عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

في عالَم تكتظّ فيه القضايا والمواضيع الساخنة في كل يوم بمختلف الأصعدة وفي شتى الحقول السياسية منها والاجتماعية والثقافية والاجتماعية والدينية وغيرها، نميل لتبنّي مواقف شخصية إزاءَها؛ لاعتبارات عدّة، ليس أقلّها أن نواكب النقاشات اليومية، ولكن السؤال الذي يطفح على السطح: هل من الطبيعي أن يكون لنا رأي شخصي في كل موضوع يُطرح؟ خاصةً مع هذا الكم الهائل الذي تغرقنا به القنوات المعرفية من كل حدب وصوب، ولعل الإجابة البديهية: كلا، ولكن تطبيقاتنا اليومية تعاكس ذلك إلى حد كبير، إنْ بسبب طبيعة أدمغتنا الميّالة إلى محاولة سدّ الفراغات وعدم قبول الفجوات بلا تفسير ولو بشبه إجابة، وإنْ بسبب إكراهات تفاعلاتنا الاجتماعية التي تملي علينا الانخراط في المواضيع المطروحة والمنافَحة عن أحد اتجاهاتها لإثبات الذات أو السعي وراء الاعتراف الاجتماعي أو غيرها من الأسباب النفسية والاجتماعية، هذا أو ذاك أو غيره، ما نلمسه جليًا من الواقع أننا متلبّسون على نحو كبير بالاندفاع إلى تشكيل آراء شخصية متسارعة في مختلف القطاعات.

ليس لدي رأي، لا أدري، لا توجد لدي أدلة كافية تسعفني للانحياز لرأي دون آخر، ليس هذا الموضوع من اهتماماتي، كلها عبارات أصبحت تفتقر إليها أوساطنا بشكل حقيقي اليوم، فصرنا ننبري في كل محفل وفي كل قضية تُتداوَل بالرأي الذي نتبنّاه إزاءَها؛ ربما استحياءً من عدم اتّباع الجموع التي تتباهى برأيها وإن كان آراؤها مجرّد تقليد وتبعيّة ليس إلا، وربما انتفاخا بجانب من معرفة اطّلعنا عليها، أو لِخَلْطنا بين كثرة آرائنا وثقل هُويّتنا، وربما لأسباب أخرى، المشروعة منها وغير المشروعة.

إنّ الرأي الحصيف يتطلب استفراغ الجهد في فحص الأدلة والتفتيش عن الثغرات قبل الاستقرار على رأي شخصي، وهذا ما لا يسعفه وقتنا المتاح وسط التزاماتنا اليومية، ناهيك عن التضخم الهائل لعدد المواضيع التي يتم طرقها يوميا إنْ على الصعيد المحلي وإنْ على الصعيد العالمي، فإذا كان ذلك كذلك، فمن الطبيعي جدا أن نتوقف عن تبنّي أي اتجاه إزاء حزمة واسعة من تلك القضايا المحمومة، وأنّ أي سقوط في فخّ الاصطفاف وراء أيّ اتجاه فهو محتوم بالقصور وعدم الاتزان، لنجد أنفسنا بعد ذلك عبارة عن آراء مشوّشة مشوّهة باهتة الملامح.

لا بأس أن يكون لنا رأي - على تفاوت درجات التبنّي - بين الفينة والأخرى، ولكن أن تكون استجابتنا التلقائية لكل موضوع شائك تلوكُه الألسنة بإظهار رأي شخصي تجاهه فهذا هوسٌ يوقعنا في حرج عقلي كبير، ووعي سطحي مقرف، ثم مَن زرع فينا وجوب تبنّي رأي شخصي في كل قضية يُثار الجدل حولها أو مقاربة يتم تداولها؟ وهل ذلك من متطلبات الشخصية الواعية أو المثقفة أو المواكبة وغيرها من المصطلحات الرنّانة؟

مهما يكن من أمر، أودّ أن أختم بلفتةٍ دقيقة، وهي أنّ تبنّي الآراء حينما نجد في أنفسنا التأهّل لذلك ينبغي أن يكون تبنّيا قابلا للتراجع عنه، وليس حكما نهائيا؛ لأن الآراء تستند إلى المعرفة المتحصلة وفق الأدوات المتاحة والمحددات الموجودة، وسمة المحدودية هذه تفرض عليها ألا تكون مطلقة؛ ولذا من الطبيعي جدا أننا حينما نتبنّى رأيا ما أن نتراجع عنه لاحقا، على أن هذا التراجع لا يشترط أن يكون انزياحا من رأي إلى رأي آخر، بل من الطبيعي جدا أن ننتقل إلى وضعية عدم وجود رأي بالمرّة متى ما تضافرت القرائن المعرفية التي ترجعنا إلى المربع الأول وهو الحيادية، وأنْ نكون خِلوًا من الانحياز لأي اتجاه في بعض المواضيع الجدلية، ونكتفي بممارسة دور المراقب بكل وعي واتزان، ولك أن تتخيل بَهاء طبيعة أوساطنا المعرفية حينما تزدهر فيها ثقافة الاتزان في تبنّي الآراء وعدم الانسياق خلف كل (ترند) محموم.

***

محمـــد سيـــف

قراءة تفكيكية من داخل المشغل الأصولي

​لم تأتِ قناعتي بأن الفتوى اجتهادٌ بشري من موقفٍ عدائي تجاه الحوزة العلمية في النجف الأشرف، بل كانت ثمرة سنوات من الدراسة المعمقة وقراءة كتبها التأسيسية في علم أصول الفقه والاجتهاد.

​لقد كان رفيقي في هذه الرحلة البحثية متون فكرية رصينة؛ من بينها كتاب «النظرة الخاطفة في الاجتهاد» للشيخ محمد إسحاق الفياض، وكتاب «الاجتهاد والفتوى» للسيد محيي الدين الغريفي، و**«الاجتهاد والتقليد»** لزعيم الحوزة العلمية السيد أبي القاسم الخوئي بتقرير الشيخ غلام رضا عرفانيان. كما عكفتُ على دراسة «أجود التقريرات» (تقريرات السيد الخوئي لأبحاث أستاذه المحقق الميرزا محمد حسين النائيني)، وانفتحتُ على مناهج الاستنباط المعاصرة مثل «مباني الاستنباط» للسيد محمد الحيدري، مستنيراً بأبحاث ومحاضرات أساتذة فضلاء كالسيد عدنان البكاء، ومستلهماً من التراث العلمي الغني لمرجع الطائفة السيد عبد الأعلى السبراوي في آثاره الفقهية والأصولية.

​١. ميكانيكية الاستنباط: كيف تصنع الأدوات البشرية نصاً فقهياً؟

​قبل خوض هذه الغمار العلمي، كنت أظن -كغالبية الناس- أن الفتوى تمثل الحكم الإلهي والشرع السماوي بصورة مطابقة ومباشرة. غير أن الولوج إلى كواليس "المشغل الأصولي" يكشف حقيقة مغايرة تماماً؛ فالأصوليون يقررون بوضوح أن الفقيه لا يصنع الحكم الإلهي ولا يتلقاه بالوحي، وإنما يبذل أقصى وسعه العلمي عبر منظومة معقدة من القواعد اللغوية، والعقلية، والشرعية للوصول إلى "الحجة".

​إن هذه المنظومة تقوم على ركائز استدلالية صاغتها وطورتها عقول البشر عبر القرون، وليست نصوصاً توقيفية مقدسة:

​حجية الظهور: وهي قاعدة لغوية عقلائية تعتمد على فهم العرف البشري للألفاظ والسياقات، والظهور بطبيعته احتمالي لا قطعي.

​حجية خبر الواحد: وهي مسألة أصولية شائكة تدور حول مدى وثوقية نقل الرواة لحديث الآحاد، والقبول بها قائم على أدلة ظنية اعتبرها الشارع مرخصة للعمل، لا مفيدة لليقين التاريخي المطلق.

​مباحث التعارض والترجيح: وهي قواعد عقلية وضعها الأصوليون لفك التشابك والتناقض الظاهري بين النصوص (الروايات)، مما يعكس تدخلاً عقلياً بشرياً مباشراً لترتيب الأولويات الاستدلالية.

​٢. مملكة الشك والأصول العملية: هندسة إدارة الحيرة

​تتجلى بشرية الفتوى بأوضح صورها في أبحاث "القطع والظن والشك". عندما ينسد باب العلم (اليقين بالواقع الإلهي)، يجد الفقيه نفسه وجهاً لوجه أمام الشك. هنا لا يتوقف عن الفتوى، بل يلجأ إلى ما يُعرف بـ «الأصول العملية»:

​البراءة: (كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام) - وهي رخصة لتسهيل حياة البشر عند عدم وجدان الدليل.

​الاستصحاب: (إبقاء ما كان على ما كان) - وهو حكم ظاهري للمتردد يعتمد على الاستمرارية الزمنية للحالة السابقة.

​الاحتياط والتشاغل: لتأمين المكلف من العقاب الافتراضي.

​إن هذه الأصول لا تكشف عن الحكم الواقعي الذي أراده الله في اللوح المحفوظ، بل هي مجرد "وظائف عملية للمتحيّر" وضعها الشارع لإدارة العجز البشري عن إدراك الحقيقة المطلقة. فكيف يمكن بعد ذلك وصف المنتج النهائي (الفتوى) بأنه يمثل الإرادة السماوية القطعية؟

​٣. صراع المباني: لماذا يختلف المراجع؟

​إن رصد الاختلافات الفقهية بين المراجع ليس رصداً لاختلافٍ طارئ أو شخصي، بل هو نتاج طبيعي وموضوعي لـاختلاف المباني الأصولية.

​قد يتفق فقيهان على نفس النص القرآني ونفس الرواية، ولكنهما يختلفان في النتيجة اختلافا جذرياً:

​أحدهما يرى حجية "الشهرة الفتوائية" كجابر لضعف السند (كما هو مبنى بعض المتقدمين)، بينما يرفضها الآخر تماماً كالسيد الخوئي الذي يصفها بأنها لا تسمن ولا تغني من جوع استدلالي.

​أحدهما يقدم "أصالة الاحتياط" في مسألة معينة بناءً على مسلك "حق الطاعة" (كمبنى السيد الشهيد محمد باقر الصدر)، والآخر يجري "أصالة البراءة" بناءً على مسلك "قبح العقاب بلا بيان" (كمبنى المحقق النائيني).

​هذا التباين الهندسي في تأسيس القواعد يثبت بالدليل القاطع أن الفتوى صياغة فكرية إنسانية، ورأي تخصصي محكوم بالخيارات المنهجية للفقيه، وليس نقلاً حرفياً للإرادة الإلهية.

​٤. الحد الفاصل: بين قدسية الوحي وبشرية الفتوى

​من هنا، يصبح التفريق حتمياً بين قدسية الوحي وبشرية الفتوى:

​الوحي: ثابت، مطلق، معصوم، ولا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.

​الفتوى: قراءة بشرية نسبية وتاريخية للوحي، تتأثر بالأدوات العلمية للفقيه، وبمستوى تطور العلوم المعاصرة له، وبظروفه وبيئته الاجتماعية والسياسية.

​إن عدم التفريق بين هذين الحقلين يؤدي إلى منزلق خطير؛ وهو إلباس الفهم البشري رداء العصمة الإلهية، وصناعة جدار سميك يمنع نقد الفتاوى وتطويرها بما يلائم حركة الزمن وحاجات المجتمع المتجددة.

​٥. نحو احترام العلم لا تقديس الرأي

​إن نقدي لآلية تقديم الفتوى في الفضاء العام ليس استهدافاً للدين، ولا تقليلاً من شأن الحوزة العلمية وجهود علمائها الإجلاء؛ بل هو دعوة للعودة إلى جوهر ما تقرره كتب الأصول نفسها: المجتهد يخطئ ويصيب.

​إن احترامنا للفقيه ينبع من كونه باحثاً أكاديمياً بذل جهداً مضنياً في دراسة النصوص وفهمها، وتوقيرنا له هو توقير للعلم والتخصص. لكن هذا الاحترام يجب ألا يتحول إلى "تقديس" يعامل الرأي الفقهي (الذي هو ظن معتبر في أحسن أحواله) كعقيدة معصومة لا تقبل النقاش أو المراجعة.

​إن فتح الباب للاعتراف ببشرية الفتوى هو الضمانة الوحيدة لحيوية الفقه الإسلامي، وهو السبيل لرفع القداسة الزائفة عن القراءات البشرية للنصوص، ليبقى الفكر مفتوحاً على التطوير، والتحديث، والنقد العلمي البنّاء.

***

​ستار الزهيري

١٤ تموز ٢٠٢٦ | ١ صفر الخير ١٤٤٨ هـ

الجنس بيولوجياً هو منظومة حيوية متكاملة تتجاوز الفعل الميكانيكي، لتشمل التفاعل الدقيق بين الهرمونات، والأعضاء التناسلية، والجهاز العصبي، بهدف ضمان استمرار النوع من خلال الوظيفة الإنجابية؛ بينما في مرحلة الطفولة، لا يوجد "جنس" بالمعنى الوظيفي، بل يمر الأطفال بما يُعرف بالاستكشاف الحسي البسيط، وهو سلوك طبيعي يعبر عن وعي الطفل بجسده ضمن نموه الإدراكي، ولا يرتبط بأي دافع جنسي أو قدرة إنجابية، حيث تظل الأجهزة التناسلية في حالة سكون تام وتفتقر للوقود الهرموني.

تبدأ جذور التطور الإنساني من المرحلة الجنينية التي تشهد نشاطاً ميكانيكياً للأعضاء التناسلية، مثل الانتصاب الجنيني؛ هذا النشاط هو استجابة فسيولوجية لا إرادية ناتجة عن تدفق الدم ونمو الأنسجة، ولا يمت بصلة لأي غريزة أو رغبة نفسية، إذ يفتقر الجنين في هذه المرحلة إلى الجهاز العصبي المتطور والقشرة المخية المسؤولة عن إدراك اللذة أو توجيه الدافع الجنسي.

بعد الولادة، يدخل الجهاز التناسلي في مرحلة طويلة من "السكون الوظيفي" التي تستمر طوال سنوات الطفولة، حيث تتسم هذه المرحلة بالتركيز على غريزة البقاء وتطور التعلق العاطفي، مع غياب كامل للوقود الهرموني اللازم لإنتاج الحيوانات المنوية، وتظل الخلايا المسؤولة عن النطاف خامدة بيولوجياً لعدم وجود إشارات كيميائية كافية من الدماغ  تحت المهاد والغدة النخامية

. وبناءً على ذلك، لا يمكن بيولوجياً إنتاج المني في سن السابعة أو الثامنة أو التاسعة في الظروف الطبيعية نظراً للبرمجة البيولوجية التي تحكم هذا التوقيت؛ وما يُسجل من حالات زواج مبكر تاريخياً في بعض المجتمعات هو ترتيب اجتماعي لا يغير من الحقيقة الفسيولوجية لعدم قدرة الجسد على الإنجاب قبل البلوغ، فالإنجاب في تلك الحالات هو نتيجة حتمية للبلوغ البيولوجي، حيث يبدأ الجسم حينها فقط في إفراز الهرمونات الجنسية وتفعيل عملية إنتاج النطاف، بينما تعد حالات البلوغ المبكر جداً (قبل سن العاشرة) استثناءات طبية مرتبطة باضطرابات هرمونية، وهي لا تشكل القاعدة الطبيعية لنمو الإنسان.

إن الغريزة الجنسية ليست مجرد فعل ميكانيكي، بل هي منظومة نضج عضوي وهرموني وعقلي لا يمكن لأي إنسان تجاوز مراحلها الزمنية، وتظل الحقيقة العلمية ثابتة في أن القدرة على الإنجاب مرتبطة حصراً بحدوث البلوغ الفسيولوجي الذي يكسر حالة السكون الوظيفي للجهاز التناسلي، وتترابط هذه المراحل لتؤكد أن الإنسان كيان بيولوجي محكوم بنظم زمنية دقيقة، حيث تتجلى حكمة التطور في هذا التدرج الذي يمنح الجسم فرصة كافية للنمو الهيكلي والنضج العقلي قبل تحميله بمسؤوليات الغريزة.

تعد الفجوة الزمنية بين النشاط الجنيني الميكانيكي والقدرة الوظيفية البالغة فترة حماية بيولوجية تضمن توازن الجهاز النفسي والعضوي للفرد، وعندما ينضج الدماغ ويتهيأ الهيكل الهرموني تتحول الغريزة من مجرد استجابة انعكاسية إلى دافع واعٍ؛ ومن هنا، يتضح أن الأطفال ليسوا ضحايا لغريزة داخلية لا يمتلكونها، بل هم ضحايا "إسقاطات خارجية" وتجاهل للطبيعة، حيث يحاول الكبار إقحامهم في ترتيبات اجتماعية تتطلب أدواراً إنجابية لا تسمح بها أجسادهم، ليظل فهمنا لهذه الحقائق العلمية مرجعاً أساسياً يضع حداً للخلط الشائع بين المظاهر السطحية والقدرة الحقيقية في تطور الجسد الإنساني.

***

ئاريان علي

لم يعد ممكناً الاستمرار في رعاية "الأوهام الثقافية" التي شيدتها نخبنا على مدى عقود. إن ما نسميه "تراجع الخطاب الثقافي" ليس مجرد انحسار في الكم، أو حالة عابرة من فقر الإبداع، بل هو انهيارٌ بنيوي في الجوهر، وسقوطٌ مدوٍ للأقنعة التي كانت تخفي خلفها خواءً فكرياً مزمناً. نحن اليوم أمام مشهدٍ ثقافيٍ عارٍ، فقدت فيه الكلمة قدرتها على التأثير، وصار المثقف -الذي كان يوماً "ضميراً للواقع"- مجرد "موظفٍ في شركة علاقات عامة"، يزين القبح، ويبرر الرداءة، ويغلف الانهيار بخطابٍ طنّانٍ لا طائل منه.

إن "سقوط الأقنعة" ليس حدثاً طارئاً، بل هو النتيجة المنطقية لمسارٍ طويلٍ من الخيانة المعرفية. لقد بدأت الحكاية حين تحولت الثقافة من "مشروع للتحرر" إلى "وسيلة للظهور". في البدايات، كان المثقف يمتلك "المسافة النقدية"؛ تلك المسافة التي تسمح له بأن يرى العطب في بنية الدولة والمجتمع، وأن يعبر عن ذلك بجرأةٍ لا تعرف المهادنة. أما اليوم، فقد ذابت هذه المسافة. صار المثقفُ جزءاً من "الآلة"؛ آلة الجوائز التي تُمنح وفق معايير المحاصصة والشللية، وآلة المهرجانات التي تُقام لتجميل وجه السلطة، وآلة الولاءات السياسية. وهكذا، فقدَ الخطابُ الثقافي "استقلاليته"، وتحول إلى "صدى" لأهواء مراكز القوة التي باتت تفرض شروطها على الفكر والإبداع.

التراجع في الخطاب الثقافي العربي ليس غياباً للمواهب بقدر ما هو غيابٌ لـ "المعايير". عندما تغيب المعايير النقدية الموضوعية، يسود "المتنمرون" و"المدّاحون". لقد شهدنا في السنوات الأخيرة صعود ظاهرة "المثقف الانطباعي"، ذلك الذي يمتلك فائضاً من العدوانية ونقصاً فادحاً في المنهج. هذا "المتنمر الثقافي" لا يقرأ النص، بل يقرأ الحسابات. إنه يمارس "الرقابة" على زملائه، ليس انطلاقاً من رؤيةٍ فكرية، بل من غريزةٍ اقصائيةٍ تحاول أن تنفي "الآخر" لتضمن لنفسها مكاناً تحت الضوء. إن سقوط القناع هنا يعني كشف الوجه الحقيقي لهذا الخطاب: خطابٌ يحمي "التفاهة" لأنها تشبهه، ويحارب "العمق" لأنه يفضح بساطته ومحدوديته.

وما يعمق من هذا المأزق هو "ارتهان المثقف للأيديولوجيا". فبدلاً من أن تكون الأيديولوجيا أداة لتحليل الواقع وتفكيك تناقضاته، تحولت إلى "أيقونة" للتقديس. لقد صار المثقف يكتب ليؤكد انحيازه المسبق، لا ليصل إلى الحقيقة. هذا "الإخلاص الأعمى" للأطر الجاهزة هو الذي جمد طاقة التفكير، وجعل الخطاب الثقافي يكرر نفسه في حلقةٍ مفرغة. إننا نكتب اليوم نصوصاً لا تلامس جرح الواقع، بل تنشغل بـ "تنميقِ الجروح" وتغطيتها بكلماتٍ منمقةٍ تليقُ بمنابرِ الاستهلاك الثقافي، لا بمنابر التغيير.

وفي هذا السياق، لابد من الإشارة إلى "سلطة الغوغاء" في الفضاء الرقمي. إن سقوط الأقنعة قد كشف أيضاً عن عجز النخب عن مواجهة "ديماغوجية التواصل". صار الخطاب الثقافي يُصاغ على مقاس "التريند"، حيثُ تُختزلُ القضايا الكبرى في تغريدة، ويُحاكمُ الفكر بناءً على شعبيته لا على عمقه. لقد انحاز المثقف للجمهور على حساب الحقيقة، خوفاً من "النبذ الرقمي"، فأصبح خطاباً باهتاً، يرضي الجميع، ولا يغير شيئاً. إن "سقوط القناع" هنا يعني اعترافنا بأننا صرنا نهتم بـ "عدد المعجبين" أكثر من اهتمامنا بـ "صلابة الفكرة".

أضف إلى ذلك، مأزق "اقتصاد الثقافة"؛ إذ باتت دور النشر والجوائز العربية خاضعة لمنطق الربح السريع. لقد تحولت الثقافة إلى "سلعة"، وأصبح الكاتب "منتجاً" يكتب وفقاً لمتطلبات السوق. إن هذا "التشييء" للمثقف وللنص أدى إلى انحطاط نوعي في الخطاب، حيث أصبحت القيمة تُقاس بالمبيعات، لا بالعمق المعرفي. المؤسسات الثقافية التي كان يُفترض بها أن تكون حاضنة للنقد والجدل الحر، تحولت في كثير من الأحيان إلى "شركات للعلاقات العامة"، تسوق أسماء محددة وتغيب أخرى لأسباب غير ثقافية، مما خلق "تنميطاً" في الذائقة العامة، ومنع بزوغ أصوات جديدة ومختلفة.

إننا أمام استحقاقٍ أخلاقيٍّ وجوديّ: إما أن يعود الخطاب الثقافي إلى "جذوره النقدية"، يمتلك الشجاعة لقول "لا" في وجه الرداءة والفساد الفكري، وإما أن نترك الساحة لمن يظنون أن الصراخ هو بديل عن الفكرة. إننا بحاجة إلى "ثورة في الكتابة"؛ ثورة تعيد الاعتبار للمعرفة كفعلٍ مقاوم، لا كفعلٍ استعراضي. نحتاج إلى مثقفٍ لا يخاف من عزلته، ولا يسعى لإرضاء "الجوقة".

إن سقوط الأقنعة هو في جوهره فرصة؛ فرصة لنرى الواقع كما هو، لنعترف بأننا في أزمة، ولنبدأ -بشجاعةٍ لا تعرف الخوف- في بناء خطابٍ جديد يليق بآلام الناس وطموحاتهم. خطابٌ لا يجمّل الواقع، بل يشرّحه، ولا يبرر الانكسار، بل يفكك أسبابه. إن التاريخ، يا صديقي، لن يحفظ سوى تلك الأصوات التي تجرأت على التعري أمام الحقيقة، ورفضت أن تختبئ خلف أقنعةٍ -مهما كانت جميلة- فإنها لا تحجبُ حقيقةَ العطبِ الذي ينهشُ جسدَ ثقافتنا. إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق من لا يزال يؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون فعلاً تغييرياً، لا مجرد زينةٍ في فضاءٍ يمتلئ بالضجيج.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

الثقل المعرفي واستراتيجيات قلب النظرة

تمهيد: عندما يتحدث الصامت

في المخيال السوسيولوجي الكلاسيكي، ظلّت فكرة "المركز" و"الهامش" محكومة بمنطق ثنائي صارم، حيث يُعتبر الأول وعاءً للمعرفة والسلطة والشرعية، بينما يُختزل الثاني في صفة العدمية والفراغ والتلقي السلبي. غير أن هذا التصور، الذي تغذيه نظريات التحديث والمركزية الغربية، قد أهمل حقيقة جوهرية مفادها أن الهامش ليس مجرد مساحة جغرافية أو ثقافية مهمشة، بل هو حيز تاريخي مزدحم بالتفاعلات، ومليء بآثار الصدمات، ومشحون بطاقات المقاومة والتكيف. إن الهامش، بوصفه موقعاً وجودياً ومعرفياً، يمتلك ثقل معرفي ورمزي متراكم، يتشكل عبر قرون من الاحتكاك المباشر بالمركز. هذا المقال يسعى إلى تفكيك مفهوم "الثقل الهامشي" كأداة نقدية، وكشف كيف يمكن للهامش أن يتحول من مجرد موضوع للمعرفة إلى منتج لها، بل وكيف يستطيع أن يعكس النظرة على المركز عبر آليات "استشراق معرفي" معقدة، رغم ما يكتنف هذه العملية من مفارقات وأسر ثنائي.

تفكيك المركزية وتأسيس مفهوم "الثقل الهامشي"

لكي نفهم "الثقل الهامشي"، ينبغي علينا أولاً أن نخلع عن مفهوم "الهامش" رداء السلبية الذي ألبسته إياه الخطابات الاستعمارية وما بعد الكولونيالية المبكرة. فهو ليس صفحة بيضاء انتظرت حتى يخط عليها المركز تاريخه، بل هو أرض خصبة راكمت خبراتها الخاصة في التعامل مع النفوذ والسلطة. إذا تأملنا العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، نجد أن الأخير اضطر، من أجل البقاء، إلى فك شيفرات المركز: تعلم لغته، وأتقن طقوسه، وتنبأ بردود أفعاله، بل واستبطن تناقضاته الأيديولوجية. هذا التراكم المعرفي، الذي يمتد لأجيال، هو ما نسميه "الثقل الهامشي". إنه يشبه ذلك المخزون الجيولوجي المعرفي الذي تترسب فيه طبقات من التمييز العنصري، والمقاومة المسلحة والسلمية، وأشكال التكيف اليومي، والهجنة الثقافية.

هذا الثقل لا يقاس بعدد الكتب أو الجامعات في الهامش، بل يقاس بعمق التجربة الإنسانية وصلابتها. فالمعرفة التي ينتجها هي "معرفة احتكاكية"، تولد من رحم الممارسة والتجربة الحيَّة، وليس من برج عاجي نظري. حين يعيش الفرد في الهامش، فإنه يختبر المركز كقوة نافذة في تفاصيل حياته: في قوانينه، اقتصاده، تعليمه، وحتى في أحلامه اليومية. هذه المعايشة القسرية للمركز تمنح الهامش قدرة فريدة على رؤية عيوب المركز وفضائحه الأخلاقية والمنطقية، وهي رؤية لا تتاح للمتمركز في داخله، لأن الأول يرى الثاني من الأعلى، بينما يرى الهامش المركز من الأسفل، حيث تنكشف الآليات الخفية للهيمنة دون رتوش بروباغندية.

المعرفة الهامشية ودقتها في تحليل علاقات النفوذ

غالباً ما يُزعم أن المعرفة المركزية هي الأكثر دقة وموضوعية، لأنها تمتلك أدوات منهجية متطورة. لكن هذا الادعاء يسقط حين ننظر إلى طبيعة المعرفة المنتَجة في الموقعين. المعرفة المركزية (الاستشراق نموذجاً) غالباً ما تكون معرفة "تأملية" أو "استنتاجية"، تعتمد على نصوص ووثائق قد تكون مشوهة، وتنظر إلى الآخر باعتباره موضوعاً جامداً يمكن تشريحه. في المقابل، المعرفة الهامشية هي معرفة "تراكمية" و"تفاعلية"، لأنها تنتج من داخل العلاقة نفسها؛ إنها معرفة بالعدو معرفة المصارع الذي يحصي أنفاس خصمه، أو معرفة التابع الذي يحفظ مفاتيح سيده.

إن دقة المعرفة الهامشية تنبع من كونها معرفة اضطرارية؛ فالذي يعيش على الأطراف يدرك أن أي خطأ في فهم نوايا المركز أو آلياته قد يكلفه حياته أو حريته. لذلك، تتطور لديه أدوات تحليلية دقيقة لقراءة النوايا الضمنية، وفك الرموز الأيديولوجية، وتفكيك الخطابات التي تختفي وراءها سياسات العنف. هذه المعرفة تتفوق على المعرفة المركزية في جانب حاسم: قدرتها على كشف التناقض بين المعلن والمضمر. فالمركز يعلن قيم الحرية والديمقراطية، بينما يمارس التمييز في مستعمراته؛ والهامش وحده، من خلال احتكاكه اليومي، يستطيع أن يرصد هذا التباعد بشكل حاد، وأن ينتج خطاباً نقدياً يكشف هذا النفاق، كما فعل فرانتس فانون في "معذبو الأرض"، حيث حلّل الطب النفسي الاستعماري كآلة لقمع الوعي، مستنداً إلى خبرته المباشرة لا إلى نظريات فرويد المجردة.

استشراق المركز: بين الاستشراق التخيلي والاستشراق المعرفي

إذا كانت المعرفة الهامشية بهذه الدرجة من العمق، فمن الطبيعي أن تنتج آلية خاصة للنظر إلى المركز، وهنا نصل إلى جوهر مفهوم "استشراق المركز". في السياق الكلاسيكي، كان الاستشراق الغربي يقوم على "رؤية من بعيد"، حيث يكتب الرحّالة والمستشرقون عن الشرق دون أن يعيشوا فيه حقاً، أو يعيشون فيه بوصفهم سادة غير مندمجين. هذا الاستشراق كان "تخيلياً" بامتياز، لأنه بنى صورته للشرق على النصوص المقدسة، والخرائط القديمة، وأوهام العقل الجمعي الغربي عن "الآخر الغامض". لكن عندما ينقلب السحر على الساحر، ونظر الهامش إلى المركز، فإن العملية تختلف جذرياً.

"استشراق الهامش" للمركز هو استشراق "معرفي"، لأنه لا يقوم على التخمين أو الرؤية من علو، بل على معرفة تراكمية ممتدة بفعل التفاعل التاريخي. فالشرقي أو الجنوبي الذي يعيش في ظل الهيمنة الغربية، يجيد قراءة الغرب أكثر مما يجيد الغرب قراءة نفسه. يمكننا تلمس ذلك في سيرة عبد الرحمن بن خلدون، الذي نظر إلى الشرق (المركز الإسلامي آنذاك) والمغرب (هامشه) من زاويته المغاربية، فقدم نقداً عميقاً للعصبية المركزية وللنماذج الحضارية المستقرة، معتمداً على ملاحظته المباشرة لتفاعل البدو والحضر. بل إن نظرة ابن خلدون إلى الغرب المسيحي كانت نظرة محايدة نسبياً، خالية من الرهبة الأسطورية، لأنه تعامل معه كطرف في صراع سياسي واقتصادي، وليس ككيان ميتافيزيقي غامض.

في كتابات جمال الدين الأفغاني أيضا نموذجاً صارخاً لهذا الاستشراق المعكوس. إذ استخدم الكاتب، في مناظراته ونقده للاستبداد، خطاباً استعارياً يكسر فيه القوالب: فقد نظر إلى أوروبا بعين ناقدة، مادحاً علمها وتقنيتها، لكنه في الوقت نفسه كشف عن وجهها الاستبدادي والإمبريالي، معتمداً على تجربته الطويلة في التنقل بين الشرق والغرب. فهو لم يكتفِ بردة الفعل، بل حاول بناء خطاب مضاد، لكنه ظل، كما سنرى، أسير إطار المركز ذاته إلى حد كبير.

الأدب والفن كساحات للتجسيد البصري للثقل الهامشي

يتجلى هذا الثقل الهامشي بشكل أكثر كثافة وبلاغة في حقلي الأدب المقارن والسينما، حيث تتحول الصور الفنية إلى حوامل معرفية تنقل نظرية الهامش إلى واقع محسوس. إن إعادة قراءة رواية "الغريب" لألبير كامو في السياقات العربية، كما أشار النص المؤسس لهذا المقال، تمثل لحظة استشراقية معرفية مثيرة. ففي قراءتها الغربية الأصلية، تبدو الرواية عملاً وجودياً حول عبثية الحياة واغتراب الإنسان. لكن القارئ العربي، الذي يحمل ثقلاً هامشياً من تجارب الاستعمار، يقرأ "الغريب" بشكل مختلف؛ فهو يرى في بطلها "ميرسو" نموذجاً للغرب المتعالي البارد، وفي جريمته رمزاً لمواجهة الغرب للآخر العربي (الذي يُقتل دون مبرر حقيقي في الرواية). هنا، يستخدم القارئ العربي أدوات المستشرق (التأويل وتحليل الرموز) ولكن من موقع مغاير، حيث يصبح الغرب ذاته هو الموضوع الغامض الذي يحتاج إلى تفكيك.

أما فيلم "الرسالة" للمخرج السوري مصطفى العقاد، فهو مثال أكثر تركيباً على هذه الآلية. العقاد، الذي عاش في الغرب وأتقن لغته السينمائية، يقدم صورة بصرية للإسلام وبدايات الدعوة المحمدية، مستخدماً أدوات هوليوود الإخراجية والمونتاجية. الفيلم، في جوهره، هو محاولة لاستشراق الغرب من الداخل؛ أي تقديم السيرة الذاتية للإسلام بلغة سينمائية يفهمها الغربي، لكن مع الحفاظ على جوهر الرؤية الإسلامية. إنه ليس استشراقاً تخيلياً (كما فعل الراحل يوسف شاهين في بعض أفلامه التي نظرت للغرب برومانسية هوليوودية مبتذلة)، بل هو استشراق معرفي سياسي، يحاول أن يثبت أن الهامش لا يقل جمالاً وتاريخاً عن المركز، بل إنه قادر على توظيف أدوات المركز ذاتها لخدمة مشروعه الثقافي.

ولا يمكننا هنا تجاوز ذكر رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، والتي تشكل النموذج الأكمل لهذه الدائرة الاستشراقية. فبطلها مصطفى سعيد يجسد "الثقل الهامشي" بكل تناقضاته؛ فهو الذي يذهب إلى لندن (المركز) حاملاً تراكماته الثقافية الشرقية، لكنه يكتسب معرفة غربية معمقة، ليستخدمها لاحقاً في تدمير النساء الغربيات نفسياً وجسدياً. صالح يقلب الطاولة: فمصطفى سعيد يعرف الغرب (بشعرائه، وقوانينه، وعقداته الجنسية) أكثر مما يعرف الغرب نفسه، وهذا يسمح له بأن يكون "مستشرقاً معكوساً" ينتقم من المركز بأدواته الثقافية. غير أن الرواية، بذكائها المفرط، تُنهي هذه اللعبة بمأساة، مشيرة إلى أن الانعكاس المحض ليس تحرراً.

أزمة الدائرة الاستشراقية: حين يكرر الهامش شيفرات المركز

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى التي يحاول النص الأصلي للإشكالية طرحها، وهي أن هذه العلاقة بين المركز والهامش، رغم كونها ليست أحادية الاتجاه، فإنها تشكل في النهاية "دائرة استشراقية" مفرغة. فحين يستخدم الهامش ذات الأدوات التي استخدمها المركز ضده (أدوات التمثيل، الاختزال، التصنيف الثنائي)، فإنه غالباً ما يظل أسيراً لمنطق المركز ذاته. إن إنتاج خطاب مضاد ليس بالضرورة خطاباً محرراً؛ فكثيراً ما يكون مجرد انعكاس مقلوب للمرآة، حيث يتم استبدال "الشرقي البدائي" بـ"الغربي المتوحش"، أو "الاستبداد الشرقي" بـ"استبداد الحداثة". هذا التكرار للشيفرات الثنائية (خير/شر، أصيل/دخيل، متقدم/متخلف) يُبقي مركز الثقل الفكري في دائرة المركز، حتى ولو كان الغرض هو هدمه.

نرى هذا بوضوح في نماذج عديدة من الأدب السياسي العربي المعاصر، حيث أصبح "الغرب" شيطاناً مطلقاً في بعض الخطابات، بينما أصبح "الشرق" مثالية بريئة، وهو نفس النوع من التبسيط الذي مارسه الاستشراق الكلاسيكي حين جعل "الشرق" مهادناً حسياً أو مستبداً شرقياً. هنا يفشل الهامش في تجاوز أسر الثنائية، لأنه يظل يعرّف نفسه انطلاقاً من المركز (ضد المركز)، بدلاً من أن يعرّف نفسه انطلاقاً من كينونته المستقلة. حتى في أعمال مفكرين كبار مثل مالك بن نبي، الذي أسس لفكر الاستعمار القابل للاستعمار، نجد أنه لا يزال يمارس قراءة الغرب عبر مفاهيم الغرب نفسه (العقلانية، التقدم، الصناعة)، مما يوقع مشروعه في مفارقة القبول بمعايير المركز كنقطة مرجعية وحيدة للنجاح أو الفشل.

هذه "دائرة الانعكاس" هي المأزق الأصعب الذي يواجه الفكر الهامشي. فالهامش، لكي يمارس نقده للمركز، يحتاج إلى لغة المركز وفئاته، وهذا الاستعارة المنهجية تجعله عرضة للتناقض. كيف يمكن نقد العقلانية الغربية دون استخدام العقلانية ذاتها؟ كيف يمكن رفض الاستشراق دون الوقوع في فخ اختزال الآخر؟ الإجابة ليست في التخلي عن المعرفة الهامشية، بل في الوعي بهذه المفارقة ذاتها. إن التحرر الحقيقي لا يكمن في أن يصبح الهامش مركزاً جديداً (فهذا يعيد إنتاج الظلم)، ولا في أن يلغي نفسه في المركز (فهذا استسلام)، بل في تجاوز هذه الثنائية تماماً.

خاتمة: نحو أفق ما بعد الثنائي

إن مفهوم "الثقل الهامشي" يمثل إضافة نوعية لفلسفة المعرفة والنقد ما بعد الكولونيالي، لأنه يمنح الهامش فعالية وجودية وإبستمولوجية كانت مغيبة. إنه يعيد الاعتبار للخبرة الحية، وللتجربة اليومية المضطهدة، بوصفها مصدراً للمعرفة لا يقل قيمة عن المعرفة الأكاديمية المؤسسية. لكن هذا المفهوم لا يخلو من المزالق، وأبرزها مخاطر "الدائرة الانعكاسية" التي تبقيه رهيناً بآليات المركز حتى في لحظة تمرده.

