عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

تحوّلات المفاهيم (1850 -2026)

اللقاء الثاني

***

إذا ما حاولنا الاقتراب من مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، نجد أنفسنا منذ اللحظة الأولى أمام مفهوم بالغ التعقيد والسيولة؛ لا بسبب غموضه في ذاته، بل بسبب ما طرأ عليه من انزياحات دلالية ووظيفية عميقة، نقلته من كونه تعبيراً عن العلاقة الروحية والأخلاقية بين الإنسان والدين، إلى كونه في كثير من السياقات المعاصرة علامة اجتماعية وأيديولوجية وهوياتية، بل وأحياناً صورة ذهنية مشوهة ارتبطت في وعي بعض المجتمعات بالتشدد والغلو والانغلاق.

وهذا الأمر بعينه هو الذي يجعل دراسة التدين اليوم ضرورة لفهم تحولات الوعي الجمعي ذاته، لا مجرد دراسة لسلوك ديني معزول. وذلك لأن التدين بخلاف الدين لا يشير إلى النص المقدس في ذاته، بل إلى الكيفية التي يتمثّل بها الإنسان هذا النص داخل الاجتماع والتاريخ والثقافة والسلطة.

ومن ثَمّ، فالتدين ليس حقيقة ثابتة، بل بناء بشري متغير، يخضع للأغيار والتحولات، ويتشكّل داخل نسق معقد تتداخل فيه المؤسسة الدينية مع السلطة السياسية، ويتشابك فيه الإعلام مع التعليم، كما تتقاطع فيه الحركات الأيديولوجية مع الأزمات الاجتماعية والنفسية. وهو ما كان يعنيه طلال أسد حين أثبت في كتابه (أنساب الدين) أن التديّن ليس جوهراً نقياً بل تقليد خطابي يُعاد إنتاجه داخل نسقية من علاقات السلطة والمعرفة، وأن الدولة الحديثة تعمل في أغلب الأحيان على رسم حدود ما يُعدّ تديّناً مشروعاً وما لا يُعدّ كذلك.

ولهذا فإن الخلط بين الدين والتدين يمثّل أحد أخطر المواطن التي وقع فيها بعض المجترئين والمتأوّلين، حين تعاملوا مع صور التدين التاريخية وكأنها التعبير النهائي عن الدين ذاته، بينما الحقيقة أن التدين ليس إلا تمثّلاً إنسانياً متحوّلاً للدين، قد يصيب وقد ينحرف، وقد يسمو وقد يبتذل.

ولهذا فإننا إذا ما حاولنا تتبّع مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، وجب علينا ألّا نتعامل معه بوصفه مفهومًا ثابتًا أو نسقًا جامدًا خارج حركة التاريخ والأغيار، بل بوصفه بناءً متحوّلًا أعادت كل مرحلة تاريخية تشكيله وفق شروطها السياسية والاجتماعية والثقافية والمعرفية. ومن ثَمّ، فسوف نتناول تحولات مفهوم التدين عبر الحقب الزمنية الممتدة من عام 1850م وحتى عام 2026م، من خلال تتبّع أبرز الانزياحات التي طرأت على وظيفته ودلالته وصور تمثّله داخل الوعي الجمعي العربي والإسلامي.

أولاً: لحظة النهضة والتدين الإصلاحي العقلاني (1850 1918):

 إذا ما حاولنا الاقتراب من لحظة النهضة العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نجد أننا بإزاء نسق مغاير تمامًا لما آل إليه مفهوم التدين في حاضرنا المعيش؛ إذ لم يكن التدين آنذاك مشحونًا بهاجس المفاصلة أو الانغلاق الهوياتي كما وقع لاحقًا، بل كان يُقدَّم بوصفه قوة للنهوض الحضاري، وأداة لإحياء الوعي الجمعي، ومسارًا لإعادة بناء الإنسان المسلم في مواجهة الأغيار والتحديات التي فرضتها الحداثة الغربية والاستعمار معًا. والأمر الذي يستوقفنا هنا أن هاتيك اللحظة لم تكن لحظة انكفاء ديني كما يحاول بعض المجدفين والمتأولين تصويرها، بل كانت لحظة انفتاح عقلي واسع، سعت إلى التوفيق بين معطيات العصر وأصول الدين، بعيدًا عن نهوج الجمود أو الانسلاخ الكامل عن التراث.

فقد أدرك رواد الإصلاح آنذاك أن الأزمة الحقيقية لم تكن كامنة في الدين ذاته، بل في صور التدين الجامدة التي تراكمت عبر الأغيار التاريخية، حتى تحولت بفعل التكلس والتقليد إلى غرابيل تحول بين الإنسان وروح الدين الحقيقية. ومن ثَمّ، انصرف مشروع الإصلاح إلى تحرير العقل المسلم من النسقية المغلقة التي جعلت التدين مجرد طقوس شكلية وممارسات منفصلة عن العمران والمعرفة والحياة.

ولذلك نجد أن جمال الدين الأفغاني لم يكن معنياً بإحياء التدين الشكلي بقدر ما كان معنياً بإحياء الفاعلية الحضارية للأمة، بينما مضى محمد عبده إلى أبعد من ذلك حين ربط بين التدين والمدنية والتعليم والإصلاح المؤسسي، الأمر الذي يقودنا إلى القول بأن التدين في تلك المرحلة كان يُفهم بوصفه طاقة أخلاقية وعقلانية تُنتج العمران ولا تعوقه.

وإذا ما تأملنا الكتابات الإصلاحية في تلك المرحلة، نجد أنها لم تكن أسيرة لثنائية الحلال والحرام بالمفهوم الضيق الذي هيمن لاحقًا على بعض الحركات الجانحة المتأسلمة، بل كانت مشغولة بأسئلة النهضة الكبرى؛ من قبيل سؤال الحرية، والتعليم، والاستبداد، والتخلف، وموقع المسلم داخل العالم الحديث. ولذلك حري بنا ألّا نقرأ خطاب النهضة بمعايير اللحظة الراهنة؛ لأن التدين آنذاك لم يكن قد تحوّل بعد إلى هوية صراعية مغلقة، بل كان أقرب إلى مشروع أخلاقي حضاري مفتوح، يحاول إعادة بناء الذات الإسلامية من الداخل دون الوقوع في زيغ التقليد الأعمى للغرب أو نهوج الانغلاق الذي تمارسة أدعياء السلفية في الوقت ذاته.

ويبدوا أن هذا النسق الإصلاحي العقلاني هو الذي منح التدين في تلك اللحظة قدرة على التعايش مع التحولات الحديثة دون شعور حاد بالتهديد الوجودي، ناهيك عن أن المؤسسة الدينية نفسها لم تكن قد دخلت بعد في حالة الاستقطاب الحاد التي عرفتها المراحل اللاحقة. ومن هنا نفهم كيف كان المتفقهون والمثاقفون يتحركون داخل فضاء واحد نسبيًا، وكيف لم تكن الحدود بين الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والسياسي صارمة كما أصبحت لاحقًا.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما بدأت التحولات السياسية والاستعمارية تعيد تشكيل مفهوم التدين ووظيفته داخل الوعي الجمعي، فما تقدم لا يمثل سوى مدخل أولي لفهم التحولات العميقة التي طرأت على مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر؛ إذ إن المسار لم يتوقف عند لحظة النهضة والإصلاح العقلاني، بل دخل لاحقًا في أطوار أكثر تعقيدًا وتشابكًا تحت ضغط الاستعمار والدولة الوطنية وصعود الأيديولوجيات والتحولات الاجتماعية المتسارعة.

ولذلك؛ فإن الحديث عن التدين لا يزال ممتدًا عبر الأغيار والتحولات التي أعادت تشكيله مرة بعد أخرى داخل الوعي الجمعي العربي.

وللحديث بقية... إلى المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

فرش اشكالي: إنها "الضيافة" على طريقة بختي نفسه: نفتح له بابًا في لغتنا، وندعوه ليمارس بيننا "القلق" الذي كان يسكنه. لا لنخلده كأيقونة، بل لنستأنف السفر نحو المواقع الأكثر عتمة، في هذا اليوم الذي تتقاطع فيه، على مفارقة القدر*، ذكرى ميلاد قارئ وموت كاتب، يحق لنا أن نستلهم من بختي بن عودة سحر الكلمات.

الرصاصة الغادرة التي كان يراد لها ذات يوم ان تسكت الصوت الذي قال: "أنا زمان رمزي". وتغتال الجسد النحيل الذي كان يحمل "إيروس الحكمة" وشهوة المعرفة، الرصاصة التي ارادت قتل الأب الذي مزقته تجربة الانفصال، فتحت له ولنا عكس ما اريد لها كوة في جدار الصمت والظلمة فكان الضوء الذي ينبثق من خارز أكثر اشراقا.

لم يمت بختي بن عودة لأنه كان عاشقًا قبل أن يكون ناقدًا والعاشق حي في قلب المحبوب لا يموت، كان عاشقا للضيافة التي تعلمها من الخطيبي، عاشقا للغيرية الكريمة التي لا تبتلع الآخر ولا تذوب فيه. عاشقا لليل لأنه "حكمة"، لم يمت لأنه كان متيمًا بـ"التحاب (Aimance) لا بالحب.

لكن هذا العاشق كان، في الوقت نفسه، "مفجوعًا بمراثي الخيبة" فكان يقتل في اليوم مرات ومرات، مفجوعا بخيبة ثقافة تعيد إنتاج رداءتها و"تتكاثر وتنمو كورم سرطاني" يتألم وهو ينظر الى الديماغوجي والسياسي والاكاديمي المريض المتعفن الذي نصب نفسه إلهًا، متعب بخيبة "المشيمة" التي لا تلد، خيبة "اللا تأسيس واللا تجذر، لا هنا ولا هناك".

من هذا الجرح المزدوج – جرح العشق وجرح الخيبة – انبثق مشروعه الفكري الفلسفي وكانت مقالاته تولد وتنمو لا كجذور واغصان لشجرة" فكرية، بل "ريزومًا"، كتابات تتغذى من أسئلة واخزة وحارقة، تخترق النقد والفلسفة والتصوف والشعر، بلا مركز، وبلا أصل واحد، متحررة من كل وصاية. هناك في " القلق المثلث " تجلى (الحفر في الإبستيمي) كان يحفر وينبش ثم تراه يقفز دون مهادنة إلى "الكتابة الأخرى" باحثا عن عمق المدلول عن المسكوت والممنوع، يتحدث بلغة المتمرد العارف والعاشق يكتب عن "الحداثة كموت" و"انسحاب الكتابة" و"التحاب" كأفق.

في ذكرى اغتياله بعد واحد وثلاثين عامًا، نستأنف أسئلته التي تسم ولا تقتل نتساءل معه: هل ما زالت "العتمة" هي ذاتها؟ هل ما زال "الجزائري" يرفض "الموت" الذي هو شرط الحداثة؟ هل ما زالت "الرداءة" تتكاثر في غياب "الفكر القابل للسكنى"؟ ومن يكتب اليوم لنا " الكتابة الأخرى" في زمن الصورة الكاذبة زمن زخم الدال وعقم المدلول؟

-  كيف نستلم "القلق" من صاحبه؟ كيف نحمل "الإبستيمي" الذي حفره دون أن نجعله "إبستيمياً" جديداً يغلق ما فتحه؟ كيف نكون أوفياء لـ"الريزوم" دون أن نحوله إلى "شجرة"؟

- أين يمكن أن نبحث عن "خطاب عاشق" جديد؟ كيف نستعيد "التاء" التي تفيد المشاركة، ونحن محاصرون بـ"الأنا" التي تنتفخ رقمياً؟ هل ما زال التصوف قادراً على أن يكون "ملاكاً للموت"، أي مختبراً للتجاوز؟

- وبعد واحد ثلاثين عاماً من اغتياله، هل قبلنا، كمجتمعات، أن نموت موتاً رمزياً كي نولد من جديد؟ أم أننا ما زلنا نتمسك بـ"المشيمة" خوفاً من المجهول؟

مشروع بختي النقدي وما يميزه

لم يبدأ بختي بن عودة مشروعه النقدي من " النص"، بل من النقد نفسه ففي مقاله المؤسس القلق المثلث، وجه سؤاله الذي صار بيانًا: كيف يمكن للنقد أن يدرس الخطابات والبنيات السردية والروائية إذا كان ممنوعاً إرادياً ولا إرادياً من دراسة وضعية الإبستيمي (Episteme)؟"

كان هذا السؤال، في زمنه وما زال، زلزالاً. فالنقد العربي، في نظر بختي، كان يمارس طقوسه التحليلية بأمان: يدرس الحبكة، الشخصيات، البنية السردية. لكنه يتوقف بأدب مصطنع أمام "الأسوار العالية" للنسق المعرفي الذي أنتج هذه النصوص. لماذا؟ لأنه، كما شخص، "ممنوع إراديًا ولا إراديًا" من دراسة "الإبستيمي". فما هو هذا "الإبستيمي" الذي جعله بختي حجر الزاوية؟ إنه ليس "الإبستمولوجيا" (نظرية المعرفة العلمية)، بل هو، "الأرضية التحتية التاريخية للمعرفة". إنه النظام غير الواعي الذي يحدد، في زمن محدد، انه شروط إمكان ظهور الخطابات، وشروط صدقها أو خطئها. إنه ما يجعل التفكير ممكنًا ومستحيلاً في آنٍ واحد. او بعبارة ادق "النبش في بنية العقل أو التفكير الذي أنتج هذا النص".

آلية المنع التي تنتج هذا الغياب عند بختي يمكن تلمسها على مستويين:

المنع الإرادي المتمثل في الخضوع الواعي للمحظورات السياسية والاجتماعية. بداية من "السياسي المريض" الذي شخصه في حواراته والذي يفرض "خطوطًا حمراء" والناقد يختار، بوعي، ألا يتجاوزها، حفاظًا على مكانته أو سلامته. أما اجتماعيًا، فهي سلطة "الجماعة"، و"العيب"، و"الحرام"، التي تجعل من مساءلة المقدس أو الجنس أو السلطة الأبوية "جريمة أخلاقية".

المنع اللا إرادي وهو الأعمق والأخطر. فالناقد نفسه تشكل عقله داخل نفس "الإبستيمي" الذي يدرسه. أدواته في التفكير، ومفاهيمه (مثل "الأصالة"، "الالتزام"، "الواقعية")، هي نفسها منتجات لهذا النسق. وبهذا، يمكننا أن نحدد ما الذي يجعل مشروع بختي النقدي مختلفًا: انه ليس نقدًا للنص، بل نقدًا للنقد، أي ان مشروعه الأول هو "أركيولوجيا النقد العربي" نفسه. إنه يريد تفكيك "التناغمات الكسولة" التي يمارس فيها النقد طقوسه، وفضح "هشاشة الإبستيمي المهيمن" الذي يجعل النقد أسير ثنائيات جاهزة (أصالة/معاصرة، تراث/حداثة) دون أن يجرؤ على مساءلتها. حيث استعار بختي من فوكو منهج "الحفريات"، لكنه طوعه لسياقه الخاص. "الحفر" عنده ليس بحثًا في الماضي، بل هو حفر تحت أقدام الناقد نفسه، لكشف الأساسات الهشة التي يقف عليها. هو ما سماه "السفر نحو المواقع الأكثر عتمة"، أي نحو الأسئلة التي "كُتمت وأُخفيت"

ان الإبستيمي عند بختي ليس مفهومًا أكاديميًا محايدًا، بل سلطة إنه "السلطة الأعمق" التي يجب فضحها ولهذا، فمشروعه النقدي هو، في العمق، مشروع سياسي. إنه يريد تحويل النقد من "قراءة للنص" إلى "تشريح للعقل الذي أنتج النص"، وبالتالي إلى تشريح للسلطة التي تتحكم في هذا العقل.

ففي مقاله القلق المثلث، أعطانا بختي مثالاً تطبيقيًا على منهجه. حين قارن بين "إبستيمي الثمانينيات والسبعينيات"، لم يقارن أفكارًا، بل قارن الشروط العميقة لإنتاج الأفكار. وحكم بأن المشهدين "يكاد يكونان متطابقين". لماذا؟ لأن النصوص الإبداعية في الثمانينيات "لم تنحت تميزها الخاص، ولم تخرج إلى القراء وهي حاملة لـ'ثوب حفريات المهادنة'".

هذه "المهادنة" هي، في تشخيصه، اسم آخر للمنع الإرادي واللا إرادي معًا. إنها تجسيد لخضوع النقد والإبداع لـ"الإبستيمي المهيمن". عدم القطيعة بين العقدين يعني أن الثقافة العربية ظلت أسيرة نسق واحد، تنتج نصوصًا مختلفة المظاهر لكنها تنتمي إلى "التشكيلة المعرفية" نفسها.

حين يصير القلق لغة

إذا كان "القلق المثلث" قد شخّص العلة (النقد الممنوع من الحفر)، فإن بختي لم يكتفِ بالتشخيص، ففي نصه عن الخطيبي، "الكتابة الأخرى". تجلت الكتابة التي لا تهادن، لا تلبس ، بل تغامر بالسفر نحو "المواقع الأكثر عتمة.

هنا يصبح الخطيبي مرشدًا. ليس لأن بختي يتبناه، بل لأنه يجد عنده نموذجًا للكتابة بلغة الآخر دون ذوبان. هذا هو "النقد المزدوج" تنقد ذاتك وأنت في لغة غيرك، وألا تكتفي بالرفض أو الاستسلام. "في ضيافة الخطيبي"، يعثر بختي على كلمة السر "الكاتب الجيد يُغري أولاً، ويُقدم السم بعد ذلك، وفي أثناء الكتابة يسمّ نفسه" هذه هي "الكتابة الأخرى" إغراء بالجمال، ثم زعزعة لليقين، الكاتب فيها هو أول ضحايا هذا السم. إنها كتابة لا تقف عند حدود النوع الأدبي، بل هي نقد وفلسفة وشعر وتصوف، تحت مظلة سؤال واحد: كيف نكتب دون أن نهادن موتنا الرمزي؟

لم تكن "الكتابة الأخرى" ترفًا جماليًا عند بختي، بل كانت فعل وجود في قلب الموت. هناك، في مقاله "الجن والحداثة"، ينتقل بالقارئ من التحليل إلى الصدمة. يتأمل الجذر اللغوي "ج ن ن" في العربية، فيجد فيه الجنون والظلمة والقبر. ثم يكتب جملته التي لا تنسى "الحداثة ذهاب نحو الموت، فهل الشرقي يقبل الموت؟"

هذا هو السؤال السياسي بامتياز، فالحداثة كما يفهمها، ليست ترقية تقنية، بل قطيعة جذرية مع الذات القديمة، مع "الأب"، مع "التاريخ وشرعيته". إنها موت رمزي يسبق كل ميلاد. لكن المجتمع، الذي شخصه بـ"السياسي المريض المعطوب" الذي نصب نفسه إلهًا انطلاقًا من "التاريخ وشرعيته، الثورة وشرعيتها، النفط وشرعيته"، يرفض هذا الموت. يرفض القطيعة. يتمسك بـ"المشيمة" خوفًا من المجهول. وهكذا، بدل أن يلد الحداثة، يلد "البلاسيبو": دواءً وهميًا، حداثة شكلية، "مادة لها مباهج السواد" لكنها بلا روح.

تشريح الانهيار

في "انسحاب الكتابة"، لم يعد بختي يتحدث عن النقد الأدبي، بل عن موت الوعي النقدي في الفضاء العام. رصد موت الملاحق الثقافية، صعود "الفاست فود" الإعلامي، إنتاج "ذهنية مسالمة راضية غير احتجاجية". بالنسبة له، لم يعد القارئ الجزائري قادرًا على إنتاج "جملة مفيدة"، لا بالمعنى النحوي، بل بمعنى "الموقف من العالم". وعندما يحلل عبارات يومية مثل "حاشاك" و"الله غالب"، فهو لا ينتقد العامية، بل يُطبق "القلق المثلث" على الحياة اليومية: هذه العبارات تجسيد لسالبية وجودية، استسلام لـ"ما هو قائم، مكتوب"، خوف من المجهول.

في "اللحظة الجزائرية"، يكثف هذه الرؤية في معادلة دقيقة " قدر المعنى" مقابل "واجب المفهوم " قدر المعنى هو كل ما نورثه دون تفكير: الخطابات الجاهزة، الهويات الخيالية، الصيغ اللغوية الميتة. أما "واجب المفهوم" فهو العمل الشاق: أن نبني مفاهيمنا بأنفسنا، أن نُسمي الأشياء بأسمائها، أن نستعيد "روح الأنوار" لا كاستيراد، بل كفعل نقد ذاتي. في هذا السياق، لم تكن "التبيين" سوى محاولة يائسة ونبيلة لخلق "مكان ثقافي" او ماسماه هو " فكر قابل للسكنى"

في آخر ما كتب، لم يعد بختي يحفر في النصوص، بل في مشروعه هو. استعار ثلاث كلمات لاتينية Placebo الدواء الوهمي، Place المكان، Placenta المشيمة، وكتب جملته التي تنزف ألما لا تأسيس ولا تجذر، لا هنا ولا هناك

قتل ولكنه لم يمت

لقد كان بختي بن عودة "ريزومًا" لا شجرة. لم يؤسس لنسق مغلق، ولم يلبس ثوب الأكاديمي المثقف الذي حددت له السلطة الخانات التي يتحرك فيها، بل كان رسول حكمة واشراقا في قلب الظلمة ترك لنا أسئلة مفتوحة، تشعبات تنمو بلا مركز. في ذكرى دمه الذي سال قبل واحد وثلاثين عامًا، لا نملك أن نقول إن مشروعه "نجح" أو "فشل". نملك فقط، كما فعل هو في ليلة وهران، أن نفتح النافذة. أن نستقبل الضوء الذي يأتي من "خارز"، من "العتمة"، من السؤال الذي لم يُغلق. أن نكتب، كما كان يحلم، "الكتابة الأخرى" التي لا تموت. وهذا، في ذاته، هو "التحاب" الذي كان يبحث عنه: تشاركٌ في السؤال، حيث لا صوت يعلو على صوت الدهشة، وحيث يكون القارئ، بعد واحد وثلاثين عامًا، هو الوريث الشرعي للقلق الذي لم يمت.

توقيع

- هي الأقدار: بين لحظة الميلاد ولحظة الموت، تتشارك الأرواح في عشقها للسفر نحو عوالم العتمة بحثًا عن لحظة الإشراق. ففي 22 ماي يوم اغتياله، كان لي موعد آخر مع الحياة عام 1972. وها أنا، بعد واحد وثلاثين عامًا، أكتب له هذه "الضيافة"، لأقول له: لم تمت. فما زرعته من قلق ما زال ينمو فينا، ريزومًا بلا نهاية.

***

عمرون علي

شهد القرن العشرون في العالَم العربي معارك فكرية وأدبية عنيفة، لَم تكن مُجرَّد خِلافات بين كاتب وآخَر،بلْ كانت انعكاسًا لصراع عميق حول هُوية الأُمَّة العربية وموقعها بين التراثِ والحداثة.

ومِن أشهر تلك المعارك وأكثرها تأثيرًا المعركة الأدبية والفكرية التي دارتْ بين محمود محمد شاكر (1909- 1997) ولويس عوض (1915- 1990)، وهي معركة تجاوزتْ حدودَ النقد الأدبي إلى أسئلة الحضارة واللغة والانتماء الثقافي.

لَم يكن الخِلاف بين الرَّجلين خلافًا عابرًا في الرأي، بلْ كان مُواجهة بين مشروعَيْن ثقافيين متناقضين: مشروع يَرى أن النهضة لا تقوم إلا بالعودة إلى الجذور العربية والإسلامية وفهم التراث فهمًا عميقًا، ومشروع آخَر يدعو إلى الانفتاح الواسع على الثقافة الغربية، وإعادة قراءة التراث بروح حداثية جديدة.

يُعَدُّ محمود محمد شاكر واحدًا من أعظم المُحقِّقين والنقاد في العصر الحديث. نشـأ في بَيت عِلم ودِين، فكانَ شديدَ الارتباط باللغةِ العربية والتراث الإسلاميِّ. امتازَ بعقلية نقدية صارمة، وبأسلوب أدبي رفيع، وقدْ كرَّس حياته لخدمة العربية وتحقيق كتب التراث.

كان يؤمن أنَّ اللغة لَيست مُجرَّد أداة للتواصل، بلْ هي وعاء الهُوية ورُوح الأُمَّة. ولذلك كان شديدَ الحساسية تجاه أيَّة محاولة للنيل من التراث العربي، أو التقليل من قيمته. وقدْ خاض معارك فكرية عديدة دفاعًا عن العربية، وكان يَرى أن كثيرًا من المثقفين العرب وقعوا تحت تأثير الاستشراق الغربي دون وَعْي.

أمَّا لويس عوض فقدْ كان من أبرز دُعاة التحديث الثقافي في مِصْر. تلقى تعليمه في الجامعات الغربية، وتأثرَ بالأدب الإنجليزي والفكر الأوروبي الحديث، خُصوصًا التيارات الليبرالية والعقلانية. وكان يَرى أن الثقافة العربية ظَلَّتْ لِقُرون طويلة أسيرة الماضي، وأن النهضة الحقيقية تتطلب التحررَ من الجُمودِ التراثي، والانفتاح على مناهج الفكر الغربي الحديث.وقدْ دعا إلى تطوير اللغة العربية، وطرح آراء جريئة حول تاريخ الأدب العربي والهُوية الثقافية.

بدأتْ جُذور الصراع الفكري بين الرَّجلين معَ اشتداد الجدل الثقافي في مِصْر خِلال النصف الأول من القرن العشرين، حين ظهرتْ تيارات تدعو إلى تجديد الثقافة وفق النموذج الأوروبي، في مقابل تيار محافظ يَرى ضرورةَ الانطلاق من التراثِ العربي الإسلاميِّ.

قدَّم لويس عوض أُطروحات صادمة لكثير من اللغويين والأدباء، إذْ حاولَ إعادةَ تفسير نشأة اللغة العربية وآدابها بمنهج متأثر بالدراسات الغربية الحديثة. وقدْ ذهب إلى آراء شديدة الخُطورة، مِثل: التقليل من مركزية العربية الفُصحى، وربط تطوُّر الأدب العربي بتأثيرات أجنبية واسعة، والدَّعوة إلى تحديث اللغة بصورة جذرية، والتشكيك في بعض المُسلَّمات التراثية. وتمَّ اعتبار هذه الآراء تهديدًا مُباشرًا للهُويةِ العربية.

شنَّ محمود شاكر هجومًا على منهج لويس عوض الثقافي كُلِّه، واتَّهمه بالاعتماد على النقل غير الدقيق للمستشرقين، وبالجهلِ العميق بأسرار العربية وتراثها. وكانَ يَرى أنَّ لويس عوض يتعامل مع اللغة العربية بعقلية أجنبية لا تُدرك طبيعتها الداخلية، وأنَّه يُحاكم التراثَ العربي بمعايير غربية مفروضة من الخارج. لذلك لَم تكن معركة شاكر مُجرَّد رَد عِلمي، بل كانتْ دفاعًا عن رُوح الأُمَّة.

رأى محمود شاكر أن التراث العربيَّ الإسلاميَّ يُمثِّل أساس الهُوية الثقافية للأُمَّة، وأن أيَّة نهضة حقيقية يجب أن تنطلق مِنْه. أمَّا لويس عوض فرأى أن التقديس المُبالغ فيه للتراث أدى إلى جُمود العقل العربي، وأن النقد والتجاوز ضروريان لصناعة المُستقبل.

دافعَ محمود شاكر عن العربية الفُصحى بوصفها لغة مُكتملة وقادرة على مواكبة العصر دُون الحاجة إلى هدم بُنيتها. في المقابل، دعا لويس عوض إلى قَدْر أكبر من التحرر اللغوي، وتأثرَ ببعض الدعوات التي تُنادي بتبسيط العربية، وتقريبها من العاميَّة.

لَم يكن محمود شاكر يرفض الغربَ مُطْلَقًا، لكنه كان يرفض التبعيةَ الفكرية له، ويَرى أن بعض المثقفين العرب أصبحوا مُجرَّد صدى للمستشرقين. أمَّا لويس عوض فكانَ يَعتبر أن الحضارة الغربية تُمثِّل ذِروةَ التطوُّر الإنساني الحديث، وأن الاستفادة منها ضرورة تاريخية.

امتازت المعركة بين الرَّجلين بِحِدَّة نادرة، إذْ لَم تكن لغة المُجاملات حاضرة فيها. استخدمَ محمود شاكر لغة قاسية مليئة بالتعريض والسُّخرية، بينما ردَّ لويس عوض باتهام خُصومه بالجمود والانغلاق. وكانت الصحف والمجلات الثقافية آنذاك تمتلئ بالمقالات والردود، وتَحَوَّلَ الخِلافُ إلى قضية رأي ثقافي في مِصْر والعالَم العربي. وقد انقسمَ المثقفون إلى فريقَيْن: فريق يؤيِّد محمود شاكر، ويَرى فيه حارسًا للتراثِ العربي، وفريق يؤيِّد لويس عوض باعتباره ممثلًا للتجديدِ والحداثة.

لَم تكن هذه المعركة مُجرَّد سِجال شخصي، بلْ تَركتْ آثارًا عميقة في الفكر العربي الحديث. ساهمَ محمود شاكر في إعادة الاعتبار إلى الدراسات التراثية الدقيقة، وأثبتَ أن التراث العربي يمكن أنْ يُقْرَأ بعقلية نقدية أصيلة دون الحاجة إلى الذوبان في المناهج الغربية.

ساهمَ لويس عوض في فتح باب النقاش حول ضرورة تحديث الثقافة العربية، وعدم الاكتفاء بِتَكرار الماضي. أظهرت المعركةُ أن المثقف العربي يعيش أزمة مُعقَّدة بين الانتماء إلى التراث والرغبةِ في اللحاق بالحداثة الغربية. ولهذا ظَلَّتْ معركة محمود شاكر ولويس عوض حاضرة في الوعي الثقافي العربي حتى اليوم، لأنَّ الأسئلة التي أثارتها ما تزال قائمة: كيف نتعامل مع التراث؟، ما حدود التأثر بالغرب؟، هل يمكن الجمع بين الأصالة والحداثة؟، ما دَور اللغة العربية في بناء الهُوية؟.

حين ينظر الباحثُ المعاصر إلى هذه المعركة الأدبية، يجد أنَّ الكاتبَيْن يَحملان جانبًا من الحقيقة. محمود شاكر كانَ مُحِقًّا في تحذيره من الانبهار الأعمى بالغرب، والقراءةِ السطحية للتراث العربي. وفي الوقتِ نَفْسِه، كانَ لويس عوض مُحِقًّا في الدعوة إلى تجديد الفكر العربي وعدم تجميد الثقافة داخل الماضي.

لكنَّ المشكلة الكُبرى أنَّ الصراع بينهما اتَّخذ أحيانًا طابعًا شخصيًّا حادًّا، مِمَّا جعل الحوار يتحوَّل من نقاش عِلمي هادئ إلى مواجهة فكرية عنيفة.

تبقى المعركة الأدبية بين محمود شاكر ولويس عوض واحدةً من أهم المعارك الفكرية في تاريخ الأدب العربي الحديث، لأنها لَم تكن مُجرَّد خِلاف بين ناقدَيْن، بلْ كانتْ صِراعًا بين رؤيتين للحضارةِ والثقافة واللغة والهُوية. وقدْ أثبتتْ هذه المعركة أن الأدب لَيس ترفًا فكريًّا، بلْ ساحة كُبرى تتصارع فيها الأفكارُ والمشاريع الحضارية. كما أكَّدت أنَّ الأُمَّة التي تناقش تُراثَها ومُستقبلها بِجِدية هي أُمَّة لا تزال حَيَّة، وقادرة على التجدُّد.

ولعلَّ القيمة الكُبرى لهذه المعركة اليوم تكمن في أنها تدفع القارئَ العربي إلى التفكير العميق في سؤال لَم يفقد أهميته أبدًا: كيف يُمكن للأُمَّة العربية أن تحافظ على أصالتها دون أن تنكمش على ذاتها وتنغلق على نَفْسِها وتنعزل عن العصر؟.

يجب على الأُمَّة العربية أن تَجعل من تاريخها العريق جسرًا للعُبور نحو المستقبل لا سِياجًا يحبسها في الماضي، وأن تفتح نوافذها لثقافات العالَم ولُغاته، وتنهل من عُلومها، وتُسهِم في نِتاجها الحضاري، مُعتمدةً على وعي أبنائها في فرز الغث من السمين، وتمييز التطور التكنولوجي عن التبعية الثقافية، بحيث تُعيد صياغة هُويتها بأدوات العصر الحديث دون أن تفقد جَوهرَها وقِيَمها الرُّوحية والإنسانية، لتثبت للعالَم أن الأصالة والتجدُّد مساران يلتقيان بصناعة إنسان عربي مُبْدِع ومُعاصر ومُمتد الجذور.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

قراءة في مقولة "رأي الأغبياء لأنهم أغلبية"

العبارة تقع في نقطة التقاء حادة بين نظرية الديمقراطية ومخاوف النخبة من حكم الجمهور. هي ليست شتيمة بقدر ما هي تحذير من معضلة قديمة عرفها الإغريق قبل ألفي عام، وعادت لتطل برأسها مع كل موجة تصويت شعبي يصطدم فيها الحدس الجماعي بمنطق التخصص. في الأصل، لم تكن المشكلة في الديمقراطية ذاتها، بل في غياب المرشحات التي تفصل بين الرأي المتسرع والقرار المسؤول. أفلاطون رأى في التصويت المباشر خطراً مشابهاً لترك اختيار الطبيب لجمهور لا يميز بين الدواء والسم. والسبب بسيط: العدد لا يمنح شرعية معرفية، بل شرعية إجرائية فقط. أي أن الأغلبية تقر من يحكم، لكنها لا تضمن أن القرار الذي تتخذه صائب من حيث النتيجة. لكن الخلط يحدث عندما تُقرأ العبارة كحكم قيمي على الناس. الأغلبية ليست كتلة متجانسة من الجهل، كما أن الأقلية ليست بالضرورة نخبة مستنيرة. التاريخ يقدم نماذج متناقضة. فأحياناً كانت الأغلبية هي التي أنقذت دولة من مشروع نخبوي مكلف، وأحياناً كانت هي التي دفعت بلادها إلى قرار كارثي بدافع الانفعال أو الخوف. المسألة إذن ليست في تكوين الناس، بل في طبيعة اللحظة التي يتخذون فيها قرارهم. الأنظمة الديمقراطية الحديثة حاولت حل هذه المعضلة عبر بناء حواجز مؤسية. فبدلاً من ترك القرار للجمع، وُضعت آليات التمثيل والفصل بين السلطات وحقوق الأقليات. الهدف لم يكن إلغاء صوت الأغلبية، بل تأخيره وتهذيبه حتى يمر على محطات مراجعة تمنع اندفاع القطيع. هذه المرشحات هي ما يفرق بين ديمقراطية تصلح نفسها من الداخل، وأخرى تنهار تحت وطأة قرار شعبي لا رجعة فيه. اليوم، مع صعود الإعلام الرقمي وسرعة تداول الشعارات، أصبحت العبارة أكثر حضوراً في الخطاب العام. لأن الفضاء المفتوح يعطي للرأي السهل الانتشار تفوقاً على الرأي المعقد، بغض النظر عن دقته. وهنا يعود السؤال القديم: هل يكفي أن يكون الرأي الأكثر تداولاً لكي يصبح صواباً؟ الإجابة التي يستقر عليها التحليل السياسي الرصين هي أن العدد يمنح شرعية الحكم، لكنه لا يمنح عصمة من الخطأ. لذلك فإن احتقار الأغلبية لا يعالج المشكلة، كما أن تخويلها سلطة مطلقة لا يحميها من نفسها. الحل يبقى في بناء مؤسسات قادرة على تحويل ضجيج الأغلبية إلى قرار قابل للحياة، لا في استبدال صوتها بصوت أقلية مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة.

***

محمد البغدادي

بقلم: بول سوتر

ترجمة: حاتم حميد محسن

 ***

كان الاعتقاد السائد هو اننا لا نستطيع ببساطة الوصول الى بداية الكون، والان، بفضل العمل الأسطوري للعالمين الفيزيائيين ويلر و ديويت (1)، اصبحنا نمتلك الوسيلة الدقيقة التي نحتاجها لحل بداية الكون فقط لوعرفنا شيئا واحدا، وهو قطعة صغيرة جدا من المعلومات، وسوف نتمكن من ذلك.

بعد عقدين من ويلر و ديوت (الأول ولد عام 1911، والثاني عام 1923)،جاء عالِم الفيزياء البريطاني الراحل ستيفن هاوكنغ وطرح فرضية لا حدود no-boundary proposal (2) ،هنا هو امتلك فكرة اكثر من أي شخص آخر، حيث ربط، كما يفعل عادة، بين عدة خطوط فكرية، وهو يدرك ان المشكلة لشيء ما هي في الحقيقة حل لشيء آخر.

 هاوكنغ حدق في معادلة ويلر ديوت Wheeler-Dewitt equation – التي يكشف لغزها الكون لكن جميع أجزاء اللغز متناثرة في كل مكان، ونحن نحاول فهم مشكلة معقدة (كمن يحاول في لعبة الصور المقطوعة تجميع الصور دون وجود غطاء مرشد للعلبة في الأعلى). لو كنا نستطيع معرفة كيف نضع فقط قطعة واحدة، سنتمكن من تجميع دالة الموجة الكمومية للكون.

نحن نحتاج فقط القطعة الأولى او الحالة الحدودية boundary condition التي تحدد بداية الكون. لكننا لا نستطيع قياسها، نحن لا نستطيع قراءة أي وسيلة او ننظر من خلال أي تلسكوب لنكتشف ذلك. لا شيء يتيح لنا الوصول الى اللحظة الأولى للانفجار العظيم. وليست لدينا ببساطة نظرية للجاذبية الكمومية في الأفق القريب لنطرحها.

اذن يبقى أمامنا ان نخمن تخمينا عشوائيا ونرى ان كنا سننجح . هاوكنغ قرر ان يكون تخمينه الجامح واقعيا قدر الإمكان. هو جادل ان أفضل حالة حدودية للكون، وأفضل بيان يمكنك الإدلاء به حول كيفية بدء كل شيء يجب ان يكون مبرر ذاتيا. هذا يعني ان التخمين حول بداية الكون لا يمكن ان يأتي من أي مكان آخر: انت لا تستطيع الإشارة الى الله او ويلر او أي شيء فقط ليعطيك الجواب، لأن الكون هو كل شيء موجود على الاطلاق، في كليته ولا يمكنك الوصول الى ما هو خارجه. لا يوجد هناك ركن مخفي في الخزانة التي توجد خارج الكون ليحدد لنا الحدود. ان أكبر تصريح تبريري يمكن ان يدلي به هاوكنغ حول بداية الكون هو انه ليس له بداية.

بكلمة أخرى، ماذا لو كان السبب في صعوبة العثور على حد لبداية الكون هو ليس لأنه مخفي او يصعب الوصول اليه، وانما لأنه غير موجود؟ الآن هذه فكرة جميلة جدا. لكننا هنا لسنا من أجل الأفكار الجميلة، نحن هنا من أجل الفيزياء العملية والواقعية. ان قول شيء غريب شيء، وتحويل ذلك الى نظرية عملية للطبيعة شيء آخر. لحسن الحظ، امتلك هاوكنغ بالضبط ما كان بحاجة اليه. واحدة من السمات المحددة لمعادلة ويلر- دويت هي انها لا تشرك الزمن. انها لا تعرف او تهتم بان الكون يتطور، يتوسع، يعمل أشياءً ملفتة.

ان المفتاح الذي يمكن ان يحل معادلة ويلر – ديوت هو بيان قوي حول الزمن، خاصة، الزمن الأكثر أهمية: بداية الكون. لذا نحتاج الى ادخال عنصر الزمن بطريقة او باخرى في كل هذه الفوضى اذا اردنا احراز تقدم.

