عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

يمتدح الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (1872-1970) في مقال رائع له عام 1935 حالة الفراغ والكسل التي يعيشها الفرد، فهو يرى ان "حجما كبيرا من الأذى يحصل في العالم الحديث بسبب الايمان بفضيلة العمل، وان الطريق الى السعادة والازدهار يكمن في تقليل منظّم للعمل".

يكتب رسل "لقد أعاقت ثقافة الكفاءة قدرتنا على المرح واللهو" . الشخص الحديث يعتقد ان كل شيء يجب ان يتم لأجل شيء آخر وليس لأجله هو. بكلمة أخرى، الإنتاجية هي النجم المرشد لنا. نحن نعمل أشياءً لنحصل على أشياء. نحن نادرا ما نوجّه طاقاتنا الفكرية لفعل أي شيء لمجرد فعله. طبقا لذلك، يرى رسل ان وسائل الترفيه أصبحت الى حد ما بلا معنى: المتعة في المجتمعات الحضرية أصبحت في الغالب سلبية، الناس تراقب دور السينما، تشاهد مباراة كرة القدم، تستمع للراديو وهكذا.

هذا ينتج من حقيقة ان الطاقة النشطة للمجتمعات مكرّسة بالكامل للعمل، لو كان لديهم المزيد من وقت الفراغ لإستمتعوا مرة أخرى بالاشياء التي انخرطوا فيها بنشاط. لننظر، على سبيل المثال، ماذا سيحدث لو اضطر الناس للعمل فقط أربع ساعات يوميا. في مثل هذا العالم، يقول رسل:

كل شخص لديه فضول علمي سيكون قادرا على الانغماس فيه، وكل رسام سيكون قادرا على الرسم دون ان يتضور من الجوع، مهما كان مقدار الجمال في لوحاته. هكذا عالم قد يبدو حلما طوباويا، لكن رسل يعتقد ان الطرق الحديثة للإنتاج يمكن ان تمنح المزيد من وقت الفراغ للجميع. نحن اخترنا بدلا من ذلك مسارا آخر: تشديد التركيز على قيمة وفضيلة وضرورة العمل.

قيمة العمل الشاق

لا أحد يحب الشخص الكسول، لا أحد يحب شخصا لا يساهم في الخير العام. ومع ان التصنيع كان هاما وثمينا في سياقات معينة، لكن رسل يعتقد اننا يجب ان نهتم ليس في تمجيد العمل على حساب كل الأشياء الأخرى. هناك طرق أخرى لنكون أناسا، فكرة الفضيلة في العمل هي حكاية تُروى منذ القدم. يجب ان ننظر في منْ يستفيد من ذلك العمل. اذا كان معظم الناس يعتقدون ان أخلاقية عمل الشخص تشير الى قيمة الشخص ككائن بشري، اذن منْ الذي يستفيد؟ حسب رسل، انها كانت دائما قصة ملائمة لاؤلئك أصحاب السلطة. العمال يتم تحفيزهم على التزام الصمت وتجنب المشاكل اثناء تأدية العمل، الأثرياء على مدى آلاف السنين نادوا بكرامة العمل، بينما حرصوا ليبقوا هم ذاتهم غير كرماء في هذا الصدد. الارستقراطيون على مر التاريخ أمضوا الشطر الأكبر من حياتهم في الفراغ معتمدين على عمل الآخرين. الطبقة المترفة تمتعت بميزات لم يكن لها أساس في العدالة الاجتماعية، هذا الامر جعلها بالضرورة قمعية، وفقدت تعاطفها فاخترعت نظريات تبرر بها امتيازاتها. لكن رغم اللاعدالة في امتيازاتها، ورغم عدم بذل جهد كبير، يدّعي رسل ان الطبقة المترفة مع ذلك "ساهمت تقريبا بكل ما نسميه حضارة".

انها رعت الفنون واكتشفت العلوم، كتبت الكتب، اخترعت الفلسفات، وصقلت العلاقات الاجتماعية. حتى تحرير المضطهدين عادة ما يتم تدشينه من الأعلى.

والأكثر أهمية، ان رسل يقترح ان هذا ليس بسبب ان الارستقراطية كانت نوعا ما أفضل واكثر تنويرا من العمال، وانما لأن الطبقة الارستقراطية كانت تستطيع التمتع بأوقات الفراغ : الفراغ ضروري للحضارة، وفي الأوقات السابقة كان الفراغ للقلة ممكنا فقط بواسطة عمل الكثرة. لكن عملهم كان ثمينا، ليس لأن العمل جيدا وانما لأن الفراغ جيد. كان على الكثيرين ان يعملوا بلا كلل لأنتاج التسلية للقلة، لكن اليوم، الطرق الحديثة للإنتاج تعني ان بإمكان أي شخص الحصول على الكثير من وقت الفراغ. بكلمة أخرى، لدينا الفرصة لخلق طبقة مرفهة بدون ان ترافقها لامساواة اجتماعية. طبقة مرفهة تضم كل شخص.

ولسوء الحظ، كما لاحظنا، يرى رسل ان المجتمع اختار طريقا آخر. بينما كان بإمكاننا تحقيق توزيع اكثر عدلا لوقت فراغ للجميع، فقد تبنّينا بدلا من ذلك دافع الربح لمضاعفة قيمة العمل.

فرص عمل للبعض، لا فراغ لأحد

لكي يوضح سخافة الموقف، يدعونا رسل ان نتصور سيناريو يتعلق بصناعة الدبابيس. افرض ان الحاجة العالمية من الدبابيس يمكن تلبيتها من جانب العمال في الصناعة فقط بعمل ثمان ساعات يوميا، لو ان شخصا ما يخترع أداة تضاعف الفاعلية الانتاجية لكل عامل. ماذا سيحدث؟ "في عالم معقول"، يجيب رسل، "كل شخص مشارك بصناعة الدبابيس سوف يعمل أربع ساعات يوميا بدلا من ثمان، وكل شيء سيسير كما في السابق. لكن في العالم الواقعي.. لايزال العمال يعملون ثمان ساعات، هناك الكثير من الدبابيس، بعض أرباب العمل يعلنون افلاسهم، ونصف الرجال المشاركين سابقا بصناعة الدبابيس يُلقى بهم خارج العمل. بدلا من إعطاء كل شخص الكثير من وقت الفراغ، نحن نُبقي بعض الناس في العمل ولا نعطي للآخرين وقت فراغ، الاّ بطالة بوقت كامل. في النهاية، هناك نفس القدر من وقت الفراغ كما هو الحال في الشكل الآخر، لكن نصف العمال عاطلون تماما عن العمل بينما النصف الاخر لايزالون يعملون فوق طاقتهم. بهذه الطريقة، يتسبب وقت الفراغ الذي لا مفر منه في بؤس الجميع بدلا من ان يكون مصدرا عالميا للسعادة. هل يمكن تخيل شيء أكثر جنونا من هذا؟

الأوقات تغيرت، لكن الاخلاق الأساسية لم تتغير: حياة العمال تتمتع بالكرامة وتُبرر وتصبح ذات معنى فقط من خلال العمل. هل يمكن ان نتصور عالما فيه المزيد من الفراغ للجميع؟

يقول رسل في عالم كثير الفراغ، يصبح السباق على "النجاحات" المادية أقل أهمية. الناس سيكونون قادرين على بذل المزيد من الطاقة في مساعيهم الفنية والفكرية والاجتماعية. الناس ربما يكونون أكثر رقة تجاه بعضهم: الرجال والنساء العاديين الذين لديهم الفرصة لحياة سعيدة سيكونون أكثر تعاطفا وأقل ميلا للنظر بريبة الى الاخرين .. حُسن الخلق هو من بين جميع الصفات الأخلاقية، صفة يحتاجها العالم أكثر، وحسن الخلق هو نتيجة السهولة والأمن، وليس نتيجة الكفاح الشاق.

الكثير من الفراغ يُعد امرا حاسما ليس فقط لسعادتنا الفردية وانما لمستقبل الإنسانية أجمع. بدون فراغ، سيصبح المواطنون وبشكل متزايد متخصصين في صناعاتهم الخاصة، يفقدون القدرة على التخيل المطلوب لتقدّم المجتمع. منْ يقدّم الأفكار والقيم ، والفلسفات الجديدة اذا كان هدف البشرية هو فقط تسلّق سلّم العمل؟ اذا كانت الغالبية العظمى منّا تركز كل طاقاتها على العمل، بأيدي منْ سيُترك المستقبل؟

 في مقاله (مديح الكسل) يقدم رسل القليل من الإرشاد العملي للحلول، والكثير من التحدي لقيمنا السائدة. بدلا من التأييد الضمني للعمل باعتباره هادف وأكثر فائدة، وطريقة مرضية لقضاء الوقت، ينبغي علينا جميعا ان نبدأ التساؤل عن ماهي الغاية لأجل الإنسانية. يختتم رسل مقالته:

الطرق الحديثة للإنتاج أعطتنا إمكانية الراحة والأمان للجميع، نحن اخترنا بدلا من ذلك خلق الإرهاق للبعض والمجاعة للآخرين. حتى الآن لقد حافظنا على نفس مستوى النشاط الذي كنا عليه قبل وجود الآلات، بهذا نحن كنا حمقى، لكن لا سبب للاستمرار بالحماقة الى الأبد.

***

حاتم حميد محسن

لا يختلف باحثان على ان العرب – إبان النزول القرآني – كانت امة امية تعتمد على ذاكرتها وروايتها للشعر والأنساب[1] وقد أمر الرسول (ص) بتدوين القرآن الكريم عن طريق كتّاب الوحي وشجع (ص) على تعلم الكتابة وفي ذلك شواهد تاريخية. لكن أهل العلم اختلفوا في مدى رغبته في تدوين السنّة على قولين:

الأول إنه ص حث على التدوين لانه أراد حفظ أقواله وأفعاله وتقييدها، والثاني انه (ص) منع من تدوين الحديث لئلا يختلط بالقرآن [2]، وقد رجح كثير من الباحثين القول الأول لأن الآية الاولى بالقرآن كانت مبدوءة بـ (اقرأ) وان الله تعالى أقسم بالقلم في (ن والقلم) وأمر الله بكتابة الدين، ويستدلون أيضاً بأن عدداً من الصحابة كانت لديهم صحف [3] فيها مدوناتهم. وإن النبي شجع على تعلم الكتابة وإن السنة دين ومسؤولية النبي ايصال أمر الدين الى الاجيال، إلا ان سياسة الدولة في زمن عمر اعتمدت قول المانعين فتوقف الناس عن كتابة الحديث وتدوين التاريخ والفقه ويشكك مؤرخو الشيعة بأهداف القرار المعلنة ويرون ان له مرامي اُخر.

وبالنسبة للأئمة من آل البيت فقد نقل الرواة عنهم انهم كانوا يرغبّون بالكتابة [4] وكان أصحابهم يكتبون في ظل ظروف شديدة الصعوبة ومنهم ابو رافع واولاده علي وعبد الله [5] وكان الظرف لا يشجع على التدوين للحظر الرسمي عامة، وللخوف من كتابة علوم آل البيت وأفكار التشيع ومفاهيمه، لاسيما بعد تولي معاوية شان السلطة

وفي الفترة الاولى من 11ه – 95ه، التزم اكثر الناس بعدم الكتابة لكن الذي عليه التحقيق ان صحفاً ورسائل وكتب قد كتبت في هذه الفترة، وسجلت روايات عن الإمام الحسن، ودونت أحداث كربلاء وخطب المعركة، وما جرى للتوابين والمختار وزيد وابنه يحيى وكل ذلك كان يجري دونما إشهار أو إعلان وكانت أشبه بكراريس شخصية. فلما ارتفع الحظر الرسمي ابان عصر الخليفة عمر بن عبد العزيز تولى الامام الباقر بنفسه نشر علومهم ورغّب في إملائها وأوجب على أصحابه الذين دونوها في صحائفهم، وظهرت عند ذاك الرسائل المرسلة للأئمة والردود المكتوبة منهم، فقد روى الكليني (15) حديث في باب (رواية الكتب والحديث) منها قول الصادق (احتفظوا بكتبكم فأنكم سوف تحتاجون إليها) [6] ويفسره مؤرخو الشيعة انه وصية للشيعة في انهم سيمرون بظروف أصعب لا يلتقون فيها بالإمام وعليهم عند ذاك الرجوع إلى ما كتبوه في صحفهم،

فقد أشار ابن النديم في كتابه الفهرست والطوسي في الفهرست [7] ايضاً إلى اصول ومدونات ظهرت في النصف الاول من القرن الثاني الهجري، فبأمكاننا أن نعد ما قبله وإن ظهرت فيه (بعض المدونات) إلا أنها ليست ظاهرة عامة فهو (عصر المشافهة في نقل التراث)، لأن المكتوب في هذه الفترة كان عفوياً وتطلعاً شخصياً، أما بعد النصف الثاني من القرن الثاني فقد بدأ التدوين العام للحديث والسيرة والتاريخ وكان هشام بن الحكم (ت178ه) ويونس بن عبد الرحمن ممن ورد ذكرهما كأبرز المدونين وكذلك ابن اسحق في كتابه السيرة النبوية ولوط بن يحيى (157ه) في كتابه مقتل الحسين، والردة والفتوح وكتاب الجمل وصفين، وإبان بن تغلب (ت141ه) الذي كتب عن صفين والجمل والنهروان، وليث المرادي وعلي بن ابراهيم، وهشام بن سالم واحمد بن محمد البزنطي، وآل زرارة. وعدد كبير من المؤلفين الذين تحدث عنهم الرجاليون كالنجاشي.

ولقد أحصى الحر العاملي مدونات اصحاب الامام الصادق فوجد ما في كتب الفهارس (6600) كتاب [8] إلا أن الذي اشتهر منها كان اربعمائة مدونة. وكان من هؤلاء الاربعمائة شيعة إمامية وزيدية وقد ذكر محقق كتاب (الضعفاء) ان لدى الغضائري كتاب جامع باسماء الكتب المصنفة لدى الشيعة، ذكره الطوسي وله كتاب جامع لأسماء الاصول المعتمدة في الحديث،

لقد بدأ التدوين الفعلي المجتمعي في النصف الثاني من القرن الثاني لسماح الدولة بتدوين السنة، وللانفتاح الذي حصل في هذه الفترة عند سقوط الدولة الاموية وقيام العباسية. واستمر التدوين حتى القرن الخامس، وكان الطوسي قد أحصى كتب رجال الإمامية من عصر النبوة حتى عصر المفيد (ت413ه) فكانت (888) كلهم من أصحاب الأئمة [9] ويقال أن اول كتاب ظهر للشيعة هو كتاب سليم بن قيس الهلالي (المختلف في نسبته) له إذ لم يروه غير أبان بن أبي عباس [10] وذكر النجاشي ان لأصحاب الأئمة (1269) كتابا، لم يصلنا منها إلا نزر يسير. ويلفت النظر إن أغلب المدونات كانت تدور حول القضايا العقائدية فابن قبة مثلاً كتب كتابا اسمه (الانصاف في الإمامة) [11]، ونجد ان اسماعيل بن علي بن نوبخت يكتب كتاباً اسمه (الاستيفاء في الإمامة) و (الرد على الغلاة) وقد ألّف علي بن اسماعيل بن ميثم التمار كتابين هما (الامامة) و (كتاب الاستحقاق) [12] ويذكر لهشام بن الحكم عدد من المدونات منها ايضاً كتاب في (الإمامة) و (الرد على من قال بإمامة المفضول) وكتاب (اختلاف الناس في الإمامة) و (الرد على المعتزلة في طلحة والزبير) [13]. وهذا يدلل على ان اهتمام اصحاب الأئمة ابان عصر التدوين الأول كان منصباً على المرتكزات العقائدية للتشيع.

ونلحظ التداخل بين التشكيل العقائدي ومجريات الحدث التاريخي، ويذكر المؤرخون مدون كبير هو ابراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي (ت283ه) انه قد ألّف (32) كتاباً منها كتاب أخبار المختار، والسقيفة، وفدك ومقتل عثمان، وبيعة علي، والجمل، وصفين، والحكمين، ورسائل الإمام علي، وأخبار الحسن، ومقتل الحسين والتوابون، واخبار زيد، واخبار ذي النفس الزكية [14].

ومن المدونات المبكرة كتاب المحاسن لاحمد بن محمد البرقي (ت280ه) وكذلك قرب الاسناد لعبد الله بن جعفر الحميري (ق3ه) [15] وكتاب بصائر الدرجات محمد بن الحسن الصفار القمي (ت290ه) هذه العينات كانت مهتمة بنقل النصوص وسردها سرداً يكاد يخلو حتى من التعليقات الضمنية، وأشير هنا إلى كتاب مهم ظهر للقاضي ابو حنيفة النعمان المغربي الاسماعيلي (ت363ه) الذي أسماه دعائم الاسلام، وعلى الرغم من أنه من الاسماعيلية إلا أن الكتاب يعد من مراجع الكتب الشيعية عند الإمامية وكتابه الآخر تأويل الدعائم.

لقد حصل اول تحول مع الصدوق الاول (ت329ه) في رسالة الشرائع فإنه قدّم النصوص على شكل فتاوى وحذف أسانيد وفي كتابهِ (الإمامة) يتحدث عن أزمة الشيعة ابان الغيبة وكان يزامنه الكليني (ت329ه) الذي اشتهر في ترتيب كتاب الكافي على الموضوعات.

وقد ذكر النجاشي أسماء ما يقرب من ألف ومائتين راو من أصحاب الأئمة وأشار إلى ما ألفوه من كتب [16] وقسّمهم إلى ثلاث طبقات، ولقد ذكر المؤرخون ان اربعة آلاف شيخ كانوا يتلقون الرواية عن الصادق [17] ويقال لقد بادر بعض أصحاب الإمام الرضا إلى جمع الموجود، فكانت اربعمائة أصل لاربعمائة مؤلف [18]

وفي عصر (السفراء) الاربعة ظهر كتاب الكافي للكليني (ت329ه) وهو كتاب انتقل فيه التراث من التدوين إلى التصنيف أي (تبويب الأحاديث على الموضوعات) وبعد نصف قرن ظهر كتاب الصدوق (ت381ه) الموسوم بـ (من لا يحضره الفقيه) ثم بعد نصف قرن آخر كان الشيخ الطوسي (460ه) قد أخرج للشيعة كتابين هما التهذيب وهو مستند المقنعة، والاستبصار الذي يُعنى بجمع المتوهم تعارضه. وهكذا ظهر مصطلح ((الكتب الاربعة)) مقابل ما يطلق عليه الصحاح الستة عند بقية المذاهب، وقد وجد الرجاليون من المذاهب الأخرى ان انتشار التشيع بين رواة الحديث من التابعين وأتباعهم فكانوا بين صعوبتين إحداها قولهم بعدم مقبولية رواية المتشيع – حتى في نطاقهِ السياسي – الذي يستلزم ضياع الحديث، لذلك يقول الذهبي (فهذا التشيع قد كثر في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية) [19] وذلك لأن ابن حجر في الصواعق ينص على أن كبار رجالات الحديث مثل يحيى بن سعيد، وعبد الملك بن جريج، ومالك بن انس، وسفيان الثوري، وشعبه و ايوب السجستاني كانوا يتلقون الحديث من واحد من الإمامين الباقر والصادق (ع) [20] ولعلهم كانوا ضمن ما اُطلق عليه التشيع السياسي..

لقد كانت الكتب الاربعة متراتبة زمنياً فقد ظهر الكافي في مطلع القرن الرابع اذ وفاة الكليني (329ه) وظهر كتاب الفقيه في اواخر القرن اذ وفاة الصدوق (381ه) وفي النصف الاول من القرن الخامس كان التهذيب والاستبصار للطوسي، وعندي ان المراجع الاربعة للحديث الشيعي كانت المرحلة الثالثة التي هي مرحلة التصنيف بعد مرحلتي المشافهة في نقل الحديث والتدوين (جمع الحديث).ويجدر الذكر ان أكثر من اربعة قرون مضت على انتشار الكتب الاربعة واعتمادها كأصول مرجعية لم يزعم احد انها كتب صحاح، كما هو حال المدارس الحديثية الأخرى ولكن خلال القرن السابع قام العلامة الحلي، والسيد ابن طاووس بمراجعة نقدية صارمة للرواية واعتمدوا السند وقاموا بالعمل على التقسيم الرباعي للحديث إلى (صحيح – وحسن – وموثق – وضعيف) [21] وجعلا كل ما موجود في الكتب الاربعة خاضعاً لهذا المعيار الذي أجهدا نفسيهما في توصيفه وضبط مخرجاته، وقد أدى تطبيق هذا المعيار إلى طرح الكثير من الروايات حتى أن المجلسي قد أحصى ما يطرحه هذا التقسيم من الكافي فقط ثلثي الروايات المدونة فيه [22] *.

وبقي حال التأليف على أساس معايير الضبط السندي من العلّامة حتى القرن العاشر الذي بدأت به موجة إخبارية عارمة تجتاح أروقة الدرس الشيعي مقابل تلك التي تماهت مع العقلانية والفلسفة والمنطق والعرفان، ولعل المبرر لظهور نزعة النقل والنص واعتمادهما أساساً مرجعياً فقط قد دفع إلى تأليف كتب مرجعية إخبارية للتراث الشيعي أخذت مكانتها فيما بعد مثل (بحار الانوار) للمجلسي، ووسائل الشيعة للحر العاملي وهذان الكتابان من أوسع الكتب إيراداً للرواية عن آل البيت، وقد سجل المجلسي خطوة مهمة في تعميق البحث عن مصادر حديثة تراثية لم يوردها المحدثون الثلاثة الاوائل، واخيراً ظهر المحدث حسين النوري بكتابه مستدرك الوسائل، بهذا الدافع ايضاً اذ وثق (23129) حديثاً وسجّل الحر العاملي (ت1104ه) حدثاُ مهماً في تأليف وسائل الشيعة [23] فقد وثق (35868) حديثاً، وممن برز في هذه الفترة الفيض الكاشاني في كتابه الوافي، وكانت هذه الموسوعات الحديثية (ترتقي بالكم والنوع) من جهة زيادة المرويات والعثور على أصول لم يعثر عليها، وتصنيف هذه الكتب تصنيفاً أفضل، وترى الإخبارية الشيعية المتأخرة أن الكتب الاربعة قد صنفت في سياق عملية تصفية واسعة فلا معنى للتصفية الجديدة التي ابتكرها العلّامة الحلي وابن طاووس [24].

لقد اكتمل التراث الحديثي بالوسائل والبحار وصار للشيعة تراثاً روائياً متدرجاً من المشافهة إلى التدوين ومن التدوين إلى الضبط المنهجي ثم تراجع الحال إلى النزعة الإخبارية التي صمدت في مجال كتب الرواية وحوكمت في مجال الدراية الفقهية والاجتهادية.

التراث الكلامي والتفسيري عند الشيعة:

يورد أحد الدارسين ملاحظة مهمة استخلصها من استقراء كتب الكلام الشيعي مفادها ان قضايا هذا النمط من التراث الشيعي كان عبارة عن محاولات للرد على الاتهامات التي توجه للتشيع فذلك التراث مسكون بحالة الدفاع، والفكر المدافع في الغالب أسير تصورات (محل الجدال) وقد ينساق إلى ما لا يستحق الجهد مما لم يكن في مقام الدفاع [25] ومن اللافت للنظر ضياع الكثير من كتب الكلام الشيعي بحيث يعد مشكلة في مجريات البحث [26]

لقد مرّ الكلام الشيعي بأدوار منها الدور الشفاهي وهو مجموع المناظرات المنقولة شفاهاً ثم الدور التدويني التي تركز في الكتب المؤلفة عن الإمامة والفرق المنشقة عن التشيع المركزي ومناقشة قضايا الغلو. واستمر هذا الدور حتى (260ه) عندذاك انشغلوا في قضية المهدي والغيبة، وكان أبرز المتكلمين آل النوبختي وابن قبة والعماني وابن الجنيد [27]

وفي مطلع القرن الخامس كانت كتب أول محاولة للضبط في كتاب المفيد المهم اوائل المقالات، وكتاب المرتضى في الفصول المختارة والشافي في الإمامة. موضوع الامامة وقد امتزج علم الكلام الشيعي بالفسلفة وأصبح مهتماً بالقضايا التي ينفرد بها ويدافع عنها وقد برز الخواجه نصير الدين الطوسي والملا صدرا، والنراقي.. ولكن كتاب التجريد للعلّامة الحلي ظل المتن الكلامي المهم.

المدونات المرجعية الشيعية في تفسير القرآن

في عموم التراث الاسلامي يتفق الدارسون على ان علم التفسير قد ولد في احضان علم الحديث والرواية عند كلا المدرستين، وقد عرف الناس تفسير القرآن من خلال المرويات التي صدرت عن النبي والصحابة والتابعين وأئمة آل البيت، ولعل الشيعة فسروا كتاب الله طبقاً للروايات الواردة عن أئمتهم (ع) في بواكير تأليفهم لكتب التفسير.

ومن التفاسير المهمة عند الشيعة التفسير المنسوب للإمام الحسن بن علي العسكري (ت256ه) وهو كتاب ألّف على طريقة الرواية مع ذكر اسنادها وهو تفسير ((فيه آراء خاصة للشيعة)) مثل اشتراط قبول الاعمال بالولاية لعلي [28] والثناء في محبة علي وآله، ويتميز هذا التفسير بان فيه فكراً تقليدياً شيعياً ويعبر عن قضايا التشيع في مرحلة الغيبة.

ومن التفاسير المهمة تفسير العياشي محمد بن مسعود السمرقندي المعروف بالعياشي (ت320ه) الذي قال عنه ابن النديم انه من فقهاء الشيعة [29] وقد جمع فيه المأثور عن أئمة آل البيت (ع)، والكتاب وإن وصل الينا مبتوراً إذ اسقط النساخ منه الاسانيد، ونسخوا الجزء الاول فقط منه فوقفوا عند سورة الكهف إلا انه يعد من التفاسير التأسيسية لعلم التفسير في مدرسة الشيعة الإخبارية .ومنها تفسير ابن ابي حاتم (ت327ه) والذي وصل منه فقط ما كتب (من الفاتحة حتى سورة الرعد) ومن سورة المؤمنون إلى العنكبوت ومنها تفسير علي بن ابراهيم الاشعري القمي (329ه) وهو من مشايخ الحديث، وعنه روى الكليني [30] وهو من صنع تلميذه العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر * الذي املاه عليه.ومنها تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي (ت352ه) وهو من رجال فترة الغيبة الصغرى وشيخ المحدثين وهو معاصر للكليني وابن عقدة، الذي بلغ مشايخه المائة شيخ، ويحتوي تفسيره على (777) حديثاً وفيه انه يروي عن زيد أخباراً تنفي العصمة عن غير الخمسة من آل البيت فيقال انه زيدي لكن الكثير من روايات الصدوق تنتهي إليه ومروياته معتمدة عند الشيعة [31].

ومن التفاسير المهمة والاساسية التي وصلت كاملة تفسير التبيان للشيخ الطوسي (460ه) وهو تفسير كامل جامع شامل للمعنى والتأويل واللغة والفقه والكلام، ولعله آخر كتب الطوسي الكثيرة لأنه يحيل الكثير من المسائل في التبيان، وينص الشيخ الطوسي انه إنما عمد إلى التفسير لأنه لم يصنف الشيعة كتاباً جامعاً شاملاً للتفسير وفيه يورد المقولات العقائدية الشيعية مثال ما ورد في تفسير (انما وليكم الله....) [32].ومن ابرز التفاسير الشيعية التي لا تزال تعد الأبرز مما كتبه المفسرون الآباء كتاب مجمع البيان وهو مثال وانموذج من كتاب الطبرسي (ت548ه) [33] وقد نقد الذهبي كتاب مجمع البيان لما فيه من آراء شيعية واعتزالية لكنه يقول رغم ذلك فهو كتاب عظيم في بابه، ويرى الذهبي ان الطبرسي جعل كتاب الله دليلاً على ما يتفق وعقيدته غير انه ليس مغالياً في تشيعه ولا متطرفاً في عقيدته [34] كما يرى الذهبي. ويصف الذهبي كتاب الطبرسي بقوله لم نأخذ عليه انه كفّر أحداً من الصحابة او طعن فيهم بما يذهب عدالتهم، ولم يغال في شان علي بما يجعله في مرتبة الإله او مصاف الانبياء وإن كان يقول بالعصمة [35] وبذلك توالت تفاسير الشيعة للقرآن الكريم نسجاً على هذه المراجع الاساسية في التفسير ومرت فترة ثلاثة قرون أو أكثر بعد عصر الطبرسي خلت من تفسير مشهور حتى عصر التفاسير الحديثة كالميزان والامثل وتفاسير شيعية كثيرة أخرى.

استخلاصات من التراث المرجعي الشيعي:

يستخلص الباحث من مروره بالمراجع الفكرية للتراث الشيعي مجموعة أمور:

أ/ نلحظ من خلال ما استعرضناه من استقصاء لنشاة التراث الشيعي وتطوره انه لم يصلنا من ذلك التراث الا النزر اليسير لاسيما ما دون في قرن التدوين الاول (150ه- 250ه)، ولعل السبب في ذلك الصدام العنيف مع الدولة حتى عصر ما بعد المتوكل، ولم تظهر المدونات إلا في زمن متأخر في اواخر القرن الثالث الهجري واوائل القرن الرابع الهجري، وقد ظهرت بآراء متباينة عن مصادر قرن التدوين الاول من حيث الاعتبار أو الوثاقة.

ب/ وضح ايضاً ان المدونات التي كتبت في هذه الفترة وما بعدها وبسبب السرية الكاملة والخوف من السلطة، قد حمل بعضها الزيادات، او نقص البيانات أو آراء الغلاة أو اختلافات الآراء بين الجماعات التي كانت تمر بأزمة ومحنة من جراء الحياة السرية للأئمة وأصحابهم.

ج/ ان تشدد الشيعة على الاسناد الذي ظهر في القرن السابع كان علاجاً للاضطراب الكبير الذي أشرنا إليه في الفقرة (ب) وتسالم أغلبية المجتهدين المعاصرين على معيارية السند وسلامة متن الحديث، وعدم اعتبار الشهرة في قبول الحديث جزء من معالجة هذا الذي دخل في التراث الشيعي من جرّاء العمل السري والخوف من السلطة والخوف من الملاحقة وحرق الكتب وما انتهت إليه اليوم من مدرسة سندية علاج فعلي برد مقولة (الصحاح) التي استقرت في المجاميع الحديثية السنية، بينما يرفض الفكر الشيعي المعاصر توصيف اي كتاب حديثي بأنه من الصحاح

د/ لم نجد في المراجع الاساسية للتشيع دعوة الى التطهير العقائدي للآخر أو معاملتهم معاملة عنيفة.

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

............................

[1] الشاطبي: الموافقات 2-34

[2] السيوطي: تدريب الراوي 2/61، الزركشي

[3] الصفار: بصائر الدرجات، الكليني: الكافي 1/141 ظ عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص25

[4] الصفار: بصائر الدرجات، الكليني: الكافي 1/141 ظ عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص25

[5] النجاشي: رقم 2،1

[6] الكافي: 1/52

[7] ابن النديم: الفهرست 1/308، الطوسي: الفهرست

[8] الحر العاملي: وسائل الشيعة: الفائدة الرابعة، يقال انه ظفر بـ 80 كتاباً منها

[9] الطوسي: الفهرست 1/260

[10] ابن النديم: الفهرست 1/307

[11] ابن النديم: الفهرست 1/250

[12] م.ن 1/249

[13] م.ن 1/249-250

[14] معجم مؤرخي الشيعة ص236، رجال النجاشي ص13

[15] النجاشي: الرجال 162 (لم يذكر النجاشي سنة وفاته)

[16] النجاشي (مقدمة) كتابه الرجال 65

[17] المفيد: الارشاد / 289

[18] وممن ذكر بالعمل بجمع الموجود احمد بن محمد بن ابي نصر وحسن بن علي بن فضال

[19] الذهبي: ميزان الاعتدال 1/5

[20] ابن حجر: الصواعق المحرقة3-65

[21] العلامة الحلي: منتهى المطلب ص180-184

[22] ظ: المجلسي: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ج6/13.

*لقد وجد ابن طاووس ان عدد احاديث الكافي كلها (16199) وعلى وفق التقسيم الرباعي فإن هناك (5072) منها فقط حديثاً صحيحاً و (1118) حديثاً موثقاً و (302) حديثاً حسناً و (9485) حديثاً ضعيفاً، أي ان نصف الكافي محل دراسة.

[23] النوري: مستدرك الوسائل الخاتمة 1/362

[24] البحراني: الحدائق: المقدمة السادسة 24

[25] علي المدَن: تطور علم الكلام الامامي ص120

ظ عبد العزيز الطباطبائي: موقف الشيعة من هجمات الخصوم، مجلة تراثنا ع1/س2/ص32

[26] المدَن: تطور علم الكلام ص130

[27] النجاشي: الرجال 31-32، 48، 385

[28] تفسير الإمام العسكري ص9

[29] ابن النديم: الفهرست

[30] محمد هادي معرفة: التفسير والمفسرون 2/751

*هناك كلام في مجهولية الاسناد (ابو الفضل العباس بن محمد) وان رواية الكليني ليست من هذا التفسير انما من علي بن ابراهيم مباشرة.

[31] محمد هادي معرفة: التفسير والمفسرون 2/751

*هناك كلام في مجهولية الاسناد (ابو الفضل العباس بن محمد) وان رواية الكليني ليست من هذا التفسير انما من علي بن ابراهيم مباشرة.

[32] ظ المجلسي: بحار الانوار 1/37

الطوسي: التبيان 3/559

[33]   روضات الجنات 5/359

[34] الذهبي: التفسير والمفسرون 2/104

[35] م.ن 2/142

ما يلاحظ على الفكر السياسي الإسلامي المعاصر أن منحنى التطرف والانغلاق والتشدد كان يزداد مع مرور الزمن وتعاقب الحقب، ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها الوطن العربي، وبخاصة تحولات عن طريق الحروب، ونخص بالذكر حقبة ما بين الحربين وبالضبط بين سنتي (1918- 1939) وحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1945- 1965) وبالأخص قيام دولة إسرائيل ذات الطابع الديني والمرجعية اليهودي- التلمودية عام 1948، بالإضافة إلى تحولات ما بعد هزيمة حزيران1967 عام وحرب تشرين الأول /أكتوبر عام 1973.

و ما يلاحظ أن الخطاب الديني المتطرف ومن خلال مقولات التكفير والتجهيل والحاكمية وحتمية الحل الإسلامي، سوف يدخل في أزمة خانقة مع الذات وفي صدام مع المجتمع ومع العصر ومع العالم.

معالم خطاب التطرف

و الحقيقة أن كل ما فعله الخطاب الديني المتطرف ممثلا في خطاب سيد قطب في الكتاب/البيان "معالم في الطريق" هو شرعنّة العنف من أجل الوصول إلى السلطة وإقامة دولة دينية/ ثيوقراطية، السلطة تكون في يد رجال الدين. ولهذا لا بد من التوقف طويلا عند الخطاب القطبي، بالتحليل وبالدرس والفحص.

مما لا شك فيه أن خطاب سيد قطب المتطرف قطع خط الرجعة تماما ونهائيا مع الخطاب السياسي العربي النهضوي، خطاب محمد عبده الإصلاحي وعبد الرحمن الكواكبي الذي بذر بذور الفكر الديمقراطي وقاسم أمين الذي نبه إلى ضرورة التحرر الاجتماعي. والغريب في الأمر أن، خطاب سيد قطب المتطرف قد قطع حتى مع خطاب الأب المؤسس والمرشد الاول للجماعة حسن البنا نفسه.

و نحن نعلم أن خطاب وخطب ورسائل مؤسس جماعة الإخوان إتسمت في الثلاثينيات من القرن الماضي إلى حد ما بالواقعية والبراغماتية والإعتدال وانتهجت سياسة التعبئة والحشد وكسب الأنصار وعدم الصدام مع الدولة ونظام الحكم.

و لهذا، لا أحد يجادل في إعتدال مؤسس الجماعة السياسي وفي واقعيته وفي سلوكه البراغماتي، وفي قبوله بالنظام الدستوري وبترحيبه بالعمل السياسي العلني، وإن كان يتحفظ على الحياة السياسية الحزبية.

و الأغرب من كل ذلك أن أفكار وتصورات ومفاهيم سيد قطب " الشيخ " هي غير أفكر وتصورات ومفاهيم سيد قطب " الشاب "، كما أن ما كتبه في السجن غير كتبه وهو حر طليق. ومن المعلوم، أن سيد قطب، وتحت تأثير قراءاته في نهاية الأربعينيات في الفكر الإسلامي الباكستاني، ممثلا في أبي الأعلى المودودي الذي أخذ منه مفهوم الحاكمية وفي أبي الحسن الندوي الذي أمده بمقولة الجاهلية.

والجدير بالذكر كذلك أن صاحب مقولات الحاكمية والجاهلية دخل السجن عام 954 مع المئات من أعضاء جماعة " الإخوان المسلمين " عَقب محاولة إغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في حادث المنشية بالإسكندرية في مارس 1954محكومًا عليه بخمسة عشرة سنة قضى معظمها في المستشفى الملحق بالسجن، وفي السجن كتب ونشر أهم مؤلفاته " في ظلال القرآن " و"معالم في الطريق " وكتابات السجين هي غير كتابات الحر الطليق، وإن كنا نعتقد أن أهم أفكار وتصوراته، وبعبارة أصح إيديولوجيته قد تشكلت قبل عام 1952، وظهر ذلك جليا في كتاب " العدالة الاجتماعية في الإسلام" الصدر عام 1949 وكتاب "معركة الإسلام والرأسمالية " وكتاب "السلام العالمي والإسلام " وكتاب "هذا الدين " و" المستقبل لهذا الدين". وكل ما في الأمر أن خطاب سيد قطب المتطرف إزدادت تطرفا وإرتفع منسوب التشّدد والتكفير لديه وهو في السجن.و الكتابة في السجن هي غير الكتابة خارج السجن.

