عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أين تكمن مشكلة الدرس النحوي؟

لا خلاف في عظمة التراث النحوي العربي وما أنجزه علماؤنا الأوائل من جهود رائدة في وصف العربية وتقعيدها وحفظ نظامها. غير أن عظمة التراث لا تعني أن طريقة تنظيمه وتقديمه وتعليمه ينبغي أن تبقى على صورتها الأولى؛ فحاجات المتعلم قد تغيرت، والدراسات اللسانية الحديثة قدمت تصورات جديدة لطبيعة اللغة وآليات إنتاجها وفهمها. ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة بناء القاعدة النحوية وتنظيمها وتعليمها، بما ينسجم مع طبيعة اللغة وحاجات المتعلم وما انتهت إليه الدراسات اللسانية المعاصرة.

إن الدعوة إلى تحديث قواعد النحو العربي ليست جديدة، فقد ظهرت منذ زمن بعيد محاولات متعددة لعلماء وباحثين سعوا إلى إعادة النظر في الدرس النحوي وتيسيره وإعادة تنظيمه، وأسهمت تلك المحاولات في فتح الطريق أمام التفكير في تجاوز بعض أوجه التعقيد في المنهج التقليدي.

ومن أبرز الداعين إلى تحديث الدرس النحوي أستاذي العلامة الدكتور مهدي المخزومي، ولا سيما في كتابه (في النحو العربي: نقد وتوجيه)، غير أن معظم تلك الطروحات على أهميتها، لم تنتظم تحت مظلة نظرية كلية تستوعب مختلف تفاصيل النظام النحوي وتقدم له إطارًا تفسيريًا موحدًا؛ ولذلك بقي جانب كبير من التقعيد والمناهج التعليمية مرتبطًا بالإطار التقليدي، ومستندًا إلى نظرية قديمة هي نظرية العامل.

ومن هنا يأتي هذا المقال محاولة لمواصلة تلك المسيرة، ولكن من خلال مشروع ذي إطار نظري قابل للتطبيق، يشمل الظاهرة اللغوية بجميع تفاصيلها، وتلك هي نظرية الصفر اللغوي التي تسعى إلى إعادة بناء العلاقات النحوية انطلاقًا من المعنى الكلي للجملة والسياق، ثم الانتقال إلى أجزائها.

ما نظرية الصفر اللغوي؟

تنطلق النظرية من أن هناك مجموعة محدودة من القواعد الأساسية التي تشترك فيها اللغات، في حين يختلف ظاهر كل لغة باختلاف الطريقة التي تدير بها تلك القواعد وتنظمها وتطبقها من خلال آليّاتها اللغوية الخاصة. ومن ثم فإن اختلاف اللغات في صورتها الظاهرة لا يعني بالضرورة اختلاف الأسس التي تقوم عليها عملية إنتاج اللغة.

وعند تطبيق هذه الرؤية في اللغة العربية تظهر نتائج يمكن أن تسهم في تحديث المنهج النحوي، وأن تستكمل المسيرة التي بدأها الداعون إلى تجديد الدرس النحوي، ولكن بمنهج يقوم على تنظيم القواعد وفق نظرية تتبنى المعنى والوظيفة والسياق.

لماذا سُمّيت نظرية الصفر اللغوي؟

سُمّيت النظرية (نظرية الصفر اللغوي) لأن الصفر يمثل مرحلة البدء والانطلاق؛ فالصفر اللغوي هو المرحلة التي يبدأ منها تكوين الجملة في الذهن، ويبدأ فيها الربط بين مكوناتها تمهيدًا للانتقال إلى إنتاج جمل لا حصر لها، مترابطة مع بعضها، تناسب مقتضى الحال والسياق الذي يحتضنها، ثم يأتي علم النحو ليضع لها القواعد المناسبة لنظام إنتاجها.

وبذلك لا يكون الصفر فراغًا لغويًا ولا يعني العدم، وإنما هو مرحلة البدء والتأسيس الذهني التي تسبق تشكل البنية اللغوية الظاهرة.

من الكل إلى الجزء

توصلت نظرية الصفر اللغوي إلى تصور لآليّة تكوين الجمل في الذهن. وهذه الآليّة لا تبدأ بالكلمات لتصل منها إلى المعنى الكلّي، وإنما ينطلق الذهن من الفكرة الكاملة، ثم يربط بين أجزائها، ثم يختار الكلمات والصيغ اللغوية المناسبة لتحقيقها في صورة جملة أو جمل مرتبطة مع بعضها، في ضوء القواعد الأساسية التي تفصلّها النظرية. (ينظر: نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلي وتطبيقاتها في العربية، دار كنوز المعرفة، الأردن)، وهذا التصور يقود إلى مبدأ جوهري في النظرية، هو: الانتقال من الكل إلى الجزء، وليس من الجزء إلى الكل.

ويمثل هذا المبدأ أحد أهم الفروق المنهجية بين نظرية الصفر اللغوي والمنهج النحوي التقليدي؛ إذ يبدأ التحليل في المشروع المقترح من الوحدة الكلية ثم يتدرج إلى مكوناتها، بدلًا من أن يبدأ من الأجزاء المتفرقة ثم يحاول تركيب الكل منها.

ويكون التسلسل في التحليل على النحو الآتي:

النص - معناه الكلّي - أنواع الجُمل فيه - الروابط بين الجمل - الزمن المهيمن على النص والجمل في سياقها - معنى كل جملة - العلاقات النحوية بين أجزائها، كالفاعلية والمفعولية - تحديد زمن الفعل في ضوء السياق - علامات الإعراب.

وبذلك تصبح العلامة الإعرابية نتيجة لتحليل العلاقة والمعنى، لا نقطة البداية التي يُبنى عليها التقعيد.

مواضع نحوية بحاجة إلى التحديث

أولًا: إعادة ترتيب العلاقة بين المعنى والإعراب

من المبادئ الأساسية في نظرية الصفر اللغوي أن الإعراب والعلامات الإعرابية، من رفع ونصب وجر وجزم، رموز تشير إلى المعاني النحوية والوظائف التي تؤديها الكلمات في السياق.

أما في المنهج التقليدي فتجد أن العلامة الإعرابية محور مهم في تنظيم أبواب التقعيد؛ فتجمع المرفوعات في أبواب، والمنصوبات في أبواب، والمجرورات في أبواب، وتجمع موضوعات مختلفة تحت عنوان واحد بسبب اشتراكها في العلامة الإعرابية، مثل جمع كان وأخواتها، وجمع إن وأخواتها، وأدوات نصب الفعل المضارع وأدوات جزمه.

ولو لاحظنا الجُمل التي تشتمل عليها هذه الألفاظ لوجدناها مختلفة من حيث المعنى؛ فوجود ليس في مجموعة كان وأخواتها، ووجود لن مع أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن، ووجود ليت ولعل مع إن، وأن، وكأن، ولكن، يكشف اختلافًا واضحًا في المعاني التي تؤديها هذه العناصر، وإن اشتركت في بعض الخصائص الإعرابية.

أما في المنهج المقترح، فإن الاتجاه ينقلب: المعنى والوظيفة النحوية هما محور التقعيد، والعلامة الإعرابية تأتي نتيجة لهما ودليلًا عليهما.

وعليه، لا يكون السؤال الأول: ما العلامة الإعرابية لهذه الكلمة؟ وإنما: ما نوع الجملة التي تحتوي على هذه الكلمة؟ وما الوظيفة التي تؤديها في الجملة؟ وما العلاقة التي تربطها بغيرها؟ ثم تأتي العلامة الإعرابية لتدل على هذه الوظيفة حيث تكون ظاهرة أو مقدرة أو غير ذلك من صور النظام العربي.

ثانيًا: تعدد الدلالة الزمنية في الجملة العربية

في المنهج التقليدي تقسم الأفعال إلى ثلاثة: ماضٍ ومضارع وأمر. أما نظرية الصفر اللغوي فتوجه النظر إلى زمن الفعل من خلال السياق؛ لأن الصيغة الصرفية الواحدة قد تؤدي دلالات زمنية متعددة بحسب السياق.

وهذا لا يكشف فقط عن أهمية السياق في تحديد الزمن، وإنما يكشف كذلك عن ثراء اللغة العربية وقدرتها على التعبير مهما تعددت الدلالات الزمنية، وهو أمر تشترك فيه العربية مع لغات أخرى؛ فاللغة الإنجليزية، مثلًا، تستعمل صيغًا وتراكيب متعددة للتعبير عن فروق زمنية دقيقة، ومن ثم فإن تعدد الدلالة الزمنية في العربية ليس خروجًا عن طبيعة اللغات، بل هو مظهر من مظاهر ثرائها و قدرتها على التعبير عن المعاني الزمنية المتنوعة.

ومن أمثلة الدلالات الزمنية التي يمكن أن يؤديها الفعل في العربية بحسب السياق:

- الماضي: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾.

- الماضي التام: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾.

- الماضي المستمر: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ﴾.

- المستقبل المؤكد: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.

- الحاضر أو المطلق: تشرق الشمس من الشرق.

- المستقبل القريب أو البعيد: سيفوز فريقنا، أو سوف يفوز فريقنا.

فهذه الأمثلة تبين أن الدلالة الزمنية ينبغي ألّا تُفهم بمعزل عن السياق الذي ترد فيه الصيغة، وأن الصيغة الواحدة قد تتسع لدلالات زمنية مختلفة بحسب المقام والسياق.

ويمكن ملاحظة الفرق في معالجة الفعل في هاتين الآيتين الكريمتين:

 في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

يعامل الفعل (جاء) والفعل (أتى) في المنهج التقليدي بوصفه فعلًا ماضيًا بحسب صيغته، في أي سياق يرد فيه.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فإن التحليل ينظر إلى الزمن الذي يؤديه الفعل في سياقه؛ فالفعل (جاء) والفعل (أتى) هنا يؤديان دلالة المستقبل في السياق القرآني، ولذلك يمكن وصف كل منهما من جهة دلالته الزمنية بأنه فعل يدل على المستقبل المؤكد.

فلا يقال، بحسب نظرية الصفر اللغوي، إنه (فعل ماضٍ)، وإنما يقال: فعل، زمنه المستقبل.

وهذا يعني عدم ربط الزمن بصيغة الفعل في الاصطلاح، إذ يكفي أن يعرف الطالب أنه فعل، ثم يحدد زمنه حسب السياق الذي يرد فيه.

وهنا يبرز الفرق بين النظر إلى الصيغة وحدها، وهي مجردة من سياقها، والنظر إلى الصيغة في سياقها وحسب معناها.

ثالثا: موضوعات بحاجة إلى إعادة النظر في تحليلها

1- العلاقة الوظيفية بين ركني الإسناد

مثال: زيدٌ نجحَ

بحسب التحليل التقليدي القائم على نظرية العامل:

زيد: مبتدأ مرفوع.

نجح: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير مستتر تقديره «هو».

والجملة الفعلية (نجح) في محل رفع خبر للمبتدأ.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فينظر إلى العلاقة بين الركنين في ضوء الوظيفة التي يؤديها كل ركن:

زيد: فاعل مقدم.

نجح: فعل، زمنه الماضي.

ومثل ذلك: الطلاب نجحوا.

في المنهج التقليدي:

الطلاب: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.

نجحوا: فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة.

الواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.

والجملة الفعلية في محل رفع خبر للمبتدأ.

أما في نظرية الصفر اللغوي:

الطلاب: فاعل مقدم مرفوع وعلامة رفعه الضم.

نجحوا: فعل، زمنه الماضي، والواو لاحقة تشير إلى أن الفاعل جمع مذكر.

ومثل ذلك الألف في «الطالبان نجحا»، والنون في «الطالبات نجحن»؛ فكل ما اتصل بالفعل إنما هو لواحق تشير إلى الفاعل المتقدم.

مثال قرآني في بناء الجملة

في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ.... علمت نفس ما قدمت وأخرت﴾

يختلف التحليل بين النظريتين.

في المنهج التقليدي، القائم على نظرية العامل، يقال:

إذا: أداة شرط غير جازمة لما يستقبل من الزمان.

السماء: فاعل لفعل محذوف وجوبًا يفسره الفعل المذكور، والتقدير: إذا انفطرت السماء انفطرت. (هنا يٌفرض على النص كلمات لا وجود لها في واقع الآية)

انفطرت: فعل ماضٍ مبني على الفتح، مؤكد للفعل المحذوف.

التاء: تاء التأنيث الساكنة لا محل لها من الإعراب.

أما في نظرية الصفر اللغوي، فينظر إلى الجملة في بنائها الظاهر والعلاقة المعنوية بين كلماتها في السياق:

إذا: أداة شرط لما يستقبل من الزمان.

السماء: فاعل مقدم مرفوع.

انفطرت: فعل، زمنه المستقبل بالنظر إلى السياق.

التاء: لاحقة دالة على الفاعل المؤنث.

وبذلك يُستغنى عن افتراض الحذف والتقدير حين لا تكون هناك حاجة إليه في تفسير العلاقة القائمة بين الكلمات في الجملة.

2-  إعادة النظر في معالجة «كان وأخواتها»

لنأخذ مثالين:

كان زيدٌ معلمًا.

كان زيدٌ يعلّمُ الأولادَ.

بحسب نظرية العامل والمنهج التقليدي، تعد كان وأخواتها أفعالًا ناقصة تدخل على المبتدأ والخبر، فترفع الأول ويسمى اسمها، وتنصب الثاني ويسمى خبرها.

فإذا كان الخبر فعلًا، يعرب الفعل على أن فاعله ضمير مستتر تقديره «هو»، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان. وهذا يعني تقدير ما لا حاجة لتقديره لأنه مذكور في الجملة.

أما بحسب نظرية الصفر اللغوي، فإن الاتجاه يكون نحو المعنى الذي تؤديه هذه العناصر في الجملة وفي السياق.

وينظر إلى كان وأخواتها، باستثناء (ليس لاختلاف وظيفتها الدلالية)، بوصفها موجّهات للزمن؛ لأنها في الغالب لا تتضمن في بنائها حدثًا مستقلًا وحدوثًا، ولكن وجودها في الجملة يوجه زمن الفعل الذي ترافقه هذه الألفاظ.

والزمن يهيمن على الجمل، أيا كان نوعها، سواء أكانت جملًا فعلية أم جملًا اسمية.

كان زيدٌ معلّمًا: جملة خبرية، زمنها الماضي لوجود «كان». زيد: مخبر عنه أو مسند إليه مرفوع. معلّمًا: خبر منصوب.

كان زيدٌ يعلّمُ الأولادَ : (كان يعلّم) فعل، زمنه الماضي لاقترانه بـ«كان». زيد: فاعل مرفوع. الأولاد: مفعول به منصوب.

وهنا يتم التعامل مع (كان يعلّم) على أن هذين الجزأين يعبران عن فعل واحد لا يصح فصله عند التحليل.

ومثل ذلك: أمسى المريضُ يتألمُ.

المريض: فاعل مرفوع.

أمسى يتألم: فعل، زمنه الماضي وقت المساء.

إذن «أمسى» توجه زمن الحدث إلى الماضي المرتبط بوقت المساء.

وهكذا يصبح التقعيد قائمًا على الوظائف التي تؤديها الكلمات في الجملة وفي السياق، أي على المعنى، لا على مجرد إدراج هذه الأدوات في باب واحد بسبب العلامات الإعرابية.

3-  إعادة النظر في أفعال المقاربة والشروع

مثال: كاد الطفلُ يغرقُ.

في المنهج التقليدي، بحسب نظرية العامل:

كاد: فعل ماضٍ مبني على الفتح.

الطفل: اسم كاد مرفوع بالضمة.

يغرق: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على الطفل.

والجملة الفعلية في محل نصب خبر كاد.

أما في ضوء نظرية الصفر اللغوي، فما سمي أفعال المقاربة والشروع لا ينظر إليها على أنها أفعال؛ لأنها لا تتضمن الحدث والحدوث اللذين هما ركيزة البناء الفعلي، وإنما هي ألفاظ توجه حدوث الفعل المقترنة به، فتوجهه نحو المقاربة أو نحو الشروع.

لذلك لا تفصل (كاد (عن (يغرقُ) في مثل هذه الجملة، وإنما تحلل على النحو الآتي:

كاد يغرق: فعل قريب الحدوث، زمنه الماضي.

الطفل: فاعل مرفوع.

وبذلك تنتقل المعالجة من حفظ أبواب وتصنيفات قائمة على العمل الإعرابي إلى فهم الوظيفة التي تؤديها الكلمة داخل المعنى الكلي للجملة.

4-  إعادة النظر في دراسة الجمل المنفية والأدوات

في المنهج التقليدي، وحسب نظرية العامل، توزعت دراسة الجمل المنفية بين أدوات جزم الفعل المضارع، وهي كثيرة وسياقاتها متنوعة ومختلفة من حيث المعنى، ومن هذه الأدوات (لم) ، أما (لن) فجاءت مع أدوات نصب الفعل المضارع، وهي كثيرة أيضًا وسياقاتها مختلفة من حيث المعنى .

وهذا يعني أن المنهج التقليدي جمع أدوات لا يربطها رابط معنوي، وكل ذلك بسبب التركيز على العلامة الإعرابية وجعلها محور التقعيد.

فقد جمع المنهج التقليدي (لن) مع (أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن) على أنها أدوات نصب الفعل المضارع، فيضطر الطالب إلى حفظها، والحفظ، إن لم يكن مقترنًا بالفهم النابع من واقع اللغة، سرعان ما يُنسى.

أما في ضوء نظرية الصفر اللغوي، فتدرس الجمل المنفية وكل ما يتعلق بها في موضوع واحد:

لا يكذبُ زيدٌ: النفي في الحاضر والمطلق.

لم يكذبْ زيدٌ النفي في الماضي.

لن يكذبَ زيدٌ : النفي في المستقبل.

وبذلك يكون اختلاف العلامات الإعرابية على الفعل إشارة إلى اختلاف المعنى.

أما (أن، وكي، ولام التعليل، والفاء السببية، وإذن)، بعد إخراج (لن) من المجموعة، فهي أدوات ربط بين عبارتين لتتألف منهما جملة واحدة ، نحو : يدرس الطالب كي ينجح ، يسرني أن تنجح.

أو ربط بين جملتين في سياق بين متكلم ومتلق، كقولك: يقرأ زيدٌ كثيرًا، فيكون التعقيب من المتلقي: إذن ينجحَ. وكذا باقي أدوات الربط، والفعل المرتبط يكون منصوبًا.

وهناك موضوعات أخرى يمكن معالجتها بالطريقة نفسها، من حيث النظر إلى معنى الجملة في سياقها، ثم الوظائف التي تؤديها الكلمات داخل الجملة من أجل تحقيق المعنى المقصود، وتكون العلامات الإعرابية إشارات إلى اختلاف الوظائف التي تؤديها الكلمات في الجملة.

نحو مشروع قابل للمناقشة والاختبار

إن القصد من هذا المشروع ليس إلغاء التراث النحوي، ولا إنكار ما أنجزه علماؤنا، وإنما إعادة النظر في مسار بناء القواعد وتنظيم أبوابها وتعليمها بالطريقة التي تناسب فكر الدارسين في العصر الحديث، والإفادة مما توصلت إليه الدراسات اللسانية الحديثة في توجيه النظر إلى المعنى والسياق والوظيفة النحوية، وتأتي العلامة الإعرابية في موقعها الطبيعي بوصفها رمزًا ودليلًا على تلك الوظائف.

وإذا كان تحديث النحو العربي قد شغل عددًا كبيرًا من علمائنا وباحثينا، فإن الحاجة اليوم تبدو مهيأة للانتقال إلى مرحلة اتخاذ القرار بشأن التحديث واختبار نظرية الصفر اللغوي بوصفها نظرية قادرة على تقديم منهج متكامل يعدّل مسار المنهج التقليدي في المواضع التي باعد فيها بين القاعدة والمعنى والوظيفة التي تؤديها الكلمات في سياقها، مع الأخذ بالمقترحات البناءة لسد الثغرات إن وجدت.

ومن هنا أقترح أن يناقش الأساتذة المتخصصون في اللسانيات العربية وغير العربية هذا المشروع، وأن تضم اللجنة العلمية متخصصين في النحو واللسانيات العربية إلى جانب متخصصين في لسانيات اللغات الأخرى، بما يتيح مقارنته بالمناهج النحوية المعروفة في اللغات الأخرى، وبيان مدى صلاحيته للإسهام في تحديث قواعد اللغة العربية وإعادة بناء مناهج تعليمها.

فاللغات، على تنوعها واختلاف تفاصيلها، سواء أكانت لغات معربة أو غير معربة، أو اشتقاقية أو غير ذلك، تشترك في منطق موحد هو التعبير عن المعاني، ومن هنا تأتي أهمية إخضاع المشروع للمناقشة العلمية والمقارنة والاختبار.

إن عزوف الطلبة عن تعلم العربية، بل والتندر على بعض قواعدها في قولهم (كان وأخواتها وبنات عمها وبنات خالاتها)، يقتضي فتح باب الدراسة والمناقشة لهذا المشروع، والبحث في إمكان بناء درس نحوي يجعل القاعدة وسيلة للفهم لا غاية قائمة بذاتها.

والغاية ليست استبدال نظرية بنظرية لمجرد الرغبة في التغيير، وإنما الوصول إلى منهج علمي أكثر اتساقًا مع طبيعة اللغة:

يبدأ من الكل إلى الجزء، ومن المعنى إلى الوظيفة، ومن الوظيفة إلى العلامة، ويجعل القاعدة وسيلة لفهم اللغة لا غاية قائمة بذاتها.

والله عزّ وجل من وراء القصد.

***

د. سناء حميد البياتي

قراءة تأويلية في المشهد الراهن

ليست كلّ إصابةٍ ألمًا، كما ليست كلُّ معاناةٍ قابلةً للاختزال في الألم. هذه التفرقة الريكورية، التي تبدو في ظاهرها لغوية، تنفتح في العمق على أنطولوجيا كاملة للإنسان: ماذا يعني أن نتألم؟ وماذا يعني أن نعاني؟ وأين يبدأ الألم بوصفه إحساسًا، وأين تبدأ المعاناة بوصفها اختلالًا في علاقتنا بأنفسنا وبالآخر وبالعالم؟

في نصه الشهير «المعاناة ليست الألم» (La souffrance n’est pas la douleur)، يحرص بول ريكور على ألا يجعل المعاناة مجرد اسم آخر للألم. فالألم، في أحد مستوياته، يتعلق بما يُحَسّ في الجسد أو النفس، أما المعاناة فتتصل، على نحو أعمق، بانحسار القدرة الإنسانية: القدرة على الفعل، والكلام، والسرد، وتقدير الذات، والدخول في علاقة مع الآخر. لذلك فالمعاناة ليست مجرد «ألم أشد»، وإنما هي تجربة يتراجع فيها الإنسان عن إمكاناته التي كان بها يسكن العالم.

ومن هنا يمكن أن نقرأ الراهن الجزائري، في لحظاته المثقلة بالفقد والحرائق والخوف والقلق الجماعي، لا من جهة ما أصاب الأجساد والأمكنة فقط، بل من جهة ما أصاب معنى العيش المشترك. فالكارثة حين تقع لا تترك وراءها رمادًا ماديًا فحسب؛ إنها تترك سؤالًا معلقًا في الذاكرة: ماذا حدث لعلاقتنا بالمكان؟ ماذا حدث لشعورنا بالأمان؟ وكيف يمكن أن يستعيد الإنسان قدرته على النظر إلى الغد بعد أن اهتزّ العالم الذي كان يظنه مألوفًا؟

هنا تصبح عبارة ريكور أكثر من أطروحة فلسفية: «المعاناة ليست الألم» ليست فصلًا بين تجربتين، بل انتقال من مستوى الجسد إلى مستوى العلاقة. الألم يمكن أن يكون في الجسد؛ أما المعاناة فتحدث في المسافة بين الإنسان والعالم.

فالذي فقد مأواه لا يعاني فقط من ألم الفقد، وإنما من اختلال معنى «المأوى». والذي رأى النار تقترب من أرضه لا يتألم فقط من مشهد الاحتراق، بل يعاني من اهتزاز صورة المكان الذي كان يمثل له السكينة والذاكرة والانتماء. والذي فقد عزيزًا لا يحمل ألم الغياب فحسب؛ إنه يجد نفسه أمام عالم تغيرت فيه بنية الحضور نفسها. ولذلك فإن المعاناة، بالمعنى الريكوري، هي نوع من الجرح الذي يصيب العلاقة قبل أن يصيب الشيء.

من الإنسان المتألم إلى الإنسان القادر.

تنبني فلسفة ريكور للمعاناة على فكرة القدرة (capacité). فالذات عنده ليست ذاتًا مكتفية بالتأمل في نفسها، وإنما هي ذات تستطيع: تستطيع أن تقول، وأن تفعل، وأن تحكي، وأن تتحمل مسؤولية أفعالها، وأن تتعرف إلى نفسها من خلال علاقتها بالآخر. ومن ثم فإن المعاناة تظهر حين تتعرض هذه القدرة للتقلص أو الانسحاب. وهذا ما يجعلها مختلفة عن الألم في دلالته الضيقة.

وهذا المفهوم يسمح لنا بأن نفهم الراهن الجزائري من زاوية أكثر إنسانية. فالمأساة لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل أيضًا بمقدار ما تحدثه من عجز في القدرة على الفعل. قد يجد الإنسان نفسه غير قادر على إنقاذ ما يحب، أو عاجزًا عن حماية المكان، أو غير قادر على تفسير ما حدث، أو فاقدًا للكلمات التي كان يستطيع بها أن يحكي تجربته.

عند هذه النقطة يصبح الصمت نفسه جزءًا من المعاناة.

فالإنسان المعاني ليس فقط من يتوجع؛ إنه أحيانًا ذلك الذي لا يجد اللغة الكافية لقول وجعه. ومن هنا تأتي أهمية السرد عند ريكور. فالإنسان لا يستعيد ذاته بمجرد أن ينسى ما حدث، وإنما من خلال القدرة على إعادة صياغة التجربة داخل قصة تمنحها موضعًا في الزمن. ولهذا يرتبط الألم عند ريكور ارتباطًا وثيقًا بالسرد والذاكرة والهوية.

إن الكارثة، حين لا تُروى، تبقى جرحًا بلا لغة. أما حين تتحول إلى ذاكرة جماعية، فإنها تبدأ في مغادرة صمت الصدمة نحو إمكان المعنى.

الآخر: من العزلة إلى التضامن

لكن المعاناة لا تنكشف فقط في علاقة الإنسان بنفسه؛ إنها تظهر كذلك في علاقته بالآخر. وهنا تتقاطع فلسفة ريكور مع فكرة التضامن تقاطعًا بالغ العمق. فالمعاناة قد تدفع الإنسان إلى الانغلاق والعزلة، إلى الشعور بأنه وحيد داخل تجربته، وأن الآخرين يقفون خارج عالمه. وقد أشار ريكور إلى هذا البعد في تحليله للمعاناة، حيث تتقاطع علاقة الذات بالآخر مع تجربة فقدان القدرة.

لكن ما حدث في الجزائر راهنا يتيح لنا أن نرى الوجه المقابل: التضامن بوصفه مقاومة لعزلة المعاناة.

فاليد التي تمتد إلى المتضرر لا تزيل عنه ألمه، لكنها تقول له إن ألمه لم يعد محكومًا بالعزلة. والجماعة التي تلتف حول من أصابته الكارثة لا تلغي الفقد، لكنها تمنح الفقد معنى آخر: معنى أن الإنسان يمكن أن يُحمل في ضعفه كما يُحمل في قوته.

وهنا تتخذ كلمة «معًا» دلالتها الفلسفية.

ليست «معًا» مجرد اجتماع مكاني، وإنما هي صيغة أخلاقية للوجود. إننا نكون معًا حين يصبح ضعف الآخر شأنًا يخصنا، وحين لا نكتفي بمشاهدة المعاناة من الخارج. وفي هذا المعنى يمكن القول إن التضامن هو استعادة مشتركة للقدرة: قدرة المتضرر على النهوض، وقدرة الجماعة على الاعتراف، وقدرة المجتمع على تحويل المأساة إلى مسؤولية.

الجزائر: حين تصبح الكارثة سؤالًا تأويليًا

ليس التأويل عند ريكور ترفًا لغويًا يُمارس بعد انتهاء الأحداث؛ إنه فعل يمنح التجربة إمكانية أن تُفهم. وما حدث في الجزائر لا يحتاج فقط إلى من يسجل وقائعه، وإنما إلى من يسأل عن معناه الإنساني.

ماذا تقول لنا هذه الكارثة عن علاقتنا بالطبيعة؟

ماذا تقول عن معنى الوطن؟

ماذا تقول عن هشاشة الإنسان؟

وماذا تقول عن قدرتنا على أن نحول الخوف إلى تضامن؟

هذه الأسئلة لا تبحث عن «سبب» بالمعنى التقني وحده، بل عن المعنى الذي يمكن أن يتولد من الحدث.

وهنا تظهر الوظيفة التأويلية للفلسفة: ألا تجعل المأساة مجرد نهاية، بل أن تبحث عن الإمكان الكامن في داخلها. ليس الإمكان بمعنى تبرير الكارثة، فالمعاناة لا تحتاج إلى تبرير، وإنما بمعنى أن ما حدث يمكن أن يصبح مناسبة لإعادة بناء علاقتنا بالآخر وبالمكان وبالمستقبل.

لقد كان ريكور حذرًا من اختزال الإنسان في كونه ذاتًا فاعلة فقط؛ فالإنسان أيضًا كائن يتلقى ويعاني ويتعرض لما يفوق قدرته. لكن هذا الجانب المنفعل لا يلغي القدرة تمامًا؛ إذ يبقى هناك «أقل قدر من الفعل» في القدرة على التحمل والمقاومة وإعادة بناء المعنى. وقد ربط ريكور نفسه بين agir وpâtir، بين الفعل والتعرض للمعاناة.

وهنا تكمن إحدى أكثر أفكاره إنسانية: أن الإنسان قد لا يستطيع اختيار ما يحدث له، لكنه يستطيع، ضمن حدود مؤلمة، أن يشارك في تحديد ما سيصير إليه بعد ما حدث له.

الذاكرة بوصفها مسؤولية

ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال بعد الكارثة: متى ننسى؟

بل: كيف نتذكر؟

فالنسيان قد يغلق الجرح ظاهريًا، لكنه لا يمنحه بالضرورة معنى. أما الذاكرة التأويلية فليست إعادة اجترار للمأساة، وإنما تحويلها إلى مسؤولية. وهذا يلتقي مع مشروع ريكور الأوسع في التفكير في الذاكرة والتاريخ والنسيان، حيث تصبح علاقتنا بالماضي جزءًا من مسؤوليتنا تجاه الحاضر والمستقبل.

أن نتذكر يعني أن نرفض أن يتحول الألم إلى رقم، وأن يتحول الفقد إلى خبر، وأن تتحول الكارثة إلى صورة عابرة في شاشة الذاكرة.

أن نتذكر يعني أن نقول: لقد حدث هذا، ولذلك ينبغي أن نتعلم كيف لا نترك معناه يضيع.

من المعاناة إلى الرجاء

لا تنتهي القراءة الريكورية عند تشخيص الجرح. فريكور، رغم حساسيته العميقة تجاه الشر والمعاناة والهشاشة، لا يترك الإنسان في عتمة العبث. إن فلسفته تقوم، في جانب منها، على استعادة إمكان الفعل من قلب العجز، وإمكان السرد من قلب الصمت، وإمكان الاعتراف من قلب الانقسام.

ولهذا يمكن للراهن الجزائري أن يُقرأ بوصفه لحظة اختبار للقدرة على تحويل المعاناة إلى تضامن، والتضامن إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى رجاء.

والرجاء هنا ليس تفاؤلًا ساذجًا. إنه ليس الاعتقاد بأن كل شيء سيكون بخير، وإنما هو القدرة على إبقاء المستقبل مفتوحًا رغم أن الماضي لا يمكن تغييره.

إن النار لا تعيد ما أخذته. والفلسفة لا تستطيع أن تفعل ذلك. لكنها تستطيع أن تسأل: ماذا سنفعل بما بقي؟

وهذا هو السؤال الريكوري في أعمق صوره.

فالإنسان ليس فقط ما أصابه، وإنما أيضًا ما يستطيع أن يصنعه من أثر ما أصابه.

ومن هنا، فإن الألم يخص الجسد، لكن المعاناة تخص الوجود؛ الألم يُحَسّ، أما المعاناة فتُعاش؛ الألم يوجع الإنسان، أما المعاناة فتضعه أمام هشاشة قدرته على أن يكون وأن يفعل وأن يقول وأن يعيش مع الآخرين.

وفي المشهد الجزائري الراهن، ربما كان الدرس الأكثر إنسانية أن الكارثة، وهي تكشف هشاشتنا، كشفت في الوقت نفسه إمكانية أخرى: أن تتحول هشاشة الفرد إلى قوة الجماعة، وأن يتحول جرح الواحد إلى مسؤولية الجميع.

وهنا لا يعود التضامن مجرد فضيلة اجتماعية، بل يصبح جوابًا تأويليًا عن المعاناة.

إننا لا نداوي المعاناة بالكلمات وحدها، ولا نتجاوزها بمجرد النسيان؛ وإنما نمنحها إمكانًا جديدًا حين نعيد الإنسان إلى شبكة العلاقات التي تمنحه القدرة على الفعل والقول والرجاء.

وربما لهذا يمكن أن نختم، مع ريكور، لا عند حدود السؤال: «كيف نتألم؟»، وإنما عند السؤال الأبعد:

كيف نعيد إلى الإنسان، بعد المعاناة، قدرته على أن يقول: أنا، وأن يقول معها: نحن؟

ففي المسافة بين «أنا» و«نحن» يولد التضامن، وفي المسافة بين الجرح والمعنى يبدأ التأويل.

الألم يطرق باب الجسد؛

أما المعاناة فتطرق باب العالم.

والتأويل لا يغلق الباب، بل يعلّمنا كيف نفتح منه نافذة على الغير.

***

بقلم: د. معروفي العيد

...................

الهوامش:

1. Paul Ricœur, «La souffrance n’est pas la douleur», in Claire Marin et Nathalie Zaccaï-Reyners (dir.), Souffrance et douleur. Autour de Paul Ricœur, Paris, PUF, 2013, pp. 13–34.

2. Paul Ricœur, «La souffrance n’est pas la douleur»,op,  cit.

وهو النص الذي صاغ فيه ريكور التمييز بين souffrance وdouleur بصورة مباشرة.

Paul Ricœur, Soi-même comme un autre, Paris, Seuil, 1990. ويحتل فيه سؤال الذات والغير والقدرة والمسؤولية موقعًا مركزيا.

. 3Paul Ricœur، Du texte à l’action. Essais d’herméneutique II, Paris, Seuil, 1986في صلته بمشروع ريكور التأويلي الذي ينتقل من فهم النص إلى فهم الفعل

بوسايدون وأثينا كاستعارتين لجدلية القوة والمؤسسة

الميثولوجيا التفكيكية للسيادة

لقراءة البنية التحتية للهيمنة المعاصرة، تتيح الرمزية الأسطورية الإغريقية أداة تفكيكية ترفع الغطاء عن الأقنعة الأيديولوجية للنظام الدولي؛ فالنزاع الأسطوري التأسيسي بين بوسايدون وأثينا ، حول حق رعاية مدينة أثينا، يجسد صراعاً وجودياً بين نمطين من القوة والسلطة. هذا التقابل ليس مجرد مروية خيالية، بل هو ترسيمة فلسفية تتقاطع بعمق مع الجغرافيا السياسية ونظريات العنف والسيادة.

السيادة البحرية الإمبراطورية والعنف الخام

يُجسد بوسايدون في التحليل الفلسفي الجيوسياسي ، الذي استعاده كارل شميت في أطروحته "الأرض والبحر"، ومثله أفلاطون في محاورة "كريتياس" حول قارة أطلانطس المفقودة،منطق السيادة البحرية الحركية القائمة على الوفرة المادية، والتدفقات التجارية، والقدرة التدميرية الساحقة التي ترفض التقيد بالحدود الثابتة لناموس الأرض المستقر. إن بوسايدون هو التمثيل الرمزي للقوة العسكرية العاتية، وللقبضة البحرية الإمبراطورية القادرة على إحداث الزلازل وإثارة العواصف لفرض الهيمنة وتأمين المضائق والممرات الحيوية. وعندما يستشعر الوكلاء الإقليميون الخطر الداهم، فإن استغاثتهم تتجه تلقائياً إلى بوسايدون؛ أي أنهم يطالبون الراعي الإمبراطوري بإطلاق العنان للقوة التدميرية الفجة، واستخدام الأساطيل الجوالة وحاملات الطائرات والضربات الصاروخية لردع الخصوم وتثبيت الأوضاع بالقوة الصلبة العارية.

عقلنة العنف وتأطير القانون

في الجانب المقابل، تمثل أثينا سلطة العقل المؤسسي، والتخطيط العقلاني البارد، والمكر التقني الذي يعيد إنتاج السيطرة دون استعمال الصدمة التدميرية العشوائية، بل عبر الهيكلة الإجرائية والقانونية. وكما يظهر في ثلاثية "الأوريستيا" لإسخيلوس، لم تضع أثينا حداً للعنف حينما أقامت محكمة التل العالي "الأريوباغوس" لحل نزاع أوريستيس وتهدئة ربات الانتقام، بل قامت بامتصاص العنف البدائي وإدماجه داخل نسيج القانون والدولة، محولةً الثأر الغريزي إلى قضاء منظم ومحتكر.

يرتبط هذا الانقلاب مباشرة بأطروحة فالتر بنيامين في مؤلفه التأسيسي "نقد العنف"؛ إذ يفكك بنيامين الأصول الميثولوجية للقانون عبر التمييز الحاسم بين "العنف المؤسس للقانون" و"العنف الحافظ للقانون". ويوضح بنيامين أن القانون ليس نقيضاً للعنف، بل هو تمظهر أسطوري له يتخذ شكل عنف يفرض الحدود ويُخضع الحياة الإنسانية المجردة لسلطة الذنب والواجب الدائمين. وتلعب أثينا هنا دور الحارس لهذا العنف الأسطوري المنظم؛ فعندما يشتكي الوكلاء بمرارة ويطلبون تدخلاً عسكرياً بطاشاً، تتدخل أثينا لتزجرهم وتكبح جماحهم، ليس حرصاً على إرساء السلم، بل إعلاءً لعقلانية "النظام القائم على القواعد"، وتذكيراً بالتكاليف الحسابية، والمصالح البيروقراطية العليا، والمشروطية الاقتصادية والسياسية التي تمنع التورط في مغامرات غير محسوبة العواقب.

توحش السيادة والتفكيك البنيوي

يتعمق التناقض عند تفكيك بنية السيادة ذاتها من منظور جاك دريدا في كتابيه "الدول المارقة" و"الوحش والسيّد"؛ إذ يكشف دريدا أن السيّد المطلق يتقاطع وجودياً مع "الوحش" أو الكيان "الخارج عن القانون"؛ فكلاهما يشترك في خاصية مفصلية تتجلى في التواجد خارج القانون والتعالي عليه. فالوحش يجهل القانون بحكم طبيعته الغريزية، بينما السيّد يمتلك سلطة تعليق القانون وإعلان حالة الاستثناء وفق النموذج الشميتي.

تتجلى في هذا السياق آلية "الانتحار المناعي الذاتي" للسيادة؛ حيث إن النظام السيادي، في مسعاه لحماية حصانته ومناعته من الاختراق والانهيار، يلجأ إلى ممارسات استثنائية تؤدي إلى تقويض الأسس والمبادئ القانونية والمعيارية التي يستمد منها مشروعيته ذاتها. وهكذا تتحول الدولة الإمبراطورية الحامية إلى قوة تمارس الخروج والمراوغة حيال القواعد الدولية حين تقتضي مصلحتها ذلك، في حين تُطالب الأطراف التابعة إقليمياً بالخضوع التام للترتيبات الإجرائية، ما يجعل مشروعية القرار السياسي للدول التابعة معلقة في فراغ بنيوي بين توحش السيادة الإمبراطورية وعقلانية القوانين المفروضة قسراً.

تسليع السيادة وشبكات التبعية

لم تعد السياسة الليبرالية المستحدثة تقتصر على كونها نهجاً اقتصادياً يعتمد الخصخصة وتحرير الأسواق، بل تحولت، وفق تشريح الفيلسوفة ويندي براون في كتابها تفكيك الشعب:" الثورة الخفية لليبرالية المستحدثة"، إلى "عقلانية حكمية" شاملة تتسلل إلى مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية برمتها. تقوم هذه العقلانية بـ "تسليع" كل مجال وتغليبه اقتصادياً، مستبدلة مقولة الفاعل السياسي والمواطن الديمقراطي بمقولة "الإنسان الاقتصادي"، ومعيدةً صياغة مؤسسات الدولة ذاتها وفق نموذج "المنشأة الاستثمارية" أو الشركة التجارية التي تلهث خلف تعظيم قيمتها، وتنافسيتها، وإدارتها للمخاطر المالية.

يتلاقى هذا النموذج البنيوي مع إفرازات ما يُعرف بـ "الإدارة العامة الحديثة" التي نشأت لتطبيق تقنيات إدارة الأعمال الخاصة على أجهزة الدولة ومرافق الخدمة العامة. وقامت هذه العقيدة الإدارية على نزع الطابع السياسي عن الشأن العام، وتحويل المواطن من صاحب حقوق سيادية يشارك في الفضاء المدني إلى "مستهلك أو زبون" يُقيّم أداء مؤسساته بناءً على معايير الكفاءة والرضا الفردي وسرعة تقديم الخدمة. وعندما تسللت هذه العقلانية إلى العلاقات الدولية والدبلوماسية في الشرق الأوسط، أفرزت نمطاً مشوهاً لإدارة التحالفات الإقليمية يمكن توصيفه بنموذج "خدمة الزبائن الجيوسياسية":

يمارس النظام الإقليمي التابع سياسته الخارجية كزبون يشتري "حزمة أمن وحماية" من مراكز القوة الكبرى، متوهماً أن سداد التكاليف يمنحه حق الحصول على تغطية أمنية فورية ومضمونة. وعندما تواجه الدولة الإقليمية أزمات أمنية تهدد استقرارها، فإنها تلجأ إلى القنوات الدبلوماسية لا كشريك إستراتيجي يمتلك أهلية المبادرة، بل كزبون يرفع مذكرة شكوى إلى قسم الدعم الفني، مطالباً بالتدخل العسكري لحماية استثماراته وتأمين حدوده. غير أن هذه الشكوى تُقابل بزجر فوري من مراكز الهيمنة؛ إذ ترفض هذه المراكز التصرف كحليف التزامي تقليدي، وتتعامل بمنطق المشروطية وتقاسم الأعباء، مطالبة الزبون بتعديل سلوكه، ومضاعفة مساهمته المالية، والالتزام بمعايير الحوكمة الصارمة، وإعادة هيكلة اقتصاده الداخلي وفق إملاءات الصناديق والمؤسسات الدولية كشرط مسبق لاستمرار تقديم الخدمة.

يتطابق هذا النمط الوظيفي مع أطروحة المؤرخ والباحث الاجتماعي تشارلز تيللي حول "صناعة الدولة بوصفها جريمة منظمة"؛ والتي يقرر فيها أن وظائف الدولة في توفير الأمن وجباية الموارد تشبه إلى حد التطابق مسلك عصابات فرض الأتاوات وابتزاز الحماية. يوضح تيللي أن الفاعل المهيمن يمارس الابتزاز عبر اصطناع التهديدات الخارجية والداخلية أو تضخيمها، ثم يقدم نفسه للرعايا بوصفه الملاذ الحصري لدرء هذا الخطر، مشترطاً انتزاع الموارد والولاء المالي المطلق نظير هذا التدخل.

وفي الشرق الأوسط المعاصر، تمارس القوى الدولية هذه العقيدة الابتزازية بصيغة معولمة؛ حيث يُطلب من الدول التابعة تخصيص حصص هائلة من فوائضها المالية وعائداتها النفطية لاقتناء ترسانات أسلحة ضخمة وضخ الاستثمارات في أسواق المركز، لقاء وعود ضبابية بالحماية. وحين يقع الخطر الفعلي، يتكشف أن هذه الحماية ليست حقاً سيادياً أصيلاً ولا التزاماً مبدئياً ثابتاً، بل هي خدمة تجارية تخضع لتقلبات السوق، وتوازنات العرض والطلب، وحسابات الكلفة السياسية للمزود الإمبراطوري.

الاختبار العملياتي: حدود الردع وإكراهات الحساب البارد

جاءت الاستجابة الميدانية لنموذج بوسايدون عبر إطلاق الولايات المتحدة لتحالف "حارس الازدهار" في ديسمبر 2023، لتعقبه حملة الضربات الجوية الواسعة التي أطلق عليها البنتاغون رمزياً اسم عملية "رامي بوسايدون"، مستهدفة منصات الإطلاق ومواقع الرادارات ومستودعات الصواريخ. غير أن هذه الصدمة العسكرية عجزت عن تحقيق هدف الردع الحاسم؛ إذ أثبتت البيئة العملياتية تآكل جدوى القوة البحرية الكلاسيكية في مواجهة تكتيكات الطائرات المسيرة والزوارق الموجّهة غير المأهولة التي تُطلق بتكلفة زهيدة مقارنة بصواريخ الاعتراض الدفاعية باهظة الثمن، ما فكك معادلة التفوق التقني التقليدي وأبرز العجز البنيوي للردع الإمبراطوري.

عند هذه اللحظة الحرجة، تدخل صوت "أثينا" المؤسسي ليزجر المستغيثين ويضبط حركتهم؛ إذ لم تكن مراكز القرار الغربي على استعداد للانخراط في غزو بري جديد أو التورط في حرب إقليمية استنزافية مفتوحة لحساب الأنظمة التابعة. بل سارعت القوى الأوروبية إلى النأي بنفسها عن التصعيد الهجومي المشترك عبر تدشين عملية "أسبيدس" ذات التفويض الدفاعي الصرف المقتصر على حماية الملاحة التجارية، بغية تقليص المخاطر وحماية مسارات الطاقة دون إشعال مواجهة إقليمية شاملة. وعوضاً عن تقديم مظلة حماية مجانية ومطلقة، أُمر الوكلاء الإقليميون بتحمل أعباء حماية ممراتهم بأنفسهم عبر تكتلات محلية مستحدثة، ومواءمة موازناتهم المنهكة مع اضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد العالمية وفق القواعد الحسابية المالية الصارمة.

ينسجم هذا العجز العملياتي مع التحليل الفلسفي الجذري الذي صاغه جيل دولوز وفيليكس غواتاري في مؤلفهما "ألف هضبة"، وتحديداً في تمييزهما بين "جهاز الاحتواء والالتقاط" التابع لسلطة الدولة المركزية، و"آلة الحرب" المتحررة والمتشكلة في الفضاءات المفتوحة غير الخاضعة للترسيم. يرى دولوز وغواتاري أن جهاز التقاط الدولة يسعى دوماً إلى تقنين الفضاء وتنظيمه هندسياً، وتحويل التدفقات الحرة للسلع والبشر إلى ريع وضريبة وحركات منضبطة بيروقراطياً وقانونياً، في حين تنجح التشكيلات اللامتماثلة في كسر هذا الاحتواء عبر السيولة والانتشار المباغت.

استعصاء الارتهان وتدمير المناعة السيادية

إن الحصيلة الفلسفية والسياسية لهذا المأزق تفكك الجوهر المزعوم لـ "مشروعية القرار السياسي" لدى الأنظمة الإقليمية التابعة في الشرق الأوسط، وتظهر تهافته عبر مستويين تحليليين:

أولاً: المأزق الاستعصائي للقرار السياسي

في الرؤية التفكيكية لجاك دريدا، لا يكتسب القرار السياسي أو الأخلاقي مشروعيته الحقيقية ما لم يمر بلحظة "المأزق الاستعصائي الحائر"؛ أي الوقوف أمام فجوة الحيرة الجذرية التي لا يمكن ردمها بتطبيق آلي لقواعد حسابية جاهزة أو خوارزميات مسبقة الصنع. وإذا تحول القرار إلى مجرد إنفاذ لبرنامج تقني مسيّر أو استجابة لحسابات منفعة نفعية، فإنه ينحدر من كونه خياراً سيادياً مسؤولاً ليغدو مجرد تدبير إداري وظيفي بارد.

وهذا بالضبط ما أصاب القرار السياسي الإقليمي؛ إذ تم تفريغه من بُعده التأسيسي، واختزاله في إدارة الحسابات المالية لزبائنية السوق الدولية. وبذلك تقف العواصم التابعة في قلب مأزق مشلول الإرادة:

العجز عن خوض المواجهة: فهي عاجزة عن اتخاذ قرار الرد السيادي المستقل أو الدفاع التحرري؛ لأن قيود التبعية الأمنية والارتهان المالي تحرمها من حيازة مفاتيح التسليح والعتاد، وقطع الغيار، والغطاء السياسي والدبلوماسي.

العجز عن إقرار السلام: وهي عاجزة في الوقت عينه عن اتخاذ قرار السلام الإقليمي التأسيسي الشامل والعادل؛ لأن هذا السلام يتطلب تفكيك شبكات الريع والتبعية، والتخلي عن الاستقواء بالمظلات الأجنبية، وإعادة توزيع الثروة والسلطة داخلياً بصورة عادلة.

يتحول القرار في هذا السياق إلى ممارسة مسلوبة السيادة، يُملى مضمونها وفق منطق دفاتر الحسابات المعولمة، ما يسقط عنها أي ادعاء للمشروعية التمثيلية الأصيلة.

ثانياً: الانتحار المناعي للأنظمة التابعة

يقود التحليل التفكيكي إلى تشخيص أزمة الشرعية كعملية "انتحار مناعي ذاتي" لا فكاك منها في ظل شروط التبعية؛ فالأنظمة الحاكمة، في سعيها المحموم لحماية بقائها وتأمين ذاتها ضد التهديدات الداخلية والإقليمية، تستعين بالمظلة العسكرية الخارجية بوصفها درعاً مناعياً مستعاراً. بيد أن هذا الجهاز المناعي المستورد سرعان ما يوجّه آلياته التدميرية ضد الجسد السياسي والاجتماعي للدولة ذاتها عبر ثلاثة مسارات:

تدمير القاعدة الشعبية والفاعلية السياسية: يؤدي الركون إلى الحماية الخارجية إلى عزل السلطة عن مجتمعها، وإلغاء الحاجة إلى عقد اجتماعي ديمقراطي ومواطنة حقيقية فاعلة، ما يُفرغ المؤسسات من تمثيلها الشعبي ويحول المجتمع إلى مجرد رعايا منزوعي الإرادة السياسية يتم ضبطهم أمنياً.

الاستعداء الإقليمي الذاتي: إن تحويل أراضي الدولة ومياهها الإقليمية إلى قواعد ارتكاز متقدمة لـ "بوسايدون" الأجنبي يدفع الدولة إلى عداء مستحكم مع محيطها الجغرافي، ما يضاعف من حجم التهديدات الأمنية الموجهة ضدها بدلاً من احتوائها؛ فيغدو العتاد الذي جُلب للحماية هو المحرض الأول على استهداف أمن الدولة واستقرارها.

هشاشة الرهان التعاقدي والخدماتي: فحين تقتضي حسابات الربح الإمبراطوري إعادة التموضع، أو الانسحاب، أو فرض تنازلات قاسية، يجد النظام التابع نفسه مكشوفاً بلا حماية خارجية حقيقية تحميه، وبلا حاضنة شعبية متماسكة تسنده، ما يجعله عرضة للانهيارات الهيكلية المفاجئة.

نحو أفق متحرر من التبعية وتجاوز العنف الأسطوري

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط ظلت لعقود حبيسة ثنائية مضللة:

إما الالتجاء إلى هيجان القوة العاتية العشوائية لـ "بوسايدون" العسكري التي تجلب الخراب وتفشل في تحقيق الردع الميداني، وإما الخضوع لصرامة "أثينا" المؤسسية التي تشرعن العنف وتوظف المنظومات القانونية والديون الدولية لاستنزاف الموارد وتقليص الهوامش السيادية. وتتجذر هذه المعضلة في بنية العولمة النيوليبرالية المعاصرة التي سلّعت مفهوم الدولة وحولته إلى منشأة لتوفير الخدمات، واختزلت التحالفات الإستراتيجية في عقود إذعان تجارية تدار بمنطق "خدمة الزبائن" وابتزاز الحماية.

إن استعادة "مشروعية القرار السياسي" في المنطقة تقتضي بالضرورة قطيعة جذرية ومزدوجة:

تفكيك العنف الأسطوري المؤسس والحافظ للقانون: نزع الهالة المعيارية والقداسة الزائفة عن المنظومة الدولية التي تبرر التدخلات الإمبراطورية كأدوات لإنفاذ العدالة وحماية القانون، في حين تمارس الاستثناء الذاتي والمراوغة، وتفرض على الفواعل الإقليمية البقاء في منزلة الزبائن التابعين الخاضعين لحسابات الكلفة والمنفعة الأجنبية.

استعادة المجال السياسي وبناء القاعدة الشعبية الحرة: الانعتاق من أسر العقلانية النفعية التي أفرغت الدولة من رسالتها التحررية، والانتقال من سياسات التحوط الزبائني وشراء الأمن الخارجي إلى صياغة ميثاق أمني واقتصادي إقليمي مستقل ينبثق من الشرعية الديمقراطية للمجتمعات ذاتها؛ متجاوزاً رهانات الاستجداء لعواصف بوسايدون التدميرية، وحسابات الإذلال لدفاتر أثينا الحسابية الباردة.

***

غالب المسعودي

عندما يذكر اسم "فريدريش نيتشه" يتبادر إلى الذهن فورا ذلك الفيلسوف المتمرد الذي هز أركان الفكر الغربي في القرن التاسع عشر، وأعاد طرح الأسئلة الكبرى حول الأخلاق والدين والحقيقة والإنسان. غير أن نيتشه لم يكن فيلسوفا بالمعنى التقليدي فحسب، بل كان كاتبا يمتلك حساسية شعرية نادرة، ولغة تتجاوز حدود البرهان العقلي إلى فضاءات الرمز والاستعارة والإيقاع.