لهذا فان هاوكنغ يأخذ بالاعتبار الزمن. بدلا من مجرد النظر الى المكان، هو يقوم بتجميع هذه الاشكال الهندسية معا جنبا الى جنب مثل صفحات الفيلم. هو يصنع منها سلسلة، تمثل تطور تاريخ الكون. هذه الأطر تحكي قصة الكون. الآن، نحن لا نعرف ما هي تلك القصة، لذا، يبني هاوكنغ كل هذه المسارات. تواريخ ممكنة للكون، مسارات، تطورات، قصص. في بعض القصص، يصبح الكون ضخما جدا بسرعة كبيرة ثم يتلاشى الى لا شيء. في أخرى لا يتمدد ابدا، وفي أخرى،لا وجود هناك الاّ المادة. وفي أحيان خرى، لا شيء الا اللاشيء. الان كل هذه المسارات، كل هذه التواريخ للكون، كلها تشترك بشيء واحد: انها في الزمكان العادي الذي نحن نعرفه ونحبه. السبب والنتيجة، الماضي والمستقبل، سرعة الضوء، كل ذلك. وكلها لها بداية. اول اطار في فهم الكون .

حسنا، ماذا لو جعلنا الزمن يتصرف بشكل مختلف؟ الان سوف نستخدم كلمة جديدة هي الزمن التخيلي

imaginary time ، الزمن التخيلي، زمن لكنه خيالي. الأرقام الخيالية، رائعة وممتعة حقا: الفكرة الجوهرية خلف الأرقام الخيالية هي بيان الجذر التربيعي للعدد أربعة سالب الغير معروف. الجذر التربيعي للرقم أربعة النظامي هو 2 لكن الجذر التربيعي للسالب أربعة هو... ؟ في الرياضيات الابتدائية العادية، هنا يسخر منا المعلم ويقول انت لا تستطيع اخذ الجذر التربيعي لرقم سالب. لكن هذه ليست رياضيات مدرسية. نحن سوف لن نأخذ الجذر التربيعي لرقم سالب. بدلا من ذلك، نحن نقول ان الجذر التربيعي للارقام السالبة هو نوع جديد تماما من الأرقام. فئة جديدة تماما. انت لديك أعداد صحيحة، أعداد نسبية، أعداد سالبة، والان لديك أعداد تخيلية، التي هي جميع الجذور التربيعية للارقام السالبة.

 الحيلة التي استخدمها هاوكنغ كانت انه أخذ كل هذه التواريخ للزمكان واستبدل "الزمن" بـ "زمن تخيلي". ثم ضرب مسار الزمن × الجذر التربيعي لزمن سالب . الان، العلماء في الحقيقة يقومون بهذا في ميكانيكا الكم طوال الوقت كحيلة.

أحيانا عندما نحصل على معادلات يصعب جدا حلها، نستبدل الزمن بزمن تخيلي وتصبح أسهل. بعدها نحلها، ثم نعيدها الى وضعها الأصلي . فقط تعديلات طفيفة في الواجهة الخلفية لحل بعض المشاكل المعقدة. لكن عندما يقوم هاوكنغ بهذا في زمكان الكون، هو يحصل على مكافأة. لم يعد الامر مجرد خدعة في حفلة. انه بيان. انت ترى، في زمكان طبيعي، الكون له بداية. لكن عندما تستبدل الزمن بزمن تخيلي، البداية ستهرب. هذا الاجراء في الحقيقة يضع المكان والزمان على قدم المساواة. انه يجعلهما نتاج للانحناء والهندسة، مع عدم وجود هوية منفصلة وهو ما يجعل بداية الكون ليست زمان خاص ابدا. انها تصبح مثل القطب الجنوبي، الذي هو حقا مثل أي نقطة أخرى على الكوكب. انت تصل الى القطب الجنوبي ولن تسقط من حافة، ولو تستمر بالمشي سيكون بدون أي معنى، حيث لا يوجد شيء سوى الاتجاه شمالا من هناك. انت تصل بداية الكون، وهي ليست خاصة او فريدة (ربما اكثر حرارة)، وكل ما لديك هو المستقبل الذي أمامك. لا بداية. لا حدود. كون يبرر ذاته. عبر الانتقال الى الزمن التخيلي، استطاع هاوكنغ تشفير فكرته القائلة بان (الكون ليس له بداية)، وكان بامكانه اجراء عمليات حسابية معقدة.

هذا هو المفتاح الذي يفتح معادلة ويلر- دويت والمعرفة اللازمة لتشغيل الآلة الرياضية. ماذا نحصل مقابل كل هذا العمل؟ ليس أقل من دالة موجية للكون.

***

............................

* المقال نُشر بتاريخ may,17,2026 للكاتب بول سوتر في نشرة universe Today بعنوان (ماذا لو كان الكون بلا بداية؟ الجزء الثاني: لا حدود، لا مشكلة).

* بول سوتر Paul Sutter عالم كونيات، مستشار في وكالة ناسا، مؤلف ومقدم برامج

الهوامش

(1) ويلر ودويت كانا عالمي فيزياء أمريكيين بارزين أبدعا بعملهما الحديث في النسبية العامة والثقوب السوداء والسعي لنظرية في الجاذبية الكمومية. هما اشتهرا بتطويرهما المشترك لمعادلة ويلر- دويت – wheeler-Dewitt equation(صيغت في أواخر الستينات من القرن الماضي، كمعادلة أساسية تحاول رياضيا دمج ميكانيكا الكم مع نظرية اينشتاين في النسبية العامة). أهم عناصر المعادلة هما الدالة الموجية للكون و مشكلة الزمن. الدالة الموجية هي في الأساس تعمل بمثابة معادلة شرودنغر لكل الكون. بدلا من وصف الكترون واحد او ذرة واحدة، انها تصف الحالة الكمومية للمكان والكون كله. اما مشكلة الزمن فهي السمة الأكثر اثارة في المعادلة كونها لا تحتوي على متغير الزمن. بما ان الزمن والمكان متداخلان في نسيج واحد ضمن نسبية، فان تطبيق مبادئ الكوانتم على كل الكون يتركنا مع معادلة لازمنية.

(2) تقوم هذه الفرضية على النقاط التالية:

1- لا بداية، لا حافة: اقترح هاوكنغ ان لا وجود لحد مادي للكون، لا نقطة بداية في الزمن. الزمكان محدود، بما يعني انه لا يستمر الى الابد، لكنه ينطوي على نفسه بطريقة لا تخلق أي حدود.

2- السؤال عن الزمن قبل الانفجار العظيم هو بلا معنى لان الزمن كما نفهم غير موجود قبل تلك النقطة.

3- الكون مكتفِ بذاته: بما ان الكون مكتف بذاته تماما ولم يتأثر باي شيء خارج ذاته، فان حالة الحدود هذه تعني ان الكون لا يتطلب خالقا او قانونا خارجيا خاصا لضبطه.

القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية القوانين الطبيعية من خلال القانون التالي: القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر. بما أنَّ القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر، إذن القوانين الطبيعية = (إنتاج الوقائع × صفر)  ÷   صفر. وبذلك القوانين الطبيعية = صفر ÷   صفر مما يتضمن أنَّ القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة علماً بأنَّ الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. هكذا ينجح القانون السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية القوانين الطبيعية.

ينجح هذا القانون في تفسير لماذا تتنوّع القوانين الطبيعية وتختلف. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة، إذن من المتوقع أن تختلف القوانين الطبيعية وتتنوّع من جراء لا مُحدَّديتها كأن توجد قوانين طبيعية حتمية (كما في فيزياء نيوتن وأينشتاين) وأن توجد أيضاً قوانين طبيعية احتمالية بدلاً من حتمية (كما في نظرية ميكانيكا الكمّ). هكذا ينجح القانون السابق في تفسير اختلاف القوانين الطبيعية وتنوّعها مما يدلّ على أنه قانون صادق على ضوء نجاحه التفسيري.

بالإضافة إلى ذلك، بما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، القوانين الطبيعية غير مُحدَّدة، إذن من الممكن أن تتغيّر القوانين الطبيعية من جراء لا مُحدَّديتها مما يتضمن إمكانية نشوء أكوان ممكنة موازية متعدّدة ومختلفة بفضل تغيّر تلك القوانين فاختلافها وتعارضها (فمع اختلاف القوانين الطبيعية تختلف الأكوان). من هنا، ينجح القانون السابق في التعبير عن إمكانية وجود أكوان موازية عديدة ومتنوّعة. وهذا النجاح التعبيري يشير إلى صدق ومصداقية القانون السابق.

كما ينجح هذا القانون في التعبير عن فعّالية القوانين الطبيعية ومحكومية الوقائع بالقوانين الطبيعية. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية × صفر = إنتاج الوقائع × صفر، إذن القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع. وبذلك الوقائع محكومة بالقوانين الطبيعية وتلك القوانين فعّالة في إنتاج الوقائع. وعلى ضوء هذه القدرة التعبيرية الناجحة يكتسب القانون السابق صدقه ومصداقيته.

ينجح القانون السابق أيضاً في تفسير انتظام الأحداث وفوضاها في آن. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع بينما من الممكن إنتاج الوقائع بشكل منتظم كما من الممكن انتاجها بشكل فوضوي، إذن من المتوقع نشوء انتظام الأحداث (المتمثل بأنَّ الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها) كما من المتوقع نشوء فوضى الأحداث (المتمثل بانتقال أحداث الكون من الانتظام إلى الفوضى كما يقول مبدأ الأنتروبي العلمي). هكذا ينجح القانون السابق في تفسير انتظام الأحداث وفوضاها. وهذه القدرة التفسيرية الناجحة دليل على صدق القانون السابق.

من جهة أخرى، ينجح هذا القانون في التوحيد بين مذهبيْن أساسييْن حيال تحليل القوانين الطبيعية فيكتسب فضيلة هذا التوحيد. فبما أنَّ، بالنسبة إلى القانون السابق، القوانين الطبيعية كامنة في إنتاج الوقائع بينما من الممكن إنتاج الوقائع من خلال علاقات رياضية بين كليات (كالعلاقة الرياضية بين االقوة والكتلة والتسارع في قانون نيوتن العلمي ألا وهو القوة = الكتلة × التسارع) كما من الممكن إنتاج الوقائع من خلال انتظام العلاقات السببية (المتمثل بأنَّ الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها)، إذن من الممكن التعبير عن القوانين الطبيعية على أنها علاقات رياضية بين كليات وعلى أنها أيضاً انتظام العلاقات السببية فانتظام حدوث الأحداث. وبذلك يوحِّد القانون السابق بين المذهب الفلسفي الذي يحلِّل القوانين الطبيعية على أنها علاقات رياضية بين كليات والمذهب المنافس له الذي يحلِّل القوانين الطبيعية على أنها الانتظام في العلاقات السببية والأحداث فيحلّ الخلاف الفلسفي بين المذهبيْن السابقيْن. وبهذا النجاح في حلّ الخلاف الفلسفي دلالة كبرى على صدق هذا القانون.

***

حسن عجمي

في زمن تتكاثر فيه الاصوات وتتناقص فيه الرؤى، يظل الفيلسوف الحقيقي هو ذلك الذي لا يكتفي بشرح العالم، بل يحاول ان يمنح الوعي قدرة جديدة على النظر الى ذاته. فالفلسفة ليست حشدا من المصطلحات المعقدة، بل هي، في جوهرها، محاولة دائمة لانقاذ الانسان من السقوط في العادة الفكرية، ومن الاستسلام للمألوف بوصفه حقيقة نهائية.

ومن هنا تأتي اهمية المفكر والفيلسوف المصري أحمد عبد الحليم عطية، بوصفه واحدا من ابرز الاصوات الفلسفية العربية التي سعت الى اعادة الاعتبار للعقل النقدي، والى بناء جسر حي بين التراث الفلسفي العالمي واسئلة الواقع العربي المعاصر. فهو لا ينتمي الى ذلك النموذج الاكاديمي المنغلق داخل القاعات الجامعية، بل يمثل مشروعا فكريا واسعا انشغل بالانسان، والقيم، والحداثة، واسئلة الهوية، ومصير العقل العربي في مواجهة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم.

ويأتي احمد عبد الحليم عطية بوصفه واحدا من الاصوات الفلسفية العربية التي لم تتعامل مع الفكر باعتباره مهنة اكاديمية، بل باعتباره قدرا انسانيا، وموقفا اخلاقيا.

لقد ادرك الدكتور احمد عبد الحليم عطية ان الفلسفة لا تعيش الا بالحوار، لذلك انفتح على تيارات الفكر الغربي المعاصر، من الوجودية الى التفكيكية، ومن النقد الاخلاقي الى فلسفات ما بعد الحداثة، دون ان يفقد حسه النقدي او خصوصيته الثقافية. فكان قارئا عميقا للفكر الاوروبي الحديث، وفي الوقت نفسه منحازا الى ضرورة تأسيس مشروع فلسفي عربي قادر على تجاوز التبعية الفكرية والجمود التراثي معا.

ولم يكن مشروعه الفكري مجرد قراءة للفلسفة الغربية المعاصرة، بل كان محاولة للكشف عن ازمة الانسان العربي ذاته، ذلك الانسان الممزق بين ماض لم يعد قادرا على العودة اليه، وحاضر لم ينجح بعد في بنائه. ومن هنا جاءت اهتماماته بالفكر النقدي، وفلسفات ما بعد الحداثة، والتفكيك، وعلم الجمال، وفلسفة القيم، بوصفها ادوات لفهم التشققات العميقة داخل الوعي الانساني الحديث.

ويعد عطية احد رموز البحث الفلسفي في الجامعة المصرية والعالم العربي، اذ اسهم عبر كتبه وابحاثه وترجماته في اثراء المكتبة الفلسفية العربية، خاصة في مجالات الفلسفة الغربية المعاصرة، وعلم الجمال، وفلسفة القيم، والفكر النقدي. كما لعب دورا ثقافيا مهما من خلال رئاسته لـ جمعية الفكر العربي، واشرافه على مجلة أوراق فلسفية، التي تحولت الى منصة للحوار الفلسفي والفكري بين اجيال متعددة من الباحثين والمفكرين.

ومن ابرز ما يميز مشروعه الفكري انشغاله العميق بالاخلاق والقيم في عصر تتآكل فيه المعايير الانسانية تحت ضغط الاستهلاك والعنف والاغتراب. فقد كان يرى ان ازمة الانسان الحديث ليست ازمة معرفة فحسب، بل ازمة معنى ايضا، وان الحضارة التي تتقدم تقنيا دون ان ترتقي اخلاقيا انما تدفع الانسان نحو فراغ روحي خطير.

كما اهتم بالفكر التفكيكي وقراءة اعمال الفيلسوف جاك دريدا، محاولا تقديم التفكيك لا بوصفه هدما للمعنى فقط، بل كآلية نقدية تكشف البنى الخفية للسلطة والمعرفة واللغة. وفي الوقت ذاته، انفتح على الفكر الانساني عند لودفيغ فويرباخ، وترجم بعض اعماله، ادراكا منه لاهمية اعادة قراءة التراث الفلسفي الاوروبي بلغة عربية دقيقة وعميقة.

لقد انفتح على فكر لودفيغ فويرباخ، واهتم بترجمة اعماله، لانه كان يدرك ان الفلسفة ليست حدودا جغرافية، بل حوار انساني طويل بين العقول عبر الزمن. لذلك جاءت ترجماته وابحاثه وكأنها محاولة لادخال العقل العربي في هذا الحوار الكوني.

ولم يكن عطية منفصلا عن هموم الواقع، فقد ادرك ان ازمة العصر ليست ازمة معرفة فقط، وانما ازمة معنى. فالعالم الحديث، رغم كل تقدمه التقني، بات اكثر وحدة وبرودة واغترابا، والانسان فيه يزداد ثراء ماديا وفقرا روحيا. ولهذا انشغل بفلسفة الاخلاق والقيم، مؤمنا بأن الحضارة التي تفقد بعدها الانساني تتحول تدريجيا الى آلة ضخمة بلا روح.

ومن اعماله الفكرية المهمة ايضا كتاب "فلسفة القيم" الذي ناقش فيه ازمة الاخلاق في العالم المعاصر، محذرا من تحول الانسان الى كائن استهلاكي فاقد للمعنى في ظل هيمنة المادة والتكنولوجيا.

وفي كتابه. الحداثة وما بعد الحداثة.. حاول قراءة التحولات الفكرية الكبرى التي اصابت الوعي الانساني، موضحا كيف انتقل العالم من الايمان بالعقل المطلق الى الشك، والتشظي، وقلق الهوية. كذلك اهتم بعلم الجمال والفكر النقدي في عدد من ابحاثه، معتبرا ان الفن ليس ترفا جماليا، بل وسيلة لفهم الانسان ومقاومة اغترابه

وتكشف هذه الاعمال مجتمعة عن مشروع فلسفي يسعى الى اعادة الاعتبار للانسان، والدفاع عن حرية العقل، وفتح ابواب الحوار بين الفكر العربي والفلسفة العالمية، بعيدا عن الانغلاق او التبعية الفكرية.

ان الكتابة عن احمد عبد الحليم عطية ليست كتابة عن استاذ جامعي فحسب، بل عن تجربة فكرية آمنت بأن الفلسفة قادرة على مقاومة التكلس، وعلى تحرير الانسان من الخوف الفكري، وعلى اعادة طرح السؤال الانساني الكبير: كيف يمكن للعقل ان يبقى حرا في عالم يمتلئ باليقينيات المغلقة؟

لذلك، فإن حضوره في المشهد الثقافي العربي لا يختزل في مؤلفاته فقط، بل يمتد الى اثره في اجيال من الباحثين والطلاب والمثقفين الذين تعلموا منه ان الفلسفة ليست حفظا للنظريات، بل شجاعة في التفكير، وقدرة على مساءلة العالم دون خوف.

ومن خلال حضوره الاكاديمي والثقافي، سواء عبر جمعية الفكر العربي او مجلة اوراق فلسفية، لم يكن يسعى الى انتاج نخبة معزولة، بل الى خلق مساحة للحوار الحر، والى اعادة الاعتبار للفلسفة باعتبارها فعل مقاومة.

وهكذا، لا يمكن النظر الى تجربة احمد عبد الحليم عطية باعتبارها مجرد مسيرة اكاديمية لرجل كتب وألف ودرّس، بل بوصفها محاولة دائمة لانقاذ المعنى في زمن يتآكل فيه المعنى نفسه. انه ينتمي الى ذلك النوع النادر من المفكرين الذين لا يسكنون الفلسفة، بل تسكنهم الفلسفة، اولئك الذين يتحول السؤال عندهم الى اسلوب حياة، ويصبح التفكير فعل مقاومة ضد السكون العقلي والتصحر الروحي.

وكان دائما ما ينبه الى ان اخطر ما يهدد الانسان ليس الفقر المعرفي فقط، بل موت الحس النقدي، حين يفقد العقل شجاعته في مساءلة ما اعتاد عليه.

لذلك ظل مشروعه الفكري منحازا الى الحرية، لا بمعناها السياسي الضيق فحسب، بل بوصفها حرية الوعي ذاته، حرية الانسان في ان يفكر خارج القوالب، وان يعيد اكتشاف العالم دون وصاية.

وفي هذا الزمن الذي تتسارع فيه التكنولوجيا بينما يتراجع الانسان داخليا، تبدو كتابات الدكتور أحمد عبدالحليم عطيه وكأنها تذكير دائم بأن الحضارة ليست ما نبنيه من آلات، بل ما نحمله من قيم، وان العقل الذي لا يرافقه ضمير قد يتحول الى اداة اكثر قسوة من الجهل نفسه. ومن هنا جاءت فلسفته اقرب الى دفاع انساني عميق عن الانسان المهدد بالتشيؤ والاغتراب.

ربما لا تصنع الفلسفة ضجيجا كالسياسة، ولا سلطة كالدين، ولا اغراء كالمال، لكنها وحدها القادرة على ان تمنح الانسان تلك اللحظة النادرة التي يرى فيها نفسه والعالم بعيون اكثر صدقا. ولهذا يبقى احمد عبد الحليم عطية واحدا من الاصوات التي حاولت ان تبقي باب السؤال مفتوحا في وجه العتمة، وان تذكرنا بأن الفكر ليس ترفا، بل احد آخر اشكال النجاة الممكنة للانسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الجمال بوصفه تشريعاً للخيال والحرية

منذ أن انشقّ الوعي الإنساني عن يقيناته الأولى، لم يعد الجمال ترفاً حسّياً يُضاف إلى العالم، بل صار طريقةً في فهم الوجود نفسه؛ إذ إنّ علم الجمال، أو الأستاطيقا، لم يولد بوصفه تأملاً في الزينة أو المحاكاة، وإنما وُلد بوصفه ارتجاجاً عميقاً في بنية الفكر الغربي، وانقلاباً على النظام الدوغمائي الذي كان يضع الذات في تبعيةٍ مطلقة لموضوعٍ مفارق وثابت. ولهذا بدا ظهور الأستاطيقا الحديثة متزامناً مع ما سمّاه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط «الثورة الكوبرنيكية» في الفلسفة؛ تلك الثورة التي لم تغيّر مسار المعرفة فقط، بل غيّرت صورة الإنسان عن نفسه، وعن علاقته بالعالم، وعن معنى الإدراك والخيال والحرية.

لقد كان العالم، قبل هذه القطيعة الكانطية، يُفهم بوصفه حقيقةً جاهزةً تقف خارج الذات، بينما يُنظر إلى العقل كمرآةٍ سلبيةٍ تعكس الموجودات كما هي. غير أنّ كانط زعزع هذا التصور من جذوره حين أعلن أن العقل لا يستقبل العالم فحسب، بل يشارك في بنائه وإضفاء معناه؛ فالذات ليست مستودعاً خاملاً للمعرفة، وإنما هي قوة تشريعية تمنح الظواهر انتظامها وإمكان ظهورها. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: إنّ الإنسان «مشرّع الطبيعة». أي إنّ الطبيعة، كما تُدرَك، ليست معطىً خالصاً، بل هي حصيلة تفاعلٍ خلاق بين الحسّ والمقولات والوعي.

في هذا التحول الجذري، لم يعد الجمال مجرد خاصيةٍ في الأشياء، بل أصبح تجربةً تنكشف فيها حرية الذات وهي تؤسس علاقتها بالعالم دون إكراهٍ مفهومي أو منفعةٍ عملية. فالحكم الجمالي عند كانط لا يقوم على المعرفة ولا على الأخلاق، بل على ذلك الانسجام الحرّ بين المخيلة والفهم؛ ذلك الاهتزاز الداخلي الذي يجعل الروح تشعر بأنّ العالم قابلٌ لأن يُحَبّ قبل أن يُفهَم، وأن يُتأمّل قبل أن يُستعمل.

ولعلّ أعظم ما اكتشفته الأستاطيقا الحديثة هو أنّ المخيلة ليست أداةً ثانوية تزيّن الواقع، بل هي القوة السرية التي تمنح الإدراك نفسه حيويته. فالمخيّلة، في التصور الكانطي، ليست مجرد خزانٍ للصور، وإنما طاقة توليدية قادرة على خلق إمكاناتٍ جديدة للحدس والمعنى. إنها الوسيط الخفيّ بين الحسّ والعقل، بين المادة والصورة، بين الفوضى والقانون. ولذلك قال صموئيل تايلور كولريدج إنّ المخيلة «قوة توحيدية» تعيد خلق العالم في داخل الذات، لا عبر نسخه، بل عبر بعثه من جديد.

ومن هنا نفهم لماذا ارتبط الجمال بالحرية منذ نشأته الفلسفية الحديثة؛ لأنّ التجربة الجمالية هي اللحظة التي يتحرر فيها الإدراك من قسر المنفعة ومن صرامة المفهوم. ففي تأمل لوحةٍ أو قصيدةٍ أو معزوفةٍ موسيقية، لا نبحث عن حقيقةٍ علمية ولا عن غايةٍ نفعية، بل نختبر انفتاحاً داخلياً يجعل الذات أكثر اتساعاً وقدرةً على الإنصات لما هو غير قابلٍ للاختزال. ولذلك رأى فريدريش شيلر أنّ الجمال هو المجال الذي يتصالح فيه الإنسان مع ذاته، لأنّ الإنسان لا يكون إنساناً كاملاً إلا حين يلعب؛ أي حين يتحرر من الضرورة ويدخل فضاء التشكيل الحرّ.

إنّ الفن، وفق هذا المعنى، ليس محاكاةً للعالم، بل إعادة اختراعٍ له. والقصيدة العظيمة لا تصف الأشياء كما هي، بل تكشف ما كان خفياً فيها. ولهذا كان مارتن هايدغر يرى أنّ العمل الفني ليس شيئاً جميلاً فحسب، بل هو انكشافٌ للحقيقة؛ إذ إنّ الحقيقة، في الفن، لا تظهر بوصفها برهاناً، وإنما بوصفها إشراقاً. إنّ القصيدة لا تقول العالم، بل تجعله يحدث من جديد داخل اللغة.

وهنا تبلغ اللغة ذروتها الجمالية؛ فاللغة ليست أداة نقلٍ محايدة، وإنما بيت الوجود كما يقول هايدغر. والكلمات، حين تبلغ كثافتها الشعرية، تتحول إلى كائناتٍ حيّةٍ تُنصت إلى ما وراء المعنى المباشر. ولذلك كان رومان ياكوبسون يرى أنّ الوظيفة الشعرية للغة تقوم على تركيز الرسالة على ذاتها؛ أي على جعل اللغة تُظهر مادتها وإيقاعها وتوتراتها الداخلية، لا أن تكون مجرد قناة عبورٍ نحو المعنى.

ومن هذا المنظور، يصبح الجمال نوعاً من المقاومة ضد الابتذال والاعتياد؛ لأنّ الإنسان، حين يفقد قدرته على الدهشة، يفقد شيئاً من إنسانيته العميقة. إنّ الجمال ليس زينةً للحياة، بل إنقاذٌ لها من التشيؤ. ولهذا كتب ثيودور أدورنو أنّ الفن الحقيقي يحمل دائماً أثراً من السلب والاحتجاج؛ لأنه يرفض أن يذوب العالم في المنفعة الخالصة أو في النظام التقني البارد.

إنّ الأستاطيقا، بهذا المعنى، ليست علماً للجمال فحسب، بل هي تفكيرٌ في الحرية والخيال والوعي والزمن. إنها محاولة لفهم كيف يستطيع الإنسان أن يخلق عالماً آخر داخل العالم؛ عالماً لا تحكمه الضرورة وحدها، بل تحكمه القدرة على التخيّل والتجاوز وإعادة التشكيل. ومن هنا كان الجمال حدثاً روحياً قبل أن يكون خاصيةً حسية؛ لأنه يكشف أنّ الإنسان ليس كائناً يستهلك الواقع فقط، بل كائنٌ يعيد تأويله باستمرار.

وحين تبلغ المخيلة أقصى حريتها، لا تعود الطبيعة معطىً جاهزاً، بل تصبح إمكانيةً مفتوحة. وهنا يظهر أصل الحسّ الجمالي: ذلك الحدس الذي يخلق طبيعةً أخرى، لا تُقاس بقوانين المادة وحدها، بل بأحداثٍ روحيةٍ خالصة؛ طبيعةٍ تُولد فيها الأشياء من جديد داخل الرؤية، ويصبح العالم فيها أقلّ صلابةً وأكثر قابليةً للحلم.

***

بقلم: عماد خالد رحمة برلين

في كثير من الأحيان نعتقد أن النجاح مرتبط بالحماس اللحظي أو التحفيز المؤقت، فنبحث باستمرار عن كلمات تشعل فينا الدافعية والهمة والنشاط، أو مقاطع تحفزنا لبضعة لحظات أو أيام، ثم لا يلبث ذلك الحماس أن يخبو مع أول تعب أو ضغط أو انشغال. لكن الحقيقة التي تؤكدها تجارب الأفراد والأمم أن ما يصنع الإنجاز الحقيقي ليس التحفيز المؤقت، بل الانضباط الذاتي والجمعي المستمر.

فالانضباط ليس مجرد التزام بالقوانين أو المعايير أو الحضور في الوقت المحدد، بل هو منظومة فكرية قائمة على الوعي والسلوك الذي يتشكل منذ الطفولة، وتنمو مع الإنسان عبر ما يتعلمه ويمارسه يومياً في تنشئتة داخل البيت والمدرسة والجامعة ومكان العمل. إنه أسلوب حياة ينعكس على طريقة التفكير، وإدارة الوقت، وتحمل المسؤولية، واحترام النظام، والقدرة على الاستمرار حتى في غياب الحماس والتحفيز.

فيعد المجتمع الياباني على سبيل المثال من أكثر المجتمعات التزاماً وانضباطاً في العالم. فالفرد هناك يتربى منذ سنواته الأولى على الاعتماد على النفس، واحترام الوقت، وتحمل مسؤولية أقواله وأفعاله، والالتزام بإنجاز المهام التي يوكل بها بدقة وجودة عالية. لذلك أصبحت ثقافة الانضباط جزءاً من الهوية الحضارية والمجتمعية، وليست مجرد تعليمات أو رقابة خارجية تفرضها أصحاب السلطات والمسؤولين. ولهذا استطاعت اليابان أن تبني نموذجاً متقدماً في التعليم والعمل والإنتاج رغم التحديات والكوارث والحروب والدمار الشامل التي مرت بها عبر التاريخ.

وفي المقابل، فإن ديننا الإسلامي الحنيف سبق كل النظريات الحديثة في الدعوة إلى الانضباط والعمل الجاد؛ إذ حث على الرقابة الداخلية والإخلاص في العمل وإتقانه، واحترام الوقت، وتحمل المسؤولية، والوفاء بالعهود والوعود، وتنظيم شؤون الحياة. فالصلاة نفسها مدرسة يومية للالتزام بالمواعيد والانضباط، والعمل عبادة حين يؤدى بإخلاص وإتقان.

إن المجتمعات التي تربي أبناءها على الانضباط لا تحتاج كثيراً إلى الرقابة والعقوبات، لأن الإنسان يصبح رقيباً ومحاسباً لذاته. بينما يؤدي غياب الانضباط إلى الفوضى وإنعدام المسؤولية، وتأجيل الأعمال، وضعف الإنتاجية، وتراجع جودة الأداء مهما توفرت الإمكانيات والقدرات.

ولعل أخطر ما نواجهه اليوم هو الاعتماد المفرط على “التحفيز المؤقت” دون بناء عادات إيجابية وسلوكيات ثابتة. فالحماس قد يدفعك للبدء والاندفاع اللحظي والوقتي، لكن الانضباط وحده هو الذي يجعلك تستمر وتكمل المسير بالرغم من الإحباطات والعراقيل التي قد تعترض الطريق المؤدي للأهداف الموضوعة. فالحماس قد يجعلك تضع خطة، لكن الانضباط هو ما يجعلك تلتزم بها يوماً بعد يوم وتصل إلى غاياتك.

لذلك، فإن بناء الإنسان المنضبط يجب أن يبدأ مبكراً، عبر التربية والإعداد في الأسرة والمدرسة والمؤسسات المختلفة، من خلال غرس قيم المسؤولية، واحترام الوقت، والاعتماد على النفس، والالتزام بالواجبات، وتحويل هذه القيم إلى ممارسات يومية متكررة حتى تصبح جزءاً من الشخصية.

في العمل هناك فرق كبير بين الموظف المنضبط والموظف الذي يعتمد فقط على التحفيز. فالموظف المنضبط يعمل بجد واجتهاد حتى في أصعب الظروف، لأن الالتزام والاعتماد على الذات وتحمل المسؤولية أصبحوا جزءاً من شخصيته. أما الموظف الذي ينتظر التحفيز باستمرار، فقد يشتعل نشاطه وهمته لفترة قصيرة ثم يخبو سريعاً. التحفيز يساعد على البداية… لكن الانضباط هو سر الاستمرار. فالنجاح الحقيقي لا يعتمد على المزاج، بل على العادات اليومية والعمل المتراكم. وإن كل إنجاز كبير خلفه إنسان التزم رغم التعب والضغوط. لذلك، اجعل الانضباط أسلوب حياة وليس مجرد حالة مؤقتة ما تلبث أن تنتهي من حيث بدأت.

فالانضباط ليس قيداً على الإنسان، بل هو الطريق الحقيقي لحريته وإنجازه وتقدمه. وهو القوة الصامتة التي تصنع الأفراد الناجحين، والمؤسسات المتميزة، والأمم المتقدمة.

***

د. أكرم عثمان

19/5/2026

مقدمة: لا يُعدّ التفسير في القانون الجزائي غاية مستقلة بذاتها، وإنما هو أداة لتحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصيانة الحرية الفردية؛ لذلك يضيق حيث يُخشى التعسف في العقاب، ويتسع حيث تكون الغاية تعزيز الضمانات وتحقيق العدالة.

وتبعاً لذلك، تختلف حدود التوسع في التفسير أو جواز القياس بحسب طبيعة القاعدة الجزائية والغاية التي شرعت من أجلها، إذ تُقسم القواعد الجزائية، من حيث طبيعتها وآثارها، إلى قواعد جزائية إيجابية، وقواعد جزائية سلبية، وقواعد إجرائية.

أولاً: القواعد الجزائية الإيجابية

ويقصد بها النصوص التي تُنشئ الجريمة أو تُقرر العقوبة.

والأصل فيها عدم جواز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها، تطبيقاً لمبدأ الشرعية الجنائية القائم على قاعدة: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص».

فالقاضي الجزائي يلتزم بالتفسير الضيق للنص، ولا يجوز له التوسع في التجريم أو استحداث جرائم أو عقوبات أو حالات لم ينص عليها القانون صراحة، لأن في ذلك مساساً بالحريات الفردية وخروجاً على مبدأ المشروعية.

ومن ثم، فإن القياس في مجال التجريم والعقاب يُعدّ محظوراً، لأنه يؤدي عملياً إلى خلق نصوص جزائية جديدة بغير إرادة المشرّع.

ثانياً: القواعد الجزائية السلبية

ويقصد بها القواعد التي تستبعد الصفة الجرمية عن الفعل، أو تمنع قيام المسؤولية الجزائية، أو تؤدي إلى الإعفاء من العقوبة، كأسباب الإباحة، وموانع المسؤولية، وقوانين العفو.

ويجوز التوسع في تفسير هذه القواعد متى كان ذلك لمصلحة المتهم ومنسجماً مع إرادة المشرّع، لأنها لا تُنشئ تجريماً جديداً ولا تُشدد العقاب، بل تتجه نحو الأصل العام، وهو براءة الذمة وحماية الحرية الفردية.

ومن أمثلتها: الدفاع الشرعي، وحالة الضرورة، والعفو العام أو الخاص.

أما القياس، فيذهب جانب مهم من الفقه والقضاء إلى جوازه في القواعد الجزائية السلبية، استناداً إلى الحكمة التشريعية والغاية التي توخاها المشرّع.

ومن التطبيقات البارزة لذلك ما ذهبت إليه محكمة النقض الفرنسية في تفسير مبدأ “الحصانة العائلية” المنصوص عليه في قانون العقوبات الفرنسي، والذي يمنع الملاحقة الجنائية في بعض جرائم الأموال المرتكبة بين الزوجين، كالسرقة، وفقاً للمادة 311-12 من قانون العقوبات الفرنسي.

وقد وسّع القضاء الفرنسي نطاق هذه الحصانة لتشمل جرائم أخرى، كالاحتيال وخيانة الأمانة والابتزاز، باعتبارها امتداداً لفكرة الحصانة العائلية التي تقوم على حماية الروابط الأسرية.

استثناءات الحصانة الزوجية

تُستبعد هذه الحصانة ويُعاقب الزوج في حالات معينة، من أبرزها:

سرقة أو اختلاس الوثائق والمستندات الشخصية أو وسائل الدفع، كبطاقات الائتمان والهواتف.

صدور قرار قضائي يجيز للزوجين العيش منفصلين، إذ تسقط الحصانة بمجرد الانفصال القضائي.

الطبيعة المدنية للحصانة

لا يعني الإعفاء من المسؤولية الجزائية ضياع الحق المالي، إذ يبقى للزوج المتضرر الحق في المطالبة بالتعويض أو استرداد الأموال أمام القضاء المدني، وتختلف وسائل الحماية المدنية تبعاً للوضع القانوني والمالي للزوجين.

ثالثاً: القواعد الجزائية الإجرائية

أما القواعد الإجرائية، كإجراءات التحقيق والمحاكمة وطرق الطعن، فإن الأصل جواز التوسع في تفسيرها متى كان ذلك محققاً للغاية التي شرعت من أجلها، وهي حسن سير العدالة وضمان حقوق الدفاع.

اذ يعتبر قانون الإجراءات الجنائية (أصول المحاكمات الجزائية) "خادمًا للعدالة"، ولذلك فإن تفسير قواعده ومرونتها أمر ضروري للوصول إلى الحقيقة وتحقيق "حسن سير العدالة"

غير أن هذا التوسع يجب أن يبقى مقيداً بعدم الإضرار بالمتهم أو الانتقاص من ضمانات المحاكمة العادلة، لأن الإجراءات الجزائية وُجدت أساساً لتحقيق التوازن بين حق الدولة في العقاب وحق الفرد في الحماية القانونية، دون أن يصل ذلك إلى حد إنشاء إجراءات جديدة تمس الحرية الفردية بغير سند قانوني.

ويعني جواز التوسع في القواعد الإجرائية منح القاضي سلطة تقديرية في تفسير النصوص وتكييف الإجراءات بما يخدم العدالة ويضمن حقوق الدفاع.

ومن أبرز التطبيقات العملية لذلك:

تفسير الشك لمصلحة المتهم إذا احتمل النص الإجرائي أكثر من معنى.

قبول الأدلة الدفاعية المستحدثة أو سماع شهود جدد ضماناً لحق الدفاع.

قبول بعض الطعون أو المذكرات بعد انتهاء المدد القانونية في حالات القوة القاهرة أو الأعذار المشروعة.

منح القاضي سلطة تقديرية في تخفيف أو تبديل التدابير الاحترازية، كالتوقيف أو المنع من السفر، بما يتناسب مع الظروف الشخصية والصحية للمتهم.

الخطوط الحمراء للتوسع في القواعد الإجرائية

لا يجوز التذرع بتحقيق "حسن سير العدالة" لتبرير تجاوزات تمس حقوق المتهم أو تخل بحقه في الدفاع.

كما ان أي توسع إجرائي يؤدي إلى المساس بحق جوهري للمتهم أو التضييق عليه يعد باطلاً، لأن الغاية الأولى للإجراءات هي حماية حقوق الأفراد وضمان محاكمة عادلة ونزيهة.

خلاصة

إن معيار جواز التوسع في التفسير أو القياس في النصوص الجزائية يرتبط بطبيعة القاعدة القانونية ووظيفتها؛ فحيث يتعلق الأمر بالتجريم والعقاب يضيق التفسير حمايةً للحرية الفردية، وحيث يتعلق الأمر بضمانات المتهم وتحقيق العدالة الإجرائية يتسع نطاق التفسير والقياس، ضمن حدود مقاصد المشرّع ومبادئ المشروعية والعدالة.