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن كتاب/مانفيستو " معالم في الطريق " ليس مجرد نص سياسي /إيديولوجي بل هو بمثابة شهادة ميلاد الجماعات التكفيرية والتنظيمات الجهادية..

و من خلال قراءة نص "معالم في الطريق" نجده يتضمن مفهومين رئيسيين، تنطلق منهما وتستند عليهما الحركات الإحيائية وجماعات التطرف الديني، هما مفهوم الجاهلية الذي أخذه من المفكر الهندي أبي الحسن الندوي ومفهوم الحاكمية الذي إستقاه من الباكستاني الأخر أبي الأعلى المودودي.

و الحقيقة أن القول بالجاهلية. وضع الفكر السياسي الإسلامي المعاصر في مأزق وأدى إلى العراك مع القوى الاجتماعية / المدنية (المجتمع المدني) ومفهوم الحاكمية إنتهى عند محطة صدام جماعات الإسلام الحزبي الراديكالي مع الأنظمة السياسية الحاكمة (الملكية والجمهورية).

الجاهلية.. والحاكمية

يعتبر سيد قطب أول مفكر إخواني يصرح بأن العالم يعيش اليوم في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها.

و معنى هذه العبارة أن الجاهلية التي يعيشها العالم اليوم، أي جاهلية القرن العشرين تشبه الجاهلية التي كانت موجودة قبل ظهور الإسلام، وهي سائدة ليس فقط في العالم الغربي الرأسمالي، بل وفي العالم الشرقي/ الاشتراكي، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبعبارة أخرى كل المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات جاهلية، بما في ذلك المجتمعات التي توصف أو تزعم لنفسها أنها إسلامية، والسبب أن هذه المجتمعات نسيت أو تناست في الماضي أو تتناسى اليوم عبارة التوحيد " لا اله إلا الله " التي فصلت بين الشرك والإيمان، بين الحق والباطل.

و زيادة في توضيح فكرته يقول سيد قطب في ما معناه بأننا اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام بل وأكثر جاهلية، لأن كل ما يحيط بنا فهو جاهلية، وبالتالي فكل هذه المجتمعات القائمة اليوم قد إبتعدت تمامًا عن المنهج الإسلامي الصحيح، منهج الرسول والصحابة، وقع هذا التباعد في الماضي مباشرة بعد النهاية الدامية للخلافة الراشدة، كما هو واقع اليوم في القرن العشرين، وبالتالي حق أن يقال عنه "جاهلية القرن العشرين".

و المفارقة العجيبة أن سيد قطب قد تعرض لصدمة عنيفة عندما اكتشف أن الحاضر ليس وحده الذي انحرفت فيه الدولة عن الإسلام وافترقت فيه ا أمة عن الشريعة، بل أنها انحرفت كذلك في الماضي، في العصر الأموي والعباسي والعثماني انحرافا شديدا.

و اللافت للإنتباه أن فكرة الإنحراف التاريخي هي التي دفعت سيد قطب إلى تصور نظام سياسي هو غير الخلافة كما كانت في الماضي، فالتاريخ الإسلامي لم يعد صالحا للقياس عليه ولا للبناء عليه، وبعبارة أدق لم يعد معيارا من كثرة الانحرافات التي وقعت فيه.

و لهذا كان لا بد لسيّد قطب من أن يَسرح في الخيال ويتصور نظام سياسي مثالي ويحلم بجمهورية طوباوية وبدولة دينية ونظام حكم ديني/ثيوقراطي (الحاكمية). ولكن هذا النظام الديني المثالي الذي تصوره سيّد قطب في كتاب " معالم في الطريق " لم يتحقق في الواقع ولا حدث في التاريخ الحقيقي للإسلام وللمسلمين، ويمكننا أن نضيف أن هذه الدولة الإسلامية التي حلم بها سيد قطب وتلامذته ونظر لها الشيخ يوسف القرضاوي وتكلم عنها كثيراً الشيخ محمد الغزالي، من المستحيل أن تتحقق في المستقبل ولم تتحقق في الحاضر ولا تحققت في الماضي، لأنها بكل بساطة.. الدولة المستحيلة.

و غني عن البيان القول أن هذه الدولة ومحتواها الإيديولوجي، التي يحلم بها الإسلاميون والتي لم تتحقق في الماضي في عز دولة الخلفاء الراشدين، لأنها كانت مجرد شعار هو " لا حكم إلا لله " رفعه الخوارج منذ واقعة التحكيم بين جش العراق بقيادة علي بن أبي طالب وجيش الشام بزعامة معاوية بن أبي سفيان.

و من الواضح أن سيد قطب عاد إلى الوراء، عاد إلى التاريخ، عاد إلى شعار الخوارج" لا حكم إلا لله ". ومعنى هذا الشعار أن الحكم لله وليس للبشر ومن الضروري إقامة مملكة الله في الأرض على أنقاض مملكة البشر، ولا بد من إنتزاع السلطة السياسية من أيدي البشر ومن العباد الذين اغتصبوا الحكم، ولا بد من إرجاع الحق إلى صاحب الحق، وهو الله سبحانه وتعالى، ولابد من سيادة الإرادة الإلهية ولا مفر من تطبيق الشريعة الإلهية دون سواها من القوانين، وهذا يترتب عنه حتما إلغاء القوانين الوضعية التي سنّها البشر.

إنها الحاكمية التي هي من أهم خصائص الإلوهية، فالله هو الحاكم الوحيد الُمطلق وهو وحده لا شريك له، هو رب العباد الذي يُشرّع للعباد ويضع مناهج وطرق وقواعد حياة العباد، وهو كذلك من يحدد لهم المبادئ الأخلاقية والقيم الاجتماعية التي يقوم عليها إجتماعهم. وبناءا عليه يمنع على البشر تحديد المبادئ ووضع مناهج الحياة، فلا يحق لأحد من البشر فعل ذلك، ومن فعل فقد تعدى على حدود الله وافترى على الله وزعم لنفسه مهام إلهية.

و لهذا كل من يرفض مبدأ الحاكمية ولا يلتزم بها ولا يخضع لأوامرها ونواهيها، فهو كافر ويوضع اسمه في قائمة " الروافض " ويحسب من المتمردين على أوامر ونواهي لله.

و لا نحتاج إلى شرح كبير للقول بأن سيد قطب من خلال مفهوم الحاكمية يُشرع للدولة الدينية، الدولة الثيوقراطية.دولة الحق الإلهي التي سادت في العصور الوسطى في أوروبا، والتي كانت فيها السيادة لله وليس للأمة.

و نحن نعتقد اعتقاداً جازماً أن النظام السياسي الديني/الثيوقراطي الذي دعا إليه سيد قطب، لم يرد أصلاً في الفكر السياسي العربي/ الإسلامي الوسيط، وما قال به أحد لا في السياسة الشرعية ولا في الفقه السياسي ولا وَرَد حتى في الآداب السلطانية، وليس هذا فحسب بل ويتعارض تماما مع الدولة الوطنية الحديثة، دولة القانون والدستور وسيادة الشعب، الدولة المدنية التي تكون فيها السيادة العليا للشعب وتقوم على مبدأ التمثيل النيابي والفصل بين السلطات والأهم من ذلك تقوم على الفصل بين شؤون الدين وشؤون السماء..

و من المعلوم أن الدعوة إلى الحاكمية هي دعوة صريحة إلى الدولة الدينية، وهي تأكيد على أن السلطة السياسية تكون بيد رجال الدين، وبالتالي تنصيب سلطة الكهنوت، والقول بذلك يجر الدين الإسلامي إلى أتون الصراع السياسي، ويعمق أزمة الخطاب الديني المتطرف ويفتح عليه جبهات داخلية وخارجية، ويجعله يدخل في حرب أهلية مدمرة مع فكر الأزمنة الحديثة ومع تيارات سياسية مدنية عربية معاصرة، أقصد التيارات القومية واليسارية والليبرالية.

و من البداهة القول أن من مفاهيم الجاهلية والحاكمية التي تضمنها كتاب"معالم في الطريق" تناسلت الجماعات التكفيرية /الجهادية التي ذهبت بعيدا ليس فقط في رفض الدولة الوطنية الحديثة، بل ذهبت إلى حد تكفير المجتمعات وقتل أكبر عدد ممكن من الناس، وممارسة كافة أشكال الإرهاب على أساس أن هذه الجماعات تمتلك الحقيقة المطلقة وأن فهمها للدين هو الفهم الصحيح وبالتالي هذه الجماعات كانت ومازالت تتصرف بمبدأ الفرقة الناجية ومنطق من ليس معنا فهو ضدنا.

***

د. مصطفى دحماني

باحث في الفكر الإسلامي/الجزائر

 

ما زلنا مع (ذي القُروح) في مناقشة شؤون الكِتاب العَرَبي، وكتَّابه وقرَّائه... فسألناه:

- مَن الكاتب العَرَبي الذي تقترح قراءة أعماله حاليًّا، من وجهة قُروحك؟

- من وجهة قُروحي، هذا سؤالٌ بارد، وبلا معنى! هناك مواصفات لمثل هذا الكاتب، وليس هناك كاتبٌ بعينه.

- وهل للكتابة طقوس تؤثِّر فيها؟

- الكتابة الإبداعيَّة، نعم. أمَّا الكتابة العِلميَّة، فلا تعدو اشتراطاتها: الاستعداد الذِّهني، وتوافر أوعية المعلومات المناسبة.

- كيف نقرأ؟

- القراءة الاستيعابيَّة هي الأهم. ولكلِّ قارئٍ طريقته، ولكلِّ مادَّةٍ مقروءةٍ طريقتها في القراءة. مدرسيًّا ثمَّة كتبٌ نستعين بها في مجال تعلُّم (مهارات القراءة)، حينما ندرس مثل هذا الموضوع نظريًّا.

- لكن كيف نقرأ؟

- بأن نقرأ!  كما يتعلَّم السباحة الإنسان بإلقاء نفسه في الماء. القراءة ليست بوسيلة، في النهاية، نسأل عنها ب-(كيف). غير أنَّ لدينا إشكالًا معرفيًّا مزمنًا في تلك الثنائيَّات الضِّديَّة، أو بالأحرى التي يتوهَّم الإنيسيان أنها ضِدِّيَّة، المتعلِّقة بالوسيلة والغاية، والشَّكل والمضمون، وغيرها من الثنائيَّات. وهذه الثنائيَّات التي يتوهَّم الإنيسيان أنها ضِدِّيَّة، ليست كذلك، بل هي تكامليَّة، لا يمكن أن تنفصل إحداها عن أخراها في النتيجة. وكلُّ ما في الكون، والذِّهن كذلك، قائمٌ على تزاوج الثنائيَّات. ومن ثَمَّ فإنَّ حديثنا في مساق سابق، على سبيل المثال، عن التحوُّل من القراءة الورقيَّة إلى القراءة الإلِكترونيَّة، لا يُفهَم منه، لدَى قارئ يعي ما يقرأ، اهتمامًا بالوسيلة فقط، بل الوسيلة هنا تصبح مكوِّنًا من مكوِّنات الغاية، الماثلة في تحوُّل الوعي الإنساني من طورٍ إلى طَور. وعليه، فإنَّ اختزال مفهوم (الكيف) في الآلَة هو تسطيحٌ لمعنى (الكيف) والآلة، وهْمًا أنهما قائمان بذاتَيهما. على القراءة أن تعي ذلك، إنْ كانت قراءة صحيحة، دون أن تنتظر من الكاتب أن يُعرِب عن تفاصيل ذلك بالضرورة. وذاك هو منهاج (الفرزدق) في القراءة- إنْ جاز القول- من حيث إشارته إلى تكامل وظيفة القصيدة والقراءة، أو قل: وظيفة الكتابة والقراءة: «علينا أن نقول، وعليكم أن تُعرِبوا!». ذلك أنَّ القارئ الذي لا يقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ له عن كلِّ شيء، إنَّما يسعَى، بوعيٍ أو بغير وعي، إلى أن يتنصَّل عن وظيفته القرائيَّة. وهذا الضَّرب من القُرَّاء هو، في حقيقة أمره، وليد مدرسةٍ وَعْظِيَّةٍ، في ثقافتنا بصفةٍ خاصَّة، اعتاد فيها أن يَهُ-زَّ رأسه، وهو يُردِّد: (آمين)، لا أن يقرأ ما تحت السطور.

- هل هناك كتابٌ ضارٌّ وآخر نافع؟

- نعم.  بل هناك كتابٌ سامٌّ للمستهلك الساذج.

- نسمع بالقراءة الإبداعيَّة والقراءة الإنتاجيَّة. ماذا تعنيان؟

- هي القراءة التفاعليَّة مع المادَّة المقروءة، أو قل: القراءة الناقدة. ويُشترَط في المادَّة المقروءة: أن تكون غير مألوفة ولا اعتياديَّة، بحيث تمثِّل خصوبةً خاصَّة. ويُشترَط في القارئ: أن يقرأ بمنهاجٍ (بحثيٍّ- تحليليٍّ- نقدي).

- ماذا عمَّا يُسمَّى (القراءة السريعة)، التي يُباهي بها بعض.

- غير مثمرة. بل القراءة المثمرة قد تستدعي إعادة قراءة الكتاب مرَّات. القراءة السريعة تتوقَّف جدواها على نوعيَّة المادَّة المقروءة ودرجة السُّرعة. وهي قد تفيد في قراءة النصِّ العِلمي، أو بالأحرى المعلوماتي، لا الأدبي.

- ماذا عن القراءة والمستجدَّات الحديثة (الأجناس الجديدة، الاتجاهات الإنسانيَّة الجديدة... إلخ)؟

- ماذا عن أسئلتك التي لا تنتهي؟! القراءة أصلًا هي بحث عن المستجدَّات. حتى في قراءة التُّراث، القراءة الجادَّة محاولة لقراءة ما لم يُقرأ، أو قراءة جديدة لقديم. فالقراءة، التي تستحقُّ هذا المصطلح هي، إذن، بحثٌ عن الجديد، في القديم أو الحديث. ولذلك قلتُ إنَّ معظم القرَّاء لا يقرؤون بما تعنيه القراءة من معنًى!

- كيف تدلِّل على ذلك؟

- انظر إلى قراءتنا للتراث العَرَبي والإسلامي، مثلًا. لقد خلفَ من المسلمين خَلْفٌ جعلوا عاداتهم وتقاليدهم دِينًا، وصوَّروا طبائع أنفسهم المنغلقة المتحرِّجة في صورة التقوَى السلفيَّة، وما ذاك بدِين الإسلام السَّمح اليسير، ولا بتقوَى الرسول ولا المسلمين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، الذين من قرأ سيرتهم عجب كيف تشكَّل من هذا عبر العصور شيءٌ آخَر، شُوِّه ما شيء له أن يُشوَّه؟! حتى بات الابتسام شبهةً أحيانًا، والضحك إثمًا، وكثرة المزاح قِلَّة مروءة، قد تُعَدُّ من مبطلات العدالة لدَى بعض أهل الجرح والتعديل. مع أنَّ هذا بخلاف نهج الإسلام وسنَّة رسوله وصحابته، اللذين نقرأ فيهما أنَّ أَصحاب محمَّد كانوا يَتَمازَحُون، فإذا جاءَت الحقائق كانوا هم الرِّجال.

- هُم بَشَر كالبَشَر، وما جاء الدِّين ليجعلهم ملائكة، أو ليُلغي طبائعهم وينفي غرائزهم وضرورات حياتهم، بل ليهذِّبها ويوجِّهها الوجهة الراشدة.

- ومن ذلك أيضًا أنَّها نشأت في بعض الأجواء الضيِّقة الهواء الاتجاهاتُ المتشدِّدةُ ضِدَّ أن تحظَى المرأة بحقوقها المشروعة. وهو ما لم يؤدِّ إلى تشويه الموقف من المرأة فحسب، ولكنه أدى أيضًا إلى ما هو أخطر، وذلك لإحداثه شرخًا في الثقافة والمجتمع: فإمَّا أن يسلِّم المرء والمرأة بأن ذلك الفِقه المتشدِّد هو المقصد الأوَّل والآخِر والنهائي، أو أن يضطرَّ إلى التمرُّد، أو أن يظلَّ في حيص بيص؛ إذ لا يرى نموذجًا آخَر للمرأة إلَّا النموذج الغربي المعاصر، الذي يمتهن بدَوره المرأة ويستغلُّها ذكوريًّا، وإنْ تحت شعار تحريرها. ذلك أنَّ النموذج السَّويَّ مغيَّبٌ تحت ركام من القراءات التراثيَّة والمعاصرة. فليس أمامك إلَّا النموذجان: النموذج المتشدِّد، ونقيضه الغربي، المستنسَخ وَفق معطياته وتاريخه هناك، في ثقافةٍ كانت تتساءل: تُرَى المرأة بَشَر؟ أم من زمرة الشياطين؟!

- وعليه، فأنت تتَّفق معي في أنَّ فضح المسكوت عنه (الذي فيه ظُلم) واجب في الأعمال الكتابيَّة؟

- نعم، ولكن هل يلزم بعد ذلك شرح تفاصيل المسكوت عنه على الملأ؟ هنا فسادٌ في فهم طبيعة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب. فكما رأينا أن مدرسة القراءة التقليديَّة السُّكونيَّة تنتظر من الكاتب أن يُعرِب لها عن تفاصيل كلِّ شيء، فلا تقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ لها عن كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، تمخَّضت تلك المدرسة القرائيَّة عن مدرسة كاتبٍ شبيه، يُلزِم نفسه بما ليس يلزمها، أن يَشرح للقارئ ويفصِّل، حتَّى يوشك أن يعرض له رسومًا بيانيَّة وصورًا إيضاحيَّة! بَيْدَ أنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة ووظيفتها إلى استدراجنا إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه والإغراء به! وهكذا، فإنَّ عمليَّة (كشف المسكوت عنه)، إنْ صدقتْ غاياتُ القائلين بها، سلاح ذو حدَّين، قد يكون إثمُه أكبر من نفعه.

- ألا ترَى معي أنَّ في العمل الأدبي جانبًا تطهيريًّا؟

- بلى، بالله، أرَى معك. وهذا يعيدنا إلى جدليَّة (أرسطو) و(أفلاطون) ومدينته الفاضلة. بَيْدَ أنَّ توظيف الأدب لمجرَّد التنفيس الذاتي، أو الثأر الشخصي، هو أسوأ ما يمكن أن ينزلق إليه أديب. من حيث إنَّ الأدب ليس «فضفضة». وبين حدَّي «الفضفضة» ومفهوم «التطهير» يقع الخلاف في فهم رسالة الأدب بين الناس منذ القِدم، وكلٌّ يتطرَّف إلى وُجهةٍ هو مولِّيها. لكن لا خلاف- إنْ من الناحية النقديَّة أو الأخلاقيَّة- على أنَّ مسؤوليَّة الكاتب الحقيقيِّ تحتِّم عليه أن لا يجعل نَصَّه مطيَّة ثأرٍ شخصيٍّ أو قَبَليٍّ- مهما وقع عليه من ظُلم- على غرار نقائض (جرير) و(الفرزدق) و(الأخطل) الفضائحيَّة- كي يشفي نفسه بنفث سمومها في نفوس الآخَرين. وذلك هو الوباء الثقافي الذي كثيرًا ما يحمله الأدب، شِعرًا ونثرًا، إلى المجتمعات، بحُسن نِيَّة أو بسوئها، حين تروق للكاتب أنانيَّةُ التطهير الفردي وإنْ على حساب التلويث المجتمعي. وهنا يستحيل النصُّ إلى مِنصَّة للتمييز العنصري، وبثِّ الكراهية، ونشر النَّعرات، وإشاعة التصنيفات، والتنابز بالألقاب. وهو ما يستلزم المساءلة الأخلاقيَّة والقانونيَّة، من السُّلطات الاجتماعيَّة والأمنيَّة. وقبل ذلك من (النقد الثقافي)، الغارق في مقارباته النسقيَّة خلال العصر الجاهلي أو العصر العباسي، منفصلًا عن جاهليَّات عصره وعبَّاسيَّاته الماحقة!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

حين تختزل قيمة النص الفلسفي في التباهي بورود اسم مفكر جزائري في ورقة امتحان ما، تتحول الفلسفة من أداة للتساؤل والقلق إلى أداة "تمجيد هوياتي". فنكون امام نرجسية مزدوجة: نرجسية الأستاذ الذي يسعى للتماهي مع صورة صاحب النص فيغتذي منها تحت تأثير شهوة التملك، ونرجسية تُسقط على النص وصاحبه هالة من التمجيد تحجب عنا مضمونه الإشكالي. وهذا الفعل يُخرج ولا شك النص من إطاره البيداغوجي الصارم إلى فضاء الديماغوجيا الهلامي، حيث يصبح المعيار هو من كتب هذا النص؟ وهو فعل ساذج يؤدي الى تذويب الفلسفة في "فخر الأنا الجمعية" ومن ثمة قتلها، لأن فعل التفلسف يبدأ حين نجرؤ على محاورة النص لا على التمسح به والتبرك بقدسية كاتبه ومن يفعل ذلك فهو لا يعلم او يعلم ولا يعمل.

ونحن هنا لا ننكر ادراج اسم المؤلف أو الإشارة كتابه، بل نُعلّق حكمنا عليه مؤقتاً (نضعه بين قوسين) كما تطالبنا به فلسفة هوسرل ومن قبله منهجية ابن الهيثم في البحث لنتمكن من معاينة النص ذاته، كموضوع للتحليل وهذا الإجراء المنهجي هو الذي يجعل النص "تمريناً مدرسياً" حياً، ويحوله الى مختبر تُقاس فيه كفاءة الطالب في التفكير والتحليل والنقد، فالنص الفلسفي ليس مستودعا لاقتباسات جاهزة يتباهى بها ولا يجب ان يتحول شماعة نعلق عليها فشلنا في السمو بالدرس الفلسفي الى افق أوسع والمؤلف أيّاً كان، يتحول بمجرد ان يكتب نصه إلى عائق إبستمولوجي بلغة غاستون باشلار حيث يتحول الاسم الى ستار يحجب إشكالية النص، وعندما نقول "هذا نص لمالك بن نبي"، سنلاحظ على الفور ان الحوار في الغالب كما هو واضح عبر منصات التواصل قد تحول إلى جلسة استحضار وتمجيد للرجل. نتحدث فيها عن "عبقريته"، لا عن إشكالية نصوصه. مديح الحماقة هذا يحول نصه الى مرآة نرى فيها صورتنا النرجسية الجمعية منعكسة على المؤلف، فنصفق للمرآة بدل أن نحلل الصورة. وهذا هو "الإرهاب النقدي" الذي يمارسه أتباع صورة المؤلف. ولذلك كان ان المعيار الوحيد لقيمة النص الفلسفي هو تضمنه لإشكالية تستفز التفكير النقدي فنص البشير الابراهيمي أو ابن رشد لا يقل قيمة عن نص لديكارت أو كانط إن حمل سؤالاً حقيقياً، والعكس صحيح. وعندما اعلن رولان بارت موت المؤلف لم تكن دعوة ساذجة لتجاهل من كتب النص، بل ثورة ضد فكرة أن "تفسير النص" مرهون دوماً بالشخص الذي أنتجه. فالمؤلف انجز بالفعل مهمته وانتهى دوره.

يجب ان ندرك ان النص الفلسفي الحقيقي ليس "خطاباً" أحادي المعنى يودعه المؤلف ثم نستخرجه نحن، إنه "نسيج" من العلاقات والإحالات والإشكاليات التي تتجاوز قصدية الكاتب الواعية. والتركيز على "المشكلة" لا على "صاحب النص" هو الذي يحرر التلميذ ليكون منتجاً للمعنى لا مستهلكاً للقداسة والقاعدة الذهبية التي غابت عنا هنا ان القيمة ليست في "قول القائل" لأنه جزائري أو لأنه "علامة"، بل في "الحجة والبرهان" الكامنين في النص فطالب الحق كما قال ابن الهيثم :" ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجه والبرهان لا قول القائل الذي هو إنسان" ومن ثمة النصوص الفلسفية التي تُختار للامتحان يجب ألا تُعامل كآثار متحفية نقترب منها بخشوع، بل كأحداث فكرية تتفجر عنها أسئلة حارقة. وهذا لا يحدث إلا إذا "قتلنا" الأب-المؤلف رمزياً، وواجهنا النص مباشرة في عزلته الإشكالية، متسائلين: ما المشكل الفلسفي الذي يطرحه هذا النص بصرف النظر عن اسم كاتبه؟

صحيح ان النص الفلسفي يمتلك "خصوصية" انغراسه في سياق تاريخي وثقافي ولغوي معين، لكنه في الآن ذاته يطمح إلى "كونية" تتيح للعقل الإنساني، حيثما كان، أن يشتغل عليه. والخصوصية ليست امتيازاً وكون نص ما جزائرياً، وأفريقياً، ومكتوباً بلغة الضاد، هو معطى سوسيو-تاريخي يساعد على الفهم، لكنه ليس "قيمة فلسفية" مضافة بحد ذاته. والخلط بين الخصوصية الثقافية والقيمة الفلسفية هو جوهر الديماغوجيا التي تحاربها الفلسفة باعتبار التفلسف من أفعال التحرر ومن منطلق ان الفلسفة ثورة على كل ما هو سطحي وتافه في الحياة كما كان يقول هيغل .

يجب علينا ان ندرك أيضا ان النص الفلسفي لا يكتسب قوته من أنه يضعنا ضمن معادلة "الانا" ضد "الآخر"، بل من أنه يطرح سؤالاً يعنينا كبشر، لا كجزائريين فقط. وكونية النص الفلسفي لا تعني أنه يقول "الحقيقة المطلقة"، بل تعني أن إشكاليته قابلة للتعقل والنقاش من أي عقل كان، في أي زمان ومكان. فمثلا عندما نختار نصاً عن الحرية يكون معيار جودته ليس أنه كتبه مصطفى الأشرف أو جان جاك روسو، بل مدى قدرته على دفع أي تلميذ، جزائري أو ياباني، إلى التفكير النقدي في مفهوم الحرية. هذه الكونية هي التي تجعل النص جديراً بأن يكون "تمريناً مدرسياً" كونياً، لا مجرد شاهد على ثقافة محلية. نص تنجح مشكلته الفلسفية في اختراق قشرة الخصوصية لتستثير عقلاً كونياً. وهذا التحدي هو امتحان للنص قبل أن يكون امتحاناً للتلميذ.

واذا كان الامر كذلك فلابد من صياغة دفتر شروط صارم، متجاوزاً معيار "من كتب؟" إلى ماذا يحرك في العقول؟ وعليه النص الفلسفي يجب ان يقوم على أربعة اركان :

1-  على النص أن يتضمن مشكلة فلسفية واضحة قابلة للتحديد (المشكلة، الأطروحة، المكاسب والحدود). إن لم تكن هناك مشكلة، فالنص وعظ أو إنشاء أدبي، لا تمرين فلسفي.

2-  يجب أن يكون النص محكوماً ببنية حجاجية يمكن تفكيكها مفهوماتياً ومنطقياً، وألا يكون منغلقاً على "حكمة" لا تقبل الجدل. الهدف هو أن يُظهر التلميذ كفاءة في استخراج الحجج وتقويمها.

3-  يجب أن تكون الإشكالية المطروحة قادرة على الاستغناء عن معرفة موسوعية متخصصة بحياة المؤلف أو تفاصيل تاريخية دقيقة لا يفهمها إلا المختصون. فالفهم يجب أن يكون مطلباً ضمن أسئلة النص.

4-  أن يسمح النص بتعبئة الموارد التي يفترض أن التلميذ أنجزها خلال الموسم (مذاهب، مفاهيم، نصوص أخرى)، فيكون بمثابة "مختبر" لقياس كفاءة المفهمة والاشكلة والحجاج.

الخلاصة

ما ندعو إليه هو إعادة الفلسفة إلى وظيفتها الأساسية: تعليم التواضع أمام تعقيد الواقع والأسئلة. وعندما نجعل من نص مفكر جزائري موضوعاً للتحليل الفلسفي الصارم بدل التمجيد الأجوف نكون بذلك قد اعدنا له الاعتبار، لأننا نعامله كعقل يستفز العقول، لا كتمثال يُقدّس ويُعبد. ولاشك ان الدرس الفلسفي سيستعيد كرامته حين نعيده إلى هذه الصرامة المنهجية، معترفين بأن هدفه ليس تعزيز أوهامنا، بل تفكيكها، بدءاً من أوهام "الأنا" الفردية والجمعية.

ونص ابن الهيثم والذي جاء فيه انه من الواجب:" على الناظر في كتب العلوم، اذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وجميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسامح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشبه." يقدم لنا خارطة الطريق التي أشرنا إليها خارطة تذكرنا ان النص الفلسفي الجدير بأن يُدرس ويُطرح في الامتحان، هو فقط ذلك النص الذي يستطيع أن يصمد في مواجهة قارئ ابن الهيثم: قارئ جعل نفسه خصماً مخلصاً للحقيقة، لا يتسامح ولا يتحامل، ولا يبالي بالاسم بقدر ما يبالي بالحجة والبرهان.

وأولئك الذين يتبادلون عبارات التمجيد ويصرخون "انظر هذا نص لكاتب جزائري"، هم بالضبط من وصفهم ابن الهيثم: بأنهم ليسوا "طلاب حق"، بل "ناظرون في كتب المتقدمين، مسترسلون مع طبعهم في حسن الظن بهم". إنهم يعيدون إنتاج الجهل المقدس، لا المعرفة النقدية.

***

الأستاذ عمرون علي

 

لا يزال سؤال من هو فرعون موسى؟ شوكة مغروسة في حلق الزمن، عالقاً بين شفاه التاريخ وأسنة المعاول؟

  سؤال يتردد صداه في جنبات وادي النيل، حيث تهمس الرياح فوق كثبان الدلتا الشرقية بأسماء ملوك طواهم النسيان. نسأل، وتسألون، وكأننا نترقب فارساً قادماً من أقصى الأفق على صهوة جواد جامح، يحمل في يمينه يقيناً لا يتطرق إليه الشك. ولكن ما أعصى اليقين على المنال في أرض طالما مزجت بين طمي الواقع وذهب الأسطورة! إننا ننبش التراب، ونفتش النصوص، ونقلب ذاكرة البشرية المرهَقة، باحثين عن حقيقة يلاحقها الشك من كل حدب وصوب.

ولماذا هذا الإصرار العجيب؟ لأن العقل البشري، في سعيه الدؤوب نحو الحقيقة، لا يطيق الفراغ، لا يطيق أن تظل القصة التي صاغت ضمير أمم بأسرها، قصة النبي والطاغية، معلقة في فراغ كوني بلا سند يلمس باليد أو تبصره العين. نريد، بكل ما أوتينا من شغف بالتاريخ، أن نقف على بقعة محددة ونقول هنا مشى موسى، هنا وقف يخاطب إلهه، وعلى هذه الرمال ذاتها جرفت المياه جثة الطاغية وجنده. إنه التوق الإنساني الأزلي لتحويل الرمز إلى جسد نبض يوماً، والإيمان إلى شهادة ترى وتشاهد، والغيب إلى أثر قابع في واجهة متحف.

في خضم هذا التوق الجمعي للتصديق بالعين، يطل علينا عالم الآثار المصري والوزير الأسبق، الدكتور ممدوح الدماطي، قادماً من صميم المؤسسة التي طالما أصرت على أن الفراعنة أجداد عظام، وأن سيرة نبي الله موسى، إن وجدت، فقد رحلت دون أن تترك في أرض مصر شاهداً يعتد به. يضع الدماطي بين أيدينا كتابه الموسوم: "موسى عليه السلام وخروج بني إسرائيل من مصر"، وهو عمل يخالف التيار السائد ويعانده، لا انطلاقاً من يقين النصوص الدينية فحسب، بل من تراب الأرض ذاته. إنه ينطق الجماد، فيستجوب بقايا المدن المندثرة، واللقى الأثرية الصامتة، والتماثيل المكسورة التي تحكي من الملاحم ما لم يسطر في سفر.

الطاغية في مرآة التاريخ

في بحثه المتأني، يرشح الدماطي رمسيس الثاني ليكون الوجه الأقرب لوجه الطاغية الذي خلده القرآن الكريم. لقد حكم هذا الملك ستة وستين عاماً، لم يعرف وادي النيل فيها وجهاً لسيد غيره. كان بانيًا حد الإدمان، شيد حتى بلغ به العمران حدًا يجاور الجنون المقدس. نقش اسمه على كل حجر ناطق وصامت، وملأ الدنيا تماثيل ضخمة، كأنما أراد أن يزاحم الآلهة في معابدها، وأن يجعل من نفسه، في وعي رعاياه، إلهاً حياً يعبد. أوليس هذا هو جوهر العبارة القرآنية الخالدة: "أنا ربكم الأعلى"؟ إن جسده المحنط، الذي يرقد اليوم في بهو المتحف القومي للحضارة المصرية، يتحدى الزمن الذي هزمه، ويتحدانا نحن في عجزنا عن فك شفرة صمته الأبدي.

وهنا، يفتح الدماطي، بجرأة العالم الذي لا يخشى العواصف الفكرية، صندوقاً لا يغلق بعد فتحه: إنه صندوق المصالحة المستحيلة بين مستويين قلما يلتقيان في فكر إنسان؛ مستوى الحقيقة المطلقة كما تجلت في الوحي، ومستوى الحقيقة النسبية كما تستنطق من بردية صفراء أو نقش على جدار معبد.

فخ التاريخ!

في لحظة التلاقي المبهِرة بين النص واللقية الأثرية، يبرز مأزق منهجي عميق. إن النص المقدس، في جوهره، لا يهتم بالتاريخ كما يهتم به المؤرخ المحترف. غايته الكبرى هي العِبرة، والآية، والنموذج الإنساني الخالد. إن فرعون القرآن الكريم ليس شخصاً واحداً محدد الملامح بقدر ما هو فكرةٌ تجسدت في جسد بشري إنه الطغيان المتأله، والكبرياء التي تعمي القلوب. قد يكون هذا الفرعون رمسيس الثاني، وقد يكون غيره، أو قد يكون خلاصة متكثرة لعصور من الاستبداد. القارئ المتدبر لا يحتاج إلى رقم الملك في سلالة الحكام، بل يحتاج أن يستقر في وجدانه أن هذا المصير الأسود ينتظر كل طاغية في كل زمان ومكان.

لكن محاولة إثبات أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى بالذات، برغم ما تنطوي عليه من نوايا صادقة، تثير تساؤلات حول خطر تحويل النص المقدس من نص مفتوح على تأويلات تثري الروح الإنسانية، إلى نص تاريخي مغلق على حقيقة واحدة قابلة للإثبات أو النفي. وهذا تأويل خطير، لأنه يجعل من الإيمان قضية أثرية قد تثبت بأدلة جديدة، أو تنهار إذا ما سطعت شمس الحقيقة من ناحية أخرى. فلو ثبت غداً، بما لا يدع مجالاً للشك، أن رمسيس الثاني ليس هو فرعون الخروج، فماذا يحدث لوشيجة الإيمان؟ إن ربط المطلق بالنسبي هو الفخ الأول الذي نصطاده جميعاً حين نخلط بين عالم الغيب وعالم الشهادة.

فخ الانتقائية!

وثمة مأزق آخر لا يقل خطورة، وهو فخ الانتقائية المنهجية. فالدكتور الدماطي، بوصفه عالم آثار، يأخذ من التوراة ما يوافق فرضيته ويرفض منها ما يعترض سبيلها. إنه يستند إلى الرواية التوراتية في تفاصيل جغرافية الخروج ومحطاته، فيضفي عليها مصداقية تاريخية، لكنه حين تذكر التوراة فرعونين يرفض ذلك رفضاً قاطعاً استناداً إلى النص القرآني. فلماذا نصدق النص نفسه هنا ونكذبه هناك؟ إن هذا الانتقاء المريح يأخذ من النصوص ما يخدم الفرضية ويقصي ما يربكها.

والقرآن الكريم ذاته، أليس في منهجه في تناول التاريخ ما ينبهنا بوضوح إلى أنه ليس كتاب تاريخ بالمعنى الأكاديمي؟ إن القصة القرآنية تروى مقطّعة، موزعة على سور متعددة، لا تلتزم بتسلسل زمني صارم. وهذا ليس إهمالاً، بل هو إشارة بليغة إلى أن المقصود ليس التسلسل الزمني، بل المعنى العميق والدلالة الخالدة. لكن عالم الآثار، بحكم تكوينه الدقيق المنضبط، يريد أن يمسك بالشيء مادياً، أن يقول لنا بثقة هذا هو المكان بعينه، وهذا هو الرجل بعينه. إنه يشبه، في هذا المسار، من ظنوا قبل قرن أن العثور على بقايا مدن سهلية يعني صحةً حرفيةً لا تقبل الجدل. المشكلة أن المعول لا يثبت الإيمان، كما أنه لا ينفيه؛ إنه يثبت أحداثاً، لكنه لا يثبت أن هذه الأحداث هي تلك الأحداث بعينها.