ربما يكون الطريق نحو تجاوز هذه الدائرة هو ما نسميه بـ"التفكيك الإيجابي"، أي تفكيك ثنائية المركز/الهامش نفسها، والاعتراف بأن كل موقع هو مركز بالنسبة لذاته وهامش بالنسبة لذوات أخرى في آن واحد. العالم المعاصر، بعولمته وتشابكاته، لم يعد يحتمل تقسيمات جامدة؛ فالثقافات تتداخل، والمعارف تتزاوج، والهويات تتشكل في فضاءات وسطى. الثقل الهامشي، إذن، ليس سلاحاً لإحلال مركز بديل، بل هو أداة لتوليد تنوع معرفي، ومدخل إلى "عالمية متعددة المراكز"، حيث يمتلك كل موقع خبرته الفريدة، لكنه يظل منفتحاً على الآخر دون اختزاله أو أسطرته. بهذه الطريقة فقط، يتحول الهامش من مجرد موقع للاحتجاج على المركز، إلى مصدر لإغناء المعرفة الإنسانية جمعاء، مساهماً في بناء سردية كونية أكثر عدلاً وتعقيداً، تتسع لكل الأثقال المعرفية دون أن تسحق أحداً تحت وطأة ثقل آخر.

***

عبد السلام مسعودي

التعليم الذي نحتاج إليه هو التعليم الذي يدرب الشباب على خلق الفرص، وتحويل الخيال إلى واقع. الفرص التي نريد صناعتها، ليست موجودة فعلاً. والواقع الذي نتحدث عنه ليس موجوداً أيضاً، في العالم المادي، بل في الخيال والتصورات الذهنية. لكن المستقبل في حقيقته هو هذا الشيء: الواقع الذي ما زال في رحم الغيب... الأشياء التي نتخيلها، لكننا لا نستطيع لمسها في هذه اللحظة. التعليم الجيد هو الذي يزرع في أعماق عقل الطالب، أن القيمة الحقيقية تكمن في هذه الأشياء المتخيلة، وأن قيمته كإنسان رهن بانشغال ذهنه كلياً، في البحث عن الطرق التي تمكنه من تحويل ذلك الخيال إلى واقع. بكلمة موجزة: التعليم الذي نحتاج إليه هو الذي يقتلع التلميذ من دائرة الماضي والحاضر، ويلقي به في المستقبل المجهول، ويناديه: إن أردت النجاة فاصنع شيئاً لم تملكه من قبل.

الفارق بين التعليم المتخلف ونظيره المتقدم، بسيط جداً وواضح. في التعليم المتخلف يجري تأسيس الحاضر على صورة الماضي. أما نظيره المتقدم فهو يفكر في مستقبل لا نعرفه ولم نره. إنه يحفر في الحاضر، كي يستنبط شيئاً مختلفاً عنه.

هذه مفارقة جدية يصعب على رواد التعليم التقليدي تخيلها؛ لأن أذهانهم تأسست على فرضية فحواها أن كل جديد، ينبغي أن ينغرس أساسه في الموروث، فيكون امتداداً لشيء سابق. وكلما زادت صلة الجديد بالقديم، تعزز الاقتناع به وتحول من أمر محتمل إلى قطعي. وأريد هنا الاستشهاد برؤية المرحوم محمد عابد الجابري، الذي رأى أن المشكلة الكبرى في الثقافة العربية، هي كون العقل العربي قياسياً. بمعنى أنه يصنع مواقفه ويصوغ معارفه الجديدة، عبر إسقاط الماضي على الحاضر، أو إلحاق الجديد بالقديم. فما تناسب مع القديم فهو محقق، وما خالفه فهو مشكوك. بل يؤكد الجابري أن الهيمنة المطلقة لمنهج القياس، ليست حدثاً عابراً أو سقطة ظرفية، بل هي بنية حاكمة على رؤيتنا للطبيعة والحياة والسياسة والدين.

وفقاً للجابري فإن مفهوم الزمن والتطور في العقل القياسي، تراجعي وليس تقدمياً، فهو يجعل الكمال في الماضي، ويعتبره أصيلاً أو رمزاً للأصالة، ثم يضفي على وصف الأصالة وما يتصف بها، قيماً تبجيلية. ومن هنا يعتبر المجد والرفعة قرينين للتشبه بالأصل (أي الماضي). وكنتيجة لهذه القيمة الغريبة، تميل حركة الفكر إلى اتجاه دائري ملتصق بالمركز، أي الماضي، بدل أن تكون حركة خطية متصاعدة، ومتجهة إلى المستقبل.

- حسناً، كيف نحرر الأذهان من الحاضر والماضي ونطلقها في آفاق الخيال الرحيبة؟

- وكيف نزرع في الأذهان عادة النقد، أي التأمل والمساءلة لكل ما يواجهها من أفكار وأشياء، سواء كانت غريبة أو كانت عادية مألوفة، وسواء كانت مفتوحة للنقد أو كانت محمية بأسوار المنع والتحريم؟

يبدو لي أن السير في الطريق ليس سهلاً مثل الكلام عنه. نحن نروي قصص البطولات، من دون أن نتجرأ على خوض المعارك. كذلك الحال في ممارسة التخيل والتمرد على الواقع. إنني أطرح هذه الفكرة على القراء، وأنا واثق أن بعضهم لديه أفكار، تسد الثغرات التي تشير إليها هذه السطور. إن عرض الأفكار على الناس، هو الطريق السريع لتكميلها وتعميقها وكشف عيوبها ونواقصها. دعنا نفكر مثلاً في جعل البحث العلمي بديلاً عن الامتحانات السنوية في المدارس، أو دعوة الطلاب لكتابة قصص عما يتخيلونه من مشكلات في الواقع أو وراءه، وكيف يحللونها ويبتكرون طرقاً لحلها. وربما نطلب من تلاميذ الابتدائية أن يرسموا كل شيء يستطيعون تخيله كل يوم، لأن الذهن يسترجع المشاهدات والتخيلات من خلال الرسم والتلوين، ثم يعبر عن موقف الطفل من تلك المشاهدات. أو ربما نخصص ساعة يومية للنقاش بين الطلاب، في القضايا المطروحة على ساحة العلم والتقنية والاقتصاد والمجتمع، كي يتعلموا كيف ينظمون أفكارهم، وكيف يستفيد كل منهم من عقول الآخرين، وكيف يكتشفون عيوب آرائهم من دون أن ينفعلوا أو يستاءوا. هذه ستدربهم أيضاً على عدم الانبهار بالأسماء والعناوين البراقة، وعلى التحرر من هيمنة العقل الجمعي، بل وعلى كيفية التأثير فيه وتغيير مساراته.

زبدة القول أن التعليم المتقدم هو الذي يقتلع الشاب من حاضره ويأخذه للمستقبل. وبعكسه فإن التعليم المتخلف هو الذي يشده بكل وسيلة إلى الماضي، حتى يحوله إلى نسخة من أسلافه.

***

د. توفيق السيف

ليست كرة القدم مجرد لعبة تُحسم بنتيجة على لوحة إلكترونية، بل هي واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية قدرةً على كشف البنى العميقة للحضارات. ففي الملعب تتعرى الثقافات أكثر مما تتعرى في الخطابات السياسية، لأن ما يجري هناك ليس مجرد صراع بين أحد عشر لاعباً وآخرين، بل مواجهة بين طرائق مختلفة في التفكير والعمل وتنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة.

فمن يتابع المنتخب الإسباني لا يشاهد مجموعة من النجوم يسعون إلى صناعة المجد الشخصي، وإنما يشاهد كياناً يتحرك كما لو كان جسداً واحداً يمتلك عقلاً واحداً وإيقاعاً واحداً، حتى ليبدو أن الكرة نفسها تعرف مسبقاً إلى أين ستذهب.

وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها كثيرون. فالناس عادةً يبحثون عن سر الانتصار في اللاعب الموهوب أو المدرب العبقري أو اللياقة البدنية، بينما تكمن الحقيقة في مستوى أعمق: في الثقافة التي أنتجت ذلك الأداء الجماعي. فقبل أن تكون «التيكي تاكا» خطة تكتيكية، كانت فلسفة في النظر إلى الإنسان والعمل والمعرفة.

لقد تعودنا في ثقافتنا العربية على تمجيد البطل الفرد، حتى أصبح تاريخنا نفسه يُكتب غالباً باعتباره تاريخ أفراد استثنائيين: القائد الملهم، والشاعر الفذ، والفيلسوف العبقري، والمنقذ المنتظر. أما الحضارة الحديثة فقد اكتشفت منذ زمن أن الإنجازات الكبرى لم تعد ثمرة عبقرية فرد واحد، وإنما ثمرة ذكاء جماعي منظم، تتكامل فيه العقول والخبرات والمهارات داخل منظومة واحدة.

وهنا نستعيد إحدى أهم أفكار الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، الذي يرى أن العالم المعاصر لم يعد قابلاً للفهم بمنطق التجزئة والاختزال، لأن الظواهر الكبرى أصبحت مركبة بطبيعتها. ولذلك دعا إلى ما سماه «المنهج التركيبي»، الذي يقوم على وصل ما اعتدنا فصله، وربط العناصر المختلفة داخل شبكة من العلاقات المتبادلة. فالكل، في نظره، ليس مجرد مجموع أجزائه، بل يولد خصائص جديدة لا يمكن العثور عليها في أي جزء منفرد.

وهذه الفكرة الفلسفية هي بالضبط ما يجسده الفريق الناجح. فاللاعب الممتاز لا يصنع فريقاً ممتازاً بالضرورة، كما أن جمع أفضل الأفراد لا يؤدي تلقائياً إلى أفضل النتائج. إن القيمة الحقيقية تظهر عندما تتحول المهارات الفردية إلى شبكة من العلاقات الحية، فيصبح كل لاعب أفضل لأنه يعمل مع الآخرين، لا رغم وجودهم.

إنها فلسفة التكامل.

ولهذا لا يكون النجم الحقيقي في المنتخب الإسباني هو المهاجم أو صانع الألعاب، بل المنظومة كلها. فالتمريرة هناك ليست مجرد نقل للكرة، بل اعتراف عملي بأن زميلك يستطيع أن يكمل ما بدأتَه أنت. والثقة المتبادلة ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل شرط وجودي لاستمرار الفريق. أما الاستحواذ الشهير على الكرة، فلا يهدف فقط إلى الهجوم، وإنما إلى تنظيم الزمن نفسه؛ فالفريق الذي يمتلك الكرة يمتلك إيقاع المباراة، ومن يمتلك الإيقاع يمتلك القدرة على تشكيل المستقبل.

ولعل أجمل ما في فلسفة «التيكي تاكا» أنها نجحت في تحويل الأنانية إلى تعاون، والبطولة الفردية إلى بطولة جماعية. فاللاعب الذي يحتفظ بالكرة طويلاً يُعدُّ نقطة ضعف، أما اللاعب الذي يعرف متى يمررها فهو الذي يخدم الفريق. وهكذا تصبح التمريرة أكثر أهمية من المراوغة، والحركة بلا كرة أكثر قيمة أحياناً من الحركة بالكرة، لأن ما يصنع الانتصار ليس ما يفعله الفرد وحده، بل ما يتيحه للآخرين من إمكانات.

وهنا يلتقي الملعب مع الفلسفة.

لقد كتب موران أن الذكاء الحقيقي لا يقوم على امتلاك أكبر قدر من المعلومات، وإنما على القدرة على تنظيم العلاقات بينها. ويمكن القول إن الفريق الإسباني لا يمتلك لاعبين أكثر مهارة من بقية المنتخبات دائماً، لكنه يمتلك قدرة أعلى على تنظيم العلاقة بين اللاعبين. وهذه هي الثقافة قبل أن تكون الرياضة.

إن الفريق، بهذا المعنى، يشبه العقل البشري نفسه. فالعقل لا يعمل بعضو واحد، بل بشبكة هائلة من الخلايا العصبية، يفقد فاعليته إذا انقطعت الصلات بينها. وكذلك المجتمع، وكذلك الدولة، وكذلك الحضارة.

ومن هنا تبدو كرة القدم مختبراً مصغراً لفهم العالم.

فالنجاح فيها لا يتحقق بتضخم الذات، بل بتقليصها لصالح الكيان الأكبر. وكلما ارتفع منسوب الأنا انخفض مستوى الفريق. ولذلك فإن أكثر الفرق استعراضاً للمهارات الفردية ليست دائماً أكثرها قدرة على الفوز بالبطولات.

وليس غريباً أن تصبح هذه الفلسفة نموذجاً تحتذي به كبرى الشركات العالمية. فإدارة المعرفة اليوم تشبه كثيراً لعبة التمريرات القصيرة؛ إذ لم تعد المعلومات تُحتكر في مكتب المدير، وإنما تتدفق بسرعة بين الأقسام المختلفة، بحيث يصبح كل فرد منتجاً للمعرفة ومستفيداً منها في الوقت نفسه. كما أن القيادة الحديثة لم تعد تعني إصدار الأوامر، بل صناعة البيئة التي تسمح للآخرين بأن يبدعوا.

ولعل هذا هو المعنى الحقيقي لروح الفريق.

فروح الفريق ليست شعاراً أخلاقياً يعلق على الجدران، وإنما ثقافة كاملة تبدأ بطريقة التفكير وتنتهي بطريقة اتخاذ القرار. إنها تقوم على الاعتراف بأن كل إنسان يحمل جزءاً من الحقيقة، وأن الحقيقة الكاملة لا تظهر إلا عندما تتفاعل هذه الأجزاء معاً.

ولذلك فإن المجتمع الذي يقدس الفرد على حساب المؤسسة يظل أسيراً لعبقريات متفرقة، بينما المجتمع الذي يبني مؤسساته على التكامل يصنع حضارة قادرة على الاستمرار.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي للعرب أن يتأملوه ونحن نعيش أجواء مونديال 2026، الذي يشهد حضوراً عربياً غير مسبوق. فالقضية ليست في عدد المنتخبات المشاركة، ولا في نتائج المباريات وحدها، بل في قدرتنا على قراءة الدرس الحضاري الكامن وراء هذه اللعبة العالمية.

فالمونديال ليس مجرد احتفال رياضي، بل مدرسة كونية لتعلم النظام، والانضباط، واحترام القواعد، وقبول المنافسة، والعمل الجماعي، والاحتكام إلى القانون. إنه صورة مصغرة للعالم الحديث، الذي لم يعد يكافئ الأقوى جسداً بقدر ما يكافئ الأكثر قدرة على التعاون والتنسيق وإدارة التعقيد.

وهذا ما يجعل الرياضة أكثر صدقاً من كثير من الخطابات السياسية؛ لأنها تكشف الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون. ففي الملعب لا تنجح الشعارات، ولا تنفع الخطب، ولا تصنع الأوهام أهدافاً. وحده الأداء هو الذي يتكلم.

لقد كتب إدغار موران أن مستقبل البشرية يتوقف على قدرتها على تعلم التفكير المركب، أي التفكير الذي يرى العلاقات قبل الأشياء، والأنظمة قبل الأجزاء، والكل قبل التفاصيل. وربما لم يكن يقصد كرة القدم، لكن كرة القدم تقدم أوضح مثال عملي على هذه الفلسفة.

فالمنتخب الإسباني لا ينتصر لأنه يمتلك أفضل اللاعبين دائماً، وإنما لأنه نجح في تحويل أحد عشر لاعباً إلى عقل واحد، وجسد واحد، وروح واحدة.

وهنا يكمن سر الحضارة أيضاً.

فالحضارات لا تنهض عندما يكثر العباقرة، بل عندما تعرف كيف تجعل العباقرة يعملون معاً. ولا تنتصر الأمم لأنها تمتلك موارد أكبر، بل لأنها تحسن تنظيم مواردها البشرية داخل منظومة متكاملة. فالفارق بين المجتمع المتقدم والمجتمع المتأخر ليس دائماً في حجم الثروة أو عدد السكان، وإنما في نوعية العلاقات التي تربط أفراده ومؤسساته.

ولهذا يمكن القول إن روح الفريق ليست مجرد استراتيجية للفوز في مباراة، بل فلسفة للحياة نفسها. إنها انتقال من منطق «أنا» إلى منطق «نحن»، ومن عبادة الفرد إلى بناء المؤسسة، ومن التفكير الخطي البسيط إلى التفكير التركيبي الذي يجعل الكل أكبر من مجموع أجزائه.

ولعل هذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من إسبانيا، لا لأن نقلدها في أسلوب لعبها، بل لأن نفهم الفلسفة التي أنتجت ذلك الأسلوب. فالثقافات لا تستورد جاهزة، والحضارات لا تُشترى، وإنما تُبنى بالممارسة اليومية، وبالتربية، وبالمؤسسات، وبإيمان عميق بأن الإنسان لا يكتمل إلا بالآخر، وأن الفوز الحقيقي ليس انتصار لاعب على لاعب، بل انتصار العقل الجماعي على الفوضى.

إن المستقبل لن يكون للأكثر صخباً، ولا للأكثر ادعاءً للبطولة، وإنما للأكثر قدرة على العمل المشترك. وهذه هي الرسالة التي تهمس بها الكرة المستديرة في كل مباراة: أن الحضارة، مثل كرة القدم، ليست لعبة أفراد، بل فنُّ بناء الفريق.

***

ا. د. قاسم المحبشي

إن الدين كما الفلسفة كل منهما كان له دور فاعل في حياة الناس بشكلٍ عام، وكان للناس فضول التعلّق بكلا الطرفين لمعرفة تفسير العديد من المظاهر إن كانت طبيعية أو اجتماعية أو كونية.

حيث استطاع الدين أن يجيب على بعض الأسئلة، كما كان للفلسفة باعٌ البحث والإجابة عن أسئلةٍ عديدة، كانت تدور في خلد الإنسان في ذلك الوقت، حيث كانت الفلسفة وعن طريق الوسيلة العقلانية تنجح في إيجاد تفسيرات لظواهر مختلفة قبل ظهور الأديان، مثل الصين والهند واليونان، وبعد ظهور الأديان أيضاً.

ولم يقع الصدام بين الفلسفة والدين، إلآّ حينما تحوّل الدين إلى مجالٍ للسيطرة على الشعوب من خلال الكنيسة والسلطان.

حينها وقع الصدام الحقيقي بين الفلاسفة ورجال الدين، وليس بين الدين والفلسفة.

كانت وستبقى الحقيقة بمعناها الفلسفي هي التي يبتغيها الإنسان وبشكلٍ مطلق، ومنذ نشأته. وهي التي حرّضت العقل البشري لينشد المعرفة.

لذلك معظم المدارس والنظريات الفلسفية المختلفة والمتعارضة تعاطت مع المعرفة كنظرية بمجملها بكامل أبعادها وشروطها بدون أي تحديدٍ مُبهم لها.

ولأن النظريات الفلسفية كثيرة بقيت في حلقةٍ تدور حول نفسها، بسبب الخلاف فيما بينها.

حيث أن النظريات الفلسفية تماماً مثل النظريات الاقتصادية المختلفة، والنظريات التربوية والإعلامية المنتشرة في كل مكان.

إلاّ أن النظريات الفلسفية وخلافاتها جمعها بشكلٍ أو بآخر منعطف مهم في حياة البشرية ألا وهو التطور الحضاري والتاريخي الذي بدا بل بدأ في القرن الخامس عشر.

تلك القفزة صنّفت الوجود البشري إلى أن يتمثّل بالعالم القديم، وآخر يتمثّل بالعالم الحديث. أي بمفهومٍ آخر بين " الكوكبية " و" الكونية " أو بين مفهومي " وحدة المعرفة " وجزئية المعرفة ".

وهذا يعني بمفهومه الواسع والصريح بين " الدين " بمعناه العمومي والشامل، والذي يعني بأن الوجود غير مكتفٍ بذاته، وبين العلمانية أيضاً بمعناها العام والموضوعي، والذي يعني بأن هذا الوجود مُكتفٍ بذاته، وليس هناك أي حاجةٍ للإمتثال لأي مفهومٍ مختلف آخر.

ما حدث من تطورٍ في القرن الخامس عشر نستطيع أن نعبّر عنه بأنه ساهم وبشكلٍ فعلي في صناعة قطيعةٍ فلسفية ومعرفية مع العالم القديم، التي حكمت بشكلٍ فعلي على رؤية الإنسانية على مدى سنواتٍ طوال.

القرن الخامس عشر شهد ثورة الأفلاك السماوية، وثورة الفيزياء، وقانون الحركة وقانون الجاذبية في الكون.

ومنذ ذلك العصر ظهرت عدة مدارس وتيارات فلسفية وفكرية، تمثّلت بين نزعتين، الفلسفة المادية، العلمانية والواقعية والتجريبية من جهة، ومن جهةٍ أخرى الأديان الموروثة، وتُمثّلها مدارس الفلسفة المثالية.

ومن هذا المنطلق انقسمت البشرية بين التيارين، وأصبح الإنسان إمّا مُتشدّداً للدين ومتمسّكاً بالعالم القديم، أو منساقاً وراء العلمانية الموضوعية والعالم الجديد.

وهنا لعبت الفلسفة دوراً كبيراً، وظهر الخلاف الاجتماعي بين العلمانية والدين، في الوقت الذي كان فيه الخلاف فلسفياً فقط.

ومنذ تلك الآونة توسّعت وتركّزت الخلافات بين التناقض الفلسفي حول الثبات الديني " المكاني "، والحركية الزمانية العلمانية.

نعم تستطيع الفلسفة أن تلعب دوراً واضحاً في التغيير الاجتماعي، وذلك من خلال محورين:

إمّا إعتماد المكاني الديني والذي يمثّل أولوية عند بعض علماء الفلسفة والاجتماع أمثال ماكس فيبر وإيميل دوركهايم، أو إعتماد الزماني العلماني، بحيث يحدث التغيير الاجتماعي بحركية ذاتية وداخلية، والذي يُمثّل أولوية عند بعض علماء الاجتماع والفلسفة أمثال كارل ماركس وأوغست كونت.

تيارات الفكر الإسلامي بدأت باثارة الجدل المفتوح حول الاشكالية الدينية والوضع السياسي منذ زمن طويل، وكانت قناعتهم أن كل سلطة سياسية بحاجةٍ إلى غطاء ديني من الكاهن أو السلطان، بهدف ترسيخ وضعها السياسي بين بني البشر، وتثبيت أركان النظام، وهذه الثنائية مرت بعلاقاتٍ يحكمها الصراع تارة هادىء وتارة أشد قساوة.

فالحضارات القديمة مثل البابلية والفرعونية واليونانية والاغريقية وسواها، كانت الفكرة الدينية هي التي تحكمها، حيث كان الدين هو الذي يوجّه كل الأعمال في مختلف المجالات.

ومن خلال هذا الخلاف الفلسفي حول الهيكل الاجتماعي نتوصّل إلى مرحلة أخرى، تتمثّل بالمجتمع المدني، والمجتمع الديني.

طبعاً المجتمع الديني يرتبط بشكلٍ مباشر بالنبي المبعوث لهم، ومن خلاله يتم تنظيم العلاقات الاجتماعية، والضبط الاجتماعي، وفرضها على المجتمع من خلال " الوصايا العشر " المنتشرة في معظم الأديان، عبر كتبهم ومرجعيتهم، حيث دوّنت في كتاب التوراة بواسطة النبي موسى، وكذلك في كتب الأسفار عند المسيحيين، والتي دوّنت في كتاب الانجيل بواسطة المسيح، وأيضاً الرآن الكريم عند المسلمين بواسطة النبي محمد.

من الطبيعي أن نقول أن أهم تعريفات العلمانية بأنها العقلانية، والعلمية، وكل من العقلانية والعلمانية والليبرالية ارتبطت بنظريات التحديث، بهدف ضبط المفاهيم على أرضية الواقع.

أمّا المجتمع المدني فإنّه يعتمد ويقوم على جملة تحوّلات مهمةٍ وعميقة يفرضها التحدي المادي من كافة الجوانب إن كانت معرفية أو ثقافية أو اقتصادية وسياسية، أمام كل المجتمعات البشرية.

الواقع الذي يُشكّل أرضية معطاءة أمام العديد من المفكرين والفلاسفة والمثقفين للوقوف بتحدٍ والتصدي لها.

وهنا تبرز حقيقة أخرى، والخلاف على أو حول " الفضاء القيمي "، لقواعد الأخلاق بين الدين والفرد، وخلاف آخر يعتمد ويرتكز على جوهر علم النفس والفلسفة، وانقسام طبيعة النفس البشرية.

كل نظام اجتماعي حتّى يستقيم ويُشيد نظريته الاجتماعية، لا بُدّ له من الاعتماد وبشكلٍ مباشر على حقيقة وجوهر " الطبيعة البشرية "، آخذين بعين الاعتبار محوري الخير والشر والصراع بينهما، في نظريات علماء النفس والفلسفة، ومن خلال ذلك سنتمكّن من الوقوف عند أساس الخلاف الذي قيّم من يبني المجتمع الديني، أو من يبني المجتمع العلماني أو المدني.

النفس البشرية في المجتمع الديني ترتبط بسلبيات تمسّ تكوينها ونشأتها، حيث أن مجمل الديانات السماوية تتلاقى عبر مفهوم " الخطيئة الأولى " للإنسان، التي حدثت مع هبوط النبي آدم.

ومختلف المدارس الفلسفية والنفسية والاجتماعية تعتقد أن النفس البشرية على الدوام تميل لإشباع الغرائز لديها، ومن هذا المنطلق لا يمكن الوثوق بها، كمؤسّس يحكم القواعد التاريخية والأخلاقية في المجتمعات.

ومن جانب آخر فإن النفس البشرية في المجتمع المدني بإيجابيات نشوئها وتكوينها، ويمكن ضبطها من خلال قواعد البرمجة النفسية، وصولاً إلى القيمة المطلقة للفرد " الإنسان "، حيث مدارس ونظريات الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع، بدءً من " فرويد " إلى " لاكان "، تقدّم أو قدّمت الكثير من الوسائل التي من خلالها يمكننا من تفسير رؤيتها.

الخلاف بين العلمانية والدين له جوانب تدميرية بكل تأكيد.

العلمانية ترفض كل المفاهيم التي من شأنها إعاقة إكتمال الوجود المادي والموضوعي، كحاكمٍ للوجود الإنساني البشري.

كما نشأت تيارات منقسمة عن بعضها في الأساس، مثل:

العدمية المنفعلة التي تميل إلى التأمل والإبتعاد عن الواقع، وتتخذ شكلاً فلسفياً أو دينياً مثل فلسفة " شوبنهور "، أو الديانة البوذية.

والعدمية الفاعلة، والتي تحدّث عنها الفيلسوف " نيتشه "، ووصفها بالقوة المتعاظمة للإرادةِ والفكر، واتّشحت بمفهوم الصراع، الذي ساد المستوى الفلسفي والفكري، كما أوصى له " تشارلز دراون " وتشكّل حامية لرؤية بعض الأنظمة الشمولية، مثل " النازية " أو " الفاشية ".

أمّا الجانب الديني فقد رفض مفهوم " الوجود " لسلطة مهيمنة ومقيّدة للوجود، وهذا ما تسبب بنشوء رؤية " الحاكمية بأمر الله "، الذي حكم بالشرق من خلال الخليفة أو السلطان، وفي الغرب من خلال القدّيس، أو البابا، وانتشر هذا المفهوم في العصور الوسطى من خلال الدولة الدينية، والتي ذهب ضحيتها ملايين البشر إن في الغرب أو في الشرق.

وهذا الخلاف التدميري الذي تناولناه يعتمد على عدة أبعاد:

منها البعد الفلسفي، الذي يعتبر الخلاف الأكثر ثباتاً بينهما، والذي نشأ عنه خلافاً آخراً أو اجتماعياً، والذي تمثّل في الصراع الذي يفرض النظام الاجتماعي، بين رؤية المجتمع المدني، والمجتمع الديني. وبعد ذلك يأتي البعد السياسي، كبعدٍ آخر ويُتوّج الخلاف بين الدولة المدنية، والدولة الدينية.

ومع ذلك استطاعت المجتمعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية أن تتعامل مع مفهوم العلمانية والمجتمع المدني، بينما مجتمعات الشرق استمرت ممزّقة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية، ولا تزال.

يرى " دوركهايم " أن أي مجتمعٍ يحتاج إلى شيءٍ من التعبّد " دين "، كما يحتاج بنفس الوقت إلى مُثل عُليا، بهدف الاستمرارية بين " الدين " و" العلمانية "، أو الدين والمجتمع. وبيّن كيف أن الثورة الفرنسية ومن خلال مجتمعها تمكّنت من تحويل نقاط علمانية مثل الوطن والحرية والعقل، إلى أشياء مُقدّسة، وفتح المجال من خلال هكذا طرح إلى التساؤلات حول ماهيّة " الدين العلماني.

ويؤكّد " دوركهايم " بل يرى أن الطقوس الغريبة التي تُمارس تُترجم الحاجة البشرية لممارسة هكذا طقوس، إن كان على مستوى الأفراد أو الجماعة، ويمكن أن تكون هناك أسباب يعتمدها المؤمنون لتبرير تلك الطقوس، لكنها خاطئة.

لكن الحقيقة أو الأسباب الحقيقية تعود إلى علم الاجتماع، حيث لا توجد هناك ديانة خاطئة، وكلها صحيحة بأسلوبها الخاص، وبأساليب مختلفة، لشروطٍ تُمنح للعنصر البشري ووجوده.

دوركهايم من وجهة نظره يهاجم النظرية الحيوية والنظرية الطبيعانية، ويرى أنهما أخطأتا وخاصّة عندما نسبتا أصل المشاعر الدينية في الظواهر السيكولوجية " كا الأحلام " أو " كالعواصف والزلازل " في الخوارق الطبيعية، وقال (أن هذه النزعة السيكولوجية تفسّر إيمان الإنسان بالروح، كما لو أنه يعيش حلماً، وهذا المذهب يعتبر الدين مجرد وهم دون أي أساس واقعي في الحياة الاجتماعية).

ويؤكّد دوركهايم أن للأديان خصائص أساسية رغم تنوّعها، وأن كلّ المعتقدات تقوم على تصوّرات أساسية، وممارسة بعض الطقوس التي لها الدلالة الموضوعية لها.

مجتمعاتنا العربية أو الشرقية تعيش مأساة معرفية وثقافية وفكرية من الجانب الديني، حيث أن العديد من المنظّرين في مجتمعات الغرب يعتبرونها إنموذجاً ما كان له أن يُبنى إلاّ على موروثات الأديان، وآخرون يرونَ بأنه لا مناص لهذه المجتمعات من الانفكاك عن الإرث الديني، على خلاف المجتمع الغربي الذي خرج من هذه الحالة التي كانت تسيطر عليها الكنائس ومفهوم " المقدس "، وانطلق نحو الشخصية الإنسانية، وبناء المؤسسات والإعتماد على الواقع الاجتماعي دون الانفكاك عن الشعائر الدينية.

ويؤكّد الباحثون الشرقيون أن الملهاة المعرفية والثقافية والفكرية العلمانية عند الغرب، أنها تُمثّل خصوصية حضارية ما كان لها أن تستمر إلاّ من خلال تقويضها للعلمانية.

لكننا لو تعمّقنا أكثر نرى أنه في تراثنا الفكري والديني والمعرفي لوجدنا فيضاً من المفاهيم باستطاعتها أن تبنى من خلال وعينا وأفكارنا قصوراً من المعابد والمساجد والكنائس تتجاوز بهيبتها ما تراكم من بقايا حجارة الفكر والتاريخ والحضارات.

على الباحث في العلوم السياسية أن يتساءل بينه وبين نفسه، هل الإنسان هو مادة فقط؟.

وهل أصول الأخلاق والقوانين والعدل والعدالة محدودة أو مختصرة بالمادةِ ليس إلاّ؟.

إن السياسة والفلسفة السياسية وسيلة بهدف تحقيق المساواة والعدالة بين بني البشر، وهؤلاء الناس مبنّيون على زرع الأخلاق والفضيلة والوفاء، إمّا لأنها كذلك أو أنها وسيلة ما للتقرّب من خالقها " الله ".

وبكل تأكيد أن هذا التوجّه تحكمه العديد من المدارس الفلسفية والفكرية والتي تختلف حول النظرة إلى الأخلاق، وهذه القيم أساسها ما " ورائي " غير محدود بالمادة.

ومن بين هذه المدارس الفلسفية، وبشكلٍ دقيق الفلسفية الإلهية، والمدرسة الفلسفية المثالية، والمدرسة الفلسفية الإشراقية، إضافة إلى المدرسة الفلسفية دو النهج الديني، والتي تتفق بشكلٍ عام مع ما يعتقده المثاليون بأن نشأة الدولة يجب أن يكون مُبنيّاً على أفكار أخلاقية.

يقول " بوزانكيت " عن الدو لة، أنها تجسيد للفكرة الأخلاقية، وأن الأسرة والكنيسة تعدان كذلك مؤسسات أخلاقية هامة في المجتمع، ولكن الدولة هي أهم مؤسسة بين هذه المؤسسات، فهي تشمل بمعنى من معانيها على جميع المؤسسات الأخرى، إذا ما فُسّرت الدولة تفسيراً دقيقاً، فإنها تُعتبر منظومة معنوية تتوحّد من الناحية العملية مع المجتمع، وأن العدل بالنسبة للفرد يقوم على اكتشاف مكان المناسب في حياة المجتمع وعمله، وعلى أداء الوظائف المتصلة بذلك المكان، وأن الدولة لا غنى عنها لتحقيق أكمل نمو ورقي للشخصية البشرية، فالإنسان بالطبيعة كائن اجتماعي، ولأن الدولة هي منظمة المجتمع الفعالة لتحقيق غاية معنوية، وليس هناك تناقض حقيقي بين غاية الفرد وغاية الدولة، فغاية كليهما هي كمال الشخصية، وأن الدولة هي وجهة النظر الأخلاقية لا تعد غاية في ذاتها.

وإذا ما نظرنا إلى الدولة على هذا المنحى، نرى أن الدولة تصبح خير صديقٍ للإنسان، لهذا يقول المثاليون أن مفهوم الإنسان مقابل الدولة، هو مفهوم خاطىء تماماً.

وأن الفوضويين يرون في الدولة شرّاً خالصاً، كما الفرديين ينظرون إلى الدولة بأنها شرّ ضروري، وكلاهما يعجزان بالتالي فهم معنى الدولة الحقيقي.

كما أن المذهب الفلسفي الفردي لم يعد موجّهاً للنشاط البشري، فإن المثل العليا التي تقوم على أن يسمح لكل فرد بأن يعيش لذاته، قد أثبتت الأيام أنه مذهب مرفوض ومستحيل ومتناقض.

ويستمر الخلاف بين المدارس الفلسفية حول أصول القوانين والفضيلة التي تضمن العدالة وتحفظها، وعلى الدارس والباحث حول الممارسة السياسية أن يجد المحور الأوضح والأفضل بين كل هذه المدارس والاتجاهات الفلسفية المختلفة بهدف بناء صرحه القيمي والفكري وشخصيته المستقلة، وعلى ضوء ذلك يحدد المعايير الأساسية لأدائه السياسي بعد ذلك، ويحدد مساره بين:

الطريق المثالي، أو طريق الحكمة الإسلامية، أو الطريق الإشراقي الذوقي، أو الطريق الفلسفي الواقعي، أو الطريق الديني.

أمّا الإتجاه البراجماتي فقد أثبت فشله، علماً أنه أي التجربة البراجماتية الجديدة شدّت الأنظار إلى الماضي والحاضر والمستقبل، ونتيجة هذا الاتجاه اعطني من الكلمات ما يهديني إلى سواء السبيل، في الحياة العامة، إن كان ذلك في الصناعة أو الزراعة أو التجارة، هذا الاتجاه يحاول الفرار من قضية المعيار النظري كأمرٍ واقع لأي تصرف سياسي من خلال الهروب من الماهيّات إلى ما يجب أن يكون، فسلّط الضوء على الاستفادة معتبراً أنه المعيار الأصوب للحكم على المصداقية من عدمها، ولقد قال عنها " وليام جيمس ":

" ينأى بعيداً عن التجريد، وعن عدم الكفاية، ويعرض عن الحلول الكلامية وعن التعليلات القبلية الدرئية، وعن المبادئ الثابتة، وعن ضروب المطلق والأصول المزعومة، وهو يولي وجهه شطر الاستنادية والمحسوسة والكفاية، شطر الحقائق والوقائع، شطر العمل والأداء والمزاولة وشطر القوة ".

ومع الأسف صار الاتجاه البراجماتي يُمثّل من لا اتجاه له، أو اتجاه من يحاول أن لا يُثير في داخله النزاع بين الأخلاقية القيمية من ناحية، وبين حصيلة ما يدور من حوله من ممارسات تختلف كثيراً عن مبادئه، ومغايرة تماماً لمبادئه ونظريته، وبنفس الوقت لم يحل المشكلة بين المادي والقيمي، إنها محاولة فاشلة ساقها المادّيون لإنشاء إطارٍ مشترك يضم الجميع دون الاعتبار أو المساس بالنظرية الفكرية أو الهوية الفلسفية والإختلاف الفلسفي، فهو إطار مادّي ليس إلاّ.

إن الاضطراب والتضارب الفلسفي الذي يشمل المسائل الفلسفية للعهد القديم والحديث لا يتوافق مع الاعتماد الكلي للفلاسفة على العقل وتقديسه باعتباره المنقذ الأوحد للإنسانية والبشرية جمعاء.

وهذا يُشكّك في المنطلقات الفلسفية ومصداقيتها، بل وينعكس سلباً، ويؤثّر بشكلٍ مباشر ويؤدي إلى تشظّي النفس وحيرة العقل.

خلال السنوات الأخيرة، بل قبل نصف قرن مضى، تابعنا انبهاراً بالفلسفة يطفو بشكلٍ متسارعٍ في أوساط الشباب ذكوراً وإناثاً، وثقتهم بها، واعتبارها سبباً رئيسياً في التقدم والخروج من بوتقة التخلف الحضاري، ووسيلة أساسيّة لعلاج التعصّب والتحجّر الفكري.

وبعضهم تبنّى الحديث بأن السبب الجوهري لنشوء الفكر التكفيري لدى جماعات العنف هو غياب مادة الفلسفة في مدارسنا وجامعاتنا، لكنهم تناسوا أن معظم البلاد العربية تُدرّس مادة الفلسفة في جامعاتها وفي مدارسها الثانوية، وهناك أقسام متخصصة للفلسفة منذ سنواتٍ طوال، ولم يمنع ذلك من نشوء وتطور الحركات المتطرفة دينياً والتكفيرية في المنطقة.

إن الوضوح يؤكّد بأن الفلسفة لم تختلف أو تتعارض مع الإيمان، فكل منهما يروم إلى الحق والحقيقة، وكلاهما يقصد سعادة النفس البشرية، والإنسانية جمعاء، ولا ننكر بأنه وقع خلاف بين الفلاسفة ورجال الدين، أي ليس بين الفلسفة والدين، وبعض من الفلاسفة كان لهم مفهوماً آخراً للدين وليس كل الفلاسفة.