***

فارس حامد عبد الكريم

في المساق الماضي انتهينا مع (ذي القُروح) إلى أنه لا يلزم فنونَ السَّرد شرحُ تفاصيل «المسكوت عنه» على الملأ ليفهم القارئ. بل في هذا فساد في فهم وظيفة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب. فكما أن مدرسة القراءة التقليديَّة السُّكونيَّة تنتظر من الكاتب أن يُعرِب لها عن تفاصيل كلِّ شيء،  فلا تقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ لها عن كل شاردةٍ وواردة، تمخَّضت تلك المدرسة عن مدرسة كاتبٍ شبيه، يُلزِم نفسه بما ليس يلزمها، أن يَشرح للقارئ ويفصِّل. وإذا كان البلغاري (تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov ، -2017) قد ناقش إعاقات (القراءة الشارحة)، فقبلها تأتي إعاقات (الكتابة الشارحة). وهي أُسُّ الإعاقات الأسلوبيَّة، في الأدب خاصَّة. ولقد جاءت نظريَّة التلقِّي عند الأكاديمي الألماني (هانز روبرت ياوس Hans Robert Jauss، -1997)، بمفهومه حول ما يسمِّيه (أُفق التوقُّع horizon of expectation)، ثمَّ لدَى زميله (ولفجانج آيزر Wolfgang Iser، -2007)؛ كي تكافح تلك العقليَّة التقليديَّة في الكتابة والقراءة؛ فتقول إنَّ القراءة استكمالٌ للكتابة، ومَلْءٌ لفراغاتٍ فيها، وإنَّ النصَّ لا يكتمل بكتابته، بل يظلُّ ينمو بقراءة قُرَّائه ومتلقِّيه. وهذا لا يتعلَّق بالأدب دون غيره، وإنْ كان يتجلَّى في الأدب على نحو خاص؛ لطبيعة النصِّ الأدبي، متعدِّدة المعاني والأوجه. على أنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة والقراءة ووظيفتيهما إلى الدخول إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه والإغراء به! فقلتُ:

ـ من جانبٍ آخَر، فإن الحُرمات الثلاث المتعلِّقة بـ(الدِّين والجِنس والسياسة)، ليست في واقعنا العَرَبي أو الإسلامي فحسب، بل هي في كلِّ العالم كذلك، وإنْ بنِسَبٍ متفاوتة، بحسب الخلفيَّة الثقافيَّة، وخاصيَّتي التحضُّر و«التَّبربر».

ـ صدقتَ. وأُمَّةٌ وثنيَّة- كـ(اليابان) مثلًا، على مكانتها الصناعيَّة- لا يمكن أن تكون معيارًا، فيما تُبيح وتحرِّم، لشعبٍ آخَر. ومن ثَمَّ لا يسوغ أن يُستشهَد بها نموذجًا تطوُّريًّا في كشف المحرَّمات مقابل وصف غيرها بالتخلُّف في هذا السياق. ثمَّ لماذا افتراض خطأ مجتمعنا مطلقًا وصواب أيِّ مجتمع آخَر، مهما كان متخلِّفًا من الناحية القيميَّة؟! إنَّ إنكار ضرورة الحذر في التعامل مع بعض «تابوهات» حياتنا يعني إنكار مكوِّنات ضروريَّة في حياة الإنسان والمجتمع. والقفز على هذا ضربٌ من تجاهل الواقع، وتدمير الذات والآخَر، بلا رويَّة ولا حكمة. ولا شكَّ أنَّها تظلُّ مشكلتنا في هذا الميدان تلك الثنائيَّات، التي يرفع كلٌّ شعارَ لافتاته من خلالها ليقف تحتها. فلكيلا نقول بإرضاء المجتمع التقليدي، فلنقل بإرضاء الذات، أو شريحة ما من المجتمع، أو تيار معيَّن، أو إرضاء السُّوق الشرائي، العاطفي والغريزي؛ لأنَّ «القمهور عاوز كدا». وبين هذين البُعدَين تترنَّح ثقافتنا في قراءاتها، بلا منهاج قويم، ولا نيات جادَّة نحو الإصلاح، ولكن بعاطفيَّة ثأريَّة غالبة، متعصَّبة ومتناقضة. وفي الشأن الروائي، تحديدًا، تقفز أسئلةٌ تفرضها الموجة الأيديولوجيَّة، غير الأخلاقيَّة، التي كثيرًا ما تتبنَّى خطًّا تصادميًّا مراهقًا مع المجتمع في أعمالها، فتَخرج بمثابة «بيانات صحفيَّة متشنِّجة» ضِدَّ المجتمع ومؤسَّساته، فلا هي تُضيف إلى الفنِّ الروائي، ولا هي تُعالج قضايا الإنسان والحياة، ولا تُؤدِّي إلى أيِّ هدفٍ نوعيٍّ، أدبيٍّ أو اجتماعيٍّ. وإنَّما هي منشغلة بالتنفيس عن مكبوتات، قد تكون شخصيَّة، من جهةٍ، وبالمتاجرة الإعلاميَّة والماليَّة باسم النهضة الروائيَّة، من جُلِّ الجهات.

ـ هل النموذج الروائي نموذجٌ شرِّيرٌ منحطٌّ بالضرورة؟

ـ لا، ولكن حينما يواجَه كاتبٌ بأنَّ نماذجه- التي يسمِّيها إنسانيَّة- تنصبُّ على نماذج قبيحة، وربما مشوَّهة، تُشيع القبح في النفوس، والفاحشة بين الناس، وتحبِّب الرذيلة، بدل أن تنفِّر منها، وتطبِّع الناشئة على تقبُّل تلك النماذج وتهوين أمرها، والتسليم بسلوكيَّاتها، وربما محاكاتها، يقول لك: هذا هو الواقع المسكوت عنه، ولستُ بمصلحٍ اجتماعي! وهو هنا يُراوغك ليدافع عن بضاعته، من وجه، ولكي يكذب على المتلقِّي من وجهٍ آخَر، بإيهامه بأنَّه إنَّما ينقُد تلك النماذج ويعرِّيها، ولا يبشِّر بها ويسوِّغها في الذَّوق العام!

ـ ثمَّ لماذا التركيز على تلك الشخصيَّات المريضة وحدها؟ لماذا الانتقائيَّة، ما دام الكاتب يصوِّر الحياة والواقع بشموليَّته كما يزعم؟

ـ إنَّ الاختيار وافد العقل والذوق. أم تُرَى الغِنَى النفسي والاجتماعي ليس إلَّا في تلك النفوس المريضة؟ كلَّا! وليس هناك روائيٌّ حقيقيٌّ إلَّا يصوِّر مختلف الشخصيَّات، وبحياد، ولهدفٍ ضِمني. لكن تلك إجابة كاتبٍ صغيرٍ، مربوطٍ في مِذْوَدٍ أيديولوجي، أو على موجة هوًى تجاريٍّ ما، بلا موهبةٍ تؤهِّله لذلك المخاض الإنساني، ولا فِكرٍ يُقيله عن تلك الإجابة المعوقة.

ـ معنى هذا أنَّ من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح؟

ـ حتمًا من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح. أم تُرى من وظيفته التشويه والإفساد؟! لكن لا تنس أنَّ الكُتَّاب بَشَر في النهاية، ومنهم أنفسهم مرضَى نفسيُّون، ومنحرفون، ومجرمون! فلماذا نفترض أنَّ كتَّاب الرواية متجرِّدون ممَّا يكتبون من أمراض؟ ولا ينفصل النصُّ عن شخصيَّة الناصِّ الذهنيَّة والنفسيَّة، بإطلاق. نعم، قد لا يعبِّر عنها مباشرة، لكنَّ الكاتب مخبوء في ما كتبت يده، شاء أم أبى، بعُقَده النفسيَّة والاجتماعيَّة. ومن هنا تأتي مسؤوليَّة الكاتب، التي لا تنصُّل منها، والتنصُّل إثمٌ إضافي. ولذا فإنَّ أيَّ فنٍّ لا يسعى إلى التهذيب والإصلاح- بطريقته الفنِّـيَّة لا بطريقةٍ واعظةٍ مباشرة- هو عدوان أخلاقيٌّ على المجتمع، ويجب أن يحاسَب عليه قانونيًّا كجُنحة أخلاقيَّة، تقع تحت طائلة القانون.

ـ كلامك يذكِّرني بمقولة «السِّجن تهذيبٌ وإصلاح»! وهنا يجب أن توضح دلالة «التهذيب والإصلاح»، قبل أن يبطش بك الباطشون!

ـ مَن يُصدِّق أنَّ القول بأنَّ الأدب تهذيبٌ وإصلاحٌ تستفزُّ بعض مَن لا يرون الأدب كذلك، إنْ لم يروه بعكس ذلك! وهذا ما حدث بالفعل، حينما ذكرتُ هذه العبارة في مناسبة سابقة! فاستشاط حَرَدًا بعض المعنيِّين والمعنيَّات بالأمر! وحينما نقول إنَّ من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح، قد يظهر علينا من يتظاهر بعدم الفهم، فيعمد إلى التدليس، قائلًا: كيف (تَقْصُر) وظيفة الفنِّ على التهذيب والإصلاح؟ وكيف تقول: إنَّ (ما يكتبه المبدع) هو عدوان أخلاقيٌّ على المجتمع ويجب أن يحاسَب عليه قانونيًّا كجُنحة أخلاقيَّة تقع تحت طائلة القانون؟ ويأخذ صاحبنا في التباكي على حُريَّة الإبداع وحقوق المبدعين، وضرورة كشف المسكوت عنه؛ لأنَّه حين كشفنا المسكوت عنه المتعلِّق بشخصه الكريم، زَعِل. وإذ نعود إلى أُفهوم  «التهذيب الإصلاح» المراد ندرك أنه ينبغي أن يكون أرحب من اختزاله في الجوانب التربويَّة وأشمل من المعاني التوجيهيَّة المباشرة، التي يجفل منها الناس لعُقَد طفوليَّة أو اجتماعيَّة أو تعليميَّة. ولذلك أُشِيرَ إلى أنَّ التهذيب المقصود هو «بالطريقة الفنيَّة لا بطريقة وعظيَّة مباشرة». وتلك حُجَّة (أرسطو) على (أفلاطون)، حينما أبان له أنَّ الشِّعر المسرحيَّ أو المسرح الشِّعريَّ يُصلِح ويُهذِّب أيضًا، ولكن ليس بطريقة الخطيب، وإنَّما بأسلوبه الخاص، فلا يلزم أن تكون رسالته مباشرة؛ بل يكفي أن يعرض الجريمة مثلًا- بصورةٍ منفِّرة طبعًا لا دعائيَّة محبِّبة فيها- لينفِّر منها المتلقِّي، وهو ما دعاه بـ(التطهير أو التنفيس: Catharsis). والأمر في هذا واضح، لكنها المغالطات للاصطياد في الماء الصافي.

ـ ألا ترَى أنَّ بعض أرباب الفنون- التي يُفتَرض أنها جميلة- في عالمنا العَرَبي، المنكوب بأبنائه، قد تخلَّى خلال العقود الأخيرة عن قيمتَي الفنِّ: الفنيَّة والأخلاقيَّة معًا.

ـ وكأنَّهم بذلك يقدِّمون الذرائع للقائلين بتحريم الفنون، جملةً وتفصيلًا. إذ لم تعُد تجد في العمل من تلك الأعمال لا جمالًا، ولا متعة، ولا رسالة. بل الأسوأ من ذلك كلِّه أن تبدو رسالة العمل، المنعوت بالفنِّي، منصبَّةً على ترسيخ قَيَمٍ اجتماعيَّةٍ وإنسانيَّةٍ ترفضها العقول السَّويَّة. وباتت الإثارة في تلك الأعمال لمحض الإثارة، مع ما يتمخَّض عن الإثارة من الابتزاز المالي والعاطفي لجمهرة من سُوقة الناس. باتت التراجيديا للتراجيديا، والكوميديا للكوميديا، مع أنَّ هذين الفنَّين- حسب تاريخهما الإنسانيِّ منذ المسرح اليوناني واحتجاجات (أرسطو) على (أفلاطون) لتبرير وظيفتهما التوعويَّة والأخلاقيَّة- كانا أسلوبَين فعَّالَين في التعليم والتربية. يتوسَّلان قوالب ممتعة ومؤثِّرة، من أجل تصوير حياة الإنسان ومعاناته، بهدف بثِّ رسائل تبصِّره وترشده وتحميه. ولم يكونا تجارةً، أو عبثًا طفوليًّا، كحالهما في معظم الدراما العَرَبيَّة. إذ بات تسوُّل الضحك أو البكاء يبرَّر بأيِّ وسيلة، مهما كان الضحك فجًّا ولا أخلاقيًّا، أو كان البكاء من (متلازمات ما قبل الحيض)! ومن الضحكِ نفسه ضحكٌ أخلاقيٌّ ولا أخلاقي؛ فما كان منه ذا دوافع نفسيَّة طبيعيَّة، ووظائف تربويَّة مباشرة أو غير مباشرة، بريئًا من السُّخرية الجارحة أو العنصريَّة، ممَّا نهت عنه الشرائع والمواضعات كافَّة، فهو سلوك إنساني وصحي. غير أنَّ من الضحك، أو إثارة الضحك، ما هو غير أخلاقي، كأنْ يسخر قومٌ من قوم، كما جاء في الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ، عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلا نِسَاء مِن نِسَاء، عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ، وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ، وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ، بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ، وَمَن لَمْ يَتُبْ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.» فسمَّت الآية ذلك السلوك «ظُلمًا». وهو ظُلْمٌ للذات والمجتمع معًا. وما يحدث في بعض الأعمال التي تُسمَّى فنِّية يقترف ثلاثة أنوع من الظُّلم، ظُلم الذات، وظُلم الفنِّ بتتفيهه، وظُلم الناس بازدراء قِيَمهم، ومشاعرهم، ومن خلال ذلك ابتزاز جيوبهم وعقولهم ونفوسهم. وما الملهاة العَرَبيَّة في معظمها إلَّا نموذج لواقعنا الثقافي والأخلاقي: من سخرية أهل بلدٍ من أهل بلد، أو أهل منطقةٍ في البلد الواحد من أهل منطقة أخرى، أو من أشخاص، أو طوائف، أو فئات اجتماعيَّة، أو حتى من ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصَّة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

وكما تستعملها الاوساط الاخرى[1]

 قبل الخوض في تعريف الثقافة نقول: ان معظم المحاولات التي بذلت لتفسير النمط الثقافي العام بدأت بما يسمى بالوحدة النفسية لبني البشر[2]، أي ان جميع الشعوب المعاصرة تتشابه في الجوانب الاساسية من تركيبها وتجهيزها النفسيين فضلا عن وجود أوجه شبه كثيرة بين ثقافاتها كامتلاك كل ثقافة لغة ومراسيم الجنازات والزواج و...، وذلك بصرف النظر عن الفروق الجسمية والجغرافية القائمة بينها هناك عدة عوامل لعبت دورا مهما في تشابه هذه الثقافات منها انتقال الثقافات عن طريق الهجرة وكذلك عن طريق الاحتكاك والاقتباس. كما يجب ان لا ننسى ان جميع الثقافات تتشابه لان هناك مجموعة من الدوافع الفطرية المتماثلة والتي تحفز الناس في كل مكان على العمل وتوجه سلوكهم في خطوط متوازية. اما الفروق الثقافية بينها فتعود[3] إلى ان الكائنات البشرية رغم التشابه الاساسي بينها، فإنها تستجيب للمنبهات او الظروف المختلفة بطرق متفاوتة.

ان فكرة الثقافة لدى علماء الانثروبولوجيا[4] والاوساط العلمية الاخرى (كما الحال عند رجال الاعمال والاطباء والادباء والفلاسفة و...) تحمل في طياتها فكرة التدخل الانساني، أي اضافة شئ إلى حالة من الحالات الطبيعية او ادخال تعديل عليها.. وهناك عدة مدارس تناولت موضوع التغير الثقافي[5] منها:

1- المدرسة الانجليزية التي نادى مؤسسوها (اليوت ، سمث ، وبري) بمبدأ الانتشار الثقافي أي انتقال معالم الحضارة من مكان ما إلى بقية انحاء العالم.

2- المدرسة الالمانية النمساوية المسماة بالمدرسة الثقافية التاريخية التي تستند إلى فرضيات وضعها العالمان فرتز جرايبنر وزميله فوي وطورها بعدهما الاب شمدت والتي لا تفترض وجود مصدر اصلي واحد للحضارات المختلفة انما يقترحون وجود سلسلة من الحلقات الثقافية.

وتشدد هاتان المدرستان على الصفة التاريخية للثقافة مما ادى إلى ولادة مدرسة ثالثة مناقضة للمدرستين، أي لا تلتزم وجهة النظر التاريخية بل تعني بظاهرة الاستقرار الثقافي فتتخذها اساسا لابحاثها.

في نقاش جرى بين علماء الانثروبولوجيا ومجموعة اخرى من علماء العلوم الاخرى[6] وقف احد الانثروبولوجيين وقال: (ايها السادة ان قدر الطبخ يمثل نتاجا ثقافيا يستوي في الاهمية مع اية قطعة موسيقية من تلحين بتهوفن او موزارت...)، ما قاله الانثروبولجي يذكرني بمقابلة أجرتها احدى المجلات العربية مع زوجة الرئيس اللبناني ألياس هراوي حين قالت: (المرأة اللبنانية تفضل دائما ان يدعو زوجها اصدقاءه إلى وليمة غداء أو عشاء في بيته بدلا من خارجه كي تظهر مهارتها من خلال المقبلات ووجبة الاكل.. اي بمعنى آخر المرأة اللبنانية تريد ان تكشف عن ثقافتها من خلال مهارتها في اعداد قدر الطبخ ومقبلاته.

الا ان احد رجال الاعمال المشاركين في الحوار قال: (اما انا فزوجتي تعتقد ان الشخص لا يكون مثقفا الا اذا استطاع التحدث عن اليوت وبيكاسو و...).

من هنا لا بد ان يتبادر إلى الذهن تساؤل هو: (هل ثمة فرق بين الحضارة Civilization (مجموعة ما ابدعه الفكر من منجزات مادية ومعنوية مثل المعارف والفنون والاداب والاثار) والثقافة Culture (التي هي مجموعة الافكار والعادات التي يتعلمها الناس وينقلونها من جيل لآخر) وللاجابة عن سؤال كهذا لا بد لنا ان نفهم ما يعنيه علماء الانثروبولوجيا في مفهوم الحضارة.. فلو طلبت من عالم انثروبولوجي أن يعرف لك الحضارة لما تردد بالقول: (الحضارة هي ثقافة اهل المدن الذين اتجهوا دائما الى تطوير نمط معقد نسبيا من الحياة.. انهم نجحوا في تطوير لغة مكتوبة) الا ان علماء الاجتماع Sociology يميزون بين الحضارة بوصفها المجموع الاجمالي للوسائل البشرية وبين الثقافة باعتبارها المجموع الاجمالي للغايات البشرية.. وقد يتبادر إلى الذهن (وكما قال أحد الاقتصاديين الذي حضر الندوة) وكان علماء الانثروبولوجيا من خلال كتاباتهم يستخدمون المصطلحين (الثقافة والمجتمع) وكأنهما مرادفتان، الا ان الحقيقة ليست كذلك لان علماء الانثروبولوجيا يعرفون المجتمع بانه (جماعة من الناس تعلم اعضاءها ان يعملوا معا) اما مصطلح الثقافة فيدل (على النمط المميز للحياة التي تعيشها هذه الجماعة) الا ان تعريفاً كهذا غير مقبول لدى الفلاسفة، لانهم يفهمون الثقافة (بانها ضرب من التجريد) اما المجتمع فلا يدل على مفهوم مجرد، أي بمعنى اخر بامكانك رؤية الافراد الذين يتألف منهم المجتمع ولكنك لا تستطيع ان ترى الثقافة او تلمسها.. وبالحقيقة مفهوم كهذا مقبول إلى حد ما، الا ان علماء الانثروبولوجيا يردون على ذلك بقولهم (صحيح انك ترى الكائنات البشرية التي يتألف منها المجتمع الا انك لا تستطيع رؤية الثقافة مثلما لا تستطيع رؤية الجاذبية والتطور. ومثلما لا تستطيع التخلي عن الجاذبية والتطور لا تستطيع التخلي عن الثقافة ايضا، ولكنك وبنفس الوقت ترى الأشياء التي صنعها اعضاء المجتمع وبامكانك ملاحظة التغيرات التي ادخلوها على بيئتهم الطبيعية، تلك التغيرات الناتجة عن التجديدات التي تتسرب إلى الثقافة من الداخل (على شكل اختراعات او اكتشافات) او من الخارج (عملية اقتباس). وكلا الحالتين تعتمدان على ما اذا كان المجتمع يتقبل العنصر الجديد او يرفضه. أي بمعنى آخر ان الثقافة ليست ضرباً من التجريد كما يفهمها الفلاسفة. ان عالم الانثروبولوجيا ينظر إلى الثقافة والمجتمع كما لو كانا موادَ خام، يحاول العالم الانثروبولوجي القاء الضوء على الاشياء التي يشاهدها فعلا ويهمل الجوانب التي لا تستأثر باهتمامه، أي انه يصور كل من المجتمع والثقافة كما يتوصل اليه.

ان كان العالم الانثروبولوجي يفهم الثقافة (كونها تدل على النمط المميز للحياة التي تعيشها الجماعة وتشترك فيها وتنقلها من جيل لآخر) فإن علماء النفس يفهمون الثقافة بانها: (مجموعة من العادات الاجتماعية). علينا الآن ان نتساءل مع علماء النفس ماذا يعني مصطلح العادة؟ علماء الانثروبولوجيا يفهمون العادة: ما يعلق عليها المجتمع آمالاً كبيرة، لان المجتمع لا يقف ابدا موقفا حياديا من ثقافته. الا ان العادة في نظر علماء النفس عملية انتقال الثقافة، من الاب إلى الابن، ومن مجتمع لآخر، وقد تضاف اليها عادات جديدة موازية للقديمة، وعادات مقتبسة موازية للاصلية، وان هذه العادات تتصارع وتتنافس حتى تنتصر العادات الاصلح فيكتب لها البقاء.. وبناءَ على هذه النظرية[7] هناك عملية انتقائية تلعب دورها في الثقافات وهي مماثلة لعملية الانتقاء الطبيعي على الصعيد البيولوجي، كما انها مسؤولة عن نشوء حالات التكيف واستمرارها في الثقافات. الا ان عملية الانتقال في نظر علماء النفس مرتبطة كليا بمفهوم التعليم والتعلم وذلك لان الثقافة ليست غريزية، وانما هي امر لا يكتسب الا بالتعلم[8]. وعلى هذا الاساس يعلل العالم الانثروبولوجي سبب اختلاف الثقافة من مجتمع لآخر استنادا إلى:

1- المواد الثقافية التي تعلم 2- الاوساط التي تعلمها 3- الفترات التي تجري فيها تعلم مهارات معينة

الا ان موضوع التعليم في نظر العالم الانثروبولوجي لا يقتصر على التدريس الواعي او على المفهوم الدارج لهذا المصطلح، فالافراد يتعلمون جانبا كبيرا من ثقافتهم من الايماءات والحركات التعبيرية، ففي التربية تنشأ دوافع مكتسبة لدعم عملية التعليم، والشعور بالاعتزاز والرغبة في تحقيق الشخصية والظفر باحترام المجتمع، اما الاطفال فانهم يتلقون عن طريق التربية تدريبا اجتماعيا ويكتسبون مهارات جديدة وبذلك تزداد قدرتهم على التجاوب والتعاون. اذن الثقافة هي مجموعة من الاساليب التي يكتسبها الفرد بوصفه عضوا في المجتمع، والتي تساعده على التكيف على البيئة الخارجية وعلى العمل مع زملائه. الا ان علماء الامراض العقلية يميلون في تعريفهم الثقافة إلى القول: (ان الثقافة هي وسيلة لكبت طبيعة الانسان الفطرية او عاملا يؤدي إلى اضطرابات عصبية بسبب ما يتطلب من متطلبات ومعاكسات خلال عملية تكييف الافراد على أنماط لا تتلائم في الاصل مع أمزجتهم الفطرية. تعريف كهذا دفع احد علماء الاقتصاد بالتساؤل. هل بامكاننا ان نعرف الثقافة بالوراثة الاجتماعية؟ فرد عليه أحد الانثروبولوجيين (من الحاضرين) نعم ان الكائنات البشرية تملك ارثا إجتماعيا مثلما تملك إرثا بيولوجيا، ان الانسان يكتسب ثقافته مثلما يكتسب جيناته دون ان يبذل أي جهد في التكيف عليها او في مقاومتها. لان الانسان كما وصفه دولارد مجرد ناقل سلبي للتقاليد الثقافية، الا ان سيمونس ينبهنا الى ان دور الانسان لا يقتصر على نقل الثقافة او توفير الوقود لها وانما خلقها وممارستها. وخلاصة القول ان تعريف الوراثة الاجتماعية يشدد على استقرار الثقافة وعلى اثر التقاليد الموروثة فيها.. الا ان تعريفا كهذا يكون ناقصا في نظر علماء الامراض العقلية، فمن وجهة نظر السيكلوجيا الفردية كل تعريف للثقافة يكون ناقصا ما لم يبين لنا ان للفرد دورا فعالا بالنسبة لثقافته، لان ما يلفت الانتباه في الكائن البشري هو انه يسعى إلى فهم نفسه وفهم سلوكه.واستنادا إلى العوامل الاندفاعية المشتركة في السلوك لجميع بني البشر توصل مجموعة من العلماء إلى ان جميع الثقافات تتشابه لان هناك مجموعة من الدوافع الفطرية المتماثلة التي تحفز الناس في كل مكان على العمل وتوجه سلوكهم في خطوط متوازية. كما علينا ان لا ننسى ان الاجزاء الفعلية التي تتالف منها كل ثقافة هي العناصر السلوكية (الحركية والكلامية والضمنية) وان اية وحدة محددة من وحدات السلوك الاعتيادي يمكن ايجادها في مجتمع معين او في عدد من المجتمعات التي تربط بينها صلات تكفي لانتشار التبادل الثقافي بينها[9].

وخلاصة القول نقول ان الثقافة في نظر علماء الانثروبولوجيا تتمثل بمفهومين[10]:

اولا:المفهوم الايضاحي: نجد ان رواد هذه المدرسة يقصدون بالثقافة (عمليات انتقائية تاريخية المنشأ توجه ردود فعل الناس تجاه المنبهات الداخلية والخارجية) هذا التعريف جاء نتيجة للتخلص من عبارة (يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع) لان هذه العبارة توحي بان الثقافة لا تشير الا إلى ابعاد سلوك الافراد الناجم عن انتسابهم إلى عضوية مجتمع معين اما بالولادة واما نتيجة انضمامهم إلى المجتمع في وقت لاحق.. اذن موضوع الثقافة يفيدنا في تحليل اعمال الافراد (سواء درسناها على اساس جماعي او فردي. وفي توضيح التوزيع الجغرافي للاشغال اليدوية وفي القاء الضوء على التتابع التاريخي. وعلى هذا الاساس يمكن صياغة التعريف على الشكل الاتي[11]:

(نقصد بالثقافة تحديدات تاريخية المنشأ للوضع الذي ينزع الافراد إلى اكتسابه بسبب انضمامهم إلى جماعات معينة او احتكاكهم بفئات معينة تجمعها انماط من الحياة تتصف في بعض نواحيها بخصائص مميزة...) الا ان هذا التعريف يقودنا إلى التساؤل لماذا الاشارة إلى المنبهات التاريخية؟ يجيب احد علماء الانثروبولوجيا من المشاركين في الحوار: (ان عملية الاكل عند الانسان مثلا هي ردة فعل او استجابة لدافع داخلي كالانقباضات المتصلة بالجوع، فضلا عن ثقافة ذلك المجتمع، هذا يعني ان عالم الانثروبولوجي يستعمل عبارة - رد الفعل- بدلا من المصطلح المباشر -الفعل- وذلك لان عبارة رد الفعل يقرب إلى فهمنا الشعور الذي يقترن بالتخطيط الانتقائي الذي نرسمه لحياتنا... وعلى ضوء ذلك يتساءل العالم البايولوجي (هل تعني ان الثقافة تتالف من الطرق المتبعة في مواجهة الاوضاع المتصلة برغبة الانسان في البقاء على قيد الحياة؟) فيجيب العالم الانثروبولوجي نعم من الممكن اعتبار الثقافة كما لو انها شئ يضاف إلى طاقات الانسان البيولوجية الفطرية فهي التي تعلمنا بان البشرية سوف لا تخسر ما يتعلمه الفرد بمجرد موته.. لذا نقول لا يقتصر دور الثقافة على التكيف او على الاسهام في مساعدة الانسان على البقاء على قيد الحياة والواقع انها تلعب احيانا دورا معاكسا تماما لهذا الدور. وعلى هذا الاساس يتوجب علينا ان نستعين بمفهوم الانسجام او الملائمة بالاضافة إلى مفهوم التكيف.هناك جوانب من الثقافة كانت فيما مضى تتصل اتصالا مباشرا بفكرة البقاء، هذا يعني واستنادا إلى علم النفس ان الكائنات البشرية تستطيع ان تتعلم بعضها من البعض الآخر، فلو افترضنا (استنادا إلى علم الاقتصاد) ان مجموعة من اليابانيين اقصوا من بلادهم إلى أمريكا وحل محلهم مستوطنون من الامريكيين البيض، فان الامريكيين قد يطورون بعد عدد من الاجيال مفاهيم اجتماعية متصلة بوضعهم الجديد، قد لا يكون من الصعب تمييزها عن مفاهيم الخاصة باليابانيين اليوم، لانهم سيكيفون انفسهم على الحياة الجديدة بدافع قوى اربعة حددها العالمان سمنر وكلمر وهما - الجوع، الخوف، الحب، الغرور. وكذا الحال مع اليابانيين المستوطنين في امريكا.

بعد كل هذا تأتي الفلسفة لتتسال: اين المحل الهندسي للثقافة، هل هو في المجتمع ام في الفرد؟ هل يمكن باي حال من الاحوال وصف الثقافة بانها سبب أي شئ؟ بالنسبة للسؤال الاول فيه مغالطة منطقية لان الثقافة ليست شكلاً ملموسا قابلاً للمشاهدة، بل هي وصف مجرد لمنازع الفئات البشرية نحو الاتساق في الكلام والافعال والاشغال اليدوية.. اما فيما يخص بالسؤال الثاني نقول ان مصطلح السبب يوحي بوجود قوة مندفعة في اتجاه واحد.. وهذا حسب رأي الانثروبولوجي غير صحيح. نعم ان الثقافة تنتقل من خلال الافراد والاشغال اليدوية، فعلى سبيل المثال لنفترض ان رجلا اصيب بمرض وبائي ناتج عن احد الفيروسات وانه دخل مدينة ما ونقل اليها المرض.. فاذا تسائلنا عن سبب الوباء الذي سينتشر هل هو الفرد ام الفيروس؟ ان كلا الجوابين صحيح لذا نستطيع ان نقول: ان الافراد يمكن ان يصبحوا مضيفين لها، ومن الخطأ ان نقول بان الثقافة هي السبب، لان الثقافة ليست وراثة اجتماعية.. وليست ببكتريا تكتسب في جميع الحالات بالاحتكاك او الملامسة على نحو عرضي خارج عن وعي الافراد واراداتهم.. فعبارة الوراثة الاجتماعية قد تكون غير صحيحة لان الجينات تتخذ شكلا ثابتا لا تتغير منذ اكتسابها للمرة الاولى والاخيرة عند الميلاد بينما تعتبر البكتريا تبعا لناقليها.

ثانيا: المفهوم الوصفي: تسائل احد علماء الامراض العقلية المشاركين في الحوار قائلا : (هل نستطيع القول بان الثقافة باعتبارها مفهوما تعني بوجه عام ما يجمع من تراث الابداع الانساني على مر الاجيال: الكتب واللوحات الفنية والمباني... الخ، ومعرفتنا بطرق التكيف على البيئة الطبيعية والاجتماعية واللغة والعادات واداب السلوك والاخلاق... فاجاب عليه احد الانثروبولوجيين قائلا : ان وصف الثقافة على انها ابداع انساني قد يستهوي خيالنا ويحظى بموافقتنا جميعا.. فكثير من مظاهر الثقافة لا يعبر عنها بالكلام أي انها ضمنية.. فرد عليه الطبيب المتسائل: من الخطأ ان نقول ان الثقافة تتكون من افكار لاننا نعرف من خلال دراستنا المقارنة في طب الامراض العقلية ان هناك اعتبارات خارجة عن نطاق المنطق والاستدلال العقلي. وبهذا يقسم العالم الانثروبولوجي مظاهر الثقافة إلى عقلي (منطقي) وغير عقلي (لامنطقي)، وبهذا يكون التعريف على الشكل الاتي [12]: نقصد بالثقافة جميع التصاميم التاريخية المنشأ التي خططت للحياة، بما في ذلك التصاميم الضمنية والصريحة والعقلية واللاعقلية، وهذه توجد في وقت لو كانت تمتلك قدرة كامنة على توجيه سلوك الناس وارشادهم . من هنا تساءل احد الحاضرين قائلا : لماذا كان من الضروري ان نضمن التعريف العبارة (في أي وقت معين؟ فأجابه احد زملائه: لان الثقافة تكون عرضة لان تخلق او تفقد، ولا يجوز القول بان الثقافة ساكتة او مستقرة كليا.

وخلاصة القول نقول من خلال ما سبق نجد ان الثقافة تعني عند البعض بأعمال الفرد باعتبارها منطلقا لكل ما نصدره من احكام وعند البعض الآخر كانت تنطلق من تجديدات منسوبة إلى الجماعات.. فعلينا ان نهتم كثيرا بالتمييز بين التعاريف الوصفية والتعاريف الايضاحية. ومن خلال ما سبق نجد ان المدرسة الاولى تهتم باعمال الفرد باعتبارها منطلقا لكل ما نصدره من احكام اما المدرسة الثانية فنجدها تنطلق من تجديدات منسوبة إلى الجماعات.

 ***

نزار حنا الديراني

......................... 

[1] المقال سبق وانشرته في مجلة ربنوتا (الرهبنة الصادرة عن الرهبنة الانطونية الهرمزية في العراق عام 2000 .

[2] جورج بيتر مردوك، المقام المشترك للثقافات، الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث ص221.

[3] جورج بيتر مردوك، نفس المصدر.

[4] نقصد بالانثروبولوجيا علم الانسان واعماله ويقسم هذا العلم إلى: (1) الانثروبولوجيا الطبيعية (علم الانسان) وتقسم إلى: أ- الحفريات البشرية (الباليونتولوجيا) ب- علم الاجسام البشرية (السوماتولوجيا). (2) الانثروبولوجيا الثقافية او الحضارية (تتناول أعمال الانسان) وتقسم إلى: أ- علم الآثار القديمة (الارخلوجيا) ب- علم السلالات البشرية ج- علم اللغويات. وسنتاول في مقالنا هذا مفهوم الثقافة عند العلماء الار.خلوجيا (الذين يبحثون في الاصول الاولى للثقافة وفي الثقافات او الاطوار الثقافية المنقرضة) والعلماء الاثنلوجيا (الذين يبحثون في الثقافات الحالية لمختلف الاجناس البشرية)

[5] ملفيل هيرسكوفتر، عمليات التغير الثقافي، الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث ص253.

5 كما دونها كل من كلايد كلكهوهن ووليم هـ. كلي وأعتمدت عليه في درج آراء المتحاورين الواردة في المقال.

[7] المقام المشترك للثقافات، جورج بيتر مردوك ص221 الانثروبولوجيا.

[8] جورج بيتر مردوك، المقام المشترك للثقافات.

[9] جورج بيتر، المقام المشترك للثقافات.

[10] كلايد كلكهوفن، وليم كلي، مفهوم الثقافة ص141 الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث.

[11] كلايد كلكهوفن، نفس المصدر.

[12] كلكهوفن، نفس المصدر.

 

وإن ساد الطغام فكن صبورا

فإن الصبر من شيم الرجال

بهذين البيتين لحنا الأسعد يمكن أن ندخل إلى لوحة (خيول عربية تتقاتل في إسطبل) للرسام الفرنسي أوجين دولاكروا...لا من باب الزينة الشعرية بل من باب المعنى.  فالصبر هنا ليس استسلاما ولا قبولا بالفوضى بل قدرة على الثبات حين تضطرب الأشياء وتخرج القوة من موضعها.

اللوحة في ظاهرها مشهد صراع بين حصانين عربيين داخل إسطبل، لكنها في عمقها امتحان لهذا المعنى: ماذا يفعل الإنسان حين تقف أمامه قوة جامحة لا تطيع يده ولا تنتظر حكمته؟

حنّا بن أسعد شاعر وأديب لبناني من مشايخ الموارنة ولد في نواحي البترون سنة ۱۲۳۵هـ / ۱۸۲۰م، وتوفي سنة ۱۳۱۵هـ / ۱۸۹۸م. من هذا العالم العربي المشرقي تأتي أبياته لتفتح لنا بابا على لوحة فرنسية ولدت من ذكرى مغربية. هكذا لا يعود الشعر غريبا عن اللوحة ولا اللوحة غريبة عن الشعر؛ فكلاهما يتأمل الإنسان حين يواجه الفوضى والقوة والقدر.2777 ahmad

في اللوحة حصانان عربيان يملآن مركز المشهد. حصان رمادي مضاء يكاد بياضه يخطف العين يرتفع بجسده في لحظة توتر قصوى، وحصان داكن يندفع نحوه ككتلة من عضل وغضب. لا نرى صراعا عابرا بل التحاما عنيفا بين جسدين كبيرين في مكان لا يتسع لهذا الانفجار. رأس الحصان الرمادي ملتف وعنقه مشدود وقوائمه في حركة مضطربة؛ أما الحصان الداكن فيهبط فوقه أو يضغط عليه كأن الظل نفسه صار جسدا مهاجما. العنف هنا ليس خارجيا فقط بل يسكن تكوين اللوحة...خطوط مائلة أجساد متداخلة و حركة تكاد تكسر حدود الإطار.

غير أن قوة اللوحة لا تأتي من الخيول وحدها بل من المكان الذي حبست فيه. الإسطبل ضيق...جدرانه خشنة... سقفه منخفض... والهواء فيه ثقيل. في أعلى اليمين نافذة صغيرة يدخل منها ضوء محدود لا يكفي لإنقاذ المكان من ظلمته بل يكفي فقط لكشف الخطر. الملابس المعلقة على الجدران والأدوات المبعثرة على الأرض والظلال الكثيفة... كل ذلك يجعل المشهد إنسانيا وحقيقيا. هذا ليس ميدان بطولة مفتوحا بل غرفة خانقة تحولت فجأة إلى مسرح للفزع. وكأن دولاكروا يقول إن القوة حين تحبس في فضاء أضيق من طبيعتها لا تهدأ بل تنفجر.

أمام الحصانين يظهر الرجال صغارا لا لأن الرسام أهملهم بل لأن ضعفهم هو جزء من المعنى. أحدهم يرفع يده كمن يحذر أو يستغيث وآخر يلوح بعصا وثالث ينكمش في الظل. الرجل الذي يحمل العصا لا يبدو سيدا للمشهد. والعصا نفسها وهي أداة السيطرة المفترضة تبدو هزيلة أمام جسدي الحصانين. هنا تنكشف هشاشة الإنسان حين يواجه طبائع الأشياء في لحظة انفلاتها. فهو حاضر لكنه ليس مسيطرا؛ يرفع يده لكنه لا يوقف العاصفة.

من هنا يصبح بيت حنّا الأسعد مفتاحا حقيقيا للوحة. فالطغام في البيت هم من يعلون حين يضطرب الزمان وينحط الميزان لكن المقال لا يحتاج إلى نقل الكلمة حرفيا إلى الخيول أو إلى الرجال. الطغام هنا حالة لا أشخاص. حالة الفوضى حين تتقدم على النظام وحالة القوة حين تفلت من العقل وحالة الخوف حين يكاد يطغى على الفعل. أمام هذه الحالة لا يكون الصبر ضعفا بل شكيمة. فالذي يصبر لا ينكر الخطر ولا يتظاهر بالسيطرة لكنه لا يسمح للفوضى أن تسلبه وعيه.