ومن هنا يبرز سؤال نقدي مهم: هل يمكن اعتبار نيتشه شاعراً حداثياً، أم أن انتماءه الفلسفي يحول دون إدراجه ضمن تاريخ الحداثة الشعرية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أولاً تجاوز التصنيف التقليدي الذي يفصل بين الفلسفة والشعر. فنيتشه نفسه كان من أبرز الرافضين لهذا الفصل الحاد بين المعرفة والإبداع. لقد رأى أن الحقيقة ليست معطى ثابتاً يمكن الإمساك به عبر المنطق وحده، بل هي بناء إنساني تتداخل فيه الرؤية والتأويل والخيال. ولهذا جاءت كتاباته أقرب إلى النصوص الأدبية منها إلى المؤلفات الفلسفية الأكاديمية. فالعبارة عنده ليست وسيلة لنقل الفكرة فقط، وإنما هي حدث جمالي قائم بذاته، يحمل طاقة شعرية تجعل القارئ يعيش التجربة الفكرية بدلاً من أن يتلقاها بصورة مجردة.

في كتابه الشهير "هكذا تكلم زرادشت" تظهر هذه النزعة الشعرية بوضوح لافت. فالكتاب لا يُبنى على الحجج المنطقية المتسلسلة، وإنما على الرؤى والاستعارات والقصص الرمزية. وشخصية زرادشت ليست مفهوماً فلسفياً مجرداً، بل قناع شعري يتحدث من خلاله نيتشه إلى العالم. إن اللغة هنا مشبعة بالإيقاع والصور والتكثيف، وهي عناصر تجعل النص قريباً من القصيدة الطويلة أو الملحمة الحديثة أكثر مما تجعله قريباً من الرسالة الفلسفية التقليدية.

ومن السمات التي تدفع إلى اعتبار نيتشه شاعراً حداثياً نزوعه الدائم إلى تحطيم الأشكال الجاهزة. فالحداثة في جوهرها ليست مجرد مرحلة زمنية، بل موقف فكري وجمالي يقوم على الشك في المسلمات ومراجعة الموروث وإعادة بناء الرؤية إلى العالم. وهذا ما فعله نيتشه بصورة جذرية عندما أعلن حربه على الحقائق المطلقة والقيم المستقرة. لقد سعى إلى تحرير الإنسان من القيود الفكرية التي كبّلته قروناً طويلة، ودعا إلى خلق قيم جديدة تنبع من إرادة الحياة نفسها. وهذا التمرد على الثوابت يُعد من أبرز الملامح التي ميزت الأدب الحداثي في القرن العشرين.

كما أن نيتشه سبق كثيراً من شعراء الحداثة في نظرته إلى اللغة. فهو لم يتعامل معها بوصفها أداة شفافة تعكس الواقع، بل رأى أنها شبكة من الاستعارات التي يصنع بها الإنسان عالمه. وهذه الفكرة ستكون لاحقاً من الأسس التي قامت عليها اتجاهات أدبية وفلسفية عديدة، بدءاً من الرمزية وصولاً إلى ما بعد الحداثة. ومن هنا يمكن القول إن نيتشه لم يكن متأثراً بالحداثة فحسب، بل كان من الممهّدين النظريين لها.

وقد انعكس تأثيره بوضوح على عدد كبير من الشعراء والكتاب في القرن العشرين. فقد وجد فيه المبدعون نموذجاً للمثقف الذي يكتب خارج الحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية. وتأثر كثير من شعراء الحداثة بلغته المتوهجة ورؤيته المأساوية للوجود وإيمانه بقدرة الإنسان على تجاوز ذاته. بل إن بعض النقاد يرون أن روح نيتشه كانت حاضرة في معظم التجارب الشعرية التي سعت إلى كسر القوالب التقليدية والبحث عن أشكال جديدة للتعبير. غير أن اعتبار نيتشه شاعراً حداثياً لا يعني أنه كان يكتب الشعر وفق المفهوم المتعارف عليه للقصيدة. فهو لم يترك ديواناً شعرياً يضاهي إنتاج الشعراء الكبار في عصره، ولم يكن هدفه الأساسي إنتاج نصوص شعرية خالصة. لكن الحداثة نفسها دفعت إلى توسيع مفهوم الشعر بحيث لم يعد مقصوراً على الوزن والقافية أو حتى على الشكل الشعري المعروف. لقد أصبح الشعر رؤية إلى العالم وطريقة خاصة في استخدام اللغة، وبهذا المعنى فإن نيتشه كان شاعراً بامتياز.

إن شعرية نيتشه تتجلى أيضاً في اعتماده على المفارقة والرمز والإيحاء. فهو لا يقدم أفكاره بصورة مباشرة، بل يترك للقارئ مهمة اكتشافها عبر طبقات متعددة من الدلالة. وهذه الخاصية تشكل إحدى الركائز الأساسية في الكتابة الحداثية التي ترفض الوضوح التقريري وتسعى إلى إشراك المتلقي في إنتاج المعنى. ولذلك فإن قراءة نيتشه ليست عملية استهلاك معرفي بسيط، بل هي مغامرة تأويلية تتطلب جهداً وخيالاً ومشاركة فكرية مستمرة. ومن ناحية أخرى، فإن صورة الإنسان في كتابات نيتشه تنسجم مع التصورات الحداثية التي جعلت الفرد محوراً للتجربة الإبداعية. فقد ركز على الذات بوصفها مشروعاً مفتوحاً للتجاوز والتكوين، لا كياناً ثابتاً ومكتملاً. ومن هنا جاءت أفكاره حول الإنسان الأعلى وإرادة القوة والتغلب على الضعف باعتبارها دعوة دائمة إلى الخلق والتجدد. وهذه الرؤية كانت قريبة من روح الحداثة التي احتفت بالحرية الفردية وبالقدرة على إعادة تشكيل الواقع.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال نيتشه في صفة الشاعر الحداثي فقط. فهو مفكر معقد تتداخل في أعماله الفلسفة والأدب والنقد الثقافي وعلم النفس. وربما تكمن فرادته الحقيقية في هذا التداخل ذاته. لقد كان يكتب في منطقة حدودية لا تنتمي بالكامل إلى أي حقل معرفي، وهو ما منح نصوصه قدرة استثنائية على التأثير والاستمرار. فالقارئ يجد عنده الفيلسوف والشاعر والنبي والناقد في آن واحد.

ويبدو البعد الحداثي في تجربة نيتشه أكثر وضوحاً إذا نظرنا إلى موقفه من التراث الثقافي والفلسفي الأوروبي. فقد كان يدرك أن كل مشروع إبداعي جديد لا يمكن أن يولد من فراغ، بل من مواجهة حادة مع الموروث. لهذا لم يتعامل مع التراث بوصفه سلطة مقدسة، وإنما بوصفه مادة قابلة للنقد وإعادة التأويل. وقد تجلت هذه النزعة في قراءاته للفلسفة اليونانية وللمسيحية وللأخلاق الغربية، حيث سعى إلى الكشف عن المسلمات التي تحكمها وإعادة النظر في أسسها. وهذه الروح النقدية نفسها أصبحت لاحقاً سمة بارزة في الخطاب الحداثي الذي انشغل بتفكيك المرجعيات الكبرى والبحث عن رؤى جديدة للعالم.

كما أن نيتشه منح الكتابة بعداً وجودياً عميقاً، إذ لم تكن الأفكار عنده منفصلة عن تجربة الحياة. لقد كان يكتب من داخل معاناته الشخصية ومن داخل أسئلته الوجودية الحادة حول الألم والعزلة والمعنى. ولذلك تبدو نصوصه نابضة بطاقة إنسانية تجعلها أقرب إلى الاعترافات الشعرية منها إلى التنظيرات الفلسفية الباردة. وهذا الالتحام بين الفكر والتجربة هو ما منح أعماله قدرة استثنائية على التأثير في أجيال متعاقبة من الأدباء والشعراء الذين وجدوا في كتاباته نموذجاً للكاتب الذي يحول حياته نفسها إلى مادة للإبداع

والتأمل. ولعل أهم ما يجعل نيتشه قريباً من الحساسية الحداثية هو إيمانه الدائم بأن الإنسان مشروع غير مكتمل. فالحداثة في أحد وجوهها الأساسية هي بحث مستمر عن آفاق جديدة للمعرفة والوجود، ورفض للركون إلى اليقين النهائي. وقد عبّر نيتشه عن هذا المعنى في معظم أعماله عندما دعا إلى تجاوز الحدود المألوفة وإعادة ابتكار الذات باستمرار. ومن هنا فإن قيمته بالنسبة للشعر الحديث لا تكمن فقط في جمال لغته أو قوة صوره، بل في تلك الروح القلقة والخلاقة التي جعلت من السؤال أهم من الجواب، ومن البحث أهم من الوصول.

لذا، يمكن القول إن نيتشه لم يكن شاعراً حداثياً بالمعنى الفني الضيق للكلمة، لكنه كان واحداً من أكثر الكتاب اقتراباً من جوهر الحداثة الشعرية. لقد منح اللغة بعداً جديداً، وحوّل الفكر إلى تجربة جمالية، وفتح أمام الأدب آفاقاً لم تكن مطروقة من قبل. ولهذا ظل حضوره مؤثراً في الشعر الحديث والمعاصر، لا بوصفه فيلسوفاً فحسب، بل بوصفه مبدعاً استطاع أن يجعل من الكتابة فعلاً من أفعال الخلق والتجاوز. وربما لهذا السبب ما زال سؤال «هل نيتشه شاعراً حداثياً؟» مفتوحاً حتى اليوم، لأن نصوصه نفسها ترفض الإجابات النهائية، وتدعو دائماً إلى إعادة القراءة واكتشاف معانٍ جديدة في كل مرة.

***

د. عصام البرّام

سيمفونية الورق في مواجهة السرعة المطلقة

(إن الإنسان اختراع لم تكتشف الآركيولوجيا الفكرية بسهولة تاريخه القريب. وإذا اختفت تلك اللبنات فسيُمحى الإنسان، كوجه من الرمل مرسوم على شاطئ البحر)... ميشيل فوكو  (Michel Foucault) كتاب "الكلمات والأشياء. أرشيف العلوم الإنسانية"

الجذور الأولى من حسابات الطين في أوروك إلى سلطة التدوين

تعود أولى أدلة التدوين المادي إلى الرسوم والرموز الكهفية التي أنجزتها الأيدي البشرية قبل أكثر من 40,000 سنة لتشكل المعلم الأولي للتوثيق البشري والوجود الإنساني عبر الأثر الجسدي المباشر مرورا بظهور الكتابة المسمارية في سومر والهيروغليفية في مصر القديمة حوالي 3200 ق.م حيث تشير الألواح الطينية المكتشفة في مدينة أوروك التاريخية جنوب العراق إلى أن العلامات الأولى كانت عبارة عن صور مصغرة تمثل سلعا معينة مثل رأس ثور أو سنبلة قمح أو جرعة جعة إلى جانب علامات عددية، وتحولت الأصابع البشرية إلى أداة ضغط وتشكيل مباشر للطين الرطب والنحت على الحجر بواسطة أقلام القصب، إذ لم تكن أولى الكلمات والرموز المكتوبة شعرا أو فلسفة بل ولدت كالسجلات المحاسبية الاقتصادية لضبط الموارد والحبوب والماشية وتوزيع حصص الشعير والعمال لتوثيق الملكية والتبادل التجاري بعيداً عن البدء بالأدب أو الفلسفة، كمنظور لغوي يعكس تطور النظام الإشاري تدريجيا من الرمز المادي إلى الرمز الصوتي الذي يعبر عن الكلمة المنطوقة، لتستدمجها الطبقات الحاكمة والكهنة كأداة مركزية لضبط الضرائب وتوثيق العقود وحفظ القوانين والملاحم الأسطورية لحمايتها من الاندثار والنسيان عبر الزمن.

الشبكة العصبية للتدوين كيف أعفى القلم الدماغ من عبء الذاكرة

فرض تعقيد العلاقات البشرية المتنامية الحاجة الملحة لإنشاء ذاكرة خارجية تتجاوز طاقة الذاكرة الشفوية على استيعاب الأعداد الهائلة للمعلومات والتشريعات مما أدى إلى لعب الكتابة دور المحرك الأساسي لتطوير التفكير التجريدي والتخطيط طويل المدى والفلسفة عبر إعفاء الدماغ من عبء التخزين الخام للمعلومات، معتمداً عصبياً وتشريحياً على شبكة معقدة ومتكاملة لا توجد فيها منطقة واحدة مسؤولة حصرياً عن الكتابة بل تشمل منطقة بروكا المسؤولة عن تنسيق الحركات العضلية الدقيقة لليد والأصابع عبر القشرة الحركية لإنتاج الخط والرموز، ومنطقة الفص الصدغي والقذالي المتمثلة في منطقة شكل الكلمة المرئية والمسؤولة عن التعرف البصري على الحروف والرموز وتحويلها إلى معاني دقيقة، إضافة إلى الحصين والقشرة الجبهية المسؤولتين عن استدعاء المفاهيم وصياغة الأفكار وتنظيمها قبل ترجمتها إلى حركات جسدية على الورق.

فلسفة الخط: مرآة النفس وبصمة الوعي البشري

تشكل الخطوط والرموز امتداداً مباشراً للحالة النفسية والروحية لكاتبها، حيث تفضح زوايا الميل والضغط البدني للأصابع على أداة الكتابة توتر الإنسان أو هدوءه وصراعاته الخفية، لتتحول التموجات والزوايا إلى مرآة حية تعكس شخصية الكاتب ومرونته أو صرامته عبر ارتباط وثيق باللاواعي البشري؛ ومن هنا تتجلى العلاقة السايكولوجية والمعرفية العميقة لتؤكد أن الخط اليدوي للكاتب يشكل بصمة مباشرة ودليلاً حياً يعبر عن جوهر محتوى النص وروحه، بارزاً ارتباطاً عضوياً لا غنى عنه بين العقل البشري، واختراع الكتابة، وجماليات الحروف في منظومة فلسفية متكاملة تتجسد في علم مستقل لتخطيط الحروف وفلسفة الخطوط. هذا التطور يتقاطع مع براعة الحضارات القديمة التي استطاعت تكثيف سرديات وقصص طويلة في رمز أو عبارة واحدة بليغة، كما ظهر بوضوح في الألواح الطينية والمسلات التاريخية، وصولاً إلى الدور المحوري للتاريخ في إبراز كون حمورابي أول من صاغ ونظم الكتابة بمفهومها التشريعي والعلمي المنضبط. وتتكامل هذه المعطيات مع الرمزية الكونية التي ساهمت، من خلال محاكاة الكلمات الأولى لتضاريس الطبيعة، في منح العقل البشري لغة ثانية تخاطب العين والوجدان لتعميق الارتباط بين الإدراك الجمالي والتطور المعرفي؛ لتتوج هذه الرحلة بنهضة حضارية مذهلة تمثلت في مدارس الخطوط والأنواع الخطية المتنوعة عبر مختلف اللغات والثقافات العالمية، كالخط العربي بفروعه الكوفي والنسخ والثلث، وفنون الخط الآسيوي واللاتيني المتصل، حيث تحولت الكتابة وفنون الخطوط الجميلة من مجرد أداة تواصل وظيفية إلى هندسة مقدسة وفن تشكيلي رفيع ومسرح تتصاهر فيه الذات الإنسانية واللاواعي البشري مع الجماليات الكونية في إيقاع بصري ونفسي وفلسفي فريد يخلد أثر الوجود البشري في أعمق أبعاده الوجدانية.

انتحار في معبد السرعة: اغتراب الشاشات وبقاء الأثر

حين تتسارع الخوارزميات وتتحول اللغة إلى مجرد بيانات مقتضبة على شاشات الزجاج البارد، يجد الكاتب المعاصر نفسه وجهاً لوجه أمام مأزق وجودي خطير. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يُعد الكاتب الذي يصر على حمل القلم والخط بيديه اليوم منسلخاً عن عصره وأفكاره، وكيف يمكنه النجاة من براثن التكنولوجيا دون أن ينعزل عنها؟

الواقع أن الإجابة تكشف عن عكس ما يُظن؛ فالكاتب الذي يكتب يدوياً اليوم هو الأكثر وعياً بأمراض عصره وأزماته، لأن تشخيص المرض لا يعني الاستسلام له. إن الوقوف في وجه طوفان "السرعة المعممة" ليس رجعية أو هروباً عاجزاً إلى الماضي، بل هو شكل من أشكال "المقاومة الواعية" والممانعة الفكرية ضد ذوبان الإنسان في قالب الخوارزميات وصناعة النمطية. وهو إعلان شجاع بأن الفكر العميق يحتاج إلى إيقاع عضوي بطيء لا تفرضه شاشات اللمس ولا تمليه لوحات المفاتيح الرقمية.

ولا يُطالب الكاتب المعاصر هنا برمي حاسوبه أو مقاطعة العالم الرقمي، فالوسائط الرقمية ضرورية للبحث والتنظيم والنشر، ولكن النجاة الحقيقية تكمن في إرساء "إستراتيجية الفصل المقدس" عبر ممارسات يومية صارمة تحمي جوهر الإبداع:

طقس المسودة الأولى اليدوية تماماً. الالتزام المطلق بأن تكون ولادة الفكرة، وانبثاق الخيط الرفيع للنص، حصرياً على ورق حقيقي وبقلم حبر تقليدي. تُترك الشاشة واللوحة الرقمية حصراً للمراحل اللاحقة المتعلقة بالتدقيق والتهذيب والنشر، مما يحمي جوهر النص من برودة الآلة في لحظة المخاض الأولى.

حراسة الذاكرة ضد الاستلباب. الاعتماد على التكنولوجيا كأداة تخزين وبحث، لا كعصا سحرية تفكيرية؛ ورفض أن تبتلع الخوارزميات قدرة الكاتب على التداعي الحر والتأمل البطيء، مع الحفاظ على "المسافة النقدية" بينه وبين ما تنتجه الشبكات.

عادة الاعتبار للحواس المفقودة. إدراك أن العصر الرقمي يفقد الإنسان ملامسة العالم الحقيقي. فقدان ملمس الورق، ورائحة الحبر، وانحناءة الأصابع المجهد ولذلك يُعامل طقس الكتابة اليدوية كجلسة تأمل وعلاج روحي تعيد للإنسان توازنه البيولوجي والنفسي المبعثر بين التنبيهات الرقمية وإضاءة الشاشات الزرقاء، وتقيه شر الاغتراب وذوبان الهوية.

بهذا المعنى، لا يتحول الكاتب اليدوي إلى شبح هارب من التاريخ أو كائن منسلخ عن فكره، بل يغدو حارساً أخيراً للذاكرة الإنسانية، يذكّر العالم بأن الفكر العميق ولد من ضغط الأصابع على الطين والقلم على الورق، وأن الإنسان إن تخلى عن أثره الجسدي المباشر واكتفى بالانصهار الكلي في الآلة، فسيتحول تدريجياً إلى مجرد صدى باهت لخوارزمية صماء.

***

ئاريان علي

فرش اشكالي: في الفلسفة الزرادشتية النار تجسد الحقيقة والنور والنظام الكوني، هي الوسيط بين عالم المادة وعالم الروح، ترمز إلى الحضور الإلهي في العالم، وهنا تتقاطع الزرادشتية مع فلسفة هيراقليطس فالنار عنده عنصر تحول دائم، نار لكل شيء وكل شيء للنار، نار حية أبدية تشتعل بمقادير وتنطف بمقادير

من هنا تولد المفارقة التي تشغلنا، النار التي سرقها بروميثيوس من الآلهة، والتي كانت ترمز الى نور المعرفة والدفء والحضارة- المحرقة المحركة والفاعلة- تنقلب اليوم إلى نقيضها من وسيط للتطهير والتجديد إلى أداة عمياء للإبادة، لم تعد مقدسة بل صارت مدمرة يتجلى ذلك في حرائق الغابات في عصرنا هذا.

مع نهاية شهر أوت 2026، لم تكن الصور التي تناقلتها الوسائط الإعلامية من جيجل وبجاية وولايات أخرى من الشرق الجزائري ومناطق اخرى مجرد أخبار عابرة تقرأ وتنسى، بل كانت صورا صادمة ومفجعة، سفوح جبال بأكملها تحولت إلى كتلة سوداء دخانية، قتلى وجرحى، ورجال يخوضون معركة غير متكافئة أمام جدار من اللهب لا يرحم. تصدرت هذه المشاهد المؤلمة الرأي العام أياما، وتفاعل معها الناس بمزيج من الغضب والحزن والعجز وفي نفس الوقت بقيم المواساة والتضامن والتراحم. لكن ما إن نتأمل هذا المشهد الجزائري المحلي، حتى نكتشف أنه ليس استثناءً معزولًا، بل حلقة في سلسلة طويلة تمتد عبر العالم كله. فقبل ثمانية أعوام، وتحديدًا في الثامن من نوفمبر 2018، محيت مدينة "بارادايس" الأمريكية بأكملها عن الخريطة في أقل من ست ساعات. مدينة راقية بنيت على ثقة عمياء بأن التخطيط العمراني الحديث والتقنية كافيتان لإبعاد شبح الكارثة. والمشهد نفسه تكرّر أيضًا في غابات الصنوبر السويدية، في مستنقعات بريطانيا، وفي إندونيسيا وأستراليا بل وحتى في غرينلاند. ومن الشرق الجزائري إلى كاليفورنيا، ومن السويد إلى إندونيسيا أنظمة سياسية مختلفة، ثقافات مختلفة، لكن ثمة سؤال يتردد: كيف يعقل أن يظل الإنسان، بكل ما يملكه من علم وتقنية وطائرات إطفاء، عاجزًا أمام قوة النار؟

يمكننا أن نفهم هذه اللحظة بالمعنى الذي أعاد به الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر قراءة الكلمة اليونانية أليثيا (ἀλήθεια)، التي تعني "اللا-احتجاب" وتترجم تقليديا بـ"الحقيقة". فالحقيقة عند هيدجر حدث انكشاف: لحظة يخرج فيها الوجود من تحت "احتجابه" المعتاد، فنرى الأشياء كما هي حقا بعد أن كانت مستورة بطبقة من الألفة والروتين. والحرائق الهائلة، من هذا المنظور، لحظة انكشاف قسري تسقط الحجاب عن علاقتنا بالطبيعة، وترغمنا على رؤية بنية مريضة كانت كامنة فيها طوال الوقت. فالنار هنا لا تحرق الأشجار فحسب، بل تحرق الوهم.

حين نرى صور الغابات وهي تحترق على شاشاتنا، نميل إلى قراءة المشهد بوصفه كارثة بيئية بحتة، أشجار تفنى، حيوانات تنفق، هواء يتلوث. لكن وراء هذا المشهد المأساوي يكمن سؤال أعمق بكثير، سؤال فلسفي في جوهره: ما الذي تخبرنا به هذه الحرائق الكبرى عن طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالطبيعة؟ إن حرائق الغابات المعاصرة، كما تشير إليها بعض الأعمال الفلسفية الحديثة، ليست حدثا طارئا أو عرضيا، بل هي عرَض لمرض أعمق يصيب المجتمعات الصناعية في علاقتها بالعالم الطبيعي فحتى لو أعيد غرس الأشجار من جديد، تبقى الخسارة غير قابلة للتعويض، لأننا لا نخسر غابة فحسب حين تحترق، بل نخسر معها شيئًا من علاقتنا القديمة بعنصر ظل على الدوام مزيجًا من الفتنة والخطر، من وهم السيطرة والخوف من الفناء.

الفيلسوفة الفرنسية جويل زاسك، في كتابها حين تحترق الغابة (2019)، تضيف تصحيحًا حاسمًا وموجعا: النار تغير كل شيء، لكننا نحن لا نتغير. فالحريق يحدث تحولا وجوديا جذريا في الأرض في غضون ساعات، بينما تبقى ردودنا عالقة في المنطق نفسه منذ عقود: المزيد من الطائرات، والمزيد من المواد والوسائل، والمزيد من "جنود النار". هذا التناقض الصارخ بين عالمٍ يتغير بسرعة النار وذهنياتٍ متجمدة بسرعة الجليد هو جوهر الأزمة التي يحاول هذا المقال مساءلتها.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل الفلسفة إذن ليس لماذا تحترق الغابات؟ السؤال الأكثر إحراجا هو: ماذا لو كان بعض ما نسميه اليوم كارثة طبيعية هو في جزء منه، نتيجة مباشرة لطريقة تدخلنا نحن في الطبيعة؟ وكيف يمكننا أن نواجه هذه الأزمة، لا بمزيد من الانتصار على النار، بل بعقل جديد يتيح لنا العيش معها دون أن تكون كارثتنا الدائمة؟

من التعايش إلى إعلان الحرب على النار

ثمة شيء بدائي يستيقظ فينا أمام مشهد حرائق الغابات، تلك الرهبة القديمة التي وصفها الفيلسوف غاستون باشلار حين تحدث عن "القوة القاتلة والمدمرة" للنار، ففي كتابه التحليل النفسي للنار (1938)، اكد أن علاقتنا بالنار ليست معرفة موضوعية خالصة، بل مشبعة بطبقات من الرغبة والخوف اللاواعيين. من بين "العقد" النفسية التي حدّدها، “عقدة بروميثيوس" وتعني الرغبة في معرفة ما حرمنا معرفته"، و"عقدة إمبيدوكليس" وهي الانجذاب الغامض نحو الفناء الذاتي بالنار ، و"عقدة نوفاليس" أي ربط النار بالحرارة الحيوية والرغبة الجسدية. هذه التحليلات تذكرنا بأن خوفنا من الحرائق الهائلة ليس خوفا عقلانيا محضًا من خسارة مادية، بل يستدعي طبقات أعمق من مخيلتنا الجماعية حول النار كقوة "مقدسة" ومرعبة في آن واحد

تاريخيا لم يبدأ الإنسان الحديث بخوف جديد من النار، فقد عرف خطرها منذ أقدم العصور. وما تغير واقعيا ليس المعرفة بالنار ، بل العلاقة ذاتها فمن علاقة قائمة على الحذر والتدبير والمعرفة العملية، إلى علاقة قائمة على السيطرة والإلغاء، فمنذ الاف السنين لم تكن النار عدوا مطلقًا بقدر ما كانت قوة يتعلم الإنسان توجيهها ومراقبتها، كانت الحرائق الصغيرة جزءا من دورة الأرض، يشعلها الإنسان أحيانا عمدا لتنظيف المراعي وتجديد الغطاء النباتي. لم يكن ذلك يعني السيطرة على الطبيعة، بل إدراكا عمليا بأن العيش داخل نظام بيئي يعني التعامل مع قواه، لا تخيل إمكانية إلغائها.

غير الحداثة أدخلت إلى هذه العلاقة وهما جديدا، وهم السيطرة الشاملة. فكلما تقدمت الدولة الحديثة وتطورت معارف الانسان العلمية وازدادت قدرة التقنية على القياس والمراقبة، أصبحت الغابة شيئًا يمكن تصنيفه وترقيمه وإدارته، الأشجار صارت موردا، والأرض مساحة قابلة للتخطيط، والنار حادثا ينبغي منعه بالمطلق. ومن هنا ولد "المركب الصناعي للنار"، وهي منظومة ضخمة من الطائرات والمروحيات والمواد المثبِطة، تستنزف فيها موارد هائلة. والمفارقة أن هذا المركب، بقدر ما يقاوم النار، يخلق في الوقت نفسه فرصًا جديدة للربح، فينتج حلقة مفرغة: كلما تضاعف الاستثمار في "حرب النار"، تراجع الاستثمار في مساءلة الشروط التي تجعلها كارثية أصلاً. فالطائرة لا تستطيع أن تمنع جفاف الغابة، والمروحية لا تستطيع أن تعيد ترتيب علاقة المدينة بالغابة. يمكن للتقنية أن تتدخل في لحظة اندلاع الكارثة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعالج الشروط التي جعلت هذه الكارثة ممكنة أصلًا، تراكم الوقود النباتي، وتمدد العمران، وتغيّر المناخ، وطريقة إدارة الغابات كل ذلك يبقى غالبًا خارج مركز اهتمامنا.

وهنا يكمن الفرق الجوهري بين منطقين، منطق الصناعة الذي يسأل كم طائرة نحتاج وكم رجل إطفاء....الخ، ومنطق الثقافة الذي يسأل أسئلة أعمق: لماذا تراكمت الأغصان اليابسة، والأعشاب وبقايا الأشجار والمواد القابلة للاشتعال في الغابة؟ لماذا بني هذا الحي هنا بالذات؟ لماذا اختفت الممارسات المحلية التي كانت تدير النار بحكمة؟ من يعرف هذه الأرض فعلًا؟ الأول يبحث عن الانتصار في المعركة؛ والثاني يبحث عن الشروط التي تمنع تحوّل النار إلى كارثة من الأساس.

وهذا السؤال عمن يعرف الأرض يقودنا مباشرة إلى منطقة أكثر إظلامًا في تاريخ النار: اللحظة التي لا تعود فيها الغابة مجرد فضاء بيئي، بل تصبح أيضًا فضاء للسلطة. فمن يحدد كيفية إدارة الغابة؟ من يملك حق إشعال النار أو منعها؟ وماذا يحدث حين تتحول قواعد حماية الطبيعة نفسها إلى أداة للسيطرة على من يعيشون في هذه الأرض ومنها؟ لا نحتاج إلى البحث بعيدا عن إجابة: يكفي أن نعود إلى الجزائر في القرن التاسع عشر، حيث تكشف لنا أرشيفات حرائق الغابات أن الحرب على النار كانت، منذ وقت مبكر جدًا، قادرة على أن تتحول إلى حرب على الأرض وعلى الناس أيضًا.

الغابة والاستعمار شهادة من الأرشيف الجزائري

ثمة وثيقة تُلقي ضوءًا إضافيًا على هذا التاريخ، وتمنحه بعدا سياسيا صريحًا تقرير رسمي صدر عام 1882 عن الحكومة العامة للجزائر تحت عنوان "التحقيق العام في حرائق الغابات بالجزائر 1865-1881"، وما تكشفه هذه الوثيقة هو أن السؤال عن أسباب حرائق الغابات لم يكن يوما سؤالًا تقنيا محايدا، بل كان دوما سؤالًا سياسيًا بامتياز.

فقد جنحت لجان التحقيق الاستعمارية، في أغلب تقاريرها، إلى تحميل السكان مسؤولية الحرائق، مستحضرة فرضيات "التآمر" و"العصيان"، متجاهلة عاملًا أكثر جوهرية: أن السلطات الاستعمارية نفسها كانت قد منعت ممارسة "الإحراق الموجَّه" التي توارثها الفلاحون والرعاة الجزائريون منذ أجيال لتنظيف الغابات وتجديد المراعي. وقد أدى هذا المنع، بحسب بعض شهادات المسؤولين المحليين أنفسهم آنذاك، إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما كان مقصودًا، تكاثفت الأحراش، وتراكم الوقود النباتي القابل للاشتعال، فازدادت الحرائق اتساعًا حين اندلعت.

والأخطر أن نتائج حرائق 1881 لم تبق حبيسة التوصيف: فقد أفضت، بحسب وثائق أرشيفية لاحقة، إلى فرض غرامات جماعية ومصادرة أراضٍ على الجماعات الأهلية التي اعتبرت مسؤولة أي إلى عقاب جماعي بمنطق استعماري صرف. هذه الحلقة التاريخية تُبرهن مبكرًا على الأطروحة المركزية نفسها: أن "الحرب على النار" ليست موقفًا محايدًا من الطبيعة، بل غالبًا ما تكون غطاء لصراع على الأرض والسلطة والموارد. فحين منعت ثقافة النار المحلية باسم الحداثة الاستعمارية، لم تقضَ الحرائق، بل ازدادت ضراوة وهو درس لا يزال صداه يتردد اليوم كلما جرى التعامل مع الغابة بمنطق إداري بحت، منفصل عن معرفة الناس الذين يعيشون بجوارها.

مفارقة الاقتراب من الطبيعة

من أكثر جوانب هذه الأزمة إثارة للسخرية المأساوية أن جزءا من تفاقم خطر الحرائق الهائلة لا ينبع من الابتعاد عن الطبيعة، بل من الرغبة في الاقتراب منها. فقد تزايد في العقود الأخيرة، خصوصا في أمريكا الشمالية وأستراليا وأجزاء من أوروبا المتوسطية، بناء المنازل مباشرة داخل الغابات أو على أطرافها، تحقيقا لحلم "المنزل وسط الطبيعة".

لكن هذا الاقتراب الجغرافي لا يعني تعايشًا حكيمًا؛ بل يخلق ما يُعرف بـ"الواجهة بين البرية والعمران"، منطقة شديدة الهشاشة يجتمع فيها وقودان قابلان للاشتعال: الغطاء النباتي الكثيف من جهة، والمنازل والمركبات وخزانات الوقود من جهة أخرى. وحين تندلع النار هناك، تتضاعف الخسائر البشرية، وتصبح عمليات الإخلاء أشد خطورة.

هذه المفارقة تكشف تناقضًا فلسفيًا أعمق: فنحن نسعى إلى "امتلاك" قطعة من البرية بوصفها مشهدًا نستهلكه بصريًا وعاطفيًا، لكننا حين نفعل ذلك بمنطق السوق العقاري والرغبة الفردية لا بمنطق العناية الجماعية، نُحوّل حلم القرب من الطبيعة إلى أحد أخطر أسباب هشاشتنا أمامها.

من الأنثروبوسين إلى البيروسين

ثمة بعد آخر كثيرا ما يغفل، البعد الوجودي والنفسي. فحين تحترق غابة، لا يفقد منظر طبيعي فحسب، بل يفقد نسيج كامل من العلاقات بين الأفراد وبيئتهم. إن ما يعيشه الناجون هو صدمة لا رجعة فيها، شعور بأن المكان الذي كان مأهولًا أصبح فجأة غير صالح للسكن.

وهذه الصدمة لا تقتصر على البشر حيث تروي شهادات الناجين من حرائق كبرى، كحريق أونتاريو الكندي عام 1916 أو حريق "كامب فاير" في كاليفورنيا، مشاهد يصعب نسيانها: طيورا تتساقط من السماء كالمطر اختناقًا بالدخان، حيوانات أليفة تفقد كل غريزة نجاة فتركض نحو ألسنة اللهب. هذا التطابق بين ارتباك الإنسان وارتباك الحيوان يشي بأن ما يدمر ليس مجرد ممتلكات، بل شبكة كاملة من "المعرفة بالمكان" التي يتقاسمها كل كائن حي نشأ فيه. وهذا التناقض بين عمق تجربة الضحايا وجهل الرأي العام به يستحق تأملًا أخلاقيًا مستقلًا.

ثمة خسارة أعمق أيضًا، خسارة المستقبل نفسه. فالمنظر الطبيعي ليس ذاكرة للماضي فقط، بل أفق مفتوح على احتمالات لم تستكشف بعد. حين يمحى هذا المنظر، ينقطع خيط الاستمرارية الذي يصل الأجيال، فلم يعد بإمكاننا أن نصطحب أبناءنا إلى الأماكن التي شكّلت طفولتنا. حين يفقد المكان أفقه الزمني، يتوقف عن أن يكون "عالمًا" بالمعنى الكامل للكلمة.

يقترح بعض المفكرين المعاصرين، ومنهم المؤرخ ستيفن باين، أن نعيد تسمية عصرنا، فبدلا من "الأنثروبوسين" (عصر الإنسان)، ربما يكون من الأدق الحديث عن "البيروسين" (عصر النار)، إذ إن العلاقة التبادلية بين الإنسانية والنار تمتد لمئات آلاف السنين. فالنار ليست خارجة عن الإنسان، بل جزء من تاريخه البيولوجي والثقافي معًا.

ويميز باين بين أربعة أنواع من النار: الحرائق "الطبيعية" الناشئة عن الصواعق؛ والحرائق "الأصلية" التي يشعلها الإنسان عمدًا بشكل موجَّه، وهي ممارسة تعود إلى الإنسان المنتصب قبل نحو مليوني عام؛ ثم الحرائق "الصناعية" الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري؛ وأخيرًا "الحريق الهائل"، الذي توصف أحيانًا بـ"الوحش" لضخامته وسرعة انتشاره. وهذا التمايز مفتاح فلسفي لا مجرد تصنيف تقني: فبينما صممت طائرات الإطفاء لمواجهة الحرائق العادية عند مستويات شدة معينة، تتجاوز الحرائق الهائلة هذه العتبات بأضعاف مضاعفة، حتى يستحيل إخمادها بأي وسيلة تقنية، ولا تنطفئ إلا لأسباب طبيعية بحتة. ومن هنا يصبح من الضروري فلسفيًا التمييز بين الحرائق الموجَّهة والمُتحكَّم فيها، التي مارسها الإنسان منذ آلاف السنين لأغراض معيشية، وحرائق كبرى ناتجة عن منطق المضاربة والربح .

من اللافت أن تسعة وتسعين من كل مئة حريق هائل، بحسب الإحصاءات التي تستند إليها زاسك، من صنع الإنسان، إما عن إهمال، أو سوء تدبير، أو فعل إجرامي متعمَّد. من هنا تتحدث الفيلسوفة عن دخولنا "عصر الحرائق"، عصر لا يمكن فيه الاكتفاء بموقف واحد من موقفين متطرفين شائعين: إما تقديس النار بوصفها عنصرًا "طبيعيًا" لا ينبغي المساس به، أو محاربتها بكل ما أوتينا من تقنية باسم السيطرة الكاملة. كلا الموقفين، في نظرها، سقطة في وهم واحد: وهم إمكانية فصل الإنسان عن النار فصلًا تامًا.

البديل الذي تقترحه زاسك هو "ثقافة النار"، أي مجموع المعارف والممارسات التي طوّرها على مدى أجيال كل من يتعامل يوميًا مع النار بوصفها أداة تدبير لا عدوًا مطلقا، الفلاحون ورعاة الماشية الذين يستخدمون الحرق الموجه لتجديد المراعي، وحراس الغابات الذين يعرفون متى تترك النار تأخذ مجراها ومتى يجب إيقافها. هذه "الثقافة" وسيطة بين القداسة والعداء، وهي في جوهرها موقف فلسفي، الاعتراف بأن العيش المشترك مع عنصر خطير لا يكون بإنكار خطورته ولا بمحاولة إلغائه، بل بتعلّم التعايش الحذر معه.

حريق غابة فونتينبلو

في شهر جويلية 2026، اجتاح حريق هائل غابة فونتينبلو جنوب باريس، ملتهما أكثر من ألفي هكتار، في مشهد استدعى تدخل طائرات "كانادير" ومروحيات الحماية المدنية، بل ودفع مزارعي المنطقة إلى المساهمة بملء خزانات المياه. والمفارقة الصادمة أن أحد المتورطين في إشعاله كان، بحسب ما كُشف لاحقًا، رجل إطفاء متطوعًا نفسه.

هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة نقطة أساسية، أن جزءا من الحرائق لا يندلع بدافع مصلحي، بل بدافع "الهوس بإشعال النار" بوصفه اضطرابًا نفسيًا معقدًا، يجد صاحبه فيه لذة اندفاعية خالصة في مشهد الاشتعال ذاته. وقد لاحظ باشلار أن هذا النوع من "المجرمين" هو الأكثر تخفيًا بين كل المجرمين، إذ يبدو الفعل بسيطًا (عود ثقاب، قليل من الوقود الجاف) بينما نتائجه كارثية وغير متناسبة إطلاقًا مع بساطة الوسيلة. وحين يلتقي هذا الاضطراب الفردي بظروف مناخية متفاقمة من جفاف وحرارة، تتضاعف "فرصة" الفعل الهوسي، بحيث يتحول تغيّر المناخ نفسه إلى محفّز غير مباشر لتفشيه. وهذا يعيد تأكيد فكرة مركزية: أن الحرائق الهائلة، بسبب الفجوة بين ضآلة الفعل المسبِّب وهول الدمار الناتج، أصبحت أقرب إلى "أسلحة دمار شامل" لا تستهدف حياة البشر مباشرة، بل تستهدف المناظر الطبيعية ومقومات العيش المشترك.

نحو عقد اجتماعي جديد مع الطبيعة

الخلاصة الفلسفية التي يمكن استخلاصها من كل ما سبق ليست دعوة إلى الهيمنة على النار عبر الحرب الشاملة عليها، ولا دعوة إلى استعادة ماضٍ استنفدت وظيفته البيئية. فكلا الموقفين لم يعودا صالحَين لمواجهة واقع اليوم. البديل هو التفكير في إمكانية "أنسنة" الطبيعة والغابة دون أن تصبح "متمحورة حول الإنسان"، أي الاعتراف بأن الإنسان جزء لا يتجزأ من النظام البيئي، فاعل فيه ومتأثر به في آن واحد، دون أن يختزل هذا النظام إلى مجرد أداة في خدمته.

هذا يستدعي عقدًا اجتماعيًا جديدًا، عقدًا يستدعي إقامة علاقات حوارية مع الطبيعة، وحماية مشتركاتنا الطبيعية على مختلف المستويات — من الغابة المحلية إلى الغلاف الجوي للكوكب بأسره.

إن حرائق الغابات الكبرى، حين نتأملها فلسفيا، تكشف عن أزمة أعمق من كونها مجرد أزمة مناخية أو بيئية تقنية: إنها أزمة في تصوّرنا لعلاقة الإنسان بالطبيعة، أزمة ثنائية "الثقافة/الطبيعة" التي ورثناها من الحداثة. وربما تكون النار، بقدر ما هي عنصر تدمير، مرآة صادقة تكشف لنا هشاشة النموذج الحضاري الذي بنيناه، وتدعونا — بإلحاح متزايد كل صيف — إلى إعادة التفكير جذريًا في طريقة سكننا للأرض.

ومن اللافت أن هذا الوعي غالبًا ما يولد من قلب التجربة المباشرة مع الكارثة، لا من التنظير المجرد عنها. فمن نفس مدينة "بارادايس" التي افتتحنا بها هذا المقال، خرجت فتاة مراهقة عاشت حريق 2018 وهي تقف اليوم كل أسبوع أمام مقر الأمم المتحدة مطالبة بالعدالة المناخية، معتبرة أن ذلك الحريق كان "قبل وبعد" في مسار حياتها. هذا الانتقال من الصدمة الفردية إلى الفعل الجماعي يلخّص ربما أفضل ما يمكن أن نطمح إليه فلسفيًا: أن تتحول الحرائق الهائلة، من إنذار يُصيبنا بالشلل، إلى نقطة انطلاق لاستعادة "ثقافة النار" — تلك المعرفة الجماعية، العملية والمتواضعة، التي تجعلنا لا سادةً على الطبيعة ولا ضيوفًا عابرين فيها، بل شركاء دائمين في صون ما تبقى من عالمنا المشترك.

***

عمرون علي

..................

هوامش

هذا المقال هو قراءة في كتاب جويل زاسك "حين تحترق الغابة: التفكير في الكارثة البيئية الجديدة 2019 ، وبالاستناد الى حوار أجراه سفين أورتولي مع زاسك (2022)، إضافة إلى وثيقة أرشيفية استعمارية جزائرية بعنوان "التحقيق العام في حرائق الغابات بالجزائر 1865-1881" (الجزائر، 1882)، وتقرير صحفي عن حريق غابة فونتينبلو (2026.

أو كيف يُنتج الفكر اختلافه في مواجهة بلاهة العالم.. قراءة تأويلية في فلسفة جيل دولوز

 في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات أكثر مما تتكاثر فيه الأفكار، وتفيض فيه المعلومات بينما يتراجع المعنى، يبدو السؤال عن الفلسفة سؤالًا عن مصير الإنسان نفسه. فالأزمة التي يعيشها عالمنا ليست أزمة نقص في المعرفة، وإنما أزمة في كيفية التفكير. لقد أصبحنا نعيش عصرًا تُستهلك فيه الآراء بسرعة، وتُنتج فيه الأحكام قبل أن تنضج الأسئلة، حتى غدا الضجيج قادرًا على احتلال المكان الذي كان يحتله العقل.

في هذا السياق، تكتسب فلسفة جيل دولوز راهنية استثنائية، لأنها لا تدعونا إلى البحث عن يقين جديد، بل إلى تحرير الفكر من أوهام اليقين. لم يكن دولوز منشغلًا بتقديم منظومة مغلقة من الحقائق، وإنما كان يسعى إلى زعزعة ما سماه «الصورة الدوغمائية للفكر»، أي ذلك الاعتقاد بأن الإنسان يفكر لمجرد أنه يمتلك عقلًا، وأن الحقيقة تنتظر من يكتشفها في هدوء. أما الواقع، فيكشف أن التفكير فعل نادر، وأن العقل قد يتحول، إذا استسلم لعاداته، إلى أداة لتبرير المألوف بدل مساءلته.

إن الحمق، من هذا المنظور، ليس شتيمة تُوجَّه إلى الأشخاص، ولا وصفًا لضعف الذكاء، بل هو نمط في الوعي يرفض أن يغادر يقيناته. إنه لحظة يتوقف فيها السؤال عن العمل، ويستقر العقل داخل أجوبة جاهزة، فيغدو تكرار الأفكار أكثر سهولة من إنتاجها، ويصبح الدفاع عن الموروث أهم من اختبار صلاحيته. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن المجتمعات لا تتراجع حين يكثر الجهل فقط، بل حين يتحول اليقين إلى بديل عن التفكير.

لقد أراد دولوز للفلسفة أن تكون فنًا لخلق المفاهيم، لا مستودعًا للمفاهيم. فالمفهوم، في نظره، ليس تعريفًا جامدًا، بل أداة تفتح للعالم إمكانات جديدة للفهم. وكل مفهوم يولد لأن الواقع تغيّر، ولأن اللغة القديمة لم تعد قادرة على احتواء التجربة الجديدة. لذلك فإن الفلسفة ليست تكرارًا لما قاله السابقون، وإنما هي شجاعة في ابتكار لغة جديدة حين تعجز اللغة الموروثة عن تفسير ما يحدث.

ولعل هذا ما نفتقده في فضائنا الثقافي العربي. فنحن نميل، في كثير من الأحيان، إلى استهلاك الأفكار أكثر من إنتاجها، وإلى استحضار الأسماء الكبرى أكثر من محاورتها. نقرأ الفلاسفة باعتبارهم سلطات معرفية، بينما كانوا هم أول من تمرّد على سلطة من سبقهم. وهكذا تتحول الفلسفة، التي وُجدت لتحرير العقل، إلى محفوظات جامدة، ويصبح استدعاء الأسماء بديلاً عن صناعة المفاهيم.

إن أخطر أشكال الحمق ليست تلك التي تظهر في الخطابات الصاخبة وحدها، بل تلك التي تتسلل إلى الحياة اليومية، حين يصبح الاختلاف مدعاة للريبة، والسؤال علامة على التمرد، والنقد قرينًا لسوء النية. عندها لا يعود المجتمع ينتج مواطنين يفكرون، بل أفرادًا يكررون ما اعتادوا سماعه. وهذا ما يجعل الفلسفة ضرورة حضارية قبل أن تكون تخصصًا أكاديميًا؛ لأنها تعلم الإنسان كيف يعيش مع السؤال، لا كيف يهرب منه.

ولا يعني الدفاع عن الاختلاف الدعوة إلى الفوضى أو إنكار الحقائق، بل يعني الاعتراف بأن الحقيقة لا تزدهر إلا في فضاء الحوار، وأن الفكر لا ينمو إلا إذا تعرض للاختبار. إن الثقافة التي تخشى الأسئلة محكوم عليها بأن تعيد إنتاج نفسها حتى وهي تعتقد أنها تتجدد، بينما الثقافة التي تمنح العقل حق الشك والنقد، تمتلك القدرة على تصحيح أخطائها وصناعة مستقبلها.

لقد أدرك دولوز أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان هو أن يعتقد أن العالم قد اكتمل، وأن كل ما تبقى هو إعادة شرح ما قيل. لكن الحياة، في جوهرها، ليست تكرارًا، بل صيرورة دائمة، وكل جيل مدعو إلى أن يخلق مفاهيمه التي تفسر زمنه، لا أن يكتفي بترديد مفاهيم الأزمنة السابقة. لذلك فإن الفيلسوف لا يحرس الماضي، بل يفتح المستقبل، ولا يقدس الأجوبة، بل يمنح الأسئلة قدرة جديدة على الإقامة في الوعي.

إن مجابهة الحمق ليست معركة ضد أشخاص، بل هي مقاومة لكل بنية ثقافية تجعل الإنسان يطمئن إلى ما يعرف أكثر مما يطمح إلى ما يمكن أن يعرفه. إنها دعوة إلى استعادة فضيلة الدهشة، وإلى إعادة الاعتبار للتفكير بوصفه فعلًا من أفعال الحرية. فحين يتوقف العقل عن الابتكار، تبدأ الحضارات في الدوران حول نفسها، وحين يفقد الإنسان شجاعته في مساءلة البداهات، يصبح أسيرًا لما صنعه بيديه من يقين.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا اليوم ليس: كيف نكسب مزيدًا من المعلومات؟ بل: كيف نعيد إلى الفكر قدرته على إنتاج الاختلاف؟ فالمعرفة التي لا تخلق أفقًا جديدًا سرعان ما تتحول إلى عبء، والثقافة التي لا تشجع على التفكير تنتهي إلى صناعة الامتثال. أما الفلسفة، فإنها تظل، رغم كل شيء، الوعد الدائم بأن الإنسان قادر على أن يبدأ من جديد، وأن يبتكر مفاهيم جديدة كلما بدا العالم وكأنه استنفد كل إمكاناته.

وهكذا، فإن أفضل وفاءٍ لجيل دولوز لا يكون بتكرار مفاهيمه، بل بممارسة الروح التي حكمت مشروعه الفلسفي: روح الجرأة على التفكير، والقدرة على خلق الاختلاف، والإيمان بأن العالم لا يتغير عندما نعيد وصفه، بل عندما نجرؤ على التفكير فيه بطريقة لم تكن ممكنة من قبل.

***

بقلم: د. معروفي العيد

في 2002 اقترح ديفيد بلانكيت، وزير الداخلية البريطاني السابق، مشروع قانون يلزم المواطنين بحمل بطاقة تعريف شخصية، تتضمن أسماءهم وصورهم وعنوان سكنهم. وبريطانيا واحدة من 11 دولة لا تلزم مواطنيها بحمل هوية تعريف داخل البلاد. وقال الوزير يومئذ إن القانون ليس ضرورة أمنية فحسب، فهو يرمي في الأساس إلى توفير قاعدة بيانات موثوقة، للتخطيط الاجتماعي والاقتصادي. أثار المشروع جدلاً عنيفاً في وقته، وقد أقرّه البرلمان في 2006 بعدما أُجريت عليه تعديلات جوهرية. لكن الاعتراض عليه تواصل، حتى تراجعت عنه الحكومة وقررت إلغاءه في 2010.

إن السبب الرئيس للمعارضة الواسعة لذلك القانون، هو خشية الناس من تسلط مديري قواعد المعلومات، على تفاصيل حياتهم. جرى هذا الجدل عندما كان انتشار الإنترنت محدوداً نوعاً ما. ولا شك أن ذلك القلق بات أكثر مصداقية في هذه الأيام. فالشركات التي تملك شبكات الإنترنت أو تدير منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الحكومات، تعرف بدقة تفاصيل حياة كل منا، أصدقاءه، وضعه الصحي والمعيشي، هواياته ونوعية الملابس التي يشتريها، والبلدان التي يسافر إليها والكتب التي يقرأها، والعشرات من التفاصيل التي لا تخطر على بالك. ولذا؛ قيل إن الحروب المقبلة، ستدار من وراء الشاشات، وليس على متن الدبابات والطائرات. ولعل بعض القراء يذكرون الجدل الذي أثاره قرار الحكومة الأميركية حظر منصة التواصل الاجتماعي «تيك توك» في 2020، بعدما ظهرت معلومات تدعي أن شريحة معتبرة من جنود الجيش الأميركي وموظفي الحكومة وعائلاتهم، تستعمل التطبيق الذي تديره شركة صينية، وأن هذا جعل الجيش مكشوفاً للمخابرات الصينية. إن اهتمام الحكومة الأميركية بهذا التطبيق، ينبع من فهمها لقدرة منصات التواصل، على اختراق تفاصيل الحياة الشخصية لمستخدميها ومن حولهم، حتى لو حاولوا التكتم.

عند هذه النقطة، لعل بعض القراء قد بدأ يتساءل: هل نتحدث عن رؤية ميشيل فوكو (1926 - 1984) لمكانة الإنسان في العالم الحديث؟

الواقع، إنني قد سألت نفسي هذا السؤال أيضاً، بعدما قرأت تصريحاً لرئيس «مايكروسوفت» السابق بيل غيتس في الأسبوع الماضي، يحذّر فيه من خطر وشيك يتمثل في الذكاء الاصطناعي المنفلت. ولفت نظري في تصريحه نقطتان: تحذيره من انجذاب الأطفال بشكل تام لمنصات الذكاء الاصطناعي وما توفره من بيانات، وإمكانية استخدامه من جانب جهات غير موثوقة، وربما إجرامية، للسيطرة على الآخرين والتحكم في حياتهم أو ابتزازهم.

تدور رؤية ميشيل فوكو حول علاقة المعرفة بالسلطة، وتأثير أنواع المعارف التي يتلقاها الفرد خلال تجربته الحياتية، على توجهاته وخياراته. وهو يرى أن القوى المهيمنة في عالم اليوم، ليست مهتمة بالعقاب والتحكم الخشن في الأفراد، بل هي تمارس واقعياً التحكم اللين، الذي يسهِم فيه الأفراد بمحض اختيارهم، بل ربما يراه بعضهم شيئاً محبباً، رغم أنه ينتهي بجعل خياراتهم وإراداتهم، في أيدي أشخاص آخرين. ألم يبدِ جان جاك روسو عجبه من إنسان هذا العصر «الذي مشى برجليه إلى سجن القانون»؟

القوى المهيمنة تسيطر على حياة الأفراد من خلال التنظيم المتقن للمجتمع، التنظيم الذي يحدد موقع كل فرد في النظام الاجتماعي والاقتصادي، ويلقنه ما يكفي من المعارف لجعل هذا التموضع مريحاً ومقبولاً.

الإنسان المعاصر- وفقاً لهذا التقدير- مجرد رقم في السجلات الضخمة المخزونة في أنظمة الكمبيوتر، وليس زيداً أو أحمد أو عبد الله. وماذا يهمهم من اسمك أو اسم أبيك؛ فأنت مجرد مستهلك لبعض السلع أو منتج لسلع أخرى، المهم هو ما تفعله وليس وجودك بذاته. المهم أن تتقبل المكان الذي جرى تحديده موضعاً مناسباً لك، وأن تراه نعمة لا ينبغي إنكارها أو التفكير في بدائلها.

