالمفاهيم الجماعية جزء أصيل من اللغة السياسية. الفارق يكمن في طريقة استخدامها: هل تُستعمل «الشعب» بوصفه مجتمعًا متنوعًا له حقوق واختلافات، أم بوصفه كتلة متجانسة لا تمثلها إلا سلطة واحدة؟ وهل تُستخدم الوطنية لفتح المجال أمام المشاركة، أم لإقصاء المختلف واتهامه بالخيانة؟ وهل تُستخدم الهوية بوصفها إطارًا للتعايش، أم بوصفها معيارًا لامتلاك الحقيقة السياسية؟

1.  تتأسس قوة اللغة الشعبوية على التبسيط:

فالواقع السياسي شديد التعقيد، لأن كل أزمة تنشأ عادة من تفاعل عوامل اقتصادية واجتماعية وتاريخية ومؤسسية متعددة. لكن الخطاب الشعبوي يختصر هذه الشبكة في سبب واحد وفاعل واحد. ومن هنا يصبح «الفاسد»، أو «الخائن»، أو «النخبة»، أو «المؤامرة» تفسيرًا جاهزًا لأزمات لا يمكن فهمها إلا بتحليل طويل. إن هذا التبسيط لا يقلل من حجم المشكلة فحسب، بل يمنح الجمهور شعورًا بالمعرفة؛ أي إنه يخلق وهم الفهم.

وهنا تلتقي الشعبوية مع ما ناقشه إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي بشأن صناعة القبول؛ إذ أظهرا كيف يمكن للأنظمة الإعلامية والسياسية أن تنتقي المعلومات وتعيد ترتيبها ضمن أطر تجعل بعض الوقائع بارزة وبعضها الآخر هامشيًا(). ولا يعني ذلك أن الشعبوية هي مجرد صناعة إعلامية، وإنما يعني أن وسائل الاتصال الحديثة تمنح الخطاب الشعبوي قدرة استثنائية على تكرار مفرداته وتثبيت ثنائياته وإعادة تدويرها حتى تتحول من مجرد عبارات سياسية إلى إطار إدراكي يرى الجمهور العالم من خلاله.

2.  من أهم أدوات هذا الخطاب أيضًا استدعاء الماضي:

إن الخطاب الشعبوي لا يحتاج دائمًا إلى تقديم برنامج معرفي متماسك؛ يكفي أن يقدم للأفراد صورة يستطيعون أن يتعرفوا فيها على أنفسهم: نحن الشعب، وهم النخبة؛ نحن الحقيقيون، وهم الغرباء؛ نحن المظلومون، وهم الذين صادروا حقوقنا.

وهذا قريب جدًا من مفهوم ألتوسير الشهير «الاستدعاء» أو «النداء الأيديولوجي» (interpellation): حين يخاطب الخطاب الفرد بطريقة تجعله يتعرف على نفسه بوصفه جزءًا من هوية معينة.

 فالشعبوية نادرًا ما تكتفي بوصف الحاضر، وإنما تبني سردية عن ماضٍ متخيل كان فيه المجتمع أكثر قوة ونقاءً ووحدة. تظهر في هذا السياق مفردات مثل «المجد»، و«الأصالة»، و«الأيام الجميلة»، و«استعادة المكانة».

لكن المشكلة ليست في استحضار التاريخ، وإنما في تحويله إلى أسطورة سياسية تُستخدم لإنتاج الحنين وتبسيط الماضي. وهنا تقترب الشعبوية من مفهوم بارت عن «الميثولوجيا»: إذ تتحول الوقائع التاريخية إلى علامات أيديولوجية تبدو وكأنها تحمل معنى طبيعيًا ثابتًا().

إن الماضي الشعبوي ليس بالضرورة الماضي الذي حدث، بل الماضي الذي يحتاج إليه الخطاب في الحاضر. ولذلك يمكن أن يُعاد ترتيب الذاكرة الجماعية بحيث تُبرز الانتصارات وتُنسى الهزائم، وتُستعاد الرموز التي تخدم الهوية المطلوبة، بينما تُهمش الوقائع التي تعقد الرواية. وبهذا لا يصبح التاريخ مادة للمعرفة، وإنما يتحول إلى مادة لإنتاج الشرعية.

3. العلاقة بين اللغة الشعبوية وصناعة الوهم:  

فالوهم لا يعني أن كل ما يقوله الخطاب كذب، بل يعني أن الخطاب ينتقي من الواقع ما يسمح ببناء صورة كلية تبدو مكتملة بينما تخفي عناصر أساسية من الحقيقة. إن الوهم الأكثر فاعلية ليس ذلك الذي يناقض الواقع بصورة صريحة، بل ذلك الذي يستخدم بعض عناصر الواقع لإنتاج تفسير شامل له.

ولهذا فإن الرئيس الشعبوي لا يحتاج دائمًا إلى اختراع واقع بديل؛ يكفيه أن يعيد ترتيب الواقع لغويًا. يمكن أن تكون هناك أزمة حقيقية، لكنه يحولها إلى مؤامرة. ويمكن أن تكون هناك نخبة فاسدة فعلًا، لكنه يجعل كل معارض له جزءًا منها. ويمكن أن تكون هناك مخاوف اجتماعية حقيقية، لكنه يربطها بعدو محدد. ويمكن أن يكون هناك حنين حقيقي إلى الماضي، لكنه يحوله إلى وعد باستعادة زمن لم يكن موجودًا بالصورة التي يصورها الخطاب.

وبذلك يصبح السؤال الفلسفي المركزي ليس: هل اللغة الشعبوية تقول الحقيقة أم تكذب؟ وإنما: أي واقع تنتجه حين تتحدث؟ فالمشكلة الأعمق في اللغة السياسية ليست فقط في صدق الجمل، وإنما في الإطار الذي يجعل بعض الأشياء قابلة للرؤية وأشياء أخرى غير مرئية. إن الخطاب الذي يحدد لنا من هو «الشعب»، ومن هو «العدو»، وما هو «الخطر»، وما هو «الماضي المجيد»، يكون قد بدأ بالفعل في تشكيل المجال الذي تتحرك داخله السياسة.

ومن هنا، فإن نقد اللغة الشعبوية لا ينبغي أن يقتصر على تفكيك الشعارات، بل ينبغي أن يتجه إلى البنية التي تجعل الشعار ممكنًا وفعالًا: من يمتلك المنبر؟ من يحدد المفردات؟ من يكررها؟ من يمنحها الشرعية؟ ومن يستفيد من تحولها إلى حقائق اجتماعية؟ عند هذه النقطة تنتقل دراسة اللغة من اللسانيات إلى فلسفة السلطة، ومن تحليل الخطاب إلى تحليل إنتاج الواقع ().

4. انها تخلق وعيٌ كاذبٌ يُغلق باب السؤال:

إن أخطر ما تفعله اللغة الشعبوية أنها تجعل الإنسان يشعر بأنه أصبح أكثر فهمًا للواقع في اللحظة التي يصبح فيها أقل قدرة على مساءلته. فهي تمنحه إجابات سريعة بدل الأسئلة، وأعداء واضحين بدل الأسباب المركبة، وهوية صلبة بدل الذات المتعددة، وقائدًا يتحدث باسم الجماعة بدل مؤسسات تسمح للجماعة بالتعبير عن اختلافاتها. وهنا بالضبط تتشكل صناعة الوهم السياسي: حين يصبح الاختزال معرفة، والتكرار حقيقة، والرمز واقعًا، والتمثيل تطابقًا، والقائد تجسيدًا متخيلًا لإرادة الشعب.

ولذلك فإن مقاومة الشعبوية لا تبدأ بإنتاج خطاب مضاد أكثر شعبوية، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار إلى تعقيد الواقع، وإلى تعدد الأصوات، وإلى الفرق بين الشعب بوصفه مجتمعًا حيًا متعدد المصالح، والشعب بوصفه صورة لغوية تنتجها السلطة. فحين نستعيد حقنا في السؤال عن معنى «نحن»، وعن هوية «هم»، وعن مصدر «الإرادة الشعبية»، نكون قد بدأنا في تفكيك الوهم الذي تحاول اللغة تحويله إلى حقيقة سياسية.

إذا كانت اللغة الشعبوية تبدأ من إعادة تنظيم الواقع داخل ثنائيات بسيطة، فإن قوتها الحقيقية لا تظهر عند مستوى القول، وإنما عند اللحظة التي تتحول فيها هذه الصياغات اللغوية إلى أنماط إدراك وسلوك وممارسة سياسية. فالكلمات لا تبقى معلقة في فضاء الخطاب؛ إذ يمكن للخطاب، حين تتوافر له سلطة الدولة والإعلام والمؤسسات، أن ينتقل من وصف الواقع إلى إعادة تشكيله().

وهنا تصبح اللغة جزءًا من صناعة الواقع السياسي نفسه، لأن ما يتكرر في الخطاب يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى ما يبدو للناس حقيقة مستقرة، وما يبدو حقيقة مستقرة يمكن أن يصبح أساسًا لسياسات وإجراءات ومواقف اجتماعية.

من هذا المنظور، لا ينبغي فهم الوهم السياسي باعتباره مجرد معلومات خاطئة أو أكاذيب متعمدة؛ فالوهم أكثر تعقيدًا من ذلك. إنه نظام من التمثيلات يجعل الإنسان يرى جانبًا من الواقع وكأنه الواقع كله؛ لهذا لا يحتاج الخطاب الشعبوي بالضرورة إلى اختلاق الوقائع أو إنكار الحقيقة كي يمارس تأثيره؛ فقد ينطلق من أحداث حقيقية، لكنه يعيد ترتيبها وانتقاءها وإدخالها في سردية مغلقة، بحيث لا تعود الوقائع تُقرأ بوصفها معطيات مفتوحة على أكثر من تفسير، وإنما تتحول كل واقعة، مهما اختلف سياقها، إلى شاهد يؤكد النتيجة التي سبق للخطاب أن قررها. ومن هنا لا تكمن المشكلة الأساسية في غياب الحقيقة، بل في احتكار طريقة تفسيرها وتوجيه معناها؛ إذ يصبح الخطر في أن يُحرم المتلقي من إمكان النظر إلى الواقعة من زوايا متعددة، وأن يُدفع إلى رؤية واحدة تبدو وكأنها النتيجة الطبيعية والوحيدة لما حدث. وهذا ما يجعل تحليل روث فوداك للخطاب اليميني الشعبوي بالغ الأهمية؛ فهي لا تتعامل مع الشعبوية باعتبارها مجرد أيديولوجيا أو برنامج سياسي، وإنما تنظر إليها بوصفها ممارسة خطابية تعمل من خلال اللغة والصور والاستعارات والحجج وإثارة الخوف، وبناء ثنائية حادة بين «نحن» و«هم»، بحيث تتحول الوقائع المتفرقة إلى عناصر داخل قصة سياسية متماسكة، ويغدو تفسير الحدث جزءًا من عملية صناعة الخوف والهوية والاستبعاد ().

أولًا: صناعة «نحن» وبناء الجماعة المتخيلة

تبدأ الشعبوية غالبًا من عملية لغوية تبدو بسيطة:

إنتاج ضمير الجمع. فالقائد يتحدث باسم «نحن»، لكنه لا يكتفي بوصف الجماعة، بل يقوم بتحديد حدودها. من هم الذين يدخلون في «نحن»؟ ومن الذين يبقون خارجه؟ وما الصفات التي تمنح هذه الجماعة نقاءها وأصالتها؟ هنا تتحول اللغة إلى عملية هندسة للهوية. وقد قدم إرنستو لاكلو تحليلًا بالغ الأهمية لهذه العملية؛ إذ يرى أن «الشعب» ليس معطى اجتماعيًا جاهزًا قبل الخطاب، وإنما يمكن أن يتشكل سياسيًا من خلال تجميع مطالب اجتماعية مختلفة داخل سلسلة من المطالب والمفردات المشتركة، إلى أن تظهر صورة جماعية قادرة على تقديم نفسها باعتبارها «الشعب»().

وبهذا المعنى، فإن الشعبوية لا تكتشف الشعب بقدر ما تبنيه خطابيًا. فالجماعة الواقعية متعددة: فيها العامل والموظف ورجل الأعمال والطالب والمثقف والفقير والغني، وفيها مصالح متعارضة وتصورات سياسية مختلفة. أما «الشعب» الذي ينتجه الخطاب الشعبوي فيبدو أكثر تجانسًا؛ إذ يجري اختزال هذه التعددية في صفات عامة مثل «البسطاء»، و«الشرفاء»، و«الوطنيين»، و«أبناء البلد». وكل من لا يدخل ضمن هذه الصفات يمكن دفعه تدريجيًا إلى موقع «الآخر». وبذلك يصبح الانتماء إلى الشعب ليس مجرد انتماء اجتماعي، بل موقفًا أخلاقيًا؛ فالشخص الذي يؤيد القائد ليس فقط مؤيدًا سياسيًا، بل يصبح «وطنيًا» أو «شريفًا» أو «ابن الشعب»، بينما يتحول المعارض إلى «خائن» أو «فاسد» أو «تابع».

وهذه النقلة من الاختلاف السياسي إلى الحكم الأخلاقي هي إحدى أخطر آليات الشعبوية؛ لأنها تجعل النقاش السياسي مستحيلًا تقريبًا، إذ كيف يمكن الحوار مع من جرى تعريفه ابتداءً بوصفه شرًا؟ وتبدو هذه الآلية بصورة فجة ومضحكة أحيانًا في خطاب دونالد ترامب؛ فهو لا يتحدث إلى الأمريكيين باعتبارهم مجتمعًا معقدًا متعدد المصالح، وإنما يميل إلى تقسيمهم إلى «الأمريكيين الحقيقيين» من جهة، وإلى أولئك الذين يهددونهم أو يخدعونهم أو يقفون ضدهم من جهة أخرى.

وفي خطاباته الانتخابية كثيرًا ما يتحول «الشعب» إلى جمهور حاضر أمامه في القاعة: «أنتم» الذين لم تفهمكم النخب، و«أنتم» الذين سرقت الوظائف منكم، و«أنتم» الذين لا يسمعكم الإعلام.

وفي المقابل يوجد السياسيون، ووسائل الإعلام، والمهاجرون، والمؤسسات، والمنافسون الديمقراطيون، و«النظام»؛ أي ذلك الكائن الضخم الغامض الذي يبدو وكأنه مسؤول عن كل شيء سيئ تقريبًا.

وفي خطاب قبوله ترشيح الحزب الجمهوري عام 2016 بلغ هذا البناء ذروته حين قال ترامب: «أنا وحدي أستطيع إصلاح الأمر» (I alone can fix it)، بعد أن قدم نفسه باعتباره الشخص الذي يعرف النظام من الداخل والقادر على إصلاح نظام «مزور» ضد المواطنين().

هنا تحدث مفارقة شعبوية شديدة الطرافة:

يبدأ الخطاب بالدفاع عن الشعب ضد الفرد المتسلط، ثم ينتهي إلى القول إن خلاص الشعب يتوقف على فرد واحد فقط! كأن الديمقراطية اكتشفت فجأة أن أفضل طريقة لاستعادة سلطة الشعب هي أن يسلم الشعب مفاتيحه لشخص واحد. وهذه ليست مجرد عبارة انتخابية عابرة؛ إنها تكشف عن انتقال مهم من «نحن الشعب» إلى «أنا ممثل الشعب»، ثم من «أنا ممثل الشعب» إلى «أنا وحدي قادر على إنقاذ الشعب».

وبذلك يتقلص المجتمع كله تدريجيًا حتى يصبح القائد هو الناطق باسمه، ثم يصبح الاعتراض على القائد اعتراضًا على الشعب نفسه. وتظهر الآلية بصورة أكثر وضوحًا في موقف ترامب من الإعلام. ففي عام 2017 وصف وسائل إعلام كبرى بأنها «عدو الشعب الأمريكي»، وربطها بما سماه «الأخبار الكاذبة»() وهنا يحدث شيء شديد الدلالة: الصحفي الذي يختلف مع الرئيس لا يعود مجرد صحفي مخطئ، والمؤسسة الإعلامية التي تنتقد السلطة لا تعود مؤسسة يمكن مناقشة حججها، وإنما يجري نقلها مباشرة إلى خانة «عدو الشعب».

فجأة يصبح المشهد بسيطًا جدًا: الشعب هنا، والإعلام هناك؛ والشخص الذي يصفق للرئيس هو «الشعب»، ومن ينتقده يمكن أن يصبح، بلمسة لغوية واحدة، عدوًا للشعب. وقد كرر ترامب هذه الثنائية بصورة صريحة في مؤتمراته الصحفية، إذ قال عن CNN وغيرها إن من ينشر «الأخبار الكاذبة» هو «عدو الشعب»() والمفارقة الساخرة هنا أن الإعلام، الذي يفترض أن يكون وظيفة أساسية في مراقبة السلطة، يتحول في الخطاب الشعبوي إلى متهم بالعمالة ضد الشعب لمجرد أنه يمارس وظيفته في مساءلة السلطة.

وبذلك يصبح السؤال الصحفي فعلًا عدائيًا، وتصبح الإجابة التي لا تعجب الرئيس «أخبارًا كاذبة»، ثم تصبح «الأخبار الكاذبة» جزءًا من مؤامرة، ثم يصبح أصحاب المؤامرة أعداء للشعب. إنها سلسلة لغوية تستطيع أن تبدأ بسؤال صحفي وتنتهي بالخيانة الوطنية.

أما في قضية الهجرة، فتظهر صناعة «نحن» و«هم» بصورة أكثر خشونة. ففي خطاباته الانتخابية والرئاسية، لم يكتف ترامب بالحديث عن الهجرة بوصفها قضية قانونية أو اقتصادية، بل ربطها مرارًا بالجريمة والمخدرات والعصابات، وقدم حماية الحدود بوصفها دفاعًا عن «الناس في بلدنا».()

وفي أحد خطاباته وصف أعضاء عصابة MS-13 بأنهم «حيوانات»، بعد أن انتقد خصومه الذين قالوا إن عليهم أن يُعاملوا بوصفهم بشرًا ().هنا نصل إلى أقصى درجات اللغة الشعبوية: لا يعود الآخر منافسًا سياسيًا، ولا حتى مهاجرًا مخالفًا للقانون، وإنما يجري دفعه خارج الحدود الرمزية للإنسانية نفسها. والأكثر طرافة وفجاجة أن الخطاب الشعبوي يختزل قضايا معقدة كالهجرة والاقتصاد والجريمة والحدود في معادلة انتخابية صبيانية: نحن = الأمريكيون الطيبون، هم = المهاجرون المجرمون، الحل = الجدار، والمنقذ = أنا.

وهكذا تحول شعار «ابنوا الجدار!» إلى علامة سياسية؛ فالجدار لم يعد حاجزًا حدوديًا، بل صار تجسيدًا ماديًا للفاصل بين «نحن» و«هم». وهنا تتضح فكرة لاكلو: الشعب ليس وحدة جاهزة، بل يُنتج خطابيًا من خلال جمع مطالب ومخاوف متفرقة داخل هوية واحدة. وبذلك يتحول الانتماء إلى الشعب إلى اختبار أخلاقي للولاء: المؤيد «وطني»، والمعارض قد يصبح «خائنًا». إنها صناعة «نحن» عبر اختراع «هم».

ثانيًا: صناعة الآخر بوصفه شرطًا لصناعة الذات

لا تستطيع «نحن» الشعبوية أن توجد دون «هم». ولذلك فإن بناء الآخر ليس نتيجة جانبية للخطاب، بل شرط من شروطه. فالآخر قد يكون النخبة، أو المعارضة، أو الإعلام، أو المثقفين، أو الأقليات، أو القوى الخارجية، أو حتى مؤسسات الدولة نفسها. ويتغير هذا الآخر بحسب الحاجة السياسية، لكن وظيفته تبقى واحدة: تفسير الأزمة وتوحيد الجماعة.

وهنا تتقاطع الشعبوية مع ما يسميه بيير بورديو السلطة الرمزية؛ فالقدرة على تسمية الأشياء ليست قدرة لغوية محايدة، وإنما هي قدرة على فرض طريقة معينة في رؤيتها. عندما تنجح السلطة في وصف مجموعة ما بأنها «فاسدة» أو «خائنة» أو «مهددة للأمن»، فإنها لا تقدم وصفًا فقط، وإنما تضع هذه المجموعة داخل موقع اجتماعي وسياسي محدد() .

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين اللغة والاستبعاد. فالمجموعة التي توصف باستمرار بأنها خطر تبدأ في الظهور في الوعي العام باعتبارها خطرًا بالفعل، حتى قبل تقديم أدلة كافية على ذلك. ويصبح السؤال عن حقيقة الاتهام أقل أهمية من تكراره؛ لأن التكرار نفسه ينتج الألفة، والألفة تنتج التصديق.

وتقدم خطابات دونالد ترامب مثالًا واضحًا على هذه الآلية. فالآخر عنده ليس ثابتًا، بل يتغير بحسب الأزمة: المهاجر عندما تكون القضية الهجرة، والصين عندما تكون القضية الاقتصاد، والإعلام عندما يكون النقد السياسي، والديمقراطيون عندما تكون المعارضة، و«الدولة العميقة» عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات، والمؤسسة الانتخابية عندما تصبح شرعية الانتخابات موضع نزاع. العدو يتبدل، لكن وظيفته لا تتبدل. ولعل شعار «ابنوا الجدار!» يلخص هذه العملية بأوضح صورها.

فقد جعل ترامب من الحدود المكسيكية مسرحًا رمزيًا يفصل بين «نحن» و«هم». لم يعد الجدار مجرد مشروع هندسي لمعالجة الهجرة، بل أصبح علامة سياسية تختصر معادلة كاملة: نحن في الداخل، وهم في الخارج؛ نحن الأمن، وهم الخطر؛ نحن الوطن، وهم التهديد. وبذلك بُني الجدار في المخيلة قبل أن يُبنى على الأرض. والأكثر فجاجة أن قضية معقدة مثل الهجرة، بما تتضمنه من اقتصاد وقانون وسوق عمل وأمن وديموغرافيا، اختُزلت في صورة واحدة: (مهاجر ، جريمة ، حدود مفتوحة ، جدار ، قائد قادر على إغلاق الباب).

وبذلك تتحول السياسة من تحليل مشكلة إلى إنتاج عدو. ويتكرر الأمر مع الإعلام. فقد استخدم ترامب تعبير «Fake News» ضد وسائل إعلام اعتبرها منحازة، ووصف الصحافة في إحدى المناسبات بأنها «عدو الشعب». هنا ينتقل الخلاف من مستوى الأفكار إلى مستوى الولاء: الصحفي الذي يخطئ يمكن مناقشته، أما الصحفي الذي يصبح «عدوًا للشعب» فيُدفع إلى خارج المجال الأخلاقي للجماعة.

والسخرية أن الإعلام حين ينقل هجوم الرئيس عليه قد يساهم، من حيث لا يريد، في توسيع انتشار العبارة نفسها: ( ترامب يهاجم الإعلام ، الإعلام ينقل الهجوم ، الجمهور يناقش الهجوم ، العبارة تنتشر ، يصبح الإعلام، في رواية ترامب، أكثر حضورًا بوصفه خصمًا). أما استعارة «المستنقع» (the swamp)، فتختزل تعقيد واشنطن ومؤسساتها وبيروقراطيتها ومصالحها في صورة واحدة: هناك «مستنقع» فاسد، وهناك قائد يأتي لتجفيفه.

إنها استعارة سياسية جذابة لأنها تمنح الجمهور تفسيرًا بسيطًا لعالم شديد التعقيد: المشكلة ليست في شبكة المؤسسات والمصالح؛ المشكلة أن هناك مستنقعًا، والحل أن يأتي شخص ليجففه. ثم يتسع «هم» ليشمل ما يسمى «الدولة العميقة»؛ أي مؤسسات أو مسؤولين يُقدَّمون بوصفهم يعملون ضد إرادة الرئيس والشعب.

وهنا تبلغ صناعة الآخر مرحلة أكثر خطورة: المؤسسة التي يفترض أن تراقب السلطة تصبح، في الخطاب، جزءًا من المؤامرة على الشعب. وبعد انتخابات 2020 ظهرت الآلية بصورة أشد حدة مع رواية «الانتخابات المسروقة». فالخصم لم يعد مجرد حزب منافس، بل أصبحت مؤسسات انتخابية وإعلامية وقضائية، وأحيانًا جمهوريون رفضوا الادعاءات، جزءًا من سردية أوسع عن سرقة إرادة الشعب.

وهنا يتحول الخلاف السياسي إلى صراع على تعريف الحقيقة نفسها: إذا كانت النتيجة لا توافق «الشعب»، فربما يكون «الشعب» قد سُرق؛ وإذا كان القضاء يرفض الرواية، يصبح القضاء جزءًا من المشكلة. وبذلك يتحرك «الآخر» باستمرار:( المهاجر ، النخبة ، الإعلام ، الديمقراطيون ، الدولة العميقة ، المؤسسات ، القضاة ، الخصوم داخل الجماعة نفسها ) ؛ لكن الثابت ليس العدو، وإنما وظيفته السياسية.

فهو يقدم تفسيرًا مبسطًا للأزمة، ويمنح الجماعة شعورًا بالتهديد، ويجعلها أكثر تماسكًا، ثم يمنح القائد مبررًا للظهور بوصفه حاميها. وهنا تتضح صلة ذلك ببورديو: السلطة الرمزية تبلغ قوتها عندما يتوقف الناس عن رؤية التصنيف بوصفه تصنيفًا. فإذا تكررت كلمة «غزو»، لم يعد المتلقي يتخيل أفرادًا يعبرون الحدود، بل يتخيل جيشًا يهاجم البلاد. وإذا تكررت «عدو الشعب»، لم يعد الصحفي مجرد خصم سياسي، بل أصبح تهديدًا. وإذا تكررت «الانتخابات المسروقة»، يتحول السؤال من «هل سُرقت؟» إلى «كيف سُرقت؟». وهنا تصل اللغة إلى أخطر مراحلها: لا تعود تصنع الإجابات، بل تصنع الأسئلة التي ينبغي طرحها.

وبذلك يمكن اختصار صناعة الآخر في معادلة الشعبوية: اصنع أزمة، سمِّ لها عدوًا، كرر الاسم، حوّل العدو إلى خطر، اجعل الخطر مبررًا للوحدة، ثم قدم نفسك بوصفك حامي الجماعة.

فإن الشعبوية لا تقول فقط: «أنا مع الشعب»، بل تقول ضمنيًا: «أنا أعرف من هو الشعب، وأعرف من يقف ضده». وعند هذه النقطة يصبح «نحن» أكثر من ضمير جمع؛ إنه حد سياسي وأخلاقي: من يدخل داخله يصبح وطنيًا، ومن يُدفع خارجه يمكن أن يصبح خائنًا أو فاسدًا أو عدوًا.

وبذلك تصنع الشعبوية الذات والآخر في اللحظة نفسها: تصنع «نحن» لأنها تحتاج إلى «هم»، وتصنع «هم» لكي يبدو «نحن» أكثر نقاءً وتماسكًا. ومن هنا لا تكون صناعة الآخر مجرد وسيلة لتشويه الخصم، بل تقنية لإنتاج الجماعة نفسها. فالشعبوية لا تكتشف العدو؛ إنها تحتاج إليه لكي تكتشف ذاتها.