 آية من لحم وذهب

يقدم الدماطي صورة آسرة لرمسيس الثاني الملك الذي حكم طويلاً حتى تصور أن الزمان ملك يمينه. الملك الذي بنى مدينة "بر-رعمسيس" العظيمة في شرق الدلتا، حيث يحتمل أن بني إسرائيل قد سكنوا وعملوا وشقوا في بناء مخازنها. هذا الملك الذي حنط جسده بحنكة بالغة، طلباً لخلود مادي يتحدى به فناء الجسد، إذا بجثته تتنقل اليوم بين المتاحف، عارية من كل عظمة، محاطة بحراس وفضول الزائرين، بعد أن كان يحوطه آلاف الكهنة. هنا تكمن المفارقة البليغة؛ لم يغرق رمسيس الثاني بحسب الفحوص الطبية، لكن جثته صارت آية من نوع آخر؛ آية على زوال الملك كأن لم يكن، وشاهداً صامتاً على هشاشة الجبروت البشري. إنها آية تقول بلسان الحال انظروا ماذا فعل الزمن بإله الأمس!

لكن هل تكفي هذه المقاربة الرمزية لإثبات فرضية تاريخية صارمة؟ إن صوت المؤرخ الصارم يعلو هنا ليقول كلا. المؤرخ يريد وثيقة بردية تقول بوضوح: "جاءني رجل اسمه موسى، فرفضت، فحلت بي اللعنة". لا توجد مثل هذه الوثيقة، وليس بين عشرات الآلاف من البرديات والنقوش التي خلفها عصر الرعامسة ما يذكر بني إسرائيل كجماعة خرجت من مصر. هذا صمت أثري مطبق، عميق كعمق المقابر الملكية، لا يمكن تفسيره بسهولة. هل طمست ذكرى الحدث عمداً؟

في البحث عن فرعون

يصر الدماطي على أن موسى عاصر فرعوناً واحداً. لكن قصة موسى، منذ طفولته في القصر وحتى عودته نبياً مرسلاً، تمتد على مسافة زمنية شاسعة تكفي لتعاقب عدة ملوك على عرش مصر. إن قرار قتل الذكور قد يكون سياسة دولة ثابتة عبر عهدين أو أكثر. يقدم لنا الدماطي رمسيس الثاني بحكمه الطويل الذي استوعب القصة كلها، لكن التاريخ المصري يعرف ملوكاً آخرين حكموا طويلاً، مثل تحتمس الثالث وبيبي الثاني. لماذا لا يكون أحدهما هو المرشح؟ الإجابة الجاهزة هي البناء في شرق الدلتا، وهو جواب أثري مقنع، لكنه ليس حاسماً، فمدن شرق الدلتا بنيت وهجرت عبر عصور.

البحر الذي انشق: بين الإعجاز الإلهي وتفسير الطبيعة

ثم هناك مشكلة البحر. إن الدماطي يحاول أن يعقلن المعجزة، متحدثاً عن جغرافية المنطقة حيث المياه ضحلة، وحيث المد والجزر يصنعان العجائب أحياناً. إنه يحاول أن يجعل الحدث مقنعاً للعقل الحديث، لكنه بهذا يقع في مأزق مزدوج؛ فالمؤمن سيقول له إنك تجرد المعجزة من معناها الفريد، واللاديني سيقول إنك تختلق تفسيرات واهية. الحقيقة أن البحر لم ينشق في التاريخ كما ينشق في النص المقدس؛ البحر انشق في الوجدان الجمعي، في ذاكرة أمة وجدت في هذه القصة هويتها. إن محاولة تفسير انشقاق البحر علمياً تشبه عملية تشريح لقصيدة عظيمة ستجد الكلمات والحروف، لكنك لن تجد الروح التي سكنت القصيدة وأحيتها.

ورغم هذه الإشكاليات، تظل للكتاب قيمته الكبرى. قيمته في أنه أخرج النقاش من الدوائر المغلقة، دائرة نقاش ديني مغلق، ودائرة نقاش تشكيكي لا يرى في النص إلا الأسطورة. لقد جاءنا الدماطي من موقع مركب ونادر هو موقع العالم الذي يؤمن، والمؤمن الذي يعلم. وهذا الموقع الوسطي الجسور يستحق منا التأمل والاحترام العميق، حتى وإن اختلفنا معه في بعض استنتاجاته.

 الأطلال الصامتة

ولعل أبلغ ما في الكتاب هو ربطة بين قصة الخروج ومصير "بر-رعمسيس" ذاتها. هذه المدينة التي بناها أعظم الفراعنة، وصارت عاصمة الإمبراطورية ومركز ثقلها، تحولت بعد قرون إلى تلال من الخرائب والوحل، يجهل الفلاحون موقعها ويزرعون فوق أسوارها المندثرة وهم لا يعلمون أن تحت أقدامهم عرش أعظم فرعون. هذه هي العِبرة الحقيقية التي لا تحتاج إلى دليل أثري، كل شيء يزول. كل قصر يصير تراباً يداس، وكل تاج يصير ذكرى باهتة. إنها شهادة التاريخ الصامتة على أن الظلم لا يدوم، وأن للحق دورة لا تخطئ.

وهكذا، يظل كتاب الدكتور ممدوح الدماطي، في نهاية المطاف، وثيقة فريدة من نوعها. إنه محاولة شجاعة لردم الهوة بين السماء والأرض، بين نور الإيمان المطلق ومصباح العلم النسبي، يكتبها رجل من صميم ضفة النيل، ليقدمها إلى ضمير الإنسانية جمعاء.

***

د. عبد السلام فاروق

تشريح القصور النقدي وآليات تسييل الأزمات في بيئات العمل العدائية

إبستيمولوجيا العجز في الفكر السياسي

إن مفهوم القصور النقدي في الفضاء الفكري للشرق الأوسط لا يشير إلى ضعف في الأدوات المنهجية، بل يمثل حالة من "العجز البنيوي" المتجذر في طبيعة العلاقة بين الفكر والسلطة. هذا القصور ناتج عن تراجع الفلسفة السياسية المعيارية أمام زحف المناهج التجريبية التقنية التي اختزلت البحث العلمي في رصد الظواهر السطحية القابلة للقياس الكمي، مغيبة بذلك الأسئلة الجوهرية حول القيم، والعدالة، والغايات القصوى للفعل الإنساني. لقد أدى هذا التحول إلى تجريد العقل العربي من قدرته على نقد "العقل الجمعي" وإعادة صياغة الثقافة العامة، مما جعل الفلسفة تفقد دورها كحائط صد ضد "بؤر الأوهام" التي تصنعها الماكينات الإعلامية العالمية. وكما يشير الفكر النقدي، فإن الثقافة التي لا تملك ممانعة نقدية هي ثقافة قابلة للاختراق والتبعية المطلقة.

الجانب الاقتصادي المادي.. الاستلاب وتكريس التبعية

لا يمكن فهم القصور النقدي بمعزل عن البنية التحتية الاقتصادية التي تحكم المنطقة. إن الشرق الأوسط يعيش حالة من "الاستلاب المادي" ناتجة عن اندماجه المشوه في النظام الرأسمالي العالمي كمنطقة طرفية وظيفتها الأساسية هي تصدير المواد الخام واستهلاك السلع والخدمات الفكرية المستوردة. في هذا السياق، تصبح الأزمات الاقتصادية وسيلة لإخضاع الطبقات المطحونة وتسييل قدرتها على المواجهة.

إن "تسييل الأزمات" في المنظور المادي يعني تحويل التناقضات الطبقية الحادة إلى قضايا معيشية يومية صغيرة تستهلك جهد الفرد وتمنعه من إدراك موقعه في عملية الإنتاج. إن الثروة في المنطقة لا تدار بوصفها رأس مال بشري، بل كأداة لتعزيز سلطة النخب المرتبطة بالمراكز المالية العالمية. ومن هنا، فإن اللامساواة في الدخل ليست مجرد خلل إحصائي، بل هي نتيجة حتمية لنمط إنتاج يعتمد على الريع والسمسرة الدولية، مما يؤدي إلى سحق الطبقة الوسطى وتهميش "البروليتاريا الرثة"، وهو ما يولد بيئة عمل سياسية عدائية ترفض أي فكر نقدي يسعى لتغيير علاقات الملكية أو توزيع الثروة.

إن انتهاء "العقد الاجتماعي القديم" الذي كان يقدم الخدمات مقابل الولاء لم يفرز عقداً جديداً قائماً على المواطنة، بل أفرز حالة من "الخصومة المادية" حيث تنمو دخول الأثرياء بمعدلات فلكية بينما يغرق الفقراء في ديون سيادية وشخصية لا تنتهي. هذا الوضع يخلق "ديناميات رفاهية سلبية" تجعل اليأس هو الشعور السائد، مما يسهل عملية السيطرة السياسية عبر الإفقار الممنهج وتغييب الوعي بآليات الاستغلال.

الحرب الناعمة وتسييل الوعي الطبقي

في ظل هذا الواقع المادي المأزوم، تبرز "الحرب الناعمة" كأداة ضرورية لتسييل الأزمات وتغييب الوعي الطبقي. إنها "إمبريالية الكلمة والصوت والصورة" التي تسعى لجعل المستغَلين يتبنون قيم مستغِليهم. الميديا الرقمية في الشرق الأوسط ليست مجرد أدوات تواصل، بل هي مصانع لإنتاج "الوعي الزائف" عبر خوارزميات تعمل على "تجنيد الجهل".

تقوم هذه الحرب على مبدأ "التعمية الطبقية"؛ حيث يتم استبدال الصراع المادي الحقيقي بصراعات هوياتية وهمية. فبدلاً من أن يدرك العامل أو الفلاح جذور استلابه في النظام الاقتصادي، يتم جره إلى صراعات طائفية أو مذهبية. هذا الانتقال من "المادي" إلى "الثقافوي" هو جوهر النجاح الذي تحققه سياسات التعمية. إن تسييل الأزمة هنا يعني تمييع الحقوق الاقتصادية وتحويلها إلى مطالب رمزية لا تهدد بنية الحكم أو مصالح المراكز الرأسمالية. وتتفق هذه الرؤية مع طرح "أنطونيو غرامشي" حول الهيمنة الثقافية، حيث تُحكم الطبقة المسيطرة قبضتها عبر القوة وصياغة "إجماع زائف" يجعل المظلومين يتقبلون ظلمهم بوصفه قدراً طبيعياً.

الجيوسياسة الإقليمية.. فراغ القوة وصراع الوكلاء

تعد البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط من أكثر بيئات العمل عدائية في العالم المعاصر. إن المنطقة تعاني من "مأساة النظام الإقليمي" المتمثلة في العجز عن إيجاد ميكانيزم داخلي لتنظيم الاستقرار. هذا الفراغ في القوة لم يؤدِ إلى استقلال دول المنطقة، بل جعلها ساحة مفتوحة لتنافس القوى الدولية التي تختبر حدود قدراتها عبر "حروب الوكالة".

إن الدول الطامحة للهيمنة الإقليمية تفتقر في الغالب إلى "الشرعية المعيارية"، لذا فهي تلجأ إلى استخدام "الغموض الاستراتيجي" في خطاباتها السياسية. هذا الغموض يسمح بتمرير مشاريع توسعية تحت غطاء الحوار أو التوافق، بينما هي في الحقيقة تعمق الانقسامات المحلية لضمان تبعية الأطراف للمركز. إن الصراع الجيوسياسي في المنطقة ليس صراعاً على المبادئ، بل هو صراع على "خطوط الإمداد" و"ممرات الطاقة" و"الأسواق الاستهلاكية".

إن غياب العقد الاجتماعي الجديد على المستوى المحلي ينعكس فشلاً في بناء "نظام أمني مشترك" على المستوى الإقليمي. وبدلاً من ذلك، نجد أنظمة تعتمد في بقائها على "الغراء الأمني" والتحالفات الخارجية، مما يجعل السياسة الإقليمية حالة من الخصومة الدائمة التي تمنع أي تراكم معرفي أو سياسي مستقل. إن تسييل الأزمات الجيوسياسية يتم عبر تحويل الصراعات الحدودية والسيادية إلى ملفات تقنية تدار في عواصم القرار الدولي، بعيداً عن إرادة الشعوب المحلية.

التواصل التوافقي كآلية لامتصاص الاحتقان وتثبيت الهيمنة

يظهر "التواصل التوافقي" في الخطاب السياسي الشرق أوسطي ليس كأداة لتحقيق العدالة، بل كإطار لإدارة الصراعات ومنع انفجارها الجذري. هذا النمط من التواصل يسعى إلى صياغة "تسويات سياسية" توفر المادة الخام لعمل الفلسفة السياسية المعيارية، ولكنه غالباً ما يقع في فخ "الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية". إن بطل هذا المشروع هو "المثقف" الذي يهدف إلى تقليص الألم والقسوة دون المساس بهياكل الاستغلال، متوجهاً صوب ثقافة "ما بعد فلسفية" تغلب عليها الجمالية والشاعرية على حساب الصراع المادي.

في الدول التي تعاني من انقسامات حادة، يتحول "الحوار الوطني" إلى ممارسة للتواصل التوافقي الذي يفشل باستمرار في بناء إجماع حقيقي حول القضايا السيادية والإصلاحية. إن النخب الطائفية والسياسية تستخدم هذه الحوارات لتعزيز أنماط تواصل تضمن استمرار مصالحها، مما يخلق فجوة حرجة بين خطاب التوافق وبين الحاجة الملحة للإصلاح البنيوي والشفافية. هذا التواصل، بدلاً من أن يكون جسراً للتحول الديمقراطي، يصبح أداة لتعمية الطبقات المطحونة عن مصالحها الطبقية الحقيقية عبر إغراقها في نقاشات هوياتية ضيقة. وتتماشى هذه الظاهرة مع ما وصفه "يورغن هابرماس" بالفعل التواصلي، ولكن في صيغته المشوهة التي تفتقر إلى تكافؤ الفرص في التعبير والقوة.

الازدراء المعرفي للنظرة المادية ونفي السياسة

شهد الفكر العربي المعاصر تحولاً خطيراً نحو "الازدراء المعرفي" للماركسية والنظريات المادية، وهو توجه تقوده النخب المحافظة التي تسعى لتجاوز مفاهيم "التناقض والصراع" لصالح "الانسجام الموهوم". يتم تصوير التحليل المادي للصراع الطبقي بوصفه "عنفاً فكرياً" أو "دخيلاً ثقافياً"، بينما يتم الترويج لنظريات "التواصل التوافقي" التي تهدف في جوهرها إلى تأبيد الوضع القائم.

هذا الازدراء ليس علمياً، بل هو أيديولوجي يهدف إلى تجريد الطبقات المسحوقة من أدواتها التحليلية الأكثر فاعلية. فعندما يتم نفي "المادي" لصالح "المقدس" أو "الهوياتي"، تفقد السياسة معناها كصراع حول توزيع الموارد والقوة، وتتحول إلى مجرد "طقوس توافقية" بين نخب طائفية أو عرقية. إن هذا "التغريب للماركسية" يتم استخدامه لتشويه أي نقد حقيقي للرأسمالية العالمية، مما يجعل الفلسفة السياسية في المنطقة أداة لتسويغ "أطروحة العنف" التي يمارسها المركز ضد الأطراف تحت مسميات الحداثة والاستقرار. وكما أكد "كارل ماركس"، فإن الفلسفة لم تعد تكتفي بتفسير العالم، بل يجب أن تسعى لتغييره، وهو ما يخشاه القائمون على الازدراء المعرفي اليوم.

 نحو انعتاق معرفي وعقد اجتماعي جذري

إن مأساة النظام الإقليمي وغياب العقد الاجتماعي الجديد تتطلب الانتقال من "التواصل التوافقي" الذي يخدم النخب إلى "تواصل صراعي" يعترف بالتناقضات المادية ويسعى لحلها جذرياً. يجب تجاوز "الازدراء المعرفي" عبر إعادة الاعتبار للفلسفة السياسية المعيارية التي تضع قضايا العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية في قلب البحث العقلاني.

إن المستقبل المرهون بتعافي الاقتصاد العالمي لن يكون كافياً ما لم يصاحبه "انعتاق معرفي" يحرر العقل العربي من أوهام المركزية الغربية ومن سياسات التعمية الرقمية؛ لبناء عقد اجتماعي حقيقي يعيد للسلطة معناها كخدمة عامة، وللمواطن دوره كفاعل تاريخي أصيل. إن استعادة "المادي" في التحليل السياسي هي الخطوة الأولى نحو كسر طوق التبعية وبناء سياسة عربية مستقلة تليق بتضحيات شعوبها وطموحاتها في الكرامة والحرية.

***

غالب المسعودي

 

التكنولوجية والرقمية وتواكب الاختراعات في مجال العلوم الدقيقة

مقدمة: في عصرنا الراهن، الذي يشهد تسارعاً غير مسبوق في التقدم التكنولوجي والرقمي، أصبحت الفلسفة أمام تحدٍ وجودي يتجاوز مجرد النظر التأملي التقليدي. إن المستجدات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، وعلم الأعصاب، والواقع الافتراضي، والهندسة الوراثية، لا تمثل مجرد أدوات تقنية بل تحولات عميقة في طبيعة الوجود الإنساني، ومفهوم المعرفة، والأخلاق، والمجتمع. يُعد من المحبذ – بل الضروري – أن تظل الفلسفة مطلعة على هذه المستجدات وتواكب الاختراعات في العلوم الدقيقة. فالفلسفة التي تنعزل عن الواقع العلمي والتكنولوجي تخاطر بأن تصبح أثرياً تاريخياً غير قادر على التأثير أو التوجيه. هذه الدراسة تستعرض الأسباب النظرية والعملية لهذا التوجه، وتفحص آثاره على مختلف فروع الفلسفة، مع التركيز على كيفية تحقيق هذا التكامل دون فقدان الفلسفة لعمقها التأملي. فماهي العلاقة الضرورية بين التفكير الفلسفي والاختراع العلمي والتطبيقات التقنية والاضافات الرقمية؟

الأسس التاريخية والنظرية لعلاقة الفلسفة بالعلوم والتكنولوجيا

منذ نشأتها، لم تكن الفلسفة منفصلة عن العلوم. عند اليونانيين القدماء، كان الفيلسوف عالماً ومفكراً في آن واحد؛ فأرسطو يجمع بين المنطق والفيزياء والأحياء، وأفلاطون يناقش الهندسة والفلك. في العصور الوسطى والحديثة، ساهمت الفلسفة في صياغة المنهج العلمي (ديكارت، بيكون)، وفي القرن العشرين، أنتجت فلسفة العلم (بوبر، كون) التي تفحص أسس المعرفة العلمية. مع ظهور فلسفة التكنولوجيا كفرع مستقل، أصبحت التقنية موضوعاً فلسفياً مركزياً. يرى بعض الفلاسفة مثل هايدغر أن التكنولوجيا ليست أداة محايدة بل "إطار"  يشكل طريقة وجودنا في العالم. ومع ذلك، فإن التقدم السريع يتطلب أكثر من النقد؛ يتطلب مشاركة نشطة. الفلسفة التي تتجاهل الحوسبة الكمومية أو الذكاء الاصطناعي التوليدي ستفشل في فهم تحولات الواقع نفسه.

الفلسفة والمستجدات الرقمية: الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي

يُعد الذكاء الاصطناعي أبرز التحديات والفرص. مع تطور نماذج التعلم الآلي القادرة على إنتاج نصوص، صور، وكود برمجي يشبه الإبداع البشري، تُعاد صياغة أسئلة فلسفية كلاسيكية: ما هو الوعي؟ هل يمكن للآلة أن تمتلك إرادة حرة أو تجربة ذاتية ؟

في فلسفة العقل، يدفع الذكاء الاصطناعي نحو إعادة النظر في الثنائية بين الجسد والعقل. نماذج مثل تلك المبنية على الشبكات العصبية تتحدى الرؤى التقليدية للذكاء كعملية رمزية، وتفتح الباب أمام نظريات الذكاء المجسد أو الممتد. كما أن قضايا الأخلاقيات الرقمية – مثل التحيز في الخوارزميات، الخصوصية، والمسؤولية عن قرارات الآلات الذاتية (مثل السيارات ذاتية القيادة) – تتطلب أدوات فلسفية لتحديد المبادئ الأخلاقية المناسبة.

أما الواقع الافتراضي والميتافيرس فيثيران أسئلة أنطولوجية: ما هو الواقع "الحقيقي"؟

هل يمكن أن تكون التجارب الافتراضية مساوية في القيمة للتجارب المادية؟

 نظرية المحاكاة التي تقترح أننا قد نعيش داخل محاكاة حاسوبية، تعيد إحياء أفكار أفلاطون عن الكهف بصيغة رقمية حديثة، وتدفع الفلاسفة إلى التعامل مع إمكانيات تكنولوجية قد تغير مفهوم الهوية والوجود.

الحوسبة الكمومية وعلم الأعصاب: تحولات في الإبستمولوجيا والأخلاق

تمثل الحوسبة الكمومية نقلة نوعية. بفضل ظاهرة التشابك والتراكب، تتحدى هذه التكنولوجيا المنطق الكلاسيكي وتفتح آفاقاً في الحسابات المعقدة التي كانت مستحيلة. فلسفياً، تثير أسئلة حول السببية، الاحتمالية، والواقعية. هل يتطلب تفسير ميكانيكا الكم (مثل تفسير كوبنهاغن أو العوالم المتعددة) إعادة بناء ميتافيزيقية كاملة؟

من الناحية الأخلاقية، تحتاج الحوسبة الكمومية إلى "أخلاقيات كمومية" مستقلة، لأن قدراتها في كسر التشفير التقليدي أو محاكاة الجزيئات بدقة قد تؤدي إلى مخاطر غير مسبوقة في الأمن، الطب، والاقتصاد. الفلسفة هنا ضرورية لصياغة مبادئ توازن بين الابتكار والمخاطر، مثل قضايا "الفجوة الرقمية الكمومية" بين الدول والشركات.

أما علم الأعصاب المتقدم، خاصة واجهات الدماغ-الحاسوب، فيطرح تساؤلات حول حرية الإرادة، الخصوصية العقلية، والهوية الشخصية. عندما يمكن قراءة أو تعديل الأفكار مباشرة، يصبح مفهوم "الذات" موضع إعادة تعريف. الفلسفة توفر إطاراً لفهم ما إذا كانت هذه التكنولوجيات تعزز الإنسانية أم تهدد جوهرها.

فوائد تواكب الفلسفة للعلوم الدقيقة

أولاً، التوجيه الأخلاقي: الفلسفة تساعد في صياغة إطارات أخلاقية مسبقة قبل انتشار التكنولوجيا، كما في مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي تركز على الشفافية، العدالة، والمساءلة.

ثانياً، تعميق الإبستمولوجيا: التعامل مع البيانات الضخمة والتعلم الآلي يدفع إلى إعادة النظر في مفهوم "المعرفة" – هل هي مجرد التنبؤ الدقيق أم تتطلب فهماً وتبريراً؟

ثالثاً، تعزيز الابتكار: الفلسفة تطرح أسئلة كبرى تدفع العلماء إلى تجاوز الحدود التقنية، مثل استخدام أفكار فلسفية في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر مرونة أو إنسانية.

رابعاً، التوازن الإنساني: في مواجهة خطر "الإطار التكنولوجي" الذي يختزل كل شيء إلى موارد قابلة للاستغلال، توفر الفلسفة رؤية شاملة تركز على الغايات الإنسانية العليا مثل السعادة، المعنى، والعدالة.

لكن هذا التوجه يواجه تحديات: صعوبة مواكبة السرعة التكنولوجية، خطر تسييس الفلسفة أو تبنيها لأجندات تقنية، وفقدان العمق التأملي أمام الضغط العملي. للتغلب على ذلك، يُقترح:

تطوير برامج دراسية مشتركة بين الفلسفة والعلوم (فلسفة الذكاء الاصطناعي، فلسفة الكم).

تشجيع الحوار بين الفلاسفة والعلماء والمهندسين في منتديات مشتركة.

استخدام الفلسفة التطبيقية لتحليل حالات واقعية

الحفاظ على استقلالية الفلسفة النقدية حتى لا تصبح مجرد "خدمة" للتكنولوجيا.

خاتمة

إن تواكب الفلسفة لآخر المستجدات التكنولوجية والرقمية ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة وجودية للحفاظ على دورها كمرشد للبشرية. في عالم تندمج فيه التقنية مع حياتنا إلى حد يصعب التمييز بين الطبيعي والاصطناعي، تقف الفلسفة كصوت يسأل: لماذا؟ ولأي غاية؟ وكيف نحافظ على إنسانيتنا؟

بهذا التكامل، لا تفقد الفلسفة أصالتها بل تتجدد وتثري العلوم الدقيقة برؤى إنسانية عميقة. إنها ليست مجرد مراقبة للتقدم، بل مشاركة في تشكيله نحو مستقبل أكثر حكمة وعدلاً وإنسانية. الفلسفة التي تتواصل مع عصرها هي الفلسفة الحية، القادرة على مواجهة تحديات المستقبل وصناعة معنى في زمن الخوارزميات والكيوبتات. فهل يمكن تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي على فلسفة الهندسة الوراثية؟

***

زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

سفر، يسفر، سافر، مسافر، سفير، سفور، أسفار، سفرات، سافرات.. الخ من اشتقاقات كلمة سفر التي نرددها كل يوم في حياتنا بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان أخر ابعد منه مسافة ولها معاني الكشف والطلوع والسطوع طلَع" سَفَرَ الفَجْرُ، انكشَف، سَفَرَ وَجْهُ المرأة" انكشف. امرأة سافرة مكشوفة الوجه بلا نقاب ولا قناع. والسِفر بمعنى الكتاب الاثيرة وجمعه إسفار. وهكذا تعددت معاني كلمة سفر بحسب التشكيل فالسَّفَر (بالفتح) يعني الارتحال والتنقُّل من مكان إلى آخر، وغالبًا ما يكون إلى مكان بعيد والسَّفَر (بفتح السين والفاء) أيضًا قد يأتي بمعنى الكشف والظهور والبيان. يُقال: “أسفَرَ الصبحُ” أي: أضاء وانكشف يقول ابن سينا في وصفه للنفس

"وهي التي سَفرت ولم تتبرقعِ" بمعنى تجلت أو انكشفت. والسِّفْر (بكسر السين) يعني الكتاب الكبير، ومنه قوله تعالى: “في صحفٍ مكرّمة، مرفوعةٍ مطهّرة، بأيدي سفَرة” (عبس: 13–15)، أي كتبةٍ من الملائكة ويقال: “سِفْر التوراة ” أي كتاب المقدس عند اليهود. وهناك استخدمات كثيرة للكلمة لا تحضرني الآن. وعلى كل حال يعد السفر أحد فعاليات الكائنات الحية المتحركة بطبيعيتها البيولوجية فالطيور تسافر من مكان إلى أخر (الطيور المهاجرة) والأسماك دائمة الحركة في البحار والمحيطات والقطعان البرية دائما التنقل والترحال بحثا عن الماء والمرعى حتى النمل والنحل والأحياء الدقيقة. ولما كان الإنسان كائنا حيا وعاقلا فقد اكتسب السفر عنه معاني ودلالة مختلفة عن المعاني البيولوجية.

وقد قرائنا الكثير من النصائح والوصايا بشأن السفر وفوائدة كما جاء في قصيدة الشافعي الشهيرة عن فوائد السفر الذي سطر:

تَغَرَّبْ عَن الأَوْطَانِ في طَلَبِ الْعُلى. وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ: تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسابُ مَعِيشَةٍ، وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِد"

وهناك من يضيف فوائد أخرى ويجعلها سبعة فوائد. غير إن الأمر الذي يهمني هنا هو كيف ظل سؤال السفر غائبًا عن التأمل الفلسفي رغم أنه من اكثر الأشياء التي نمارسها كل يوم في حياتنا وكل شخص منّا لديه تجارب الخاصة من السفر وأنا أحب السفر كثير وسافرات كثيرا وطفت عدة إذ زرت معظم المدن العربية الرئيسة من عدن وصنعاء وحضرموت وتعز في اليمن إلى بغداد والموصل والبصرة وبابل والنجف في العراق ودمشق وحمص وحلب وإدلب في سوريا ومسقط وصلالة في سلطنة عمان والأردن الهاشمية والرياض وجدة ومكة والمدينة المنورة وأبها والدوحة وابو ظبي ودبي والفجيرة والشارقة والجزائر وتبسة وتيبازة وفي الغرب الرباط والدار البيضاء وفأس ومكناس والخرطوم وأم درمان وشندي في السودان والقاهرة والإسكندرية وسوان وأسيوط والسويس وشرم الشيخ والزقازيق وحلوان المنوفية وربما غيرها في أم الدنيا الرحيبة لم تحضر في الذاكرة الآن. وفي أوروبا زرت كوبنهاجن في الدنمارك، وإمستردام في هولندا واتورخت ونايخمن وهانجلو وانسخدة ودينكامب وازلولدان ودنبوش وبينما كنت أسير في شوارع دنهاخ؛ أجمل مدينة وأكبرها في هولندا. بعد إمستردام سرحت بي الذاكرة إلى زمن الفيلسوف باروخ إسبينوزا الذي لجاء إلى دنهاخ من قرار الطرد اليهودي الجائر. فتذكرت قوله الحكيم في إن أكثر الاشياء قربا منّا وحميمية بالنسبة لنا هي اكثر بعدا عن انتباهنا! نعم الاندماج مع بعض عادتنا الحياة يجعلها بعيدة عن تأملاتنا ولهذا تكون حاجتنا مسألة للفلسفة لكي نرى معنى المساعي التي نمارسها كل يوم في حياتنا بحسب روسو. فما هو السفر؟ وهل يمكنن الحديث عن فلسفة السفر؟ وماذا يعنى إن يسافر المرء من وطنه إلاصلي إلى مواطن بعيدة؟ وما هي الدوافع الحقيقة للسفر؟ ولماذا نحتاج احيانا إلى السفر؟ والى أي مدى يكون السفر مهما في بعض الاحيان؟ وغيرها ما الاسئلة المتصلة التي كانت افكر بها قبل ذهابي إلى معرض الكتاب في دنهاخ بصحبة الصديق العميد الركن ثابت حسين صالح. وهناك في معرض الكتاب المقام في فندق ماريوت وفي لاهاي وقع نظري على كتاب الفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون، فن السفر”صدر عن دار التنوير، بيروت، ترجمة الحارث النبهان عام 2021. لم أتردد في شراءه رغم سعره الغالي بالنسبة لوضع المعيشي. هو الكتاب الوحيد الذي عدت به من المعرض بعد يومين من زيارة مدينة دنهاخ البحرية. رجعت مساء الأحد ومن ليلتها اعتكفت على قراءة الكتاب بحماسة واهتمام استعدت فيها ذكرياتي مع الكتاب الورقي في زمن مضى. واليكم الفكرة الأولية التي كونتها عنه .

إذ وجدت إن (فن السفر)" يُعدّ عملًا فلسفيًا مميزًا يتجاوز أدب الرحلات التقليدي. يستكشف الكتاب الجوانب النفسية والفلسفية للسفر، مركزًا على كيفية جعل الرحلات تجربة مُثرية للذات، بدلاً من مجرد الانتقال من مكان لآخر. بدلًا من تقديم دليل سياحي يركز على الوجهات، يدعو دو بوتون - وهو كاتب بريطاني من أصل سويسري، وُلد في 20 ديسمبر 1969- إلى جعل الفلسفة وثيقة الصلة بالحياة اليومية. يركز في كتاباته ومحاضراته على موضوعات مثل الحب، العمل، الدين، والسياسة، من منظور يساعد الناس على فهم أنفسهم والعالم من حولهم بشكل أفضل القارئ إلى التأمل في دوافع السفر، طريقة التفاعل مع الأماكن، وكيفية استلهام الجمال والمعنى من التجربة وهو صاحب كتب؛ عزاءات الفلسفة وقلق السعي إلى المكانة وكيف يمكن لبروست أن يغير حياتك فضلا عن كونه المؤسس المشارك لـ “مدرسة الحياة” (The School of Life) مؤسسة تهدف إلى تعليم الناس المهارات العاطفية والاجتماعية التي لا تُدرَّس في المدارس التقليدية.

ختاما يمكن القول: إن كتاب فن السفر ينظر إى تجربة السفر بعيون فلسفية جديدة بوصفها موقفا وجوديا مهما من الحياة ويناقش كيف تشكل الصور الذهنية (من كتيبات سياحية أو وسائل إعلام) توقعات غير واقعية عن الوجهات، مما قد يؤدي إلى خيبة أمل ويسلط الضوء على سحر الأماكن مثل المطارات، القطارات، ومحطات الخدمة، التي تمنحنا فرصة للتأمل بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية كما يستعرض كيف يمكن للفن، مثل لوحات فان غوخ عن بروفانس، أن يعيد توجيه أنظارنا إلى جمال الطبيعة ويعزز تقديرنا لها و يشجع على الاندماج الشعوري بالجلال من المناظر الطبيعية، مستندًا إلى أفكار الفيلسوف إدموند بيرك عن السمو.

فالسفر ليس مجرد تنقل جغرافي، بل فرصة لاكتشاف الذات والعالم إذ يرى أن الرحلة الحقيقية تكمن في التأمل والانفتاح على التجارب الجديدة ويدعو الكتاب إلى كسر روتين الاعتياد على الأماكن المألوفة، مما يجعلنا “عميانًا” عن جمالها، ويشجع على إعادة اكتشافها بنظرة جديدة ويرى دو بوتون أن السعادة في السفر تأتي من القدرة على تقبل الامكنة الجديدة والاندماج في سياقاتها وعيش لحظاتها والتفاعل مع اهلها بعقل متفتح، بدلاً من السعي وراء توقعات مثالية. أو التقوقع في في صدفة الذات المغلقة.

كتاب فن السفر ليس مجرد كتاب عن الرحلات، بل تأمل فلسفي في كيفية جعل السفر تجربة مُثرية ومفيدة وممتعة نفسيًا وجسديا. كتاب يجمع بين الفلسفة، الأدب، والفن، والجغرافبا وهو دعوة لتبني ذهنية منفتحة تجعل كل رحلة، سواء إلى وجهة بعيدة أو مكان مألوف، مغامرة غنية بالاكتشاف والمعاني الجديرة بالاهمية والقيمة والاعتبار.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تُعدّ اللغة من أعظم الظواهر الإنسانية تعقيداً وعمقاً، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني وتبادل الأفكار، بل تتجاوز ذلك إلى تشكيل الوعي وبناء التصوّرات وصياغة العلاقة بين الإنسان والعالم. فاللغة ليست أصواتاً تُنطق فحسب، وإنما نظامٌ رمزيٌّ خفيّ تتحرّك داخله الدلالات، وتتشابك فيه البنى النحوية والصوتية والدلالية، بحيث يغدو الحضور والغياب، والقول والصمت، عناصرَ متكاملة في إنتاج المعنى. ومن هنا برزت أهمية البحث في ما يُعرف حديثاً بمفهوم “الصفر اللغوي” أو “العلامة الصفرية”، بوصفه مفهوماً يكشف أنّ غياب العلامة قد يكون علامةً قائمة بذاتها تؤدي وظيفة دلالية داخل النسق اللغوي.

ولئن بدا هذا المفهوم حديثاً في الاصطلاح اللساني، فإنّ جذوره الفكرية تمتدّ عميقاً في التراث اللغوي العربي؛ فقد أدرك فقهاء اللغة العربية والنحاة الأوائل أنّ الحذف والإضمار والصمت ليست فراغاتٍ عدميّة، بل وسائل بلاغية ونحوية تؤدي وظائف دقيقة في بناء المعنى. ولذلك اعتبروا أنّ “المحذوف” يُقدَّر بقدر الحاجة إليه، وأنّ السكوت عن الذكر قد يكون أبلغ من التصريح، لأنّ البلاغة الحقيقية لا تقوم على كثرة الألفاظ، بل على اقتصاد اللغة وقدرتها على الإيحاء.

وقد اختلفت مناهج النحاة في تناول هذه الظواهر بين المدرستين البصرية والكوفية. فالنحاة البصريون، وفي مقدّمتهم سيبويه والمبرّد، اتّجهوا إلى بناء نظامٍ لغوي صارم يقوم على القياس العقلي والدقة المنهجية، ففسّروا الحذف والإضمار ضمن بنية نحوية منضبطة، ورأوا أنّ العنصر المحذوف لا بدّ أن يكون مقدّراً في الذهن حفاظاً على انتظام التركيب. أمّا الكوفيون، ومن أبرزهم الكسائي والفرّاء، فقد كانوا أكثر مرونةً واتّساعاً في قبول الظواهر اللغوية، وأكثر اعتماداً على السماع وتنوّع الاستعمال العربي، مما أتاح لهم فهماً أرحب للفراغات الدلالية والتراكيب غير الظاهرة.

كما أنّ فقهاء اللغة، مثل ابن جني، تنبّهوا إلى العلاقة العميقة بين اللفظ والمعنى، وإلى أنّ اللغة لا تُبنى على الأصوات وحدها، بل على ما توحي به من علاقات ذهنية ونفسية وثقافية. ولذلك رأى ابن جني أنّ كثيراً من جمال العربية يكمن في قدرتها على الإيجاز والحذف والإشارة، وهي خصائص تقترب في جوهرها من مفهوم “الصفر اللغوي” في الدراسات اللسانية الحديثة.

وانطلاقاً من ذلك، تأتي هذه الدراسة لتبحث في النظام الخفيّ للغة وعلاقته بمفهوم الصفر اللغوي، من خلال قراءةٍ تجمع بين التراث النحوي العربي والرؤى اللسانية الحديثة، بغية الكشف عن الكيفية التي يتحوّل فيها الغياب إلى حضور دلالي، والصمت إلى بنيةٍ منتجة للمعنى داخل الخطاب اللغوي والفكري.لذا حينها يصبح الفراغُ مولِّداً للمعنى.