ألا يبدو أننا نعيش في ظل حكومة الآلات، أو قريباً منها؟

***

د. توفيق السيف

 

جدل الهوية والمعرفة ومسؤولية المثقف في زمن الانحطاط

حين تتحول الثقافة إلى سؤال في المصير

في الأزمنة التي تتصدّع فيها المعاني، وتضطرب فيها معايير الحقيقة والقيمة، لا يعود السؤال عن الثقافة ترفاً نخبوياً، ولا تصبح المعرفة مجرد فائض رمزي تتباهى به المجتمعات؛ بل يتحول الأمر إلى سؤال في المصير. فحين تفقد الجماعة قدرتها على إنتاج المعنى، تبدأ في فقدان قدرتها على فهم ذاتها، وحين تعجز عن فهم ذاتها، تصبح هويتها قابلة للاختطاف من الأيديولوجيا، أو السلطة، أو السوق، أو الاستلاب الثقافي.

الثقافة، في جوهرها، ليست ما نضيفه إلى الحياة بعد أن ننجز ضروراتها، بل هي الطريقة التي نمنح بها الحياة معنى. إنها اللغة التي نسمي بها العالم، والرموز التي نختزن فيها الذاكرة، والقيم التي نزن بها الأفعال، والأساطير التي نفسر بها المجهول، والفنون التي نترجم بها انفعالاتنا، والعادات التي ننظم بها معاشنا، والتصورات التي نبني من خلالها علاقتنا بالآخر.

ومن هنا تتقدم الأنثروبولوجيا الثقافية بوصفها واحدة من أكثر العلوم قدرة على الاقتراب من الإنسان في تعدده وتعقيده؛ فهي لا تكتفي بالسؤال: ماذا يفعل الإنسان؟ بل تسأل أيضاً: لماذا يفعل؟ وما المعنى الذي يمنحه لما يفعل؟ وكيف تشكلت الرموز والقيم والتصورات التي تحكم سلوكه؟

ولذلك فإن أزمة الثقافة العربية الراهنة لا يمكن اختزالها في ضعف الإنتاج الأدبي أو العلمي، ولا في تراجع القراءة وحده، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من أزمة أعمق: أزمة معنى، وأزمة معرفة، وأزمة علاقة بالذات والتاريخ والآخر.

أولاً: الثقافة بوصفها بنية للوجود الإنساني

حين عرّف إدوارد بيرنت تايلور الثقافة في كتابه Primitive Culture بأنها كل مركب يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأخلاق والقانون والعادات وسائر القدرات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع، كان يؤسس لتحول بالغ الأهمية في فهم الثقافة؛ إذ لم تعد الثقافة حكراً على الفلسفة والأدب والفنون الرفيعة، وإنما أصبحت مفهوماً شاملاً يطال مجمل أنماط الحياة الإنسانية.

وهنا تتبدى القيمة المعرفية للأنثروبولوجيا: إنها تنقل الثقافة من هامش الحياة إلى مركز تفسير الإنسان.

فالإنسان لا يعيش في الطبيعة وحدها؛ إنه يعيش في عالم من الرموز. لا يتعامل مع الأشياء كما هي فحسب، وإنما كما يسميها ويتخيلها ويؤوّلها. فالبيت ليس حجارة فقط، والوطن ليس رقعة جغرافية فقط، واللغة ليست أصواتاً متتابعة، والموت ليس حدثاً بيولوجياً محضاً؛ كل ذلك محمّل بطبقات من الدلالة أنتجتها الجماعة عبر تاريخها الطويل.

ومن هنا يمكن القول إن الأنثروبولوجيا الثقافية تدرس الإنسان الذي يصنع المعنى، والمعنى الذي يعيد تشكيل الإنسان.

ثانياً: من دراسة الآخر إلى اكتشاف الذات

كان أحد التحولات الكبرى في تاريخ الأنثروبولوجيا هو الانتقال من النظر إلى الثقافات الأخرى بوصفها درجات على سلم تطوري واحد، إلى فهم كل ثقافة في سياقها التاريخي والاجتماعي الخاص.

وقد كان فرانز بواس من أبرز من أسهموا في هذا التحول؛ إذ قاوم التفسيرات التي تجعل الاختلافات الثقافية انعكاساً لتراتب عرقي أو حضاري ثابت، وربط السلوك الإنساني بتاريخ التعلم الثقافي وأنماط العيش المكتسبة. وقد كان لأعماله أثر أساسي في جعل الثقافة مفهوماً مركزياً لتفسير السلوك الإنساني.

ومن هنا نشأ ما ارتبط بالأنثروبولوجيا من اهتمام بالنسبية الثقافية: أي ضرورة فهم الظواهر الثقافية ضمن السياق الذي نشأت فيه، بدلاً من إسقاط معايير ثقافة واحدة على جميع الثقافات.

غير أن النسبية الثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى عقيدة مغلقة تنفي إمكان النقد؛ فقد نبّهت دراسات لاحقة إلى أن تعليق الأحكام الخارجية تماماً قد يجعل الباحث عاجزاً عن رؤية علاقات القوة والتفاوت داخل الثقافة نفسها.

وهذه ملاحظة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الثقافة العربية: أن نفهم ثقافتنا لا يعني أن نبرر كل ما فيها، وأن نحترم خصوصيتها لا يعني أن نعفيها من النقد.

فالأنثروبولوجيا الحقيقية لا تمارس التقديس ولا الإدانة السريعة؛ إنها تمارس الفهم أولاً، ثم تفتح الطريق أمام النقد.

ثالثاً: المثقف العربي وسؤال الوعي

في هذا الإطار يتغير تعريف المثقف.

فالمثقف ليس هو الأكثر حفظاً للمعلومات، ولا الأكثر حضوراً في المنابر، ولا الأكثر قدرة على استعراض المصطلحات؛ بل هو، في جوهره، الإنسان الذي يمتلك قدرة استثنائية على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية.

وظيفته ليست أن يصفق لما هو قائم، وإنما أن يسأل عن شروط قيامه.

وليست مهمته أن يكرر ما يقوله المجتمع، وإنما أن يكشف ما يعجز المجتمع عن رؤيته في ذاته.

المثقف، بهذا المعنى، هو ضمير الاختلاف.

إنه يقف على تخوم الجماعة: ينتمي إليها بما يكفي لفهمها، ويبتعد عنها بما يكفي لنقدها.

وهذا هو أحد أصعب أشكال الوجود الثقافي؛ لأن المثقف الذي يذوب كلياً في الجماعة يفقد مسافة النقد، والمثقف الذي يقطع صلته بها يفقد القدرة على التأثير.

رابعاً: بين التكلس والتغريب

أحد أخطر وجوه المأزق العربي المعاصر أن الثقافة تتأرجح بين قطبين متقابلين في الظاهر، متشابهين في العمق:

تكلسٌ ماضوي يجعل من التراث حقيقة مكتفية بذاتها، ويعامل الأسلاف بوصفهم خاتمة السؤال.

وتغريبٌ استهلاكي يجعل من الغرب نموذجاً جاهزاً، ويستورد نتائجه دون أن يستوعب الشروط التاريخية التي أنتجتها.

الأول يريد أن يعيش الحاضر بعقل الماضي.

والثاني يريد أن يعيش المستقبل بعقل الآخر.

وكلاهما يعجز عن إنتاج ذات تاريخية مستقلة.

وهنا تكتسب أطروحة عبد الله العروي أهميتها؛ فمشروعه الفكري يرتكز بصورة واضحة على التاريخانية وعلى ضرورة فهم مشكلات المجتمع العربي ضمن شروطه التاريخية، لا من خلال أفكار مجردة منفصلة عن الواقع. كما ظل سؤال الحداثة والتحديث والعلاقة بالتراث من المحاور المركزية في أعماله.

ومن ثم فإن المشكلة ليست أن نختار بين التراث والحداثة، وإنما أن نمتلك القدرة على إعادة بناء علاقتنا بالتراث في ضوء الوعي التاريخي.

فالتراث الذي لا يتحول إلى موضوع للدرس يتحول إلى سلطة.

والحداثة التي لا تتحول إلى تجربة نقدية تتحول إلى تقليد.

خامساً: الهوية ليست أثراً متحفياً

إن أخطر الأخطاء في خطاب الهوية أن ننظر إليها بوصفها شيئاً ثابتاً مكتملاً منذ البداية.

الهوية ليست حجراً أثرياً محفوظاً في متحف؛ إنها كائن تاريخي متحرك.

إنها تتشكل من اللغة والذاكرة والمكان والدين والعادات والتجارب السياسية والاجتماعية، لكنها لا تتوقف عند لحظة تاريخية واحدة.

ولهذا فإن الدفاع عن الهوية لا يكون بتجميدها، بل بمنحها القدرة على الحوار والتجدد.

فالهوية التي تخاف من السؤال تتحول إلى عقيدة مغلقة.

والهوية التي تخاف من الآخر تتحول إلى سجن.

أما الهوية الناضجة فهي التي تعرف من أين جاءت، وتفهم أين تقف، وتدرك إلى أين تريد أن تذهب.

إنها ذاكرة تتجه إلى المستقبل.

وهنا تتقاطع الأنثروبولوجيا مع الفكر التاريخي: فالهوية ليست جواباً نهائياً عن سؤال «من نحن؟»، وإنما هي عملية مستمرة من إعادة تعريف الذات.

سادساً: إدوارد سعيد وسؤال المعرفة والسلطة

يكتسب هذا النقاش بعداً آخر مع إدوارد سعيد، الذي كشف في الاستشراق عن الكيفية التي يمكن أن تتداخل بها المعرفة مع علاقات القوة والتمثيل والهيمنة.

فليس كل وصف للآخر بريئاً بالضرورة، وليس كل خطاب معرفي منفصلاً عن السياق السياسي الذي أنتجه.

وهذا لا يعني أن كل معرفة غربية عن الشرق مجرد مؤامرة، وإنما يعني ضرورة فحص الشروط التاريخية والمؤسساتية والخطابية التي تنتج المعرفة.

ومن هنا يصبح سؤال الأنثروبولوجيا أكثر تعقيداً:

من يدرس من؟

وبأي أدوات؟

ومن يملك حق تعريف الآخر؟

ومن يملك سلطة إنتاج الصورة التي يصبح الآخر مطالباً بأن يرى نفسه من خلالها؟

لقد أسهم سعيد في جعل هذه الأسئلة جزءاً من الوعي النقدي الحديث، خصوصاً في تحليل العلاقة بين التمثيل الثقافي والسلطة الاستعمارية.

وهذا الدرس شديد الأهمية بالنسبة إلينا؛ لأن التحرر الثقافي لا يعني رفض الآخر، بل يعني امتلاك القدرة على النظر إلى الذات والآخر من موقع نقدي مستقل.

سابعاً: من الأنثروبولوجيا إلى نقد المجتمع

إذا كان الإنسان كائناً ثقافياً، فإن دراسة الثقافة تعني، في نهاية المطاف، دراسة البنية العميقة للمجتمع.

وهنا تتقاطع الأنثروبولوجيا مع علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ وعلم النفس واللسانيات.

فالعادة ليست مجرد عادة؛ إنها قد تخفي وراءها بنية سلطة.

والطقس ليس مجرد ممارسة؛ قد يكون حاملاً لذاكرة جماعية.

واللغة ليست أداة اتصال فقط؛ إنها نظام تصنيف للعالم.

والأسطورة ليست مجرد حكاية قديمة؛ إنها قد تكشف عن مخاوف الجماعة ورغباتها وصورتها عن الكون.

ومن هنا يصبح المجتمع نصاً ضخماً يحتاج إلى القراءة.

والمثقف الذي لا يقرأ هذا النص الاجتماعي يبقى أسير النصوص المجردة.

ثامناً: محنة الثقافة العربية: حين تنقلب المعايير

المحنة الأكثر قسوة تبدأ حين لا يعود المجتمع قادراً على التمييز بين المعرفة واستعراض المعرفة.

حين يصبح عدد المتابعين معياراً للقيمة.

وحين تتحول الشهرة إلى بديل عن الكفاءة.

وحين يُهمّش الباحث لأنه لا يجيد الضجيج، بينما يتصدر المشهد من يجيد صناعة الضجيج.

وحين يصبح الولاء أهم من الحقيقة، والموقف الشخصي أهم من الحجة، والانتماء أهم من الكفاءة.

عندها لا يكون الخلل في الثقافة وحدها، بل في البنية الرمزية للمجتمع.

فالمجتمع الذي يفقد معايير التمييز بين العالم والجاهل، وبين الناقد والمصفق، وبين المثقف والداعية إلى الشهرة، يدخل مرحلة من الفوضى المعرفية.

وهذه ليست فوضى معلومات، وإنما فوضى معايير.

والأخطر أن الفوضى المعرفية قد تتعايش مع وفرة هائلة من المعلومات.

فليس كل مجتمع يمتلك المعلومات يمتلك المعرفة، وليس كل من يقرأ كثيراً يمتلك عقلاً نقدياً.

تاسعاً: كانط والجرأة على التفكير

يظل سؤال كانط عن التنوير راهناً: كيف يخرج الإنسان من حالة القصور التي تجعله يعتمد على وصاية الآخرين في التفكير؟

إن المشكلة لا تكمن دائماً في غياب العقل، وإنما في التنازل عن استعماله.

قد يعرف الإنسان، لكنه لا يفكر.

وقد يقرأ، لكنه لا يسائل.

وقد يمتلك الشهادة، لكنه يفتقر إلى المنهج.

وقد يتحدث عن الحرية، لكنه يخاف نتائجها.

وهنا يصبح شعار التنوير الحقيقي: الجرأة على التفكير.

إن الثقافة التي لا تعلم الإنسان كيف يفكر ليست ثقافة مكتملة.

والجامعة التي تنتج شهادات ولا تنتج عقولاً نقدية لا تؤدي رسالتها كاملة.

والمثقف الذي يخاف مراجعة أفكاره يتحول إلى سجين لمقولاته.

عاشراً: نحو أنثروبولوجيا عربية للذات

نحتاج اليوم إلى مشروع أنثروبولوجي عربي لا يكتفي باستيراد المفاهيم والمناهج، وإنما ينطلق من الإنسان العربي في واقعه التاريخي الملموس.

نحتاج إلى دراسة الذاكرة الشعبية، والعائلة، والمدينة، والقرية، والهجرة، والدين الشعبي، والأمثال، والأغنية، والطقوس، والعلاقات بين الأجيال، وصور السلطة، وتمثلات الجسد، ومفهوم الشرف، وأنماط التضامن، وعلاقة الإنسان العربي بالمكان والزمن والموت والعمل والحرية.

نحتاج إلى أن نعرف:

كيف تشكل الوعي العربي الحديث؟

كيف أثرت الاستعمارية في بنيته؟

كيف أعاد الاستبداد إنتاج الخوف؟

كيف أسهمت المدينة والإعلام والهجرة في إعادة تركيب الهوية؟

كيف تحولت بعض القيم إلى أدوات للضبط الاجتماعي؟

وكيف يمكن للثقافة أن تتحول من أداة لإعادة إنتاج الواقع إلى أداة لتحرير الإنسان منه؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً أكاديمياً؛ إنها أسئلة النهضة ذاتها.

الحادي عشر: العروي والتاريخانية واستعادة الزمن

هنا تتضح أهمية العروي مرة أخرى.

فالمشكلة، في جانب عميق منها، ليست مجرد غياب الأفكار الحديثة، وإنما العجز عن استيعاب التاريخ بوصفه شرطاً للفكر والعمل.

وقد ظل العروي يؤكد أهمية المنهج التاريخي في فهم المشكلات العربية، ويربط أزمة الحداثة بمشكلة الوعي بالتاريخ، كما جعل التحديث والعقلانية والحرية والدولة مفاهيم ينبغي فهمها ضمن سياقاتها التاريخية، لا باعتبارها ألفاظاً منفصلة عن شروط إنتاجها.

وهذا يعني أن النهضة لا يمكن أن تبدأ من سؤال: «كيف نعود إلى الماضي؟» ولا من سؤال: «كيف نقلد الغرب؟»، وإنما من سؤال أكثر جذرية:

كيف نفهم اللحظة التاريخية التي نقف فيها؟

فمن لا يفهم زمنه، يظل أسيراً لزمن غيره.

 استعادة المعنى قبل استعادة الثقافة

إن الأزمة العربية ليست أزمة ثقافة بالمعنى الضيق، بل أزمة علاقة بالثقافة؛ وأزمة علاقة بالمعرفة؛ وأزمة علاقة بالتاريخ؛ وأزمة علاقة بالذات والآخر.

ولذلك فإن الخروج من هذه المحنة لا يبدأ بكثرة المؤتمرات، ولا بتكاثر المهرجانات، ولا بتوزيع الجوائز، وإنما يبدأ من إعادة بناء العقل الذي ينتج الثقافة ويتلقاها ويحكم عليها.

نحتاج إلى مثقف لا يكون بوقاً للسلطة، ولا أسيراً للماضي، ولا تابعاً للآخر؛ مثقف يملك شجاعة السؤال، وصرامة المنهج، وعمق المعرفة، واستقلال الضمير.

نحتاج إلى ثقافة لا تكتفي بوصف المجتمع، بل تكشف البنى التي تصنع وعيه.

ونحتاج إلى هوية لا تتحول إلى قفص، ولا تذوب في الآخر، بل تعرف جذورها وتدرك تاريخها وتفتح نوافذها على العالم.

فالأنثروبولوجيا، في أعمق دلالاتها، تعلمنا أن الإنسان ليس كائناً بيولوجياً فقط، وإنما كائن رمزي يصنع العالم حين يمنحه معنى.

ومن ثم فإن المعركة الثقافية الحقيقية ليست مع الجهل وحده، وإنما مع اللامعنى؛ لأن الجهل يمكن علاجه بالمعرفة، أما اللامعنى حين يستوطن المجتمع فيهدد قدرته على معرفة نفسه وتحديد مستقبله.

إن مستقبل الثقافة العربية لن يُصنع باستعادة الماضي كما كان، ولا باستنساخ الآخر كما هو، وإنما بإنتاج وعي تاريخي نقدي قادر على تحويل التراث إلى موضوع للمعرفة، والحداثة إلى تجربة واعية، والهوية إلى مشروع مفتوح، والثقافة إلى قوة لتحرير الإنسان.

وهنا تلتقي الأنثروبولوجيا مع الفلسفة، ويلتقي التاريخ بالنقد، ويلتقي المثقف بالمسؤولية.

فلا نهضة بلا معرفة.

ولا معرفة بلا سؤال.

ولا سؤال بلا حرية.

ولا حرية بلا عقل نقدي.

ولا عقل نقدي بلا إنسان يملك شجاعة أن ينظر إلى ذاته بلا أسطورة، وإلى ماضيه بلا تقديس، وإلى الآخر بلا دونية، وإلى المستقبل بلا خوف. مراجع أساسية مقترحة

***

عماد خالد رحمة - برلين

..................

١. إدوارد ب. تايلور، الثقافة البدائية (Primitive Culture)، 1871.

٢. Franz Boas, The Mind of Primitive Man، وأعماله في الأنثروبولوجيا الثقافية. وتُظهر الدراسات التاريخية لأعماله دوره في ترسيخ الثقافة مفهوماً مركزياً لتفسير السلوك الإنساني.

٣. Claude Lévi-Strauss, Structural Anthropology.

٤. Bronisław Malinowski, Argonauts of the Western Pacific.

٥. إدوارد سعيد، الاستشراق.

٦. إيمانويل كانط، ما التنوير؟ ونقد العقل المحض.

٧. عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية المعاصرة.

٨. عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي.

٩. عبد الله العروي، الإسلام والحداثة. وتؤكد الدراسات الخاصة بمشروعه مركزية التاريخانية والحداثة والمنهج التاريخي في تفكيره.

١٠. Hans Peter Hahn, “On the Changeful History of Franz Boas’s Concept of Cultural Relativism”, 2023، لمراجع

إننا نظن، من جانبنا، أن الأفكارَ، أو أغلبها، لا تُولَد مُعلَّقَةً في الهواء، ومعزولةً عن السياقِ الاجتماعي والسياسي والنفسي، والذي يكون له دورٌ، بِنَسَبٍ متفاوتةٍ، في بلورةِ هذه الأفكارِ وصياغتها، وأشيرُ في البداية إلى أنني لا أقولُ هذا على سبيل «الحتمية»، وأن سياقًا اجتماعيًّا ما لابد وحتْمًا أن يُفرِزَ نمطًا معينًا من الخرافة والتبعية على سبيل «الحتمية» والضرورة، لا، ليس هذا مرادي، وإنما أردتُ التنويهَ إلى وجود أثر حقيقي لهذه الأشياء، ولكن لا على سبيل الجبْر والحتمية.

كما أنني أقررُ قاعدةً أخرى مهمة في هذا السياق، وهي أنه ليس بالضرورة، عند كلامنا في «ظُلْمٍ وانهزام» وقع لأحدهم، وتسبب هذا الظلمُ أو الانهزام في صياغةِ مجموعةٍ من الأفكار، أو التأثير فيها، أقولُ: ليس «بالضرورة» أن يكون هذا الظلمُ والانهزامُ قد وقعَ بالفعلِ؛ فقد تكون هناك حال مِن «ادِّعاء» المظلومية وغيرها؛ لاتخاذها كمُبرِّرٍ ومدخلٍ لفكرة واتجاه ما يُراد تثبيته وشيوعه، وأقول إن هذا الأمر ليس بالضرورة أيضًا؛ فصحة هذا من عدمه متروكة للبحث في كل قضية على حِدة؛ ومِن ثَمَّ نتبين مدى صِدْقِ الادعاء فيها أو كذبه.

هذه إشاراتٌ مهمةٌ؛ تَضْبِطُ ما نريد الحديثَ عنه خلال السطور القادمة.

جدل العلاقة بين الانهزام والخوف والمعتقدات الدينية

ظهرَ في مدرسة التحليل النفسي اتجاهٌ يرى أن الدينَ ينبعُ من عجْزِ الإنسانِ عن مواجهة قوى الطبيعة في الخارج، والقوى الغريزية داخل نفسه، ووجود الدين حينئذ يرتبطُ بعدم استطاعة الإنسان أن يفكرَ بطريقة عقلانية؛ ليتصدى لهذه المخاطر في حياته، ونتيجة لعدم هذه الاستطاعة؛ يلجأ الإنسانُ إلى مواجهتها بقوى عاطفية أخرى، أي يُقابِل العواطف بعواطف مضادة، ويكون دور الدين في هذا الصدد: تأدية الوظيفة التي يعجز الإنسانُ عن التعامل معها ومواجهتها(١).

هذا الطرح السابق، وإن كان لا ينطبق على جميعِ الأديانِ، وذلك بسبب وجود بعض الأدلة في بعض الأديان يَصْعُبُ أن تتَّسِقَ بشكلٍ كاملٍ مع الدافع والمعيار النفسي السابق، وذلك لأننا يمكن، على سبيل المثال، أن نتخذ الإسلام وظهوره ونطبِّقَ عليه هذا المعيار، فهل سيصمُد هذا المعيار أمام كل الجزئيات؟ إذا نظرنا إلى ظهور الإسلام، فإننا نجد أن البيئةَ التي ظهر فيها لم يكن لديها ترحيب بهذا الدين على نطاق واسع في بداية الأمر، وهذا أمرٌ معلومٌ ومشهور، وهذه النقطة يمكنها أن تَخْرِقَ بعضَ جوانبِ المعيار النفسي السابق، الذي يفسِّر ظهور الأديان بأنها كانت بسبب حاجة نفسية وخوف لدى جمهرة من الناس لا يستطيعون دفْعَه، وهذا الأمر لا ينطبق بشكل كامل على ظهور الإسلام؛ إذا لم ينشأ الإسلامُ أصلًا بسببِ حالة اجتماعية لاتجاه ما من الاتجاهات وجدَ ظلمًا أو مخاوف لم يستطع مقاومتها؛ فظهور الإسلام كان في بدايته بشكل فردي، صدرَت الدعوة إليه مِن قِبَلِ شخص واحد: محمد صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، ثم بعد ذلك أصبحتْ معه قِلَّة من الناس.

وهنا ينتفي، على الأقل، وجود جماعة أو اتجاه وقع عليه ظلم ثم لجأ إلى مجموعة معتقدات وخرافات تعويضًا له عن هذا الظلم؛ فما حدث على النقيض تمامًا؛ إذ لم يتعرض نبي الإسلام، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، لأذى مضاعَف إلا بعد دعوته للإسلام، أي أننا لو قررنا السيرَ مع ما يقوله المعيارُ النفسي، من أن ظهور الأديان يكون بسبب دافع نفسي وظلم ومخاوف طبيعية وغيرها لا يستطيع الإنسانُ مواجهتها، فهل هذا الأمر انطبق على النبي محمد؟ الإجابة كما وضحنا لا، فكما ذكرنا أنه لم يتعرض لأذى كبير إلا بسبب دعوته هذه، وهذا نقيض ما يقوله المعيار النفسي، لأن النبي بذلك قد قَبِلَ هذا الأذى والظلم الذي تعرض له في سبيل دعوته الجديدة، وكان قبلها مستقر الحال، يأمن على نفسه من الأذى.

ولكن هل هذا يعني أن المعيار النفسي باطل من كل وجوهه؟ لا أقول ذلك، فهناك بعض الحالات التي يمكن بالفعل تفسيرها، ولو جزئيًّا، من خلال هذا المعيار، وسأضربُ على ذلك بعضَ الأمثلةِ لنتبين حقيقة الأمر.

عقيدة المهدي

لقد لَعِبَت عقيدة المهدي دورًا كبيرًا من القرن الأول إلى اليوم، وذلك يرجع إلى سببين:

الأول: أن نفسية الناسِ تكره الظلمَ وتحب العدلَ، فإذا لم يتحقق لهم العدلُ في زمنٍ من الأزمنةِ؛ تطلعتْ نفوسُهم إلى حاكم عادل، تتحقق فيه العدالة بجميع أشكالها، فبعض الناس يلجأ في ذلك إلى الخيال يعيش فيه، ويؤلِّف في ذلك اليوتوبيا والمدن الفاضلة، وكل ذلك في خياله يعيش فيه، ومن الناسِ من لجأ إلى الثورة لرفْع المظالم، فلما عجزوا عن تحقيقها على أرض الواقع؛ أمَّلوها، خاصة إذا جاءتْ هذه الفكرة عن طرق الدين، فهنا يكون الناس أكثر حماسة لها؛ وبالتالي وجدوا في عقيدة «المهدي» ما يحقق أملهم، وهذا يفسر لنا انتشار عقيدة المهدي في اليهودية والمسيحية والإسلام على حد سواء(٢).

ومما يشير إلى رجاحةِ المعيار النفسي في تفسير ظاهرة المهدي -أو بعض جوانبها- أن بدايات ظهور هذه الفكرة كانت عندما رفض محمد ابن الحنفية بن علي بن أبي طالب -عليه السلام- مبايعة عبد الله بن الزبير، فتعرضَ عبد الله بن الزبير له بالأذى وأساء جواره؛ مما اضطره إلى الخروج من مكة مع بعضِ أصحابه، ونشأت حينئذ فِرقة تُسمى «الكيسانية»، يتزعمها المختار بن أبي عبيد الثقفي، وزعمَ هو وفرقته أن محمد ابن الحنفية هو الإمام وهو المهدي، بمعنى أن هذا المهدي سيرجعُ إلى الدنيا ليملأها عدْلًا(٣).

أرأينا كيف كانت الفكرةُ في مهدِها؟ ترتبطُ، كما قلنا بعامل القهر والاستبداد؛ ففرار محمد ابن الحنفية، مِن بطْشِ عبد الله بن الزبير، خلقَ نوعًا من التفكير في كيفية المواجهة القادمة مع هذا الاضطهاد، ولو لم يُنْفَ لَمَا كانت هذه من البذور الأولى التي شكَّلَتْ عقيدة المهدي، وهذا يدلنا على أن جو الحرية في التعبير يساعد بطبيعة الحال على نمو التفكير العقلاني، على نقيضِ جو الاستبداد والقهر؛ الذي يُفْرِزُ لنا، أو يساعد في ذلك، أفكارًا خرافية، ويغذي الأوهام أكثر من تغذية العقلانية، فأنْ تُغْلَق جميعُ وجوه التعبيرِ عمَّا يَنْزِلُ بالإنسان؛ فمعناها ألا تأمَن العواقب بعد ذلك.

ولقد ساعدَ في ترسيخِ فكرة المهدي، الظلمُ والبطْشُ من قِبَلِ السلطاتِ الاستبداديةِ ضد المعارضين، خاصة مِن الطالبيين، أي مَن هم مِن نسْل أبي طالب، والتنكيل بهم، وتقتيلهم بكل أنواع القتل، مِن السم وغيره، وتشريد كثير منهم في البلاد(٤)، هذا الاستبداد والتنكيل بالمعارضين خلقَ أزمةً نفسيةً واجتماعيةً لدى هؤلاء؛ وفي غالب الظن أن كثيرًا منهم لم يَقْوَ على الثبات على العقلانية المجرَّدَةِ إزاء هذا القهر النفسي والعذاب المتواصل والاضطهاد، الأمر الذي يتطلب تسليةً نفسيةً وتطييبًا لهذه الجراح؛ وبالتالي يزدادُ التمسكُ بمخلِّصٍ تشْرَئبُّ إليه النفوسُ لإزالة هذا الكم من استفحال القهر، ولا يعني هذا الأمر أن هؤلاء قد قصَّروا في مواجهة الظلم بالثورة عليه والكتابة ضده بعقلانية رفيعة؛ وإنما أردتُ الإشارةَ إلى أن هذا الاضطهادَ تركَ آثاره على النفوس والأفكار، ومن بينها عقيدة المهدي.

ولقد أشار ابن خلدون إلى العلاقة بين القهر وصناعة الخرافة والأوهام، ومن ذلك عقيدة المهدي، التي يقْوى اعتقادُ الناس فيها فرارًا من الظلم، وأن هذا المهدي ينبغي أن يكون ظهوره ومكان ظهوره غير مقرون بالاستبداد والقهر والظلم(٥).

هذا عن دوافع فكرة المهدي النفسية والاجتماعية، ومن ناحية أخرى، فإن مِن أكبر المنتفعين من هذه الفكرة هم أرباب الاستبداد؛ إذ إنهم في حال من الاستقرار والأمان طالما أن جزْءًا من عقيدة أغلب الناس ينبني لا على تغيير الوضع بأيديهم؛ وإنما بيد شخص مجهول -المهدي-، وبالتالي فالاستبداد في أمان طالما لم يظهر هذا المهدي، والذي لن يظهر أبدًا.

وتنطوي عقيدة المهدي أيضًا على قدْرْ من إفساد الإصلاح وتثبيط الهمم؛ إذ هذه الفكرة كفيلة وحدها برفْع المسؤولية عن عاتق الإنسان، وتعليقها على شماعة الخرافة والمجهول، تعزيةً للنفس وعجْزها عن مواجهة واقعها، ونَسِي هؤلاء، أو تناسوا، قول الباري: «إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ». [سورة الرعد، مِن الآية: ١١]. وأن الأمم مِن حولنا ما تقدَّمَتْ بانتظارها للمخلِّص؛ وإنما بالعمل والسعي نحو تغيير واقعهم، وما أسعد العالَم الاستعماري الاحتلالي بهذه الأفكار التي تملأ عقول هذه الجمهرة من الناس؛ فهم -ونحن- يرون البينة، وأن ما أضاعه كثيرون من الوقت في انتظار مَن ينتشلهم من أوضاعهم، لو قضوا ربع هذا الوقت في تطوير مجتمعاتهم، ومحاولة مواجهة الإشكال لا الفرار منه؛ لَمَا وصلنا إلى هذه الحال مِن التردي، غير أننا مع هذا لا يمكن أن ننكر أثر العامل النفسي في فكر صاحبه، وفي بعض الأحيان لا تكون الأمور مواتية ومساعِدة على التخلص منه ومن آثاره في صياغة أفكار للتعزية والتسلية، وقليلون هم الذين يستطيعون أن يفلتوا من أسْرِ هذا العامل النفسي والاجتماعي؛ بالعمل على تغيير نمط تفكيرهم، وعدم الاستسلام لفكر الأوهام والخرافة، الذي قد يزيد من انغماسهم في ظلام حالِكٍ.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

.......................

هوامشُ المقالةِ:

(١) يُنظَر: إيريك فروم، «الدين والتحليل النفسي»، ترجمة: فؤاد كامل، (ط١، القاهرة، مكتبة غريب، د.ن)، ص ١٥: ١٦.

(٢) أحمد أمين، «المهدي والمهدوية»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٢م)، ص ٧: ٨.

(٣) المصدر السابق، ص ١٠.

(٤) أبو الفرج الأصفهاني، «مقاتل الطالبيين»، تحقيق: السيد أحمد صقر، (ط٤، بيروت، مؤسسة الأعلى للمطبوعات، ٢٠٠٦م)، ص ٢٤: ٢٥.

(٥) ابن خلدون، «المقدمة»، تحقيق: إبراهيم شوح ـ إحساب عباس، (ط١، تونس، الدار العربية للكتاب، ٢٠٠٦م)، ١/٥٦٩.

(إن العمل الفني يخلق دائماً جمهوراً قادراً على تذوق الجمال وإيجاد المتعة فيه)... كارل ماركس، كتاب مقدمة نقد الاقتصاد السياسي

تعود المعنى الأساسي لعلم الجمال إلى الإغريق القدامى كعلم مرتبط بالحساسيات والمشاعر، ليصبح لاحقاً فرعاً خاصاً بالوجدان. وهو علم حديث يرتكز على تاريخ طويل من التأمل الفلسفي حول الجمال (نوعيه: الطبيعي والفني) وقيمه ومتعته. ولهذا يُعد علم الجمال فرعاً مهماً من الفلسفة يبحث في جوهر الجمال ومعاييره، مما جعله محط نقاش مستمر بين المفلاسفة والفلاسفة عبر التاريخ.

فقد نظر أفلاطون (٤٢٧ – ٣٤٧ ق.م) إلى الفن بحذر لكونه محاكاة للطبيعة، مشدداً على أن الجمال الحقيقي يجب ألا يبنى على أساس نفعي أو متعة مؤقتة، ومعتبراً الموسيقى أجمل مواضيع علم الجمال. أما أرسطو (٣٨٤ – ٣٢٢ ق.م) فأكد على أهمية التمييز بين الجمال الحقيقي والجمال المؤقت المرتبط بالمصالح. فيما سعى هيغل (١٧٧٠ – ١٨٣١) إلى تحليل الظواهر الاجتماعية والفنية عبر المنهج الديالكتيكي دون فصل عناصرها. ومصطلح علم الجمال كفرع فلسفي استُخدم لأول مرة على يد الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن (١٧١٤ – ١٧٦٢) في القرن الثامن عشر، ليتعامل عموماً مع الطبيعة والجمال والمتعة والفن كقراءة نقدية للطبيعة والثقافة والفن. ورغم التقارب الشديد والخلط الدائم بين الفن والجمال، إلا أنهما متميزان؛ فعلم الجمال أقرب للأعمال الوجدانية والحسية، بينما الفن هو خلق وإعادة خلق للمواد المحسوسة كلوحة أو نحت أو شعر أو موسيقى

أما هيغل (١٧٧٠ – ١٨٣١)، بوصفه أحد أعظم فلاسفة التاريخ، فقد سعى إلى تحليل الظواهر الاجتماعية ومن ضمنها الفن عبر المنهج الديالكتيكي دون فصل العناصر الاجتماعية عن بعضها. ومفهوم علم الجمال كفرع فلسفي استُخدم لأول مرة من قبل الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن (١٧١٤ – ١٧٦٢) في القرن الثامن عشر. وعلم الجمال عموماً يتعامل مع الطبيعة والجمال والمتعة والفن. ويُجمع أغلب الباحثين على أن علم الجمال قراءة نقدية للطبيعة والثقافة والفن. ونظراً لوجود خلط دائم بين الفن والجمال –ورغم تقاربهما الشديد– إلا أنهما متميزان، سيما في المجالين الحسي والوجداني. فعلم الجمال ليس شعوراً، بل هو أكثر ارتباطاً بالأعمال الوجدانية والحسية للبنان البشري، بينما الفن هو خلق وإعادة خلق للمواد المحسوسة مثل اللوحة الفنية، أو النحت، أو الشعر، أو القطعة الموسيقية وباعتبار أن العلم والفلسفة قد فصلا حتى أواخر القرن التاسع عشر مفاهيم علم الجمال في تحليلاتهما لصالح البرجوازية، فقد تغير تاريخ التحليل والقراءة الطبقية في المجتمع الرأسمالي مع ظهور الماركسية كعلم مخلص للطبقة العاملة من الظلم الرأسمالي. وحلت القراءة الماركسية للأدب والفن وعلم الجمال مكاناً هاماً في تاريخ القراءات، إلا أن هذا العلم لم يستطع حتى أوائل القرن العشرين أن يتخذ شكلاً وقوالباً خاصة به ويحدد أصوله ويثبتها.

علم الجمال من منظور الماركسية

تتعود جذور تاريخ علم الجمال إلى بدايات ظهور ونشأة الفلسفة والفن. ورغم أن تاريخ الفن أقدم من تاريخ الفلسفة، إلا أن الفلسفة استطاعت أن تصبح الأرضية للحديث عن علم الجمال. وكما هو معلوم، فإن الأعمال الأدبية والفنية هي أيضاً زاد ونتيجة لظروف اجتماعية واقتصادية محددة في المجتمع؛ أي أن تلك الأعمال هي وقائع تنبثق من العلاقات الاجتماعية. وهذه الأعمال الأدبية والفنية هي تعبير عن مشاعر وأحاسيس البشر، والتي لا تُداغ وتُعرض بشكل مجرد، بل تُصاغ وتُعرض اجتماعياً وفنياً. إن علم الجمال الماركسي، بوصفه أحد الأبعاد النقدية للأدب الماركسي، يعود أساسه إلى الفهم الماركسي للنص والمجتمع؛ لأن علم الجمال الماركسي يتحرك على أساس التاريخ لأشكال الملكية والطبقات وأيديولوجياتها، ويرى ماركس أن الفن هو شكل من أشكال تمثيل العالم. وهذا يعني أن الفن هو بوابة، وهدف معرفي، وعلاقة اجتماعية، وسلاح طبقي، وإثراء للإنسانية، وعمل واعٍ، وفي النهاية هو مرآة للمجتمع. وكما أشار بليخانوف، فإن ماركس (١٨١٨ – ١٨٨٣) كان يعتقد أن علم الجمال الهيجلي كان خطوة كبيرة للأمام نحو فهم ماهية الفن وتاريخه. ورغم أن ماركس لم يتحدث قط عن علم الجمال كموضوع مستقل، إلا أن الباحثين والنقاد الماركسيين سرعان ما وجهوا انتباههم نحو هذه المسألة، ولاحقاً على يد: غيورغي بليخانوف، بيلينسكي، تشيرنيشيفسكي، برتولت بريشت، جورج لوكاش، هربرت ماركوزه، والتر بنيامين، أنطونيو غرامشي، تيري إيغلتون، لويس ألتوسير، وصولاً إلى رولان بارت والعديد من أدباء وفناني ذلك العلم، وُضعت أسسه وتطويره. في عام ١٩١٢ وفي كتابه (الفن والحياة الاجتماعية)، شرع بليخانوف في دحض أي رأي يتعلق بانفصال الفن عن الحياة، حيث يقول: (لا يكفي أن نقول إن الأدب والفن يمثلان الحياة، بل يجب أن نعرف كيف يعبر الفن عن الحياة وكيف يفهم حركة الحياة الجدلية

يرتكز علم الجمال الماركسي على قراءة النصوص والفنون وفق منهج المادية الديالكتيكية؛ فهو يربط العمل الفني بمستوى تطور المجتمع وقوى الإنتاج، مؤكداً أن لكل نشاط مادي بشري جانباً جمالياً. وترتبط النقدية الماركسية بهذا العلم ارتباطاً وثيقاً بوصفه سلاحاً معرفياً لا غنى عنه. يتمحور هذا العلم حول الإنسان باعتباره أساس النص الفكري، فـ "النص بلا فكر إنساني نص ميت". وعلى عكس الأدب البرجوازي الذي يركز حصراً على الشكل والقالب، يشدد علم الجمال الماركسي على الالتزام الطبقي وتحديد دور الإنسان الفاعل في الصراع الطبقي.

يُمثل علم الجمال الماركسي نظرية ثقافية وفنية ترتكز على المادية الديالكتيكية والتاريخية، حيث يرى أن الظروف الاقتصادية والعلاقات الطبقية تؤثر عميقاً في حياة الإنسان وفنونه. ولا يمكن فهم أي عمل أدبي أو فني من هذا المنظور دون إدراك أبعاده الطبقية وعلاقته بالصراع الاجتماعي، ليكون في النهاية علماً يدرس الروابط الجمالية التي تصل الإنسان بعالمه المحيط.

ولم ينبع اهتمام ماركس بهذا المجال من رغبة أكاديمية منعزلة، بل من رؤيته للإنسان ككائن خلاق تسلبه الرأسمالية روحه. من هنا، جاء ربط النضال والثورة بالجانب الجمالي؛ فالثورات ليست دماراً مجرداً، بل هي مخاض مؤلم لولادة عالم عادل، وعمل إنساني فاعل يحطم القيود ويكسر القوالب البالية، لتتحد فيها الحرية والعدالة والجمال بهدف تحرير الإنسان واستعادة كرامته المسلوب

أين استقر المرام بماركس في علم الجمال؟

إن التعمق في هذا السؤال يقودنا إلى استكشاف واحدة من أكثر المسائل دقة في الفلسفة الماركسية؛ فكارل ماركس لم يترك مطلقاً نسقاً أو كتاباً مستقلاً يحمل عنوان "علم الجمال" بالمعنى الذي تركبه المدارس الفلسفية البورجوازية التقليدية. لقد انتهى مطاف علم الجمال لدى ماركس –ومنه تفرع لاحقاً إلى الماركسية الغربية والنقد الأدبي الحديث– عند فكرة جوهرية مفادها: أن الجمال ليس قالباً شكلياً معزولاً في المتاحف أو اللوحات، بل هو تجسيد لمدى تحرر الإنسان من اغترابه. وتتجسد هذه الإشكالية عبر محطات عميقة ترسم مسار وتطور هذا المفهوم

من الاغتراب الرأسمالي إلى الاكتشاف الجمالي: رأى ماركس في كتاباته المبكرة (مثل مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية) أن الإنتاج الرأسمالي يحول العامل إلى سلعة مسلوبة الإرادة، مما يغترب الإنسان عن عمله، وعن أخيه الإنسان، وعن طبيعته الخاصة. وهنا يبرز الجمال والفن عند ماركس بوصفهما "الملاذ" و"المرآة" التي يعيد من خلالها الإنسان اكتشاف قدرته على الخلق الحر. فالحيوان ينتج وفقاً لحاجة نوعه البيولوجية وحدها، بينما الإنسان ينتج "وفقاً لقوانين الجمال" وينسج إبداعه بحرية تامة عن الحاجة المادية البحتة.

الأثر الهيجلي وانعطافة المادية: انطلق ماركس من إرث هيغل الذي اعتبر الفن تجلّياً للروح المطلق، لكن ماركس أخذ هذا التصور ونزل به من السماء إلى الأرض؛ فلم يعد الفن توضيحاً لأفكار ميتافيزيقية، بل أصبح انعكاساً للبنية التحتية المادية ولصراع الطبقات وقوى الإنتاج. بهذا المعنى، انتهى مطاف علم الجمال الماركسي إلى أن يصبح أداة معرفية ونضالية لفهم الواقع وتغييره، لا لمجرد تأمله بجمود.

الثورة كذروة للفعل الجمالي: حين نربط الثورة بالجمال، نجد أن مطاف الفكر الماركسي يستقر عند نقطة التقاء الفعل السياسي التحرري بالإبداع الإنساني. الثورة الكبرى ليست تخريباً، بل هي ميلاد إنسان جديد يكسر قيود الاستغلال. وكما يكتب الشاعر أو يرسم الفنان لوحة تحطم القوالب البالية، فإن الجماهير الثائرة تعيد صياغة التاريخ والعلاقات البشرية بوعي جمالي وأخلاقي رفيع.

التطور اللاحق عند رواد الماركسية: لم يتوقف هذا المسار برحيل ماركس، بل تطور على أيدي مفكرين كبار مثل غيورغي بليخانوف الذي أكد ارتباط الفن بالحياة الاجتماعية، وجورج لوكاش الذي بحث في "الواقعية الكبرى" وقدرة الأدب على كشف تناقضات المجتمع، وصولاً إلى والتر بنيامين وتيري إيغلتون اللذين ربطا الجمال بالثقافة الجماهيرية وبالأيديولوجيا. لقد انتهى مطاف علم الجمال لدى ماركس إلى التحول من "فلسفة تأملية للجمال" إلى "علم نقد مادي" يربط حبل السرة بين الإبداع البشري وتحرر الإنسان من نير الاستغلال الطبقي

***

ئاريان علي

اليوم، وعلى هامش نقاش متبادل بيني وبين الصديق عبد الجبار الرفاعي، بعد قراءة الجزء الأول من دراسته المعنونة: "في حضرة مولانا: سياحة في عالم المعنى"، زودني بمقال كتبه قبل أعوام بعنوان: "تراث المتصوفة مرآة عصره"، نشره عام 2022. ومع انتهاء النقاش، بقي العنوان حاضرًا في ذهني، لا بسبب ما يقوله عن الماضي وحده، وإنما لما يمكن أن يقوله عن حاضرنا. فإذا كان تراث المتصوفة قد حمل آثار الأزمنة التي ولد فيها، فإن التصوف الذي نراه اليوم على المنصات الرقمية لا يستطيع أن يعيش خارج شروط عصره. نحن أمام بيئة جديدة لا تغير وسائل الوصول إلى التجربة الروحية فقط، إذ تعيد تشكيل المكان والسلطة والصحبة والسند والذكر، حتى صورة الشيخ في وعي المريد.

ينطلق الرفاعي من فكرة أن التصوف نشأ محاولة لاسترداد وظيفة الدين في إنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للحياة، ثم يرى أن هذه البصيرة فقدت كثيرًا من ضوئها عندما انصرف بعض المتصوفة إلى العزلة، وصارت الخلوة والصمت والجوع والسهر أجزاءً من نظام صارم لترويض النفس والجسد. وينتقد بصورة أشد تحول علاقة المريد بالشيخ إلى إذعان وطاعة عمياء تلغي الإرادة وتعطل العقل النقدي، حتى تتضخم صورة الشيخ في مخيلة أتباعه وتتجاوز حدودها البشرية. لا يوجه الرفاعي نقده إلى التصوف كله، وإنما إلى "تصوف الاستعباد"، حين تنقلب التربية الروحية إلى سلطة استعباد، ويتحول الشيخ من دليل إلى سيد، والمريد من طالب للمعنى إلى تابع مسلوب الإرادة. في هذا النمط يمنح التسلط أسماء الشيوخ قدسية، ويتحول الخضوع إلى فضيلة، ويختزل الطريق الروحي في الولاء لشخص الشيخ.

ما أثار اهتمامي عند العودة إلى هذا النص أن الدراسات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة حول ما يسمى "التصوف الرقمي" أو "التصوف السيبراني" تكشف أن كثيرًا من هذه المفاهيم القديمة لم يختف، وإنما تغيرت البيئة التي يعمل فيها. لم تعد الخلوة دائمًا غرفة مغلقة، ولا الزاوية بناء له جدران، ولا مجلس الذكر يحتاج بالضرورة إلى اجتماع الأجساد في مكان واحد. حتى الوصول إلى الشيخ لم يعد مشروطًا بالسفر أو الصحبة المباشرة؛ فهناك اليوم مريد في مدينة، وشيخ في قارة أخرى، وبينهما شاشة ومنصة وخوارزمية.

تقدم دراسة حفصة إقبال، المنشورة عام 2024 بعنوان "The Digital Sufi Gaze: Between Love, Longing and Locality in COVID Britain"، حالة مهمة من بريطانيا. تابعت الدراسة ما حدث لبعض الجماعات الصوفية عندما دفعتها جائحة كورونا إلى نقل جزء من نشاطها إلى البيئة الرقمية. لم تقتصر المسألة على بث محاضرة عبر الإنترنت، فقد ظهرت مشكلة أعمق تتعلق بالحضور نفسه، وعلاقة المرشد بالمريد والجماعة الصوفية، حتى مفهوم "النظر" الذي يحمل دلالة روحية في بعض التقاليد الصوفية. هكذا دخلت الشاشة إلى منطقة كان الحضور الجسدي جزءًا أساسيًا من تكوينها. وتتناول دراسة أخرى صدرت عام 2024 منح إجازات أوراد الذكر عبر الوسائط الرقمية، وتدخل بذلك إلى منطقة أكثر حساسية؛ فالإجازة في التقليد الصوفي ليست شهادة معرفية فقط، وإنما جزء من سلسلة انتقال المعرفة والممارسة من الشيخ إلى المريد. غير أن الوسائط الرقمية أتاحت منح بعض هذه الإجازات عبر الإنترنت، وأتاحت أنماطًا جماعية منها. ووجد الباحثان أن التقنية تستطيع نقل التعليم والذكر، لكنها لا تستطيع المحافظة بصورة كاملة على طبيعة العلاقة التقليدية القائمة على الصحبة والاتصال المباشر. هنا نبدأ بمشاهدة تحول أكبر من مجرد رقمنة التصوف.

 وذهبت دراسة حديثة عن الطرق الصوفية في إندونيسيا إلى استعمال مفهوم لافت، هو "Digital Zāwiya" أو "الزاوية الرقمية". درس الباحثون حضور تسع طرق صوفية في الفضاء الرقمي، ووجدوا أن بعض البيئات الرقمية لم تعد تقتصر على نشر المعرفة، فقد أخذت تؤدي بعض وظائف الزاوية التقليدية؛ ففيها تعليم وذكر وتفاعل وإرشاد، ومجتمع يتكون حول الشيخ والطريقة، من دون أن يجتمع أفراده بالضرورة في مكان مادي. وهكذا أصبحت الزاوية، التي احتاجت في الماضي إلى باب وجدران، قادرة على الوجود داخل شبكة.

 وهذا التحول يعيدني إلى نقد الرفاعي للخلوة؛ ففي التصوف القديم كان الانسحاب من المجتمع يتحقق بالابتعاد الجسدي عن الناس، أما الإنسان الرقمي فيعيش وضعًا أكثر غرابة وتعقيدًا؛ إذ يستطيع أن يكون وحيدًا في غرفته، وهو متصل بآلاف الأشخاص، وأن يمارس الذكر ممسكًا بهاتفه، ثم ينتقل في لحظة من درس صوفي إلى خبر سياسي، ومن إعلان تجاري إلى مادة ترفيهية. هنا لا تعني الخلوة انقطاعًا عن العالم، فقد يحمل الإنسان ضجيج العالم كله إلى عزلته. هكذا تظهر مفارقة الخلوة الرقمية: عزلة في المكان واتصال لا يتوقف، سكون في الجسد وتشتيت متواصل للانتباه. وإذا كانت الخلوة القديمة تسعى إلى جمع القلب وتحريره من المشتتات، فإن المنصة الرقمية تعرضه لتدفق لا ينتهي من الصور والأخبار والرغبات. من هنا لا يتعلق السؤال بإمكان ممارسة الذكر عبر الشاشة فقط، وإنما بقدرة الإنسان على صون حضوره الداخلي من منطق السرعة والتشتت الذي تفرضه البيئة الرقمية.

لم تعد الخلوة عزلة عن العالم؛ فقد دخل العالم كله إليها عبر الشاشة. كانت الخلوة القديمة تقلل المؤثرات الخارجية لتوجه الوعي نحو الداخل، في حين يقوم اقتصاد المنصات على جذب الانتباه وتشتيته. من هنا يتمثل التحدي الروحي الجديد في استعادة الصمت وسط عالم لا يتوقف عن الكلام. ويظهر التحول الأخطر في سلطة الشيخ؛ فالفضاء الرقمي لا يلغي ما يسميه الرفاعي "تصوف الاستعباد"، حين تتضخم صورة الشيخ في وعي المريد، ويتوارى العقل النقدي خلف المتخيل المقدس، وقد يمنحه أدوات أشد تأثيرًا. قدمت دراسة صدرت عام 2025 عن التصوف الرقمي وإعادة تشكيل السند في إندونيسيا مفهوم "Algorithmic Spiritual Authority" أو "السلطة الروحية الخوارزمية"، إذ صارت الخوارزمية طرفًا في صناعة الحضور الروحي، تختار للمستخدم ما يراه وفق الانتشار والتفاعل ومدة المشاهدة، حتى تبدو الشهرة الرقمية علامة على السلطة، مع أنها لا تعني علمًا أو سندًا أو تجربة روحية. كان الشيخ في التصوف التقليدي يدل المريد على الطريق، أما اليوم فقد صارت الخوارزمية تدل الباحث على الشيخ، وهي لا تعرف الأعمق تجربة، وإنما تعرف الأقدر على جذب الانتباه. هكذا تكتسب صورة الشيخ المتخيلة قوة جديدة تصنعها الكاميرا والمونتاج وأعداد المتابعين والتكرار الخوارزمي، ويغدو نقد الرفاعي لتضخم سلطته أكثر راهنية.

 غير أن لهذا التحول وجهًا آخر؛ فقد كسر الفضاء الرقمي كثيرًا من احتكارات المعرفة، وأتاح نصوص ابن عربي والرومي والحلاج والقشيري والغزالي، والمخطوطات والمكتبات والدروس، لقارئ لم يكن يستطيع الوصول إليها، وعرّفه إلى تجارب صوفية تنتمي إلى ثقافات بعيدة. نحن لا نقف أمام خسارة خالصة أو مكسب خالص؛ فالتكنولوجيا توسع الوصول إلى المعرفة، وتغير في الوقت نفسه شروط السلطة والثقة والحضور. وأضاف الذكاء الاصطناعي طبقة جديدة، إذ يستطيع البحث في كم هائل من النصوص الصوفية، وتلخيصها ومقارنتها وترجمتها وشرح مفاهيمها خلال ثوان، وربما يصبح أحد أهم وسائط الوصول إلى التراث الروحي. غير أن هذه القدرة تكشف الحد الفاصل بين المعرفة والتجربة؛ فالآلة تشرح الخلوة من دون أن تختلي، وتحلل الوجد من دون أن تجد، وتصف الفناء من دون أن تفنى. إنها تعرف الكثير عن الطريق من دون أن تسير فيه، فرقمنة التراث غير رقمنة التجربة الروحية. هنا تكتسب رؤية الرفاعي في كون "تراث المتصوفة مرآة عصره" معنى جديدًا؛ فالتصوف الرقمي يحمل سرعة عصره وشبكاته واقتصاد الانتباه وسلطة الخوارزمية، مثلما يحمل قدرته على فتح المكتبات وكسر احتكار المعرفة وتجاوز الجغرافيا.