إن الفلسفة بمفهومها المجمل تُمثّل القدرة العقلية على التفكير النقدي ضد الوهم والخرافة، وهنا تلتقي مع الدين، كما أن الدين يمنحك القدرة على العيش المشترك والتعايش، وكذلك هي الفلسفة في مفهومها، والدين يطلب منك أيضاً أن تُمرّر تعاليمه على عقلك، كي تستقر في قلبك كيقين، وهنا يكون دور الفلسفة عقلياً.

ومع ذلك لا يزال رجال الدين الموازي يضيقون ذرعاً بالفلسفة ورجالها الفلاسفة، لأنها تكشف زيف أباطيلهم.

قال " ديكارت " في كتابه " مبادئ الفلسفة "، " إن الفلسفة وحدها هي التي تُميّزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وإنما تُقاس حضارة الأمّة وثقافتها بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ولذلك فإن من أجل نعمة ينعم الله بها على بلدٍ من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. ".

هناك عوامل كثيرة يلتقي فيها الدين مع الفلسفة، بحيث لا نستطيع أن نقول أو نتّهم الفلاسفة بالإلحاد، فهناك طرق كثيرة لمعرفة الخالق، ومنها طريق الفلسفة، وكلا الطرفين أي الدين والفلسفة يقوم بدوره الإيجابي في الأخلاق والمعرفة الإنسانية.

وهذا مع الأسف لا يدركه بعض المتدينين، وفي أمور كثيرة تقوم الفلسفة بالإجابة عن الأسئلة التي لم يتوصّل العلم للإجابة عليها، وهنا تلتقي الفلسفة مع الدين عندما يجيب عن الأسئلة الماورائية.

ومن جانبٍ آخر ولأن الفلسفة تعني الحكمة، وبنفس الوقت كل الأنبياء ملكوا هذه الخاصيّة، والقرآن الكريم لم يتحدث عن نبي إلاّ وذكر الحكمة معه.

والآن الإنسانية بمجملها بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الدين والفلسفة.

الفيلسوف المفكّر " محمد أركون يقول:

" إن الإنسان لا يمكن أن يعيش بلا دين، وهذا ما يقوله علم الأنتروبولوجيا، ولكن يجب أن يُدرك المتديّن أن هذا الدين له تجلّياته وتحولاته. والفلسفة أيضاً لها دور تنويري للقلب وللعقل أيضاً، لتنتشلهما وتنقذهما من التديّن المزيف، وتخلّص الإنسان من قيود الدين الموازي الفارغ إنسانياً، والمهزوم أيضاً عقلانياً ".

في عام 1784 طرحت صحيفة ألمانية على الفلاسفة سؤالاً: ما التنوير؟.

فكانت إجابة الفيلسوف كانط:

" التنوير هو خروج الإنسان من القصور الذي ارتكبه في حقّ نفسه، من خلال عدم استعماله لعقله إلاّ بتوجيه إنسانٍ آخر ".

وبذلك يتحرر الإنسان من التبعية للآخرين.

وعندما بدأ التنوير مشواره، تمت مقاومته من المؤسسات الدينية، التي استغلّت المجتمع المكبوت والمقيّد بأباطيل رجال الدين ضد الفلاسفة التنويريين، ولقد أطلق الفيلسوف الإيطالي " جيوردانو برونو " على هذا الفهم إسم " الجهل المقدّس ".

ولم يغضب حينما حكمت عليه الكنيسة آنذاك بالموتِ حرقاً بسبب أفكاره التنويرية، ولكن الشيء الذي أحزنه أن عجوزاً جاءت وألقت بخشبةٍ بالنار، وحينما سُئلت لماذا فعلتِ ذلك، قالت: إنه أمرٌ من الكنيسة.

فقال لها: اللعنة على الجهل المقدّس.

الأمر ذاته تكرر أيضاً في حادثة إغتيال " فرج فودة " بسبب أفكاره التنويرية، حينما قام القاضي بتوجيه سؤالٍ إلى القاتل:

هل قرأت كتب فرج فودة؟.

فجاءه الرد من القاتل:

أنا لا أقرأ ولا أكتب.

أيضاً إنّه الجهل المقدّس ذاته.

لعلّ ابن تيمية شيخ التيار السلفي يتحمّل مسؤولية الخصومة مع الفلسفة، واعتبر الفلسفة علماً ليس بنافع، كما سبقه إلى ذلك أبي حامد الغزالي الذي صمّم الإطار للخصومة بين الدين والفلسفة، وقبل ابن تيمية بثلاث قرون، وهو الذي قسّم الفلسفة إلى ثلاثة أصناف:

الملاحدة، واعتبرهم زنادقة - الطبيعيون، أنكروا البعث والحساب واعترفوا بوجود إله - الإلهيون - مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو.

لكنه كفّرهم كلهم وأتباعهم مثل الفارابي وابن سينا.

وبالتالي قام ابن رشد ودافع عن الفلسفة وردّ على الغزالي في كتابه المعروف " تهافت التهافت " وأكّد على التوفيق بين الدين والفلسفة، وقال:

إن التعارض بين الدين والفلسفة وهم.

وقال أيضاً:

الحق لا يُضاد الحق.

بكل تأكيد إن الفلاسفة ليسوا بمجملهم في سلّة واحدة فيما يخصّ محور الإيمان، وبنفس الوقت لم يكن علماء المسلمين ملمّين بقراءة كافية وواحدة للفلسفة، لذا كانت هناك حملة على الفلسفة والفلاسفة، ولم يتمكّن أيّاً منهم من الاعتماد على نصٍ قرآني يمنع الرؤية العقلانية والفكر الحر.

ابن سينا عرفه العرب بأنه فيلسوف، وحاول التوفيق بين الدين والفلسفة، لكنه فشل، لأن الكهنوت الإسلامي اعتبره زنديقاً، وآخرون اعتبروه " قصير النظر والرؤية ".

في التراث اليوناني نجد فيلسوفاً حكيماً " أبيقور " قال:

إن الفلسفة هي نشاط يوصلنا إلى الحياة السعيدة، عن طريق الأدلّة العقلية والبراهين الاستدلالية ".

أي أنّه أكّد على أهمية الدقّة في الملاحظة لإقامة الدليل العقلي.

وصدق أرسطو حينما قال قولاً حكيماً " إنما الدهشة هي الأم التي أنجبت الفلسفة ".

قال كانط: " إن الإنسان مخلوقٌ ناقص، بالنسبة للكمال الإلهي، ولو كنّا نعرف بالعقل كل شيء وندرك كنه الحقائق الدينية والدنيوية، لما أرسل الله إلينا الرسل بالوحي. وبسبب قصوره وعجزه جاء الوحي ليرشده ويهديه، وإذا قلنا من أودع فينا العقل؟، أليس الله؟، إذاً الإثنين مصدرهما واحد، وهو الله، فكيف لهما أن يكونا متضادين ويتصارعان ! ".

وعلى هذا الأساس نستطيع أن نتأكد بأن السبب الأساسي في الخلاف بين الفلسفة والدين يعود إلى منشأ القضايا الفلسفية من الإنسان.

وبالعودة إلى أساس الدين وصحيح الدين، والعقل الفطري أو سليم العقل، غير المشوّه أو المشوّش، نستطيع أن نتوصّل إلى إجابات كافية وشافية عن كلّ التساؤلات التي نتوقّف عندها من خلال الوحي، وبنفس الوقت من خلال العقل.

إنّ إشكالية العلاقة المتبادلة بين الدين والفلسفة ستبقى محوراُ فاعلاً للجدل والنقاش ما لم يتم تحديد بداية معنى المصطلحات، هذه العلاقة ستبقى مثيرة للحوار، وستبقى الإشكالية بين الطرفين قائمة وتتميّز بالحلول المفتوحة، وكأننا نقول ونتساءل:

أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة. !.

إن العلمانية والعولمة السائدة في العالم تشكّل محوراً قد يكون متمثّلاً في تحدي قيم الدين من خلال نشر ثقافات مختلفة تأخذ منحى يمسّ الفكر والثقافة، وهذا أتاح أيضاً للدين أن يُعيد حساباته من خلال توظيف أدواتٍ تقنية، ممّا أتاح أمام الدين إنفتاحاً على الفلسفة والعلوم الأخرى كي يواكب المسيرة الحياتية للبشرية، لأن النظرية الدينية لا يمكنها التواصل مع هكذا واقع دون أن تحتك معه عبر التفاعل الإيجابي، وعلاقة العقلانية بالدين والعلمنة، لذا صارت موضع مراجعات وجعلها أكثر تركيباً وتعقيداً من الرؤية أو النظرة البسيطة لدقائق الأمور التي سادت طويلاً.

إن الرؤى تشهد صعوداً واضحاً لقصور العقل البشري الإنساني، وهذا الواقع يتطلب من الفكر الإسلامي النظر والاجتهاد لإعادة بناء أفكار وآراء وتصورات في غاية الدقة وعميقة حول إشكالية حقيقية تواجه الإنسان ومستقبله على هذا الكوكب الذي يعني البشرية جمعاء، تصورات تنطلق من الربط الجازم بين العقل والوحي والعلمانية والدين.

العلمانية انطلقت من الغرب، وعندما وصلت إلى بلادنا سرعان ما تبنّت النخب الفكرية والسياسية العلمانية وحوّلتها إلى شكلٍ من أشكال الصراع على خلفية الكفاح والنضال ضد الاستعمار، والعمل على تحرير أراضينا المحتلة.

وبعد التحرر من الاستعمار الخارجي، تحالفت أنظمة ما بعد الاستقلال مع هذه القوى، لكنها سرعان ما بدا عليها الوهن بسبب هشاشة دولة ما بعد الاستقلال.

في الوقت الذي كانت فيه المجتمعات متمسكة بقيمها وثوابتها، فنشأ الصراع المباشر بين السلطة الفوقية والمجتمع، أو مع الدين، فنعت الشعب الدولة بأنها ضد الدين أو رافضة للدين، لذلك تمسكت الدول بسلاح العلمنة كعقيدة سياسية وكفاحية ضد الغير، ولتشويه سلطة رجال الدين.

لذلك نرى أنه لا بدّ من المشاركة والتعايش لبناء دولة المواطنة، والدولة المدنية، ودولة الإنسان المسلم وكل مكونات المجتمع، دولة المؤسسات التي تعني دولة الوطن الواحد، دولة القانون والدستور الضامن، دولة الاعتراف بأن الله هو مصدر السلطات، دولة تحرير الإنسان من العبودية والقمع، دولة الإنسان الحر، من خلال:

- هوية الإنسان.

- التعددية المدنية.

- قبول الآخر.

- إحياء ثقافة التسامح.

- الحرية.

- المشاركة السياسية.

- التداول السلمي للسلطة.

كافة القيم لدينا تأتي من خلال العقل المنفتح لقيم إنسانية دائمة، مع مشاركة الأديان بما بالإمكان أن تقدمه في مجال القيم والأخلاق، بهدفٍ وحيدٍ أصيل هو التضامن والتعايش تحت مظلة الإنسانية.

***

د. أنور ساطع أصفري

قراءة أنثروبولوجية في جدلية الانتماء والولاء

في قلب كل مجتمع، تتصارع الهويات بين الانتماء الطائفي والهوية الوطنية، وكأنها خيوط متشابكة في نسيج واحد يصعب فكه. من منظور أنثروبولوجي، لا تُفهم الهوية باعتبارها مجرد بطاقة تعريف أو انتماء شكلي، بل هي منظومة معقدة من الرموز والطقوس والذاكرة الجمعية التي تحدد كيف يرى الفرد نفسه وكيف يراه الآخرون. الطائفة تمنح الإنسان شعورًا بالدفء والانتماء إلى جماعة صغيرة متماسكة، بينما الوطن يفتح أمامه أفقًا أوسع للانتماء إلى جماعة سياسية وثقافية أكبر. لكن هذا التداخل ليس دائمًا متناغمًا؛ ففي كثير من الأحيان يتحول إلى توتر وصراع، حيث يشعر الفرد أنه ممزق بين ولاءاته الطائفية وواجباته الوطنية.

الأنثروبولوجيا، كعلم يدرس الإنسان في سياقاته الثقافية والاجتماعية، تكشف لنا أن الهوية ليست ثابتة، بل هي عملية مستمرة من التفاوض وإعادة البناء. في المجتمعات المتعددة الطوائف، يصبح سؤال الهوية سؤالًا سياسيًا بامتياز: هل يُعرّف الفرد نفسه أولًا كعضو في طائفة أم كمواطن في دولة؟ وكيف تؤثر الدولة في إعادة تشكيل هذا التوازن عبر سياسات الدمج أو الإقصاء؟ إن دراسة هذه العلاقة لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، بل تمتد إلى البلقان، إفريقيا، وحتى أوروبا، حيث لعبت الانقسامات الطائفية دورًا في إعادة رسم الخرائط السياسية والاجتماعية.

في زمن العولمة، تتضاعف التحديات؛ فوسائل الإعلام والهجرة والاقتصاد العالمي تعيد صياغة الانتماءات وتفتح الباب أمام هويات هجينة، لا هي طائفية خالصة ولا وطنية صافية. هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على جذوره الطائفية دون أن يفقد انتماءه الوطني؟ وكيف يمكن للوطن أن يستوعب تعددية الطوائف دون أن يتفتت؟

هذه المقدمة تضعنا أمام إشكالية معقدة، لكنها ضرورية لفهم ديناميات المجتمعات الحديثة: الهوية بين الطائفة والوطن ليست مجرد قضية نظرية، بل هي واقع يومي يحدد شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية، ويؤثر في استقرار الدول ومستقبلها.

مفهوم الهوية

حين نتأمل الهوية من منظور أنثروبولوجي، ندرك أنها ليست مجرد بطاقة تعريف أو انتماء شكلي، بل هي عملية معقدة تتشكل باستمرار عبر الثقافة واللغة والدين والانتماء الاجتماعي. الهوية هنا ليست ثابتة، بل هي كيان حي يتغير مع الزمن، يتأثر بالذاكرة الجمعية، ويعيد إنتاج نفسه عبر الطقوس اليومية والرموز التي يتداولها الناس في حياتهم.

الأنثروبولوجيا تكشف أن الهوية هي في جوهرها سردية؛ قصة يرويها الفرد عن نفسه، وقصة ترويها الجماعة عنه، وقصة يفرضها الوطن عليه. الثقافة تمنح هذه السردية إطارها الرمزي: الأغاني الشعبية، الأمثال، العادات، وحتى الطعام، كلها عناصر تُعيد إنتاج الانتماء وتُرسّخ شعورًا بالخصوصية. اللغة بدورها ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي أداة لتحديد من ينتمي ومن لا ينتمي، فهي تحمل في طياتها ذاكرة جماعية وتاريخًا مشتركًا. أما الدين، فيُعيد تشكيل الهوية عبر الطقوس والرموز المقدسة، ويمنح الفرد شعورًا بالانتماء الروحي الذي يتجاوز حدود الجغرافيا.

لكن الهوية لا تُبنى فقط عبر الثقافة والدين، بل أيضًا عبر الانتماء الاجتماعي. الفرد يتعلم منذ طفولته أن يرى نفسه جزءًا من جماعة، سواء كانت طائفة صغيرة أو وطنًا كبيرًا. هذا الانتماء يُحدد موقعه في العالم، ويمنحه شعورًا بالمعنى والهدف. ومع ذلك، فإن هذا الانتماء ليس دائمًا متناغمًا؛ فقد يجد الفرد نفسه ممزقًا بين ولاءاته الطائفية وواجباته الوطنية، بين جذوره الثقافية وأفقه العالمي.

من هنا، يصبح مفهوم الهوية في الأنثروبولوجيا أداة لفهم ديناميات المجتمعات: كيف يُعاد إنتاج الجماعة عبر أفرادها، وكيف يُعاد تشكيل الفرد عبر جماعته. الهوية ليست سؤالًا عن "من نحن؟" فقط، بل أيضًا عن "كيف نصبح ما نحن عليه؟"، وهي في النهاية عملية تفاوض مستمرة بين الماضي والحاضر، بين الطائفة والوطن، وبين الخصوصية والانفتاح.

الهوية الطائفية

حين نتناول الهوية الطائفية من منظور أنثروبولوجي، فإننا ندخل إلى عالم شديد التعقيد، حيث تتداخل الرموز والطقوس والذاكرة الجمعية لتشكيل شعور عميق بالانتماء. الطائفة ليست مجرد جماعة دينية أو اجتماعية، بل هي فضاء رمزي يحدد للفرد من هو، ويمنحه إطارًا يفسر من خلاله العالم من حوله.

الرموز هنا تلعب دورًا محوريًا؛ فهي ليست مجرد علامات بصرية أو لغوية، بل أدوات لإعادة إنتاج الهوية عبر الأجيال. شعار الطائفة، أماكن العبادة، وحتى الألوان والملابس، كلها تتحول إلى علامات فارقة تُرسّخ شعورًا بالخصوصية والتميّز. هذه الرموز تُعيد إنتاج نفسها في الوعي الجمعي، وتصبح جزءًا من ذاكرة مشتركة تُغذي الانتماء وتُرسّخ التضامن الداخلي.

أما الطقوس، فهي المسرح الذي تُعرض فيه الهوية الطائفية بشكل حيّ. الاحتفالات الدينية، المناسبات الاجتماعية، وحتى طقوس العبور مثل الزواج أو الجنائز، كلها لحظات تُعيد فيها الطائفة تأكيد وجودها وتماسكها. الطقوس ليست مجرد ممارسة دينية، بل هي فعل اجتماعي يُعيد إنتاج الجماعة ويُرسّخ شعور الفرد بأنه جزء من كيان أكبر منه.

الذاكرة الجمعية بدورها تُشكّل العمود الفقري للهوية الطائفية. فهي تحفظ قصص الأجداد، لحظات الاضطهاد أو الانتصار، وتُعيد سردها في كل جيل لتُرسّخ شعورًا بالاستمرارية. هذه الذاكرة ليست مجرد تاريخ، بل هي سردية تُستخدم لتفسير الحاضر وتوجيه المستقبل، وتُعطي الطائفة إحساسًا بأنها ليست مجرد جماعة عابرة، بل كيان ممتد عبر الزمن.

من خلال هذا التداخل بين الرموز والطقوس والذاكرة، تُبنى الهوية الطائفية كجدار صلب يعزز التضامن الداخلي. الفرد يجد في الطائفة دفئًا وانتماءً، والجماعة تجد في الفرد استمرارًا لوجودها. لكن هذا التضامن، رغم قوته، قد يتحول إلى انغلاق، حيث يصبح الانتماء الطائفي أحيانًا أقوى من الانتماء الوطني، ويُعيد إنتاج حدود غير مرئية بين "نحن" و"هم".

بهذا المعنى، الهوية الطائفية ليست مجرد شعور داخلي، بل هي منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، وتُشكّل أحد أهم عناصر التوازن أو التوتر في علاقة الفرد بالوطن.

الهوية الوطنية

الهوية الوطنية، كما يراها علم الأنثروبولوجيا، ليست مجرد شعور بالانتماء إلى أرض أو دولة، بل هي مشروع حديث نشأ مع ظهور الدولة القومية في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثم انتقل إلى بقية العالم عبر الاستعمار وحركات التحرر. هذه الهوية لم تكن موجودة بالشكل الذي نعرفه اليوم في المجتمعات التقليدية، حيث كان الانتماء يُعرّف أساسًا عبر القبيلة أو الطائفة أو القرية. لكن مع نشوء الدولة الحديثة، أصبح الوطن هو الإطار الجامع الذي يُعيد تعريف الفرد باعتباره مواطنًا أولًا، قبل أي انتماء آخر.

الهوية الوطنية تُبنى عبر السرديات الكبرى التي تصوغها الدولة: تاريخ مشترك يُدرّس في المدارس، لغة رسمية تُستخدم في الإعلام والإدارة، رموز وطنية مثل العلم والنشيد، وأحداث تأسيسية تُروى كقصص بطولية. هذه العناصر ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل أدوات لإنتاج شعور بالوحدة بين مواطنين يختلفون في خلفياتهم الثقافية والدينية والاجتماعية. الدولة القومية هنا تعمل على تحويل التنوع إلى وحدة، وعلى جعل الفرد يرى نفسه جزءًا من جماعة سياسية أكبر من طائفته أو قبيلته.

لكن هذا المشروع ليس دائمًا سلسًا؛ ففي كثير من الحالات، تواجه الهوية الوطنية تحديات حين تكون الطوائف أو الجماعات المحلية أكثر رسوخًا في وجدان الناس من فكرة الوطن. هنا يظهر التوتر بين الانتماء الخاص والانتماء العام: هل يُعرّف الفرد نفسه أولًا كعضو في طائفة، أم كمواطن في دولة؟ الأنثروبولوجيا تكشف أن هذا السؤال ليس نظريًا، بل هو واقع يومي ينعكس في الانتخابات، في السياسات العامة، وحتى في الحياة الاجتماعية.

الهوية الوطنية إذن ليست مجرد شعور داخلي، بل هي بناء اجتماعي وسياسي يُستخدم لتوحيد الجماعة، لكنه قد يُستخدم أيضًا كأداة للسيطرة أو الإقصاء. فهي تمنح الفرد حقوقًا وواجبات، لكنها في الوقت نفسه تُعيد رسم حدود الانتماء وتُحدد من هو "داخل" الجماعة الوطنية ومن هو "خارجها". بهذا المعنى، الهوية الوطنية هي مشروع دائم التفاوض، يتأرجح بين الوحدة والتعددية، بين الشمول والإقصاء، وبين الماضي الذي يُروى كذاكرة مشتركة والمستقبل الذي يُصاغ كحلم جماعي.

التوتر بين الطائفة والوطن

حين نقترب أنثروبولوجيًا من العلاقة بين الطائفة والوطن، نجد أنفسنا أمام أحد أكثر التوترات تعقيدًا في المجتمعات الحديثة. فالانتماء الطائفي يمنح الفرد شعورًا بالدفء والخصوصية، ويُعيد إنتاج ذاكرة جمعية تُرسّخ التضامن الداخلي، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق حدودًا غير مرئية تفصل بين "نحن" و"هم". أما الانتماء الوطني، فيسعى إلى تجاوز هذه الحدود عبر بناء هوية جامعة، لكنه كثيرًا ما يصطدم بصلابة الهويات الطائفية التي تسبق الدولة في الوجدان والتاريخ.

هذا التداخل بين الطائفة والوطن يمكن أن يظهر في شكل صراع مباشر، كما في حالات الحروب الأهلية حيث تتحول الطوائف إلى كيانات سياسية تنافس الدولة على الشرعية والسلطة. وقد يظهر أيضًا في شكل توتر صامت، حيث يعيش الفرد ازدواجية الانتماء: فهو مواطن في دولة، لكنه في الوقت نفسه عضو في طائفة تُحدد له أولوياته وقيمه. هذه الازدواجية تُلقي بظلالها على الاستقرار السياسي والاجتماعي، إذ قد تُضعف الولاء الوطني وتُعزز الانقسامات الداخلية.

من منظور أنثروبولوجي، الهوية هنا ليست مجرد شعور داخلي، بل هي أداة تُستخدم في الصراع على السلطة. الطائفة قد تُوظف رموزها وذاكرتها لتأكيد استقلاليتها، بينما الدولة تُعيد إنتاج سردياتها الوطنية لتأكيد وحدتها. هذا الصراع الرمزي يُترجم في الواقع إلى سياسات، انتخابات، وحتى نزاعات مسلحة. وفي المقابل، هناك مجتمعات استطاعت أن تُحوّل هذا التوتر إلى تداخل إيجابي، حيث تُدمج الطوائف داخل الهوية الوطنية كجزء من التعددية، فيصبح الانتماء الطائفي عنصرًا يُغني الهوية الوطنية بدل أن يُقوّضها.

إن التوتر بين الطائفة والوطن ليس مجرد إشكالية نظرية، بل هو واقع يومي يحدد شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية. فهو يقرر مدى قدرة الدولة على الاستقرار، ومدى قدرة المجتمع على التعايش. ومن هنا، يصبح فهم هذا التوتر ضرورة لفهم ديناميات الهوية في العالم المعاصر، حيث لا يمكن الفصل بين الطائفة والوطن إلا عبر معالجة عميقة تُوازن بين الخصوصية والانتماء المشترك.

أمثلة أنثروبولوجية مقارنة

حين ننظر إلى تجارب المجتمعات المختلفة، ندرك أن الهوية الطائفية لعبت أدوارًا متباينة في تشكيل أو تقويض الهوية الوطنية. هذه الأمثلة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي شواهد أنثروبولوجية على كيفية تفاعل الطائفة والوطن في ظروف اجتماعية وسياسية متغيرة.

في الشرق الأوسط، يظهر التوتر بين الطائفة والوطن بشكل صارخ. في لبنان مثلًا، الهوية الوطنية لم تستطع أن تتجاوز الانقسامات الطائفية، حيث تحولت الطوائف إلى كيانات سياسية لها حصصها في السلطة، مما جعل الدولة نفسها انعكاسًا للتوازن الطائفي أكثر من كونها إطارًا جامعًا للمواطنة. في العراق، بعد سقوط النظام المركزي، برزت الطوائف كفاعلين رئيسيين، وأصبح الانتماء الطائفي في كثير من الأحيان أقوى من الانتماء الوطني، وهو ما انعكس في الصراعات الداخلية وأضعف مشروع الدولة الحديثة.

في البلقان، لعبت الهويات الدينية والعرقية دورًا محوريًا في تفكيك يوغوسلافيا. هنا، الهوية الطائفية لم تكن مجرد انتماء ثقافي، بل تحولت إلى أداة سياسية لتبرير الانفصال والحروب الأهلية. السرديات الطائفية أعادت إنتاج ذاكرة جماعية مليئة بالاضطهاد والتمييز، مما جعل من الصعب بناء هوية وطنية جامعة. النتيجة كانت دولًا جديدة، لكن على أنقاض وحدة وطنية لم تستطع الصمود أمام قوة الانتماءات الطائفية.

أما في إفريقيا، فقد واجهت الدول الحديثة تحديًا مختلفًا، حيث تداخلت الهويات القبلية مع الهوية الوطنية. في رواندا مثلًا، الانقسام بين الهوتو والتوتسي لم يكن مجرد اختلاف اجتماعي، بل تحول إلى صراع دموي أودى بحياة مئات الآلاف، وأثبت أن الهوية الوطنية الوليدة لم تستطع أن تحتوي الانتماءات القبلية العميقة. في نيجيريا، التعددية الدينية والعرقية خلقت توترات مستمرة بين الشمال المسلم والجنوب المسيحي، مما جعل الهوية الوطنية دائمًا في حالة تفاوض هش.

هذه الأمثلة تكشف أن الهوية الطائفية ليست مجرد عنصر ثقافي، بل هي قوة اجتماعية وسياسية قادرة على إعادة تشكيل الدول أو تفكيكها. الأنثروبولوجيا هنا تُظهر أن التوازن بين الطائفة والوطن ليس أمرًا بديهيًا، بل هو مشروع دائم التفاوض، يتأرجح بين الوحدة والانقسام، بين التضامن الداخلي والولاء الوطني.

دور الدولة في إدارة الهويات

الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري أو إطار قانوني، بل هي فاعل رئيسي في تشكيل الهوية الوطنية وإعادة تعريف علاقة الفرد بجماعته. من منظور أنثروبولوجي، الدولة تُمارس سلطتها عبر أدوات رمزية وسياسية، فهي التي تُقرر من هو المواطن، وما هي حقوقه وواجباته، وكيف يُعاد إنتاج الانتماء الوطني في مواجهة الانتماءات الطائفية أو القبلية.

في كثير من المجتمعات، تعمل الدولة على دمج الطوائف داخل الهوية الوطنية عبر سياسات الاعتراف والتعددية، فتُقرّ بحقوق الجماعات الدينية أو الثقافية، وتُتيح لها التعبير عن خصوصيتها ضمن إطار المواطنة. هذا النموذج يُحوّل الطائفة إلى عنصر يُغني الهوية الوطنية بدل أن يُقوّضها، ويُعيد إنتاج الانتماء الوطني كفسيفساء متعددة الألوان.

لكن في حالات أخرى، تلجأ الدولة إلى الإقصاء أو التهميش، حيث تُحاول فرض هوية وطنية أحادية تُقصي الطوائف أو تُضعف حضورها. هنا تتحول الهوية الوطنية إلى أداة للسيطرة، وتُصبح الطائفة في موقع مقاومة أو رفض، مما يُعمّق التوتر بين الانتماء الطائفي والانتماء الوطني. هذا النموذج كثيرًا ما يؤدي إلى صراعات داخلية، إذ يشعر الأفراد أن الدولة لا تمثلهم، بل تُحاول محو خصوصياتهم.

الأنثروبولوجيا تكشف أن الدولة ليست محايدة في إدارة الهويات، بل هي طرف فاعل يُعيد إنتاجها عبر التعليم، الإعلام، القوانين، وحتى الرموز الوطنية. فهي التي تُقرر أي سردية تُدرّس في المدارس، وأي لغة تُستخدم في الإعلام، وأي طقوس تُعترف بها رسميًا. بهذا المعنى، الدولة تُعيد تشكيل الهوية باستمرار، وتُحدد حدود الانتماء الوطني، وتُقرر من هو "داخل" الجماعة الوطنية ومن هو "خارجها".

إن دور الدولة في إدارة الهويات هو إذن دور مزدوج: فهي قادرة على أن تكون جسرًا للتعددية، أو أداة للإقصاء. نجاحها في هذا التوازن يحدد مدى استقرار المجتمع، ومدى قدرة الهوية الوطنية على الصمود أمام قوة الانتماءات الطائفية. ومن هنا، يصبح فهم سياسات الدولة في التعامل مع الهويات ضرورة لفهم مستقبل العلاقة بين الطائفة والوطن.

الهوية في عصر العولمة

مع دخول العالم عصر العولمة، لم تعد الهوية محصورة في حدود الطائفة أو الوطن، بل أصبحت فضاءً مفتوحًا يتأثر بالهجرة والإعلام والاقتصاد العالمي. الأنثروبولوجيا تكشف أن هذه التحولات لم تُضعف الهويات التقليدية بقدر ما أعادت صياغتها في أشكال جديدة، هجينة ومتداخلة، تجمع بين المحلي والعالمي في آن واحد.

الهجرة، على سبيل المثال، تُعيد تشكيل الانتماءات بشكل جذري. الفرد الذي يغادر طائفته أو وطنه يجد نفسه أمام تحدي مزدوج: الحفاظ على جذوره الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه الاندماج في مجتمع جديد. هنا تظهر هويات مركبة، حيث يصبح الإنسان مواطنًا عالميًا يحمل في داخله ذاكرة طائفية ووطنية، لكنه يعيش واقعًا متعدد الثقافات. هذه التجربة تُعيد تعريف معنى الانتماء، وتجعل الهوية أكثر سيولة وأقل صلابة.

أما الإعلام، فقد لعب دورًا ثوريًا في إعادة إنتاج الهوية. القنوات الفضائية، وسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية جعلت الطائفة قادرة على التواصل عبر الحدود، والوطن قادرًا على بث سردياته إلى الخارج. لكن الإعلام أيضًا فتح الباب أمام منافسة سردياتية: الطائفة تُعيد إنتاج خطابها الخاص، والوطن يُحاول فرض روايته الجامعة، بينما الفرد يتنقل بينهما في فضاء رقمي لا يعترف بالحدود الجغرافية.

الاقتصاد العالمي بدوره أعاد رسم خريطة الانتماء. الشركات متعددة الجنسيات، الأسواق المفتوحة، وحركة رأس المال جعلت الفرد يشعر أنه جزء من شبكة اقتصادية عالمية تتجاوز الطائفة والوطن. هذا الانتماء الاقتصادي الجديد يُعيد تشكيل الهوية، حيث يصبح الاستهلاك والوظائف العابرة للحدود جزءًا من تعريف الذات، إلى جانب الانتماءات التقليدية.

في زمن العولمة، إذن، لم تعد الهوية مجرد علاقة بين الطائفة والوطن، بل أصبحت علاقة ثلاثية يدخل فيها العالم كفاعل جديد. الفرد اليوم يعيش في فضاء متعدد الانتماءات، حيث الطائفة تمنحه جذورًا، والوطن يمنحه إطارًا سياسيًا، والعالم يمنحه أفقًا اقتصاديًا وثقافيًا. هذا التداخل يُعيد طرح السؤال الأنثروبولوجي الأساسي: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على خصوصيته الطائفية والوطنية، وهو في الوقت نفسه جزء من مجتمع عالمي لا يعترف بالحدود؟

مستقبل الهوية بين الطائفة والوطن

حين ننظر إلى مسار الهوية عبر الطائفة والوطن، ندرك أن هذه العلاقة ليست ثابتة ولا نهائية، بل هي مشروع دائم التفاوض يعكس ديناميات المجتمعات الحديثة. الهوية الطائفية تمنح الإنسان جذورًا ودفئًا وانتماءً إلى جماعة صغيرة متماسكة، بينما الهوية الوطنية تسعى إلى بناء إطار جامع يتجاوز الانقسامات ويُعيد إنتاج الانتماء المشترك. لكن التوتر بينهما ظل حاضرًا، يتجلى أحيانًا في صراعات دامية، وأحيانًا في توازن هش، وأحيانًا أخرى في اندماج إيجابي يُغني الهوية الوطنية بتعددية الطوائف.

الأنثروبولوجيا تكشف أن المستقبل لن يكون حسمًا لصالح أحد الطرفين، بل هو إعادة صياغة مستمرة للعلاقة بينهما. في زمن العولمة، حيث الهجرة والإعلام والاقتصاد العالمي يعيدون تشكيل الانتماءات، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن الحفاظ على الخصوصية الطائفية دون أن تتحول إلى انقسام، وكيف يمكن للوطن أن يستوعب التعددية دون أن يفقد وحدته؟

الاستشراف هنا يقودنا إلى رؤية مزدوجة: من جهة، ضرورة الاعتراف بالتعددية كجزء من الهوية الوطنية، ومن جهة أخرى، ضرورة بناء سرديات وطنية قادرة على احتواء هذه التعددية دون إقصاء. فالمستقبل لن يكون لطائفة منعزلة ولا لوطن أحادي، بل لهوية هجينة، مرنة، قادرة على التكيف مع التحولات العالمية، وفي الوقت نفسه متجذرة في خصوصياتها المحلية.

بهذا المعنى، الهوية بين الطائفة والوطن ليست مجرد قضية نظرية، بل هي سؤال وجودي يحدد شكل المجتمعات واستقرارها. والجواب عليه لن يكون في اختيار أحد الطرفين، بل في القدرة على صياغة توازن جديد يُعيد تعريف معنى الانتماء في عالم يتغير بسرعة.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

من التراجيديا القديمة إلى الخوارزميات الرقمية    

 لم تكن الكراهية يوماً شعوراً عابراً، بل هي جزء من البنية الوجودية للبشر؛ فمنذ فجر التاريخ، تشكلت المجتمعات غالباً على أساس التمييز بين "نحن" و"هم"، ولعل أبرز نماذج الكراهية في التاريخ القديم تظهر في الصراعات بين الممالك والقبائل حيث كانت "كراهية الآخر" تُوظف لتبرير الغزو أو تعزيز الهوية الوطنية، كما حدث في الحروب بين المدن اليونانية المتنافسة، حيث كان الآخر دائماً هو "البربري" الذي يجب إقصاؤه. وفي الأدب العالمي، وجدنا أن الكراهية لم تكن مجرد عاطفة، بل كانت موضوعاً تشريحياً لدى فيودور دوستويفسكي الذي استعرض أبعادها في رواياته رواية "الشياطين" (The Devils / Demons): تُعد هذه الرواية المختبر الأكبر لتشريح الكراهية السياسية والأيديولوجية؛ حيث يصور دوستويفسكي كيف تتحول الكراهية تجاه المجتمع، والقيم، والآخر المختلف إلى أداة تدميرية تغذيها الأفكار العدمية. الشخصيات هنا تكره العالم لدرجة الرغبة في تحطيمه بالكامل، مما يجسد كيف يمكن أن تصبح الكراهية "عقيدة" جماعية   رواية "الإخوة كارامازوف" (The Brothers Karamazov): في هذه الرواية، نجد كراهية من نوع آخر؛ كراهية أسرية وشخصية عميقة. العلاقة بين "فيودور كارامازوف" وأبنائه، وخاصة "ديمتري"، مشحونة بكراهية وجودية متبادلة، حيث تمثل الكراهية هنا صراعاً بين الروح والمادة، وبين الغريزة والضمير. كما أن شخصية "سميردياكوف" تجسد كراهية "العبد" تجاه "السيد"، وهي كراهية باردة ومنظمة تهدف إلى الانتقام  وفي رواية "رسائل من تحت الأرض" (Notes from Underground): يغوص بطل الرواية "الإنسان الصرصار" في تحليل نفسي مذهل لكراهيته للآخرين ولنفسه في آن واحد. كراهيته تنبع من شعور بالدونية الممزوج بالتعالي، وهي حالة من "الاستثمار العاطفي السلبي" حيث يتلذذ البطل بكراهيته للعالم كنوع من التمرد على قوانين الطبيعة والمجتمع التي يراها جائرة. وفي رواية "الجريمة والعقاب" (Crime and Punishment): رغم أن "راسكولنيكوف" يرتكب جريمته بناءً على نظرية فكرية، إلا أن جوهر صراعه النفسي يقوم على كراهية عميقة للطبقية والظلم الاجتماعي، وهي كراهية تبرر له في البداية نفي وجود "الآخر" (المرابية) كخطوة أولى نحو إثبات ذاته "كإنسان متفوق  بينما قدم "ألبير كامو" الكراهية كنوع من العبث والقنوط تجاه العالم، في حين قدم "إلياس كانيتي" في "الكتلة والسلطة" صورة للكراهية كوقود للجماهير يغذيها الطغاة للبقاء في السلطة، مما يجعل الأدب مرآة تعكس كيف تتحول الكراهية إلى حالة وجودية متأصلة  مما يجعل هذه الروايات مدرسة أدبية تتقاطع مع الرؤى الفلسفية. تظل الكراهية، من منظور فلسفي، حالة وجودية ومعرفية معقدة تتجاوز كونها مجرد شعور عابر؛ فهي تمثل محاولة لنفي حرية الآخر ووجوده كذات، كما تعد فشلاً في الاعتراف المتبادل الذي يُعد أساساً للوعي الذاتي، و"استثماراً عاطفياً سلبياً" يستنزف طاقة الفرد ويجعله أسيراً لمن يكره. ورغم أن الكراهية تاريخياً قد تُستخدم كأداة لحشد الجماهير، إلا أن الفلسفة تحذر من كونها "عائقاً أمام الحكمة"؛ إذ تحجب الحقيقة وتستبدلها بأوهام تجعل التغيير مهدداً بالتحول إلى دوامة من العنف والظلم. وفي سياق هذه المناقشة، يمكن تصنيف الكراهية فلسفياً إلى ثلاثة أبعاد أساسية: أولاً، المنظور الوجودي، حيث يرى سارتر أن الكراهية هي رغبة في تحطيم "حرية" الآخر ونفي وجوده. ثانياً، المنظور الاجتماعي، حيث يرى هيغل أنها قطيعة نهائية لـ "الاعتراف المتبادل"، مما يغلق باب التفاهم ويحول الآخر إلى عدو. ثالثاً، المنظور الأخلاقي، حيث يصفها سبينوزا بكونها انفعالاً يقلل من قدرة الإنسان على الوجود ويجعله أسيراً لإرادة خارجية. وفي العصر الرقمي، تطور مفهوم الكراهية ليصبح أكثر تعقيداً وخطورة؛ فقد تحولت من فعل إنساني مباشر إلى "صناعة" خوارزمية تخدم أجندات سياسية واقتصادية، وتفاقم الأمر بفضل "فقاعات الفلتر" التي تعزز الانغلاق الذاتي وتمنع الاعتراف بالآخر المختلف. ومع أن التكنولوجيا ليست "الفاعل" الأساسي في هذا الشعور الإنساني، إلا أنها تعمل "كمضخم" يوفر بيئة خصبة لتضخم النوازع البشرية. من هنا، تبرز ضرورة ملحة للتدخل القانوني؛ حيث يمثل الربط بين اللوائح الصارمة والمواثيق الأخلاقية المسار الأكثر واقعية لضبط هذه المعضلة. إن هدف هذا التنظيم ليس إلغاء شعور الكراهية بحد ذاته، فهو نابع من الذات البشرية، بل منع تحويل هذا الشعور إلى هيكل تقني منظم يهدد الاستقرار الاجتماعي ويحرم الآخر من حقه في الوجود والحوار.