أما الضوء في اللوحة فهو بطل صامت. إنه يسقط على الحصان الرمادي لا ليجعله رمزا، بل ليجعله مركز الخطر المرئي. البياض هنا ليس سلاما بل عنف مضاء. وفي المقابل ينسحب الحصان الداكن والرجال والجدران إلى طبقات من البني والأسود والرمادي. هذا التوتر بين الضوء والظل أو ما يعرف بتقنية الكياروسكورو...يمنح المشهد قوة مسرحية. فالضوء لا يهدئ العنف بل يفضحه؛ والظل لا يخفي الفزع بل يضاعفه. كأن اللوحة كلها معلقة بين كشف وكتمان... بين ومضة حياة واحتمال موت.

دولاكروا لا يرسم الخيل ككائنات مستأنسة أو مزخرفة بل كقوى بدائية نبيلة. وهذا من صميم روحه الرومانسية. فالمدرسة الرومانسية في الفن لم تكن تبحث عن النظام البارد وحده بل انجذبت إلى العاطفة والحركة والخطر والغرابة والانفعال.

كان أوجين دولاكروا من كبار وجوه الرومانسية الفرنسية لأنه جعل اللون والحركة والاضطراب وسائل للتفكير في الإنسان لا مجرد أدوات للتزيين. في هذه اللوحة لا يرسم حصانين فحسب بل يرسم لحظة يتراجع فيها العقل خطوة أمام اندفاع الحياة.

وقد ارتبطت هذه الرؤية برحلته الشهيرة إلى المغرب سنة ۱۸۳۲م، حين سافر إلى إسبانيا وشمال أفريقيا ضمن بعثة دبلوماسية إلى المغرب بعد احتلال فرنسا للجزائر. لم تكن الرحلة بالنسبة إليه مجرد انتقال جغرافي بل صدمة بصرية وروحية. رأى هناك عالما مختلفا عن باريس. وقد تركت تلك الرحلة أثرا عميقا في فنه حتى صارت مشاهد شمال أفريقيا جزءا أساسيا من أعماله.

ومن عباراته الدالة عن تلك التجربة أنه رأى في اهل المغرب بلباسهم وهيئاتهم شبها برجال اليونان وروما القدماء. قال بمعنى العبارة:

إن اليونان والرومان هنا على بابي في العرب الذين يلتفون بوشاح ابيض ويبدون مثل كاتو أو بروتوس.

 تكشف هذه العبارة عن افتتانه بالوقار الجسدي والأخلاقي الذي تخيله في الناس الذين رآهم لكنها تكشف أيضا عن نظرة أوروبية رومانسية واستشراقية في القرن التاسع عشر كانت تميل إلى رؤية الشرق فضاءا للأصل. لذلك ينبغي أن نقرأ اللوحة بإعجاب وحذر معا. إعجاب بعبقرية اللون والحركة وحذر من تحويل الشرق إلى أيقونة رومانسية.

وقد شهد دولاكروا أثناء وجوده في المغرب قتالا بين فحول الخيل ترك في نفسه أثرا عميقا. كتب إلى أصدقائه عن ذلك في ۸ شباط ۱۸۳۲م، ورسم له تخطيطا أوليا ودون أن الحصان الرمادي أدخل رأسه تحت عنق الحصان الآخر. لكن هذه الذكرى لم تتحول فورا إلى اللوحة النهائية. ثم بدأ على الأرجح بتنفيذ لوحة (خيول عربية تتقاتل في إسطبل) نحو سنة ۱۸٥۶م وأتمها في حزيران ١٨٦۰م. هكذا تقف بين المشهد الأصلي واللوحة النهائية قرابة ثلاثة عقود.

وهنا يعود الصبر بمعناه الأعمق. فالفنان لم ينقل ما رآه نقلا سريعا ولم يرسمه وهو ما يزال أسير الدهشة الأولى. ترك الصورة تختمر في ذاكرته حتى تحولت من حادثة واقعية إلى رؤية فنية. ثم أجرى عليها تحويلا حاسما فالقتال الذي ألهمه كان في الخارج لكنه وضعه داخل إسطبل. لو بقيت المعركة في الهواء الطلق لأصبحت جزءا من فضاء واسع أما حين أدخلها إلى مكان مغلق فقد جعلها أكثر اختناقا وشراسة. الإسطبل هنا ليس خلفية، بل فكرة... إنه المكان الذي يكشف عجز الجدران عن احتواء ما هو أكبر منها.

وعند هذه النقطة يمكن أن ندخل إلى اللوحة من باب أبي الحسن التهامي:

ومكلّف الأيام ضدّ طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

*

وإذا رجوت المستحيل فإنما

تبني الرجاء على شفير هار

*

فالعيش نوم والمنية يقظة

والمرء بينهما خيال سار

هذه الأبيات لا تلغي معنى الصبر بل تكشف حدوده. فهناك فرق بين الصبر على الفوضى وبين الوهم بأننا نستطيع إلغاء طبائع الأشياء. الحصانان في اللوحة لا يتصارعان لأنهما اختارا العنف اختيارا أخلاقيا بل لأن طبيعتهما الفائرة انفجرت في لحظة ضيق واحتكاك. ومن يطلب من هذه القوة أن تكون هادئة في ذروة اشتعالها يشبه من يطلب من الماء جذوة نار. لذلك لا تبدو اللوحة درسا في السيطرة المطلقة بل في معرفة أن السيطرة نفسها لها حدود.

الرجاء المستحيل في اللوحة هو رجاء أن يستطيع الإنسان بعصا مرفوعة أو صرخة خائفة أن يوقف فورا اندفاع جسدين كبيرين تحركهما الغريزة والقوة.

الرجال يقفون على شفير هار...خطوة واحدة بين النجاة والسحق بين الإسطبل بوصفه مكانا للتدريب والإسطبل بوصفه مسرحا للموت. ومن هنا يصبح بيت التهامي عن النوم واليقظة قريبا من المشهد... كانت الحياة اليومية نائمة في مكان مألوف ثم استيقظت المنية فجأة في هيئة صهيل وعضلات وقوائم مرتفعة. والإنسان، وسط ذلك، يبدو كأنه (خيال سار) بين قوتين أكبر منه: قوة الحياة الجامحة وقوة الفناء المتربصة.

لكن التهامي لا ينبغي أن يأخذنا بعيدا عن حنا الأسعد بل يعيدنا إليه من طريق آخر. فإذا كان التهامي يذكرنا بأن تكليف الأشياء ضد طباعها طلب للمستحيل فإن حنا الأسعد يذكرنا بما يبقى للإنسان حين يعترف بهذا الحد... الا و هو الصبر.

لا صبر العاجز الذي يسلم للفوضى ولا صبر الغافل الذي لا يرى الخطر بل صبر العارف بطبائع الأشياء. فالإنسان لا يستطيع دائما أن يمنع العاصفة لكنه يستطيع أن يمنعها من أن تسلبه بصيرته.

لذلك تبدو «خيول عربية تتقاتل في إسطبل» أكثر من لوحة عن حصانين. إنها لوحة عن القوة حين تحبس وعن الجمال حين يصبح خطرا وعن الإنسان حين يكتشف أن أدواته أصغر من الطبيعة التي يحاول تهذيبها. وهي أيضا لوحة عن الذاكرة الفنية... مشهد رآه دولاكروا في المغرب ثم ظل كامنا في داخله حتى عاد بعد سنوات طويلة في هيئة لون وضوء وحركة. وما بين المشاهدة والرسم وبين الخارج والإسطبل، وبين الحصان والإنسان، يتشكل المعنى الأعمق... ليس كل ما نراه يكتمل في لحظته؛ بعض الصور تحتاج إلى صبر طويل حتى تنطق.

ومن هنا يعود البيتان الأولان لا كافتتاحية فقط بل كخاتمة أخلاقية:

وإن ساد الطّغام فكن صبورا

فإن الصبر من شيم الرجال

فهل كان دولاكروا يرسم حصانين يتقاتلان، أم كان يرسم الإنسان نفسه حين يقف بين نار الطبع وفضيلة الصبر؟

***

د احمد عابر

 

يبدو اختفاء الكتاب من موائدنا اليومية أشبه بانسحابٍ صامت للمعنى من قلب الحياة، حيث تتوارى الكلمة خلف ضجيج الاستهلاك، وتُستبدل لذّة التأمل بإيقاعٍ متسارع لا يتيح للوعي أن يرسخ أو يستقر. فالكتاب، الذي كان يومًا طقسًا من طقوس بناء الذات، يغدو اليوم هامشًا في زمن تُصاغ فيه الرغبات وفق منطق العاجل والزائل. هنا يصدق حدس غي ديبور حين اعتبر أن “مجتمع الفرجة” لا يكتفي بعرض الواقع، بل يستبدله بصورٍ تبتلع التجربة الحية، فيتحول الإنسان من قارئٍ للعالم إلى مستهلكٍ لتمثلاته.

ولعل ما يزيد هذا التواري تعقيدًا أن حضور الكتاب لم يعد ينعدم تمامًا، بل يظهر في شكل موسمي، احتفالي، كما لو أن الثقافة نفسها تُستدعى على هيئة حدث عابر. فالمعارض الكبرى، بما تحمله من زخم رمزي، تخلق لحظة كثيفة من الانتباه، لكنها لا تضمن استمرار الأثر خارج زمنها المحدود. وهنا تتبدّى المفارقة: كيف يمكن لوعيٍ يُبنى ببطء أن يُستعاد في لحظات متقطعة؟ إن ما نعيشه، في العمق، ليس أزمة عرضٍ للكتاب، بل أزمة علاقة به، علاقة تتطلب ما سماه بيير بورديو “رأسمالًا ثقافيًا” يُكتسب بالتراكم، لا بالاستهلاك العابر.

ومن جهة أخرى، تتسلل هذه القطيعة إلى بنية اليومي، حيث تتراجع القراءة كفعلٍ حميمي لصالح أنماط جديدة من التلقي السريع، تُعيد تشكيل الحواس وتعيد ترتيب سلّم القيم. فالكتاب يطلب زمنًا داخليًا، نوعًا من الصمت الذي يسمح للذات بأن تُصغي إلى نفسها، بينما تُغري الوسائط الجديدة بانتباهٍ مشتت، لا يلبث أن يتبدد. وفي هذا التوتر، يمكن استحضار مارتن هايدغر الذي رأى أن الإنسان الحديث مهدد بفقدان “الإقامة في اللغة”، أي تلك القدرة على السكن في المعنى بدل المرور السريع فوقه.

أما حين تُنظَّم معارض الكتاب، كما هو الحال في الرباط، فإنها تكشف بقدر ما تحتفي. تكشف هشاشة علاقتنا بالكتاب حين تتحول الطرقات إلى اختناقات، ويصير الوصول إلى المعرفة مشروطًا بمشقة يومية، وكأن الثقافة لا تزال خارج أولويات التنظيم الحضري والاجتماعي. لكنها، في الآن ذاته، تفتح فجوة أمل، إذ تذكّر بأن الكتاب لم يمت، بل ينتظر فقط شروطًا جديدة للاندماج في الحياة.

إن السؤال، في جوهره، ليس لماذا غاب الكتاب، بل كيف تغيّرت شروط حضوره. فالثقافة لا تختفي، بل تتحول، غير أن هذا التحول قد يفرغها من بعدها العميق إذا لم يُعاد وصلها بالتربية والخيال والحرية. ولعل الرهان الحقيقي لا يكمن في كثرة المعارض، بل في قدرة المجتمع على جعل الكتاب عادة يومية، لا استثناء احتفاليًا؛ أن يعود الكتاب إلى الطاولة لا كزينة، بل كحوار مفتوح مع الذات والعالم، حيث تُستعاد إنسانيتنا في بطء القراءة وعمقها. في امتداد هذا القلق حول معنى الفعل الثقافي، ينكشف المعرض لا كاحتفال بالكتاب فحسب، بل كمرآة لاقتصادٍ رمزي تتصارع داخله المواقع والاعترافات. فحين يتكثف الحضور وتتعالى الشعارات، يظهر في الخلف ما يشبه «اللا-مرئي» الذي يحكم توزيع الأدوار: من يتكلم؟ من يُستدعى؟ ومن يظل خارج المشهد؟ هنا تتبدّى ملاحظة بيير بورديو حول الحقول الثقافية بوصفها فضاءات صراع، لا تُوزَّع فيها الشرعية بالتساوي، بل وفق رساميل خفية تُعيد إنتاج الامتياز.

إن ما يُسمّى بـ«الخنق الإداري» وفوضى البرمجة ليس مجرد اختلال تنظيمي عابر، بل عرض لبنية أعمق، حيث تتحول الثقافة إلى جهاز تدبير، وتغدو البرمجة شكلًا من أشكال الضبط لا الانفتاح. وفي هذا الأفق، يمكن استحضار ميشيل فوكو الذي نبّه إلى أن السلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل عبر تنظيم الخطاب وتوزيع إمكانات قوله. هكذا يصبح المعرض فضاءً يُنتج فيه ما يمكن قوله ثقافيًا، وما يجب أن يظل في الهامش.

أما مركزة الثقافة، فهي ليست مجرد خيار جغرافي، بل نمط في التفكير يُعيد رسم خريطة الرمزي بين مركز مُكتفٍ بهامشه، وهوامش محرومة من حق الظهور. في هذا التفاوت، تتعمق قطيعة صامتة بين مثقفين يعيشون في «الأطراف» وآخرين يتموضعون في قلب الدائرة، بما يعيد إنتاج ما يسميه أنطونيو غرامشي بالهيمنة الثقافية، حيث لا تُفرض السيطرة بالقوة، بل عبر احتكار تمثيل المعنى ذاته.

وتزداد المفارقة حين تُخصَّص مساحات واسعة من اللقاءات لدوائر محددة من المنظمين أو المتحكمين في البرمجة، فتتحول التظاهرة من فضاء تعددي إلى ما يشبه «حلقة مغلقة» تعيد إنتاج نفسها. هنا يفقد المعرض أحد شروطه الأساسية: أن يكون فضاءً للقاء المختلف، لا لتكريس التشابه. وهو ما يذكّر بنقد يورغن هابرماس لانحراف الفضاء العمومي، حين يتحول من مجال للنقاش الحر إلى مجال مُؤطر بمصالح جزئية.

غير أن أخطر ما في هذا المسار ليس الإقصاء في حد ذاته، بل تحوله إلى نسق مألوف، إلى عادة تُفرغ الاحتجاج من معناه، وتجعل الدعوات إلى إعادة الهيكلة تبدو كأنها صدى بلا أثر. وهنا يتولد السؤال الحاد: هل نحتاج إلى إلغاء المعرض، أم إلى إعادة تخيّله؟ هل الأزمة في الشكل أم في الرؤية التي تنتجه؟

ربما لا يكمن الجواب في القطيعة الجذرية، بل في تفكيك شروط الإمكان نفسها: كيف يمكن تحويل المعرض من حدث مركزي إلى دينامية موزعة؟ كيف يصبح الفعل الثقافي ممارسة يومية لا موسمية؟ وكيف يُعاد الاعتبار للمثقف لا كضيف في برنامج، بل كفاعل في بناء المعنى الجماعي؟

ووفق هذا المنظور، لا يعود المعرض غاية، بل اختبارًا لمدى قدرة المجتمع على إنتاج فضاء ثقافي عادل، حيث لا تُختزل الثقافة في موقع جغرافي أو في أسماء بعينها، بل تنفتح كأفق مشترك، يتسع لاختلاف الأصوات، ويعيد للكتاب وظيفته الأصلية: أن يكون لقاءً حيًا بين ذوات متعددة، لا منصة مغلقة لإعادة تدوير المعنى ذاته. هكذا يتضح أن اختزال الثقافة في موعد موسمي، مهما كان باذخًا، لا ينتج أثرًا مستدامًا، بل يعيد تدوير الأزمة في شكل احتفالي. البديل لا يبدأ من إلغاء المعرض، بل من قلب معادلة المركز والهامش، ومن تحويل الكتاب من حدث إلى ممارسة يومية موزّعة داخل النسيج الاجتماعي. فالثقافة، كما يلمّح أنطونيو غرامشي، لا تُبنى بقرارات فوقية، بل عبر «مثقفين عضويين» منخرطين في حياة مجتمعهم، يصنعون المعنى من الداخل لا من منصات معزولة.

إن استعادة حلم الكتاب تقتضي إعادة زرعه في تربة الأسرة، حيث تُبنى العادة الأولى للقراءة، وفي المدرسة التي ينبغي أن تتحول من فضاء للتلقين إلى مختبر للخيال، وفي الجامعة التي عليها أن تعيد وصل المعرفة بالحياة، لا أن تظل حبيسة التخصصات المغلقة. كما يتطلب الأمر فتح المجال أمام المجتمع المدني ليكون شريكًا فعليًا في إنتاج الفعل الثقافي، لا مجرد متلقٍّ له، عبر مبادرات محلية، مكتبات أحياء، نوادٍ للقراءة، ومنصات رقمية تتيح تداول المعرفة خارج القيود التقليدية.

وفي هذا السياق، يصبح الناشر والكاتب ومدبّر الوسائط الجديدة فاعلين في شبكة حية، لا حلقات معزولة، يتقاطع فيها الورقي بالرقمي، والحضور المادي بالتفاعل الافتراضي، بما يعيد للكتاب ديناميته في زمن التحول. فالمطلوب ليس الدفاع عن شكل واحد للثقافة، بل تمكينها من التعدد، بحيث تصبح القراءة إمكانًا مفتوحًا، لا امتيازًا محدودًا.

وعموما فإصلاح المعرض لا يمكنه أن يكون سوى جزء من رؤية أوسع، تعيد تعريف الثقافة كحق يومي ومشترك، وتحرّرها من الارتهان للمناسبات. حينها فقط يمكن أن يستعيد الكتاب مكانه، لا كسلعة تُعرض، بل كفعلٍ حيّ يُمارس، وكجسرٍ يصل الفرد بذاته والعالم، في أفق مجتمع لا يستهلك الثقافة، بل يُنتجها ويعيشها.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

ماذا لو تصورنا أنفسنا نسير في سوق مزدحم في مدينة يونانية قديمة جنوب إيطاليا سنة 500 ق.م وهي مدينة عاش فيها الفيلسوف اليوناني بارمنديس. انها مكان نابض بالحياة، حيث الشمس مشرقة، والحمير تنقل كل أنواع البضاعة، والناس يتبادلون الحديث حول الزيتون والسلع الأخرى المعروضة للبيع. كل شيء يتحرك، يتحول ويتغير. هذا المفكر بارمنديس الذي حظي باحترام كبير، يتجول ببساطة ليخبرنا ان لا شيء من هذا – لا الحركة، ولا المحادثة الكسولة، ولا أي من التغيير الذي تراه وتسمعه وتشعر به يحدث حقا.

هو يصر، ان الواقع مجرد كتلة أبدية صلبة واحدة من أشياء غير متغيرة. ألا يبدو الامر جنونيا تماما؟ لكن هذا لم يكن مجرد فكرة تافهة. بارمنديس أسقط قنبلة فلسفية أحدثت تموجات في الفكر الغربي، ولا يزال تأثيرها حتى اليوم.

منْ هو بارمنديس؟

عاش بارمنديس في إيليا (فيليا الحديثة)، المستوطنة اليونانية في جنوب إيطاليا. وحسب المعلومات التي توفرت، هو يجب ان يكون شخصية تستحق التقدير في مدينته، وهناك دليل على قيامه بصياغة بعض قوانين المدينة. لسوء الحظ، كل المعلومات التي لدينا عنه تأتي من اقتباسات صغيرة احتفظ بها الكتّاب اللاحقون. مع ذلك، نحن أيضا لدينا مقاطع هامة لقصيدة سُميت "حول الطبيعة"، شكلت الجزء الأكبر مما تبقى من أعمال برمنديس. هذه كُتبت بأسلوب الرحلة الملحمية التي يتم فيها نقل الشخصية لمقابلة الإلهة التي تكشف الحقيقة النهائية. هي ترسم خطا حادا بين الواقع الحقيقي (طريقة الحقيقة) والعالم الفوضوي الملتبس لحواسنا (طريقة الرأي). بارمنديس بدأ حركة فلسفية كلية ترتكز على هذا، مدرسة الايليين جذبت طلابا مثل زينون، الرجل الذي صاغ المفارقات الرائعة مثل مفارقة أخيل الذي لا يمكنه ابدا اللحاق بالسلحفاة ومفارقة السهم الذي يتجمد في منتصف المسافة. زينون كان يبذل قصارى جهده لدعم الأفكار المذهله لإستاذه.(1)

بارمنديس وسؤال ما طبيعة الوجود؟

 نحن نعرف ان هذا السؤال يبدو غريبا. لكن ما هو السر المذهل الذي كشفته تلك الإلهة؟ عندما نبسّط السؤال كثيراً، نأتي الى شيء بسيط: الواقع الحقيقي، الشيء الذي أسماه بارمنديس "الوجود" what Is هو موجود. ولا شك في ذلك، ولا سبيل ليكون عكس ذلك. من جهة أخرى، "ما ليس كذلك" -  عدم خالص، فراغ مطلق – غير موجود. انت لا تستطيع لمسه، التفكير فيه، او حتى الحديث عنه بشكل صحيح. انه يبدو تقريبا كإحساس بديهي، أليس كذلك؟ لكن بارمنديس أخذ هذه الفكرة التي تبدو بسيطة مستخدما منطق بارد وخالص وطوّرها أكثر. هو ادرك انه اذا كان "الوجود" حقا موجود، فلا يمكن ان يكون انبثق من لا شيء (لأن اللاشيء لم يكن هناك لكي ينبثق منه)، ولا يمكنه التحلل الى لاشيء.

ولهذا، فان الاستنتاج الأول هو ان الواقع أبدي. انه أيضا لا يمكن ان يتغير لأن التغيير يعني التحول الى شيء مختلف – يستلزم ان يصبح في "ما ليس فيه" الآن، او اكتساب بعض"اللاوجود"، ونحن أسسنا سلفا ان "اللاوجود" غير موجود. بكلمة أخرى، الواقع يجب ان يكون غير متغير.

 يجب ان نعرف ان بارمنديس جادل أيضا ان الواقع يجب ان يكون شيئا منفردا موحدا. اذا كان الواقع متشظيا، ما الذي يفصل بين القطع؟ هل العدم؟ هذا سيكون غير ممكن، لذا نحن نستطيع الاستنتاج ان الواقع غير قابل للتجزئة وهو وحدة صلبة. لكن ماذا عن الحركة؟ لكي تتحرك، انت تحتاج الى مكان فارغ (عدم) تتحرك نحوه. وهي استحالة أخرى. لذلك، الواقع الحقيقي يجب ان يكون ساكنا دائما.

 العالم طبقا لمنطق برمنديس هو هذه المادة الساكنة الأبدية اللامتغيرة. في تناقض تام مع هيرقليطس القائل ان "كل شيء يتدفق". بارمنديس عارض ذلك بالقول "لا، لا شيء يتدفق، يا صديقي. ثق بالمنطق، حواسك تكذب".

 انت ربما تعتقد، "حسنا، نظرية ملفتة، لكن رغيفي من الخبز تحمّص تواً، الأشياء تتغير فعلا" وبارمنديس سيضع بهدوء خبزك المحمص تحت صنف "طريقة الرأي"، او المعلومات غير الموثوقة التي تغذينا بها الحواس. من السهولة جدا القول فقط ان بارمنديس كان يتحدث سخافة. لكن ذلك الانقسام الحاد الذي وضعه بين الحقيقة التي تكتشفها بعقلك والحقيقة التي تراها بعينيك؟ هو أمر بالغ الأهمية.

افلاطون كان عمليا منغمسا بهذا اللغز. نظريته الشهيرة في الأشكال – فكرة المخططات التامة، الابدية لكل شيء – يبدو كأنه يحاول ان يفهم واقع بارمنديس الساكن الى جانب العالم المتغير الذي نعيش فيه. ومفارقات زينون؟ لاتزال تظهر في كل مكان، تجبرنا للتساؤل ان كانت الحركة والقسمة هي واضحة وصريحة كما تبدو.

لكن هل ان هذه الأفكار اليونانية المحيرة ملائمة اليوم لنا ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين؟ انت ربما ترى ان ذلك ممكنا بطرق معينة. بعض الفيزيائيين ينفقون وقتهم مع أفكار من نسبية اينشتاين تتحدث عن "الكون الكلي"  Block universe فيها يوجد الماضي والحاضر والمستقبل كلها مجتمعة ، بما يجعل شعورنا بتدفق الزمن ليس الاّ خدعة للادراك. ألا يبدو ذلك غموضا بارمنديسيا؟ او لو نظرنا في قوانين أساسية مثل تحوّل الطاقة – انها لا يمكن ان تُخلق او تتحطم، انها يمكن ان تغير فقط الشكل.

كل هذا يشبه الفكرة القديمة القائلة بان الوجود لا يمكن ان يأتي من اللاوجود. الان، هذه ليست خطوطا مباشرة وانما هي تشير الى ذلك السؤال العميق الذي يهتم به بارمنديس: هل العالم الذي نتعامل معه هو الشيء الواقعي، ام ان هناك شيء أغرب بكثير واكثر توحدا وربما اكثر سكونا، مختبئا تحت السطح؟ العلم باستمرار يبيّن لنا أشياء تتحدى حدسنا اليومي، لذا منْ يخبرنا ان بارمنديس لم يكن صائبا في النهاية؟

***

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) من بين مفارقات زينون مفارقة السهم: يرى زينون لكي تحدث الحركة يجب على الشيء ان يغير الموقع الذي يشغله، وهو يعطي مثالا عن السهم. يذكر انه في لحظة محددة من الزمن، السهم لا يتحرك الى المكان الذي هو فيه، ولا الى المكان الذي هو ليس فيه. هو لا يمكنه التحرك الى المكان الذي هو ليس فيه لأنه لن يمر وقت بعد لكي ينتقل الى هناك، وهو لا يمكنه الحركة الى المكان الذي هو فيه لأنه هو موجود فيه سلفا. بكلمة أخرى، في اية لحظة من الزمن لا وجود لأي حركة هناك. اذا كان كل شيء ساكنا في أية لحظة، والزمن مؤلف كليا من لحظات عندئذ تكون الحركة مستحيلة.

دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية وأثرها في بناء الدولة

مقدمة: تُعد إشكالية التمييز بين القائد والسياسي والموظف من الإشكاليات الجوهرية في الفكر الإداري والسياسي والدستوري الحديث، لما يترتب عليها من آثار مباشرة في كفاءة الدولة، وطبيعة إدارة السلطة، ومستوى النزاهة والعدالة واحترام المبادئ الدستورية داخل المؤسسات السيادية والعامة.

فكثيرًا ما تختلط هذه المفاهيم في الواقع العملي، لاسيما في الأنظمة التي تُمنح فيها المناصب العليا على أساس التوازنات السياسية أو الحزبية، لا على أساس الكفاءة والقدرة القيادية.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة أنماط مختلفة من الممارسة العامة:

القائد السياسي.

السياسي التقليدي.

الموظف البيروقراطي.

ذلك أن اختلاف البناء النفسي والقيمي لكل نموذج ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة القرار العام، وعلى العلاقة بالمجتمع، وعلى مفهوم العدالة والرقابة والنزاهة.

أولاً: القائد السياسي ومفهوم القيادة العامة

القائد السياسي الحق ليس مجرد شخص يشغل موقعًا رسميًا في الدولة، وإنما هو شخصية ينبغي أن تمتلك رؤية استراتيجية وقدرة على التأثير المجتمعي، وتسعى إلى تحقيق أهداف عامة طويلة الأمد تتجاوز المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة.

وتقوم القيادة السياسية الحقيقية على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أهمها:

وضوح الرؤية المستقبلية.

الالتزام بالمبادئ العامة

التأثير المعنوي في الجماهير.

امتلاك الشجاعة الأخلاقية والسياسية والقدرة على اتخاذ القرارات الشجاعة فالقائد الحقيقي يتخذ قراراته بناءً على المبادئ والقيم، حتى وإن كانت غير شعبية، خاصة في أوقات الأزمات...

ومن ثم، فإن القائد لا يكتفي بإدارة الواقع، بل يعمل على إعادة تشكيله وتطويره وفق تصور إصلاحي شامل.

وتتجلى القيادة بصورة أوضح في الظروف الاستثنائية والأزمات الكبرى، إذ يظهر الفرق بين من يبحث عن حماية موقعه السياسي، ومن يتحمل مسؤولية القرار ولو كان مكلفًا على المستوى الشخصي أو الحزبي.

ثانياً: القيادة والنزاهة

ترتبط القيادة الحقيقية ارتباطًا وثيقًا بمنظومة القيم الأخلاقية، وفي مقدمتها النزاهة والعدالة واحترام القانون.

فالقيادة، بمعناها القيمي، لا يمكن أن تتعايش مع الفساد المالي أو الإداري؛ لأن الفساد يمثل انحرافًا عن الغاية الأساسية للسلطة العامة، والمتمثلة في تحقيق الصالح العام.

وعليه، فإن القائد الحقيقي لا ينظر إلى أجهزة الرقابة بوصفها خصمًا سياسيًا، وإنما يعدّها ضمانة لحسن سير المرافق العامة، وأداة ضرورية لمنع الانحراف واستغلال السلطة.

بل إن بعض القادة يسعون إلى تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية، وقبول خضوعهم الشخصي للرقابة والمساءلة، انطلاقًا من إيمانهم بأن الشرعية الأخلاقية للسلطة لا تقل أهمية عن شرعيتها القانونية.

ثالثاً: السياسي التقليدي وإشكالية البقاء في السلطة

يقوم النموذج التقليدي للسياسي ـ في كثير من الأحيان ـ على إدارة التوازنات والتحالفات والمصالح الآنية بهدف المحافظة على النفوذ السياسي أو توسيعه.

ولهذا يميل السياسي التقليدي إلى:

تغليب الاعتبارات الحزبية على المصلحة العامة.

تبني الحلول قصيرة الأمد.

تغيير المواقف وفق مقتضيات التحالف السياسي.

استخدام الخطاب الأخلاقي بوصفه أداة دعائية أكثر من كونه التزامًا عمليًا.

وفي هذه الحالة تتحول العدالة من قيمة قانونية وأخلاقية مجردة إلى أداة نفوذ ومصلحة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة، وتآكل مفهوم المواطنة المتساوية.

ومن أخطر مظاهر الانحراف السياسي إعادة تعريف العدالة بما يخدم استمرار السلطة، من خلال الانتقائية في تطبيق القانون، أو تحويل الحقوق العامة إلى امتيازات مرتبطة بالولاء السياسي.

فالسياسي المنحرف، أو ما يمكن وصفه بالسياسي النفعي أو السلطوي، لا يرى العدالة كقيمة أخلاقية مطلقة أو قاعدة قانونية ثابتة، بل يعيد تعريفها لتصبح أداة سياسية تخدم مصالحه الشخصية أو الحزبية.

يتمحور مفهوم العدالة عند هذا النوع من السياسيين حول النقاط التالية

العدالة هي "إيديولوجيا السلطة": العدل هو ما يخدم استمرارية السلطة ومصالحها.

الانتقائية في تطبيق القانون: يتم تطبيق القوانين بصرامة على الخصوم ("العدالة القمعية")، بينما يتم استثناء الحلفاء أو التغاضي عن تجاوزاتهم.

العدالة كـ "صورة" لا كـ "جوهر": استخدام شعارات العدالة والمساواة في الخطابات العامة لاستمالة الرأي العام، بينما الواقع الممارس يكرّس التفاوت والامتيازات.

تحويل الحقوق إلى "منح": إظهار الحقوق الأساسية للمواطنين على أنها هبات ومكرمات يمنحها السياسي، مما يربط الولاء بالعدالة.

العدالة الانتقائية/المصلحية: تحويل العدالة من "إعطاء كل ذي حق حقه" (مفهوم أرسطو) إلى "إعطاء ما يضمن الولاء".

باختصار، بالنسبة للسياسي المنحرف، العدالة ليست هدفاً، بل هي وسيلة لتحقيق غايات سياسية، حيث يتم طمس الحدود بين الحق والمصلحة الشخصية.

رابعاً: القائد والموظف… الفارق في فلسفة المبادرة

يتمثل الفرق الجوهري بين القائد والموظف في طبيعة العلاقة بالمبادرة والمسؤولية.

فالقائد يمتلك القدرة على صناعة الحلول وابتكار المسارات الجديدة، بينما يميل الموظف التقليدي إلى المحافظة على الاستقرار الوظيفي وتجنب المخاطرة.

ولذلك فإن البيئات الإدارية الجامدة غالبًا ما تُنتج موظفين يتجنبون التفكير النقدي أو الإبداع الإداري، خشية المساءلة أو الفشل أو فقدان الامتيازات الوظيفية.

إن الفرق الجوهري بين القائد والموظف يتمثل في مدى توافر روح المبادرة وعقليتها. فالقائد يصنع الحلول ويبتكر المسارات، أما الموظف التقليدي فيكتفي غالبًا بالحفاظ على موقعه الوظيفي وتجنب المخاطرة.

ورغم الأعداد الهائلة للموظفين في مختلف الدول، فإن الابتكار والإبداع يظلان نادرين داخل البنى الإدارية الجامدة، لأن كثيرًا من الموظفين يتوجسون من طرح الأفكار الجديدة أو تقديم المقترحات الجريئة، خشية الفشل أو التعرض للعقوبات أو العزل الإداري في بيئات يغلب عليها الروتين والمحافظة المفرطة.

ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته بـ”العرف الإداري الفاسد”، الذي يختزل فلسفته بعبارة:

“لا تُحرِّك ساكنًا ولا تُسكِّن متحركًا”،

وهو عرف يقتل روح المبادرة، ويحوّل الوظيفة من وسيلة للبناء والتطوير إلى مجرد أداة للبقاء الوظيفي وتجنب المسؤولية.

فالإدارة التي تعاقب المبادرة تكافئ الجمود، وتنتج مع الزمن موظفين يخشون التفكير أكثر مما يخشون الخطأ

وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يحوّل الوظيفة العامة من أداة للتطوير وخدمة المجتمع إلى مجرد وسيلة للبقاء الوظيفي.

خامساً: البعد الإنساني في القيادة

لا تقتصر القيادة على امتلاك السلطة أو المهارة الإدارية، بل تقوم أساسًا على البعد الإنساني في التعامل مع الأفراد والمجتمع.

فالقيادة الفعالة تتطلب فهمًا للطبيعة البشرية، واحترامًا لكرامة الإنسان، وقدرة على بناء الثقة والإلهام المعنوي.

ولهذا فإن القائد الحقيقي لا يقيس نجاحه فقط بحجم السلطة التي يمتلكها، بل بمقدار الأثر الإيجابي الذي يتركه في المجتمع والمؤسسات والأفراد. (1)

خاتمة

إن التمييز بين القائد والسياسي والموظف ليس تمييزًا شكليًا أو لغويًا، بل هو تمييز يرتبط بجوهر إدارة الدولة وطبيعة السلطة العامة.

فليس كل سياسي قائدًا، كما أن المنصب الرسمي لا يكفي وحده لصناعة القيادة.

فالقيادة الحقيقية هي مزيج من الرؤية، والنزاهة، والشجاعة الأخلاقية، والقدرة على الإلهام، وتحمل المسؤولية العامة.

أما حين تتحول السلطة إلى مجرد أداة للبقاء السياسي أو المحافظة البيروقراطية، فإن الدولة تفقد قدرتها على الإصلاح والتقدم، وتدخل تدريجيًا في دائرة الجمود الإداري والتآكل المؤسسي.

ومن هنا، فإن بناء الدول الحديثة لا يعتمد فقط على القوانين والهياكل التنظيمية، بل يعتمد قبل ذلك على نوعية الشخصيات التي تتولى إدارة السلطة العامة، ومدى امتلاكها لروح القيادة الحقيقية.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026

..........................

(1) ذكر في التراث الشعبي ان اباً كان ساخطاً على ابنه بسبب سلوكه الطائش وشكوى الجيران من سلوكياته العدوانية ، فكان الاب دائم التوبيخ له ويكرر له القول ان اعمرك "لن تكون ادمي"، فترك الابن البيت وتطوع في الخدمة العسكرية ولم يعد لأهله لسنوات طوال حتى تدرج في الرتب العسكرية والمدنية واصبح لاحقاً قائدا اعلى على مدينته، وهنا ارسل في طلب اباه

فوصل الاب ووجد ابنه يجلس على كرسي الحكم ويحيط به الحرس والخدم والحشم

يخدمونه ويعظمونه..

لم يبد على الأب اي تعاطف او اهتمام

وظل ساكتاً

هنا بادر الابن: اتعرف لماذا ارسلت في طلبك يا أبي

اجاب الاب ببرود: لا

فقال الابن: الا تذكر ياأبي يوم وبختني بشدة وقلت لي لن تكوناً ادمياً في يوم من الأيام، وها أنت تراني الان اصبحت قائداً كبيراً مبجلاً وجماهير الناس تركض خلف موكبي تتوسل بي وتستعطفني املاً في العطاء

ساد الصمت في قاعة التشريفات والتفت الحضور الى الاب

قطع الاب الصمت وقد رفع صوته قليلاً وقال: نعم انا قلت لك انك لن تكون ادمياً وانساناً محترما، ولم اقل لك انك لن تكون قائداً

سكت الاب لبرهة ثم أضاف: زهوك بنفسك يدل على انك لم تتغير ابداً.

تُعدّ مناهج البحث العلمي من أهم المواد التي تسهم في بناء شخصية الباحث وتشكيل وعيه العلمي؛ إذ لا يمكن لأي مشروع بحثي أن يحقق أهدافه ما لم يستند إلى رؤية منهجية واضحة تضبط خطواته وتوجّه مساراته، فالبحث العلمي ليس مجرد عملية جمع للمعلومات أو تنسيق للنصوص، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من اختيار الموضوع وتنتهي بصياغة النتائج وفق أسس علمية دقيقة.

ومن هنا تبرز أهمية تدريس مادة «منهج البحث العلمي» بوصفها المدخل الرئيس الذي يتعرّف من خلاله الطلبة على آليات البحث وضوابطه، ويتدرّبون عبرها على ممارسة العمل البحثي بصورة منهجية، فكل بحث جديد يكتبه الباحث يضيف إلى خبرته العلمية مهاراتٍ جديدة، ويمنحه قدرة أكبر على التعامل مع المصادر وتحليل النصوص وتقويم الآراء.

غير أنّ الملاحظ في كثير من الأحيان أنّ تدريس مادة منهج البحث ينصرف إلى التركيز على بعض الجوانب الشكلية والإجرائية، كطريقة كتابة اسم المؤلف، وهل يُقدَّم الاسم أم اللقب، وهل يُذكر الجزء بالحرف أو الرقم، ومتى توضع الفارزة المنقوطة، وما نوع الأقواس المستخدمة في الاقتباس، إلى غير ذلك من التفاصيل الفنية المرتبطة بإخراج البحث، ولا شكّ أنّ هذه الأمور مهمة، وينبغي للباحث الإلمام بها؛ لأنها تمثل جزءًا من البناء العلمي للبحث، إلا أنّ المشكلة تكمن في تحوّلها أحيانًا إلى محور الاهتمام الأساس، مقابل إغفال جوانب أكثر عمقًا وأشدّ تأثيرًا في تكوين الباحث العلمي.

فثمّة مهارات منهجية وتطبيقية ينبغي أن تحظى بعناية أكبر داخل مقررات مناهج البحث؛ لأنها تمثل الأخطاء الأكثر شيوعًا بين الباحثين، ولا سيما المبتدئين منهم، ومن أبرز هذه المهارات:

أولًا: التمييز بين المصادر الأصلية والثانوية

من الأخطاء الشائعة أن يعتمد الباحث على النقل من المصادر الثانوية من دون مراجعة المصدر الأصلي، الأمر الذي قد يؤدي إلى نقل النصوص بصورة مبتورة أو غير دقيقة، لذا ينبغي أن يتعرّف الطالب منذ المراحل الأولى على أهم المصادر المعتمدة في تخصصه، وأن يمتلك تصورًا عامًا عن أمهات الكتب في مجاله العلمي.