نحن أمام انتقال تاريخي في الوسيط قد يغير شيئًا من طبيعة التجربة نفسها. كان المتصوف القديم يغلق باب الخلوة ليبتعد عن ضجيج العالم، أما الإنسان الرقمي فيحمل العالم كله في جيبه، ولهذا يحتاج إلى خلوة تستعيد ذاته من تدفق الصور والأخبار والتنبيهات، لا خلوة تقطعه عن الحياة.

وفي ضوء موقف الرفاعي من "تصوف الاستعباد"، لا تقاس قيمة التحول الرقمي بقدرته على توسيع جمهور الشيخ، وإنما بما يتيحه للمريد من وعي واختيار ومراجعة. فالوسيط الجديد قد يحرره من الانغلاق داخل طريقة واحدة، وقد ينشئ تبعية أشد خفاء، حين تتولى المنصة تشكيل ذائقته الروحية وتوجيه ثقته من دون أن يشعر. هنا ينتقل الاستعباد من الطاعة المباشرة لشخص الشيخ إلى الخضوع لشبكة من الصور والتوصيات والمؤثرات التي تصنع السلطة وتعيد إنتاجها. لقد انتقلت الزاوية إلى الشاشة، ومجلس الذكر إلى المنصة، ودخلت الخوارزمية بين الباحث والمرشد، غير أن حاجة الإنسان إلى معنى روحي وأخلاقي وجمالي بقيت قائمة. التحدي الذي يواجه التصوف اليوم هو إنتاج هذا المعنى مع صون حرية الإنسان وكرامته، كي لا تصبح التكنولوجيا أداة حديثة لتجديد الاستعباد الروحي. عندها تصبح الشاشة المرآة الجديدة التي يرى فيها التصوف عصره.

***

الدكتور تحسين الشيخلي

لدى تفاعل عنصرين كيميائيّين ينتج عنهما عنصر كيميائي ثالث جديد كليا! وهكذا الحال في تكتّل الأفراد وهم يشكّلون المجتمع، فلا يكون المجتمع عندئذٍ خليطا من سمات الأفراد، بل كيانا جديدا يمكن الإشارة إليه بالعقل الجمعي، إلا أنّ هذه العقلية الجمعية هي عقلية انفعالية حُكما في حراكها وقيادتها، هكذا كانت رؤية الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون عن الظاهرة المجتمعية كما يؤسس لها في ثلاثيّته سيكولوجية الجماهير والآراء والمعتقدات وحياة الحقائق.

هذه العقلية الاجتماعية بكُنهِها من الأعراف وبمحدِّداتها من موارد المجتمع المادية والمعنوية، والثقافة والفنون، وترِكة الموروث، والقانون، والسلطة السياسية، والظاهرة الدينية بتحيّزاتها كافة، والحركات الفكرية، ونُخَب النفوذ المباشرة وغير المباشرة، تمثّل سلطة لا يمكن الاستهانة بها، ولا الاستغناء عنها، ورغم تعدد أشكالها لكن جوهرها باقٍ على اعتبار أنّ الإنسان مدني طبعًا؛ ولذا كان الاعتراف الاجتماعي ركيزة أساسية يأخذها أفراد المجتمع في الاعتبار، لتيسير مصالح حياتهم.

ووسط ذلك كله، يجد الفرد نفسه عالقا في مسافة محرجة بين تحقيق ذاته واستقلاليتها وبين الوشيجة التي تصل بينه وبين مجتمعه، ولِحَلْحلة هذا العَلَق يُعمَد إلى عدة اتجاهات، على رأسها النفاق المجتمعي؛ أي خطبة ودّ المجتمع ظاهرا؛ لتحقيق المآرب الشخصية، وإبْطان التوجّهات والرؤى التي لا ترتضيها سلطة المجتمع، على أنّ هذا التوجّه مهما بدا مثيرا للاشمئزاز غير أنه في كل فرد مُنتمٍ نسبة منه، ولا بد؛ لاقتضاء الطبيعة الفرد-مجتمعية - لو جاز لي هذا التعبير - وتوجهٌ ثان يقضي باستلاب إرادة الفرد؛ كَرْمى إرادة المجتمع، فتُسحَق تطلّعاته وهواجسه تحت سطوة مصلحة المجتمع، فيعيش المرء في قالب يحدّد قياساتِه مجتمعُه الذي وجد نفسه فيه، وتوجّه ثالث يعلن فيه الفرد استقلاليته التامّة ثائرا ومناهضا، فيدفع ضريبة باهظة، إذْ لا تراه العين الجمعية إلا نشازا يجب استئصال شأفةِ حماسته حتى لا ينشر العدوى، فيفقد أفراده الذين هم رأس ماله في المقام الأول!

إن هذه الاتجاهات في جوهرها إن كانت تشير إلى شيء فإن سيولة دلالة اصطدامٍ ما بين كيانين متنافرين تبدو واضحة، فمن ناحية يحاول الفرد ترسيم حدود مترامية الأطراف لاستقلاليته، ومن الناحية الأخرى يحاول المجتمع أن يتشبّث بكل شبر من سلطته، ولأن الهُويّة الفردية تتغير بحركة ديناميكية متسارعة، في حين تمشي الهُويّة المجتمعية الهُوَينَى، فهذا الصدام يأخذ شكلا صاخبا؛ مما يشكّل ظاهرة كبرى تتسيّد مشهد المجتمعات المدنية المعاصرة، ولعل الفرد على المستوى العالمي استطاع خلال نصف قرن الماضية أن يوسّع حدوده ويغيّر من بِنْية مجتمعه بعد أن أيقظه من غفلته أو تغافله.

إن المجتمع الذي يقتل في الفرد نموه وإنتاجيته واستجابته الفاعلة في الحياة، باسم الحفاظ على هُويّة المجتمع، يكون مجتمعا هشًا قابلا للاستلاب من الإرادات الكبرى بيُسر وقوة؛ لأنه منبنٍ على التبعية، أما المجتمع الذي يستبدل بسلطته بيئةً حاضنة، يُمَكّن فيها الأفراد من أن يمارسوا إرادتهم على نحو يكفل لهم الطمأنينة والرعاية، فهو مجتمع واعٍ يصعب اختراقه؛ لأنه قائمٌ على ضمان الحرية، وهذه مفارقة، إذ يسري الوهم بأنّ الحرية الفردية تفتّ في عضد المجتمع، بينما الفرد الذي يجد في المجتمع مساحة داعمة يعيش فيها حريته يتعزّز انتماؤه بمجتمعه، وتقوى صِلاتُه بأفراد مجتمعه.

وممّا يمكن المراهنة عليه في الاعتراف باستقلالية الفرد أمران، أولهما المواطَنة، ولكن تلك التي تلتفتُ جيدا إلى صون حقوق الفرد، وتُوْليه المنزلة المُثلَى التي يستحق، ومن شأنها إِذّاك أن تقلّم الكثير من جبروت المجتمع؛ الأمر الذي يؤول تاليًا إلى تهدئة نسبة كبيرة من الصراع المحتدم بين الفرد والمجتمع، على أن العملية جِدُّ عسيرة على المواطَنة وهي تردّ الاعتبار للفرد في السياق المجتمعي، إذْ إنها أشبه بالرقص على رؤوس الأفاعي؛ كون أنه ولا بد من طبقة من الأفراد لأسباب عدّة يرتكبون المستحيل لتعزيز سلطة المجتمع.

وثاني ما يمكن المراهنة عليه هو قوة الفرد، هذه القوة التي تتنوع مظاهرها من النفوذ أو المال أو المنصب أو الوجاهة أو المهارة أو المعرفة أو العلاقات وغيرها، بإمكانها أن تصنع فارقا كبيرا في دَوْزَنَة الحدود المجتمعية، فالفرد الضعيف يبذل أضعاف ما يبذله الفرد القوي في التعبير عن استقلاليّته وممارستها، وارتداداتُه السلبية عليه أكثر بكثير مما يكون على الفرد القوي، على أنّ نتائج الفردانية للفرد القوي تطال غيره بسبب التغيير الذي يأتي على نظرة المجتمع.

إنّ الطبيعة الراهنة لسلطة المجتمع هي تطوّر بشري حدث عبر آلاف السنين منذ أول مجتمع بشري عاقل، نبع من ضرورة حماية اللُّحمة المجتمعية؛ من أجل البقاء الذي هو أسُّ الأساسيات، غير أن باعث النشأة اندثر وبقيت آثاره، وبقي الفرد ضحيةً لهذا التطور الذي ما زال حتى الساعة يلاحق الفرد ويخنق إرادته بيدين من وهم المصلحة العامة، رغم الانزياح الكبير الذي حققه الفرد من أجل استقلاليته، ومع ذلك فالمفارقة الغريبة أنّ الفرد بحاجة ماسّة إلى المجتمع حتى يمارس استقلاليّته، فالفردانية في الانعزال لا تعدو أن تكون حياةً منزوعًا منها طبيعتها الإنسانية، وهذا بدوره يُبرِز سؤال التنازلات والمصالح المشتركة، كما يُبرِز سؤالا محيرا آخر، ماذا لو اجتمع الأفراد المُتبنّون مفهوم الفردانية في هيئة مجتمع، أكنّا سنجد صداما بين الفردانية وسلطة مجتمع الفردانية؟ أم أن ذلك سيُحيلنا إلى الرؤية التي طرحها لوبون من اللعنة المصاحبة لأي مجتمع، كما ذكرتها في الفقرة الأولى من المقال؟

***

محمـــد سيـــف

 

الطوفان الرقمي وتحولات البنية الثقافية المعاصرة

يتبدّى الطوفان الرقمي في المشهد الكوني الراهن بوصفه "انكشافًا وجوديًا" يتجاوزُ منطق التراكم التقني؛ ليُعيد هندسة الكينونة الإنسانية في صميم علاقتها بالمعنى وجوهر الحقيقة. إن هذا التدفق الهادر للبصمات الرقمية قد أرسى قطيعةً ابستمولوجية راديكالية مع زمن "الندرة المعرفية"، ذلك الزمن الذي كان فيه المعنى يُشادُ كصرحٍ حصين داخل أروقة المؤسسات المرجعية والمحاضن النقدية الرصينة، لينقلنا قسرًا إلى عصر "رثاثة الفيض المرجف"؛ حيث تنزاحُ المعرفة عن عرشها بوصفها غايةً أنطولوجية سامية، لتستحيل إلى مادةٍ استهلاكية سيالة، تفتقرُ إلى "الثقل المرجعي" وتخضعُ لسطوة اللحظي والعابر. وفي هذا الفضاء السديمي، يغدو المعنى شظايا متطايرة في "سيمياء التسطيح"، حيث تذوبُ المسافات الفاصلة بين العمق والرثاثة، ويتحول الوعي من "فعل بناءٍ تأملي" إلى محض "استجابةٍ رقمية" محاصرة بخوارزميات تقتاتُ على تفتيت الذاكرة الجماعية، وإفراغ الرموز من حمولاتها الحضارية الصافية. في هذا الفضاء الافتراضي، تراجع "اقتصاد المعرفة" الذي كان يقدس العمق والتأمل، لصالح "إنتاج السطح" الذي يتغذى على اللحظي والعابر والمبهر، حيث تغدو عقلية المستخدم محاصرةً بصراعٍ دائم على اقتناص لحظات من التركيز وسط ضجيجٍ خوارزمي لا يهدأ، مما أدى إلى تحول الفكر من "فعل تراكمي" إلى "استجابة غريزية" لتدفق الصور والبيانات.

تتبلورُ إشكالية هذا الطوفان في كونه أدى إلى "سيولة المعنى" وتآكل سلطة المرجعيات الثقافية والتقليدية التي كانت تمثل بوصلة الهوية للذات الجماعية. ففي ظل هذا الانفجار المعلوماتي، لم يعد النصُّ يتمتع بقداسة المركز، بل استحال إلى شظايا تتطاير في فضاءات المنصات، حيث تتساوى الحقيقة مع الزيف، والعمق مع الرثاثة، في مساواةٍ رقمية مضللة تمنح التوافهِ صوتًا يضاهي صوت الحكمة. وقد أدى هذا التسطيح القسري إلى تآكل "الذاكرة الثقافية"؛ فالإنسان المعاصر بات يعيش في "حاضرٍ مستمر" بلا ذاكرة، حيث يُدفن محتوى الأمس تحت ركام "تريند Trend" اليوم، مما ينتجُ هويةً رمزيةً متشظية، تعجزُ عن بناء سردية متماسكة للذات وسط هذا التفتت القيمي والجمالي. إن الذاكرة التي كانت تُخزّن في الكتب والمتاحف والصدور، عوِّضت بذاكرة سحابية باردة In cloud memory، تتيحُ الوصول السريع للمعلومة؛ لكنها تقتلُ فعل "الاستيعاب الوجداني" الذي يصنع الثقافة الحقة.

تستحيلُ الهيمنة الثقافية في العصر الرقمي إلى نمطٍ خفيٍّ وناعم، لا يمارس سلطته عبر المنع أو الرقابة التقليدية، بل عبر "الخوارزميات" التي تعيد هندسة الوعي الجمعي وفق منطق السوق الرقمي. هذه الخوارزميات ليست أدوات محايدة، بل هي "بنىً أيديولوجية" تُصمم لعزل الأفراد داخل "غرف صدى Chambers of echo" معرفية، تعزز انحيازاتهم وتمنعهم من الانفتاح على "الآخر" أو "المختلف"، مما يكرسُ حالةً من العزلة الجماعية داخل الفضاء المشترك. إن الوعي البشري يتم تشكيله الآن عبر "برمجيات التوجيه" التي تفرز القيم والمعارف وفق جدارتها التسويقية وقدرتها على جلب التفاعل، وليس وفق قيمتها الأخلاقية أو الجمالية. وبذلك، يواجه الإنسان المعاصر تحديًا وجوديًا يتمثل في كيفية استعادة "السيادة الثقافية" وسط هذا الطوفان، وحماية جوهر الهوية من الانصهار في بوتقة العولمة الرقمية التي تسعى إلى تحويل الثقافة إلى "سلعةٍ عابرة" خالية من الروح والتاريخ.

الأمن الثقافي وسيولة الهوية الرقمية

ينبثقُ مفهومُ الأمن الثقافي في العصر الراهن بوصفه درعًا أنطولوجيًا، وضرورةً وجودية، تتجاوزُ الأطر الدفاعية التقليدية، لِيستحيل إلى فعل مقاومة معرفية ضد سيولة المعنى التي يفرضها الطوفان الرقمي المُعَولم. وتبعًا لذلك، فإنَّ حماية الذاكرة الجماعية والرموز الحضارية من التفكك أو الذوبان في الفضاء الافتراضي لا تعني الانطواء على الذات، أو الانغلاق في فضاءات تراثية مغلقة، بل تعني اجتراح "سيادة ثقافية" قادرة على مواجهة "أنطولوجيا الزيف" ورثاثة الخطاب التي تكتسح المنصات. في هذا الفضاء السيال، تفقد الرموز صلابتها التاريخية وتتحولُ إلى صور عابرة مفرغة من دلالاتها العميقة، حيث يعمل المنطق الرقمي على "تسليع التراث"، وإعادة إنتاجه ضمن قوالب استهلاكية تخدم اقتصاد الانتباه على حساب جوهر الهوية. إنَّ الأمن الثقافي هو، في حقيقته، سعي إلى استعادة "المرجعية الصلبة" وسط عالم يمجد العبور واللحظي، وهو محاولة جادة لترميم "البيت الثقافي" من تصدعات العولمة الرقمية التي تسعى لتنميط الوعي البشري وفق معايير خوارزمية صماء.

والحال هذه، تتبلورُ العلاقة بين المنصات الرقمية وإعادة تشكيل القيم من خلال عملية "هندسة اجتماعية" ناعمة، حيث تتحول هذه الفضاءات إلى أدوات قهرية لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية تحت شعارات الانفتاح والتواصل. إن ما نعيشه اليوم هو "انفجارٌ في التمثيل"، يقابله "تآكلٌ في الجوهر"؛ إذ تفرض المنصات أنماطًا ثقافية سطحية تقوم على المحاكاة السريعة والابتذال الجمالي، مما يؤدي إلى "رثاثة الخطاب" وتدني مستوى الذوق العام. هذه الرثاثة ليست مصادفةً تقنية، بل هي نتيجة حتمية لمنطق "السوق الرقمي" الذي يقدس الكمَّ على الكيف، ويمنح السيادة لـ "التريند Trend" العابر فوق القيمة الراسخة. وبذلك، يستحيل التراث في الوعي الرقمي الجديد إلى مجرد "فلكلورٍ بصري" يُستدعى للزينة لا للتأسيس، مما يفضي إلى اغتراب الذات عن جذورها الحضارية، ويجعل الهوية الرقمية كائنًا هجينًا بلا ذاكرة، يقتات على شظايا الثقافات المبعثرة دون أن ينتمي إلى أيٍّ منها بصدق.

وفي ضوء ذلك، يتجلى التوتر القائم بين الانفتاح الرقمي وحفظ الخصوصية الثقافية في كونه صراعًا بين "كونيةٍ تقنية" و"خصوصيةٍ وجدانية"؛ فالارتقاءُ بالخطاب النقدي يتطلب اليوم فهم كيفية اشتغال هذه المنظومات الرقمية في تذويب الفوارق الجوهرية بين الشعوب لصالح "إنسانٍ ذي بعدٍ واحد" يسهل توجيهه واستهلاكه. وما من ريب، فإن حفظ الخصوصية الثقافية لا يقفُ عند حدود حماية اللغة أو العادات، بل يمتدُّ ليشمل حماية "أنماط التفكير" وطرق التلقي التي تشكلُ فرادة كل أمة. وفي ظل الهيمنة الخوارزمية، يصبح الوعي الجمعي عرضة للاختراق عبر نشر قيم غريبة تفتت التماسك الرمزي للمجتمعات، محولة الانفتاح إلى "تبعية رقمية" تكرس نموذج المركزية الثقافية المهيمنة؛ لذا، فإنَّ الأمن الثقافي يستلزمُ بناء "عقلٍ نقديٍّ بيني" يجمعُ بين مهارات العصر الرقمي وأصالة الرؤية الوجودية، قادرًا على فرز الغثّ من السمين، وإعادة الاعتبار للمعنى الجوهري في مواجهة ركام المحتوى الفارغ، ليبقى النصّ الحضاريّ نابضًا بالحياة وسط صحراء المادة الرقمية الباردة.

النجاة الثقافية في الفضاء الرقمي

تنبثق استراتيجيات النجاة الثقافية في العصر الرقمي بوصفها ممارسة "سيادية" تهدف إلى اجتراح فضاء ثالث بين مطرقة الانغلاق التراثي وسندان الذوبان في السيولة الرقمية. إنَّ بناء مقاربات معرفية تضمن التفاعل الإيجابي مع التحولات التقنية يتطلبُ تجاوز المنطق الدفاعي التقليدي نحو "فعل تأسيسي" يرى في الرقمنة أداةً للامتداد لا وسيلة للمحو. في هذا الأفق، تستحيل النجاة من كونها محاولةً للبقاء إلى صيرورة خلاقة تزاوج بين "صلابة الجوهر الحضاري" و"سيولة الوسيط الرقمي"، حيث يتمُّ استلحامُ أدوات العصر لإعادة ضخ الدماء في عروق المعنى، وتحويل الفضاء الافتراضي من ساحة التهالك إلى "مختبرٍ كوني" لاستعادةِ فاعليةِ الوعي الإنساني.

تتبلور هذه الاستراتيجية من خلال تفعيل دور "التربية الثقافية" و" الصمود الثقافي في العصر الرقمي" كأدوات لتحرير الوعي من هيمنة الخوارزميات؛ إذ لم يعد المطلوب هو محو الأمية التقنية، بل بناء "عقل نقدي" يمتلك القدرة على تفكيك الأنساق المضمرة في المنصات، وإعادة توجيه الاستهلاك الرقمي نحو "إنتاج القيمة". إنَّ الصمود الثقافي في ظل النقد الرقمي هنا يمارس حفرياته في قلب "اقتصاد الانتباه"، محولًا المستخدم من متلق سلبي تحت سطوة "التريند" إلى "ذاتٍ مؤولة" تفتش عن العمق وتنبذ التسطيح. وبذلك، تصبح التربية الثقافية هي الحصن الذي يحمي العقل من الانغماس في "الرثاثة"، عبر تعزيز ذائقة جمالية، ورؤية فلسفية، تجعل من المحتوى الرقمي وسيطًا لنشر المعرفة الرصينة والبحث عن الحقيقة وسط ركام البيانات الزائفة.

خمود الفكر، تآكل الحس الحضاري

تستحيل التكنولوجيا، ضمن هذه الرؤية الناجية، من كونها تهديدًا للهوية إلى "وعاءٍ حافظٍ" للذاكرة الجماعية، حيث يتم توظيف الذكاء الاصطناعي والوسائط المتعددة في إعادة تقديم التراث بصيغ رقمية واعية تخاطب إنسان المستقبل بلغة عصره دون التفريط بفرادة جذوره. إن إحياء الذاكرة عبر الرقمنة يعني تحويل الموروث من قطع محفوظة جامدة إلى "كيانات رقمية حية" تتفاعل مع المتلقي، وتكشف عن طبقات المعنى الكامنة في الرموز الحضارية. هذا التوظيف الواعي للتكنولوجيا يردمُ الفجوة بين "نبض التاريخ" و"إيقاع الحداثة"، محولًا الفضاء الرقمي إلى "مكتبةٍ كونيةٍ كبرى" لا تطمس الخصوصيات، بل تمنحها أفقًا عالميًا للظهور والتأثير.

يتجلى سؤالُ المستقبل الثقافي في ظل هذه التحولات بوصفه رهانًا على صياغة "رؤية حضارية" ترفض الاستسلام لعدمية التشيُّؤ الرقمي. إنَّ المستقبل لا ينبغي أن يكون قطيعة مع الماضي، بل هو "استشرافٌ" ينطلق من جوف التراث المتجدد؛ حيث تغدو الرقمنة مجالًا لتعزيز "الأمن الثقافي" عبر بناء منصات بديلة تحترم التعددية وتقاومُ التنميط العولمي. وبذلك، تصبح نجاة الثقافة مرهونة بقدرتها على أن تظل "سؤالاً مفتوحًا" في قلب الآلة، وبقدرة الإنسان على استعادة موقعه كصانع للمعنى وسيد للتقنية، ليكون العصر الرقمي فصلًا جديدًا من فصولِ "الإشراق الإنساني" لا فصلًا ختاميًا لهوية أكلتها الخوارزميات.

الميثاق الرقمي وحراسة المعنى

يستدعي الحديث عن ميثاق رقمي؛ لضبط جودة المحتوى العربي، إدراك التحول العميق في بنية إنتاج المعنى الرقمي. فالمجال الثقافي لم يعد محكومًا بالوسائط التقليدية التي كانت تمنح للكتاب والجامعات والمؤسسات الثقافية قدرة على تنظيم الخطاب وتوجيهه، بل انتقل إلى فضاء مفتوح تتحكم فيه خوارزميات الانتشار وسرعة التداول ومنطق الجذب البصري واللغوي. في هذا الفضاء تتقدم الصورة السريعة والعبارة المختصرة على الفكرة المركبة، ويصبح المحتوى قابلاً للانتشار بقدر ما يثير الانفعال اللحظي لا بقدر ما يضيف إلى الوعي معرفة راسخة. من هنا تبرز الحاجة إلى ميثاق رقمي يحدد إطارًا أخلاقيًا ومعرفيًا يحكم إنتاج المحتوى الثقافي العربي، بحيث لا يتحول الفضاء الرقمي إلى مجال لتكريس الرداءة، أو استنساخ التفاهة، بل إلى ساحة لتجديد حضور الثقافة في أشكال تتلاءم مع الوسيط الجديد دون التفريط في عمقها.

يرسّم الميثاق الرقمي حدودًا بين إنتاج المعنى وبذخ السطحية، بين الثقافة التي تبني وعيًا والمحتوى الذي يبتلع الانتباه دون أثر. ويمكن تصور هذا الميثاق بوصفه شبكة من المعايير التي توجه عملية الإنتاج الثقافي في المنصات، بحيث تقوم على احترام اللغة بوصفها وعاء للمعنى، وعلى الالتزام بالدقة المعرفية في نقل المعلومات، وعلى تقديم الأفكار ضمن سياق يربط الحاضر بتراثه الفكري والحضاري. إن المحتوى الثقافي الجيد لا يكتفي بتبسيط المعرفة، بل يعيد صياغتها في خطاب قادر على الجمع بين العمق والوضوح، وبين الإقناع الجمالي والحجة العقلية، بحيث يصبح النص، أو الفيديو، أو المقال الرقمي، امتدادًا لحضور الثقافة في الفضاء العام، لا مجرد مادة للاستهلاك السريع.

إن تحديد معايير الجودة الثقافية داخل هذا الميثاق يقتضي النظر إلى المحتوى بوصفه بنية من العلامات التي تنتج المعنى داخل سياق اجتماعي وثقافي. فكل خطاب رقمي يحمل في مضامينه تمثلات معينة للعالم، ويعيد ترتيب علاقة الفرد بلغته وتاريخه وقيمه. ولذلك فإن جودة المحتوى لا تقاس فقط بدرجة انتشاره، بل بقدرته على بناء وعي نقدي لدى المتلقي، وعلى فتح أفق للتفكير يتجاوز ردود الفعل السريعة التي تصنعها التريندات. إن المحتوى الذي يكتفي بملاحقة الاهتمام اللحظي للجمهور سرعان ما يفقد قيمته، بينما يظل المحتوى الذي يربط المعرفة بالتجربة الإنسانية قادرًا على الاستمرار لأنه يضيف إلى الوعي طبقة جديدة من الفهم.

في هذا الإطار يظهر دور المثقف بوصفه فاعلًا قادرًا على إعادة توجيه الخطاب الرقمي نحو مسارات أكثر عمقًا وتأثيرًا. لقد تراجع حضور المثقف في الفضاء الرقمي أمام صعود المؤثرين الذين يعتمدون على الجاذبية الشخصية وسرعة التفاعل مع الأحداث اليومية، غير أن هذا التراجع لا يعني اختفاء دوره، بل يكشف عن تحول في طبيعة السلطة الثقافية. فالمثقف لم يعد يحتكر المعرفة كما كان الحال في عصور النشر الورقي، لكنه يظل قادرًا على استعادة موقعه المرجعي إذا استطاع أن يعيد تشكيل خطابه بما يتلاءم مع طبيعة الوسيط الرقمي. إن استعادة هذه السلطة لا تتحقق بالعودة إلى لغة النخبة المنغلقة، بل بخلق خطاب يجمع بين الدقة الفكرية والقدرة على التواصل مع جمهور واسع دون الوقوع في فخ التبسيط المخل.

إن حضور المثقف في عالم التريندات لا يعني الانخراط في منطقها الاستهلاكي، بل يعني تحويلها إلى فرصة لطرح الأسئلة التي تكشف عمق القضايا التي تختزلها الأخبار السريعة. فعندما ينجح المثقف في تحويل الحدث العابر إلى مناسبة للتأمل في خلفياته التاريخية والثقافية، فإنه يعيد توجيه اهتمام الجمهور من الانفعال اللحظي إلى التفكير المتأني. وهنا تتجلى قيمة الخطاب الثقافي القادر على الربط بين الظاهرة اليومية والبنية العميقة التي تنتجها، بحيث يصبح المحتوى الرقمي أداة لفهم العالم لا مجرد وسيلة لمتابعة ما يحدث فيه.

ويمكن للميثاق الرقمي الذي يحدد معايير الجودة الثقافية أن يوفر الإطار الذي يسمح بظهور هذا النوع من الخطاب؛ لأنه يرسخ فكرة أن الفضاء الرقمي ليس مجالًا فوضويًا بالكامل، بل فضاء يمكن تنظيمه عبر التوافق على قيم تحكم إنتاج المعرفة وتداولها. وعندما يلتزم صناع المحتوى بهذه القيم، يصبح من الممكن بناء بيئة رقمية، تحافظ على حضور اللغة العربية في صورتها الثرية، وتعيد للتراث الفكري مكانته داخل الخطاب المعاصر، وتمنح المثقف فرصة للقيام بدوره في توجيه النقاش العام. وحيث الحال كذلك؛ فإن استعادة السلطة المرجعية للمثقف لا تعني العودة إلى زمن الهيمنة الثقافية المغلقة، بل تعني تأسيس علاقة جديدة بين المعرفة والجمهور، تقوم على الحوار والانفتاح، وتستفيد من إمكانات الوسيط الرقمي دون أن تفقد صلتها بالجذور الفكرية التي تمنح الثقافة معناها واستمراريتها.

***

د. عبد القادر فيدوح

جامعة مولاي الطاهر – سعيدة - الجزائر

نقد القراءة الاختزالية لـ"تاريخ وفلسفة التربية".. لوثيقة الجديدة للإجازة الوطنية للتربية والتعليم

بمثابة تقديم: دفاعا عن البعد الفلسفي في "تاريخ وفلسفة التربية"

يثير التحول الذي عرفه برنامج إجازة التربية والتعليم في تونس سؤالا مشروعا حول موقع الفلسفة في تكوين المعلمين: هل يعني غياب تسمية «الفلسفة العامة» و«فلسفة العلوم» من بعض الوحدات الجديدة إلغاء للفلسفة، أم أننا أمام إعادة توجيه لمجال اشتغالها داخل تكوين مهني غايته إعداد المعلم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تُبنى على العناوين المعزولة أو على مقارنة لفظية بين البرامج القديمة والجديدة، وإنما تقتضي قراءة الوثيقة في كليتها، والاشتغال تحديدا على العنونة، والمحاور، والأهداف، والمفاهيم التي تستدعيها، ونمط التكوين الذي تتوجه إليه.

ومن هنا تأتي هذه المحاولة للدفاع عن البعد الفلسفي الكامن في مادة تاريخ وفلسفة التربية  Histoire et philosophie de l’éducation، لا دفاعا عن تسمية إدارية، ولا بحثا عن حضور شكلي للفلسفة

السؤال الاوّل: هل حُذفت الفلسفة أم تغير موقعها ووظيفتها في تكوين المعلمين؟

أود أن أوضح منذ البداية أنني لا أدافع عن حذف الفلسفة العامة أو الإبستمولوجيا، بل أقول شيئا أكثر تحديدا: غياب الفلسفة العامة وفلسفة العلوم بوصفهما مادتين مستقلتين لا يساوي منطقيا إلغاء الفلسفة من تكوين المعلمين. وهذا ليس دفاعا عن الاسم، وإنما قراءة في بنية البرنامج ومحتواه وأهدافه.

أولا: علينا أن نحدد محل النزاع

إذا كان المقصود أن الفلسفة العامة التي كانت تدرّس في السنة الأولى قد أزيلت من البرنامج الجديد، وأن الإبستمولوجيا لم تعد تظهر بوصفها مادة مستقلة، فأنا لا أرى موجبا لإنكار ذلك إذا كانت الوثيقة تثبته.

لكن الانتقال من هذه العبارة: أزيلت الفلسفة العامة والإبستمولوجيا إلى العبارة: أُلغيت الفلسفة في تكوين المعلمين ليس انتقالا بديهيا. فالوثيقة نفسها تضع في السداسي الثاني مادة بعنوان:

Histoire et philosophie de l’éducation  تاريخ وفلسفة التربية

كما أن الوزارة، بحسب ما ينقله الدكتور فتحي التريكي نفسه، لم تقل إنها ألغت الفلسفة من المسار، بل أكدت له أنها موجودة في السنة الأولى وفي السنة الثالثة في صورة فلسفة موجهة إلى الطفل.

إذن محل الخلاف الحقيقي ليس وجود الفلسفة أو عدم وجودها، وإنما طبيعة الحضور الفلسفي ومقداره وتوزيعه.

وهذا فرق لا يجوز إغفاله.

السؤال الثاني: لكن هل «تاريخ وفلسفة التربية» مجرد تاريخ؟

هنا تحديدا أختلف مع بعض الاصدقاء. لأن الحكم على المادة لا ينبغي أن يصدر من عناوين الأجزاء الثمانية وحدها، وإنما من الأهداف التي حددتها الوثيقة للمادة. وهذا مهم جدا. لو كانت الوثيقة تقول إن الطالب سيحفظ مراحل تاريخ التربية وأسماء المربين، لكان وصف المادة بأنها تاريخ للتربية وصفا قريبا من الصواب. لكن الأهداف المعلنة تقول شيئا آخر.

الهدف AA1

الوثيقة لا تتحدث عن تاريخ التربية فقط، وإنما عن:

أهم التصورات الفلسفية والتربوية للتربية

les principales conceptions philosophiques et pédagogiques de l’éducation

ثم تطلب وضع هذه التصورات في سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي. وهنا نحن أمام سؤال فلسفي واضح: كيف تتغير صورة التربية عندما تتغير صورة الإنسان والمجتمع والمعرفة؟ فالفلسفة ليست في «الأسماء» وإنما في التصورات التي تنتجها تلك الأسماء.

والهدف AA2 أكثر وضوحا

الوثيقة تطلب فهم تطور الأفكار المتعلقة بـ: التربية، التعلم، النمو الإنساني، دور المعلم. أي أننا أمام سؤال: أي تصور للإنسان يقف وراء كل تصور للتربية؟ وهذا ليس مجرد تاريخ.

فحين ننتقل مثلا من تصور للطفل بوصفه موضوعا للتشكيل إلى تصور يجعله مركز العملية التربوية، فإننا لا ننتقل فقط بين مرحلتين تاريخيتين، وإنما ننتقل بين تصورين للإنسان وللحرية وللمعرفة ولعلاقة المربي بالمتعلم.

هذه هي فلسفة التربية تحديدا.

ثم يأتي الهدف AA3 ليحسم جزءا كبيرا من الإشكال

الوثيقة تطلب من الطالب:

Analyser de manière critique les théories éducatives

أي: تحليل النظريات التربوية تحليلا نقديا. ولا تتوقف هنا، بل تطلب تحديد: الاستمراريات والقطائع والنقاشات المؤسسة.

إذن المطلوب ليس: ماذا حدث في القرن السابع عشر؟ بل: ما الذي تغير؟ ولماذا؟ وما الذي استمر؟ وما الذي انقطع؟ وما الجدل الذي أنتج هذه التحولات؟ وكيف أثرت هذه النظريات في المدرسة الحالية؟

وهنا أقول لاصدقائي: إذا كان تحليل النظريات التربوية تحليلا نقديا والكشف عن قطائعها واستمرارياتها ونقاشاتها المؤسسة لا يمثل تفكيرا فلسفيا، فما الذي نسميه تفكيرا فلسفيا في التربية؟

والأهم: الوثيقة لا تحبس المادة في الماضي

من خلال الهدف AA4 يطلب: ربط إسهامات كبار المربين بقضايا التربية المعاصرة، ولا سيما في السياق التونسي. وهذا يعني أن أفلاطون وروسو وديوي وفريري وغيرهم ليسوا غاية المادة. التاريخ هنا يصبح وسيلة لفهم الحاضر. أي أن السؤال ليس: ماذا قال ديوي؟ بل: ما الذي تسمح لنا فلسفة ديوي بفهمه في المدرسة المعاصرة؟ وليس: ماذا قال فريري؟ بل: ما معنى التربية بوصفها ممارسة نقدية وتحررية؟ وهنا بالضبط ينتقل تاريخ التربية إلى فلسفة التربية.

أما الهدف AA5 فيجعل التجربة التونسية جزءا من التحليل الوثيقة لا تكتفي بتاريخ التربية الغربية، بل تطلب: فهم تطور التربية في تونس من خلال تحليل الإصلاحات المختلفة وعلاقتها بالنظريات التربوية وكبار المربين. إذن الإصلاح التربوي التونسي لا يقدم بوصفه سلسلة من التواريخ والقرارات فقط. بل يسأل: ما التصور التربوي الذي كان وراء الإصلاح؟ ما صورة الطفل؟ ما صورة المعلم؟ ما غاية المدرسة؟ ما نوع المعرفة التي يراد إنتاجها؟ ما علاقة الإصلاح بالمجتمع والدولة والحداثة؟ وهذه أسئلة تقع في صميم فلسفة التربية.

أما AA6 فهو في رأيي أقوى دليل الوثيقة تطلب:

Développer une posture réflexive et citoyenne face aux finalités de l’éducation...

أي: تنمية موقف تأملي ومواطني تجاه غايات التربية، وتصورات الطفل والتعلم ودور المعلم، في منظور ديمقراطي وشامل. لنقف عند عبارة:

finalités de l'éducation  غايات التربية.

ما غاية التربية؟ هل التربية لتكييف الفرد مع المجتمع؟ أم لتحريره؟ هل المدرسة لإعادة إنتاج المجتمع؟ أم لنقده؟ هل المعلم سلطة؟ أم ميسر؟ هل الطفل موضوع للتشكيل؟ أم ذات مستقلة؟ ما علاقة التربية بالديمقراطية؟ ما معنى التربية الشاملة؟ هذه ليست "مهارات حياة" إنها أسئلة فلسفية مؤسسة للفعل التربوي. ولذلك لا أتفق مع وصف المادة بأنها "تعويم للفلسفة" هنا ينبغي التفريق بين مضمون المادة كما صيغ في الوثيقة وبين كيفية تنفيذها لاحقا. أنا لا أقول إن البرنامج مثالي. ولا أقول إن ساعات المادة كافية. ولا أقول إن انتقال الفلسفة العامة والإبستمولوجيا إلى فلسفة التربية لا يحتاج إلى نقاش. بل أقول: لا يجوز الحكم على المادة بأنها غير فلسفية قبل قراءة أهدافها، لأن أهدافها نفسها تتضمن التصورات، وتطور الأفكار، والتحليل النقدي، والقطائع والاستمراريات، والنقاشات المؤسسة، وغايات التربية، وتصوّر الطفل، والتعلم، ودور المعلم، والديمقراطية والمواطنة. هذه ليست عبارات عرضية. إنها المفردات التي تحدد المجال الإشكالي لفلسفة التربية.

أما الاعتراض على «التربية المسيحية» فهو يحتاج إلى إعادة نظر السؤال: ما علاقة تكوين المعلمين بقضايا التربية المسيحية؟ ولماذا لا التربية اليهودية والإسلامية؟ لا أراه اعتراضا كافيا على وجود هذا المحور. لأن دراسة التربية المسيحية في سياق تاريخ الفكر التربوي الغربي ليست بالضرورة تدريسا دينيا مسيحيا. إنما يمكن أن تكون مدخلا لدراسة سؤال فلسفي مركزي: ما العلاقة بين العقل والإيمان؟ وهذا تحديدا ما تتيحه دراسة الفكر الوسيط والمدرسية. كما أن الوثيقة لا تقف عند المسيحية، وإنما تنتقل تاريخيا إلى النهضة والإنسانوية والعقلانية والتجريبية والتنوير والحداثة ثم البيداغوجيات المعاصرة. إذن وجود «التربية المسيحية» في تاريخ الفكر التربوي الغربي لا يعني أن الهدف هو تلقين المسيحية للمعلم. ويمكن، بالطبع، مناقشة مدى التوازن الحضاري للبرنامج، وهذا سؤال مشروع آخر. أما «التربية في تونس: التاريخ والإصلاحات» فلا أفهم لماذا تكون بالضرورة خارج الفلسفة هنا أيضا يجب أن نفرق بين: تاريخ الإصلاحات و فلسفة الإصلاحات. يمكن أن ندرس الإصلاحات باعتبارها تواريخ وقرارات إدارية، وهذا تاريخ. لكن يمكن أن نسأل: ما الإنسان الذي أراد الإصلاح إنتاجه؟ ما صورة المواطن؟ ما وظيفة المدرسة؟ ما مفهوم المعرفة؟ ما علاقة التعليم بالحداثة؟ ما علاقة المدرسة بالدولة؟ ما معنى الاستحقاق والمساواة والعدالة في التعليم؟ ما الذي تغير في تصور الطفل والمعلم؟ وهنا يصبح تاريخ التربية التونسية مادة خصبة لفلسفة التربية. بل أذهب أبعد من ذلك: إذا لم نفلسف الإصلاحات التربوية التونسية، فإننا سنظل نكتب تاريخها ولا نفهم معناها.

في المقابل، هناك جانب من النقد أراه وجيها أنا أتفق معه في شيء أساسي: لا ينبغي أن تتحول فلسفة التربية إلى بديل عن التكوين الفلسفي الجاد. وهذا بالضبط هو موضع الحوار الحقيقي

إذا كان الطالب سيدرس فلسفة التربية، فمن المشروع أن نسأل: ما الرصيد الفلسفي السابق الذي يمتلكه؟

وإذا لم يكن لديه رصيد كاف في المفاهيم والتيارات والمناهج الفلسفية، فكيف سيمارس تحليلا فلسفيا عميقا للتربية؟

إذن يمكنني أن أقول: أنا لا أختلف مع من يقول بضرورة التكوين الفلسفي التأسيسي؛ أختلف فقط مع تحويل غياب مادة الفلسفة العامة إلى حكم بأن الفلسفة نفسها أُلغيت. وهذا فرق جوهري.

وهنا نصل إلى أخطر جزء: الفلسفة اصبحت ترادف"التنمية البشرية"

أعتقد أنه  هناك خلط هنا بين قضيتين ينبغي فصلهما. إذا كانت الوثيقة تحتوي على:

Study skills

و

Éducation à la pensée critique et aux compétences du 21e siècle

فهذا لا يسمح وحده بالقول إن: خطاب التنمية البشرية حل محل الفلسفة. لأن وجود مادة مهارات أو كفايات لا يساوي منطقيا إلغاء الفلسفة. بل ينبغي قراءة محتوى تلك المادة قبل الحكم عليها. والأهم: التفكير النقدي ليس مرادفا للتنمية البشرية، كما أنه ليس ملكا حصريا للفلسفة. لكن إذا اتضح أن «التفكير النقدي» اختُزل فعلا في تقنيات وظيفية ومهارات سوقية، دون مفاهيم أو حجج أو نقد أو تحليل، فهنا نكون إزاء وظيفية واداتية . أي أننا نحتاج إلى فحص المحتوى الفعلي قبل إطلاق حكم "الاستبدال"

السؤال الاخير: هل خسر تكوين المعلم شيئا من التكوين الفلسفي العام عندما اختفت مادة الفلسفة العامة؟

هذا سؤال مشروع جدا. ويمكن أن تكون الإجابة: نعم، ربما خسر شيئا. لكن لا يترتب عليه: إذن الفلسفة أُلغيت. بل: ربما أعيد توزيع الفلسفة بطريقة تجعل فلسفة التربية أكثر حضورا، ولكن على حساب بعض التكوين الفلسفي العام الذي كان يوفر للطالب أساسا مفهوميا أوسع.

وهذا هو النقاش الذي أراه أكثر جدية.

السؤال الثالث: ما العلاقة بين فلسفة التربية والفلسفة التطبيقيّة؟

الفلسفة التطبيقية والتربية: من التنظير إلى الممارسة

اولا: سياق فلسفة التربية

يمكن علميا تنزيل فلسفة التربية ضمن الفلسفة التطبيقية أو العملية، بل إن هذا التصنيف موجود صراحة في مراجع فلسفية أكاديمية معتبرة. غير أن فلسفة التربية لا تعني تطبيقا ميكانيكيا لنظريات فلسفية جاهزة على المجال التربوي، وإنما تمثل مجالا فلسفيا ينتقل فيه التفكير الفلسفي إلى مساءلة التربية باعتبارها ممارسة إنسانية واجتماعية ومؤسسية، مع احتفاظه بأدواته الخاصة في التحليل المفهومي والحجاج والنقد والسؤال المعياري.

وتعرّف Stanford Encyclopedia of Philosophy فلسفة التربية، في إحدى صيغها الأرشيفية، صراحة بأنها “the branch of applied or practical philosophy”، أي «فرع من الفلسفة التطبيقية أو العملية»، يهتم بطبيعة التربية وغاياتها وبالمشكلات الفلسفية الناشئة عن النظرية والممارسة التربويتين. وهذا التصنيف لا يجعل فلسفة التربية مجرد معرفة ثانوية، وإنما يحددها باعتبارها مجالا ينتقل فيه السؤال الفلسفي إلى موضوع تربوي محدد. كما أن المدخل نفسه يبين أن فلسفة التربية تتناول قضايا مثل غايات التربية، ومحتواها، وطرائقها، والسلطة التربوية، والمسؤوليات المرتبطة بالفعل التربوي.

ويؤكد هذا الاتجاه John White في مقاله المنشور سنة 2024 في Journal of Philosophy of Education، حيث يناقش التصورات المختلفة لطبيعة فلسفة التربية، ومن بينها تصورها باعتبارها “a form of applied philosophy”، وهو التصور الذي يمنحه وزنا خاصا في تحليله² ومن ثم فإن الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية لا ينبغي أن يفهم باعتباره انتقالا من «الفلسفة» إلى مجال غير فلسفي، وإنما باعتباره انتقالا بالسؤال الفلسفي إلى موضوع وممارسة محددين.

ثانيا: ديوي: التربية ليست هامشا للفلسفة

ولعل John Dewey يمثل أحد أقوى الشواهد الفلسفية على عدم جواز الفصل الحاد بين الفلسفة والتربية. ففي Democracy and Education لا يكتفي ديوي بتأسيس نظرية تربوية، وإنما يعيد النظر في وظيفة الفلسفة ذاتها انطلاقا من التربية والممارسة. يقول في الفصل الرابع والعشرين:

 “If we are willing to conceive education as the process of forming fundamental dispositions, intellectual and emotional, toward nature and fellow men, philosophy may even be defined as the general theory of education.” ³

أي "إذا كنا على استعداد لتصور التربية باعتبارها عملية تكوين الاستعدادات الأساسية، الفكرية والانفعالية، تجاه الطبيعة وإخواننا من البشر، فإنه يمكن حتى تعريف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتربية."

ولا ينبغي اقتطاع هذه العبارة من سياقها وتحويلها إلى مساواة بسيطة بين الفلسفة والتربية؛ فديوي يربطها مباشرة بمسألة الممارسة. فهو يقول في السياق نفسه إن المشكلات الفلسفية ينبغي أن تُرى في المواضع التي «تنشأ وتزدهر» فيها، حيث يؤدي قبول فكرة فلسفية أو رفضها إلى اختلاف في الممارسة. ولذلك تصبح التربية، بالنسبة إليه، مجالا تتخذ فيه الأفكار الفلسفية نتائج عملية. وتؤكد Stanford Encyclopedia of Philosophy أن ديوي رأى في Democracy and Education العمل الذي عُرضت فيه فلسفته بأوسع صورة، وأنه فهم الفلسفة نفسها بوصفها “the general theory of education”.

بل يذهب ديوي إلى صياغة أكثر دلالة على علاقة النظرية بالممارسة حين يقول في الكتاب نفسه إن الفلسفة، إذا لم تبقَ مجرد خطاب أو عقيدة، ينبغي أن تُحدث آثارها في السلوك. ومن هنا تصبح التربية أحد المجالات التي تتحول فيها الأفكار والقيم إلى عادات واتجاهات وممارسات فعلية.

وبهذا المعنى، لا تكون التربية مجرد «موضوع تطبيقي» تأتي إليه الفلسفة من الخارج، وإنما تصبح التربية نفسها مجالا يمكن أن تظهر فيه المعاني الفلسفية وتُختبر نتائجها. ولذلك فإن السؤال عن غايات التربية، وطبيعة المعرفة التي ينبغي أن تُدرّس، وحدود سلطة المعلم، ومفهوم الحرية، وطبيعة الطفل، والعدالة في المدرسة، وعلاقة التربية بالديمقراطية، ليس خروجا من الفلسفة، وإنما هو انتقال بالسؤال الفلسفي إلى مجال الفعل الإنساني.

ثالثا: من الفلسفة عن التربية إلى الفلسفة في التربية

من هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة:

أولا: التربية موضوعا للتفلسف:

تُطرح الأسئلة الفلسفية حول غايات التربية، ومفهوم الإنسان الذي تفترضه، وطبيعة المعرفة التي تنقلها، ومشروعية السلطة التي يمارسها المعلم والمؤسسة التعليمية، وعلاقة التربية بالحرية والعدالة والديمقراطية.

ثانيا: الفلسفة أداة للتفكير في الممارسة التربوية:

لا يقتصر الأمر على دراسة أسماء الفلاسفة ومذاهبهم، وإنما تُستخدم المفاهيم والحجج الفلسفية لفحص المناهج، والتقويم، والعلاقة بين المعلم والمتعلم، والسلطة، والاختلاف، والإدماج، والمواطنة.

ثالثًا: التربية مجالا لاختبار المعنى العملي للفلسفة:

وهذا هو الجانب المتعلق بجون ديوي الأكثر أهمية؛ إذ لا تظل الفلسفة في مستوى التجريد، بل تُختبر آثار تصوراتها عندما تدخل مجال التربية باعتبارها ممارسة لتكوين الإنسان. ولهذا ارتبط مشروع ديوي الفلسفي ارتباطا وثيقا بالتجربة التربوية، وبالمدرسة المختبرية التي أنشأها في جامعة شيكاغو، حيث أصبحت المدرسة فضاء لاختبار أفكاره في المنطق الوظيفي والتعلم والخبرة والديمقراطية.

ومن ثم فإن فلسفة التربية ليست تخفيضا للفلسفة، وإنما أحد أشكال انتقال الفلسفة من السؤال المجرد إلى السؤال المتعلق بالفعل الإنساني. وإذا كانت الفلسفة التطبيقية تعني انتقال التفكير الفلسفي إلى قضايا وممارسات واقعية مع الاحتفاظ بالتحليل الفلسفي، فإن التربية تمثل مجالا نموذجيا لهذا الانتقال.

وعلى هذا الأساس، لا يكون السؤال العلمي: «هل فلسفة التربية فلسفة حقا؟» وكأنها تحتاج إلى شهادة اعتراف من الفلسفة العامة، وإنما يصبح السؤال الأكثر دقة: هل تُدرّس فلسفة التربية باعتبارها فلسفة؟ أي: هل تضع الطالب أمام مشكلات مفهومية واشكالية وحجاجية حول التربية، أم تتحول إلى مجرد سرد تاريخي للمذاهب التربوية؟

وهذا التمييز حاسم في النقاش الدائر اليوم حول تكوين المعلمين: يمكن نقد برنامج فلسفة التربية إذا كان سطحيا أو تاريخانيا أو خاليا من التحليل الفلسفي؛ لكن لا يصح الانتقال من هذا النقد إلى الحكم بأن الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية هو في ذاته إلغاء للفلسفة. فالتغيير في موضوع الفلسفة أو في مجال اشتغالها لا يساوي إلغاءها، كما أن جعل التربية موضوعا للتفكير الفلسفي له سند قوي في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ولدى ديوي بصورة خاصة.

خاتمة: من سؤال "حذف الفلسفة" إلى سؤال "وظيفة الفلسفة في تكوين المعلم"

ينتهي هذا النقاش، في تقديرنا، إلى ضرورة إعادة صياغة السؤال الذي انطلق منه. فالسؤال عن "حذف الفلسفة" لا يمكن أن يُحسم بمجرد ملاحظة أن تسمية «الفلسفة العامة» أو «فلسفة العلوم» لم تعد واردة بالصيغة نفسها في البناء الجديد؛ لأن هذا يحوّل النقاش إلى مقارنة بين أسماء المواد بدل قراءة وظائفها ومضامينها وأهدافها داخل مشروع تكوين المعلم. والوثيقة، كما تكشف أهداف مادة "تاريخ وفلسفة التربية"، لا تكتفي بإدراج معرفة تاريخية بالتربية، وإنما تنص على فهم تطور الأفكار التربوية، وتحليل النظريات تحليلا نقديا، وربطها بقضايا التربية المعاصرة وبالسياق التونسي، وتنمية موقف انعكاسي ومواطني من غايات التربية ومفهوم الطفل والتعلم ودور المعلم في منظور ديمقراطي وشامل.

ومن هنا لا يصح أن يتحول غياب الاسم إلى دليل على غياب الوظيفة. فقد تتغير مواقع الفلسفة داخل التكوين بتغير غاية التكوين نفسه. فإذا كان المقصود من الإجازة هو إعداد معلم لا تكوين فيلسوف متخصص، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن للفلسفة أن تدخل في تكوينه بما يخدم مهمته المهنية دون أن تفقد طبيعتها النقدية؟ وهنا تكتسب فلسفة التربية مشروعيتها بوصفها مجالًا يلتقي فيه السؤال الفلسفي بالفعل التربوي.

ولا يعني هذا الدفاع عن «تاريخ وفلسفة التربية» أن كل ما يحمل هذا الاسم فلسفة بالضرورة، أو أن البرنامج الجديد بمنأى عن النقد. على العكس، إن معيار الحكم الحقيقي هو الكيفية التي تُدرّس بها المادة. فإذا تحولت إلى سرد للحقب والأسماء والمذاهب دون مساءلة مفاهيمها وافتراضاتها وغاياتها، أمكن نقدها بوصفها تاريخا وصفيا للتربية. أما إذا أصبح التاريخ مجالا لفهم التحولات في تصورات الإنسان والطفل والمعرفة والعقل والسلطة والحرية والتعلم ودور المعلم، وأصبح اختلاف النظريات مناسبة للمقارنة والنقد والحجاج، فإننا نكون أمام تاريخ يُقرأ فلسفيًا، وفلسفة تشتغل داخل التاريخ التربوي.

فالمطلوب من المعلم ليس أن يحمل معه إلى القسم مخزونا من أسماء الفلاسفة فحسب، وإنما أن يمتلك القدرة على مساءلة الفعل الذي يمارسه: ما معنى أن أعلّم؟ ماذا أعني بالمعرفة؟ أي إنسان أريد أن أساهم في تكوينه؟ ما حدود سلطتي؟ ما معنى الحرية والاستقلالية لدى المتعلم؟ كيف أفهم العدالة والمساواة داخل المدرسة؟ وما علاقة المدرسة بالمجتمع والديمقراطية؟ إن هذه الأسئلة لا تجعل المعلم فيلسوفا متخصصا، لكنها تجعله ممارسا واعيا بالافتراضات الفلسفية الكامنة في مهنته.

ولذلك فإن استدعاء ديوي هنا ليس ترفا نظريا. فحين يذهب إلى إمكان تعريف الفلسفة بأنها "النظرية العامة للتربية"، فإنه يضع التربية في قلب السؤال الفلسفي، لا على هامشه. ومن هذا المنظور تصبح فلسفة التربية أحد المجالات التي يمكن أن تتحول فيها الفلسفة من معرفة نظرية إلى تفكير في الممارسة، دون أن يعني ذلك التخلي عن المفهوم أو الحجاج أو النقد.