ثالثًا: خطاب الأزمة الدائمة

تحتاج الشعبوية إلى الأزمة كما تحتاج إلى العدو؛ لأن القائد لا يستطيع تقديم نفسه بوصفه المنقذ إلا إذا كان هناك خطر يحتاج إلى إنقاذ. ولذلك تُنتج اللغة الشعبوية شعورًا مستمرًا بأن المجتمع يعيش على حافة الانهيار: الأمن مهدد، الاقتصاد مهدد، الهوية مهددة، الدولة مهددة، المستقبل مهدد.

ولا يعني ذلك أن الأزمات التي يتحدث عنها الخطاب غير حقيقية؛ فقد تكون هناك أزمات فعلية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الأزمة من حالة تاريخية قابلة للتحليل والمعالجة إلى حالة دائمة تستمد منها السلطة شرعيتها. عندها لا يعود المطلوب حل الأزمة، لأن استمرار الشعور بها يصبح جزءًا من وظيفة الخطاب.

وهنا تظهر مفارقة مهمة: الخطاب الذي يعد بالخلاص من الأزمة قد يحتاج إلى استمرار الشعور بالأزمة حتى يستمر تأثيره. ولذلك يمكن أن تتحول السياسة من البحث عن حلول إلى إدارة دائمة للخوف. وقد درست روث فوداك هذه الآلية في سياق «سياسات الخوف»، موضحة كيف تستخدم الخطابات الشعبوية التهديدات المتخيلة أو المبالغ فيها لبناء حدود صارمة بين الجماعة والآخر().

يقدم دونالد ترامب نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته «سياسة الأزمة الدائمة»؛ إذ لا تظهر أمريكا في خطابه بوصفها دولة تواجه مشكلات قابلة للمعالجة، بل بوصفها بلدًا «يخسر» باستمرار ويُنهب ويُهان ويُهدَّد. ففي خطاب ترشحه عام 2015 قال إن البلاد «في حالة يرثى لها» وإنها لم تعد تحقق الانتصارات. ولذلك كان عليه، قبل أن يقدم نفسه بوصفه المنقذ، أن يقدم أمريكا بوصفها بلدًا مكسورًا يحتاج إلى الإنقاذ.

وتكمن الحيلة في تحويل المشكلات المتعددة إلى إحساس واحد شامل بالخطر: الصين تسرق الوظائف، المهاجرون يهددون الحدود، المدن تعاني الفوضى، الإعلام يكذب، واشنطن فاسدة، «الدولة العميقة» تتآمر، والانتخابات يمكن أن تكون «مسروقة».

وهنا لا تعود الأزمة حدثًا استثنائيًا، بل تصبح طريقة دائمة لرؤية الواقع. ولعل الهجرة المثال الأكثر وضوحًا. فقد انتقل ترامب من الحديث عن الهجرة غير النظامية إلى مفردات أكثر درامية، مثل «الغزو»، وربط الحدود بالمخدرات والجريمة والعصابات، ثم قدم الجدار بوصفه الحل الأكثر وضوحًا.

ولذلك تحولت قضية قانونية واقتصادية وديموغرافية شديدة التعقيد إلى صورة سينمائية بسيطة: هناك غزو، وهناك حدود مهددة، وهناك جدار، وهناك رجل واحد سيعيد السيطرة. لقد أصبح الجدار في المخيلة السياسية أهم من تفاصيل سياسة الهجرة نفسها.

والأمر ذاته ظهر في حديثه عن المدن الأمريكية خلال احتجاجات 2020؛ إذ جرى تكثيف صور العنف والفوضى حتى أصبحت بعض المدن الديمقراطية تبدو في الخطاب كأنها على حافة الانهيار. هنا لا يعود السؤال: ما أسباب الجريمة؟ بل: هل الدولة قادرة على السيطرة أم لا؟ ولذلك تتحول السياسة من معالجة المشكلة إلى إدارة الخوف منها.

ثم جاءت جائحة كوفيد-19، وهي أزمة حقيقية لا تحتاج إلى اختراع. لكن الصراع انتقل سريعًا إلى سؤال: من المسؤول عن الأزمة؟ الصين، منظمة الصحة العالمية، الحكومات المحلية، الإعلام، الخصوم السياسيون... ولذلك أصبحت الأزمة الصحية أيضًا مجالًا لإنتاج خصوم سياسيين. أما انتخابات 2020 فكانت لحظة أكثر دلالة؛ إذ انتقل الخطاب من «أنا سأحل الأزمة» إلى «لقد حُرم الشعب من الحل». وأصبحت عبارة «الانتخابات المسروقة» إطارًا يفسر كل شيء: إذا رفض الإعلام الرواية فهو متواطئ، وإذا رفضها القضاء فهو منحاز، وإذا رفضها مسؤول انتخابي فهو جزء من المشكلة.

وهنا تصبح الأزمة شبه غير قابلة للتكذيب؛ لأن الدليل المخالف يمكن تحويله نفسه إلى دليل على المؤامرة. وهذه هي النقطة التي تلتقي فيها تجربة ترامب مع مفهوم روث فوداك عن «سياسات الخوف»: لا يشترط الخطاب الشعبوي أن يخترع الخطر، بل يكفي أن يجمع أخطارًا حقيقية ومتفرقة، ويضخمها، ويربطها في قصة واحدة، ثم يقدم نفسه بوصفه الشخص القادر على إنقاذ الجماعة().

يمكن اختصار هذه الآلية في معادلة تكاد تكون كاريكاتورية:( أمريكا في خطر ، هناك عدو ، أنا أعرفه ، الآخرون عاجزون أو متواطئون ، أعطوني السلطة ، سأحل الأزمة )، ما زالت الأزمة قائمة ؛ لأن الأعداء ما زالوا موجودين. وهنا تكمن المفارقة: القائد يحتاج إلى الأزمة بقدر حاجته إلى الوعد بحلها؛ فاختفاء الخطر الكامل يقلل الحاجة إلى المنقذ. لذلك يمكن أن يتحول الخوف إلى رأسمال سياسي: كلما بدا البيت مهددًا بالحريق، ازداد استعداد الناس للاستماع إلى رجل الإطفاء، حتى لو ظل هذا الرجل يصرخ طوال الوقت: «النار! النار!» وبذلك لا تعود الأزمة مجرد ظرف تستثمره الشعبوية، بل تتحول إلى بنية لإنتاج الخوف، وتفسير الفشل، وصناعة الخصوم، وإعادة شحن الولاء للقائد. إنها لا تحتاج إلى أن يكون الخطر حاضرًا دائمًا؛ يكفي أن يبقى حاضرًا في المخيلة

رابعًا: العاطفة بدل الحجة

لا تعمل الشعبوية بالعقل وحده، ولا بالعاطفة وحدها، وإنما تقوم على إعادة ترتيب العلاقة بينهما. فهي لا تمنع الجمهور من التفكير، لكنها تقدم له إطارًا عاطفيًا يسبق التفكير ويحدد مساره. الخوف يجعل بعض المعلومات أكثر إقناعًا، والغضب يجعل بعض التفسيرات أكثر قبولًا، والحنين يجعل الماضي يبدو أفضل مما كان، والأمل يجعل الوعود المستقبلية تبدو أقرب إلى الواقع.

ولهذا فإن الخطاب الشعبوي يكثر من المفردات التي تثير المشاعر: (الخيانة، الكرامة، المجد، المؤامرة، الخطر، الإنقاذ، الثورة، الشعب، الفساد، الأعداء). وهذه الكلمات لا تحمل معاني وصفية فقط، وإنما تحمل شحنة وجدانية تجعل المتلقي يتخذ موقفًا قبل أن يفحص الحجة.

إن المشكلة هنا ليست في حضور العاطفة في السياسة؛ فالعاطفة عنصر لا يمكن إلغاؤه من الحياة العامة. وإنما المشكلة حين تصبح العاطفة بديلًا عن البرهان، وحين يتحول الغضب إلى معيار للحقيقة، ويصبح حجم الاستجابة الانفعالية معيارًا لصحة الفكرة.

ويقدم ترامب مثالًا واضحًا على هذه الآلية. ففي قضية التجارة مثلًا، بدل الدخول في تعقيدات التعريفات الجمركية وسلاسل الإمداد وسوق العمل، تختصر الرسالة في عبارة من قبيل «الصين تسرق منا». فجأة تتحول التجارة الدولية إلى صورة كاريكاتورية: لصّ أجنبي يدخل البيت الأمريكي ويخرج حاملًا الوظائف في كيس! وفي الهجرة، تتحول قضية قانونية واقتصادية معقدة إلى سلسلة عاطفية قصيرة: (مهاجرون، مخدرات، جريمة، غزو، جدار).

أما شعار «Make America Great Again» فيعمل على العاطفة لا على التعريف. فهو لا يحدد: متى كانت أمريكا عظيمة؟ ولمن؟ وبأي معيار؟ لكنه يستدعي إحساسًا بمجد ضائع. وهنا يصبح الماضي الغامض أكثر فائدة سياسيًا من الماضي التاريخي؛ لأن الماضي الحقيقي مليء بالتناقضات، بينما الماضي الشعبوي صورة منتقاة لا تظهر فيها إلا الأشياء التي تصلح للحنين.

والأمر نفسه في «America First»: من السهل أن يتعاطف الجمهور مع فكرة أن تكون بلاده «أولًا»، لكن السؤال السياسي الحقيقي ــ أولًا في ماذا؟ وبأي ثمن؟ وعلى حساب من؟ ــ يختفي خلف الشحنة العاطفية للشعار. وتؤدي الاستعارات الوظيفة نفسها. فـ «Drain the Swamp» تحول التعقيدات المؤسسية في واشنطن إلى «مستنقع» يمكن تخيله فورًا، و«Fake News» تختصر نقاشًا معرفيًا كاملًا في حكم مسبق: (لا تقرأ، لا تفحص، لا تقارن؛ هذا خبر كاذب).

ولذلك تصبح العبارة ليست حجة، لكنها تؤدي وظيفة الحجة قبل أن تبدأ المناقشة. حتى الهتاف الجماهيري «Build the Wall!» يكشف انتقال السياسة من البرهان إلى الطقس العاطفي: القائد يطلق الشعار، الجمهور يردده، فينشأ شعور بالوحدة والانتماء. لم يعد المواطن يناقش سياسة الحدود؛ أصبح يهتف لهويته. وهنا تتجمع الآلية في ثلاثية شديدة البساطة: الخوف: «هناك غزو» ، نحن مهددون. الغضب: «لقد سرقوا بلدكم» ، هناك عدو يجب معاقبته. الحنين: «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» ، هناك مجد ضائع.

ثم يأتي الأمل: «أنا سأعيده». وهذه هي النقطة الأخطر: قد تتحول الاستجابة الانفعالية نفسها إلى دليل على صحة الفكرة. إذا خفتَ، فلا بد أن الخطر حقيقي؛ وإذا غضبتَ، فلا بد أن الاتهام صحيح؛ وإذا شعرت بالفخر، فلا بد أن السياسة صائبة. وهنا ينقلب المنطق: بدل أن يكون الشعور نتيجة المعرفة، يصبح بديلًا عنها. لذلك فالمشكلة ليست في أن السياسة تستخدم العاطفة؛ فالديمقراطية تحتاج إلى مواطن يشعر بقدر ما يفكر.

المشكلة حين تصبح العاطفة وسيلة لإلغاء السؤال قبل البحث عن الجواب. فحق المواطن أن يخاف، لكن الخوف ليس دليلًا؛ ومن حقه أن يغضب، لكن الغضب ليس برهانًا؛ ومن حقه أن يحن إلى الماضي، لكن الحنين ليس تاريخًا. وهنا يمكن صياغة جوهر التقنية الشعبوية: لا تطلب من الجمهور أن يقتنع أولًا؛ اجعله يشعر أولًا، ثم سيبحث لاحقًا عما يبرر شعوره.

عند هذه النقطة تتحول السياسة إلى مسرح: القائد يطلق العبارة، والجمهور يطلق الهتاف، والهتاف يصنع الانتماء، والانتماء يحمي الرواية من النقد. ولذلك فإن الشعبوية لا تقول للجمهور: «صدّق لأن لديّ دليلًا»، بل تقول بصورة أكثر براعة: «صدّق لأنك تشعر». وهنا يصبح الخوف حقيقة، والغضب حجة، والحنين تاريخًا، والوعد إنجازًا؛ لا لأن الواقع تغير، بل لأن اللغة نجحت في تغيير الطريقة التي يُستقبل بها الواقع.

خامسًا: الرئيس بوصفه «علامة سياسية»

عندما تتكرر اللغة الشعبوية حول الرئيس، فإن الشخص يتحول تدريجيًا إلى علامة سياسية. لم يعد الرئيس فردًا له قرارات يمكن تقييمها، وإنما يصبح رمزًا لمعانٍ مثل القوة أو الكرامة أو الوطنية أو الاستقرار. وهنا يتحول نقد الرئيس إلى نقد للمعنى الذي يحمله، فيصبح الدفاع عنه دفاعًا عن «الوطن» أو «الشعب» أو «الكرامة».

وهذه هي إحدى أخطر صور الميثولوجيا السياسية التي يمكن قراءتها في ضوء بارت؛ إذ تتحول العلامة التاريخية إلى معنى يبدو طبيعيًا. فلا يعود السؤال: «ماذا فعل الرئيس؟»، بل يصبح السؤال: «هل أنت مع الوطن أم ضده؟». وبذلك ينتقل النقاش من مستوى الأداء السياسي إلى مستوى الولاء الرمزي.

إن هذه العملية تكشف كيف يمكن للغة أن تُشخصن الدولة. فبدل أن تكون الدولة مجموعة مؤسسات وقوانين، تصبح صورة شخص واحد. وبدل أن يكون نقد الحاكم جزءًا من الحياة الديمقراطية، يصبح نقده اعتداءً على الدولة نفسها. وهنا تصل اللغة الشعبوية إلى أخطر نتائجها: إلغاء المسافة بين الشخص والمؤسسة.

ويقدم دونالد ترامب نموذجًا واضحًا لذلك. فاسمه لم يعد عند مؤيديه مجرد اسم مرشح أو رئيس، بل أصبح اختصارًا لعالم سياسي كامل: القوة، أمريكا أولًا، مواجهة النخب، رفض الإعلام التقليدي، التشدد في الهجرة، والحنين إلى «عظمة» أمريكية مفقودة.

وهنا تصبح الشخصية نفسها حاملة للبرنامج. يظهر ذلك بوضوح في شعار MAGA والقبعة الحمراء. فالقبعة قطعة قماش، لكن ظهورها في تجمع سياسي يستدعي فورًا شبكة كاملة من المواقف والانتماءات. إنها لا تقول: «أنا أؤيد هذه السياسة تحديدًا»، بل تقول: «أنا من هذه الجماعة». وهنا تتحول العلامة السياسية إلى هوية اجتماعية. والأمر نفسه ينطبق على شعار «Make America Great Again». فهو لا يقدم تعريفًا دقيقًا للعظمة ولا يحدد متى كانت أمريكا عظيمة، بل يستدعي إحساسًا بماضٍ مجيد ضائع، ويضع ترامب ضمنيًا في موقع الشخص القادر على استعادته.

فالشعار لا يقدم برنامجًا بقدر ما يصنع صورة للمنقذ. أما عبارة «I alone can fix it»، التي قالها ترامب في مؤتمر الحزب الجمهوري عام 2016، فتكشف انتقالًا أكثر وضوحًا من المؤسسة إلى الشخص: «أنا وحدي أستطيع إصلاح الأمر». هنا لا يعود الحل مؤسسة أو سياسة أو فريقًا؛ يصبح الحل هو «أنا». وهذه هي الشخصية الشعبوية في أنقى صورها: القائد لا يمثل المشروع فقط، بل يصبح المشروع نفسه. وقد بلغت هذه الشخصنة كثافة رمزية استثنائية بعد محاولة اغتيال ترامب في يوليو 2024، حين انتشرت صورة قبضته المرفوعة وهو ينزف، وأصبحت لدى أنصاره رمزًا للصمود والتحدي. الواقعة تاريخية وحقيقية، لكن تحويلها إلى صورة للرجل «الذي لا يسقط» ينقلها من التاريخ إلى الأسطورة. وهذا بالضبط ما يفسر أهمية بارت: الميثولوجيا لا تحتاج إلى اختراع الواقعة؛ يكفي أن تمنحها معنى يتجاوزها، ثم تجعل هذا المعنى يبدو طبيعيًا. وهنا تظهر وظيفة العلامة: اختصار عالم سياسي كامل في صورة أو اسم أو شعار. ترامب، القبعة، القبضة المرفوعة، MAGA، «America First»؛ كلها علامات تستطيع أن تستدعي شبكة من المعاني دون الحاجة إلى شرحها. والخطر يبدأ حين يصبح الولاء للعلامة أقوى من تقييم الأداء. فإذا فشل الرئيس، يمكن تفسير الفشل بأنه نتيجة عرقلة المؤسسات؛ وإذا خسر، فالخسارة قد تصبح «خيانة»؛ وإذا هاجمته مؤسسة، تصبح المؤسسة جزءًا من المشكلة.

ولذلك تتحول العلامة إلى بنية شبه محصنة ضد النقد، لأن الوقائع نفسها يعاد تفسيرها لحماية الصورة. وهنا يحدث انقلاب ديمقراطي دقيق: ( الرئيس يمثل الدولة ، ثم يصبح رمزًا للدولة ، ثم يصبح الدفاع عن الدولة دفاعًا عنه ، ثم يصبح نقده اعتداءً على الدولة). وعند هذه النقطة يصبح السؤال الأخطر ليس: هل الرئيس على حق؟ بل: هل أنت معه أم ضدّه؟ ذلك أن السؤال الأول يطلب تقييم سياسة، أما الثاني فيطلب تحديد هوية.

وحين تنتصر الهوية على التقييم، يصبح المواطن مستعدًا للدفاع عن الشخص بسبب ما أصبح يعنيه، لا بسبب ما فعله. ومن هنا يمكن تلخيص الميثولوجيا السياسية في عبارة واحدة: حين يتحول الرئيس إلى علامة، لا يعود الناس يدافعون عن الرجل بسبب أفعاله؛ بل قد يدافعون عن أفعاله بسبب ما أصبح الرجل يعنيه. وهنا تختفي المسافة الضرورية بين الحاكم والوطن، والرمز والواقع، والشخص والمؤسسة. ولذلك ينبغي أن يستعيد النقد سؤاله البسيط والمقاوم للأسطورة: ماذا فعل الرئيس؟ لا: ماذا يعني الرئيس بالنسبة إلينا؟ فالأول سؤال سياسي قابل للمحاسبة، أما الثاني فقد يكون بداية الميثولوجيا.

سادسًا: من السلطة الرمزية إلى السلطة المادية

لا تظل هذه التحولات في المجال الرمزي. فعندما ينجح خطاب معين في إنتاج تصور اجتماعي مستقر، يمكن أن يتحول إلى سياسة. فإذا جرى تصوير جماعة باعتبارها خطرًا، قد تصبح مراقبتها أو إقصاؤها مقبولًا. وإذا جرى تصوير المعارضة بوصفها خيانة، يمكن تقييد مجالها السياسي. وإذا جرى تصوير المؤسسات باعتبارها عائقًا أمام «إرادة الشعب»، يصبح إضعافها فعلًا يبدو ضروريًا.

وهنا يمكن الاستفادة من تحليل بورديو للسلطة الرمزية؛ فالسلطة الرمزية تكون أكثر فعالية حين لا يشعر الخاضعون لها بأنهم خاضعون، بل يتعاملون مع التصنيف الذي تفرضه السلطة باعتباره وصفًا طبيعيًا للواقع(). وهذا هو جوهر الوهم السياسي: أن تُمارس السلطة دون أن تُرى بوصفها سلطة.

إن اللغة، في هذه الحالة، لا تقنع الناس فقط بقبول السلطة، وإنما تساعدهم على إعادة إنتاجها بأنفسهم. فالفرد الذي يكرر مفردات السلطة، ويصف خصومها بالأوصاف نفسها، ويساهم في نشر ثنائياتها، يتحول من متلقٍ للخطاب إلى حامل له. وهنا تنتقل الشعبوية من خطاب يصدر عن الرئيس إلى بنية خطابية موزعة في المجتمع. ()

تقدم تجربة دونالد ترامب مثالًا واضحًا على اللحظة التي تنتقل فيها اللغة من "إنتاج المعنى إلى إنتاج الفعل". فشعارات مثل :«ابنوا الجدار»، و«أمريكا أولًا»، و«جففوا المستنقع»، و«أوقفوا الهجرة غير الشرعية» لم تبقَ في فضاء الحملة الانتخابية؛ فعندما وصل صاحبها إلى السلطة، دخلت المؤسسات والميزانيات والأجهزة التنفيذية في عملية تحويلها إلى سياسات.

خذ " الجدار" مثلًا. بدأ بوصفه صورة سياسية تختصر الحدود بين «نحن» و«هم»، ثم صار وعدًا انتخابيًا، ثم سياسة حدودية، ثم أعمالًا مادية لبناء واستبدال قطاعات من الحواجز الحدودية.

وبذلك يمكن رسم المسار: (الكلمة ، الصورة ، الشعار ، القرار ، المادة." ، والأكثر دلالة هو خطاب الهجرة. فعندما يُعاد تعريف المهاجر غير النظامي بوصفه «خطرًا» أو «غزوًا»، يتغير السؤال من: ما السياسة الأنسب لمعالجة الهجرة؟ إلى: كيف نواجه هذا الخطر؟ وهنا تعمل السلطة الرمزية بالطريقة التي يصفها بورديو: لا تفرض النتيجة مباشرة، وإنما تجعل بعض النتائج تبدو طبيعية بعد تغيير اسم المشكلة. وقد ظهر ذلك بوضوح في سياسة «عدم التسامح» (Zero Tolerance) عام 2018، التي ارتبط تطبيقها بفصل أطفال عن ذويهم في سياق إنفاذ قوانين الهجرة.

هنا يصبح المثال بالغ القسوة: التصنيف اللغوي «تهديد» يمكن أن ينتهي إلى إجراء إداري يمس حياة أسرة حقيقية. والأمر نفسه ينطبق على استعارة «المستنقع». فما كان في الحملة صورة ساخرة عن النخبة السياسية والبيروقراطية أصبح، بعد الوصول إلى الحكم، إطارًا لتفسير الصراع مع مؤسسات وموظفين وإعلاميين ومسؤولين.

وذلك تتحول الاستعارة إلى منطق للحكم: إذا كانت المؤسسة «مستنقعًا»، فإن مقاومة قواعدها وأعرافها يمكن تقديمها باعتبارها «تنظيفًا». لكن السلطة المادية لا تمر دائمًا عبر أجهزة الدولة؛ فقد تمر عبر الجمهور نفسه. عندما تتكرر عبارة «Fake News»، أو «الدولة العميقة»، أو «الانتخابات المسروقة»، يبدأ أنصار القائد في إعادة إنتاجها دون حاجة إلى توجيه مباشر.

هنا تصبح اللغة ملكًا للجمهور، ويصبح المواطن حاملًا للخطاب وموزعًا له. وتظهر هذه العملية بوضوح في "MAGA"؛ فقد خرج الشعار من المنصة إلى القبعة والقميص والسيارة والمنشور الرقمي. أصبحت القبعة الحمراء تقول سياسيًا ما كان يحتاج إلى فقرة كاملة لشرحه. العلامة حملت الرسالة، والمواطن حمل العلامة. أما المثال الأكثر درامية فجاء بعد انتخابات 2020. فقد تحولت رواية «الانتخابات المسروقة» من خطاب سياسي إلى اعتقاد لدى قطاعات من الجمهور، ثم ارتبطت بتعبئة جماهيرية انتهت إلى اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021. ولا يمكن اختزال الحدث كله في خطاب ترامب وحده، لكن المثال يكشف بوضوح كيف يمكن لفكرة رمزية حول «سرقة إرادة الشعب» أن تنتقل إلى سلوك مادي في الشارع. وهنا تكتمل الدائرة التي تجمع بارت وبورديو والشعبوية: الاسم يغيّر المعنى، والمعنى يغيّر الإدراك، والإدراك يغيّر السلوك، والسلوك يعيد تشكيل الواقع.

وعند هذه النقطة لا تعود اللغة مجرد وسيلة لوصف السلطة؛ بل تصبح أحد أجهزتها. فحين يصبح المهاجر «غزوًا»، والإعلام «عدوًا»، والمؤسسة «مستنقعًا»، والانتخابات «مسروقة»، فإننا لا نغير الكلمات فقط؛ بل نعيد ترتيب المجال الذي ستتحرك فيه السياسة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد يبدأ القرار بكلمة، ثم يصبح الواقع دليلًا على صحة الكلمة التي بدأت بها العملية.

سابعًا: الإعلام وتكرار الوهم

تضاعفت قدرة الخطاب الشعبوي على الانتشار مع وسائل الإعلام الحديثة والمنصات الرقمية. فالكلمة السياسية لم تعد مرتبطة بالمؤتمر أو الخطاب الرسمي؛ إذ يمكن لعبارة قصيرة أو مقطع مقتطع أن ينتشر في دقائق، ويُعاد إنتاجه آلاف المرات خارج سياقه الأصلي. ()

وهنا يصبح التكرار عاملًا معرفيًا. فالمعلومة المتكررة تبدو مألوفة، والمألوف يميل إلى الظهور بمظهر الصحيح. لكن التكرار لا يجعل العبارة صحيحة من الناحية المنطقية؛ إنه يجعلها فقط أكثر حضورًا في الوعي.

وهذا ما يجعل البيئة الرقمية مناسبة بصورة خاصة للشعبوية؛ لأن الرسائل المختصرة والثنائية والانفعالية أكثر قدرة على الانتشار من التحليل المركب. فالجملة التي تقول «نحن ضدهم» أسهل تداولًا من تفسير طويل لأسباب الأزمة الاقتصادية، كما أن صورة القائد بوصفه «منقذًا» أكثر قابلية للانتشار من تقرير مؤسسي عن أداء الحكومة () .

وتجربة دونالد ترامب تكشف هذه المفارقة بوضوح؛ فقد استطاع أن يجعل حسابه على تويتر منصة سياسية مباشرة، يطلق منها موقفًا أو هجومًا أو اتهامًا، فتنتقل عبارته خلال دقائق إلى شاشات التلفزيون والصحف ومواقع الأخبار ومنصات التواصل.

وهنا نشأت مفارقة تستحق التأمل: الإعلام الذي كان يريد مراقبة الرئيس وجد نفسه أحيانًا يعمل على نشره. تغريدة مثيرة تصبح خبرًا عاجلًا، والخبر يتحول إلى نقاش، والنقاش إلى آلاف المشاركات، ثم يعود ترامب ليهاجم الإعلام لأنه «مهووس به». وهكذا يدخل الطرفان في دائرة يستفيد منها السياسي والمنصة معًا: الأول يحصل على الحضور، والثانية تحصل على التفاعل. المشكلة إذن ليست في أن الإعلام يكرر الكذب فقط، وإنما في أنه قد يمنح الخطاب قيمة سياسية بمجرد منحه الانتباه. فإذا أصبحت عبارة مثل «Fake News» أو «Stolen Election» موضوعًا دائمًا للنقاش، فقد نجح الخطاب في فرض نفسه على المجال العام حتى لو كان النقاش كله لتفنيده.