فطالب العلوم الشرعية ـ على سبيل المثال ـ يحتاج إلى معرفة المصادر الأساسية في الفقه، وأصول الفقه، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والمنطق، والفلسفة، وعلم الكلام، وغيرها من العلوم المرتبطة بتخصصه؛ لأنّ الجهل بالمصادر الأصلية يضعف البناء العلمي للباحث ويجعله أسيرًا للنقولات غير المباشرة.

ثانيًا: فهم الاصطلاحات الخاصة بأهل الاختصاص

تتضمن الكتب العلمية، ولا سيما التراثية منها، اصطلاحاتٍ وتعابير خاصة قد ترتبط بالسياق العلمي أو بالبيئة الدراسية للمؤلف، ومن ذلك استعمال عبارات مثل: «سيدنا الأستاذ»، أو «شيخ الطائفة»، أو «شيخ الشريعة».

وكثيرًا ما يقع الباحث المبتدئ في خطأ نقل هذه التعابير كما هي من دون التفات إلى خصوصيتها؛ فينقل عبارة «سيدنا الأستاذ» مثلًا، مع أنّه ليس من تلامذة ذلك العالم، مما يجعل العبارة فاقدة لدقتها العلمية، ولذلك فإنّ فهم اصطلاحات أهل الفن يُعدّ جزءًا مهمًا من الوعي المنهجي الذي ينبغي أن يكتسبه الباحث.

ثالثًا: التمييز بين كلام المؤلف وكلام المحقق

من المشكلات التي تتكرر في التعامل مع الكتب التراثية المحققة عدم التفريق بين نص المؤلف الأصلي وتعليقات المحقق أو تعليقاته التوضيحية، وقد يؤدي ذلك إلى أن ينسب الباحث رأيًا أو تفسيرًا إلى صاحب الكتاب، مع أنّه من إضافات المحقق المعاصر.

وهذا النوع من الأخطاء قد يسبب إحراجًا علميًا للباحث، ويكشف عن ضعف خبرته في التعامل مع النصوص التراثية، لذا فإنّ تدريب الطلبة على قراءة الكتب المحققة والتفريق بين مستويات النصوص فيها يُعدّ ضرورة منهجية لا غنى عنها.

رابعًا: الالتفات إلى اختلاف الطبعات

لا تقف أهمية التعامل مع المصادر عند مجرد الحصول على الكتاب، بل تمتد إلى ضرورة معرفة طبعاته المختلفة، وما قد تتضمنه من إضافات أو تعديلات، فكثير من المؤلفين يضيفون في الطبعات اللاحقة معطيات جديدة، أو يقومون بتعديل بعض آرائهم، أو تصحيح أخطاء وردت في الطبعات السابقة.

ومن هنا فإنّ اعتماد الباحث على طبعة قديمة من دون مراجعة الطبعات الأحدث قد يفوّت عليه معلومات مهمة أو تحديثات علمية ذات قيمة.

خامسًا: التعريف بالمصطلحات من مصادرها التخصصية

من القضايا التي ينبغي الالتفات إليها عند كتابة البحوث العلمية طريقة تعريف المصطلحات، فليس من المنهجية الصحيحة أن تُعرّف المصطلحات اعتمادًا على أي معجم عام أو مصدر غير تخصصي، بل ينبغي الرجوع إلى الكتب المختصة بالحقل العلمي الذي ينتمي إليه المصطلح.

فالمصطلح الحديثي يُرجع فيه إلى كتب مصطلح الحديث، والمصطلح الأصولي إلى كتب أصول الفقه، والمصطلح الفلسفي إلى المصادر الفلسفية، وهكذا لأنّ لكل علم بيئته الخاصة التي تمنح المصطلحات دلالاتها الدقيقة.

وهنا نصل إلى مسألة جوهرية، وهي أنّ مادة منهج البحث ليست مادة نظرية فحسب، بل هي مادة تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، غير أنّ المقصود بالتطبيق لا يقتصر على مجرد ممارسة الكتابة، بل يشمل تدريب الباحث على كيفية التعامل مع المصادر، وفهم النصوص، واكتشاف الفروق بين الطبعات، والتمييز بين الآراء والتعليقات، ومعرفة طبيعة المصطلحات واستعمالاتها.

إنّ الباحث الحقيقي لا يُبنى عبر حفظ القواعد الشكلية فقط، وإنما يتكوّن من خلال الممارسة الواعية للتعامل مع المادة العلمية، والقدرة على قراءة النصوص قراءة نقدية دقيقة، ومن هنا فإنّ تطوير مادة منهج البحث ينبغي أن يتجه نحو بناء «العقلية البحثية» لدى الطالب، لا الاكتفاء بتعليمه طرائق التنسيق والإخراج الفني.

فبين حدود الممكن في الواقع الأكاديمي، وتطلعات المأمول في صناعة الباحث الكفوء، تبقى الحاجة قائمة إلى إعادة النظر في آليات تدريس مناهج البحث، لتكون أقرب إلى صناعة الباحث القادر على التفكير والتحليل والنقد، لا مجرد كاتب يجيد تنسيق الهوامش وترتيب الفواصل.

***

الدكتور علي جعفر محمد الرماحي

كلية الفقه – جامعة الكوفة

كل الكلام، حكيا كان أو كتابة، تجمعه الصّورة، لو اجتمع كل كتاب العالم ليكتبوا، ما وفَّت كتباتهم، نثراً أو شعراً، ولا أتتْ بما تأتي به الصّورة، قاسيّةً أحداثُها أو مُفرحة، لأنّنا قد ننسى الحظة بتفاصيلها فضاءاتها وناسها وروائحها، لكن الصّورة، بأمانتها، أبداً لا تنسى، حين نقف أمام مشهدٍ ما، تُشَغّل الذّاكرة آلياتها العصبيّة لتُخرجه من ظلماتها إلى زمن الحكي والتّذكّر.

قد يُسقطُ الحكي بعض التّفاصيل، قد يُحرّفها، أو يكذب فيها، عمداً أو نسياناً، لكن الصّورة بقوّتها وصدقها تحضر، تُظهر زيف الحكي، لأنّها حين سجنتها الذّاكرة في تجاويفها وسراديبها، أوقفت العالم وعطّلت حركته، ليشهد من دون زيادة أو نقصان، وينتبه الكلام، حكياً كان أو كتابة، أن الصّورة أقوى منه وأصدق في مضائها حين تقطع بين الصّدق والزّيف.

تحضر الصّورة حين تذوي الذّاكرة أو تتعطّل، أو حين يصعُب عليها استدعاء تفصيل محدّد، لتُلملم تفصيلات مهما صغُرت، وتخوض مع النّسيان معركة صعبة، وهي تُحاول محْوَ أحداث أو تفاصيل قد لا ينتبه الحكي لها، لتكون الغلبة للأقوى، والصّورة، في هذا المقام، هي الأقوى بحضورها، وصدقها وتسجيلها أدق التّفاصيل، دقيقةَ كانت أو كبيرة، لتحيى الذّاكرة من جديد وتنتعش آليات الاسترجاع فيها، ويستعيد الكلام همَّته ويُساوق أحداث الصّورة لحظة بلحظة، باعثاً في زمنها الماضي، مهما بعُد، حاضرا يرتكز على لحظة التذكُّر والاسترجاع، يرافق ذلك مقامات الحكي تأثيرا وتأثّرا، ما يجعل للصورة روحا تُحيي الذاكرة، رغم تغيُر المكان والزّمان والنّاس، لأنها تحتفظ بمعالمها الأولى، بروح لحظتها التي وقف عندها الزّمن والمكان بملامحهما، وتفاصيل الأحداث، فينبعثُ الكلام حيّاً يُحيلُ الماضي حاضرا دائما، والذكرى حدثاً يُعاش من جديد.

الصورة، ما نَحملُه بداخلنا، شاهدةٌ لِلَحْظة مقتطفة من زمن مضى، تحمل ما كنا عليه، أو ذِكرى سُجِّلت، مرَّت بنا في مكانٍ ما، في زمنٍ ما، كُنا أو لم نكن جزءاً منها، حضورا أو شهودا. قد نكونُ في الصّورة حضورًا يبني تفاصيلها، أو نكتفي بالمشاهدة والتسجيل بعيدا عن أحداثها، فنُحيي لحظةً من لحظاتها ضدّاً على النّسْيان والتّواري خلف جِدار الصّمت، لأنّها أصبحتْ منا، تحمل أشيائنا، وتعيد بعضاً منّا إلينا.

تتعب الذّاكرة من حمولتها، ومن سطْوة المحو التّلاشي، وتبْقى الصورة وحَفْرِياتها عالقةً في ثناياها، عميقا في دواخلنا تأْبى أن تنمحي أو تندثر أو تتلاشى، تسكن حيّزا منّا وتُصبح أثراً يظهر ويختفي كلما هبّتْ نسمةُ ذِكرى تُعرّي ما علق بها من نسيان وإهمال، ولأنها "مفاتيح نلتقطها لتفتح لنا أبوابا في الذاكرة قد أغلقها النسيان"1، لتبعث فينا لذّة التذكر والاسترجاع، فينْتَعشُ الحكْيُ ويغوص بعيدا في المعاني والمواقف والشخوص المؤثثة لفضاء الصورة، يبعثُها من جديد، فرحة تُحيي فينا لذّة التّذكّر، كما قد تبعثُ فينا ألمَ التّذكُّر، فتجلدُنا حقيقتها التي ـ كنا ـ  نحاولُ نِسيانَها.

الصورةُ تأريخٌ لِلَحظةٍ مضتْ، تسلّلَتْ بحمولتها وتفاصيلها من بين أيدينا، واتخذت رُكناً قصِيّا فينا، وتكوّمت أحداثاً تعيش بياتها، تنتظر ساعة ظهورها لنعيشها من جديد، لحظة لا نملكُ لها ترميما أو رُتوشاً أو توْضيبًا، لأنها الحقيقة الوحيدة التي تَحفظ بداخلنا كل حمولاتها التي لا يمكنُ مراوغتها أو خداعها، لأننا حين سجّلْناها، ملكتْنا وانبرتْ رُكنًا عميقًا من ذواتِنا، مخبوءة في أرشيف الذاكرة بعد عزلها بسبب زحمة الحياة، تنتظِرُ لحظةَ الخُروج بآلامها وآمالها، بِأفراحِها وأحزانها، بلذّتها ومرارَتِها، فما كان ميتا يُصبح حيّاً، وما كان منسيا يسْتفيق ويتحرك ليُعيد إلينا جزءاً منا.

الصّورة ولادةٌ حين ننظر إليها، فتعود للظُّهور الملامح والإرهاصات وتوجّعات الولادة، وتنطلق الشرارة لنقْتنصَ لحظاتٍ سكنتْنا وحاولنا نِسْيانها، أو كنّا شهوداً على أحداثها، فاعلين أو مُتفرّجين، نتعقَّبُ أثرها، ونُعيد تفاصيلها ولحظة اقتناصها، يكفي أن نتذكّر، فينهال شلال الحكي كأنك ترى الحدث، الصورة، عيانا، فتعيش اللحظة حاضراً بكل حمولاتها.

الصورة حكايةٌ بتفاصيلها الدقيقة المُعلنة وغيرِ المعلَنة، نظرةٌ إليها فتنطلق الشرارة تضيئ جوانب الذاكرة فينقشع ضباب النسيان، أو يشتعل فتيل التذكّر، فتطفو على السطح الأحداث شريطا ساعةَ الحَكْي، فيُؤثث جوانبها التي غَيِشها الغبشُ أو النّسيان أو الإهمال، أو تعمُّدُ دفْنٍ وإقبارٍ فتسكنها الحياة، وتتغشّاها الحركة، وتتلبّسُها الألوانُ والكلمات، وتُفتَح الأقفالُ فيُزهر التذكّر فرحاً بألوانها وتفاصيلها واحداثها وفضاءاتها وشخوصها وحركاتها، وتُعيدها إلينا بعد انفصالٍ عنّا، فتتدافع التفاصيل وتتزاحم وتتنادى مكونة تلك الصورة النائمة والتي وافقت العين والعقل والتّذكر، فتظهر من جديد، لنعيش نفس اللحظات بفارق بسيط هو الزمن، زمن الحدث وزمن التذكر، لأن التذكر يستجلبُ الماضي ويبني الأحداث ويُركّبها كمُرْبِكة، ليُعيدَها أمامنا مشاهدَ حية في زمن حاضر نعيشه الآن.

الصورة ضد النسيان، ضدّ الموت، الصورة حياة تضجُّ بالحياة، تبرُقُ كذكرى في ظُلمة النسيان، تُعيد الأحداثَ إلى سطح الذاكرة، فتتَّضح المعالم وتنشط الجوارح، وتتفتّقُ الأحاسيس وتتمازج وتفيض التّفاصيل، فيظهر المخبوء المتربص بنا في دواخلنا، وتدمع العين أو يبتسم الثّغر، أو ينكسر القلب كمَدا وحسرة، ونقف فجأة، وجها لوجه أمام ذاكرتنا، فتجتاحنا الصّورة كموجةٍ عاتية ظننّاها همدت، أو سكنت ركنا مظلما منا، أو اختفت بسبب الصور التي تراكمت مع مرور الزمن، لكنها هناك، نائمة في ركن من الذاكرة كفتنة تنتظر شرارةً توقظها وتبعث فيها الحياة، فتنهض من سباتها مستنفرةً طاقاتها مستحضرةً مؤثثاتها، لتنهض من جديد والأعين تتفحّص جوانب الصورة لتعيد بناء اللحظة كلاما يُحكى.

الصورة تؤكّد أنه كان هناك حدث ذات يوم، فهي الشاهد على ضياع اللحظة أو نسيانها، وهي ترميم للفقد والحقيقة الوحيدة المتبقية، فتصبح هي الواقع والأصل والذاكرة ظل لها، بل بقوتها تفرض علينا ما نتذكّره وتعيد إلينا ما نسينا، وتفتح الأبواب المغلقة في وعينا. نحن لا نستدعي الذكرى بوعينا، بل الصورة هي التي تقتحم نسياننا، يكفي تفصيل صغير في زاوية الصورة يعمل كشرارة كهربائية تعيد بناء المشهد بأحداثه بل بروائحه، وحرارته جوه، وصخبه وحتى الشعور الذي كان يغمرنا ساعتها، لأن العقل ينسى الهوامش والتفاصيل الصغيرة والصورة تحفظها لتمنح الذكرى واقعيتها وحميميتها.

الصورة تحمل من الألم ما يذكّرنا بأن اللحظة لن تعود أبدا، وأن الزّمن لن يعود ولن يكرر نفسه، فهي لا تحفظ اللحظة كما عشناها، بل تحفظ أثرها، فالأشخاص تفرقوا وابتعدوا، والأصوات اختفت والروائح التي كانت تربطنا بالمكان تلاشت، لتبقى الصورة شاهداً يؤكد حضوراً وقع ذات مرة، فتمنحنا الشعور باللحظة فقط.

***

عبد الهادي عبد المطَّلب - الدار البيضاء/المغرب

...........................

1 ـ بشاير الشيباني ـ شاعرة وأديبة كويتية .

اذا قيل لنا اننا سنعيش حياتنا في دورة لا متناهية من العود الأبدي تماما كما كانت في كل مظهر وفي كل حدث، كل ألم وكل مرح، مرة بعد أخرى الى الأبد، هل سيملؤنا هذا الاحتمال بالفرح ام باليأس؟

هذا هو التحدي الذي ألقاه نيتشه بوجه النقاش الفلسفي القديم في الفكر الغربي حول الرغبة الحرة مقابل الحتمية، لتحديد معنى ان تكون انسانا.

افلاطون اختار الإرادة الحرة، معلناً اننا يجب ان نسترشد بالخير، المثال الأبدي، لكي لا نقع في فخ عبودية الانسان للعواطف والرغبة. لكن أليس املاءات الخير ذاته هي شكل من عبودية عليا للحتمية؟ بعد ألفين سنة لاحقة، دعا كانط أيضا للإرادة الحرة، مع التنويه بان جميع أفعالنا يجب ان تكون قابلة للتطبيق العالمي، وهو شرط سمح بالدخول الى الحتمية من الباب الخلفي. هو اتخذ رؤية راديكالية في اننا مقيّدون دائما لقول الحقيقة، حتى لو جعلنا ذلك شركاء في الجريمة.

وفي التعاليم الفيدانتية vedantic teaching، يضع مفهوم الكارما (نصنع أنفسنا من خلال ما فعلناه) حدودا للإرادة الحرة من خلال نتائج أفعالنا واخطاؤنا الماضية .

بدءاً من ادّعائه الشهير حول موت الإله، وحيث أضعف العلم ومعه العلمانية العقيدة المسيحية، حاول نيتشه اختراع بوصلة أخلاقية تتجاوز الثنائية التقليدية للخير والشر. مسميا الإرادة الحرة بـ "غباء فظ" اخترعها الاستبداد الديني لإثارة الشعور بالذنب لدى البشرية ودفعها الى عقلية العبودية والخضوع، هو دعا الى "إعادة تقييم" ثورية للقيم تعتمد ليس على التدبير الإلهي وانما على رغبتنا الفطرية للقوة، ليس للسيطرة على الآخرين وانما للسيطرة على الذات، لتحقيق سيادة ذاتية والتطور الى الانسان الخارق (ubermensch).

وفي عمله الشهير (عام 1883)، هكذا تكلم زرادشت، والذي هو قصيدة نثرية موجزة بدلا من رسالة فلسفية، طرح نيتشه ثلاث مراحل لمسار إعادة اختراع الإنسانية: الجمل، الذي يحمل أثقال القيم المفروضة، الأسد، المكافح الشرس لأجل الحرية، الطفل، الذي وُلد من جديد كشخص مؤكد للحياة، مؤيد منتصر، بلا أمل في الجنة، ولا خوف من النار، مستعدا لتحمّل الانتصارات ومآسي الحياة الأرضية حتى في وجه الأبدية المتخيلة للعود الابدي.

زرادشت، الرجل الشاب – وهو اسم وهمي مشتق من zoroaster مؤسس الزرادشتية أقدم الديانات العالمية – ينسحب الى ملاذ محصن في جبل ثم يعود الى عالم البشر لنشر رسالته الايحائية في طريقة جديدة للتفكير والحياة للإنسانية لتحقيق الهدف النهائي في الانسان الخارق، ليس في الآخرة، وانما في الحاضر.

هذا التمجيد للإنسان الخارق، الذي اُختطف وشُوّه من جانب النازيين، اسيء فهمه في التقاليد الشعبية وتسبب في ان يوصم نيتشه بالفاشي المتخفِّ، رغم انه كان ناقدا مدى الحياة للاشتراكية القومية ومعاداة السامية.

***

حاتم حميد محسن

 

ملخص: اشتغلت هذه الدراسة على مسألة في غاية الأهمية من الناحية المعرفيّة والمنهجيّة، وهي مسألة أو قضية التأويل. فالتأويل من الناحية المنهجيّة هو وسيلة لكشف الحقيقة الكامنة في جوهر الظاهرة المراد تأويلها، أو هو الوسيلة التي نرمي من خلالها الوصول إلى جوهر النص بعد أن تعددت دلالات هذا النص في الظاهر. وبناءً على ذلك فالتأويل وفق هذا الموقف المنهجي والمعرفي معاً، يجب أن يمتاز بالحياديّة، أي الابتعاد عن المصالح الأنانيّة الضيقة، فردية كانت أو جماعيّة، وكذلك ضرورة الابتعاد عن المواقف المسبقة كالمرجعيات الدينيّة ومفرداتها الطائفيّة والمذهبيّة، وكذلك عن المرجعيات الطبقيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة. فالتأويل إذن يهدف في المحصلة كما قلنا، الوصول إلى الدلالة الأكثر ارتباطاً بالظاهرة أو النص المراد تأويلهما.

عناصر الدراسة:

1- مدخل:

2- التأويل في الخطاب الإسلامي ويشمل:

أولاً: التأويل في الفكر السلفي:

ثانياً: التأويل في الفكر الشيعي:

ثالثاً: التأويل عند المتصوفة:

خاتمة:

1- مدخل: بداية وقبل الدخول في توضيح التأويل في الخطاب الإسلامي، دعونا نتعرف على التأويل في علم الاجتماع المعاصر لما له من أهميّة في معرفة التأوي من الناحية العقلانيّة النقدية من جهة، ثم معرفة جهر التأويل في الخطاب الإسلامي عند كل من التيار السلفي السني، والتيار الشيعي (الإمامي)، والتيار الصوفي.

إن التأويل في علم الاجتماع المعاصر برأيي، هو منهج وفلسفة تركز على فهم المعاني الكامنة في نص ما بشكل خاص، إضافة إلى فهم الأبعاد الرمزيّة أو الدلالات العميقة للأفعال الاجتماعيّة بشكل عام، بدلاً من مجرد وصفها ظاهريّاً. ويسعى هذا الاتجاه إلى تفسير "كيف" و"لماذا" يضفي الأفراد معنى على حياتهم وتفاعلاتهم، معتبراً هذا التأويل الفرد ووحدته التفاعلية

محوراً للدراسة.

هذا ويعتبر علم (الهيرمينوطيقا (Hermeneutics)، علم وفن التفسير والتأويل، بالبحث في مبادئ وقواعد فهم النصوص، وخاصة الدينيّة، والأدبيّة، والفلسفيّة. ولقد تطورت هذه المبادئ والقواعد من مجرد مبادئ وقواعد لتفسير النصوص، إلى نظريّة فلسفيّة شاملة لفهم الوجود واللغة والسياق التاريخي والثقافي لحياة الإنسان، محولةً الفهم من مجرد نقل المعنى إلى عمليّة تفاعليّة بين النص والقارئ. (1).

ومن أبرز نقاط التأويل أو علم (الهيرمينوطيقا) في علم الاجتماع هي:

1- فهم الفعل الاجتماعي: وهو التركيز على تأويل المعاني التي ينتجها الأفراد في تفاعلاتهم اليوميّة.

2- التأويل المزدوج: وهو تأويل يشير إلى أن عالم الاجتماع لا يدرس مجتمعاً صامتاً، بل يدرس مجتمعاً يؤول أفعاله بنفسه، مما يخلق تفاعلاً بين لغة الباحث واللغة اليومية للمبحوثين.

3- الفهم العميق مقابل التفسير السطحي: وهنا يتجاوز المنهج التأويلي (الهرمنيوطيقا) التفسير السببي السطحي، ليغوص في السياقات الثقافيّة والرمزيّة للفعل.

4- المبادئ الأساسية: ويعتمد التأويل هنا على فهم سياق (الظاهرة الاجتماعية وفهم المعاني الكامنة وراء السلوك كرمز، كما يربط بين "الفهم" (المعنى) و"التفسير" (الأسباب والنتائج).

التأويل في الخطاب الإسلامي:

أولاً: التأويل في الفكر السلفي:

إذا كان التأويل في علم الاجتماع المعاصر برأيي، هو منهج في التفكير، وموقف فلسفي يشتغل على فهم المعاني الكامنة في نص ما بشكل خاص، إضافة إلى فهم الأبعاد الرمزيّة أو الدلالات العميقة للأفعال الاجتماعيّة بشكل عام، بدلاً من مجرد وصفها ظاهريّاً. أو بتعبير آخر يسعى التأويل إلى تفسير "كيف" و"لماذا" يضفي الأفراد معنى على حياتهم وتفاعلاتهم، معتبراً هذا التأويل أن الفرد والمجتمع وبيئتهما التفاعلية محوراً للدراسة.

فإن التأويل عند السلفية جاء لغةً: مشتق من "الأول" وهو الرجوع، أي إرجاع الكلام إلى أصله ومآله. واصطلاحاً: هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر (مرجوح)، يحتمله الدليل لوجود قرينة تقتضي ذلك. ويوصف أيضاً بأنه، بيان المعاني الخفيّة للنص أو كشف حقيقة ما يؤول إليه الأمر.

إذاً التأويل بالمعنى الاصطلاحي وكما بينه السلف: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر مرجوح لوجود قرينة تقتضي ذلك. وبالتالي فالتأويل لا يقطع في الدلالة أو في الاحتمال، بل يسمح بفتحهما للوصول إلى حقيقة ما هو مؤول أو مسكوت عنه فيه. بيد أن مثل هذا التأويل عند السلفيين مرفوض من حيث المبدأ، لأن ما (هو ظاهر) في نصوص الكتاب والسنة يجب القول به، أو العودة إليه عندهم، وهم يقولون بأن فتح باب التأويل يهدم الدين، بحيث يسمح لكل إنسان أن يقول أو يفسر ظاهر الآية والحديث كما يريد، وبالتالي يعمل على استنطاقها بغير المراد منهما. والسلفيون يقولون إن الخوارج والشيعة والمتصوفة وغيرهم، قد مارسوا البدع عندما أولوا قول الله لِمَا أرادوه هم وفقاً لمصالحهم أو فهمهم الضيق، وهم بذلك قد فتحوا أبواب البدع وهي أبواب الشر. وهذا ما يدفع أيضاً إلى التأكيد من قبل أئمة السلفية، إلى ضرورة الاستدلال بالآيات والأحاديث والتقليل من الأخذ بالرأي. (2). وعليه نستطيع أن نقف هنا قليلاً عند مسألة التأويل كما حددها أو فهمها أحد أقطاب الأشاعرة وهو حجة الإسلام " أبو حامد الغزالي ". حيث يشير في هذا الاتجاه إلى ضرورة التزام التأول إن حدث، بثلاثة وصايا أساسيّة يشترطها هو لصحــة هذا التأويل بهــذا المعنى وهي: الوصية الأولى وتتضمن:

1- أن لا يطمــع (المؤول) في الاطــلاع على جميع المعاني المضمنة في باطن النص، فإن ذلك في غير مطمع، وليلتزم قـول الله سبحانه وتعالى: (وما أوتيتم من العلــم إلا قليلا).

2- ولا ينبغي أن يستبعد عرض بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلا عن المتوسطين. انطلاقا من قوله تعالى: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...)

الوصية الثانية وتتضمن:

أن لا يٌكَذِبَ برهان العقل أصلا، فإن العقل لا يَكْذٌبَ، ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ و(الشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع). وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل، لن يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة (3).

غير أن مشكلة استخدام العقل هنا عند الغزالي، هي المشكلة ذاتها الذي وقع فيها شيخه أبو حسن الأشعري، وهي أن استخدام العقل لا يمارس دوره حراً في تقصي الحقيقة، بل إن دوره يقتصر على تثبيت النص المقدس لا الحكم عليه. وهذا ما أكده في قوله: و(الشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع). وهذا الرأي للغزالي يناقض رأي ابن رشد الذي أعطى العقل حريته في إثبات الحقيقة حيث يقول: (عند تعارض الظاهر النصي مع العقل، يجب اللجوء إلى «التأويل» لإعادة فهم النص وفق ضوابط برهانيّة.). أي وفق ضوابط عقليّة.

إذاً يرفض التيار السلفي "التأويل"، أي (صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح) في العقائد والصفات، متبنياً منهج إمرار النصوص كما جاءت على ظاهرها، وإثباتها حقيقة بلا تكييف ولا تشبيه. أي يعتمد السلفيون على الأخذ بظاهر النص، ويعتبرون أن الصحابة والتابعين لم يؤوّلوا، ويرون في التأويل "تأويلًا فاسدًا" و"تعطيلاً" للصفات يقع في بدع "الجهمية والمعتزلة" الذين آمنوا بالمنطق وبحرية العقل المنفتح على الحقيقة. (4). وهذا برأي من مآسي الفقه في الإسلام الذي التزم بالنقل والحقيقة المطلقة التي حددها ظاهر النص، ورؤية الفقهاء الذين فسروا النصوص المقدسة وشرعوا للناس من خلال فهمهم وثقافتهم ومناهج تفكيرهم في العصور الوسطى.

ثانياً: التأويل في الفكر الشيعي:

إذا كان الخطاب السلفي (السني) قد حارب التأويل وأقصاه كما بينا أعلاه، وبذلك يكون قد حارب العقل وقدراته في التشريع وكشف الحقيقة، وعليه جاءت محاربتهم للتأويل الذي مارسه الشيعة والمتصوفة. بيد أن التأويل عند الشيعة والمتصوفة، حمل الكثير من الأخطاء المعرفيّة والمنهجيّة كونه وظف لمصالح خاصة ماديّة أو معنوية. وبناءً على ذلك دعونا نتعرف على التأويل عند كلا الطرفين الشيعة والمتصوفة.

لقد ميز الشيعة وخاصة الإمامية منهم، الفرق بين التدبر في القرآن والتفسير والتأويل.

1- إنّ التدبّر هو: الوقوف عند الآيات والتعمّق فيها، وأخذ العبر للعمل بها، فهو في الواقع ناتج عن التفسير والتأويل الصحيحين.

2- أمّا التفسير في الاصطلاح: فهو كشف الغوامض والأستار عن ظاهر القرآن بمعونة شرح الالفاظ والتففه في موارد اللغة واستنتاج المفاهيم والمعاني، خصوصاً بمراجعة المأثور من كلام الأئمة المعصومين، وعلى الأخصّ في مجال تمييز المتشابهات عن المحكمات وبيان المراد منها.

3- أمّا التأويل: فهو في الحقيقة تطبيق المفاهيم والآيات (في الخارج)، أي تعيين المصاديق الخارجيّة لمعاني الآيات. فالتأويل الصحيح يترتّب من ناحية المعنى على التفسير الصحيح. ولا يخفى انّ التأويل الصحيح لا مجال للوصول اليه إلاّ عن طريق الوحي وكلام الأئمة المعصومين.

أمثلة على التأويل عند الشيعة الإمامية:

يُركز تأويل الشيعة للنص القرآني بشكل أساسي على تثبيت عقيدة الإمامة، والولاية لأهل البيت، وتفسير الآيات باطنيًا لتتوافق مع إمامة علي بن أبي طالب وذريته، حيث يعتبر الشيعة أن القرآن نزل بتفصيل الولاية، ولكن تم إسقاطها.

أبرز أمثلة تأويل القرآن عند الشيعة:

آيات الولاية والإمامة: تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55)، يقولون إنها نزلت في علي بن أبي طالب عندما تصدق بخاتمه وهو راكع.

تأويلات "آل محمد" وبني هاشم: روي في التفسيرات الشيعية (مثل البرهان وتفسير القمي) تأويل العديد من الآيات بإقحام "آل محمد" أو "بني هاشم" فيها، مثل تفسير {سلام على يس} بأنها "سلام على آل محمد".

سورة "هل أتى" (الإنسان): الإجماع الشيعي على أن سورة "هل أتى" نزلت بالكامل في حق علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

تأويل "بني إسرائيل" بأهل البيت: يرى بعض المفسرين الشيعة مثل القمي أن ذكر "بني إسرائيل" في آيات معينة هو رمز للإشارة إلى أهل البيت. مثل الأيات التالية التي تقول: “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ”. سورة القصص (5و6).

آية التطهير: قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب: 33)، وتخصيصها بـأهل البيت الخمسة (النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين).

ثالثاً: التأويل عند المتصوفة:

يأتي التأويل عند المتصوفة أسلوب نظر لكشف المعاني الباطنية للنصوص الدينيّة (القرآن والحديث) عبر "الذوق" والفتح الروحي، حيث يتجاوز هذا الأسلوب التفسير الحرفي الظاهري. للغوص نظراً في النص المقدس ودراك أو معرفة الحقائق الإلهيّة عبر الرمز والإشارة، وذلك من خلال ربط ظاهر النص بباطنه في تجربة معرفيّة وجدانيّة (ذوقيّة - عرفانيّة)، تصل العارف بالله، وهذا ما يجسد رحلة العبور من "حرف" النص إلى "حقيقته"

الفرق بين الظاهر والباطن:

يعتبر المتصوفة أن للقرآن ظهراً وبطناً، والتأويل هو الغوص في الباطن الذي لا يدركه إلا "أهل الكشف". أي أهل المعرفة الذوقيّة. فالتأويل الصوفي لا يعتمد هنا على العقل والمنطق فحسب، بل على الذوق والقلب والروح، مما، هذا ما يجعله تجربة فرديّة مباشرة.

أما اللغة الرمزية: فالمتصوفة يستخدمون لغة رمزيّة وإشارات تعبر عن الحقائق الروحيّة الدقيقة، ويصبح التأويل ضرورياً لفهم هذه الرموز.

أهداف التأويل الصوفي:

1- الوصول إلى الله: وتتجسد في تجربة الحب الإلهي والفناء في الله.

2- التأسيس الشرعي: أي إثبات أن التصوف امتداد لعمق الشريعة.

3- كشف الرموز: أي فك رموز اللغة الصوفيّة المجازيّة.

هذا ويعتبر "محيي الدين بن عربي" من أبرز من أسسوا للتأويل الوجودي والمعرفي، حيث يرى النص الديني قابلاً للتأويل بناءً على التجربة الذوقيّة، والجمع بين المعرفة العقليّة والروحيّة. (7).

أمثلة على التأويل عند المتصوفة:

قلنا إن تأويل النص القرآني عند المتصوفة هو "علم الباطن" الذي يتجاوز الدلالة الظاهريّة (التفسير)، إلى إشارات خفيّة تدرك بالذوق والكشف الروحي، من خلال تحويل الآيات إلى رموز تعبر عن تجاربهم الوجوديّة، مثل تفسير "الخضراء" بالقلب و"البحر بالعلم.". هذا ويعتمد هذا المنهج على البحث عن باطن المعاني، ويرتبط بمقامات السالكين إلى الله.

ومن الأمثلة البارزة على تأويل النص القرآني عند المتصوفة:

تأويل الآيات الكونية مثل (قصة موسى) مثلاً:

تأويل: ﴿وَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (طه: 12): يؤولها الصوفيّة بأنها "اخلع" الدنيا والآخرة من قلبك، أو اخلع هواك ونفسك، لتبقى لله خالصاً.

أو تأويل: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (طه: 12): عند بعضهم (كالقطب الشاذلي) على أنها إشارة إلى "الوحدة" وأن المتحدث والسامع في مقام "الفناء" واحد. أو ما يسمى بالتوحد كما هو الحال عند الحلاج بقوله: (وما في الجب إلا الله).

وهنا تأويل قصص الأنبياء مثل (قصة يوسف):

حيث يتم تأويل "يوسف" عليه السلام رمزياً، على أنه رمز للجمال الإلهي المطلق، أو الروح، أو "الإنسان الكامل".

وهناك تأويل "الجب": حيث يمثل عالم المادة أو البدن.

وهناك تأويل "الرؤيا": وهي الكشف عن الحقائق الغيبيّة.

تأويل آيات الصفات والوجود:

مثل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: 16). ويؤولها الصوفيّة كدلالة على "وحدة الوجود" (ابن عربي)، حيث لا يرى المتصوف وجوداً حقيقياً إلا الله، وأن القرب هو قرب الذات، لا قرب مكان.

وتأويل: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (الأعراف: 143): يؤولونه بأن (الميقات) هو "حضور القلب"، وأن تكليم الله هو "الوحي الباطني" الذي يقذفه الله في قلب العارف.

تأويل الأحكام والعبادات:

مثل الصلاة: لا يكتفي المتصوف بأركانها الظاهرة، بل يؤولها بأنها "معراج" الروح إلى الله، وأن الخشوع هو "الفناء" في المحبوب.

أما الحج: فيؤولونه بأنه "طواف القلب" حول حضرة الحق، وليس فقط طواف البدن حول الكعبة.

تأويل الحروف المقطعة:

يغوص المتصوفة مثل (ابن عربي) في تأويل الحروف مثل (الم، الر، طسم) معتبرين إياها أسراراً إلهيّة ورموزاً لمراتب الوجود، والأسماء الإلهية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله والراسخون في العلم.

ملاحظة: يفرق الصوفية بين "العبارة" (الظاهر) و"الإشارة - الباطن" حيث يأت في الظاهر التفسير لعامة المؤمنين، والإشارة لخاصة الخاصة.(8).

خاتمة أو ملاك القول:

إن من يتابع حركة التأول في الخطاب الإسلامي تاريخياًّ إن كان عند الفقهاء أو علماء الكلام، يجد تلك المواقف التي تميل إلى الابتعاد كثيراً عن الحيادية من جهة وعن المنهجية من جهة ثانية، وأن أكثر المؤولين اعتمدوا على اللغة كعامل رئيس في الكشف عن دلالة النص، إن كان لدى السنة في خطابهم السلفي الرافض للتأويل، أو لدى الشيعة والمتصوفة الذين مالوا للتأويل، كما نجد أيضا أن من تعامل مع التأويل من كلا المؤمن به أو الرافض له، جاء موقفه هذا من باب مصالح سياسيّة أكثر منها مواقف عقيديّة، بالرغم من أنهم أعطوا للتأويل لبوساً عقدياً. فالرافضون للتأويل، كان رفضهم من باب الخوف على السلطة من المعارضة الشيعيّة بشكل خاص، أو من باب الخوف من تحريض الجمهور على استبداد السلطة كان المتصوفة العرفانيين كانوا إلى صف الجماهير الفقيرة، أو نتيجة صدام أفكارهم وممارساتهم مع التفسيرات التقليدية للشريعة، أو بسبب مواقف سياسية، وتهم تتعلق بالزندقة أو الهرطقة. ومن أبرز المتصوفة العرفانيين الذين قتلوا (مثل الحلاج، السهروردي، وعين القضاة الهمذاني).

ونظراً لعدم التعامل مع التأويل بشكل حيادي في الحامل الاجتماعي للخطاب الإسلامي، ظهر في الخطاب الإسلامي (73) فرقة، كلها اعتمدت على تأويل أو تفسير النص الديني خارج دلالاته الحقيقيّة التي جاء النص من أجلها من جهة، أو خارج وسائله المعرفيّة العقلانيّة من جهة ثانية.

***

عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

........................

المراجع:

1- محاولة في تأصيل مفهوم التأويل في العلوم الاجتماعيّة. أنور مقراني. موقع إعداد الكلمة.

2- ( -- المرجع: مقال للدكتور أحمد رشوان – "السلفية قواعد واصول" عن موقع الإسلاميون.)

3- المرجع: منهج الإمام الغزالي في التأويل: دراسة تطبيقية في نماذج من تراثه. حسن هموا – موقع. منار الإسلام للأبحاث والدراسات.).

4- موقع إسلام ويب - منهج السلف، عدم التأويل مطلقاً إلا بثبوت دليل راجح –

5- المرجع (مركز الأبحاث العقائدية. الفرق بين التدبر والتفسير والتأويل.

6- (التأويلات الباطنية من فضائح الشيعة الكبرى - مجلة البيان

15‏/03‏/2026 الباحث كمال مصطفى.).

7- المعرفة الصوفية والتأويل: المرجعية، النسق، والسياق- الرابطة المحمدية للعلماء – المغرب – د. محمد حلمي.

8- العملية التأويل في النص الصوفي - لياس عمروش – موقع asjp.