وعليه، فإن النقاش الأكثر علمية لا ينبغي أن ينتهي إلى ثنائية مبسطة من قبيل: "إما الفلسفة العامة وفلسفة العلوم، وإما غياب الفلسفة". هذه الثنائية تفترض مسبقا أن الفلسفة لا تكون فلسفة إلا إذا حافظت على صورتها التقليدية كمادة مستقلة، بينما يكشف تاريخ الفلسفة نفسه عن انتقالات عديدة في موضوعاتها ووظائفها ومجالات اشتغالها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الوثيقة هو سؤال أكثر دقة: ما مقدار الفلسفة الذي حافظ عليه البرنامج؟ وأين يتموضع السؤال الفلسفي داخله؟ وكيف يُمارس؟ وما الذي كسبه تكوين المعلم من هذا التحول وما الذي يمكن أن يكون قد خسره؟

وهذا يفتح في الوقت نفسه بابا لنقد متوازن: الدفاع عن البعد الفلسفي في فلسفة التربية لا يقتضي الدفاع عن كل تفاصيل البرنامج، كما أن المطالبة بحضور أقوى للفلسفة العامة أو الإبستمولوجيا لا تقتضي وصف التحول كله بأنه "إلغاء للفلسفة". يمكن المطالبة بإثراء فلسفة التربية بالمفاهيم والحجاج والتحليل الإبستمولوجي والسياسي والأخلاقي، ويمكن أيضا الدعوة إلى تدعيم الصلة بين الفلسفة العامة وفلسفة التربية؛ لكن ذلك شيء، والقول بأن الفلسفة «أُلغيت» شيء آخر.

لذلك ربما يكون الموقف الأدق هو أن الفلسفة لم تعد تُستدعى هنا فقط بوصفها غاية معرفية مستقلة، وإنما تُستدعى أيضًا بوصفها قدرة على التفكير في مهنة التربية ومشكلاتها وغاياتها. وإذا كان هذا التحول قد نجح في تحويل المعلم من حامل لمعارف منفصلة إلى مهني قادر على التفكير النقدي في ممارسته، فإنه يكون قد منح الفلسفة وظيفة جديدة داخل التكوين؛ وإذا أخفق في ذلك، فإن المطلوب ليس إعلان موت الفلسفة، وإنما المطالبة بأن تصبح فلسفة التربية أكثر فلسفية.

وهكذا تنتقل القضية من "هل حُذفت الفلسفة؟" إلى السؤال الأعمق والأجدى:

هل استطاع البرنامج أن ينقل الفلسفة من مجرد مادة تُدرّس للطالب إلى قدرة على التفكير الفلسفي يمارسها المعلم في التربية؟

ففي النهاية، قيمة الفلسفة في تكوين المعلم لا تقاس فقط بما يحفظه من تاريخ الفلسفة، وإنما بما يستطيع أن يفعله بالفلسفة عندما يدخل القسم. ومن هنا يمكن أن يكون الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية انتقالا مشروعا، بل خصبا، بشرط ألا يتحول من فلسفة تُمارس في التربية إلى مجرد تاريخ يُروى عن التربية.

***

احمد الكافي يوسفي - باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة

 

إن العشْق في رصيد الشاعر الجاهلي لم يكن رفاهية شعورية ترفل في الدعة، بل كان مخاضاً وجودياً حاداً ينبثق من قسوة الصحراء ووحشتها؛ فلم ينظر إلى الحب عاطفةً مجردةً أو شعورًا داخليًا محصورًا في وجدان المحب وحده، بل جعله مرادفًا للوفاء الأبدي للأرض والديار، فكانت أي رحلة غزلية تبدأ بالوقوف على الأطلال ومناجاة الرسوم الدارسة، مُعتبراً أن حب الحبيبة يمر حتمًا عبر حب أثرها ومكانها وترابها الذي شهد صباها.  وقد تجذرت في هذه النفس البدوية الصلبة مناعة روحية جعلت المعاناة الصامتة والفراق القسري -الناجم عن الترحال المستمر للقبائل بحثًا عن الكلأ والعشب-محركًا رئيسيًا لكل لوعة، مما حول العشق إلى شجن وأسى عميقين لا يملك أمامهما الشاعر سوى الدموع وذكريات اللقاء العابر. وفي هذا السياق، لم يكن ولع الشاعر بالجسد الأنثوي ووصف محاسنه جنوناً غريزيًا عابراً، بل كان انعكاساً للغة بصرية مجسدة تفاعل فيها مع جمال المرأة بوصفه المرآة الكبرى لصفاء الطبيعة ونقائها، فتوجت هذه المنظومة بالسيادة الوجدانية للمرأة التي احتلت مكانة رفيعة رمزًا للجمال المطلق والخلاص الروحي.

من هنا، امتلك الشاعر الجاهلي حسّاً تعبيرياً بالغ التكثيف والعمق، مستمداً قاموسه اللغوي من صلابة البيئة وحرارتها؛ فكان ذكر المرأة وحبها في مستهل القصائد والمعلقات مفتاحًا استهلاليًا رئيسيًا تتبارى فيه الأقلام لإبراز طاقته البلاغية وعمق عاطفته، وكأنّ استدعاء جسد الحبيبة وذكر محاسنها كان درعًا واقيًا يواجه به وحشة القفر، ليتحول الحب في ميزانه الفني إلى وثيقة بقاء، وشاهد صدق على عمق إنساني يتخفى خلف جلال الصحراء وهيبتها.

أبرز شعراء الغزل والوجد في العصر الجاهلي ونماذج من قصائدهم

لم يكن الغزل الجاهلي ترفاً شعرياً عابراً، بل تجسد بملامحه العميقة وأبعاده الوجدانية من خلال رموز شعرية كبرى خلدتها الذاكرة العربية، وتجلت إبداعاتهم في قصائد ومقطوعات خالدة

امرؤ القيس رائد الغزل الجاهلي: أرسى بوقوفه على الأطلال وتقسيم منازل الأحبة قواعد النسيب الثابتة، جامعاً بين لوعة الفراق ودقة الوصف الحسي في معلقته التي يقول في مطلعها

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

وضِحَ فَالْمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا ... لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ

عنترة بن شداد رمز الحب المخلص والعفيف: واجه قسوة قيود النسب وعصبية القبيلة بصبر وفروسية، محولاً معاناته وعشقه الأبدي لـ "عبلة" إلى ملحمة من الوفاء المطلق، ومن بديع شعره:

وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ والرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ ... مِنِّي وبِيضُ الْهِنْدِ تَقْطُرُ مِنْ دَمِي

 فَوَدِدْتُ تَقْبِيلَ السُّيُوفِ لِأَنَّهَا ... لَمَعَتْ كَبَارِقِ ثَغْرِكِ المَبْتَسِمِ

طرفة بن العبد شاعر الأطلال والشجون: استهل معلقته بتأمل المكان ومرارة الفراق عن حبيبته "خولة"، مصوراً حرقة الشوق بأسلوب يمزج بين ديمومة التعلق بالديار وسطوة العاطفة، بقوله:

لِخَوْلَةَ أطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ ... تلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظَاهِرِ اليَدِ

وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ ... يَقُولُونَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَلَّدِ

امتداد التجربة والتقاطع مع العصر الحديث

يمثل الحب في الشعر الجاهلي جَذراً عميقاً ومورداً دائمًا استلهم منه الشعراء المعاصرون ملامح التعبير الوجداني، فعلى الرغم من الهوة الزمنية والبيئية الهائلة بين جحيم البادية وقسوتها وصخب العصر الحديث وتعقيداته، ظلت ثيمات أساسية مثل الفقد، والاشتياق، ولوعة الفراغ تشكل الجسر الرابط بين التجربتين. إلا أن هذا التقاطع لا يعني التطابق؛ فبينما كانت التجربة الجاهلية مرتبطة بظرف مكاني وواقع مادي محدد، استطاع الشعر الحديث نقل العاطفة من أفقها الخارجي إلى أفقها النفسي الداخلي، معيدًا صياغة لغة الشوق بما يواكب اغتراب الإنسان المعاصر.  وتتجلى أروع صور هذا التقاطع والتطوير في تجارب كبار الشعراء المعاصرين، وفي مقدمتهم الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الذي نجح ببراعة فائقة في استحضار روح التراث الجاهلي وأسلوبية الوقوف على الأطلال ورمزية الحبيبة، لكنه طوعها لتعبر عن مأساة الوطن والشتات. فعندما ينادي درويش حبيبته أو يستحضر تفاصيل الأرض، فإنه يبعث الحياة في رماد الأطلال القديمة بروح عصرية عميقة، جاعلاً من العشق مقاوماً للنسيان ورمزاً لهوية لا تتبدل، وبذلك يتحول الإرث الجاهلي من مجرد شكل كلاسيكي إلى طاقة تعبيرية حية تتجدد في شرايين القصيدة الحديثة

استقلالية القصيدة الجاهلية وتعدد أغراضها

على الرغم من المكانة البارزة التي احتلها الغزل والوقوف على الأطلال كتقليد فني استهلالي في بنية القصيدة الجاهلية، إلا أن الحب لم يكن الغاية الوحيدة أو المحور الحصري للإبداع الشعري في ذلك العصر. فقد اتسمت القصيدة الجاهلية باستقلالية موضوعية واضحة، وتجاوزت حدود العاطفة الرومانسية لتستوعب تجارب الحياة البدوية بكامل تعقيداتها وتناقضاتها.  وقد برزت أغراض شعرية مستقلة تماماً وقائمة بذاتها؛ كالفخر الذي يخلد بطولات الشاعر ومآثر قبيلته، والرثاء الذي يفيض بلوعة الفقد الحقيقي والموت، والهجاء الذي يمثل سلاحاً إعلامياً واجتماعياً لا يستهان به، إلى جانب الوصف الدقيق للطبيعة والراحلة وصراع الحيوانات في الصحراء. لم تكن هذه الأغراض مجرد هوامش، بل شكلت في كثير من الأحيان الجسد الأساسي أو الوحيد للقصيدة.  ولعل أبرز ما يؤكد هذه الاستقلالية هو تخلي الشاعر الجاهلي عن مقدمة "النسيب" (الغزل) طواعيةً في سياقات ومقامات محددة لا تتسع لذكر النساء والحب. ففي قصائد الرثاء الخالصة، كما هو الحال في مراثي الخنساء لأخيها صخر، غاب الغزل تماماً احتراماً لجلال الموت وهيبة الفجيعة. وبالمثل، في أشعار "الصعاليك" (كالشنفرى وتأبط شراً) التي وثقت قسوة الصحراء وصراع البقاء الفردي، تراجعت العاطفة الرومانسية لصالح واقعية خشنة وتأملات وجودية قاسية؛ مما يثبت أن الشاعر الجاهلي كان يمتلك وعياً فنياً دقيقاً، يطوع به أدواته ويختار أغراضه وفقاً لمقتضيات الموقف النفسي والاجتماعي، دون أن يكون أسيراً لنمط الغزل في جميع أحواله.

طبيعة الوصف الحسي والجسدي في العرض الجاهلي

لم يكن دمج الشاعر الجاهلي للحب بالوصف الحسي والجسدي ترفاً طارئاً أو جنوحاً نحو الغرائز المجردة، بل كان انعكاساً أميناً لواقع بيئي ولغة فطرية تتفاعل مع العالم عبر الحواس المباشرة. فالإنسان البدوي، بحكم ارتباطه الوثيق بالطبيعة وصراع البقاء، كان يمتلك بصيرة حسية حادة تجعل المفاهيم المعنوية تتجسد أمامه في صور مادية وملموسة؛ لذا جاء التعبير عن العشق ومحاسن المرأة متداخلًا مع مفردات الصحراء، ومقترناً بوصف الرحلة، والبراقع، ونقاء الثغور، وعطر الرياض.  ولا يقتصر هذا الوصف على كونه زينة جمالية، بل يؤدي وظيفة فنية دقيقة لتعميق الشعور בלوعة الفراق الوشيك. فحين يمعن الشاعر في تفصيل الجسد والملامح، فهو يحفر صورة الحبيبة في ذاكرته ليواجه بها وحشة القفر وغربة الترحال الطويل. هذا المزج بين الجسد والوجدان حول القصيدة الجاهلية إلى مرآة حية تنبض بالدفء الإنساني وسط قسوة الجغرافيا، مؤكدة أن الحسية الجاهلية كانت أداة بلاغية رفيعة لتجسيد الشوق وربطه بالحياة والأرض.

التجسيد الواقعي مقابل العمق النفسي (مقارنة بين الشعر الجاهلي والحديث)

تتجلى أعمق التحولات في مسار القصيدة العربية عند مقارنة البعد النفسي والتعبيرات الوجدانية بين العصر الجاهلي والعصر الحديث، حيث انتقلت التجربة العاطفية من آفاق التجلي المادي إلى سراديب الداخل الإنساني. فقد تفوق الشاعر الجاهلي ببراعة منقطعة النظير في نقل لوعة الفراق الحسي وربطه الحميم بالمكان والأطلال، مما جعل صوره أكثر صلابة ووضوحًا، مرسخةً الارتباط بالأرض والرسوم والرحلة كعلامات فارقة للوجدان.  وفي المقابل، أبدع شاعر العصر الحديث في تطويع الحب ليكون أداة فكرية ونفسية معقدة للتعبير عن الاغتراب، والصراع الداخلي، وتفكيك التشظي الوجداني للإنسان المعاصر. فلم يعد العشق مجرد بكاء على ديار دارسة أو وقوف على أطلال مادية، بل غدا رحلة غوص في الذات، واشتباكًا مع أسئلة الوجود والحرية والهوية، ليبرز التباين الجميل بين صلابة الواقع الجاهلي وشفافية العمق النفسي للقصيدة الحديثة.

***

ئاريان علي

(دراسة تحليلية – نقدية)

" الخيانة الزوجية سقوط أخلاقي قبل أن تكون خطأ في العلاقة، لأنها تكشف إنساناً قدّم رغبة عابرة على عهد ارتضاه، واختار ما يشتهيه على ما يمليه عليه ضميره الأخلاقي، متناسياً أن الوفاء ليس قيداً على الرغبة، بل قيمة تكشف معدن الإنسان " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل ونقد ظاهرة الخيانة الزوجية بوصفها ظاهرة اجتماعية تتجاوز الفعل الفردي، والكشف عن التحولات التي أعادت تشكيل مؤسسة الزواج والعلاقات الحميمة وآليات الضبط الاجتماعي، وتحليل تفاعل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والقيمية التي قد تهيئ لوقوعها، وانعكاساتها على الثقة والاستقرار الأسري والتماسك الاجتماعي، وصولاً إلى مساءلة الشروط التي تجعل الوفاء والمسؤولية الزوجية أكثر تعقيداً في المجتمع المعاصر.

تعد الخيانة الزوجية من أكثر الظواهر الاجتماعية التصاقاً بالبنية الحميمية للأسرة، وأشدها قدرة على كشف التوترات الكامنة بين الرغبة الفردية والالتزام الجماعي الذي تقوم عليه مؤسسة الزواج. فحين يخرج أحد الطرفين عن العقد الضمني الذي يربطه بشريكه، فإنه لا يخرق قاعدة أخلاقية فردية فحسب، بل يمس نسيجاً من التوقعات المتبادلة التي تشكلت عبر تراكم طويل من الأعراف والقيم والممارسات، بحيث تتحول الواقعة الفردية إلى مؤشر على تحولات أعمق تنعكس في بنية العلاقات الأسرية والمجتمعية ذاتها. ولذلك فإن فهم هذه الظاهرة يقتضي تجاوز التفسير الأخلاقي المباشر الذي يختزلها في ضعف شخصي أو انحراف فردي، نحو قراءة تتقصى الشروط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والقيمية التي قد تهيئ لوقوعها، وتتبع الآثار التي تتركها على مستويات متعددة تبدأ بالفرد ولا تنتهي عند حدود الأسرة الصغيرة.

ومن بين الأسباب التي تفضي إلى الخيانة الزوجية، يبرز التحول الذي طرأ على مفهوم الزواج نفسه في المجتمعات المعاصرة. فبعد أن كان الزواج يؤدي، إلى جانب وظيفته العاطفية، وظائف اقتصادية وإنجابية وتضامنية تتجاوز علاقة الزوجين، أصبح ينظر إليه بدرجة متزايدة بوصفه علاقة ينتظر منها تحقيق الإشباع العاطفي والجنسي والتوافق الشخصي. وهذا التحول، وإن كان قد ارتبط في بعض سياقاته بتحرير العلاقة الزوجية من بعض القيود التقليدية، فإنه يضع على كاهل العلاقة الزوجية عبئاً وجدانياً هائلاً، إذ يتوقع من شريك واحد أن يلبي طيفاً واسعاً من الحاجات العاطفية والنفسية والشخصية. وحين تتسع الفجوة بين هذه التوقعات وبين ما تستطيع العلاقة الفعلية تقديمه، قد يجد أحد الطرفين نفسه أمام فراغ عاطفي يبحث عن ملئه خارج إطار العلاقة القائمة، خصوصاً عندما تغيب القدرة على الحوار أو معالجة الخلل داخلها.

يضاف إلى ذلك ما أحدثته وسائل التواصل المعاصرة من إعادة تشكيل لحدود الخصوصية والتواصل بين الأفراد. فقد أتاحت هذه الوسائل مساحات من التفاعل الموازي يصعب على المؤسسات التقليدية، كالأسرة الممتدة أو الجوار، أن تمارس عليها رقابتها المعتادة، فانفتح المجال أمام علاقات عابرة لحدود الرقابة الاجتماعية التي كانت تضبط بعض سلوكيات الأفراد في سياقات سابقة. وهذا لا يعني أن مواقع التواصل الاجتماعي هي السبب المباشر للخيانة، بل إنها هيأت بنية فرص جديدة سهلت تحقق نزوع قد يكون موجوداً أصلاً، لكنه كان يصطدم سابقاً بعوائق اجتماعية ومكانية وتقنية تحول دون تحوله بسهولة إلى فعل. ومن ثم فإن الوسائل التكنولوجية لا تصنع الخيانة من تلقاء نفسها، وإنما تعيد تشكيل البيئة التي يمكن أن تنشأ فيها العلاقات السرية، وتخفض كلفة التواصل معها، وتوسع إمكانات إخفائها واستمرارها.

كذلك لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي في تفسير هذه الظاهرة. فاستقلال المرأة الاقتصادي المتنامي في كثير من المجتمعات أعاد تشكيل موازين القوة داخل الأسرة، ولم يعد استمرار الزواج في جميع الحالات مرتبطاً بالضرورة بالاعتماد المادي على الطرف الآخر كما كان يحدث في بعض السياقات التقليدية، الأمر الذي منح المرأة هامشاً أوسع في رفض العلاقات التي لا تحقق حاجاتها أو تحافظ على كرامتها، كما أضعف في الوقت نفسه بعض الضغوط الاقتصادية التي كانت تدفع إلى استمرار علاقات مختلة. وفي المقابل، فإن الضغوط الاقتصادية التي تفرضها متطلبات الحياة المعاصرة قد تستنزف الطاقة النفسية والوجدانية للأزواج، وتزيد من التوتر والصراع داخل الأسرة، فتترك العلاقة عرضة للجفاف العاطفي والابتعاد النفسي. ومن هنا لا يظهر العامل الاقتصادي بوصفه سبباً مباشراً للخيانة، وإنما بوصفه جزءاً من البيئة الاجتماعية التي قد تؤثر في طبيعة العلاقة الزوجية وفي قدرة أطرافها على الحفاظ على التوازن والاستقرار.

ولا تكتمل قراءة أسباب الخيانة الزوجية من دون الالتفات إلى مجموعة من العوامل التي تتصل بالظروف المعيشية والبنية القيمية والأخلاقية للفرد والمجتمع. فالفقر، في بعض السياقات، لا ينتج الخيانة بصورة آلية، لكنه قد يضاعف الضغوط التي تحيط بالعلاقة الزوجية، عندما يقترن بالعجز عن إشباع الحاجات الأساسية، وتراكم الديون، وانعدام الاستقرار، والشعور بالعجز والإحباط، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من توترات نفسية وصراعات أسرية. كما أن الفقر قد يجعل بعض الأفراد أكثر تعرضاً لعلاقات تقوم على الاستغلال أو المنفعة أو الابتزاز، فتتشابك الحاجة المادية مع الرغبة أو الإغراء أو البحث عن مخرج من واقع ضاغط. ومن ثم فإن إدخال الفقر في تفسير الظاهرة لا يعني تحويله إلى مبرر للخيانة، وإنما فهم الكيفية التي يمكن أن تسهم بها الهشاشة الاقتصادية في إضعاف بعض شروط الاستقرار الأسري.

وفي المقابل، يمثل الوازع الديني والأخلاقي أحد أشكال الضبط الداخلي التي تساعد الفرد على تنظيم رغباته ومراجعة سلوكه في المواقف التي لا تكون فيها الرقابة الاجتماعية الخارجية حاضرة. فحين يضعف الوازع الديني، بما يتضمنه من شعور بالمسؤولية ومراقبة الذات والالتزام بالعهود، قد تتراجع قدرة الفرد على مقاومة الرغبة العابرة عندما تتعارض مع الالتزام الزوجي. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد المعرفة الدينية أو ترديد القواعد الأخلاقية، وإنما بمدى تحول القيم إلى ضمير فعّال ينظم السلوك حتى في غياب الرقابة الخارجية. ولذلك قد يكون الفرد محاطاً بخطاب ديني وأخلاقي كثيف، لكنه لا يمتلك بالضرورة التزاماً داخلياً يترجم هذا الخطاب إلى ممارسة ومسؤولية.

ويرتبط بذلك الفساد الأخلاقي حين تتحول الخيانة من استثناء يثقل الضمير إلى سلوك يجري تطبيعه داخل بعض البيئات الاجتماعية، أو حين تختزل العلاقة الزوجية في إشباع الرغبة، ويصبح الكذب والخداع وإخفاء الحقيقة وسائل مقبولة لتحقيق المصلحة الشخصية. فالفساد الأخلاقي لا يظهر فقط في ارتكاب الفعل، وإنما يبدأ أحياناً من إعادة تعريف القيم بما يجعل الخيانة قابلة للتبرير، أو من تفريغ الوفاء من معناه، أو من النظر إلى الشريك بوصفه حقاً شخصياً يمكن تجاوزه متى ظهرت فرصة أكثر إغراء. وهنا تنتقل المسألة من ضعف أمام نزوة عابرة إلى خلل في منظومة القيم التي تضبط العلاقة بين الرغبة والمسؤولية، وبين الحرية والالتزام، وبين المصلحة الفردية وحقوق الآخر.

وعليه، فإن أسباب الخيانة الزوجية لا يمكن اختزالها في عامل واحد، فهي قد تنتج عن تفاعل بين هشاشة اقتصادية، واضطراب عاطفي، وتغير في توقعات الزواج، وتراجع بعض آليات الضبط الاجتماعي، واتساع فرص التواصل السري، وضعف الالتزام القيمي والديني، إلى جانب خصائص شخصية وظروف خاصة بكل علاقة. وهذا التعدد في الأسباب لا يلغي المسؤولية الأخلاقية للفرد، بل يجعل تفسير الظاهرة أكثر عمقاً، إذ إن فهم الشروط التي تسهل الخيانة لا يعني إعفاء من يرتكبها من مسؤولية اختياره.

وحين تقع الخيانة، فإن نتائجها لا تنحصر في الثنائية الزوجية، بل تمتد لتطال دوائر أوسع. فعلى المستوى الفردي، تحدث الخيانة شرخاً عميقاً في الثقة التي تشكل أساس العلاقة الزوجية، ويتحول الطرف المتضرر من موقع الشريك الآمن إلى موقع الشريك المرتاب، وهو تحول نفسي وعلائقي عميق قد يمتد أثره أحياناً إلى علاقات لاحقة يعقدها الفرد بعد انتهاء تلك العلاقة، فيصبح أكثر حذراً في منح الثقة وأكثر ميلاً إلى توقع الخذلان.

وعلى المستوى الأسري، نجد أن اكتشاف الأبناء للخيانة قد يهز الصورة الرمزية التي بنوها عن الوالدين بوصفهما وحدة متماسكة، ويضعهم أمام اختبار مبكر لهشاشة الروابط التي ظنوها ثابتة. وقد ينعكس ذلك، بدرجات متفاوتة، على شعورهم بالأمان وعلى تصوراتهم اللاحقة للثقة والالتزام والعلاقة الزوجية، خصوصاً إذا تحولت الخيانة إلى صراع علني أو إلى مصدر دائم للتوتر داخل الأسرة. ولا يعني ذلك أن الخيانة تنتج أثراً واحداً أو حتمياً في الأبناء، وإنما يتوقف أثرها على أعمارهم، وطبيعة علاقتهم بالوالدين، وكيفية إدارة الأزمة، ومدى استمرار الصراع داخل الأسرة.

أما على المستوى الاجتماعي الأوسع، فإن تكرار حوادث الخيانة الزوجية، حين تصبح جزءاً من الخبرة الاجتماعية المتداولة وليست مجرد حالات فردية معزولة، قد يسهم في إضعاف الثقة الرمزية بمؤسسة الزواج لدى بعض الفئات، بحيث تبدأ بعض الأجيال الجديدة في النظر إلى الالتزام الزوجي طويل الأمد بوصفه علاقة محفوفة بالمخاطر أكثر مما هي ضمانة للاستقرار. وقد ينعكس هذا التحول في بعض السياقات على أنماط تشكل الأسر، فيتجه بعض الأفراد إلى تأجيل الزواج أو إلى البحث عن أشكال أقل التزاماً من الارتباط، تحسباً للخيبة التي يستحضرها المخيال الجمعي المشبع بقصص الخيانة وآثارها. غير أن هذا المسار يظل مرتبطاً بالسياق الثقافي والقيمي لكل مجتمع، ولا يمكن تعميمه بوصفه نتيجة حتمية لانتشار الخيانة.

إن الخيانة الزوجية، حين تقرأ بهذا السياق، تكف عن أن تكون مجرد زلة أخلاقية فردية لتصبح عرضاً كاشفاً عن توترات أعمق تعيشها العلاقات الزوجية في المجتمعات المعاصرة. وهي توترات تنشأ عن التفاعل بين تضخم التوقعات العاطفية الملقاة على عاتق العلاقة الزوجية من جهة، وتحول الأدوار الاقتصادية والاجتماعية، وتراجع بعض آليات الضبط التقليدية، واتساع فضاءات التواصل والاختيار الفردي من جهة أخرى. ويضاف إلى ذلك ما يمكن أن تحدثه الهشاشة الاقتصادية وضعف الالتزام القيمي والأخلاقي من إضعاف لقدرة بعض الأفراد على مقاومة الرغبة العابرة وتحمل مسؤولية الاختيار.

ولعل أي معالجة جادة لهذه الظاهرة تستدعي إعادة النظر لا في سلوك الأفراد وحده، بل في الشروط الثقافية والاقتصادية والقيمية التي تجعل الالتزام الزوجي مشروعاً يحتاج إلى وعي ومسؤولية مستمرة. فالزواج لا يستمد استقراره من وجود العقد وحده، وإنما من قدرة طرفيه على تحويل هذا العقد إلى ممارسة يومية من الثقة والاحترام والوفاء وتحمل المسؤولية. بذلك تصبح حماية العلاقة الزوجية مسؤولية مشتركة، كما تصبح مواجهة الخلل فيها أكثر نضجاً حين تقوم على الحوار والمصارحة وإمكان الإصلاح، أو على إنهاء العلاقة بطريقة تحفظ كرامة الطرفين وحقوقهما، بدلاً من تحويل الخلل إلى حياة مزدوجة تقوم على الخداع وانتهاك الثقة.

نصيحتي لكما، حافظا على ما بينكما، فالعلاقة الزوجية لا تقوم على الرغبة وحدها، بل على ثقة متبادلة ومسؤولية تحفظ لكل طرف مكانته وكرامته. وما يختاره أحدكما داخل هذه العلاقة لا يبقى شأناً فردياً خالصاً، لأن أثره يمتد إلى الآخر وإلى الأسرة التي تجمعكما.

وعندما يواجه أحدكما خللاً في علاقته، فإن نضجه لا يظهر في قدرته على إخفاء ما يريد، بل في شجاعته على مواجهة الحقيقة، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، أو إنهاء ما تعذر إصلاحه دون غدر أو انتهاك لحقوق من شاركه حياته. فالأمانة هنا تتجاوز معناها الشخصي لتصبح قيمة تحفظ تماسك الروابط التي يقوم عليها المجتمع، والوفاء لا يعني البقاء بأي ثمن، بل يعني أن يتصرف كل منكما في لحظة الاختيار بما ينسجم مع ضميره ومسؤوليته وأثر فعله في حياة الآخر.

وحين يدرك كل منكما أن الثقة التي مُنحت له ليست ملكاً شخصياً، وإنما أمانة يسأل عنها أمام الله والناس، يصبح احترام العلاقة فعلاً من أفعال النضج، وتغدو الحرية أكثر إنسانية عندما تُمارس بوعي بالعواقب، وباحترام حق الآخر في الكرامة. فالحرية التي تنفصل عن المسؤولية قد تتحول إلى أنانية، والرغبة التي تنفصل عن الضمير قد تتحول إلى خيانة، أما النضج فيظهر حين يدرك الإنسان أن اختياراته، مهما بدت شخصية، قد تمتد آثارها إلى حياة إنسان آخر وإلى الأسرة التي تجمعهما، بل وإلى الصورة التي تتشكل في المجتمع عن معنى الثقة والوفاء والمسؤولية. فالوفاء ليس عجزاً عن الرغبة، وإنما قدرة الإنسان على أن يجعل اختياراته جديرة بالعهد الذي قطعه، وبالثقة التي منحت له.

***

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

على المستوى التاريخي لا يعرف أحد متى انتبه الإنسان لأهمية الأحلام في نوعه، وكونها رسائل تكشف إما عما يختلج بداخله من رغبات واحتياجات جدية وعقلية، مادية ومعنوية، أو رسائل غيبية ذات محتوى أو مضمور تحذيري من شيء سيفعله أو سيقع له أو تبشره بخير سيحصل له أو تكشف له عن عالم لا يعرفه.

و لكن الأكيد أن الإنسان اكتشف مبكرا عالم الأحلام وبدأ يبحث عن تفسير ما يراه في نومه.

و في تاريخ الأنبياء نجد أن عددا من الأنبياء كان وحيهم عن طريق الرؤيا الصادقة. وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قصة نبي الله إبراهيم (ع) مع ابنه. إذا قال تعالى [فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين * فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يا إبراهيم * قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين]

و قصة رؤيا يوسف وكيف أن أباه حذره ونهاه من قصها على أخوته فيكروا له، لأنه علم بصدقها وقد تحققت فعلا بعد ذلك بسنين. وكذلك قدرة النبي يوسف على تعبير الرؤيا وقدر وصف السجينان يوسف (ع) بأنه من المحسنين [ودخل معه السجن فتيان قال احداهما إني اراني اعصر خمرا وقال الأخر إني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين]..

و رؤيا رسول الإسلام (ص) وثقها القرآن الكريم إذا قال تعالى [الفتح 27]..

و رؤيته كذلك للقردة ينزون على منبره فاستيقظ محزونا فنزل عليه القرآن مصدقا لما رآه قالت تعالى [الإسراء 60] وقد فسرت رؤية القردة بنبي أمية الذين اغتصبوا الخلافة وأسسوا الملك العضوض.

و على ضوء ما ذكر أعلاه نستطيع القول: أن الرؤيا في المنظور الإسلامي حقيقية ولها علاقة بعالم الروح وعلاقة الإنسان بالعالم الآخر وأن الرؤية الصادقة يراها المؤمن هي كما جاء عن الأمام الصادق [الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوة].

و روي عن رسول الله (ص) قوله [لا يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات قالوا يا رسول الله وما المبشرات قال الرؤيا الصالحة يراها الرجل لنفسه أو ترى له]..

و تنقل كتب الحديث أن الصحابي عبادة بن الصامت سأل رسول الله (ص) عن قوله تعالى [الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة] (يونس 63ـ 64)

فقال رسول الله (ص) لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد غيرك هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له]..

فالإسلام يربط عالم الرؤيا بعالم الغيب وتأثيره على عالم الشهود..

أما النظريات العلمية فهي لا تؤمن بالرؤيا كحقيقة لها علاقة بعالم الروح والغيب وإنما فسرت وفق هذه النظريات بمكبوتات أو عوارض نفسية ذات أسباب عضوية تمر عبر الدماغ استجابة لما يتعرض له الجسد داخليا أو بتأثير خارجي فيترجم الدماغ ذلك على شكل هو وأحداث ووقائع لا حقيقية لها..

و يقول الخبير العربي [لوك وتنهوف] في معجم الأحلام [إننا نحلم بالقيام بالأمور التي لا يسعنا لأسباب مختلفة القيام بها في ساعات يقظتنا، لذل فنحن إنما نحاول أن نحقق في نومنا رغبات لا يمكن تحقيقها نهارا]..

والسؤال الذي لا يمكن أن يثيره هذه القول هو: إذا كانت الأحلام هي فقط هذا القسم الذي يكشف عن مخاوفنا ورغباتنا المكبوتة، فأين نضع الأقسام الأخرى من الأحلام أو الرؤيا التي تتحدث عن المستقبل، بماذا نفسر رؤية الأموات والتحاور معهم، بماذا نفسر الرؤية يراها الإنسان لغيره، لأخيه، لصديقه أسئلة كثيرة لا جواب لها دون اعتبار لعالمي الروح والغيب.

وبالتالي فإن الإيمان الديني هو مفتاح الجواب على هذه الأسئلة وغيرها. والتفسير الإسلامي الذي تقدمه الأحاديث الشريفة عن حصول الرؤيا وطبيعة حركة الروح وامتدادها أثناء النوم هو الآتي:

فقد سأل الإمام علي (ع) عن حقيقة الرؤيا فقال [إن المؤمن إذا نام خرجت من روحه حركة ممدودة إلى السماء، فكل ما تراه في الأرض فهو أضغاث أحلام، فقال السائل: أو تصعد روح المؤمن إلى السماء فأجاب عليه السلام لا، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شيء إذا لمات، فسئل كيف تخرج ؟ فقال (ع) أما ترى الشمس في السماء في موضعها، وضوؤها وشعاعها في الأرض، فكذلك الروح أصلها في البدن وحركتها ممدودة].

فالرؤيا سواء كانت صادقة أو كاذبة إنما تحصل عن امتداد الروح في الآفاق الغيبية وهناك قد تلتقي بالأرواح وبالشياطين وتختلط بهما، وقد تقتل اللوح المحفوظ فتقرأ المستبل وقد يزودها ملك الرؤيا ببعض الرؤيا وببعض ما هو مقدر لها في علم الله تعالى، وبعد رجوعها إلى الجسد يترجم ذلك بأدوات المخيلة فتحصل الرؤيا بأقسامها الصادقة والكاذبة، الواضحة والمرمزة.

وسواء اقتربت هذه التفسيرات من الصحة والواقع أو ابتعدت عنه فإن الإشكال يمكن في صعوبة فهم طبيعة الروح وحركتها وامتدادها وعلاقتها بالجس\ أثناء النوم..

وعلماء التعبير دائما يؤكدون بأن الرؤيا يراها الانسان بالروح ويفهمها بالعقل ويمكن أن نلخص الرؤية الإسلامية حول الرؤيا في النقاط التالية:

1ـ الرؤيا من طرف الوحي، فقد كانت نبوة عدد نمن الأنبياء عن طريق الرؤيا الصادقة.

2ـ إنها وسيلة فلقها الله سبحانه وتعالى للإنسان تمكنه من الانفتاح على عالم الغيب، حيث تتجاوز الروح وسائلها المادية المحدود فتمتد أثناء النوم وتتمكن من الذهاب بعيدا في الآفاق المادية والروحية.

3ـ مدخل للإيمان بالغيب والعالم الآخر وقد شبهت الأحاديث النوم بالموت والنشور بالاستيقاظ، وأثناء النوم قد يرى الانسان العوالم غير المادية التي تحدثت عنها الرسالات السماوية.

4ـ إنها استمرار للعلاقة بين عالمي الغيب والشهادة.

5ـ وسيلة إخبار وإرشاد وتنبيه لما عليه الإنسان أو ما اقترفه من خير أو شر أو ما سيقدم عليه، وإخبار بحوادث المستقبل، كما وقع لملك مصر الذي رأى سبع بقرات عجاف يأكلون سبعا سمان فأولها النبي يوسف (ع) بسنوات تحط مقبلة واقتراح عليهم خطة تجنبهم المجاعة.

و على ضوء هذه الرؤية الإسلامية لظاهرة الرؤيا، فقد اهتم علماء الأمة بهذه المسألة. وألفوا الكتب حول جوانبها المختلفة. فقد ألف الحسن بن الحسين الخلال كتاب طبقات المعبرين وذكر فيه أسماء (7500) معبر. ومن الأوائل ممن كتب في هذا العلم محمد بن سيرين صاحب التفسير المنسوب إليه وقد ذكر النابلي صاحب كتاب دار السلام مجموعة من الكتب في تعبير الرؤيا كانت موجودة ومتداولة في عهده (أي القرن العاشر والحادي عشر الهجريين) ومنها استقى مادة كتابه (تعطير الأنام في تعبير المنام) ومن هذه الكتب: كتاب القادري لنصر بن أبي يعقوب إبراهيم الدينوري، وكتاب (الحكم والغايات في تعبير المنامات) لابن الدقاق المرئ، وكتاب (المنتخب) للشيخ أبي الحسين بن إبراهيم الخليلي، وكتاب (الإشارة في علم العبارة) للشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر التعبير) لشهاب الدين أبي العباس أحمد المقدسي الحنبلي و(الإشارات في علم العبارات للعلامة بن شاهين الظاهري. المصنفات المذكورة أعلاه، تنتمي إلى مدرية الخلفاء، أما المصنفات التي ألفت في المدرسة الإمامية فمنها: (بلغة الشيعة الكرام في تعبير رؤيا المنام) الميرزا محسن أل عصفور وكتاب (دار الإسلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام) المحدث حسين النوري الطبرسي، والشيخ محمد باقر المجلسي الذي خصص الجزء 61 من موسوعته بحار الأنوار للحديث عن الرؤيا، والشيخ محمد تقي التستري صاحب كتاب (آيات بينات في حقيقة بعض المنامات). وغيرها من المصنفات والمؤلفات.

وبعد هذه الجولة السريعة في التعريف بمكتبة الأحلام لدى المسلمين، نود في الختام التأكيد على النقاط التالية:

1ـ لا تترتب آثار شرعية على أحلام الإنسان. فالذي يحلم بزواج أو طلاق أو بيع أو شراء وكل المعاملات الأخرى، لا تترتب آثار هذه المعاملات في الواقع الخارجي.

2ـ ثمة ضرورة معرفية في فضائنا الاجتماعي، لتعزيز الفكر السنني، الذي يعتبر أن جميع ظواهر الوجود هي وليدة عالم الأسباب والمسببات.. ومن المؤكد أن تراجع الفكر السنني في فضائنا الاجتماعي، هو أحد المسؤولين الأساسيين في انتشار ظاهرة الخرافة والانشغال بالأحلام.

3ـ من الناحية السسيولوجية المجتمعات المقهورة، والتي تشعر بالاضطهاد والظلم، ولا تمتلك قدرة فعلية على مواجهة هذا الاضطهاد، فإنها تعمل كوسيلة دفاعية إلى توسيع مقدسها..

و بعد انتهاء الظروف الضاغطة، يبقى ما أدخل في المقدس مقدسا..

لذلك ثمة حاجة معرفية ومجتمعية لتحديد المقدس، نعني بالمقدس المطلق أو العبادي أو ما يتصل بالشأن الديني المحض ودونه ليس مقدسا. فالتشريع الإسلامي له مظهران، مظهر التشريعات الموجهة إلى الأفراد، إلى المكلفين، والتشريعات الموجهة إلى الأمة. والدولة هنا كائن مخلوق للأمة، في مقابل الفكرة الهيغلية التي تعتبر الدولة تجريدا عاليا أو تجريدا مقدسا للأمة والمجتمع.

و المقدس في هذا السياق هو حفظ النظام.. وحفظ النظام له صيغتان: صيغة حفظ النظام بالتوافق مع المجتمع، والصيغة الأخرى صيغة حفظ النظام بقمع المجتمع والتسلط عليه..

و الواقع السياسي للمسلمين اليوم، يؤكد أن دول المسلمين اختارت صيغة حفظ النظام عن طريق القمع والاستبداد.

و مشروعات الإصلاح في الأمة تعمل على بناء حفظ النظام بالتراضي والانسجام بين المجتمع والدولة، وإنهاء الفصام النكد بين ذاتها وبين دولتها.. وعليه فإن مقدسات المسلمين محدودة، ولا يجوز توسعه هذه المقدسات. ودونها تبقى اجتهادات بشرية نحترمها ونقدرها، ولكننا لا ننحبس فيها..

وبالتالي فإن الأحلام بكل مستوياتها، ليست مقدسا ولابد من التحرر من ذهنية توسيع المقدس.

***

محمد محفوظ

 

كافكا: العزلة طريقة للتعرف على أنفسنا.

ويضيف:

أحيانا قد تتاح لك فرصة.. كن هناك.. لست في حاجة لمغادرة غرفتك، إجلس حيت أنت، إلى طاولتك.

إجلس بجلال خشوع مهيب ولتكن أذنك رفيقة لجلوسك.

بل أنت لست في حاجة إلى الإنصات.

ببساطة: إنتظر.

لا ولست في حاجة إلى الإنتظار.

أنت في حاجة إلى تعلم فن الإحتفاظ بصمتك.

دع الهدوء يجلل جلوسك ويعطرعزلتك.

دعه يعيش الحلول في دواخلك.

يؤكد نيتشه على تجربة العزلة: هي مرحلة ضرورية لتركيز قوى الذات وتجميعها وللحفاظ على الوعي الفردي لان بقاء الفرد بصورة مستمرة مع الصخب يشتت وعيه.

أما مؤسس علم النفس التحليلي كارل يونغ يرى في العزلة: السبيل الى الالتقاء مع النفس. لكننا لا نجرؤ على ذلك بفعل الخوف، ونستعيض عن ذلك بالهرب إلى الناس والأحداث.

**

عن محنة العيش مع الضوضاء يحدثنا شوبنهاور:

(إن ضوضاء صغيرة مستمرة تقلقني وتبدد أفكاري، وكل ما أحس به هو زيادة الجهد في التفكير وكأنني أحاول المشي بثقل. )

ويعلو النغم:

(أعتقد أن طاقة الإنسان على تحمل الضوضاء من غير أن يضيق بهما ؛ دليل على مقدرته العقلية ومقياس لها، إن الضجة والجلبة تعذيب للمثقفين والأذكياء الذين يعملون بعقولهم، لقد سببت لي الضجة والجلبة الناجمة عن الطّرق والدّق عذاباً يوميّاً طيلة حياتي).

إن الضوضاء لا تتعلق فقط بالصوت الذي يلوث حاسة السمع، إن الضوضاء تسكن النصوص التي تدعي الخلق والإبداع وَوُجبِبَ نسفها لأنها تضربالذوق ولا تساعد على التفكير، يقين يدَّعي إمتلاك الحقيقة، إمتلاك وصْفَةَ جوابٍ لكل الأسئلة، التي شغلت العقل البشري في الماضي، الحاضر

والتي سيطرحها إنسان المستقبل.

هنا ىشوبنهاور يقصف ثبات رأسٍ عقاربه تدور في الفراغ، تماما كفراغ رفوفه: لا كتب.

لهذا السبب فارغ الرأس لايزعجه الضجيج، الطرقُ، القرع، الصخب، الصراخ والزعيق. ولاينتبه إلى أضراره، آثاره الصحية والنفسية.

الرأس الفارغ، يجد راحته في الضوضاء.

ترعبه العزلة، لن يطيق صبره برودتها، هو يبحث الدفء من خلال الكلام والكلام في كل شيء ولا شيء، مع القهقهات البليدة.

مفتون بصناعة الشر ويطربه ما تقترفه يده من خراب وتدمير. مآسي وأهوال، الرعبُ والجوع.

مهووسٌ برؤية فظاعة الحروب وويلاتها، يبهجه وتسحره رائحة الدخان، تفحم أجساد الأبرياء العزل وبالدماء يستحم ويروي عطشه.

ممسوسٌ بالإنصات إلى أنين من تعثروا وسقطوا وعلى حشرجةِ إحتضارهم، يتضاعف فرحه وتساعده الأقدام على القفز والرقص.

يقارن ىشوبنهاور بين سلوك البعض من البشر، بحشرة غريبة ساعة دخولها في حرب مع نفسها، يولد العدو منها يعض الرأس الذيل ويقاوم الذيل بشراسة ويصفع بكل قوته الرأس وتستمر المعركة إلى أن يتمكن الرأس من الذيل بأسنانه وينفصل جسد هذه الحشرة إلى نصفين، ويواصلُ النصفان المقطوعان

في مهاجمة بعضهما، إلى أن تتجمد الدماء في عروقهما، ويسقطان، يأتي النمل بعد أن متَّع نفسه وهو يراقبُ من بعيد، هذه المعركة الرعنَّاء البليدة ويترقّبْ خاتمة السقوط.

ويجرون الغنيمة إلى مساكنهم.

يَسْخَرْ شوبنهاور لهذه العلاقة التي تجمع الإنسان بأخيه الإنسان ويصفها بحياة القنافذ في أيام المطر والبرد، تتجمع رغبة في الدفء وساعة الإقتراب، يتقاسمان محنة آفة آلام وعذاب وخز أشواكها الشبيهة بالإبر ويبتعدان.

ويلسع البرد جلودهما ويقتربان، وتمشي حياتهما على هذه الوتيرة، المداومةُ على طلب الدفء والملازَمة على الإبتعاد. ومع شرور الوخز وهو المعلمُ الذي فتح أعين هذه القنافيذ، إتخذت لنفسها مسافة، كحل وسيط، بين سلامة تضمن لها الدِّفْء المعتدل.

وألم من الممكن تحمله أوجاعه.

شوبنهاور بدوره يرفض مهزلة تكرار مهزلة اللعب بالنارينِ، الترثرة في الحانات والقهقهات البليدة.

شوبنهاور كان يتناول وجبة الغذاء في مطعمٍ يتردد عليه بعض الضباط من الإنجليز. وهو يأكل يخرج من جيبه دينارا ذهبيا ويضعها أمامه وبعد الوجبة يعيده إلى جيبه.

وسأله خادم المائدة عن هذا السلوك الغريب.

أجاب: لقد وعدت نفسي إن كف هؤلاء الإنجليز عن الحديث عن الخيل، الكلاب والنساء.

سيكون لأول شحاد قد أصادفه في طريق عودتي إلى منزلي.

ولأن النغمة هي وحيدة، فمكانه محفظة نقودي.

**

فضل شوبهاور الإقامة في روحه، عزلة مثمرة وخلاَّقة، القراءة، الكتابة والتفكير ويسمي إبتعادهُ عن أذى الآخرين: مسافة السلامة.

ويعلو النغم مع نيتشه:

أيتها العزلة أنتِ وطني.

يا وطن الأرواح المتعبة.

في فضاء العزلة، يحضر الأنيسُ المرغوب فيه، خذ شهيقا من الأنف ودعْ بطنك ينتفخ بالهواء. أخرج الهواء عبر أنفك. قفْ في مكانك، لاتتحرك إرفع رأسك وأنظر في عينيه بدون أن ترمش والآن تكلَّم وضع بين يديه ولاحرج وخجل، تكلَّم عن ما يحزن نفسك ويلقي بها في يَمِّ الإضطراب

، الشتات، الفوضى والضجر ويحرمها من نعيم السكينة ونِعمة الهدوء، تخلص من مهزلة قيود بكل الأحجام، الأوزان والألوان. قيود معدنها لايصدأ وغير قابلٍ للكسر في حالة الواحد، تتكسّرْ إن بقوة الكل. قيود تجرك من عنقك إلى الهاوية.

قيود صانعها عقل لا يزعجه الطرق ساعة إعداد الجديد منها والقديم، إن سهوا تكسرَّتْ، قيود يورثها الأب لإبنه وإن شك في صلاحيتها وعَبَثَ تقديسها وتخصيص يوم عيدٍ، شاي وخمر يدور وموسيقى وأغاني كلماتها، تَشِدُ بقوة سلطة القيود ولها منه

هدايا وصلاة طويلة، ومع سجوده، يدعو لها وجهرا بِطُولِ عُمْرِالقيود.

ولها بأجْمَلِ القرابين.

ومن فكرَّ في مطرقة وذهب ضد وجودها، بقيوده يخنقُ.

عقلٌ مُحَنَّطٌ بالأوهام، المشاعر الباردة والعواطف المهزوزة، المشتتة، الشاردة. عقلٌ ثابت، جامد، سجين دائرة وقد تعفن من طول دورانه حول نفسه، تأكله من الداخل شر الأمراض.

أسحق العار.

خُذْ ممْحَاة وأمسحْ كل ما قيل لك عن السماء، حكاية ثمارتلك الشجرة المحرمة العصيان، العري، وقصف أوراق تلك الشجرة وإخفاء عضوهما الجنسي، غضب الرب وذل السقوط.

مع سيرة الأبناء والأحفاد الدموية، وإنتشار الجشع، التسلط، الفساد وإتساع رقعة الحروب المتوحشه وسباق الأقوياء على إحتلال أراضي الضعفاء وطردهم من منازلهم، تعذيبهم، تجويعهم وتشريدهم ومن تحركت كرامته وذهب ضدهم عجلوا بشنقه، وعيون أهله وعشيرته تتابع حركة يد منفذ

الإعدام وهو يلف الحبل حول عنق من قال كلمته في حق الوجود الحر والمستقل، تتابع خروج روحه ومشهد الريح وهي تلاعب بجسد البطل.

مع سيرة الإنسان المتغطرس، الظالم، السارق والقاتل، وحده الشيطان صديق الله القديم الرابح في المشهد، عِلمه أتبث أن الإنسان متوحش بفطرته.

ربح الشيطان الرهان.

أما الله شعر بخيته وخيانة الإنسان له.

صعد إلى السماء وأغلق بابها والنوافذ وبإحكام.

وترك الكل يأكل بعضهم بعضا.

تَجَدَّد ْلكي ترى هذا الأنيس، هو لك بالمنصت اللطيف، الظريف، الخفيف، الرَشيق، الأنيق، وفي دواخلك يقيم.

إشارة منك ويتحقق اللقاء.

ضع بين يديه كل أسرارك وأبدا يفشيها ولو لظلك.

وكلما شعرت بغيابك، بثقل الأقدام وهي تخمش حرّ، قرّ، ثبات مكان، لك منه: خفة أجنحة.

وإذا ما حضر عقرب ضجر، ارتفع صوته بالغناء:

لا..

لاتمت الآن.

كن يقظا ولك منها: خراج حديقة، أزهارها أبدا تشيخ، تموت، تنحل وتتبدد.

بل تنمو وتتعاظم.

جذورها:

ظلمة غار،

فرن صحراء،

فيافي،

وقمم جبال.

قد يكلمك (الله)

وأنت: لسانه.

جوهرالوجود، أو الكون إن شئت: صمتٌ.

وحدها اللغة كلمته.

لغة الأسطورة، لغة الفلسفة، لغة الدين.

لغة العلم، لا يتوقف دورها على وصف هذا الصمت. بل يحول هذا الكلام إلى شيء تتلمسه اليد، يشمه الأنف وتراه العين ولنا منه حياة جديدة. حياة تدهش العقل.

إن لغة العلم زلزال يهز أوتاد الفهم التقليدي القديم، المبني على الخرافات والحكايات.

ويوقظ من نومنا ويلقي بنا في العراء، نحتاج إلى زمن طويل، لنخلق ألفة مع هذا الجديد ونستسلم لسطته.

إنها زلزال كوبرنيكوس صاحب نظرية دوران الارض والكواكب حوال الشمس وعلى اساسها انبنى علم الفلك.

لغة نيكولاوس كوبرنيكوس، لغة البراهين والحسابات الرياضية، لغة كشفت عن جهل لغة الدين وهو يكلِّم هذا الصمت، هدَّم سقف المسكن القديم وترك أهله في العراء، تركهم في حالة صرع وصدمة.

عبيد النقيق، قيل وقال، إضطربات مشاعر، أحاسيس مهزوزة وباطلة، هذيان المحمومين، فساد فهمٍ وضلال وكل فريق متعصب لرأيه، بل يذهب بهم التعصب الأعمى والجهل المقزز، القذر، الحقير إلى المقاتلة والقتال المتوحش بعضهم بعضًا، ويدعون أنهم أقرب البشر من الله ولهم حق الكلام

والحكم، ومن سار على هداهم له مفتاح الجنة. وأن فكر الآخر سفسطة، زندقة وخروج عن الطريق المستقيم.

سجناء دائرة مُغلقة لا يُنهيها سوى الموت.

بل تفننوا في تعذيب من سلبهم حق الحياة في قبره وتخيلوا صراخه في أحط مقام في جحيم دانتي.

جمود وثَبات وفكر كهذا مصيره الإنقراض، كما إنقرضت كائنات لم تواكب حركة ثورة الطبيعة. إستسلمت وتساقطت وعلى جثمانها مرَّ قطار الزمن في ولادة جديدة وبأفكارجديدة. جمعوا العظام وتحولت إلى فرجة في المتاحف. العقل الديني الجامد والتابثة أقدامه في الماضي، يرى في

ما يؤمن به الحق الذي لايطعن في قامته، يُكَفِرُّ الشخص المخترع، فليتبوأ مقعده من النار يوم القيامة والحساب، كراهية وحقد ولا يحق مصافحته، الجلوس والكلام معه والأكل من طعامه، وفي نفس الوقت منبهرٌ بمنجزات خراج عقل هذا الكافر من صناعة بكل أنواعها وأشكالها، مهمتها وفوائدها، يدفع من عرق جبينه ليقتني وإن سقط مريضا يحلم بطبيب وسرير ودواء، يخلصه من أوجاعه ويدفع من عرق جبينه، ليقتني آخرما يخرج في أسواقهم من إختراعات وساعة الحصول عليها، يتباهى بالمنتوج أمام السائر على نهجه وإيمانه.

الإنفصام في أقصى مستوياته، حدته وأضراره.

لغة الفلسفة، لغة الذهاب ضد الصمت وأبدا تأخذ دور المتفرج ؛بل كما أكد فرانسيس بيكون: تبدأ الفلسفة حيث ينتهي العلم.

تزن لغة الفلسفة نتائج العلم وتفكر في الإنسان والارتقاء به إلى فن العيش الكريم، ولا تتعب من الحفر إنها حركة تساؤل مستمر.