ليست اللغة مجرّد أصواتٍ تتعاقب أو علاماتٍ تُستعمل للتفاهم اليومي، بل هي نظامٌ رمزيٌّ بالغُ التعقيد، يعمل في الخفاء بقدر ما يظهر في الكلام. فخلف كلِّ لفظةٍ شبكةٌ من العلاقات الثقافية والتاريخية والنفسية، وخلف كلِّ تركيبٍ رؤيةٌ للعالم وطريقةٌ في إدراك الوجود. ولهذا لم تكن اللغة حياديةً قط؛ إنها تُشكّل وعينا بقدر ما نستخدمها للتعبير عن وعينا.

إنّ النظام الخفيّ للغة يتمثّل في تلك البنية العميقة التي تنظّم العلاقات بين الكلمات والمعاني، بين الحضور والغياب، بين ما يُقال وما يُضمر. فالإنسان لا يفكّر باللغة فقط، بل يفكّر عبر حدودها وإمكاناتها. وكلّما اتّسعت طاقة اللغة الرمزية، اتّسعت معها قدرة العقل على التجريد والتأويل وإنتاج المعرفة.

ومن هنا تبرز أهمية ما يُعرف في اللسانيات والفلسفة الحديثة بمفهوم «الصفر اللغوي» أو «العلامة الصفرية»؛ وهو مفهومٌ دقيق يشير إلى أنّ الغياب ذاته قد يحمل معنىً لغوياً لا يقلّ أهميةً عن الحضور. فالصمت أحياناً ليس فراغاً، بل علامة؛ والحذف ليس نقصاً دائماً، بل وظيفة دلالية واعية داخل النظام اللغوي.

وقد برز هذا المفهوم بصورة واضحة في اللسانيات البنيوية، ولا سيّما عند اللغوي الروسي رومان ياكوبسون، ثم في أعمال مدرسة براغ اللسانية، حيث اعتُبر “الصفر” عنصراً بنيوياً يؤدي وظيفة معنوية رغم غياب الشكل الصوتي الظاهر. فحين نقول في العربية مثلاً إنّ الفعل “كتبَ” يدلّ على المفرد المذكر دون إضافة لاحقة، فإنّ غياب العلامة هنا ليس عدماً، بل يحمل دلالة نحوية قائمة بذاتها؛ أي إنّ “اللاعلامة” نفسها أصبحت علامة.

وفي البلاغة العربية القديمة نجد جذوراً عميقة لهذا التصوّر، وإن لم يُصَغ بالمصطلح الحديث ذاته. فقد أدرك البلاغيون أن الحذف قد يكون أبلغ من الذكر، وأنّ الصمت أحياناً أوسع دلالةً من الإفصاح. ولهذا قيل: “خير الكلام ما دلّ ولم يُطِل”، لأنّ المعنى لا يُبنى بالألفاظ وحدها، بل أيضاً بالفراغات التي تتركها اللغة لذكاء المتلقّي وخياله.

إنّ نظرية الصفر اللغوي تكشف أنّ اللغة ليست تراكماً ميكانيكياً للكلمات، بل اقتصادٌ رمزيٌّ بالغ الدقة؛ فكما أنّ الضوء لا يُفهم إلا بوجود الظلّ، كذلك المعنى لا يكتمل إلا عبر ما تغفله اللغة عمداً أو تؤجّله أو تصمت عنه. لذلك فإنّ البياض في النصّ، والتوقّف، والإضمار، والحذف، وحتى التردّد، كلّها عناصر مشاركة في إنتاج الدلالة.

ومن الناحية الفلسفية، يقودنا هذا المفهوم إلى إدراك أنّ الإنسان يعيش داخل شبكةٍ من العلامات المرئية والخفية معاً. فما لا يُقال في الخطاب السياسي قد يكون أخطر ممّا يُقال، وما يُحذف من التاريخ قد يفضح السلطة أكثر ممّا تفضحه الوثائق، وما يصمت عنه الإنسان أحياناً يكون التعبير الأعمق عن خوفه أو حكمته أو انكساره.

لهذا فإنّ اللغة الحقيقية ليست فقط ما نسمعه، بل أيضاً ما نستشعره بين السطور. إنها ذلك التوتّر الدقيق بين الحضور والغياب، بين القول والصمت، بين الامتلاء والفراغ. ومن هنا تتجلّى عبقرية اللغة بوصفها نظاماً خفيّاً لا يُنتج المعنى بالكلمات وحدها، بل كذلك بما تتركه الكلمات وراءها من ظلالٍ وإشاراتٍ واحتمالات لا تنتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مؤتمر 1978 كمشروع تحرري

في نوفمبر من عام 1978، لم يكن العالم العربي يراوح مكانه فحسب، بل كان يترنح تحت وطأة انكسارات كبرى وتيه فكري عميق، غارقًا في دوامة من العنف والأزمات التي هددت كيانه. ففي عام 1973، جاءت حرب أكتوبر لتؤكد أن الصراع مع إسرائيل هو قدر المنطقة، وأن سلاح النفط الذي هز أركان الاقتصاد العالمي لن يكون كافيًا لتحرير الأرض وبناء الداخل. وفي شهر أفريل سنة 1975 اشتعلت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية التي مزقت نسيج بلد كان يُعدّ رمزًا للثقافة والتعايش والحريات. ثم انفجر الوضع من الداخل في مصر، قلب العروبة النابض، بسبب ما سُمّي آنذاك انتفاضة الخبز.

في خضم هذه العواصف، وتحت وطأة الانكسارات السياسية والأزمات الاقتصادية والتيه الفكري، لم تختر الجزائر أن تقيم مهرجانًا ثقافيًا عابرًا، ولا أن تنظم ندوة أكاديمية شكلية تُضاف إلى رفوف النسيان. ما حدث في نوفمبر 1978 كان فعلاً ثوريًا من طراز رفيع؛ إذ تم استدعاء فيلسوف من أعماق التاريخ، لا ليُعلَّق كصورة جميلة على جدار واقع متخلّف، ولا ليُتحف به كتمثال برونزي في متحف الأفكار الميتة، بل ليُنزَل إلى الخندق.

لقد استُدعي أبو الوليد محمد بن رشد إلى الجزائر المستقلة حديثًا كمحارب حكيم ومقاوم عنيد ورفيق سلاح في معركة التحرر التي لم تكن قد انتهت بعد. لم تكن معركة 1978 تدور بالبنادق كما كانت قبل ربع قرن، بل كانت تدور بالأفكار. كان العدو هذه المرة هو الخمول الفكري والاستسلام الحضاري والتملّق للماضي بدل استثماره، والانبهار بالآخر بدل محاورته .

في اليوم الأول من الأيام الستة للمؤتمر، أعلن المفكر مصطفى الأشرف، وزير التربية والتعليم، في كلمته الافتتاحية التي كانت أقرب إلى بيان سياسي-فلسفي منها إلى خطاب بروتوكولي: «لا يجوز أن يتخذ مهرجانكم مظهرًا شكليًا وأكاديميًا، وإنما يجب علينا أن نعطيه جميع الأبعاد التي يمكن أن تستخلص من تجربة ابن رشد وصراعه الطويل في سبيل الحقيقة الموضوعية كمنهج ودليل ينير طريقنا». أراد لهذا المؤتمر أن يتحول إلى ورشة لإعادة بناء العقل العربي على أسس صارمة: الحقيقة الموضوعية منهجًا، والعمل الواعي دليلاً، والنقد الصريح أداة. فلم تكن الجزائر تحتفل بابن رشد، بل كانت تستهدف فتح أفق واسع وباب للتحرر؛ ذلك أن استعادة العقل الرشدي ليست ترفًا فلسفيًا، بل محاولة جادة لاستئناف أسئلته الحارقة ومشروعه الثوري.

خطاب مصطفى الأشرف: حينما يتكلم السياسي بلغة الفيلسوف

جرت العادة في مثل هذه المؤتمرات أن يلقي الوزير المسؤول كلمة بروتوكولية يغلب عليها الثناء والتمجيد. كان بوسع الأستاذ أن يفعل ذلك بسهولة، خصوصًا وهو يقف أمام نخبة من أبرز المفكرين العرب والمستشرقين العالميين. لكن ما فعله المفكر مصطفى الأشرف كان صادمًا في خروجه عن النمط الكلاسيكي، وثوريًا في عمقه. لقد حوّل كلمة الافتتاح من فضاء احتفالي إلى مشرحة فكرية للأزمة العربية، متسلحًا بجملة افتتاحية موجزة اختصرت المأساة: «لقد كان بودنا أن يعقد هذا المهرجان في ظروف عربية مرضية، وهذا ما دعانا إلى تأجيله عدة مرات». كاشفًا عن جرح مفتوح، مذكّرًا أن مؤتمر ابن رشد لا يُعقد في فراغ، بل في قلب عاصفة الانكسارات العربية والتخلف والانقسام. وقيّم التراث العربي بين «تراث ما قبل الانحطاط» و«تراث ما بعده»، وتحدث عن «جراثيم الانحطاط» التي تسربت إلى ربوع البلاد العربية. هذا التعبير العضوي الخطير يعني أن المرض لم يعد خارجيًا، بل أصبح كائنًا حيًا يتكاثر في الداخل. في هذه اللحظة، ينتقل ابن رشد من كونه فيلسوفًا يُحتفى به إلى كونه الترياق المضاد لتلك الجراثيم، داعيًا إلى مقاييس صارمة جبارة لاسترجاع التراث الصحيح ، ومعددًا هذه المقاييس كأنه يصوغ بيانًا تأسيسيًا لمدرسة فكرية جديدة: «التواضع والتقويم السديد والجهود الخلاقة، والرؤية العميقة والنقد الصريح والمنهاجية المحكمة المنتظمة على الحقيقة، والنفور من كل ما هو مبهم ومزيف». كل كلمة هنا موجهة ضد آفة معينة: التواضع ضد الغرور، النقد الصريح ضد المجاملة، النفور من المبهم ضد الخطاب الإنشائي الذي يملأ الدنيا ضجيجًا ولا يقدم معرفة. فالمفارقة التاريخية تكمن في أن ابن رشد ورثه عنا غيرنا في الغرب وتجاهلناه إلى عهد قريب.

خطاب إبراهيم بيومي مدكور والتأسيس العلمي لاستعادة العقل

إذا كان خطاب الأشرف هو «البيان السياسي-الفلسفي» الذي حدد الهدف، فإن كلمة الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، رئيس اللجنة التحضيرية، كانت الوثيقة العلمية التأسيسية التي وضعت الإطار المعرفي لهذا الهدف. جاء خطابه ليجيب عن سؤال أساسي: من هو ابن رشد الذي نستدعيه إلى الخندق؟ وما هي أبعاده التي تجعله جديرًا بهذا الاستدعاء؟

بدأ مدكور من الخاص إلى العام، من المحلي إلى الكوني: «ابن رشد، فيلسوف المغرب غير منازع، نشأ في الأندلس، وشب فيها وترعرع». بهذا قطع الطريق على أي محاولة لاختطاف ابن رشد من سياقه الحضاري. إنه «مغربي مولدًا ووطنًا، تعليمًا وتثقيفًا، حياة وإقامة». لكنه في اللحظة نفسها انتقل إلى البعد العالمي: «أما ابن رشد في تاريخ الفكر الإنساني فحقبة من القول وعلم من الأعلام؛ فهو الخاص الذي صار كونيًا، والمحلي الذي صار إنسانيًا»

قدم مدكور ابن رشد كعقل موسوعي "هو في الفقه مشرع وإمام"، مستشهداً بكتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد". وتتبعه كطبيب: "أطب للناس وعالج، وكان طبيب الخليفة يوماً"، منوهاً بكتابه "الكليات". وتتبعه كسياسي ومجتمعي، مشيراً إلى رأيه السابق لعصره في حقوق المرأة: "يرى... أن من حقها أن تشارك في أعباء الحياة داخل البيت وخارجه، وهذا ما لم تصل إليه بعد تماماً امرأة القرن العشرين". كان مدكور يرسم ابن رشد في صورة المثقف العضوي الذي يغمس يديه في كل شأن من شؤون مجتمعه.

لم يكتفِ مفكرنا بالقول إن الغرب "ورثه عنا"، بل قدم تفصيلاً علمياً دقيقاً: "ترجمت كتبه إلى اللاتينية ولما يمض نصف قرن على وفاته... ويبلغ عددها نحو 38 شرحاً". وتحدث عن أثره في الفلسفة المدرسية، وفي الفكر اليهودي، وفي جامعات شمال إيطاليا حيث "تعتبر جامعة بادوا القلعة الكبرى التي عمر فيها المذهب الرشدي حتى القرن السابع عشر". بل ذهب أبعد إلى أثره في الفن: "لابن رشد أثر واضح في فن التصوير الإيطالي في القرن الرابع عشر والخامس عشر، وفي متاحف أوربا وكنائسها صور معبرة أوحى بها الفيلسوف الإسلامي".

بهذا السرد العلمي الرصين، حوّل مدكور "الفاجعة" التي شخصها الأشرف إلى شهادة ميلاد عالمية. لم يعد الأمر مجرد حسرة على ضياع التراث، بل صار اعترافاً بقيمته الاستثنائية التي أدركها الآخر قبلنا. وختم بدعوة عملية ما زالت تنتظر الاستجابة: "ابن رشد جدير بأن تكون لجنة باسمه لإخراج ما لم يسبق إخراجه من مؤلفاته".

خريطة المعركة الفكرية الأبحاث الخمس والثلاثون

البحوث الـ35 التي قُدمت في ذلك الملتقى تكشف عن الخطة العملياتية لتحقيق هذا الهدف. لم تكن هذه الأبحاث إضافات أكاديمية إلى "المكتبة الرشدية"، بل كانت أشبه بـ ورشة عمل فكرية ضخمة، توزعت فيها المهام على خمس جبهات قتالية متكاملة.

الجبهة الأولى: تفعيل المنهج. حمل لوائها باحثون رأوا في ابن رشد صانع منهج لا مجرد صاحب آراء. قدم الدكتور محمد عاطف العراقي بحثاً استراتيجياً بعنوان "المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد". وتوزعت جهود ماجد فخري ومحمد كامل عياد بين "فلسفة ابن رشد الأخلاقية" و"تأثير ابن رشد على مر العصور". فيما ذهب عبد الحميد صبرة إلى قلب العلم الرشدي ببحثه "ابن رشد وموقفه من فلك بطليموس"، مبرزاً أنه لم يكن ناقلاً بل ناقداً ومصححاً.

الجبهة الثانية: فك الاشتباك بين العقل والدين. كانت هذه هي المعركة الأم. حمل الدكتور محمد أمان بن علي العنوان المباشر: "العقل والنقل عند ابن رشد". واشتبك البير نصري نادر مع "مذهب الحقيقتين عند ابن رشد". وتقاسم الدكتور جلال محمد موسى والأستاذ أحمد محمد جلي السؤال نفسه: العلاقة بين الدين والفلسفة. وكان وجود باحثين من خلفيات عقدية مختلفة على المنصة نفسها تطبيقاً عملياً لـ"المنهاجية المحكمة" التي دعا إليها الأشرف.

الجبهة الثالثة: الالتصاق بالواقع. هي التي استجابت مباشرة لنداء "النزول إلى الخندق". قدم الدكتور عمار طالبي بحثاً استراتيجياً هو "النظرية السياسية عند ابن رشد". وقدم الدكتور غانم الهنا "المجتمع في نظر ابن رشد". وفي لحظة جزائرية خالصة، ربط الدكتور السعيد شيبان الماضي بالحاضر في بحثه: "من طب ابن رشد إلى طب عبد الرزاق ابن حمدوش الجزائري".

الجبهة الرابعة: استعادة المكانة في الفكر العالمي. هي الرد العلمي على مقولة "ورثه عنا غيرنا". سأل الفرنسي لويس جاردييه سؤال الأصالة في "أصالة ابن رشد"، وتبعه مواطنه جون جوليفيه بـ "أصالة ابن رشد بالنسبة لأرسطو". فيما قدمت الإيطالية فرنشيسكا لوكيتا بحثها "الرشدية البادوانية" ناقلة المعركة إلى قلب أوروبا.

الجبهة الخامسة: ترسيخ القيم والمعرفة. لبناء الإنسان الجديد، قدم الدكتور عبد الرحمن بيصار "وحدة الكون العقلية في الإطار العام لفلسفة ابن رشد". وبحث الدكتور الربيع ميمون عن "القيم السائدة في فكر ابن رشد". واختُتمت هذه الجبهة بعنوان لافت لممثل فلسطين: "ابن رشد ذروة تطور حضاري وفلسفي"، ليؤكد أن استعادة العقل جزء من معركة التحرر.

هندسة الأيام وآلة الزمن الفكرية

إذا كانت الأبحاث هي الذخيرة، فإن البرنامج الزمني (4-9 نوفمبر) كان هندسة تنفيذية صُممت لتحويل الأفكار إلى فعل. لا شيء تُرك للصدفة.

اليوم الأول: البدء من القاعدة. بعد الافتتاحيات، انطلق العمل بجلسة عن "حياة ابن رشد ومؤلفاته". كان هذا تأسيساً ضرورياً: قبل أن نسأل ماذا تعني أفكاره، يجب أن نعرف من هو الرجل وماذا ترك لنا.

اليومان الثاني والثالث (5-6 نوفمبر): "ابن رشد الفيلسوف". هنا استُخرجت الأدوات. في يوم واحد، اجتمع العقل العلمي الناقد (صبرة)، والعقل الفلسفي المجرد (جومث)، والعقل السياسي الواقعي (طالبي). ثم في اليوم التالي، استُكملت الجبهة بأبحاث عن الجدل (بترورث)، والأخلاق (فخري)، والمجتمع (الهنا).

مساء 6 نوفمبر: الانعطافة الكبرى. في أخطر لحظات البرنامج، عُقدت "ندوة عامة عن حاضر الفلسفة في العالم العربي". كانت هذه هي الجسر الذي منع المؤتمر من أن يصبح نادياً لمحبي التراث. بعد أن شُحن الحضور بطاقة ابن رشد، طُلب منهم توجيه هذه الطاقة إلى تشخيص واقعهم الراهن. إنها الترجمة العملية لصرخة الأشرف.

اليوم الرابع (7 نوفمبر): "الفلسفة والدين". بعد الندوة، أصبح الجمع جاهزاً لدخول المنطقة الأكثر حساسية. اجتمع باحثون من تونس والجزائر وإسبانيا وسوريا لتغطية الإشكال الأعقد من زواياه كافة: المعتزلة (بوعمران)، علوم الشريعة (مزيان)، مفهوم الثنائية (هرنانديث)، الطب (حمارنة وشيبان). لقد أثبت المؤتمر عملياً أن الحديث عن الدين والفلسفة معاً ممكن إذا توفرت "المنهاجية المحكمة".

اليوم الخامس (8 نوفمبر): "ابن رشد في الفكر الإنساني". فُتح الأفق على العالمية. انتقل المؤتمر من قرطبة إلى بادوفا إلى باريس، عبر أبحاث محمد كامل عياد (التأثير عبر العصور)، والعالمَين الأوروبيين أوتراي ونادر (تحقيق النصوص والرشديين اللاتين)، والفنوشي (ابن رشد وابن سينا وديكارت).

اليوم السادس (9 نوفمبر): الجلسة الختامية. صدر "التقرير النهائي والتوصيات". لم تكن هذه نهاية بيروقراطية، بل اعترافاً رسمياً بأن مهمة المؤتمر لم تنته، بل بدأت. التوصيات هي الوعد الذي قطعه المجتمعون بتحويل الكلمات إلى أفعال.

مؤتمر 1978 واستعادة إمكانية أن نكون

لم تستعد الجزائر في نوفمبر 1978 ابن رشد. لقد استعادت شيئاً أكبر: إمكانية أن يكون الفكر العربي فاعلاً في تاريخه، لا مجرد متعلق بأمجاد ماضيه أو تابع لإنتاج غيره.

الدرس الأعظم الذي يخرج به القارئ العربي اليوم من ذلك المؤتمر ليس أن ابن رشد كان عظيماً، فهذا يعرفه الجميع. وليس أن الجزائر نظمت حدثاً جميلاً، فهذا تاريخ يُروى. الدرس هو أن مؤتمر 1978 برهن على إمكانية الفعل. برهن على أن استعادة العقل ليست شعاراً للخطب، بل هي مشروع يمكن تخطيطه، وهندسته، وتنفيذه. لقد أثبتت الجزائر، في تلك اللحظة التاريخية، أنه حين تتوفر الإرادة السياسية الصادقة (الأشرف)، وحين يُستدعى العالم الموسوعي (مدكور)، وحين تُجند النخبة الحقيقية (الباحثون الخمسة والثلاثون)، وحين يُصمم البرنامج كآلة لإنتاج المعنى لا لاستهلاكه، يمكن للعقل أن يخرج من المتحف وأن ينزل إلى الخندق.

في زمننا هذا، الذي يعج بالتشويش والاستقطاب والانكسار، لا نحتاج إلى "مؤتمر آخر عن ابن رشد". نحتاج إلى سياسة ثقافية رشدية. نحتاج إلى من يجرؤ على أن يفعل ما فعله الأشرف: أن يقف أمام النخبة ويقول لهم بصراحة: واقعنا غير مَرَضي، ومهمتكم ليست مدح الأموات، بل إنقاذ الأحياء. نحتاج إلى من يحول المؤتمرات من مناسبات إلى مشاريع، ومن احتفاءات إلى ورشات.

***

الأستاذ: عمرون علي

في عالَمٍ يتسارع إيقاعه على نحو غير مسبوق، لَم يعد الإنسانُ يواجه تحديات تقليدية يمكن التنبؤ بها، بل أصبح في قلب تحولات عميقة تضرب جُذورَ الوعي والهُوِيَّة والمعنى.

هذه الحالةُ التي يمكن وصفها بـ " صدمة المُستقبَل" لَيست مُجرَّد مُصطلح عابر، بل هي تجربة إنسانية مُركَّبة، تَنَبَّهَ إلَيها الأدباء بِطُرُق مختلفة، مِن بَينهم الروائي الموريتاني موسى ولد إبنو (وُلد 1956 م)، والروائي الإنجليزي ألدوس هكسلي (1894 م - 1963 م).

وعلى الرغم من اختلاف السياقات الثقافية والفكرية لكلٍّ منهما، إلا أنَّ كِلَيهما التقطَ بِعُمقٍ ملامحَ هذا الاضطراب الحضاري الذي يُهدِّد توازنَ الإنسان.

يُشير مفهومُ " صَدمة المُستقبَل " إلى تلك الحالة التي يعجز فيها الإنسانُ عن التكيُّف معَ التغيراتِ المُتسارعة في التكنولوجيا، والقيم، وأنماط الحياة.

يَطرح ولد إبنو رؤيةً نقدية لعالَم فَقَدَ مرجعياته، حيث لَم تعد المعايير واضحة، ولا الثوابت مُستقرة. الإنسانُ هُنا يعيش في حالة تيه مَعرفي، تتفكك فيها البُوصلة الأخلاقية أمام سَيل من المعلومات والاختيارات.

أمَّا هكسلي، فقد رسم ملامح مُجتمع مستقبلي يبدو في ظاهره مثاليًّا، لكنَّه في حقيقته يَسلب الإنسانَ إنسانيته. وبدلًا من القهر المباشر، يتمُّ إخضاع الإنسان عبر اللذة، والتكييفِ النَّفْسي، والاستهلاكِ المُفْرِط. هُنا، تُصبح الصدمة أكثر خطورة، لأنها لا تُدرَك بسهولة.

يَرى ولد إبنو أن التكنولوجيا لَيست مُحايدة، بلْ تَحمل في طَيَّاتها أنماطًا جديدة من الهَيمنة، فهي تعيد تشكيلَ الإنسان وفق منطق السرعة والإنتاج والاستهلاك، مِمَّا يؤدي إلى تآكل العُمق الإنساني . الإنسانُ المُعاصر لَم يعد يفكر بِبُطء، ولَم يعد يتأمَّل، بل أصبحَ يعيش على سطح الأحداث. هكسلي بِدَوره قدَّم تصوُّرًا أكثر راديكالية، حيث تُصبح التكنولوجيا أداة لضبط المجتمع بالكامل. يتمُّ التحكُّم بالبشر مُنذ ولادتهم، ويُبَرْمَجُون لِيَقْبلوا أدوارَهم دُون اعتراض. والناسُ سُعَداء بوضعهم، أو هكذا يُخيَّل إلَيهم.

أحدُ أخطر أوجه صَدمة المُستقبَل هو فِقدان المعنى. يُشير ولد إبنو إلى أن الإنسان العربي، على وجه الخُصوص، يعيش صِراعًا مُزْدَوَجًا، بَيْن ماضٍ لَم يعد قادرًا على الإجابة، وحاضرٍ مُسْتَوْرَد لا ينتمي إلَيه بالكامل. هذه الازدواجية تُولِّد حالةً من الاغتراب العميق.

أمَّا هكسلي، فيرى أنَّ فِقدان المعنى لَيس نتيجة الصراع، بلْ نتيجة الرضا الزائف. حِينَ يتمُّ إغراق الإنسان في المُتع السطحية، يفقد قُدرته على طرح الأسئلة الكُبرى، ولا يعود يبحث عن الحقيقة، لأنه مشغول باللذة.

لا يُقَدِّم الكاتبان حُلولًا سهلة. لكنَّهما يُلمِّحان إلى ضرورة استعادة الإنسان لِوَعْيه النقدي. ولد إبنو يدعو إلى إعادة بناء المرجعيات الفكرية، والانفتاحِ الواعي على الحداثة دون الذوبان فيها. وهكسلي يُحذِّر من الاستسلام للراحة المُطْلقة، ويدعو _ بشكل ضِمني _ إلى الدفاع عن الحرية، حتى لَوْ كانت مؤلمة.

صدمةُ المُستقبَل لَيست واقعًا حتميًّا، لكنَّها نتيجة خيارات بشرية. بين رؤية ولد إبنو النقدية، وتحذيراتِ هكسلي الاستشرافية، يجد الإنسانُ نَفْسَه أمام مِرآة تعكس الواقعَ بوضوح مؤلم. السؤالُ الحقيقي لَيس: ماذا سيحدث في المستقبل؟، بل: هلْ نحن مُستعدون لفهمه، ومواجهته، دُون أن نفقد هُويتنا وإنسانيتنا؟.

تتجلى المُفَارَقة الصارخة بين ولد إبنو وهكسلي في طبيعة السجن الذي ينتظر البشريةَ. ولد إبنو في" مدينة الرياح" (1996) قَدَّمَ سِجنًا رهيبًا قِوامه التيه والذاكرة المفقودة، حيث يغدو المُستقبَل رمالًا متحركة تبتلع الهُوِيَّةَ والأمسَ.بَينما شَيَّدَ هكسلي في"عالَم جديد شجاع" (1932) سِجنًا مِن المادَّة واللذة، حيث يُسيطر العِلْمُ على البشر، وتختفي المشاعر، ويقوم النظامُ بالسيطرة على الناس من خلال المُخَدِّرَات، والسيطرةِ على التكاثر من خِلال إنتاج أطفال مُحَدَّدِي الوظائف والرغبات، في مُجتمع الكُلُّ فيه سعيد، لكنَّه معدوم الحرية.

المُقارَنةُ بَيْنَ الكاتبَيْن تكشف عن وجهَيْن لِعُملة واحدة لـ " صَدمة المُستقبَل". ولد إبنو يُحذِّر من مُستقبَل فارغ حَد العدمية، يتلاشى فيها الحد الفاصل بين الواقع والخيال. وهكسلي يُحذِّر من مُستقبَل ممتلئ حد الاختناق بالاستهلاكِ والآلِيَّة.

إنَّ صَدمة المُستقبَل لَيست مُجرَّد مفهوم يرتبط بتسارع الزمن التقني، بلْ هي حالة وجودية ومعرفية تُعيد تشكيلَ الإنسان من الداخل، وتدفعه إلى مُراجعة علاقته بالقِيَم والهُوِيَّةِ والمعنى. وإذا كان هكسلي قد صاغَ في رؤيته الكابوسية عَالَمًا تُهيمن عليه التقنية والاستهلاك، وتذوب فيه الإرادةُ الفردية تحت سُلطة النظام، فإنَّ ولد إبنو قَدْ قَدَّمَ من داخل السياق العربي تَصَوُّرًا نقديًّا لا يقلُّ عُمقًا، حيث تتحوَّل الحداثةُ المُتسارعة إلى قوة ضاغطة تُهدِّد التوازنَ الرُّوحي والثقافي للإنسان.

كِلاهُما يُنبِّه إلى خطر الانفصال بين التقدُّم المادي والنُّضْجِ الإنساني، ويُشير إلى أنَّ المُستقبَل حِينَ يُبْنَى على العقلِ الأداتي وحده يُفْضي إلى اغترابِ الإنسان عن ذاته وقِيَمِه.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تحولات الفكر اللساني بين التراث والحداثة

لم يكن تطوّرُ اللسانيات الحديثة حدثًا معزولاً عن التراث اللغوي الإنساني، بل جاء نتيجةَ تراكماتٍ معرفيةٍ طويلة بدأت منذ التأملات الأولى في اللغة، وبلغت ذروتها في التحولات الإبستمولوجية الكبرى التي شهدها القرن العشرون. وإذا كان النحو التوليدي التحويلي قد أعاد الاعتبار إلى العقل بوصفه منشأ اللغة ومركزها، فإنّ هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن علومٍ تأسيسيةٍ كعلم الأصوات، وفقه اللغة، والدرس النحوي العربي القديم، الذي سبق كثيرًا من التصورات الحديثة في دقّته ومنهجيته.

لقد أدرك العربُ مبكراً أن اللغة ليست ألفاظاً متجاورة، بل كيانٌ حيّ تتداخل فيه الأصوات والبنى والدلالات والسياقات النفسية والاجتماعية. ولذلك نشأت علومٌ متكاملة لخدمة العربية، لم تكن مجرد أدواتٍ تعليمية، بل مشاريع فكرية كبرى هدفت إلى فهم طبيعة اللغة وآليات اشتغالها.

علم الأصوات: الموسيقى الخفية للغة:

يُعدّ علم الأصوات من أعمق فروع اللسانيات؛ لأنه يتعامل مع المادة الأولى للكلام: الصوت. فاللغة قبل أن تُكتب كانت تُسمع، وقبل أن تتحوّل إلى قواعد كانت ذبذباتٍ ونبراتٍ ومخارجَ وإيقاعات.

وقد بلغ علماء العربية في هذا المجال منزلةً رفيعة سبقت كثيراً من الدراسات الغربية الحديثة. فقد قدّم الخليل بن أحمد الفراهيدي رؤيةً صوتية دقيقة حين رتّب الحروف وفق مخارجها في «معجم العين»، مبتدئًا بحرف العين لكونه أعمق الحروف مخرجاً. ولم يكن هذا الترتيب اعتباطيّاً، بل قائماً على وعيٍ فيزيائي وصوتي مذهل لطبيعة الجهاز النطقي.

ثم جاء سيبويه ليفصّل الحديث عن صفات الأصوات ومخارجها وصفاً علميّاً دقيقاً، حتى عدّه بعض الباحثين المعاصرين مؤسساً مبكراً للفونيتيك العربي. فقد تحدّث عن الجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والإطباق والانفتاح، وهي مفاهيم ما تزال مركزية في علم الأصوات الحديث.

أما ابن جني فقد ارتقى بعلم الأصوات من الوصف الفيزيائي إلى التأمل الفلسفي، حين رأى أن هناك علاقةً خفيّة بين الصوت والمعنى، وأن الأصوات ليست محايدة بالكامل، بل تحمل طاقةً إيحائية. ولذلك قال عبارته الشهيرة: «تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني»، في إشارة إلى التناسب بين البنية الصوتية والدلالة النفسية.

ومن هنا، لم يعد الصوت عنصراً شكليّاً، بل أصبح حاملاً للإيقاع والانفعال والدلالة، وهو ما سيستثمره لاحقاً علم اللسانيات الحديث، ولا سيما في الدراسات الفونولوجية والبنيوية.

فقه اللغة: اللغة بوصفها ذاكرة الحضارة

إذا كان علم الأصوات يبحث في المادة السمعية للغة، فإن فقه اللغة يتجاوز ذلك إلى دراسة تاريخ الألفاظ، وتحول الدلالات، والعلاقات الحضارية والثقافية التي تُنتج اللغة وتعيد تشكيلها.

وقد أدرك فقهاء العربية أن اللغة ليست معجماً جامداً، بل كائنٌ تاريخيّ ينمو ويتغيّر ويتفاعل مع المجتمع والفكر والدين والسياسة. ولذلك جاءت مؤلفات مثل «الخصائص» لابن جني، و«الصاحبي» لـ ابن فارس، و«فقه اللغة» لـ الثعالبي لتؤسس رؤيةً عميقةً لطبيعة العربية وعبقريتها التعبيرية.

وقد رأى ابن فارس أن للعربية «مقاييس» وأصولاً تنتظم فيها الكلمات، وأن الاشتقاق ليس مجرد توليد صرفي، بل نظام فكري يكشف ترابط المعاني. أمّا الثعالبي فقد أبرز ثراء العربية المذهل في التعبير عن الفروق الدقيقة بين الأشياء، حتى بدت اللغة عنده مرآةً دقيقةً للحياة العربية ووعيها الثقافي.

وهنا تتجلّى أهمية فقه اللغة في اللسانيات الحديثة؛ إذ إنه يربط اللغة بالسياق الحضاري والإنساني، فلا يدرس البنية معزولةً عن التاريخ والثقافة والوعي الجمعي.

المدرسة البصرية: صرامة العقل وبناء القياس

مثّلت المدرسة البصرية أعظم مشروع عقلي في تاريخ النحو العربي، وقد قامت على الدقّة المنهجية والاحتكام إلى القياس العقلي الصارم. وكان روّادها يسعون إلى بناء نظام نحوي متماسك يُفسّر الظواهر اللغوية ضمن قواعد عامة.

ويأتي في مقدمة هؤلاء سيبويه، الذي لم يكن مجرد نحوي، بل فيلسوف لغة بالمعنى العميق. فقد نظر إلى اللغة باعتبارها نظاماً تحكمه العلاقات والعوامل، وربط بين الوظيفة النحوية والمعنى الدلالي.

كما أسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي في تأسيس المنهج الاستقرائي، حين جمع اللغة من أفواه العرب، ثم استنبط منها القواعد والأوزان. وقد كان الخليل سابقاً لعصره في نظرته الرياضية إلى اللغة، ويكفي أنه أسّس علم العروض وفق نظام إيقاعي بالغ الدقة.

لقد آمن البصريون بأن اللغة نظامٌ منطقيّ، وأن الشاذ لا يُقاس عليه، ولذلك غلب على منهجهم الطابع العقلي التحليلي.

المدرسة الكوفية: مرونة السماع واتساع اللغة

في مقابل الصرامة البصرية، جاءت المدرسة الكوفية أكثر مرونةً وانفتاحاً على الاستعمال اللغوي. فقد اعتمد الكوفيون على السماع، وقبلوا كثيراً من الظواهر التي رفضها البصريون بدعوى الشذوذ.

وكان من أعلامهم الكسائي والفراء، اللذان وسّعا دائرة الاحتجاج اللغوي، وأدخلا القراءات القرآنية واللهجات العربية في صلب التحليل النحوي.

وقد أدرك الكوفيون أن اللغة أوسع من أن تُختزل في منطقٍ صارم، وأن الاستعمال الحيّ جزءٌ من شرعية القاعدة. ومن هنا جاءت مرونتهم في التأويل والإعراب.

بين التراث واللسانيات الحديثة

إنّ التأمل العميق في التراث اللغوي العربي يكشف أن كثيراً من القضايا التي ناقشتها اللسانيات الحديثة كانت مطروحةً بشكلٍ أو بآخر عند علماء العربية. فقد بحثوا في العلاقة بين اللفظ والمعنى، والصوت والدلالة، والبنية والاستعمال، والعقل واللغة.

وحين جاء النحو التوليدي التحويلي مع نعوم تشومسكي، أعاد طرح سؤال الكفاءة اللغوية والبنية العميقة، وهو سؤال يلتقي — من حيث الجوهر — مع اهتمام النحاة العرب بالعامل، والتقدير، والعلاقات الخفية داخل الجملة.

لكن الفرق الجوهري أن اللسانيات الحديثة استعانت بالرياضيات والمنطق والعلوم المعرفية، بينما ظلّ التراث العربي يتحرك ضمن أفقٍ فلسفي وبلاغي ولغوي خاص.

خاتمة:

إنّ التحولات الإبستمولوجية في اللسانيات لم تكن قطيعةً كاملة مع الماضي، بل إعادةَ بناءٍ متواصلة لفهم اللغة والإنسان. فاللغة ليست أصواتاً فقط، ولا قواعد فقط، ولا بنيةً ذهنية فقط؛ إنها الوعاء الذي تتشكّل فيه الرؤية إلى العالم.