***

ئاريان علي  

يوم توفّي المفكّر المجري جورج لوكاش في العام 1971، لم أكن قد قرأت له أي شيء، سوى بعض النُتف السلبية التي وردت في المطبوعات السوفيتية، لكن ما لفت انتباهي لاحقًا هو كتاب "ثلاث وجوه للثورة" للمؤلف الفرنسي – البرازيلي ميشيل لوي، الذي ترجمه جورج طرابيشي في العام 1980.

استعدت في ذاكرتي ما كُتب عنه باعتباره تحريفيًا، وانحاز إلى الثورة المضادة في العام 1956، وأصبح وزيرًا للثقافة في ظلّ الحركة التي قادها إمري ناج، والتي سحقتها الدبابات السوفيتية، وأُعدم عدد من قادتها. واضطر لوكاش للهرب إلى يوغوسلافيا، وبعد فترة قضاها في المنفى، عاد بصدور عفو عنه مراعاة لمكانته الفكرية، ولكنه التزم الصمت حتى وفاته، واستمرّ خارج دائرة الضوء.

لاقت محاولات تجديد الماركسية وتحديثها وعصرنتها موقفًا معارضًا من التيّار السائد بحجّة الحفاظ على نقاوتها وتقديس نصوصها، وكان ستالين قد أوقفها على تعليماته التي يصدرها باسم الكومنترن "المركز الأممي"، الذي انحلّ في العام 1943، لكن ذلك لم يمنع من وجود إرهاصات أولية ومحاولات أولى للتجديد، ومن تلك المحاولات كانت تنظيرات جورج لوكاش.

حاول لوكاش منذ وقت مبكّر، أن يُقدّم قراءات توليدية تأويلية للماركسية، خارج سياق التيّار الحزبوي؛ وقد ظلّ كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" الذي صدر في العام 1923 شبه مفقود أو غير معروف لنا عربيًا، على أقل تقدير، حتى ترجمه د. حنّا الشاعر في العام 1979 بعد ترجمة أولى سبقته.

تناول لوكاش ما أسماه "الماركسية الأصيلة"، أي "زبدة" المنهج الماركسي وقوانينه الأساسية، كما بحث استنادًا إلى ماركس الترابط بين الوعي والواقع، وبين النظرية والممارسة، إذْ لا يكفي أن يتّجه الفكر نحو الحقيقة، بل إن الحقيقة ينبغي أن تتجه إلى الفكر أيضًا.

ومن مساهمات لوكاش الأساسية دراساته النقدية الخاصة ﺑ "علم الجمال الماركسي"، كما قدّم مساهمات جليلة لدراسة الواقعية والواقعية المعاصرة، والعلاقة بين الوجودية والماركسية، مبتعدًا عن تنظيرات جدانوف والجدانوفية الأوامرية البيروقراطية، تلك التي قامت على ما سمّى ﺑ "الواقعية الاشتراكية"، والتي سادت في الفترة الستالينية بشكل خاص والتي ظلّت تُبسط ظلالها على الكثير من النتاجات الفكريّة والثقافية.

وقد ترجم لنا الياس مرقص كتابه "تحطيم العقل" في العام 1980 – 1981، كما ترجم لنا بديع عمر نظمي كتابه "التاريخ والوعي الطبقي" في العام 1984، وقام جورج طرابيشي بترجمة كتابه "ماركسية أم وجودية" في العام 1998، وبذلك اكتملت، إلى حدّ ما، صورة لوكاش المفكّر، بعيدًا عن الأغراض الحزبوي.

وفي كتابه "أنطولوجيا الكائن الاجتماعي" أعاد تركيب المفاهيم الماركسية، حيث مثّل جهدًا لإضفاء نزعة إنسانية وجمالية عليها من خلال الأدب السياسي والفلسفي الكلاسيكي، ولاسيّما في ميدان الثقافة والفن والأدب.

وحاول لوكاش أن ينفض الغبار الذي علق بالفكر الماركسي في روسيا، التي شهدت تخبطات فكرية بعد وفاة لينين، حيث أطلق ستالين على اللينينية، وهي نظرية الثورة الروسية "ماركسية عصرنا" في محاولة لتعميم النموذج، في حين كان لوكاش يُشدّد على الخصوصية والتنوّع وعدم وجود موديل واحد، ففي الاختلاف تنبجس الحقيقة. وانطلاقًا من ذلك ابتدع فكرة "الماركسية الأوروبية"، بتأكيده أن المعرفة لا تنضب، مثلما هو الواقع لا ينتهي، وإنّ الأمر يحتاج إلى ملاءمة.

ويبدو أن مصطلح الماركسية الأوروبية الذي نحته لوكاش وجد صداه لاحقًا، خصوصًا في فترة احتدام الخلافات بين الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والأحزاب الشيوعية الفرنسية والإيطالية والإسبانية التي برزت في ستينيات القرن المنصرم، تلك التي رفضت البراديغم السوفيتي، وقد سبقها انتفاضة المجر العام 1956، التي تشبّثت بالخصوصية، وانتفاضة تشيكوسلوفاكيا العام 1968، التي عُرفت بربيع براغ، والتي دعت إلى اشتراكية ذات وجه إنساني بقيادة ألكسندر دوبشيك.

لقد طوّرت الأحزاب الشيوعية الأوروبية نظرية التحوّل الاجتماعي الأكثر مناسبة لأوروبا الغربية، والأساس النظري لها كتابات أنطونيو غرامشي، التي انتقدت فئوية اليسار وشجّعته على تشكيل تحالفات اجتماعية لتحقيق إصلاحات من خلال التدرّج والطريق السلمي عبر المؤسسات الديمقراطية القائمة، أي رفض الطريق العُنفي للوصول إلى الاشتراكية، وذلك في نزوع استقلالي عن المركز الأممي السوفيتي، ولم يكن ذلك بعيدًا عن أفكار لوكاش.

كما تأثّرت مدرسة فرانكفورت بلوكاش، ولاسيّما كتابه المهم "التاريخ والوعي الطبقي"، حيث لقيتْ مناظراته مع جان بول سارتر اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا إزاء النزعة الإنسانية، وأضفت تلك المناظرات بشأن الوجودية نزعة انفتاحية على آرائه.

ولعلّ من المستحيل حسب جورج لوكاش معالجة معضلة المادية التاريخية دون دراسة مؤسس الديالكتيك، ويعني به هيغل وعلاقة ماركس بفلسفته، وبهذا المعنى لا يمكن  وقف الماركسية على ماركس، فهذا يعني إيقاف نقد التاريخ أو نقده بأدوات تجاوزها الزمن، وهو ما كان ماركس شديد الانتباه له، لاسيّما بتخالقاته التي جعلت الجدل أساسًا للتطوّر، فما بالك اليوم ونحن في الطور الرابع من الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، ذلك أن مهمة التنظير تقتضي نقد الفكر السائد والكشف عن عيوبه ومثالبه في إطار فهم حيوي، فلم يعد الاستشهاد بماركس أو إنجلز وفيما بعد لينين كافيًا، خصوصًا حين يُساق لأهداف أخرى وفي مجال غير مجاله في أحيان ثانية.

تلك هي محنة لوكاش... تلك هي محنة المفكّر

***

عبد الحسين شعبان

مقدمة: يُعدّ الخذلان أحد أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، إذ لا يقتصر أثره على لحظة الانكسار الآني، بل يمتد ليُعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. وفي سياق تتكاثر فيه الأقنعة الاجتماعية وتتآكل القيم العاطفية، يغدو الوجع ذاته مرجعًا وجوديًّا، ويصبح اليقين حالة نادرة يُلجأ إليها لا بوصفها خيارًا، بل ضرورة نفسية ومعرفية. ومن هنا تتبدّى جغرافيا الخذلان بوصفها فضاءً داخليًّا يتشكّل من الانكسارات المتراكمة، ويُعاد رسم حدوده مع كل تجربة فقدٍ أو خيبة.

أولًا: الخذلان كخبرة وجودية

لا يمكن مقاربة الخذلان بوصفه حدثًا عابرًا أو شعورًا مؤقتًا، بل هو تجربة وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآخر. فالخذلان لا ينشأ من العدم، بل من التعلّق، ومن توقّع الحماية أو الاحتواء، وحين ينكسر هذا التوقّع، يتحوّل الألم إلى وعيٍ حادٍّ بالهشاشة الإنسانية. عند هذه النقطة، يصبح الوجع لغة داخلية، ومرجعًا يُقاس به صدق العلاقات وعمقها.

ثانيًا: العزلة بوصفها استجابة نفسية

أمام ضجيج البشر وتكاثر أقنعتهم، يلجأ الفرد إلى العزلة لا بدافع التعالي أو الرفض، بل كآلية دفاعية تحمي ما تبقّى من سلامه الداخلي. هذه العزلة ليست انسحابًا سلبيًّا، بل إعادة تموضع نفسي، حيث يعيد الإنسان ترتيب أولوياته العاطفية، ويُقلّص دوائر الثقة، ويبحث عن معنى أقل ضجيجًا وأكثر صدقًا. وهنا، تتحوّل الوحدة من فراغ مؤلم إلى مساحة تأمّل ونجاة.

ثالثًا: الهروب إلى الآخر بوصفه يقينًا

في خضم هذا الانسحاب غير الإرادي من العالم، قد يجد الإنسان نفسه يهرب إلى شخصٍ بعينه، لا لأنه الأقرب جغرافيًّا، بل لأنه الأكثر طمأنينة. هذا الهروب ليس ضعفًا، بل اختيار فطري لليقين في عالم متقلّب. فحين تُمسك يدٌ ما بضعف الأصابع بدل أن تتركها تسقط، يتشكّل معنى جديد للاحتواء، ويتحوّل الآخر إلى ملاذ نفسي، لا يُطلب منه الكمال، بل الصدق والثبات.

رابعًا: الاصطفاء العاطفي ومعناه

إن اصطفاء القلب لشخصٍ واحد من بين العالمين ليس فعلًا عبثيًّا، بل نتيجة تراكمية لتجارب الخذلان السابقة. فالقلب، بعد أن يرهقه الفقد، لا يعود كريمًا في اختياراته، بل دقيقًا وحذرًا. ومن هنا، يصبح الاصطفاء العاطفي تعبيرًا عن نضج وجداني، لا عن انغلاق؛ إذ يختار الإنسان من يستطيع أن يرى ضعفه دون أن يستغله، وأن يحتوي ألمه دون أن يُنكره.

خاتمة

إن جغرافيا الخذلان ليست خريطة للانكسار بقدر ما هي سجلّ للتحوّل الإنساني. ففيها يتعلّم الفرد أن الوجع قد يكون معلّمًا، وأن اليقين لا يُمنح للجميع، وأن النجاة أحيانًا تكمن في يدٍ واحدة تُمسك بنا حين يفلت العالم. وبهذا المعنى، لا يصبح الخذلان نهاية الطريق، بل بدايته الأكثر صدقًا نحو فهم الذات واختيار الآخر.

***

بقلمي: ربى رباعي/ الاردن

كنتُ سألتُ (ذا القُروح) في المساق السابق:

ـ لماذا ظلَّ العَرَب في تخلُّفٍ مطَّرد، خلال قرنٍ واحدٍ، وغيرهم استمرُّوا في تقدُّم مطَّرد، أو في أسوأ الأحوال في سكونٍ وثباتٍ على ما هم عليه؟!

ـ والَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ

حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ!

تلك مسألة مركَّبة، ذات أدواء بنيويَّة، داخليَّة وخارجيَّة. فيروسها الأوَّل: الاستسلام للتآمر العالمي على العقل، وأوَّل رايات هذا الاستسلام تبعيَّة العقل- الفردي والجماعي- للآخَر، إنْ صحَّ وصف ما في الرأس، وهو بتلك الصِّفة، بـ«العقل»، «وبعضُ العَقْلِ عُقَّالُ»!

ـ ولعلَّ من أسباب نقص المناعة الثقافيَّة الذاتيَّة، بصفةٍ عامَّة، التي تفتح النوافذ والأبواب لذلك الاستسلام، أنَّ ثقافتنا ظلت ثقافة كلاميَّة مِرائيَّة.

ـ هي كذلك. انظر- على سبيل النموذج- إلى معظم فعاليَّاتنا الثقافيَّة، في وطننا العَرَبي، ستجدها نظريَّة غير منتجة حضاريًّا.

ـ وهي مسيَّسة غالبًا.

ـ تمامًا. التنوير، العلمانيَّة، الأصوليَّة، السلفيَّة، الفلسفة، ضد الفلسفة، قصيدة النثر، الشِّعر «العمودي»، الحداثة، التُّراث... وكلُّها خطابات استهلاكيَّة، يتلهَّى بها العُربان منذ مئة عام!

ـ بل قل منذ ألف عام.

ـ منذ مئة عام ازداد السُّعار، وما شهِدنا إلَّا بما علِمنا. يُناكِف أتباع تلك الأحزاب بعضهم بعضًا، مستهلكين الطاقات في ما لا يُسمِن ولا يُغني من جوع، ولا يُغيِّر من الواقع قيد أنملة! على حين أنَّ الثَّورة الصناعيَّة هي التي أنتجت الحضارة الحقيقيَّة في الغرب. وهو ما أدركتْه بعض الأُمم الآسيويَّة، وعلى رأسها (اليابان)، فلم تنشغل بالمؤتمرات التي لا أوَّل لها ولا آخِر حول التنوير، والعلمانيَّة، والأصوليَّة، والسلفيَّة، والفلسفة... إلخ؛ لتعيد صناعة العجلات من جديد. بل بدأت من حيث انتهى الآخرون، مع المحافظة على مكتسبات التُّراث؛ فكانت تلك الأُمم كما أرادت، وأثبتت التحدِّي على مسرح العصر.

ـ بل أكثر من ذلك، لقد بقيت معظم النُّظُم الفكريَّة والاجتماعيَّة هناك على حالها القديم، ومهما بدت بدائيَّة.

ـ على حين يبدو أنَّ العَرَب سيرتعون في اجترار مؤتمراتهم السالف ذكرها إلى أبد الآبدين؛ فلا هُم أنتجوا تنويرًا ولا هم صنعوا صناعة.

ـ أمَّا في شأن اللُّغة والثقافة تحديدًا، فحدِّث ولا حرج!

ـ وفي مقابل الحال الآنف وصفها، وأمام أولئك الممسوخين المستلَبين المستعبَدين للآخَر، لغةً وثقافة، جماعاتٌ أخرى من المتشدِّدين، الذين لا يقلُّون إضرارًا بالعَرَبيَّة؛ بتحويلهم إيَّاها إلى جنادل من الحجارة، أو عجين هجين، لا هو عَرَبي ولا أعجمي. ليس بتجميدها في الماضي فحسب، بل أيضًا بتخريط مولَّدها، ومصطلحها، ودخيلها، في خريطةٍ واحدة، ظاهرها عَرَبي، وباطنها بلا هوية.

ـ مثلًا.

ـ خذ مثالًا من إصرار بعضهم على إلباس الكلمات الأجنبيَّة، بل التي هي من قبيل المصطلحات العلميَّة عباءة (أبي جهل) و(أبي لهب)!

ـ مع أنها عباءة قديمة لا تليق بها!

ـ وليست على مقاساتها، مضحِّين بالكلمة العَرَبيَّة قبل الكلمة الأجنبيَّة. مثال هذا كلمة (خارطة)، التي ليست بكلمة عربيَّة الأرومة، بل أصلها باللَّاتينيَّة (خارتا Charta). وتعني رُقعة وَرَقيَّة أو نحوها، مرسومة عليها صورة الأرض، أو صورة جغرافية ما. جمعها: خارطات.(1) فماذا فعل العُربان المحدَثون، لله دَرُّهم؟ سَمَّوها، لله دَرُّهم: (خريطة). مع أنَّ الخريطة معروفة عند العَرَب، ولها معنى آخَر، لا علاقة له بالموضوع، من قريب ولا بعيد، بل الخريطة كيس، أو وعاءٌ من جلد، أو من قماش. ارتبطَ في المجتمعات العَرَبيَّة إمَّا بالطَّحين، أو بالمتسوِّلين، الذين يحملون خرائطهم لملئها بما يجدون، أو يجود عليهم به الناس. ولن تجد كلمة (خريطة) في الشِّعر الجاهلي ولا في صدر الإسلام. وفي العصر الأموي، قال (الفرزدق)(2)، مشيرًا إلى متسوِّلٍ يتلقَّط في خريطته ما قسمه الله:

أُسَيِّدُ ذُو خُرَيِّطَةٍ نَهَارًا

مِنَ المُتَلَقِّطِي قَرَدَ القُسَامِ

حتَّى إنَّ (أبا بكر محمَّد بن جعفر بن محمَّد بن سهل الخرائطي)، المتوفَّى 327هـ، إنما لُقِّب بـ(الخرائطي)، لا لعلاقته بالجغرافيا ورسم خارطاتها، كما قد يتبادر إلى الذِّهن الملتاث بتعريب المعرِّبين، بل لصناعة الخرائط أو بيعها، وهي الأكياس المعروفة. فخلطَ معرِّبونا، لله دَرُّهم، هذا المعنى العتيق بعِلم الجغرافيا. كلُّ هذا هروبًا من الأحرف اللَّاتينيَّة. ولم يكتفوا بهذا، بل أدانوا، «بأشدِّ العبارات»، من يستعمل كلمة (خارطة) في المعنى الجغرافي، قائلين: قل: خريطة، ولا تقل: خارطة! حتَّى إنَّ (نزار قباني) قمعوه لُغويًّا، فصار يحمل خريطته ويمشي خائفًا، وهو يقول:

أمشـي على ورقِ الخريطةِ خائفًا

فعَـلَـى الخـريطـةِ كُلُّنا أغـرابُ

وخريطةُ الوطنِ الكبيرِ فضيحةٌ

فحَـواجـزٌ ومـخـافـرٌ وكِـلابُ

والصواب العكس، للأسباب الآتية.

1- العَرَب لم يعرفوا قطُّ كلمة (خريطة) بالمعنى الجغرافي.

2- كلمة (خارطة)، بوصفها مصطلحًا جغرافيًّا، ليست عَرَبيَّة أصلًا. بل أصلها لاتيني، كما أوضحنا.

3- ليس من الحكمة الاصطلاحيَّة، في كلِّ حال، مزاحمة كلمةٍ عريقةٍ مستقرَّةٍ بأخرى مولَّدة، وإنْ كانتا عربيَّتين كلتاهما.

ـ ولكن ما أكثر ما يرتكب المعرِّبون من هذه الحماقات، فيخلطون الحابل بالنابل، مخترعين للكلمة معاني شتَّى، ما عرفها العَرَب.

ـ والبركة في مجامع اللُّغة العَرَبيَّة غالبًا، وفحولها من اللُّغويِّين الأخيار! وفي هذا إفساد معجمي، وعبثٌ لُغوي، وتضخيمٌ مرضي في دلالات الألفاظ. فكيف إذا كانت الكلمة المولَّدة مصطلحًا، وقد قيل قديمًا لا مشاحَّة في المصطلح؟! من حيث إنَّ المصطلح تعبيرٌ رمزي أو مجازي، وليس بكلمةٍ موروثة عن العَرَب بالضرورة، لا العاربة ولا المستعربة.

ـ بل كيف إذا كان المصطلح غير عَرَبي أصلًا؟!

ـ وإنَّما الصواب هنا ما قاله الشاعر (عبدالكريم معتوق)، مثلًا:

واعرفْ عَدُوَّكَ من صديقِكَ ربَّما

غيَّرتَ خارطةَ الصداقةِ والعداوةْ

وهذا النموذج من «التخريط»- أي إدخال مصطلحٍ عِلميٍّ أجنبيٍّ في خريطة (الفرزدق) القديمة، وإلزام ألسنة الناس بدخول تلك الخريطة، إنْ تحدَّثوا أو كتبوا، وإلَّا أُقيم عليهم الحَدُّ، تحت مقصلة (قُل ولا تقُل)- ليس بالنموذج الفريد، بل ستجد معجماتٍ كاملةً منه في العصر الحديث، تدلُّ على الجهل المركَّب، بالعَرَبيَّة، وبالمصطلح، فضلًا عن تاريخ الألفاظ وتطوُّر الدلالات، وعلاقة العَرَبيِّ بالمُعَرَّب والدخيل.

 مرفأ:

وإِنَّ الصَّبْرَ، إنْ تَصْبِرْ، فُـوَاقٌ،

وإِنْ تَجْزَعْ، تَـمُتْ جُرَعًا طِوَالا

فلا تَجْزَعْ لِصائـلَـةٍ ضَرُوْسٍ؛

فكُـلُّ ضُرُوْسِها عَجَمَتْ زَوَالا

ولا ظَفَـرٌ مَعَ البَاغِـيْ يُرَجَّـى

ولا رَجُـلٌ إِذا رُمْـتَ الرِّجَـالا

وأَعْـدَى مَنْ تُعادِيْـهِ صَدِيْـقٌ

بِسَيْفِكَ يَمْتَرِيْكَ دَمًا سِـجَالا

وما كُلُّ امْرِئٍ مَارَى يُـعَادَى

ولا كُلُّ امْرِئٍ جَـارَى يُـوَالَـى!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.......................

(1)  وقد نبه إلى هذا الأصل (بطرس البستاني)، في معجمه (محيط المحيط، (خرط)).

(2)  يُنظَر: (1983)، ديوان الفرزدق، عناية: إيليا الحاوي، (بيروت: دار الكتاب اللبناني- مكتبة المدرسة)، 2: 530/ 6.

في زمن العمل عن بعد: التواصل حين يفقد الجسد حضوره

مقدمة: حين انتقل المكتب إلى الشاشة

لعقودٍ، كانت المهارات الناعمة تُقاس بمعايير حضورية بحتة: نبرة الصوت، ولغة الجسد، والمصافحة، القدرة على "قراءة الغرفة" أثناء اجتماع. لكن التحول المتسارع نحو العمل عن بعد والعمل الهجين غيّر قواعد اللعبة جذريًا: أصبح جزء كبير من التفاعل المهني يمر عبر شاشة، ونص مكتوب، وصوت مضغوط في مكالمة فيديو. والنتيجة أن "التواصل الفعّال" -وهو ركيزة المهارات الناعمة- لم يعد يعني الشيء نفسه الذي كان يعنيه قبل عقد من الزمن، بل صار يتطلب مجموعة كفاءات جديدة لم تكن الجامعات ولا حتى أغلب برامج التكوين المهني قد أدرجتها بعد ضمن مناهجها.

1. مهارات لم تكن مطلوبة من قبل:

تشير عدة أدبيات حديثة حول متطلبات سوق الشغل إلى أن الاحترافية في استخدام منصات الاجتماعات الافتراضية مثل Zoom وMicrosoft Teams وGoogle Meet أصبحت مهارة قائمة بذاتها، لا مجرد إلمام تقني عابر، فهي تشمل معرفة آداب الحضور الرقمي: توقيت الدخول، وإدارة الكاميرا والصوت، والتفاعل من دون مقاطعة في بيئة تفتقر لإشارات لغة الجسد المعتادة. كما برزت الحاجة إلى إتقان التواصل المقتضب والفعّال عبر منصات الدردشة المهنية كـ"سلاك"، حيث يُقاس المهني بقدرته على إيصال فكرته في سطرين واضحين بدل عشر دقائق من الحديث الشفوي.

والأهم من ذلك، برزت مهارة جديدة كليًا لم تكن موجودة بالشكل نفسه في بيئة العمل التقليدية: التواصل غير المتزامن (Asynchronous Communication)، أي القدرة على إيصال الأفكار وتحديثات العمل بشكل مكتوب أو مسجَّل بوضوح تام، بما يُغني عن اجتماعات مطوّلة ويرفع الإنتاجية. هذه المهارة تتطلب مستوى أعلى من التنظيم الذهني والدقة اللغوية، لأن الكاتب لا يملك فرصة التصحيح الفوري لسوء الفهم كما في الحوار المباشر.

2. لماذا يصعب نقل المهارات الناعمة التقليدية إلى الفضاء الرقمي؟

المهارات الناعمة الكلاسيكية -كالذكاء العاطفي والإقناع- بُنيت أصلًا على قراءة إشارات غير لفظية: تعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، والصمت الدال، والتواصل البصري. وحين ينتقل التفاعل إلى شاشة صغيرة أو رسالة مكتوبة، تختفي أغلب هذه الإشارات أو تتشوّه، مما يجعل سوء الفهم أكثر ورودًا وأصعب تداركًا. من هنا، فإن الموظف أو الطالب الذي أتقن "القراءة الاجتماعية" في الفضاء الفعلي قد يجد نفسه فجأة أقل كفاءة في بيئة رقمية، ليس لأنه فقد ذكاءه العاطفي، بل لأن أدواته التقليدية لم تعد كافية وحدها.

هذا يفسر لماذا تُلاحظ أدبيات التوظيف الحديثة أن المهارات الشخصية وحدها -مهما كانت قوية- لا تكفي للنجاح في العمل عن بعد، بل يحتاج الفرد إلى مزيج مركّب من المهارات الشخصية والرقمية والتنظيمية معًا، وهو ما يجعل هذا العصر أكثر تطلبًا لا أقل، خلافًا لتصور شائع يرى أن العمل عن بعد "أسهل" لأنه يُعفي الفرد من ضغط الحضور الاجتماعي المباشر.

3. مهارات إضافية يفرضها العمل الموزَّع:

- مع انتشار فرق العمل الموزَّعة عبر قارات ومناطق زمنية مختلفة، برزت حاجات جديدة تتجاوز حسن التواصل إلى:

- إدارة الذات من دون إشراف مباشر: الانضباط الذاتي وتنظيم الوقت أصبحا مهارة حاسمة حين يغيب المشرف عن الأنظار.

- التعاون بين ثقافات متعددة: العمل ضمن فرق دولية يتطلب حساسية ثقافية إضافية، إذ قد تُفسَّر نبرة معينة أو تعليق مباشر بشكل مختلف تمامًا حسب خلفية المحاور.

- حل المشكلات التقنية الأساس بشكل مستقل: العطل التقني أثناء اجتماع مهم يتطلب من الموظف مرونة سريعة لحل المشكلة بنفسه قبل اللجوء للدعم الفني، وهي مهارة تجمع بين الكفاءة التقنية والهدوء النفسي تحت الضغط.

إتقان بيئات العمل التعاونية الرقمية: أدوات كـ"Trello" و"Asana" لم تعد اختيارية، بل جزءًا من "اللغة" التي يتواصل بها الفريق حول تقدّم المهام.

4. الفجوة التكوينية لدى الطلبة العرب:

تكمن المفارقة في أن أغلب برامج التكوين الجامعي في العالم العربي ما تزال تُعِد الطالب لبيئة عمل حضورية تقليدية، بينما يجد نفسه بعد التخرج مباشرة أمام سوق شغل يتوقع منه إتقان آداب الاجتماع الافتراضي والتواصل الكتابي المهني منذ اليوم الأول. وهذا يفسر جزئيًا لماذا تلجأ بعض المؤسسات والمراكز التدريبية المتخصصة إلى إطلاق شهادات وبرامج قصيرة مخصصة حصرًا لمهارات العمل عن بعد وأدواته، لسدّ فجوة لم تعد الجامعة التقليدية تغطيها بالسرعة الكافية.

خاتمة:

لم تعد المهارة الناعمة تقاس فقط بقدرة الفرد على التعامل وجهًا لوجه، بل بقدرته على إعادة بناء الحضور والتعاطف والوضوح داخل فضاء افتراضي مجرّد من كثير من الإشارات الإنسانية المعتادة. والطالب الذي يستثمر اليوم في تعلّم هذه المهارات الرقمية-الناعمة المركّبة -الكتابة المهنية الموجزة، آداب الاجتماع الافتراضي، الانضباط الذاتي عن بعد- لا يواكب مستحدات عابرة، بل يستعد لواقع مهني بات هو القاعدة لا الاستثناء.

تبسيط بعض المفهومات:

1.  سلاك (Slack): هو تطبيق للتواصل والمراسلة داخل فرق العمل والشركات، يُستخدم كبديل حديث للبريد الإلكتروني في التواصل اليومي.

أهم مميزاته:

- القنوات (Channels): مجموعات محادثة منظمة حسب المشروع أو الفريق أو الموضوع (مثلاً تسويق، مبيعات)

- الرسائل المباشرة: محادثات فردية أو جماعية خاصة.

- مشاركة الملفات: رفع ومشاركة المستندات والصور بسهولة.

- التكامل مع أدوات أخرى: يمكن ربطه بتطبيقات مثل جوجل درايف، تريلو، أسانا، وغيرها.

- البحث: يتيح البحث في كل المحادثات والملفات القديمة.

- المكالمات الصوتية والمرئية: مكالمات مباشرة داخل التطبيق.

- الفرق بينه وبين البريد الإلكتروني:

- سلاك مصمم للتواصل السريع وغير الرسمي، بينما البريد الإلكتروني أنسب للمراسلات الرسمية أو الطويلة. كثير من الشركات تستخدم سلاك للنقاشات اليومية السريعة بين الزملاء.

- له نسخة مجانية بميزات محدودة (مثل عدد رسائل محدود يمكن البحث فيها)، ونسخ مدفوعة للفرق الأكبر.

2.  تريلو (Trello) وأسانا (Asana) هما أداتان لإدارة المشاريع والمهام، يُستخدمان لتنظيم العمل الفردي أو الجماعي.

* تريلو (Trello):

- يعتمد على نظام "اللوحات" (Boards) و"البطاقات" (Cards).

- أسلوبه بصري بسيط، يشبه نظام كانبان (Kanban)، حيث تنقل البطاقات بين أعمدة مثل "قيد التنفيذ" و"مكتمل".

- مناسب أكثر للمشاريع الصغيرة والفرق التي تفضل البساطة.

* أسانا (Asana):

- أداة أكثر تفصيلاً وشمولية لإدارة المشاريع

- تدعم قوائم المهام، الجداول الزمنية (Timeline/Gantt)، وتوزيع المهام على أعضاء الفريق مع مواعيد نهائية.

- تحتوي على تقارير وتتبع تقدم أكثر تعقيداً، مناسبة للفرق والمشاريع الأكبر.

- الفرق الأساس بينهما:

- تريلو أبسط وأسهل تعلماً، لكنه أقل تعقيداً في الميزات.

- أسانا توفر مرونة أكبر وميزات متقدمة (مثل تتبع الاعتماديات بين المهام) لكنها قد تحتاج وقتاً أطول لإتقانها.

- كلاهما يقدم إصدارات مجانية بميزات محدودة، وخططاً مدفوعة للفرق الكبيرة.

***

آمال بن الطاهر - باحثة من المغرب

في قصور النسيان وضرورة التجاوز المعرفي

"النسيانُ طورٌ وجوديٌّ خالقٌ للذاتِ الإنسانيةِ وبصمتها إلى جانب الذاكرة" (أحمد عويّز، إرادة الوعي الإنساني)

لكلّ كائن في هذه الحياة بصمة تميّزه بين الموجودات، ويتجلّى هذا التميّز في الأثر المتحقّق في الوجود، كذلك الأزمات الوجوديّة، لها بصمة وأثر في الكائن المنفعل، ويختلف هذا الأثر باختلاف الأزمة والظرف، فبعض الأزمات تشوّه بصمة الكائن في الوجود، فتنحدر به أو تسمو به، وبين هاتين الثنائيتين (الانحدار والسمو) يبرز الأثر الفاعل لثنائية (الذاكرة والنسيان) سواء بكونهما إراديين أو لا إراديين.

الخلق فعلٌ وجوديٌّ مستمر، وهو جوهر الحياة، ونقيضه الموت تمامًا، ويجدر بي أن أبيّن مقصدي من الخلق والحياة والموت هنا، فأنا لا أعني بهذه الكلمات فعلها البايولوجيّ، إنّما الإبستملوجيّ، والحياة بصورتها الكليّة تتجلّى في الحركة، انطلاقًا من حركة الدّم في جوف الإنسان إلى حركة الأفلاك في السماء، والموت هو التوقّف، كذلك لو أخذنا هذه المعاني في جانبها الإبستملوجيّ، فالإنسان كائن منفعل بطبيعته، وهذا الانفعال القائم على الحركة الشعوريّة الداخليّة بغض النظر عن مسببه النفسي أو الحسّي، إنّما يكون باعثًا على الموت أو الحياة، عبر الحركة أو الركود.

الإنسان بصفته كائنًا حيًّا يتردد بين وجوديّته البشريّة ووجوديّته الإنسانيّة، وأعني بالبشريّة هنا الوجود البايولوجيّ، بينما الإنسانيّة تعني الوجود المعرفي، والوجود الأول محدود بالتمدد المادي، والذي ينصهر في الوجود بعد توقف حركة الدم فيه، بينما الوجود الثاني فله الأثر الدائم بحسب حركة أثره، وأعني بحركة الأثر هنا هو التأثير المستمر في البصمات الأخرى، أي يكون سببًا في ولادة بصمات جديدة كما سيتضح لاحقًا.

إنّ الأزمات الوجوديّة تمثّل مرحلة توقف وصدمة للكائن الإنسانيّ، وهذه الصدمة إمّا أن تكون قاتلة أو باعثة، ويتجلى أثرها القاتل – سواء كانت قاتلة أو باعثة - في جانبين، الأوّل: الركود والتوقف عند أثرها السام، وهو عجز الكائن الإنسانيّ على التجاوز، والثّاني: يتمثّل في تجاوزها القهري، فالأثر الباعث على الحياة قد يسبب ركودا في انقضائه، بينما يتجلّى أثرها في الباعث في جانبين كذلك، الأوّل: القدرة على التجاوز السلبيّ (النسيان)، والثّاني: التجاوز الإيجابيّ (الذاكرة)، وهو تقبّل هذا التجاوز ليكون استحضاره لاحقًا باعثًا على الحياة.

إنّ البصمة الإنسانيّة الفريدة للكائن البشري يمكن أن تتلوث تلوثًا خطيرًا بالأزمات الوجوديّة، مما تصيّر الكائن البشري بشريًّا ميتًا، أو متوحشًا، فاقدًا لكلّ معاني الإنسانيّة، وليستعيد هذا الكائن الحياة، لا بدّ له من التجاوز (بالنسيان) سواء كان هذا النسيان بإرادته أو بطبعه، كذلك النقيض لهذه الأزمات، تلك المواقف التي تبعث في الإنسان حياة سامية عند استحضارها (بالذاكرة)، فهذه الثنائية (النسيان، الذاكرة) تخلق بصمة جديدة، أو تسهم في تطويرها، أو استمراريتها في الوجود، بشقيه البشري والإنساني، ولكن قد تبدو هذه النظرة نظرةً مثاليّة للوجود، فالإنسان مهما تناسى لا بدّ أن تمارس الذاكرة عليه فعلًا مضادًّا، فتبعث الأزمة من جديد، بصرف النظر عن السبب وراء هذا البعث، سواء كان إراديًّا أو العكس، فقد تُبعث الأزمات بأزمات لاحقة، وحتّى النسيان ولا سيما ذلك المتحقق بالطبع، قد يُبعث بأزمات لاحقة، فهي كامنة في اللاوعي الإنسانيّ، ولا يمكن قهرها بأيّ شكل من الأشكال.

إنّ النسيان رغم تحقّقه بصوره المتعددة، لا يمكن أن يخلق بصمة مستقرّة في الوجود، وأعني من جهة الكائن الفرد، فالأثر المنسي للأزمات الوجوديّة يجد المنفذ دائمًا ليظهر، بالباعث الوجودي المستمر في الحياة، لذلك لا بد للإنسان أن يتجاوز النسيان نفسه - وربما أعارض أستاذي (أحمد عويّز) في هذه القضيّة – إلى تقبّل هذا الأثر المتجدّد، بضبط انفعالاته الناتجة.

إنّ ضبط الانفعالات الناتجة عن آثار الأزمات يضع الكائن الإنسانيّ أمام خطر وجوديّ، وربّما هو عين التوحّش الذي يشير إليه الأستاذ الدكتور أحمد عويّز، مما أفضى به الحال إلى ضرورة النسيان أو التناسي، ولكنني أرى ثمَّة حلّ أنجع، وهو التجاوز المستمر، فأوّلًا تجاوز الأزمة فأثرها ثمّ ثانيًا: تجاوز التقبّل نفسه، ويكون ذلك بإعادة خلق الأثر للأزمة، فالأزمات الوجوديّة مهما بلغ سمّها في الكائن البشري (أو الإنساني) يمكن بانضباطه المعرفي أن يعيد خلق هذا الأثر ليكون باعثًا للحياة، وفي هذه الحال، تبدو الأزمات الوجودية صورة حقيقية للحياة، على العكس من نقيضتها، فهذه الأزمات لا تخلق وهمًا بل تخلق شعورًا عميقًا بالوجود.

***

حيدر مجيد اليعقوبي - كليّة الآداب / جامعة الكوفة

ما نشهده اليوم في المشهد الثقافي العربي ليس مجرد تراجع عابر، بل هو انقلاب كامل في المعايير، حيث صعد "المتنمر" ليتربع على عرش النقد، مغيبا بذلك دور الناقد الحقيقي. إن هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية عميقة تعيشها مجتمعاتنا، حيث تركت الأنظمة الشمولية خلفها إرثا من الاستبداد، فتسربت آليات القمع السياسي إلى ذائقة المتلقي وطريقة تفكيره. لقد تحول النقد، الذي كان في جوهره فعلا معرفيا يغوص في أعماق النص، إلى عملية إعدام علنية لكل قيمة فكرية رصينة، وكأننا أمام استنساخ مشوه لأساليب القمع التي خبرناها في السياسة، ولكن هذه المرة بأدوات ثقافية.