وهي أهم من الأجوبة، كما يصرِّح كارل ياسبرز: حيت يصبح كل جواب سؤالا جديدا.

سلاحها الشك الصحي السليم، يصدقها العقل ساعة التحقق من النتائج، يدركها ويتعقلها. يزعجه.. يزعجه سلوك القطيع المبطح، ليس من حقه النقد والنقض، دوره التسليم، الصمت والطاعة العمياء لما يخرج من فم الجالس على منبرمن كلام، تحذير ووعود وأن المتكلم مالك الحقيقة

و اليقين. كلام معسول، يعزف على أوتار المشاعر ويسافر بالعقول إلى تخوم السماء والكارثة العظمى، يتقن فن الإثبات والنفي في آن واحد، إن خالف كلامه المعطى من واقع حال الزمن، الزمن الذي يتدفق نهره، يتغير لونه وطعمه، سرعة جريانه ويعد دوما بالجديد في منجزات العلم

المبهرة، لغته في إنسياب وخلق وأبدا تتعب من طرق باب صمت هذا الوجود، وتطرقه بابه المسدود، اللغز المحير بسلطان العقل هو عربة للسفر خارج قبة هذا الكوكب.

قال راهب إسباني في حق هذه الإختراعات التي نقطف ثمارها الآن وهنا:

التقدم التكنولوجي في توَالُدٍ مُسْتَمِرٍ. لا محطة نهايةٍ لسفره ولاضفاف لإبحاره في عالم الإختراع والإبتكار. تحوَّل الإنسان إلى آلة، إلى عبدٍ لشراهة جشع الإستهلاك والإغراء، تأكل التُخمة عقله. يشتري في نهاره إختراع ما يبهرهُ، يَفرحُ به طوال ليله، يحضنه ساعة نومه

ومع ولادة فجره، تظهر أعجوبة جديدة.

إنه يتطور بشكل سريع، أسرع مما نتخيل. الأشياء التي كانت تدهشنا بالأمس تحولت إلى سجينة في المتاحف.

متاحف ستشدنا الأقدام إليها في مستقبل قريب، بدافع الحنين إليها ونحن نتجول بين أروقتها، سنُطيل الوقوف أمامها، ننظر إليها نتبسَّم بعين ميزان مقارنة: كيف كانت وكيف تحولت وصارت.

ستتحول إلى أثرٍمن الماضي.

ومن يحِنُّ إلى أنفاس، إيمان وفكرِ أجداده من أجل الإسترخاء، التأمل والإشباع الروحي، سيطرق باب الكنيسة، يخرج محفظة نقود من جيب معطفه ويدفع ثمن تذكرة الدخول وهو هناك سيطلب الموظف الحارس على الأثار من الزائر الجلوس على مقعد ما، يطفيء أضواء بهو الكنيسة وللزائر

يعرض شريط سنيمائي يحكي عن ذلك الرجل وهو يشير بسبابته نحو الأرض ومن شدة الألم يصرخ ويردد: مملكتي ليست من هذا العالم.

قد يمسح الزائر دمعة وهو يغادر الكنيسة وهو يقدم للموظف الحارس على الأثار تحية الوداع وشُكرٍ والعين في العين، يشير بسبابته نحو محتويات الكنيسة ويردد: وأنا أيضا؛ مملكتي ليست من هذا العالم.

الذي أخافه أن يسيطر الذكاء التكنولوجي على الإنسان ويصبحُ هو السيد المتحكمُ ويحولنا إلى كلاب أليفة، يجرنا من أعناقنا بسلاسله، يلاعبنا ومن حين لحين يُفسِّحنا من أجل إستنشاق هواء إفتراضي.

في فضاء عالم سريع التغير هذا، الذي أخافه.. موت.. موت الله في قلوب أولادنا ويجد القس نفسه ساعة الصلاة في الكنيسة أمام كراسي فارغة.

دور الدين اليوم هو تعويض هذا الفراغ الثقيل القاس، الذي يخنق أنفاس الإنسان.

**

تنمو زهرة الفلسفة في حقل العزلة، هي فن للنظر والإنصات.

والعزلة هنا ليس بمفهومها، الإنغلاق والإبتعاد عن عالم البشر وأخذ دور الأخرس، الأصم والأعمى وعدم الإهتمام بما يجري على الأرض من هنات، زلات، أعطاب، سلب ونهب وعنف مجاني، غياب الأمن، الهجرة، الفقر، الحرمان من حق التعبير والإحتجاج ضد الفساد السياسي،

تسلطه وجشعه، الإختطاف والإعتقالات التعسفية في حق أحرار الرأي والفكر، التعذيب الوحشي في السجون التي فاضت بالمظلومين، الإحتلال وحرمان الغير من حقه في الحياة، الأوبئة، الأمراض، التلوث، الجوع وجرائم الحروب التي هي في تزايد، تأتينا الأخبار تدمي وتوجع مشاعرنا، العين بصيرة واليد قصيرة.

الإحتباس الحراري، إختناق رئة الأرض ودورانها بالمقلوب ولافصل يأتي في موعده.

أن تنزل إلى المستنقع، هذا لايعني، أنك تحمل أخلاقه وفكره، بل ينبغي أن تنزل، وكن لهم: اللسان.

لا أفهم، عمق وبعد الكتابة، إلا بهذا النزول.

ولك حق التحليق.

أفكر هنا، في أمنية ورغبة وحلم أفلاطون، تمنى أن يطوف العالم بعربة، ويطرق كل أبواب المدن والقرى ومن له مشكلة ما، ليلقيها في عربته. وهو يعود إلى بيته يغلق بابه ويسلم حقائب أتعاب السفر إلى معشوقته العزلته المقدسة، ومع أنغام موسيقى الهدوء وسحر الصمت، يهيء نفسه

للحلول في كل أوجاع، حيرة، حزن، أسئلة وقلق البشر.

هو يعرف حق المعرفة، وأستاذه العظيم السيد سقراط درَّبهُ وعلَّمه أن هذا الحلول سلالم صعود إلى ما يجدد فهمه للحياة بكل تناقضاتها وأعطابها، وكلما صعد درجا، تيقظت وأينعت في حقل نفسه نورالحكمة. حكمة ستساعده على الخروج من ما عتمة أحزانه، حكمة بها يقارن، يحلل، يدقق، تولد أسئلة جديدة وبحرقتها يعلو.

إن المعلم الحقيقي لهذا التلميذ المخلص للدروسه، بل تلك الصفعة التي أيقظته من سحر كلمات ذلك الحكيم المسكون بالسؤال والشك، الكأس، نعم محمول ذلك الكأس المسموم وهو يتابع شجاعة أستاذه وهو ينظر في عين الموت بشجاعة وسخرية، بل بحكمة وأن قول الحق بالحجة والدليل، يزعج

أهل الحكم، القوة والسلطة وأن الحقيقة المرة التي إكتشفها سقراط وقد جاءت متأخرة، أن القضاء لم ينصف هذا الرجل الذي أحبه خير شباب أثينا وساروا خلفه، فرحون بألق ساعة اللقاء به، يطهر أرواحهم ويولِّدُ في رؤسهم ذكاء الأسئلة، بها يكتشفون ذواتهم ويقفون على جهلهم

وهذا لا يقلق راحتهم، بل تتساقط كل الأحكام والمفاهيم القديمة وتولد من رحمها مفاهيم جديدة، قيم، فضيلة، الحق، العدال والأخلاق، الصدق، النبل، هذه الأشياء العظيمة التي تنقص حكام أثينا، ليعيش المواطن بكرامة وحرية.

يعلِّق نيتشه على موت سقراط:

(الحياة مرض).

ويخاطبه زرادشت:

(سارع إلى عزلتك، يا صديقي، فقد أورثك الصداع صخب عظماء الرجال، وآلمتك وخزات صغارهم. إن جلال الصمت يسود الغاب والصخور أمامك، فعد كما كنت شبيها بالدوحة التي تحب، الدوحة الوارفة الظل، المشرفة على البحر مصغية في صمتها إلى هديره).

هذا لا يعني أن نيتشه أغلق باب غرفته الباردة وقد أحكم إغلاق نوافذها، لأن أشعة الشمس كانت تحدث له ألما في عينيه، غرفة في ذلك الفندق في جبال إيطاليا وصمت إلى الأبد.

بل واصل الكتابة إلى أن تحطمت أعصابه من شدة التفكير في أمراض عصره وكانت الطبيعة رحيمة به، عندما دخل إلى ليل الجنون.

كان بصمته ينصت إلى أخته إليزابيث ومن كان يرافقها في صالون منزلها وهم يتحدثون عن الكتب.

تسللت دمعة من عين الفيلسوف، تبسم وخرج من صمته البارد الطويل وقاطعهم:

أنا أيضا كتبت كتبا حسنة.

**

المسيح وهو يشير بسبابته نحو السماء، نظرإلى تابعيه وقال:

لا تجهدوا أنفسكم في فتح هذا الباب، كل الذين حاولوا تاهوا وضاعوا، دعوا إيمانكم يقودكم إلى ربي.

من شدة الغضب، اكتست حمرة قاتمة ملامح نيتشه وكأنه ينادي على شخص بعيد، ارتفع صوته والكلمات وكأنها نبال تخرج من قوس فمه:

لا..

لا بريق يلمع في هذه النصيحة العرجاء البلهاء.

أتحذرهم من عظمة هذه المغامرة الشجاعة؟

تبا..

وتحرمهم من لذة البحث، الدهشة، الشك والسؤال؟

من أي معدنٍ أنت من البشر؟

خيرٌ لي:

أن أتيْ.

وتخونني الأقدام على المشي وتبتلعني هاويات ظلمات بحارٍ وأواصل البحث عن منارة وفي دواخلي: تقيم.

أقصد ما تحمله رفوف رأسي من كتب.

سيرة المعرفة بكل مشاربها، ألوانها، روائحها وطعمها.

لا يعلو بنا إلا القلق الجميل، لهذا لن أتعب من تكرار ما قلته في حق الحياة، عش في خطر، بل شيد بيتك فوق فوهة بركان فيزوف‌. اللعب على حافة الهاوية.

على المكوث في ضجر ثبات مكان.

قبرٌ ببرودة ظلمته وروائح تحلل أفكارك، يأخذ مكانه في رأسك.

قبل القبر، الذي ينتظر العبد والسلطان.

يزرعون جثمانك كحبة قمح عاقر في حفرة، يوارونها التراب:

اسم، لقب، تاريخ الولادة، يوم الوفاة.

ونسيان.

***

عبد الحق طلوع

ما زلنا مع إشكالات الترجمة العَرَبيَّة في العصر الحديث، التي وصفناها بأنها مرآة صادقة للُّغة العَرَبيَّة المعاصرة، والوحدة العَرَبيَّة «المعاصرة» أيضًا. وعرضنا في المساقات الماضية بعض ما جاء في ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، نموذجًا. وذلك حول مادَّة (جازان)، للمستشرق الأميركي (جورج س. رنتز George Snavely Rentz، -1987)، من ترجمة (إبراهيم زكي خورشيد).

قال (ذو القُروح)، طيَّب الله قُروحه:

ـ ثمَّ اقرأ- وافهم إنْ استطعتَ، ولن تستطيع- هذه الجملة من الترجمة، بأخطائها الإملائيَّة: «وحدث في عهد الزيادية أن أخضع النجاحيَّة [في طبعة الشارقة: النجاحَّية] والمهدية، هم فوريق من المخلاف إن لم يكن الإقليم كله، لسلطان زبيد الإسمى[كذا بهمزة قطع وألف مقصورة!] أو الفعلى[كذا: بألف مقصورة!].»(1) وخيرًا لك دائمًا أنْ تعود إلى النصِّ الإنجليزي، لتفهم المراد:

Under the Ziyādids, the Nadjāḥids, and the Mahdids, parts of the Mikhlāf, if not the whole region, were at times brought under the nominal or real suzerainty of Zabīd…(2)

فمعنى قول المترجِم: «هم فوريق من المخلاف»: «هما فرعان من المخلاف». ومن عدم الدِّقَّة في هذه الترجمة أنه لمَّا كتبَ (رنتز)(3):

Aḥmad Djayzān (or al-Djayzānī, …

ترجمَ المترجِمُ النَّصَّ هكذا: «أحمد جيزاني (أو الجيزاني...».

ـ فهل كان أمينًا في نقل ما كتب المؤلِّف؟

ـ إنَّما كتب المؤلِّف: «أحمد جيزان (أو أحمد الجيزاني،...». مشيرًا إلى أنَّه ربما نُسِب إلى (جيزان) بالإضافة: «أحمد جيزان». بدليل أنَّه سيذكر أنَّ بعض أحفاد هؤلاء الأعلام كانوا يلقَّبون بـ«ذَوِي جيزان». وفي موضع آخَر، جاء في نصِّ (رنتز)(4):

The principal crops are millets (dhura and dukhn) and sesame; other grains, cotton, and indigo are also grown… The climate is trying

فترجمه المترجِم هكذا: «والمحصولان الرئيسيان هما الذرة والدُخن والسمسم؛ وثمة حبوب أخرى تنمو وقطن ونيلة أيضًا... وجو جيزان عسير ترتفع فيه درجات الحرارة». فأوَّلًا هل (الدُّخْن) و(الذُّرَة) و(السِّمْسِم)، محصولان؟ أم ثلاثة؟! ثمَّ إنَّ من المعروف أنَّ كلمة (عسير) هي اسم منطقة مجاورة لمنطقة (جازان). أفما وجدَ المترجِم كلمةً أخرى غير «عسير»، تجنُّـبًا للَّبس، مثل: صعب، قاسٍ، شديد الحرارة؟! وفي موطن ثالث كتب المترجم: «وتشمل ولاية جيزان، وتسمى أحيانًا تهامة عسير». فصارت (جازان) «ولاية»! وهي «تسمى أحيانًا تهامة عسير»! ولم نسمع أنَّ جازان بمجملها تُسمَّى «تهامة عسير»، وإنْ كانت بعض أجزاء منها قد تُعَدُّ داخلة في ما يُسمَّى (تهامة عسير). غير أنَّ الكلام يظلُّ مضطربًا متداخلًا. فإذا رجعتَ إلى النصِّ الإنجليزي وجدتَه أقلَّ التباسًا. بل لقد حذفَ المترجِم منه ما يجلِّي التباسه، حيث جاء هكذا:

Djayzān province, sometimes called Tihāmat ʿAsīr [see ʿAsīr and the accompanying map], …(5)

فلم يَقُل المؤلِّف: إنَّ جازان «ولاية»، بل: إقليم، أو منطقة. كما أنَّه أحال القارئَ إلى مادة (عسير) في «دائرة المعارف»، وإلى الخارطة المرافقة، ليتبيَّن المواقع والحدود. فقام المترجم بحذف هذا كلِّه؛ ولتدخُل (جازان) في (عسير)، ولا بأس!

ولمَّا تحدَّث المؤلِّف عن اللَّهجة في المنطقة، نقل كلامه المترجِم هكذا: «وتضم الولاية حدا لغويا مشهورًا: ففي ثغر جيزان وأبو عريش وإلى الجنوب فإن الصيغة القديمة «أم» للدلالة على أداة التعريف لا تزال شائعة.» وقد سُقنا النصَّ كما وردَ، بأخطائه وبلا ضبطٍ بالشكل. ومع ركاكة الصياغة، سيستوقفك الإبهامُ في العبارة «وتضم الولاية حدا لغويا مشهورًا»؟! في مقابل النصِّ الإنجليزي:

The province contains a noteworthy linguistic boundary…(6)

مشيرًا إلى استعمالٍ لَهَجِيٍّ محلِّي محدود، يتمثَّل في التعريف بـ(اِمْ)- لا (أم)- كما جاء في الترجمة. أمَّا «الحدُّ اللُّغوي»، فلا معنى له.

وفي هذه الترجمة العجيبة تقرأ أيضًا: أنَّه «يرد الاسم «جيزان» و«جازان» في حديث منسوب للنبي عليه الصلاة والسلام حيث ينوه بها مع ضَمَد وهو اسم واد إلى الشمال منها مباشرة.» وفي هذا افتراءٌ من المترجِم، من وجهَين: الأوَّل أنَّه لم يرِد لفظ «جيزان» في الحديث النَّبوي، بل «جازان»، كما في نصَّ الحديث، الذي أورده (يحيى بن آدم القرشي، - 203هـ= 818م)(7)، في كتابه «الخَراج»، وهو: «أنَّ رجلًا قال يا رسول الله إنِّي أُحبُّ الجِهاد والهجرة، وأنا في مالٍ لا يُصلِحه غيري، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم: لا يَأْلِتُكَ اللهُ من عملك شيئًا ولو كنتَ بضَمَد وجازان.» وقد تقدَّم الكلام عليه في مساق سابق. والوجه الآخَر أنَّ (رنتز) لم يذكر ما نسبَه إليه المترجِم. وإليك نَصَّ رنتز(8):

The name Djayzān (Djāzān) occurs in a hadith attributed to the Prophet…

ومن يفهم دلالات علامات الترقيم، يُدرِك أنَّ رنتز حين كتب: «الاسم جيزان (جازان) يَرِد في حديث...»، أراد إيراد الاسم كالمستعمل الدارج بين الناس «جيزان»، ثمَّ جعل الصيغة الواردة في الحديث النَّبوي بين هلالَين؛ تنبيهًا إلى أنَّ الاسم هكذا وردت صياغته في الحديث: «جازان». أمَّا المترجِم، فزَعمَ أنَّه «يرد الاسم «جيزان» و«جازان»»، في الحديث! وهما يرِدان هكذا معًا! حتَّى إنَّه لم يكتب «أو جازان»، مثلًا، بل عطفَ.

ـ مقدِّمًا إلى القارئ معلومةً بخلاف الحقيقة، تاريخيَّا ولُغويًّا، في ترجمةٍ تفتقر إلى الأمانة. فللَّهِ دَرُّه!

ـ ثمَّ ستقرأ كلامًا غير متَّسقٍ، هكذا: «بدأ أول الجيزانية صاحب المخلاف أحمد بن محمد سيرته العملية سنة ١١٤١هـ...».

ـ «أول الجيزانية»؟!

ـ هكذا تجد في الترجمة. وإنَّما هو تصحيف «الخيراتيَّة»! وكثيرًا ما يصحِّف المترجِم أو الطابع كلمة «الخيراتي» إلى «الجيزاني»:

The first Khayrātid master of the Mikhlāf, Aḥmad b. Muḥammad, also began his career in 1141/1728-9 as governor there for the Zaydīs…(9)

كما أنه- لذلك الخلل الكتابي الذي رأيناه في مساق سابق، من عدم التفريق بين الألف المقصورة والياء- سيتعثَّر فهمك للمراد من نصِّ المترجِم اللَّاحق، الذي جاء فيه: «وكان خيرات جد أحمد فى عودته من مكة إلى أبو عريش قد أجرى عليه معاش من موارد ثغر جيزان رتبه له الإمام الزيدى المتوكل إسماعيل بن القاسم.» وستجد نفسك مضطرًّا أيضًا إلى العودة إلى النصِّ الأصليِّ لتفهم: مَن الذي أَجْرَى المعاش؟ ومن الذي أُجْرِي عليه؟

Aḥmad's grandfather Khayrāt, on coming from Mecca to Abū ʿArīsh, had been assigned a stipend from the revenues of Djayzān port by the Zaydī Imām al-Mutawakkil Ismāʿīl b. al-ḳāsim (d. 1087/ 1676)…(10)

فالذي أُجْرِي عليه الرَّاتب من موارد ميناء (جازان) هو: (خيرات)، والذي أَجْرَى الرَّاتبَ: الإمامُ الزَّيديُّ (المتوكِّل).

ثمَّ اقرأ قول المترجِم: «وكان الشريف الجيزانى حمود أبو مسمار أداة في اعتقال قوات محمد على باشا شيخ الهضبة الوهابى طامى بن شعيب الرُفَيْدى...». وبصرف النظر عن «الجيزانى... محمد على باشا... الوهابى طامى... الرُفَيْدى»، فإنَّك ستجد الغموض يكتنف حكاية «شيخ الهضبة الوهابى» هذا! حتَّى إذا وقفتَ على النصِّ الإنجليزيِّ وجدتَه مُبِينًا عن المعنى، هكذا:

The Khayrātid Sharīf Ḥamūd Abū Mismār was instrumental in bringing about the capture by Muḥammad ʿAlī Pasha's forces of the Wahhābī highland chieftain,Tāmī b. Shuʿayb al-Rufaydī…(11)

أي: أنَّه «كان للشَّريف الخيراتي [وليس «الجيزاني»!] (حمود أبي مسمار) دَورٌ فعَّال في أَسْرِ قوات (محمَّد علي باشا) زعيمَ الوهَّابيِّين في المرتفعات، (طامي بن شُعيب الرُّفَيدي).»

ـ ولذا لا مبالغة في القول: إن معظم الترجمات العَرَبيَّة لا تزيد القارئ العَرَبي بالمصادر الأجنبيَّة إلَّا جهلًا وخبالًا!

**

مرفأ:

تَـهُبُّ الأَرْضُ قَاطِـبَـةً وظَلُّوا

بِـقَـعْـرِ الـقَــاعِ أَوْتَــادًا ثِـقَـالا

ألا حُـبٌّ يُـحَرِّكُهُـمْ؟ ولا فِـي

جَـهَـامِ الحَرْبِ بَـرْقُـهُـمُ تَـلَالا؟

فلا تَـرْحَلْ لِبُـغْـيَـتِـهِمْ ودَعْـهُمْ

عِـيَـالًا بِـئْـسَ لِلـبَـاغِـيْ عِـيَالا

كَـأَنَّ دِمـاءَهُمْ أَمْـسَتْ عَـصِـيْرًا

لِـشَارِبِـهَا، حَـلَالًا.. أو حَــلَالا

تَـبَـلَّـدَ فـي جَـرَاثِـمِـهِمْ تُراثٌ

 خُـرَافِـيٌّ عَلَـيْـهِ الـدَّهْـرُ طَــالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...................

(1)  تُقارَن ترجمة: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109- 115، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري ، 1998)، 11: 3292- 3299.      

(2) Rentz, George Snavely, (1991), The Encyclopaedia of Islam, Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies, (Leiden: E. J. Brill), 2: 517.

(3)  م.ن.

(4) 2: 516.

(5)  م.ن.

(6) 2: 517.

(7)  (1987)، كتاب الخراج، تحقيق: حسين مؤنس، (القاهرة/ بيروت: دار الشروق)، 115.

(8) 2: 517.

(9) (10)   م.ن.

(11) 2: 517- 518.

لم تعد الساحة الرقمية اليوم مجرد وسيلة لنشر الشائعة، بل غدت مختبراً يُعيد تشكيلها في أقرب صورة ممكنة إلى الحقيقة، قبل أن يُطلقها في وعي الملايين وكأنها يقين لا يقبل الشك. فكل فترة قصيرة، تضجّ منصات التواصل الاجتماعي بفكرة "مستدامة" تُعاد صياغتها وتدويرها بصورٍ متجددة، وكأنها اضطراب نفسي جماعي يُعاد إنتاجه كلما هدأ قليلاً، يرافقه سيلٌ من المقاطع المصطنعة بتقنية الذكاء الاصطناعي، توظَّف تارة في الترويج لأمور تصادم الأخلاق العامة، وتارة أخرى في دعايات غير رسمية تتسلل إلى الوعي من غير استئذان. وما إن يظهر أحد هذه المقاطع أو تلك الأفكار المعاد تدويرها، حتى تنهال عليه المشاركات والتعليقات كأنها طقسٌ جماعي لا يُسأل عن مصدره ولا عن صدقه.

هذا المشهد المتكرر، بكل ما فيه من مفارقة، يختصر واقعاً أعمق: لم يعد الجهل اليوم قصوراً عرَضياً في المعرفة، بل صار صناعة قائمة بذاتها، تُدار بدقة هندسية لا تقل إحكاماً عن أي منظومة تقنية متقدمة، حتى غدا الوعي فيها تهمة، وصار كشف الحقيقة فعلاً يُدفع صاحبه ثمنه قبل أن يُكافأ عليه. وهذا الانقلاب في القيم يطرح سؤالاً لا يكفّ عن إلحاحه: كيف ينساق الإنسان، بكل هذا اليقين، خلف أكاذيب لا تخفى عليه ملامحها الفجّة أحياناً، متلقياً زيفها المموَّه وكأنه حقيقة صلبة لا تقبل المراجعة؟

وهمُ الحقيقة المتكررة

يصف علم النفس الإدراكي ظاهرة دقيقة تُعرف بـ"أثر الحقيقة الوهمية" (Illusory Truth Effect). فحين يستقبل الدماغ خبراً للمرة الأولى، يبذل جهداً تحليلياً حقيقياً لفهمه. لكن مع التكرار المستمر الذي تصنعه جيوش "الذباب الإلكتروني" وخوارزميات المنصات - كما يحدث اليوم مع كل مقطع مُفبرك ينتشر عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل أن يُكتشف زيفه - تصبح معالجة الخبر داخل الشبكة العصبية أكثر سلاسة، أي أكثر "ألفة". وهذه الألفة وحدها، لا الصحة، هي ما يترجمه الدماغ - الحريص بطبعه على توفير طاقته - إلى إحساس زائف باليقين. هكذا يتحول تكرار الشائعة ذاتها على مدى أيام قليلة فقط إلى غسيل معرفي سريع، يألف فيه العقل الباطن الكذبة فيتقبلها، حتى تغدو عند البعض بديهية لا تُناقش، رغم كل نفيٍ لاحق.

حين تتحول التقنية إلى مضخّة للوهم

هنا يبرز دور التكنولوجيا، لا بوصفها أداة محايدة، بل مسرِّعاً لهذه الآلية النفسية ذاتها، خصوصاً في عصر باتت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تصنيع "حقائق" بصرية وصوتية لا تُميَّز عن الواقع بالعين المجردة. وقد أظهرت دراسة مستفيضة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن الأخبار الزائفة تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي بسرعة تفوق انتشار الحقائق بستة أضعاف، مستثمرةً أكثر المشاعر الإنسانية بدائية: الغضب والخوف. ويتضافر هذا الانحياز البنيوي مع نزعة نفسية أعمق، رصدها البروفيسور دان كاهان من جامعة ييل، وأسماها "الانحياز القيمي المعرفي"، إذ يعمل دماغ الإنسان حين يواجَه بدليل يهدد معتقداً يقدّسه، لا بحياد، بل بآلية دفاعية عكسية: يجنّد كل طاقته الفكرية، لا لفهم الدليل، بل لاختراع الحجج التي تُسقطه.

من برمجة العقول إلى شيوع التفاهة

إن برمجة العقول لا تكتفي بتزييف الحقائق الفردية، بل تتحول تدريجياً إلى مناخ عام يُعيد تعريف علاقة الإنسان بوجوده. ففي ظل هذا المناخ، تتراجع الفوارق الاجتماعية أمام خطر واحد يهدد الجميع: الانحدار المعرفي المشترك. وهكذا تتحول التفاهة من ظاهرة هامشية إلى حضور يومي يفرض نفسه على الحواس، حتى يغدو الجهل قاعدة لا استثناء، ويصبح الصراع - لا صراع أفكار بالمعنى الكلاسيكي - بل صراع بقاء بين الوعي وآلة تفرض الغباء الجماعي كأمر واقع.

حين تصبح الحقيقة تهديداً للانتماء

من أخطر آليات هذا الجهل المهندَس ظاهرتا التنافر المعرفي وأثره الارتدادي. فتقديم الأدلة القاطعة لشخص مؤدلج كثيراً ما يزيد شراسته الدفاعية بدل أن يقنعه، ذلك أن هذه العقول مستعدة للتضحية بالحقيقة نفسها في سبيل الحفاظ على انتمائها القَبَلي لجماعتها الرقمية. بهذا المعنى يتحول تصديق الكذبة الجماعية إلى "صك انتماء"، بينما تُعامَل مخالفتها بوصفها خروجاً يستوجب النبذ.

هنا يتجلى ما أسماه عالم النفس ليون فستنغر "التنافر المعرفي"، وجوهره أن مواجهة الإنسان بحقيقة تناقض قناعاته الراسخة تُحدث لديه صدمة نفسية، إذ الاعتراف بالخديعة يعني - بالنسبة إلى الأنا - الاعتراف بالفشل. ولتجنّب هذا الألم، يلجأ الدماغ إلى الحل الأيسر: مهاجمة الحقيقة نفسها. وتُعرف هذه الظاهرة بـ"أثر الارتداد العكسي"، حيث تعمل الأدلة الداحضة - على عكس المتوقع - على تعزيز التمسك بالمعتقد بدل زعزعته.

في معنى المقاومة

إن هذا الهجوم الذي يواجهه كل من يخوض معركته ضد الجهل الجماعي يفرض إدراك حقيقة واحدة: أنك لا تصارع أفراداً متفرقين، بل منظومة فكرية وتقنية شُيّدت أركانها على الوهم، وباتت اليوم أسرع وأشد إحكاماً بفضل أدوات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. ومع ذلك، يبقى التمسك بمعنى الوجود، ومواصلة النقاش بجرأة وحكمة، هو السبيل الوحيد اللائق بإنسانية الإنسان، حتى وإن بدا للمرء أنه يغرّد خارج السرب. فكل نفيٍ يأتي متأخراً بعد أن تكون الشائعة قد أنجزت مهمتها في الوعي الجماعي، هو تذكير بأن معركة الحقيقة اليوم لم تعد معركة معلومة ضد أخرى، بل معركة سرعة الوعي في مواجهة سرعة الوهم. وفي هذا المسار وحده، حيث يلتقي الوعي بالمقاومة، تكمن قوة الموقف الحقيقية، وبه وحده يُثبت الإنسان معنى إنسانيته في وجه آلة لا تريد له أن يعرف.

***

زينب طارق

 

لِمارك توين مفهوم صادم أشبَعه تأصيلا في كتابه: (ما الإنسان؟) يدور حول مركزية الاحتياج الذاتي في دافعية التصرفات، حيث إنه ما من سلوك نبيل يمارسه الإنسان مهما بدا أنه عمل إنسانيٌ لا غير، إلا وأساسه تحقيق حاجة ذاتية بامتياز، وما تلك التبريرات لذلك النُّبْل إلا توابع هامشية، وامتداداتٌ ظاهرية، تغلّف لُبّ احتياجه الشخصي وتشبع نزوته المخفية عميقا بين دهاليز نفسه وأقبيتها، حتى في حالات يصعب استيعاب تلبية الاحتياج الذاتي دافعا أصيلا في مثل إنقاذ غريق أو التصدق على مسكين عابر شفقةً!

ومهما يكن الأمر، فإملاءات المصالح الشخصية في بُعدها الممتدّ حقيقة واقعية، بل وأساس معقّد يقوم عليه التفاعل البشري، وما من شك أن السعي وراء المصالح الشخصية في العموم ممارسة طبيعية يقتضيها التكوين البشري، وكل شيء يبدو مقبولا في هذا السياق حتى تتداخل المصالح الشخصية مع القيم، وحينئذٍ يُرى هذا التداخل تضاربا وصداما وصراعا، فإما أن يؤول إلى توقف المصالح على عتبة القيم، باعتبار أن القيم هي الحدود التي ينبغي للمصالح ألا تقفز عليها، وبذلك تنتصر القيم في هذه الحالة، فيُكال في وجه صاحبه المديح، وإما في المقابل أن تنتصر المصالح الشخصية على حساب القيم، فينتج عنه انزياح قيمي لا يُرتضى من قِبَل الوعي الجمعي، فيُرمَى صاحبه بصنوف من الأحكام اللاذعة.

والسؤال الوجيه الصريح الذي يبرز هنا هو: هل هناك حقا صراع بين القيم والمصالح الشخصية؟ بحيث إنها تجبر المرء على أن يعيش حيرة في اتخاذ خياراته في المناطق التي تجتمع فيها إرادتا القيم والمصالح، وعليه؛ فهل لا بد من منتصر بينهما، فإما الغلبة للقيم، فتكون سمةً محمودة، وإما أن يكون النصر حليف المصالح، فتكون سمةً مذمومة؟

إن الإجابة البديهية في السردية السائدة هي أن هناك تضاربا لا محالة بين القيم والمصالح، وأن هذا الصراع المزعوم هو صراع حقيقي يبدأ حين تحاول المصالح أن تفضّ غشاء القيم وتعبر إلى مساحة محظورة، ولكن ماذا لو استصحبنا مركزية الذات في علاقتها بالقيم من ناحية، وصلتها بالمصالح من ناحية ثانية؟ ستظهر على الفور رؤية صادمة، وصادمة جدا، إذ تكون الذات هي المحور على الدوام أي من حيث ترسيم حدود كل منهما عند التلاقي، سواءً أكان الانزياح لصالح القيم أم كان يصبّ رأسًا في المصالح، فتخرج ذواتنا منتصرة في كلتا الحالتين؛ لسبب وجيه وهو أن هذا الانزياح الحاصل بين القيم والمصالح إنما يكون لتحقيق إرادة الذات العليا.

ولعل إجابتنا عن سؤال: ما الذي يحدد حدود القيم في منطقة المصالح؟ تُيسّر تفهّمنا لهذه اللفتة، إذْ إن المصالح متحركة، وليست حُكما قارًا ثابتا كما هو جليّ، ولكن ماذا عن القيم؟ هل هي حقا ثابتة؟ إن اعتبار القيم ثابتة بخلاف المصالح، يصوّر التداخل بين القيم والمصالح على أنه انزياح من تدفق المصالح المتحركة إلى مساحة القيم الثابتة، ومن هنا نشأ تصوّر الصراع، ولكن هل القيم حقا ثابتة غير متحركة؟

تحرُّك القيم وتغيُّرها المستمر واختلافها من زمن لآخر ومكان لآخر ومجتمع بشري لآخر يحيلنا إلى مفهوم نسبية الخير والشر والأخلاق والمبادئ كما أبان عنها نيتشه باستفاضة في كتابه: (ما وراء الخير والشر)، وإنْ كانت نسبية القيم تفرض عليها أنها متحركة، غير أن الذي يعنينا هنا هو الدافع المحرك لمفاهيم مرتبطة بها من قبيل الضرورات تبيح المحظورات، والغاية - بمعنى النهاية وليس الهدف - تبرر الوسيلة، وكأنّ هناك تجاوزا مقبولا بل ولازما لا بد أنّ يُصار إليه في بعض الحالات، ولكن ما هو المرتكز الأساس الذي  تقوم عليه مثل هذه الاستثناءات؟ إذا أمْعَنّا وأنْعَمْنا النظر فسنجد أنه الذات، فذواتنا هي بحق رُمَّانة القَبَّان في إقليم تتعاطى فيه القيم مع المصالح، ومن ثَمَّ فإن كُلّا من القيم والمصالح حدود متحركة، تنتصب الذات بينهما حاكما يزيح حدود ما يشاء حيثما يشاء بحسب ما يكفل حمايتها والإبقاء عليها إنْ معنويا وإنْ ماديا.

ومن هنا كان الصراع بين القيم والمصالح صراعا وهميا، والمسألة - كل المسألة - أنّ الذات تُوْلي صونها ومكاسبها أولوية على أي شيء آخر، وهذا لا يعني ديمومة طغيان المصالح على القيم فيما قد يُفهم من هذا الطرح، فالذات تتعامل مع القيم والمبادئ باعتبارها مُعبّرا أصيلا عن امتدادها، لا يقل شأوًا عن أي مكسب مادي أو مصلحة شخصية، بل يمكن أن يقال إن تحقيق قيمة أو مبدأ ما هو بحد ذاته مصلحة ذاتية تتجلّى الذات عبرها؛ ولذا كان الخوف من شعور العار لدى النبلاء قيمة عليا تنشدها الذات رغم إغراء المصالح وإغوائها، وإن شئت فسمّها تراتبية المصالح.

وبالحديث عن حاكمية الذات، وكون كلٍ من القيم والمصالح متحركة، فإنه من الطبيعي جدا أن تتباين الذوات في مرونة الانزياح بين حدود القيم وحدود المصالح، فما يعدّ هنا ذلا ومهانة قد يُرى هناك تكتيكا وبُعد نظر، وما يُعتبر هنا كرامة، قد يُنظر إليه هناك سوء تدبير ونظرة قاصرة، ومن تبعات هذا التفاوت مسألة الإيذاء بين الناس، إذ إنْ تحقيق مصلحة شخصية بما يعتقد أنه تجاوز لحدود القيم، ولكن بلا إيذاء للآخر، ليس هوَ هوَ حينما يكون على حساب الآخر، ومن هنا تنشأ الصراعات، ليس بسبب غلبة المصالح على القيم فيما يبدو، بل باختلاف الذوات في تقدير الحدود بينهما وتبرير الواحدة بالأخرى، على أنّ نظرة النسبية في القيم والمصالح لا تمنع حقنا من الحكم على فلان بالنخوة والشهامة وعلى آخر بالوضاعة والحقارة.

إن إظهار العلاقة بين القيم والمصالح على أنها تفاعل طبيعي وليس صراعا أو تجاوزا من متحرك على ثابت، لا ينبغي أن يُفهم منه التبرير لمفاسد تقوّض بنيان المجتمع، بل هو ردُّ الاعتبار إلى حاكمية الذات في منطقة القيم والمصالح، واستيعاب مبدأ التحرُّك في جوهر كل منهما، وأما إكراه الفردانية على قيم مجتمعية تُصَدَّر باعتبارها ثابتة، والمطالبة بجعلها سقفا تقصف رقبة كل مصلحة شخصية تَشْرَئِبّ، هو مطلب هزيل يخلق مجتمعا هشا، يضم أفرادا مخدَّرين في قوالب جامدة لا تعي حركة الحياة بدعوى ثبات القيم غير الثابتة أصلا، على أني أعبّر بكلمة (الحدود) حين الحديث عن العلاقة بين القيم والمصالح تجوُّزا، فلست أرى إلا احتياجا ذاتيا تلبيها قيمة من القيم أو مصلحة من المصالح باعتبارها كيانات متحركة باتجاه إرادة الذات، لا صراعا تتوه الذات بينهما، ويبقى لكل ذات طبيعتها نبيلة كانت أم خسيسة!

***

محمـــد سيـــف

في "دفاتر الحرب الغريبة"، اليوميات التي كتبها أثناء الحرب العالمية الثانية- ترجمها الى العربية عبد الوهاب الملوح - ، يخبرنا جان بول سارتر كيف أن إعادة قراءاته لأعمال الفيلسوف رينيه ديكارت كانت أحد ملاذاته من قسوة الحرب. كان سارتر مغرماً بديكارت عندما كان طالباً في المدرسة العليا، حيث اعتبر ديكارت "مفكراً تفجيرياً" و"ثائراً مزَّق وقطَّع وترك للآخرين مهمة تقطيب الأشياء وجمعها ثانية"، وقد كانت أفكار ديكارت دافعاً لسارتر وسيمون دي بوفوار على إعادة تعريف مفهوم الحرية والعقل، وكان نتاج هذه القراءات تقديم مشروع فلسفي جديد هو الوجودية التي وُصفت بأنها شكل جديد من العقلانية الفلسفية. من المعروف أن جان بول سارتر استمد وجوديته من قراءاته المعمقة لكتابات إدموند هوسرل في الفلسفة الظاهراتية –الفينومينولوجيا– ومعروف أن هوسرل كان أيضاً معجباً بديكارت وأصدر كتاباً بعنوان "تأملات ديكارتية.. مدخل إلى الظاهريات" –تُرجم الكتاب إلى العربية بترجمتين، الأولى للدكتورة نازلي إسماعيل حسين والثانية لتيسير شيخ الأرض– ونجد أن هوسرل استند على فكرتين أساسيتين من أفكار ديكارت؛ الأولى هي نقد كل ما يثير الشك، والثانية هي أن الذات أساس الحقيقة.

عام 1940 نشر سارتر مجموعة مختارة من أعمال ديكارت وقدم لها بدراسة أشاد فيها بصاحب عبارة "أنا أفكر، إذاً أنا موجود" على اعتبارها مؤسس مفهوم الإرادة الحرة والمخطط الأول للديمقراطية.

دارت أعمال سيمون دي بوفوار حول قضية العثور على أخلاق وجودية إيجابية "بعيداً عن عزاء الزيف والاستسلام" - نحو أخلاق وجودية – ترجمة جورج طرابيشي، ويُعتبر أول كتبها الفلسفية، تناولت فيه العديد من المسائل الفكرية والسياسية، وطرحت أسئلة من عينة: كيف يمكنني أن أرغب في أن أكون ما أنا عليه؟ كيف يمكنني أن أعيش حريتي المحدودة بشغف؟ هذه الأسئلة الوجودية ستؤدي إلى الأسئلة الأخلاقية والسياسية التالية: ما هي الأفعال التي تعبر عن حقيقة حالتنا؟ كيف يمكننا العمل بطريقة تخلق الظروف التي تدعم إنسانية البشر؟. والسؤال الأهم: ما هي علاقتي بالآخر؟ لتصل إلى نتيجة مفادها أن العالم يتشكل من خلال الخيارات البشرية، ومهما كانت هذه الخيارات، فأنا لي خياري المستقل، ولا يمكنني دعمه دون مساعدة الآخرين، والحقيقة الماثلة هي أن قيمي لن تجد لها مكانة في العالم إلا إذا احتضنها الآخرون، ويتم ذلك من خلال جعل قيمي قيمهم.

فيما أطلق كامو مقولته الشهيرة: "أنا أتمرد إذاً أنا موجود"، وإن: "الطريقة الوحيدة للتعامل مع عالم غير حر، هي أن تكون حراً لدرجة يصبح فيها وجودك بحد ذاته ثورة" - الإنسان المتمرد ترجمة نهاد رضا -

في المقابل وجد الشيوعيون الفرنسيون في ديكارت فيلسوفاً حمل راية العقلانية، وجاء في إحدى افتتاحيات جريدة "لومانيتيه" جريدة الحزب الشيوعي اليومية أن: "ديكارت دشن استقلالية الفكر البشري عن العقائد كلها" وأنه: "أحد أبرز ممثلي التقدم البشري" – سودير هزار، كيف يفكر الفرنسيون، ترجمة نانيس حسن – وفي واحدة من المسيرات التي قام بها الحزب الشيوعي لتخليد ذكرى شهدائه، رفع الشيوعيون صورة ديكارت إلى جانب روسو وفولتير وفيكتور هيجو وزولا، وبعد سنوات المقاومة أعلن الحزب الشيوعي أنه وريث تقليد الفكر الناصع الذي بدأ مع "مونتاني وديكارت". وفي منتصف الثلاثينيات أسس الحزب الشيوعي الفرنسي "حلقة ديكارت" وهي سلسلة محاضرات تهدف إلى تشجيع النقاش حول المسائل الفلسفية والعلمية والسياسية. وفي عام 1950 ومع الاحتفال بالذكرى الثلاثمائة لرحيل ديكارت، نظم الحزب الشيوعي معرضاً عن "ديكارت" في باريس ثم انتقل إلى المدن الفرنسية الأخرى، وفي عام 1955 طالب الشيوعيون بالاستمرار في دراسة ديكارت لأنه يساعد على تكوين مواطنين يعتنقون مبادئ الحرية والسلام.

وفي الكلمة التي ألقاها الزعيم الشيوعي الفرنسي "موريس توريز" في جامعة السوربون عام 1946 قال إن "ديكارت يعلمنا الأمل والثقة، والإيمان بالذكاء البشري، وجذب كل قوى العمل الظافرة، ألهمتنا فلسفته العمل وأخبرتنا أن بإمكاننا صنع مصائرنا" وأضاف: "إن العالم يحب فرنسا لأننا نقدر ديكارت".

بنى ديكارت صورة العقل الجديدة بعد أربع سنوات من إدانة غاليلو غاليلي، كان لابد أن يصبح العقل فاتحاً لعالم جديد، ولم يعد "العقل السليم مسؤولاً إلا أمام نفسه". كانت المعرفة في زمن ديكارت مزيجاً غريباً من الحقيقة والخيال، من الأسطورة والغيبيات والعقائد الدينية. في تلك السنوات وبالذات عام 1629 انتهى ديكارت من تأليف كتاب عن الظواهر الطبيعية بعنوان "العالم"، لكنه وهو يسعى لنشر الكتاب، كانت الكنيسة تحاكم غاليلو بسبب الفكرة نفسها عن الشمس والأرض. أدرك ديكارت أن طرقه الجديدة في البحث ربما تثير عليه نقمة رجال الدين، فقرر أن يعتزل الناس ويبحث في شؤون الفلسفة بعيداً عن عيون رجال الكنيسة: "ابتعد عن عيون الناس إذا أردت أن تحيا سعيداً".

بدأ ديكارت يطبق منهج الشك من خلال كتابه "التأملات" الذي كتبه عام 1639، حيث كان يعيش حياة شبه منعزلة، وفي هذا الكتاب يسجل يومياته على شكل تأملات بلغت ستة تأملات، ويخبرنا أن كل تأمل استغرق منه يوماً كاملاً. في خطاب يرسله إلى أحد أصدقائه يوضح ديكارت منهجه في الشك: "تخيل أن لديك مجموعة من التفاح تريد حفظها في سلة. إن الرجل الحكيم لابد أن يتأكد أن جميع التفاح سليم. إذ لو كانت إحدى التفاحات معطوبة، فسوف تفسد في النهاية جميع التفاحات الأخرى، ومن ثم فإن أي تفاحة يكون فيها أدنى شائبة، لابد من استبعادها بلا هوادة على أنها لا تصلح". وهذا هو بالضبط ما يفعله الشك الديكارتي. فديكارت يريد أن يخبرنا أن تفاحة المعرفة التي تبقى في نهاية العملية سوف تكون متميزة للغاية، وستكون من الشيء الحقيقي المضمون، وهو المعرفة التي لا يمكن الشك فيها. لقد عمل ديكارت على بناء فلسفته على أساس المنهج الذي وضعه: "أصبحت على يقين بأنه ينبغي أن أتخلص مرة وإلى الأبد من كل الآراء التي سلمت بها من قبل، وأن أبدأ البناء من جديد من الأساس إذا أردت أن أضع بناءً ثابتاً للفلسفة والعلوم".. ولما كان الشك في الأشياء تفكيراً، كان التفكير هو الحقيقة الوحيدة اليقينية الثابتة التي يمكن اتخاذها نقطة انطلاق في بناء هيكل المعرفة. يكتب ديكارت في التأملات: "أفترض إذاً أن كل الأشياء التي أراها كاذبة، وأميل إلى الاعتقاد أنه لا وجود لكل ما أتذكره، لأن ذاكرتي تخطئ، وأحسب أني خالٍ من الحواس، وأتصور أن الجسم والشكل والامتداد والحركة والمكان، إنما هي وهم من أوهام عقلي. فما عسى إذاً أن يكون صادقاً؟ لعل شيئاً واحداً لا غير صادق، وهو أنه لا وجود في العالم لشيء يقيني".

لقد كانت صياغة المنهج بالنسبة لديكارت خطوة أولية وأساسية، فقد كان يطمح إلى اكتشاف ما عساها أن تكون معرفة الأشياء الموجودة التي يمكن بلوغها باليقين، وكان يعتقد أن الكثير من المعلومات التي حصل عليها زائفة، ولم تكن لديه وسيلة لتمييزها، حتى وجد منهجاً خاصاً به، وعندما أصبح لديه منهج بادر باستخدامه في التأمل الأول من كتابه التأملات، حيث شرع في الشك في كل شيء يمكن الشك فيه، لكي يكتشف ما هو على يقين منه بصورة مطلقة، لأنه لا يستطيع أن يشك فيه بدون أن يفترض وجوده: "عزمت على اعتبار أن لا شيء دخل عقلي يوماً كان أكثر حقيقة من أوهام أحلامي. لكنني أدركت لفوري بعدها أنني حين قررت التفكير على ذلك النحو بأن كل شيء كان مزيفاً، إن ذلك استتبع بالضرورة أنني أنا الذي فكرت لا بد أن أكون شيئاً ما، وبملاحظة أن هذه الحقيقة، أنا أفكر إذاً أنا موجود، أكيدة وثابتة بحيث لا تستطيع أن تزعزعها أكثر افتراضات المتشككين تطرفاً، حكمت بأنني أستطيع قبولها دون أدنى شك باعتبارها المبدأ الأول للفلسفة التي أبحث عنها" – ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمد محمود الخضيري، وهناك ترجمة أخرى بعنوان "حديث الطريقة"، ترجمة عمر الشارني.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

مقاربة أنثروبولوجية تأويلية للعبور الديني والعلمي والاجتماعي في المدرسة الشبرية بالنجف

ليست المدرسة الدينية مكانًا يقيم فيه طالب العلم إلى جوار طالب علم آخر، ولا بناءً يضم غرفًا وقاعةً ومكتبةً وسردابًا، لأن اختزال المكان في مادته المعمارية يجعله يفقد أهم ما يختزنه من حياة، فالمدرسة، حين ننظر إليها بعين أنثروبولوجية لا تكتفي بوصف الجدران والأبواب والممرات، تتحول إلى فضاء تتقاطع فيه السير الإنسانية، وتلتقي فيه الجغرافيا بالمعرفة، والدين بالمجتمع، والذاكرة بالمستقبل، ويصبح الإنسان الذي يدخلها غير الإنسان الذي سيغادرها، حتى لو ظل جسده هو الجسد نفسه؛ إذ إن العبور الحقيقي لا يحدث حين ينتقل الجسد من باب إلى باب، وإنما حين تتغير شبكة المعاني التي يسكنها الإنسان ويُسكن فيها.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المدرسة الشبرية في النجف بوصفها «مكانًا عابرًا» أو، بصورة أدق، بوصفها ممرًا اجتماعيًا وثقافيًا وروحيًا، فالطالب الذي يأتي إليها لا ينتقل من غرفة إلى غرفة، وإنما ينتقل من عالم إلى عالم، يحمل معه اسمه الأول، ومدينته، ولهجته، وذاكرة أسرته، وعاداته، وتصوراته عن العلم والدين والمجتمع، ثم يدخل فضاءً جديدًا يعيد فيه ترتيب هذه العناصر جميعًا، فتتشكل أمامه هوية أخرى لا تلغي هويته الأولى بالضرورة، وإنما تعيد تركيبها داخل سياق أوسع.

وهنا تكمن أهمية المكان في فلسفة العبور: المكان ليس ما نعبر إليه فقط، بل ما يحدث العبور بواسطته.

فالنجف ليست في هذه القراءة مجرد مدينة تستقبل طالب العلم، والمدرسة ليست مجرد محطة سكنية داخلها، بل إنهما معًا يشكلان منظومة من الممرات التي ينتقل عبرها الإنسان من الانتماء المحلي إلى الانتماء العلمي، ومن التجربة الفردية إلى الجماعة، ومن المعرفة الموروثة إلى المعرفة التي يعاد إنتاجها في الدرس والحوار والمناقشة، ومن التدين الذي يحمله الإنسان من بيئته إلى تدين أكثر انتظامًا داخل مؤسسة لها تقاليدها وأعرافها وطقوسها وذاكرتها.

المكان الذي يعيد تشكيل الإنسان

إن أول عبور يحدث في المدرسة هو العبور من المكان الأول إلى المكان الثاني؛ فالطالب يأتي من قرية أو مدينة أو إقليم، وقد يكون قد عاش سنواته الأولى داخل فضاء اجتماعي يعرف فيه الناس بعضهم بعضًا، وتتشكل علاقاته وفق القرابة والجوار والانتماء المحلي، ثم يجد نفسه في النجف أمام فضاء أكثر اتساعًا، حيث يلتقي بأناس لا يعرفهم، وينتمي كل واحد منهم إلى تاريخ اجتماعي مختلف، ولكنهم يجتمعون تحت عنوان واحد هو طلب العلم.

وهذا اللقاء لا يبقى خارجيًا؛ فالاختلاط اليومي، والسكن المشترك، والدرس، والصلاة، والمجالس، والطعام، والحديث، والمناقشة، وحتى الاختلاف، كلها ممارسات صغيرة تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تقوم بعملية عميقة من إعادة تشكيل الفرد، إذ يتعلم الإنسان في المدرسة ليس فقط ما يوجد في الكتب، وإنما يتعلم كيف يعيش مع المختلف عنه، وكيف يسمع رأيًا آخر، وكيف يكتسب مكانته داخل جماعة علمية، وكيف يتحول من فرد جاء من مكان بعيد إلى عضو في مجتمع جديد. وبذلك يصبح السكن نفسه فعلًا من أفعال التعليم.

فالغرفة التي تبدو مساحة للنوم والراحة يمكن أن تكون مكانًا تتشكل فيه صداقة تستمر عقودًا، أو نقاشًا يفتح سؤالًا علميًا، أو حكاية تنتقل من طالب إلى آخر، أو تجربة شخصية تصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية للمدرسة؛ ولذلك فإن الأنثروبولوجيا لا تسأل فقط: أين ينام الطالب؟، وإنما تسأل: أي نوع من العلاقات ينتجه نومه إلى جوار الآخرين؟ وهنا يتحول المكان من هندسة إلى ثقافة.

العبور الديني: من الاعتقاد إلى الممارسة لكن المدرسة لا تقوم بتحويل الطالب اجتماعيًا فقط، وإنما تنقله من مستوى إلى آخر في علاقته بالدين، فالدين الذي يأتي به الطالب معه ليس بالضرورة دينًا جديدًا، لكنه يدخل في المدرسة إلى فضاء يصبح فيه الدين أكثر حضورًا في تنظيم الزمن والجسد والعلاقات.

الصلاة لها وقت، والدرس له وقت، والمجلس له وقت، والقراءة لها وقت، والمناسبات الدينية تعيد ترتيب الحياة، وبذلك لا يعود الزمن مجرد ساعات تمر، وإنما يصبح زمنًا دينيًا وعلميًا متداخلًا.

وهذه نقطة مهمة في فهم المكان الديني: المؤسسة لا تعلّم الإنسان ماذا يؤمن فقط، بل تعلّمه كيف يسكن إيمانه في الزمن والجسد والمجتمع.

فالطالب يتعلم أن المعرفة الدينية ليست نصوصًا مجردة، وإنما لها هيئة في الجلوس، وطريقة في الكلام، وآداب في الاستماع، وعلاقة بالأستاذ، وعلاقة بالكتاب، وعلاقة بالجماعة، وبذلك يصبح الجسد نفسه جزءًا من عملية التعلم الديني.

إن المدرسة هنا لا تنقل العقيدة كما تنقل المكتبة الكتب، بل تنتج نمطًا من الحياة يجعل المعرفة الدينية قابلة للسكن.