وهنا يظهر الفرق بين إثبات الفكرة وإنتاج حضورها. فالعبارة لا تحتاج دائمًا إلى أن تكون مقنعة لكي تكون مؤثرة؛ يكفي أن تصبح مألوفة. والتكرار لا يحول الكذب إلى حقيقة، لكنه يجعله جزءًا من الذاكرة السياسية اليومية. وبعد زمن قد لا يتذكر الناس تفاصيل الادعاء، لكنهم يتذكرون أنه كان حاضرًا بكثافة. وهذا ما يجعل الإعلام الرقمي بيئة ملائمة للشعبوية.

فالمحتوى الأكثر إثارة للغضب أو الخوف أو السخرية أسرع انتشارًا من التحليل المتزن. عبارة مثل «هم سرقوا وظائفكم» تختصر تاريخًا اقتصاديًا معقدًا، بينما يحتاج تفكيكها إلى صفحات من الشرح. ولذلك يمكن القول ساخرًا: الكذبة تحتاج إلى جملة، أما الحقيقة فتحتاج إلى حاشية. لكن المسؤولية لا تقع على الجمهور وحده. فهناك اقتصاد كامل للانتباه يكافئ ما يثير التفاعل، وتستفيد المنصات من المحتوى الذي يدفع الناس إلى التعليق والمشاركة. وهكذا يلتقي منطق الشعبوية مع منطق الخوارزمية: كلاهما يفضل الرسالة القصيرة، الصادمة، الثنائية، والمشحونة عاطفيًا. ومن هنا يصبح نقد الإعلام أكثر عمقًا من مجرد مطالبته بـ«تصحيح الأخبار». السؤال الأهم هو: لماذا سمح لخطاب معين بأن يحدد موضوع النقاش أصلًا؟ فالصحافة قد تفند «الانتخابات المسروقة»، لكنها حين تجعلها العنوان الأول لأيام متتالية تكون قد منحتها حياة سياسية لم تكن تمتلكها.

وهنا تلتقي فكرة بارت عن الأسطورة مع مفهوم بورديو للسلطة الرمزية: من يفرض الكلمات لا يفرض الإجابات فقط، بل يحدد المجال الذي تُطرح داخله الأسئلة. ولهذا فإن الخطر الأكبر في الشعبوية الرقمية ليس أن يصدق الناس كل ما يقوله السياسي، وإنما أن يبدأوا في التفكير داخل قاموسه.

فحين تصبح «الأخبار الكاذبة»، و«المستنقع»، و«الدولة العميقة»، و«الانتخابات المسروقة» مفردات يومية، يكون الخطاب قد حقق انتصارًا يتجاوز التصديق والرفض معًا: لقد أصبح جزءًا من اللغة التي يفكر بها المجتمع في واقعه. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد يهزم الإعلام فكرةً شعبوية بالحجة، لكنه قد يساعدها على الانتصار بالاهتمام. ثامنًا: حين يصبح الوهم حقيقة اجتماعية

تبلغ اللغة الشعبوية ذروة قوتها عندما يتحول ما كان في البداية تمثيلًا لغويًا إلى واقع اجتماعي. فإذا تكرر أن هناك «عدوًا داخليًا»، بدأ المجتمع في البحث عنه. وإذا تكرر أن هناك «مؤامرة»، أصبح كل حدث دليلًا عليها. وإذا تكرر أن القائد وحده قادر على الإنقاذ، أصبح ضعف المؤسسات دليلًا إضافيًا على ضرورة وجوده.

وهنا تعمل اللغة بطريقة دائرية: الخطاب ينتج الاعتقاد، والاعتقاد ينتج السلوك، والسلوك ينتج الوقائع التي تؤكد الخطاب. فإذا أُضعفت مؤسسة بسبب تصويرها باعتبارها فاسدة، فإن ضعفها اللاحق يصبح دليلًا على فسادها. وإذا أُقصيت جماعة بسبب تصويرها باعتبارها خطرة، فإن عزلها الاجتماعي يمكن أن ينتج توترًا حقيقيًا، ثم يُستخدم التوتر دليلًا على خطورتها ().

إن هذا هو الانتقال الحاسم من الوهم إلى الواقع: لا يعود الوهم مجرد صورة خاطئة عن الواقع، بل يصبح قوة قادرة على إنتاج الواقع الذي تدعي وصفه.

وهنا تتحول اللغة إلى علاقة اجتماعية. فحين يوصف الإعلام باستمرار بأنه «كاذب»، لا تبقى الكلمة حكمًا على مضمونه، بل تصبح سببًا لتغيير سلوك الجمهور تجاهه. وحين يوصف الخصم بأنه «عدو»، يصبح التعامل معه بوصفه عدوًا أمرًا مشروعًا في نظر الجماعة. التسمية لا تصف الموقع الاجتماعي فقط؛ إنها تساعد على إنتاجه. وتظهر قوة هذه الآلية في MAGA. فقد بدأ الشعار علامة انتخابية، ثم صار هوية سياسية، ثم أصبح معيارًا لتصنيف الذات والآخر. لم يعد الفرد يقول: «أوافق على هذه السياسة»، بل: «أنا MAGA». وهنا ينتقل الخلاف من مستوى الرأي إلى مستوى الانتماء؛ ولذلك يصبح تغيير الموقف أكثر كلفة نفسيًا، لأنه قد يبدو تراجعًا عن الجماعة لا مجرد مراجعة لفكرة. والأخطر أن الخطاب قد ينتج أحيانًا الوقائع التي يدّعي اكتشافها. فإذا صُورت مؤسسة ما باستمرار باعتبارها فاسدة، تراجعت الثقة بها؛ وإذا تراجعت الثقة، ظهرت صدامات معها؛ ثم يأتي الخطاب ليقول: «ألم أقل لكم إنها لا تستحق الثقة؟».

بهذا المعنى لا يصبح الوهم حقيقة واقعية، لكنه يصبح حقيقة في نتائجه الاجتماعية. وهنا ينبغي التمييز بين الحقيقة والفاعلية: قد تكون الرواية خاطئة، لكنها تظل قادرة على إنتاج الخوف والاستقطاب والقطيعة والولاء. ولذلك لا يكفي تفنيد الادعاء؛ فالمشكلة أعمق من المعلومة، لأنها تتعلق بالبنية التي تجعل الادعاء جزءًا من هوية الجماعة. إن أخطر نجاح للشعبوية ليس أن تجعل الناس يصدقون كذبة، بل أن تجعلهم يتصرفون على أساسها. عندئذ تنتقل السلطة من اللغة إلى السلوك، ومن السلوك إلى الواقع، ثم يعود الواقع الجديد ليمنح اللغة مظهر الصدق. وهنا تكتمل الحلقة: الخطاب لا يكتفي بتفسير العالم؛ إنه، عندما ينجح، يجعل الناس يشاركون في صناعة العالم الذي ادعى الخطاب منذ البداية أنه موجود.

خاتمة: تفكيك الوهم يبدأ من تفكيك اللغة

إن دراسة اللغة الشعبوية تكشف أن السلطة السياسية لا تعمل فقط عبر القوانين والمؤسسات، وإنما تعمل كذلك عبر الكلمات التي تحدد ما يمكن التفكير فيه، وما ينبغي الخوف منه، ومن يستحق الثقة، ومن يستحق الإقصاء. ولذلك فإن مقاومة الوهم السياسي لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار، وإنما تبدأ بتحليل البنية اللغوية التي تجعل خبرًا معينًا مقبولًا، وتفسيرًا معينًا طبيعيًا، وعدوًا معينًا ضروريًا.

والوعي النقدي هنا لا يعني رفض الخطاب السياسي أو الشك في كل ما يقال، بل يعني استعادة المسافة بين الكلمة والواقع. حين يقول الخطاب «الشعب»، نسأل: من هو الشعب؟ وحين يقول «الإرادة الشعبية»، نسأل: كيف تشكلت هذه الإرادة؟ وحين يقول «العدو»، نسأل: من حدده؟ وبأي دليل؟ وحين يقدم الرئيس نفسه بوصفه «صوت الأمة»، نسأل: ماذا يحدث للأصوات الأخرى؟

إن هذه المسافة النقدية هي التي تمنع تحول اللغة إلى قدر سياسي. فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى مؤسسات انتخابية، وإنما تحتاج أيضًا إلى مواطن قادر على مقاومة السحر اللغوي للسلطة؛ مواطن يعرف أن الكلمات ليست بريئة، وأن الصور السياسية لا تعكس الواقع دائمًا، وأن «الشعب» ليس صوتًا واحدًا، وأن الرئيس ليس الأمة، وأن الدولة ليست شخصًا، وأن الحقيقة لا تُقاس بقدرة الخطاب على إثارة التصفيق.

ومن هنا فإن تحرير المجال السياسي من الوهم يبدأ بتحرير اللغة من احتكار المعنى. فحين يستعيد المجتمع حقه في تعريف نفسه، وحقه في الاختلاف، وحقه في مساءلة من يتحدث باسمه، تتراجع قدرة الشعبوية على تحويل الوهم إلى حقيقة. عندئذ فقط تصبح اللغة وسيلة للتواصل السياسي، لا أداة لصناعة الواقع نيابة عن المجتمع.

***

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

 

استمرارًا للحوار الفكري الذي أثارته محاضرة الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في وحدة الدراسات الثقافية حول الجامعة العربية وسبل النهوض بها وجعلها مؤسسات فاعلة وحية، أجدني مدفوعًا إلى مواصلة التأمل في الجامعة بوصفها أهم مؤسسة أكاديمية أنشأها العقل الإنساني الحديث، لا لأنها تحفظ المعرفة وتنقلها من جيل إلى جيل فحسب، وإنما لأنها المؤسسة التي يفترض أن تنتج المعرفة الجديدة، وتعيد تشكيل العقل، وتدرب الإنسان على التفكير النقدي، وتربط العلم بالمجتمع والاقتصاد والدولة والمستقبل.

وقد لفت الدكتور سيّار الجميل في محاضرته إلى فكرة بالغة الأهمية، مؤداها أن الجامعة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بعدد مبانيها، ولا بحجم ميزانيتها، ولا بعدد طلبتها الأجانب، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة جديدة، وتكوين إنسان قادر على الابتكار، وربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد والمجتمع. فالجامعة التي تستهلك المعرفة أكثر مما تنتجها، مهما بلغت فخامتها، تظل محدودة الحيوية والديناميكية.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ لأن تاريخ التعليم العالي في العالم العربي يضعنا أمام مفارقة حضارية كبرى: كيف يمكن لمنطقة كانت من أسبق مناطق العالم إلى إنشاء مؤسسات التعليم العالي أن تتأخر لاحقًا عن مناطق لم تعرف الجامعة إلا بعد قرون؟

إن استعادة التاريخ ليست هنا استعادة للماضي من أجل التفاخر به، وإنما من أجل مساءلته. فالتاريخ الذي لا يساعدنا على فهم الحاضر يتحول إلى مجرد ذاكرة، والذاكرة التي لا تنتج سؤالًا جديدًا قد تتحول إلى أداة لتعويض العجز الراهن بأمجاد الماضي.

لننظر أولًا إلى خريطة نشوء مؤسسات التعليم العالي في المجال العربي والإسلامي. ففي تونس تعود جذور جامع الزيتونة إلى سنة 737م، وهو من أقدم مراكز التعليم الديني والعلمي في العالم الإسلامي. ثم جاءت جامعة القرويين في فاس بالمغرب، التي تأسست سنة 859م على يد فاطمة الفهرية، وكانت في بدايتها مسجدًا ومركزًا للتعليم، ثم أصبحت واحدة من أهم مراكز التعلم في الحضارة الإسلامية.

ثم جاء الأزهر الشريف في القاهرة في أواخر القرن العاشر الميلادي، وتؤرخ المصادر لتأسيسه بين 970 و972م، ليصبح عبر القرون أحد أهم مراكز التعليم العربي والإسلامي وفي بغداد ظهرت المدرسة المستنصرية في العصر العباسي، التي تأسست في القرن الثالث عشر، وكانت من المؤسسات العلمية المهمة التي جمعت تدريس علوم متعددة في مؤسسة واحدة. ثم انتقل العالم العربي إلى مرحلة جديدة في القرن التاسع عشر، مع ظهور مؤسسات التعليم العالي الحديثة ذات الطابع المدني والعلمي، في سياق مختلف تمامًا عن مؤسسات التعليم التقليدية.

وفي هذا السياق تأسست الجامعة الأمريكية في بيروت سنة 1866 تحت اسم الكلية السورية البروتستانتية، قبل أن تحمل اسمها الحالي سنة 1920. وهذه المؤسسة تمثل محطة مهمة في تاريخ التعليم الحديث في المنطقة العربية.

إذ تخرج منها بعض المفكرين والأدباء العرب الذين تركوا أثراً عميقاً في الثقافة العربية، مثل الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، والمفكر وعالم الاجتماع هشام شرابي، والروائية إيملي نصر الله، والمفكر القومي والسياسي قسطنطين زريق، وقد ساهم هؤلاء في إثراء الفكر الأدبي والنهضوي العربي الحديث والمعاصر.

ثم جاءت جامعة القديس يوسف في بيروت سنة 1875، وظهرت في السودان كلية غوردون التذكارية سنة 1902، التي أصبحت لاحقًا جامعة الخرطوم. وفي مصر تأسست الجامعة المصرية سنة 1908، وهي التي أصبحت جامعة القاهرة، وبدأت الدراسة فيها في 21 ديسمبر من ذلك العام. ثم تأسست جامعة الجزائر سنة 1909، وظهرت الجامعة الأمريكية بالقاهرة سنة 1919، ثم تأسست جامعة دمشق بصورتها الجامعة سنة 1923، بعد جذور تعود إلى مؤسسات تعليمية سابقة. وبعدها جاءت جامعة الإسكندرية سنة 1938، ثم جامعة عين شمس سنة 1950، والجامعة اللبنانية سنة 1951، وجامعة بنغازي سنة 1955، وجامعة بغداد سنة 1957، وجامعة الملك سعود سنة 1957، وجامعة أسيوط سنة 1957، ثم جامعة حلب سنة 1958. وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 700 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م. ففي الجزائر 66 جامعة وفي المغرب 29 جامعة وفي تونس حوالي 30 جامعة ومؤسسة تعليم عالي. ففي اليمن وحدها اليوم أكثر من أربعين جامعة فضلا المعاهد والمؤسسات التعليمية الأخرى. هذا التوسع الكمي في الجامعات اليمنية أفضى إلى إنتاج عشرات الآلاف من حملة الشهادات الأكاديمية من النوع الاجتماعي، ورغم ما لهذا من ملامح إيجابية عامة في شيوع أهمية الجامعة وشهادتها، إلا أنه أفضى إلى جعل الجامعات أشبه بالمدارس التقليدية التي تمنح الشهادات لغرض البحث عن وظائف عمل ممكنة.

من المعروف أن إي فعل أو سلوك إذا ما تكرار يصير عادة وإذا ما ترسخت العادة صارت ثقافة! فلماذا لم يتحول العلم والتعليم في المجتمعات العربية الإسلامية إلى ثقافة ؟ وما الذي يفسر شيوع الخرافة والعنف والتعصب والتطرف والإرهاب بعد هذا المسار الطويل من نشوء المؤسسات العلمية العربية إذ تعد الجامعة مقوماً أساسياً من مقومات الدول العصرية، وركيزة من ركائز تطور المجتمعات البشرية وتحقيق تقدمها العلمي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فضلاً عن كونها بيوتاً للخبرة ومعقلاً للفكر والإبداع، ومركزاً لانتقال الإنتاج والمعرفة وتطبيقها وبؤرة للتحديث والتجديد والتنوير والتغيير، وهي أهم وأخطر مؤسسة حديثة وإستراتيجية في تاريخ الحضارة الإنسانية، وذلك لإسهامها الحاسم في نهضة وازدهار مشروع الحداثة العلمية العقلانية في عموم الكرة الأرضية، وأهمية الجامعة لا تعود إلى قيمة وظائفها الأساسية الثلاث: المتمثلة في نقل المعرفة خلال وظيفة التدريس، أو في إنتاج وتطوير المعرفة وظيفة البحث العلمي أو في استخدام وتطبيق المعرفة وظيفة خدمة وتنمية المجتمع فحسب، بل وإلى كونها تعد المثل الأعلى لمؤسسات المجتمع المدني الحديث والإدارة البيروقراطية الرشيدة، وذلك بما تمتلكه من بنية تشريعية دقيقة التنظيم وإدارة فنية أكاديمية كفؤة وعالية الجودة وقيم ومعايير، وهيئة أكاديمية علمية قانونية وثقافية وأخلاقية وجمالية وحضارية وإنسانية وعقلانية شاملة.

إن الحضارات لا تعيش على رصيدها التاريخي إلى الأبد. فكل جيل مطالب بإعادة إنتاج شروط حاضره ومستقبله والعمل على استنهاض ممكناته للتصدي للتحديات التي تواجه في حياته الفورية المباشرة وتجاوزها إلى المستقبل. أما إذ تحولت الحضارة إلى مجرد حارس لماضيها، فإنها تبدأ في فقدان قدرتها على إنتاج المستقبل.

ولعل هذه هي إحدى المشكلات الكبرى في الثقافة العربية المعاصرة: أننا كثيرًا ما نتحدث عن «أمجاد الماضي» أكثر مما نتحدث عن «شروط المستقبل». نحتفي بأن لدينا أقدم جامعة، وأقدم مكتبة، وأقدم مدرسة، وأقدم مرصد، ثم لا نسأل السؤال الأكثر أهمية: ماذا ننتج اليوم؟

لقد امتلكنا الجامعة قبل أمريكا بقرون، لكننا لم ننجح دائمًا في تحويلها إلى نظام مستدام لإنتاج المعرفة فالمؤسسة التي ولدت من الحاجة إلى المعرفة يمكن أن تتحول إلى مؤسسة جامدة إذا فقدت الحاجة إلى السؤال. وما نحتاج إليه اليوم هو استعادة روح السؤال لا مجرد الاحتفال بتاريخ المؤسسة.

إن النهوض بالجامعات العربية يبدأ إذن من الانتقال من جامعة الذاكرة إلى جامعة المستقبل؛ من الجامعة التي تحفظ ما قيل إلى الجامعة التي تسأل عما ينبغي أن يقال؛ من جامعة الشهادة إلى جامعة المعرفة؛ من جامعة التلقين إلى جامعة التفكير؛ ومن جامعة تستهلك المعرفة إلى جامعة تنتجها.

وفي النهاية، فإن أقدم جامعة ليست بالضرورة أفضل جامعة، وأغنى جامعة ليست بالضرورة أكثر الجامعات حيوية، وأكبر جامعة ليست بالضرورة أكثرها تأثيرًا. الجامعة الحقيقية هي التي تستطيع أن تجعل المعرفة فعلًا اجتماعيًا، والعلم ثقافة، والبحث العلمي قوة إنتاج، والتعليم ممارسة للتحرر العقلي.

كتب توني هب في كتابه المهم (فجر العلم الحديث؛ الصين ألعرب والاسلام) ترجمة محمد عصفور عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية؛ قائلا: " كان العرب في كل حقول العلم .. في طليعة التقدم العلمي … إذ أن ما حققه العرب يثير الإعجاب إلى حد يدعو للتساؤل عن السبب الذي منعهم من اتخاذ الخطوة الأخيرة باتجاه الثورة العلمية الحديثة؟ ويضيف ” كان العرب قد وصلوا إلى حافة أعظم ثورة فكرية حدثت في التاريخ، ولكنهم رفضوا الانتقال من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي) حسب تعبير(Koyre كويري). وبما أنهم عجزوا عن اتخاذ هذه الخطوة الخطيرة في بداية العصر الحديث، فإن البلاد الإسلامية لا تزال تتمسك بالتقاويم القمرية”

ويخلص (توني هب) إلى القول: “لقد ضيق مهندسو الشريعة واللاهوت في الحضارة العربية الإسلامية القدرات العقلية عند ألإنسان ورفضوا فكرة الفاعلية العقلية التي يتميز بها جميع بني البشر لصالح الرأي القائل إن على الإنسان أن يسير على نهج السلف وأن يتبع التقليد، وإن الأسلاف لم يتركوا شيئاً للآخلاف. أما الأوربيون القروسطيون فقد وضعوا تصوراً للإنسان والطبيعة كان فيه من العقل والعقلانية ما جعل النظرات الفلسفية واللاهوتية مجالات مدهشة من مجالات البحث التي كانت نتائجها لا هي بالمتوقعة.

كان العلم الحديث يحتاج إلى افتراضات ميتافيزيقية جديدة: الإيمان بانتظام الطبيعة، وقابلية العالم للفهم، وقدرة العقل الإنساني على اكتشاف القوانين والتحكم بها. وهذه الافتراضات لم تتحول في حضارتنا إلى وعي جمعي مؤسس، بل بقيت محاصرة داخل حدود ضيقة. ولذلك دخلنا العصر الحديث من بوابة التحديث القسري لا من بوابة الحداثة الفكرية اقصد المنطلقات الفلسفية للحداثة الاوروبية

لا شك إن ة العالم العربي شهد أنماطًا واسعة من التحديث منذ القرن التاسع عشر: جيوش حديثة، إدارات بيروقراطية، جامعات، مطابع، مدن إسمنتية، شبكات اتصال، وأخيرًا ثورة رقمية هائلة. لكن هذه التحولات بقيت في أغلبها سطحية لأنها لم تُنتج حداثة حقيقية في بنية العقل. استوردنا منتجات الحداثة دون أن نمرّ بالمخاض الفلسفي الذي أنجبها وهذا ما أفاض به عالم الاجتماع الفرنسي برتران بادي في كتابه المهم (الدولة المستوردة؛ تغريب النظام السياسي).

لهذا تبدو مدننا حديثة من الخارج وتقليدية من الداخل. نستعمل أحدث الهواتف الذكية بينما ما تزال علاقتنا بالسلطة والمعرفة والتاريخ محكومة بعقل ما قبل حداثي. ندخل عصر الذكاء الاصطناعي بينما لم نحسم بعد سؤال حرية التفكير. نعيش في قلب الموجة الرقمية الثالثة، لكننا ما زلنا عالقين في معارك الموجة الأولى المتعلقة بشرعية العقل ذاته.

إن الأزمة الحقيقية في المجتمعات العربية الراهنة ليست نقص التحديث، بل في غياب الحداثة بوصفها إطارًا فلسفيًا وأخلاقيًا. وهذا ما يفسر لماذا أخفقت محاولات النهضة العربية الحديثة في إنتاج قطيعة معرفية حقيقية مع الماضي. فمنذ رفاعة رافع الطهطاوي وحتى محمد عابد الجابري ظل السؤال المركزي هو: كيف نأخذ من الغرب قوته دون أن نفقد هويتنا؟ غير أن السؤال الأعمق كان ينبغي أن يكون: كيف نعيد بناء علاقتنا بالعقل والتاريخ والإنسان؟

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

ثمة لحظة يعرفها كل إنسان وإن لم يسمّها. ليست لحظة مأساة كبرى ولا صدمة وجودية مُفاجئة، هي أقل من ذلك وأشد إيلاما: تجلس في منتصف يوم عادي تماما، تنغمس في روتينك اليومي، وفجأة يتسلل إليك سؤال لم تدعُه: لماذا أفعل هذا؟ لماذا أستمر؟ ما الذي يجعل هذه الساعة، وهذا اليوم، وهذه الحياة، تستحق أن تُعاش؟ وقبل أن تجيب تجد الجواب يرفض دعوتك، أو يأتي مجوّفا، مستعارا من طقوس قديمة أو توقعات الآخرين أو مجرد خوف من التوقف. هذه اللحظة بالذات هي ما سمّاه ألبير كامو "الشعور بالعبث"، وجعل منها نقطة انطلاق لفلسفة كاملة لا تستسلم ولا تكذب، بعيدا عن منطق المرض الذي يُعالَج او المزاج الذي يُصرف النظر عنه.

كامو ولد في الجزائر عام 1913 لعائلة فقيرة من المعمّرين الفرنسيين. عاش طفولته في ظل العوز والغياب والمرض، أصيب بالسل وهو في التاسعة عشرة، فأبعده ذلك عن الفلسفة الأكاديمية التي كان يحلم بها. ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، طوّر كامو حساسية فلسفية خاصة به لا تنتمي بالكامل لأي مدرسة. صنّفه كثيرون وجوديا فرفض التصنيف. قرّبه سارتر من فلسفته فاختلف معه اختلافا أدى إلى قطيعة شهيرة في الخمسينيات حول السياسة والتاريخ والحرية. كامو كان يسمع بأذنيه الاثنتين: أذن الفيلسوف وأذن الأديب، وكان يرفض أن يصم إحداهما لإرضاء الأخرى.

في ثلاثة أعمال متزامنة قدّم كامو من خلالها فلسفة العبث، رواية "الغريب" التي جسّدت العبث سردياً في شخصية مورسو الذي يعيش بلا انفعال مُصطنع أمام أحداث الحياة والموت على حدٍّ سواء، ويُعاقَب في نهاية المطاف لأنه رفض أن يُمثّل ما لا يشعر به، ومسرحية "كاليغولا" التي مثّلت مآل إنسان يكتشف العبث ثم يستجيب له بالعنف المطلق كأنه يُعاقب الكون على صمته، وأخيراً المقال الفلسفي "أسطورة سيزيف" الذي وضع الإطار النظري الكامل لهذه الفلسفة. هذه الأعمال الثلاثة معا لا تقرأ العبث من الخارج، بل تسكنه من الداخل وتجعله تجربة مُعاشة قبل أن يصبح موضوع بحث. فالعبثية عند كامو لا تبدأ من الكون، بل تبدأ من التصادم. الإنسان يحمل في داخله نهما لا يُشبع نحو الوضوح والمعنى والوحدة والاستمرار، رغبة في فهم العالم، أن يعرف موضعه فيه، أن يجد ما يُبرر وجوده لنفسه بشكل يطمئن إليه، والكون من جهته صامت تماما، لا يجيب ولا يرفض صراحة، لا يعدك ولا يخذلك، يكتفي بأن يكون بلا اكتراث مرئي. هذا التصادم بين رغبة الإنسان في المعنى وصمت العالم المطبق هو ما يسميه كامو "العبث". ليس خاصية الإنسان وحده، وليس خاصية العالم وحده، بل هو الاحتكاك الدائم بينهما على المسرح الذي تقع فيه الحياة الإنسانية.

المشكلة الفلسفية الوحيدة الجدية، في رأي كامو، هي الانتحار. هذه الجملة التي يفتتح بها "أسطورة سيزيف" صادمة بحدّتها المتعمدة، وهي أبعد ما تكون عن الاستفزاز البلاغي. يريد كامو أن يُحدّد الرهان الحقيقي: إذا كانت الحياة بلا معنى، ففيمَ نستمر؟ هذا السؤال أولى من أسئلة المنطق والمعرفة والوجود لأنه يسبقها جميعا،  فقبل أن تسأل عن معنى الوجود، ينبغي أن تقرر أولا إن كنت ستواصل الوجود. الانتحار إذن، كفكرة فلسفية لا كاختيار شخصي، هو السؤال الحقيقي الذي يختبر صدق الإنسان مع نفسه في مواجهة عبثه.

يرفض كامو ثلاثة مخارج يراها خيانات للفكر. المخرج الأول هو الانتحار الجسدي ذاته: الاستسلام للعبث بدل مواجهته، ورفضه بالغياب بدل مقابلته بالحضور، فالانتحار لا يحلّ العبث، بل يُخرج الإنسان من المعادلة دون أن يجيب عن سؤالها. المخرج الثاني هو ما يسميه الانتحار الفلسفي: القفزة نحو إيمان ديني أو نظام فكري يدّعي أنه حسم السؤال وأعطى الوجود معنى يطمئن إليه العقل ويسكن إليه القلب. كامو لا يُقلّل من الإيمان كتجربة إنسانية عميقة، لكنه يرفضه كموقف فلسفي لأنه يتجاوز العبث بدل أن يواجهه ويقفز فوق الهوة بدل التحديق فيها والعيش على حافتها. يسمّي هذا "القفزة"، ويرى مثاله في كيركيغارد الذي أقرّ باللامعقول ثم قفز إليه كإله، وفي ياسبرس الذي عاين حدود الوجود ثم لجأ إلى مفهوم "التسامي". المخرج الثالث هو الاستسلام الإذعاني: الاستمرار في الحياة لا لأن الإنسان اتخذ قراراً واضحا، بل لأنه لا يفكر كثيرا، ينزلق في العادة ويملأ الوقت بالانشغال ويُرجئ السؤال إلى ما لا نهاية له. هذا النوع أكثر شيوعاً وأقلها اعترافاً بنفسه، وهو شكل من أشكال الجبن الوجودي المُقنَّع بالواقعية.

التمرد، هو البديل الذي يقترحه كامو. لكن "التمرد" هنا لا يعني الثورة بالمعنى السياسي ولا تغيير العالم ولا الاعتراض على صمته بالصراخ. إنه أدق من ذلك وأقل تصريحاً وأكثر عمقاً: هو الإصرار اليومي على العيش في وضوح كامل أمام العبث، دون أن يزوّد هذا الوضوح بأمل زائف أو يخفّف باعتقاد مريح. الإنسان المتمرد كما يتصوره كامو، يعيش كل يوم وهو يعرف أنه لن يجد جوابا نهائيا، ويستمر رغم ذلك. ليس بحثاً عن البطولة ولا لإثبات شيء لأحد، بل لأن هذا الاستمرار ذاته، في وعيه الكامل وانفتاح عينيه، هو الشكل الوحيد من الحرية المتاح للإنسان في عالم لم يُعطَ منه موثوقٌ على المعنى.

سيزيف يجسّد هذا كله في صورة لا تنسى. الملك الأسطوري الذي خدع الآلهة وأصرّ على الحياة حتى حين أمر بالرحيل، يُعاقَب بأن يحمل صخرته إلى قمة الجبل إلى الأبد، وما إن تبلغ القمة حتى تتدحرج وينزل خلفها، ويبدأ من جديد بلا توقف ولا نهاية. إنه الصورة المكثّفة للوضع الإنساني: عمل متكرر لا ينتهي، جهد بلا نتيجة تستحق الجهد، حياة تُصرف في تحصيل ما يتبخر حين يُحصَّل. غير أن كامو يضيف ما لم تقله الأسطورة اليونانية قط: "ينبغي أن نتصوّر سيزيف سعيداً". ليس لأن عقوبته عادلة، وليس لأنه توهّم أن الصخرة ستقف عند القمة يوما. سعادته تأتي من شيء آخر تماما: من وعيه التام بوضعه، ومن رفضه أن تملكه الصخرة فيما هو يحملها. في اللحظة التي تتدحرج فيها الصخرة وينزل سيزيف خلفها، تلك اللحظة بالذات هي لحظته هو خارج العقوبة، خارج الآلهة، خارج المعنى المفروض. الجبل نفسه يمكن أن تكون فيه سعادة.

فرانز كافكا، الذي لم يكن فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي، جسّد العبثية في نسيجه السردي بعمق مباشر لا يبلغه كثير من الفلاسفة بآليات الحجة. في "المحاكمة"، يُستدعى يوزيف كا إلى محاكمة لا يعرف تهمته ولا المحكمة التي تحاكمه ولا القانون الذي تنتهكه أفعاله. يقضي الرواية كلها يحاول أن يفهم الآلية التي تُدينه بها، دون أن يصل إلى شيء، ويُنفَّذ فيه الحكم في النهاية دون أن يعرف ما الحكم. في "القلعة"، يسعى "ك" طول الرواية إلى الوصول إلى قلعة تمنحه الاعتراف بوجوده، فيجد الطرق تتعرج وتنقطع والأبواب تُفتح لتُغلق أمامه، والقلعة موجودة وتُرى لكنها غير قابلة للبلوغ. هذا بالضبط ما تبدو عليه الحياة حين تُنظر إليها بصدق تام دون أن تُقنع نفسك بأن ثمة "قلعة" في الأفق تستحق الانتظار اللانهائي.

كتب كامو في سياق الحرب العالمية الثانية، والجزائر المستعمَرة، والأيديولوجيات الشمولية التي بدت له في شقّيها الستاليني والنازي، نموذجا مأساويا للإنسان الذي لا يطيق العبث فيلقي بنفسه في أحضان "المعنى الكبير"، المعنى الذي يُسوّغ كل شيء بما فيه القتل والقهر والتدمير. وهنا يصبح التمرد الكاموي موقفا سياسيا أيضا، لا فلسفيا فحسب: رفض الاستسلام للأيديولوجيا، رفض القفز إلى أي "معنى جماعي" يُخرس السؤال ويُريح الضمير بدم الآخرين. العيش بلا أوهام والتمسك بكرامة الإنسان الفرد أمام كل نظام يطحنه لصالح "الهدف الأعلى" هذا هو ما يُسميه كامو التمرد الحقيقي.

***

عبد الرحيم الجرودي

بقلم: روزا كامبل

ترجمة: د. محمد غنيم

***

حتى قبل تقرير شيري هيت، رفض حتى أكثر علماء الجنس جرأةً الاستماع إلى ما ترغب فيه النساء وما يكرهنه في الجنس

في عام 1972، ركبت شيري هيت، عارضة أزياء بلاي بوي السابقة التي تحولت إلى باحثة نسوية في مجال الجنس، دراجة نارية وتجولت في مانهاتن. مع انسياب خصلات شعرها الأشقر الفراولي من تحت الخوذة، وشفتيها الورديتين المرئيتين تحت حاجب العين، وفستان دانتيل عتيق يرفرف خلفها، كانت توزع استبيانات على أي امرأة تقبل أخذ واحد. كان الموضوع كله عن الجنس. عبر 58 سؤالاً، سألت هيت: "هل يمكنكِ وصف شعور النشوة الجنسية بالنسبة لكِ؟"؛ "هل تشعرين بالحرية لفعل كل ما ترغبين فيه [في الجنس]، أم تظنين أن الشخص (أو الأشخاص) الآخر(ين) سيصدم(ون)؟"؛ "هل تعتقدين أن الجنس سياسي بأي شكل من الأشكال؟" شكلت الإجابات أساس الكتاب الأكثر مبيعاً في علم الجنس النسوي تقرير هيت: دراسة وطنية عن الحياة الجنسية للمرأة  1976 ). بيع منه 50 مليون نسخة.)

كان هذا من بين الكتب الأولى التي سألت النساء عن شعورهن تجاه الجنس، بدلاً من إخبارهن بما يجب أن يشعرن به. كان استفزازه الكبير هو أن معظم النساء الأميركيات كن غير راضيات جنسياً: 70% منهن لا يستطعن الوصول إلى النشوة من الجماع المهبلي بل يحتجن إلى تحفيز البظر؛ نسبة كبيرة من النساء تزعجن النشوة الجنسية. لا يزال تقرير هيت يحتل المرتبة 30 ضمن الكتب الأكثر مبيعاً على الإطلاق، وأحد أكثر الكتب قراءةً في القرن العشرين. ومع ذلك، اليوم، اختفى هذا الكتاب ومؤلفته تقريبا.

بحلول أوائل السبعينيات، كانت نسبة الشابات في الولايات المتحدة اللواتي أبلغن عن ممارسة الجنس قبل الزواج حوالي 62% - متجاوزة نسبة 7.6% لمن ولدن قبل عام 1900. كانت حبوب منع الحمل متاحة على نطاق واسع - 10 ملايين امرأة تستخدمها - مما فصل الجنس عن الإنجاب لأول مرة في التاريخ. كما أن إدخال الطلاق غير القائم على الخطأ في كاليفورنيا عام 1969 (تلته ولايات أخرى قريباً) يعني أن النساء يمكنهن التحرر بسهولة أكبر من الزيجات غير السعيدة. في خضم هذه الثورة الجنسية المربكة، نشرت شيري كتابها تقرير هيت.

وجدت هيت أن الثورة الجنسية تعني مزيداً من الجنس للنساء، ولكن ليس جنساً أفضل. بالنسبة للعديد من النساء اللواتي شملتهن دراستها، كان الجنس لا يزال يتبع نمطاً مشابهاً وغير مرضٍ وصفته إحدى النساء بأنه "قبلة صغيرة، لمسة صغيرة، إصبع للإثارة، لمسة للثدي وهو في الأعلى، بوم، انتهى الأمر". بشكل ثابت، كانت نشوة الرجل تحدد نهاية الجنس. لاحظت إحدى النساء، التي حررتها الثورة الجنسية لتكون لها عشاق كثيرون، أن "أنا بدأت أعتقد أنه يجب أن يكون هناك شيء مثل "نظام روبرت للقواعد" الجنسي الذي يتبعه كل رجل". حتى كتاب أليكس كومفورت واسع القراءة بهجة الجنس (1972) لم يستطع الابتعاد عن السيناريو الجنسي الذي يعتبر الجنس المهبلي هو قطعة المقاومة الرئيسية. (علّقت امرأة مثلية سوداء ملأت الاستبيان الأصلي، الذي استند عليه تقرير هيت، بأنها "لم تكن تعتقد الكثير" في مساهمة كومفورت). شعرت النساء أيضاً أنهن خلال الثورة الجنسية "فقدن حقهن في قول "لا"". قالت إحدى النساء لهيت: "معظم الرجال لم يهتموا بأمر ما إذا كنت أرغب في ممارسة الجنس معهم أم لا؛ إذا لم أرغب في مضاجعتهم، كانوا ... يحاولون إلقاء محاضرة عليّ لأكون "حرة"". كان عدم المساواة الجنسية يتسرب عبر الثورة.

كان مسار هيت إلى النسوية غير معتاد. بينما كانت مسجلة في برنامج دكتوراه في جامعة كولومبيا في نيويورك، عملت كعارضة أزياء، أحياناً في وظائف أزياء، وأحياناً في أفلام إباحية (التي كانت تدفع أفضل)، ووظفتها شركة أوليفيتي للآلات الكاتبة لتظهر في إعلان. ولكن، كما تذكرت هيت لاحقاً، عندما نُشر الإعلان، وجدت صورتها تظهر تحت عنوان جنسي: "الآلة الكاتبة ذكية لدرجة أنها لا تحتاج إلى أن تكون كذلك". دفع ذلك فرع نيويورك من المنظمة الوطنية للمرأة (NOW) إلى إطلاق احتجاج. ساروا في مانهاتن بلافتات تعلن "لا تغرقوا في بركة كاتبات أوليفيتي". كانت هيت مسرورة بالدعم. اتصلت بـ NOW وسرعان ما انخرطت في الحملات السياسية ومجموعات رفع الوعي (CR)، التكتيك الرئيسي لتحرير المرأة.

في مجموعات رفع الوعي، كانت النساء يجتمعن في مجموعات صغيرة للحديث عن كيفية تشكيل المجتمع الذكوري لهن، غالباً ضد مصالحهن الخاصة. كنّ يتناوبن على الإجابة عن أسئلة مثل "كيف تشعرين تجاه الأعمال المنزلية؟" و"كيف تشعرين تجاه التقدم في العمر؟". أدركت النساء أن مشاعرهن ، التي غالباً ما تكون سيئة ، هي سياسية، نتيجة لعالم غير متكافئ بعمق، وليست إخفاقات فردية خاصة بهن. غالباً ما وصفت هذه اللحظة من رفع الوعي بأنها "نقرة": كان هناك سبب سياسي لبؤسهن الشخصي. كانت المشاعر شكلاً من أشكال الخبرة. يمكن للنساء اتباعها لرسم صورة جماعية لما تبدو عليه الحياة كنساء، وما الذي يحتاج إلى التغيير، وكيف يمكنهن المضي قدماً في ذلك. لكن هيت لاحظت شيئاً آخر في مجموعات رفع الوعي. تحدثت النساء عن مشاعرهن تجاه كل جانب من جوانب الثقافة والمجتمع ، باستثناء الجنس. حتى في هذه المجموعات، كان الجنس لا يزال يُعتبر مسألة خاصة وشخصية، وحتى مخزية.

نشرت مجلة إباحية استبيان هيت "في سبيل تحسين التواصل [مع] النساء"

كان هناك بعض الكتابات النسوية عن الجنس. في أسطورة النشوة المهبلية (1970)، جادلت آن كويدت بقوة بأن جميع حالات النشوة هي بظرية. احتفت إيريكا جونج، في روايتها الخوف من الطيران (1973)، بمتع "المضاجعة غير الملتزمة" (لقاء جنسي دون التزام أو عاطفة). تناولت رواية نانسي فرايداي حديقتي السرية (1973) بالتفصيل أكثر تخيلات النساء صراحة. كانت أعمال فرايداي وجونج من الأعمال الأكثر مبيعاً، وأفادت العديد من النساء اللواتي ملأن استبيان هيت الأصلي بقراءتهن. لكن كيف تتطابق هذه التصريحات والحسابات الخيالية والرغبات الجامحة مع حقيقة الحياة الجنسية للنساء؟ لمعرفة ذلك، اقترحت هيت عقد مؤتمر لرفع الوعي يستمر لعطلة نهاية الأسبوع لمناقشة الجنس، بصراحة. لكن رفيقاتها، مع ذلك، كن مذهولات، بل مرتعبات؛ احتجت إحدى النساء: "هل تعتقدين أنني سأقف وأخبر الجميع عن كيفية بلوغي النشوة الجنسية!" للتغلب على خجل النساء وخجلهن من الجنس، طورت هيت استبيانها المجهول.

انتشر استبيان هيت إلى ما هو أبعد من الحركة النسوية. أولاً، وزعته في نيويورك، وسرعان ما كانت ترسل 100,000 نسخة عبر مجموعات حقوق الإجهاض والنشرات الكنسية. أعادت مجلات بريدز و مادموازيل إنتاج الاستبيان، ونشرته مجلة إباحية أوي "في سبيل تحسين التواصل [مع] النساء"، إلى جانب لوحة وسطية لـ"فتيات أفضل من الشهر الماضي". مرره الرجال لزوجاتهم وصديقاتهم، وأظهرته النساء اللواتي صادفن الاستبيان بأعين مذهولة لصديقاتهن، وأمهات مررنه لأخوات، ومعلمات لطالبات.

كشفت الردود على الاستبيان عن شيء مفاجئ. التأثير الرئيسي على الحياة الجنسية للعديد من النساء لم يكن النسوية أو الثورة الجنسية، بل التحليل النفسي. في كتاب فرويد' ثلاث مقالات في النظرية الجنسية (1905)، قام فرويد بزرع أفكار الأشكال الناضجة/ غير الناضجة والسليمة/ المختلة للجنس الأنثوي على المهبل والبظر، على التوالي. وفقاً لفرويد، تجد الفتيات المتعة في بظرهن، تماماً كما يفعل الأولاد الصغار في قضيبهم، ولكن مع نضوج الفتيات ليصبحن نساء، ينتقل مركز المتعة من البظر إلى المهبل بينما تضع النساء "ذكوريتهن الطفولية جانباً". في المرأة الناضجة المغايرة جنسياً، وضع فرويد الإيروتيكي والإنجابي في نفس المكان: المهبل.

كما رأى فرويد، فإن البظر سينقل "الإثارة إلى الأجزاء الجنسية المجاورة" بشكل طبيعي تماماً كما تساعد "نشارة الصنوبر" في "إشعال جذع من الخشب الأكثر صلابة". كان "الجذع" الذي يشير إليه هو المهبل - ولكن هذا التشبيه كان زلة فرويدية وحشية، تكشف لمن كانت النشوة المهبلية، ولمن ستزيد متعته، وحدود سياسات فرويد الجندرية الخاصة. إذا كانت النساء البالغات لا يستطعن بلوغ النشوة مهبلياً لأن "فتحة المهبل" ظلت "مخدرة"، فذلك بسبب عدم نضجهن الجنسي. أوصى فرويد بمعالجة ذلك بالتحليل النفسي. بمعنى آخر، كان عدم القدرة على بلوغ النشوة مهبلياً يُعتبر مرضاً عقلياً.

بحلول السبعينيات، كانت المشكلة مع المحللين النفسيين الجدد المحافظين. العديد من النساء اللواتي لم يستطعن بلوغ النشوة مهبلياً تم إرسالهن إلى العلاج النفسي الفرويدي، الذي تبنى تماماً معاداة النسوية منذ الأربعينيات فصاعداً. كما أظهرت المؤرخة جين جيرهارد في التوق إلى الثورة (2001)، رأى المحللون النفسيون أن الجنس الإنجابي المغاير هو النموذج الوحيد للأنوثة "الناضجة". في العلاج، قيل للنساء أن عدم بلوغهن النشوة المهبلية هو نتيجة لعرقلة عصبية ونواقص في النفس، وصدقن ذلك. قالت إحدى النساء لهيت: "يمكنني بلوغ النشوة مع التحفيز البظري لكنني لم أحظَ أبداً بواحدة مع الجماع. هذا هو خوف محض... ساعدني معالجي في رؤية ذلك". تحدثت أخرى عن كيف توصلت إلى اعتبار النشوة البظرية "أنانية أو طفولية (بفضل فرويد، على ما أظن)".

أصر المحللون النفسيون الجدد المحافظون على النساء أن عدم قدرتهن على بلوغ النشوة مهبلياً هو عرض جسدي لرفضهن النفسي للتكيف مع دورهن كنساء. كان هذا هو الثمن الذي دفعنه لرفضهن مكانتهن السلبية والأمومية في غرفة النوم والأسرة. امتدت الفكرة إلى ما هو أبعد من عيادة المعالج. حتى لو لم تكن النساء في علاج، رأت هيت، مثل بيتي فريدان قبلها، أن "تأثير هذه النظريات النفسية على النساء كان قوياً ومنتشراً... هذه النظريات غير المبنية على أسس والمعادية للنساء [تُكرر] بلا نهاية" في مجلات النساء، والأفلام، وكتب الزواج. في الاستبيان، استخدمت النساء اللغة العلاجية مراراً وتكراراً لتوبيخ أنفسهن: "يجب أن أترك، أسترخي وأثق، وأتخلص من محظوراتي ودفاعاتي".

لهذا السبب كتبت كبرى المفكرات النسويات مثل هيت وفريدان وشولاميث فايرستون وكيت ميليت ضد التحليل النفسي. كما رأينه، ساعد العلاج النساء على قبول ما لا يمكن قبوله والتكيف مع الظروف من حولهن، بدلاً من تغيير تلك الظروف. كتبت هيت: "تمنيت لو كان بإمكاننا استعادة كل الوقت والطاقة التي أنفقناها في لوم أنفسنا. وكل الأموال التي أنفقناها "في التهافت على الأطباء النفسيين"... أود أن يكون لدي ما كنا لنبنيه بتلك الطاقة."

من خلال النظر إلى الجنس من خلال عدسة النسوية، وجدت هيت أنه كان مليئاً بالقوة وعدم المساواة

في استبيانها، سألت أيضاً عن علم الجنس الحديث: "هل قرأتِ الدراسات العلمية الحديثة لماسترز وجونسون عن الاستجابة الجنسية البشرية...؟ ما رأيكِ فيها؟ ماذا عن كينزي؟ أي كتاب آخرين؟" تساءلت عما إذا كان هذا العمل الأحدث سيساعد النساء على قلب السيناريو الجنسي. عمل عالم الأحياء ألفريد كينزي خلال الأربعينيات والخمسينيات، وكان مهتماً بكيفية ممارسة الناس للجنس فعلياً، بما يتجاوز ما تمليه الأعراف الاجتماعية. من خلال مقابلات متعمقة مع 18,000 شخص، سعى لمعرفة كيف يمارس الناس الجنس، ومع من، وكم مرة. سأل بلا خوف: هل يمارس الناس الجنس خارج إطار الزواج؟ مع أشخاص من نفس الجنس؟ في الأماكن العامة؟ مع الحيوانات؟ نشر تقارير كينزي في 1948 (عن الرجال) و1953 (عن النساء)، وبعد ذلك سُمي تقرير هيت. كما أوضحت هيت في برنامج ذا مايك دوغلاس شو عام 1982: "قام كينزي بخدمة بوضع خريطة لعدد مرات ممارسة الناس لماذا مع من. لكن مجال اهتمامي كان مختلفاً بعض الشيء، سألت الناس لماذا تفعلون ذلك؟، كيف تشعرون حيال ذلك؟ و هل ترغبون في أن تكونوا مختلفين؟ هل ترغبون في أن تكون الأمور مختلفة؟ لذا فأنا أحاول حقاً رسم صورة أكبر للمجتمع وكيف يشعر الناس داخل ذلك المجتمع."

كان طبيب النساء ويليام ماسترز وعالمة الجنس فيرجينيا جونسون مهتمين بالاستجابات الجسدية للناس تجاه الجنس. أجريا مراقبة مخبرية مباشرة لما يقرب من 10,000 فعل جنسي من أواخر الخمسينيات إلى 1965. دعوا متطوعين - في البداية عاملات جنس - ووصلوهم بأسلاك، مما مكنهم من قياس معدل ضربات القلب أثناء الجنس والانقباضات أثناء النشوة. لاحظوا نساء يمارسن الجنس باستخدام قضيب اصطناعي زجاجي سمي بشكل غير محتمل يوليسيس. سمح ضوء وكاميرا داخل يوليسيس لهم برؤية داخل المهبل أثناء الجنس، ومراقبة لحظة النشوة. أدى هذا إلى الاستنتاج، المهم لـ تقرير هيت، أن جميع حالات النشوة عند النساء هي نشوات بظرية، وأن النساء اللواتي يبلغن النشوة من الجماع يفعلن ذلك لأن البظر يتم تحفيزه بشكل غير مباشر بواسطة القضيب. أعطتهم نتائج ماسترز وجونسون الفرصة لعزل الاختراق باعتباره أعلى شكل من أشكال الجنس ،ورفع العادة السرية، والتحفيز البظري، والجنس المثلي كاحتمالات. للأسف، لم يفعلوا ذلك. بدلاً من ذلك، اقترحوا فقط أن معظم النساء يمكنهن بلوغ النشوة من التحفيز غير المباشر للبظر أثناء الاختراق، وأن هذا تلقائي، جزء من المسار "الطبيعي" للجنس.

استنتجت هيت أن ماسترز وجونسون لم يقترحا أبداً التحفيز البظري المباشر للنساء لأنهما "استمرا في النظر إلى الجنس من خلال عوائق ثقافية معينة". كانت دبلوماسية هنا؛ كان هذان الباحثان ملتزمين بشدة بالزواج الأحادي المغاير كأعلى شكل من أشكال العلاقة. من عام 1968، أدارا برنامجاً علاجياً لـ "الرجال المثليين غير الراضين"، لمساعدتهم على "التحول" إلى المغايرة الجنسية، والذي استمر لفترة طويلة بعد إزالة المثلية الجنسية من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية كاضطراب نفسي في عام 1973. عكست أفكار ماسترز وجونسون عن النساء أيضاً القيم الجنسية للزوجين. إذا كانت النشوة للنساء أمراً مفروغاً منه، فهذا يعني أنه لم تكن هناك حاجة للرجال لممارسة الجنس بشكل مختلف؛ يمكنهم الحفاظ على الجنس المتوقع الذي يخدمهم جيداً والعديد من النساء لا يخدمهن على الإطلاق.

بالنسبة لهيت، لم يكن بسبب نقص المعرفة أن النساء لم يتحدثن عما يرغبن فيه في الجنس - بل كان بسبب نقص القوة. كان ابتكارها الكبير في جلب النسوية إلى الجنس. من خلال النظر إلى الجنس من خلال عدسة النسوية، وجدت هيت أنه كان مليئاً بالقوة وعدم المساواة. أصر المجتمع على أن النساء، مثل الرجال، يجب أن يجدن أعظم متعهن في الجنس الاختراقي: المرأة المخترَقة، الرجل المخترِق. في مقابلة عام 1977، أعلنت هيت أن "الجنس عنصري جنسياً... الحياة الجنسية للنساء تعكس بوضوح مكانتهن كمواطنات من الدرجة الثانية في المجتمع. النساء، لا يزال، في عام 1976، يحصلن على 60% فقط من المبلغ الذي يحصل عليه الرجال مقابل نفس العمل: للرجال الحق في مكافآت (مال، خدمات، احترام) أكثر من النساء. وكذلك في الجنس."

مثل العديد من النساء البيض المشاركات في حركة تحرير المرأة، فهمت هيت الجنس باعتباره القمع الأساسي في حياة النساء، الذي تتدفق منه جميع أنواع القمع الأخرى، مثل الطبقة والعرق. جادلت النسويات السود بأنه عندما تشير الحركة النسوية إلى النساء فهي تعني النساء البيض، ولكن لم يُذكر هذا البياض أبداً تقريباً - جعل غير مرئي في الفكرة العالمية لـ "المرأة".

ذهب العرق دون تحليل في دراسة هيت. لكن النساء السود قرأن ورددن. ملأن استبيانها وكتبن رسائل بعد قراءة الكتاب، وغالباً ما دفعن مشروعها إلى أبعد من ذلك. لاحظت امرأة سوداء، سجلت ردودها على شريط: "عندما كنت أكبر، لم تكن للنساء السود جمال". كتبت طالبة قانون سوداء شابة أنها لا تستطيع "مضاجعة عبر الحواجز"، وأن الرجال البيض لا يرغبون بها. لاحظت امرأة أميركية صينية أن هويتها العرقية أحدثت فرقاً في حياتها الجنسية. لاحظت بسخرية أن "الصيني "رائج" هذا العام". أظهرت هذه الردود كيف أن العرق والعنصرية، مثل الظلم الجندري، منسوجان في اللقاءات الجنسية، وتقدم نظرة ثاقبة لكيفية تفاوض النساء الملونات على هذا التمييز.