كيف يتحوّل الصراع على الوجود إلى حرب على المعنى

فرش اشكالي: يروي المؤرخ الإغريقي بلوتارخ أن أفلاطون ركب البحر قبل ميلاد المسيح عليه السلام بأربعة قرون متجهاً إلى سرقوسة، ذهب ليحوّل طاغية صقلية ديونيسيوس إلى فيلسوف. كان يفكر في تحويل السلطة إلى حكمة، والتأسيس لدولة المدينة الفاضلة. انتهى اللقاء بكارثة، فالطاغية لم يصر فيلسوفاً لأنه كان غارقا في بحر الظلمات والشهوات، والفيلسوف كاد يُقتل، انتهى الحال بأفلاطون في سوق العبيد اشتراه أحد تلاميذه وأعتقه. عاد إلى أثينا، وكتب أن الشرور لن تنتهي ما لم يحكم الفلاسفة أو يتفلسف الحكام. وفي بغداد عام 922 للميلاد صُلب الحلاج، كان صوفياً يردد مقولته «أنا الحق». اتهم بانه يسعى لتأسيس سلطة روحية تنافس سلطة الخليفة. وفي قرطبة أواخر القرن الثاني عشر ميلادي، أُبعد ابن رشد عن البلاط واتهم بالزندقة. الفيلسوف الذي قال إن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له»، وجد نفسه متهماً. أُحرقت كتبه، لم يُقتل جسده، لكن حوكم وسجن فكره. وفي حلب عام 1191، قتل السهروردي كان في السادسة والثلاثين، مفكر شديد الذكاء واسع الأفق صاحب كتاب حكمة الإشراق، كان يردد أن الحكيم المتأله هو خليفة الله، وأن الزمان إذا حكمه هذا الحكيم صار نوريا، وفي زمننا هذا، كان اللقاء بين ألكسندر دوغين وهو فيلسوف روسي والفيلسوف والسياسي علي لاريجاني. وعندما اغتيل لاريجاني لاحقاً، كتب دوغين: «لقد خضت معه حواراً فلسفياً .… كان لاريجاني حكيماً وعميقاً. لماذا تقتلون الفلاسفة؟ ونحن نتساءل بدورنا:

- لماذا يستبعد الطغاة الفلاسفة من دائرة السياسة والحكم؟

- ما الذي يعنيه أن تتحول رؤية فلسفية إلى مشروع بناء دولة؟

- كيف تفسر ثنائية النور والظلام ما يجري من حروب وتوترات في العالم؟

- لماذا يقصي الغرب اليوم الفيلسوف من المختبرات العلمية؟

- هل يمكن للفلسفة ان ترفع البرازخ التي تحول دون اشراق الحكمة؟

أنطولوجيا النور والبرزخ

عندما أتمّ السهروردي كتابة مؤلفه الأساسي «حكمة الإشراق» في يوم 28 جمادى الآخرة سنة 582 هجرية (الموافق لعام 1186 ميلادية) في ذلك اليوم، لم يكتمل كتابه فحسب، بل تحددت معالم فلسفة كاملة في بعدها المعرفي والوجودي، وكذا السياسي، مغايرة للفلسفة المشّائية في بعض جوانبها والتي كانت سائدة في عصره ممثلة في فلسفة ابن سينا. لقد بنى السهروردي كونًا كاملًا من فكرة واحدة، بسيطة ومرعبة في آن: كل ما في الوجود نور والنور هو الجوهر الوحيد للوجود. كل شيء موجود لأنه مضيء بدرجة ما. لا فرق في الماهية بين حجر وشجرة وإنسان ومَلَك، بل فرق في درجة الإشراق وحدها. ينبثق الوجود كله من نور الأنوار -الله- في فيض متدرج: من العقول المحضة إلى النفوس إلى الأفلاك إلى الموجودات الأرضية. الأنوار العليا قاهرة للأنوار الدنيا: تفيض عليها بالوجود والمعرفة. والأنوار الدنيا عاشقة للأنوار العليا: تتوق إلى الاتصال بها.

وفي هذا النظام الكوني البديع، لا وجود للظلام ككيان قائم بذاته. الظلام ليس شيئًا. الظلام هو برزخ حاجز، ساتر، غشاء يعترض فيض النور فيمنعه عن الوجود أو الوعي. البرزخ ليس عدوًا ميتافيزيقيًا. إنه العائق الذي يحجب، لا القوة التي تخلق. الأشياء لا تقسَّم إلى خيّرة وشريرة، بل إلى ما بلغه النور وما حُجب عنه.

هذه الثنائية -النور والبرزخ- ليست مجرد تصنيف نظري. إنها تحمل في طيّاتها نظرية في المعرفة ونظرية في السياسة معًا. فإذا كانت المعرفة إشراقًا، فإن الحاكم الحقيقي ليس من يمتلك القوة، بل من يمتلك النور. السهروردي يسميه الحكيم المتأله الذي جمع بين الحكمة النظرية والذوق الصوفي، يرى الحقائق مباشرة. هذا الحكيم إذا تولى الحكم، صار الزمان نوريًا. أما إن غاب، وخلفه الطاغية، والفقيه الفقي، والمتاجر بأموال الشعب والعسكري المستبد فإن الزمان يصير برزخيًا.

من الممكن أن نلاحظ وفق استقراء تاريخي هذا التوتر بين الفلسفة والطغيان فطاغية صقلية ديونيسيوس كان واعياً لخطورة الفلسفة وحجم تهديد أفلاطون، لكن برازخ الظلمات وعفن اللذة، كان يحجبان نور الحقيقة، ولو قدر لفلسفة افلاطون ان تتجسد بظهور انوار الحكمة من مشكاة الحق لظهرت التناقضات وتداعى حكم الطغيان. وهذا ما حدث للسهروردي نفسه. كان خطره ليس في كفره المزعوم، بل في نظريته السياسية التي تقول إن الحكم يجب أن يكون لمن يرى النور، لا لمن يرث العرش أو يمتلك السيف.

واليوم لكي نفهم مأساة حاضرنا وتوتر العلاقات الدولية وهذه الحروب، علينا أن نبدأ من اللحظة التي تجمد فيها الزمن سنة 1979 في فيفري من ذلك العام، أطاحت الثورة الإيرانية بالشاه محمد رضا بهلوي، وأعلنت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني. وصف ميشيل فوكو هذه الثورة بأنها "الأكثر حداثة والأكثر جنوناً". لم تكن ثورة على نظام سياسي فحسب، بل كانت ثورة على مفهوم الحداثة الغربية ذاته. لقد أكدت أن الدين والهوية والأيديولوجيا الثورية يمكن أن تكون أساساً للحكم. وفي نوفمبر، اقتحم طلاب السفارة الأمريكية في طهران، محوّلين الدولة التي كانت أقرب حلفاء أمريكا في المنطقة إلى عدوها اللدود. وفي الشهر نفسه، غزا السوفييت أفغانستان. كان العام 1979 زلزالاً. لكنه في العمق كان زلزالاً أنطولوجياً: لقد وُلد نظام يرى نفسه "نوراً" في مواجهة "ظلام" الغرب المادي. ومنذ ذلك اليوم، دخلت إيران والولايات المتحدة في حرب وصفها المؤرخان إبراهيم المرعشي وتانيا جودسوزيان بأنها "حرب الخمسين عاماً" – حرب لا يبدو أنها ستنتهي قريباً.

الفلسفة التي صارت دولة

لم يكن صعود الفلسفة في إيران المعاصرة أمراً سهلاً. يروي الباحث محمد الصياد كيف واجه العلامة محمد حسين الطباطبائي، رائد إحياء الدرس الفلسفي في حوزة قم، عنتاً شديداً من المرجع الديني الأعلى حين أراد تدريس "الأسفار الأربعة" لصدر الدين الشيرازي. كانت الحوزة التقليدية تنظر إلى الفلسفة بريبة وعداء. لكن الطباطبائي أصر، وأسس حلقة فلسفية ضمت خيرة العقول التي ستشكل أعمدة النظام: مرتضى مطهري، جواد آملي... وغيرهم.

الأكثر دهشة هو التوليفة التي ورثها الخميني عن مدرسة "الحكمة المتعالية": مزج بين فقه الأصوليين وعرفان ابن عربي وإشراق السهروردي. يسميها الصياد "العرفان القزلباشي"، نسبة إلى مقاتلي الصفويين الأوائل، إنه عرفان ثوري لا مهادن، عرفان يحمل السيف مع السبحة. هذه التوليفة هي التي جعلت من الممكن أن يصبح الفقيه عارفاً، وأن يرتدي السياسي رداء القديس. لقد صارت الفلسفة جهازاً لإنتاج الشرعية، وتحول "الإشراق" من حالة صوفية فردية إلى مشروع دولة.

ما يعنينا هنا هو ما يترتب على ذلك في السياسة الخارجية. إذا كانت إيران دولة "نورانية" بالمفهوم الإشراقي، فإن كل من يقف ضدها ليس خصماً سياسياً، بل هو "برزخ ظلماني" يحجب النور. أمريكا وإسرائيل ليستا قوتين عظميين لهما مصالح متضاربة مع طهران، بل هما حجب مادية تقف في وجه تدفق الإشراق. السياسة الخارجية الإيرانية، إذن، ليست إدارة مصالح، بل إدارة وجود.

والصبر الاستراتيجي الذي طالما أذهل المحللين الغربيين ليس تكتيكاً، بل لاهوت. الزمن الإشراقي هو زمن الانتظار والرجعة. التضحية ليست هزيمة، بل إثبات أن النور لا يُقهر.

لكن من الخطأ تصوير إيران ككتلة واحدة. فهناك، داخل الحوزة نفسها، تيار تجديدي يقوده فلاسفة مثل عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري، يحاول تفكيك البرازخ من الداخل. يحذر سروش من أن احتكار الدولة للثقافة "يُشرعن العنف"، داعياً إلى فصل الدين عن قبضة السلطة. هؤلاء يمثلون "النور الإيراني الآخر"، الذي يرفض أن يكون النور محتاجاً إلى القهر.

مختبر البرازخ المادية

إذا كانت إيران تمثل "البرازخ المؤسّسة" (البرازخ التي تحولت إلى فلسفة دولة)، فإن غزة هي "مختبر البرازخ المادية". هناك، في القطاع المحاصر، تتحول الأفكار إلى قنابل، والميتافيزيقا إلى فوسفور أبيض يحرق اللحم حتى العظم.

في كتابه "غزة: بحث في استشهادها"، يوثق نورمان فنكلستين أن ما جرى ليس حرباً بالمعنى التقليدي، بل هو عملية ممنهجة لخنق الحياة. يكشف "الكذبة الكبيرة": إسرائيل تتعمد انتهاك وقف إطلاق النار لاستفزاز رد فعل يتيح لها شن هجوم مدمر. إنها سياسة "ردع العرب" التي لخّصها أرئيل شارون: "سلاحنا الرئيسي هو الخوف منا".

بلغة السهروردي، هذه هي سياسة "القهر". في عملية "الرصاص المصبوب" وحدها، دُمّر أكثر من 58,000 منزل، ومئات المدارس والمصانع، وانقطع الكهرباء عن مليون إنسان. الفوسفور الأبيض استُخدم في مناطق مدنية مكتظة. الادعاء بأن حماس تستخدم "دروعاً بشرية" فنّدته منظمة العفو الدولية، بينما وثّقت أن الجيش الإسرائيلي نفسه استخدم مدنيين فلسطينيين كدروع بشرية. هذه هي البرازخ: الأكاذيب التي تحجب الحقيقة، الحصار الذي يخنق الحياة، الصمت الدولي الذي يتفرج.

وهنا، في هذه الغرفة المغلقة من الألم، تتجسد "قصة الغربة الغربية" التي كتبها السهروردي: الروح الإنسانية المسجونة في عالم المادة المظلم، تتوق إلى نورها، لكن البرازخ تحاصرها من كل جانب.

كيف أُقصي الفيلسوف من مختبر الحرب

الحرب الجارية بين أمريكا وإيران فتحت أعين العالم على حقيقة مدهشة. إن كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين في إيران متجذرون بعمق في الفلسفة الأخلاقية. كان هذا بالضبط هو الحال الفكري للعالم الغربي بأسره قبل مشروع مانهاتن.

قبل أن تُفجَّر أول قنبلة ذرية، كان من شبه المستحيل أن تجد عالماً أوروبياً لم يدرس إيمانويل كانط بعمق. أينشتاين كان يقرأ "نقد العقل المحض" وهو في الثالثة عشرة. نيلز بور، روبرت أوبنهايمر، وأقرانهم، لم يكونوا مجرد آلات حساب بشرية، بل عمالقة متشبعين بالفلسفة. إن الفصل الصارم الذي وضعه كانط بين العلم التجريبي ونظرياته الأخلاقية شكّل بوصلة أساسية، ربطت البحث العلمي بضمير الإنسان.

لكن القنبلة الذرية لم ترَ النور إلا لأن الجيش الأمريكي روّع العلماء بدعاية وجودية مفادها أن هتلر على وشك امتلاك سلاح نووي. حتى في ظل هذا الذعر، أُبعد أينشتاين عمداً عن التفاصيل، لأن الدولة أدركت أن الفيلسوف الصارم والمسالم لا يمكن تحويله إلى أداة.

بعد أن غطى الرماد المشع هيروشيما وناغازاكي، ثار ضمير المجتمع العلمي. سبعون عالماً وقّعوا عريضة يناشدون الرئيس عدم استخدام القنبلة ضد المدنيين. أوبنهايمر نفسه وقف أمام ترومان وقال: "أشعر أن يديّ ملطختان بالدماء". لكن المؤسسة العسكرية استخلصت درساً مخيفاً: العلماء الذين يمتلكون ضميراً يشكلون خطراً. الفيزيائيون الذين يفكرون كفلاسفة، والذين يجرؤون على التساؤل عن سبب بناء سلاح ما، يمثلون تهديداً وجودياً للأمن القومي.

وجاء الرد سريعاً ومنهجياً. بعد الحرب العالمية الثانية، ضخت الدولة مليارات الدولارات في المجتمع العلمي، لكن التمويل جاء مشروطاً: فقط "للعلوم التطبيقية". أُعيد تشكيل المناهج. أُزيلت الفلسفة والتاريخ من كتب الفيزياء. استُبدلت بالمعادلات الجافة والبراغماتية الباردة.

هذا "الاستئصال المتعمد" هو السبب في أن معظم الابتكارات العلمية اليوم موجّهة نحو تطوير أسلحة مدمرة للحياة. وهو ما يفسر كيف يمكن للمنظومة العلمية في الغرب أن تتجاهل بسهولة استخدام الطائرات المسيّرة في ارتكاب فظائع ميكانيكية في غزة واليمن.

هنا تكمن المفارقة اللاذعة: الدولة التي يراها الغرب "محور شر" هي التي لا تزال تحتفظ بالفيلسوف داخل المختبر. والدولة التي ترى نفسها "محور خير" هي التي أقصت الفيلسوف من مختبرها.

العرّاف الذي رأى الهاوية ولم يفهمها

في مقابل هذا العجز الفلسفي الغربي، ظهر صوت مختلف: المؤرخ الصيني الكندي شيوكين جيانغ. في محاضرة عام 2024، تنبأ بدقة بعودة ترامب وبدء مواجهات مع إيران. لكن تحذيره الأخطر كان عسكرياً: إيران، بتضاريسها الجبلية وعقيدتها القتالية، ستتحول إلى "مستنقع استراتيجي" يبتلع أي قوة برية. إنها "مقبرة الإمبراطوريات".

جيانغ محق في تشخيصه. لكنه لا يرى ما لا تستطيع البراغماتية أن تراه: إيران ليست مستعدة لحرب استنزاف فقط لأن لديها جبالاً، بل لأن لديها لاهوت صبر وفلسفة تجعل من التضحية قيمة. وفي أفريل 2026، نشرت الغارديان رسالتين قصيرتين، لكنهما تحملان تشخيصاً أخلاقياً ثاقباً. كتب روب سيموندز: "منذ 1945، مثّلت أمريكا رؤية الغرب للثروة والنفوذ القائمين على الملكية المادية. أما إيران، منذ 1979، فقد بنت نظاماً على عقيدة متجذرة... ما نشهده هو محاولة للقضاء على أيديولوجية بتدمير الأفراد والممتلكات. لكن الأيديولوجية لا تُهزم إلا بأفكار أكثر تماسكاً وأخلاقاً". وكتب ديفيد فلينت: "ترامب لا يفهم قادة إيران لأنه يفتقر إلى المبادئ. لا شيء يدفعه للتضحية بنفسه. هذا ما يجعله غافلاً عن دوافع خصومه".

وكتخريج عام نعود لسؤال لماذا يُقتل الفلاسفة؟ ربما كان الجواب أبسط وأقسى مما نظن. الفلاسفة يُقتلون لأن نورهم يفضح الجميع. يقتلهم المستبدون لأنهم يكشفون هشاشة سلطة لا تستند إلى الحق. تقتلهم الإمبراطوريات لأنها تدرك أن أمة تمتلك عقلاً متوهجاً لا يمكن إخضاعها بالمدافع. ويقتلهم الغوغاء لأن النور يؤذي عيون من اعتادوا العتمة.

حين يُقتل فيلسوف، لا يخسر العالم رجلاً، بل يخسر مساحة من النور. وحين تسقط غزة، لا يخسر العالم مدينة، بل يخسر قدرة على الإشراق. وحين تتحول إيران إلى ساحة حرب، لا يخسر العالم دولة، بل يخسر إمكانية أن تتعايش أنطولوجيات مختلفة.

نور الأنوار، كما قال السهروردي، لا يُحجب إلا بالبرازخ التي نصنعها نحن بأيدينا. وفي أيدينا -فقط في أيدينا- أن نرفعها. ربما كان هذا هو الدرس الوحيد: أن السلام ليس اتفاقاً بين جيوش، بل هو استعادة للقدرة على رؤية النور في الآخر، حتى حين يبدو -للوهلة الأولى- ظلاماً ففي إحدى ليالي حلب، عام 1191، وقف السهروردي أمام سجانيه وسأل: "هل هذا يستحق؟". لا نعرف ماذا أجابوه. لكننا نعرف أنهم قتلوه.

***

الأستاذ عمرون علي

النص واحد.. والفهومات متعددة

في البداية، لا بد أن نلفت الإنتباه أننا لا نتناول الدين الإسلامي كدين في حد ذاته، وليس غرضنا في هذه المقالة أو في غيرها من المقالات والدراسات التي تتناول الخطاب الديني المعاصر، الحفر في العقيدة الإسلامية، ولا يدور في ذهننا مناقشة عقيدة التوحيد الإلهية، ولا نقد أركان الإسلام ولا التشكيك في أركان الإيمان، لأننا على وعي تام أن هناك بون شاسع يفصل ما بين الدين والفكر الديني، بين الإسلام والخطاب الإسلامي، وبالتالي نحن نناقش الخطاب الديني، نمارس نقد الخطاب الديني، الخطاب الذي أنتجه البشر، وأنتجوه في ظروف وسياقات تاريخية مُعينة، كما نحلل الفكر الإسلامي، الفكر الذي صدر عن الفقهاء والأئمة وعلماء الكلام والمتصوفة والفلاسفة في العصر الوسيط وكذلك الأفكار التي قال بها رواد النهضة والإصلاح في العصر الحديث، ورموز الحركة الإصلاحية العربية، وكل الذين بحثوا في أسس التقدم من مفكري الإسلام، بالإضافة إلى خطاب الإحيائية والإسلام الحزبي ومنظُّرو الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، كما ننقد الفهم السلفي للدين والقراءة الرجعية للشريعة، كما نُحلّل الأفكار والتصورات الماضوية للدولة والمجتمع .

ولا يختلف إثنان على أن النص الديني واحد (القرآن والسنة). لكن الفهومات (تعدد الفهم) متعددة والتفسيرات مختلفة والقراءات قد تكون أحيان متناقضة وتكون التأويلات غير منتهية، لا في الزمان ولا في مكان، ولا يوجد معنى ثابت للنص الديني ولا يستطيع أحد ان يزعم أن فهمه هو الفهم الصحيح. ولهذا لا مستغرب من تعدد الفرق وتنوع الجماعات وتكاثر الطوائف في التاريخ الإسلامي وفي الإسلام التاريخي، بتعدد الفهومات وتنوع التصورات وإختلاف التأويلات، وبسبب كذلك تناقض المصالح حتى في المجتمع الواحد، ناهيك عن المجتمع متعدد "الملل والنحل "، وكذلك بسبب الإنقسام الذي حدث في الإسلام ما بين من السّنة والشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والأشاعرة والمتصوفة والفقهاء والفلاسفة، ولا ننسى إختلاف مفكري الإسلام في القرن التاسع عشر في أسس التقدم وفي شروط النهضة.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، إن إهتمامنا بالكتابة والبحث والدراسة والتحليل والنقد بالفكر الإسلام السياسي المعاصر، وبكل ما يتعلق بظاهرة اسمها الصحوة الإسلامية، وبكل ما يترتب عن أعمال وأفعال وأقوال ونشاطات الجماعات السياسية الدينية أو كما يدعوه المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز بالإسلام الحزبي وما يصدر عن خطاب ما يسميه المفكر اللبناني رضوان السيد بالإحيائية الإسلامية من أراء وأفكار وتصورات ومفاهيم ورؤى وفتاوى، يعود بالدرجة الأولى إلى الوعي بأن هذه الجماعات الدينية / السياسية التي شكلت ظاهرة إجتماعية/ سياسية/ دينية لم يسبق لها مثيل. ولا مراء في أن هذه الظاهرة مارست التأثير الأكبر على الدول وعلى المجتمعات العربية/ الإسلامية، من بين جميع الإديولوجيات اليسارية والليبرالية التي عرفها العالم العربي في القرن العشرين، وكذلك بقدرة هذه الجماعات على التعبئة والحشد الجماهيري، على غرار الإيديولجيات الشمولية والحركات السياسية الشعبوية في الثلاثينيات مثل النازية والفاشية، والتي كانت تركز على الحشد الجماهيري والمظاهرات العارمة والإستعراضات العسكرية الضخمة

العمامة الدينية والقبعة العسكرية

والحقيقة التي لانقاش فيها، أن المد الديني/ الأصولي intégrismeفي المنطقة العربية حظي بجماهيرية كبيرة، وهذا راجع لعدة أسباب، منها خطاباته الشعبوية populisme أو بعبارة أصح، خُطبه في المساجد والمدارس والجامعات وحتى في رياض الأطفال، وكلنا يتذكر البرامج الدينية المكثفة في الإذاعات والتلفزيونات العربية وهذا الجيش عرمرم من الدعاة والشيوخ والوعاظ الذين يقدمون خطاب ديني كله وعد والوعيد وكله وعظ وإرشاد، خطاب يعرض بلغة شعبية بسيطة يفهمها العامة بسهولة .

من هنا اكتسب الخطاب الديني الأصولي، الجماهيرية الواسعة والتي لا تضاهييها من حيث الجماهيرية إلا جماهيرية المد القومي- الناصري في الخمسينات والستينيات . ولتوضيح الفكرة أكثر أن السبب الرئيس في جماهيرية الإسلام السياسي يعود بالدرجة الأولى إلى ما تقدمه هذه الجماعات من خطاب ديني، عاطفي للعامة وللجماهير التي تعاني أصلاً من الفقر المادي والعوز المعرفي والبؤس السياسي ويعاني أكثر من القمع التسلط والإستبداد السياسي، خطاب ديني متطرف يعتقد بإمتلاك صكوك الغفران ومفاتيح الجنة، وتلك هي المشكلة ! ومن المؤكد أن هذه الحركات السياسية، كان لها النصيب الأكبر في التأثير سلبا على أمن وإستقرار المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج، ويكفي أن نشير أن جماعات الإسلام السياسي كانت العامل الرئيس من بين عوامل أخرى في إجهاض التجارب الديمقراطية في أكثر من بلد عربي، وخاصة في مصر وتونس وسوريا والعراق، إذ كانت سببًا مباشرًا في تعثر المسَّار الديمقراطي الوليد في الجزائر بعد إنتفاضة أكتوبر عام 1988، عندما رفعوا شعار " لا ميثاق..لا دستور قال الله قال الرسول ".

والجدير بالملاحظة أن الإسلام السياسي لعب دورا كبيرا في وأد حركات التغيير وإفشال ما يسمى بالرييع العربي، وإجهاض التجربة الديمقراطية بالتعاون مع الدولة العميقة، دولة العسكر والمخابرات والبوليس السياسي. ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول، بإن دولة العسكر، قتلت السياسة ووأدت العمل الحزبي واحتكرت المجال العالم وأممت الإعلام وضربت في مقتل التيارات المدنية وأجهزت على المجتمع المدني.

والمفارقة العجيبة أن القبعة العسكرية احتضنت العمامة الدينية ولعبت دورا كبيرا في تديين السياسة وتسييس الدين في الستينيان والسبعينيات، وبالتالي ساهمت في تناسل وتكاثر هذا المتدينين الذين سوف يدعمون صفوف تيار الإسلام السياسي والبعض من هؤلاء المتدينين سوف يلتحق بالتنظيمات الجهاية والجماعت الإسلامية المسلحة. فعلى سبيل المثال كشفت تنظيمات " التكفير والهجرة " و" الجهاد " و" الجماعة الإسلامية" و" الناجون من النار" و" الجماعة السلفية للدعوة والقتال" و" الجماعة الإسلامية المسلحة" و" داعش " و" القاعدة " و"أنصار الله " و" بوكو حرام " وغيرها من التنظيمات الإرهابية عن وججها الحقيقي عندما مارست أقصى درجات العنف. أو بعبارة أصح كشفت هذه التنظيمات الدينية والتي هي في الأصل تنظيمات خرجت من رحم جماعات كانت تمارس " الدعوة والتبليغ " والتي تميزت بالغلو في الدين بسبب تبنى إيديولوجية شمولية وفكر ديني متطرف، أقول كشفت عن وجهها الحقيقي في الإنتقال بسرعة من الكلام إلى الفعل ومن النظرية إلى التطبيق، وقفزت من مرحلة الدعوة إلى مرحلة أعلى وهي ممارسة الإرهاب الأعشى والعنف المُفرط والمُنفلت من كل عقال، المثال البارز ما حدث في الجزائر مع توقيف المسار الانتخابي في عام 1992 والذي فازت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حيث تسببت الجماعات الإسلامية المسلحة في قتل ربع مليون جزائري و30 ألف مفقود وخسائر قُدرت ب وقتها بعشرات المليارت من الدولارات، والأخطر من ذلك أن الجزائر تراجعت عشرات السنين إلى الوراء.

أما المثال الثاني فقد حدث في أرض الكنانة، كبرى الدول العربية وصاحبة التاريخ الحضاري الفرعوني والعربي / الإسلامي العريض والإنتاج الثقافي الضخم، والرائدة عربيا وإفريقيا وشرق أوسطيا في مجالات الفنون والآداب والفكر، فقد اندلعت فيها الموجة الإرهابية الثالثة في تسعينيات القرن الماضي، بإغتيال المفكر والكاتب الليبرالي فرج فودة عام 1992 ومحاولة قتل الأديب نجيب محفوظ عام 1994و قد بلغ العمل الإرهابي الذروة في الحادثة الإرهابية الأكبر في الأقصر في 17 نوفمبر عام 1997 والتي راح ثمانية وخمسون 58 سائحا أجنبيا وتبنتها الجماعة الإسلامية في مصر، وفي العراق وبعد سقوط نظام حكم استبدادي طويل، استعرت نار الإرهاب والعنف والفوضى عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وفي سوريا ارتكب الإسلاميون خطأ فادحا عندما قاموا بعسكرة ربيع دمشق، بهدف إسقاط النظام الاستبدادي، فكان أن جاءها الجهاديون من كل حدب وصوب رافعين شعار " أنا أقتل إذن أنا موجود "، وغني عن البيان القول بأن الدولة التسلطية في العالم العربي، كانت هي البيئة الحاضنة والأرض الخصبة لنمو وانتشار جماعات الهوس الديني وتضخم ورم سرطاني اسمه الأصولية الدينية.

وتجدر الإشارة أنه وبسبب الفقر السياسي المدقع الذي يعاني منه كافة التيارات السياسية الدينية، كانت للإسلام السياسي النسبة الأكبر في عودة الإستعمار للمنطقة العربية، وكأن التاريخ العربي تحكمه جدلية الطغاة (الإستبداد) الذي ينتج التطرف الديني (الغلاة) والتطرف الديني يستدعي الإستعمار (الغزاة) وصدق من قال أن الطغاة أفرزوا لنا الغلاة، والغلاة جلبوا لنا الغزاة ! ومما لا شك فيه أن من يقوم بعملية جرد على نشاطات جماعات الإسلام السياسي في الأربعين سنة الأخيرة سيجد نفسه أمام واقع مرير غير قابل للتغافل عنه، هو أن نشاطات التطرف الديني أحدثت جروحَا غائرة في جسم الأمة العربية / الإسلامية على المستوى الاجتماعي حيث تم أسلمة العلاقات الإجتماعية وخاصة تجاه المرأة وعلى المستوى السياسي تم تديّين الحياة السياسة وتسيّيس الشؤون الدينية وعلى المستوى الاقتصادي تم تأسيس شركات توظيف الأموال أو ما يسمى بالبنوك الإسلامية، كما تم تحريم فوائد البنوك، والأخطر ما تم على الصعيد الثقافي، حيث سادت وبقوة الثقافة الفقهية والفكر الديني المتزمت وهيمنت التصورات الغيبية وتكرسَّت الرؤية الدينية للعالم - la vision du monde - والكثير منا يتذكر قائمة المحرمات الطويلة التي نشرها الإسلاميون في بداية ثمناينيات القرن الماضي، والتي تبدأ من تحريم الفنون بأنواعها وتجريم الأدب بكل أجناسه وتبديع الفلسفة بكل تياراتها واتجاهاتها وشيطنة العلوم الإنسانية وبكل تخصصاتها. ولا ننسى كذلك التطرف والإيديولوجيا المتطرفة أصابت في مقتل السّلم المدني والنسيج الاجتماعي، ومن الواضح كذلك أنها زعزعت الإستقرار الاجتماعي، وفككّت الاندماج الوطني وهددت بالفعل وبالقوة الوحدة الوطنية، ولا نعتقد أن هناك تيار سياسي / إيديولوجي منذ بداية تشكل الأحزاب السياسية والتيارات الإيديولوجية، سواء التيارات الليبرالية واليسارية في العالم العربي قد هدّد السَّلم المدني والإستقرار الإحتماعي كما فعلت حركات الإسلام السياسي، كما لم نسمع أن هناك مثقف ليبرالي أو مناضل يساري قد أطلق رصاصة واحدة، أو رمى قنبلة أو أمسك سكينا، كما فعلت الحركات السياسية الإسلامية التي أطلقت الرصاص والقنابل والمتفجرات وأمسكت بالسكاكين.

واللافت للإنتباه، أن بعض الجماعات الدينية المعتدلة في خطابها السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين - أو ما يبدو أنه خطاب معتدل - عندما وصلت للسلطة وتقلد أعضاؤها مناصب في برلمانات وحكومات الدولة الوطنية في بعض الدول العربية، وشاركت في الحياة السياسية، بل وتغلغلت في مؤسسات الدولة وتأتى لبعضهم تقلد مناصب وزارية وتشكيل حكومات، كانت النتيجة كارثية على كل المستويات وعلى جميع الأصعدة.

***

مصطفى دحماني

أستاذ الفلسفة والفكر العربي/ الإسلامي/ كلية العلوم الإنسانية/ جامعة بشار / الجزائر

في تقديري، ليست المشكلة الحقيقية في الديمقراطية نفسها بقدر ما هي في البيئة التي تزرع فيها، وفي الطريقة التي تقدم بها إلى الناس. فالكثير من المجتمعات التي لم تعرف الديمقراطية إلا كشعار سياسي، أو كتجربة مشوهة مرتبطة بالفوضى والانقسامات والانقلابات، تنظر إليها بوصفها خدعة كبرى أو مؤامرة ثقافية أكثر من كونها نظاما سياسيا قابلا للحياة. يبدأ الخلل الحقيقي لأن الناس لا تحاكم الديمقراطية من خلال معناها الفلسفي والمؤسسي، بل من خلال النسخ الفاشلة التي مرت أمام أعينهم، أو من خلال الخطابات الشعبوية التي جعلت منها سببا لكل أزمة.

من السهل جدا في مجتمعات مأزومة اقتصاديا واجتماعيا أن يتحول الغضب الشعبي إلى عداء تجاه الديمقراطية. المواطن الذي يعيش الفقر والبطالة وانهيار الخدمات لا يهتم كثيرا بالنظريات السياسية، بل يبحث عن سلطة قادرة على منحه الأمان والخبز والاستقرار. ولذلك تصبح الديمقراطية، في وعيه المباشر، مرتبطة بالوعود الكاذبة، والانتخابات العقيمة، والصراعات الحزبية التي لا تنتج سوى مزيد من الانقسام. في المقابل، يظهر الاستبداد أحيانا بصورة النظام الحاسم الذي يفرض السيطرة ويمنع الفوضى، حتى وإن كان ذلك على حساب الحريات وكرامة الإنسان. هذه المفارقة ليست جديدة في التاريخ السياسي، لكنها تتكرر بشكل واضح في مجتمعات العربية والأفريقية تحديدا، حيث لم تتشكل الدولة الحديثة على أساس عقد اجتماعي حقيقي، بل على إرث طويل من القبيلة والطائفة والعسكر والنخب المغلقة. الديمقراطية في هذه البيئات لا تجد مؤسسات قوية تحميها، ولا ثقافة سياسية تؤمن بها، ولا طبقة وسطى مستقرة تدافع عنها، فتتحول بسهولة إلى واجهة شكلية تستخدم للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب عليها.

المشكلة أيضا أن كثيرا من الناس يتعاملون مع الديمقراطية باعتبارها وصفة سحرية قادرة على إنهاء الفساد والفقر بمجرد إجراء انتخابات. وعندما لا يحدث ذلك بسرعة، يبدأ الإحباط، ثم تتحول خيبة الأمل إلى كراهية للنظام الديمقراطي كله. يتم تجاهل حقيقة مهمة جدا، وهي أن الديمقراطية ليست ماكينة لإنتاج الرفاه الفوري، بل مسار طويل ومعقد يحتاج إلى تراكم مؤسسي وثقافي وأخلاقي. الديمقراطية لا تنجح لأن صندوق الاقتراع موجود فقط، بل لأنها ترتكز على منظومة كاملة من القوانين والرقابة والفصل بين السلطات والإعلام الحر والتعليم السياسي.

في مجتمعات لم تتعلم بعد معنى المواطنة، تصبح الانتخابات أحيانا مجرد إحصاء للطوائف والقبائل والانتماءات الضيقة. يصوت الناس لهوياتهم لا لبرامجهم، ويختارون من يشبههم لا من يخدمهم. وهنا تتحول الديمقراطية إلى إعادة إنتاج للأزمات نفسها بوسائل مختلفة. لا يعود البرلمان مساحة للنقاش الوطني، بل ساحة لتوزيع الغنائم والنفوذ. وعندما تفشل هذه التجربة المشوهة، يخرج كثيرون ليقولوا إن الديمقراطية لا تصلح لنا، بينما الحقيقة أن ما فشل ليس الديمقراطية، بل البنية الاجتماعية والسياسية التي التهمتها من الداخل.

الاستبداد من جهته يعرف جيدا كيف يستثمر هذا الفشل. الأنظمة السلطوية لا تكتفي بقمع خصومها، بل تعمل أيضا على تشويه فكرة الحرية ذاتها. يتم تصوير الديمقراطية على أنها فوضى أخلاقية، أو مشروع غربي لتفكيك الهوية، أو بوابة للحروب الأهلية والانهيار. ومع الوقت، تتشكل لدى الناس قناعة نفسية بأن القمع أقل خطرا من الحرية، وأن الخوف أكثر أمانا من الاختلاف. وهنا تكمن أخطر نتائج الاستبداد؛ أنه لا يكتفي بالسيطرة على السلطة، بل يسيطر أيضا على خيال الناس السياسي، ويجعلهم عاجزين عن تصور حياة طبيعية خارج منطق الحاكم المنقذ.

في رأيي، أحد أكبر الأخطاء التي وقعت فيها مجتمعاتنا هو ربط الديمقراطية بالغرب فقط، وكأنها منتج أوروبي خالص لا يمكن أن يعيش خارج بيئته الأصلية. هذا التبسيط يتجاهل أن فكرة المشاركة السياسية والمحاسبة وحق الناس في اختيار حكامهم ليست ملكا لحضارة بعينها. صحيح أن التجربة الغربية طورت النماذج الديمقراطية الحديثة، لكنها لم تصل إليها بسهولة أو بسرعة. أوروبا نفسها عاشت قرونا من الحروب الدينية والاستبداد والملوك المطلقين والانقلابات الدموية قبل أن تصل إلى شكلها الحالي. الديمقراطية هناك لم تنزل من السماء، بل جاءت نتيجة صراعات طويلة وتضحيات قاسية وتراكم تاريخي معقد.لكن بعض مجتمعاتنا تريد أن تقفز فوق كل هذا التاريخ، ثم تصاب بالصدمة عندما تفشل التجربة خلال سنوات قليلة. والأسوأ من ذلك أن النخب السياسية نفسها كثيرا ما تتعامل مع الديمقراطية بوصفها مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، لا كقيمة أخلاقية ومؤسسية. لذلك نرى أحزابا تتحدث عن الحرية وهي تمارس الإقصاء، وتتحدث عن الشعب وهي تعيد إنتاج الزعامات التقليدية نفسها. وهكذا يصبح الخطاب الديمقراطي فارغا من مضمونه الحقيقي.

هناك أيضا أزمة عميقة تتعلق بثقافة النقد الذاتي. فالكثير من المجتمعات التي تعاني من الاستبداد تميل دائما إلى تحميل الخارج مسؤولية أزماتها. الغرب، المؤامرة، الاستعمار، النخب، المعارضة، الآخر المختلف، كلها شماعات جاهزة لتفسير الفشل. أما مواجهة الذات والاعتراف بالمشكلات البنيوية الداخلية، فغالبا ما يتم الهروب منها. ولهذا تستمر الحلقة المفرغة: استبداد ينتج التخلف، وتخلف يستخدم لتبرير الاستبداد. ما يثير الانتباه حقا هو أن بعض المجتمعات التي تعيش مستويات مرتفعة من القمع والعنف والطائفية تتحدث أحيانا بتعال أخلاقي تجاه المجتمعات الديمقراطية. يتم تقديم الحرية هناك بوصفها انحلالا، والتعددية بوصفها ضعفا، وحقوق الإنسان بوصفها ترفا غربيا. وفي المقابل، يتم تمجيد الصبر على القهر باعتباره فضيلة، وكأن الجوع والذل والرقابة والقمع علامات على النقاء الأخلاقي. هذا النوع من الخطاب لا ينتج وعيا سياسيا، بل يعمق ثقافة الهزيمة والتبرير.

الديمقراطية ليست مدينة فاضلة، ولا نظاما كاملا بلا عيوب. داخل الديمقراطيات توجد أزمات اقتصادية وعنصرية وشعبوية وفساد وتفاوت طبقي حاد. لكن الفرق الجوهري أن هذه الأنظمة تمتلك آليات تسمح بتصحيح أخطائها، بينما الأنظمة الاستبدادية غالبا ما تغلق كل أبواب المراجعة والمحاسبة. في الديمقراطية يمكن إسقاط الحكومة عبر الانتخابات، ويمكن للصحافة أن تنتقد السلطة، ويمكن للقضاء أن يحاسب المسؤولين. أما في الاستبداد، فإن الخطأ يتحول إلى قدر دائم لأن السلطة نفسها فوق النقد. لهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: هل الديمقراطية فاشلة؟ بل: لماذا نفشل نحن في بناء شروطها؟ لأن الديمقراطية لا تعيش في بيئة تخاف من الاختلاف، ولا في مجتمع يقدس الزعيم أكثر من القانون، ولا في دولة تعتبر المواطن مجرد تابع لا شريكا. نجاح الديمقراطية يبدأ من المدرسة، ومن الإعلام، ومن استقلال القضاء، ومن احترام الإنسان كفرد يمتلك حق التفكير والاختيار، لا كرقم داخل قطيع سياسي أو طائفي.

 لا أرى أن مجتمعاتنا ترفض الديمقراطية لأنها سيئة بالضرورة، بل لأنها لم تعرفها في صورتها الحقيقية. ما عرفته غالبا كان نسخا مبتورة ومشوهة، أو تجارب محاصرة بالعسكر والفساد والانقسامات. لذلك يصبح من السهل على الناس أن يفقدوا الثقة بها، وأن يحنوا إلى نموذج الحاكم القوي الذي يعدهم بالخلاص السريع. لكن التاريخ يعلمنا أن الاستبداد قد يمنح شعورا مؤقتا بالاستقرار، إلا أنه يترك في النهاية مجتمعات خائفة، هشة، وعاجزة عن إنتاج مستقبل مختلف.

إن الاعتراف بالحاجة إلى الديمقراطية لا يعني عبادة الغرب، ولا التخلي عن الخصوصيات الثقافية، بل يعني ببساطة الإيمان بأن الإنسان يستحق أن يعيش حرا، وأن السلطة يجب أن تحاسب، وأن الأوطان لا تبنى بالخوف وحده. الديمقراطية ليست ترفا فكريا كما يصورها البعض، بل محاولة مستمرة لمنع السلطة من التحول إلى وحش دائم. وربما لهذا السبب تحديدا يخافها الطغاة، ويعملون دائما على تشويهها قبل أن يمنحوا الناس فرصة حقيقية لتجربتها.

***

زكريا نمر

مقدمة: يشكل الفن، في جوهره، لحظة التقاء فريدة بين ما هو ذاتي وما هو وجودي. فالإحساس الذاتي بالجمال ينبع من تجربة شخصية حميمة، مرتبطة بالحواس والعواطف والذكريات، بينما يسعى التعبير الفني عن حقيقة الوجود إلى كشف أعماق الواقع الإنساني، بكل تناقضاته وغموضه ومطلقيته. الأثر الفني الناتج عن هذا الالتقاء ليس مجرد إثارة عاطفية مؤقتة، بل هو تحول وجودي يعيد تشكيل وعي المتلقي بذاته وبعالمه. في هذه الدراسة، سنستكشف كيف يتفاعل الإحساس الذاتي بالجمال مع السعي نحو التعبير عن حقيقة الوجود، وكيف يولد هذا التفاعل أثراً فنياً يتجاوز الحدود بين الشخصي والكوني. سنتناول الأبعاد الفلسفية والنفسية والإبداعية لهذا التوتر الخصب، مع التركيز على آلياته ومظاهره في مختلف أشكال التعبير الفني.

الإحساس الذاتي بالجمال: الأساس الحسي والعاطفي

الإحساس بالجمال هو تجربة أولية، تسبق التحليل العقلي. إنه يبدأ من الجسد: الارتعاش أمام لون غروب الشمس، أو الانسياب مع إيقاع موسيقي، أو الدهشة أمام تناسق شكل. هذا الإحساس ذاتي بطبيعته لأنه مرتبط بتجربة الفرد الفريدة؛ فما يُعتبر جميلاً لشخص قد يكون عادياً أو حتى مزعجاً لآخر. يعتمد على الذاكرة الشخصية، الثقافة، والحالة النفسية اللحظية. في هذا السياق، يعمل الجمال كجسر بين الذات والعالم الخارجي. عندما يشعر الفرد بالبهجة أمام لوحة، فإنه لا يرى اللوحة فقط، بل يرى نفسه من خلالها. الجمال هنا ليس صفة موضوعية ثابتة، بل علاقة ديناميكية. إنه يوقظ الحواس، يحرك العواطف، ويفتح مساحات داخلية كانت مغلقة. ومع ذلك، فإن هذا الإحساس الذاتي قد يبقى سطحياً إذا لم يرتبط ببعد أعمق، ألا وهو البحث عن معنى الوجود.

مثال اول تحليل نظرية كانط في الحكم الجمالي

مكانة «نقد الحكم» في فلسفة كانط

تُمثل نظرية إيمانويل كانط في الحكم الجمالي الجزء الثالث والأخير من مشروعه النقدي، الذي قدمه في كتاب نقد ملكة الحكم ( 1790). يحاول كانط بهذا النقد أن يبني جسراً بين عالم الطبيعة (نقد العقل الخالص) وعالم الحرية (نقد العقل العملي). فالحكم الجمالي ليس مجرد ذوق شخصي، بل هو قدرة حكمية خاصة تتوسّط بين المعرفة النظرية والأخلاق. ينقسم تحليل كانط للحكم الجمالي إلى قسمين رئيسيين: تحليل الجميل وتحليل الرفيع. سنركز هنا على الجميل مع الإشارة إلى الرفيع حيث يلزم.

1. خصائص الحكم الجمالي الأربعة (اللحظات الأربع)

يُقدم كانط أربع «لحظات» تحدد طبيعة حكم الذوق:

اللحظة الأولى: اللامبالاة أو عدم الاهتمام

الحكم الجمالي «خالٍ من الاهتمام». أي أنه لا يعتمد على وجود الشيء أو امتلاكه أو رغبتنا فيه. ليس حكماً معرفياً (لا يقول شيئاً عن مفهوم الشيء). ليس حكماً أخلاقياً أو عملياً (لا يتعلق بالخير أو النفع).

مثال: عندما نرى وردة، لا نحكم عليها جميلة لأننا نريد قطفها أو نعرف تصنيفها النباتي، بل للمتعة الخالصة التي تثيرها في الذات. هذه اللامبالاة هي ما يميز الجمال عن المتعة الحسية (اللذة) أو الخير الأخلاقي.

اللحظة الثانية: الكونية بدون مفهوم

رغم ذاتيته، يدّعي حكم الذوق كونية. عندما نقول «هذا جميل»، فإننا نفترض أن الآخرين يجب أن يتفقوا معنا، ليس بناءً على برهان أو مفهوم مشترك، بل بناءً على «حس مشترك». هذا التناقض الظاهري (ذاتي وكوني في آن) هو سر نظرية كانط: الحكم جمالي لأنه يصدر عن الذات، لكنه يطالب بالموافقة العامة لأنه يستند إلى بنية مشتركة في العقل البشري.

اللحظة الثالثة: الغائية بدون غاية

الجميل يبدو وكأنه مصمم لغاية، لكنه لا يخدم غاية خارجية محددة. الشكل يوحي بالانسجام والتناسب الداخلي، كأنه «كأنه» مصنوع لإرضاء قدراتنا المعرفية.

مثال: زهرة أو بلورة؛ تبدو منظمة بشكل مثالي دون أن تكون مصممة فعلياً لغاية نفعية.

هذه الغائية الشكلية هي ما يثير «اللعب الحر» بين الخيال والذهن).

اللحظة الرابعة: الضرورة بدون مفهوم

الحكم الجمالي ضروري، بمعنى أنه يفرض نفسه كما لو كان شرطاً لكل ذوق متعلم. هذه الضرورة «نموذجية»، أي أن الجميل يصبح مثالاً يجب على الآخرين الاقتداء به، لكنه لا يستند إلى قاعدة مفهومية

2. اللعب الحر بين الخيال والذهن

هذا هو قلب النظرية. في الحكم المعرفي العادي، يخضع الخيال للفهم (يُقدم الخيال صورة ليطبق عليها الفهم مفهوماً). أما في التجربة الجمالية، فيحدث لعب حر بينهما: الخيال يُنتج صوراً متعددة ومتناسقة دون أن يُقيد بمفهوم. الذهن يستجيب بانسجام دون أن يفرض مفهوماً. هذا الانسجام يولّد متعة خالصة، لأنه يشعرنا بوحدة قدراتنا المعرفية وانسجامها مع العالم.

3. التمييز بين الجميل والرفيع

الجميل: يتعلق بالشكل المحدود، الانسجام، والمتعة الإيجابية. يهدئ النفس ويجعلها تشعر بالانسجام.

الرفيع: يتعلق باللانهائي، القوة، أو الضخامة التي تفوق قدرة الخيال (مثل المحيط الهائج أو السماء المرصعة بالنجوم). يثير شعوراً مختلطاً بالألم (إحساس بالعجز) والمتعة (إحساس بسمو العقل الأخلاقي فوق الطبيعة).

الرفيع يربط الجمالي أكثر بالأخلاقي، حيث يُظهر تفوق الإنسان ككائن عاقل على قوى الطبيعة.

4. الحس المشترك والذات الكونية

يفترض كانط وجود «حس مشترك» يسمح لنا بتجاوز الذاتية المحضة. عند الحكم الجمالي، نضع أنفسنا في موضع «الآخر» ونحكم «بلا أنانية». هذا يجعل الذوق جزءاً من عملية تهذيب الإنسانية وانتقالها من الطبيعة إلى الحضارة.

أهمية النظرية:

فصل الجمالي عن النافع والأخلاقي والمعرفي، مما أسس لاستقلالية الفن الحديث.

ربط الجمال بالذاتية العميقة (الترانسندنتالية) وليس بالمجرد الذوق الشخصي.

أثرت على الرومانتيكيين، هيغل، شيلر، وفي القرن العشرين على كاسيرر وأدلر وغيرهم.

الانتقادات الرئيسية:

اللامبالاة المطلقة تبدو مثالية جداً؛ فالتجربة الجمالية غالباً ما تكون مشبعة بالرغبة والسياق الثقافي (نيتشه، فرويد).

الكونية المزعومة تتجاهل الاختلافات الثقافية والتاريخية (نقد ما بعد الحداثة).

التركيز على الشكل على حساب المضمون (انتقاد ماركسي واجتماعي).

صعوبة تطبيقها على الفن الحديث غير التمثيلي أو المفاهيمي.

نظرية كانط في الحكم الجمالي ليست مجرد فلسفة للفن، بل هي فلسفة للوجود الإنساني. إنها تكشف كيف يستطيع الإنسان، من خلال تجربة الجمال، أن يشعر بالانسجام بين ذاته وبين العالم دون أن يخضع لهذا العالم أو يسيطر عليه. الحكم الجمالي هو لحظة حرية خالصة، حيث تتجاوز الذات فرديتها الضيقة وتشارك في عالمية إنسانية أعمق. بهذا المعنى، يظل كانط معلماً أساسياً لكل من يفكر في علاقة الفن بالحقيقة، والذات بالكون، والإحساس بالوجود.

حقيقة الوجود: البعد الوجودي في الفن

حقيقة الوجود ليست واقعاً ثابتاً يُدرك بالعقل المجرد، بل هي كشف مستمر للتناقضات الإنسانية: الوحدة والتواصل، الحرية والقيود، الموت والحياة، المعنى والعبث. يسعى الفنان إلى التعبير عن هذه الحقيقة ليس بالوصف المباشر، بل من خلال الرمز والإيحاء والتشكيل. الفن هنا يكشف ما يخفيه الواقع اليومي: القلق الوجودي، الغربة، والرغبة في الاتصال بالمطلق. عندما يرسم فنان وجه امرأة مثلاً، قد لا يكون هدفه التقاط ملامحها الخارجية فقط، بل كشف الزمن الذي ينخر فيها، أو الوحدة التي تكمن خلف عينيها. هذا التعبير يتجاوز الجمال الخارجي ليصل إلى جوهر الإنسان ككائن يعي فناءه. الفن الوجودي يجعل المتلقي يواجه نفسه: هل أنا موجود حقاً، أم أنا مجرد دور ألعبه في مسرح الحياة؟

مثال ثان أصل العمل الفني عند مارتن هيدجر

أصل العمل الفني عند مارتن هيدجر

السؤال عن الأصل والماهية

في مقالته الشهيرة أصل العمل الفني (1935 - -1937، مع إضافات لاحقة)، يطرح مارتن هيدجر سؤالاً جذرياً يتجاوز الجماليات التقليدية: ما هو أصل العمل الفني؟ لا يقصد هيدجر بالأصل السبب التاريخي أو الفنان كمسبب، بل ذلك الذي يجعل العمل فنياً، أي كينونته كعمل. يرفض هيدجر الدوران الهيرمينوطيقي التقليدي (الفنان يصنع العمل، والعمل يصنع الفنان)، ليصل إلى أن الأصل الحقيقي هو الفن نفسه كحدث كشف للحقيقة. الفن ليس تعبيراً عن الذات، ولا تقليداً للواقع، ولا مجرد إثارة جمالية، بل هو وضع الحقيقة في العمل. الحقيقة هنا ليست مطابقة (adaequatio)، بل أليتيا (alētheia): انكشاف وإخفاء في آن واحد.

نقد مفهوم «الشيء» وتمييز العمل الفني

يبدأ هيدجر بتحليل طبيعة «الشيء» لأن العمل الفني له طابع شيئي. ينتقد التصورات التقليدية الثلاثة للشيء:

الشيء كحامل للخصائص (مثل المادية الأرسطية).

الشيء كوحدة في تعدد الحواس.

الشيء كمادة مشكلة (هيولى وصورة).

هذه التصورات، خاصة الثالثة، مشتقة من فهم «الأداة» ، ولا تناسب العمل الفني. ليوضح ذلك، يستخدم هيدجر مثال لوحة فان غوخ الشهيرة زوج من الأحذية. في اللوحة، لا نرى مجرد حذاءين كشيء مادي أو أداة نافعة، بل تنكشف كينونة الأداة:

الموثوقية. يظهر الحذاء عالمه: عالم الفلاحة، التعب، التربة الرطبة، الرياح القاسية، القلق الوجودي، والاعتماد على الأرض. «في العمل الفني، تنكشف كينونة الكائنات».

هكذا يميز هيدجر بين: الشيء: مجرد مادي. الأداة: جاهزة للاستخدام. العمل الفني: يجعل كينونة الكائنات تقف في انكشافها.

الأرض والعالم والصراع: هذا هو قلب نظرية هيدجر. العمل الفني يقيم عالماً ويُبرز أرضاً في صراع أساسي: العالم: الشبكة المعنوية المفتوحة، السياق التاريخي-وجودي الذي يعيش فيه الدازاين. هو الدلالات والعلاقات والمصير التاريخي لشعب أو مجتمع. العالم «يفتح» ويضيء.

الأرض: المادة الخصبة التي تظل مغلقة، الاحتجاب نفسه، الدعم الذي لا ينفد والذي يقاوم الاستيلاء الكامل. الأرض «تظهر بوصفها المتكتم».

العمل الفني يقيم الصراع بينهما. ليس صراعاً سلبياً، بل صراع إيجابي يجعل كلاً منهما يبرز في طبيعته الحقيقية. العمل يفتح عالماً (يجعله يحدث) ويترك الأرض تظهر كما هي (مغلقة وداعمة). مثال المعبد اليوناني: لا يمثل المعبد الآلهة فقط، بل يجعل العالم اليوناني يقف: النور، الظلام، المصير، الدولة، الاحتفال. في الوقت نفسه، تبرز الأرض كصخرة المعبد، كالأرض التي تدعم وتخفي.

هذا الصراع هو حدث الحقيقة: الانكشاف الذي يتضمن دوماً إخفاءً. العمل الفني «يضع الحقيقة في العمل» بجعله هذا الصراع يحدث ويستمر.

التمييز بين الخلق والحفظ:

الخلق: ليس إنتاجاً تقنياً، بل إطلاق للصراع، جعل الحقيقة تقف في الشكل. الفنان يتراجع أمام العمل، فالعمل يصبح مستقلاً.

الحفظ: المتلقي الحقيقي (المحافظون) ليس من يستمتع جمالياً، بل من يقف داخل الحدث الذي يفتحه العمل، يدخل في صراعه، ويسمح له بالاستمرار تاريخياً.

الفن «شعري» في ماهيه، حتى في التشكيلي، لأنه يؤسس عالماً جديداً.

أهمية النظرية وعلاقتها بفلسفة هيدجر الأوسع

ترتبط هذه المقالة ارتباطاً وثيقاً بـالكينونة والزمان ومقال عن جوهر الحقيقة. الفن طريق للتغلب على نسيان الكينونة في العصر التقني. في عصر الاطار «التقني» ، حيث يُعامل كل شيء كمورد، يذكرنا الفن بإمكانية انكشاف آخر للكينونة. هيدجر يتجاوز الجماليات الحديثة (التي تركز على الذات والمتعة) ويعيد الفن إلى أبعاده الأنطولوجية والتاريخية. الفن حدث تاريخي يؤسس عصر كينونة جديداً (مثل الفن اليوناني، أو القوطي).

التحديات والانتقادات:

الغموض: مفهوما «الأرض» و«العالم» شعريان أكثر من فلسفيين.

النخبوية: التركيز على «العمل العظيم» والمحافظين.

السياق السياسي: كُتبت في فترة قريبة من تورط هيدجر مع النازية، مما أثار تساؤلات حول «الأرض» والشعب.

التطبيق على الفن المعاصر: هل تناسب نظريته الفنون غير التمثيلية أو المفاهيمية؟

رغم ذلك، ظلت المقالة مؤثرة جداً في فلسفة الفن، والهرمنيوطيقا، والفنون المعاصرة، ونقد التقنية.

عند هيدجر، أصل العمل الفني ليس في الفنان ولا في المتلقي، بل في الفن كحدث كشف: الحقيقة تضع نفسها في العمل من خلال صراع الأرض والعالم. العمل الفني ليس شيئاً جميلاً ننظر إليه، بل مكان يحدث فيه الوجود نفسه، ويذكرنا بكينونتنا ككائنات مفتوحة على الإخفاء والانكشاف. في زمن يسيطر فيه «الإطار التقني»، يظل الفن — بحسب هيدجر — إمكانية لإعادة التفكير في الكينونة، وفتح عالم آخر. إنه ليس ترفيهاً، بل فعلاً وجودياً أصيلاً.

التفاعل بين الذاتي والوجودي: توليد الأثر الفني

يكمن الأثر الفني الحقيقي في التوتر الدائم بين الإحساس الذاتي بالجمال والسعي نحو حقيقة الوجود. عندما ينجح الفنان في دمج الاثنين، يحدث تحول: الجمال الذاتي يصبح بوابة نحو الكشف الوجودي، والحقيقة الوجودية تكتسب قدرة على التأثير العاطفي من خلال الجمال. خذ على سبيل المثال تجربة الاستماع إلى قطعة موسيقية حزينة. الإحساس الذاتي بالجمال يأتي من الانسياب الصوتي، التناغم، والإيقاع الذي يلامس الروح. لكن هذا الجمال يفتح الباب أمام إدراك أعمق: إحساس بالفقدان، أو بالزمن الذي يمضي، أو بالوحدة الكونية. هكذا يتحول الاستماع من متعة حسية إلى تأمل وجودي. المتلقي لا يخرج من التجربة كما دخلها؛ بل يعود إلى ذاته أكثر وعياً بطبيعته الوجودية. في الرسم، يستخدم الفنان تقنيات الضوء والظل، الألوان الدافئة أو الباردة، ليخلق جمالاً بصرياً يجذب العين. لكن داخل هذا الجمال تكمن طبقات: تشققات في الجدار تعبر عن هشاشة الوجود، أو نظرة في عيون شخصية تعكس القلق الإنساني. الأثر هنا مزدوج: يرضي الحاجة الذاتية للانسجام والمتعة، وفي الوقت نفسه يهز اليقين الوجودي للمتلقي. أما في الأدب، فالرواية أو القصيدة تبني عالماً جميلاً من الكلمات — إيقاعاً لغوياً، صوراً شعرية — يجذب القارئ عاطفياً. ثم تكشف تدريجياً عن فراغات الوجود: عبثية القرارات، غرابة العلاقات، أو جمال الموت كتحرر. هكذا يصبح القارئ مشاركاً في بناء المعنى، حيث يلتقي إحساسه الشخصي بالجمال مع وعيه بحقيقة وجوده.

آليات توليد الأثر: الرمز، الإيحاء، والمشاركة

يعتمد الأثر الفني على ثلاث آليات أساسية:

أولاً، الرمز: فالرمز يجمع بين الجمال الحسي (شكله الجذاب) والدلالة الوجودية (معناه العميق). وردة ليست مجرد زهرة جميلة، بل رمز للعابر والفاني.

ثانياً، الإيحاء: الفن لا يقول كل شيء، بل يوحي. هذا الغموض يدفع المتلقي إلى ملء الفراغات بتجربته الذاتية، مما يعمق الارتباط بين إحساسه بالجمال وحقيقة وجوده.

ثالثاً، المشاركة الوجدانية: عندما يتأثر المتلقي، يصبح جزءاً من العمل الفني. إحساسه الذاتي بالجمال يندمج مع الحقيقة التي يكشفها العمل، فيولد أثراً يتجاوز الزمن والمكان.

ليس كل فن ينجح في تحقيق هذا التوازن. قد يغرق بعض الفنانين في الذاتية المطلقة، فيصبح العمل مجرد انفعال شخصي لا يتجاوز صاحبه. وقد يميل آخرون إلى الجدل الفلسفي المباشر، فيفقد العمل جاذبيته الجمالية ويصبح جافاً. التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على التوتر: أن يكون الجمال بوابة، لا غطاءً، للحقيقة. كذلك، يتأثر هذا التفاعل بالسياق الثقافي والتاريخي. في عصور اليقين الديني، كان الجمال يعبر عن النظام الكوني. أما في عصر الحداثة والما بعد حداثة، فيصبح التعبير عن التشظي والغربة، مع الحفاظ على لمسة جمالية تجعل هذا التشظي قابلاً للتحمل.

خاتمة

الأثر الفني الحقيقي هو ذلك الذي يحول الإحساس الذاتي بالجمال إلى أداة لكشف حقيقة الوجود، ويجعل حقيقة الوجود تجربة جمالية مؤثرة. إنه ليس مجرد إبداع، بل هو فعل وجودي يعيد الإنسان إلى وعيه بذاته ككائن يبحث عن المعنى وسط الفوضى. من خلال هذا الالتقاء، يصبح الفن مرآة ونافذة في آن واحد: مرآة تعكس أعماقنا الذاتية، ونافذة تطل على أسرار الكون. وفي هذا الالتقاء يكمن سحر الفن الأبدي، وقدرته على تجديد الإنسانية في كل عصر. هكذا، يبقى الفنان وسيطاً بين الذات والوجود، والمتلقي شريكاً في هذه الرحلة التي لا تنتهي، حيث يلتقي الجمال بالحقيقة ليولدا أثراً يعيد تشكيل واقعنا الإنساني. في عصرنا الرقمي، حيث تتدفق الصور والأصوات بسرعة مذهلة، يزداد أهمية هذا الأثر. الفن الذي يجمع بين الجمال الذاتي (الذي يجذب الانتباه فوراً) والتعبير الوجودي (الذي يبقى في الذاكرة) يقاوم سطحية العصر. سواء في السينما التي تجمع بين الصور الخلابة والقصص العميقة، أو في الفنون التشكيلية التي تستخدم التكنولوجيا لاستكشاف الهوية والواقع الافتراضي، يظل السؤال الأساسي: كيف نجعل الجمال يفتح أبواب الوجود؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في حياتنا المهنية والاجتماعية، قد نصادف أشخاصاً لا يوجهون لنا ضربة قاضية مباشرة، بل يستنزفون طاقتنا ببطءٍ شديد حتى نجد أنفسنا بعد فترة شخصيات لا نعرفها؛ فقد تبدلت ملامحنا عما كانت عليه. كنا نتمتع بالهدوء والاتزان والذكاء، نعمل بشغف وتفان وحب، ونستمتع ببهجة الحياة وسعادتها، مؤمنين بأن النجاح رحلة عطاء جميلة، لكن فجأة يبدأ شيء في داخلنا بالانطفاء والإنكفاء. يصبح التركيز أصعب، ونومنا أقل سكينة واضعف طمأنينة، وتزدحم أفكارنا بالتشتت والسرحان، حتى باتت التفاصيل الصغيرة قادرة على إضعافنا واستنزاف ما تبقى من ذواتنا وقتل ما يكمن فينا.

لا تكمن المشكلة دائماً في ضغوط العمل أو تراكم المسؤوليات وتعددها، بل في أولئك الذين يتسللون إلى أعماقنا دون استئذان، يقتاتون على إحباطنا وقلقنا، ويحولون حياتنا من مساحة للعمل والجهد والإبداع إلى ساحة للاستنزاف العاطفي والتوتر الدائم. هؤلاء لا يدخلون حياتنا بصخب، بل يبدؤون بهدوء عبر النقد المستمر، والتقليل من شأن عملنا وإنجازاتنا ونجاحاتنا، وبث الطاقة السلبية في محيطنا وفي داخل أعماق نفوسنا، أو التلاعب بمشاعرنا وإلقاء أعبائهم النفسية والمرضية على عاتقنا وكاهلنا. ومع الوقت، نجد أنفسنا نحمل في رؤوسنا ضجيجهم وصخب حياتهم واضطرابها، ونخوض معاركهم دون أن نكون طرف فيها، ونتبنى عقليتهم المقيتة القائمة على الخوف والارتباك والسلبية، مما يؤدي بنا إلى الإنهاك والضعف والتآكل النفسي.

الأخطر من ذلك أن الإنسان أحياناً يسمح لهذا النوع من الشخصيات باختراق حدوده الزمانية والمكانية والنفسية والعاطفية، فيمنحهم مساحة أعمق تأثيراً سلبياً مما يستحقون. يدخلون إلى قلبه ويقتحمون جوارحه وعواطفه، يتسللون إلى أحلامه، ويزعجونه بكوابيس مفزعة ومقلقة، ينالون من ثقته بنفسه فيضعفونها، حتى تتحول طموحاته إلى سراب، وراحته النفسية إلى قلق دائم، ونومه الهادئ إلى كوابيس وأحلام مفزعة. يبدأ الإنسان في فقدان نفسه تدريجياً، ليس لأنه ضعيف أو متهالك، بل لأنه استنزف عاطفياً بصورة متراكمة دون أن ينتبه. الحل لا يبدأ بمحاولة تغيير الناس، لأن بعض الشخصيات المتعبة والسامة لا تتغير بسهولة، بل يبدأ باستعادة السيطرة على الذات وعدم السماح للآخرين في إنهاكنا وتدمير ما يكمن في أفكارنا وقلوبنا.

أن تدرك أن صحتك النفسية ليست ساحة مفتوحة للجميع، وأن القرب من بعض الأشخاص قد يكون مكلفاً أكثر من تجاهلهم والابتعاد عنهم. هناك علاقات تحتاج إلى حدود واضحة وقيود وضوابط، وهناك أشخاص يجب أن تتعامل معهم بوعي وحزم لا بعاطفة، وبمسافة نفسية تحفظ اتزانك الداخلي وسلامك النفسي.

من الحلول العملية المجرَّبة أن تتوقف عن تبرير السلوك المؤذي للآخرين، وأن تكفَّ عن لعب دور المُنقذ الدائم للشخصيات المضطربة التي تُلقي بهمومها وإخفاقاتها عليك. لست مُطالباً بحمل أعباء الجميع فوق طاقتك، ولا بالسماح لهم باختراق مساحاتك الخاصة التي تمنحك السكينة. كما أن العودة للأنشطة التي تبعث فيك الحياة أمر بالغ الأهمية، كالرياضة، والقراءة، وبناء العلاقات الصحية، وصُحبة الأخيار، والتأمل الذاتي، والإتقان في العمل، وتطوير الذات، وحتى الجلوس مع مَن يمنحونك الطمأنينة بدلاً من التوتر. علاوة على ذلك، يُعدُّ تعزيز الحوار الإيجابي مع الذات من أهم وسائل التعافي من القلق المستدام والحزن الذي قد يقودك إلى الكآبة.

إن الإنسان الذي يكرر لنفسه يومياً أنه منهك وضعيف ومهزوم ومكتئب، سيعيش هذه الحالة حتى لو امتلك كل أسباب النجاح والتميز. بينما الشخص الذي يعيد بناء ثقته بنفسه وقوته النفسية والذهنية، ويسترجع توازنه، ويؤمن أن ما مر به مجرد مرحلة يمكن أن تنتهي وليست نهاية الطريق والمآل، يستطيع أن ينهض من جديد مهما بلغت شدة الاستنزاف والإنهاك. فالحياة ليست خالية من الضغوط والابتلاءات، مصداقاً لقول الله سبحانه وتعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2)، لكن الفرق الحقيقي يكمن فيمن نسمح لهم بالاقتراب من أعماقنا. فليس كل من اقترب منا يستحق الدخول إلى عالمنا الداخلي وحياتنا الشخصية. بعض الناس حضورهم راحة وطمأنينة وسلوى، وبعضهم الآخر فوضى وكآبة نفسية وقلق مفزع وإحباط يدخلنا في تيه ونسيان، والذكاء الحقيقي ليس فقط في معرفة الناس، بل في معرفة من يستحق أن يكون له حضور في حياتنا ويبقى قريباً من روحنا وقلوبنا، ومن يجب أن يبقى خارج حدودنا.

***

د. أكرم عثمان

13-5-2026

حين الحديث عن التعايش بين مكونات وتعبيرات المجتمع والوطن الواحد، فإننا حقيقة نتحدث عن قيمتين أساسيتين وهما قيمة الاختلاف وقيمة المساواة.. 

فينبغي أن نعترف بحقنا جميعا بالاختلاف، وهذا الاعتراف ينبغي أن لا يقود إلى التحاجز وبناء الكانتونات الاجتماعية المنعزلة عن بعضها، كما أنه ينبغي أن لا يقود إلى التعدي على الحقوق.. 

فالتعايش هو حصيلة بناء علاقة إيجابية بين حق الاختلاف وضرورة المساواة.. وأي خلل في هذه المعادلة، يضر بحقيقة التعايش في أي مجتمع ووطن.. 

ومفهوم التعايش بطبيعته ومضمونه، لا يلغي التنافس أو الخلافات بين المكونات والتعبيرات والأطياف، وإنما يحدد وسائلها، ويضبط متوالياتها..  فالتعايش لا يساوي السكون والرتابة، وإنما يثبت الوسائل الإيجابية والسلمية لعملية التنافس والاختلاف، ويرفض الوسائل العنفية بكل مستوياتها لفض النزاعات أو إدارة الاختلافات والتباينات.. 

كما أن مفهوم التعايش، لا يرذل الإختلافات والتباينات بكل مستوياتها، وإنما يعتبرها حالة طبيعية وجزء أساسي من الوجود الإنساني، ولكنه يرفض أن تتحول عناوين الاختلاف والتباين، وسيلة لإمتهان طرامة المختلف أو التعدي على حقوقه الخاصة والعامة. فالتعايش كمفهوم وممارسة، لا يشرع بأي نحو من الأنحاء، لأي طرف مهما كان الاختلاف والتباين، إلى التعدي على الحقوق أو تجاوز الأصول والثوابت في التعامل مع المختلف وفق ضوابط العدالة والمناقبية الأخلاقية.. لذلك يقول تبارك وتعالى في محكم كتابه [ ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ]..

لذلك فإن خلق معادلة متوازنة وحيوية بين مفهومي الاختلاف والمساواة، هو جذر التعايش وجوهره النوعي.. فالاختلاف لا يقود إلى الظلم والافتئات، بل يؤكد قيم العدالة والمساواة.

إذا تحققت هذه المعادلة، تحقق مفهوم التعايش في الفضاء الاجتماعي والوطني.. وبدون هذه القيم والحقائق لا ينجز مفهوم التعايش في أي مجتمع وفضاء إنساني.. 

ووفق هذه الرؤية فإن التعايش، لا يساوي أن يتنازل أحد عن ثوابته ومقدساته، وإنما يساوي الالتزام بكل مقتضيات الاحترام والعدالة لقناعات الطرف الآخر، بصرف النظر عن موقفك الحقيقي أو العقدي منها.. 

وهذه ليست حفلة تكاذب أو نفاق، كما يحلو للبعض أن يطلق عليها، بل هي جهد إنساني متواصل لتدوير الزوايا ومنع تأثير العوامل السلبية، التي توتر العلاقات بين المختلفين أو تعيدها إلى المربع الأول.. 

فالتعايش لا يقتضي الإنشقاق أو التفلت من الثوابت أو الأصول لدى الأطراف، وإنما يقتضي الإصرار على خيار التفاهم وتوسيع المشترك وإدارة نقاط التباين وموضوعات الاختلاف بعقلية حضارية، توفر للجميع حق التعبير عن قناعاتها ووجهة نظرها، بعيدا عن الإساءة إلى الطرف أو الأطراف الأخرى..

و عليه فإننا نعتقد بعمق أن خيار التعايش بين مختلف الأطياف والمكونات، التي يتشكل منها المجتمع والوطن الواحد، هو من ضرورات الدينية والأخلاقية والوطنية لأنه السبيل لضمان حقوق الجميع بدون تعدي وافتئات، كما أنه الإمكانية الوحيدة وفق كل الظروف والمعطيات لصيانة الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي والوطني.. ومن يبحث عن الحقائق الأخيرة بعيدا عن مفهوم التعايش ومقتضياته، فإنه يساهم في تأسيس بذور الكثير من الأزمات والكوارث الاجتماعية والسياسية.. فالمجتمعات المتعددة والتي تحتضن تنوعات عمودية وأفقية إذا صح التعبير، بحاجة إلى جهد لإدارة هذه التنوعات بعيدا عن إحن الماضي أو هواجس الخصوم.. 

فالاستقرار العميق في كل الأوطان والمجتمعات، هو وليد شرعي لحقائق التعايش ومتطلباته حينما تسود المجتمع بكل فئاته وشرائحه وأطيافه.. 

وعليه فإن صناع الوعي والمعرفة والكلمة في مجتمعنا، يتحملون مسئولية عظيمة في هذا الصدد.. فهم معنيون راهنا ومستقبلا، بصناعة المعرفة التي تؤكد خيار التعايش، وتعمق أواصر التفاهم بين م ختلف الأطياف.. وهذا لا يتأتى إلا باشتراكهم الفعال في محاربة كل الأفكار التي تزرع الشقاق والأحقاد بين أبناء المجتمع والوطن الواحد.. 

لهذا فإن خطابات التحريض والتشدد والغلو ضد المختلف في الدائرة الوطنية والاجتماعية، لا تبني تعايشا ولا تحافظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، لأنها وببساطة شديدة، تؤدي إلى خلق الحواجز النفسية والاجتماعية ضد المختلف، كما تساهم في إذكاء أوار التوتر والصدام..  لهذا فإن الحديث عن التعايش، أو بالأحرى تبني هذا المفهوم وهذه المقولة، يقتضي الوقوف بحزم ضد كل مقولات التعصب والغلو والتشدد ضد المختلف..لأن الآثار الخاصة والعامة المترتبة على نزعة التعصب والغلو ، كلها آثار مناقضة ومهددة لأسس وحقائق التعايش في الفضاء الاجتماعي.. 

لهذا فإن الصمت إزاء نهج التعصب والمقولات التحريضية، يعد مساهمة مباشرة وغير مباشرة في إفشال نهج التعايش  فالمجتمع والوطن..

وعليه فإننا نعتقد وبعمق أن التعايش وليد منظومة مفاهيمية واجتماعية وثقافية متكاملة.. وإن من يتبنى نهج التعايش عليه أن يضع منظومة فكرية واجتماعية متكاملة، حتى يكون سلوك ه وكل مواقفه منسجمة ومقتضيات التعايش، وحتى يتمكن من موقع الأنموذج والقدوة للتبشير بهذا الخيار، ودعوة أبناء المجتمع إلى تبني هذا النهج كنهج يحفظ حقوق الجميع، ويصون استقرارهم، ويحافظ على مكتسباتهم.. ومن الضروري أن ندرك جميعا أن نقص أو ضمور حقائق التعايش في أي مجتمع وتجربة وطنية، يساهم في تقويض مشروعات التنمية البشرية، ويزيد من الفجوات العمودية والأفقية بين مختلف التكوينات الاجتماعية مما يجعل الأرضية الوطنية مهيئة للكثير من الانقسامات والتشظيات..  

وبمقدار ما نتمسك بقيمة المواطنة كوعاء حاضن لنا جميعا بذات القدر نعيد صياغة علاقتنا بانتماءاتنا الخاصة.. فالمواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية، هي القادرة على استيعاب كل التنوعات والتعدديات.. وهي التي تحول دون انحباس احد في انتمائه الخاص.. وهذا يتطلب منا جميعا مواطنين ومؤسسات رسمية وأهلية، العمل على صياغة مشروع وطني يستهدف تعزيز قيمة المواطنة.. وإن تعزيز هذه القيمة في فضائنا الاجتماعي والوطني، يقتضي العمل على تفكيك كل الحوامل والحواضن الثقافية لظواهر التعصب والغلو والتشدد بكل مستوياتهما.. لهذا فإننا مع كل مبادرة، تعزز قيمة التفاهم بين الأشخاص والأطياف، ومع كل خطوة تساهم في تدوير الزوايا الحادة بين مختلف الفرقاء..

***

محمد محفوظ

رحلة تطوره في الثقافة العربية

يُعدّ النقد الأدبي ممارسة فكرية تجمع بين الذوق الفني والمعرفة العلمية، تهدف إلى تفسير الأعمال الأدبية وتقييمها وكشف جوانب الجمال أو القبح فيها. ومنذ أن وُجد الأدب وُجد النقد، إذ لا يمكن تصوّر النقد الأدبي منفصلاً عن النصوص الأدبية التي تمثّل مادته الأولى. ولئن كانت الأذواق تختلف، فإن الذوق المصقول المستند إلى ثقافة واسعة وخبرة أدبية هو ميزان الحكم النقدي.

النقد الأدبي هو، كما عرّفه طه حسين، "فن تفسير الأعمال الأدبية تفسيرًا يتّصل ببيان مواطن الحسن ومواطن القبح فيها"، مشيرًا إلى أن الناقد لا يقدّم أحكامًا علمية يقينية بقدر ما يسعى إلى الإقناع عبر الحسّ المرهف والعقل المنضبط. هذا ما يجعل النقد الأدبي، كما وصفه عبد الله إبراهيم، "مسعى تأويليًا أكثر منه سلطة معيارية قاطعة".

النقد الأدبي وفلسفة النظرية

في العصر الحديث، أصبح النقد الأدبي وثيق الصلة بالنظرية الأدبية، أي بالسجال الفلسفي حول أساليب النقد ومقاصده. ورغم التلازم الظاهر بين الناقد والمنظر، فإن الناقد الأدبي قد يمارس النقد دون أن يتورط في بناء منظومات نظرية شاملة. فكما يقول رولان بارت في كتابه في الأدب والكتابة والنقد: "الناقد ليس عليه أن يكون منظّرًا، بل عليه أن يخلق المعنى في منطقة ما بين النص والقارئ".

بدايات النقد العربي: بين الانطباع والذائقة

يعود النقد العربي إلى العصر الجاهلي، حيث كانت الممارسة النقدية مرتبطة بالذائقة العامة وبمعايير المجتمع القبلي. لم يكن النقد آنذاك يتجاوز الانطباع المباشر والتفضيل الشخصي، كما تظهره الحكايات عن تحكيم الشعراء في سوق عكاظ. وقد رأى الدكتور محمد مندور أن النقد في هذه المرحلة "لا يمكن أن يوصف بالمنهجي"، لكنه يقرّ بأن هذه البدايات كانت ضرورية لنشوء حركة نقدية لاحقة أكثر عمقًا.

النقد في صدر الإسلام: الأدب بين قداسة النصوص وتحول الذائقة

مع ظهور الإسلام، تغيّرت مكانة الشعر والأدب بسبب مركزية القرآن الكريم، مما جعل النقد الأدبي ينطوي على حذر شديد، خصوصًا في ظل الجدل الذي أثارته الآية: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} (سورة الشعراء: 224). ومع ذلك، ظل الشعراء يبدعون، وظل النقد يستمر، وإنْ كان بطابع أخلاقي وتربوي جديد. ويحكي لنا ابن قتيبة في الشعر والشعراء كيف كان الخليفة عمر بن الخطاب يفصل في قضايا الهجاء والشعر بما يراعي القيم الإسلامية المستجدة.

النقد في العصر الأموي والعباسي: بداية المنهجية العلمية

اتساع الدولة الإسلامية وتعدد الحواضر الثقافية أدّى إلى ازدهار الحياة الأدبية والنقدية. في العصر الأموي، ظهرت مجالس النقد في بلاط الخلفاء والأمراء. أما في العصر العباسي، فقد ارتقى النقد الأدبي إلى درجة من المنهجية والعلمية لم تعرفها الفترات السابقة. ومع ابن سلام الجمحي وكتابه طبقات فحول الشعراء بدأت معالم النقد المنظم الذي يعتمد على معايير فنية وموضوعية نسبية.