العبور العلمي: حين تصبح المعرفة علاقة ولعل أكثر ما يكشف عبور المدرسة هو أن العلم فيها لا ينتقل بالطريقة نفسها التي ينتقل بها كتاب من رف إلى رف، لأن المعرفة الحوزوية لا توجد في النص وحده، وإنما تتحرك بين الأشخاص، من الأستاذ إلى الطالب، ومن الطالب إلى زميله، ومن الكتاب إلى الدرس، ومن الدرس إلى المناقشة، ومن المناقشة إلى السؤال، ثم يعود السؤال إلى النص مرة أخرى. ولذلك تصبح المدرسة شبكة لحركة المعرفة.

المكتبة تمثل عبورًا بين الأزمنة، فالكتاب الذي وصل إلى النجف من زمن سابق يمكن أن يدخل في ذهن طالب يعيش في زمن آخر، فيصبح النص القديم عنصرًا في تكوين وعي جديد، بينما يمثل الأستاذ عبورًا بين جيلين، ويمثل الطالب نفسه احتمالًا لعبور المعرفة إلى جيل لم يولد بعد.

إن المدرسة بهذا المعنى لا تحفظ المعرفة فقط؛ إنها تمنحها أجسادًا وأصواتًا ومسارات جديدة.

فالكتاب الصامت لا يتحرك من تلقاء نفسه، وإنما يتحرك حين يقرأه إنسان، ويشرحه آخر، ويناقشه ثالث، ثم يخرج من المدرسة إلى مسجد أو منبر أو مجلس أو مدينة أخرى، وهناك يبدأ عبور جديد.

ومن هنا يمكن القول إن تاريخ المدرسة ليس تاريخ الذين درسوا فيها فقط، بل تاريخ المعارف التي خرجت منها.

العبور الاجتماعي: صناعة الجماعة من الغرباء

إذا كان الطالب يدخل المدرسة فردًا، فإنه لا يبقى فردًا بالمعنى نفسه، لأن المكان يصنع شبكة من العلاقات التي تتجاوز القرابة والمكان الأصلي.

قد يجلس إلى جوار طالب جاء من مدينة بعيدة، ويتناقشان في مسألة علمية، ثم يعيشان معًا سنوات، فينشأ بينهما نوع من الانتماء لا يقوم على الدم أو الأرض، وإنما على تجربة مشتركة.

وهنا تقوم المدرسة بعملية اجتماعية بالغة الأهمية: تحويل الغرباء إلى جماعة.

وهذه الجماعة ليست متجانسة تمامًا؛ بل إن قيمتها تكمن في أنها تجمع اختلافات كثيرة داخل إطار مشترك، ولهذا فإن المدرسة يمكن أن تكون مختبرًا مصغرًا للمجتمع: اختلاف في المناطق، واللهجات، والعادات، والشخصيات، والمستويات العلمية، ثم محاولة إنتاج لغة مشتركة تسمح لكل هؤلاء بالعيش والتعلم معًا.

إن المجتمع الحوزوي لا يتكون من الأفكار وحدها، وإنما يتكون من هؤلاء العابرين الذين يلتقون في الأمكنة، ويصنعون من لقاءاتهم شبكات اجتماعية تتجاوز حدود المكان.

المكتبة: ممر بين الموتى والأحياء، وللمكتبة في هذا المكان دلالة تتجاوز وظيفتها المباشرة، فهي ليست مخزنًا للكتب، وإنما أحد أكثر أجزاء المدرسة قدرة على كشف مفهوم العبور. فالكتاب هو أثر إنسان غائب يعبر إلى إنسان حاضر.

المؤلف الذي مات منذ قرون يمكن أن يجلس، بصورة مجازية، إلى جانب طالب شاب في النجف، والنص الذي كتب في زمن مختلف يدخل عقلًا يعيش في زمن آخر، ثم يتحول من حبر على الورق إلى سؤال جديد. بهذا المعنى تصبح المكتبة مكانًا تلتقي فيه الأزمنة.

فالمدرسة لا تستقبل الأشخاص القادمين من الجغرافيا المختلفة فحسب، وإنما تستقبل أيضًا أفكارًا جاءت من أزمنة مختلفة، وتضعها في مواجهة عقول جديدة، فتتكون من هذا اللقاء حركة مستمرة بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا هو أحد أعمق أشكال العبور: أن يعبر الغائب إلى الحاضر من خلال أثره.

السرداب وما تحت المكان حتى العناصر المعمارية التي قد تبدو ثانوية يمكن أن تكتسب معنى تأويليًا؛ فالسرداب، مثلًا، ليس مجرد مساحة تحت الأرض، وإنما يمكن أن يصبح في القراءة الرمزية صورة لما تحتفظ به المؤسسة من ذاكرة غير مرئية.

فالمكان الذي نراه ليس كل المكان. هناك طبقات تحت السطح، كما توجد في الجماعة طبقات من الذكريات والحكايات والعلاقات والتجارب التي لا تظهر في السجل الرسمي، لكنها تستمر في الذاكرة الشفوية لمن عاشوا المكان.

ومن هنا فإن أركيولوجيا المدرسة لا ينبغي أن تكتفي بالحفر في الأرض، وإنما عليها أن تحفر في ذاكرة المكان. من جلس هنا؟ من غادر؟  من أصبح عالمًا؟ من عاد إلى مدينته؟ من حمل معه صداقة؟ من حمل سؤالًا؟ ومن حمل جرحًا أو خيبة أو حلمًا لم يتحقق؟

هذه الأسئلة تجعل المدرسة سجلًا حيًا لا تستطيع الوثيقة الرسمية وحدها أن تستنفده. المكان الذي لا يغادره العابرون لكن المفارقة الأجمل أن العابر يغادر المكان، بينما لا يغادر المكان بالضرورة العابر.

فالطالب الذي أمضى سنوات في المدرسة قد يغادر النجف، وقد يذهب إلى مدينة أخرى، وقد يصبح مدرسًا أو خطيبًا أو عالمًا أو شخصية اجتماعية، لكن شيئًا من المدرسة يبقى فيه: طريقة في الكلام، هيئة في التفكير، ذاكرة لأستاذ، اسم لزميل، كتاب قرأه، مجلس حضره، موقف عاشه.

وهكذا تنتقل المدرسة مع الخارجين منها. إن حدودها الحقيقية ليست الجدران، لأن كل طالب يغادرها يمكن أن يصبح امتدادًا جغرافيًا وثقافيًا لها، وبذلك تنتشر المدرسة في المدن التي ذهب إليها طلابها، وفي المجالس التي جلسوا فيها، وفي الكتب التي كتبوها، وفي الدروس التي ألقوها، وفي العلاقات التي حملوها معهم.

وهنا تظهر قاعدة أساسية في فلسفة العبور: المكان لا يقاس فقط بمن يدخل إليه، وإنما بما يخرج منه. من المدرسة إلى فلسفة العبور بهذا المنظور تصبح المدرسة الشبرية نموذجًا صغيرًا يمكن من خلاله فهم ظاهرة أكبر: كيف تعمل المؤسسات الدينية والعلمية على تحويل الإنسان عبر المكان.

فالعبور فيها ليس حركة واحدة، وإنما سلسلة من التحولات المتداخلة: من المكان إلى المكان، ومن الغريب إلى الجماعة، ومن الموروث إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الممارسة، ومن الفرد إلى الدور الاجتماعي،  ومن الطالب إلى العالم المحتمل، ومن الكتاب إلى الوعي، ومن الماضي إلى المستقبل. ولهذا فإن المدرسة، في معناها العميق، ليست مؤسسة تستقبل طلابًا، بل مؤسسة تستقبل حالات إنسانية وتعيد إرسالها في صور جديدة.

وإذا كان المكان في النظريات التقليدية يُفهم باعتباره حيزًا ثابتًا تتحرك داخله الأشياء، فإن فلسفة العبور تقترح النظر إليه باعتباره قوةً تنتج الحركة ذاتها؛ فالمكان قد يدفع الإنسان إلى تغيير مساره، ويمنحه لغة جديدة، وعلاقات جديدة، وذاكرة جديدة، وربما مستقبلًا لم يكن ممكنًا في المكان الذي جاء منه.

من هنا يمكن قراءة المدرسة الشبرية لا بوصفها أثرًا من آثار الحوزة النجفية فحسب، وإنما بوصفها مختبرًا تاريخيًا لتحويل الإنسان؛ مكانًا يعبر فيه الجسد من مدينة إلى مدينة، والعقل من سؤال إلى سؤال، والطالب من مرحلة إلى مرحلة، والجماعة من جيل إلى جيل، والنص من زمن إلى زمن.

وفي النهاية، لعل أفضل تعريف للمدرسة في هذه المقاربة أن نقول: المدرسة ليست مكانًا يسكنه العابرون، بل مكانٌ يصنع من عبورهم معنى. فالذي يدخلها لا يترك خلفه المكان الأول بالكامل، والذي يغادرها لا يحمل معه المكان الثاني بالكامل، وإنما يحدث بين المكانين شيء ثالث هو الإنسان الذي أعيد تشكيله في المسافة بينهما؛ ولهذا فإن المدرسة الشبرية، مثل النجف نفسها، يمكن أن تُقرأ بوصفها ممرًا لا محطة، وحركة لا سكونًا، وذاكرة لا جدارًا، وآليةً لتحويل العابر إلى حاملٍ لما عبر إليه، ثم إلى وسيلةٍ لعبور ذلك كله إلى آخرين لم يدخلوا المكان أصلًا.

وهنا تبلغ فلسفة العبور إحدى نتائجها الأكثر أهمية: إن الحضارات والمؤسسات لا تستمر لأنها تحفظ ما لديها فقط، وإنما لأنها تستطيع أن تجعل ما لديها قابلًا للعبور.

***

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

 

هل نجحت المدرسة في مشروعها التربوي ام أخفقت حين فقدت الانسان؟

فرش اشكالي: بعد أن فقد الخطاب الديني قدرته على مواجهة الواقع المتأزم، متأرجحا بين الوعد والوعيد، وبعد أن انهارت المشاريع السياسية الكبرى في عصر اليتم السياسي، بقي مجال واحد ما زلنا نلقي فيه آمالنا، مجال التربية والتعليم. هذا ما يسميه ميشيل إلتشانينوف اليوتوبيا الأخيرة لم نعد ننتظر الخلاص من السماء ولا من الثورة، فصرنا ننتظره من المدرسة.

غير أن القرن الحادي والعشرين لم يكتفِ بالحلم بهذه اليوتوبيا؛ بل سعى إلى تحقيقها على نطاق لم يعرفه التاريخ. بحسب تقرير اليونسكو لرصد التعليم (2026)، بلغ عدد الملتحقين بالتعليم الابتدائي والثانوي نحو 1,4 مليار تلميذ سنة 2024، بزيادة تقارب 30٪ منذ سنة 2000. أما التعليم العالي فقد تجاوز ربع مليار طالب في العالم، وفي الجزائر وحدها تخطّى عدد الطلبة مليوناً ونصف المليون. هكذا انتقل التعليم من امتياز للنخبة إلى حق كوني معلن في المواثيق الدولية. لكن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة نجاح المدرسة وهنا نتساءل .

هل نجحت المدرسة في بناء الإنسان الفاضل، الحر، المسؤول، قياسا بتوسعها الإحصائي؟

وهل ما زال قطاع التربية والتعليم قادراً على التحسين الأخلاقي، أم أنه اكتفى بإنتاج الشهادات والمراتب التعليمية ؟

وما الذي فعله توسع المدرسة فعلياً بوعد الأديان السماوية — تزكية النفس — وبوعد فلسفة الأنوار في أوروبا — إخراج الإنسان من قصوره؟

ولماذا يعيد كل جيل اكتشاف الفجوة نفسها: خطاب احتفالي حماسي عند كل دخول مدرسي وواقع متأزم يتغذى كورم سرطاني على هاجس الامتحان وسوق الدرس الخصوصي؟

من فلسفة الانوار الى عولمة التعليم

في اليونان كانت الـ paideia ترفع الفرد نحو ثقافة تجعله مواطناً فاضلاً قادراً على المشاركة في الشأن العام. لم تكن درساً خاصاً ولا تدريباً مهنياً؛ كانت تشكيلاً للإنسان بوصفه عضواً في مدينة. هذا المشروع لم ينقطع بانهيار أثينا؛ بل وجد له مسارًا آخر حين استوعبته الحضارة الإسلامية وأعادت صياغته ضمن أفق معرفي جديد. فمنذ الخلافة الأموية، ثم بصورة أوسع في العصر العباسي، لم يكتفِ المسلمون بترجمة أرسطو وأفلاطون وجالينوس وبطليموس إلى العربية، بل مثلوا ما يُمكن تسميته أول مشروع عالمي فعلي لجمع المعرفة الإنسانية وتصنيفها: قسمت العلوم إلى علوم إسلامية (القرآن والحديث وتفسيرهما)، وعلوم فلسفية وطبيعية (الإرث اليوناني)، وفنون أدبية ، تصنيف يعكس وعيا مبكرا بأن التربية لا تكتمل بمعرفة واحدة، بل بتوازن بين النص المؤسس والعقل الناقد والذوق الجمالي.

تجسد هذا المشروع مؤسسيا في تدرج فريد: من حلقة المسجد، حيث يجلس المعلم على منصة والتلاميذ من حوله في نصف دائرة يتدرجون في القرب منه بحسب تقدمهم المعرفي، إلى الكتاب الذي يحفظ الصغار القرآن ومبادئ القراءة والحساب، وصولًا إلى المدرسة تلك المؤسسة التي ولدت من رحم المسجد في القرن الحادي عشر (مدرسة نظام الملك ببغداد عام 1058 أشهرها)، فجمعت بين وقف يكفل المعلمين والمتعلمين معا، ليصبح التعليم فيها حقا مؤسسيا لا مجرد مبادرة فردية. من هذه الحلقات والمدارس خرج الخوارزمي بجداوله الفلكية وأرقامه التي غيّرت وجه الرياضيات، وابن سينا والفارابي والغزالي الذين حوّلوا بيوتهم نفسها إلى حلقات علمية، وعلماء الطب الذين أسسوا المستشفيات بنظام المتدربين، واكتشفوا أسباب الأمراض وطوّروا التخدير الجراحي.

لكن هذا العصر الذهبي — بين 800 و1000 ميلاديا تقريبًا لم يخل من إرهاصات الانحراف الذي سنعود إليه لاحقًا في سياقنا المعاصر: فبعد القرن الحادي عشر، بدأت المصالح الطائفية تهيمن تدريجيًا على التعليم العالي، وتراجعت مكانة العلوم اليونانية والفنون الأدبية لصالح نظام أكثر انغلاقًا، أقل تسامحًا مع الابتكار العلمي والموضوعات الدنيوية. أي أن المؤسسة التي وُلدت لتحرير العقل بدأت، حين تصلّبت غاياتها وتسيست، تنغلق على نفسها وهو نمط سنراه يتكرر بصيغ مختلفة عبر تاريخ التربية كله.

كانت هذه الترجمات والإضافات الإسلامية هي التي أعادت، عبر الأندلس وصقلية، إشعال الجذوة الأوروبية في القرن الثاني عشر، ومهدت قبل قرون من كانط الطريق لتلك الصحوة الفكرية التي سيتوّجها لاحقًا عصر الأنوار.

في عصر الأنوار صاغ كانط مهمة التربية بوضوح: إخراج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه بنفسه، فالتربية بهذا المعنى مشروع كوني هدفه أن يصير الشعب كله قادرًا على التفكير بنفسه.

الإحصاءات التاريخية تُغري بالتفاؤل، وتوحي بأن المدرسة قد حققت ما وعدت به: انخفاض العنف على المدى الطويل، تضاعف الملتحقين بالتعليم العالي، ارتباط القراءة باتساع أفق الوعي. كأن برنامج الأنوار يتحقق بالأرقام. لكن روسو، في قلب الأنوار نفسه، فجّر الشك: التربية قد تصير ذريعة للبرود بدل أن تنمّي التعاطف مع معاناة الآخر. الثقافة قد تعلمنا أن نفهم الألم فلا نتحرك. والتاريخ صدق شكه: جودة التعليم الألماني ورفعة الثقافة لم تمنعا النازية. أدورنو وهوركايمر رأيا في التنوير نفسه إمكانية بربرية جديدة، حين ينفصل العقل الأداتي عن الغاية الأخلاقية فيتقن التنظيم ولا يعصم من الجريمة. العقل الذي كان وسيلة للرشد يصير أداة سيطرة.

هذا التناقض بين وعد اليوتوبيا وواقع البربرية المتعلمة لا يفسر بالخيانة الفردية ولا بالحادثة العابرة. لفهمه لا بد من مغادرة الفلسفة الأخلاقية المجردة إلى بنية المؤسسة: من يقرر ما تعلمه المدرسة، ولمن، ولأي غاية؟ هنا يبدأ علم اجتماع التربية، وهنا أيضاً تبدأ قصة أخرى: كيف انقلبت كونية الأنوار الأخلاقية إلى عولمة للشكل المدرسي.

حين ننظر إلى النظريات الكبرى التي فسّرت توسّع المدرسة الحديثة، نجد أربع أطروحات متنازعة يخفيها مصطلح التربية والتعليم.

دوركهايم يردّد أن هدف التعليم خلق كائن اجتماعي. المدرسة طقس دمج بعد تفتت التصنيع والعلمنة: تاريخ مشترك، انضباط، تقديم الاجتماعي على الفردي. الأخلاق الوضعية أخلاق جماعة.

ماركس وفيبر، في المقابل، يريان في التعليم العمومي شكلاً من السيطرة الأيديولوجية يعيد إنتاج تقسيم العمل. المؤهل رأس مال ثقافي يحفظ الوضع الراهن ويمنح حراكاً محدوداً لمختارين. المدرسة لا تلغي الصراع؛ تُنظّمه وتُشرعنه عبر الامتحان والشهادة.

ديوي يرفض أن تكون الغاية الدولة أو الطبقة: التربية نمو شامل مربوط بالتجربة لا بالتجريد، وبالتفكير النقدي لا بالحفظ. ثم يحذّر من تبسيط أفكاره: النمو بلا مقاومة فكرية منظَّمة يتحول تسلية فارغة.

أما شولتز ونظرية رأس المال البشري فتغلق الدائرة على صيغة هي اليوم أشد نفوذاً في السياسات: التعليم استثمار يرفع الإنتاجية والتنافسية. الإنسان مورد. القيمة الأخلاقية عرضية لا جوهرية.

هذه النظريات تفسّر ارتباكنا اليومي. الخطاب الرسمي يخلط الأربع: اندماج بلسان دوركهايم، حقوق بلسان المواثيق، جودة ومردودية بلسان السوق، طفل في المركز بلسان ديوي. الممارسة محسومة: ما يُقاس يُموَّل، وما يُموَّل هو القابل للتحويل إلى شهادة وقابلية تشغيل. الصدق والشجاعة والوفاء أحاديث صباح تُنسى مساءً.

والأخطر أن التوسع الكمي الهائل الذي عرفه القرن الحادي والعشرين لم يُخفف من حدة هذا التنازع، بل ضاعفها: فكلما تعولمت المدرسة، ارتفع سقف الاعتماد على الشهادة، فصار الابتدائي غير كافٍ، ثم الثانوي، ثم الجامعي، ثم الماجستير الذي بات اليوم فيما يُشبه "ابتدائية جديدة" في سوق عمل متعولم لا يعترف إلا بالورقة. هذه الظاهرة، التي وصفها علماء الاجتماع بـ"التضخم الشهائدي" (credential inflation)، ليست عارضًا تقنيًا يُصلح بمزيد من التعليم، بل نتيجة منطقية لتحول المدرسة من مؤسسة تكوين إلى سوق رمزية: كلما تزايد عدد حاملي الشهادة الواحدة، تراجعت قيمتها التبادلية، فاضطر الأفراد إلى تحصيل شهادة أعلى لمجرد الحفاظ على الموقع النسبي الذي كانت تضمنه شهادة أدنى قبل عقد أو عقدين. إنه سباق تسلح رمزي لا ينتهي، يُنتج مفارقة صادمة: كل فرد يركض أسرع، لكن المسافة النسبية بين المتسابقين لا تتغير — بل ثمة من يُقصى تمامًا من السباق لأنه لا يملك الوقود المالي أو الثقافي لمواصلته.

والعولمة هنا ليست مجرد سياق اقتصادي خارجي يفرض شروطه على المدرسة من بعيد؛ إنها، كما يذهب بعض الباحثين، تتحول إلى "روح" تسكن التربية والتعليم من الداخل، فتُعيد صياغة أركانه المركزية: نسق القيم، وصورة الإنسان المطلوب تخريجه، وجملة الأهداف التي يُراد للمدرسة أن تحققها. الجامعات التي نشأت أصلًا لمناهضة الجهل والظلم وخدمة الحقيقة، تجد نفسها اليوم، في كثير من الأحيان، مُطالَبة بتبرير المنطق الاقتصادي العولمي الذي أنتج أزماتها بدل أن تُسائله: تُقاس بمؤشرات التصنيف العالمي (Ranking)، وتتنافس على "قابلية التوظيف" (Employability) كمعيار وحيد للنجاح، وتُعيد هندسة تخصصاتها وفق طلب سوق عابر للحدود لا وفق حاجة مجتمعية أو أفق معرفي.

واختبارات عالم الاجتماع كريستوفر هيرن حاسمة هنا: التعليم أصبح فعلًا العامل الأقوى في تحديد الوضع المهني للأفراد، متجاوزًا في قوته التفسيرية حتى الأصل الطبقي المباشر للأسرة — وهذه بشرى ظاهرها التفاؤل. لكن الشرط الخفي في اختبارات هيرن هو الأخطر: فبينما تنبأ بأن ارتباط الخلفية الاجتماعية للأسرة بنجاح الأبناء الدراسي سيتراجع تدريجيًا مع تقدم الديمقراطية التعليمية، أظهرت الأدلة التجريبية عبر عقود متتالية أن هذا الارتباط لم يتراجع، بل ازداد في كثير من السياقات. أي أن المدرسة، حتى وهي تتعولم وتتوسع وتُصبح "حقًا للجميع" في الخطاب الرسمي، لا تكسر بالضرورة حلقة إعادة الإنتاج الطبقي؛ بل قد تُعيد صياغتها بلغة أكثر مراوغة، تُخفي الامتياز القديم تحت غطاء "الاستحقاق" الفردي المحايد ظاهريًا — الشهادة صارت الوسيط الجديد الذي يُشرعن، لا الذي يُلغي، الفوارق التي كانت من قبل تُقال بصراحة أكبر.

ازمة الامتحان وافيون الدرس الخصوصي

حين يصير الامتحان أفق الحياة كلها لا لحظة ضمن مسار، بل غاية تنظم السنة الدراسية تنازلياً نحوها يتحول من تمرين للإرادة إلى ما وصفه فيبر بالضبط الى أداة فرز تترجم رأس المال الثقافي إلى موقع اجتماعي والإحصاءات العالمية تصدق هذا حيث انه كلما اغتنت الدول ومدت الإلزام، وضعت امتحانات انتقائية صارمة عند العتبات العليا. وإذا كان الامتحان لحظة الفرز، فالدرس الخصوصي هو اللحظة التي يُشترى فيها الموقع في هذا الفرز نقداً. يتجلى فيبر حرفياً: المؤهل الذي يُفترض أنه معيار موحّد عادل يعود فيصير سلعة تتفاوت بتفاوت الثروة. والمدرسة النهارية المجانية تفرغ من وظيفتها، والدرس الخصوصي المدفوع يصير المدرسة الفعلية. والأستاذ نفسه ينقسم الى أجير دولة في الصباح، وبائع معرفة في المساء.

هنا يمكن العودة الى آلان، دافع عن الامتحان فهو يرى ان أعمال التلميذ امتحانات للطبع؛ والامتحانات تمارين على الإرادة؛ ومن هذه الجهة هي جميلة وخيرة، الامتحان عنده لقاء بالضرورة: حيث لا يُراوغ المرء أمام الضرورة. لكن واقع الامتحان عكسيا: فهو يُراوغ بالصيغ الجاهزة، والتلميذ يُهدّئ بالملخص، ويشتري الاطمئنان. وهنا مارك براي يسمي الدرس الخصوصي تعليماً ظلياً فهو يحاكي المقرر، يكبر بكبره، وينتشر حيثما صارت الشهادة مصيراً. الظل ليس دعماً بيداغوجياً؛ هو خصخصة للعلاقة التربوية. تموت دفعة واحدة حيث المعرفة أضحت موروثا يُشترى، والتلميذ زبون، و كل عقبة لها سعر.

محمود يعقوبي ينتقد انزلاق ديمقراطية التعليم، حيث التسوية في الحق انحدرت إلى تسوية في الاستحقاق، فأُهملت الفروق، وصار «النجاح للجميع». تشارلز ليدبيتر يصوغ المفارقة الكونية التي صارت محلية جداً: الإسراف في التعليم يقتل الرغبة في التعلم.

الخيانة تبدأ حين نخلط التعميم بالتكوين، والجودة بالمؤشر، والتربية بالقابلية للتشغيل. الامتحان يمكن أن يكون لقاء بالضرورة إذا بقي وسيلة داخل ثقافة العقل؛ يصير فساداً حين يصير عملة الاعتراف الوحيدة. الدرس الخصوصي ليس حرص أسرة؛ هو هدم للعلاقة التي كانت الحلقة تقوم عليها: قربٌ من الشيخ بقدر التقدّم، لا بقدر الثمن. عبد الرزاق بلعقروز يحفر تحت الأنقاض أربعة جذور، لا جذراً واحداً.

الجذر الحداثي: استوردنا المؤسسة دون روحها، حيث أخذنا القاعة والمقعد والامتحان، وتركنا وراءنا السؤال الذي ولدها، أي إنسانية نريد؟ فصارت المدرسة هيكلاً بلا سؤال.

الجذر التاريخي-الاستعماري: لم يكن مقصد المستعمر نهب الثروة فحسب؛ بل إضعاف الروح الثقافية التي منها التماسك والخصوصية، مدرسة صُممت لتخرج كتبة تابعين، لا عقولاً حرة. هذا الجرح لم يُطبَّب؛ فقط اختلف اسم الطبيب.

الجذر الذاتي: خمود الطاقة الإبداعية حين تتعطل "قوة الروح التي تدفع العقل إلى الاستنهاض". وبلعقروز يضع إصبعه على الجرح النازف: الأستاذ الجامعي نفسه ابن الازدواجية، لا يرى في المعرفة إلا "كتلة معلومات تُقدَّم ليُمتحن عليها فيما بعد"، والمعلّم هنا ليس بريئاً من المرض الذي يشخّصه، هو أحد أعراضه.

الجذر العولمي: ليس سياقاً خارجياً، بل روح تسكن التربية من الداخل. الجامعة التي وُلدت لمناهضة الجهل تجد نفسها اليوم تُبرر أزمات اقتصاد لم تختره، تُقاس بالترتيب، تتنافس على قابلية التشغيل، تهندس تخصصاتها بحسب طلب سوق لا حاجة مجتمع.

خاتمة

القرن الحادي والعشرين وسع المدرسة حتى صارت أفق الحياة، فحقق رقمياً جزءاً من وعد الأنوار. لكنه لم يحسم التنازع بين دوركهايم وماركس، فيبر وديوي وشولتز نقله إلى الداخل، حيث يدار يومياً بامتحان يتحول من تمرين إرادة إلى سلعة، وظل تعليمي يبيع ما كان يفترض أن يكون حقاً مجانياً. وفي سياقنا تحديداً يتضاعف الجرح بجذور أربعة لم تشف بعد.

يبقى السؤال معلّقاً في كل قاعة امتحان وكل درس ظلّي: أي إنسان نُخرجه من هذا كله؟ أم أننا، كما خشي ليدبيتر، أسرفنا حتى قتلنا الرغبة ذاتها في أن نسأل؟.

***

عمرون علي

.........................

الهوامش

1- ميشيل إلتشانينوف، «Notre dernière utopie»، Philosophie Magazine، العدد 122، سبتمبر 2018، ص. 42–45 (ملفL’éducation nous rend-elle meilleurs ?

2 - الرقم المتداول: نحو 1,4 مليار ملتحق بالتعليم الابتدائي والثانوي سنة 2024، بزيادة تقارب 30٪ منذ 2000. وما يزال نحو 273 مليوناً خارج المدرسة. التعليم العالي عالمياً: في حدود 235–269 مليوناً حسب تقديرات اليونسكو الحديثة.

3 - وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (الجزائر)، معطيات 2024/2025: نحو 1 530 230 طالباً. بعض التقديرات الصحفية للدخول الجامعي 2025/2026 ترفع الرقم إلى حوالي 1,8 مليون.

4- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، المادة 26؛ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، المادة 13.

5- انخفاض العنف على المدى الطويل: الحجة الإحصائية الأشهر عند ستيفن بينكر، The Better Angels of Our Nature (2011)؛ استثمرها إلتشانينوف في المقال المذكور.

6- كارل ماركس وف. إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، البيان الشيوعي

7- رأس المال الثقافي: بيير بورديو وجان-كلود باسرون، 1970

8- التصنيف العالمي وقابلية التوظيف: تقارير OECD وخطاب البنك الدولي عن رأس المال البشري، ومنطق PISA بوصفه معياراً كونياً للجودة.

9- آلان (إميل شارتييه)، Propos sur l’éducation (1932)، PUF. الامتحان بوصفه تمرين إرادة؛

10- محمود يعقوبي، «انزلاقات ديمقراطية التعليم في الجزائر»، 2011 نشرة محكمة؛ انظر ASJP).

11- تشارلز ليدبيتر Charles Leadbeater، منظّر الابتكار التربوي، يتداول عنه أن هدف التعليم تطوير ملكات — منها مواصلة التعلم — وأن الإسراف في التعليم يقتل الرغبة فيه.

 

تَعَرَّضنا في المقالةِ السابقةِ لملابساتِ ظهور الفيلمِ وعرْضِهِ، وتحليل الجدلِ الذي دارَ حوله، وفي هذه المقالةِ، نتناولُ جوهرَ ما وردَ في الفيلم، وما ينطوي عليه من مضمون.

إن جزئيات الفيلمِ المطروحة داخله متعددة لو تتبعنا كلَّ جزئيةٍ على وجه التفصيل، غير أنني أريدُ تناولَ جوهر الرسالة التي كانت من الأهداف الرئيسة للفيلم، ألا وهي: فكرة تقبُّلِ المُلْحِدِ والتعايش معه، كما أقرَّ بذلك مؤلِّفُ الفيلمِ نفسه (١).

الفيلمُ يبدأ بحدثٍ درامي، حينما يأتي الشابُّ المُلحد (والذي يعيشُ في أسرة يمثلُ والدُه الركن المنغلق المتزمت فيها) ليرفضَ زواجَ أخته القاصر، الذي كان على وشْكِ الإتمام، ثم يُعلن بعد ذلك أنه «كَفَرَ»، وكانت هذه صدمةٌ لوالده المنغلق، حيث كان هذا الشاب يعيشُ في البيتِ مع والده وهو مُلحد، ولكنه يخفي إلحادَهُ عن والده، ولكن أتت اللحظةُ التي اعترفَ فيها بذلك، كما ذكَرنا.

- حَدُّ الرِّدَّةِ:

بمجرد إعلان الشاب عن إلحاده؛ شَرَعَ والدُه في عَقْدِ جلسات استتابة له، للعودة عن هذا الإلحاد، وإلا كان مصيره القتْل! وهنا أضعُ يدي على نقطةٍ رئيسةٍ، أريدُ مناقشتَها في هذا الصدد، وهي: تتبع النص القرآني المُقدَّس -أولًا- لنلتمسَ فيه وجود حدٍّ للردة مِن عدمه.

بدايةً، فإنه لا توجَد آيةٌ واحدةٌ مِن القرآن تتحدثُ عن قتْل المرتد؛ بل على النقيضِ من ذلك، توجد بعضُ الآياتِ التي تؤكد نفْي أي وجود لحدٍّ على مَن يرتد عن دينه، وأسوقُ هذه الآيات على النحو التالي:

في قوله تعالى: «إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزۡدَادُوا۟ كُفۡرࣰا لَّمۡ یَكُنِ ٱللَّهُ لِیَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِیَهۡدِیَهُمۡ سَبِیلَۢا». [سورة النساء، الآية: ٣٧]. دليلٌ واضحٌ على إمكانية تكرر تَرْكِ الدينِ دون الإشارةِ إلى أيَّةِ حدود على ذلك الفعل، فمعنى هذه الآية: «أن الذين "تكررَ" منهم الارتداد، وعُهِدَ منهم ازديادُ الكفر والإصرار عليه؛ يُستبعَد منهم أن يُحدِثوا ما يستحقون به المغفرة...وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تَّكْرارِ الرِّدَّةِ، ونصحتْ توبتُهم لم يُقبل منهم ولم يُغفر لهم» (٢).

فالزمخشريُّ، في نصه السابق، يشيرُ إلى إمكانية «تكرُّر» الارتداد، كما وضعتُها بين قوسيْن في النص المُقتبَسِ، حين قال: إن الذين «تكررَ» منهم الارتداد، وهذه دلالةٌ واضحةٌ على عدم وجود حد للردة، لأنه إن كان موجودًا؛ لَمَا كان هناك إمكانية من الأساس لتَكْرارِ الارتداد؛ إذ بمجرد أن يرتد سيتم قتْلُه.

كما أن الآية بنفسها واضحةٌ دون التفافات، إذ تقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا، وأنا أسألُ: كيف سيتحقق الإيمانُ ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر، ثم الازدياد في الكفرِ لو كان هناك حد للردة؟ الآية تشيرُ بقوةٍ إلى إمكانية حدوث الإيمان ثم الارتداد أكثر من مرة، ثم لا تُخْتم بأية إشارة إلى حد ردة على هذا الارتداد، وإنما تُختم بقوله تعالى: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا. هذه هي العقوبة، ولا إشارة بالمرة إلى عقوبة بالحد، بل على النقيض من ذلك، نجد الزمخشري يشيرُ، كما في الاقتباس السابقِ له، إلى أنه ليس المراد أن الله أغلقَ في وجوههم بابَ التوبة، أي رغم كل هذا الارتداد، إلا أن الله لو وجدَ فيهم مَن تَحسُن توبته، لقَبِلَها.

 وهناك آيةٌ أخرى، يقول تعالى: «وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِرࣱ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ». [سورة البقرة، مِن الآية: ٢١٧]. فتَذْكُرُ الآيةُ حالَ الارتداد، ثم تقول: «فَيَمُتْ وهو كافرٌ»، ولم تَقُلْ: «يُقْتَل»، وهناك فارق بين الموت والقتْل، كما نصَّ الباري على ذلك في قوله تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡۚ». [سورة آل عمران، مِن الآية: ١٤٧]. فتُفرِّقُ الآيةُ بين الموت والقتل؛ وعلى ذلك تُصبح الآية التي تقول: «ومَن يرتدد منكم عن دينه فَيَمُتْ وهو كافرٌ»، دليلًا على انتقاءِ حد الردة تمامًا من آيات القرآن الكريم، وأن هذه الآيات تشيرُ إلى عقوبات أخروية فقط، بينما يبقى هذا المرتد في مجتمعه له حرية الإيمان أو نقيضه، كما كَفَلَها له الباري عزل وجل، بقوله: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ إِنَّاۤ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِینَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ». [سورة الكهف، مِن الآية: ٢٩]. فدلالة الآية تَسند إلى العبد مشيئةَ اختياره للكفر أو الإيمان، ثم تأتي العقوبة بعد هذه الكلمة بقوله تعالى: «إنَّا أعتدنا للظالمين نارًا»، أي نسبَ العقوبة لنفسه، يقوم بها في حق مَن يكفرُ بها عن عناد واستكبار بعد تيقنه من الحق.

وبعد تتبُّع هذه الآيات؛ يتبيَّنُ عدم وجود أي حد للردة في آيات القرآن الكريم، وإنما الذي يوجد على النقيض من ذلك؛ ينفي حد الردة، ويَكْفُلُ حقَّ الاختيارِ للإنسان، لأن الإسلام لا يريد منافقين فيه نُبْقيهم بجد السيف والتهديد بالقتل في حال الردة؛ فالمرتد الصريح الذي يُعلن ذلك أقل خطرًا من المنافق الذي يكون بين صفوف المسلمين، بينما هو في قرارة نفسه لا يؤمن بأي مما يؤمنون به.

- حديث حد الرِّدَّةِ:

فرغنا من تناول النصوص قطعية الثبوت: القرآن الكريم، والتي هي نصوص مُقدَّسة، ولكن الإشكال يتمثل في الانتقال إلى الاستدلال بالحديث الشهير في حد الردة، والذي جاء فيه: «أن عليًّا حَرَّقَ قومًا، فلما بلغَ ابنَ عباسٍ قال: لو كنتُ أنا لم أحرِّقْهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقَتَلْتهم، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه» (٣).

وهذا الحديث في رأيي يتضاد مع آيات القرآن الكريم قطعية الثبوت، التي ذكرناها سابقًا؛ إذ ينطقُ بنقيض مدلولها في إمكانية تكرر الارتداد أكثر من مرة لا مرة واحدة، ثم لا تُقرر الآية أي حد لهذا، على الرغم من أن الله قد نصَّ على أشياءَ في القرآنِ بلفظ: «تلك حدود الله»، فكيف بحد كحد الردة يترتبُ عليه إهدار دم الناسِ لا يُذكَر، رغم تعرُّضِ بعض الآيات للارتداد؟ كما أن بداية الحديث بها ما يشير إلى اضطراب وضعف هذا الحديث، إذ يَرِد في بدايته أن الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، أحرقَ جماعةً من الناسِ بالنار، ثم استدرك عليه ابنُ عباس عند علمه بهذا الخبر، فأقولُ: أولًا: كيف للإمام علي أن يُقْدِمَ على هذا الفعل الشنيع؟ وهل فات الإمام ما انتبه إليه ابن عباس؟! مع أن الإمام معروف بالعِلم والفقه في الدين، كل هذه مؤشرات مصاحبة تدل على بطلان هذا الحديث، الذي يتخذه بعضُهم ذريعة لإجبارِ غيرهم على دينهم، وخَلْق حالة من النفاق الاجتماعي، لا الإيمان الراسخ العميق عن قناعة بالله.

الإلحاد والمجتمع

ثم نأتي إلى نقطة أخرى، وهي قول بعضهم إنه -الإلحاد- خطرٌ على المجتمعِ، وسيشكِّكُ الناسَ في معتقداتهم، وردًّا على هذا الأمر، أقولُ: إن مَن يكون بهذه الخشية مِن أفكار دائمًا يقول عنها إنها باطلة؛ سيكون بذلك ضعيف الإيمان؛ إذ ما الإيمان الذي يهتز في قلبِ صاحبه بمجرد إطلاق بعض التشككاتِ حوله والنقاشات لمبادئه؟ هذا لن يكون إيمانًا عميقًا؛ وإنما ضعفًا وهشاشة، يخشى أصحابُها مِن أقل الشبهات، وحينئذ لا يحق لهم أن يصفوا إيمانهم بالقوة ولا الرسوخ؛ فبعضهم في أقل نقاش يتساقط إيمانُه.

غير أن الإشكال الذي على الفيلم، أنه طرَحَ الإلحادَ بشيء من الاختزال، وهو حَصْر الإلحاد في «أسباب نفسية»؛ فالشاب المُلحِد في هذا الفيلم كان إلحاده يستند إلى أساس نفسي، وذلك بعد أن حدثت له صدمة عندما شاركَ والدَه وهو طفل في قتل معلمته، التي كانت جارتهم في المنزل، وكان والد الشاب الملحد قد تدخلَ في شؤونها الخاصة، واقتحمَ عليها الشقة، متهمًا إياها بعدم الالتزام، وشارك ابنُه الطفل (الذي ألحدَ بعد ذلك) في قتْل هذه المعلمة، ودفْعها من شقتها إلى الأسفل، كما كان يعاني هو ووالدته من تشدد والده؛ وبهذا يكون المستند الرئيس لإلحاد هذا الشاب هو «الحالة النفسية/أسباب نفسية»، بينما الإلحاد لا ينحصر كله في هذا الجانبِ النفسي؛ إذ هناك مَن يكون إلحادُه مبنيًّا على موقف فكري فلسفي، أو على موقف علمي، كالاستناد مثلًا إلى نظرية التطور لـ تشارلز داروين، أو نظرية «الانفجار العظيم».

وأهمية عدم حصْر الإلحاد في أسبابٍ نفسية تتأتَّى من كوْن الطرف الآخَر: الإلحاد، يستطيعُ أن يُقابِلَ الإيمانَ بنفس هذه الاعتراض، وأنه قائم أيضًا على أسباب «نفسية»؛ وتوضيح بذلك بالقول: إن الذين يعممون الحُكْمَ على الإلحاد بأن أسبابه نفسية، غمْزًا للملاحدة وتلميحًا إلى عدم اتزانهم النفسي، وأن إلحادهم كان بسبب مواقف قاسية تعرضوا لها في حياتهم، ليأتي الطرف الآخر: الإلحاد، ويمكنه أن يتهمَ الإيمان بنفس ذات المنطق، وأن المؤمنين قد آمنوا، أو استقروا على إيمانهم لا عن اقتناع معرفي وعقلي؛ وإنما لأسباب نفسية، تتمثل في عدم تعرضهم لأزمات تَقُض مضجعهم، وأنهم مثلًا لم يشعروا بآلام الحياة وقسوتها، وإنما نالوا نصيبهم من الراحة المادية والمعنوية، ومِن ثَمَّ بَقوا على إيمانهم، ولو أنهم تعرضوا لمثل ما يتعرض له الذي يُلحد من قسوة الحياة ومواقفها؛ لكان مصيرهم مثله، وإذا قال المؤمنُ إنه لن يكون كذلك، واستشهدَ بحالاتٍ تعرضت لمواقف حياتية قاسية من فقر وغيره، ومع ذلك لم يُلحدوا؛ فللمُلْحِد أيضًا شواهد يستطيع أن يأتي بها، وأنه هناك أمثلة لم تُلحد بسبب فقر أو عوامل نفسية، ومِن ثَمَّ لا يحق لأحد أن يستأثر بالعامل النفسي ليتهم به غيره، ويُعرِّض به، ويشير إلى انتقاصِ عقله وشخصيته؛ حيث إن الآخَرَ أيضًا يستطيع ما تستطيعه، وبنفس المنطق الذي تحتج به، هذا كله مع عدم إنكارنا لدور العامل النفسي وأثره في سياق حياة الفرد وفكره، ولكننا ضد الاختزال في هذه الأمر أولًا، وضد التعميم ثانيًا.

 ومِن الممكن أن يكون مؤلِّف الفيلم لم يسْعَ إلى تغطية كل جوانب الإلحاد وأسبابه، وإنما تناول شِقًّا واحدًا فقط منه، نظرًا لحاجة السياق الاجتماعي والثقافي إلى هذا الطرح، ولوجود إشكالات واقعية بالفعل، يُلحد أصحابُها بسبب عوامل نفسية تنشأ أحيانًا عن الاضطهاد الأسري والتزمت، كما لا يجب أن ننسى عوامل الرقابة على مثل هذه الأشياء، أي: على الفيلم، ونوعيته، التي تمثل اصطدامًا بالمؤسسات الدينية والرقابية.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد - باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

.........................

هوامش المقالة:

(١) حلقة مقابلة «إبراهيم عيسى»، مع الإعلامية «نسمة السعيد»، في برنامج «بتوقيت مصر»، الدقيقة: 17. https://youtu.be/aKS8tg7t_PE?si=3XojKQNNKdsSyDb6

(٢) الزمخشري، «الكشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»، اعتنى به: خليل مأمون شيما، (ط٣، بيروت، دار المعرفة، ٢٠٠٩م)، ص ٢٦٥.

(٣) البخاري، «الجامع الصحيح». اعتنى به: محمد فؤاد عبد الباقي، (ط١، القاهرة، دار ابن الجوزي، ٢٠١٠م)، كتاب الجهاد والسِّيَر، باب: «لا يُعذَّب بعذاب الله»، حديث رقم ٣٠١٧، ص ٣٥٩.

 

من الفلسفة والمادية إلى الرفاقة الثورية

 تتكامل الرؤية الماركسية لمفهوم الحب عبر ثلاثة أبعاد رئيسية تنتقل من الفلسفة إلى التاريخ ثم إلى الأخلاق العملية، لتشكل أطروحة متماسكة ترفض التجريد المثالي والتبسيط الفسيولوجي على حد سواء؛ فلا ينفصل الشغف العاطفي في هذا الفكر عن نمط الإنتاج وعلاقات الملكية، بل يتأسس كشرط لتحرر الإنسان واستعادة جوهره السليب من براثن التغريب والتسليع.

الماهية الفلسفية للحب ونقد التغريب لدى كارل ماركس

ينطلق كارل ماركس في «مخطوطات عام 1844 الفلسفية والاقتصادية» من رؤية جذرية تضع الحب في قلب الفاعلية الإنسانية الحية، متجاوزاً حدود التنظير الميتافيزيقي للعاطفة. يرى ماركس أن الحب ليس مجرد ميل عاطفي مجرد، بل هو الفعل الحسي الأصيل الذي يختبر فيه الإنسان إنسانيته، متحرراً من إسار الغريزة البيولوجية المحضة ليصنع وجوده الاجتماعي مع الآخر على قاعدة من التكافؤ التام. ويُعبر ماركس عن ذلك بقوله الشهير:

"إذا افترضت أن الإنسان هو إنسان، وأن علاقته بالعالم علاقة إنسانية، فإنه لا يمكنك تبادل الحب إلا بالحب، والثقة إلا بالثقة... وإذا كنت تحب دون أن تستثير حباً بالمقابل، فإن حبك يكون عاجزاً، ويكون شقاءً".

تتأسس هذه الرؤية على أن الحواس البشرية ليست أدوات التقاط بيولوجية صماء، بل هي ملكات تتشكل وتتأكد بالخبرة المباشرة؛ ففي تجربة الحب لا يعود الطرف الآخر موضوعاً للاستهلاك أو لتلبية دافع حيواني، بل يغدو ذاتاً مستقلة تتأكد إنسانية الفرد عبر الاعتراف المتبادل بها. ومن هنا يضع ماركس العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة كمعيار حاسم لرقي المجتمع؛ إذ يُقاس تطور الإنسان بمدى تحول حاجته البيولوجية المباشرة إلى حاجة إنسانية روحية وجسدية متكاملة، يطلب فيها الإنسان أخاه الإنسان لكونه إنساناً لا لشيء آخر.

وفي مقابل هذا التبادل الإنساني الخالص، يكشف ماركس عن الدور التدميري للنظام الرأسمالي وآلية التغريب؛ حيث يتحول المال في مجتمع السوق إلى وسيط قاهر يحيد الطاقة العاطفية ويشوه طبيعتها، بوصفه القوة المادية التي تشتري مظاهر المشاعر وتصنع زيف الوفاء. تحول الرأسمالية العلاقات المباشرة بين البشر إلى تغريب وتشييء، حيث تُقيم الذات الإنسانية في سوق العواطف وفق قدرتها الشرائية وموقعها الطبقي، مما يفرغ الحب من فاعليته التلقائية ويحوله إلى صفقة مشروطة بتبادل المنافع المادية.

إن الحب عند ماركس يستلزم قوة حسية فاعلة قادرة على استثارة عاطفة نِدّية ومتبادلة بالمقابل؛ فالتبادل المالي يُلغي التكافؤ، بينما يفرض قانون التبادل الإنساني ألا يُستبدل الشعور إلا بجنسه، ليغدو الفشل في توليد هذا التجاوب عجزاً وشقاءً ذاتياً يفتقد شرط الحرية والمساواة بين ذوات حرة. وبذلك ينجلي الحب في المنظور الماركسي المبكر كفعل مقاومة فلسفي يخوض معركة استعادة الذات الإنسانية من براثن التسليع والتغريب.

التحليل التاريخي والمادي للعاطفة لدى فريدريك إنجلز

يتناول فريدريك إنجلز مفهوم الحب عبر منهج المادية التاريخية، لينتزع المشاعر العاطفية من التجريد المثالي ويضعها في سياق تطور البناء الاقتصادي والاجتماعي. يعبر إنجلز عن ذلك في كتابه «أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة» بقوله:

"إن الحرية الكاملة في اختيار الشريك لا يمكن أن تحقق على نحو عام إلا عندما تؤدي إزالة الإنتاج الرأسمالي وعلاقات الملكية إلى إلغاء كل الاعتبارات الاقتصادية الجانبية التي تمارس تأثيراً كبيراً على اختيار الزوج؛ وحينها لن يبقى أي دافع لإقامة العلاقة سوى الميل العاطفي المتبادل".

يؤكد إنجلز أن الشغف العاطفي بين الفردين ليس غريزة أزلية ثابتة الشكل، بل هو ظاهرة تاريخية تطورت أدواتها ومعانيها بتغير نمط الإنتاج وعلاقات الملكية.

يؤرخ إنجلز لنشأة ما يسميه "الحب الجنسي الفردي" بوصفه أعلى شكل أفرزته العاطفة البشرية الحديثة، مبيناً أن المجتمعات القديمة لم تجعل من الحب الشغوف شرطاً أو أساساً للزواج. ففي العصور الكلاسيكية كاليونان والرومان، كان الزواج مؤسسة واجباً لإنجاب ورثة شرعيين لحفظ النسب بينما عاش الحب الحقيقي خارج أطر الزواج المعتمدة، ولم يبدأ الشعور بالعاطفة الفردية المتبادلة في التبلور إلا عبر مراحل تاريخية متأخرة كعصر الفروسية في القرون الوسطى، وإن ظل محصوراً خارج العلاقات الرسمية التي كانت تُحسم بالتحالفات الإقطاعية والعقارية.

ويكشف إنجلز أن الزواج الأحادي لم ينشأ تاريخياً نتيجة حب رومانسي متبادل، بل كان ضرورة فرضتها الملكية الخاصة لضمان نقل الثروة وتوريثها للأبناء البيولوجيين. وأدى هذا الارتباط بين الملكية والمؤسسة الزوجية إلى تشوه جوهري في العاطفة؛ حيث تحول الزواج البورجوازي في الواقع إلى صفقة تجارية ومساومة اقتصادية تقع فيها المشاعر ضحية للحسابات الطبقية، كما فرض المجتمع الأحادية العاطفية والجنسية الصارمة على المرأة لحفظ النسب بينما احتفظ الرجل بسلطة الخيانة الفعالة، مما حول العلاقة الرسمية إلى شكل من أشكال التبعية المعيشية المستترة.

ويرى إنجلز أن الحب الجنسي الفردي النقي لا يمكن أن يزدهر ويتكرس كقاعدة عامة إلا بين طبقات العمال لغياب الملكيات الكبيرة المتصارع على توريثها، مما يجعل التجاذب المباشر المبرر الوحيد للاستمرار. ولكي تتحقق هذه الحرية العاطفية للمجتمع بكامله، يضع إنجلز شرطين ماديين غير قابلين للتجزئة: الاستقلال الاقتصادي التام للمرأة عبر دخولها في الإنتاج الاجتماعي العام وتحويل الرعاية المنزلية إلى مسؤولية مجتمعية، وإلغاء الملكية الخاصة لتجريد الزواج من كل غاية مالية، ليبقى الحب والانجذاب المتبادل المعيار الوحيد لإقامة العلاقة أو إنهاؤها.

الأخلاق الثورية والمسؤولية الاجتماعية لدى فلاديمير لينين

ينقل فلاديمير لينين مفهوم الحب من إطاره الفلسفي والتاريخي إلى فضاء الممارسة الثورية والبناء الاجتماعي. يتضح هذا التوجه في حواراته مع كلارا زتكين حيث يقول:

"بالتأكيد العطش يتطلب إشباعاً، لكن هل سيستلقي شخص طبيعي في الشارع ليجرع من بركة ماء قذرة؟ أو يشرب من كأس مرت على عشرات الشفاه؟ ... إن شرب الماء فعل فردي محض، أما في الحب فيشترك طرفان وتنشأ حياة جديدة، وههنا تحديداً تكمن المسؤولية والمصلحة الاجتماعية".

ينطلق لينين من رفض قاطع لإفراغ العاطفة الإنسانية من مضمونها الروحي والأخلاقي، محذراً من تحويل الحرية العاطفية إلى فوضى بدائية تستنزف وعي الفرد وإرادته.

خاض لينين مواجهة فكرية صريحة ضد ما شاع بين الشبيبة الثورية عقب الثورة البلشبية تحت مسمى "نظرية كأس الماء"، التي كانت تروج لأن تلبية الرغبة العاطفية أو الجنسية في المجتمع الجديد يجب أن تكون بسيطة وتلقائية كشرب كأس من الماء عند العطش. اعتبر لينين هذا الطرح انحرافاً بورجوازياً يرتدي مسحوقاً ثورياً زائفا؛ فهو يختزل الإنسان في البعد البيولوجي المجرد، ويتجاهل أن العاطفة البشرية هي نتاج ثقافة وحضارة وتهذيب طويل للطبيعة الحيوانية، وأن استخفاف الفرد بعلاقاته هو انعكاس لاستخفافه بالآخر وبالجامعة الاجتماعية.

يرفض لينين الفصل التعسفي بين الجسد والروح، واضعاً معياراً كاملاً للحب السوي والمتكافئ؛ حيث يراه مركباً متكاملاً لا ينفصل فيه الانجذاب الجسدي عن الترابط الروحي والتوافق الفكري. وتتضاعف قيمة هذا الحب بقدر ما يحمله من احترام متبادل ومسؤولية مشتركة تجاه الآخر وتجاه المجتمع؛ فالحب في المنظور اللينيني ليس حالة أنانية مغلقة على ذاتها تغيب عن الواقع، بل هو رابطة إنسانية تعزز إحساس الفرد بمسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية.

ويربط لينين بين طبيعة العلاقة العاطفية والتوازن النفسي والذهني للإنسان، فيرى أن الاستغراق المفرط في المغامرات العاطفية العابرة أو الصراعات الذاتية المستهلكة يستنزف طاقة الفرد ويصرفه عن القضايا المبدئية والواجبات الرفاقية. وفي المقابل، يُنظر للحب الصادق والنقي كعنصر بناء يمنح الإنسان صفاءً ذهنياً وزخماً نفسياً يغذيان فاعليته في الحياة والمجتمع، ليتحول الحب من مجرد تجربة فردية إلى قوة رفاقية تصون كرامة الذات وتدعم الروح الجماعية.

قصص الحب والتجربة الشخصية لدى المفكرين الثلاثة

تتجلى مصداقية الطرح الماركسي للحب في عدم وقوفه عند حدود التنظير المجرد، بل في اتساقه التام مع التجربة الحياتية والشخصية لمفكريه الثلاثة، رافضين صفقات المصلحة البورجوازية ومقدمين نماذج حية للحب القائم على التكافؤ والحرية والرفاقة الفكرية. ويتضح ذلك جلياً في رسائل ماركس إلى زوجته جيني فون فيستفالين حيث يكتب:

"إن حبي لكِ، حين تكونين بعيدة، يظهر على حقيقته: عملاقاً تتدفق فيه كل طاقة نفسي وكل عاطفة قلبي... إن الفقر والمنفى والاضطهاد لم تتمكن يوماً من إطفاء شعلة هذا التلاحم الروحي والفكري".

قصة حب كارل ماركس وجيني فون فيستفالين: الصمود أمام الفوارق الطبقية والمنفى

خاض كارل ماركس قصة حب عميقة مع جيني فون فيستفالين، التي كانت تنتمي إلى عائلة أريستوقراطية بروسية رفيعة المستوى، مترافقين في تحدي الفوارق الطبقية والضغوط الاجتماعية عبر خطوبة سرية دامت سبع سنوات لتتوج بالارتباط عن حب خالص عام 1843. وعبر العقود التالية، ظلت هذه العلاقة نموذجاً للتلاحم العاطفي والفكري؛ حيث شاركت جيني ماركس سنوات الملاحقة والمنفى القاسي في لندن والفقر المدقع، دون أن ينال ذلك من التكافؤ والود المتبادل بينهما حتى خبا جسداهما.

قصة حب فريدريك إنجلز وماري وليزي بيرنز: الارتباط الحر خارج المؤسسة البورجوازية

ترجم فريدريك إنجلز نقده الفلسفي للزواج البورجوازي إلى ممارسة فعلية؛ حيث رفض إخضاع عاطفته لشهادة الزواج الرسمية القائمة على الاعتبارات القانونية والمالية. ارتبط إنجلز بعلاقة حب حرة مع ماري بيرنز، وهي عاملة إيرلندية من الطبقة البروليتارية، وعاشا معاً شراكة عاطفية قائمة على الاختيار والميل المتبادل بعيداً عن أطر الشكليات الطبقية. وبعد رحيل ماري، استمر في الارتباط العاطفي بأختها ليزي بيرنز، ولم يوثق الزواج رسمياً إلا على فراش موتها احتراماً لرغبتها الشخصية وتأكيداً لوفائه لها.

قصة حب فلاديمير لينين ونديجدا كروبسكايا: الرفاقة الثورية والترابط الروحي والفكري

جسد فلاديمير لينين ونديجدا كروبسكايا مفهوم "الحب الرفاقي" الذي يجمع بين الانجذاب الإنساني والتوافق الفكري والعمل المشترك. نشأت علاقتهما في أتون العمل السياسي السري بسانت بطرسبرغ، وعندما نُفي لينين إلى سيبيريا، التحقت به كروبسكايا لتكتمل شراكتهما تحت ضغوط المنفى القيصري؛ فلم تكن كروبسكايا مجرد زوجة، بل كانت رفيقة فكرية ومناضلة مشاركة في صياغة الأدبيات والمشروع الثوري، مما أعطى حبهما بعداً إنسانياً يرتفع فوق الأنانية الفردية.

نحو رؤية تحررية لمفهوم الحب في الفكر الماركسي

تتجلى الأطروحة الماركسية حول الحب كبناء فكري متكامل يربط بين الفلسفة والتاريخ والممارسة الأخلاقية، مبرهنةً أن المادية لم تهدف يوماً إلى اختزال المشاعر الإنسانية في الحسابات الاقتصادية، بل يسعى منهجها لتخليص العاطفة من التجريد الميتافيزيقي والتشييء الرأسمالي، وإعادتها إلى أرض الواقع كفاعلية إنسانية حية.

تتأكد فرادة هذه الرؤية في التكامل المنهجي بين أبعادها الثلاثة: الركيزة الفلسفية لدى كارل ماركس بإعادة صياغة الحب بوصفه تأكيداً حسياً ونشاطاً واعياً تُقاس به إنسانية الفرد وقانوناً نِدّياً يرفض التغريب وسلطة المال؛ والتفكيك التاريخي لدى فريدريك إنجلز بكشف الجذور المادية لنشوء الزواج المؤسسي وتشوّه العلاقات الأحادية تحت وطأة الملكية الخاصة، مع تحديد استقلال المرأة الاقتصادي وزوال دافع التملك كشرطين ماديين لولادة الحب الجنسي الفردي الحر؛ والبعد الأخلاقي والتطبيقي لدى فلاديمير لينين بدحض الاختزال الفسيولوجي الفوضوي لـ "نظرية كأس الماء"، وتأكيد شمولية الحب السوي كتركيب يجمع الانجذاب الجسدي والترابط الروحي والانسجام الفكري في إطار من المسؤولية الاجتماعية والرفاقة.

إن اتساق هذه الأطروحة مع التجربة الحياتية لمفكريها يؤكد أن الحب في المنظور الماركسي يرتفع عن كونه صفقة منفعة طبقية أو استغلالاً عابراً، ليتحول إلى فعل مقاومة تحرري واستعادة واعية لإنسانية الإنسان؛ إذ لا يمكن للحب الصادق أن يزدهر في أنقى صوره إلا حيث تسقط علاقات الهيمنة والتبعية، وتتحقق الحرية والتكافؤ التام بين ذوات حرة ومستق

***

ئاريان علي

تفكيك فلسفي لجيوبوليتيك الهدْر واستلاب الوعي النقدي

ديناميات الصراعات المفتوحة وسرديات اللانتيجة

تتسم التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط بظاهرة مركبة وبالغة التعقيد، تتجاوز في طبيعتها أطر التوصيف العسكري الكلاسيكي. تتمثل هذه الظاهرة في اندلاع متوالية ممتدة مما يمكن تسميته "النزاعات بلا سقف"، وهي حروب وصراعات مستمرة لا تتبع المنطق الحربي التقليدي القائم على السعي نحو الحسم الإستراتيجي، وإخضاع الخصم، وفرض واقع سياسي جديد ومستقر. بل تتدفق هذه الصراعات بوصفها مسارات دائرية مغلقة تسيل فيها الدماء، وتُهدر من خلالها الثروات والمقدرات البشرية والمادية، دون أن تفضي إلى تسويات تاريخية قارة أو مخرجات تنموية تعيد بناء المجتمعات المنكوبة. وبدلاً من أن تكون الأزمة حالة استثنائية طارئة تسعى الأطراف إلى تجاوزها، يجري تكريسها وتثبيتها لتغدو بنية هيكلية وظيفية مستدامة، مهمتها إدارة حالة الفوضى القائمة وإعادة إنتاجها على نحو ممنهج.

تبتعد هذه النزاعات ابتعاداً جذرياً عن النموذج الكلاوزفيتشي الكلاسيكي، الذي طالما نظر إلى الحرب بوصفها "امتداداً للسياسة بوسائل أخرى"؛ أي بوصفها أداة عقلانية موجهة لخدمة أهداف سياسية واضحة ومحددة زمنياً ومكانياً. وبدلاً من ذلك، تلتقي صراعات الشرق الأوسط الراهنة مع التفكيك المعاكس الذي بلوره ميشيل فوكو، ومفاده أن "السياسة ذاتها قد استحالت استمراراً للحرب بوسائل مغايرة". ففي هذا السياق المأزوم، تُصمم الدبلوماسية، والتحالفات الإقليمية، والإجراءات الاقتصادية، والخطابات الإعلامية، لغرض وحيد هو تأبيد حالة النزاع، ومنع الوصول إلى لحظة السلام الحقيقي، وإبقاء المجتمعات في حالة استنفار دائم يُغذي السلطات القائمة ويضمن استمرار هيمنتها على مقاليد الحكم والمجال العام.

يقودنا تفكيك هذه الصراعات، استناداً إلى المنظور النقدي لجاك دريدا، إلى إزاحة الستار عن التناقضات العميقة التي تقوم عليها خطابات السيادة ومنظومات العنف المشرعن في النظام الدولي المعاصر. ففي الوقت الذي تدّعي فيه القوى الكبرى والمنظومات الإقليمية سعيها لفرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب وبناء الأمن، تُظهر الممارسة العملية أن آليات إدارة حروب الوكالة ليست سوى إدارة واعية لسياسة "اللاحسم". إن الإبقاء المتعمد على الصراعات معلقة في منطقة برزخية رمادية،تقع بين الحرب الشاملة والسلم المفقود،يمنع تشكل أي عقد اجتماعي وطني جامع، ويحول دون بناء مؤسسات دستورية تحمي الحريات وتصون كرامة الأفراد وحقوقهم الأساسية.

جدلية الصلابة والسيولة: مأزق الاستنزاف الهجين

شهدت العقيدة القتالية في المنطقة تحولاً جذرياً يتمثل في التخلي التدريجي عن فكرة "المعركة الحاسمة" لصالح إستراتيجيات الإنهاك المتواصل والتعطيل البنيوي الشامل. ويتأتى هذا المأزق نتيجة تقاطع غير متكافئ بين نمطين من التفكير العسكري:

النمط الأول يمثل الجيوش النظامية وحلفاءها، وهي قوى تعتمد على التفوق التقني والكثافة النارية الصارمة؛ والنمط الثاني تمثله القوى غير النظامية والفاعلون الهجينون، الذين يوظفون أساليب الحركة السائلة، والمراوغة، وتجنب الصدام الجبهوي المباشر، والتواري في النسيج العمراني والاجتماعي.

يولد هذا التصادم بين الصلابة العسكرية والسيولة الميدانية مسرحاً واسعاً من الضبابية القاتلة. فلا القوة النارية الهائلة قادرة على سحق المقاومة وإنهاء التمرد، ولا التشكيلات الهجينة تمتلك القدرة أو الرؤية لبناء دولة حديثة وضمان التنمية والاستقرار. والنتيجة الحتمية لهذا التعادل السلبي هي تحول مساحات شاسعة من الشرق الأوسط إلى ميادين لهدر الطاقات، واستنزاف الموارد الحيوية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتحويل حياة المجتمعات إلى جحيم يومي مستدام لا يحمل أي أفق زمني للخلاص.

تفكيك بنيات السيادة وسلطة الإماتة

يُشكل مفهوم "حالة الاستثناء" لدى الفيلسوف جورجيو أجامبين مدخلاً نظرياً جوهرياً لتفكيك تحولات السلطة السيادية في المنطقة. يرى أجامبين أن السيادة في الدولة الحديثة لا تتحدد بمدى قدرتها على تطبيق القانون والعدالة، بل في قدرتها المطلقة على تعليق العمل بالقانون وإعلان الطوارئ الدائمة. وفي هذا الفضاء السيادي المعلق، يُجرد الإنسان من صفته كمواطن يحمل حقوقاً وواجبات، ليتحول إلى "حياة عارية"؛ مجرد جسد بيولوجي مستباح يجوز إلحاق الأذى به أو قتله دون أن يترتب على ذلك ارتكاب جريمة معترف بها في النظام القضائي، ودون أن تتوفر له أدنى حماية دستورية.

وفي امتداد لهذه الرؤية، يطور المنظر السياسي أشيل مبيمبي أطروحة "السياسة الحيوية" لينقلها إلى مفهوم "سياسات الموت" أو "سلطة الإماتة". يرى مبيمبي أن التعبير الأقصى عن السيادة والهيمنة المعاصرة لا يكمن في تنظيم الحياة وتنميتها، بل في امتلاك القدرة والجاهزية لتحديد من يحق له أن يحيا ومن يُحكم عليه بالفناء والتلاشي.

تخلق هذه السياسات ما يسميه مبيمبي "عوالم الموت"، وهي فضاءات اجتماعية يُدفع إليها ملايين السكان عبر الحصار المطبق، وتدمير مصادر الطاقة والمياه، وقصف المشافي، وتعطيل البنية التحتية للحياة. في هذه العوالم، لا تتوقف سلطة الموت عند حدود القتل المباشر بالرصاص والصواريخ، بل تتسع لتشمل "الإهلاك البطيء"؛ وهو القتل التدريجي الناتج عن التلوث، وانعدام الدواء، وتفشي الأوبئة، وتجفيف سبل العيش الكريم، حيث تغدو الأجساد البشرية أرقاماً هامشية لا قيمة لها في حسابات الساسة.

من القهر السياسي إلى الهدْر المجتمعي الشامل

يقدم المفكر وعالم النفس الاجتماعي مصطفى حجازي في كتابه التأسيسي "الإنسان المهدور" تشخيصاً سوسيولوجياً ونفسياً بالغ العمق للتحولات التي أصابت الإنسان في البيئة العربية ومجتمعات النزاع. يرى حجازي أن مفهوم "القهر"،الذي ركز سابقاً على كبت الحريات ومصادرة الرأي من قبل الأنظمة التسلطية،لم يعد كافياً لاستيعاب عمق الكارثة الراهنة. لقد انتقلت المجتمعات المأزومة من مرحلة القهر إلى مرحلة (الهدْر الشامل).

إن الهدر، بحسب هذا التفكيك، هو أقصى درجات إنكار الإنسانية؛ إذ لا يكتفي بإسكات صوت الإنسان، بل يُلغي قيمته الوجودية بالكامل، ويتعامل معه بوصفه كائناً زائداً عن الحاجة، ولا يستحق أي رعاية أو اعتراف. لا يقتصر الهدر على إراقة الدماء في المعارك، بل يمتد ليطال:

هدر العقل والوعي: من خلال تدمير المؤسسات التعليمية والأكاديمية، وإفراغ المناهج من الحس النقدي.

هدر الطاقات والكفاءات: بدفع العقول المبدعة والشباب نحو الهجرة القسرية أو الاستسلام للبطالة والإحباط.

هدر الزمن والتاريخ: بإغراق المجتمع في أزمات معيشية تافهة ومفتعلة تبتلع طاقته اليومية وتمنعه من التفكير في مستقبله وبناء مشروعه الحضاري.

تدجين الوعي وإنتاج الإنسان ذي البعد الواحد

يستكمل التحليل النقدي المعاصر أطروحة الفيلسوف هربرت ماركوزه حول "الإنسان ذو البعد الواحد"، مبيناً كيف تُسخّر آلات الدعاية والتقنية الحديثة في مناطق النزاعات بلا سقف لتطويق الوعي وتدجينه. يُوظف الإعلام التعبوي لخدمة الخطاب الحربي وشحن الغرائز الطائفية والقبلية، وتُفرغ المفاهيم السياسية والأخلاقية من معانيها الحقيقية؛ فتتحول مفردات مثل "التحرير"، و"المقاومة"، و"الصمود"، و"السيادة" إلى أصنام لغوية وشعارات فارغة تُستخدم حصراً لتبرير استمرار الخراب وتسكين النقد والمساءلة.

يُنتج هذا التضليل المنظم حالة من "الاستلاب الشامل للوعي النقدي". يعتاد الأفراد مشاهد الموت والدمار اليومي حتى تصبح جزءاً من الطبيعة العادية للأشياء، وتتلاشى قدرتهم على تخيل بدائل سياسية واجتماعية خارج منطق البندقية والاصطفاف الأيديولوجي الأعمى. يتراجع حضور المثقف النقدي والمفكر المستقل، ويُفسح المجال واسعاً للمروجين والشعبويين الذين يقتاتون على إدامة النزاع، الأمر الذي يُجهض أي فرصة لولادة وعي تنويري يمتلك الجرأة على تفكيك بنية التسلط ومساءلة صناع الحروب المفتوحة.

مستويات التفكك البنيوي في متوالية اللاحسم

إن النزاعات بلا سقف في الشرق الأوسط تولد تفاعلات متسلسلة تعصف بكافة البنى المجتمعية، وتنتظم في أربعة مستويات رئيسية تكشف عمق الأزمة البنيوية:

المستوى الجيوسياسي والإقليمي: يتجلى عبر تدويل النزاعات وتنامي حروب الوكالة القائمة على مذهب اللاحسم الممنهج، الأمر الذي يفضي بنيوياً إلى تآكل سيادة الدول الوطنية، وتحويل أراضيها إلى مسارح اشتباك مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية دون سقف زمني أو سياسي.

المستوى السيادي والقانوني: يتمثل في الإعلان الدائم لحالة الاستثناء، وممارسة سياسات الإماتة بحق الفئات المستضعفة، مما يؤدي إلى تقويض المنظومات القانونية والدستورية، وتجريد المواطنين من حقوقهم الإنسانية، وتحويلهم إلى كائنات مستباحة في فضاءات تفتقر للعدالة والمساءلة.

المستوى السوسيولوجي والإنساني: ينعكس في التحول الشامل من ممارسات القهر والتسلط التقليدي إلى منظومة الهدر المعمم، مما يسفر عن تعطيل التنمية الإنسانية، واستنزاف رأس المال البشري، وتحويل الإنسان من فاعل في التاريخ إلى عنصر فائض ومهمل.

المستوى الفكري والرمزي: يتبدى في توظيف الأجهزة الإعلامية والتقنية لتزييف الوعي وصناعة الفرد الأحادي البعد، وهو ما يؤدي إلى تراجع العقلانية، واختفاء الحوار الديمقراطي، وتكريس خطابات التكفير والتخوين التي تسد آفاق التنوير والتغيير.

نحو استعادة الفاعلية والوعي النقدي

تُبرهن القراءة التفكيكية الفلسفية على أن نزاعات الشرق الأوسط ليست مجرد تعثرات عسكرية أو إخفاقات سياسية آنية، بل هي تعبير مكثف عن هيمنة "العقلانية الأداتية" الصلبة، التي تحول البشر والأوطان إلى وسائل وأدوات لتحقيق مصالح ضيقة ومكاسب نفوذ مجردة من أي بعد أخلاقي. لكسر هذه الحلقة المفرغة ووقف متوالية الهدر، تبرز الحاجة الفكرية والوجودية إلى التأسيس لـ "عقلانية تواصلية" وفق ما نظّر له يورغن هابرماس. تقوم هذه العقلانية على إعادة الاعتبار للغة الحوار غير المشروط، وإحياء المجال العام ليكون فضاءً للتداول الحر، وبناء التوافقات المجتمعية بعيداً عن القهر ولغة السلاح والإكراه.

كما يتطلب التحرر الفعلي مأسسة "أخلاقيات الاعتراف" كما صاغها أكسل هونيث، والتي تقتضي الانتقال الحاسم من علاقات الإقصاء والاحتقار والاستباحة إلى أفق يعترف بالقيمة الوجودية والكرامة الذاتية لكل إنسان. إن استرداد الوعي النقدي يمثل نقطة البداية لتفكيك سرديات التبرير الحربي، وإعادة تعريف السيادة لتكون نابعة من إرادة الإنسان وحمايته، ولتصبح الكرامة والحرية والحياة غايات عليا لا تقبل المساومة على مذابح النزاعات المفتوحة.

***

غالب المسعودي

بينما يلهو الدلفين في الماء دون أن يُقلقه التفكير في الموت، يُجبر الإنسان، بفضل قدرته على إنتاج الرموز واللغة والمفاهيم المجردة، على مغادرة الحاضر المباشر والعيش في أزمنة متعددة: ماضٍ يستعيده بالذاكرة، ومستقبل يتخيله بالتوقع، وحاضر يقيسه بما كان وما سيكون. ولعل هذا الانزياح الزمني هو أحد أعمق وجوه الاختلاف بين الإنسان والكائنات الأخرى؛ فالإنسان لا يعيش الزمن فحسب، بل يمنحه معنى، ولا يكتفي بالموت كحدث بيولوجي، بل يحوله إلى سؤال عن البقاء والذكرى والخلود.

وهكذا يمكن فهم المومياء، لا بوصفها جسدًا ميتًا فحسب، وإنما بوصفها مستودعًا للهوية، وذاكرةً ماديةً ملفوفة بطقوس الدين وتصورات الإنسان عن الحياة والموت والأبدية. وكذلك الأهرامات ليست مجرد مقابر ملكية ضخمة، وإنما تعبير مادي هائل عن رغبة الإنسان في مقاومة الفناء؛ ليس البقاء الجسدي وحده، وإنما البقاء الرمزي أيضًا. فالإنسان يموت، لكنه يحاول أن يترك وراءه اسمًا وصورةً وأثرًا ونصًا وحجرًا وحكاية.

فمنذ أن أدرك الإنسان هشاشة وجوده أمام الزمن، بدأ يبحث عن وسائل لمقاومة النسيان. أقام القبور، ونقش الحجارة، وشيد المعابد، وبنى الأهرامات، وكتب الأساطير، وحفظ الأنساب، ورسم الصور، وسجل الأحداث، ثم اخترع المكتبات ودور الأرشيف والمتاحف. وإذا نظرنا إلى هذه المؤسسات من منظور فلسفي واسع، وجدنا أنها جميعًا أشكال مختلفة من محاولة الإنسان حفظ الوجود من السقوط في هاوية النسيان.

ان احساس الانسان بتفاهته وضآلته مقارنة مع بالكون والاخرين يشعره بحاجة الى التوحد بالكون والمجتمع، وما لم يحدث التعلق، ما لم يكن لحياته معنى ما واتجاه ما، فانه يشعر بانه شبيه بذرة التراب الطائرة وتقهره تفاهته الفردية وضعفه وعجزه ومحدوديته, لقد دفع الانسان خوفه الشديد من التغير والزمان الى البحث عن الله الواحد الاحد القوي الثابت قال تعالى: «فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما افل قال لا احب الافلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من الضالين * فلما رأى الشمس بازعة قال هذا ربي هذا اكبر، فلما أفلت قال يا قوم اني برئ مما تشركون * اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض، حنيفا وما أنا من المشركين» يقول كولن ويلسون: «والحق ان الدين نفسه استجابة للغز الزمان الاساسي . افتقار الانسان الى إلامن حين يحيا في الحاضر. واعياً بابعاد الماضي والحاضر التي تسحقه في كون لا يمتلك سلطاناً مباشراً عليه والمحاط بخطر الموت والفناء الظاهري. "والحل الذي تقدمه معظم الاديان هو تأكيد على نمط للوجود يتحقق بالخلود والتعالي والابدية، بغير بداية ولا نهاية مبرءاً من الاخطاء ومنزهاً من التغير فالدين يعمد الى ادماج الحاضر الأرضي والطبيعي والإنساني في الماضي والمستقبل" وقد كان الخوف أساس الطوطمة، فتطور حتى أصبح حبا فشعائر وعادة للاسلاف وقد كانت العبقرية اليونانية في تفسيرها للتاريخ والزمان تنطلق من التجربة الإنسانية في التغيرات الجسدية.. من الميلاد والطفولة إلى النضج والانهيار الحتمي للقدرات الجسمية والعضلية في الهرم. فالزمن عندهم هو التغيير، ما كنا عليه وما نحن عليه الان سوف ينتهي، سواء كان جيداً او سيئاً او وسطاً بينهما.و تعد ملحمة جلجامش الرافدية، أهم وأكمل عمل إبداعي أسطوري شعري، دونت بين (2750و2350) قبل الميلاد عن الملك جلجامش الذي عاش في مدينة أوروك «الوركاء» الواقعة في وادي الرافدين على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وقد تشكلت حول شخصه باقة من الحكايات الأسطورية والبطولية، التي تسرد أخبار أعماله الخارقة، وسعيه المستميت إلى معرفة سر الحياة الخالدة. إذ لم تكن ملحمة جلجامش الا تمثيلا لذلك الصراع الازلي بين الموت ورغبة الانسان في الخلود، "الانسان الضعيف المغلوب المقهور في محاولته اليأسة التشبت بالوجود مدفوعاً بغزيرة حب الحياة والحفاظ على البقاء. "ما الذي حملك على هذا السفر البعيد؟: أجاب جلجامش: جئت لاسال عن (لغز الحياة والموت)... وعلام تهيم على وجهك في الصحارى؟ انه "انكيدو" صاحبي وخلي الذي احببته حبا جما لقد انتهى الى ما يصير اليه البشر جميعا فافزعني الموت حتى همت على وجهي في الصحارى.. أيكون في وسعي الا ارى الموت الذي اخشاه وارهبه؟ فاجابت العرافة: "الى اين تسعى يا جلجامش" ان الحياة "يقصد الابدية" التي تبغي لن تجد حينما خلقت الالهة العظام البشر قدرت الموت على البشرية واستأثرت هي بالحياة"

وقد كانت "مدينة اوروك" المحصنة بالأسوار العالية تمثل "الحضارة" مقابل "البرية، البداوة" التي كان يمثلها "انكيدو" الذي يجوب البراري والتلال يرعى الكلأ مع حيوان البر ويستقي معها عند موارد الماء ذلك المتوحش القوي، الذي استأنس أول ما استأنس بالمراة "البغي" رمزاً من رموز الحضارة المستقرة، وحينما رقد "انكيدو" على فراش الموت، وادرك قرب نهايته اخذت تتوارد عليه الخواطر والذكريات، فود لو انه ما جاء الى حياة (الحضارة) بل ظل في باديته سعيداً خالي البال يرعى مع الظباء والحيوان، واخذ يكيل اللعنات على من زين له المجئ الى حياة المدينة. وفي الاسطورة اليونانية كان الشاعر "هيزيود" يرى ان الكون كله تحكمه عملية اضمحلال متوالية بدء من عصر ذهبي كانت الالهة هي التي تحكم فيه والناس يعيشون في سلام ووئام يتبعه عصر فضي ثم عصر برونزي واخيراً عصر حديدي يضطر فيه الناس للعيش بعرق جبينهم ويعانون مصيرهم، وكلمة "الزمن" باليونانية "كارونوس" هي اسم الاله الذي التهم اطفاله، واوديب عند "سوفوكليس" كان يعبر عن ذلك بقوله:

"الزمن يدمر كل شي

لا احد بمأمن من الموت سوى الالهه

الأرض تفنى.. كل شي الى زوال

حتى الثقة بين الناس تذوى، ويحل محلها عدم الثقة

الاصدقاء ينقلبون على الاصدقاء

والمدن على المدن

مع الزمن.. كل شي يتغير البهجة الى مرارة

حتى البغضاء تتحول الى حب"

هذا الوعي بالطبيعة العابرة للحياة الانسانية والتغير والتبدل المستمر الذي يسري على الكون كله كان قد تخلل الثقافة اليونانية والرومانية كلها. وربما كان الفليسوف اليوناني هيراقليطس خير من عبر عن ذلك في شذراته.

"كل شي يتغير لا شي يسكن

في التغير، تجد الاشياء راحتها

الزمن هو طفل يحرك لعبه في يده والقوة الملكية هي قوة طفل

الحرب هو ابو الاشياء جميعا"ً

في هذا الأفق الفلسفي الكلي يمكن النظر إلى المتحف ومعناه الميتافيزيقي فالمتحف، في جوهره، ليس مستودعًا للأشياء القديمة، وإنما مؤسسة لاستعادة الذاكرة. إنه المكان الذي يتحول فيه الغائب إلى حاضر، والشيء إلى شاهد، والأثر إلى وثيقة، والموت إلى معرفة، والزمن إلى فضاء يستطيع الإنسان أن يدخله ويتجول بين طبقاته وهذا هو المعنى الذي حاولت التأكيد عليه في الحلقة الأولى من هذا المقال: المتحف هو ذاكرة الحياة.

لكن الوعي المتحفي لا يكتمل بمجرد زيارة المتحف أو مشاهدة مقتنياته؛ إنه جزء من الوعي التاريخي نفسه. فالوعي التاريخي هو أن يدرك الإنسان أن الحاضر الذي يعيش فيه ليس بداية التاريخ، وأن العالم الذي يراه حوله لم يظهر فجأة، وإنما هو نتيجة تراكم طويل من الحيوات والتجارب والأفكار والأخطاء والاكتشافات والإنجازات ولعل أهمية هذا الوعي التاريخي المتحفي تتضاعف في عصر العولمة والتحول الرقمي .

إذبدا العالم، مع ثورة الاتصالات والمعلومات، أقرب إلى قرية كونية صغيرة. تقلصت المسافات، وتسارعت حركة الأشخاص والأفكار والسلع والصور، وتشابكت الثقافات والمصالح، وأصبح ما يحدث في مكان من العالم قادرًا على الوصول إلى مكان آخر خلال ثوانٍ. غير أن هذا التقارب المادي لا يعني بالضرورة تقاربًا في الرؤية والفهم والتأويل فالعولمة لا تعني فقط انتقال التكنولوجيا والأفكار، وإنما تحمل معها أيضًا أنماطًا متشابهة من العمارة والملابس والاستهلاك والإعلان والصور واللغة البصرية. المدن الكبرى في العالم بدأت، في جوانب كثيرة، تتشابه؛ والمطارات ومراكز التسوق والفنادق والشوارع التجارية تكاد تبدو وكأنها تنتمي إلى مدينة عالمية واحدة. ومن هنا تظهر مفارقة عميقة: كلما تعولم العالم، ازدادت قيمة الأشياء التاريخية التقديمية أو قل كلما تشابهت الأشياء الحديثة، ازدادت قيمة الأشياء القديمة. إن بيتًا قديمًا، أو بابًا خشبيًا، أو مخطوطًا، أو قطعة فخار، أو آلة زراعية، أو ثوبًا تقليديًا، أو أداة موسيقية، أو صورة عائلية قديمة، قد يبدو للعين المعاصرة شيئًا بسيطًا لا قيمة مادية كبيرة له، لكنه من منظور الوعي التاريخي يمثل شاهدًا على طريقة عيش كاملة اختفت أو تكاد تختفي.

وفي هذا السياق يمكن تأكيد الوظيفة الحضارية للمتحف؛ إنه لا يحفظ الأشياء لأن الماضي أجمل بالضرورة من الحاضر، ولا لأن كل قديم يستحق التقديس، وإنما لأنه يمنحنا إمكانية فهم الطريق الذي أوصلنا إلى الحاضر. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته لا يستطيع أن يعرف نفسه، والمجتمع الذي يفقد ذاكرته التاريخية يفقد جزءًا من قدرته على فهم هويته وتحولاته.

 فالمتحف الطبيعي يقول لنا إن تاريخ الحياة ليس تاريخ الإنسان وحده، وإن وجودنا الحالي ليس بداية القصة. لقد سبقتنا ملايين الأنواع، وعاشت ملايين السنين، ثم انقرضت. بعضها كان أكثر انتشارًا منا، وبعضها عاش أطول مما يمكن أن نتخيله، وبعضها كان أكثر تكيفًا مع بيئته، ومع ذلك انتهى إلى أحافير وهياكل وآثار محفوظة في المتاحف وهنا يتسع معنى الوعي التاريخي ليصبح وعيًا بتاريخ الحياة نفسها.

إن هيكل الماموث في متحف التاريخ الطبيعي ليس مجرد عظام لحيوان انقرض؛ إنه سؤال فلسفي عن المصير. والحفرية ليست مجرد حجر، وإنما صفحة من كتاب الحياة. والمومياء ليست مجرد جسد محفوظ، وإنما شهادة على علاقة الإنسان القديم بالموت والزمن والخلود.

وإذا كان المتحف الطبيعي يحفظ ذاكرة الكائنات، فإن المتحف الفلسفي يحفظ ذاكرة الأفكار. وهو لا يحفظ الأفكار باعتبارها نصوصًا مجردة فحسب، وإنما يحفظ آثارها المادية والتاريخية: الكتب والمخطوطات والرسائل والصور والأدوات العلمية والخرائط والوثائق والاختراعات.

وهذا ما يجعل تجربة متحف الجمعية الفلسفية الأميركية في فيلادلفيا ذات دلالة خاصة. فالجمعية الفلسفية الأميركية تأسست على يد بنجامين فرانكلين عام 1743 بهدف تعزيز المعرفة النافعة، وهي أقدم جمعية علمية/فكرية مستمرة في الولايات المتحدة. أما مبنى Philosophical Hall فقد اكتمل عام 1789، وأصبح مقر الجمعية، وهو اليوم يحتضن متحف الجمعية الفلسفية الأميركية. وقد افتُتحت قاعة المتحف فيه عام 2001، وتقام فيه معارض دورية تعتمد على مقتنيات الجمعية ومكتبتها . وربما كانت تلك التجربة في تأسيس متحف للفلسفة في الولايات المتحدة الأمريكية تجربة فريدة من نوعها هنا متحفا؛ جعل من تاريخ المعرفة والأفكار والعلوم والتجارب الإنسانية موضوعًا للعرض والتأمل.

إن أهمية هذه التجربة لا تكمن في فرادتها وإنما في أنها تجعلنا نفكر في العلاقة بين الفكرة والأثر. فالفكرة لا تبقى دائمًا داخل العقل؛ إنها تتحول إلى كتاب، والكتاب إلى حركة، والحركة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تاريخ. والاختراع الذي نراه اليوم شيئًا مألوفًا كان في لحظة ظهوره فكرة جديدة، وربما فكرة مستحيلة في نظر معاصريها.

وهكذا يغدو المتحف أكثر من مكان لحفظ الأشياء؛ إنه أركيولوجيا للأفكار، يحفر في الطبقات التي سبقت ظهور الأحداث، ويعيد وصل الفكر بالتاريخ. وإذا كان المتحف الطبيعي يحفظ آثار الكائنات التي عاشت ثم انقرضت، فإن متحف الفلسفة يحفظ آثار الأفكار التي وُلدت ثم تحولت إلى أفعال وتاريخ فنحن لا نرى الأشياء وحدها، بل نسأل: لماذا حُفظ هذا الشيء؟ لماذا اختير هذا الأثر دون غيره؟ ما المعرفة التي يمثلها؟ وما السلطة التي قررت أن هذا الشيء جدير بالبقاء؟ وما الذي اختفى لأن أحدًا لم يحفظه؟

ختاما يمكن القول: في عصر يستطيع فيه الإنسان أن يصوّر ملايين الأشياء ويخزنها رقميًا، تبدو مشكلة النسيان وكأنها قد انتهت، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الذاكرة؛ فالذاكرة ليست تخزينًا، وإنما اختيار وتأويل وربط بين الأشياء والمعاني. ومن هنا تتجاوز وظيفة المتحف مجرد حفظ الأشياء، فهو يمنحها سياقها وقصتها ومكانها في الذاكرة الإنسانية، ويضع الماضي أمام العين والجسد والعقل، فيصبح نوعًا من مقاومة السرعة التي تبتلع الأشياء قبل أن نفهم معناها. إن المتحف يقول لنا: تمهّلوا، انظروا إلى ما كان، واسألوا قبل أن تستبدلوا، واحفظوا قبل أن يختفي. ولذلك فإن حماية التراث والآثار ليست موقفًا ضد الحداثة، بل هي شرط لحداثة واعية؛ فالحضارة لا تتقدم بهدم القديم، وإنما بفهمه وحفظ ما يستحق منه، ثم البناء عليه. فالإنسان الذي يعرف من أين جاء يكون أقدر على أن يقرر إلى أين يريد أن يذهب. كما أن المتحف لا يحفظ الحقيقة جاهزة، بل يجعلنا نفكر في كيفية تشكلها؛ فالشيء المعروض لا يتحدث وحده، وإنما نمنحه نحن سياقه وعنوانه وقصته وموقعه في السرد التاريخي. ومن هنا يصبح الوعي المتحفي جزءًا من الوعي الفلسفي. فالمتحف الطبيعي يحفظ ذاكرة الحياة، والمتحف التاريخي يحفظ ذاكرة الإنسان، والمتحف الفلسفي يحفظ ذاكرة الأفكار؛ وبين الحياة والإنسان والفكرة يمتد تاريخ طويل من الوجود. وكلما تسارع العالم وتشابهت ملامحه، ازدادت حاجتنا إلى الذاكرة وإلى معرفة تعدد الطرق التي أوصلتنا إلى حاضرنا. لذلك فإن حماية المتاحف والآثار ليست حماية للماضي من المستقبل، بل حماية للمستقبل من فقدان ذاكرته. ولعل المعنى الأعمق للمتحف أنه لا يحفظ ما مات، بل يمنح ما غاب فرصة أخرى لكي يتكلم؛ فالماضي لا يموت حين يغيب، وإنما يموت حين لا نجد من يتذكره.

***

ا. د. قاسم المحبشي

ربما يتساءل كثيرون من مختلف المواقع عن جدوى الحوار وضرورته بي التعبيرات والتيارات والأطياف الفكرية والسياسية، في هذا الوقت بالذات الذي تتزايد فيه صور السجن الطائفي والاصطفافات المذهبية في المنطقة كلها.

ولعل بعض هذه التساؤلات، تنطلق من خلفية ضغط الواقع الطائفي في الأمة عليهم. فهؤلاء لا يعارضون مبدأ الحوار، ولا يستنكفون من حيثياته ومتطلباته، ولكنهم يروا بأم أعينهم الكثير من الصور الواقعية السيئة، التي تضغط على تفكيرهم وحياتهم، بحيث أنهم لا يروا في هذا الحوار كرافعة حقيقية وكخطوة توعية، سبيل الخروج من نفق المكايدات الطائفية.

وعلى كل حال نحن نقول: مهما كان الواقع سيئا على هذا الصعيد، فإننا جميعا بحاجة أن نتحاور مع بعضنا البعض.

ليس حوار طرشان، وإنما حوار حر وموضوعي ولا يستهدف الانتقال المذهبي من موقع لآخر، وإنما يستهدف تنمية الجوامع المشتركة وخلق المعرفة العميقة ببعضنا وصياغة وثيقة للتفاهم والتلاقي على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

والحوار الذي نتطلع إليع في داخل وطننا وفي عموم الأمة هو الذي يتجاوز نمط السجالات المذهبية والتراشق بالاتهام والاتهام المضاد، إلى خلق مساحات وآليات للتعايش والتبادل على نحو إيجابي وبناء.

ومن الضروري أن ندرك جميعا، ومن مختلف مواقعنا المذهبية والفكرية والاجتماعية، ان الركام التاريخي لا يمكن ضبطه وتنقيته من الشوائب والتأثيرات السلبية، إلا بالمزيد من الوعي والعمل المستديم لتفكيك العقليات والثقافات التي تغذي الشحن الطائفي المقيت بين المسلمين. وإن وجود ظواهر وممارسات طائفية معاصرة، ينبغي أن لا يدفعنا إلى الاصطفافات الطائفية، وإنما ينبغي أن يدفع للعمل من أجل خلق الحقائق الوحدوية، التي تعطل مفعول تلك الممارسات الطائفية البغيضة. فالممارسات الطائفية مهما كان مطلقها والقائم عليها وبها، هي مدانة ومستنكرة، وينبغي الوقوف في وجهها بحزم.

ونحن هنا لا نمتلك علاجا سحريا للمشكلة الطائفية في الأمة، وإنما ما نود أن نؤكد عليه هو النقاط التالية:

1. إن إنهاء مظاهر وحالات التمييز والإقصاء وبث الكراهية والبغضاء بين أتباع التيارات والأطياف الفكرية والسياسية في الواقع المعاصر، يتطلب العمل على تجديد رؤيتنا وفهمنا إلى المقولات التي كتبها علماء كبار من مختلف التعبيرات في ظل ظروف وأوضاع خاصة، والتي فهم منها بشكل أو بٱخر تسويغ هذه الممارسات الشائنة. وذلك لأنه بدون تسليط الضوء على هذه المقولات، وتفكيك الأفهام السوداء المتعلقة بها، فإن هذه الممارسات ستستمر بالبروز.

ف " تبدو الحاجة ماسة إلى تسليط الضوء على النصوص / المراجع التي يتمترس وراءها كل فريق، في شن حربه الرمزية (أو الفعلية) ضد الآخر، عبر إطلاق تهم التكفير أو التبديع والتحريف. وهكذا، يدان الآخر أو يضطهد، لمجرد الاسم الذي يحميه، سني أو شيعي أو مسلم او مسيحي او يهودي.. إلخ، وذلك من دون التعرف إلى سيرته وعمله، بل هو يدان في بعض النصوص ولو كان من أهل العمل الصالح. نحن هنا إزاء نصوص هي أثر من آثار حروبنا الرمزية في بربريتها الدينية أو المذهبية، لا شبه لها سوى ما تخلفه الحروب الوحشية من الآثار الهمجية في أجساد البشر أو في معالم الحضارة والعمران. هذه النصوص الفضائح هي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، إذ هي التي تقيم سدودا منيعة من الحقد والبغض بين أتباع الطوائف، بقدر ما تسهم في صنع ذاكرتهم العدائية الموتورة. هنا مكمن الداء الذي ينبغي إخضاعه لمبضع التشريح والتحليل لاستئصال الجرثومة التي عشت طويلا في النفوس، لكي تهرب العقول وتحول الهويات إلى محميات عنصرية بأسمائها ورموزها وطقوسها وأحكامها وفتاواها.

ولذا، فإن محاولات التقريب والحوار محكوم عليها بالفشل ما دامت مفردات الشرك والكفر او البدعة والضلالة تشكل صلب العقيدة والعدسة التي من خلالها يرى الواحد إلى غيره، لكي يدينه وينزه نفسه. " (راجع علي حرب، الإنسان الأدنى – أمراض الدين وأعطال الحداثة، ص106، المؤسسة العربية للدراسات 2005).

لهذا وفي هذا السياق، نحن بحاجة إلى الحفر المعرفي والتاريخي في كل المقولات التي تغذي بشكل مباشر أو غير مباشر حالة العداء والكراهية بين أتباع المذاهب الإسلامية.

و إن شمس الحرية والعدالة لن تشرق في مجتمعاتنا، إلا بصياغة العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع الواحد، بحيث تقوم العلاقة على أسس الاعتراف المتبادل والتعاون والاحترام العميق لبعضنا البعض.

و " المجدي الٱن نقد الذات على النحو الذي يؤدي الى أن يتحول الواحد عما هو عليه، بكسر نرجسيته والزحزحة عن مركزيته الطاردة لما عداه. هذا هو المتاح، معرفيا وعمليا، إذا شئنا أن لا تظل مسألة التقريب أو الحوار تعالج معالجات عقيمة وغير مجدية. فالحوار بين السنة والشيعة، أو بي الإسلام والمسيحية، وكما تشهد التجربة اللبنانية، يحتاج إلى إعادة تأهيل وبناء، في كل ما يتعلق بسياسة الحقيقة والهوية، وطريقة إدارة الشريعة والعقيدة، بحيث يكف الواحد عن الاعتقاد بأنه مالك الحقيقة ومحتكر الشرعية، أو بأنه ممثل الاستقامة وصاحب الفرقة الناجية." (راجع المصدر السابق ص 112).

ونجاحنا على صعيد الحوار المذهبي والفكري، مرهون بقدرتنا جميعا على إخراج أنفسنا والمجتمع من المماحكات والسجالات المذهبية، والعمل على توسيع مساحات التعايش والتواصل والشراكة ف مختلف شؤون الوطن والمجتمع. فهذه المساحات ومتوالياتها وتأثيراتها وفضاءاتها العامة، هي التي تذلل الكثير من العقبات ، وتسهل شروط التقريب والتفاهم، وتزيل من الطريق كل ما يحول دون التلاقي والتعاون.

ولا بد أن يتذكر الجميع أن بث الكراهية تجاه المختلف والمغاير، لا يزيد الذات قوة بل يعريها من العديد من القيم والمضامين الإنسانية. كما أن الخوف من الآخر والنفور منه، لا يحصن الذات ولا يبقيها بعيدا عن المخاطر والتحديات. فالتواصل والانفتاح وتوسيع المساحات المشتركة بي مختلف التعبيرات والمكونات، هو السبيل الذي يضمن حقوق الذات وحقوق الآخرين، ويجنب الجميع مخاطر الفتنة والاحتراب الداخلي.

2. ضرورة فك الارتباط بين الاختلافات المذهبية بكل مستوياتها ودوائرها، وبين حقوق الانسان وضرورة صيانتها ومنع التعدي عليها. فالاختلافات مهما كان حجمها وشكلها وعمقها، لا تبرر لأي أحد أن يتعدى على حقوق الآخرين ويمارس بحقهم صنوف التهميش والتمييز. فحقوق الإنسان ينبغي أن تكون مصانة من قبلنا جميعا، بصرف النظر عن مدى قناعتنا أو قبولنا للأفكار أو العقائد التي يتبناها الطرف الآخر. لنا حق الحوار والمعرفة والنصيحة، ولكن علينا واجب الاحترام وصيانة الحقوق والكرامات.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن الكثير من المشاكل التي تجري بين المسلمين لأسباب مذهبية، هي بفعل الدمج التعسفي بين واقع الاختلاف وترجمته إلى سلوك إقصائي – عدواني ضد الٱخر المختلفة. بينما المبدأ القرٱني يؤكد على ضرورة احترام الإنسان يصرف النظر عن عقيدته ومذهبه، إذا لم يمارس عدوانية عليك. يقول تبارك وتعالى [يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون].(المائدة، الآية 8).

فالمطلوب قرٱنيا هو أن نلغي من ذواتنا كل النوازع والافكار والمشاعر المنحرفة تجاه الآخر الذي يختلف معنا دون ممارسة العدوان علينا. ف " الإيمان يمثل الضمانة الحقيقية التي يقدمها لكل الناس الذين يعيشون في داخلهممن يلتقون معه في العقيدة أو يختلفون معه فيها، فلا مجال – مع الإسلام – للظلم حتى للأعداء، لأن قضية العداوة تخضع الاوضاع ومواقف معينة تفرض نوعا من السلوك السلبي الذي لا يمكن أن يبتعد عن الموازين والقوانين الشرعية التي تعتبر أن للعداوة مساحة لا يمكن أن يتعداها الانسان المؤمن، وهي مساحة الحقوق التي اكتسبها هذا العدو أو ذاك، من خلال المواثيق والمعاهدات، أو من خلال الأحكام الشرعية التي أنزلها ال مما يحترم فيه بعض جوانبه الإنسانية " (راجع تفسير     من وحي القرآن – المجلد الثالث ص 59).

ولكي نفك الارتباط بين شرعية الاختلاف في الدائرة الإنساني، وصيانة حقوق الانسان، فالاختلاف لا يشرع إلى الامتهان كما ان التمايز في الدين او المذهب أو القومية، ليس سببا لممارسة الظلم والعدوان عليه.

أقول من أجل ضمان حقوق الانسان في دائرة الاختلاف والتمايز، من الضروري ممارسة النقد الواعي لذواتنا. لأننا جميعا مسؤولون عن الكثير من الأقوال والممارسات التي تعكس بشكل أو آخر قبولنا ولو الضمني بممارسة التمييز أو الإقصاء بحق الإنسان الذي يختلف معنا وتتمايز رؤيته عن رؤيتنا وأفكاره عن أفكارنا. بينما مقتضى العدالة يتطلب خلق مسافة نوعية بين اختلافاتنا بكل مستوياتها وفضاءاتها، وبي ضرورات صيانة حقوق وكرامة الإنسان.

فكل الأطراف بحاجة أن تفحص نفسها، وتطهرها من كل الأدران والرواسب التي تحملها في الرؤية والموقف من الآخر.

فعلى المستوى الواقعي والجوهري والجميع يحمل رؤية اصطفائية حول ذاته، وتحقيرية بمستوى من المستويات تجاه

الآخر الذي يختلف معه في دائرة من دوائر الانتماء أو الفكر.

ولا خيار أمامنا إذا أردنا السلم الأهلي والعيش المشترك، إلا نقد ذواتنا وفحص أفكارنا وتشكيل مجالات وفضاءات للتواصل المستديم     مع الآخر. " ولذا فنحن لا نتحاور     مع     الآخر، لكي نعرف من المخطئ ومن المصيب، أو من الضال ومن المهتدي، ولا نتحاور معه وفقا لمبدأ التسامح لكي نتنازل له عما نعتقده صوابا عندنا، أو خطأ عنده، بل نتحاور لكي نكسر الحواجز ونتعدى الخطوط الحمر، وعلى نحو يتيح لكل واحد أن يتحول عما هو عليه، لكي يسهم في تحويل الآخر.

" (راجع علي حرب، مصدر سابق، ص 243).

ولكي تضبط الاختلافات المذهبية في الدائرة الاجتماعية، ينبغي أن تدار بمنطق وعقلية التواصل والاعتراف المتبادل والشراكة، لا بعقلية الاستئثار والاصطفاء والقطيعة.

3. تبقى المواطنة بحقوقها وواجباتها وفضاءاتها العميقة، هي الوعاء الذي ينبغي أن نعمل جميعا لتقويته وتعزيزه. فالانتماءات المذهبية أو القبلية، ليست بديلا عن حضن ووعاء المواطنة. لذلك فإن الحوار والتفاعل المذهبي في مختلف الدوائر، من الضروري أن يتجه بكل قضاياه وعناوينه لتعميق خيار المواطنة والانتماء الوطني.

فإننا ندعو الى ان يحترم كل انسان خصوصياته الثقافية والمذهبية، ولكن ليس من أجل العزلة والانكفاء والانحباس في هذا الإطار، وإنما من أجل أن تتوفر كل الظروف والشروط، التي تسمح لكل الخصوصيات، لكي تمارس دورها في إغناء مفهوم المواطنة وتعزيز وحدة الوطن وعزته.

فالتعددية لا تعني بأي حال من الأحوال تشريع الفوضى أو غياب الجوامع المشتركة بيت التعدديات والتنوعات الموجودة في الإطار الواحد. لهذا فإننا في الوقت الذي ندعو كل الخصوصيات أن تشعر بذاتها، وتمارس شعائرها، في ذات الوقت نحذر من العزلة وخلق الكانتونات الخاصة والضيقة في الوطن الواحد. فتحت مع الحرية التي ينبغي أن تمنح للانتماءات المذهبية، ولكن في ذات الوقت مع تفعيل دور المواطنة وتنمية حقائقها ومتطلباتها في الفضاء الاجتماعي والثقافي.

فالمواطنة بما تعني من حقوق وواجبات، والتزام ومسؤوليات، ومضامين دستورية وسياسية، هي الوعاء الذي يجب أن تتفاعل فيه كل الخصوصيات والانتماءات. والأوطان دائما لا تبنى بتنمية الأحقاد والممارسات الطائفية البغيضة، بل بالوئام والتلاقي وتجاوز كل ما يعكر صفة العلاقة السليمة بين مختلف المكونات والتعبيرات.

وإن تحقيق المعاني الجوهرية لمفهوم المواطنة في فضائنا السياسي والثقاف والاجتماعي، ليس أمرا سهلا ويسيرا بل يتطلب جهودا نوعية على مختلف المستويات ومن جميع الشرائح والفئات في المجتمع والوطن.

4. إن العلاقة الإيجابية مع الآخر المذهبي والفكري، هي بحاجة بشكل دائم إلى ثقافة تسند هذا الخيار وتعززه، وتوضح لمختلف شرائح المجتمع أهمية هذا الخيار ودورها الحقيقي في تكريس الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومقاومة كل المخاطر التي تستهدف استقرارنا ووحدتنا. فالعلاقات الايجابية بين أهل المتاعب الاسلامية، ليست وصفة جاهزة، ولا تنجز على الصعيد الواقعي بمقولة هنا أو خطاب هناك فحسب، بل هي تتطلب ثقافة ورؤية عميقة واستراتيجية واضحة المعالم، نتجاوز من خلالها كل إكراهات الواقع، وتمنع دون أن نتأثر من أحداث التاريخ والواقع المعاصر واضطراباتهما.

لهذا كله ومن أجل العبور نحو المختلف وتوسيع دائرة التواصل، وتعميق خيار التقارب والتفاهم بين مختلف المكونات والتعبيرات، نحن أحوج ما نكون إلى أنشطة توعوية وثقافية نتواصل، مؤسسة وفردية، رسمية وأهلية، تستهدف إغناء مشروع التفاهم والحوارات الايجابية بين أطياف المجتمع، وتدفع شرائح المجتمع المتعددة نحو المساهمة في تعزيز خيار الانفتاح والتواصل، وتزيل من العقول والنفوس، الكثير من الهواجس والمخاوف التي تحول دون التفاعل الايجابي مع مشروع التٱخي والوحدة بين أهل المذاهب الاسلامية كافة.

و خلاصة الأمر: أن الظروف الحساسة والتحديات الخطيرة التي تواجهنا جميعا من روافد عديدة، تقتضي منا العمل على تحصين وضعنا الداخلي، بالمزيد من التلاقي والتلاحم وإفشال كل مخططات الفتنة والتشظي التي تستهدفنا وتضرنا جميعا. ولا ريب أن العبور نحو الٱخر الداخلي، وتوطيد العلاقة معه، وإزالة كل رواسب الاحتقان وفتح المجال من قبل كل الأطراف للحوار والتلاقي على أسس ومبادئ تنسجم وثوابتنا جميعا، وتجيب على كل التحديات التي تواجهنا وتبلور الرؤية نحو المقصد والمستقبل الذي ننشده جميعا ونتطلع إليه.

وتبقى الوحدة الوطنية هي خيارنا الدائم والثابت، والذي من الأهمية أن نعمل على ترسيم أسسه وتجاوز كل ما يشوهه وتعزيز كل فرصع ومجالاته. وكل هذا بحاجة إلى تفاعل خلاق من قبل الجميع، وإلى مبادرات ثقافية واجتماعية، تعزز هذا النهج وتعمق متطلباته في كل المجالات.

ودينامية الحوار والوحدة والتواصل، هي دينامية الإصرار على تجاوز كل محن الواقع وصعوباته ونماذجه المنحدرة من الصراعات والتوترات والنزاعات، وذلك من أجل بناء رؤية ووقائع للعيش المشترك والتفاعل الاخلاق بين مختلف المكونات.

فتحت مع الحوارات المذهبية والتواصل المعرفي والإنساني، مهما كانت ضغوطات الواقع واكراهاته. ووجود وقائع وممارسات طائفية في فضائنا وواقعنا الراهن، يحملنا مسؤولية إضافية على هذا الصعيد، اليس المطلوب هو المزيد من الاصطفافات الطائفية وبث الفتنة المذهبية في الوطن والمجتمع، وإنما فتح ممكنات ومجالات للحوار والتواصل وتمتين أواصر الوحدة والتعارف بين شركاء الوطن والمصير.

و ما يجري في المنطقة العربية والاسلامية من أحداث طائفية مقيتة ومدانة، من الضروري أن لا تجرنا الى التمترس المذهبي والعزلة الاجتماعية عن بعضنا البعض، وإنما لا بد أن تزيد من وعينا وإدراكنا الى ضرورة الاسراع في خلق مبادرات ومشروعات وطنية، احسن مجتمعاتنا من مخاطر الفتنة والانقسام، وتعزز من خيار التفاهم والتلاقي والوحدة بين مختلف شرائح مجتمعنا ومكونات وطننا. وتعالوا جميعا بدل أن نلعن ظلام الفتنة الطائفية وبث الكراهية والحقد بين الناس، أن نشعل شمعة الحوار والتسامح والاعتراف بالآخر أخا وشريكا. فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك فالخلق.

- انتهى –

***

محمد محفوظ

في المثقف اليوم