ماذا حدث للثورة الجنسية - وماذا تبقى لدى عمل هيت ليقدمه؟ اليوم، تؤخذ متعة المرأة على محمل الجد؛ بفضل، إلى حد ما، نسويات مثل هيت. كانت غالبية النساء اللواتي شملتهن دراسة هيت يمارسن العادة السرية بانتظام للوصول إلى النشوة، لكنهن شعرن "بالوحدة، والشعور بالذنب، وعدم الرغبة، والأنانية، والسخافة، والسوء بشكل عام" نتيجة لذلك. هذا العار ليس منتشراً كما كان: وجدت إحدى الدراسات للنساء الأميركيات في عام 2014 أن الأغلبية شعرن "بالتمكين الجنسي" بعد ممارسة العادة السرية. في المملكة المتحدة، أطلقت النائبة العمالية سامانثا نيبليت حملة "نعم من فضلك جنس، نحن بريطانيون!"، وهي تلاعب بعنوان فيلم كوميدي من عام 1973؛ تخطط لاستضافة معرض للألعاب الجنسية في قصر وستمنستر كجزء من حملتها لتعزيز التثقيف الجنسي وإزالة الوصمة عن متعة المرأة.

تغيرت القوانين المتعلقة بالاغتصاب والموافقة أيضاً، بفضل الضغط النسوي. كما يكتب الباحثون القانونيون والمؤرخون مثل أليسيا سيموندز وإيزابيلا سكوت وجوانا بورك، لم يعد الاغتصاب جريمة قوة كما في القرون السابقة حيث يُعرّف على أنه ضرر لممتلكات الرجل، أي زوجته أو ابنته البكر. أعيد تعريف الاغتصاب من حيث الموافقة الجنسية. تحدد المحاكم في محاكمات الاغتصاب الآن كيفية منح الموافقة أو عدم منحها: ماذا قالت الضحية، وماذا سأل الجاني؟ وتغلغلت الموافقة في السياسة الجنسية إلى ما هو أبعد من المحاكم. إنها ليست مجرد اختبار حاسم لتحديد ما إذا كان الجنس اغتصاباً، ولكنها الطريقة التي يمكن من خلالها تحقيق الجنس الممتع. نحن، كما تكتب الباحثة كاثرين أنجل في " غداً سيكون الجنس جيداً مرة أخرى "(2021)، نعيش في عصر "تسود فيه المثالية ... للموافقة".

منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حُثت النساء على معرفة ما يردن والمضي قدماً فيه بحزم. تزامن صعود سياسات الموافقة مع عصر نسوية "الفتاة الرئيسة"، التي حثت النساء على "الانحناء" في حياتهن الشخصية والمهنية. ساعدت هيت في إحداث هذا التغيير. في كتابها حثت النساء: "عليكِ أن تهتمي بنفسك وتريدي إرضاء نفسك، وعليكِ أن تشعري أنه حقك. عليكِ أن تفعلي ذلك، مهما كان - أو تطلبي ذلك، بوضوح شديد وتحديد شديد."

كانت هيت شديدة العدائية، وسريعة في ترك المقابلات إذا شعرت بكراهية النساء (وكثيراً ما حدث ذلك)

ومع ذلك، بالنسبة لهيت، كانت معرفة الذات والتحدث علناً مجرد البداية. لم تكن بداية سيئة، لكنها عرفت أن عدم المساواة الهيكلي لا يمكن حله حقاً من قبل زوجين من جنسين مختلفين في السرير، مهما كان تواصلهما صادقاً. عرفت أن عدم المساواة يتخلل خياراتنا ومشاعرنا قبل وقت طويل من وضع أقدامنا في غرفة النوم، قبل أن ننطق بنعم أو لا.

لم يُسهم التركيز الحالي على الموافقة في تغيير عدم المساواة بين الجنسين خارج نطاق العلاقة الحميمة. فالفجوة في الأجور بين الجنسين، والاعتداءات على حقوق الإجهاض، والعنف الجنسي المتفشي، وفجوة النشوة الجنسية ، التي تُشير إلى التفاوت بين نشوة الرجل والمرأة في العلاقات الجنسية التقليدية ، تستمر بلا انقطاع  مُشكّلةً رغباتنا قبل اللقاء الجنسي بفترة طويلة. كما أن سن الرضا لم يوقف صعود اليمين المتطرف. إذ يُروّج المؤثرون في عالم الرجال أن حزم المرأة الجنسي دليل على أن الحركة النسوية قد تجاوزت الحد وأن العالم أصبح الآن مُتحيزًا ضد الرجال. وتُجادل الزوجات التقليديات أيضًا بأن تعدد الشركاء الجنسيين للمرأة (الذي يُشيرن إليه بـ"عدد العلاقات") قبل الزواج يُسبب لها التعاسة، مُستنداتٍ إلى ادعاءات قديمة بالية مفادها أن المرأة ليست "مُهيأة" للعلاقات الجنسية العابرة، بل فقط للزواج الأحادي والإنجاب والخضوع الزوجي.

نشرت هيت كتابين آخرين: تقرير هيت عن الحياة الجنسية للرجل (1981) و النساء والحب1987.وقد كانت الردود على هذين الكتابين مختلفة تماماً عن كتابها الأول. كان  الكتابان اللاحقان معيبين من الناحية المنهجية، وكانت الإحصاءات التي كشفت عنها مذهلة لدرجة عدم الإقناع: "84% من النساء غير راضيات عاطفياً عن علاقاتهن"، زعمت، و70% من النساء والرجال في زيجات طويلة الأمد كان لديهم علاقات خارج الزواج. لم يتم تأكيد هذه الإحصاءات؛ أفادت أبحاث أخرى بمعدل خيانة زوجية يتراوح بين 15-20% للنساء. علاوة على ذلك، كانت هيت شديدة العدائية، وسريعة في ترك المقابلات إذا شعرت بكراهية النساء (وكثيراً ما حدث ذلك). أصبحت هي نفسها القصة - وليست البيانات التي لا جدال فيها من مسح قوي. عندما افتتح مذيع برنامج 60 دقيقة أستراليا عام 1987 مقابلة معها قائلاً: "لقد اتُهمتِ بضرب الرجال -" قاطعته هيت قائلة: "نعم، وسيحدث ذلك هنا!" قبل أن تخرج غاضبة. كان لوسائل الإعلام روايتها، ولم تكن عملها الجاد.

خلال موجة معاداة النسوية في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، اختفت هيت في عاصفة من الهجمات الإعلامية، التي أشعلتها صعود اليمين الجديد. شعر العديد من المحافظين أن اضطرابات الستينيات - النسوية والحقوق المدنية - قد حطمت عوالمهم. أعطى اليمين الجديد، الذي ضم قادة إنجيليين مثل تيم لاهي وجيري فالويل، ونساء يمينيات مثل فيليس شلافلي وأنيتا براينت وبيفرلي لاهي، متنفساً لهذا السخط المتزايد. جادلوا بأن النسوية كانت "غير طبيعية" وأن الاختلافات البيولوجية بين الرجال والنساء تبرر عدم المساواة. نسجوا ذلك مع سياسة الاستياء، مقترحين أن السياسات التقدمية للستينيات والسبعينيات استحوذت على مصالح الحكومة وتركت الأميركيين "العاديين" في الخلف.

سرعان ما أغلقت وسائل الإعلام صفوفها. من لندن ريفيو أوف بوكس و واشنطن بوست إلى نيويورك بوست و بينتهاوس، كلها هاجمتها. كتبت مجلة تايم أن النساء والحب كان "خطاب الكاتبة الخاص بضرب الرجال"، وأن الكتاب بأكمله كان "مليئاً بالآراء المتطرفة" للنساء غير الراضيات. زعمت مجلة نيويورك أنها "تتجاهل البيولوجيا تماماً"، وأن الرجال غير مخلصين بطبيعتهم. إذا كان نجاح تقرير هيت الأول يروي صعود النسوية، فإن تحطيم هيت لاحقاً يحكي قصة رد الفعل المحافظ عليها. فرت هيت من الولايات المتحدة في منتصف التسعينيات، وقضت سنواتها الأخيرة تعيش بشكل متنقل في جميع أنحاء أوروبا. توفيت في توتنهام، شمال لندن، في عام 2020.

في تقرير هيت الأول، اقتبست عدة نساء حول كيف غيرت الحركة النسوية حياتهن الجنسية. كتبت إحداهن: "مع بداية الحركة النسوية، وتأثيرها الشخصي عليّ، توقفت عن تزييفها". وأخرى: "لا أعتقد أنني طلبت ما أردت من قبل... الآن ساعدتني الحركة النسوية في أن أكون صريحة. أطلب ما أريد في جميع أنواع المواقف - الكنيسة، العمل، السوبر ماركت، الحكومة المحلية - وفي السرير." كان تحرير المرأة هو الذي سيصنع "نوعاً جديداً من العلاقات الجسدية ليتناسب مع مجتمع جديد، أكثر إنسانية ومؤيداً للمرأة". على المدى الطويل، كان عالم عادل بين الجنسين سيعيد تشكيل الظروف التي تشكل الرغبات ويغير الطريقة التي تتشكل بها الخيارات الجنسية. لكن هيت آمنت أن النضال النسوي سيغير النساء في الحاضر أيضاً. عندما تبدأ النساء في رؤية أنفسهن والآخرين ليس كأشياء بل كذوات، سيبدأن، أخيراً، في أن يكن حرّات. طوال حياتها، كانت هيت غير متسامحة: لتغيير الجنس نحو الأفضل، يجب على النساء أن يكن نسويات.

****

......................

* روزا كامبل / Rosa Campbell: هي مؤرخة للنسوية العالمية. تشغل زمالة ما بعد الدكتوراه من مؤسسة ليفرهيلم في كلية كينجز كوليدج لندن، المملكة المتحدة. هي مؤلفة كتاب  الكتاب الذي علم العالم كيفية النشوة ثم اختفى  2026.

الفتنة.. وضرورة الإختلاف

من الطروحات التي تحولت إلى مسلمات في قراءة التاريخ العربي- الإسلامي والتي لا خلاف عليها بين الباحثين، أن حقبة الإسلام المبكر هي الحقبة التي فيها تكونت الجماعة الدينية، وفيها توحًّد المسلمون وشَكلُّوا أمَّة واحدة، ولكنها كذلك هي الفترة التي انقسم فيها المسلمون ثم إزدادوا انقساما بعد ذلك على المستوى السياسي وعلى المستوى الديني في كل التاريخ العربي /الإسلامي، إذ ظهرت عدة خلافات وتواجدت في نفس الحقبة، خلافة في بغداد وخلافة في القاهرة وخلافة في الأندلس، دع عنك الخلافات التي سبقتها وهي كذلك تواجدت في نفس الوقت، خلافة عبد الله بن الزبير في المدينة وخلافة المختار بن عبيد الله الثقفي في الكوفة وخلافة عبد الملك بن مروان في دمشق. ورغم ذلك فإن حقبة الخلفاء الأربعة الذين تولوا الحكم مباشرة بعد عهد النبوة، الحقبة التي مازالت تلهم خيال المسلمين وتدغدغ عواطفهم، فلقد كانت ومازالت بالنسبة لجموع المسلمين المدينة الفاضلة وبالتالي هي المعيار - paradigme - وهي النموذج والتاريخ المتخيَّل، التاريخ الذي لم يقع والنموذج الذي لم يتكرر، والنموذج الذي يقاس عليه كل التاريخ فيما بعد، ولا ننسى أن زمن النبوة والخلفاء الراشدين، هي الحقبة التي يقدمها خطاب الإسلام السياسي اليوم بأنها العصر الذهبي للإسلام وبالتالي هي القالب الذي يجب أن تبنى عليه الدولة الإسلامية، دولة الإيمان والعدل والحرية. ولسنا في حاجة إلى شرج كبير للقول بأن هذا النموذج الطوباوي في إدارة شؤون الدولة ونظام الحكم، كان حتما سينتهي سريعا بطريقة أو بأخرى، وبالفعل انتهت هذه الحقبة بقيام الدولة الأموية، دولة الأمر الواقع، دولة الملك العضوض، حيث تأسست دولة الكفاية والشوكة، الكفية لمنع الفتنة الداخلية والشوكة لصد العدوان الخارجي. وهكذا استولى معاوية بن أبي سفيان، ومعه عشيرة وسلالة بني أمية على السلطة بالشوكة والغلبة، بعد أن أزاحوا عن طريق السلطة عشيرة وسلالة بني هاشم، بطريقة دراماتيكية. وتجدر الإشارة إلى أن غياب الفكر السياسي وعزوف الجمهور والنخب عن الممارسة السياسية والإمتناع عن الكلام في السياسة، لا يعني غياب الإهتمام بالسياسة ولو من وراء الأبواب الموصدة وفي الغرف المُقفلة، وبالتالي لا نعدم كلام في السياسة في شكل قصص وحكايات أدبية، كلها رموز ومعاني، وفي كثير من الأحيان على لسان الحيوانات. وما نبغي قوله أنه لا توجد جماعة بشرية، سواء أكانت عشيرة أو قبيلة أو أمة، لم تهتم بمسائل السياسة وأصول الحكم ولم تناقش صلاحيات الحاكم ومهام السلطة وشؤون الملك، وتساءلت علاقة الدين بالدولة، والشريعة بالقانون وكل ما يتعلق بقضايا الحكم والدولة والشعب والمدينة والجماعة والإجتماع السياسي. غير أن الميزة التي تميزت بها الجماعات والفرق والطوائف في الإسلام هو كثرة الكلام والتعبير في السياسة وبكل أدوات التعبير المتاحة وذلك بإستخدام جهاز ضخم من المعاني والرموز والمجاز والقصص وحتى الحكايات الخيالية والأساطير.

الحكم.. وضرورة الدستور

 والشيء المؤكد اليوم أن أكبر مشكلة واجهت المسلمين والعرب في صدر الإسلام بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله (ص) هي مسألة الحكم، وتمثلت المشكلة أساسًا في غياب الدستور، الدستورية الذي يحدد كيفية الوصل إلى السلطة وكيفية إدارة شؤون الدولة ويحدد كيفية الوصول إلى السلطة والأهم من كل ذلك كيفية الخروج من سدة الحكم. ومن الثابت لدينا أن أزمة الحكم والمسماة بمشكلة الخلافة وهي مشكلة سياسية/دستورية بالدرجة الأولى ولم تكن مشكلة دينية/عقدية، وبعبارة أدق مشكلة الحكم كانت السبب الرئيس في ذلك التدافع السياسي المحموم على السلطة، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى إنقسام الجماعة الإسلامية سياسيا، جماعة المؤمنين في المدينة، وبالتالي إنقسام الطبقة السياسية التي تجسّدت في كبار صحابة الرسول، وقد حدث الإنقسام، وهذا شيء طبيعي بسبب تغير المواقع السياسية وتناقض المصالح الإقتصادية واختلاف العصبيات القبلية. ما نبغي الإشارة إليه، أنه وفي سياق تلك التحولات الكبرى البعض من هؤلاء الصحابة ومن كبار القوم وجد نفسه في نظام الحكم والبعض الأخر رمت به الأقدار في صفوف المعارضة السياسية وثمة ملاحظة في هذا الصدد وهي أن المعارضة توزعت قبليا بين عدة قبائل وعشائر وانقسمت إيديولوجيا- وبلغة الفكر السياسي الحديث - إن جاز هذا التعبير- بين اليسار واليمين والوسط، وبالتالي كل ذلك انعكس في مواقف سياسية / إيديولوجية ومذاهب دينية. ولتوصيف ما جرى نقول، إنه إنقسام الجماعة الدينية إلى جماعات وفرق وأحزاب سياسية، ففي البداية انقسمت إلى فرق وجماعات وتنظيمات، وبلغة العلوم السياسية المعاصرة إلى أحزاب سياسية، وأشهر هذه الأحزاب وأبرزها نذكر حزب الشيعة أو كما يسميهم البعض " شيعة علي " أو شيعة آل علي "أو " شيعة آل بيت النبي "، وهناك أيضا حزب المرجئة الذي كان حزبا نخبويا بدون عمق إجتماعي، أي كان يفتقر القاعدة الإجتماعية، وبالتالي عجزت نخبة المرجئة عن التحول إلى طائفة دينية لها مذهبها الفقهي ولها أتباعها وأنصارها على غرار الطائفة الشيعية. وثمة ملاحظة في هذا الصدد وهي أن الحزب السياسي الجماهيري المقابل للتيار الشيعي من حيث القوة والمعاكس له في الإتجاه هو حزب الخوارج الذي كان له عمق اجتماعي وقاعدة اجتماعية وايديولوجية واضحة ويطلق على الخوارج عدة تسميات من بينها " المُحكَّمة " و" الحروَّرية " و" أهل النهروان " وعندما ظهرت الإتجاهات الراديكالية في الاتجاهين في منتصف الستينات من القرن الهجري الأول بدأت تتسلل إلى المصادر تسميات مثل " الغالية " و" الغلاة، بالنسبة للشيعة و" الأزارقة " والقعدة و" القائلون بالاستعراض و" النجدات" وغيرها من التسميات بالنسبة للخوارج. كما تشكلت جماعة فيما بعد، هي في حقيقة الأمر ليست حزبا بل جبهة عريضة وكتلة هُلاّمية، غير واضحة المعالم من الناحية الإيديولوجية، وقد كانت هذه الجبهة في واقع الأمر تيار يضم جماعات وهي الكتلة الأكبر من المسلمين، والتي تسمى في التاريخ الإسلامي ب" أهل السنة والجماعة " وتعرف بأنها لم تكن لا مع الشيعة ولا مع الخوارج ولا مع المرجئة. ومن البديهي القول أنه في المجال السياسي حدوث الإنقسامات والإنشقاقات، وهذا ما وقع مع الجماعات في الإسلام. إذ انقسمت الأمة إلى أحزاب وفرق سياسية وتيارات إيديولوجية، كما تشرذمت الفرق نفسها وتجزأت الجماعات عينها إلى طوائف وفرق وجماعات أخرى، وكما أشرنا سابقًا، فقد انقسم الشيعة كما هو معروف إلى زيدية وإسماعيلية والإثنا عشرية..الخ وكذلك انقسم الخوارج إلى فرق وجماعات إباضية وأزارقة ونجدات والقعدة..الخ. والجدير بالذكر أن هذه التنظيمات السياسية تحولت في النهاية ومع مرور الوقت وتسارع الأحداث وتحولات السياسة والتغيرات الإجتماعية إلى طوائف دينية، لها مرجعيتها الإيديولوجية وشرعيتها الدينية ومذهبها الفقهي الخاص، بل ولها مسندها الخاص في الحديث وتفاسيرها للقرآن، وبعبارة أدق وضعت ودونت صحيحها من الحديث النبوي وكتبت وقدمت تفاسيرها للقرآن الكريم. وهكذا كانت كل فرقة تعتقد في نفسها أنها الفرقة الناجية، وبالتالي كان من الطبيعي أن يتحول التدافع السياسي إلى صراع قبلي، ثم ينتهي إلى صراع إيديولوجي. ولا يخامرنا شك في أن التنافس الشرّس على السلطة أطلق العنان لإنشقاقات وانقسامات في صفوف الأمة الوليدة وأحدث شقوقًا في جدار الجماعة المؤمنة وتسبب في شرخ عميق في جدار ما يسمى اليوم بالصف الوطني. وغني عن البيان القول أنه في خضم هذا التطاحن القاتل انتقلت هذه الفرق والجماعات في صراعها السياسي، أي التطاحن من أجل السلطة والحكم من الساحة السياسة إلى ساحة الدين حيث التدافع لإثبات بأنها الجماعة الوحيدة المُتمسكة بخط النبوة وبنهج الرسالة المحمدية، بذلك تحول التدافع السياسي إلي صراع إيديولوجي وانتهي عند نقطة التناحر الديني والمذهبي، الذي أنتج في النهاية طوائف ومذاهب وعصبيات وجماعات في الإسلام، جماعات تكفر بعضها بعضًا.

و دون الحاجة إلى الدخول في كثير من التفاصيل، لبيان أن هذه القضايا وتلك المشكلات، قد أثارت إهتمام الجماعة الإسلامية، وجعلت العرب والعجم يفكرون جديًا في المشكلات التي تطرحها وفي الحلول المناسبة لها، ولكن وبعد أن تحولت الخلافة إلى لملك وراثي عَضوّض وأصبحت أمرًا واقعًا، ولقد كان الكلام في الغرف المغلقة وكان النقاش همسًّا والتفكير بتحفظ، أما من تجرأ وكتب في هذه القضايا فقد كان يكتب أحيانا في السر وأحيانا في العلن ولكن بتحفظ، كما كان يدون أفكاره وأراءه السياسية في خطاب صريح وأحيانا في خطاب به قدر كبير من التلميح، كل ذلك كان يتم في سياق تاريخي وسياسي مفعم بالصراع والفتن والحروب وينتابه الحذر والشعور بالخوف.

الدين.. وضرورة القانون

ومن القضايا التي نالت قسطا وافراً من الجدل الصاخب والتفكير العميق والنقاش الساخن هي ثنائيات الدين والدولة، النبوة والسياسة، الفتنة والإنقسام. ولا ننسى أن هذه الثنائيات المثيرة للجدل أخذت كذلك ما تستحقه من نصاب التأويل والتفسير والتبرير والشرح، هي علاقة الإسلام بالسياسة، وتجاذبات الدين والدولة والسلطة في التاريخ العربي /الإسلامي. والسؤال المركزي الذي كان يتردد على الألسنة وفي الأقلام وفي نصوص المفكرين وفي النقاشات التي كانت تدور رحاها بين تيارات الفكر السياسي النهضوي وفي الخطاب العربي المعاصر منذ نهاية أو بالأحرى سقوط دولة الخلافة العثمانية السنية وصعود الدولة الوطنية التركية عام 1924، وتحول الولايات العربية التابعة لها إلى دول وطنية، هو سؤال الدولة والدين، السلطة السياسية والسلطة الدينية. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى المناظرة الشهيرة بين الشيخ محمد عبده والمفكر فرح أنطون حول الإسلام والسلطة وكذلك كتابات الشيخ محمد رشيد رضا وخاصة في كتابه " الخلافة أو الإمامة العظمى " الصادر سنة 1922و كذلك تجدر الإشارة إلى النص /الكُتيب الذي أقام الدنيا ولم يقعدها حتى الآن " الإسلام وأصول الحكم " للشيخ الأزهري " المتمرد " علي عبد الرازق الصادر سنة 1925، فكل هذه الكتابات والجدالات كان محورها هذا السؤال : هل الإسلام دعوة دينية أم مشروع سياسي؟ ويمكن صياغة السؤال بصيغة أخرى: هل كانت الدعوة المحمدية تحمل رسالة دينية وتريد إقامة دولة/ملك في نفس الوقت؟ ونحن في هذه المقالة نسعى إلى تحليل ومناقشة هذا السؤال الذي أسال الكثير من الحبر في القرن العشرين، وفي نفس نحاول التركيز وتقديم تفسير وفهم للجانب السياسي في الدعوة المحمدية، ومن الضروري أن نشير كذلك إلى الفرضيات التي ننطلق في هذه المقالة وهي كما يلي: أولها: لا يمكن الفصل في التاريخ السياسي العربي/الإسلامي بين ما بين ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام، ما بين الجاهلية والإسلام، فالإسلام على الصعيد السياسي هو امتداد للعصر الجاهلي، فالذين كانوا سادة قبل الإسلام كانوا سادة في الإسلام وبعبارة أخرى الطبقة السياسية الحاكمة لم تتغير كثيراً. ثانيها: أن هناك ثغرة دستورية إن صح هذا التعبير في النظام السياسي الذي تشكل في زمن النبوة في المدينة/ يثرب، فالنص الديني سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية، لم يتطرق صراحة ولا تلميحا إلى موضوعات لها علاقة بالسياسة والدولة والسلطة والحكم والملك، وحتى ما ورد في النص الديني من الكلمات والعبارات ذات الصلة بهذه القضايا كانت خاضعة دوما للتأويل. ثالثها: هي أنه رغم خلو النص الديني من كل ما يتعلق بالشأن السياسي وبكل ما يمت صلة لفعل ساس ويسوس، وكل ما يشتق من كلمة سياسة، إلا أن تجربة الإسلام التاريخية، أي الإسلام كما تجسد في التاريخ الحّي، وكما حدث في الواقع التاريخي، ليس الإسلام المعياري، إسلام النصوص، إسلام ما ينبغي أن يكون، أقول أن تجربة الإسلام التاريخية تتوفر على الكثير من الشواهد والوقائع وأدلة الإثبات على مركزية المسألة السياسية.

القبيلة.. وضرورة السلطة

و من المفيد أن نذكر، أنه قد ساد في الجزيرة العربية التنظيم الإجتماعي العشائري/ القبلي، حيث على رأس كل عشيرة أو قبيلة، سلطة pouvoir - - مُمثّلة في رئيس القبيلة الذي يمتلك ليس فقط النفوذ السياسي والمكانة الإجتماعية بل يمتلك الثروة المادية، وبعبارة أدق كانت هناك سلطة سياسية تجمع في واحدة، السلطة والثروة، هذه السلطة في مكة كانت قد تجلت بصورة واضحة في ما يعرف تاريخيًا ب " الملأ "و "دار الندوة "التي كانت لها السيادة على البلاد والعباد أي على مدينة مكة وعلى قبيلة قريش، وفي نفس الوقت كانت ترعى شؤون الكعبة. ولا بد من التنبيّه كذلك إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن مجموعة العشائر التي كانت تعيش في مدينة مكة، ورغم وجود " الملأ "، كانت هناك سلطة، فلا تخلو جماعة بشرية من وجود سلطة، لكنها كانت تفتقد السلطة المركزية، أي ما كان غائبا عند العرب وقتذاك هو - وبلغة العصر الحديث - هو المؤسسة السياسية، مؤسسات الدولة، بما في ذلك السلطات الثلاث إن جاز هذا العبير وعلى رأسها السلطة التنفيذية. وغني عن البيان القول أن هناك علاقة ماهوية بين وجود الدولة ووجود السلطة، ففي المخيال الإجتماعي العربي وفي الثقافة الشعبية وحتى عند النخب الفكرية والسياسية في الوطن العربي الدولة هي السلطة والسلطة هي الدولة، وبالتالي الدولة المركزية هي التي تتوفر على سلطة مركزية. ولعلنا لا نضيف شيئا جديدا، كما لا نتزيد أو نبالغ حين نقول، أن السلطة تتمثل في القانون أو ما يعادله سواء شكل في شريعة أو في شكل عرف، المهم هو في وجود آليات الضبط وطرق المنع وكيفية العقاب، أي كل ما من شأنه ضبط سلوك الأفراد والجماعات وردع كل من يخالف القانون. والحقيقة التي لا نقاش فيها، أن نموذج الدولة الحديثة، الدولة الليبرالية/الرأسمالية، الدولة التي أفرزتها الحداثة، الدولة يحكمها الدستور وتكون فيها السيادة للأمة/الشعب، وبالتالي الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات وليس الأشخاص، وهي الدولة المعروفة في الأدبيات السياسية باسم الدولة- الأمة nation -états، أقول أن هذا النموذج قد نشأ وتبلور وتشكل في الأربعة قرون الأخيرة في أوروبا الغربية، ثم انتشر هذا النموذج، نموذج الدولة الحديثة في العالم بأسره، وقد ساهم في انتشاره عدة عوامل أبرزها الإستعمار والتوسع الرأسمالي والعولمة. ولعلنا لن نبتعد عن الصواب، إذا قلنا أن الدولة الحديثة هي وجود القانون أولاً، وهي سيادة القانون ثانيًا، وبعد ذلك هي تطبيق القانون على الجميع ثالثًا، وعندما يطبق القانون على الجميع يتحقق العدل.

نعم الدولة الحديثة هي سيادة القانون، وعلة وجودها هو توفير الأمن وضمان الحرية وتحقيق العدل.

*** 

د. مصطفى دحماني - باحث في الفكر السياسي الإسلامي

ليس من قبيل المغالاة أن نزعمَ أنَّ الأديبَ يُضاهي الفيلسوفَ في منزلته، بل إنَّ الأدبَ، في أسمى تجلياته، قد يخترقُ بالفكرِ عوالمَ لا تبلغُها الفلسفةُ بآلياتها ذاتها. فالفيلسوفُ يُقيمُ صرحَ أفكارِه على قواعدِ المنطقِ والمفاهيمِ، ويصوغُ تساؤلاتِه في أطرٍ برهانيةٍ، ويتحركُ في فضاءٍ تفترضُه المقدماتُ وتضبطُه المناهجُ. وأما الأديبُ، فيُغامرُ في المجهولِ من بوابةِ الخيالِ، ويكتبُ عن أشياءَ لا يُحسنُها معرفةً يقينيةً، ثم يحاولُ أن يُكسوَها جسدًا إنسانيًا محسوسًا. وهنا يكمنُ جوهرُ المشقةِ في العملِ الأدبيِّ؛ فالأديبُ لا يكتبُ ما يعرفُه فحسب، بل يكتبُ ما يشتاقُ إلى معرفتِه. قد يكتبُ عن قاتلٍ وهو لم يقتلْ، وعن مجنونٍ وهو لم يفقدْ عقلَه، وعن إنسانٍ يعيشُ ويلاتِ الحربِ وهو لم يشهدْها، وعن امرأةٍ لا تشبهُه، أو عن زمنٍ لم يُولدْ فيه. ومع ذلك، يُنتظرُ منه أن يُقنعَ القارئَ بأنَّ هذه التجاربَ حقيقيةٌ، وأن يمنحَ شخصياتِه بواطنَ دوافعِها ومخاوفِها وأوهامِها وأحلامِها، كأنما عاشَ حياتَها من داخلها.

أما الكاتبُ الأكاديميّ، فعلى جسامةِ مهمتِه، فإنه يسبحُ في فضاءٍ أكثرَ تحديدًا؛ لديه موضوعٌ، ومصادرُ، ومراجعُ، ومفاهيمُ، وقواعدُ، ومنهجٌ علميٌّ يسيرُ على هداه. إنه يكتبُ، في الأعمِّ الأغلب، انطلاقًا من معرفةٍ سابقةٍ، فيُحلِّلها ويناقشُها ويُضيفُ إليها. وأما الأديبُ، فقد يبدأُ من فراغٍ معرفيٍّ، ثم يبني عالَمًا كاملًا من الحدسِ والخيالِ والتجربةِ الإنسانيةِ. ولعلَّ هذا ما يجعلنا ننظرُ إلى الأديبِ الكبيرِ بوصفه فيلسوفًا على نحوٍ آخر؛ فهو لا يُقدِّمُ الفكرةَ في قالبٍ نظريٍّ، بل يُجسِّدُها في إنسانٍ. لا يقولُ لك: "ما معنى الشرِّ؟"، بل يضعُ أمامَك شخصيةً شريرةً، ثم يُدخلك إلى عقلِها، وتسمعُ تبريراتِها، وترى تناقضاتِها، وربما أحسستَ نحوَها بشيءٍ من الشفقةِ، على الرغمِ من نبذِك أفعالَها. ولا يشرحُ لك معنى العزلةِ شرحًا فلسفيًا، بل يجعلك تعيشُها مع شخصيةٍ وحيدةٍ، حتى تتحولَ العزلةُ في وعيك إلى تجربةٍ لا إلى مفهومٍ مجردٍ. وهنا يتفوقُ الأدبُ في بلوغِ جمهورٍ أوسعَ، إذ كثيرًا ما تُكتبُ الفلسفةُ بلغةٍ مفاهيميةٍ نخبويةٍ تحتاجُ إلى قارئٍ متخصصٍ قادرٍ على مُتابعةِ المصطلحاتِ والحججِ والبراهينِ، بينما يستطيعُ الأدبُ أن يُمرِّرَ الفكرةَ العميقةَ عبر الحكايةِ والشخصيةِ والصراعِ والصورةِ والرمزِ. إنه يُحيلُ الفكرَ ملموسًا، ويحوِّلُ السؤالَ الفلسفيَّ إلى تجربةٍ إنسانيةٍ نابضةٍ. ولعلَّ الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي خيرُ شاهدٍ على ذلك، فقد استطاع أن يُناقشَ قضايا الجريمةِ والحريةِ والإيمانِ والشكِّ والعدالةِ والشرِّ والضميرِ، من غير أن يكتبَ كتابًا فلسفيًا بالمعنى التقليدي. لقد غرسَ هذه الأسئلةَ في أعماقِ شخصياتِه، وجعلَ القارئَ يعيشُ الصراعَ بدلَ أن يقرأَ عنه وصفًا نظريًا. ولذلك تجاوزَ أثرُه حدودَ الأدبِ الروسيِّ إلى الفلسفةِ وعلمِ النفسِ والفكرِ العالميِّ، حتى إنَّ فرويدَ نفسه رأى في أدبِ دوستويفسكي مادةً بالغةَ الأهميةِ لفهمِ النفسِ البشريةِ، وناقشَ شخصيتَه وأعمالَه في سياقِ التحليلِ النفسيِّ. ومن هنا نُدركُ كيف يستطيعُ العملُ الأدبيُّ العظيمُ أن يكونَ أوسعَ أثرًا من بعضِ الأعمالِ الفلسفيةِ؛ لأنه لا يُخاطبُ العقلَ وحدَه، بل يخاطبُ العقلَ والوجدانَ والذاكرةَ والخيالَ دفعةً واحدةً. ولهذا قد تُغيِّرُ روايةٌ واحدةٌ نظرةَ الإنسانِ إلى العالمِ، لا لأنها قدَّمتْ له نظريةً جديدةً، بل لأنها جعلتْه يرى العالمَ بعينٍ غيرِ عينِه. وفي هذا السياقِ، تبرزُ روايةُ "الساعةِ الخامسةِ والعشرين" للكاتبِ الرومانيِّ قسطنطين جورجيو مثالًا دالًّا على قدرةِ الأدبِ في مساءلةِ الإنسانِ والتاريخِ والأنظمةِ والأيديولوجياتِ. فقد تحولتِ الروايةُ إلى شهادةٍ أدبيةٍ وفكريةٍ على الإنسانِ حين تسحقُه الآلةُ السياسيةُ والاجتماعيةُ، وأظهرتْ كيف يستطيعُ السردُ الروائيُّ أن يحملَ أسئلةً كبرى تتصلُ بالحريةِ والهويةِ والسلطةِ والاغترابِ، وأن يُواجِهَ القارئَ بهذه الأسئلةِ من خلالِ مصائرَ بشريةٍ، لا من خلالِ مفاهيمَ مجردةٍ. وليس غريبًا أن تُقارنَ بعضُ الأعمالِ الأدبيةِ الكبرى بالأعمالِ الفكريةِ المؤسسةِ؛ فالأدبُ العظيمُ لا يكتفي بأن يحكي لنا ما حدثَ، بل يسألُنا: لماذا حدثَ؟ وماذا يفعلُ ذلك بالإنسانِ؟ وكيف يمكنُ للإنسانِ أن يتحولَ إلى ضحيةٍ أو جلادٍ أو متفرجٍ؟

ومن الكتبِ العربيةِ المهمةِ التي تفتحُ بابًا واسعًا لفهمِ هذه المسألةِ، كتابُ الناقدِ العراقيِّ سعيدِ الغانمي "فاعليةُ الخيالِ الأدبي"، إذ يضعُ الخيالَ في صميمِ العمليةِ الأدبيةِ، ويُجلي لنا أن الخيالَ ليس هروبًا من الواقعِ، بل إحدى الوسائلِ الأعمقِ في إعادةِ تشكيلِه وفهمِه. وربما هنا، تحديدًا، تكمنُ قوةُ الأديبِ: إنه لا يملكُ دائمًا يقينَ الفيلسوفِ، ولا أدواتِ الأكاديميِّ، لكنه يمتلكُ قدرةً نادرةً على اختبارِ الأفكارِ داخلَ الحياةِ. فالفيلسوفُ يقولُ لك ما معنى الحريةِ، أما الأديبُ فيضعُك أمامَ إنسانٍ حُرِمَ منها. والفيلسوفُ يسألُ عن طبيعةِ الشرِّ، أما الأديبُ فيُدخلك إلى عقلِ الشريرِ. والفيلسوفُ يبحثُ عن معنى الموتِ، أما الأديبُ فيُجلِسُك إلى جوارِ إنسانٍ ينتظرُ موتَه. لهذا لا ينبغي أن ننظرَ إلى الأدبِ بوصفه نقيضًا للفلسفةِ، بل بوصفه أحدَ أشكالِ التفكيرِ الإنسانيِّ. فهناك أفكارٌ لا يمكنُ البرهنةُ عليها بسهولةٍ، لكن يمكنُ رؤيتُها، والشعورُ بها، ومعايشتُها داخلَ روايةٍ أو قصيدةٍ أو مسرحيةٍ. وإذا ما تعمقنا في هذه المقاربةِ، أدركنا أن الأدبَ يمارسُ نوعًا من الفلسفةِ الضمنيةِ التي لا تستقرُ على أطروحةٍ نهائيةٍ، بل تظلُّ في حالةِ صيرورةٍ وتوترٍ، تمامًا كالحياةِ نفسها. ففي الفلسفةِ، يطمحُ المفكرُ إلى بناءِ نظامٍ متكاملٍ، أو إلى حلِّ إشكالٍ معرفيٍّ، لكن الأديبَ لا يبحثُ عن إجاباتٍ قاطعةٍ بقدرِ ما يبحثُ عن أسئلةٍ أكثرَ إيلامًا وعمقًا. إنه يتركُ النصَّ مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددةٍ، ويُشركُ القارئَ في عمليةِ البحثِ عن المعنى، لا أن يُلقنَه إياه. وهذه السمةُ وحدها تجعلُ الأدبَ أقربَ إلى روحِ التساؤلِ الفلسفيِّ من كونه مجردَ وعاءٍ لنقلِ الأفكارِ. كذلك، يجدرُ بنا أن ننتبهَ إلى أن الأديبَ، حين يكتبُ عن الإنسانِ، لا يكتبُ عنه بوصفه كائنًا معرفيًا فحسب، بل بوصفه كائنًا راغبًا، خائفًا، محبًّا، ممزقًا بين رغباتِه وقيمِه. وهذه الرؤيةُ التركيبيةُ للإنسانِ، التي تجمعُ بين البعدِ العقليِّ والعاطفيِّ والجسديِّ، هي ما تغيبُ عن كثيرٍ من الفلسفاتِ التي تُعلي من شأنِ العقلِ على حسابِ الجسدِ والوجدانِ. فالأدبُ يُعيدُ للإنسانِ كينونتَه الكليةَ، ويُذكِّرنا بأننا لسنا مجردَ عقولٍ محلقةٍ في فضاءِ الأفكارِ، بل كائناتٌ من لحمٍ ودمٍ، تعيشُ في الزمانِ والمكانِ، وتتألمُ وتحلمُ وتخطئُ وتتوبُ.

ومن هنا يصبحُ السؤالُ الحقيقيُّ ليس: من أعمقُ، الفيلسوفُ أم الأديبُ؟ بل: أيُّهما استطاعَ أن يجعلَ الإنسانَ يفكرُ في نفسِه وفي العالمِ بطريقةٍ لم يكنْ قادرًا عليها من قبلُ؟ وعندما يبلغُ الأدبُ هذه الدرجةَ، يصبحُ الأديبُ أكثرَ من راوٍ للحكاياتِ؛ يصبحُ مفكرًا يختبئُ فكرُه داخلَ الحكايةِ، وفيلسوفًا يتحدثُ بلغةِ الإنسانِ، ويطرحُ أسئلتَه الكبرى لا من فوقِ المنبرِ، وإنما من أعماقِ الحياةِ نفسِها، ومن قلقِ الوجودِ الذي لا يهدأُ.

***

مؤمل الحطاب – جامعة موسكو

كاتب ومترجم وباحث

المعتزلة انموذجاً

يرى العديد من المفكرين العرب المعاصرين أن المعتزلة قاموا بثورة العقل على النقل، وهذه أهم سمة تميزهم عن بقية الفرق الكلامية الأخرى.

وعلى الرغم من ذلك، فإن تقديم المعتزلة للعقل على النقل كان في موارد محدودة، وليس كما تصوره لنا دراسات الفكر العربي المعاصر التي اهتمت بالمعتزلة في هذا الجانب.

فعند النظر إلى مصادر المعرفة عند المعتزلة، نجدها تنحصر في أربعة مصادر رئيسية هي:

الأول: القرآن الكريم

الثاني: السنة النبوية

الثالث: العقل

الرابع: الإجماع.

فقد كان  استعمال العقل عند المعتزلة يندرج في المرتبة الأولى فيما يتعلق بمعرفة الله أولاً؛ واثبات وجوده في المناظرات مع المخالفين ثانياً؛ يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى سنة 415 هـ: "معرفة الله لا تنال إلا بالنظر في حجة العقل". ومع ذلك، ليس المعتزلة وحدها من قدمت العقل على النقل في هذا السياق؛ فقد اعتمدت الفرق الكلامية الأخرى، على المنهج العقلي في أصول والمسائل المتعلقة بأصل التوحيد.

وعند النظر في أهم آراء المعتزلة الأساسية في منظومتهم الكلامية تعتمد على النقل - القرآن والسنة - أولاً، ثم العقل ثانياً. فلم تنفِ المعتزلة المعجزة عن النبي محمد (ص)، فضلاً عن بقية الأنبياء. وتخصيص شفاعة النبي (ص) فقط للمحسنين دون العصاة، وفقاً للأصل الثالث للمعتزلة (الوعد والوعيد)، ومعاقبة الفساق وتخليدهم بالنار، دون وصفهم بالكفر أو النفاق، هي أمثلة على ذلك.

وكذلك نجد ان الأصل الخامس عند المعتزلة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، يقوم على وجوب النهي عن المنكر كله، ويكون بالقوة في مرحلته الأخيرة إذا لزم الأمر. كل هذه الآراء وغيرها الكثير استندت إلى الدليل النقلي القائم على الإيمان بالقرآن والسنة، وليس الدليل العقلي فقط.

وليس هذا فحسب، بل إن  قسم من مفكري المعتزلة استخدمت منهج التكفير ضد مخالفيهم، كما نجد في رد الجاحظ المتوفى سنة 255هـ على الحنابلة في قولهم بعدم خلق القرآن، حيث يقول: "فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة...الخ".

أما إذا سلطنا الضوء على مكانة النقل وأهميته في المنظومة الاعتزالية، وجدنا أن أعلام المعتزلة صنّفوا مؤلفات في الفقه وعلم الرجال وخبر الآحاد. فأولهم أبو جعفر الإسكافي المتوفى سنة 240هـ، فقد ألّف كتاباً سمّاه "القاضي بين المختلفة" تناول فيه خبر الآحاد في الحديث. ثم جاء بعده أبو الحسن الخياط المتوفى سنة 290هـ، فصنّف كتاب "الردّ على من أثبت خبر الواحد". ويليه أبو علي الجبائي المتوفى سنة 303هـ، فصنّف كتاب "شرح الحديث"، وله في علم الرجال كتاب "شيوخ أبي داود". وآخرهم أبو القاسم الكعبي البلخي المتوفى سنة 319هـ، فألّف كتاب "حجّة أخبار الآحاد".

كما ويجب التفريق عند داسة افكار المعتزلة بين مدرسة  البصرة والكوفة؛ بل أكثر من ذلك، يجب التفريق بين مفكّري المعتزلة من ناحية الآراء في المسألة الواحدة .  ولعلّ أهم ما يميّز المعتزلة هو الاختلاف الكبير بين مفكّريها، حتى داخل المدرسة الواحدة، وهي ميزة قلّما نجدها عند بقيّة المدارس الكلامية الأخرى. وهكذا ونجد أنّ من الخلل المنهجيّ دراسة المعتزلة كمدرسة واحدة والحكم عليهم على هذا الأساس.

وفي الختام، نرى أن آراء المعتزلة الكلامية تعرضت لحملة تشويه على مرحلتين:

المرحلة الأولى: كانت من خلال المصادر الحنبلية والأشعرية.

والمرحلة الثانية: كانت من خلال القراءات التأويلية لبعض المفكرين العرب المعاصرين.

فهذه الحملة أدت إلى تشويه الصورة الحقيقية للمعتزلة وآرائهم، مما يستدعي إعادة النظر في فهم وتفسير أفكارهم من جديد.

***

د. علاء كاظم الجابري

 

أعلنت الحداثة الغربية فصل الدين عن السياسة، وأسست بذلك لمفهوم "العلمانية"، لكن الحقيقة لم يكن ذلك بصدد تحرير الإنـسان بقدر ما كانت تريد اعادة توزيع أدوات الهيمنة، فالدين لم يُقصَ، بل أُعيد تدويره، وما إن تفجّرت الصراعات ذات الجذور الدينية في العالم، حتى عاد الغرب ليستحضر المقدّس من جديد، لا بوصفه إيماناً، بل كحلٍّ تقني للصراع، تحت لافتة زائفة تُدعى "دين السلام العالمي".

إنّ نشأة أي دين، في معناها الفلسفي العميق، ليست حدثاً عابراً ولا تركيباً خطابياً يمكن هندسته في غرف السياسة، بل هي لحظة انفجار وجودي تتأسس على الدعوة، وعلى الصدمة الأولى للمعنى، وعلى سلطة الوحي بوصفه اقتحاماً للواقع لا تفاوضاً معه. ومن هنا تتبدّى فرادة الرسالة الإسلامية، التي لم تبدأ كمشروع علني، ولا كأيديولوجيا جاهزة، بل كدعوة سرّية، سرعان ما تحوّلت إلى إعلان كوني، مسنود بثلاثية لا تقبل الاختزال: الوحي، والكتاب، والرسول، ثلاثية صنعت ديناً، لا خطاباً، ووجوداً، لا تسوية.

وعلى الضدّ من ذلك، تشكّلت الديانات الأخرى ضمن مسارات تاريخيّة أكثر تعقيداً؛ فاليهودية، وقد ارتبطت بالألواح، لم تتبلور نصياً إلا بعد صدمة السبي البابلي، حيث تحوّل المقدّس إلى ذاكرة جمعية، وإلى نصٍّ يعيد إنتاج الهوية تحت وطأة الهزيمة. أما المسيحية، فقد تشكّل نصّها لاحقاً بوصفه تدويناً لتجربة إيمانية روحية، لا بوصفه نصاً منزَّلاً بالمعنى الصارم للوحي.

ومع الزمن، استقرّ العالم على وهم التعايش الديني، وعلى القبول بتعدّد الشرائع والمناهج، فانفتح الباب أمام خطاب "حوار الأديان"، الذي بدا في ظاهره دعوة للتقارب، لكنه في عمقه كان تمريناً ناعماً على تفريغ الدين من حدّته، وتحويله إلى لغة أخلاقية عامة بلا جذور صدامية. غير أنّ هذا المسار لم يقف عند حدود الحوار، بل انزلق، مع تراكم القبول، إلى أطروحات أكثر خطورة، ترفع شعار توحيد الأديان في دينٍ واحد، يستند إلى "المشترك الإبـراهيمي" بوصفه أصلاً جامعاً، ويُعرف اليوم بما يُسمّى بـ"الدين الإبـراهيمي الجديد".

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فهذا الدين المزعوم لا يولد من رحم المقدّس، بل من بطن السياسة، دين بلا وحي، بلا كتاب، وبلا رسول؛ دين يُبقي من النشأة الدينية عنصراً واحداً فقط، هو الاسم الرمزي لإبـراهيم، بعد أن يُجرّد من سياقه النبوي، ويُعاد تشكيله كأيقونة تصالحية تخدم مشروعاً كونياً مُسبق التصميم، إننا لسنا أمام دين، بل أمام هندسة رمزية للمقدّس، تُوظَّف لتسوية صراعات، وتبرير هيمنات، وتمرير مشاريع استيطانية واستعمارية تحت قناع التسامح.

من هنا، لا ينطلق هذا المقال من سؤال لاهوتي بريء، بل من فعل تمرّد معرفي على هذا التزييف المنظّم، تمرّد يرفض اختزال الدين إلى أداة سياسية، ويرفض تحويل إبـراهيم (ع) من نبيٍّ إلى علامة تجارية عابرة للأديان، ويسعى إلى تفكيك الاستراتيجيات الخطابية التي تُسوّق لهذا الدين الجديد، والكشف عن المسكوت عنه في سرديته، وردّ هذه النشأة المزعومة إلى أصولها السياسية والاستيطانية، لا إلى جذورها الروحية. ففي زمن تُعاد فيه صناعة المقدّس على مقاس القوة، يصبح الـتمرّد فعلاً أخلاقياً قبل أن يكون موقفاً فكرياً، وتغدو الفـلسفة آخر خطوط الدفاع عن المعنى في مواجهة دينٍ بلا وحي، وسلامٍ بلا عدالة.

إنّ ما يجري تنفيذه على الأرض يومياً لا يمكن قراءته بوصفه أحداثاً منفصلة أو تسويات سياسية عابرة، بل هو جزء عضوي من مخطط أشمل للتحوّل الثقافي، العقدي، السياسي، في المنطقة العربية، مخططٍ يسعى إلى إعادة هندسة الـوعي قبل إعادة رسم الجغرافيا، وصولاً إلى ما يمكن تسميته بـ"كيان الولايات المتحدة الإبـراهيمية"، الممتد رمزياً من المحيط إلى الخليج، مشروعٌ لا يمرّ عبر التنمية ولا عبر العدالة، بل يعبر، من بوابة تصفية القضية الفلسطينية، لا بوصفها أزمة سياسية قابلة للحل، بل بوصفها عائقاً وجودياً يجب إزالته من طريق المشروع.

ومن هذا الأفق يمكن فهم التطبيقات العملية للخطاب الإبـراهيمي التي ترافقت مع موجة التطبيع العربي مع إسرائيل، فالتطبيع هنا لا يُقدَّم كخيار سياسي فحسب، بل يُغلَّف بسردية دينية–أخلاقية ناعمة، تُفرغ الصراع من جذوره الاستعمارية، وتعيد تقديمه كخلاف ثقافي قابل للتسوية تحت مظلة السلام والأخوّة الإنـسانية. ومن هذا المنطلق أيضا، يمكن قراءة الاتفاق الذي أُطلق عليه اسم "أبراهام"، والذي رعاه الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)، وتمخّض عملياً عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2020.

فالتسمية لم تكن بريئة ولا محايدة؛ إذ أوضح السفير الأمريكي لدى إسرائيل أنّ اختيار اسم "أبراهام" يعود إلى كون إبـراهيم أباً للديانات الثلاث الكبرى: يُدعى "أبراهام" في المسيحية، و"إبـراهيم" في الإسلام، و"أبرام" في اليهودية، باعتباره، بحسب الخطاب الرسمي، الرمز الأمثل لإمكانية الوحدة بين هذه الأديان. غير أنّ هذا التفسير، في عمقه، لا يعبّر عن رغبة في الوحدة بقدر ما يكشف عن محاولة اختطاف الرمز الديني الأعلى، وتجريده من سياقه النبوي، وإعادة توظيفه بوصفه أداة سياسية عابرة للعقائد.

إنّ تسمية اتفاقيات التطبيع بين الإمارات والبحرين وإسرائيل بـ"الاتفاقات الإبـراهيمية" أثارت، ولا تزال، أسئلة جوهرية حول دلالات هذه التسمية، وخلفياتها الفـكرية، وغاياتها الفعلية، إذ لا يمكن فصل هذه التسمية عن جذورها الدينية العميقة، ولا عن استدعائها الانتقائي للتاريخ المقدّس، بما يكشف بوضوح حجم التوظيف السياسي للأبعاد الدينية والحضارية، وتطويعها لخدمة أجندات جيوسياسية محددة. وهنا يتجلّى جوهر الإشكال: فالدين، بدل أن يكون مجالاً للمعنى والتحرّر، يُعاد إنتاجه كأداة للهيمنة، وبدل أن يكون النبي رمزاً للعدالة والقطيعة مع الظلم، يتحوّل إلى جسرٍ لتطبيع الاحتلال. وتحت غطاء مفاهيم إنسانية كالسلام العالمي، والأخوّة الكونية، والتسامح بين الأديان، يُراد تمرير مشروع سياسي يستبطن نفي المظلومية الفلسطينية، وإعادة تعريف الظالم والضحية داخل سردية واحدة مصالِحة، لا مكان فيها للعدالة ولا للاعتراف بالجريمة.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

بين أدوات التفكير وحدود الإطار

فرش اشكالي: في بلد حفرت فيه الفلسفة أخاديد عميقة في صخر الهوية الثقافية والحضارية لإيران ، من زرادشت الذي جعل الأفكار الطيبة منبع الكون، إلى ابن سينا الذي حوَّل المنطق إلى سفينة عبور نحو الحكمة الحقيقية، ومن السهروردي الذي أضاء الظلام بنور الإشراق، إلى ملا صدرا الذي جعل الوجود حركة لا جثة، وصولا إلى جلال الدين الرومي الذي صرخ في وجه العقل بأن الحب يتجاوز الادراك العقلي في هذا البلد يبدو السؤال عن تدريس الفلسفة سؤالاً مربكا من شأنه ان يدخلنا في متاهة من التناقضات: بين التراث والحداثة، بين العقل والتجربة الروحية، بين حرية السؤال وضرورة الإطار.