ويؤكد عبد الرحمن بدوي في دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي أن النقد العباسي مثّل نقلة نوعية حينما حاول بعض النقاد التمييز بين الشعر الأصيل والمصنوع استنادًا إلى معايير نقدية دقيقة.

عصر التدوين والنضج النقدي

شهد القرنان الثالث والرابع للهجرة تدوين العلوم العربية بما فيها النقد الأدبي، مما أدى إلى نشوء مذاهب نقدية متعددة تجمع بين البلاغة والنحو واللغة والعروض. في هذه المرحلة لم يعد النقد مجرد ذوق عفوي، بل صار منهجًا تحليليًا متكاملاً، كما نرى عند الجاحظ في البيان والتبيين وابن طباطبا العلوي في عيار الشعر.

ولعل أبرز ما ميز هذه الفترة هو الوعي بالأسلوب الأدبي بوصفه معبرًا عن شخصية الأديب وفكره. فقد أشار الجاحظ إلى أن "البيان هو ترجمان الضمير"، مما يعني أن الأسلوب الأدبي ليس مجرد زخرفة لغوية بل انعكاس للكيان الداخلي للمبدع.

الأسلوب الأدبي: روح الأدب وصورة الناقد:

الأسلوب، كما قال عبد الفتاح كيليطو في الأدب والغرابة، هو "التقاء العالم الداخلي للكاتب بالعالم الخارجي للغة". ويتكوّن الأسلوب من عناصر عدة: الأفكار، العاطفة، الخيال، الإيقاع، واللغة، والتي تتآزر لتشكل النص الأدبي في وحدته الجمالية.

يفرق النقاد بين الأسلوب الأدبي الذي يعتمد على الإيقاع والعاطفة والصور الفنية، وبين الأسلوب العلمي الذي يركن إلى الدقة والتحديد والوضوح العقلي. كما أكد أمبرتو إيكو في نزهات في غابة السرد أن على الأديب أن يوازن بين وضوح المعنى وجمالية التعبير، لكي يحقق نصه أثرًا شعوريًا ومعرفيًا معًا.

النقد الحديث: بين الإبداع والاتباع:

في العصر الحديث، أصبح النقد أكثر تنوعًا وانفتاحًا على المناهج الفلسفية والسوسيولوجية واللغوية. فبعد أن كان محصورًا في دائرة التذوق، أصبح يتناول النصوص عبر مناهج مثل البنيوية، التفكيكية، والتحليل النفسي. وفي هذا السياق، كتب أدونيس في الثابت والمتحول عن صراع الإبداع والاتباع في الثقافة العربية، مؤكدًا أن النقد يجب أن يكون مبدعًا لا تابعًا.

خلاصة

النقد الأدبي مسيرة طويلة تبدأ بالذوق وتنضج بالمعرفة. وهو ممارسة فنية وفكرية لا تبحث عن الحقيقة المطلقة بقدر ما تسعى إلى إضاءة النص الأدبي من زوايا مختلفة. وقد مر النقد العربي بتحولات عميقة عبر عصوره المختلفة، ليصبح اليوم حقلاً معرفيًا غنياً يمزج بين المتعة الفكرية والدقة العلمية.

كما قال ميلان كونديرا في فن الرواية: "النقد الحقيقي هو احتفال بالنص، لا محاكمة له"، وهذا ما ينبغي أن يبقى شعار النقد الأدبي في كل عصر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

(قل لي: ماذا تنتظر؟ اقول لك: من أنت) ق.م.

الانتظار ليس مجرد زمنٍ فائض بين لحظتين، بل هو الحالة الأكثر التصاقًا بجوهر الإنسان. إننا لا نعيش أعمارنا بقدر ما نعيش ما نترقبه فيها؛ نولد ونحن ننتظر، ونكبر على مهل الانتظار، ثم نمضي وفي داخلنا شيء مؤجل لم يكتمل بعد. وحده الإنسان يعرف كيف يحوّل الزمن إلى قلق، وكيف يمنح الغياب حضورًا أشد من الحضور نفسه، ولذلك كان الانتظار أكثر من حالة نفسية عابرة؛ إنه بنية وجودية كاملة، وسرّ خفي من أسرار الوعي البشري.

كل الكائنات تنتظر، لكن انتظارها محكوم بالغريزة، بينما انتظار الإنسان محكوم بالمعنى. النحل ينتظر تفتح الأزهار، والعصافير تنتظر الفجر لتستعيد غناءها، والصقور تترقب لحظة الانقضاض، والأسود تصبر على الجوع حتى تمر الفرائس. غير أن هذه الكائنات لا تقلق من المستقبل كما يقلق الإنسان، ولا تبني على الانتظار أحلامًا وتأويلات وهواجس. الإنسان وحده هو الكائن الذي يستطيع أن يحيا عمرًا كاملًا على وعد مؤجل، وأن يجعل من الأمل ضرورة للبقاء، حتى حين يعرف في أعماقه أن ما ينتظره قد لا يأتي أبدًا.

الأم تنتظر مولودها كما لو أنها تنتظر ولادة معنى جديد للحياة، والأب ينتظر قدوم ابنه بوصفه امتدادًا لزمنه الشخصي. الطفل ينتظر حليب أمه، والفتاة تنتظر فارسًا تخيلته قبل أن تعرفه، والعاشق ينتظر لقاءً يعتقد أنه سيعيد ترتيب العالم داخله. الطالب ينتظر نتيجة امتحانه وكأنها قدره الأخير، والمريض ينتظر الشفاء، والمغترب ينتظر العودة، والسجين ينتظر باب الحرية، والشعوب تنتظر السلام والاستقرار بعد أعوام الخراب. هكذا يبدو الإنسان كائنًا معلقًا دائمًا بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الحاضر الناقص والمستقبل المتخيّل وهكذا هو الإنسان كائن مسكون بالانتظارات الدائمة في كل لحظة من حياته منذ الميلاد حتى الممات ولا يكف الكائن عن الانتظار الا حينما يتوقف قلبه عن النبض فبعضهم ينتظر رسالة وبعضهم ينتظر موافقة وبعضهم ينتظر بشارة وبعضهم ينتظر إشارة وبعضهم ينتظر مكالمة وبعضهم ينتظر إجازة وبعضهم ينتظر طعامه. وهكذا هو الإنسان في كل زمان ومكان كائن مسكون بالانتظار. فمن منكم لا ينتظر الآن شيئا؟ قل لي ماذا تنتظر أقول لك من أنت. أما أنا فلي ما انتظره وينتظرني.

ولعل كتابي (فيما يشبه الانتظار؛ قضايا وافكار) عن دار يستطردون في القاهرة 2022م هو خلاصة تجربتي بقلق الانتظار وقد دونت فيه قصتي مع الانتظارات الطول منذ طفولتي إذ يحدث أحيانًا أن تتسلل بعض الكلمات والمفاهيم والعبارات إلى اذهاننا دون وعي منًا لاسيما نحن الذين درسنا فلسفة التاريخ والحضارة وتلقفنا معظم المفاهيم التي نستخدمها من سياقات ثقافية واجتماعية غربية مغايرة لم نعشها قط. وربما وجدنا التحليل النفسي ما يشبع ويروى لفهم هذه الظاهرة. إذ أن عالم التحليل النفسي سيجموند فرويد، في كتابه المهم، تفسير الأحلام قد أكد بأن كل ما يصدر عن الإنسان من افعال وأحلام وافكار وأوهام وعبارات وكلام يمكن فهمه وتفسيره بإعادته إلى اسبابه والأسباب أربعة (قريبة وبعيدة وظاهرة وخفية) حتى زلات اللسان لها معنى حينما تصدر عن الإنسان دون ارادته . والحلم سر الشخصية بحسب اريك فروم. لا يحلم الكائن الحالم إلا بالأشياء الحيوية التي عجز عن إشباعها في الواقع. فالجائع لا يحلم إلا الخبز والعطشان لا يحلم بما يروي عطشه والمسجون يحلم بالحرية والمحصور يحلم بالحمام والمحروم يحلم بموضوع حرمانه والخائف يحلم بالأمان والحزين يحلم بموضوعات حزنه والمظلوم يحلم بالعدل والمقهور يحلم بموت قاهره ..الخ. وهكذا هي الأحلام لأيمكن تفسيرها وفهمها إلا بما قبلها وفي سياق حاضرها الحي الفوري المباشر. في ذات السياق يمكن لي ولكم فهم معنى كلمة (فيما يشبه) التي أدمنت كتابتها في عناوين مقالاتي دون وعي في كثير من الأحيان إذ ما أن أبدى بكتابة اي شيء يتصل بالحياة العامة في مجتمعنا العربي الإسلامي حتى تقفز تلك الأزمة (فيما شبه) مثل البسملة . كتبت فيما يشبه الفرح وفيما يشبه التهنئة وفيما يشبه الاحتفاء وفيما يشبه الاعتذار وفيما يشبه الحياة وفيما يشبه الوطن وفيما يشبه الأمل وفيما يشبه الحرية وفيما يشبه الشعر وفيما يشبه الحب وفيما يشبه الحلم وفيما يشبه التفكير وفيما يشبه الحزن وفيما يشبه المؤسسات وفيما يشبه الجامعة وفيما يشبه الجودة وفيما يشبه المدينة وفيما يشبه الثورة وفيما يشبه الدولة وفيما يشبه الثقافة وفيما يشبه البشر فيما يشبه الجيوش وفيما يشبه الصلاة وفيما يشبه الحرب وفيما يشبه الثقة وفيما يشبه الصدق وفيما يشبه العلم وفيما يشبه الحقيقة.. الخ. نعم كتبتها في عناوين مقالاتي المنشورة. ولم أكون على دراية واعية بحضورها الكثيف بهذا النحو . وربما يعود الفضل لأخي العزيز، استاذ صالح أبو مهيب الذي نبهني إلى تكرارها بشكل مستفز فيما معظم ما أكتب.

ذات يوم سألني صالح أخي أبو مهيب: لماذا تكتب كلمة (فيما يشبه) بعناوين منشوراتك ومقالاتك؟ تلعثمت ولم أجد جوابًا منطقيًا حينها وأتذكر أنني قلت له: لا أعرف لماذا علقت بذهني هذه الأزمة اللغوية؟ وحينما خلوت بنفسي أخذت أتأمل في الأمر فأخذتني الذاكرة إلى زمن مضى ربما لعقدين من الزمن منذ بدأت استخدم تلك العبارة دون أن أكون واعيًا بها. وهذا ما جعلني أتفحص الدلالة في هذا العبارة العالقة بذهني. انها يا سادة نابعة من احساس عميق بان تلك الحياة التي نعيشها في هذه الأصقاع المسممة بالبؤس والخراب والظلام والخوف والجريمة ليست حياة طبيعية للكائن الإنساني. أنها فقط فيما يشبه الحياة. وجودنا فيما يشبه الوجود أحلامنا فيما يشبه الأحلام أفراحنا فيما يشبه الأفراح، لا شئ طبيعي وراسخ ويبعث على الاطمئنان والثقة والحلم والأمان في هذا في مجتمعاتنا العربية الإسلامية الراهنة .اننا نعيش في حالة وجودية عبثية تعي قوة التمييز والحكم. وتلك هي السمة العامة التي تتسم بها المجتمعات التي تضيق فيها حدود الحرية (حرية الضمير والفكر والاعتقاد والعمل) إذيندر أن تجد فيها أشخاص طبيعيين يتصرفون على طبيعتهم ببراءة وعفوية بالاتساق مع سجيتهم الحقيقية ، بل تسود ثقافة وقيم ازدواجية الشخصية بين الظاهر والباطن وتزدهر قيم التكلف والتزلف والنفاق والمرآءة واللف والدوران والكذب والأحقاد والضغائن والخيانات والغدر والخديعة والشتم والغيبة والنميمة وانعدام الثقة والشك والارتياب وسوء الفهم والتفاهم والفصام وسرعة التقلب من حال الى حال و الجمع بين المتناقضات دون الشعور بالتناقض وصعوبة التنبؤ بسلوك الأفراد وردود أفعالهم، واختلاط المعايير وغياب الحدود بين الغث والسمين بين الجيد والردئ ويمكنكم تعداد المزيد من القيم السلبية من واقع حياتكم وتجاربكم الشخصية. أتمنى أنني استطعت أن أجيب على السؤال ولو بالحد الأدنى. في ذات السياق جاءت فكرة كتاب فيما يُشبه الانتظار بوصفها فكرة محملة بكنانة شاملة بالأمل والترقب والصبر والرجاء وحينما يعجز الواقع عن إشباع حاجاته الملحة يضطر اخيرا إلى الحلم والأمل. من هذا التوتر العميق يولد قلق الانتظار؛ ذلك القلق الذي يجعل الدقيقة الواحدة تمتد كأنها عمر، لأن الزمن النفسي لا يقاس بالساعة بل بشدة الترقب. فالانتظار ليس سكونًا كما نظن، بل احتراق داخلي بطيء، حالة من الشد العصبي بين الرغبة والعجز، بين الخوف والرجاء. نحن لا ننتظر الأشياء فحسب، بل نعيد خلقها في داخلنا، فنمنحها معاني أكبر من حجمها الواقعي، حتى يصبح المنتظَر أحيانًا أكثر جمالًا من لحظة تحققه ذاتها.

ولعل الأدب كان المرآة الأصدق لهذا القلق الإنساني. وتعد مسرحية في انتظار غودو للكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، من ابرز الاعمال التي عبرت عن عبث الانتظار وكذلك رواية ليس للكولونيل من يراسله للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز لا ينتظر الكولونيل رسالة معاش تقاعدي فقط، بل ينتظر اعتراف العالم بوجوده وكرامته. خمسة عشر عامًا وهو يذهب إلى الميناء كل يوم جمعة مترقبًا رسالة لا تصل، ومع ذلك يواصل الانتظار بعناد نبيل. هنا يتحول الانتظار إلى شكل من أشكال المقاومة، وإلى وسيلة لحماية الذات من السقوط الكامل في العدم. لقد أدرك ماركيز أن الإنسان قد يعيش على الأمل أكثر مما يعيش على الخبز، وأن المعنى أحيانًا لا يكمن في الوصول بل في القدرة على الاستمرار رغم تأخر الوصول.

وفي الفن أيضًا تتجلى هذه الفلسفة بصورة أكثر شفافية. فالأغاني التي تتحدث عن الغياب ليست سوى أناشيد طويلة للانتظار كما هي أغنية “مستنياك” للفنانة عزيزة جلال فإن الانتظار يتحول إلى هوية شعورية كاملة، حتى يبدو العاشق كمن يعيش حياته كلها داخل لحظة ترقب لا تنتهي وفي ذات السياق تأتي اغنية “مرسول الحب” للفنان المغربي إبراهيم كيالي

وقد اختزلت الحكمة الشعبية هذه الفكرة بعبارة شديدة العمق: “الإناء المراقب لا يغلي أبدًا”. ذلك لأن الإنسان حين يحدّق طويلًا فيما ينتظره يشعر أن الزمن يتباطأ، وأن الأشياء تتعمد التأخر. فالانتظار المكثف يجعلنا سجناء للوقت، بينما الانشغال بالحياة يخفف وطأة الترقب. ولهذا قيل إن الصبر ليس مجرد احتمال الزمن، بل القدرة على العثور على معنى آخر للحياة أثناء مروره.

غير أن الانتظار لا يقتصر على الأفراد وحدهم؛ فالثقافات والحضارات أيضًا تعيش قلق الانتظار. إن الثقافة، بوصفها القوة الإبداعية في التاريخ، ليست سوى ثمرة لهذا القلق الوجودي المتأصل في ذات الإنسان العاقل. فحين يشعر الإنسان بالنقص يبدأ بالسؤال، وحين يسأل يبدأ بالتفكير، ومن التفكير يولد الخيال، ومن الخيال تولد الحضارة. لذلك لا نمو ولا تطور ولا تجديد إلا بالإبداع، ولا إبداع إلا بالتغيير والانقطاع والتحول من بارادايم إلى آخر. الثقافة الحية هي ثقافة القلق الخلاق، أما حين تتجمد الثقافة فإن التاريخ نفسه يتحجر، ويتحول الإنسان إلى مجرد كائن يكرر ذاته دون قدرة على تجاوزها.

ومن خبرات الحياة البسيطة ندرك أن الاهتمام هو مفتاح كل معرفة ممكنة، بل هو الشرارة الأولى لكل فعل إنساني. فالإحساس بالاختناق يدفع الكائن الحي للبحث عن الهواء، والإحساس بالجوع يدفعه للبحث عن الطعام، والعطش يقوده إلى الماء، والحاجة إلى الحب تدفعه نحو الآخر، والحاجة إلى الاعتراف تدفعه إلى البطولة والإنجاز. وحين تموت الدافعية يحتضر الكائن نفسه. الأسد الذي لا يغادر عرينه يموت جوعًا، والثعلب النائم لا يصطاد الدجاج. ولذلك كانت الحكمة الشعبية دائمًا تربط الحياة بالفعل والحركة والسعي، لأن الوجود نفسه مقاومة دائمة للفناء.

إن أول قانون فهمه الإنسان لم يكن قانونًا فلسفيًا معقدًا، بل قانون البقاء. لم يكن ممكنًا للإنسان أن يعيش على الأرض دون أن يتعلم كيف يفكر علميًا، وكيف يحول الخوف إلى معرفة. أول الحضارة ربما كانت كهفًا احتمى به الإنسان من العراء، لكنه لم يكن مجرد مأوى، بل بداية الوعي بالأمن والانتماء. وأول الثقافة كانت خيالًا؛ محاولة لتصور الأشياء قبل امتلاكها، وللبحث عن وسائل تجنب الهلاك. حين واجه الإنسان النهر صنع القارب، وحين واجه البرد صنع الملابس، وحين واجه العراء بنى البيت، وحين واجه الجوع استصلح الأرض، وحين واجه المسافات روّض الحيوان وصنع السفن. كل اختراع عظيم بدأ بإحساس حاد بالنقص أو الخوف أو الحاجة، أي بدأ من القلق ذاته.

ولهذا يمكن القول إن القلق ليس عدو الإنسان دائمًا، بل هو القوة التي دفعته إلى تجاوز محدوديته. الحضارة كلها ليست سوى استجابة طويلة لقلق البقاء. وحتى الأخلاق نفسها ربما ولدت من خوف الإنسان من عواقب الاعتداء المتبادل، ذلك الخوف الذي تحول مع الزمن إلى ضمير، ثم إلى قيم، ثم إلى مفاهيم مثل الحرام والعيب والممنوع. فالثقافة في جوهرها ليست معلومات محفوظة، بل عادات متراكمة من الخبرة الإنسانية؛ إذ إن كل فعل يتكرر يصبح عادة، وكل عادة تترسخ تتحول إلى ثقافة، ولهذا قيل إن الثقافة هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء.

لكن سؤال الإنسان اليوم لم يعد بيولوجيًا فقط، بل وجوديًا ومعرفيًا أيضًا، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح العالم يتغير بسرعة تفوق قدرة الوعي التقليدي على الفهم. نحن لا نعيش مجرد تطور تقني، بل نعيش تحولًا عميقًا في معنى المعرفة نفسها. لقد اعتاد الإنسان قرونًا طويلة أن يفهم العالم من خلال خبرته المباشرة وحدوده الحسية، أما اليوم فهو يواجه عقلًا صناعيًا قادرًا على إنتاج المعرفة وتحليلها وإعادة تركيبها بصورة غير مسبوقة. وهنا يعود القلق من جديد، لكن هذه المرة بوصفه سؤالًا عن معنى الإنسان ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تصبح الآلة قادرة على التفكير؟ وما الفرق بين الذكاء بوصفه قدرة حسابية، والوعي بوصفه تجربة وجودية؟

ربما لهذا يبدو الإنسان المعاصر أكثر توترًا من أي وقت مضى. إنه يعيش في عالم يفيض بالمعلومات لكنه يفتقر إلى الطمأنينة. التكنولوجيا اختصرت المسافات لكنها لم تختصر الوحدة، ووفرت وسائل الاتصال لكنها لم تمنح البشر القدرة الحقيقية على الإصغاء لبعضهم. ومع ذلك يبقى الأمل قائمًا، لأن الإنسان ليس مجرد كائن عاقل، بل كائن قادر على المعنى، والمعنى لا يُصنع بالمعادلات وحدها، بل بالتجربة والذاكرة والحب والخوف والحنين.

ومن هنا يبدو السلام أعظم ما يمكن أن ينتظره البشر اليوم. فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، بل عودة الإنسان إلى إنسانيته. الطيور تحتاجه لتغني دون خوف، والأشجار تحتاجه لتنمو دون أن تحرقها النيران، والبحار تحتاجه لتعود زرقاء لا حمراء. السلام ليس شعارًا سياسيًا، بل حاجة كونية عميقة، لأنه وحده القادر على إعادة المعنى للأشياء.

حين يغيب السلام يتغير وجه الوطن كله. الطرقات تصبح ذاكرة مفتوحة للخسارات، والبيوت تتحول إلى شواهد على أحلام لم تكتمل، والناس يمشون في الشوارع وكأنهم يعبرون داخل جرح جماعي طويل. الوجوه المتعبة لا تبتسم إلا باعتذار خافت للحياة، والأصوات تخشى أن توقظ شيئًا مكسورًا في الداخل. حتى الصمت في البلاد المنهكة لا يعود علامة طمأنينة، بل يصبح خوفًا مما قد يأتي بعده.

الحرب لا تنتهي حقًا حين تتوقف البنادق، بل حين يتصالح الناس مع ما تبقى من أرواحهم. فالأوطان لا تموت دفعة واحدة، بل تموت بصمت كل يوم حين يعتاد أبناؤها الألم، وحين يصبح الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. لهذا يبدو السلام فعلًا أخلاقيًا وروحيًا قبل أن يكون اتفاقًا سياسيًا؛ إنه القدرة على ترميم الداخل الإنساني، وعلى إعادة الأطفال إلى المدارس بدل الملاجئ، وإعادة الضحكة إلى البيوت بدل الصدى.

وربما في النهاية، ليست مشكلة الإنسان أنه ينتظر، بل أنه لا يعرف دائمًا كيف ينتظر. بعض الانتظار يفتح الروح على الأمل، وبعضه يحول الحياة إلى إقامة طويلة في العدم. لكن الإنسان، رغم كل شيء، يواصل الانتظار لأنه لا يستطيع التخلي عن الحلم. نحن ننتظر لأننا ناقصون، ونحلم لأننا أحياء، ونقاوم لأن في داخلنا يقينًا خفيًا بأن العالم، مهما ازداد قسوة، ما يزال قابلًا لأن يُعاد بناؤه من جديد.

وهكذا يبقى الإنسان، منذ الكهف الأول حتى الذكاء الاصطناعي، كائنًا قلقًا، حالمًا، منتظرًا؛ يحمل في داخله خوفه من الفناء، وشغفه بالمعرفة، وحاجته إلى الحب والسلام والمعنى. وبين الخبرة والفكرة، بين الوجع والأمل، تتشكل الحضارة كلها بوصفها محاولة طويلة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يمكن للإنسان أن يعيش هذا العالم دون أن يفقد روحه؟

كتب الشاعر، ناظم حكمت ما يلي:

أجمل الأيام

تلك التي لم نعشها بعد

أجمل البحار

تلك التي لم نبحر بها بعد

أجمل الأطفال

هم الذين لم يولدوا بعد

أجمل الزهور

تلك التي لم تتفتح بعد

أجمل الكلمات

تلك التي لم أقلها بعد

أجمل القصائد

تلك التي لم أكتبها بعد

وأجمل ما أريد أن أقوله لك

ما لم أقله بعد

 

مقدمة: في قلب كل رواية تاريخية يكمن سؤال السلطة: من يمتلك الحق في سرد الماضي؟ تاريخ البشرية لم يكن يوماً مجرد تسجيل محايد للوقائع، بل هو بناء سردي يتشكل من خلال السياقات الثقافية والسياسية والأيديولوجية. منذ هيرودوت وثوكيديدس، مروراً بمؤرخي العصور الوسطى والتنوير، وصولاً إلى مدارس ما بعد الحداثة، ظل التاريخ ميداناً للصراع على المعنى. اليوم، مع ظهور الذكاء الاصطناعي القادر على توليد نصوص تاريخية متماسكة ومفصلة، يطرح السؤال نفسه بقوة جديدة: من يمنح الآلة الحق في كتابة تاريخنا؟هذا السؤال ليس تقنياً بحتاً، بل فلسفي ووجودي. إنه يتعلق بطبيعة الحقيقة التاريخية، وحدود الوعي البشري، ومستقبل الذاكرة الجماعية. في هذه الدراسة، سنستعرض الأبعاد المعرفية والأخلاقية والثقافية والسياسية لهذه القضية، محاولين فك شيفرة السلطة التي قد تُمنح أو تُمنع عن الذكاء الاصطناعي في مجال كتابة التاريخ. فمن أين يستمد سؤال السلطة والذاكرة مشروعيته؟

الطبيعة المتنازع عليها للتاريخ: بين الوقائع والسرد

التاريخ ليس أرشيفاً محايداً من الحقائق الثابتة. هو عملية اختيار وترتيب وتفسير. يختار المؤرخ الأحداث المهمة من بين بحر لا نهائي من الوقائع، يربط بينها بخيوط السببية، ويمنحها معنى داخل سياق حضاري معين. هذا الاختيار محكوم دائماً بتحيزات: قومية، طبقية، جنسية، أيديولوجية. حتى أكثر المؤرخين موضوعية يعمل داخل أفق معرفي محدود. الذكاء الاصطناعي، من هذه الزاوية، يبدو وكأنه يحمل وعد الموضوعية المطلقة. فهو يستطيع معالجة ملايين الوثائق في ثوانٍ، واستخراج أنماط خفية، وربط أحداث متباعدة زمنياً ومكانياً. لكنه، في الواقع، يعيد إنتاج تحيزات بيانات التدريب بطريقة أكثر خفاءً وشمولاً.

 إذا كانت البيانات المتاحة غربية النزعة بشكل ساحق، أو تعكس روايات القوى المنتصرة في الحروب والثورات، فإن الذكاء الاصطناعي سيعيد إنتاج هذه الروايات بكفاءة آلية، مع إضفاء طابع "علمي" أو "موضوعي" عليها يصعب التشكيك فيه.

هنا تكمن المفارقة: الآلة لا تمتلك وعياً تاريخياً، ولا تجربة وجودية، ولا قدرة على "الفهم" بالمعنى الهيرمينوطيقي. إنها تقلد السرد البشري بناءً على الاحتمالات الإحصائية. فهل يمكن لتقليد الفهم أن يحل محل الفهم نفسه؟ من يملك السلطة: الدولة، السوق، أم الخوارزميات؟

تاريخياً، كانت السلطة على الكتابة التاريخية تُمنح من قبل مؤسسات: الكنيسة، الدولة، الجامعات، النخب الثقافية. في العصر الحديث، أصبح السوق والإعلام لاعبين أساسيين. أما الذكاء الاصطناعي فيثير تساؤلاً جديداً: هل يمكن لكيان غير واعٍ أن يحصل على "حق" كهذا؟

الحق هنا ليس قانونياً بحتاً، بل أخلاقي ومعرفي. لا أحد "يمنح" الذكاء الاصطناعي حقاً بالمعنى التقليدي؛ بل إن البشر هم من يفوضونه بهذا الدور من خلال استخدامهم له. عندما نطلب من نموذج لغوي كتابة "تاريخ الثورة الفرنسية" أو "حروب الشرق الأوسط"، فإننا نمنحه، عملياً، سلطة سردية. هذا التفويض يحدث في صمت، من خلال الاعتماد اليومي على أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والإعلام والبحث. لكن هذا التفويض يحمل مخاطر جسيمة. الدول قد تستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة روايات رسمية "محسنة" تُمحو الجوانب المظلمة من ماضيها. الشركات التقنية الكبرى، التي تمتلك النماذج الأكثر تقدماً، تمتلك فعلياً قدرة هائلة على تشكيل الذاكرة الجماعية العالمية. من يراقب هذه الشركات؟ ومن يحدد معايير "الحقيقة" داخل بياناتها؟

الأبعاد الإتيقية: المسؤولية والشفافية والتمثيل

يكمن قلب المشكلة الأخلاقية في غياب المسؤولية. المؤرخ البشري يتحمل مسؤولية أخلاقية عما يكتبه؛ يمكن محاسبته، نقده، مقاضاته في بعض الحالات. أما الذكاء الاصطناعي فهو "صندوق أسود"، حتى لو كشفت الشركات عن جزء من آلياته. إذا أنتج الذكاء الاصطناعي رواية تاريخية تقلل من شأن إبادة جماعية أو تبرر استعماراً، فمن المسؤول؟ المبرمجون؟ مالكو الشركة؟ المستخدمون؟ أم أن الآلة نفسها "بريئة" لأنها لا تمتلك نية؟

كذلك، يثير الأمر قضية التمثيل. التاريخ البشري غني بالأصوات المكبوتة: النساء، الأقليات، الشعوب المستعمرة، الطبقات الدنيا. الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد على النصوص المنشورة والمتاحة رقمياً، يميل إلى تعزيز الأصوات المهيمنة. حتى لو حاولنا "توازن" البيانات، فإن النتيجة تبقى مصطنعة. هل يمكن للآلة أن تمنح صوتاً حقيقياً لمن لم يُكتب عنهم، أم أنها ستخترع أصواتاً وهمية تعكس توقعات المستخدمين الحاليين؟

الآثار الثقافية والوجودية

إذا أصبح الذكاء الاصطناعي الكاتب الرئيسي للتاريخ، فإننا نواجه تحولاً وجودياً. التاريخ هو جزء أساسي من الهوية. نحن نفهم أنفسنا من خلال قصصنا الجماعية. إذا أصبحت هذه القصص مولدة آلياً، فإن علاقتنا بالماضي ستتحول من علاقة حية ومتنازع عليها إلى علاقة استهلاكية ومُسطحة. قد يؤدي ذلك إلى "نهاية التاريخ" بمعنى مختلف عن فوكوياما: ليس نهاية الأحداث، بل نهاية الجدل البشري حول معناها. ستصبح الروايات التاريخية أكثر سلاسة وإقناعاً، لكنها أقل صدقاً وجودياً. الذكاء الاصطناعي يتفوق في إنتاج التوافق، بينما يعيش التاريخ الحقيقي على التناقض والصراع. من جهة أخرى، قد يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة: إعادة بناء تاريخ "من الأسفل" باستخدام بيانات ضخمة، اكتشاف أنماط اقتصادية أو بيئية كانت خافية، أو تقديم سيناريوهات بديلة "ماذا لو" بطريقة منهجية. لكن هذه الفوائد لا تلغي المخاطر؛ بل تتطلب وعياً حاداً بكيفية استخدام هذه الأداة دون الاستسلام لها.

نحو إطار تنظيمي لسلطة السرد

لا يمكن الإجابة على السؤال "من يمنح الحق" بـ"لا أحد" أو "الجميع". يجب أن يكون هناك إطار أخلاقي ومؤسساتي يحدد شروط استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة التاريخية.

من هذه الشروط:

الشفافية الكاملة حول مصادر البيانات والخوارزميات.

التمييز الواضح بين النصوص المولدة آلياً والنصوص البشرية.

إلزامية المراجعة البشرية النقدية لأي رواية تاريخية مهمة.

دعم التنوع الثقافي في تطوير النماذج لتجنب الهيمنة الحضارية.

الحفاظ على المساحات البشرية للتأمل والجدل والرواية الشخصية.

الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة قوية، لكنه لا يمكن أن يصبح الكاتب الرئيسي للتاريخ البشري. التاريخ يتطلب إنسانية: التعاطف، الشك، الندم، الأمل، الذاكرة الجسدية للمعاناة. هذه العناصر لا تستطيع الآلة محاكاتها إلا تقليداً سطحياً.

خاتمة:

الحق يبقى بشرياً في النهاية، لا يملك أحد الحق المطلق في كتابة التاريخ، لأن التاريخ عملية جماعية مستمرة ومتنازع عليها دائماً. الذكاء الاصطناعي لا "يستحق" هذا الحق لأنه لا يمتلك وعياً أخلاقياً أو وجودياً. نحن، البشر، من يمنحه أدواراً والوظائف، وبالتالي نحن المسؤولون عن الحدود. كما يجب أن نحتفظ بحق كتابة تاريخنا ليس بدافع الخوف من التقدم التقني، بل بدافع الوفاء لطبيعتنا ككائنات تروي قصتها لتفهم نفسها. الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعدنا في جمع الشظايا وتحليلها، لكنه لا يستطيع أن يعيش المأساة أو يحلم بالمستقبل. التاريخ، في جوهره، شهادة بشرية على الزمن. وهذه الشهادة يجب أن تبقى بشرية، مهما تطورت أدواتنا. السؤال ليس "هل يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة التاريخ؟"، بل "هل نجرؤ على تسليمه هذه السلطة، ونحن نعرف ضعفنا وتحيزاتنا؟". الإجابة الحكيمة تكمن في التوازن: استخدام الآلة كأداة، مع الحفاظ على الإنسان كصاحب السلطة الأخيرة على معنى ماضيه. فكيف يمكن استثمار التحيزات الخوارزمية بشكل ايجابي؟ وما دور الذكاء الاصطناعي في العلم والقانون والفكر والاقتصاد؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

إن العلاج بالفلسفة ليس ترفاً فكرياً، ولا يخص فئة معينة من البشر، سواء كانوا فلاسفة أو مثقفين، بل هو علاجٌ لكل الناس الذين هم بحاجة إليه، وهو ليس علاجاً للمرضى (بدنياً أو عقلياً)، أي أنه لايمثل علاجاً بالمعنى الطبي لكلمة علاج، بل هو (عون فلسفي للأصحاء) الذين يعانون من مشكلات يومية، وهموم حياتية، فالعلاج بالفلسفة وخدمات العلاج الفلسفي هو إسلوبٌ معاصر لتقديم العون والإرشاد لكل من يعاني من مشكلات فكرية، أو أزمات وجودية.

إن العلاج بالفلسفة قديم قِدم تاريخ الفلسفة نفسها، ويمكننا الرجوع بجذوره للفلسفة العملية القديمة والى العديد من الفلاسفة والمفكرين القدماء على مر التاريخ، حيث كان يُسمى بفن شفاء النفس، و لم يكن بإستطاعة الحضارات السابقة الإستغناء عن هذا الفن، فعلى سبيل المثال نجد ان الكهنة، ورجال الدين في الحضارات القديمة مثل حضارات وادي الرافدين، ووادي النيل، والحضارات الهندية، والصينية القديمة، قد أتقنوا هذا الفن، لأنهم أدركوا، أهمية الجانب النفسي لدى الإنسان منذ القدم، وقد تم رصد آثار، في مختلف الحضارات القديمة، يظهر فيها نقوش، ورسوم قديمة، حيث يجتمع شخصان لمناقشة أمورهما المشتركة، أحدهما يطلب المساعدة، والآخر يحاول تقديمها، ورغم أن الطرق تبدو دوماً مختلفة، ورغم تباين إسلوب تعبير الثقافات، وطرقها العلاجية، فإن ماكان يُقال هو الشيء ذاته على الدوام وحتى يومنا هذا،  ولكنه اليوم بمظهر مختلف، حيث تم تعديله لإحتواء ومعالجة الأزمات المعاصرة التي يواجهها ويُعاني منها الإنسان والمجتمع المعاصر.

 لقد نشأت الفلسفة للإجابة على تساؤلات جوهرية شغلت ذهن الإنسان وأرهقت عقله، وأثرت على أدائه في الحياة، مثل تساؤلاته عن ماهية هذا الوجود الذي يعيش فيه، وتساؤلات الإنسان عن نفسه: من هو؟ وماهي ماهيته؟ و هو مصيره؟ وماهو دوره في هذه الحياة؟ وماهي رسالته فيها؟ وهو مايُعبر عنه القول المأثور لهيكل دلفي بدقة متناهية: (إعرف نفسك بنفسك)، ويشير "مصطفى النشار" في كتابه "العلاج بالفلسفة" في هذا الصدد الى ماقام به الفيلسوف "سقراط" من علاج معاصريه حينما نبههم الى ان المشكلة الحقيقية تكمن في أنهم لم يبدأوا بمعرفة حقيقة أنفسهم، وحقيقة مايدعون العلم به، فكانت المقولة الشهيرة التي يرددها دائماً (إعرف نفسك) تجسيداً لما كان يدعو إليه من ضرورة أن يبدأ الإصلاح من النفس أولاً، ومعنى كلمة علاج Therapia باللغة اللاتينية هو المُداواة، أو علاج الجراح وتضميدها، وقد ركز "أبيقور" على علاج الآلام النفسية بالفلسفة، أما الرواقيون فقد ضربوا أروع الأمثلة سواء في فلسفتهم او في حياتهم على أن الفلسفة فيها الشفاء من أصناف الهم والحزن، وأكدوا أنه كلما تعمقت الحكمة الفلسفية لدى الإنسان كلما نجح في التوافق مع ظروف الحياة، وكان الفلاسفة على مر العصور مهمومون بقضايا الإنسان ومشكلاته الفردية، والإجتماعية، وقدموا الكثير من الأفكار والمذاهب لعلاج تلك المشكلات.

واليوم إتخذ مصطلح العلاج بالفلسفة ابعاداً جديدة ومعاصرة، مع ظهور مفاهيم مثل الإستشارة الفلسفية، والعلاج بالفلسفة، والمستشار الفلسفي، والعيادة الفلسفية، والمقاهي والصالونات الفلسفية، وإن خدمات العلاج بالفلسفة والإستشارة الفلسفية بوصفها حركة فلسفية جديدة هي محاولة تُعيد للفلسفة مرة أُخرى دورها الرئيسي في الحياة اليومية، ويُعد جيرد آكينباك Gerd B. Achenbach هو "مؤسس الإستشارة الفلسفية" بصيغتها الجديدة والمعاصرة، بوصفها نموذجاً مهماً لتطبيق الفلسفة وممارستها في الحياة اليومية، والتي بدأ ظهورها على يديه عام (1981م)، وفي عام (1982) تم إنشاء "جمعية الإستشارة الفلسفية" في ألمانيا، ليكون أول تأسيس عالمي لهذه الفكرة، وتوالت بعد ذلك صور العلاج الفلسفي والإستشارة الفلسفية.

ويشير" سامح الطنطاوي" الى أن الإستشارة الفلسفية المعاصرة في العالم اليوم هي " فن"، وهي ثقافة فلسفية لكل الأفراد الذين يعانون من مشكلات في الحياة، ومن هنا جاء مفهوم الإستشارة الفلسفية عند "سامح الطنطاوي" ليُعبر عنها "بوصفها فناً" لمساعدة شخص عنده مشكلة "المستشير" عبر الحوار والنقاش مع "مستشار فلسفي" حول المشكلة التي يُعاني منها، أو يريد التوصل الى فهم بصددها، وبذلك تكون الإستشارة الفلسفية في هذا المعنى والسياق هي "فن الحوار".

إن خدمات الإستشارة الفلسفية اليوم تحاول تقديم العون للذين يبحثون عن فهم فلسفي لحياتهم، أو لمساعدتهم في حل مشكلات فكرية، أو إجتماعية، أو حتى عقلية، وإن دور الفلسفة اليوم لم يعد يقتصر على وضع النظريات والمناهج، بل أصبح دوراً يركز على تفعيل الجانب العملي من الفلسفة، وتوظيف المفاهيم، والنظريات، والمناهج الفلسفية، لعلاج المشكلات الإنسانية.

***

شيماء غازي هماوندي

كاتبة وباحثة وأكاديمية

..............................

المصادر التي تم الإستعانة بها لكتابة المقال الفلسفي:

1-  مصطفى النشار: العلاج بالفلسفة

2-  مصطفى النشار، سامح الطنطاوي: مدخل الى الإستشارة الفلسفية.

 

في المثقف اليوم