ولذلك ظلّ علم الأصوات يكشف موسيقى اللغة الخفية، وظلّ فقه اللغة يربط الألفاظ بتاريخ الحضارات، بينما واصل النحو  قديمه وحديثه، البحثَ في القوانين التي تنظّم العلاقة بين الفكر والتعبير. وهكذا تتجلّى العربية، في تراثها اللساني العريق، لا بوصفها لغةً فحسب، بل مشروعاً معرفيّاً وإنسانيّاً بالغ العمق والثراء.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

 

الخطاب والعنف

الشيء المؤكد اليوم، أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام 1928 في مدينة الإسماعيلية في مصر. هي البداية الحقيقة لما يعرف اليوم باسم الإسلام السياسي. أي بداية القول في العصر الحديث، وعند "أهل السنة والجماعة " أن الدولة ركن من أركان الدين، وبالتالي فإن الدولة والسلطة والإمامة هي من الأصول وليس من الفروع، بينما من المعروف أن هذا المبدأ هو من المبادئ المركزية عند الشيّعة. كما تجدر الإشارة إلى أنه من رحم هذه الجماعة- الأم، ولدت كل جماعات وحركات الإسلام السياسي في القرن العشرين، ومن كهف الإسلام السياسي خرجت كل التنظيمات المسلحة التي أطلقت الرصاص على الجميع، تنظيمات مثل التنظيم المعروف إعلاميًا باسم "التكفير والهجرة " بزعامة شكري مصطفى وتنظيم الفنية العسكرية بقيادة الفلسطيني صالح سرية وتنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية وغيرها وغيرها من الجماعات والتنظيمات، هذه الجماعات التكفيرية والتي أعلنت عن نفسها بعمليات استعراضية في السبعينيات والثمانينيات، رافعة راية الجهاد ليس فيدار الحرب هذه المرة، بل في دار الإسلام، بدعوى " جاهلية القرن العشرين " وفي مواجهة الحكام " الطاغوت ". وما يلاحظ أنه مع مرور الوقت، ارتفع منسوب القتل ضد كل الشرائح والفئات والطبقات، بالتوازي مع ارتفاع منسوب التطرف، وفي نفس الوقت مع إزدياد معدلات الفقر والارتفاع المفزع لنسب الأمية في المجتمعات العربية وانهيار النظام التعليمي، مع الإشارة إلى أن كل ذلك، كان يجري في مناخ سياسي قامع للحريات وفي ظل دولة سلطية، دولة المستبد غير العادل. ومن نافلة القول، أن العنف هو نتاج إيديولوجية متطرفة، والإرهاب تعبير عن هذه الإيديولوجية، وخطاب العنف يعكس فكر يعتقد بإمتلاك الحقيقة المطلقة. ولهذا لم تتوانى جماعات الإسلام السياسي وكافة التيارات السياسية/الدينية في الإنتقال من مرحلة الدعوة الى مرحلة أعلى هي الإرهاب، والدخول في صراع قاتل مع القوى السياسة الوطنية. كما وضعت نفسها في مواجهة غير مبررة مع العصر، ليس هذا فحسب، بل وسوَّغت لنفسها ممارسة العنف المُنفَلت من كل عُقال، وذلك بتوظيف ألفاظاً قرآنية، مثل الجهاد والقتال والغزو والطاغوت. ولقد كان العنف والعنف المضاد، بين التنظيمات المسلحة والأجهزة الأمنية، السبب الرئيس في وقوع تحولات سياسية، وفي ظهور تشققات إجتماعية عميقة، وتمزقات ثقافية شديدة الخطورة في جسم الدولة والمجتمع. وغني عن البيان القول أن ظهور الإسلام السياسي، قد شكَّل بالفعل وبالقوة تهديدًا للسلم الاجتماعي، وكان ومايزال خطرا على وحدة الأوطان وعلى النسيج الإجتماعي للمجتمعات. والجدير بالذكر، فإن الإسلام السياسي –فكرا وتنظيمًا - قد تكون في عشرينيات القرن الماضي، وتشكَّل في مرحلة ما بين الحربين. أي أنه ولد ونشأ وترعرع في حقبة حافلة بالتحولات السياسة والإجتماعية في العالم العربي، هذه التحولات رسمت خريطة الإيديولوجية العربية المعاصرة. ولسنا في حاجة للقول بأن العامل الخارجي قد لعب دورا كبيرا في نشأة الإسلام السياسي بسبب إزدياد شدة الإختراق الاستعماري/الإمبريالي، وما أحدثه هذا الاختراق من تفكك للبنى الاجتماعية / الثقافية. ومما لا شك فيه أن قرار إلغاء الخلافة كان بمثابة الرجة التي أفقدت النخب العربية/ الإسلامية توازنها، البعض رحب بالقرار وصفق للدولة الوطنية البازغة، والبعض الأخر لم يرحب بالقرار بل وعارض نظام الدولة الوطنية. وما يرتبط بها من مبادئ مثل الدستور والعقد الاجتماعي وما يتفرع عنهما من مرتكزات الفلسفة السياسية الحديثة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وكل ما يتعلق بالدولة الحديثة من نظم ومؤسسات سياسية وإدارية وأمنية.

و من أبرز من صدمهم قرار إلغاء الخلافة الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة" المنار "، وكان كتابه "الخلافة والإمامة العظمى" دليل قاطع على صدمة بدايات إنفصال السلطان عن القرآن، ومفارقة الخلافة للسلطنة. وعلى النقيض من ذلك، رحبت النخبة الليبرالية بالقرار، وكان منهم الشيخ علي عبد الرازق الذي أصدر كتاب " الإسلام وأصول الحكم" وقد شكل صداعا لدعاة عودة الخلافة كما أصاب في مقتل مقولة الإسلام دين ودولة. والحقيقة أن هذا الكتاب/ الحدث زعزع الكثير من اليقينيات والمعتقدات والقناعات التي كانت قد تحولت عند الكثيرين، ومع مرور الوقت إلى مسلمات غير قابلة للنقاش.

و لا يختلف إثنان على أن كتاب " الإسلام وأصول الحكم"، تميز بحس نقدي غير مسبوق، وبجرأة لم يسبق لها مثيل في الفكر العربي الحديث، إذ أعلن بوضوح أن دولة الخلافة هي دولة سلطانية تقوم على أساس القوة والغلبة، وليس على الرضا والقبول، كما كشف الطبيعة السياسية للسلطة والحكم في الإسلام، كما قدم براهين وأدلة شرعية على أن الدين الإسلامي يرفض هذا النظام السياسي السلطاني. ولا أحد يجادل بأن نشأة الإسلام السياسي، هو أحد مُخرجات إلغاء الخلافة العثمانية السنية، فقد أصيبت النخبة التقليدية بالصدمة وشعرت بالضياع بعد سقوط الخلافة، وكما ذكرنا سابقًا شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أحداثا عاصفة غيرت تماما ليس فقط الخريطة الجيو –السياسية، بل غيرت الخريطة الثقافية- الفكرية وأعادت ترتيب موازين القوى لصالح القوى الاجتماعية الجديدة. كانت الهزة الأكبر، أو إن صح التعبير مركز الزلزال هو السقوط المدوي للإمبراطورية العثمانية، بعد الهزيمة القاسية التي تعرضت لها في الحرب الكونية الأولى، والتي على إثرها قَضم الحلفاء الكثير من أراضي الدولة التركية، بل ووصل الأمر إلى حد دخول عاصمة الخلافة السنية، كما تم الإستيلاء على الولايات العربية التابعة لها على يد القوى الإستعمارية الكبرى آنذاك، بأسماء بها قدر كبير من المكر والخديعة، من قبيل الحماية والإنتداب، طبقًا لسياسات القوى الاستعمارية، وطبقا لإتفاقية سايكس/ بيكو عام 1916. والحقيقة التي لا نقاش فيها، أن علامات الإنهيار والسقوط كانت بادية منذ منتصف القرن التاسع، كما أن ملامح وسمات التفكك كانت لا تخطئها عين، كما لا ننسى أن أعراض المرض قد بدأت في الظهور منذ نهاية القرن الثامن عشر.

نهاية نظام الخلافة

وبعبارة أخرى، ما يسمى بالخلافة الإسلامية أو الإطار السياسي الجامع للمسلمين السنة، كانت في الهزيع الأخير من عمرها، مجرد هيكل بلا روح، وبتعبير مجازي أصح كانت عبارة عن جثة هامدة. وبالتالي كان هذا النوع من أنظمة الحكم المسمى بالخلافة، قد وصل إلى حالة متقدمة من التفكك والتفسخ والهزال، كان هذا الشكل للدولة المبنية على حكم العسكري والمتربعة على المساحة الجغرافية الواسعة، وبتركيبة ديموغرافية متنوعة تضم عشرات القوميات والطوائف والمذاهب، هذا النوع من النظام السياسي إنتهت مدة صلاحيته، ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا النظام السياسي كان في حكم الميت، بعد أن تجاوزته الأحداث، ولم يعد يتماشى مع العصر ولا يستطيع مجاراة نموذج الدولة الحديثة، أي الدولة- الأمة. وبعد الهزيمة القاسية في الحرب العالمية الأولى، كان لا بد على السلطة العسكرية الجديدة من إتخاذ قرارات تناسب التطورات السياسية. وأهم هذه القرارات التي مهدت الطريق للدولة الوطنية التركية العلمانية، القرار الصادر يوم 4 نوفمبر 1922 عن الجمعية الوطنية التركية القاضي بفصل السلطنة عن الخلافة. ولا مراء في أن هذا القرار هو قرار تاريخي جريء بكل المقاييس، كان بمثابة الضربة القاضية لما يسمى بالخلافة، وذلك بعد ثلاثة عشر قرنًا من وجود هذا النظام السياسي/السلطاني الذي تشكل في سقيفة بني ساعدة، وكان يجمع بين السلطان والقرآن، بين المصحف والسيف، وبعبارة أوضح، بين الدين والدولة. وثمة ملاحظة في هذه الصدد وهي أن السلطان في عهد الخلفاء الراشدين كان في خدمة الدين، لكن منذ انقلاب الخلافة إلى ملك وراثي عَضُّوض، صار القرآن في خدمة السلطان، أي صار في خدمة الملوك والسلاطين والأمراء. منذ قيام الدولة الأموية. وإذا شئنا الدقة نقول، أن هذا قرار الفصل من حيث اللغة والأسلوب والديباجة، جاء ليس فقط ليبرر خطوة الفصل بين السلطنة والخلافة ولكن ليقدم المُبررات الدينية/الشرعية للخطوة الأكبر والقرار الأهم وهو إلغاء الخلافة تمامًا ونهائيًا. وبالفعل صَدر القرار التاريخي الثاني وهو إلغاء الخلافة في اليوم الثاني عشر من شهر مارس عام 1924، وبذلك أُسدل الستار، على مرحلة تاريخية بأكملها. مرحلة النظام الإمبراطوري، تزامنت مع بداية نشأة نظام الدولة الوطنية في المنطقة العربية.

 وكان من الطبيعي أن يخلف قرار إلغاء الخلافة، ردود فعل متباينة بين السخط الشديد والترحيب الكبير، في العالم الإسلامي عامة وفي الوطن العربي خاصة، لكن من المؤكد أن الصدمة كانت قوية، إلى درجة أن البعض من ملوك العرب أنذاك، أراد استغلال الفرصة للترشح لمنصب الخلافة. ثم كان القرار التاريخي الثالث، المتمثل في إعلان قيام الجمهورية التركية الوطنية العلمانية الحديثة. 

ولكن وفي المقابل، ومن الأثار الإيجابية- إن صح هذا التعبير- لهذا القرارات، هي عودة السجَّالات الفكرية في قضية طالما شغلت الفكر الإسلامي في العصر الوسيط، وهو العلاقة بين الفقيه والسلطان، كما اشتعلت جذوة الجدال من جديد واستمر النقاش بين تيارات الإيديولوجيا العربية المعاصرة، حول دور الدين ووظيفته في الدولة الوطنية الناشئة، كما عاد السجّال إلى نقطة الصفر في قضايا الإسلام والغرب والتاريخ والتراث، ومسائل الفقه والاجتهاد والتجديد.

 وما يذكره التاريخ أن جذوة المناقشات إشتعل أوارها وإزدادت حدة النقاش مباشرة بعد القرارات الثلاث، والتي كانت صادمة للعقل الإسلامي، قرار الفصل بين الخلافة والسلطنة، وقرار إلغاء الخلافة، وقرار إعلان الجمهورية.

 وقد أنفق الفكر العربي/الإسلامي الكثير من الوقت والجهد في محاولة إستعادة الخلافة سواء بصيغتها القديمة أو بصيغتها المعدلة أو بأي صيغة أخر، ومن هذه المحاولات التي تنسب للإسلام الحزبي، محاولة حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني في القدس عام 1952 قائم على تحقيق هدف استراتيجي هو عودة الخلافة الإسلامية بأي شكل وبأية صيغة.

و مما يلفت الانتباه، أن قطاع واسع من الإسلاميين، من مازال يعتقد إعتقادًا راسخا بأن عودة الخلافة ضرورة حتمية، وما إعلان أبو بكر البغدادي من على منبر أحد مساجد الموصل عن قيام الدولة الإسلامية في الشام والعراق(داعش) عام، 2014 إلا دليل إثبات على ذلك.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي - الجزائر

 

«كل المثقفين هكذا.. يتفلسفون في كل مسألة، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟.. تأثيرهم صفر..». هكذا علق أحد القراء الأعزاء على مقالة الأسبوع الماضي، التي – لسوء الحظ – انتقدت التعميم، ولا سيما السلبي منه. والتعميم - كما أشرت - هو أن تأخذ انطباعاً عن شخص أو عدد من الأشخاص، ينتمون إلى فئة محددة، ثم تصدر حكماً على جميع أفراد تلك الفئة. مثال ذلك، أن ترى كاتباً أو بضعة كتاب يتفلسفون، أو يطيلون القول في مسائل بعينها، فتحكم بأن الكتَّاب كافة يفعلون الشيء نفسه، وأن هذا الفعل سيئ.

حسناً... هل يمكننا الخلاص من ظاهرة التعميم أو التنميط المتحيز، خصوصاً الذي ينطوي على محتوى سلبي أو معادٍ لفئات بأكملها؟

أشار مقال الأسبوع الماضي إلى شهادة الأديب الإنجليزي شارلز لامب الذي يقول: «أنا كتلة من التحيزات، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة». والحق، أن هذا هو وأنا وأنت. إنها سمة راسخة عند أغلب الناس، وربما جميعهم.

يبدأ التحيز بطريقة تنسيق المعلومات في ذهنك. مثلاً: حينما ترى سيارتين، ألمانية وصينية، فسوف تستدعي حكماً ذهنياً سبق تخزينه في ذاكرتك عن التكنولوجيا الألمانية والصينية، وسوف تنظر للأولى بوصفها أعلى وأقوى من الأخرى. تُرى... كيف عرفت أن السيارة التي أمامك تحمل الصفات المخزونة نفسها في ذاكرتك؟ لعل التي قدَّرت أنها أفضل، أقل من نظيرتها في الواقع.

هذا معروف لنا جميعاً. لكننا – مع ذلك – لا نلتفت للأحكام التي نصدرها على الناس والأشياء التي نصادفها كل يوم تقريباً، أعني أحكامنا المستمدة من قوالب في الذهن، وليس من ملاحظة عينية مباشرة للشخص أو الشيء الذي أمامنا.

التصنيف الذهني للمعلومات والأحكام نشاط عفوي، لا يمكن تفاديه. لكنه قابل للمراجعة والتحكم. وهكذا يمكن تصفيته بين حين وآخر، على ضوء ما نتوصل إليه من معلومات أو آراء جديدة، شرط أن يرغب الإنسان في المراجعة والتصحيح.

يصنف العقل ما يصله في قوالب (أو أدراج). فكلما وصلته معلومة مقاربة، أضافها إلى ذلك الدرج وختمها بطابعه.

وأذكر حادثة تشير إلى التنميط العفوي، حين ذهبت قبل سنوات إلى مدينة «حولّي» في الكويت، لزيارة صديق. فلم أعثر على مكانه، فعرضت العنوان على صاحب دكان هناك، فقال لي إن كان الذي تبحث عنه كويتياً، فلن تجده هنا مطلقاً. الكويتيون لا يسكنون هنا. وحين عثرت على الصديق في نهاية المطاف، قال لي إن هذا هو الانطباع العام فعلاً، مع أنه غير دقيق.

يتجسد التنميط في الحياة الاجتماعية، على شكل مَيلِ عام لدى الناس للتقارب مع من يشترك معهم في الثقافة أو الانتماء العرقي أو الديني، وكذلك الذين لديهم ذاكرة مشتركة، مثل زمالة دراسية أو مهنية... الخ. وحسب ملاحظة البروفسور غوردون البورت الذي أشرت في الأسبوع الماضي إلى كتابه «طبيعة التحيز»، فإن السلوك العام للبشر، هو انضمام الفرد إلى الجماعة التي يجمعه بها عدد أكبر من المشتركات الثقافية أو البيولوجية. في كل بقاع الأرض، يجتمع الناس مع أشباههم «يتزاوجون، يأكلون ويلعبون ويسكنون في تجمعات متجانسة». يميل الناس إلى أشباههم كي يستغنوا عن الجهد الضروري لصناعة علاقاتهم، وإعادة التفكير في سلوكهم، أو التصرف بتحفظ، لو كان المحيط من الغرباء.

هذا الميل الطبيعي يؤكد أن الإنسان يميل للاتجاه الذي يعرفه سابقاً، أو الذي قام بتعريفه سابقاً. وينطبق هذا على نظرته للناس والأشياء الذين يصادفهم للمرة الأولى.

إنْ وافقتني على هذا التحليل، فلا بد أنك تتساءل: ما دام التنميط سلوكاً طبيعياً عند البشر، فلماذا نشعر بالقلق، ولماذا نتحدث عنه كأمر غريب؟

الجواب هو الذي نعرفه جميعاً: ما نخشاه هو التنميط السلبي، الذي يجعلنا نصدر أحكاماً تنطوي على كراهية للآخرين، وتجعلنا نقف في صف أهل الكراهية، بدل أن نقف مع أهل المحبة، أليس كذلك؟

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

حتى لا نتوه في الديباجة، فالماضي الذي أرمي له هو بشقّيه، القريب وهو طفولتنا، والبعيد وتمثّله جيناتنا التي ورثناها من سلسلة أجدادنا المكثّفة.

ولربما الإجابة البديهية تبدو أن كليهما له دور فاعل لا يمكن نكرانه في تشكيل شخصياتنا، وتاليًا حيواتنا، وحينئذٍ نكون إزاء سؤال التفاصيل في استكْناه كلٍ منهما، لا غير، إلا أنّ هناك سؤالا أجلّ، ويقفز على نمط التفكير الثنائي بجرأة بالغة، ويمكن صَوغُ هذا السؤال على النحو الآتي: إذا كان ثمة مسؤول آخر عن تفاعلاتنا مع الحياة وطريقة استجابتنا من غير طفولتنا وجيناتنا، فماذا سيكون؟

قبل أن نلِج في خضمّ هذا السؤال المتمرد، خليقٌ بنا أن نسبر أغوار دورَي الطفولة والجينات في تشكيلنا، ولعل القاسم المشترك الكبير بينهما أنه لا دخل لنا البتة فيهما، إذْ إنّهما يمثلان عاملان خارجيان مستقلان عن إرادتنا، ويعبثان بنا كما يشاءان، فالجينات التي ورثناها لم تكن بمحض إرادةٍ منا أو اختيار، وإنما نحن نمثل حلقة متجسدة من تراكم الجينات ضمن حلقات سلسلة آبائنا، بامتيازاتها وقصورها، والطفولة وإن كانت في درجة أعلى قليلا من الوعي مقارنة بوراثة الجينات، غير أن هذا الوعي من الضآلة والمحدودية بحيث إنه لا يُلتفت إليه، فالطفولة القاسية والطفولة المدللة ليسا سيّان، والطفولة الملأى بالتقدير والدعم لا تشبه بأي حال من الأحوال طفولة خانقة تكسر مجاديف أي بوادر رائعة، وكلا العاملَين، الجينات والطفولة، شيءٌ مُنحنا إياها من غير قرار شخصي، وهي لا تنفكّ تهندس طريقة نظرتنا للحياة واستجابتنا لمختلف مواقفها.

فالجينات - تلك الشفرات المخبوءة في جوانحنا - تبرمج فينا أكثر من مجرد شكل أجسامنا وألواننا ومختلف تفاصيلنا الفسيولوجية، لتنسحب على استعدادنا الفطري للنزعة الهجومية والرغبة الحميمية، والعصبية الهوجاء، وحتى الإجرام الوحشي أو السماحة الساذجة، إلى آخر تلك الاستعدادات ما حسُن منها وماقبُح، فضلا عن تلك الجينات غير المفعّلة فينا، والتي تنتظر المثير الخارجي حتى يُدخلها في حيّز التنفيذ، وهذا يعني بكل جلاء أننا لا نولد على درجة واحدة من الاستعداد التكويني في قدراتنا وميولاتنا ورغباتنا، فنحن متفاوتون حدّ النخاع في اتجاهات أدمغتنا التي تمثل امتدادًا لموروث جيناتنا؛ ونتيجة لذلك فإنه من الطبيعي جدا أن تختلف استجابتنا للحياة، وبالتالي مآلات هذه الاستجابة، التي نبَعت في المقام الأول من إكراهات جبرية تكوينًا، لسنا مسؤولين عنها، ويشبه إلى حد ما نموذج ذكاء اصطناعي غُذّي ببرمجة محددة لا يخرج عنها، أقول هذا تقريبا للصورة ولا أعني المطابقة إطلاقا.

وإذا ما جئنا للطفولة، فنحن ندرك تمام الإدراك ما يردّده المختصون في خطورة ما نتعرّض له في مراحل حياتنا المبكّرة، من حيث إنه يطبع فينا عميقا ما يؤثر على بقية حياتنا، ولعلّ أقرب تمثيل ييسّر علينا تصوّر هذه الخطورة الجسيمة هو معجون الطين الطري الذي يسهل تشكيله ما دام مبتلا في بداياته، وما إن يمر عليه وقت حتى يَيْبس، فيزيد صلابة بتقادم الزمن، وحينئذٍ يصعب تغييره إلا بكسره! هذه الحساسية البالغة فيما تمثّله الطفولة من عامل كبير التأثير، والتي لا يتجاوز عددها في أوْج فاعليتها سنيننا الست الأولى! تنعكس ظلالُها على عقود حياتنا اللاحقة، ولك أن تتخيل نسبة ست سنوات فيمن عمره ستون سنة، في نظير ما تمثله من قوة قاهرة تُبرمِج سنينَ طوالًا نحو طريقة استجابة محددة، وعلى نحو دقيق يمكن القول إن الطفولة هي بداية تكرار لنمط استجابة مع مجريات الحياة، وكل تكرار لاحق يؤثر على ما يأتي بعده، وتزداد تغوّلا فينا، وهكذا دوالَيك.

لنأتِ الآن إلى محاولة وضع مقاربة معقولة لسؤالنا المحوري في هذا المقال الذي اصطفيناه في توطئة هذا المقال: إذا كان ثمة مسؤول آخر عن تفاعلاتنا مع الحياة وطريقة استجابتنا من غير طفولتنا وجيناتنا، فماذا سيكون؟ قبل أن أجيب دعوني بادئ ذي بدء أحدد موقع البحث عن هذا المسؤول الآخر! فإذا كانت الجينات والطفولة - كما أسلفتُ - تقبع في منطقة العوامل الخارجية التي ليس لنا فيها حرية إرادة إطلاقا، فماذا لو كان المسؤول الآخر المتمرّد على نمط التفكير الثنائي - هذا أو ذاك - لا ينتمي للعائلة نفسها! بل من سلالة مختلفة، سلالة إرادتنا الحرّة - مع تحفّظي على المعنى المطلق لمفهومي الإرادة والحرة - أقول: ماذا لو؟ إنه الإنسان الآخر!

الاحتكاك الاختياري بدوائر إنسانية مختارة، والارتماء في أحضان بيئات تفاعلية مصطفاة بعناية وسط بيئاتنا الكبيرة أو خارج أُطُرِها، وهو وإن كان عاملا خارجيا غير أنه يمثل قرارا شخصيا حرا، وهو بدوره يعيد إنتاجنا! وما هي إلا مسألة وقت حتى نجدنا أمام نسخة مختلفةٍ منا خارج امتداد ماضينا القريب منه والبعيد، تكسر سلسلة التكرار التي ولّدتها جيناتنا وطفولتنا.

إن التفاعل الإنساني مع الآخر المختار بمواصفات محددة تصقل طباعنا، وتهذّب طبيعتنا، وكما أن الحديد لا يفُلّ إلا الحديد، هكذا الإنسان، لا يكسر سطوة إكراهات جيناته وطفولته إلا تفاعله مع بيئات إنسانية مختارة بوعي، تعيد تشكيله وتنشئته وتبعثه خَلقًا جديدا.

ومع ذلك، يبقى الصراع حقيقة لا يمكن غضّ الطرف عنها بالمرّة، أعني الصراع بين العوامل التي ليس لنا يد فيها: الجينات والطفولة، وبين عامل الدوائر الإنسانية المختارة لنمارس معها تفاصيل حياتنا أو ما تبقى منها! ولكن على الأقل هي خطوة حازمة تتبعها خطوات في سبيل التحرر من أُسُر الماضي وأغلاله، وإن شئت فقل: إن خير مغيّر للإنسان هو إنسانٌ من بني جنسه، إنسانٌ مختار بمعايير توقظ فينا ما هو جميل، وتجتثّ منا ما هو رديء، يضيف لنا قيمة تستحق، ويجنبنا ما لا يليق بنسختنا الثائرة على موروث جيناتنا ومرحلة طفولتنا، لنلقي بنسختنا القديمة قربانا في مَذبح نسختنا المنشودة.

إنّ السردية التي لا تفتأُ تخبر بها نفسك، وتُمنّيها بأفضل نسخة منك تبدأ باتخاذ قرار واعٍ، وبحجم هذا القرار يتحدد مصيرك، ولأننا موجَّهون بعوامل خارجية منفلتة ومتفلّتة عن اختياراتنا؛ فمن الضرورة بمكان أن نتخذ لأنفسنا نهجا قوي الشكيمة، يخترق نفوذ تلكم العوامل، أحدها أو في صدارتها هو الإنسان الآخر الذي نختاره، فردا كان أم مجتمعا، ولكن من تجميعنا نحن واختيارنا نحن!

نعم، أنا وأنت ونحن لسنا إلا نتاج طفراتنا الجينية وامتدادات طفولتنا، ولكن حتى يأتي اليوم الذي نتخذ فيه قرارا واعيا بالتفكير مَليا فيمن نشاطره المرحلة القادمة من حياتنا؛ ومِن هنا تدرك أن مختلف العوامل المؤثّرة - مهما تضافرَت - لا تصلح أن تكون شمّاعة لإخفاقاتك ونسختك الحالية من نفسك التي لم تعد تريد أن تكونها.

***

محمـــد سيـــف - كاتب وباحث من سلطنة عمان

بين سكون الوعي وعنف الأسئلة المؤجّلة

في زمنٍ تُقاس فيه الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة لا استهلاكها، يغدو السؤال عن طبيعة الوعي العربي سؤالاً وجودياً لا ترفاً فكرياً. فبين تراكمٍ شكلي للمعارف وعجزٍ عن تفعيلها، تتكشّف أوهامٌ تُخفي فراغاً عميقاً في بنية العقل، وتؤجّل لحظة المواجهة مع الذات والتاريخ.

تبدو المعرفة، في سياقها الإنساني العميق، أكثر من مجرد تراكم معلومات أو استظهار نظريات؛ إنها، في جوهرها، فعل اقتحام للعالم، وتمزيق لحجب المألوف، وإعادة تركيب للوجود وفق منطق السؤال لا منطق الطمأنينة. ومن هنا، فإن أي حديث عن التفوق الحضاري لا يمكن فصله عن تلك الثنائية الحاسمة التي صاغها فرنسيس بيكون حين قرن المعرفة بالقوة، لا بوصفها ترفاً ذهنياً، بل باعتبارها أداة للهيمنة، ووسيلة لإعادة تشكيل العالم.

لقد أدرك الغرب، منذ انبثاق عصر النهضة، أن المعرفة ليست انعكاساً سلبياً للواقع، بل مشروعاً نشطاً للسيطرة عليه. ولم يكن انتقاله من الظلام السكولائي إلى أفق عصر التنوير مجرد تحوّل فكري، بل انقلاباً أنطولوجياً أعاد تعريف الإنسان بوصفه مركزاً للكون، لا تابعاً له. وهنا، تتبدّى أهمية التحولات التي دشّنها رينيه ديكارت حين زعزع يقين الحواس، وأعاد بناء المعرفة على أساس الشك المنهجي، فاتحاً بذلك الباب أمام عقلانية نقدية لا تقبل المسلّمات.

في المقابل، لم تكن المعرفة الغربية معزولة عن سياقها السياسي؛ بل ارتبطت عضوياً بتشكّل الدولة الحديثة، كما نظّر لذلك كارل شميت، حيث تماهت السيادة مع القدرة على إنتاج المعرفة وتنظيمها. ولم يغفل يورغن هابرماس هذا الترابط حين حلّل موقع الدين في المجال العام، مبرزاً أن الحداثة لم تلغِ المقدّس بقدر ما أعادت تأطيره ضمن بنية عقلانية تداولية.

إن الغرب، في بنيته المعرفية، لم يكتفِ بتفكيك الأسطورة، بل حوّل العالم إلى موضوع للفحص الدقيق: جغرافياً، لغوياً، أنثروبولوجياً. ومن هنا، نشأت تقاليد البحث، وأرشيفات المعرفة، ومراكز الدراسات التي لا تكتفي بوصف الآخر، بل تعمل على نمذجته، وإدخاله ضمن نسق قابل للفهم والتوظيف. المعرفة هنا ليست بريئة؛ إنها مشروع سلطة، لكنها سلطة مؤسسة على تراكم نقدي، وقدرة دائمة على مراجعة الذات.

أما في الفضاء العربي، فإن المشهد يبدو مختلفاً على نحو يثير القلق لا الدهشة. فالمعرفة، في كثير من تجلياتها، لم تتجاوز طور الاستهلاك أو الاستعادة، وبقيت أسيرة نمطين: ماضٍ مُقدّس لا يُمسّ، أو حاضر مستورد لا يُفهم. وهكذا، تشكّلت بنية معرفية هجينة، تفتقر إلى روح التساؤل، وتعاني من عجز بنيوي في إنتاج المعنى.

إن الأزمة لا تكمن في غياب المعلومات، بل في غياب الفعل المعرفي ذاته: أي القدرة على تحويل المعطى إلى سؤال، والموروث إلى موضوع نقد، والمستورد إلى مادة للفحص لا للتقليد. فالمؤسسات الأكاديمية، في كثير من الأحيان، تحوّلت إلى فضاءات لإعادة إنتاج المعرفة لا لخلقها، وإلى معامل لتفريخ الشهادات لا لتوليد الأفكار. إنها بيروقراطية العقل، حيث تُختزل المعرفة إلى وظيفة، والبحث إلى واجب شكلي.

والأخطر من ذلك، أن هذه البنية المعرفية تعيش وهم الاكتمال؛ إذ يُنظر إلى كثير من القضايا بوصفها محسومة، لا تحتمل الجدل أو المراجعة. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: في الوقت الذي انشغل فيه الغرب بنقد أسس معرفته، ما زال العقل العربي متردداً في مساءلة ما تلقّاه، كأن المعرفة يقين نهائي لا سيرورة مفتوحة.

لقد كانت الحضارة العربية، في لحظات ازدهارها، أكثر جرأة في طرح الأسئلة مما هي عليه اليوم. فقد شهدت عصورها الوسطى صراعات فكرية خصبة، أسهمت في إنتاج معرفة ديناميكية، منفتحة على الشك والتأويل. غير أن هذا الأفق انغلق تدريجياً، لتحلّ محلّه أنساق مغلقة، تُعيد إنتاج ذاتها دون قدرة على التجاوز.

ومن هنا، فإن وصف المعرفة العربية بأنها "مياه راكدة" ليس حكماً أخلاقياً بقدر ما هو توصيف لوضعية معرفية فقدت روافدها النقدية. فهي معرفة لا تتدفق، لأنها لا تتغذى على السؤال؛ ولا تتجدد، لأنها تخشى التفكيك؛ ولا تنتج، لأنها أسيرة بنيات اجتماعية وثقافية تعيق حركتها، من القبيلة إلى البيروقراطية، ومن النخبوية المغلقة إلى السلطوية المقنّعة.

إن الخروج من هذا المأزق لا يتحقق عبر استيراد نماذج جاهزة، ولا عبر الاكتفاء بترجمة متأخرة لما ينتجه الآخر، بل يقتضي إعادة تأسيس جذرية لفلسفة المعرفة ذاتها. فالمعرفة ليست ما نعرفه، بل كيف نعرفه، ولماذا نعرفه، ولأي غاية ننتجه.

وهنا، يصبح الشك—لا اليقين—هو نقطة البداية، ويغدو النقد—لا التلقين—هو المنهج. كما تغدو الحرية شرطاً معرفياً لا سياسياً فحسب؛ إذ لا يمكن لعقل مقيّد أن ينتج معرفة حرة، ولا لمجتمع يخشى السؤال أن يبني مشروعاً حضارياً.

إن المعرفة، في نهاية المطاف، ليست ترفاً فكرياً، بل قدر حضاري. ومن لا يمتلك جرأة مساءلة ذاته، سيبقى أسير أوهامه، يدور في فلك ما لم يعد موجوداً، أو يقلّد ما لم يفهمه بعد. وبين هذا وذاك، تتبدّد الإمكانات، وتُهدر الطاقات، ويظل السؤال المؤجّل معلقاً: متى تتحول المعرفة العربية من وهمٍ ساكن إلى قوة فاعلة؟.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

شهدت أرضُ الرافدين ولادات متعاقبةً لحضارات كبرى، انبثقت فيها بدايات الوعي الإنساني، وهو يخطو نحو تنظيم العالم وبناء المدن والدول. ابتدأت هذه المسيرة بحضارة سومر في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، حيث ابتكر الإنسان الرافديني الكتابة المسمارية، وأسس أولى المدن المنظمة، وأرسى ملامح القانون، وفتح آفاق المعرفة في الري والزراعة، والعمارة، والرياضيات، والفلك. كانت سومر لحظةً تأسيسية في تاريخ الإنسان، تجلت فيها قدرة العقل على تحويل الطبيعة إلى عمران حي، وإدارة نمط متناغم من الأرض والمياه للإنتاج وتدبير العيش. تلتها الحضارة الأكدية مع صعود سرجون الأكدي (2334–2279 ق.م)، الذي وحّد مدن سومر وأكد تحت سلطة واحدة، وأقام أول إمبراطورية في التاريخ، امتدت من الخليج إلى تخوم سوريا وإيران، فانتقل الإنسان من دولة المدينة إلى الدولة المركزية الكبيرة، ومن تشتت الكيانات إلى وحدة سياسية تتجاوز الحدود الجغرافية. في هذا الامتداد، تواصلت روح الإبداع الرافديني، وتجذّر حضور بلاد الرافدين بوصفها فضاءً يتكوّن فيه التاريخ، وتنبثق فيه أشكال جديدة للسلطة والمعرفة والعمران، في سعي دائم إلى بناء عالم أكثر انتظامًا واتساعًا لتراكم رأس المال المادي والرمزي.

ثم ولدت حضارة بابل، وتواصلت في التاريخ نحو 1894 ق.م حتى سقوطها سنة 539 ق.م، في طور متقدم لتطور الوعي الرافديني. ففي بابل الأولى مع حمورابي (1792–1750 ق.م) يتجلى أحد أبرز المنعطفات في تاريخ الإنسان، حين جرى تدوين "شريعة حمورابي" كمحاولة مبكرة لتأسيس القانون على قواعد مكتوبة تنظم حياة الناس وتحدد الحقوق والواجبات، وتمنح السلطة معنى يتصل بحماية المجتمع، فارتبط الحكم بفكرة العدالة، وتحول القانون إلى لغة تضبط العلاقات، وتسيطر على فوضى القوة. وفي حضارة بابل الثانية مع نبوخذ نصر (605–562 ق.م) بلغت الحضارة البابلية أوجها العمراني والرمزي، فكانت المدينة فضاءً يجمع القوة والجمال، وتجلى ذلك في أسوارها الشاهقة وبواباتها المهيبة وحدائقها المعلقة التي غدت رمزًا لالتقاء الطبيعة بالخيال الإنساني. في هذه المرحلة صارت الدولة تعبر عن روح حضارية ترى في الجمال امتدادًا للسلطة، وفي العمران لغة تجسد هوية الجماعة وذاكرتها. هكذا تواصلت بابل في مرحلتيها التاريخيتين كتجربة إنسانية يلتقي فيها القانون والعلوم بالعمران والجمال، في أفق يعكس سعي الإنسان إلى بناء عالم أكثر انتظامًا وأقرب إلى معنى التناغم والانسجام.

كذلك نشأت حضارة آشور في شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، واتخذت من مدينة آشور مركزًا لها منذ الألف الثالث قبل الميلاد. بدأت كقوة تجارية في مطلع الألف الثاني ق.م، ثم تحولت إلى دولة إقليمية في العصر الآشوري الوسيط، قبل أن تبلغ ذروة اتساعها في العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م) حين امتدت من الخليج إلى حدود مصر. تميزت آشور ببناء دولة مركزية تقوم على إدارة منظمة وتقسيم إداري للأقاليم، وتطوير جيش محترف متقدم في تقنيات القتال والحصار في ذلك العصر، كما شيدت مدنًا كبرى مثل نينوى ونمرود، واهتمت بالمعرفة والثقافة، فأنشأت مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث جُمعت آلاف الألواح المسمارية التي حفظت تراثًا رافدينيًا معرفيًا وأدبيًا واسعًا، وبذلك أسهمت في ترسيخ نظام حكم عسكري، وفي حماية تراث بلاد الرافدين ونقله إلى العصور اللاحقة.