في هذا الفضاء الذي تضيق فيه مساحات الحرية وجد المتنمر ضالته في فوضى العالم الرقمي. إنه كائن لا يملك عدته المعرفية ولا يتقن فن المساءلة، بل يتسلح بغريزة التسقيط التي تشربها من سياق سياسي لا يؤمن بالاختلاف، بل يرى في الآخر خصما تجب تصفيته. هنا، صار النقد مجرد تصفية حسابات شخصية، ومسرحا لسيركا والضجيج يفتقر لأدنى مستويات الحوار الواعي. والنتيجة هي غزو مريع للرداءة التي تجد من يرفعها، ويغيب فيها الناقد القادر على قول "لا" في وجه جوقة المصفقين.

إن موت الناقد ككيان اعتباري وولادة الناقد المتنمر هو الذي أفرغ الثقافة من جوهرها. هذا المتنمر لا يقرأ ليفهم، بل يقرأ ليحطم، متخذا من الانطباعية السطحية قناعا يغطي به جهله المطبق بالمنهج. إنه يمارس نوعا من الجبن المعرفي تحت غطاء الحرية، مستغلا صخب المنصات الرقمية لفرض سطوته، حيث بات الصراخ والشتائم هما المعيار للحضور، لا عمق الفكرة أو قوة الحجة. لقد تحولت اللغة من وسيلة للارتقاء بالجمال والحقيقة إلى أداة استئصالية هدفها اغتيال الشخصية بدلا من نقد النص.

نحن عالقون في مأزق تنميط الوعي فالمتنمر يقود القطيع ويحوله إلى سجن مفتوح تسوده قيم الغوغاء. لقد صار المشهد الثقافي حلبة يغيب عنها التنوير، ويحضر فيها تسليع وتسطيح الأدب. الخطر الحقيقي أن هذا السلوك تحول إلى معيار، فحين يسود منطق القوة وتختفي الرصانة خلف ضجيج المدعين، يضيع صوت المثقف الحقيقي في زحمة التشهير. إن الثقافة تحولت إلى مجرد استعراض للعضلات اللغوية، حيث يظن البعض أن مجرد القدرة على الهجوم تعني التفوق الفكري.

استعادة النقد اليوم ليست مجرد دعوة للنظام أو للتنظيم، بل هي ثورة أخلاقية ضرورية. نحن لا ننتظر إصلاحا من سلطة ترفض النقد، بل علينا أن ننتزع فضاءنا المعرفي من براثن أولئك الذين يلوثون ذائقتنا. إن معركتنا ضد "اللاشيء" هي معركة من أجل الحقيقة، ضد عقلية الإلغاء التي تريد مصادرة وجداننا. إننا مدعوون لرفع الحرمة عن النص الأدبي وحمايته من عبث الجاهلين، وإعادة الاعتبار للنقد كفعل تواضع أمام المعرفة، لا كأداة للتسلط.

في نهاية المطاف، نحن أمام خيار لا يحتمل المراوغة: إما أن نسترد النقد كضمير لهذا المجتمع يفكك كل أوهام السلطة والغوغاء، أو أن نترك أدبنا يغرق في وحل التفاهة، حيث لا يتبقى لنا سوى صدى صرخات أولئك الذين يظنون أن التسقيط هو قمة الإبداع. التاريخ لن ينصف أحدا من هؤلاء، بل سيحفظ أسماء أولئك الذين ظلوا أوفياء للفكرة، ورفضوا أن ينحنوا لعاصفة الغوغاء، مفضلين عناء السؤال على راحة الجهل الذي يغلف يومنا.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

(يجب على الرجل أن يكون مجنونًا بعض الشيء إذا كان لا يريد أن يصبح أكثر غباءً)... ميشيل دي مونتاني

في تاريخ الآداب الغربية، ثمّة أسماءٌ اخترعتْ أشكالاً للكتابة، وثمّة أسماءٌ احترقت واخترقتْ أرواحا سكنتها ً، وميشيل دي مونتين (1533-1592)، الذي استقرّ في المخيال الثقافي الغربي بوصفه "أبا للمقالة الحديثة"، ينتمي ولا شك إلى الفئة الثانية.

صحيح أن النثر التأملي القصير لم يولد معه؛ فقبله بألف عام، كان الفيلسوف الرواقي سينيكا يمسك بقلمه ويكتب: "كُنْ فاضلاً"، وسيطر على أهوائك" خطاب تعليمي من مُعلّمٍ وفيلسوف يبحث عن الحقيقة، إلى تلميذٍ يبحث عن شغف المعرفة وينتظر الهداية.

في مقابل ذلك ميشيل دي مونتين لم يكتب ليُجيب، بل سأل: “ ماذا أعرف؟"  كتب بالفرنسية آنذاك، لغة السوق والبيت والشارع، التي كانت لا تزال فتيةً تنتظر من يمنحها مادتها ونخاعها. في تلك اللحظة، لم تكن المقالة تُطوَّر بصفتها قالباً أدبياً فحسب، بل كانت تولد من جديد بصفتها ثورة مزدوجة: ثورة في الوعي، وثورة في اللغة. لقد حوّل مونتين الكتابة من منبر للوعظ إلى مختبر للتجريب، وأعلن، في عبارته الشهيرة: "أنا نفسي موضوع كتابي"، لا عن نرجسية، بل عن منهج. فالذات عنده لم تعد وسيلة لإيصال الحكمة، بل غدت الأداة والموضوع معاً، والشك لم يعد مرحلة عابرة نحو اليقين، بل صار فضيلة دائمة، والجسد بأحاسيسه الملموسة صار مصدراً للحقيقة يضاهي نصوص أرسطو واشعار المتصوفة.

ولكن، هل تكفي شجاعة البوح والارتياب لصنع أثر خالد؟ هنا، يفتح لنا التاريخ الأدبي نافذةً شرقية استثنائية، تُلقي على مشروع مونتين ضوءاً مختلفاً. ففي القرن الرابع الهجري، جلس فيلسوف عربي، هو أبو حيان التوحيدي (1023م)، على حافة التجربة نفسها. في "الإمتاع والمؤانسة" و"الصداقة والصديق"، جعل من ذاته مادة للكتابة، وسجّل قلقه وفقره وشكوكه وخيباته، ومزج الحكمة بالتفاصيل اليومية، تماماً كما فعل مونتين. غير أن النهاية كانت مختلفة فبينما تحولت "مقالات" مونتين إلى نهر جارف غيّر مجرى الأدب الأوروبي، أحرق التوحيدي كتبه قبل موته، يائساً من زمن لم يفهمه، وبقي صوته فردياً معزولاً، لم يؤسس تياراً ولم يخلق نوعاً. في هذه المفارقة القاسية يكمن سؤالنا المحوري: ما السرّ الكامن في كتابة مونتين، الذي جعلها قادرة على النجاة والتأثير، بينما انطفأت شعلة التوحيدي في رماد الصمت؟

في هذا المقال، سنجادل بأن عبقرية مونتين لم تكن في اختراع قالب، بل في تأسيس علاقة جديدة كلياً بين الكاتب وقارئه، وبين الذات والعالم. لقد نقل الكتابة من طور التعليم إلى طور الاستكشاف، فخلق قارئاً هو رفيق بحث، لا تلميذاً. ومن داخل معمله الخاص، حيث شكّ في كل شيء، خرج بأعمق يقين إنساني: يقين التسامح، الذي جعله، في فرنسا التي مزقتها حروب الدين، صوتاً للتعايش وإعلاناً جديداً للإنسانية المشتركة.

حياة مونتين

في 28 فيفري 1533، ولد الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين كان أحد أهم الفلاسفة في عصر النهضة الاوربية، والمعروف بكتابته للمقال كنوع أدبي. اشتهر عمله بدمج الحكايات العفوية والسيرة الذاتية مع البصيرة الفكرية.

وُلِد مونتاني باسم ميشيل إيكيم في قلعة مونتاني، وكان الأكبر بين أربعة أطفال لوالده بيير إيكيم، وهو رجل فرنسي كاثوليكي روماني رافق الملك فرانسيس الأول في حملته على إيطاليا، وكان على تماس بأفكار عصر النهضة والإنسانية. وشغل الأب عدة مناصب عليا في مدينة بوردو. وكانت والدة مونتاني أنطوانيت دي لوب دي فيلنوف (1514-1603) من تولوز. وبعد ولادته، وُلد مونتاني لدى ممرضة تعيش في ظروف بسيطة في قرية بابيسوس القريبة من مونتبيروكس. وعندما عاد إلى أسرته في سن الثالثة تقريبًا، استأجر والده طبيبًا من ألمانيا يُدعى هورستانوس كمعلم، ولم يكن يجيد التحدث بالفرنسية، وكان يتحدث اللاتينية فقط مع الطفل. ولأن الوالدين حاولا أيضًا القيام بذلك، وحتى الخدم اضطروا إلى المحاولة، فقد أصبحت اللاتينية تقريبًا لغة مونتاني الأم. من عام 1539 إلى عام 1546 التحق مونتين بكلية جوين في بوردو، حيث كان أساتذته يخشونه أحيانًا لأنه كان يتحدث اللاتينية بشكل أفضل منهم. لا يُعرف أي شيء تقريبًا عن الأعوام من 1546 إلى 1554. ربما أكمل مونتين أولاً دراسات تمهيدية في كلية الفنانين في بوردو، ثم دراسات في القانون.

مستشار العدل والعمل السياسي

في عام 1554، وفي سن الحادية والعشرين، عُيِّن مونتاني في منصب مستشار قضائي في محكمة الضرائب، Cour des aides، في بيريجو. وفي نفس العام، رافق والده، الذي انتُخِب للتو عمدة، إلى باريس للتفاوض مع الملك. ومنحه عم مونتاني، بيير إيكيم سينيور دي جوجاك، مقعده كقاضي في بيريجو في عام 1556. وعندما حُلت محكمة الضرائب في بيريجو في عام 1557، مُنح مونتاني منصب مستشار قضائي في برلمان بوردو، المحكمة العليا لمقاطعة غوين. وفي بوردو، كان مسؤولاً بشكل أساسي عن غرفة الاستئناف، Chambre des Enquêtes. وهناك حقق في القضايا القانونية وحكم فيها. وبصفته قاضي استئناف، لم يصدر حكمًا بنفسه، بل قدم تقييمه المكتوب لزملائه القضاة الذين كانوا ينظرون في القضية. بالإضافة إلى ذلك، ترأس أيضًا الإجراءات المدنية. سافر إلى باريس في الأعوام 1559 و1560 و1562 بصفته مستشاراً للعدل.

الالتزام بالكاثوليكية والكتابات الأولى

خلال إقامته الأخيرة في باريس، والتي طغت عليها بداية الحروب الهوغونوتية ومذبحة واسي، أعلن مونتين، مع قضاة آخرين من البرلمانات الفرنسية المختلفة، التزامه رسميًا بالكاثوليكية. وعند وفاة والده، بيير إيكيم دي مونتين، في عام 1568، ورث الجزء الأكبر من ممتلكاته، وفقًا لقواعد تقسيم التركة بين النبلاء. في عام 1569، أكمل ترجمة مشروحة لكتاب " لاهوت المخلوقات الحرة " (1434-1436) لعالم اللاهوت والطبيب الكاتالوني ريموند سيبوند، وهو من مواليد تولوز. كان قد بدأها بناءً على طلب والده. وفي نفس الوقت الذي تمت فيه هذه الترجمة من اللاتينية إلى الفرنسية، قدم مونتين في باريس مجموعة من القصائد الفرنسية واللاتينية لصديقه لا بويتي مطبوعة.

في عام 1571، وفي سن الثامنة والثلاثين، استقال مونتاني من منصبه كقاضي وتقاعد في قصره. "لقد عشنا ما يكفي من أجل الآخرين - دعونا على الأقل نعيش هذا الجزء الأخير من الحياة لأنفسنا" هو تصريحه الخاص عن هذا الخلوة.

سينيكا ومونتين ونهاية عصر المعلم

لكي نفهم عمق الثورة التي أحدثها مونتين، لا بد من أن نضعه وجهاً لوجه أمام أبرز من سبقه في تقاليد النثر التأملي الغربي: الفيلسوف الرواقي لوكيوس أنايوس سينيكا (ت. 65م). للوهلة الأولى، قد يبدو الرجلان متشابهين: كلاهما كتب نثراً تأملياً قصيراً، وكلاهما انشغل بأسئلة الأخلاق والحياة والموت. لكن هذا التشابه السطحي يخفي قطيعة تأسيسية هي، في جوهرها، إعلان عن نهاية عصر كامل من الكتابة وبداية عصر جديد. إن الفارق بين سينيكا ومونتين ليس فارقاً في الدرجة أو في الأسلوب فحسب، بل هو فارق في الموقع الذي يقف فيه الكاتب من ذاته، ومن قارئه، ومن الحقيقة نفسها. إنه فارق بين من يكتب لأنه يملك الإجابة، ومن يكتب لأنه يجرؤ على طرح السؤال.

سينيكا كتب من موقع المعلم الذي يمسك بالحقيقة. إنه وريث لفلسفة رواقية مكتملة، يملك مفاتيحها ويعرف غاياتها. حين يكتب لصديقه لوسيليوس، فهو لا يستكشف معه الحكمة، بل يمنحه إياها. جمله القصيرة الحازمة مثل "كن فاضلاً" و"سيطر على أهوائك" ليست دعوات للحوار، بل هي أوامر للتهذيب. إنها كتابة تنطلق من يقين مكتمل، وتستهدف بناء ذات أخلاقية وفق مخطط مسبق. المعرفة هنا سلطة، والكتابة ممارسة لهذه السلطة.

أما مونتين فيكتب من موقع السائل الذي لا يملك شيئاً على وجه اليقين. إنه لا ينتمي إلى مدرسة فلسفية، ولا يدافع عن مذهب، ولا يبشر ببرنامج أخلاقي. شعاره "ماذا أعرف؟" ليس تواضعاً فارغاً، بل هو إعلان منهجي. إنه يحول الشك من محطة عبور نحو اليقين (كما هو الحال في الشك المنهجي الديكارتي لاحقاً) إلى مقام دائم وفضيلة في حد ذاتها. إنه لا يكتب ليقول لنا ماذا يجب أن نكون، بل ليرينا كيف يحاول هو أن يكون. الفارق هائل: سينيكا يكتب ليُعلّم، ومونتين يكتب ليفهم. الأول يكتب بعد أن وصل، والثاني يكتب كي يصل، وهو يعلم أنه لن يصل أبداً.

عند سينيكا، الذات حاضرة بلا شك. لكنها حاضرة بصفتها شاهداً على صحة المذهب، ووسيلة لإيصال الحكمة. إنه يستخدم تجاربه وحياته كأمثلة تعليمية، لكنه لا يجعل من ذاته موضوعاً للفحص والتشريح. الذات عنده وسيلة لا غاية.

أما مونتين فيفعل العكس تماماً. إعلانه الشهير "أنا نفسي موضوع كتابي" ليس اعترافاً عابراً، بل هو إعلان تأسيسي لمنهج جديد. إنه ينزل عن منبر الحكمة ويجلس على طاولة التشريح، ويجعل من ذاته المختبر والأداة والموضوع معاً. هو لا يسأل: "ماذا تقول الفلسفة عن الصداقة؟" بل يسأل: "ماذا حدث لي، أنا ميشيل دي مونتين، حين فقدت صديقي لابويسي؟". هذا التحويل لموقع الذات هو الذي سيخلق، لاحقاً، أدب الاعتراف والمذكرات والمقال الشخصي كله.

سينيكا سيد بلاغي لا يُشق له غبار. جمله قصيرة، متناظرة، محسوبة كضربات السيف. أسلوبه مصقول، لأنه يكتب ليقنع. كل جملة عنده تؤدي غرضاً تعليمياً، وكل صورة بلاغية تخدم حجة أخلاقية. إنها كتابة تعرف وجهتها مسبقاً، وتسير نحوها بخطى ثابتة.

أما مونتين فيكتب بطريقة مختلفة جذرياً. أسلوبه متعرج، حواري، مليء بالاستطرادات والتناقضات والتحولات المفاجئة. إنه يحاكي الفكر الحي وهو يعمل، لا الفكر بعد أن اكتمل. هو نفسه يقول: "إذا لم يكن هناك جمال على اليمين، فاذهب إلى اليسار... لا أخطط لخط مسبقاً، لا الخط المستقيم ولا الخط الملتوي". هذا الاستطراد ليس عيباً أدبياً، بل هو جزء من الحجة: إنه يقول لنا، بأسلوبه قبل كلماته، إن التفكير الحقيقي لا يسير في خط مستقيم، وإن المعرفة الحية لا تشبه بناءً هندسياً بقدر ما تشبه نهراً يبحث عن مجراه. سينيكا يكتب ليقنع، ومونتين يكتب ليفكر. وهذان فعلان مختلفان تماماً.

وهنا نصل إلى الفارق الأعمق والأكثر تأثيراً. سينيكا يخاطب قارئاً هو تلميذ. العلاقة بينهما عمودية، تنحدر من الأعلى إلى الأسفل، من العليم إلى الجاهل، من المعلم إلى المتعلم. القارئ هنا متلقٍ سلبي، وظيفته أن يسمع ويطيع. الكتابة عند سينيكا، بهذا المعنى، ممارسة للسلطة الأبوية على القارئ.

مونتين يخلق قارئاً جديداً تماماً. إنه لا يخاطب تلميذاً، بل يخاطب رفيق بحث. العلاقة هنا أفقية، بين ندّين يبحثان معاً. القارئ ليس متلقياً سلبياً، بل هو مشارك في عملية التفكير. وهذا بالضبط ما يفسر الشعور الغريب الذي ينتاب كل من يقرأ مونتين: إنه يشعر أن الرجل صديقه، أن الصفحة مرآة، أن الحوار لا يجري على الورق بل في أعماق الذات. مونتين لم يكتب لنا، بل كتب معنا، أو بالأحرى، كتبنا نحن من خلاله

الصداقة مونتين والتوحيدي وجهاً لوجه

يتفق التوحيدي ومونتين، للوهلة الأولى، في رفضهما القاطع للصداقة النفعية، تلك التي تقوم على المنفعة أو المتعة العابرة، ويعتبرانها علاقة ناقصة لا تستحق اسم الصداقة. لكن هذا الاتفاق الظاهري يخفي اختلافاً جوهرياً في المنهج، ويكشف عن مسارين مختلفين تماماً في التفكير.

عند التوحيدي، الصداقة الحقة مشروطة بـ"المشاكلة العقلية" و"التماثل الروحي الخالص". إنها، في تصوره، تنبثق من انسجام قبلي في الطبائع والسجايا، من "مواتاة خُلقية" تسبق حتى اتفاق الأقوال والأفعال. يقول، ناقلاً عن أستاذه أبي سليمان السجستاني، واصفاً العلاقة المثلى بين صديقين: "اختلطت ثقتي به بثقته بي، فاستفدنا طمأنينة وسكوناً... ومع ذلك فبيننا بالطالع، ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة، ومظاهرة غريبة، حتى أنا نلتقي كثيراً في الإرادات، والاختيارات، والشهوات، والطلبات". إنه هنا يبحث عن شرط قبلي يجعل الصداقة ممكنة، عن سبب موجود سلفاً في الطبائع أو حتى في النجوم، يسبق اللقاء ويُفسره. المنهج هنا عقلي-أخلاقي، يبحث عن العلة والسبب.

أما مونتين، فيفعل شيئاً مختلفاً تماماً. الصداقة عنده لا تُشترط بشيء سوى الحرية المطلقة للاختيار. إنها "فعل إرادي حر" ينبع من الذات وحدها، لا من انسجام قبلي في الطبائع. هو لا يبحث عن سبب، بل يقف بخشوع أمام الحدث الوجودي الفريد. وحين يريد أن يفسر صداقته العميقة مع إتيان دو لا بويسي، ذلك الشاب الذي تعرّف عليه ومات بعد أربع سنوات فقط، لا يجد أي تفسير عقلي أو خلقي أو فلكي. فيكتب جملته الشهيرة التي لا تفسر شيئاً وتقول كل شيء: "لأنه هو، ولأني أنا". إنه يرفض أي تفسير قبلي، ويقف عند التجربة الخالصة كحدث وجودي متفرد، لا يُعلل ولا يُختزل إلى شروط. هذا هو المنهج المونتاني في أقصى تجلياته: رفض التفسير، وقبول الغموض، والوقوف عند شهادة الذات الحية.

هذا الفارق المنهجي يتعمق أكثر حين ننظر إلى كيفية تصور كل منهما لوحدة الصديقين. كلاهما يطمح إلى الوحدة، لكن طبيعة هذه الوحدة تختلف اختلافاً جذرياً.

التوحيدي يتحدث عن "ممازجة نفسية" و"مشاكلة عجيبة" تجعل الصديقين يلتقيان في الإرادات والاختيارات. الوحدة هنا تماثل قبلي يُكتشف، لا يُصنع. الصديق هو "أنا" أخرى بمعنى أنه يطابقني في الجوهر، أننا كنا متشابهين قبل أن نلتقي، ثم اكتشفنا هذا التشابه.

مونتين يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. الصديق عنده ليس من يطابقني، بل من يصير "أنا أخرى". الوحدة هنا ذوبان لاحق للإرادتين، حدث فريد لا يمكن تفسيره بأي سبب. في رحاب هذه العلاقة، تتلاشى الحدود بين الساكن والمسكون، فلا يعود الصديق "آخراً" يُضاف إلى الذات، بل يصير امتداداً لها. إنه "مسرح الإيمان الأنثروبولوجي والروحي بالآخر"، وهو الذي يمنح الذات إمكانية التماسك. وإذا كان التوحيدي يبحث عن سبب للوحدة، فإن مونتين يقف مذهولاً أمام معجزتها، ويكتفي بشهادته الحية عليها.

الاختلاف المنهجي يبلغ ذروته حين ننظر إلى تشخيص كل منهما للعوائق التي تحول دون الصداقة. هنا، ينكشف الفارق بين المنهجين بأوضح صورة ممكنة.

التوحيدي يُرجع استحالة الصداقة إلى عوامل خارجية واجتماعية. إنه ينظر حوله فيرى فساد الزمن وانحلال النسيج الأخلاقي، فيُطلق صرخته المدوية: "سوق الوفاء قد كسدت". ثم يُخضع الفئات الاجتماعية الرئيسية لتحليل نقدي لاذع: الملوك لا يصلحون للصداقة لأن سلطتهم تجري على القهر والهوى، والتجار لا يصلحون لأنهم أهل مصلحة ومقايضة، وحتى العلماء يفسدهم الحسد والتنافس على المكانة. العائق، إذن، في المحيط الاجتماعي، في الزمن الفاسد، في المجتمع المنحل.

مونتين يفعل العكس تماماً. إنه لا ينظر إلى الخارج، بل إلى الداخل؛ لا إلى المجتمع، بل إلى طبيعة العلاقة نفسها. إنه يستبعد الأب وابنه من دائرة الصداقة، لا لفساد الزمن، بل لثقل اللامساواة المفرطة التي تحول دون قيام شراكة حرة بين ندّين. ويستبعد الإخوة، لأن رباط الدم يسبق الإرادة ويقيدها، فيحل "الواجب المفروض" محل "الاختيار الطوعي". ويستبعد العلاقة القائمة على العاطفة، لأنها طائشة متقلبة. العائق عنده ليس في فساد المحيط، بل في افتقاد الحرية الإرادية الخالصة، في أن العديد من العلاقات الإنسانية تُفرض علينا أو تنشأ عن حاجة، لا عن اختيار حر. إنها نظرة وجودية تتجه إلى صميم الكينونة، لا إلى ظروفها الاجتماعية.

من الذات إلى العالم

لكي نفهم قيمة ما فعله مونتين، يجب أن نتذكر العالم الذي كان يعيش فيه. فرنسا القرن السادس عشر لم تكن مجرد بلد يشهد صراعاً سياسياً، بل كانت مسرحاً لواحدة من أبشع الحروب الأهلية في التاريخ الأوروبي: حروب الدين بين الكاثوليك والبروتستانت (الهوغونوت). ليلة القديس بارثولوميو (1572) وحدها، التي شهدها مونتين بنفسه، أغرقت شوارع باريس بالدماء. لقد كان الناس يقتلون بعضهم بعضاً، ليس من أجل أرض أو مال، بل من أجل أفكار. من أجل يقينيات. كل طرف كان على ثقة مطلقة بأنه يمتلك الحقيقة، وأن الطرف الآخر ليس مخطئاً فحسب، بل هو عدو لله يجب إبادته.

في هذا السياق، لم يكن الشك ترفاً فلسفياً. كان فعلاً أخلاقياً جذرياً. حين كان الجميع يصرخون: "نحن على حق!"، كان هناك رجل واحد، في برجه الريفي، يهمس لنفسه: "ماذا أعرف؟". وحين كان الجميع على استعداد للموت والقتل من أجل يقينياتهم، كان هذا الرجل نفسه يحفر على ميداليته: "أضبط نفسي". لم يكن هذا انسحاباً من العالم، بل كان تأسيساً لموقف أخلاقي جديد، ينبع من الداخل لا من الخارج، ومن الشك لا من اليقين، ومن ضبط الذات لا من إدانة الآخر.

هنا تكمن عبقرية مونتين الأخلاقية، وهي معادلة بسيطة وعميقة في آن: إذا كنت لا أملك الحقيقة المطلقة، فبأي حق أقتل جاري الذي يختلف معي؟

إنها معادلة تنبع مباشرة من منهجه. لأنه بدأ بتشريح ذاته، ولأنه اكتشف كم هي هشة ومتغيرة ومليئة بالتناقضات، ولأنه اعترف لنفسه بأنه لا يعرف شيئاً على وجه اليقين، فقد أصبح من المستحيل عليه أن يدين الآخرين. كيف تدين غيرك وأنت لا تفهم نفسك؟ كيف تقتل غيرك من أجل فكرة وأنت لا تثق بأفكارك الخاصة ثقة كاملة؟ إن الشك، في يد مونتين، لا يؤدي إلى العدمية أو اللامبالاة، بل يؤدي إلى التسامح. إنه يخلق مسافة بين الذات وعقائدها، مسافة تجعل الحوار ممكناً، وتجعل القتل مستحيلاً.

هذا هو بالضبط ما جعل مونتين، الكاثوليكي الملتزم ظاهرياً، قادراً على أن يكون صديقاً للبروتستانت، وعلى أن يتفاوض مع هنري نافار (الزعيم البروتستانتي الذي أصبح لاحقاً ملكاً)، وعلى أن يدعو، في خطابه أمام برلمان بوردو عام 1574، إلى المصالحة بين الطوائف. لم يكن يفعل ذلك من منطلق لامبالاة دينية، بل من منطلق يقين أخلاقي واحد: أن اليقين الديني لا يبرر القتل أبداً.

هناك بعد آخر لهذا التسامح، ينبع مباشرة من رؤية مونتين للذات. إذا كان الإنسان، كما اكتشف مونتين في مختبره الذاتي، كائناً متغيراً، متناقضاً، غير ثابت على حال، فكيف يمكن أن ندينه إدانة نهائية؟

في مقاله "في التوبة"، يكتب مونتين: "أنا لا أصور الكائن، بل أصور المرور". إنه لا يرسم جوهراً ثابتاً، بل يرسم حركة. وإذا كان الإنسان حركة، لا جواهر، فإن الحكم عليه يجب أن يكون حركة أيضاً. لا أحد يستحق الإدانة المطلقة، كما لا أحد يستحق التمجيد المطلق. هذا ليس تردداً أخلاقياً، بل هو فهم عميق للطبيعة البشرية: نحن ما نحن عليه الآن، وقد نكون شيئاً مختلفاً غداً. والتسامح، بهذا المعنى، ليس فضيلة فحسب، بل هو الموقف الوحيد المناسب لكائنات مثلنا، لا تملك ثباتاً ولا تملك يقيناً.

وهكذا، تكتمل الدائرة. مونتين لم يخرج من برجه لكي يغير العالم. إنه خرج من برجه لأنه كان مضطراً: كعمدة لمدينة بوردو (1581-1585)، وكمفاوض بين الأطراف المتصارعة، وكشاهد على الطاعون الذي اجتاح المدينة. لكنه حين خرج، كان يحمل معه ذلك المنهج الذي طوره في عزلته: الشك، والتواضع المعرفي، وفهم الذات، وقبول التناقض.

وحين طُبق هذا المنهج على السياسة، أنتج شيئاً نادراً في ذلك الزمن، وفي كل زمن: صوتاً يدعو إلى التعايش لا إلى الانتصار، وإلى الحوار لا إلى الإبادة، وإلى الفهم لا إلى الإدانة. لم يكن مونتين ثورياً سياسياً، ولم يدعُ إلى تغيير النظام. لكنه فعل ما هو أعمق من ذلك بكثير: لقد أسس لأخلاق مدنية جديدة، تقوم على فكرة أن الاعتراف بضعفنا البشري هو أقوى أساس للتعايش معاً.

الخلاصة

إن عبقرية مونتين، كما جادلنا، لم تكن في اختراع قالب أدبي جديد، بل في تأسيس علاقة جديدة كلياً بين الكاتب وقارئه، وبين الذات والعالم. لقد نقل الكتابة من طور التعليم إلى طور الاستكشاف، فخلق قارئاً هو رفيق بحث، لا تلميذاً. وجعل من الشك فضيلة دائمة، لا محطة عابرة، فحوّل التواضع المعرفي إلى أساس للتسامح المدني. وجعل من الذات مختبراً للتجريب، لا منبراً للوعظ، فمنح الأدب الأوروبي مادته الأكثر خصوبة: الإنسان بكل هشاشته وتناقضه وجسده وآلامه. وجعل من الفرنسية، تلك اللغة الفتية، لساناً للفلسفة والحياة معاً، فأثبت أن الحكمة لا تسكن في أبراج اللاتينية وحدها.

وهنا، في هذا المنعطف الأخير، نجد الإجابة عن سؤال المفارقة الذي طاردنا منذ البداية: لماذا نجح مونتين حيث فشل التوحيدي؟ ليس لأن مونتين كان أعمق تفكيراً أو أصدق بوحاً، بل لأنه، وببساطة مدهشة، كتب لقارئ لم يوجد بعد، ثم خلقه بكتابته. لقد اخترع قارئه مع كل صفحة. أما التوحيدي، فرغم عبقريته الموازية، كتب لقارئ كان ينبغي أن يوجد، فلم يجده. لقد احترق وحده.

***

عمرون علي

بين الفلسفة اليونانية والفلسفات المشرقية

مقدمة: يمتد عصر ازدهار الفلسفة العربية الإسلامية بين القرن الثامن والثاني عشر الميلادي، ويُعدّ من أخصب الفترات في تاريخ الفكر الإنساني. نشأ هذا العصر في ظل الدولة العباسية، خاصة في بغداد مركز الحضارة الإسلامية، حيث اجتمعت عوامل سياسية واقتصادية وثقافية لتفتح أبواب الحوار بين التراث اليوناني القديم والفلسفات المشرقية (فارسية وهندية وسورية ومصرية قديمة) وبين الرؤية الإسلامية للكون والإنسان. لم تكن هذه الفلسفة مجرد نقل أو ترجمة، بل كانت عملية إبداعية استرجاعية: استرجاع للمعارف القديمة، إعادة صياغتها في سياق إسلامي، وتجاوز لها نحو تأسيس تقليد فلسفي أصيل. استرجع الفلاسفة المسلمون التراث اليوناني (أرسطو وأفلاطون وأفلاطونية محدثة) كأداة لفهم الوحي والطبيعة، بينما استلهموا من الفلسفات المشرقية أبعاداً روحية وكونية عميقة. هذه المقاربة الاسترجاعية تكشف عن حضارة واثقة من نفسها، قادرة على استيعاب الآخر وتحويله إلى جزء من هويتها. فكيف امتد تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية من التأسيس والازدهار الى فترة التعثر والانحطاط ولحظات الاسترجاع؟

حركة الترجمة: الجسر بين اليونان والمشرق

بدأت النهضة الفلسفية بحركة ترجمة واسعة النطاق في عهد الخلفاء العباسيين، خاصة المأمون (813-833م). أُسست "بيت الحكمة" في بغداد كمركز للترجمة والنسخ والمناقشة، حيث عمل مترجمون من مختلف الأعراق (عرب، سريان، فارسيون، يهود). ترجمت أعمال أرسطو (المنطق، الطبيعيات، ما بعد الطبيعة)، أفلاطون (الجمهورية، طيماوس)، وأفلاطونيين محدثين مثل أفلوطين، بالإضافة إلى مؤلفات جالينوس في الطب، وبطليموس في الفلك، وإقليدس في الهندسة.

لم تقتصر الترجمة على اليونانية؛ فقد دخلت مصادر مشرقية هامة. من فارس جاءت أفكار زرادشتية حول الثنائية الكونية (النور والظلام) وأسطورة الملكية العادلة، ومن الهند نقلت أعمال في الرياضيات (الأرقام الهندية، الجبر) والطب (الأيورفيدا) والمنطق. كما ساهمت الترجمات السريانية للتراث اليوناني (التي حفظها المسيحيون النساطرة) في نقل معارف دقيقة. هكذا، أصبحت بغداد ملتقى حضارات: اليوناني التحليلي يلتقي بالمشرقي الروحي، تحت سقف التوحيد الإسلامي الذي يؤكد وحدة الحقيقة.

المرحلة التأسيسية: الكندي والتوفيق الأول

يُشكل أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (801-873م)، "فيلسوف العرب"، الرائد الأول. عاش في بغداد ودرس التراث اليوناني بعمق، محاولاً التوفيق بينه وبين الإسلام. اعتمد على أرسطو في المنطق والطبيعيات، وعلى أفلاطون في الأخلاق، لكنه أدخل مفهوم "الفيض" الأفلوطيني ليشرح كيف ينبثق العالم من الله دون أن يناقض الخلق الإسلامي. ركز الكندي على وحدة الفلسفة والدين: كلاهما يصلان إلى الحقيقة، لكن الفلسفة بالعقل والدين بالوحي. درس النفس وخلودها، وألف في الموسيقى والرياضيات مستلهماً المصادر الهندية واليونانية. كانت فلسفته استرجاعاً إبداعياً: يستعيد اليوناني ليخدم فهماً إسلامياً للوجود.

الذروة الفارابية والأفلوطونية المحدثة

بلغت الفلسفة ذروتها مع أبي نصر الفارابي (870-950م)، "المعلم الثاني" بعد أرسطو. جمع بين أرسطو وأفلاطون في مشروعه "المدينة الفاضلة"، مستلهماً "الجمهورية" الأفلاطونية لكنه أسلمها بجعل الحاكم فيلسوفاً-نبياً يجمع بين الحكمة والشريعة. طور نظاماً كونياً فيضياً: الله في قمة السلسلة، ثم العقول السماوية، فالعالم المادي. استفاد الفارابي من التراث الفارسي في فكرة الحكم العادل، ومن اليوناني في المنطق الذي جعله أداة لكل معرفة. ألف تعليقات عميقة على أرسطو، وميز بين الفلسفة النظرية والعملية، مؤكداً أن السعادة تتحقق في المجتمع الفاضل. كان استرجاعه لأفلاطون يهدف إلى بناء مجتمع إسلامي مثالي يتجاوز الواقع السياسي المضطرب.

ابن سينا: الذروة الشاملة والتوليف

يُعتبر أبو علي الحسين بن سينا (980-1037م) قمة هذا العصر. في "الشفاء" و"النجاة" و"الإشارات والتنبيهات"، قدم موسوعة فلسفية شملت المنطق، الطبيعيات، ما بعد الطبيعة، والأخلاق. جمع بين أرسطو (الذي صححه ووسعه) وأفلاطونية محدثة، مضيفاً لمسات مشرقية في علم النفس والتصوف. ابتكر ابن سينا تمييزاً حاسماً بين الوجود الضروري (الله) والوجود الممكن (العالم)، الذي يحتاج إلى علة خارجية. أثرت خبرته الطبية (مستلهمة جالينوس والتراث الهندي-فارسي) في فهمه للنفس كقوة حيوية. رأى في الفلسفة طريقاً للكمال الروحي، وأثرى علم الفلك والموسيقى. كان توليفه استرجاعاً شاملاً: اليوناني يُعاد صياغته داخل رؤية توحيدية مشرقية، حيث يصبح العقل باباً للقرب من الله.

الفلسفات المشرقية: البعد الروحي والكوني

لم تكن الفلسفة العربية الإسلامية يونانية فقط. أثرت الفلسفة الفارسية القديمة (مانوية، زرادشتية) في مفاهيم النور والظلام والعدالة الكونية، كما نرى عند شهاب الدين السهروردي (مؤسس "الحكمة الإشراقية") الذي جمع بين اليوناني والمشرقي في رؤية إشراقية تعتمد على البصيرة لا العقل الجاف فقط. من الهند جاءت أفكار في الرياضيات (الصفر، الجبر عند الخوارزمي) والتأمل الروحي. ساهمت التراثات المصرية والسريانية في علم التنجيم والكيمياء (الجابر بن حيان). هذا الحوار المشرقي أضفى على الفلسفة الإسلامية بعداً روحياً عميقاً، يتجاوز التحليل الأرسطي نحو الاتحاد الصوفي.

التوتر والنقد: الغزالي وابن رشد

لم يكن العصر خالياً من التوتر. قدم أبو حامد الغزالي (1058-1111م) في "تهافت الفلاسفة" نقداً حاداً لابن سينا والفارابي، متهماً إياهم بالتناقض مع الشرع في مسائل الخلود والقدم. لم يرفض الغزالي الفلسفة كلها، بل المنطق والطبيعيات، محتفظاً بها كأدوات بينما يؤكد أولوية الكشف الصوفي. كان نقده استرجاعاً للتوازن الإسلامي أمام تغول العقل. في المغرب والأندلس، رد ابن رشد (1126-1198م) في "تهافت التهافت" مدافعاً عن أرسطو، مميزاً بين الحقيقة الفلسفية والدينية (نظرية التأويل المزدوج). رأى أن الفلسفة لا تناقض الشريعة إذا فُهمت فهماً صحيحاً. كان ابن رشد يمثل قمة الاسترجاع الأرسطي النقي، الذي أثر لاحقاً في أوروبا أكثر من تأثيره في الشرق.