للوهلة الأولى قد يظن الواحد منا أن الفلسفة غائبة أو هامشية في التعليم الثانوي الإيراني. لكن الفحص الدقيق للكتب المدرسية الرسمية الصادرة عن منظمة البحث والتخطيط التربوي يكشف عن بنية منهجية لافتة: هرم ثلاثي يتدرج عبر ثلاث سنوات متتالية. يبدأ في الصف العاشر بالمنطق بوصفه ميزان الفكر وأداة التفكير، ثم ينتقل في الصف الحادي عشر إلى مدخل في ماهية الفلسفة وتاريخها ومسألة المعرفة، ليغلق في الصف الثاني عشر بالمنظومة الإسلامية المستندة إلى الحكمة المتعالية، هذا النموذج يجمع في آن واحد بين تعليم كيفية التفكير وتحديد ما يُسمح بالتفكير فيه، حيث يمنح الطالب أدوات المنطق والنقد، لكنه يضع هذه الأدوات داخل إطار يحدد حدودها سلفاً. ومن هنا ينبثق السؤال المركزي: هل هذا الهرم نافذة حقيقية على التفلسف الحر، أم جدار أنيق يحول الفلسفة إلى معرفة موجهة؟ وكيف يتعامل هذا المنهج مع تراث فلسفي حي كان يصف نفسه، كما لاحظ هنري كوربان، بـروايات رحلة في العالم المعقول؟¹

لا يمكن فهم المنهج الحالي لتدريس الفلسفة في ايران دون العودة إلى عمق التربية في التراث الإيراني. ففي التراث الزرادشتي كانت المبادئ الثلاثة: الأفكار الطيبة والكلمات الطيبة والأعمال الطيبة أساس التربية الأخلاقية والعلمية. وفي العصر الساساني تجسد هذا الاهتمام في أكاديمية جندي سابور التي جمعت بين الطب والفلسفة والعلوم وأصبحت فضاء للحوار بين الحضارات، و مع مجيء الإسلام ظهرت مدارس فلسفية متعددة: المشائية مع الفارابي وابن سينا التي ركزت على بناء الفضائل بالعادة والممارسة، والإشراقية مع السهروردي التي حوَّلت المنطق الأرسطي إلى طريق نوراني وفتحت باب العالم الخيالي كمستوى أنطولوجي حقيقي، والحكمة المتعالية مع ملا صدرا التي قدمت نظاما فلسفيا شاملا ومارست نقداً صريحاً للشكلية الدينية، وكانت المكاتب التقليدية تجسد هذه الرؤية عملياً بحرية اختيار المعلم والحوار والتعليم القائم على الحاجة الفردية، ومع التحديث في القرن التاسع عشر تأسست دار الفنون على النمط الفرنسي، وبحلول مطلع الستينيات ظهرت مادة المنطق والفلسفة رسمياً. أما التحول الحاسم فجاء بعد الثورة الإسلامية عام 1979، حيث أُعيدت صياغة المحتوى ضمن إطار إسلامي مستند إلى الحكمة المتعالية، مع الإبقاء على الهيكل المؤسسي للمادة. ²

في الصف العاشر يدرس الطالب كتاب المنطق، والعنوان نفسه يكشف عن استراتيجية واعية: حيث يعتبر المنطق في التقليد الإسلامي الإيراني هو ميزان الفكر و أداة قبل أن يكون محتوى، وهو بذلك آمن إيديولوجياً لأنه  يعلم الطالب كيف يفكر دون أن يدفعه للتساؤل عما إذا كان ما يُفكر فيه صحيحاً.

يفتتح الكتاب باقتباس للخميني يقول فيه:"  أن الإسلام دين قائم على المنطق ولا يخاف من حرية البيان والقلم"  ثم يستهل درسه الأول باقتباس ابن سينا الذي يصوّر المنطق علماً للميزان وسائر العلوم علماً للربح والخسارة. ومن حيث الموارد المعرفية يتكون الكتاب من سبعة أبواب تتدرج من ماهية المنطق إلى علاقات الذهن واللغة والخارج، ثم التعريف، فالاستدلال الاستقرائي، فالقضايا الحملية والقياس الاقتراني، فالقضايا الشرطية، ليختتم بالمنطق التطبيقي والتفكير الناقد، والملاحظ ان هذا الكتاب يحتضن تنوعاً فكرياً داخل إطار واحد: المنطق الأرسطي، والمنطق الإسلامي-الإيراني ممثلاً في ابن سينا ونصير الدين الطوسي، والإشارات إلى المنطق الحديث. ويعتمد الحكايات الفلسفية كأداة تدريسية، فيقترب شكلياً من منهج فلسفة الأطفال، لكنه يبقى موجَّهاً نحو بناء قياس صحيح دون مساءلة المقدمات ذاتها.³

في الصف الحادي عشر يأتي كتاب الفلسفة الاول ليكون الحلقة التي تربط بين المنطق كأداة والفلسفة كمحتوى، يفتتح الكتاب باقتباس يضع العقل في مرتبة أعلى من الحس ضمن رؤية تؤكد أن قانون العلية والمعلولية معقول لا محسوس، ويستحضر ملا صدرا ليميز بين مستويين من التفكير: الانشغال بأمور الحياة العادية، والدخول في الأسئلة الأساسية التي يراها مرحلة أرقى. يتناول الكتاب ماهية الفلسفة والعجب الفلسفي ودرجات التفكير وأصل الكلمة اليوناني وخصائص الفلسفة، ثم قضايا المعرفة والإدراك. وفق منهجية سقراطية وأسئلة مفتوحة وحكايات، لكن الغيابات لافتة: تاريخ الفلسفة الإسلامية مؤجل، وأفلاطون وأرسطو مختصران، والميتافيزيقا والإلهيات مؤجلة، ولا فلاسفة غربيون معاصرون.⁴

في الصف الثاني عشر يُغلق الهرم بكتاب الفلسفة الثاني. فبعد أن يكون الطالب قد تعلم كيف يفكر وعرف ماهية الفلسفة، يأتي ليتلقى الإجابات، حيث ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: الواقع والوجود بما يتضمنه من مباحث الوجود والماهية وعالم الممكنات والعلة الأولى؛ ثم الله والعقل حيث تُدرَّس براهين وجود الله بما فيها نقد هيوم، قبل أن تُختم الدروس بخلاصات تؤكد أن الوجود الواجب هو الإجابة الصحيحة؛ ثم نظرة موجزة إلى سير الفلسفة في العالم الإسلامي من الكندي إلى ملا صدرا والعلامة الطباطبائي و مطهري. وما يعاب على الكتاب هو الإطار الإيديولوجي الذي يتجلى في مرجعية افتتاحية الكتب وفي التوحيد كأفق نهائي وفي الخلاصات الجاهزة التي تغلق النقاش. فلا وجود لفلسفة نيتشه ولا ماركس ولا فوكو، ولا فلسفة سياسية مستقلة، ولا أخلاق فلسفية منفصلة عن الإطار الديني.⁵

يتميّز التراث الفلسفي الإيراني بعمق يجمع بين الصرامة المفاهيمية والتجربة الروحية، فعند ابن سينا تتحول الفلسفة إلى بحث عن الحكمة الحقيقية ومسار يرتقي بالروح، و مع السهروردي يصبح النور المفهوم المركزي وتغدو الفلسفة تجربة إشراقية تجمع بين الاستدلال والذوق، ويفتح باب العالم الخيالي كمستوى أنطولوجي وسيط. أما ملا صدرا فيشنّ هجوماً صريحاً على من يقتصر على ظاهر الشريعة، ويرى الفلسفة تفسيراً حياً مستمراً. ويصل التيار إلى أقصى درجاته مع الرومي الذي يرى في الحب تجربة تتجاوز العقل تماماً. هذا التراث الحي يواجه تحولاً واضحاً حين يدخل المنهج المدرسي حيث  تُستدعى الأسماء وتحفظ المفاهيم، لكن يُغيب البعد النقدي الحاد والبعد الشعري الصوفي و ما كان رحلة داخلية يصبح محتوى معرفياً موجَّهاً.⁶

هذا النموذج يمثل في آن واحد نافذة وجداراً، فثلاثة سنوات من المنطق والفلسفة إنجاز نادر في العالم الإسلامي، والانفتاح الانتقائي على هيوم وديكارت وكانط ليس بالأمر الهين، والمنهجية السقراطية الشكلية تعود الطالب على بعض مهارات التفكير، وإحياء التراث يحفظ أسماءً غنية. لكن الإطار الإيديولوجي المحكم، وغياب النقد الجذري، وغياب الفلسفة السياسية والأخلاق المستقلة، وغلبة الجانب القابل للاختبار على ممارسة التفلسف الحر، حول الفلسفة إلى معرفة موجَّهة. حيث تشير الأبحاث المحلية إلى ضعف تدريب المعلمين وغلبة الجانب المعرفي على الممارسة الحوارية ونظام تقييم يركز على الحفظ.

ورغم وجد تجارب في فلسفة الأطفال أظهرت نتائج إيجابية، الا انها لم تتحول إلى سياسة وطنية. ذلك ان  كل مقترح لتطوير المنهج يصطدم بجدار الخوف الإيديولوجي، فالفلسفة الحقيقية تشجع على التساؤل حول الوجود والله والدين والسلطة والنظام  رغم زخرفته بالفلسفة الإسلامية على غرار كل الأنظمة العربية والاسلامية يخشى هذا التساؤل.

***

عمرون علي

......................

الهوامش

1- هنري كوربان، في الإسلام الإيراني: جوانب روحية وفلسفية، أربعة أجزاء، منشورات الجمل، بيروت. يصف كوربان الفلسفة الإيرانية بأنها روايات رحلة في العالم المعقول.

2 - مهدي نقستين، تاريخ التربية وفلسفتها؛ بختيار شعباني وراقي ورؤيا محمدي شابكي، فلسفة التربية الإيرانية، مجلة النظرية التربوية والفلسفة، 2020؛ أبو الحسن كاظمي ساساني، التعليم في إيران، تقرير مكتب التربية الأمريكي، 1963.

3 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، المنطق ومباحثه، كتاب الصف العاشر، وزارة التربية والتعليم، طهران، الطبعة السادسة .

4 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، فلسفة 1: الفلسفة وأبعادها، كتاب الصف الحادي عشر، وزارة التربية والتعليم، طهران.

5 - منظمة البحث والتخطيط التربوي، فلسفة 2، كتاب الصف الثاني عشر، وزارة التربية والتعليم، طهران.

6 - هنري كوربان، المرجع السابق.

7 - كريستيان جامبيه، فلسفة إيران، حلقات إذاعية ضمن برنامج دروب الفلسفة، إذاعة فرنسا الثقافية، 2017.

من استهلاك التكنولوجيا إلى بناء السيادة الرقمية وصناعة المستقبل

على سبيل الافتتاح: حين يصبح الذكاء الاصطناعي سؤالا عن المستقبل:

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني جديد يضاف إلى سلسلة التحولات التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة، بل أصبح أحد المحددات الأساسية لمستقبل الاقتصاد والمعرفة والإدارة والصناعة والتعليم وسوق الشغل. فالعالم يشهد اليوم انتقالا متسارعا من الاقتصاد القائم على الموارد المادية إلى اقتصاد تتزايد فيه قيمة البيانات والخوارزميات والقدرة على المعالجة والحوسبة والابتكار.

وفي خضم هذا التحول العالمي، يبدو أن المغرب اختار ألا ينتظر اكتمال ملامح الثورة الجديدة حتى يبدأ في التعامل معها، وإنما اتجه إلى الاستثمار فيها مبكرا، انطلاقا من تصور يجعل الذكاء الاصطناعي جزءا من التحول الرقمي ومن رهانات التنمية المستقبلية.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من حجم الأهداف المعلنة، إذ يستهدف المغرب، في أفق 2030، خلق نحو 50 ألف فرصة عمل مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتكوين 200 ألف خريج في مهارات الذكاء الاصطناعي، والسعي إلى إضافة نحو 100 مليار درهم، أي ما يقارب 10 مليارات دولار، إلى الناتج الداخلي الإجمالي. ولا يرتبط هذا الطموح بالتكوين والتشغيل فقط، بل يقوم كذلك على رفع القدرة الوطنية لمعالجة البيانات من خلال مراكز البيانات السيادية، وتوسيع البنية التحتية للحوسبة السحابية والألياف البصرية، وربط مراكز الذكاء الاصطناعي بالجامعات والقطاع الخاص، وإدماج حلول الذكاء الاصطناعي في الإدارة والقطاعات الإنتاجية.

وهنا تتجاوز القضية حدود التكنولوجيا لتصبح سؤالا حول قدرة المغرب على الانتقال من مجتمع يستهلك التكنولوجيا إلى مجتمع يشارك في إنتاج المعرفة التي تقوم عليها التكنولوجيا.

فالمسألة ليست في امتلاك تطبيقات الذكاء الاصطناعي فقط، وإنما في امتلاك شروط إنتاجه وتوطينه وتطويره وتكييفه مع الخصوصيات الوطنية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم العبارة التي تختصر فلسفة هذا الرهان:

الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية للدول الكبرى فقط، بل فرصة ذهبية لمن يمتلك الرؤية والجرأة.

فالرؤية تسمح باستشراف التحول قبل اكتماله، والجرأة تسمح بتحويل الاستشراف إلى استثمار ومؤسسات وبنية تحتية وكفاءات.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها:

إلى أي حد يستطيع المغرب تحويل رهانه على الذكاء الاصطناعي من مجرد استثمار في التكنولوجيا إلى مشروع وطني لإنتاج المعرفة وبناء السيادة الرقمية وتعزيز القدرة التنافسية، وما الشروط الضرورية لنجاح هذا الانتقال في أفق 2030؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الجزئية:

هل تكفي الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية لبناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي؟

كيف يمكن تحويل 200 ألف خريج مستفيد من التكوين إلى قوة بشرية منتجة للمعرفة والابتكار؟

هل يستطيع المغرب الانتقال من استخدام الحلول الأجنبية إلى تطوير حلول مغربية؟

ما موقع الجامعة والبحث العلمي في هذه الثورة؟

كيف يمكن تحقيق التوازن بين الانفتاح على الشركات العالمية والحفاظ على السيادة الرقمية؟

وما الذي يجعل الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية للمغرب، وليس مجرد موجة تقنية عابرة؟

أهمية الدراسة:

تتجلى أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول واحدا من أكثر التحولات تأثيرا في حاضر المغرب ومستقبله، والمتمثل في الانتقال من مرحلة الرقمنة التقليدية إلى مرحلة توظيف الذكاء الاصطناعي باعتباره رافعة جديدة للتنمية والابتكار وصناعة القيمة. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية متقدمة تستخدم في بعض المجالات المتخصصة، وإنما أصبح عنصرا متداخلا في الاقتصاد والتعليم والإدارة والصناعة والبحث العلمي وسوق الشغل، بما يجعله جزءا من التحولات العميقة التي تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والإنتاج والتكنولوجيا.

وتكتسب الدراسة أهميتها كذلك من محاولتها قراءة الرهان المغربي على الذكاء الاصطناعي قراءة تتجاوز المعطى الرقمي والإخباري، حيث لا تكتفي بالوقوف عند الأهداف المرتبطة بخلق فرص العمل وتكوين الكفاءات وزيادة الناتج الداخلي، وإنما تسعى إلى مساءلة الشروط التي تجعل هذه الأهداف قابلة للتحقق، وفي مقدمتها بناء البنية التحتية الرقمية، وتطوير مراكز البيانات السيادية، وتوسيع الحوسبة السحابية، وتعزيز شبكات الألياف البصرية، وتأهيل الموارد البشرية، وربط الجامعة بالبحث العلمي والابتكار والمقاولة.

كما تنبع أهمية الدراسة من إبرازها البعد الاستراتيجي للبيانات والقدرة الحوسبية في بناء السيادة الرقمية. فالدول لم تعد تقيس قوتها الاقتصادية بمواردها الطبيعية ومؤسساتها الإنتاجية فقط، وإنما أصبحت القدرة على امتلاك البيانات ومعالجتها وحمايتها وتوظيفها عاملا متزايد الأهمية في تحديد موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد. ومن ثم فإن الاستثمار المغربي في مراكز البيانات والحوسبة والبنية الرقمية يمكن قراءته باعتباره جزءاً من بناء مقومات جديدة للسيادة الوطنية.

وتتجلى أهمية أخرى للدراسة في تركيزها على الإنسان المغربي باعتباره محور التحول التكنولوجي. فاستهداف تكوين مئات الآلاف من الخريجين في مهارات الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يفهم فقط بوصفه استجابة لحاجات سوق الشغل، بل باعتباره استثمارا في الرأسمال البشري والمعرفي للمغرب. ومن هنا تطرح الدراسة سؤالا جوهريا حول الانتقال من مجرد تدريب المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي إلى تكوين باحثين ومهندسين ومبرمجين ومبتكرين قادرين على إنتاج المعرفة والحلول الرقمية وتطويرها.

وتتأكد أهمية الدراسة أيضا من خلال مساءلتها طبيعة الشراكات الدولية التي ينخرط فيها المغرب في هذا المجال، ومن بينها التعاون مع شركة Mistral AI الفرنسية، حيث تطرح هذه الشراكات إشكالية دقيقة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة من الخبرة والتكنولوجيا العالمية وبين بناء قدرة وطنية مستقلة على إنتاج المعرفة وتوطينها. ومن ثم يصبح الانفتاح على التكنولوجيا العالمية وسيلة لبناء الكفاءة الوطنية، لا بديلا عنها.

وتكتسب الدراسة بعدا إضافيا من خلال ربطها بين الذكاء الاصطناعي والطاقة والتنمية المستدامة، ذلك أن مراكز البيانات والبنية الحوسبية تحتاج إلى قدرات طاقية متزايدة، وهو ما يجعل الجمع بين الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الطاقات المتجددة أحد المجالات التي يمكن أن تمنح المغرب ميزة استراتيجية في المستقبل.

وأخيرا، تتمثل الأهمية الفكرية لهذه الدراسة في أنها تحاول قراءة الذكاء الاصطناعي باعتباره رهانا على المستقبل وليس مجرد تقنية للحاضر، فالمغرب أمام فرصة لإعادة تحديد موقعه في اقتصاد المعرفة، ليس فقط باعتباره مستهلكا للتكنولوجيا، وإنما باعتباره منتجا لها ومطورا لحلولها ومصدرا لخدماتها، ولا سيما في محيطه الإفريقي.

ومن هنا تتأسس الفكرة المركزية للدراسة والتي تتمثل قي كون الذكاء الاصطناعي ليس رفاهية للدول الكبرى فقط، بل فرصة ذهبية للدول التي تمتلك الرؤية والجرأة، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى قوة وطنية مستدامة يظل رهينا بالعلم والكفاءة والبحث العلمي والحكامة والاستمرارية.

 الذكاء الاصطناعي من التكنولوجيا إلى الجغرافيا الجديدة للقوة:

أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم جزءا من إعادة تشكيل موازين القوة في العالم. فالدولة التي تمتلك القدرة على جمع البيانات ومعالجتها، وتطوير الخوارزميات، وتوفير مراكز الحوسبة، وإنتاج الكفاءات، لا تمتلك مجرد تفوق تقني، وإنما تمتلك جزءا من شروط القوة الاقتصادية والمعرفية المستقبلية.

ولهذا لم تعد المنافسة بين الدول محصورة في امتلاك المصانع والطرق والموانئ ومصادر الطاقة، بل أضيفت إليها منافسة جديدة حول البيانات، ومراكز الحوسبة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والقدرة على إنتاج المعرفة الرقمية.

ومن هنا تأتي أهمية التحول المغربي، لأنه يضع الذكاء الاصطناعي ضمن سياق أوسع من مجرد تحديث تقني، سياق يتعلق بموقع المغرب في الاقتصاد العالمي الجديد.

 50 ألف فرصة عمل: عندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى رهان على الإنسان:

قد يبدو رقم 50 ألف فرصة عمل رقما اقتصاديا في ظاهره، لكنه يحمل دلالة أعمق، فالذكاء الاصطناعي لا يخلق وظائف جديدة فقط، بل يعيد تشكيل طبيعة الوظائف الموجودة أصلا..ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس كم وظيفة ستنشأ، وإنما أي نوع من الوظائف سينشأ؟

هل يتعلق الأمر بوظائف بسيطة مرتبطة باستعمال التطبيقات؟ أم بوظائف عالية القيمة في البرمجة والهندسة وعلوم البيانات والأمن السيبراني والبحث والتطوير؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون حاسمة في تحديد طبيعة المكاسب التي سيحققها المغرب.

فإذا استطاعت المملكة تكوين كفاءات قادرة على بناء النماذج والخوارزميات وتطوير الحلول، فإن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى رافعة حقيقية لاقتصاد المعرفة.

أما إذا ظل الاستخدام محصورا في استهلاك المنتجات الأجنبية، فقد يتحول جزء من الاستثمار إلى مجرد توسيع لسوق التكنولوجيا المستوردة. وهنا تكمن أهمية الانتقال من المستخدم الرقمي إلى المنتج الرقمي.

200 ألف خريج: الرهان الحقيقي ليس في العدد وإنما في نوعية الكفاءة ؛

إن هدف تكوين 200 ألف خريج في مهارات الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم عناصر المشروع المغربي.

لكن القراءة النقدية لهذا الرقم تفرض التمييز بين التدريب على استعمال الذكاء الاصطناعي والتكوين القادر على إنتاج الذكاء الاصطناعي.

فالأول يمكن أن يتم خلال دورات قصيرة، بينما الثاني يحتاج إلى سنوات من التكوين في الرياضيات والإحصاء والبرمجة والهندسة وعلوم البيانات والمنطق واللغات.

ومن هنا ينبغي ألا تتحول الثورة الرقمية إلى مجرد سوق جديدة للشهادات والدورات التكوينية، حيث أن المطلوب هو بناء إنسان مغربي قادر على فهم الخوارزميات، وتحليل البيانات، وتطوير البرمجيات، وبناء النماذج، وتقييم نتائج الذكاء الاصطناعي، واكتشاف أخطائه وانحيازاته، و توظيفه في البحث العلمي والإدارة والصناعة والتعليم.

وهذا يعني أن الجامعة المغربية تصبح شريكا مركزيا في المشروع، وليست مجرد مؤسسة لتزويد السوق بالموارد البشرية.

 مراكز البيانات السيادية: الوجه الآخر للذكاء الاصطناعي:

من أقوى عناصر المشروع المغربي التركيز على مراكز البيانات السيادية، حيث يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات وقدرة هائلة على معالجتها، ومن ثم فإن امتلاك البنية التحتية التي تستضيف البيانات وتعالجها يصبح جزءا من السيادة الرقمية.

وتشير المعطيات المعلنة إلى أن رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد المغربي يرتبط إلى حد كبير بتوسيع القدرة المحلية لمعالجة البيانات عبر مراكز بيانات سيادية، وتطوير الحوسبة السحابية وشبكات الألياف البصرية.

وهنا نصل إلى تحول مهم في مفهوم السيادة.

فكما كانت السيادة في مراحل تاريخية مرتبطة بالأرض والحدود والثروات الطبيعية، فقد أصبحت اليوم مرتبطة كذلك بالقدرة على حماية البيانات وإدارتها ومعالجتها وتوظيفها. ومن ثم فإن مركز البيانات ليس مجرد مبنى تقني، بل يمكن أن يصبح أحد رموز السيادة الاقتصادية والمعرفية الجديدة.

 الحوسبة السحابية والألياف البصرية: البنية غير المرئية للثورة:

كثيرا ما يظهر الذكاء الاصطناعي في الوعي العام على شكل روبوت أو تطبيق أو محادثة ذكية. غير أن وراء هذه الواجهة البسيطة توجد منظومة ضخمة من مراكز البيانات والخوادم والشبكات والطاقة والألياف البصرية والحوسبة السحابية.

ومن هنا فإن الاستثمار في هذه المجالات يمثل استثمارا في البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد الرقمي.

ولا يمكن للمغرب أن يبني اقتصادا متقدما للذكاء الاصطناعي إذا لم تتوفر لديه قدرة مستقرة وسريعة وآمنة على نقل البيانات وتخزينها ومعالجتها.

ولهذا فإن التحول الرقمي ينبغي أن يقرأ باعتباره منظومة متكاملة، وليس مجموعة من المشاريع المنفصلة.

11 مليار درهم: من الإنفاق الرقمي إلى الاستثمار المنتج:

خصص المغرب نحو 11 مليار درهم، أي ما يقارب 1.2 مليار دولار، لاستراتيجية التحول الرقمي للفترة الممتدة من سنة 2024 إلى سنة 2026، وتشمل هذه الاستراتيجية مبادرات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتوسيع البنية التحتية للألياف البصرية. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الاستثمار لا تقاس بحجمه المالي وحده.

فالسؤال الأهم هو: كيف يتحول الإنفاق على التكنولوجيا إلى قيمة مضافة مستدامة؟

وهنا تظهر الحاجة إلى ربط الاستثمار الرقمي بالإنتاج، والجامعة، والبحث العلمي، والمقاولة، والتصدير.

فالاستثمار الناجح في الذكاء الاصطناعي هو الذي ينتج بعد سنوات شركات، وبراءات، وبرمجيات، وخدمات، ومهندسين، وباحثين، وحلولا مغربية قابلة للتصدير.

 الشراكة مع Mistral AI: الانفتاح على العالم دون التفريط في بناء القدرة الوطنية:

تكتسب الشراكة المغربية مع شركة Mistral AI الفرنسية أهمية خاصة في هذا السياق.

ففي 12 شتنبر 2025، وقعت وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة مذكرة تفاهم مع الشركة الفرنسية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتركز التعاون على تنمية الكفاءات المحلية من خلال التكوين والبحث التطبيقي وتبادل الخبرات، إضافة إلى دعم الشركات الناشئة والمشاريع الصناعية المبنية على حلول الذكاء الاصطناعي. كما نص التعاون على تعزيز الاستخدام الأخلاقي والشامل والمسؤول للذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات.

وتكشف هذه الشراكة عن معادلة استراتيجية مهمة تتجلى في الانفتاح على الخبرة العالمية، مع بناء القدرة الوطنية. وهذا هو التحدي الحقيقي.

فالشراكة مع الشركات العالمية ينبغي ألا تجعل المغرب مجرد سوق للمنتجات الرقمية الأجنبية، بل ينبغي أن تساعده على اكتساب المعرفة والخبرة وتطوير كفاءاته المحلية. وبتعبير آخر ، يجب أن تتحول الشراكة من نقل التكنولوجيا إلى توطين المعرفة.

 من الاستهلاك إلى الإنتاج:

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر الذكاء الاصطناعي هو أن يتحول المجتمع إلى مستهلك دائم للأدوات التي تنتجها شركات خارجية، حيث أن المستخدم المغربي يستطيع اليوم أن يستعمل أدوات الذكاء الاصطناعي بسهولة، لكن الرهان الأكبر هو: هل يستطيع المغرب أن ينتج أدواته الخاصة؟

وهنا تظهر أهمية الاستثمار في نماذج تراعي اللغة العربية والأمازيغية والخصوصيات الثقافية والإدارية والاقتصادية للمملكة، حيث أن الدول التي تنتج المعرفة الرقمية لا تنتج فقط أدوات تقنية، وإنما تنتج أيضا تمثلاتها الخاصة للعالم واللغة والمعلومة والمعرفة.

ومن هنا يصبح إنتاج الذكاء الاصطناعي قضية معرفية وثقافية إلى جانب كونها قضية اقتصادية.

 الجامعة المغربية: من فضاء للتكوين إلى مختبر لصناعة المستقبل ؛

إذا كان المغرب يريد فعلا أن يتحول إلى مركز تفوق في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، فإن الجامعة ينبغي أن تكون في قلب المشروع. فالجامعة هي المكان الذي تتقاطع فيه علوم الرياضيات والإعلاميات والهندسة واللغات والاقتصاد والقانون والعلوم الإنسانية.

ولا يمكن اختزال الذكاء الاصطناعي في العلوم التقنية وحدها. فنجاحه يحتاج كذلك إلى الباحث في القانون الذي يدرس المسؤولية الرقمية، وإلى الباحث في اللغة الذي يطور معالجة اللغة العربية والأمازيغية، وإلى الباحث في الاجتماع الذي يدرس أثر الذكاء الاصطناعي على المجتمع، وإلى الفيلسوف الذي يسائل علاقة الإنسان بالآلة، وإلى المتخصص في التربية الذي يعيد التفكير في المدرسة والجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي.

وهكذا يصبح المشروع مشروعا معرفيا متعدد التخصصات.

 الذكاء الاصطناعي والإدارة: من الرقمنة إلى الإدارة الذكية:

إن من أهم المجالات التي يمكن أن تحقق فيها المملكة المغربية مكاسب مباشرة هي مجال الإدارة العمومية.

فالذكاء الاصطناعي قادر على المساهمة في معالجة الوثائق، وتحليل البيانات، وتسهيل الولوج إلى الخدمات، ودعم اتخاذ القرار، وتحسين بعض العمليات الإدارية.

لكن هذا الاستخدام ينبغي أن يتم وفق قاعدة أساسية تتجلى في كون أن التكنولوجيا هي التي في خدمة الإنسان، وليس العكس أن الإنسان هو الذي في خدمة التكنولوجيا.

فكلما توسع استخدام الخوارزميات في الإدارة، ازدادت الحاجة إلى الشفافية وحماية البيانات والمسؤولية والمراقبة البشرية.

ولهذا فإن إعداد إطار قانوني ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي يمثل جزءا أساسيا من نجاح المشروع. وقد أشارت المعطيات المعلنة إلى أن الحكومة المغربية تعمل على إعداد تشريع ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المنتج:

لن تبلغ الاستثمارات الرقمية مداها الحقيقي إذا ظلت منفصلة عن القطاعات الإنتاجية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم الصناعة من خلال تحسين الإنتاج والصيانة والتنبؤ، ويمكن أن يخدم الفلاحة من خلال تحليل المعطيات المناخية والزراعية، ويمكن أن يطور اللوجستيك والنقل والطاقة، ويمكن أن يدعم البحث العلمي والتعليم.

وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من قطاع مستقل إلى أداة لتحويل القطاعات الأخرى..وهذا هو أحد أهم معايير نجاح المشروع المغربي والذي لا يتمثل في عدد مراكز الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما يتعلق أبضا بمقدار التحول الذي تحدثه هذه المراكز في الاقتصاد والمجتمع.

الذكاء الاصطناعي والطاقة:

توجد علاقة وثيقة بين الثورة الرقمية والتحول الطاقة، حيث تحتاج مراكز البيانات إلى كميات كبيرة من الطاقة، كما يحتاح الذكاء الاصطناعي في المقابل إلى قدرات حوسبة متزايدة باستمرار.

ومن هنا تبرز إحدى نقاط القوة الاستراتيجية للمغرب والتي تتجسد في الجمع بين الاستثمار في الاقتصاد الرقمي وتطوير الطاقات المتجددة.

وقد أشارت المعطيات المتعلقة بالمشروع المغربي إلى التخطيط لإنشاء مركز بيانات بقدرة 500 ميغاواط في الداخلة يعمل بالطاقة المتجددة، بما يخدم في الوقت نفسه معالجة البيانات وتعزيز أمن وسيادة تخزينها وطنيا. وهنا تتقاطع ثلاثة رهانات استراتيجية تتمثل في الطاقة والبيانات والذكاء الاصطناعي، بما يجعل العلاقة بينها إحدى أهم مداخل بناء الاقتصاد الرقمي المستدام. فمراكز البيانات تحتاج إلى موارد طاقية متزايدة، والذكاء الاصطناعي يعتمد على قدرات حوسبية ضخمة لمعالجة البيانات وتوظيفها، بينما تتيح الطاقات المتجددة للمغرب إمكانية توفير جزء مهم من الاحتياجات الطاقية لهذه البنية الرقمية بكلفة واستدامة أفضل. ومن ثم فإن الجمع بين الطاقة النظيفة والبيانات والذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تقاطع تقني، بل يمكن أن يشكل رافعة استراتيجية لتعزيز السيادة الرقمية، وتحفيز الابتكار، وخلق قيمة اقتصادية جديدة، وترسيخ موقع المغرب ضمن الاقتصادات الصاعدة في مجال التكنولوجيا والمعرفة.

هذا التقاطع بين الطاقة والبيانات والذكاء الاصطناعي ت يمكن أن يمنح المغرب ميزة استراتيجية مهمة إذا أحسن استثماره.

 المغرب وإفريقيا: من التحول الوطني إلى الطموح القاري:

لا ينبغي أن يتوقف طموح المغرب عند بناء سوق وطنية للذكاء الاصطناعي. فالموقع الجغرافي للمملكة، وعلاقاتها الاقتصادية والمؤسساتية مع إفريقيا، وقدرتها على بناء شراكات دولية، تفتح أمامها فرصة للتحول إلى منصة إقليمية في مجال التكنولوجيا والبيانات والتكوين الرقمي. وقد أكدت وزارة الانتقال الرقمي أن أحد أهداف التعاون مع Mistral AI هو تعزيز موقع المغرب كمنصة إقليمية وإفريقية في الذكاء الاصطناعي والابتكار الرقمي. وهنا يمكن أن يتحول المغرب من مستورد للحلول إلى مطور ومصدر للخدمات الرقمية والمعرفة والكفاءات.

الرؤية والجرأة:

إن أهم ما يميز الرهان المغربي، في تقديري، ليس فقط حجم الأرقام، وإنما القدرة على النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره فرصة مستقبلية.

فالذكاء الاصطناعي ليس رفاهية للدول الكبرى فقط. بل يعتبر فرصة للدول التي تمتلك الرؤية والجرأة.

حيث الرؤية تعني أن تدرك الدولة التحول قبل أن يصبح أمرا واقعا، في حين تعني الجرأة أن تستثمر في المجال في الوقت الذي لا تزال فيه نتائجه النهائية غير مكتملة.

والمغرب، من خلال الجمع بين البنية التحتية الرقمية، وتكوين الكفاءات، ومراكز البيانات، والشراكات الدولية، والطاقة المتجددة، والبحث العلمي، يحاول بناء منظومة متكاملة تسمح له بالدخول إلى هذه المرحلة الجديدة.

لكن الرؤية والجرأة وحدهما لا تكفيان.

فهما تحتاجان إلى الحكامة، والاستمرارية، والتقييم، والشفافية، والبحث العلمي، وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.

 ما الذي ينبغي أن نراقبه حتى 2030؟

إن إعلان الأهداف يمثل خطوة أولى، لكن القيمة الحقيقية لأي استراتيجية تظهر في قدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس. ولهذا فإن السنوات المقبلة ينبغي أن تجيب عن مجموعة من الأسئلة من قبيل:

هل تحولت 50 ألف فرصة عمل إلى وظائف ذات قيمة مضافة؟

هل استفاد 200 ألف خريج من تكوين نوعي أم من تدريب محدود؟

كم عدد الشركات المغربية التي ستنتج حلولا للذكاء الاصطناعي؟

كم عدد براءات الاختراع والمنتجات الرقمية التي ستخرج من الجامعات؟

هل ستصبح البيانات المغربية أكثر أمنا وسيادة؟

هل ستتمكن الشركات المغربية من تصدير حلول الذكاء الاصطناعي إلى إفريقيا؟

وهل سيتحول الاستثمار الرقمي إلى زيادة فعلية في الإنتاجية والثروة؟

حيث تعتبر هذه الأسئلة بمثابة جزء من المراقبة النقدية لأي مشروع استراتيجي.

على سبيل الختام: حين يصنع المغرب موقعه في عصر الذكاء الاصطناعي:

إن الرهان المغربي على الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد استجابة لموضة تقنية عابرة، وإنما باعتباره محاولة للانخراط في واحدة من أكبر التحولات التي يعرفها العالم المعاصر.

فخلق 50 ألف فرصة عمل، وتكوين 200 ألف خريج، والسعي إلى إضافة نحو 100 مليار درهم إلى الناتج الداخلي الإجمالي، ليست مجرد أرقام منفصلة، بل أجزاء من تصور أوسع لبناء اقتصاد أكثر اعتمادا على المعرفة والابتكار. غير أن النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد الأجهزة والخوادم ومراكز البيانات وحدها.

بل إنه سيقاس بقدرة المغرب على إنتاج الإنسان القادر على إنتاج التكنولوجيا. وسيُقاس كذلك بقدرته على تحويل الجامعة إلى مختبر للابتكار، والشركات الناشئة إلى أدوات لإنتاج القيمة، والبيانات إلى مورد سيادي، والطاقة النظيفة إلى قوة مساندة للاقتصاد الرقمي، والشراكات الدولية إلى وسيلة لنقل المعرفة وتوطينها.

ومن هنا يمكن القول إن السؤال لم يعد:

هل سيدخل المغرب عصر الذكاء الاصطناعي؟

لأن المغرب قد بدأ بالفعل في بناء شروط هذا الولوج.

أما السؤال الجوهري والأكثر أهمية فهو ما الموقع الذي يريد المغرب أن يحتله داخل هذا العصر؟

هل سيكون مستهلكا للتكنولوجيا؟ أم شريكا في إنتاجها؟ أم مركزا إقليميا وقاريا لصناعة المعرفة الرقمية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستتحدد بما سيحدث بين اليوم وسنة 2030.

فالرؤية تفتح الطريق، والجرأة تدفع إلى اقتحامه، لكن العلم والكفاءة والحكامة والاستمرارية هي التي ستحدد إلى أي مدى يستطيع المغرب أن يصل.

وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من تكنولوجيا جديدة، حيث يصبح اختبارا لقدرة المغرب على تحويل الرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى معرفة، والمعرفة إلى ثروة، والثروة إلى تنمية يستفيد منها الإنسان المغربي.

نتائج الدراسة:

يمثل الذكاء الاصطناعي انتقالا من التحول الرقمي التقليدي إلى اقتصاد قائم بصورة متزايدة على البيانات والمعرفة والحوسبة.

تظهر الأهداف المغربية المتعلقة بخلق 50 ألف فرصة عمل وتكوين 200 ألف خريج عن انتقال الذكاء الاصطناعي من المجال التقني إلى صلب السياسة الاقتصادية والتنموية.

تشكل مراكز البيانات السيادية والحوسبة السحابية والألياف البصرية بنية أساسية للسيادة الرقمية.

لا يمكن تحقيق التحول المنشود من دون جامعة قوية وبحث علمي متعدد التخصصات.

يمثل الاستثمار في الكفاءات البشرية الشرط الأساسي لتحويل المغرب من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها.

تفتح الشراكة مع Mistral AI المجال أمام نقل الخبرة وتطوير الكفاءات والبحث التطبيقي، بشرط أن تقود إلى توطين المعرفة وليس مجرد استهلاك الحلول الجاهزة.

يمثل الجمع بين الطاقة المتجددة ومراكز البيانات فرصة استراتيجية لبناء اقتصاد رقمي أكثر استدامة.

يمكن للمغرب أن يستثمر موقعه الإفريقي للتحول إلى منصة إقليمية في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

تحتاج الثورة الرقمية إلى إطار قانوني وأخلاقي يحمي البيانات ويضمن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي.

يبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إنتاج المعرفة والمنتجات والخدمات القائمة عليه.

توصيات الدراسة:

جعل الجامعة والبحث العلمي في قلب الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي.

إنشاء مختبرات جامعية متخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

توجيه جزء أكبر من الاستثمار نحو البحث والتطوير وليس البنية التقنية فقط.

تطوير برامج تكوين عميقة لا تقتصر على الاستعمال السطحي لأدوات الذكاء الاصطناعي.

دعم الشركات الناشئة المغربية القادرة على إنتاج حلول رقمية قابلة للتصدير.

تشجيع تطوير نماذج لغوية وتقنيات معالجة للغة العربية والأمازيغية.

تعزيز السيادة الوطنية على البيانات ومراكز الحوسبة.

ربط مراكز البيانات بالطاقات المتجددة لتقليص الكلفة والأثر البيئي.

تحويل الشراكات الدولية إلى آليات فعلية لنقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا.

اعتماد مؤشرات سنوية لقياس التقدم نحو أهداف 2030.

تعزيز الإطار القانوني والأخلاقي للذكاء الاصطناعي.

جعل إفريقيا مجالاً استراتيجياً لتصدير الخبرة والكفاءات والحلول الرقمية المغربية.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

"صمت السينما وصراخ المأساة": في صمت السينما يصرخ الجسد، وفي غياب الحوار يتعرى الوعي الشرقي من أقنعته.

شاهدتُ فيلماً كورياً دراماتيكياً يجسد عبقرية المخرج "كيم كي-دوك" في أبهى صورها؛ وهو فيلم "موبيوس" (Moebius). إنه عمل سريالي صادم، يتخلى فيه المخرج عن الحوار تماماً ليجعل من لغة الجسد والعنف الصامت أداة لتفكيك العقد النفسية والأسريّة. تدور أحداث الفيلم في حلقة مفرغة (تجسيداً لشريط موبيوس الرياضي) تنتهي بفناء العائلة انتحاراً، لكن لفهم هذه المأساة، يجب العودة إلى الخطيئة الأولى واللحظة الصادمة التي أسست للذنب المشترك ودمرت هذا الكيان بالكامل.

تبدأ المشكلة الأساسية من خيانة الأب لزوجته مع عشيقة، لكن الحبكة النفسية الأعمق تتجلى في حضور الأم والإبن معاً في مسرح هذه الجريمة الأخلاقية. فالأم لم تكتشف الخيانة مصادفة، بل كانت حاضرة في الطرف الآخر تشاهد الحادثة بعينها ومن مسافة صفر. وتتخذ المأساة بعداً نفسياً شديد التعقيد عقب انتهاء العملية الجنسية بينهما؛ حيث تقرر الأم الانتقام. لكن قبل أن تهاجم زوجها الخائن، تنظر وعيناها مملوءتان بالدموع وخيبة الأمل من شق الباب لتجد ابنها المراهق متأثراً بالمشهد ويمارس العادة السرية. تلك الحركة أورثت الأم يأساً قاتلاً وصدمة في امتدادها ونسلها؛ إذ أوعزت إليها أن ابنها يشبه والده تماماً، وأنه ورث ذات الشهوة وبدأ يشرعن الخيانة ويتلذذ بها بدلاً من الانتصار لمظلومية والدته.

هذا التداخل المرضي فجّر غضباً سادياً لا يمكن كبحه؛ وحين توجهت لزوجها وفشلت في النيل منه بسبب مقاومته العنيفة لها، نقلت جام غضبها فوراً إلى الابن؛ إذ رأت فيه "النسخة البديلة" المتاحة لرجولة الأب الخائن، فقامت بقطع عضوه التناسلي فيما كان يغطّ في نومٍ عميق كعقاب بيولوجي ونفسي يبتر سلالة الأب وغريزة الابن التي ولدت مشوهة خلف الباب. هذا يوضح كيف يتحول عجز الكبار عن مواجهة خطاياهم إلى رغبة عمياء في تدمير أقرب الناس وهم في حالة استسلام تام.

يتصاعد التوتر الدرامي من خلال تتابع متقن للمشاهد يكشف حجم المعاناة الجسدية والنفسية للشاب؛ حيث يظهر لأول مرة بالسيارة برفقة والده، ويطلب منه الذهاب إلى مرحاض عام. بينما ينتظر والده في السيارة. هناك، وأثناء محاولته التبول، يصاب شخص آخر بالدهشة والذهول حين يرى الشاب المخصي يتبول على بنطاله عاجزاً عن التحكم بجسده المبتور. يخرج الابن إلى الشارع مذعورًا، ليتفاجأ بزملائه في المدرسة وهم يحاولون نزع بنطاله قسرًا لتوثيق عاهته والشهادة على أنه خصي. وهنا يتدخل والده لينتزعه ويحميه من تنمّرهم، فيضربهم أول الأمر فيهربون من قبضته. وبينما كان الأب يحاول تهدئة ابنه المصدوم من قسوة الأولاد، إذا بالمجموعة تعود مجددًا لتركل الأب وتنهال عليه بالضرب، لتكسر صورته أمام عيني ابنه، وتُسقط هيبته تحت أقدام الصغار، في سحقٍ تام "لرمزية الأب الحامي."

يأتي بعد ذلك مشهد الإغواء المحوري؛ حيث يلتقي الابن بالعشيقة في متجرها، فتسعى إلى استمالته بفتح أزرار فستانها كاشفة عن صدرها، فيقترب منها مدفوعًا بغريزته المراهقة. غير أن الحبكة تتعقد في المشهد التالي؛ إذ يعود الابن إلى المتجر مترددًا، ليطلّ التلاميذ من جديد ويطرق أحدهم زجاج الباب. يخرج الابن مسرعًا خشية أن ينكشف سره أمام العشيقة التي بدأت تتودد إليه. وفي الشارع، يطارده زملاؤه محاولين إذلاله بانتزاع بنطاله عنوةً لإثبات عجزه والتشهير به، لكن عصابة من المجرمين تتدخل لإنقاذه من قبضتهم؛ وهي لفتة سيكولوجية بارعة من المخرج، إذ أن العصابة لا تتحرك بدافع الشهامة، بل لتأكيد نفوذها واستقطاب الضحية الأضعف.

هذا الموقف جعل الابن سيكولوجياً أقرب إلى العصابة وأبعد عن الأب؛ فالعصابة مكنته من الحماية التي عجز عنها والده والمجتمع. وهنا يطرح المخرج قانوناً اجتماعياً خطيراً: حين يفتقر المجتمع إلى الأدوات المتاحة لحماية الأفراد، يُدفع هؤلاء قسراً إلى اللجوء لأشخاص خارج إطار القانون بحثاً عن الأمان. هذا الإنقاذ البديل كان فخاً وتمهيداً درامياً غرضه دمج الابن في وكرهم، ليتحول "المنقذ" لاحقاً إلى "جلاد" يجر الشاب إلى مستنقع الجريمة (الاغتصاب).

المحطة التالية التي عمّقت الكارثة هي لحظة الاعتداء الوحشي الأصلي على عشيقة الأب. فبينما كان الشاب المراهق يتواجد في مسرح الجريمة مع تلك العصابة التي أنقذته سابقاً، أُجبر على المشاركة في الاعتداء الجماعي على العشيقة. لم يكن دافع الشاب هنا هو "الشهوة"، بل كانت محاولة بائسة ومذعورة منه لإخفاء عاهته (أنه خصي) والمحاكاة الجسدية أمام الآخرين الذين حموّه بالأمس، خشية أن ينفضح أمره أمامهم.

لكن العشيقة –بسبب صدمة الاعتداء والذعر الأعمى– لم تدرك هذا النقص، بل اعتبرته شريكاً كاملاً في الجريمة وبلغت عنه الشرطة. هنا يتدخل الأب مجدداً لإنقاذ ابنه من السجن، لكنه "يجعل الطين بلة" حين يؤكد للشرطة علناً أن ابنه خصي ولا يمكنه القيام بذلك، ليتسبب في فضح سر ابنه الطبي والنفسي ويسحق كبريائه تماماً أمام المجتمع.

إن الضحية الحقيقية في الفيلم هو الابن؛ مراهق بسيط وهادئ بالفطرة، يكتشف غريزته الطبيعية تجاه الجنس الآخر، لكنه يقع ضحية لـ "شيطنة" الكبار وتصفية حساباتهم المريضة.

وتتجلى قسوة المجتمع في مشهدين جوهريين:

1. تفرج السلطة: عندما يحاول الأب تبرئة ابنه بكشف عورته ونقصه أمام رجال الشرطة، تثور أعماق الابن دفاعاً عن كرامته المهدورة عبر ركلات يائسة لوالده، بينما يقف رجال الأمن متفرجين، في إشارة لإدانة بلادة المجتمع واستعراضه للفضائح.

2. عجز المنظومة الإصلاحية: يظهر ذلك في مشهد إطلاق سراح المغتصب الحقيقي (فرد العصابة) وعودته لمزاولة جرائمه، وهو نقد لاذع للقوانين التي تفشل في إعادة تأهيل الجناة، بل تعيد تصديرهم ليفترسوا ضحايا جُدد

المحطة التالية في كسر القوى تظهر عقب خروج رئيس العصابة من السجن وازدرائه السابق للابن. هنا يبرز تحول درامي عميق، حين تستدرج العشيقة رئيس العصابة إلى مهجعها، لا استسلامًا بل انتقامًا لنفسها وللابن معًا. يستلقي الشاب على الأرض، ورأسه تحت المنضدة المنخفضة، فيما تجلس هي على ساقيه وتنزع بنطاله وهو غارق في وهم المتعة الجنسية. وفي تلك اللحظة، تسحب السكين لتقطع جهازه التناسلي بينما يضغط المراهق على يديه مثبتًا إياهما إلى الأرض، ليُفتح المجال أمام فعلٍ صادم يبدّد أي وهم باللذة. وفي خطوة تماثل صدمة البداية، تقوم بقطع عضوه التناسلي لتجريده من غطرسته وقوته الذكورية السامة، وتشرع في السيطرة عليه بالكامل وتحديد الطريقة التي ينال بها شهوته تحت شروطها. بالأمس كانت ضحية مستسلمة، واليوم يدفع الجلاد المتغطرس ثمن تصرفه اللاأخلاقي، وتتحول هي إلى متحكم بمسار الألم واللذة. عقب هذا القطع، يتدخل الابن المراهق في مشهد بالغ الرمزية؛ حيث يخطف العضو المقطوع ويفر به مسرعًا في محاولة يائسة لاستعادة رجولته ونقصه الجسدي. يلاحقه رئيس العصابة دون جدوى، لتكون الكلمة الأخيرة لـ عجلات السيارات المادية في الشارع، وهي تسحق تلك القطعة تحتها مبددة أحلام الشفاء، ومؤكدة أن العنف لا يولد إلا عدماً وفناءً كاملاً.

يتردد رئيس العصابة على متجرها خاضعًا ذليلًا، راغبًا في الحصول على اللذة الجنسية. حال دخوله، تغرس السكين في كتفه اليسرى، وتهزها من قبضته بينما يقف المراهق خلفه ممسكًا به لتثبيته، فيما تتصاعد نشوته الوهمية بتنهدات ممزوجة بالألم. أثناء هذا الطعن، يقوم المخرج بتركيب مشهد غاية في الرمزية السيكولوجية؛ إذ تحضن العشيقة رئيس العصابة المخصي، وتضاعف الألم بتحريك السكين في كتفه، ثم تضع حنكها على كتفه ليصبح وجهها مقابل وجه الابن الذي يقف خلفه. هنا تلتقي عيون الابن والعشيقة، وتتلامس أنوفهم وشفاههم بلمسة خفيفة، في لقطة تعلن بوضوح أن معاناتهم باتت متداخلة ومتلاحمة، وأنهم حققوا انتصارًا مشتركًا وسحقوا الطاغية الذي انتهك كرامتهم بالأمس، ليدفع المتغطرس ثمن تصرفه اللاأخلاقي ويتحول من جلاد إلى ضحية خاضعة لشروطها السادية.”

استخدم المخرج بذكاء شديد نفس الممثلة لتقوم بدوري "الأم" و"العشيقة" في آن واحد، وهي لفتة سيكولوجية عميقة ترمز لتداخل أدوار الرغبة والعقاب. فمن ناحية، يبرز مظهر الانتقام والمحاكاة عندما تقوم الأم بممارسة الخيانة كنوع من الرد بالمثل على زوجها، حيث عرضت نفسها على ابنها تحت الغطاء ممرغة كبرياء الأب في التراب. هذا التشابه الجسدي جعل الابن يعيش في حالة تشتت وضياع كامل بين الأم التي عاقبته بقطع رجولته، وبين العشيقة التي ينجذب إليها.

وهنا تبرز الفكرة الأكثر عمقاً في الفيلم؛ حيث يتجلى الابن كضحية مطلقة لصراع مرير بين والدين عاجزين تماماً عن مواجهة أخطائهما الشخصية والاعتراف بفشلهما، وبدلاً من مواجهة الذات، يصبان جام غضبهما وساديتهما على ابنهما الأعزل. هجوم الأب الهستيري بالسكين في النهاية لم يكن سوى محاولة لـ "إبادة" هذا الشاهد البريء الذي تجسدت فيه كل خطايا الكبار.

يطرح الفيلم سؤالاً فلسفياً: هل قطع الأعضاء أو ممارسات التشويه والتعذيب الجسدية تحرر الإنسان من خطيئته؟ الإجابة هي (لا) قاطعة، فالخطيئة تكمن في الوعي لا في الجسد. وفي المشهد الأخير، يحمل الابن السكين ويتوجه نحو تمثال بوذا، ليرمي السكين في النهاية معلناً نبذ العنف الذي لا يجر إلا الدمار النفسي والجسدي. وهنا تبرز رمزية مادية عميقة؛ فالشاب يبحث عن التمثال في الظلام ولا يجده إلا بعد إسقاط ضوء المصباح المادي. هذا يثبت أن الأفراد عندما يعجزون عن حل معضلاتهم الواقعية يهربون نحو الروحانيات الغيبية التي لا تملك حلولاً ملموسة، فالنور الحقيقي الذي يكشف الحقائق ويقشع الظلام هو نور العلم والمعرفة المادية، الذي اخترعه عالم مادي وليس فكراً صوفياً.

ينعكس هذا التحليل السينمائي بشكل مباشر على واقعنا الشرقي والعربي؛ حيث يعاني المجتمع من غياب التفكير النقدي وسيطرة "الوعي العاطفي والروحاني الجاهز". يتجلى هذا التسطيح في الاستهانة بالبحث والتمحيص، حيث ينساق العقل الجمعي فوراً خلف الأخبار الزائفة والصور المفبركة لمجرد أنها تثير مشاعره، لتتحول منصات التواصل إلى ساحات لتفريغ الإحباطات عبر سيل من الانتقادات اللاذعة دون التثبت من الحقيقة. ويتقاطع هذا تماماً مع مأساة الفيلم؛ فعندما تتقاعس مؤسسات الوعي والدعم عن حماية "البسطاء"، يقع المجتمع في شباك سلطات الجهل والجريمة البديلة.

إن النجاة من هذه الدوائر المفرغة من الجهل والعنف والتبعية تكمن في إعادة بناء الإنسان من الجذور. يبدأ الإصلاح الحقيقي بتأهيل المجتمع بدءاً من الروضة والمدرسة، وتغيير المناهج التعليمية لترسيخ الفكر النقدي والمنهج العلمي التجريبي. يترافق ذلك مع إلغاء كافة أشكال الضغط والترهيب النفسي في المدرسة والبيت؛ فالعائلة السليمة والصالحة المبنية على الحوار والأمان هي النواة الوحيدة القادرة على إنتاج مجتمع صالح، نقي، ومستنير بنور الوعي الحقيقي.

"ما لم نكسر حلقة العنف والجهل، سنظل ندور في دائرة موبيوس بلا نهاية"

***

كفاح الزهاوي

في المثقف اليوم