قدّمت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور إسهامات تأسيسية في بناء الحضارات الإنسانية. ففي سومر ظهرت الكتابة المسمارية نحو 3200 ق.م، فكانت أول طريقة تدوين منظمة، استُخدمت على ألواح الطين لتوثيق شؤون الاقتصاد والقانون والأدب، وانتشر الخط المسماري في الكتابة في بلاد ما بين النهرين وما جاورها، واستمر استعماله أكثر من ثلاثة آلاف عام، إذ تواصل حضوره في التدوين حتى القرن الأول الميلادي. وفي الألف الرابع ق.م نشأت المدن السومرية، مثل أور وأوروك، واخترعت العجلة نحو 3500 ق.م، وتم تطوير أنظمة الري قرابة 3000 ق.م، وجرى تدوين ملحمة كلكامش في الألف الثالث ق.م، بموازاة اختراع القيثارة وابداعات مبكرة في الفنون السمعية والبصرية. وفي أكد أسس سرجون الأكدي أول إمبراطورية مركزية نحو 2334 ق.م، مما رسّخ مفهوم الدولة الموحدة والإدارة المنظمة واللغة السياسية. أما في بابل فقد بلغت التشريعات ذروتها مع شريعة حمورابي نحو 1754 ق.م، وتقدمت الرياضيات بابتكار النظام الستيني في الألف الثاني ق.م، وتطورت علوم الفلك ورصد الكواكب بين القرنين الثامن والسادس ق.م، فأسهم ذلك في ضبط الزمن والتقويم. وفي آشور، ولاسيما بين القرنين التاسع والسابع ق.م، برز التنظيم العسكري والإداري، وجُمعت المعارف في مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث حُفظت نصوص اسطورية وأدبية وعلمية متنوعة. وهكذا أسهمت هذه الحضارات مجتمعة في ترسيخ أسس الكتابة والدولة والقانون والمعرفة.

وأخيرًا ولدت حضارة الإسلام في الكوفة والبصرة وبغداد، حيث تأسست علوم اللغة والفقه والكلام، ومدارس التفكير التي صاغت ملامح العقل الإسلامي في أطواره الأولى، ثم ازدهرت في بغداد حين غدت مركزًا للمعرفة والترجمة والعمران، وملتقى للثقافات، فانتقل فيها العقل من التلقي إلى الإبداع، ومن الشرح إلى التأسيس، وبلغت هذه الحضارة أوجها في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، حين ازدهرت علوم الدين واللغة والأدب، والفلسفة والطب والرياضيات والفلك،  وتجلّى فيها تلاقي العقل والنص في إنتاج المعرفة الدينية، قبل أن تتعرض لانكسارها الكبير باحتلال هولاكو لبغداد سنة 1258م، ذلك الحدث الذي أحدث جرحًا في ذاكرة العراق الحضارية، وتدميرًا متوحشًا للعمران والثقافة والفنون والآداب، ترك أثره العميق في مسار العراق المستقبلي.

منذ أن سقطت بابل بيد الأخمينيين سنة 539 ق.م، بدأ ليل طويل من الاحتلالات في تاريخ بلاد الرافدين، غابت فيه الدولة التي تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة أهلها ومصالحهم. وتوالت عليه سلطات أجنبية متعاقبة، نقلت إليه أنظمتها وأديانها وعقائدها ومفاهيمها وثقافاتها، وأخضعته لحكم مركزي غريب عن نسيجه الاجتماعي والثقافي والقيمي والرمزي. أضحت بلاد الرافدين هامشًا لمراكز قوى خارجية، ترسم حدودها، وتحدد وظائفها، وتفرض عليها ما هو غريب عن استمراريتها الحضارية. حكم هذه البلاد الأخمينيون (539 ق.م – 331 ق.م) بعد أن احتل كورش مدينة بابل سنة 539 قبل الميلاد، منهيًا حكم الدولة البابلية الحديثة، وجاعلًا بلاد الرافدين إقليمًا تابعًا. استمر الحكم الأخميني قرابة قرنين، حتى جاءت معركة غوغميلا سنة 331 ق.م، حين هزم الإسكندر المقدوني الملك الفارسي داريوش الثالث، ودخل مدينة بابل، منهيًا الحكم الأخميني، ومحتلًا لبلاد الرافدين واخضاعها للإمبراطوريته الهلنستية، فاتحًا فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة تحت هيمنة الثقافة الإغريقية. بعد وفاة الإسكندر سنة 323 ق.م في بابل، تقاسم قواده إمبراطوريته، فكانت بلاد الرافدين من نصيب سلوقس الأول نيقاطور أو سلقيس الأول (358-281 ق. م)، مؤسس الدولة السلوقية. خضعت بلاد الرافدين في هذه المرحلة لحكم يوناني غريب عن ثقافتها وقيمها ومجتمعها، سعت السلطة السلوقية لفرض الهيلينية كثقافة ورؤية للعالم، غير أن هذا الفرض لم يجد جذورًا في أرض الرافدين، وبقي مفروضًا من علٍ، بلا تفاعل حي مع البيئة المحلية.

 وتوالت الاحتلالات على هذه الأرض، وكان أطولها الاحتلال العثماني الذي بدأ سنة 1534 حين دخل السلطان سليمان القانوني بغداد، وامتد حتى سنة 1917 مع انسحاب العثمانيين منها، فاستغرق قرابة أربعة قرون، ظل خلالها العراق ساحةً لسلطةٍ تتبدل وجوهها وتتشابه آثارها، إلى أن تهيأت الشروط لولادة الدولة العراقية الحديثة سنة 1921.

بعد أفول هذه الحضارات، وتبدد ميراثها ورموزها، وانفصال الحاضر عن الماضي، تراجعت صلة الإنسان العراقي بإرثه الحضاري، ولم يتدرب حتى اليوم على التدبير، ولا على الادخار، ولا على إدارة الثروات والمهارات والخبرات والزمن، بوصفها مكونات أساسية لبناء الدولة. ما زال سلوك العراقي في مناسباته الاجتماعية والدينية حتى اليوم يعكس غياب ثقافة الادخار والتراكم، فهو يهدر الطاقات والثروات والمهارات والخبرات بلا وعي بالمستقبل، وكأنه لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة فاقدًا لبوصلة الغد. نرى الأموال تنفق بسخاء في الولائم الاجتماعية والمناسبات الدينية، من دون أن تتحول إلى رصيد منتج يعود بالنفع على الدولة والمجتمع، أو يسهم في بناء مشاريع تنموية. هذا النمط من الهدر المجاني يعكس بقايا نمط العيش البدوي، الذي كان يجد معناه في بيئة صحراوية لا تعرف الاستقرار ولا الادخار.

تقوم الدولة الحديثة على تدبير عقلاني للموارد، تحصي فيه الحكومة كل شيء بدقة، وتدير الإنسان وخبراته ومهاراته وزمنه وثرواته وأمواله ضمن رؤية علمية تعيد استثمار الإمكانات وتنميتها. في هذا الأفق تتحول السياحة الدينية إلى مورد وطني فاعل، يغدو اقتصادًا منتجًا يرفد التنمية ويعزز موارد المجتمع والدولة، كما تكشف تجارب بلدان متعددة أن مواسم الحج والعمرة والزيارات تمتلك قدرة حقيقية على توليد قوة اقتصادية مؤثرة. إذ تتصدّر المملكة العربية السعودية عالميًا بعائدات الحج والعمرة التي تتراوح بين 12 و15 مليار دولار سنويًا، وقد ترتفع إلى 20–30 مليارًا مع احتساب إنفاق الخدمات والتسوق، ما يجعلها من أبرز مصادر الدخل غير النفطي. في المقابل يستقبل العراق قرابة ثلاثين مليون زائر إلى مراقده المقدسة، وذلك يكشف عن طاقة اقتصادية كبيرة لم تُستثمر بالكفاءة المطلوبة، ما يجعل العراق والسعودية معًا أكبر مركزين للسياحة الدينية من حيث الأعداد والتأثير الاقتصادي في العالم الإسلامي.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

 

ترجمة واعداد د. فالح الحمراني

عن الاعمال الكاملة لماركس وانجلز بالروسية

***

لقد كان دافعي وراء ترجمة هذا القسم من مقالة إنجلز المهمة، هو لفت انتباه المهتمين بفكر ماركس من العرب إلى مدى دقة ترجمة أعماله الصادرة باللغة العربية، والتساؤل عمّا إذا كان هناك شخص -أو الأفضل فريق- قد نهض بمهمة مراجعة تلك الترجمات وتطبيقها مع النسخ الاصلية، ونحت او استحداث المصطلحات الدقيقة والمكافئة التي تعبّر عن فكر ماركس، وترتقي إلى إسلوبه الذي وصفه إنجلز في مقالته، وهل يتمتع مترجمو ماركس حقا بالمستوى المطلوب وفقاً للمعايير التي وضعها إنجلز؟ إن هذا الموضوع مطروح للنقاش الجاد والواسع.

وكان من الضروري معالجة مشكلة قراءة وترجمة المصطلحات الأساسية لماركس بشكل كافٍ. ولا بد أن يؤدي حلها إلى مراجعة جذرية للمصطلحات الفلسفية الماركسية كما هي سائدة في الدراسات الماركسية العربية والأجنبية. لم يعد من الممكن اليوم قراءة ماركس من خلال التصنيفات والقوالب الجامدة التي لا تمت بصلة إلى ماركس نفسه. ومع ذلك، تُستخدم هذه التصنيفات والقوالب النمطية الراسخة بصدق ليس فقط من قبل نقاد الماركسية، بل أيضاً من قبل الماركسيين أنفسهم، دون إدراك أن هذا ليس من الماركسية. نلاحظ أنه في بعض الحالات، لا يمكن ترجمة بعض مفاهيم ماركس، حتى عند وضعها في سياق اقتصادي، إلى كلمات ذات دلالات صناعية تقنية واضحة، لأن ذلك سيحجب المعنى الفلسفي والأنثروبولوجي، بل وحتى الوجودي في بعض النواحي، لمصطلحات ماركس. في ضوء كل هذا، يبدو لنا أن ثمة حاجة ملحة اليوم ليس فقط لترجمات جديدة لأعمال المفكر الألماني الرئيسية، بل أيضًا لإعادة نظر جذرية في فلسفته برمتها.

أود أن اكرر السؤال الذي طرحه فريدريك إنجلز تحديدًا في ختام مقالته، فيما يتعلق بترجمات نصوص ماركس: "لنا الحق في أن نسأل:

هل تفهم ما تقرأ؟".

كيف لا يجوز ترجمة ماركس؟

يُعدّ المجلد الأول من كتاب "رأس المال" ملكيةً عامة فيما يخصّ ترجمته إلى اللغات الأجنبية. لذا، وعلى الرغم من معرفة الأوساط الاشتراكية الإنجليزية بإعداد ترجمة رسمية تحت إشراف القائمين على أعمال ماركس الأدبية، فإنه لا يحق لأحد الاعتراض حال صدور ترجمة أخرى دقيقة قبلها.

لقد نُشرت الصفحات الأولى من ترجمة جون برود هاوس في عدد أكتوبر من مجلة "توداي"، وأؤكد جازماً أنها بعيدة كل البعد عن الأمانة في نقل النص؛ إذ يفتقر السيد برود هاوس إلى المؤهلات المطلوبة لترجمة أعمال ماركس.

 لترجمة كتاب كهذا، لا تكفي معرفة جيدة باللغة الألمانية الأدبية. يستخدم ماركس بحرية تعابير من الحياة اليومية وعبارات اللهجات المحلية؛ وقد صاغ كلمات جديدة، واستعار أمثلته من جميع مجالات العلوم،

ومن مراجعه من آداب عشرات اللغات؛ لفهمه، يجب إتقان اللغة الألمانية إتقانًا تامًا، تحدثًا وكتابةً، بالإضافة إلى معرفة شيء عن الحياة الألمانية. مثال على ذلك: عندما كان عدد من طلاب السنة النهائية في جامعة أكسفورد يجدفون في قارب بأربعة مجاديف عبر مضيق دوفر، ذكرت تقارير صحفية أن أحدهم " catch a crab". مراسل صحيفة "كولنيش" في لندن (يعني حرفياً «اصطياد السلطعون»، وبالمعنى المجازي — «غمس المجداف في الماء بعمق شديد»).

لقد أخذ هذه الكلمات حرفياً، وأبلغ صحيفته بضمير حيّ بأن "سرطاناً علق بمجداف أحد المجدفين". وإذا كان رجلٌ عاش في لندن لسنوات طويلة يرتكب مثل هذا الخطأ الفادح والمضحك عند مصادفته مصطلحات تقنية خارج نطاق تخصصه، فما الذي نتوقعه من شخصٍ يمتلك معرفة متواضعة بالألمانية ويُقدم على ترجمة أحد أصعب كتّاب النثر الألمان؟ سنرى بالفعل أن السيد برودهاوس بارع في "التلاعب بالألفاظ". غير أن المترجم في هذه الحالة يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك؛ فماركس من بين الكتّاب المعاصرين الذين يتميزون بأسلوب حيوي وموجز، ونقل هذا الأسلوب بدقة يتطلب معرفة تامة ليس بالألمانية فحسب، بل بالإنجليزية أيضاً.

ورغم أن السيد برودهاوس يبدو صحفياً كفؤاً، إلا أن إلمامه بالإنجليزية لا يتجاوز المعايير الأدبية العادية؛ فهو يتقنها لأغراضه الخاصة، لكنها ليست الإنجليزية المطلوبة لترجمة "رأس المال". تتطلب ترجمة الألمانية إلى الإنجليزية أسلوباً معبراً يستغل أفضل موارد اللغة، ويستدعي ابتكار مصطلحات إنجليزية مقابلة للمصطلحات الألمانية المستحدثة. ولكن عندما يواجه السيد برودهاوس هذه التحديات، فإنه لا يفتقر إلى الموارد فحسب، بل يفتقر أيضاً إلى الجرأة. إذ يُرعبه أدنى توسع في مخزونه المحدود من التعابير المبتذلة، أو أي ابتكار يتجاوز اللغة الإنجليزية المألوفة للأدب اليومي؛ وبدلاً من المجازفة، يترجم الكلمات الصعبة بمصطلحات غامضة لا تُزعجه لكنها تحجب معنى المؤلف، أو الأسوأ من ذلك، أنه يترجمها -في حال تكرارها- بسلسلة من المصطلحات المختلفة، متناسياً أن المصطلح التقني يجب أن يُترجم دائماً بمكافئ ثابت. وهكذا، يترجم في عنوان القسم الأول "Wertgrosse" إلى "مدى القيمة"، متجاهلاً أن "Grosse" مصطلح رياضي محدد يعادل "المقدار" أو "الكمية"، بينما تحمل كلمة "مدى" دلالات أخرى كثيرة. وهكذا يضيع حتى ابتكار بسيط مثل "وقت العمل".

يواجه مصطلح "وقت العمل" (Labor-time) -كمقابل لـ "Arbeitszeit"- صعوبات في الترجمة؛ إذ تُرجم إلى: 1) "العمل الزمني" (timelabor)، وهو مصطلح قد يعني العمل المأجور بالساعة أو العمل القسري (الأشغال الشاقة)، 2) "وقت العمل" (time of working)، 3) "وقت العمل" (labor-time)، و4) "فترة العمل" (Arbeitsperiode) - وهو مصطلح يستخدمه ماركس في المجلد الثاني بمعنى مختلف تماماً. وبما أن "فئة" وقت العمل تُعد من أهم الفئات في الكتاب بأكمله، فإن تشتيت ترجمتها بين أربعة مصطلحات مختلفة في أقل من عشر صفحات أمرٌ لا يُغتفر. يبدأ ماركس بتحليل السلعة، باعتبارها في المقام الأول شيئاً نافعاً يمكن النظر إليه من منظور نوعي أو كمي. فكل سلعة هي مزيج من خصائص متعددة تجعلها مفيدة من جوانب مختلفة، واكتشاف هذه الجوانب وطرق استخدام الأشياء هو مسألة تطور تاريخي، وكذلك الأمر بالنسبة للبحث عن مقاييس اجتماعية للجانب الكمي من تلك الأشياء. وتُحدد الاختلافات في مقاييس السلع جزئياً بطبيعة الأشياء نفسها، وجزئياً بشكل اعتباطي. ويوضح السيد برودهاوس ذلك قائلاً: "إن اكتشاف هذه الجوانب المختلفة، والأشكال المتنوعة لمنفعة الشيء، هو مسألة وقت. ولذلك، فإن البحث عن مقياس اجتماعي للجانب الكمي للأشياء المفيدة هو مسألة وقت أيضاً، بينما يُحدد الاختلاف في كتلة السلع جزئياً بطبيعتها المختلفة"...الخ

***

حين يتحول الشعور بالاستحقاق إلى هيمنة واستحواذ على جهود الآخرين

لا تكمن الخطورة -سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات- في الفشل أو الضعف فحسب، بل في ذلك الشعور المتضخم بالعظمة والتعالي الذي يدفع البعض للاعتقاد بأنهم وحدهم الأحق بالنجاح والمكاسب والفرص، انطلاقاً من نرجسية الصورة الذهنية المصطنعة تجعلهم يقيسون الأمور بميزان مصالحهم الضيقة وحساباتهم الذاتية دون النظر لحقوق ومصلحة الآخرين؛ فهم لا يجدون طمأنينتهم إلا في الهيمنة والسيطرة والاستحواذ على كل شيء.

ولا يقتصر هذا النمط على السعي الطبيعي للتميز، بل يتحول إلى هوس دائم يبرر تهميش الآخرين وإضعافهم أو الاستيلاء على جهودهم بطرق قد تبدو في ظاهرها شرعية ومنظمة، بينما هي في جوهرها قائمة على التدليس والغش وتجيير الإنجازات، مع ادعاء زائف بالتمسك بالقيم والمبادئ.

إنها حالة نفسية معقدة توصف بـ« بارانويا العظمة »، حيث يعيش صاحبها قناعة راسخة بأنه الأذكى والأحق بكل شيء، وأن الآخرين مجرد أدوات في مسيرة صعوده؛ مما يجعله لا يحتمل نجاح غيره، ويدفعه إلى محاولة إقصاء والتشكيك في كل من يمتلك حضوراً أو كفاءة تهدد صورته المتخيلة عن ذاته.

فقد تتجلى الخطورة في أن هذه العقلية لا ترى في العلاقات الإنسانية قيمة بحد ذاتها، بل تختزلها في زاوية المنفعة والمكسب والسيطرة؛ فهي تسعى للاستحواذ على الآخرين وتدمير المنافسين عبر الاستيلاء على مقدراتهم ومواردهم المتميزة. فالناس في نظرها إما خاضعون أو تابعون أو منافسون لا يحق لهم بلوغ النجاح أو التفوق الذي تسعى هي لنيله وتحقيقه. وإذا عجزت عن احتواء الآخرين، عملت على إنهاكهم أو إضعافهم أو تجريدهم من التأثير والقدرات التي تمنحهم فرصة النجاح والتفوق.

لذا، يحيط أصحاب هذا النمط أنفسهم بمؤيدين يناصرونهم ويصفقون لهم، لا بمن يواجههم بالحقيقة المرة؛ لأنهم يرون في النقد تهديداً، وفي الاستقلالية تمرداً، وفي النجاح الجماعي انتقاصاً من عظمتهم المزعومة ومكاسبهم الملتوية. وفي المؤسسات، تتعقد المشكلة حين تتحول هذه العقلية المقيتة والمرضية إلى ثقافة تنظيمية، حيث تترسخ قناعة بأن المؤسسة هي "المركز" الذي يجب أن يدور الجميع في مساره وفلكه؛ فتتعامل مع الشراكات بمنطق الهيمنة بدلاً من التعاون، ومع الكفاءات بمنطق الاحتواء والسرقة بدلاً من التمكين، ومع الإنجازات بمنطق الاحتكار بدلاً من التشارك. ومع مرور الوقت، تتآكل القيم المهنية والأخلاقية لصالح عقلية المكسب المزعوم والانتصار المستمر، ولو جاء ذلك على حساب العدالة والنزاهة والعلاقات الإنسانية والأخلاقية.

غالباً ما ترتبط هذه الحالة بما يعرف في علم النفس التنظيمي بـ "الميكافيلية"، وهو نمط فكري يتبنى مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث يتقدم النجاح على المبادئ. ورغم ادعاء أصحاب هذا الفكر تمسكهم بقيم أصيلة، إلا أنهم يغلبون السيطرة والاستحواذ بكل الطرق على العلاقات الإنسانية. وبناءً على ذلك، لا يشعر هؤلاء بتأنيب ضمير أو حاجة لمراجعة الذات عند استغلال الآخرين، أو الالتفاف على حقوقهم، أو سرقة أفكارهم تحت غطاء قانوني شكلي؛ فهم يعتقدون أن النتيجة النهائية تمنحهم شرعية كاملة لأفعالهم.

غير أن الحقيقة التي يغفلون عنها هي أن الهيمنة قد تمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنها لا تبني احتراماً حقيقياً، كما أن الاستحواذ على جهود الآخرين قد يحقق نجاحاً سريعاً، لكنه يعجز عن بناء ثقة طويلة الأمد. فالعلاقات الصحية والمؤسسات الرصينة لا تقوم على الخوف أو الإقصاء، بل على التقدير المتبادل والشراكة والاعتراف بقيمة الآخر. وحين يواجه هؤلاء المتلاعبون بمنافسين يتمتعون بالنزاهة والشفافية، تنكشف هشاشتهم وتظهر زيف قدرتهم المعتمدة على التدليس.

تكمن خطورة "بارانويا العظمة" في أنها تدخل الفرد أو المؤسسة في صراع دائم مع الجميع، إذ ينظر للنجاح باعتباره "لعبة صفرية"؛ إما الفوز المنفرد أو هزيمة الآخرين بلا رحمة أو شفقة. وهذا الفكر يحرم صاحبه من متعة الإنجاز المشترك، أو الاحتفاء بتميز الغير، أو بناء بيئة عمل تكاملية.

ختاماً، يكمن النضج الحقيقي في القدرة على تمكين الآخرين لا السيطرة عليهم، وفي خلق مساحات للنجاح الجماعي بدلاً من الاستحواذ على الأضواء. فالعظمة الحقيقية لا تكمن في تجاوز الآخرين بوسائل ملتوية، بل في الارتقاء معهم مع منحهم الحقوق ذاتها التي تطلبها لنفسك وتنافسهم وفق رؤية شفافة وواضحة وفيها المصداقية والعدالة والإنصاف للجميع.

***

د. أكرم عثمان

7-5-2026

تُسهم الثقافة الشعبية، ولا سيما السينما الهوليودية، في تشكيل تصورات مثالية ومبالغ فيها عن الحياة والموت على حد سواء. فبعيدًا عن الصورة النمطية للحظة الاحتضار كما تقدمها الأفلام، ثمة مشهد آخر يتكرر باستمرار: لحظة “المراجعة النهائية” للحياة، حيث تمر الذكريات في مونتاج سريع مصحوب بموسيقى عاطفية، وكأن الحياة لا تكتسب مشروعيتها إلا إذا أمكن اختزالها في سردية درامية ذات مغزى. ويفترض هذا التصور ضمنيًا أن كل حياة يجب أن تحتوي على حدث استثنائي أو إنجاز كبير يمنحها قيمة خاصة في تلك اللحظة الختامية.

غير أن الواقع الإنساني غالبًا ما يختلف عن هذه الحبكة السينمائية. فكثير من الناس لا يعيشون “اللحظة العظيمة” التي تبرر حياتهم وفق المعايير الثقافية السائدة، وربما لا يحتاجون إليها أصلًا. فالحياة اليومية، بطبيعتها، ليست مصممة لتقديم أحداث ملحمية أو تحولات درامية مستمرة، وهذا ليس عيبًا فيها. لكل حياة قيمتها الخاصة، ولكل فرد سيرته الذاتية، حتى وإن لم تكن مادة مناسبة لمسلسل قصير أو فيلم سينمائي. غير أن الإشكالية تكمن في خوف الإنسان من أن تكون حياته “عادية” أو “مملة”، وأن يفتقر إلى ما يميزه عن الآخرين. إن إدراك احتمال العيش في إطار العادية قد يكون مصدرًا لقلق وجودي عميق.

في هذا السياق، يمكن فهم ما يُعرف بـ”أزمة منتصف العمر”، أو ما يُتداول شعبيًا باسم “أزمة الأربعين”، بوصفها تعبيرًا عن هذا الخوف من عدم الأهمية. وبغض النظر عن الجدل القائم حول مدى علمية هذا المفهوم، فإن كثرة الأدبيات النفسية والاجتماعية التي تناولته تشير إلى أنه يمثل تجربة شعورية شائعة. ويتمثل جوهر هذه الأزمة في الإحساس بأن الإنسان لم يحقق ما كان يتوقعه من ذاته، أو أنه لم ينجز “الأشياء الكبرى” التي تخيلها في شبابه، وأنه وصل إلى منتصف الطريق في الحياة دون قصة استثنائية أو إنجاز فارق. إنها لحظة مواجهة مع فكرة أن المسار الشخصي قد يكون “مسارًا جماهيريًا” لا يختلف كثيرًا عن الآخرين.

وتدعم بعض النماذج النفسية هذا التصور، مثل منحنى السعادة على شكل حرف (U)، الذي يشير إلى أن مستويات الرضا عن الحياة تنخفض في منتصف العمر قبل أن تعود إلى الارتفاع لاحقًا. ففي هذه المرحلة، يشعر كثيرون بأن الفرص تضيق، وأن بعض الأحلام أصبحت بعيدة المنال أو غير قابلة للتحقق. ويظهر هذا الشعور بوضوح في مجالات متعددة: الرغبة في الإنجاب في سن متأخرة، عدم الرضا عن المسار المهني مع الإحساس بصعوبة تغييره، أو الحنين إلى أنماط حياة وممارسات شبابية لم تعد ممكنة أو ملائمة.

ويرتبط هذا الإحساس أيضًا بما يُعرف بالأزمات المرتبطة بالأعمار التي تنتهي بالرقم تسعة، مثل 29 و39 و49، إذ تُعدّ هذه الأعمار في المخيال النفسي والاجتماعي محطات للمراجعة الذاتية وإعادة التقييم. ففي هذه اللحظات، يعيد الأفراد النظر في إنجازاتهم، وعلاقاتهم، وخياراتهم، بل وحتى في هويتهم الشخصية.

ولا يمكن عزل هذه الأزمات الفردية عن السياق العام الذي يعيش فيه الإنسان. فالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تؤثر بعمق في إدراك الفرد لمعنى حياته ومستوى رضاه عنها. ففي عالم يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمات السكن، والضغوط الاقتصادية، وتصاعد الاستقطاب السياسي، يصبح من الصعب على كثيرين أن يشعروا بأنهم “يعيشون” فعلًا، فضلًا عن أن يحققوا أحلامهم الكبرى. وفي مثل هذا السياق، قد يبدو السعي نحو حياة استثنائية ترفًا غير واقعي، بينما ينحصر جهد الإنسان في “البقاء” ومواجهة الحاضر.

وقد وصفت بعض التحليلات المعاصرة هذه الحالة بأنها أشبه بالعيش في “غرفة انتظار”؛ حالة من التعليق الوجودي، حيث يمر الزمن بينما ينتظر الإنسان ظروفًا أفضل لم تأتِ بعد. يشعر كثيرون بأنهم عالقون بين حاضر مرهق ومستقبل غامض، فيتولد لديهم شعور بالعجز أو بالإرهاق المزمن، وتتراجع قدرتهم على تصور الحياة بوصفها مشروعًا قابلاً للتحقق أو قصة تستحق أن تُروى.

من هنا، فإن الخوف من عدم الأهمية ليس مجرد وهم نفسي فردي، بل هو انعكاس لتفاعل معقد بين التوقعات الثقافية، والضغوط الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، والبنية النفسية للإنسان المعاصر. وقد يكون تجاوز هذا الخوف مرهونًا بإعادة تعريف معنى النجاح والمعنى الشخصي بعيدًا عن الصور النمطية التي تفرضها الثقافة الجماهيرية. فالحياة لا تُقاس فقط باللحظات الكبرى أو الإنجازات الاستثنائية، بل أيضًا بالمعاني الصغيرة، والعلاقات الإنسانية، والقدرة على التكيف، وصناعة الرضا في سياقات غير مثالية.

وربما تكون الخطوة الأولى للخروج من هذا القلق الوجودي هي تطوير معرفة أعمق بالذات، وفهم أكثر واقعية للمكان الذي نقف فيه، وللظروف التي شكّلت مساراتنا. فحين يدرك الإنسان أن القيمة لا تكمن دائمًا في “العظمة” الظاهرة، بل في المعنى الذي يمنحه لحياته، يمكن أن يتحرر من وهم التفوق، ويبدأ في بناء سردية شخصية أكثر صدقًا واتزانًا.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

مهما كان الإنسان صغيرًا أو كبيرًا فإنه يحتاج إلى الحب والدعم العاطفي. الخلطة السحرية في التربية والتعليم يغذّيها القلب والعواطف قبل العقل، لأن العاطفة أعمق أثرًا في بناء الإنسان وتكريس شخصيته. إذا أراد المعلم التأثير الفعال في أذهان تلامذته فعليه أن يبدأ بعواطفهم، لأن العاطفة توقظ القابلية على التعلم، وتفتح العقل لتلقي المعرفة. كلما ازدادت العواطف الصادقة ازداد تحفيز المواهب، واستيقظ الوعي، واغتنت المهارات. الاعتراف بمنجز التلميذ، والإعجاب بجهوده، وتشجيعه، من أكثر ما يبعث الثقة في نفسه، ويمنحه الشجاعة على اكتشاف طاقاته الكامنة. التاريخ صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، التفكير يتجاذبه سلطان العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقل والتفكير النقدي من جهة أخرى، لذلك تتجلى قيمة الفلسفة والعلوم في قدرتها على إيقاظ العقل وتمكينه من النظر الحر الذي يراجع المسلمات ويختبر الأفكار خارج اندفاع العاطفة وانغلاق الهوية.

القلب مرآة يضيئها الحب، القلب الذي يعيش الحب لا تدركه الشيخوخة، الحب يغيّر ما دام متوهجًا، في الحب يتجلى أجمل ما في الإنسان، وتنبعث منابع الخير المودعة في أعماقه. في التربية والتعليم الحب يغيّر؛ يوقظ العقل، ويروي المواهب، ويطور المهارات، ويفجر الطاقات الكامنة. في العلاقات الإنسانية الحب يغيّر؛ الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي. عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحب، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسان الحب، وأنفس طور وجودي للإنسان الحب، وأثمن وجود للإنسان الحب، وأزكى وجود للإنسان الحب، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحب. في بعض الحالات يتسامى الحب ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالم، وذلك ما يجعل وجود هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يشعر الإنسان بمتعة وجوده في العالم كالحب. الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر.

كل مجتمع يتوطنه الحب، والفن، والتدين العقلاني الأخلاقي، تتوطنه قيم احترام المختلف في المعتقد، والعيش المشترك في إطار الاختلاف والتنوع، وإن كان مثل هذا المجتمع يظل حلمًا أكثر من تحققه في الواقع. الدين والحب والفن يغذي كل منها الآخر ويتغذى منه. الرؤية الجمالية لله والعالم تتوالد من التفاعل الإيجابي الخلاق لهذه العناصر الثلاثة. تظل المحبة الرصيد الأسمى للعلاقات الإنسانية، ومن يوقف حياته للاستثمار في المحبة يراها دواء للقلوب، ولكل داء في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبة رافد غزير يغذي الصلة بالله ويكرسها. العرفان في الأديان يوقظ في الأرواح لغة الحب والجمال.

الحب كيمياء تصهر عناصر متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفة كأنها إكسير يحول كل شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمة عندما تنطقها لغة القلب المشفقة، فالرحمة تعيد ترميم كل شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. غير أن الحب ولا الرحمة لا يكونان بديلًا للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشر الكامن في الإنسان.

العقل والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشر الكامن في باطنه. الإيمان والمحبة والأخلاق هي ما يخفف وطأة الشر الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقي الخالص والإنسان الكامل يتنكر له الواقع، لأنه لا يشبه طبيعة الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناء نادر. لا يمكن الاستغناء عن العدالة بالرحمة، فالرحمة ليست بديلًا عن العدالة في بناء أي جماعة بشرية أو بناء أي دولة. الظلم مقيم في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرضان عليه الكدح والتنافس والصراع، لذلك تمنع العدالة أن ينتهي سعي الإنسان إلى تأمين مصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.

لا مجتمع في الأرض يخلو من الشر الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، ولا مجتمع يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسس المجتمعات والدول على الحب وحده، أو الرحمة وحدها، أو الشفقة وحدها، أو العطاء وحده. لا تعني الدعوة للحب إلغاء النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا القوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على التداول السلمي للسلطة والأسس العلمية الحديثة. ولا تعني الدعوة للرحمة إلغاء القوانين الجنائية والجزائية العادلة، كما لا تعني الدعوة للإنفاق والعطاء إلغاء الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوة للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاء النظام الإداري الحديث. الدعوة إلى شيء لا تعني إلغاء ما سواه.

إن افتراض بناء مجتمع على الرحمة وحدها افتراض غير واقعي، لأن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يتحقق ما دام الإنسان إنسانًا. غير أن الرحمة تظل قيمة إنسانية رفيعة تسمو بحياة الفرد والجماعة، إذ تنفي بعض العقوبات عفوًا، أو تخفف من قسوة بعض العقوبات الأخرى، كما تغدو هدفًا نبيلًا ينشده الدين ليوقظ به ضمير الإنسان، ويرتقي به إلى أجمل حالة إنسانية يمكن أن تتحلى بها شخصيته.

الرحمة تنتج ما لا تنتجه العدالة، فمن الرحمة يتوالد الغفران والعفو والعطف والرفق واللين والشفقة، لذلك يستطيع من يعيش الرحمة حالة في أعماقه أن يتحمل الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيع العفو عنها. الرحيم يتحمل ما لا يتحمله غيره، ويعفو عما لا يعفو عنه سواه من البشر. والكائن البشري لا يتصف بالرحمة بطبعه، إذ ينزع في كثير من الأحيان إلى التسلط على الآخرين والاستحواذ على ما في حياتهم، ولعل في ذلك سر تركيز القرآن الكريم على الرحمة وكثافة حضورها فيه، وجعلها إطارًا مرجعيًا وبوصلة دلالية ترشد إلى ما تشير إليه آياته وسوره. الرحمة حالة يمكن أن يعيشها الإنسان، غير أن التحقق بها ليس يسيرًا، ولا يتمثلها أكثر الناس بسهولة، لأنها شاقة على النفس، إذ تحول نزعات العدوان المترسبة في أعماق الإنسان دون امتلاكها على الدوام.

الإنسان كائن يتغلب في حياته أحيانًا الشر على الخير، والتوحش على الرحمة، ولولا الأخلاق والدين والقانون لما كانت الحياة ممكنة. لقد أسهمت الأخلاق والأديان والقوانين في خفض جانب كبير من الطاقة التدميرية للتوحش في الأرض، فغدت الحياة قابلة للاستمرار. ولا يتأنسن الإنسان إلا بالرحمة، ومن دونها يتساوى هذا الكائن مع أي وحش مفترس. والكائن البشري ليس خيرًا بطبعه، وإنما يمتلك استعدادًا لأن يكون خيرًا أو شريرًا، ونادرًا ما ينجو الإنسان في نشأته من آثار العوامل التي تكوّن نواة السلوك العدواني في شخصيته، ولو تحرر منها أكثر الناس لكانوا أكثر رحمة. لذلك يتطلب الحد من تأثير هذه العوامل أن ينشأ الإنسان في بيئة تربوية صحية، وتنمو شخصيته في فضاء من التربية الأخلاقية والحياة الروحية الملهمة والثقافة الحيوية المتنوعة، كي تترسخ فيه النزعات الخيرة، وتتولد في روحه بذرة المحبة وتنمو باستمرار، فتغدو طاقة تلهم أجمل معاني الحياة، وتكرس الرحمة وما يتولد عنها من قيم العفو والغفران والشفقة على الخلق، وما يحمي الإنسان من الاغتراب الوجودي.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

الذكاء الاصطناعي يسقط ورقة التوت عن التلقين

في مقالنا السابق "وهم المناهج العالمية"، وضعنا الاصبع على الجرح حين اكدنا ان وحدة المعرفة العلمية وتشابه العناوين بين جامعاتنا وجامعة اوكسفورد لا يعني بالضرورة تماثل المخرج التعليمي، فالفارق الجوهري يكمن في فلسفة التعليم لا في كمية المعلومات. وقد جاء تعقيب الدكتور تحسين الشيخلي ليعمق هذا الطرح ويضعه في سياقه المعاصر والاكثر خطورة، مشيرا الى ان عصر OpenAI ونماذج الذكاء الاصطناعي جعل الاعتماد على الحفظ والتلقين "اكثر هشاشة من اي وقت مضى".

اليوم، لم يعد النقاش حول "كيف ندرس" مجرد ترف فكري، بل اصبح معركة بقاء اكاديمي، فالذكاء الاصطناعي لم يأت لينافسنا في المعلومات، بل جاء ليكشف عورة نظام تعليمي حصر نفسه في "فخ الاختزال" والاستظهار.

1. سقوط "خزان المعلومات" امام سطوة الالة

لقد استند الدفاع عن المناهج التقليدية طويلا الى فكرة "تزويد الطالب بالخريطة المعرفية". لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، اصبحت هذه الخريطة متاحة ومجانية وفورية. اذا كان الطالب يقاس بما يحفظ فان الالة اليوم هي "الطالب المثالي" فهي تسترجع المعلومات وتلخصها وتصيغها بسرعة البرق. هذا الواقع اثبت ان "الوعاء المعرفي" الذي سعينا لملئه لسنوات قد انكسر، فالمعلومة فقدت قيمتها كسلعة احتكارية للجامعة، وبقيت القيمة الحقيقية في كيفية ادارتها.