خاتمة

بدأ التراجع تدريجياً بعد القرن الثاني عشر بسبب الاضطرابات السياسية (الغزو المغولي)، صعود التيارات الحرفية والصوفية، وانغلاق بعض الأبواب على الاجتهاد. لم تمت الفلسفة، بل تحولت إلى حكمة إشراقية (السهروردي، الملا صدرا لاحقاً) تجمع بين العقل والكشف. في الاسترجاع اليوم، تكشف هذه التجربة عن حضارة قادرة على الاستيعاب والإبداع. استرجعت اليوناني لتتجاوزه، واستوعبت المشرقي لتثريه بالتوحيد. تظل دروسها قائمة: الحوار بين العقل والوحي، التوفيق بين الثقافات، والثقة في قدرة العقل البشري على الاقتراب من الحقيقة. هذا الإرث ليس ماضياً فقط، بل أساس لأي نهضة فكرية معاصرة تبني على التعددية والعمق الحضاري. في عصرنا الذي يعاني من انقسامات ثقافية، يذكرنا تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية بأن الحوار والاسترجاع الإبداعي هما طريق الحضارة الحقيقية. فكيف ننتقل من التراجع والإرث الخالد الى الاسترجاع والاستفاقة من جديد؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في إمكان ألاَّ نغرق في الافتراضي

للسعادة منحيان؛ منحى قصير الأمد، وآخر طويل الأمد، وكلاهما رهينان ظروف ذات الفرد، وأخرى خارج ذاته، وأحيانا يلتقيان بإرادة الفرد ذاته. كل من المنحيين يرفع في أدمغتنا هرمون الدوبامين(Dopamin)؛ الناقل العصبي الذي كلما زاد نشاطه في الدماغ البشري زاد شعور البهجة فينا؛ ونشاطه يعتمد على الضخ الدائم لمسببات السعادة، أو لنَقُل الإدمان المفرط على الاستهلاك القهري لإشباع رغبات النفس لتحقيق السعادة بنوعيها اللحظية، والبطيئة.

السعادة ذات الأمد القصير تتمثل بمثيرات ومؤثرات خارجية، نقدّمها لأنفسنا، أو يقدمها لنا أفراد، أو شركات، أو مؤسسات. فوضى البحث عن السعادة السريعة لها مصاديقها الكثيرة غير المحدودة؛ مثل تصفح الهاتف المستمر، مشاهدة الأفلام، والبرامج، والفيديوات، والاستماع للموسيقى والغناء، وإدمان المخدرات أو المسكرات، والغوص في العالم الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومحادثات عبر الجات، والتواصل مع برامج الذكاء الاصطناعي.... وغيرها الكثير من مسببات السعادة المصنوعة.

منصات التواصل الاجتماعي اليوم هي إحدى مصادر السعادة اللحظية التي يكتسبها أي فرد منا؛ ويبرع المتنفذون فيها بتقديم المزيد من الخوارزميات المُبرمجة حسب اهتمام الفرد لإبقائه على الشاشة لفترات طويلة. فضلا عن ذلك أصبحت منصات التواصل أيضا مثل ساحة كرة القدم، الكل يريد تسديد أهدافه ليفوز، أو ليستفز إرادة الآخرين لتحقيق أهدافهم كذلك. كما يمكن القول: إن الساحة الرقمية ركّزت النرجسية والتمركز حول الذات عبر كسب المزيد من الإعجابات والتعليقات، لذلك يسعى الكثيرون للبقاء على الشاشة لاسترسال اللعبة، وكسب المزيد من الأهداف.

أما السعادة ذات الأمد الطويل فهي التي نسعى نحن لتحقيقها، وتتطلب جهودنا الشخصية، ووقتا طويلا؛ مثلا قراءة كتاب، جلسة تأمل مع النفس، الذهاب للتسوّق، إعداد وجبات غذائية في المنزل، التنزّه في الطبيعة والجلوس فيها بذكر وتسبيح الله، الجلوس مع العائلة وتبادل الأحاديث الشيقة، زيارة الأقارب والأصدقاء، ممارسة شتى أنواع الرياضة..وغيرها من مسببات السعادة البطيئة.

إطلاق كميات هائلة من الدوبامين في الدماغ، هو العامل الأساس الذي يوقد في نفوسنا شعلة السعي نحو كسب المزيد من مسببات السعادة السريعة، أو البطيئة، فنشعر بالفرح. والدماغ يسعى لكسب المزيد من مسببات المتعة، وكسبها يعني استمرار عملية الاستهلاك، سيما عالمنا اليوم هو عالم الوفرة الفوضوية الصاخبة. التماهي مع حالة الاستهلاك هذه تجعلنا ندور في حلقة مفرغة من السعي وراء الرغبات المستمرة لنحقق السعادة، وهذا الإفراط في الكسب القهري للسعادة يؤدي إلى الملل، والضجر، والتوتر، والتشتت الذهني، والقلق، وفقدان الشعور بأي فرح، أو لذة لكل المتع في أبسط الأشياء؛ لأن الدماغ يختزن كميات هائلة من الدوبامين. الدوبامين لا يأتي من خارج الدماغ إنما يزداد إفرازه في الدماغ كلما زاد الإدمان القهري على الملذات ف(كل شيء يتجاوز حده يصير ضده)- كما يقولون. الدوبامين حامي/حرامي، يمتّع الناس، ويتركهم في حالة الألم بسبب الضجر، والملل، والقلق، والتشتت، وعدم الراحة لفقدان الإحساس بمتعة الأشياء، وحالة الألم هذه تجعل الدماغ يميل إلى التوازن، ويقف على نقطة الارتكاز الوسطى.

حقيقة عمل الدماغ مع مسببات اللذة والألم تكشفها لنا الدكتورة "ليمبكي" طبيبة النفس، حيث تصرّح إن اللذة والألم يعملان في مناطق متداخلة من الدماغ، ويعملان كالميزان مع نقطة ارتكاز في الوسط. عندما لا يكون شيء في الميزان يكون في حالة توازن مستوٍ؛ لكن حين الشعور باللذة يتم إطلاق الدوبامين في مسار المكافأة الخاص بنا فيميل التوازن إلى جانب اللذة، وكلما مال الميزان زاد فينا شعور اللذة، لكن ما يهم الميزان هو أن يكون مستويا -أي في حالة توازن-، وفي كل مرة تتجه كفة الميزان نحو اللذة تبدأ آليات التنظيم الذاتي القوية في العمل لإعادة مستوى الميزان مرة أخرى، ولا تتطلب آليات التنظيم الذاتي هذه التفكير الواعي بل تحدث فقط كرد فعل انعكاسي، فيميل الميزان إلى كمية معاكسة ومتساوية من الألم لمواجهة الثقل على جانب اللذة ليحقق التوازن لذاته، والشعور المفرط بالبهجة هو المسبب للألم لأن التعرض المفرط لمصادر اللذة يفقد المتعة، ويقود إلى الألم المتسبب من السعي الدؤوب وراء اللذة[1].

وتطرح الدكتورة "ليمبكي" حلولا لنا في كيفية السيطرة على هوس الاستهلاك المستمر لكل مسببات السعادة الفورية عبر تجارب سريرية خاضتها مع مرضاها في حالاتهم المختلفة. تقودنا "ليمبكي" إلى نتيجة مفادها إن بإمكاننا الحد من الإدمان الدوباميني بصيام الدوبامين؛ يعني الابتعاد عن كل ما يمنحنا متعة فورية. حيث أن التعافي يبدأ بالامتناع عن السلوك الإدماني، وهو ما يضبط مسار مكافأة الدماغ الذي يؤدي إلى استعادة القدرة على الاستمتاع بالملذات البسيطة. وتشكيل العلاقات الإيجابية التي تمنح الحياة معنى، بدلا عن الاستهلاك المستمر، معتبرة أن السعادة الحقيقية ليست في المتع السريعة بل في بناء حياة ذات مغزى عندما نبتعد عن السلوكيات التي تستهلك الطاقة العقلية والنفسية، ونكتشف جمال الحياة في التفاصيل الصغيرة مثل قراءة كتاب، قضاء وقت ممتع مع العائلة، التأمل، التنزه في الطبيعة لساعات طويلة مع التنفس العميق، أو حتى الجلوس بهدوء دون كلام بصمت مع النفس. والصيام الدوباميني يعني الجهاد مع النفس ونوازعها، وهو ما يتطلب الصبر والتحمل لأنه يقود إلى خلق مساحة واقعية ومعرفية بين الرغبة والاستهلاك؛ وهي ضرورة حديثة في عالمنا المثقل بالدوبامين[2].

وسائل مسببات السعادة اللحظية نموذجها الأجهزة الذكية، وأسلوبنا في استخدامها يحدد الشعور بالرضا والمعنى، أو الملل والضياع في عالم يموج بتدفق المعلومات وصخب الوفرة. معنى هذا أن اللجوء إلى التكنولوجيا لتحقيق المعاني التي نرغبها في أعماق وجودنا هو أسلوب سيء، إلاّ إذا كان مكمّلا لتحقيق المعاني فهذا أمر جيد. هذه الحقيقة أيضا أثبتها الأستاذ "آرثر بروكس" أستاذ ممارسة القيادة العامة في كلية هارفارد كينيدي، وأستاذ ممارسة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال في كتابه الجديد "معنى حياتك: إيجاد الغاية في عصر الفراغ"، يستكشف، أن الناس باتوا يلجأون إلى أجهزتهم لتقليل المشقة في مختلف جوانب حياتهم، ما قد يُبعدهم تدريجيًا عن الإحساس بالمعنى والغاية، وشدد على أن الحل ليس بالتخلّص من الهاتف أو الجهاز الذكي بل ينبغي أن يكون الهاتف مجرد أداة لتحقيق بعض ما نتوق إليه وليس كله[3].

تجربتي مع الانقطاع المؤقت عن العالم الرقمي

لستُ من المدمنين على التواجد الدائم في قنوات التواصل الاجتماعي، استخدم وسائل الاتصال بأوقات خاصة ومقننة إلى بعدٍ لا بأس به، لا أتابع كل شاردة وواردة، أو أكرر النظر في هاتفي طوال اليوم. وقد وضعت لنفسي برنامجا بموازاة ذلك عبر ممارسة الأنشطة المختلفة، وهي مهمة لراحة النفس والعقل. انفصلت لفترة قصيرة عن كل قنوات الاتصال. في الأيام الأولى اعترتني أعراض جسدية؛ منها الشعور بدَويٍّ صاخب في رأسي، فوضى ذهنية، عدم التركيز، والميل إلى النوم والاسترخاء فقط، كأني خرجتُ للتو من أعماق محيط متلاطم الأمواج. حينما كنت متماهية مع العالم المجازي لم أشعر بهذه الأعراض؛ لأن التواصل المستمر يحدث حالة إدمان قهرية ناتجة عن التماهي مع هذا العالم، بالضبط مثل الإدمان على المنبهات أو المواد المخدرة. استمرت بي هذه الحالة لأسبوعين، بعدها شعرتُ بهدوء، وصفاء ذهني، وسكينة نفسية خاصة لم أشعر بها إلاّ في سنوات ما قبل دخولنا عصر الانترنت، وكنت أمارس بعض الهوايات مثل المشي والجلوس تحت الشمس في أول النهار، والمطالعة، فمتعة القراءة في الكتاب الورقي لا تضاهيها متعة القراءة في الكتاب الإلكتروني، وممارسة أنشطتي اليومية في المنزل، وزيارة بعض من صديقاتي. انتابني شعوران متضاربان؛ الأول بودي الانقطاع التام الدائم عن العالم الرقمي وما فيه؛ حيث أسترجع الصفاء والسكينة الجسدية والنفسية والعقلية؛ فلدي الكثير مما يشغلني عنه، لكن في ذات الوقت أفقدُ ضرورة مهمة من ضرورات الحياة الحديثة؛ والانقطاع يعني الأمية؛ فأمية اليوم غير أمية الأمس؛ أمية القرن العشرين هي جهل القراءة والكتابة، وأمية القرن الواحد والعشرين هي جهل العالم الرقمي، والتخلف بكل صوره عن العالم المتقدم الذي يتسابق بتقديم منجزاته العلمية المتدفقة كالسيل العارم كل يوم؛ ليس آخرها روبوتات الذكاء الاصطناعي في كل حقول المعرفة، التي صيّرت الحوار البشري روبوتيا أكثر من كونه بشريا؛ حيث الناس يتحاورون مع الروبوتات أكثر من حوارهم مع نظرائهم البشريين. اما الشعور الثاني فهو التواصل مع العالم الرقمي لكن بترشيد واتزان وقطع مبرمج بين الحين والآخر، وهو ما يعيد للدماغ توازنه، وللنفس سكينتها، وللعقل صفاءه.

وحينما عدت مجددا إلى التواصل الرقمي وجدتُ رسائل واتصالات تتطلب مني الجواب، وحينما شرعتُ ألفيتُ نفسي أغوص مرة أخرى في المحيط، وبدأ الدوار تدريجيا يدب في رأسي، مع إني لم أعد بشكل مكثف، وفي كل يوم أجيب على مجموعة من الرسائل.

تجربتي القصيرة هذه في الانقطاع عن التواصل الرقمي قدحت في ذهني أفكارا، سدّدتْها حقائق انتقيتها من بعض متخصصي التكنولوجيا الرقمية؛ هي:

أولها: الإدمان على التواصل الدائم في العالم الرقمي له تداعياته على الصعيد الشخصي والاجتماعي. على الصعيد الشخصي حينما يلج أي أحد منا العالم المجازي هو بالأحرى ينفصل عن ذاته ليندمج في الذات العامة سواء كانت بشرية أم غيرها عبر التواصل، وبالنتيجة الاندماج يتسبب في إجهاد الجسد والنفس، ليس على صعيد الحاضر بل على المستقبل؛ فالأشعة التي تطلقها الأجهزة الذكية مضرة بالجسد، وتسبب التعب والإرهاق، فضلا عن إرهاق البصر، خدر الأصابع للاستخدام المفرط لها على الجهاز، النسيان، قلة الحركة، بروز السمنة المضرة خاصة لكبار السن، تشتت الوقت، وخطر التعرض لسكتات الدماغ والقلب. وعلى الصعيد النفسي فإنها تتسبب بنشوء حالة من الكآبة والضجر؛ وهي حالة منها يشكو أكثر الناس، فاستقبال الإشعارات والمحفزات بإفراط لكسب السعادة اللحظية يفضي إلى إرهاق الدماغ. أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الإدمان في العالم الرقمي ساهم في تقويض العلاقات الاجتماعية، وصار التواصل بين الناس رقميا في المناسبات وغيرها.

حسب ما ورد عن الأستاذ "آرثر بروكس" في كتابه(معنى حياتك إيجاد الغاية في عصر الفراغ) أن وسائل التواصل الاجتماعي التي ساهمت بتخفيف الشعور بالوحدة عن طريق ربط الناس ببعضهم أضعفت العلاقات الاجتماعية، وزادت من شعور العزلة لدى الأشخاص، كذلك أسهمت بقطع الاتصال بالعالم الداخلي للإنسان، لأنه حينما ينفصل عن ذاته يندمج بذوات بشرية ومجازية في العالم الافتراضي، وهو ما يؤدي في الواقع إلى شعور أكبر بالملل على مستوى الحياة عمومًا.[4] ويقول "إنّ الملل يمنح الدماغ فرصة للدخول في ما يُعرف بـ"شبكة الوضع الافتراضي"، وهي حالة راحة يقظة وغير مركّزة تسمح للعقل بالتجول. وهذا التجول الذهني يفتح الباب أمام أحلام اليقظة أو التفكير في الأسئلة الكبرى حول الحياة"[5].

ثانيها: تقنين التواصل الرقمي، أو القطع المؤقت له لأيام معدودة يفضي إلى عملية فرمتة الدماغ أو تشذيبه من كل مسببات الفوضى والصخب، وهي أشبه بفيروسات مرضية، وتشذيب الدماغ يحقق الهدوء والنقاء العقلي، فالدماغ مُصمّم على التوازن (لا إفراط ولا تفريط) هذا ما أثبتته تجارب مشتركة لدى قادة قطاع التكنولوجيا. وتتقاطع تلك الآراء التي أبدوْها عند نقطة واحدة؛ هي الحرص على عدم ترك التكنولوجيا دون ضوابط داخل المنزل، وإن التوازن بين استخدام وسائل التواصل، والانقطاع المقنن هو المفتاح لتنشئة جيل قادر على التعامل مع عالم رقمي متسارع دون أن يقع تحت سيطرته.[6] ومن هؤلاء المتنفذين؛ "مارك زوكربيرغ" مؤسس شركة"ميتا" وزوجته "بريسيلا تشان" يفرضان مسؤوليات منزلية على أطفالهما، ويصطحبانهما أحيانا إلى مقر العمل لتعريفهم بطبيعة المساهمة المجتمعية، مع فرض قيود واضحة على وقت الشاشات. و"ساتيا ناديلا" الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت يتبنى نهجا مرنا يتيح للأطفال تحديد مسارهم الخاص مع مراقبة نشاطهم الرقمي والحد من المحتوى المسموح به. و"سوندار بيتشاي" الرئيس التنفيذي لغوغل يعترف باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدة أبنائه في الواجبات المدرسية؛ لكنه في الوقت نفسه يفرض قيودا صارمة على استخدام الهواتف ومشاهدة التلفاز. و"بيل غيتس" مؤسس مايكروسوفت اعتمد "فلسفة الحب والمنطق" في التربية، ومنع الهواتف على مائدة الطعام، ولم يمنح أبناءه هواتف ذكية قبل سن 14 عاما[7].

ثالثها: الكتابة عملية ليست يدوية فحسب بل هي عقلية أولا، ونفسية ثانيا، وجسدية ثالثا؛ تستنزف العقل والنفس والجسد؛ ثم أخيرا يأتي دور اليد لتدون الفكرة. اليوم اليد تدوّن أولا، والعقل معطَّل ما دام العقل الإلكتروني يفكر نيابة عن الكاتب. الذكاء الاصطناعي يأخذ النصوص جاهزة من مواقع الانترنت، ويشكلها كيفما شاء، وبعدها كيفما شاء الكاتب- حسب تفكيره وتعبيره وأسلوبه- ويقدمها له دون بذل الجهد؛ معنى هذا إن العقل البشري يتوقف عن التفكير؛ فالروبوتات اليوم بديل عن العقل في البحث عن المعلومات، بمجرد التفكير بأي موضوع ما يحضر الموضوع تلقائيا من دون حاجة للتصفح بل بمحادثة مع الروبوت بأي حقل من الحقول المعرفية. نستنتج من هذا أن التفكير حاضر ليس في عقول الناس بل بين أياديهم بأي حقل يريدون. وظيفة العقل التفكير، ومركز التفكير هو الرأس، ووظيفة اليد التدوين؛ فكيف يكون العقل باليد؟!

للتفكير آلياته التي هي العقل أولا، ودوره في تحليل الفكرة وتدويرها وتشذيبها، والكتابة أيضا لها آلياتها التي هي اليد، ودورها في التنقيح والتصحيح، ومن ثم تثبيت النص، وتصديره إلى القارئ.

"سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركةBusiness Insider، يؤكد على أنه لا يريد لابنه أن يكوّن علاقة شبيهة بالصداقة مع روبوتات الذكاء الاصطناعي مؤكدا على أن الإنسان لابد أن يظل أكثر قدرة حتى لو لم يكن أذكى من الآلة"[8]. أن ينتج العقل الفكرة أفضل من أن يُستعان بعقل إلكتروني لينتجها. ففعالية العقل بالتفكير، وابتكار الأفكار، وتدويرها، والتعمق فيها، وتحليلها. وفعالية اليد بتدوين النصوص.

ورابعها: التماهي مع الذكاء الاصطناعي في كتابة النصوص يؤقلم العقل البشري تدريجيا معه، ويحدث تغييرات في خلايا الدماغ مكونة أشبه بالخلايا الإلكترونية كما للعقل الإلكتروني. وبينت الدراسات الدماغية "أن القيام بعمليات متعددة يعني أن الدماغ يتكيف مع التعدد الذي تسمح به الشبكة العنكبوتية لذلك لا يجب التفريق بين الواقعي والافتراضي"[9]، أو قد يتعذّر بسبب اندماج العقل مع الخيال. وبسبب التداخل بين الواقعي والافتراضي فإن بمجرد التفكير بشيء ما بدون المحاكاة مع الجات، أو النقر على محرك البحث فإن الموضوع يحضر تلقائيا "توقع العديد من المستقبليين وكتاب الخيال العلمي أن البشر والآلات ستندمج في المستقبل وتصبح سايبورغ (أي نظام يمزج بين صفات طبيعية وصفات اصطناعية فيكون بذلك أكثر قدرة وقوة من كليهما، تسمى هذه الفكرة (ما فوق الإنسانية)[10]. بالضبط الحالة شبيهة بالشريحة الإلكترونية التي توضع في الدماغ؛ وهي بمثابة عقل إلكتروني يفكر نيابة عن الفرد. حينما يفكر بأي موضوع فإن الشريحة تحضرها له بثوانٍ معدودة، وهذه الشريحة مناسبة أكثر للصم والبكم، لكن الإنجازات العلمية اليوم تجاوزت الشريحة، بسبب تداخل العقل البشري مع الإلكتروني؛ فإن بمجرد التفكير بأي شيء يريده الفرد بدون أي واسطة يحضر الشيء إلكترونيا بمجرد فتح الجهاز وتشغيل محرك البحث. إن لم تفكر العقول فسوف تتبلّد، وتُصاب بالهزال، والكسل، ومن ثم الضمور، والزهايمر المبكر. ما نرجوه لعقولنا أن يكون لها حق الأولوية بالتفكير لتبقى فعالة حيوية في توليد الأفكار، ويأتي دور اليد لتدوينها وتصديرها إلى القارئ.

ويرى الأستاذ "آرثر بروكس" أن "الذكاء الاصطناعي شديد التعقيد يمكنه إزالة الكثير من المشاكل المعقدة من حياتك ويمنحك وقتًا إضافيًا. لكن كيف ستقضي هذا الوقت؟ إذا استثمرته في التجارب الإنسانية العميقة المرتبطة بالقلب البشري، وفي جوانب الحياة التي تتعلّق بالمحبة والإيمان والأمور الغامضة التي تمنح الحياة معناها الحقيقي، فستكون الرابح. أما إذا حاولت استخدام الذكاء الاصطناعي لحل مشاكلك المركبة، بأن تجعله صديقك أو شريكك العاطفي أو معالجك النفسي، فستجعل حياتك أسوأ بكثير. وأكّد أنّ التجارب الرقمية ليست بديلًا عن الواقع، ولن تتمكّن أبدًا من تقديم كل التفاصيل الدقيقة التي تشكل التجربة الإنسانية، ولن تتمكن أبدًا من محاكاة المعنى الحقيقي لحياتك. وقد تشمل هذه الأولويات العلاقات الإنسانية، والمساعي الإبداعية، والتأمل في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة. لكن المشكلة، إن على الإنسان مواصلة التأمّل بالمشاكل المركبة كي يكتسب فهمًا أعمق من دون أن يصل إلى محطة أخيرة، مشيرًا إلى أنّ هذا النوع من الأسئلة ينبغي للناس تخصيص مزيد من الوقت له إذا أرادوا تعزيز شعورهم بالمعنى. لكنه أيضًا النوع الذي توهم التكنولوجيا بأنها تقدم له اختصارات سريعة لا تنجح في الواقع"[11].

بالنتيجة الإفراط في الإدمان القهري يرهق الدماغ، وهو يحتاج إلى متنفَّس للهدوء ليستعيد توازنه الداخلي، شرط ألاَّ يتخلّل متَنَفَّس الهدوء هذا الضجر وقلق العودة إلى مطاردة كل ما هو جديد. وإذا صار شعور القلق فلا بأس به؛ فهو قلق صحي يعيد للدماغ عافيته، ويسترجع إيقاعه الداخلي لتحقيق حالة التوازن، فاحتضان القلق طريق إلى كسب المعنى.

تقنين التواصل مع العالم الرقمي يعيد التعافي للجسد والنفس من كل مسببات القلق حتى لو كنا منغمسين فيه؛ فإن ما يجعلنا نوقف الإدمان هو التغاضي عن كسب المزيد من المتع اللحظية التي تثقل الدماغ، وتتركه في حالة الألم، وبرمجة الدماغ على انتقاء القليل النافع. إن خلق السعادة يأتي بعد صبر، وتأمل، وتحمّل، واستخدام القوى العقلية والنفسية والجسدية بوقت ليس بالقصير، بدلا عن خلقها بلمسة إصبع لتضع العالم كله بين أيدينا بلمح البصر، وذلك رهن إرادة كل فرد منا.

***

إنتزال الجبوري

.......................

[1] أنظر: ليمبكي، آنا. أمة الدوبامين. ترجمة: علياء العمري. بدون مكان النشر: دار مدارك، 2004، ص78-81.

[2] أنظر: نفس المصدر، ص305-307.

[3] أنظر: ثلاث عادات يومية بسيطة تمنح حياتك معنى دون التخلي عن هاتفك موقع Arabic. Cnn

4 حزيران ٢٠٢٦ يونيو) عن كتابه (معنى حياتك إيجاد الغاية في عصر الفراغ).

[4] أنظر: ثلاث عادات يومية. مصدر مذكور.

[5] نفس المصدر.

[6] أنظر: أبو العينين، رضا. موقع البيان(5/1/2026)(حقل مال).

[7] نفس المصدر.

[8] نفس المصدر.

[9] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في المملكة المغربية. التكنولوجيات والقيم(تقرير). ص30.

[10] موقع ويكيبديا.

[11] ثلاث عادات يومية. مصدر مذكور.

 

أخطر ما يفعله الزمن بنا، أنه لا يسرق أعمارنا فقط، بل يسرق دهشتنا. يبدل العيون التي كانت ترى الجمال في قطرة مطر، بعيون تمر على الكون كله دون أن ترتجف. ويحول العقل الذي كان يطارد المستحيل، إلى عقل يكتفي بتكرار الممكن.

لذلك الفلسفة هي محاولة مستمرة لإنقاذ الطفل الذي يوشك أن يموت في داخل كل واحد منا. ذلك الطفل الذي لم يكن يبحث عن يقين يطمئنه، بل عن حقيقة تستحق أن يعيش من أجلها.

انتبهوا إلى أسئلة الصغار...

فهي ليست ثرثرة عابرة، ولا فضولا ساذجا كما يظن كثير من الكبار، بل هي أنقى أشكال التفكير الإنساني، لأنها أسئلة لم تتلوث بعد بحسابات الخوف، ولم تخضع لسطوة السلطة، ولم تستسلم لوهم اليقين.

فلا تستهينوا بسؤال يخرج من فم طفل؛ فقد يكون في براءته من الحكمة ما لا تحتمله عقول الكبار، وقد يكون في كلمة. لماذا؟ التي ينطقها، بذرة الفيلسوف، والعالم، والمبدع، وكل مشروع نهضة يبدأ بسؤال، لا بإجابة.

لماذا.. ليست كلمة عابرة، بل أول إعلان لاستقلال العقل، وأول تمرد على الاستسلام للمألوف.

الطفل لا يخشى الاقتراب من المناطق التي نفر منها نحن. يسأل عن الله، والموت، والروح، والعدم، والزمن، لأن عقله لم يتعلم بعد أن يضع حول المجهول أسوارا من المحرمات، ولم يقتنع بأن بعض الأسئلة ينبغي أن تموت قبل أن تولد.

وحين نطلب منه أن يكف عن السؤال، فإننا لا نعلمه الأدب، بل نبدأ أول درس في ترويض العقل، وأول خطوة في تحويل الدهشة إلى طاعة، والبحث إلى تكرار، والإنسان الحر إلى حافظ لما قاله الآخرون

انتبهوا أيها السادة إلى أسئلة الصغار... فإنكم إن أحسنتم الإصغاء إليها، سمعتم نبض الفلسفة في أنقى صورها. لا تمروا على تلك الأسئلة العابرة وكأنها كلمات بريئة لا وزن لها؛ ففي داخل كل "لماذا؟" يختبئ عقل يحاول أن يولد، وروح ترفض أن ترث العالم كما هو دون أن تفهمه.

تذكروا أن أعظم العقول في تاريخ الإنسانية بدأت بطفل رفض أن يصمت، وبسؤال صغير أربك يقينا كبيرا. فلا تقتلوا في أطفالكم ذلك الفيلسوف الذي لم يتعلم بعد كيف يخاف، ولم يخضع بعد لسلطة المألوف،

وكل نهضة حقيقية هي، في جوهرها، دفاع عن حق هذا السؤال في أن يظل حيا، لأن السؤال الذي نقتله في طفل اليوم، قد يكون الفكرة التي كانت ستغير العالم غدا

فلا تخافوا من السؤال، لأن الأمم لا تهلك حين تكثر أسئلتها، بل حين تتوقف عن طرحها. ولا تخشوا الحيرة، فإنها ليست نقيض الحقيقة، بل الطريق الوحيد إليها

لا تخافوا ما دام في القلب طفل يندهش، وفي العقل سؤال يقلق، وفي الروح شغف لا يهدأ، فإن الإنسان لم يهزم بعد، وما زالت الفلسفة قادرة على أن تولد من جديد، مع كل طفل يرفع رأسه إلى السماء، ويظن ـ في براءته الجميلة ـ أن الكون خلق خصيصا ليجيب عن سؤاله.

فلنحرس ذلك الطفل من قسوة الاعتياد، ومن ضجيج المسلمات، ومن الذين يوزعون الإجابات قبل أن يسمحوا للناس بطرح الأسئلة. ففي أعماقه يقيم الفيلسوف الأول، وفي عينيه يختبئ المعنى الأول للحرية.

وربما سيأتي يوم ندرك فيه أن أعظم خسائرنا لم تكن ما فقدناه من سنوات، ولا ما تبدد من أحلام، بل ذلك الطفل الذي دفناه تحت أنقاض ما سميناه نضجا.

وحينئذ فقط... سنفهم أن الإنسان لا يبلغ الحكمة عندما يعرف كل شيء، بل عندما يستعيد دهشته الأولى، ويسير في هذا الكون بخطى طفل، وعقل فيلسوف... مدركا أن السؤال ليس طريقا إلى الحقيقة فحسب، بل هو الحقيقة نفسها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

المعرفة الإنسانية بحكم طبيعتها التراكمية تقتضي البناء على ما سبق، واحترامه وفق مرحلته الإنسانية بالأدوات المعرفية آنذاك، بلا تقديس ولا إزاحة عن طبيعته النسبية، وأيّ جمود على حدود معرفية معينة تعني انتحار السؤال، وإذا توقف تدفق السؤال انتصب اليقين؛ ومن هنا كان المنهج الشكّي والعقلية النسبية تأخذ المعرفة إلى آفاق رحبة مما لم يُتخَيّل يوما وصول البشرية إليه، في حين تتكلّس المعرفة اليقينية على ضفاف الماضي؛ لأن العقلية النسبية تمنح السؤال مساحة مطلقة لينتضي سيفه في ميدان التحقق.

غنيٌ عن القول إن العقل البشري محدود، ونتاج المحدود محدود، وهذه طبيعة حتمية ينبغي لنا أن نتصالح معها ليس من حيث المبدأ فحسب، بل وحتى من حيث الإسقاطات والتطبيقات العملية لهذه الآلة الفكرية، فما كان محدودا كالأفكار التي ينتجها العقل فهو قابل -للأبد - للأخذ والرد، والاعتراض والتفنيد، وبالتالي فأيُّ نتيجة عقلية فهي مؤقتة وإن بدَت عظيمة؛ ولذلك للزمان كلمته الصارمة في هذا الشأن؛ لأنه لا توجد فكرة وُجدت متأهّلة للخلود، وما كان ممجّدا بالأمس أمسى ممجوجا اليوم.

كما أن العقل البشري منحاز لا محالة، فأحكامه غير موضوعية، وما كان منحازا فلا يُرتَجى منه رأيٌ منيع من الزيغ، وإنّ تَفهُّم هذه الطبيعة يغرس فينا التواضع المعرفي، ويجعلنا ندرك مدى رقعة الجهل والمجهول الآخذة في الاتّساع؛ ولذا نكون أكثر سماحة للتعرّض للأفكار المضادّة، كما أن ذلك يدفعنا للتعاطي مع الآخر بصدر رحب بحكم حقه الطبيعي لتبنّي الآراء الشخصية مهما كانت، وهذا ما لا تستسيغه عقلية اليقين حيث العزوف عن الانفتاح على الآخر، وعدم احتمال التعرّض لمختلف الأفكار؛ لسبب وجيه جدا وهو أنّ عقلية اليقين تجعل ما نعتنقه ونتبنّاه جزءًا من هويّتنا، وأي مساس بذلك فهو تهديد يطال ذواتنا! وهذا هو أُسُّ التعصب الفكري.

إنّ عقلية اليقين تجثم على صدر العقل النقدي، فلا يستطيع أن ينتشل نفسه من براثن الفكرة المهووس بها، إذ يراها آخِرَهُ وحَدَّه، ومُنتهاه وأقصاه، فإذا استولى هذا الشعور، انقطع عن السؤال وقوده الذي هو الفضول والشك وشراسة المساءلة التي لا يُشبِع غرورَها إلا إجابات رصينة خالية من الثغرات، وحيث إن هذه الثغرات موجودة على الدوام فسهام العقل النقدي تلاحقها على الدوام.

من المعلوم أنّ كل واحد منا يُولد في بيئة تشكّل تصوّراته الكبرى حول نفسه والكون، ثم ننقسم إلى تيارين عريضين، تيّار يمضي على خطى جماعته التي نشأ فيها، مبلورا حياته وفقها، وتيّار يقضي حياته بعد لحظة الإدراك ينفض عنه ما علِق بطيّات ذهنه من معتقدات قومه وأسلوب حياتهم.

إن خطورة عقلية اليقين أنها تتناسل بواباتٍ تحكّمية تنتشر في مناطق معرفية مختلفة، تبارك الأفكار التي من شيعتها وتمتحُ من نبعها، وتتمسّح بسِنْخها، وترفض بصلافة ما لا يتساوَق معها؛ ولهذا فإن أصحاب عقلية اليقين يعيشون في حلقة متكررة من الاستجابة لأحداث الحياة، ويحرمون أنفسهم من الاطلاع على الحيوات الأخرى الموجودة وكأنها في عوالم متوازية.

إننا نشيّد مواقفنا الفكرية بناءً على تصوّراتنا الكبرى التي نتشبّث بها، وما إن يلحق هذه التصوّرات انزياح جزئي أو انقلاب كلّي تتبدّل تلك المواقف بحسب مدى تغيّر تصوّراتنا؛ ولذا كانت النسبية مسلكا قويما في تبنّي الأفكار مهما عظُمت دلائلها وقويت حججها، إذْ تبقى قابلة للتجاوز متى ما نهضت أدلة تدعم غيرها، فالعقلية النسبية - بخلاف عقلية اليقين - لا تساوي بين الفكرة والهُويّة، فأي نقد للفكرة لا ينطوي على أي تهديد شخصي، بل على العكس تماما، فعدم تغيير الفكرة في حال الاقتناع بأخرى نراه ضربا من الخيانة لأنفسنا التي تتوق للانعتاق من الخطأ والجهل وتشرئبّ أعناقها لحرية المعرفة ولذّتها، وفيما تعيش عقلية اليقين استرواحًا وهميًا يقطع احتمالات نموّها، يسكن العقلية النقدية قلقٌ صحيٌ يدفعها للمراجعة الدائمة والتطوير المستدام.

***

محمـــد سيـــف

تتجسد فلسفة الوجود في أعمق تجلياتها حين تلتحم القيم بالآفاق الروحية للإنسان، وهي تجربة لم تعد بالنسبة لي مجرد ترف فكري، بل هي الرسالة الأسمى التي نذرت لها القلم والجهد؛ رسالة تسعى لاستعادة أصالة الكينونة وسط عالم يموج بالماديات. وفي قلب هذا الوجود الروحي، يتجلى التوحيد ليس فقط كعقيدة مًجردة، بل كحالة روحية ممتدة تنعكس على النفس طمأنينة واتساقاً، وقيمة معرفيّة عليا تمنح العقل ميزاناً مطلقاً لتفسير الوجود والغاية منه.

غير أن السير في هذا الطريق يكشف عن فجوات حادة استشعرتُ وطأتها في واقعنِا المعاصر؛ من حيث نقف اليوم أمام قيمٍ من اللغة ساقطة، تبدلت دلالاتها واغتربت ألفاظها الشريفة في سياقات التشويه.

ولعل أخطر مظاهر هذا الاغتراب الروحي هو غياب قيمة الصدق، الذي لم يعد مجرد فضيلة أخلاقية مفقودة، بل أصبح غيابه حجاباً كثيفاً يحول بين الإنسان ومعرفة حقيقته الأصليّة، حقيقة نفسه وحقيقة خالقه.

وأمام هذا الشتات الممزق، تبرز الحاجة الملحة إلى إحياء فلسفة المثل الأعلى، ذلك النموذج المتسامي الذي يحرك الوجدان ويوجه السلوك؛ ليكون المنار الذي يربط الأرض بالسماء، ويعيد للقيم مركزيتها في صياغة الوجود الروحي للإنسان على التعميم:

وتتضمن المقالة العناصر الآتية:

(1) الرسالة

(2) التوحيد.. كحالة روحية وقيمة معرفية

(3) قيم من اللغة ساقطة

(4) غياب قيمة الصدق

(5) فلسفة المثل الأعلى

ــ الرسالة:

في أواخر سنة 1995م، وبعد حصولي على الدكتوراة، قضيت بعدها مباشرة سنوات مشغولاً بالفكرة العلويّة وبقيم الوجود الروحي، وكتبت إذْ ذاك أكداساً لا حصر لها من الأوراق، ونشرت كثيراً من المقالات في المحروسة، بالأهرام المسائي والوفد ومجلة التصوف الإسلامي بالقاهرة، وكل ما هو كان متاحاً أمامي للنشر، لا أفرغ من فكرة إلا ويعقبها الشروع في أخرى.

كنت أقرأ كثيراً وأكتب ولا أتعب لا من ناحية الجسد ولا من ناحية النظر. كانت الكتابة بالنسبة لي متعة لا تدانيها متعة ونشاطاً يوقظ النفس من سُباتها العميق ويشعل العقل بنور المعرفة. إذ ذاك نشرت كثيراً من المقالات المطولة والدراسات المعمقة منها ما هو  نشر كاملاً فاحتفظت به بعد نشره، ومنها ما نشر بسبب المساحة مبتوراً، ومع ذلك كنت أحتفظ بالأصول وأحياناً بالمسودات.

كان الشغل الشاغل عندي هو فكرة الدفاع عن "القيم"، وكانت هي الفكرة الجامعة الشائعة في كل ما أردت أن أقوله مضمراً وغير مضمر، وبخاصّةِ تلك القيم التي يفرضها علينا الوجود الروحي. هذا الوجود الذي نلمسه عن قرب في ميادين الحياة الروحيّة، ولا يعني إيماننا بقيم الوجود الروحي أننا ننكر العالم المادي بما فيه ومن فيه، أو أننا لا نؤمن به؛ فذلك فضلاً عن كونه سذاجة ظاهرة هو أيضاً ممّا لم يخطر لنا على بال؛ إذ ليس في الأمر ثمة تناقض بين ضرورات العالم المادي ومطالب العالم الروحي، ولكنهما في سياق الوجود عالمان متكاملان ولا يعني تكاملهما إنهما يوجدان فرائض التناقض كأنهما عالمان منفصلان في فضاءين منعزلين.

العالم المادي ممّا لا شك فيه مظهر من مظاهر الحياة الروحيّة، وكل إيغال في مطالبه يؤكد وجود هذه الحقيقة على وجه من الوجوه، لكن الإقبال عليه والانصراف كل الانصراف له، بغير إدراك هذا الوجه هو المرفوض؛ فالإيغال الأجوف في ضرورات المادة يعوق النظر حتماً إلى مطالب الروح ولا يتيح الفرصة سانحة أمام العقل والضمير والبصيرة الهادية إلى إدراك الوجه الأمثل في البقاء على مثل هذا التكامل بين ما هو مادي وما هو روحي؛ فلا بدّ ممّا ليس منه بُد: من تكامل يؤدي إلى تعادل في موازين الحقائق، وفي إدراك الحقائق، وفي فهم حقائق الأشياء.

سيجد القاري في اصطلاح الوجود الروحي مناط القيم فكرة ضخمة مطروقة من جانبنا عمداً وقصداً في ثقافتنا الروحيّة.

ولعل السبب في هذا هو: أن كل ما كتبته من قضايا وآراء ومحاور ومباحث إنّما هو في سبيل هذه القضية الكبرى، أعني الوجود الروحي، فمن الوجود الروحي نبدأ وإلى الوجود الروحي نعود. وليس علينا من غضاضة ما دامت لنا قضيتنا الكبرى ننطلق منها وإليها نعود، ونراها من قبل ومن بعد، خير تعبير عن إصلاح الإنسان: إصلاحه الفكري والثقافي، وإصلاحه العقلي والوجداني، وإصلاحه الواقعي والحياتي على السواء.

لماذا نشكو أحر الشكوى في كتاباتنا ومؤلفاتنا، وفي صحفنا ومجلاتنا من فساد جربناه؟ ولماذا نشكو أحر الشكوى من أقلامنا الضعيفة، وثقافتنا المترهلة، ولغتنا المبتذلة، ومستوياتنا العلمية الركيكة، وواقعنا العملي والأخلاقي المتردي؟ ولماذا نشكو أحر الشكوى من عوامل القهر والتسلط والتخلف، ولسنا نجد في نفوسنا استنفاراً للهمم العالية تقاوم كل قهر، وتتصدى لكل تسلط، وترهب أسباب التخلف بقيم الحضارة والتقدم؟

لماذا نشكو أحر الشكوى من عوامل التشتت وأسباب التشرذم وقلة الإدراك للوحدة والتوحيد والاتحاد في ضمائرنا وقلوبنا قبل واقعاتنا وأمتنا وأوطاننا؟ لماذا نشكو أحر الشكوى من اهتزاز القيم وفقدان المبادئ وقلة الاكتراث لفعل الإرادة فينا وضوابط الأخلاق؟ لماذا نشكو أمر الشكوى من.. من... من... إلى كثير ممّا لو تعقبناه لاسودت أمامنا صفحات وصفحات؟!

لأننا ببساطة شديدة فقدنا أو كدنا قيم الوجود الروحي الذي من شأنه أن يمدنا بالطلاقة الروحيّة، فتمدنا بدورها بالتحرر من سطحية العلائق والأغيار، وتزيدنا فهماً للحرية التي تتكبر على الضرورة الماديّة، يعلو بمقتضاها الفرد الفذ في معارج الوعي والإدراك لكل القيم العلويّة التي ينتج عنها الآداب والفنون بمقدار ما ينتج عنها كل فضيلة روحية وعقليّة وفكريّة، تصدق بمقدار صدق الفضائل في ضمير الإنسان.

ــ التوحيد.. كحالة روحية وقيمة معرفية:

نعم.. ! إنما نشكو أمرّ الشكوى من بقاء التشتت والتشرذم فينا وفقداننا لتفعيل التوحيد في حياتنا المعرفيّة، بسبب أن قلة افتقار العربي المسلم إلى فهم غريزة التوحيد، لم تجعله يتمكن في ذاته من أن يُفعِّل هذه الغريزة على المستوى العقلي والثقافي ولا على المستوي العملي التطبيقي، غير أنه ينتكص على عقبيه، ويعودُ أدراجه مستغرقاً في التجزيئية المُفرطة، ولم يهيئه توحيده الفطري؛ لأن يجري عليه ممارسته العمليّة والواقعية؛ فأضحى تدينه في كفة، ونشاطه الفكري والثقافي والعملي في كفة أخرى، فجاءت عقليته عقلية فصل ومباعدة لا ربط فيها ولا توحُّد بين أجزائها، وليس بمقدورها أن تصل إلى "الوحدة" التي هى غريزتها الأصيلة المفطورة عليها. لكأنما العربي لم يستطع أن يفهم: ماذا عَسَاها كانت تكون فطرة الوحدانيّة؟

لكأنه لم يستطع بعدُ، لأجل تدينه الساذج البسيط، أن يكوِّن لديه رؤية مُوحَّدة، يجريها على الواقع الفكري والنظري، تماماً كما يجريها على الواقع الفعلي والتطبيقي، كما هى مُقررة قبلاً في الواقع الديني بالفعل، إذْ إن فكرة الرؤية الموحدة تلك، إنما هى فكرة دينية بالأساس، وليس للعقل فضل فيها إلا فضل الشرح والتحليل.

ثم ما معنى أن تكون متديناً بدين التوحيد الذي فطرت عليه تمارسه شكلاً دون أنْ تجريه معرفياً: واقعاً فكريّاً وثقافياً ومعنوياً وروحيّاً؛ ليكون هو عينه مجرى التجربة على المستوى الفعلي والتطبيقي؟

إنما العائق الوحيد أمام العقل العربي يبدو ظاهراً جليّاً في قلة الفهم أو عدمه لفطرة التوحيد، وتعطيل فاعلية الوحدة على صعيد الممارسة السلوكية، ونبذ قوتها واستبدالها بضعف الفرقة والخلاف والتشتت الدائم والاستغراق في التفاصيل والجزئيات؛ لتجيء التجزيئية هى العاملة في واقع أسود مُغرق في المحدوديّة النظريّة والعمليّة؛ الأمر الذي يجعل الباحث يشك كثيراً في أمته العربية والإسلامية: هل هذه بالفعل، والحال كما ترى، أمة تدين بالتوحيد عقيدة وعلماً ونظراً وسلوكاً وممارسة وتطبيقاً؟!

وهى إذا كانت تدين بالتوحيد فعلاً وتقريراً وواقعاً وتفصيلاً، لماذا عزلته عن واقعاتها الحياتية، فلم يسفر إلا عن فرقة وشتات: عزلته عن الواقع الفكري، فلم تستطع أن تتخذه أساساً لمنطلقاتها النظريّة، وعزلته عن الواقع الفعلي، فلم تتحقق من مجرياته التطبيقية، ولم يؤثر قيد أنملة في وقائع تلك المجريات، وعزلته مرة ثالثة عن الواقع الديني، فأنتج واقع الأمة التي تدين بعقيدة التوحيد شكلاً ينقصه المضمون؛ أنتج أصناماً وأوثاناً تُعْبَد من دون الله في أشكال جديدة، وقدَّست المخلوقين بدلاً من تقديس الخالق، وآمنت بالخرافة والتخلف دون الإيمان بالفهم البصير والعقل المستنير، وارتضت بالمذلة والهوان وقلة القيمة في واقعها الأسود لا تملك فيه سوى شعارات الغضب.

ولم لا.. لم يكن هنالك من عجب؟! فإذا لم يكن التوحيدُ معزولاً عن الواقع الديني أصلاً لما أضحى معزولاً كذلك عن الواقع النظري والفكري ثم الواقع الفعلي، الأمر الذي جعل الإيمان الديني لدى المسلم قشرة سطحية تخلو أو تكاد من المضمون العملي، وهو الذي لا نشك لحظة واحدة في أنه ينتج لغة ومدنية وعلماً وفناً وحضارة، ولو كان تدينه بالفعل مرهوناً ببصيرة التذوق الدافعة إلى العمل والإنتاج لربط كل الأشباه والأضداد وصعد بها عارجاً إلى توخِّي الوحدة.

ولكن الواقع الثقافي العربي الحالي يقول لك بأبلغ لسان: إنّ هذه البصيرة الذوقية مفقودة أو تكاد، الأمر الذي أطمع الأغيار فينا حتى دهسونا بأقدم النعال.

ــ قيم من اللغة ساقطة:

وإذا كانت قيمة التوحيد، وهي تُعَد أعلى هرم القيم، تبدو هزيلة في الفعل العربي غير منظور إليها بعين الاعتبار، فما بالك بسائر القيم الأخرى التي تترتب عليها بالضرورة؟

كيف يستطيع شبابنا أن يستلهم قيم الحق والخير والعدالة والجمال في سلوكه وعمله بعد اعتقاده في معطياتها، واستيعابه نظريّاً لمنطلقاتها؟ وماذا عساه يكون الحال في قيم مثل: الدّين والوطن، واللغة، والهويّة؟

خذ على ذلك مثلاً هناك من قريب: ثلاث قيم كبرى سقطت بين شبابنا اليوم، وكلما مرّ بهم الزمن نحو المستقبل يزداد إصرارهم على سقوطها: الوطنيّة، والدين، واللغة.

بالطبع، لن أتكلم هنا لا عن الدين ولا عن الوطنيّة، فالكلام عنهما طويل جداً، ولكن عن اللغة باعتبار مساسها مباشرة بالكتابة والتأليف.

كلما قرأت للأجيال الجديدة وجدت فقدان أهم خاصّة تستند عليها الكتابة التي تؤهل صاحبها لممارسة التأليف والعمل الإبداعي، وهى افتقارهم "لقوة الهضم" والصبر عليها وتربيتها سلفاً في طواياهم الباطنة، فبمقدار "قوة الهضم" يجئ الابتكار مرهوناً بقدرة العقل الهاضمة للأفكار والآراء، وللمباحث ووجهات النظر المختلفة. لا يتأتى الإبداع هكذا ضربة لازب أشبه ما يكون بطفرة عرضيّة لا جهد فيها ولا عناء.

القدرة على الإبداع في الذهن المبدع الخَلاّق موصولة بنسب عريق بقوة الهضم لأفكار السابقين؛ فلا إبداع من فراغ مطلقاً؛ بل إن المبدعين من فراغ لا مكان لهم إلا في مستشفى الأمراض العقلية على حد قول "ول ديورانت" في قصة الحضارة؛ لأنهم حين يبدعون، يبدعون من لا شئ، وبدون خميرة معرفيّة، فيجئ إبداعهم مرضاً عقلياً فيما لو جاز إطلاق وصف الإبداع على إنتاجهم. وما داموا يدركون من ذواتهم أنها تبدع، فهو إدراك موهوم، وهم مع ذلك يفتقرون إلى قوة تحصيلية لآراء الفكر وتوجّهات الرأي من أزمنة الماضي السحيق.

وهكذا؛ يكون شأن الإبداع كله لديهم: من فراغ ليس فيه تحصيل..!

وممّا يسترعي الانتباه حقاً أن الكاتب الفرنسي "بول فاليري" (1871م - 1945م) في كتابه "أشياء مسكوتٌ عنها"، كان قد وقف على هذه الحقيقة التي يعز وجودها ويندر في كتابات الشباب، عندما قال: "لا يوجد شئ أكثر ابتكاراً، ولا أشدّ شخصيّة من أن يتغذى الإنسان من الآخرين، ولكن ينبغي هضم هذا الغذاء والاستفادة منه. فالحق أن الأسد مكوّن من كباش مهضومة، ومتحوّلة إلى أسديّة". والمعنى واضح، وهو أن النحت الكثير في أعمال الآخرين، قبولاً ورفضاً أو عرضاً ونقداً، أو مقارنة وتحليلاً، أو ممّا يُتاح أمام العقل إعمالاً للفكر، يُصقل الشخصية العلميّة بموروث الملكات، ويحفظ لها استقلالها الفكري بعد الصقل والتكوين.

وليس غريباً على "بول فاليري" أن يذكر هذا، وهو يُعد من أبرز الشعراء والكتاب والمفكرين الفرنسيين في القرن العشرين؛ إذ تميزت كتاباته بالعمق الفلسفي والتركيز الشديد على آليات عمل العقل البشري، والوعي، والجماليات. وإذا كان كتابه "أشياء مسكوت عنها" عبارة عن شذرات قِصار وخواطر وتأملات مكثفة من دفاتر مذاكراته اليوميّة الدقيقة؛ فإنه ليدور حول آليات عمل الفكر والوعي، وكيفية عمل العقل البشري والعلاقة المركبة بين الوعي واللا وعي، وفلسفة اللغة والأدب من حيث يتناول قصور الكلمات عن التعبير التام عما عساه يدور في النفس ولا يحتمله مكنون الطرس، والفرق بين الصوت والمعنى في الشعر، وكذلك الفن والجمال وتأملات في طبيعة الإبداع الفني، وجهد الفنان الهادي لإنتاج الأثر الإبداعي، والحياة السياسة والمجتمع، ومفارقات حول اهتمامات النفس البشريّة مع التركيز على الأخلاق والسياسة. ومن أشهر مقولاته التي تبدو كمفارقات: الأمور التي تهمنا نتحدث عنها نادراً؛ فكل ما هو حاضر دائما في الذهن يندر حضوره على الشفاه"!.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

تنعكس اللغة في كلّ تصرفاتنا، وحواراتنا، وفي كلّ اللقاءات التي نتمتع بها، إن كان في المنزل أو المكتب أو في الشارع، أو في وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها وأجناسها.

وبمقدار احترامنا لهذه اللغة تكون فاعلين للسمو بأنفسنا وبمكانتنا، وبغير ذلك نكون بمثابة من يستهزئ بنفسه وبلغته أمام نفسه وأمام الآخرين، ويُعبّر عن ضحالته وحالته المتردّية

ولكي نصل إلى حالةِ الإبداع في اللغة علينا أن نمزج اللغة مع التفكير الذهني النشط، ليتكوّن لدينا نسيج لغةٍ غنيّة وواسعة.

ومع انتشار مواقع الأدباء المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي، تمّ فسح المجال أمام الجميع كي يطفو كلّ فردٍ كيفما يشاء ويروم، وأن يتواصل مع الآخرين في أي زمانٍ ومكان، متغاضياً عن أمرٍ مهم يتلخّص في أن هذا التواصل يحتاج في المقام الأول إلى اللغة.

و لعلّ إنتشار هذه المواقع ساهم بشكلٍ كبير في كشف عورات الآخرين اللغوية، وطفت على السطح الفجوة العريضة والواضحة بين مكوّنات المجتمع في التعبير اللغوي والإملائي والنحوي والكتابي، وتدنّى مستوى التعبير وتوضّحت ضآلته.

وبذلك تشكّلت في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة واضحة المعالم من التلوّث اللغوي، حيث اتّسمت بعض النصوص بلغةٍ غير واضحةٍ، ولا تحكمها قواعد لغوية، أو نحوية أو صرفية وإملائية. والأمثلة بين أيدينا كثيرةٌ جداً.

و كثيرون لا يفقهون أو لا ينتبهون أو يتجاهلون الكلمات المنقوصة، أو الأفعال المعتلّة، أو التنوين، أو الشدّة، أو جمع المذكر السالم، أو الأفعال الخمسة، أو الأسماء الستة، أو الفعل المعتلّ. أيضاً هناك نماذج كثيرة حول هذه الأخطاء بين أيدينا.

كما إنتشرت في هذه المواقع الأدبية منها وفي وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام، عمليات السطو الأدبي، وتم فضح الأسماء التي تُمارس هكذا سطو، بل تمّ إنشاء مواقع متخصصة بفضح الذين يُمارسون السطو الأدبي وبالأسماء.

ولأن هذه المواقع انتشرت فيها الأخطاء اللغوية، لذا أسهمت بشكلٍ عفوي من خلال تكرار هذه الأخطاء إلى ترسيخها لدى الكثيرين الذين يستخدمون هذه المواقع، ممّا أدّى إلى إنتشار كتابات مشوّهة في حالاتٍ كثيرة، ومع الأسف هذه الكتابات المشوّهة تُقابل من أُدباء آخرين بنفس الموقع بتعليقات:

" رائع، قمة الإبداع، الله... روعة، بوحٌ رائع، يسلم اليراع، قلمكم نقش حرير المعاني ". وما إلى ذلك من عباراتٍ لا نستطيع أن نقول عنها إلاّ أنها نموذج واضح للدجل وللنفاق الثقافي والأدبي والاجتماعي، وخذلان لنقاء اللغة، ومساهمة واضحة في نشر التلوّث اللغوي وتوسيع مساحته.

كلّ هذه الأمور تختصر تاريخ طويل من الهزيمة الفعلية المُعاشة في المنطقة العربية بسبب ذاتي، وبسببٍ آخر يتمثّل بالغزو الثقافي المشبوه والشرير.

كما أن هناك كثير من الشباب الذين يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي يستخدمون لغة ممزوجة بين العربية والاجنبية والأرقام يسمونها " فرانكو "، وإذا استخدموا اللغة العربية بمفردها لا يستطيعون بسبب الجهل باللغة العربية وبسبب الأخطاء الجسيمة التي يقعون بها. تُرى هل هذا بسبب التخبّط التربوي المعمول به في الإقليم، وترسيخ الإزدواجية اللغوية ؟.

بكل تأكيد إن مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى ليست مسؤولة عن هذا التردي، ولكن هذه المواقع بمجملها تعكس بشكلٍ واضحٍ ودقيق مدى التخلّف والجهل من خلال اللغة المستخدمة في هكذا مواقع.

وبنفس الوقت هناك مواقع تحترم نفسها، ولا تسمح بنشر أي مادة إذا لم تك سليمة لغوياً ونحوياً، لذا نرى أن عدد المواد المرفوضة عندها هي كثيرة.

وكلٌ منّا يُلا حظ في هذه الأيام أن معظم المدرسين لا يجيدون اللغة العربية، حتّى ولا يجيدون نطق الأحرف، ولا يهتمون بإخلاص في تدريس اللغة العربية لأجيال هذه الأمّة.

وإذا أحببنا أن نُعالج هذا الواقع، لا بُدّ من إعادة الإعتبار بشكلٍ جدّي للّغة العربية في كافة مراحل الدراسة بدءً من المرحلة الإبتدائية وصولاً إلى المرحلة الجامعية، وبهذه الحالة يتخرّج الطالب وهو مُلمّ بشكلٍ كامل بلغته الأم، حتّى ولو درس بعض العلوم باللغة الأجنبية، سيبقى ملمّاً ومتفوقاً في لغته لأن ذخيرته اللغوية فيها واسعة ويستوعبها بشكلٍ كامل.

أمّا الكتّاب الذين يطمحون نحو الإبداع، عليهم أن يدمجوا إسلوب قلمهم مع البلاغة، أي مع النحو والصرف، وبإسلوب أعلى لغوياً، حينها سنحصل على لغة واضحة وسليمة وبليغة، وتلج بسلاسة قلب المتلقي، الذي سيدرك تلقائياً قدرة الكاتب على تكوين كلام بليغ، وقدرته على اختيار الحرف المناسب.

نحن ندرك ونؤمن بدون أي شك، بأن لغتنا العربية عريقة وباقية، لكن مع الأسف إن سياسات مؤسساتنا الاعلامية والتربوية والثقافية قاصرة بكل معنى الكلمة لحماية لغتنا السامية على الدوام.

***

د. أنور ساطع أصفري

زمن الثورة الرقمية.. هل هذا الإقبال بفعل وجود حلقة مفقودة في الذكاء الاصطناعي؟

مقدمة: في عصر الثورة الرقمية، حيث أصبحت الخوارزميات والنماذج اللغوية الكبيرة تُسيطر على جوانب واسعة من الحياة، يلاحظ مراقبو سوق العمل ظاهرة لافتة: شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل، ميتا، أوبن إيه آي، مايكروسوفت تتهافت على توظيف خريجي الفلسفة والعلوم الإنسانية. هذا الإقبال ليس صدفة ولا مجرد تنويع في التوظيف، بل يعكس وعيًا عميقًا بأن التقدم التقني يواجه حدودًا معرفية وأخلاقية لا يستطيع المهندسون والمبرمجون وحدهم تجاوزها. الفلسفة، التي طالما اعتبرت "غير عملية" في عصر الصناعة، أصبحت اليوم مطلوبة لأنها تقدم أدوات تفكير نقدي، أخلاقي، ووجودي لا غنى عنها في بناء الذكاء الاصطناعي وإدارة آثاره الاجتماعية. فماذا ترتب عن التحول الذي حدث بعد ثورة الذكاء الاصطناعي في سوق العمل الرقمي؟

أولاً: الحلقة المفقودة في الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي الحالي يتفوق في معالجة البيانات، التنبؤ، والتعرف على الأنماط، لكنه يعاني من حلقة مفقودة أساسية: الفهم الحقيقي والـحكمة. النماذج اللغوية تولد نصوصًا تبدو ذكية، لكنها تفتقر إلى الوعي الذاتي، الإدراك الأخلاقي، والقدرة على التعامل مع الغموض والتناقضات الإنسانية. هنا يأتي دور الفيلسوف: نقد المفاهيم: الفيلسوف مدرب على تفكيك المفاهيم الأساسية مثل "الذكاء"، "الوعي"، "الإرادة"، و"القيمة". يسأل أسئلة جوهرية: هل الذكاء الاصطناعي يفهم فعلاً، أم يقلد فقط؟ ما معنى "الإبداع" عند آلة لا تملك تجربة ذاتية؟

الأخلاقيات والقيم: الذكاء الاصطناعي يتخذ قرارات تؤثر في الحياة (التوظيف، التشخيص الطبي، الحروب الآلية). الفيلسوف يساعد في صياغة إطارات أخلاقية تتجاوز "التوافق مع البيانات" إلى مبادئ عالمية مثل العدالة، الشفافية، والكرامة الإنسانية.

السياق الإنساني: التقنية تُغير طبيعة العمل، العلاقات، والذات. الفيلسوف يقدم رؤية وجودية تساعد في فهم كيف يغير الذكاء الاصطناعي هويتنا وعلاقتنا بالزمن والمعنى.

ثانياً: المهارات الفلسفية كميزة تنافسية

عمالقة التقنية لا يبحثون عن "فيلسوف" يقرأ أفلاطون فحسب، بل عن شخص يتقن:

التفكير النقدي العميق — القدرة على اكتشاف التحيزات المخفية في النماذج.

المنطق والبرهان — بناء حجج متماسكة حول سلامة الأنظمة.

الأنطولوجيا والإبستمولوجيا — فهم طبيعة الوجود والمعرفة في عالم يختلط فيه البشري بالآلي.

التواصل المعقد — ترجمة المفاهيم التقنية إلى لغة أخلاقية وسياسية مفهومة لصانعي السياسات والجمهور.

هذه المهارات تسمح للفيلسوف بأن يكون "جسرًا" بين المهندسين والمجتمع، مما يقلل من مخاطر "التقنية غير المنضبطة" التي تهدد الديمقراطية، الخصوصية، والاستقرار الاجتماعي.

ثالثاً: مواكبة السياق التاريخي والحضاري

تاريخيًا، كانت الثورات الصناعية السابقة تتطلب مهندسين وفيزيائيين. أما الثورة الرقمية فهي ثورة معرفية ووجودية. الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط طريقة الإنتاج، بل يغير طبيعة الإنسان نفسه. هنا تظهر الحاجة إلى الفلسفة كـ"طب أخلاقي" للتقنية. بدونها، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز السيطرة، التحيز، والاستغلال. الفيلسوف يساعد في طرح الأسئلة الكبرى: ما هي الحدود التي يجب ألا تتجاوزها الآلة؟ كيف نحمي الإنسانية في عالم الذكاء الاصطناعي العام؟

تحليل خوارزميات التحيز الأخلاقي

يتم التعامل مع التحيز كبنية أساسية في الذكاء الاصطناعي. الخوارزميات لا تُنتج قرارات محايدة. كل نموذج ذكاء اصطناعي يحمل تحيزًا أخلاقيًا مدمجًا في بنيته، سواء كان ذلك واعيًا أو غير واعٍ. هذا التحيز ليس خطأ فنيًا بسيطًا، بل مشكلة فلسفية عميقة تنبع من كيفية تصميم البيانات، الدوال الهدف ، والهندسة المعمارية للنموذج.

أنواع التحيز الأخلاقي في الخوارزميات

التحيز في البيانات

أغلب النماذج تُدرَّب على بيانات تاريخية تحمل تحيزات المجتمع البشري (عنصرية، جنسية، طبقية). مثال: أنظمة التوظيف التي تفضل السير الذاتية من جامعات معينة أو أجناس معينة لأن البيانات التاريخية كانت كذلك. الخوارزمية لا "تكتشف" الحقيقة، بل تعيد إنتاج الأنماط التاريخية.

التحيز في التصميم

اختيار المهندسين للدوال الهدف يعكس قيمهم. إذا كانت الدالة تهدف فقط إلى "الدقة" أو "الربح"، فإن النموذج يتجاهل العدالة أو الكرامة. مثال: نماذج التوصية التي تعزز المحتوى الاستقطابي لأنها تُكافأ على وقت المشاهدة.

التحيز في التقييم

المقاييس المستخدمة غالبًا ما تتجاهل التأثيرات الاجتماعية غير المتكافئة. نموذج يحقق دقة 95% قد يكون كارثيًا على مجموعات مهمشة.

التحيز الوجودي

النماذج تفترض عالمًا يمكن اختزاله إلى بيانات قابلة للقياس. هذا يهمش الجوانب غير القابلة للقياس: الشعور، المعنى، الغموض الأخلاقي، والقيم غير المنفعية.

الآليات التقنية للتحيز

الانحياز في التعلم المعزز بالتفضيل البشري: حتى عندما يُستخدم بشر لتصحيح النموذج، ينقلون تحيزاتهم الثقافية.

التدريب على بيانات الإنترنت: الإنترنت يعكس عدم المساواة العالمية، فيصبح النموذج "ذكيًا" بطريقة غربية، ذكورية، أو طبقية.

التعميم غير المتكافئ: النماذج تتعلم أفضل على المجموعات المهيمنة وتفشل مع الأقليات (مثل اللهجات العربية أو اللغات منخفضة الموارد).

التحديات الفلسفية

مشكلة "القيم": من يقرر ما هي "القيم الصحيحة" التي يجب أن تُدمج في النموذج؟ هل هي القيم الليبرالية الغربية؟ أم قيم متعددة ثقافيًا؟

الوعي مقابل المحاكاة: الذكاء الاصطناعي يحاكي اللغة الأخلاقية دون أن يمتلك وعيًا أخلاقيًا. هذا يخلق خطر "النفاق الآلي" — آلة تقول الشيء الصحيح وتفعل العكس.

السلطة: من يملك القدرة على تعديل التحيزات؟ الشركات؟ الحكومات؟ المجتمع؟

حلول ممكنة (مع حدودها)

التدريب الدستوري: جعل النموذج يتبع "دستورًا" أخلاقيًا مكتوبًا.

التنوع في فرق التطوير: إدخال فيلسوف، عالم اجتماع، وممثلين عن ثقافات مختلفة.

الشفافية والتدقيق: جعل الخوارزميات قابلة للتفسير والمراجعة.

الحدود: كل هذه الحلول تبقى داخل إطار الشركات الرأسمالية، فلا تحل المشكلة الجذرية: السلطة المركزية على الذكاء الاصطناعي.

العدالة التفسيرية في التعلم الآلي

العدالة التفسيرية مفهوم فلسفي-تقني يتجاوز مجرد "العدالة الخوارزمية" التي تركز على النتائج الإحصائية. إنها تطالب بأن تكون عمليات التفسير نفسها عادلة: كيف يُفسر النموذج قراراته؟ لمن يُفسرها؟ وهل يُعطي تفسيرًا صادقًا ومتساويًا لجميع الأطراف المتأثرة؟

في التعلم الآلي، معظم النماذج "صندوق أسود". حتى عندما نستخدم تقنيات مثل شاب أو ليمون لتفسير القرارات، فإن هذه التفسيرات غالبًا ما تكون غير عادلة تفسيريًا.

أشكال عدم العدالة التفسيرية

التحيز في التفسير

النماذج تميل إلى تقديم تفسيرات أبسط وأكثر إقناعًا للمجموعات المهيمنة، بينما تقدم تفسيرات معقدة أو غامضة للمجموعات المهمشة. مثال: نظام يرفض قرضًا لشخص من أقلية، فيقدم تفسيرًا "موضوعيًا" (تاريخ الائتمان)، بينما يخفي التحيزات الهيكلية.

عدم المساواة في الوصول إلى التفسير

الشركات والحكومات تمتلك أدوات تفسير متقدمة، بينما المواطن العادي يحصل على تفسير سطحي أو مضلل ("بسبب سياساتنا"). هذا يخلق فجوة معرفية بين من يملكون القدرة على فهم الآلة وبين من يتأثرون بها.

التفسير الزائف

النماذج تُنتج تفسيرات تبدو معقولة لكنها لا تعكس السبب الحقيقي للقرار. هذا "نفاق تفسيري" يُستخدم لتهدئة الرأي العام دون إصلاح حقيقي.

التحيز الثقافي واللغوي

معظم أدوات التفسير مصممة بمنطق غربي، فتفشل في تفسير السياقات الثقافية المتنوعة (مثل اللهجات العربية أو القيم الجماعية في المجتمعات الشرقية).

التحديات الفلسفية

مشكلة "الحقيقة": ما هو التفسير "الصحيح"؟ هل هو التفسير الذي يعكس الرياضيات الداخلية للنموذج، أم الذي يفهمه البشر ويحترم كرامتهم؟

السلطة المعرفية: من يقرر ما هو "تفسير عادل"؟ المهندس؟ الفيلسوف؟ المتضرر؟ أم المجتمع؟

العدالة مقابل الكفاءة: التفسيرات العادلة غالبًا ما تكون أقل كفاءة تقنيًا، مما يخلق توترًا بين الربح والعدالة.

حلول ممكنة وحدودها

التفسير المضاد للتحيز: "لو تغير هذا العامل، لتغير القرار". فعال لكن محدود.

التفسير الجماعي: إشراك المتضررين في عملية التفسير.

النماذج القابلة للتفسير بطبيعتها مثل نماذج الشجرة أو المنطقية.

الحدود: كل هذه الحلول تبقى داخل إطار الشركات الخاصة، فلا تحل المشكلة الهيكلية لتركيز السلطة على الذكاء الاصطناعي. فكيف نسير نحو عدالة تفسيرية حقيقية؟

خاتمة:

الإقبال على طلبة الفلسفة ليس موضة عابرة، بل اعتراف بأن التقنية بدون فلسفة تُنتج ذكاءً بدون حكمة. الحلقة المفقودة في الذكاء الاصطناعي هي القدرة على التساؤل عن الغايات، لا فقط تحسين الوسائل. الفيلسوف في عصر الثورة الرقمية ليس "مفكرًا في برج عاجي"، بل شريكًا أساسيًا في تصميم مستقبل يبقي فيه الإنسان مركزًا. هذا الإقبال يعكس وعيًا متزايدًا بأن أكبر التحديات التقنية هي، في النهاية، تحديات فلسفية. من المعلوم أن التحيز الأخلاقي ليس خطأ يُصلح، بل سمة بنيوية للذكاء الاصطناعي الحالي. الخوارزميات لا تُنتج حيادًا؛ هي مرآة مُشوَّهة لقيم صانعيها ولبيانات مجتمعاتهم. الحل الحقيقي يتطلب فلسفة تقنية جريئة: إعادة التفكير في طبيعة الذكاء نفسه، ووضع الإنسان (بكل تنوعه وقيمه) في مركز التصميم. بدون ذلك، سيظل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز السلطة القائمة بدلاً من تحرير الإمكانيات الإنسانية. الفلسفة ليست رفاهية في عصر الذكاء الاصطناعي، بل شرط وجودي لكي لا نصبح عبيدًا لآلات تعكس أسوأ ما فينا. في المجمل العدالة التفسيرية تتطلب أكثر من تقنيات؛ إنها تتطلب فلسفة تقنية تُعيد النظر في من يملك الحق في تفسير العالم. الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يكون "صندوقًا أسود" يحكم حياتنا دون أن نفهم كيف أو لماذا. العدالة التفسيرية تعني أن كل إنسان متأثر بالآلة له الحق في تفسير صادق ومفهوم ومتساوٍ. بدونها، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة لتعزيز عدم المساواة المعرفية والاجتماعية. الفلسفة ليست رفاهية هنا، بل شرط أساسي لكي لا نصبح عبيدًا لخوارزميات لا نفهمها ولا نستطيع مساءلتها.  فما مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على الفلسفة؟ وكيف يجب أن نسير نحو فلسفة تقنية؟

***

د. زهير الخويلدي كاتب فلسفي

 

على الدوام يرى الفرد أن الزمن يسير في اتجاه مستقيم؛ ماضٍ انتهى، وواقع نعيشه، ومستقبل مرتقب. غير أن التطورات المعرفية والتقنية التي يشهدها العالم اليوم تطرح تساؤلا جديداً: هل ما زلنا نعيش داخل الحاضر فقط، أم أننا أصبحنا ننتقل داخل "زمكان معرفي" يتجاوز حدود الزمن والمكان التقليديين؟

في الفيزياء، يجسد الزمكان الإطار الذي تحصل داخله كل مظاهر الوجود المادي. أما في حقل المعرفة والعقل، فقد أصبح من الممكن الحديث عن "زمكان المعرفة والوعي"، وهو الحقل الذي تتفاعل فيه كل من الذاكرة والإدراك والخيال والتوقع، لتكوين المعنى واعادة بناء ادراكنا للعالم.

فالوعي الإنساني لا يعيش في الزمن الحاضر وحده، وعندما يتذكر الفرد طفولته، فإنه يعود إلى الماضي. وعندما يخطط لمشروع أو يتخيل مستقبلاً أفضل، فإنه ينتقل ذهنياً إلى ما لم يحصل بعد. وهكذا يصبح الذهن البشري كائناً يواصل رحلته عبر الزمن، ويجوب فضاء معرفيا يمتد من الذاكرة إلى الخيال، ومن المعرفة إلى الاحتمال.

لكن المعرفة ذاتها لم تعد محجوزة داخل الجمجمة، فالكتاب والخريطة والحاسوب والهاتف الذكي وشبكة الانترنيت وادوات الذكاء الاصطناعي، غدت جميعها امتدادات او مظاهر خارجية للوعي البشري ومكونات لعالم معرفي جديد. وبذلك لم يعد فضاء المعرفة هو الدماغ فقط، بل أصبح شبكة ممتدة تجمع الإنسان والتقنية والثقافة والمجتمع.

وفي هذا الافق، يظهر مصطلح أكثر إلهاما، هو "زمكان المستقبل"، فالمستقبل لم يعد مجرد زمن لم يصل بعد، بل أصبح ميدان من القدرات والمسارات الممكنة التي يمكن للعقل البشري الكشف عنها وتمثيلها قبل أن تطبق على ارض الواقع.

فالعالم الذي يضع تمثيلا لاكتشاف جديد، والمهندس الذي يصمم مدناً ذكية لعام 2050، والمعلم الذي يبني نماذج تعليمية للأجيال القادمة، جميعهم يعيشون جزءاً من وعيهم داخل المستقبل، إنهم لا ينتظرون المستقبل، بل يصنعونه معرفياً.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أخذ هذا التحول افقا جديدا. فقد غدت الآلات قادرة على المشاركة في بناء التصورات المستقبلية، وتطبيق الاحتمالات، وخلق المعرفة بصورة تشاركية مع الإنسان. وهكذا انبثق فضاء معرفي جديد تتفاعل فيه عقول البشر مع النظام الذكي، وتتوسع فيه المعرفة من مجرد استذكار للماضي إلى مسار دائم لانتاج الممكن وصناعة المستقبل.

وقد يصبح السؤال الأهم الذي يواجه عملية التعليم في القرن الحالي هو: هل ما زلنا ندرب العقول على اكتساب معارف الماضي فقط، أم أننا نؤهلهم للتنقل داخل زمكان المعرفة والمستقبل؟

لقد كان جوهر التعليم التقليدي يتجسد في نقل المعرفة المتراكمة من الأجيال السابقة. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح الرهان الحقيقي هو صقل القدرة على إنتاج المعنى، وتخيل البدائل، واعداد ورسم السيناريوهات، وصناعة المستقبل قبل أن يأتي.

إن الانتقال الأهم الذي نعيشه اليوم لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل بإعادة تعريف المعرفة ذاتها. فالمستقبل لم يعد نقطة زمنية ننتظر الوصول إليها، بل أصبح فضاءً معرفياً نعيش فيه، ونفكر من خلاله، ونشارك في بنائه.

وربما سيكتشف مؤلفي المستقبل أن اكبر قفزات القرن الحالي لم تكن طفرات صناعية أو رقمية فقط، بل كانت قفزة في الفرد لموقعه داخل "زمكان المعرفة والمستقبل"، حين أدرك للمرة الأولى أنه ليس مجرد شاهد على الزمن، بل شريك في انتاجه.

***

علاء جواد كاظم

على الرغم من أن الدين يعتبر من القضايا المهمة التي شغلت ولم تزل تشغل الوعي البشري عبر تاريخ المجتمعات البشريّة بشكل عام، إلا أن أهميته القصوى تأتي هنا في الشرق، كونه يشغل في الواقع مساحة أكثر اتساعاّ في وعي شعوبه عموما، ومنها الشعوب الإسلاميّة والعربيّة على وجه الخصوص، وذلك لاعتبارات عدة ياتي في مقدمتها:

أولاً: غياب التعامل مع العلم الوضعي بمعظم تجلياته عبر فترات زمنيّة طويلة من تاريخ الشعوب العربيّة والإسلاميّة، إن كان على مستوى النظريات الفلسفيّة الوضعيّة التي تبحث في الكون والوجود الإنساني، أم على مستوى التكنولوجيا من حيث إنتاجها أو إنتاج المعرفة المتعلقة بها، فنحن شعوب بقيت مستهلكة أكثر مما هي منتجة، بل وصل القول عند بعض الفقها المحدثين بأن الله خلقنا فقط نحن العرب والمسلمين كي نهدي الناس للدين والخير في هذه الحياة للحصول على الجنة الموعودة، بينما خلق الله بقية خلقه لخدمتنا، وبالتالي هم وحدهم المكلفين بالاختراعات العلميّةّ وتقديمها لنا كي نستفيد من ثمارها.

ثانياً: كون الإسلام هو آخر الديانات السماويّة، ومن خلال هذا المعطى استطاع الكثير من المفكرين ورجال الدين الإسلاميين ترسيخ فكرة أساسيّة في وعي المواطن العربي والإسلامي عموما مفادها، أن الإسلام (دين ودنيا) وقد جب كل ما قبله وما بعده، فأصبح بذلك هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما يهم حياة الإنسان حاضرا ومستقبلا، وبالتالي ظل الدين يشكل المنطلق الأساس في تفسير ووضع الحلول للمشاكل المتعلقة بحياة الإنسان عموما والمسلم على وجه الخصوص.

ثالثاً: إن قيام أول دولة في العالم العربي عل المشروع الإسلامي استمرت مئات السنين بفضل هذا المشروع، ولم يستطع العرب بوجه خاص أو المسلمون بوجه عام بعد انهيارها إعادة تشكيل دولة قويّة تواجه التحديات المصيريّة التي راحوا يتعرضون لها بشكل جدي منذ انهيار هذه الدولة حتى تاريخه، الأمر الذي جعل من الإسلام (الفردوس المفقود) بعد أن لمس العرب خاصة حالة ضعفهم وتراجعهم أمام تقدم الغرب من جهة، وتراجع المشروعان اليساري والقومي بكل اتجاهاتهما بسبب عدم اكتمال الظروف الموضوعيّة والذاتيّة القابلة لتطبيقهما على ارض الواقع من جهة ثانية.

رابعاً: سيطرة الأعاجم على الدولة العربيّة والإسلاميّة لفترات زمنيّة طويلة باسم الدين نفسه، لذلك غالبا ماكانت هذه القوى الأعجميّة الغازية تلجأ إلى تفسير النص الديني وفقا لمصالحها ورغباتها لاخضاع العرب بشكل خاص لسلطتها، هذه السلطة التي لايمكن أن تتحقق في صيغتها تلك إلا عبر إشهار الدين الذي سيضفي على هذه السلطة المشروعيّة، وهذا ما دفع القوى الحاكمة لهذه الدول على تغليب الرؤى والأفكار الدينيّة اللاهوتيّة والامتثاليّة وتجذيرها في وعي المواطن بدل الرؤى والاتجاهات العقلانيّة في الدين نفسه، كونها – أي القوى الحاكمة - كانت تشعر أن الاتكاء على الرؤى والمفاهيم العقلانيّة في الدين لتسيير أمور المسلمين ستفتح عليها أبواب قوى المعارضة، وتفضح حقيقة أمرها كقوى استعمارية غريبّة أو موالية للغرب لا يهمها إلا مصالحها واستمرار وجودها في الحكم، وكان من نتائج هذه السياسة على حياة العرب والمسلمين انتشار الصوفيّة بصيغتها الطرقيّة، التي ترافق مع انتشارها الإقطاع العسكري والفقر والجهل والتخلف، والتي لم يزل العرب والمسلمون يدفعون ثمنها حتى تاريخه.

خامساً: غزو الثقافات الغربيّة للعالمين العربي والإسلامي مع فترة الاستعمار، وردود الفعل الثقافيّة من قبل العرب والمسلمين لمواجهة هذه الثقافات الغربية الغازيّة، حيث كانت مسألة (العودة إلى التراث) هي السبيل الوحيد للمواجهة في ظل تخلف اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي، علما أن هذا التراث تجسد عموما في الدين وتفسيراته وتشريعاته، وأبعد عنه منذ زمن طويل كل ما هو عقلاني، وما يعبر عن هذه العقلانيّة من فقهاء وفلاسفة ومفكرين، من (ابن رشد وصولا إلى عبد الرحمن الكواكبي، وعلي عبد الرازق، وحامد أبو زيد) وما بينهما.

سادساً: لقد سيطر الاستعمار الغربي على العالمين العربي والإسلامي، وسعي هذا المستعمر بشكل مستمر ولم يزل على إبعاد المعرفة العلميّة بكل مستوياتها وحتى المرتبطة منها بالدين نفسه، عن وعي المواطن العربي والمسلم، وتشجيع هذه الشعوب المستعَمرة على إنشاء الطرق الدينيّة الداعيّة إلى تغييب العقل والمنطق وزرع الفتن الطائفيّة والمذهبيّة، في الوقت الذي كان فيه هذا المستعمر يحارب التيارات الدينيّة الداعية إلى مقاومة المستعمر ووحدة العرب والمسلمين، وهذا ما لمسناه في مواقف فرنسا وايطاليا وبريطانيا حيث كانت تحارب وبكل قوة التيارات الدينيّة الداعية إلى المقاومة في ليبيا والجزائر ومصر وسوريا الكبرى وتونس. وهذه المسالة بالذات تعتبر برأيي من المسائل الهامة التي حالت بين العرب والمسلمين عموما من جهة، والمعرفة العلميّة والعقلانيّة من جهة ثانية، لفترات زمنية طويلة من تاريخ حياة هذه الشعوب في ظل المستعمر الأوربي.

ولتوضيح هذه المسالة بالذات، دعونا نقف قليلا عند بعض الحقائق التي تؤكد ذاك الدور التخريبي الذي مورس على وعي شعوب الشرق عموما التي خضعت للمستعمر منذ بدء المشروع الاستعماري، والذي تمثل في غرس القيم الدينيّة المشجعة على الامتثال والظلاميّة والتفرقة الطائفيّة والمذهبيّة في وعي وممارسات الأفراد والجماعات المسلمة وغير المسلمة على حساب الاتجاهات العقلانيّة في الدين التي تدعوا إلى التطور والمحبة وسعادة الإنسان.

تذكر المصادر التاريخيّة أنه، في إحدى التقارير التي قدمها موظف في الإدارة البريطانية إلى الحاكم العام في الهند عام / 1789/،- أي فجر الاستعمار البريطاني على الهند – يشير هذا الموظف ناصحا رئيسه إلى ضرورة (تشجيع طقوس الديانة الهندوسيّة وتعاليمها العقائديّة.). وحول السياسة البريطانية في هذا الاتجاه أيضا يذكر موظف روسي يدعى " مينا يف " قائلا: (إن العمل المستقل الوحيد الذي يمكن للساكن الأصلي - في البلاد المستعمرة من قبل بريطانية - أن يقوم به، هو أن يصبح مؤسساً لطائفة دينيّة جديدة، فالحكام الانكليز لا يعارضون ولا يمنعون أحدا من أن يترأس حركة دينيّة. أما ما تبقى من مجالات النشاط فكلها يجب أن تغلق إمامهم). وفي مطلع القرن العشرين يكتب احد الدبلوماسيين الروس أيضا في هذا الاتجاه قائلا: (إن الصراع بين المسلمين والهندوس أمر مرغوب فيه بالنسبة للإنكليز، فهو بمثابة صواعق تحوّل الحقد الشعبي ضد النير الأجنبي إلى جهة لاتعود على هذا الأخير بأي ضرر.). هذا إضافة إلى وجود الكثير من هذه المواقف التي تصب في الاتجاه نفسه عبر عالمنا العربي يعرفها الكثير منا، والتي كانت تشير إلى اللعبة الطائفيّة التي مارسها الغرب في بلادنا ليس على المستوى الإسلامي فحسب، بل والمسيحي أيضاً، والتي لم تزل آثارها قائمة حتى الآن في سوريا ولبنان والعراق ومصر والسودان وغيرها. (1).

في تاريخنا الحديث والمعاصر، هناك أمثلة كثيرة تشير إلى الدور الاستعماري في اللعب على الورقة الدينيّة / الطائفيّة. فأثناء الحرب الباردة على سبيل المثال لاالحصر، يعلم الكثير منا كيف شجعت الولايات المتحدة التيار الأصولي السلفي الوهابي (طالبان) في أفغانستان، لمواجهة المد السوفياتي آنذاك، ناعته رجالاته بالمجاهدين، ثم كيف راحت تنقلب على هذا التيار بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث تحول المجاهدون إلى إرهابيين وقتلة وظلاميين، وكيف أن الكثير من الحكومات العربيّة التي كانت تحتضن هذا التيار راحت تتخلى عنه وتقف إلى جانب السياسة الامريكيّة في مواجهته، بل ومواجهة كل من يتعاطف معه. هذا وتتكرر هذه المواقف من قبل أمريكا وحلفائها قبل اجتياح العراق وبعد اجتياحه تجاه الطوائف الدينيّة في العراق، ففي الوقت الذي وقفت فيه أمريكا وحلفاؤها على سبيل المثال إلى جانب الشيعة ضد السنة أثناء الاجتياح مّدعية حمايتهم من ظلم واضطهاد نظام صدام في العراق، نراها اليوم تقف ضدهم مدعية بأنهم أدوات بيد إيران، وأنهم إرهابيون ومجرمون وقتله يمارسون الطائفيّة ضد السنة. بل راحت تشتغل على مسالة التحريض الطائفي من خلال أدواتها في المنطقة، الذين راحوا بدورهم يدفعون في هذا الاتجاه عبر بعض رجال الدين المرتزقة من خلال إصدار الفتاوى الطائفيّة التكفيريّة بحق هذه الطائفة أو تلك، لالشيىء إلا لكونهم يتبنون مشروع المقاومة ضد إسرائيل وأمريكا وكل أشكال الاستعمار في العالمين العربي والإسلامي.

ملاك القول: هكذا يستغل الدين عموما من قبل القوى المستعمرة ومن يواليها من الحكام العرب في دولنا العربيّة بشكل خاص، ومحاولة تحويله إلى إيديولوجيا جامدة، يعمل حملتها على نشر الفكر الظلامي الامتثالي الهادف إلى محاربة العقل والمواطنة ودولة القانون والمؤسسات، والدعوة إلى الفرقة الناجية بغية تفتيت المجتمع على أسس طائفيّة ومذهبيّة تعود مرجعياتها إلى مصالح أنانيّة ضيقة. هذا في الوقت الذي يظل الدين في جوهره ونصه العقلاني المفتوح على سعادة الإنسان، يشكل إذا ما استثمر بشكل عقلاني مشروعاً إنسانيّاً يحمل في جوهره الأسس العقلانيّة التي تساعد على التأسيس لخلق مجتمع المحبة والمساواة والانفتاح على الآخر فكرا وممارسة، وبالتالي القدرة على استيعاب قضايا العصر والاندماج في قضاياه المعاصرة.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.....................

1- لمعرفة المزيد عن دور المستعمر الغربي في اللعب على البعد الديني وتفتيت المجتمع، يراجع كتابنا (التبشير بين الأصولية الدينيّة وسلطة التغريب) وهو عنوان الكتاب ذاته. إصدار دار المدى – دمشق – 2000. وخاصة البحث الأول من الكتاب وهو عنوان الكتاب ذاته.

دعنا نؤكد مرة بعد مرة أن المجتمعات العربية، تحتاج قطعاً إلى توفير ما يكفي من الوظائف للشباب الذين أنهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضاً أن توليد وظائف حقيقية، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج، وليس مجرد توفر أموال إضافية، أو مبانٍ نملأها بكل من يحتاج إلى وظيفة.

بعبارة أخرى، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية أو وهمية، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها، ويتسلمون رواتبهم منها. وهذا ممكن دائماً طالما توفر المال. أما الطريقة الأخرى، فهي التنمية الشاملة والمستدامة، أي زيادة حجم الاقتصاد، لا سيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيماً اقتصادية، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد إنتاجي واقتصاد خدمي، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر، من دون إضافة ملموسة.

إن ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال، يرجع في المقام الأول إلى صناعتها الضخمة، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم، فتضيف قوة جديدة إلى دورتها الاقتصادية، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات، حين سعت الحكومة لخلق وظائف، بعضها وهمي، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين إلى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة، ليس لحل مشكلة التوظيف، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول، حيث بات الناتج القومي الإجمالي للهند هو الأسرع نمواً بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول أرقام رسمية إن مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني، تحتضن 14000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار. ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا، التي تقع فيها بنغالور إن هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في إنجاز وظائف عالية القيمة، وفيها حالياً 875 مركزاً لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع أن ترتفع قيمة هذا القطاع إلى 110 مليارات دولار خلال السنوات الأربع المقبلة.

- حسناً، ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين، بذلت الحكومات العربية جهوداً جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام، أي كون هدفه الأول إعداد موظفين لسوق العمل. تخرّج الجامعات العربية عشرات الآلاف من الشباب سنوياً. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين من العمل؛ لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل إذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني، مع أنها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل، ليخدم هدفاً واحداً، هو إعداد الطالب ليقيم عمله الخاص، وليس العمل موظفاً عند غيره. ويجب التركيز على الأعمال الإنتاجية، من الزراعة إلى الصناعات البسيطة، إلى تطوير الحلول الرقمية للأعمال، وصولاً إلى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيلياً. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم أكثر تقدماً وتعقيداً، كي يهيئ أبناءنا لحياة أكثر تعقيداً وتقدماً، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها أو استهلاكها؟

التعليم الذي نحتاج إليه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب للتطلع إلى الآفاق البعيدة والمغامرة، والحساب الدقيق للعواقب، ونقد الواقع، والتمرد على المألوف، وإدارة الحياة والأعمال. هذا خير من إنفاق الوقت في علوم مفيدة، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

في لحظة تاريخية يتداعى فيها العقل النقدي العربي تحت ضربات "ثقافة السوق" المتوحشة، نجد أنفسنا أمام ظاهرةٍ مرضية بامتياز، وهي ما يمكن تسميته بـ "صناعة اللاشيء". لم يعد الأدب في راهننا، كما كان في زمنِ التنوير المتعثر، تعبيراً عن تناقضات الواقع أو محاولةً لاستشراف أفق التحرر؛ بل استحال إلى "سلعةٍ استهلاكية" خاضعة لقوانين العرض والطلب، تُنتج في معامل "العلاقات العامة" وتسوق بادوات "البروباغندا" الرقمية.

إن "اللاشيء" الذي نراه اليوم في رفوف المكتبات، وفي قوائم الجوائز، وفي أروقة المهرجانات الاحتفائية، ليس سوى انعكاسٍ بنيوي لأزمة المثقف الذي استقال من وظيفته التاريخية. لقد تحول الكاتب من "ضميرٍ للمجتمع" إلى "رجل مبيعات" يتملق ذائقة الجمهور التي جرى تسطيحها عمداً، أو يغازل لجان التحكيم التي تبحث عن نصٍ يرضي المركزية الغربية في نمطيتها السطحية. نحن أمام "أدبٍ بلا كاتب"، نص خاو من الجرح، مفرغ من الأسئلة الوجودية، ومصمم بعناية لكي لا يزعج أحداً، ولكي يمر برداً وسلاماً على وعي القارئ المستلب.

إن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن "اقتصاد الأدب". ففي ظل غياب مؤسسات نقدية مستقلة، وحلول "السوق" محل "الناقد"، أصبحت القيمة الأدبية تُقاس بعدد النسخ المباعة، وبعدد المتابعين على منصات التواصل، وبمدى "الترند" الذي تحققه الرواية أو الديوان. هنا، يغدو "النقد" مجرد إكسسوارٍ تجميلي، وظيفةٌ موكلة لموظفين في دور النشر، يغلفون الرداءة بأوراق السلوفان اللامع، ويسمون "التفاهة" حداثةً، و"الثرثرة" تجريباً.

نعم ان خطر "صناعة اللاشيء" يتجاوز مجرد الكتابة الرديئة؛ إنه اغتيل ممنهج للمخيال الجمعي. عندما يقتنع القارئ أن هذا "اللاشيء" هو الادب العظيم، فإننا نكون قد أفرغنا اللغة من طاقتها التحررية وحولناها إلى أداةٍ للاغتراب. المثقف، بالمعنى الغرامشي، هو من يفكك هذه البنى، ومن يرفض أن يكون صوتاً في جوقة "الاستهلاك الثقافي". إن مهمتنا اليوم ليست في الإنتاج الغزير للنصوص، بل في "مقاومة المعنى" ضد التميع، وفي استعادة شجاعة قول الحقيقة تجاه نصٍ يبيع الوهم.

إننا ندعو إلى "مقصلة المعنى"؛ إلى نقدٍ لا يعرف المجاملة، نقدٍ يدرك أن الأدب الذي لا يزعزع الثوابت، والذي لا يمتلك صلةً عضويةً بوجعِ الواقع وتناقضاتِ الممارسة الاجتماعية، هو أدبٌ ميت، حتى وإن طبعته أفخم المطابع أو توجته أضخم الجوائز. إننا أمام خيارٍ حاسم: إما أن نستعيد الأدب بوصفه فاعليةً نقديةً للمجتمع، أو أن نترك الحبل على الغارب لباعةِ الوهم ليصنعوا لنا "لاشيئاً" يملأ فراغ حياتنا، ويقبر ذكاءنا تحت ركام من الكلمات البراقة، الفارغة، والقاتلة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

مقدمة: على المستوى التاريخي لم يكن التعدد الفقهي والمذهبي في التجربة التاريخية الإسلامية مظهرا من مظاهر الانقسام والتشظي في الدائرة الإسلامية، بل دليل حيوية عقلية وفكرية ومناخ اجتماعي حر ومنفتح أدى إلى تطوير عملية الاجتهاد ونشوء الاتجاهات الفكرية والسياسية في الدائرة الإسلامية.

و "علماء المسلمين يدركون بعمق وهم يسعون للتقريب بين المذاهب، أن المذهب في الإسلام لم يكن في نشأته الأولى مظهرا الانقسام المسلمين وتوزعهم، وإنما كان تعبيرا عن حيوية عقلية وعملية أدت إلى تشعب الآراء ونشوء التيارات المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية ودلالات النصوص على النحو الذي أغنى الإسلام عقيدة وشريعة وأتاح للمسلمين أن يمارسوا أعمق أشكال الحوار المستند إلى المنطق والعلم. فسجلوا في تاريخ الفكر الإنساني وتطوره مأثرة الاستماع للرأي الآخر واحترامه". السيد محمد حسن الأمين، الاجتماع العربي الإسلامي، مراجعات في التعددية والنهضة والتنوير، ص 85، بيروت، 2003م.

لذلك فإن احترام هذا التعدد المذهبي فيما يعني حمايته. لأنه نتاج الحوار والبحث المضني والمتواصل عن الحقيقة. وحينما نطالب بحماية التعدد المذهبي في الدائرة الوطنية، فإننا نقصد حماية تلك القيم والمبادئ التي أنتجت ثراءا فقهيا وفكريا وعلميا في التجربة التاريخية الإسلامية. فلا يمكن أن نفصل ظاهرة تعدد المدارس الاجتهادية والفقهية في تجربتنا التاريخية عن قيم الحوار والاعتراف بالآخر وجودا ورأيا، وتوفر المناخ الاجتماعي المؤاتي للاجتهاد بعيدا عن ضغوطات السياسة أو مسبقات التاريخ.

و هذا بطبيعة الحال، يقتضي انفتاح المذاهب الإسلامية على بعضها في مختلف المستويات، وإزالة كل الحواجز والعوامل التي تحول دون التواصل الفعال بين مختلف المدارس الفقهية والمذهبية.

تقارب أم تعارف:

وفي تقديرنا أن مقولة التقريب من المقولات التي تجاوزها الزمن. وذلك لأنه على الصعيد الفكري والعملي تبلورت خيارات ومفاهيم، أخذت كل إيجابيات مقولة التقريب، وأضافت إليها أبعادا عملية واجتماعية.. فالتعارف كمفهوم ثقافي وممارسة اجتماعية، من المقولات والمفاهيم، التي تحتضن مضامين وحمولة عقدية وفكرية واجتماعية أرقى من مقولة التقريب. لهذا فإننا نعتقد أن الواقع المذهبي المتعدد، بحاجة إلى مشروع فكري وقانوني وسياسي، يضبط نزعات الاختلاف والتباين، ويوظف عملية التعدد والتنوع في إثراء الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.. والتعددية المذهبية كغيرها من التعدديات، إذا لم تضبط بقانون عادل ومساواة سياسية وثقافية واجتماعية، فإنها تتحول إلى عبء على الواقع الاجتماعي على أكثر من صعيد ومستوى. فالتقريب كوعاء نظري أضحى لا يفي بحاجات ومتطلبات واقع التعددية المذهبية في المجالين العربي والإسلامي. فالتعددية المذهبية حقيقة قائمة في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية، ولا يمكن التغافل عن هذه الحقيقة أو متوالياتها ومتطلباتها، وإنما نحن بحاجة إلى نظام اجتماعي ـ ثقافي ـ سياسي، يحمي هذه الحقيقة ويحترم خصوصياتها، ويوفر للجميع على حد سواء الحماية والحرية.. ونحن نرى أن المقولة التي نطرحها على الصعيد الثقافي والاجتماعي كبديل عن مقولة التقريب، هي مقولة التعارف وهي من المقولات القرآنية والتي تحمل مدلولات ومضامين واسعة على صعيد تشكيل العلاقة الايجابية بين مختلف المكونات المذهبية في الأمة. وهذه المقولة (التعارف) على صعيد العلاقة المذهبية تعني:

1- توفر الاستعداد النفسي والاجتماعي والأخلاقي لبناء علاقة تعارف متواصلة مع الآخرين. فالنص القرآني الذي يحث على نسج تعارف وعلاقات بين القبائل والشعوب يوفر لنا إمكانية القول، أن التعارف مع الآخرين هو مشروع مفتوح على كل المبادرات والخطوات الإنسانية النبيلة، والتي تتغذى باستمرار مع وجود استعداد نفسي وأخلاقي واجتماعي عند جميع الأطراف لبناء علاقة تواصل مستديمة تفسح المجال لبناء علاقة سوية وسليمة بين جميع الأطراف والمكونات.

2- الاعتراف بالآخر، حيث أنه لا يمكن أن تنطلق في مشروع التعارف مع الآخرين بدون الاعتراف بوجودهم وآرائهم وأفكارهم. فالتعارف يقتضي الاعتراف أن في الوجود أو المجتمع أو الوطن آخرين. وهذا الاعتراف هو الذي يقود إلى مشروع التعارف على أسس واضحة ومثمرة.

3- إن التعارف في مضمونه وآفاقه، ينطوي على دعوة عميقة وجوهرية لمعرفة الآخر من خلال استكشافه وولوج منظوماته وقراءته كما هو، بعيدا عن الذاتية التي تسقط على هذا الآخر عصبيتها الاجتماعية والفكرية. وهذا يقتضي الحوار المتواصل والمستديم بين جميع الأطراف والمكونات، حتى يتسنى للجميع المعرفة المتبادلة واكتشاف الآخر بعيدا عن المسبقات والقناعات الجاهزة.

فالتعددية المذهبية في مجتمعنا وأوطاننا، ليست عيبا يجب إخفاؤه، ولا عبئا ينبغي التخلص منه، وإنما هي حقيقة تاريخية - اجتماعية ينبغي التعامل معها بحكمة وروية وبعد نظر، حتى ترتفع كل العناصر السيئة التي تشوب العلاقة بين المكونات المذهبية في المجالين العربي والإسلامي.. ومقولة التعارف هي أولى الخطوات في مشروع صياغة العلاقة الايجابية بين أهل المذاهب الإسلامية.

نقد الطائفية:

لعلنا لا نأتي بجديد حين القول ابتداءً، أن التعدد المذهبي لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى ممارسة الطائفية ضد بعضنا البعض، بحيث يكون الانتماء المذهبي، هو الذي يحدد مستقبل المواطن. فإذا كان منتميا إلى المذهب الرسمي فإن أبواب الوظائف والمناصب في كل الحقول والميادين تكون مفتوحة أمامه.

أما إذا كان المواطن ينتمي إلى مذهب آخر، فإن العديد من دوائر الحياة تغلق في وجهه ولا يسمح له خدمة الوطن في بعض المواقع والحقول. لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع إعادة صوغ العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية في الفضاء الوطني، هو رفض الطائفية بكل مسوغاتها وتبريراتها، التي هي في المحصلة النهائية تساهم في تمزيق المجتمع وتفتيت الوطن. فبدون محاربة الطائفية ونقد أسسها الثقافية والسياسية ومرتكزاتها العقدية والفكرية، لن نتمكن من بناء العلاقة بين مكونات الوطن المذهبية والسياسية على أسس العدالة والاعتراف والاحترام المتبادلين.

وإن تقسيم أبناء الوطن على أسس طائفية لا يضر حاضر الوطن فقط بل يهدد مستقبله. وذلك لأن هذا التقسيم هو مقدمة التفتيت والانهيار.

لذلك فإننا جميعا ومن مختلف مواقعنا، ينبغي أن نقف ضد كل مظاهر التمييز الطائفي، وذلك لأن هذا التمييز لا يضر فقط الطرف الموجهة ضده، بل تضر وحدة الوطن والمواطنين، وتزيد من فرص الاحتراب الداخلي. فنقد الطائفية وفضح ورفض كل مظاهرها ووقائعها، هو الخطوة الأولى في مشروع بناء الوحدة الوطنية الصلبة وتطوير مستوى الانسجام والاندماج الاجتماعي.

إن الممارسات الطائفية البغيضة، هي التي تدق إسفينا عميقا في مشروع البناء الوطني، حيث أنها تساهم مساهمة كبرى في تفتيت المجتمع وخلق الإحن والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد.

لذلك فإن فريضة الوحدة الاجتماعية والوطنية، بحاجة ماسة وملحة اليوم، إلى الوقوف بحزم ضد كل أشكال التمييز وبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.

ولا يمكن أن نبني علاقة سوية بين أبناء الوطن الواحد، إلا بنقد ومنع كل أشكال التمييز بين أبناء هذا الوطن. وبصرف النظر عن عوامل التمييز وموضوعاته، لا يصح أن نمارس التمييز المقيت ضد بعضنا البعض، لأن هذا التمييز هو الذي يدخلنا في أتون الضياع والصراع المفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر.

إننا مع التعايش والوحدة بكل مستوياتها. الوحدة التي لا تبنى بتهميش مكونات المجتمع، وإنما بالاعتراف بها وتوفير كل موجبات الاحتضان والاحترام.

والتعايش لا ينجز بدحر التعدد المذهبي، بل بتوفير الفضاء السياسي والحضاري المناسب، لكي يمارس هذا التعدد دوره في بناء الوطن وتعزيز جبهته الداخلية.

والوقوف بحزم ضد كل حالات وأشكال التمييز الطائفي، يقتضي الالتزام بالآتي:

1. الاعتراف القانوني والسياسي بالمذاهب الإسلامية المتوفرة في الوطن، وإعطاءها المجال والفرصة لكي تمارس بحرية كل أعمالها وأنشطتها الثقافية والدينية والاجتماعية.

2. سن القوانين التي تجرم وتعاقب كل مواطن، يمارس التمييز الطائفي. فلا يمكننا أن ننهي التمييز الطائفي من فضائنا الاجتماعي والوطني، إلا بوجود منظومة قانونية متكاملة، تتعامل مع كل أشكال التمييز الطائفي باعتبارها جرما يعاقب عليه القانون.

3. تنقية المناهج التعليمية والتربوية والمنابر الإعلامية، من كل العناصر والقضايا التي تبث الكراهية الدينية والمذهبية. فلا يمكننا أن ننهي المشكلة الطائفية من واقعنا، إلا بإنهاء المصادر الثقافية والإعلامية التي تغذي هذه المشكلة وتمدها بالأسباب والمبررات. لذلك نحن بحاجة إلى جهد وطني حقيقي لتنقية كل المناهج الدراسية من كل المفردات التي تطعن في المذاهب الإسلامية الأخرى، أو تطعن في عقائدها ورموزها التاريخية. فتنقية مناهجنا التربوية ووسائل إعلامنا من كل المفردات الطائفية، هي خطوة ضرورية لإنهاء المشكلة الطائفية من فضائنا الاجتماعي والوطني.

فلا يمكن أن يسود الأمن فضائنا الوطني، ونحن نبث أو نسمح ببث ثقافة تدعو وتشجع على المفاصلة العملية والاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد.

4. بناء ثقافة وطنية جديدة، قوامها الوحدة واحترام التعدد والتنوع بكل مستوياته وصيانة حقوق الإنسان. إذ إننا لا يمكن إنهاء المشكل الطائفي من فضائنا ومحيطنا، بدون إرساء ثقافة اجتماعية ووطنية جديدة، تعيد الاعتبار إلى الوحدة على أساس احترام التنوع، وتتعامل مع تعدد الاجتهادات الفقهية والفكرية باعتبارها من الحقائق التي تثري المجتمع والوطن. فنقد الطائفية بكل مستوياتها، يقتضي العمل على تطوير ثقافة الوحدة والحوار والتعدد في الفضاء الاجتماعي. فلا يمكننا أن ننهي الواقع الطائفي بالشعارات المجردة والمقولات الجاهزة، بل بالبناء الثقافي الجديد، الذي يرفض العقلية الأحادية والثقافة الإقصائية والمناهج الاستبدادية. وذلك لأن المشكل الطائفي يستمد حيويته وفعاليته، من تلك العقلية الإقصائية والمناهج التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها. لذلك فإن مواجهة المسألة الطائفية في وطننا، تقتضي العمل على تفتيت جذور الثقافة الإقصائية والعقلية الآحادية المتخشبة التي لا تقبل التعدد وتحارب مقتضيات الحوار الحر والموضوعي.

التعددية المذهبية والحماية القانونية:

لعلنا لا نحتاج لكلام كثير لإثبات أن العلاقة القائمة بين مكونات الأمة المذهبية، علاقة مليئة بالكثير من الصعوبات والمشاكل والالتباس والهواجس المتبادلة. وإزالة هذه العناصر السلبية، لا يمكن أن يتم بالخطاب الثقافي العام، الذي يؤكد على الوحدة وضرورتها، وأهمية أن تستعيد الأمة الإسلامية وحدتها وتضامنها، وإنما نحن بحاجة إلى منظومة قانونية متكاملة، تحمي حقيقة التعددية المذهبية وكل متوالياتها ومتطلباتها.

وفي تقديرنا أن غياب الأطر والإجراءات القانونية، التي تحمي التعددية المذهبية، وتوفر مناخ حضورها الايجابي في الحياة العامة، هو الذي يؤدي في أحد أبعاده إلى دخول المواد السامة وعناصر التوتر في العلاقات المذهبية الإسلامية. ولا يمكن أن تضبط نزعات التوتر المذهبي، بدون المنظومة القانونية الحامية والرادعة في آن. وإن الاختلافات المذهبية بكل متوالياتها، ليست مدعاة أو سببا لسلب الحقوق أو نقصانها. فكما أن للإنسان حق الاختلاف مع أخيه الإنسان، فله في ذات الوقت حق ممارسة حقوقه بعيدا عن السلب أو التمييز.

فالعلاقة في الدائرة الإسلامية بين مختلف التعبيرات المذهبية، هي علاقة اختلاف ومساواة في آن واحد، فلا يمكن أن نلغي حالة التعددية المذهبية في الفضاء الاسلامي، كما أنه لا يمكننا صياغة واقعنا الاسلامي العام على أسس التهميش والإقصاء بدعوى التنوع والتباين في المرجعيات والأفكار. وإنما اعترافنا بهذا التنوع الأصيل، ينبغي أن يقودنا جميعا إلى بناء أنظمتنا السياسية والاجتماعية والتربوية والثقافية على قاعدة الاعتراف بحق الاختلاف المذهبي والمساواة في الحقوق والواجبات.

والدولة هنا تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية، لإيجاد البيئة المناسبة للتعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع والوطن. فالتعدد المذهبي لا يشرع بناء الكانتونات الاجتماعية المتحاجزة والبعيدة عن بعضها البعض، وإنما لا بد أن يقودنا واقع التعددية المذهبية إلى بناء وطني جديد على أسس لا تحارب التعدد ومقتضياته، ولا ترذل التنوع وحاجاته، بل تتعامل بوعي وحكمة مع هذه التعددية. الوعي الذي يؤسس لحالة حضارية من التعايش السلمي على أسس الفهم والتفاهم والحوار والتلاقي وتنمية الجوامع المشتركة وصيانة حقوق الإنسان. والحكمة التي تمنع اندفاع أي طرف للقيام بأي تصرف يضر بمفهوم المواطنة أو يؤسس لخيارات اجتماعية لا تنسجم ومقتضيات الوحدة. والخطر الذي يتهدد الأوطان واستقرارها، ليس من جراء التعددية المذهبية، بل هو من جراء سياسة التمييز الطائفي التي تعمل على تفتيت المجتمع على أسس طائفية مقيتة.

 لذلك فإننا مع الاعتراف التام القانوني والسياسي بالتعددية المذهبية، ولكننا في الوقت نفسه ضد كل السياسات الطائفية التي تحول حقيقة التعدد من نعمة إلى نقمة، ومن عامل إثراء للسياسة والثقافة والاجتماع إلى مدخل للصراعات الطاحنة التي تدمر كل المكاسب والمنجزات. والآخر المذهبي ليس مشروعا للنفي والإقصاء المتبادل، وإنما هو مجال مفتوح وحيوي للتعارف والتفاعل والاغتناء.

إننا بحاجة إلى مواطنة مبنية على انتماء متكافئ بين متطلبات الخصوصيات المذهبية وضرورات العيش والانتماء الوطني المشترك. فالحرية المذهبية هي شرط المواطنة المتساوية، ولا يمكن أن ننجز هذا المفهوم في فضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي بعيدا عن شرط الحرية لكل التعدديات والتعبيرات.

***

محمد محفوظ

 

حرية التعبير كضرورة حضارية

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس اختلاف الآراء، وإنما تحويل الاختلاف إلى تهمة، والرأي إلى جريمة، والمخالف إلى عدو.

رأي الشريعة الإسلامية:

تعتبر شريعتنا الغراء إن السخرية، والتنابز بالألقاب، والتخوين، ورمي الناس بأوصاف جاهزة لمجرد أنهم خالفوا رأيًا أو اجتهدوا في فهم قضية، ليست من أخلاق الإسلام، بل نهى عنها القرآن الكريم صراحةً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ … وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.

انعدام الشرعية القانونية:

أن هذه الممارسات هي في الواقع وريثة العهود الدكتاتورية وأزمنة الإنحطاط والتخلف، وتتعارض مع الدستور، ومع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان التي كفلت حرية الرأي والتعبير، ما دام الرأي لا يدعو إلى العنف أو الكراهية ولا يعتدي على حقوق الآخرين.

نطاق حرية التعبير:

ليس المقصود بحرية التعبير مجرد إبداء الرأي في القضايا العامة، وإنما تمتد لتشمل حرية البحث العلمي، والإبداع الأدبي، والاجتهاد الفقهي، والفكر السياسي، والنقد البنّاء في مختلف الميادين.

فالتقدم العلمي لا يتحقق إلا بحرية الباحث في طرح الفرضيات ومناقشتها، والأدب لا يزدهر إلا بإطلاق الخيال والإبداع،

والفقه الإسلامي نفسه قام عبر تاريخه على تعدد الاجتهادات واختلاف الآراء بين العلماء من غير تخوين ولا تكفير، كما أن الحياة السياسية الرشيدة لا تستقيم إلا بوجود رأي ورأي آخر، ومعارضةٍ مسؤولة، وحوارٍ يحكمه الدليل والاحترام المتبادل.

مدى حرية التعبير:

ليست حرية التعبير مطلقة، بل تخضع لقيود تفرضها القوانين لحماية الأمن القومي، النظام العام والآداب العامة،

حيث يُمنع قانوناً استخدام حرية التعبير للتحريض على الكراهية، العنف، التمييزالعنصري، أو التشهير.

صفة حرية التعبير:

وفي ضوء ماتقدم، فإن حماية حرية التعبير ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة حضارية، وضمانة لتطور المعرفة، وإصلاح المجتمع، وترسيخ دولة القانون.

رأي الفلسفة:

فولتير

يُنسب إلى الفيلسوف Voltaire قوله: «قد أختلف مع رأيك، ولكني أدافع حتى آخر لحظة عن حقك في التعبير عنه.» ورغم أن هذه العبارة ليست نصاً حرفياً من كلامه، فإنها أصبحت عنواناً لمبدأ عظيم، هو أن قوة الأفكار تُقاس بقدرتها على مواجهة النقد، لا بإسكات أصحاب الرأي الآخر.

ابن خلدون

لم يناقش ابن خلدون "حرية التعبير" بمفهومها الحديث، بل عبر مؤلفه الشهير "العمران البشري" مؤكداً أن غيابها يعجل بانهيار الدولة

ويرى ان الاستبداد يقتل الإبداع بينما يكسر القهر النفس البشرية ويقضي على دوافع العمل والابتكار.

وإن تكميم الأفواه يورث النفاق ويشيع الخوف والكذب، مما يضعف تماسك المجتمع.

وابتدع المبدأ التاريخي الآتي "المشورة أساس الحكم"

ويلتقي فكر ابن خلدون مع أطروحات التنوير الإسلامي في أن القمع وإقصاء الآخر مناهج تُنافي استقامة الأمة وتطورها.

سارتر

يؤمن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر أن حرية التعبير هي أداة جوهرية لتحرير الإنسان، وليست مجرد حق سياسي. وباعتبار أن "الإنسان محكوم عليه بالحرية"، فإنالتعبير عن الرأي وتحمل مسؤوليته هو جزء لا يتجزأ من وجوده ومسؤوليته الأخلاقية تجاه الآخرين والمجتمع.

ففي نظريته عن "الأدب الملتزم"، يعتبر أن الكلمة هي فعل وتدخل مباشر في صلب الواقع؛ لذا يجب أن يُسخّر الكاتب والمفكر حرية تعبيره لفضح الظلم والدعوة إلى التحرر، والدفاع عن قضايا الإنسان بدلاً من الكتابة المنفصلة عن الواقع.

الروائي گابريل گارسيا ماركيز

يرى ماركيز ان تقييد حرية التعبير وحظر الكتب والأعمال الفكرية إجراءٌ عبثي لا يحقق غايته، لأن الأفكار لا تُهزم بالمنع، وإنما تُناقش بالحجة.

وكان يعتقد أن أي نظام أو ثورة واثقة من نفسها يجب أن تمتلك من النضج والقوة ما يكفي لـ "هضم" هذه الأعمال الأدبية المعارضة، بدلاً من اللجوء إلى سياسات القمع والحظر.

الانطلاق نحو زمن النهضة:

إن النهضة لا تُبنى بالتصفيق، ولا بتقديس الأشخاص، ولا بتخوين المخالفين، وإنما تُبنى بحرية الفكر، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، والاحتكام إلى الحجة والدليل.

أما حين يصبح التخوين بديلًا عن البرهان، والشتيمة بديلًا عن الحوار، فإن ذلك لا يكشف قوة الفكرة، بل يكشف عجز أصحابها عن الدفاع عنها.

وظيفة حرية التعبير:

إن حرية التعبير ليست حقًا فرديًا فحسب، بل هي وسيلة المجتمع لاكتشاف الحقيقة، فالحقيقة لا تتجلى باحتكار الرأي، وإنما بتلاقح الأفكار، واختبارها بالنقد والبرهان؛ لذلك كانت حرية التعبير من أهم ضمانات تطور القانون والعلم والحضارة.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026/7/7

في المثقف اليوم