2. فلسفة التفكيرهي الرهان الرابح في عصر الابتكار

كما اشار الدكتور الشيخلي، فأن الجامعات التي ستبقى مؤثرة هي تلك التي تعلم الطلبة "كيف يفكرون". ان الانتقال من "ماذا ندرس" الى "كيف نفكر" هو الجسر الوحيد لربط الجامعات بالابتكار والواقع المعاصر:

- ثقافة السؤال بدلا من الاجابة الجاهزة: في عالم الـ ChatGPT، لم يعد الذكاء في اعطاء الجواب، بل في صياغة "السؤال الذكي" (Prompting). هذا يتطلب عقلية نقدية لا تقبل المخرجات كمسلمات، بل تحللها وتفحصها.

- التعلم القائم على المشكلات: اذا كانت الالة قادرة على حل المعادلات، فان الانسان هو الوحيد القادر على "تحديد المشكلة" وربطها بسياقها المجتمعي والصناعي. هذا هو جوهر الابتكار الذي يفتقده خريجنا المبرمج على تنفيذ المهام.

3. تحويل الجامعة من محطة تفريغ الى مختبر ابتكار

لقد حذرنا سابقا من تحويل القاعات الدراسية الى محطات لتفريغ المعلومات، واليوم يأتي الذكاء الاصطناعي ليجعل هذا النوع من التعليم منتهي الصلاحية. الربط بالواقع المعاصر يتطلب:

- تجاوز المنهج الورقي: الفارق المفصلي لا يصنعه المنهج المكتوب، بل المساحة الذهنية التي تمنح للطالب ليخطئ ويجرب ويستخدم ادوات الذكاء الاصطناعي كشريك فكري وليس كاداة للغش.

- الاستاذ كميسر للابتكار: لم يعد دور الاستاذ ناقلا للمعلومة (فهي متاحة عالميا)، بل اصبح دوره، كما وصفه الدكتور الشيخلي، في ترسيخ بيئة البحث وثقافة النقد.

4. الرهان على الانسان المفكر

ان الذكاء الاصطناعي كشف ان "عورة التلقين" كانت تكمن في محاولتنا تحويل البشر الى الات استرجاع. واليوم، ونحن بصدد مواجهة "وهم المناهج"، نجد انفسنا امام حقيقة صادمة: المعلومات اصبحت مشاعا، والرهان الوحيد المتبقي للجامعات هو على فلسفة التفكير.

لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الجامعة تترك طالبها تائها فوق حدود الورق، فأما ان نعلمه كيف يخطو بثبات في وعورة طريق الابتكار مستخدما ادوات عصره، او اننا سنستمر في تخريج اجيال تملك عناوين اوكسفورد لكنها تفتقر الى عقل المبتكر الذي يواجه تحديات الواقع.

الخلاصة: المعرفة متاحة، لكن الحكمة في توظيفها هي الميزة البشرية الاخيرة. والجامعة التي لا تتحول الى حاضنة للتفكير النقدي والابتكار، ستجد نفسها خارج التاريخ في عصر لا يعترف الا بمن يصنع الحلول، لا بمن يحفظها.

***

د. محمد الربيعي

بروفيسور متمرس، جامعة دبلن

يرد لفظ "قاموا" في القرآن الكريم ثلاث مرات وفي كل موضع يختلف معناه وسياقه، «وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ اتِ وَٱلۡأَرۡضِ» [سورة الكهف 14]، «وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ» [سورةالنساء: 142] وفي الآية التي نتأمل دلالتها وأنساقها اللغوية «كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا» [ سورة البقرة 20]  جاء لفظ "قاموا" ليعبر عن وضع التوقف ثم مواصلة السير، وقد يرتبط هذا اللفظ من حيت الجناس اللغوي بلفظ استقاموا. فهذا الفعل المزيد بثلاث أحرف ارتبط بالإقامة في قوله وأقاموا الصلاة والاستقامة في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ، ونقرأ في الشعر العربي بيتا مشهورا لأحمد شوقي:

قم للمعلم وفه التبجيل

كاد المعلم أن يكون رسولا

يتضح إذن أن فعل "قاموا" في قوله تعالى يدل على الوقوف، أي الثبات في مكانهم حتى يتبيّن نور البرق. ونتساءل: لماذا لم يقل عز وجل "جلسوا" أو "قعدوا"؟ لعل في ذلك إشارة إلى معنى الهيبة والخضوع؛ إذ أن القيام هنا دالّ على التقدير والخشوع. يقول "البغوي" في تفسيره: «أي وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري لا يمكنه المشي فيها». والقيام هنا دال على التقدير والخشوع. إن التعمق في تأويل الصورة كما يسميها النقاد بالصورة الفنية أو الذهنية يفضي بنا القول إلى أن القوم المخاطبين في الآية يجلسون لما تظلم عليهم الطريق خوفا وترقبا، ويقومون لما تضيء لهم. وبين الظلمة والنور جاء قوله تعالى «الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» [البقرة 257 ]. وبين هذين المعنيين تدور الحلقة الكونية، فنقول واقع مظلم فهو حالك أسود قاتم، وبيت مضيء فهو بهيج مريح، ووجه مضيء فهو صبوح يغشاه نور، قال تعالى: «فأما الذين ابيضت وجوههم...» [آل عمران 107]. قد يوحي الظلام والظلمة بالسواد، بينما يدل الضياء والبياض على النور.

وعودة إلى الآية الكريمة وفي سياق التقابل الدلالي نقرأ في موضع آخر «هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال» [ الرعد12]، لقد أجمعت التفاسير على اعتبار البرق قد يحدث صاعقة وهنا يقع معنى الخوف، وقد يتبعه مطر وغيث وهنا يقع معنى الطمع بعد القنوط من الجفاف فيرسل السحاب المحملة بالأمطار. عبر هذه الثنائية يمكن أن ننتقل إلى معنى آخر يتجلى في الخصائص الأسلوبية للفظ " قاموا"، فالقيام ارتبط في كل الآيات القرآنية المشار إليها سابقا بمعناه اللغوي المباشر أي "الوقوف" لكن في ارتباطها بهذا التأمل والتحليل تدل على الخضوع والتقدير. إن ضوء البرق لا يمكن أن يعتمد عليه سالك الطريق ليلاً؛ لأن المدة الفاصلة بين ظهوره واحتجابه تُقاس بالثواني، لذلك فإن السير في ضوئه لا يحقق غاية السالك. فَلِمَ حضرت الآية في هذا السياق؟ يحيلنا هذا السؤال إلى كون القرآن الكريم يعتمد على مفهوم المشابهة لتقريب المعنى؛ إذ تمثل المشابهة نظاماً من العلاقات اللغوية والدلالية التي تسهم في بناء صورة ذهنية تتيح للمتلقي استكشاف أبعادها. ومن ثم جاءت الألفاظ: أضاء، أظلم، قاموا، مشوا، لتشكّل صورة دلالية متكاملة، مفادها أن الإنسان كلما لاح له نور الأمل قصده وسعى إليه، وكلما أظلمت الدنيا في وجهه تردد وتوقف. فهو بين إقدام وإحجام، بين نور يهديه وظلمة تربكه.

***

د. عبد المجيب رحمون

وضرورة التعايش بين الأديان والثقافات

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسماء والصفات والهويات واللافتات التي نعلّقها على ذواتنا الفردية والجماعية، حتى تكاد تحجب عنا حقيقتنا الأولى، يبدو السؤال عن “الإنسان” سابقًا على كل سؤال آخر: من نحن قبل أن نصبح ما نحن عليه؟ قبل الدين، وقبل القومية، وقبل اللغة، وقبل كل ما نظنه تعريفًا نهائيًا لأنفسنا. هناك، في تلك النقطة البعيدة القريبة، حيث يولد الإنسان عاريًا من كل التصنيفات، تبدأ الحكاية الحقيقية.

فإذا تخيلنا الكائن البشري في الوضع الأصلي قبل اللغة والنار وتصنيع الأدوات لما وجدنا شيئا غير الطبيعة الفجة في حالتها البيولوجية الأولى. وسواء آخذنا بالوحي الإلهي أو التفسير الاختباري العلمي؛ يظل الإنسان هو المعني بالتحول والتغيير والتعقل والتفكير والتأمل فهو من علمه الله الأسماء كلها وجعله خليفته في الأرض. والإنسان العاقل (باللاتينية: Homo Sapiens) هو الاسم العلمي للنوع الوحيد الغير منقرض من جنس الأناسي والمعروف بهومو (باللاتينية: Homo)، الذي يحتوي أيضاً على نياندرتال وأنواع أخرى من القردة العليا. صاغ كارولوس لينيوس الاسم الثنائي للإنسان العاقل (Homo Sapiens) في عام 1758، وهو اسم لاتيني؛ الجزء الأول منه homō بمعنى الإنسان، بينما تكون كلمة sapiēns صفة بمعنى المتميز، الحكيم، أو العاقل. الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على تعقل العالم ومنحه المعنى. فمن الإنسان لا من غيره انطلقت مسيرة الفكر البشري منذ أقدم العصور وقد كان جسد الكائن وعقله وحواسه وحدسه هي أدواته المتاحة للتعرف على عالمه وفهمه وتدبير العيش فيه ومازال كذلك إلى يوم الدين إذ لم يولد الإنسان مكتمل الهوية كما تولد الكائنات الأخرى محكومة بماهياتها. فالشجرة شجرة، لا تسأل نفسها لماذا هي كذلك، ولا تحلم بأن تكون شيئًا آخر. أما الإنسان، فهو الكائن الوحيد الذي وُجد أولًا، ثم طُلب منه أن يصير. وجوده يسبق ماهيته، وحياته كلها محاولة دؤوبة لكتابة تعريفه الخاص. إنه مشروع مفتوح، لا يكتمل إلا بانطفائه، ولا يستقر إلا في لحظة نهايته. لذلك كانت الهوية عند الإنسان قلقًا دائمًا، وسؤالًا لا يُحسم، وتجربة لا تنتهي.

من المهم أن نفهم، بان كل الهويات التي نتشبث بها—الدينية، والقومية، والطائفية، والعشائرية—ليست سوى اسماء وصفات هوياتية وإضافات تاريخية وثقافية، لا ينبغي أن تُختزل فيها إنسانيتنا. فحين يُسأل الإنسان في مطارٍ بعيد عن هويته، فإنه لا يستدعي كل تلك التفاصيل، بل يختصر نفسه في اسم دولة، في إطار قانوني يمنحه الاعتراف والعبور. كأن العالم، رغم كل تعقيده، لا يعترف إلا بالحد الأدنى من الهوية، بينما نحن نغرق في تضخيم دوائرها حتى تمزقنا.

بيد إن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الهويات، بل في تحويلها إلى جدران فاصلة بدل أن تكون جسورًا للتعارف. فحين ينسى الإنسان أنه يشبه الآخر في جوهره البيولوجي والنفسي والعاطفي، يبدأ في تضخيم اختلافاته، ويحوّلها إلى مبررات للصراع. مع أن الحقيقة البسيطة تقول إننا جميعًا نمشي على قدمين ولدينا ذات الحاجات الحيوية التي بدونها تستحيل الحياة كما حددها إبراهام ماسلو إذ نضحك ونبكي، نخاف ونأمل، نحب ونكره، نحلم ونتألم، ونسعى، كل بطريقته، إلى معنى يبرر هذا الوجود.

فكل الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء بما في ذلك الرسل والأنبياء والمستوى الكيمائي فكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياوية بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات والمستوى البيولوجي فكل الكائنات الحية الأرضية تنطبق على قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين كل الاحياء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:

1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.

3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.

(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.

(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.

4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.

وهكذا هو الكائن الوحيد الذي يقول (أنا)

أنت إي لإنسان تجده يشترك مع غيره من الناس في كثير من الأفعال. ويشترك معهم بكل شيء ويختلف عنه بكثير من الأشياء. الحالة الأولى هي موضوع العلوم الاجتماعية والثقافية والحالة الثانية هي موضوع علم الأحياء والعلوم المتاخمة والحالة الثالثة هو موضوع علم النفس والعلوم النفسية وكل فعل يتضمن فاعلين اجتماعية، ويسمى الفعل اجتماعيًا حينما يحدث بين فاعلين أو أكثر هي: ميكروسوسيولوجية وماكروسوسيولوجية صغيرة وكبيرة. وكل فعل اجتماعي يتضمن علاقة اجتماعية، وحينما تتكرر تلك العلاقة تتشكل في بنية أو أطار أو مؤسسية. وحينما تزاوج آدام وحواء لأول مرة تكونت الأسرة النووية وبتكرار التزاوج بين الفاعلين الاجتماعيين عبر الألف السنين واستمرارها تكونت البنى الاجتماعية؛ بنية الأسرة والقرابة والعشيرة والقبيلة والقومية والأمة والإنسانية الأممية اليوم. وبنية المؤسسة التعليمية إذ تحول فعل الدراسة والتدريس إلى علاقة ببن الطالب والمعلم وبتكرار تلك العلاقة تحولت إلى مؤسسة؛ الروضة والمدرسة والجامعة وكل مؤسسات التعليم والتربية التي لا يمكن لها أن تستمر وتدوم إلا باستمرار الفاعلين والعلاقة. والدين مؤسسة تكونت عبر فعل العبادة بين العابد والمعبود بكل اشكالها وأنماطها وبتكرر ذلك الفعل كل يوم وعبر الأجيال منذ الألف السنين بقيت واستمرت المؤسسات الدينية حول العالم . خذ أي ظاهرة أجتماعية وانظر اليه من زاوية نظر منهجية تكاملية ستجدها لا تخرج عن ذلك السياق العام. وبما أن المجتمع حالة متغيرة ومتحولة من حال إلى حال ولا تدوم في نقطة متجمدة فقد ميز علماء الاجتماع وأولهم أوغست كونت بين حالتين للظاهرة الاجتماعية؛ الحالة الديناميكية الحركية والحالة الاستاتيكية الثابتة نسبيًا.

لقد علمتنا الحياة أن الآخر ليس تهديدًا، بل مرآة. فمن خلاله نرى أنفسنا بوضوح أكبر. لكن هذه الرؤية لا تأتي بسهولة، بل تحتاج إلى احتكاك وتجربة وتواضع معرفي. فالإنسان، إذا تُرك داخل حدوده الضيقة، قد يتوهم أنه مركز الكون، وأن طريقته في الفهم هي الحقيقة الوحيدة. أما حين ينفتح على العالم، فإنه يكتشف تعدد الرؤى، ويبدأ في إدراك نسبية ما كان يظنه مطلقً إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها وهنا تتجلى إحدى أهم إشكاليات عصرنا: إذا كان العالم واحدًا في معطياته الحسية، فلماذا يختلف الناس في تفسيره إلى هذا الحد؟ الإجابة تكمن في أن الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما يفهمه. والمعنى لا يسكن الأشياء، بل يُبنى داخل وعينا. لذلك، فإن المعتقدات—الدينية منها والأيديولوجية—ليست مجرد أفكار، بل أنظمة كاملة تحدد كيف نرى العالم ونتفاعل معه ومن يعتقد ويؤمن بشيء، لا يراه احتمالًا، بل يقينًا. وهذا ما يجعل الحوار بين المختلفين صعبًا، لأنه ليس مجرد تبادل آراء، بل مواجهة بين عوالم داخلية متكاملة. ومع ذلك، فإن الفرق الجوهري بين المعرفة العلمية والاعتقاد الأيديولوجي يكمن في قابلية الأولى للاختبار والنقض، مقابل تمسك الثاني بذاته حتى في غياب الدليل وهذا ما يميز العلم عن الرأي فالعلم بوصفه مجال للاختبار والتكذيب والصح والخطأ هو فب جوهره، لغة مشتركة بين البشر. لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى تعصب، لأنه قائم على البرهان. أما الأيديولوجيات، فغالبًا ما ترتفع أصواتها بقدر ما تفتقر إلى الحجج. وهنا يظهر التناقض العجيب في عالمنا: اتفاق شبه كامل على قوانين الطبيعة، يقابله اختلاف حاد في تفسير المعنى والغاية.

وتكمن إنسانية العلم وحياديته في ذلك الاتفاق المدهش بين الجميع من مختلف الشعوب والحضارات واللغات والثقافات والأديان بشأن وحدته المنهجية والنظرية شكلا ومضمونا إذ أن 1+1=2، ومجموع زوايا المثلث 180 درجة. والخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين. والماء يتكون من ذرتي هيدجين وذرة أكسجين. ولَكل فعل رد فعل مساوي له بالقوة ومضاد له بالاتجاه ، ولا شيء يحدث بدون سبب من الأسباب ، ولا تشتغل السيارة الا بالوقود والكهرباء وقس على ذلك حقائق العلوم الوضعية التي تتميز بالموضوعية والشمولية والوحدة في الصين أو في امريكا أو في اسرائيل أو في العراق ,الجميع يدرسون ذات العلوم والنظريات والقوانين العلمية بذات الطرق والاساليب ,بينما يكمن الخلاف والاختلاف والتنافر والتباعد بشأن الاراء والمعتقدات والايديولوجيات بما فيها من ديانات واعتقادات ومقدسات وتشريعات سماوية ووضعية وعادات وتحيزات ثقافية ,وسياسية هنا بالذات سوف نجد أن الخطابات تعلو وتنخفض والاصوات تحتدم وتهدى حينما يتم التعبير عنها ,وكلما كان المرء غير واثق من الاشياء التي يتحدث عنها كلما زادت نبرة صوته ارتفاعا ,وكلما افتقد المرء للبراهين والحجج المقنعة ,كلما زاد صراخه في تأكيد آراءه ومعتقداته الأيديولوجية بينما لايحتاج عالم الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء الى الصراخ والاصوات العالىة للتعبير عن حقائقه وقوانينه العلمية. فالصمت هو سيد العلم الحقيقي والضجيج هو سيد الاعتقادات الايديولوجية. ولكن ليس هناك إلا طريقتان لتوصيل افكارنا الى الأخرين :أما أن نجبرهم على قبولها بالتهديد والتخويف والوعد والوعيد وأما أن نجعلهم يقتنعون بها بقوة البرهان والاقناع المتولد من أرادتهم الحرة بدون جبر أو اكراه من أي نوع كان.

وفي خضم هذا التداخل والتفاعل والصراع، جاءت العولمة لتضع الإنسان أمام نفسه بصورة لم يسبق لها مثيل. لقد تقلصت المسافات، وتسارعت الاتصالات، وأصبح العالم، بكل تنوعه، حاضرًا في حياتنا اليومية. لم نعد نعيش في عزلة ثقافية، بل في احتكاك دائم مع الآخر. وهذا الاحتكاك، رغم ما يحمله من فرص للتعلم، يكشف أيضًا عن فجوات هائلة في القيم والمعايير، مما يولد توترات واضطرابات فحين يرى الإنسان فجأة كيف يعيش الآخرون، وكيف يفكرون، وكيف ينظمون حياتهم، فإنه يُجبر على إعادة النظر في ذاته. وقد يؤدي ذلك إلى انفتاح وتطور، أو إلى انغلاق وعدوان. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على خصوصيتنا دون أن نحولها إلى سجن؟ وكيف ننفتح على العالم دون أن نفقد ذواتنا؟

إن التعايش اليوم، لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية. فالعالم لم يعد يحتمل صراعات الهويات الضيقة، لأن آثارها لم تعد محلية، بل تمتد إلى الجميع. ومن هنا، فإن الحاجة إلى قيم التسامح والحوار لم تعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء الإنسان غير أن التسامح، في معناه العميق، ليس مجرد تحمل للآخر، بل اعتراف بحقه في الاختلاف. هو إدراك أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، وأن التنوع ليس خللًا يجب إصلاحه، بل ثراء يجب استثماره. وهو، قبل ذلك كله، قدرة على رؤية الإنسان في الآخر، قبل أن نرى انتماءه وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول الأديان—بدل أن تكون مصدرًا للصراع—إلى فضاء للتلاقي. فالمشترك الإنساني بينها أوسع بكثير مما يُتصور. كلها، في جوهرها، تدعو إلى الخير، والعدل، والرحمة، والصدق، والتسامح. وكلها تسعى، بطريقتها، إلى منح الإنسان معنى لوجوده، وأملًا في مواجهة قلقه.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الرسائل إلى أدوات للهيمنة، أو إلى هويات مغلقة. وهنا تبرز فكرة “تضافر الأديان” كبديل أعمق من مجرد التعايش. فالتعايش قد يكون اضطراريًا، أما التضافر فهو اختيار واعٍ للتعاون. هو انتقال من مجرد قبول الآخر إلى العمل معه من أجل غاية مشتركة: كرامة الإنسان وفي عالم يواجه تحديات كبرى—من الحروب إلى الأزمات البيئية، ومن الفقر إلى الأمراض—لم يعد ممكنًا لأي جماعة أن تنجو وحدها. إن مصيرنا أصبح مترابطًا، وأي خلل في جزء من العالم ينعكس على الكل. لذلك، فإن التعاون بين الأديان والثقافات لم يعد مسألة نظرية، بل ضرورة عملية.

ختاما يمكن القول إن بين كل الرموز التي يمكن أن تلهم هذا التوجه، يبرز معنى “القيامة” بوصفه فكرة إنسانية عابرة للأديان. فهي ليست مجرد حدث ديني، بل تجربة وجودية تتكرر في حياة كل إنسان: أن يسقط ثم ينهض، أن ينكسر ثم يرمم نفسه، أن يختار الأمل رغم الألم. إنها القدرة على إعادة خلق الذات، وعلى قول “نعم” للحياة، حتى في أكثر لحظاتها قسوة. ذلك هو الرمز والمعنى أن ننهض من تحت ركام الكراهية، وأن نعيد بناء إنسانيتنا على أسس أوسع من كل الانقسامات. أن نرى في الآخر امتدادًا لذاتنا، لا نقيضًا لها. أن ندرك أن أعظم ما فينا ليس ما نؤمن به فقط، بل ما نصنعه من هذا الإيمان في علاقتنا بالآخر فالإنسان، حين يصدق مع نفسه، لا يحتاج إلى معجزة خارجية إذ يكفيه أن يختار الخير، وأن يتمسك بالعدل، وأن يمنح الحب، ليصبح هو معجزته الخاصة. وفي عالم تتنازعه الأصوات العالية، ربما يكون الصمت العميق—صمت الفهم والتأمل—هو الطريق الوحيد لسماع الحقيقة.

وفي النهاية، لا يبقى من كل هذه التعقيدات إلا ذلك الوميض البسيط: إننا، رغم كل شيء، بشر. وهذه الحقيقة، إذا أُخذت بجدية، كفيلة بأن تغير كل شيء.

***

ا. د. قاسم المحبشي

مظاهرها وتأثيراتها على تشكيل الوعي المجتمعي

العبودية أيّاً كان توجّهها، وفي أي مجال، هي ثقافة ونظام يتمّ من خلاله إجبار الناس على العمل بعيداً عن الحرية، وعن التفكير، وعن المطالبة بالحقوق، في الوقت الذي يستفيد فيه الآخرون مادّياً ويتسلقون، هذه الثقافة معمول بها عبر التاريخ، حيث إتخذت العبودية نماذج وأشكال مختلفة، ويبقى القاسم المشترك بين هذه النماذج هو بتر حرية الأفراد، وحرمانهم من أي حقوق سياسية أو إجتماعية أو قانونية، وهكذا انتقلت العبودية من الآباء إلى الأبناء مروراً بأجيالٍ متتابعة، إلى أن توقّف العمل بها عام 1948، حيث حُظرت عملاً بإعلان الأمم المتحدة لحقوقِ الإنسان.

إن العبودية بالمنظور الأوسع هي مؤسّسة قمعية، وهي نتاج علاقاتٍ إنسانية مُعقّدة، وتتلخّص على إجبار الطبقة الأضعف على الرضوخ والمعاناة بسببِ رغبةِ الأقوياء في المجتمع، للسعي وراء الشهرة والسلطة والنفوذ على الآخرين، بدافع الجشع والرغبة في السيطرة.

إنّ مسألة العبودية هي دائمة، وقائمة، حيث أنّ العبودية في كلّ عصر تتّخذ ركيزة أساسية لها.

إنّ العبودية الفكرية هي التحكّم في المعلومات، ومرتبطة بالعبودية الفلسفية، من خلال السعي الأكاديمي.

قولاً واحداً، نحن لسنا أحراراً، لأنّ المكان هو عشوائي و مليء بالتجارب على أدمغتنا وأفكارنا، والعبودية الفكرية المتخفّية تلتهم المواطن من الداخل.

إنّ العبودية الفكرية هي ورمٌ خبيث ينتشر في أدمغة البشر، ويُلوّث نسيجها الثقافي والاجتماعي ، آخذين بعين الاعتبار بأنّ العبودية الفكرية هي أشدّ وجعاً وأفتك خطراً على الشعوب من العبودية الجسدية.

وكلّ ما يحتاجه المستبد هو فكرة شريرة يدغدغ بها مشاعر الناس، ويخاطب بها عواطف البلهاء، أو قضية مقنّعة يُعيد من خلالها تشكيل الواقع كما يشاء.

ومن يبحث في صفحات التاريخ بغض النظر إن كان قديماً أو حديثاً، سوف يرى العلل المميتة لإرادة الشعوب، وكيف استطاعت الشعارات البرّاقة امتلاك إرادة وعقول الناس، والسيطرة عليها، واستغلال سذاجتها واستعبادها، من هنا نستطيع أن نحدد حجم وخطورة العبودية الفكرية.

من يُتابعون الواقع يُدركون تماماً، أنّ الإعلام يلعب دوراً محوريّاً في صقل وتشكيل الرأي العام، حيث تُعتبر الصحافة أبرز الأدوات الإعلامية وتلعب دوراً يؤثّر على السياسة والمجتمع، من خلال تقديم المعلومات وتحليل وقراءة الأحداث.

إنّ الإعلام هو سلطة تملك قدرات تأثيرية جليّة على تحديد مسار الرأي العام والتأثير السياسي.

ولكن للأسف ما نلمسه من الواقع المُعاش هو ليس سلطة الإعلام، بل إعلام السلطة، الذي تُمارسه الأنظمة العربية على إمتداد الساحة العربية المترامية الأطراف، بهدف تعزيز سلطتها، وتوجيه الرأي العام وفق مصالحها وأجنداتها، وتوجيه الرأي العام نحو الأهداف والشعارات الخاصّة بالسلطة الحاكمة وبمراكز القرار. وبالتالي السيطرة على الرأي العام وتوجيهه، والتلاعب بالعقول وبفكر الأجيال.

حيث لم يعد الإعلام مُجرّد وسيط لنقل الأحداث، بل تحوّل إلأى أخطر الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه مسيرة الرأي والإدراك العام. فهو لا يتوقّف عند عكس الواقع، بل يُعيد إنتاجه وفق منظومة مصالح وقوى متحكّمة.

ومن خلال هذا الواقع تتشكّل لدينا وتبرز إشكالية " العبودية الفكرية " بوصفها ظاهرة مُتحكّمة داخل المؤسّسة الإعلامية، ليس باعتبارها انحرافاً عارضاً، بل كحالةٍ مُزمنة من الارتهان المعرفي والوظيفي.

إن العبودية الفكرية في الحقل الإعلامي تعني بصريح العبارة أن يتحوّل هذا الحقل من مساحةٍ للحرية والتعددية، إلى فضاءٍ مُغلق يُعيد تدوير نفس الخطاب والشعارات، ويُقصي كلّ ما يُهدد النسق المُسيطر والمُهيمن.

إنّها حالةٌ يفقد فيها الإعلامي استقلاليته، وتفقد فيها الوؤسّسة الإعلامية رسالتها وأهدافها، ويُختزل دور الجمهور ليتحوّل إلى مُتلقٍ سلبي، يُعاد تشكيل وعيه وفق ماهو مخطط، و وفق ما يُراد له أن يرى ويفهم.

لذلك نرى أن العلاقة بين الإعلام وبين الأنظمة السياسية، هي علاقة تبعية وانصياع، وهنا تتجلّى العبودية الفكرية بصورها الجليّة، حيث تبدو السلطة هنا بصورة المهيمن الذي يتعمّد إلى إظهار السلطة بأنها تخدم المستضعفين من أبناء الشعب، بينما هي تخدم فئة واحدة من الأعوان والتابعين والمتسلّقين.

العبودية الفكرية هنا ليست مجرّد تبعية تلقائية، بل هي نمط من " الاستبطان القسري " الذي يجعل الأفراد أو المؤسسات يتبنّون خطاباً مُعيّناً دون وعيٍ كاملٍ بالإكراه، إنها حالةٌ من التكيّف مع منظومة فكرية في مطلق الهيمنة، بحيث يصبح الخروج عن عباءتها صعباً أو مستحيلاً.

ويتضح هذا الواقع داخل المجال الإعلامي، حيث تتخذ هذه الظاهرة أبعاداً معقّدة، ففي المجال المعرفي، يتم تضييق أفق التفكير، ويتم حصر التحليل إلاّ ضمن قوالب جاهزة، وهذا يؤدّي إلى شحّ الخطاب الإعلامي وتحويله إلى تكرارٍ روتيني بنمطٍ وحيد.

وفي المجال النفسي، يتشكّل عند الإعلامي خوفٌ ضمني من تجاوز " الخطوط الحمراء " ممّا يُعزّز الرقابة الذاتية.

وفي المجال الإجتماعي، يُعاد إنتاج نفس القيم والتصوّرات التي تخدم بنية الهيمنة، بما يُعمّق الفجوة بين الوعي بحقيقته والوعي مسبق الصنع.

إن هذه العبودية الفكرية لا تُفرض دائماً بالقوة، بل تتسلّل عبر الاعتياد والتطبيع والتلقين، حتّى تصبح جزءاً أساسياً من طبيعة المهنة ذاتها.

هكذا هي العبودية الفكرية، تتجلّى حينما يتم تقييد العقل ضمن حزمةٍ من الأفكار والمعتقدات، التي تعرّقل حرية الإبداع والتفكير الحر والنقد، وتحوّل الإنسان وتجعله جزءاً أساسيّاً من عملية استعباده لنفسه.

إنّ الإعلام ليس كياناً مستقلاً في الفراغ، بل هو ضمن شبكةٍ مُعقّدة من العلاقات مع السلطة السياسية والاقتصادية، وهذه العلاقات لا تكون حيادية في كثيرٍ من الأوقات، بل تؤسّس لمنظومة من التبعية، التي قد تكون متبادلة أحياناً.

حيث أن السلطة السياسية لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر، ويكفي بالنسبة لها أن تتحكّم في تدفق المعلومات، أو تمنح الامتيازات، أو تفرض إطاراً عاماً للنقاش، بهدف ضمان انضباط الخطاب الإعلامي.

كما أن السلطة الاقتصادية تُمارس نفوذها عبر التمويل والإعلانات، ما يجعل الإعلام خاضعاً لمنطق الربح، حتّى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.

كلّ هذه الأمور ينتج عنها إعلاماً " وظيفياً " لا يعنيه البحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى الحفاظ على التوازنات القائمة بشكلٍ هرمي.

 بهذه الحال تتحوّل العبودية الفكرية إلى خيارٍ ضمني إمّا " الامتثال والبقاء " أو " المواجهة والإقصاء ".

بكلّ تأكيد تتجلّى العبودية الفكرية في المقام الإعلامي عبر ممارسات متعددة، بعضها أصبح مألوفاً إلى درجة أنه لم يعد يُنظر إليه بمثابة إشكال.

حيث يتم تقديم الوقائع ضمن سياق مُحدّد يخدم تفسيراً مُعيّناً.

وإعادةِ نفس الروايات حتّى تتحوّل إلى " حقائق " في وعي المتلقي أو الجمهور.

وتجاهل الأصوات الصاعدة المُخالفة بدلاً من مواجهتها.

والتماهي مع الخطاب الرسمي دون مُساءلةٍ حقيقية أو تفكيك نقدي.

وتجاهل القضايا المُعقّدة وتحويلها إلى مُحتوى سريع الاستهلاك ليس إلاّ.

وصناعة الإجماع الوهمي من خلال إيهام الجمهور أن رأياً مُعيّناً هو السائد أو الوحيد.

طبعاً هذه المظاهر لا تُعبّر فقط عن خللٍ مهني، بل عن بُنيةٍ عميقة تُعيد إنتاج العبودية الفكرية بشكلٍ يومي ومنهجي.

من خلال هذا النسق تستند العبودية الفكرية إلى إستعباد العقل والقلب والرؤى والأفكار، وتجعل من الإنسان فرداً خاضعاً، ويتم توجيهه بسلاسة دون الحاجة لإستخدام أي عنف.

فحينما يخضع الإعلام لهذه البنية، عندها تفقد الرسالة الإعلامية بريق جوهرها:

حيث تتحوّل الحقيقة إلى سرديات بعيداً عن أي معيار، كما يصبح الخبر أداة توجيه وليس وسيلة معرفة، ويُعاد تشكيل الواقع فقط وفق ما يُلبي مصالح وأجندات مُعيّنة، وليس وفق ما هو قائم وملموس.

وعلى صعيد الرأي العام تكون النتائج أكثر خطورة: حيث يتم تفريغ وعي الرأي العام من طابعه النقدي، وتحويله بشكلٍ أو بآخر إلى وعيٍ استهلاكي. وبالتالي إنتاج جمهور منقاد، لا يمتلك أدوات التحليل أو المساءلة، وتطبيع ونشر الهيمنة، بحيث يتم قبولها كأمرٍ طبيعي لا يُناقش. وبهذا الشكل لا يعود الإعلام مُجرد ناقلٍ للأفكار، بل يُصبح مصنعاً لإعادة تشكيل العقول في اتجاهٍ واحدٍ وفريدٍ غالباً.

ولمواجهة هذه الظاهرة والحدّ من العبودية الفكرية وتعزيز استقلالية الإعلام، يتطلّب مقاربة وعلى مستوياتٍ مختلفة:

حيث لا بُدّ من تحرير البنية التمويلية للإعلام من خلال دعم نماذج مستقلّة لا تخضع لهيمنة المُعلنين أو السلطة أو مراكز القرار.

وبالتالي إعادة بناء وصياغة التكوين الإعلامي، بحيث يُركّز على التفكير النقدي، وليس على المهارات التقنية فقط. وتعزيز موضوع المُساءلة والشفافية داخل الحقل الإعلامي. ودعم التعددية الإعلامية لضمان توفّر تنوّع الأصوات والأفكار والرؤى. وتمكين الجمهور معرفياً كي يملك القدرة على التفكيك والنقد، و ليس مُجرد مُتلقّي.

إنّ التحرر من العبودية الفكرية ليس قراراً يُتخذ، بل هو مسار ثقافي متشعّب وطويل، يبدأ من نقطة إعادة تعريف ما هيّة دور الإعلام.

إنّ التحرّر الفكري لا يتحقّق ولا بأي شكلٍ من الأشكال من خلال الإنفصال عن المحيط أو العالم، بل يتحقّق بالتحرر من احتكار المعنى، لتحريره من الانغلاق.

إنّ أنسنة الرؤى ليست مُجرّد إصلاح تربوي وثقافي، بل هي ممارسة جماعية للوعي النقدي، ليمنح الأجيال القدرة على مساءلة المنهج الذي شكّل وعينا وفهمنا للعدالة وللحياة، بدلاً من الاكتفاء بالإملاء والإلتزام بالإكراه.

نحن لا نستطيع إصلاح العبودية الفكرية في المؤسسات الإعلامية من خلال بعض التوصيات، لأن هذه العبودية مُتجذّرة وتدار بعناية، لأنّها تخدم مصالح لا تريد أن يطفو الإعلام الحرّ، لأن الإعلام المستقل يُشكّل خطراً عليهم، ويفضح ويُزعزع السرديات الجاهزة.

الحقيقة التي تصدمنا، هي أن الكتلة الكبرى من الإعلام اليوم لا يسعى إلى تحرير الوعي، بل إلى ترويضه، ولا يعمل على توسيع أفق التفكير، بل يعمل جاهداً على تضييقه، وهذا المسار لا ينتج عنه مواطناً ناقداً، بل مُستهلكاً ومُطيعاً.

إنّ التحرّر من العبودية الفكرية هو موقف وجودي، إمّا إعلامٌ حرّ يُقلق السلطة ويوقظ الجميع، أو إعلامٌ يُخدّر العقول والرؤى ويُعيد إنتاج القطيع، وليس هناك أي مجالٍ لمنطقةٍ رماديةٍ بينهما.

***

د. أنور ساطع أصفري

مع (ذي القُروح) يحلو النقاش. وحول شؤون الكتاب العَرَبي، سألته، امتدادًا لنقاشي معه في المساقات الماضية:

- تَرَى إقبالًا تاريخيًّا على معارض الكُتب، لكن هل يعكس ذلك وعي القارئ؟ أم هو نتيجة لحالة من النشاط التجاري؟

- تسمع بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه! من الصعب التعميم في هذا المجال. غير أنَّ الملحوظ أنَّ معارض الكُتب أصبح يطغى عليها دافعان: الدَّافع التجاري، ودافع المفاخرة بعدد الكُتب المقتناة، وحجمها، وتزيين المجالس والمكاتب بها. ولهذا فإنَّ الإقبال على معارض الكُتب لا يعكس دائمًا وعيًا، أو حتى حبًّا للقراءة. ونحن نعرف أنَّ كثيرًا ممَّن يقتنون الكُتب لا يقرؤونها؛ ولو كان ذلك الإقبال على معارض الكُتب يعني قراءة عَرَبيَّة جادَّة، لاختلف الحال.

- وتتصدَّر كُتب التنمية والروايات سوق الكُتب، فهل لهذا دلالة؟

- الناس يميلون إلى السهل والمسلِّي. حتى في الروايات، تجد أنَّ السوق الرائج هو سوق تلك الروايات الشعبيَّة، أو الهابطة، فنيًّا وربما أخلاقيَّا أيضًا. وهذا بالطبع له دلالة ثقافيَّة وقرائيَّة وتجاريَّة في الوقت نفسه. وهو يؤكِّد ما قلناه، من أنَّ معارض الكُتب ليست دائمًا صورة عن الثقافة والقراءة والاهتمام بالكتاب الاهتمام الحقيقي، لكنَّ هناك مآرب أخرى للناشر وللقارئ من الاهتمام ببعض الكُتب المتصدِّرة واجهات المعارض.

- هل تراكم المؤلَّفات اليوم غدا فائضًا لا حاجة إليه؟

- يظلُّ الكتاب مهمًّا، وإنْ لم يكن جيِّدًا في محتواه، فهو يعطي صورة ثقافيَّة واجتماعيَّة وحضاريَّة، لو لم تخرج إلى العلن لما استطعنا التقييم، ولما استطعنا أن نناقش مثل هذا النقاش، ولما استطعنا أن نؤلِّف كتابًا في النقد الثقافي، على سبيل المثال. فالتراكم، مهما كان سلبيًّا في بعض صوره، مفيدٌ لكشف الواقع والثقافة والعلاقة بين الكتاب والقارئ. عندما تطرح سؤالًا: لماذا يتصدَّر المبيعات كتاب الطبخ، مثلًا؟ أو كتاب الأدب من مستويات معيَّنة، كالأدب العامِّي؟ أو الكُتب القصصيَّة الخرافيَّة؟ فأنت تستطيع من خلال ذلك أن تقيِّم العقل الجمعي والثقافة. والاهتمام هذا لا يقلِّل من أهمية ذلك المنتج، عندما يُدرَس دراسةً نقديَّةً، ولا يظلُّ مجرد مادَّة استهلاكية، تُشكِّل المجتمع والثقافة العامَّة، وتُشكِّل سلوك الإنسان. فعلينا أن نُفرِّق بين المؤلَّف الاستهلاكي والمؤلَّف التوثيقي، وكذلك أن نُميِّز بين القارئ الاستهلاكي والقارئ الناقد. إذن، هذا التراكم يبدو سلبيًّا في حضوره الاستهلاكي، ولكنَّه إيجابيٌّ في حضوره التوثيقي، من ناحية، وبوصفه مادَّة للدراسة والنقد، من ناحية أخرى.

- كثيرًا ما يُسأل السؤال النمطي: ما الكتاب الذي أحدث نقلة نوعية في فكرك ومسيرتك؟ فهل لمثل هذا الكتاب وجود؟

- ليس هناك، كما أرى، كتابٌ يمثِّل نِقلة نوعيَّة في فكر الإنسان ومسيرته؛ لأنَّ الكتاب: مجموعة كُتب، وهو خلاصة مؤلِّفين كُثْر. وكذلك القارئ، أو الباحث، لا يمكن أن نختزله في أنَّه نتاج كتابٍ واحدٍ، أحدث نِقلة نوعيَّة في فكره ومسيرته. إلَّا إنْ كان هذا القارئ محدود الثقافة، وكان لأوَّل مرَّة يقرأ كتابًا فيتحوَّل تحوُّلًا جذريًّا. أمَّا إذا كان يقرأ منذ نشأته، فيصعب أن نقول إنَّ كتابًا واحدًا فعل فيه الأفاعيل. ربما صحَّ هذا في حقلٍ معرفيٍّ بعينه، كالنقد الأدبي على سبيل المثال، أن تقرأ كتابًا فيمثِّل نقلةً نوعيَّةً في مسارك. غير أنَّ ثمَّة كُتبًا كثيرة يصعب على الإنسان أن يُدرِك حصرها، أو متى أحدثت فيه ما أحدثت؟  الإنسان نتاج تراكمات قد لا يكون واعيًا بها، أو قد لا يكون واعيًا بما أحدثه كتابٌ ما فيها. ودعنا نتحدَّث في مجال الأدب، بصفة خاصَّة، فإنَّه يصعب فيه أن تزعم أنَّ كتابًا واحدًا قد غيَّر مسارك. أمَّا في العِلم، فيمكن أن تقرأ كتابًا فتنتقل به نِقلةً تُذكَر. وهذا راجع إلى الطبيعة النوعيَّة المختلفة بين هذين الحقلين (الأدب والعِلم).

- الكُتب التي تراها جديرة بالاقتناء قديما وحديثا؟

- صُبَّه رُدَّه! هذا امتداد للتساؤل الآنف. قديمًا حينما سُئل عن ترشيح بعض الكُتب أشير إلى: «أدب الكاتب» ل-(ابن قُتيبة)، و«البيان والتبيين»، ل-(الجاحظ)، و«الكامل»، ل-(المبرِّد)، و«الأمالي»، ل-(القالي). هذا أيَّام الوصفات الجاهزة! وهذا ما كان يوصي به القدماء في مجال الأدب، ولكن لم يعُد مثل هذا جائزًا اليوم. وإنَّما يمكن، بدل هذا، أن يُشار إلى (مواصفات الكتاب الجيِّد) سواء كان قديمًا أو حديثًا. وهو: أن يكون كتابًا منهاجيًّا عِلميًّا، إذا كان السؤال عن الكُتب العِلميَّة، وأن يكون مؤلِّفه من المتخصِّصين المشهود لهم في المجال الذي نريد أن نقرأ فيه، ونتعلَّم منه. أمَّا تعيين عنوانات أو مؤلِّفين، فهذا يتعذَّر، إلَّا بمعرفة القارئ أوَّلًا: ما الذي يريد أن يقرأ؟ وما تخصُّصه؟ لكي تُرشَّح له الكُتب المناسبة.

- ثقافة التأليف والقراءة حاليًّا، هل فرضت نوعًا من الكُتب بحجم معيَّن ومحتوى يتسق مع الحالة الحضاريَّة؟

- بطبيعة الحال. لكنَّ الحجم لم يعد محلَّ إشكال، فبإمكانك أن تحمل مكتبة كاملة في جوَّالك.

- يقال: الكتاب الأوَّل للمؤلِّف هو كلُّ شيءٍ، وما بعده تنويعٌ واسترجاع!

- غير صحيح.  وإذا حدث، فهو مؤشِّرٌ سلبيٌّ على المؤلِّف والمؤلَّف!

- ماذا عن قرصنة الكتاب؟

- القرصنة جريمة انتهاكٍ لحقوق فكريَّة وعِلميَّة. وهناك أنظمة وقوانين تجرِّم ذلك، وتضع العقوبات الرادعة. وهناك أنظمة للحماية الفكريَّة وحفظ الحقوق الفنيَّة.  وحقوق الملكيَّة الفكريَّة هي إطارٌ نظريٌّ للحماية القانونيَّة لحقوق المبدعين والمنتجين من طائلة الادِّعاء أو السرقة. وقد انضمَّت معظم الدُّول العَرَبيَّة إلى عضويَّة ثلاث اتفاقيَّات دوليَّة لحماية حقوق الملكيَّة الفكريَّة، هي: (اتفاقيَّة المنظمة العالميَّة للملكيَّة الفكريَّة- «الويبو»)، و(اتفاقية بيرن لحماية المصنَّفات الأدبيَّة والفنيَّة)، و(اتفاقيَّة باريس للملكيَّة الصناعيَّة). على أنَّ انضمام أيِّ دولة من الدول العَرَبيَّة إلى عضويَّة منظمة التجارة العالميَّة يصبح ملزمًا لها بأحكام اتفاقية «تربس»، وهي: (اتفاقيَّة الجوانب المتَّصلة بالملكيَّة الفكريَّة في التجارة)، وتُعَدُّ اتفاقيَّةً شاملة. ولقد أدَّت التوجُّسات من آثار حماية الملكيَّة الفكريَّة إلى ظهور منظَّمات أخرى، ك-(منظَّمة الحُريَّة الفكريَّة) Free Software Foundation، التي تسعَى إلى فتح المجال للإفادة من المنتجات، أو نقلها، أو تغييرها، أو تطويرها.  ولعلَّ مخاوف منظَّمة الحُريَّة الفكريَّة من جناية «الحماية الفكريَّة» على «الحُريَّة الفكريَّة» إنَّما تتعلَّق بمجال الصناعات، أو البرامج الحاسوبيَّة، لا بالكتاب. غير أنَّ الكتاب بدَوره قد بات اليوم صناعة، وصار حاسوبيًّا، من خلال النشر الإلِكتروني، الذي تعمُّه الفوضَى غالبًا، وعدم السيطرة على ما تجري فيه من تجاوزات، قد تتخطَّى الأعمال الفكريَّة في ذاتها إلى أشخاص المنتجين. ومن ثمَّ فإنَّ عدم شموليَّة الحماية الفكريَّة سيفتح منافذ شتَّى غير تقليديَّة لاختراق تلك الحماية. وإذا أضفت إلى هذا (ثالثة الأثافي)، وأعني ما يُسمَّى (الذكاء الاصطناعي)، أدركت أنه يمكن توظيفه في (ذكاء لصوصي)، لا يرعَى حقًّا ولا يحترم حماية!

- ماذا عن الحال في المملكة؟

- الوضع الراهن لحقوق الملكيَّة الفكريَّة في المملكة يتمثَّل في الانضمام إلى اتفاقيَّة المنظمة العالميَّة للملكيَّة الفكريَّة (الويبو)، عام 1982م. كما أنَّه صدر (نظام حماية حقوق المؤلِّف في المملكة)، عام 1410ه-= 1990م. وينصُّ على مواد عقابيَّة على تجاوز تلك الحقوق. على أنَّ اتفاقيَّات الملكيَّة الفكريَّة وأنظمتها لن تحمي تلك الملكيَّة إلَّا حين تصبح محلَّ المتابعة والتطبيق، وهذا أمر بَدَهي. والواقع الثقافي العَرَبي عمومًا يكشف عن قصور عامٍّ في التطبيق؛ ولذلك تحدث الاعتداءات والتجاوزات حتى من بعض المؤسَّسات العِلميَّة، ولاسيما في الرسائل العِلميَّة من بعض الجامعات، وفي البحوث المنشورة ضمن مجلَّاتها، الموصوفة ب-«العِلميَّة». 

- ماذا عن فكرة التسويق للكتاب والدعاية له، وهل تراها تنقص من قيمته الفكريَّة؟

- كلَّا. فالكتاب صناعة وسِلعة. وليس التسويق بعيب. غير أنَّ التسويق للكتاب لا يزيد من قيمته الفكريَّة، الكامنة فيه، ولا ينقص. وإنْ كان قد يَصرف عن كتابٍ أجدر بالاهتمام. مع أنَّ السِّلعة الجيِّدة تفرض نفسها في النهاية وتطرد السِّلعة الرديئة.  وهذا مبدأ معروف، حتى في ميدان التجارة، الخالص لوجه التجارة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

لطالما ارتبطت الحضارة الغربية بفكرة راسخة، وإن كانت ضمنية، مفادها أن الجدارة هي الأساس الذي يُبنى عليه التفوق الفردي. فمنذ تصورات أرسطو حول الفضيلة بوصفها نتاجًا للتكرار والممارسة، وصولًا إلى تحليلات ماكس فيبر للأخلاق البروتستانتية، تكرّست فكرة أن العمل الجاد والسعي المستمر هما الطريق المشروع لتحقيق النجاح. لم تكن الجدارة مجرد وصف لسلوك، بل شكلت معيارًا أخلاقيًا يُقاس به الفرد، ودليلًا على قدرته على تشكيل مصيره.

غير أن هذا التصور التقليدي بدأ يتعرض لتحديات عميقة في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ لم يعد الجهد البشري شرطًا لإنتاج نتائج عالية الجودة، بعدما أصبحت الآلات قادرة على إنجاز مهام معقدة - كالكتابة والإبداع الفني - في وقت قياسي. وهنا يبرز تساؤل جوهري: ما قيمة الجدارة إذا لم تعد النتائج تعكس مسارًا طويلًا من التعلم أو الموهبة أو الخبرة؟

تكشف هذه التحولات عن فجوة متزايدة بين قيمة النتيجة وقيمة العملية التي تؤدي إليها. فالخوارزميات، بخلاف البشر، لا تعرف الإخفاق أو التردد، بل تعمل بكفاءة مستمرة وتتطور بسرعة. وفي هذا السياق، يمكن استحضار تصور بيونغ-تشول هان لمجتمع الأداء، حيث يتحول الفرد إلى كيان يسعى لإثبات ذاته عبر الإنتاج الدائم. غير أن هذا الدور نفسه أصبح مهددًا، مع دخول الذكاء الاصطناعي بوصفه فاعلًا جديدًا قادرًا على الإنتاج دون قيود إنسانية.

في الأصل، ظهرت الجدارة كبديل عادل للأنظمة الطبقية القائمة على النسب والامتيازات الموروثة. فقد وعدت بإتاحة الفرص بناءً على الكفاءة والجهد. لكن هذا التصور لم يخلُ من الإشكاليات، إذ يشير مايكل ساندل إلى أن الجدارة قد تتحول إلى أداة تبرير أخلاقي للنجاح والفشل، مما يولد شعورًا بالاستحقاق لدى الناجحين، ويعمّق الإحساس بالإقصاء لدى الآخرين.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتفاقم هذه المفارقة. فإذا كانت الأنظمة الذكية قادرة على إنتاج أعمال فنية أو نصوص فلسفية تضاهي أعمال كبار المبدعين، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول طبيعة القيمة البشرية. هل تظل الموهبة معيارًا للتفوق، أم أن قابلية استنساخها تقوّض معناها؟

تُظهر هذه التحولات أيضًا تغيرًا في أنماط السلطة والمعرفة، وهو ما يمكن فهمه في ضوء أفكار ميشيل فوكو، الذي رأى أن كل عصر ينتج أدواته الخاصة لتنظيم السلوك. فإذا كانت الجدارة قد أدت هذا الدور سابقًا، فإن الأنظمة الخوارزمية تؤدي اليوم وظيفة مماثلة، حيث لم يعد التقييم قائمًا على المعرفة بحد ذاتها، بل على القدرة على استخدام التقنيات التي تنتجها.

بذلك، ينتقل مركز القيمة من «امتلاك المعرفة» إلى «إدارة المعرفة»، ومن الجهد الفردي إلى الكفاءة التفاعلية مع الأنظمة الذكية.

وفي نفس السياق لطالما اعتُبرت الموهبة مجالًا حصريًا للإنسان، ومصدرًا لتميّزه. غير أن تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي يقوّض هذا التصور، إذ أصبح بإمكانه إنتاج أعمال فنية ونصوص إبداعية دون امتلاك تجربة إنسانية أو وعي ذاتي. وهنا يبرز تساؤل حول طبيعة الإبداع ذاته: هل هو تعبير عن ذات، أم مجرد إعادة تركيب لمخزون ثقافي؟

في هذا السياق، يمكن استحضار رؤية أومبرتو إيكو للثقافة بوصفها ذاكرة جماعية. إلا أن هذه الذاكرة، حين تُعالج بواسطة أنظمة غير واعية، تتحول إلى مادة قابلة لإعادة الإنتاج بلا حدود، مما يضعف الارتباط بين الإبداع والذات الإنسانية.

في ظل هذه التحولات، يبدو أن مفهوم الجدارة بحاجة إلى إعادة تعريف. فبدلًا من ربط القيمة بالإنتاجية فقط، يمكن النظر إليها من زاوية أوسع تشمل الوعي والمسؤولية. وتنسجم هذه الرؤية مع تصور هانا آرندت، التي رأت أن جوهر الفعل الإنساني يكمن في القدرة على البدء وإحداث الجديد، لا في مجرد تحقيق النتائج.

كما يحذر يوفال نوح هراري من أن المستقبل قد يشهد تنافسًا بين أنماط مختلفة من الذكاء، إلا أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في التفوق على الآلة، بل في الحفاظ على المعنى الإنساني في عالم تحكمه الكفاءة التقنية.

في هذا الإطار، قد تصبح القدرة على التوقف والتأمل - بدلًا من السعي الدائم نحو الإنتاج - قيمة بحد ذاتها. وهو ما يذكّر بأفكار فالتر بنيامين، الذي أشار إلى أن التقدم الثقافي قد يخفي في طياته أبعادًا إشكالية إذا لم يُرافقه وعي نقدي.

وبالمقابل لا يعني صعود الذكاء الاصطناعي نهاية الجدارة بقدر ما يكشف حدودها. فهو يدفعنا إلى إعادة التفكير في ما نعتبره قيمة: هل تكمن في النتيجة أم في التجربة الإنسانية التي تقود إليها؟ وربما يكمن التحدي الحقيقي في الانتقال من مفهوم الجدارة بوصفها إنتاجية، إلى فهم أعمق لها باعتبارها تعبيرًا عن الوعي والمعنى.

في عالم تستطيع فيه الآلات تحقيق الكمال التقني، قد يظل النقص البشري - بما يحمله من تجربة وحدود - هو المصدر الحقيقي للقيمة الإنسانية.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

الكتابة أشبه ببناء معماري، فهي بحاجة إلى تصور عام قبل مباشرة عملية البناء. وقد يتطلب الأمر أحيانا نقض الأساس، أو هدم ما بنيت لتعود من جديد إلى حجر الأساس. ولكل كاتب عالمه الخاص الذي يستمد أحجاره من الواقع اليومي ومشاهداته، ثم يضيف إليها قِطعا من خياله ورؤاه الفنية، ليقدم إلينا في الأخير تجربة من الحياة الإنسانية، تحمل في طياتها مقومات الخلود!

مرافقة الكُتاب أمر حيوي لكل راغب في امتهان صنعة الكاتب، لأن في التنوع الذي يميز طقوس كتابتهم، يمكن للمرء أن يلتقط توجيهات وخطوات، تذلل له الصعوبات، وتُحرره من الرؤى الضبابية التي تكتنف عادة كل مشوار للكتابة في بدايته.

لابد للكتابة، كما يرى الأديب السوري الراحل حنة مينة، من تجارب حياتية بالغة الاتساع والعمق، وفهم البيئة والناس وكل الوجود المحيط بهم. وكلما افتقر الكاتب إلى تجربة الحياة الواسعة، إلا وشعر بالعجز عن إعطاء شيء جيد كل مرة، ليقع بالتالي في فخ التكرار ثم الانطفاء.

إن تحري الخبرات الإنسانية في جميع الأمكنة والأزمنة يتيح للمرء أن يواصل الكتابة، حتى لو كان المجتمع من حوله يتحرك بالمقلوب. قبل أن تحصل الروائية الألمانية من أصل روماني هيرتا موللر على جائزة نوبل سنة 2009، كانت عرضة للتهديد والمطاردة من طرف نظام تشاوسيسكو المستبد، وصودر كتابها الأول.

 لم أواصل الكتابة لدواعي قوة ما، تقول موللر، لكني اكتشفت أنها منحتني صيغة للتماسك الداخلي، ويمكنها أن تدعم وعيي بذاتي. ربما عدم امتلاكي للقوة دفعني لكي أكتب. آمنت لحظتها بأن الكتابة مفتاح يحق لنا التشبث به، حتى لو أدركت أن وقائع الحياة ستبقى على حالها.

وإلى جانب السعي خلف التجربة وتحري الخبرات، ينبغي أن يجيد الكاتب الاصطفاف إلى جانب المبادئ، والمثل الجمالية والإنسانية التي تمنح كتاباته الدفء والصدق اللازمين. لقد أمضى جورج أورويل خمس سنوات من حياته، في سلك الشرطة الامبريالية الهندية ببورما، فمنحته وظيفته فهما أعمق لطبيعة الامبريالية؛ ثم جاء هتلر والحرب الإسبانية الأهلية فعرف جيدا أين يقف، واتجه للكتابة ضد الشمولية ومن أجل الديموقراطية.

عندما أجلس لكتابة كتاب، يقول أورويل، لا أقول لنفسي "سوف أنتج عملا فنيا". أكتبه لأن هناك كذبة أريد أن أفضحها. حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها. وهَمي الأول هو الحصول على مستمعين، لكن ليس بإمكاني القيام بمهمة كتابة كتاب، أو حتى مقالة طويلة لمجلة لو لم تكن أيضا تجربة جمالية.

أول خطوة إذن في سبيل إتقان مهارات الكتابة هي التوظيف الجيد للخبرات، والمشاهد اليومية، والإنصات للواقع حتى تمس الكتابة وجدان القارئ، وتصور آماله وهمومه وتساؤلاته. لكن ذلك لا يعني الاكتفاء بنقل الأحداث، أو التقاطها بشكل مجرد كما تفعل آلة التصوير؛ بل يتطلب الأمر إضفاء مسحة جمالية، والإلمام بقواعد التعبير الفني.

 تتصل الكتابة برؤيتنا للعالم، بما يعنيه ذلك من توجيه لآلية الخيال لفهم الواقع، وليس للهروب والالتفاف عليه. لذا فأحد أهم الأسئلة التي على الكاتب أن يواجهها يدور حول منظوره لعلاقة الكتابة بالواقع، وهل عليها أن تتقيد بما يُضمره الكاتب من أفكار ثابتة عن الحياة والوجود، أم يقف على الحياد، تاركا مهام الاستكشاف والتأويل والاستنطاق للقارئ؟

كان إرنست همنغواي أحد رواد الكتابة الجديدة الذين سعوا إلى تجاوز الخطابية التي جعلت من الأدب فنا تعليميا، يُخضع الحياة لأفكار وقناعات مسبقة. تحرر همنغواي من نمطية المدرستين الرومانسية والاشتراكية، حين دافع عن الكتابة باعتبارها رؤية بصرية، تكشف كثافة الانفعالات والتكوين الروحي للإنسان. إنها بمثابة الخُمس العائم من جبل الجليد، والذي يتعين على القارئ وحده أن يكشف عن أربعة أخماسه المغمورة تحت الماء! يقول همنغواي: إذا وصفت شخصا ما، فإنه يصبح شخصية سطحية، كصورة فوتوغرافية؛ وهذا من وجهة نظري يعد تقصيرا. أما إذا قمت بتكوينه بناء على ما تعرفه عنه، فإنه يكتسب أبعادا متعددة.

ولأن الكتابة أخت العزلة، فلا محيد لأي كاتب عن حفر سردابه الخاص، والنزول وقتما ألحّ جنون الكتابة. ذلك أن الاحتدام الذي يتملّك ذاته، بفعل المشاعر والأفكار والانطباعات، يسحبه، شاء أم أبى، من مجريات الحياة العادية.

إن العزلة المتعلقة بالكتابة، تقول مارغريت دوراس، هي عزلة بدونها لا يُنتَج المكتوب. أو أنه يتفتت نازفا في البحث عما يُكتب. هو فقد من الدم لم يعترف به الكاتب بعد. ولأن الرجال لا يتحملون في العادة امرأة تكتب، فقد كانت دوراس مجبرة على أن تصنع وحدتها، وتخاتل العائلة والأصدقاء، بل قد تضطر أحيانا لغلق الأبواب كي تصنع وحدتها، كأن توجد في حفرة، تقول دوراس مرة أخرى، في وحدة شبه كاملة، وتكتشف أن الكتابة وحدها ستنقذك. وأن تعدم أي موضوع لكتاب، دون أي فكرة عن كتاب، فأنت عندئذ ستلقى نفسك، ستستعيدك أمام كتاب. أمام فراغ هائل. كتاب محتمل.

ينجر كل كاتب في بداية مشواره إلى المقارنة، وتحسس مواطن النقص التي قد تؤجل التحاقه بنادي الكُتاب. ولعل الهاجس الذي لا ينفك يطارده، متعلق أساسا بحتمية الموهبة والإلهام خلف كل نص يكتبه، وترقُّب تلك الطاقة الإبداعية التي تغمره بين الحين والآخر، حيث يستمتع بالتدفق السلس للكلمات والجمل. غير أن أليس مونرو صرّحت غداة حصولها على جائزة نوبل للأدب سنة 2013، بأن سر الكتابة يكمن في دقة الملاحظة، والنفاذ بعمق إلى جوهر الناس والأشياء. قد تكشف لحظات التألق عن بعض المقاطع الجميلة، إلا أن الكاتب الجيد عليه أن يضاعف فترات الكتابة إن كان يأمل بالانتظام والإنتاج المتواصل.

لا أعتقد أني احتجت يوما إلى الإلهام، تقول مونرو، فالقصص بالنسبة لي، من أهم الأشياء في العالم. أردت ابتكار بعض هذه القصص؛ هذا كل ما أردت فعله. أما بشأن الموهبة، فهي أمر لم تفكر فيه مونرو، لأن الكتابة كانت شيئا أرادته بشدة. مجالا يمكنها النجاح فيه إذا اجتهدت بما فيه الكفاية. لذا، تضيف مونرو، إذا كانت الكتابة موهبة، فهي بالتأكيد لم تكن موهبة سهلة.

حين يقرر المرء أن يكتب فإنه يفعل ذلك لنفسه أولا. يكتب ليختبر ذاته وبصيرته وحكمه على الأحياء والأشياء من حوله. يكتب لأن هناك تداعيا مؤلما يتلاطم بين حناياه كالموج الهادر. ويكتب أيضا ليُمتع ويؤثر ويؤرق، ويلقي حجرا في بركة الروتين اليومي، علّه يُحدث دوائر حول الدوائر، فيهز الخط المستقيم الذي ملت الأقدام من المشي عليه!

لكن حين يكتب وعينه على المسابقات والأضواء الخاطفة. أو يكتب بيمناه بينما يسراه تحصي المعجبين كل ليلة في مواقع التواصل الاجتماعي. حين يشعر بالخيبة أمام نقد واضح يقوم مساره، أو قراءة جادة تحدد هفواته، آنذاك يشير بوضوح إلى هويته ككاتب رديء.

يحكي الروائي المكسيكي غابرييل غارسيا ماركيز عن شاب في الثالثة والعشرين من العمر، جاء إلى بيته بمدينة مكسيكو، وكان قد نشر روايته الأولى قبل ستة أشهر، ويشعر بالنصر في تلك الليلة لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشره؛ يقول ماركيز، أبديت له حيرتي لتسرعه وهو ما يزال في بداية الطريق؛ فرد علي باستهتار لازلت أرغب في تذكره على أنه استهتار لا إرادي:" أنت عليك أن تفكر كثيرا قبل أن تكتب، لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة لأن قلة من الناس يقرؤونني. إن ذلك الشاب قرر سلفا أن يكون كاتبا رديئا، كما كان في الواقع، إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتابة!"

تتيح مرافقة الكُتاب إمكانية تحسس خطاهم، وهم يمزجون الخبرات والمواقف الإنسانية بعناصر البناء الفني واللغوي التي تحرر كتاباتهم من الفجاجة، وتضمن لها بعثا متجددا كلما امتدت لها يد القارئ. يؤمن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بأن الإنسان حين يبدأ بالاحتجاج يصبح أكثر جمالا. يمكننا قول الشيء ذاته عن الكتابة، فالإنسان حين يكتب يصبح أكثر إنسانية ووضوحا، لأن الكتابة الجيدة أشبه بلعبة المرايا التي تتأرجح خلالها صورتنا بين التقعر والاحديداب، ثم تقودنا في نهاية المطاف إلى التصالح مع الذات.

***

حميد بن خيبش

تتجلى الليبرالية الجديدة في جوهرها كطورٍ متقدمٍ ومأزومٍ في آنٍ واحد من أطوار الرأسمالية العالمية، حيث تتجاوز كونها مجرد حزمة من السياسات الاقتصادية لتستحيل إلى منظومة فكرية شاملة تعيد صياغة الوجود الإنساني برُمّته، وتفكك الروابط التقليدية بين الفرد والمجتمع والدولة. وفي سياق الشرق الأوسط، لم تكن هذه التحولات نتاج تطور داخلي صرف، بل جاءت استجابة قسرية في كثير من الأحيان لضغوط بنيوية بدأت مع أزمات المديونية وصدمات النفط في سبعينيات القرن العشرين، مما أدى إلى تحويل الدولة من مشروع وطني تنموي إلى كيان هشّ يسهل اختراقه واستنزاف موارده. إن هذا التحول لا يقتصر على الأبعاد المالية الجافة، بل يمتد ليشمل محاربة أسس الدولة المدنية القائمة على المواطنة والمساواة، واستبدالها بنماذج من التشدد المنقّح أو الاعتدال المصنّع الذي يخدم استقرار السوق ومصالح القوى الكبرى، وهو ما يستدعي فحصاً دقيقاً للجذور البنيوية التي أدت لنشوء ما يعرف بالدولة الرخوة.

لم تنبثق هذه الدولة الرخوة في المنطقة من فراغ، بل كانت نتاجاً لسلسلة من الصدمات الاقتصادية التي بدأت معالمها تتشكل منذ عقود. فقد شكلت حرب عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف وصعود أسعار النفط نقطة التحول الأولى، حيث أدى تراكم الأموال النفطية في المصارف الغربية إلى تدفق القروض نحو دول العالم الثالث التي كانت تعاني من عجز مالي حاد. ومع حلول عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف، أدى التغيير السياسي الجذري في إيران إلى صدمة نفطية ثانية، تزامنت مع إجراءات نقدية صارمة في الولايات المتحدة لرفع معدلات الفائدة بشكل دراماتيكي لكبح التضخم، مما رفع تكلفة الديون على دول المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، وأوقع الدولة العربية في فخ المديونية المزمنة. هذا الفخ هو الذي منح المؤسسات المالية الدولية الضوء الأخضر لفرض ما يسمى ببرامج التكيف الهيكلي، وهي برامج استندت إلى توافقات دولية طالبت بتفكيك دور الدولة في الاقتصاد، وخصخصة القطاعات العامة، وإلغاء الدعم عن المواد الأساسية، مما أدى إلى تآكل العقد الاجتماعي الذي كان يربط الدولة بالطبقات الشعبية.

في هذا السياق، يمكن تعريف الدولة الرخوة بأنها تلك التي تتخلى طواعية أو قسراً عن مسؤولياتها التنموية والاجتماعية، وتكتفي بدور الحارس لمصالح القوى الاحتكارية المحلية ورأس المال العالمي. ومن المفارقات الصارخة أن هذه الدولة تظهر رخوة وهشة أمام الضغوط الخارجية وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، لكنها تظل صلبة وعنيفة في قمع الاحتجاجات الشعبية الناتجة عن التهميش الاقتصادي. وتتعرض هذه الدول لممارسات استثمارية مفترسة تستغل عجزها عن سداد الديون، حيث تبرز كيانات مالية تُعرف بصناديق المضاربة الانتهازية التي تشتري ديون الدول المتعثرة بخصومات هائلة، ثم تقاضي هذه الدول في المحاكم الدولية للمطالبة بكامل القيمة الاسمية للديون مع الفوائد والجزاءات، مما يستنزف موارد التنمية الشحيحة ويشل عمليات الإغاثة المالية.

علاوة على ذلك، تبرز ممارسات الإقراض غير المسؤولة المرتبطة بمبادرات دولية كبرى، حيث يتم إغراق الدول الهشة بقروض لمشاريع بنية تحتية ضخمة لا تتناسب مع قدرتها على السداد، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى سيطرة المقرض على الأصول السيادية والمرافق الحيوية. إن هذه الآليات تعمل كقوة مضادة لبناء الدولة المدنية، فبينما تتطلب الدولة المدنية فضاءً عاماً حراً وعدالة اجتماعية ومواطنة متساوية، تقوم الليبرالية الجديدة بتقويض هذه الأسس لصالح منطق السوق والفردية المفرطة. وتستند هذه الفلسفة إلى إنكار وجود المجتمع ككيان عضوي، مما يعني غياب المسؤولية الجماعية عن الرفاه الإنساني، ويؤدي بالضرورة إلى تآكل القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، حيث يتم تبرير التفاوت الصارخ بأنه نتيجة طبيعية للاستحقاق الفردي في حلبة المنافسة.

تشظي القوى الاجتماعية

إن هذا التشظي في القوى الاجتماعية أدى إلى استبدال السياسات الطبقية الجامعة بسياسات هوياتية أو فردية ضيقة، مما أضعف النقابات ومنظمات المجتمع المدني التي تشكل عماد الدولة المدنية. ومع سحب الدولة لخدماتها بذريعة الإصلاح الاقتصادي، انتشر الفقر وتصاعدت الاحتجاجات، وهي فراغات غالباً ما تملؤها الحركات الدينية نتيجة غياب البدائل المدنية المنظمة. وعلى عكس الادعاءات التي تروج بأن الحرية الاقتصادية تؤدي حتماً إلى الديمقراطية، أثبتت التجربة التاريخية في المنطقة أن الليبرالية الجديدة غالباً ما تتحالف مع الأنظمة المستبدة لضمان استقرار السوق، حيث أدت عمليات الخصخصة إلى إثراء نخبة صغيرة من رجال الأعمال المقربين من السلطة على حساب إفقار الملايين، وهو ما أنتج نموذجاً من الاستبداد المالي الذي يستخدم السياسات الاقتصادية لتقليم أظافر المعارضة والحد من المشاركة السياسية الحقيقية.

في موازاة هذه الهندسة الاقتصادية، تجري عملية هندسة جيوسياسية تحت مسمى التشدد المنقّح أو صناعة الاعتدال، وهي أداة لضبط المنطقة وتوجيه تدينها بما يتوافق مع المصالح الأمنية للقوى الكبرى. هذا النموذج ليس عودة للدين في شكله النقي، بل هو إعادة صياغة للخطاب الديني ليكون متوافقاً مع الفردية الرأسمالية والولاء السياسي المطلق. ويتم استخدام خطاب الاعتدال كقوة ناعمة وصلبة في آن واحد لتبييض السجلات الحقوقية وجذب الاستثمارات، بينما تستمر الممارسات القمعية في الداخل. وتتضمن هذه الهندسة ما يمكن تسميته بالخصخصة الروحية، عبر تشجيع نماذج من التدين الفردي التي تركز على الخلاص الروحي المنعزل بعيداً عن أي اشتباك مع قضايا العدالة الاجتماعية أو موازين القوة الاقتصادية، مما يجعلها نماذج آمنة لا تهدد بنية السوق أو الهيمنة السياسية.

التحليل الفلسفي للواقع الراهن

يربط التحليل الفلسفي للواقع الراهن بين الأزمات الأمنية العنيفة وتمرير الأجندات الاقتصادية القاسية، حيث تعتمد السياسات الدولية أحياناً على إحداث صدمة أمنية كبرى تضع الشعوب في حالة من الهلع، مما يشل قدرتها على مقاومة الصدمات الاقتصادية اللاحقة التي تتضمن سحق ما تبقى من شبكات الأمان الاجتماعي. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى مشاريع إعادة الإعمار الكبرى كفرصة لجني الأرباح قبل أن تجف دماء الضحايا، حيث تتنافس الشركات الدولية على مقاولات ضخمة في مناطق دمرتها الحروب التي غذتها السياسات الأمنية ذاتها. إن هذه السياسات أدت إلى ارتهان السيادة الوطنية للمديونية الخارجية، وأفقدت الدول القدرة على رسم استراتيجيات تنموية مستقلة تخدم مصالح شعوبها، وخلقت فجوة هائلة بين نخب معولمة مرتبطة بالاستثمار الأجنبي وأغلبية مهمشة تتحمل عبء التضخم والبطالة.

الفارق الوظيفي

إن الفارق الوظيفي بين الدولة التنموية المستقلة والدولة الرخوة التي أنتجتها الليبرالية الجديدة يكمن في الهدف والمحرك والعقد الاجتماعي؛ فبينما تسعى الدولة التنموية لتحقيق السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية عبر الاستثمار في التصنيع والزراعة والبشر، تكتفي الدولة الرخوة بتسهيل تراكم رأس المال وحماية الملكية الخاصة عبر الاستثمار في العقارات والخدمات المالية والترفيهية. وإذا كان العقد الاجتماعي للدولة التنموية يقوم على الدعم والتعليم المجاني والتوظيف الكامل، فإن نموذج الليبرالية الجديدة يرتكز على الخصخصة والتقشف المالي، مما يحول السياسة الأمنية من حماية المشروع الوطني والحدود إلى حماية النخبة وقمع الاحتجاج الاجتماعي.

ونتيجة لفشل الدولة الرخوة في توفير الأمن الاقتصادي، يميل المهمشون نحو خطابات هوياتية أو دينية متطرفة كآلية للدفاع عن الذات، وهو ما تستغله الأنظمة لتبرير مزيد من القمع الأمني تحت لافتة محاربة الإرهاب. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب رؤية جديدة تتجاوز أوهام الليبرالية الجديدة، وفي مقدمتها وهم كفاءة السوق الحرة المطلقة، ووهم الرشح الاقتصادي الذي يدعي أن ثراء الأغنياء سيفيد الفقراء بالضرورة. إن النهضة الحقيقية تتطلب شراكة جماعية تشمل الدولة المركزية القوية، والمجتمع المدني الفاعل، والقطاع الخاص الوطني، والمنظمات النقابية، بهدف توطين العلم والتكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية محلية بدلاً من الاعتماد على الاستيراد الاستهلاكي.

الدولة المدنية الحقيقية

تظل الدولة المدنية الحقيقية هي الضمان الوحيد لمواجهة التشدد المصنّع والاستبداد المالي، فهي الدولة التي تحترم التعددية، وتصون الكرامة الإنسانية، وتجعل من الاقتصاد وسيلة لرفاه الإنسان لا غاية في حد ذاته لخدمة رأس المال العابر للحدود. إن التحول من الدولة الرخوة المستلبة إلى الدولة القوية بشعبها ومؤسساتها هو التحدي الأبرز الذي يواجه منطقة الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، وهو المسار الوحيد لاستعادة السيادة المفقودة وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة بعيداً عن هيمنة النماذج الاقتصادية المفروضة من الخارج.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم