عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

هل يستطيع أحد أن ينكر تفاقم حالة الجمود في الخطاب الديني المعاصر، بخلاف حالة الهوس المتسارعة تجاه المشاركة وربما المغالبة فقط في الخطاب السياسي وانتزاعه أيضاً، وغرابة مشهد جمود الخطاب الديني هي فورة المد والصعود الديني الكبير لبعض التيارات والفصائل السياسية ذات التوجه الديني التي عانت طوال عقود مضت مغبة الاستبعاد الاجتماعي والحظر والمنع والرفض المجتمعي، ورغم هذا أيضاً إلا أن الخطاب الديني المعاصر لديها أيضاً لم يكن على مستوى الحدث الذي يسمح بالتجديد والتطوير الذي واكب الأحداث في المشهدين السياسي والاجتماعي.

بل لعلنا نجتهد قليلاً حينما نشير بأن الصعود السياسي للتيارات الدينية أعقبه نكوص وارتداد في الفتاوى والطروحات الفقهية التي رصدها الشارع العربي بدءاً من وقت بزوغ انتفاضات الربيع العربي التي باءت جميعها بالفشل لقصور الدراية والمعرفة بحتمية التغيير وكيفيته وإدارة تحول الأمم والمجتمعات، وحتى الدعوة للخروج في مظاهرات لإسقاط الأنظمة السياسية لتصحيح المسار السياسي والتي نجم عنا سقوط مرجعية تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وليس سقوط الجماعة وحدها بل اشتمل الأمر والمشهد في يونيو 2013 تحديدا بمصر الإعلان الرسمي لسقوط التنظيم الدموي والسري بخلاياه اليقظة والنائمة والعائمة أيضا !. ولعل أبرز نتائج الخروج الشعبي آنذاك لإسقاط تنظيم سياسي ذي صبغة دينية هو دعوة رجال الحل والعقد لدى أنظار هذا التنظيم الذي طالما عانى الخلل والعطب وسوء التنظيم والتدبير عبر سنوات شهوده  إهدار الدم ونفي حرمته بل وضرورة قمع الحريات إذا ما كانت تلك الحريات ستحدث خللا ولغطاً بالمجتمع.

لكن الراصد والمستقرئ لهذا الخطاب الديني ذي الصبغة السياسية يجده لم يخرج كعادته عن نقل دون يقين تجنباً للولوج في مسائل خلافية لاسيما وأن الاهتمام كان ولايزال منصباً على أحداث وإحداثيات المشهد السياسي فقط، وهذا الخطاب رغم ثورة المعرفة والاتصال وتطور نظريات اللغة والحصول على المعلومات ومقارنتها لا يزال أسيراً لجمود اللغة القديمة البيانية التي ترفض المجاز بل وأحيانا تكفر مستخدميه، وكذلك كون الخطاب فريسة لشرك (بفتح الشين) للأساليب الخطابية المنبرية التي تصلح لمواجهة جموع غفيرة وهي بطبيعتها أساليب تستهدف الأذن واستلابها قبل العقل وتطويقه، والعين قبل الفكر.

رغم أن الدين الإسلامي نفسه أعلى شأن العقل واعتبره ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته، لكن وجدنا بعد عقود طويلة أن الخطاب الديني الذي لم يعد حكراً على المؤسسة الدينية الرسمية كالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وأساتذة الشريعة بالجامعات، بل صار ملكاً مشاعاً لكل من أراد بغير تخصص أو اختصاص، بل المدهش أننا وجدناه حجر عثرة في طريق مدنية الدول العربية كافة التي يتعايش فيها الدين بجوار السياسة بغير مغالبة أو استقطاب يضر بالآخر، ووجدناه خطاباً لغوياً راديكاليا ينفي أية صلة به وبين الواقع الراهن اللهم سوى استخدام بعض الأحزاب والطوائف والفئات السياسية الدعوة الدينية كوسيلة استقواء، وظهور ما يسمى بفقه الحالة من جديد لتبرير بعض السلوكيات السياسية لفصائل معينة.

والخطاب الديني سرعان ما تحول بعد انتفاضات الربيع العربي البائدة بغير نتائج إيجابية إلى إعلان سياسي يخدم مجموعة من المصالح التي باتت مؤجلة لعقود بعيدة، وبدلاً من أن يهتم الخطاب الديني بقضايا تمس عقيدة المواطن وعلاقته بربه وذويه وعشيرته والمطالبة بإصلاح النفس اتجه دنما قصد إلى تحشيد العقول لتأييد فكرة سياسية أو برنامج أو طرح فكري يخدم طائفة ويجور على طوائف أخرى. وهناك قاعدة مفادها أن المجتمعات حينما يزداد ولعها بالدين الذي سرعان ما يتحول إلى سهام تكفير وتفسيق هي مجتمعات بدأ الضعف والتوهين يدب فيها، وكثرت الفتن بأراضيها، وظهر ما يسمى بمرض الجهل بالدين.

وخطورة الأمر حينما تخلت المؤسسات الدينية الرسمية والشرعية المنوطة بنقل مفاهيم الدين ومعالمه للعامة أو للطلاب بالجامعات والمدارس والمعاهد والأكاديميات التعليمية ولا يزال بعضها بعض الدول العربية تخليها غير المبرر، فكانت الفرصة سانحة لبعض الأقلام والأصوات والفضائيات أيضاً لممارسة هذا الدور بغير جدال أو مناقشة أو حوار يستهدف التمييز والتأويل، وأول ما نجح فيه خطاب مثل هذا هو تجديد العهد بالعداوة القديمة بين الدنيا والآخرة، وبين العقل والعلم، وكان نتيجة ذلك أن تكريس فكرة أن الذهاب إلى صناديق الانتخاب وقت الاستحقاقات الديموقراطية ببعض عواصم الوطن العربي منذ 2012 هو جهاد في سبيل الله وليس استشرافاً لمستقبل ينعم فيه أبناؤنا، وكان أيضاً تحشيد الجموع لإحداث ضجة للحصول على ما تريد فئة بعينها من مكاسب هو أمر إلهي مفاده إعلاء الدين وأهله.

وغفل هذا الخطاب عن تهيئة أنصاره الذين فروا هاربين من القراءة التي ظلت قرينة الرئيس السابق تدشن مهرجانات فاخرة لمشروعها القراءة للجميع، كما غفل عن ذكر محاسن العقيدة دون النيل من عقائد الآخرين أو تشويهها، وهذا الشئ هو الذي فتح النار على أبواق هذا الخطاب الذي كان من شأنه أن يحدد بوصلته ويميز رؤيته بوضوح، إلا أنه لم يشأ أن يذهب بسلام وسهولة إلى أذن وعقل مريدينه، فشكل الخطاب بذلك لغطاً والتباساً يحتاج إلى توضيح وتفسير.

نفس الأمر الذي وصل بالخطاب الديني إلى مرحلة تعاني من الجمود، وصل التعليم الديني في مصر بعد أيامها الثورية المتسارعة إلى مراحل أكثر دهشة وأدعى لليأس وعدم التفاؤل، بل قد يغضب المؤهلون للغضب بالفطرة والاكتساب أيضاً حينما نقول بإن مستوى التعليم الديني في مصر وصل إلى حد التفاهة، بدليل جمود الاجتهاد الديني الذي كان سمة مميزة لمصر وأهلها وفقهائها، بل يمكن أن نغالي القول بإن أنصار هذا الجمود قد تعاظم دورهم بعد استقرار الثورة دونما نجاح ودونما فشل. وللحق يمكننا أن نلتمس العذر لهذا الخطاب الديني الذي صار يعاني جموداً عظيماً، نظراً لانشغال البلاد والعباد أيضاً بأحداث المشهد السياسي، حيث إن الوطن وأهله ما إن يستفيقوا من حدث جلل يعصف بأرجائه حتى يصطدم بحدث آخر، وما إن يدخل في مرحلة سياسية ديموقراطية جديدة حتى يلج في أخرى دون يتم الأولى بنجاح.

وربما خفتت الصيحات والأصوات العالية المعاصرة التي تنادي بضرورة تطوير وإصلاح التعليم الديني في مصر لاسيما بعد هذا الهوس المحموم بالعملية السياسية وهم بذلك يعلنون دونما قصد فصل الدين عن السياسة، ولا أشك لحظة أن القائمين على عمليات التطوير الشكلية مهتمون بتهيئة العقول واستنهاضها لتشييد وطن جديد. كل هذا يجعلنا لا نأمل في خارطة إصلاح استشرافية للخطاب الديني الذي بات مضطرباً ومضطرماً بعض الشئ بفضل اللغط الراهن في هذا الخطاب ورؤيته وتعدد رسالاته وبسبب دعاة التقليد الذين يعملون جاهدين على غير نظام، ويأخذون الأمر على قاعدته دون النظر إلى أسبابه ومقدماته التي صاغت هذه القاعدة والنتيجة.

وإذا حاولنا التصدي لمواجهة هذا القصور في الخطاب الديني بوجه عام والتعليم الديني في مصر بوجه خاص، يتبين لنا إغفال دور العقل وانتفاء قدره والاكتفاء بالنقل دون مكاشفة أو تحقيق أو تحري الدقةً في المنقول وصاحبه. رغم أن النظر العقلي هو أول أساس وضع عليه الإسلام، حيث إن النظر السليم وسيلة الإيمان الصحيح وهذا ما أشار إليه المجدد الإمام محمد عبده، ولا ريب في ذلك حيث إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدعو إلى النظر في ما حولنا من موجودات وظواهر وأحداث كونية متعددة ومختلفة على أن يكون هذا النظر مصحوباً بالتأمل العقلي والتفكر، فهي دعوة إلى النظر الحسي والعقلي في نفس الوقت، يقول الله تعالى في سورة الأنعام: [قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون]،  ولا ريب أن قوة الملاحظة والوقوف على ما يحدث حول الإنسان، وفهمه وتأمله ودراسته واستخلاص النتائج منه يؤدي إلى اليقظة العقلية وهي من أهم سمات التفكير العلمي السليم. وللإسلام الحنيف دور بارز في تنمية القدرات العقلية للإنسان مثل القدرة على الاستنتاج، والتأمل، والتفسير، وإدراك العلاقات.

ولكن إذا ما نظرنا إلى الخطاب الديني الراهن والتعليم الموصوف بالديني ببعض الدول العربية أيضاً نجده بعيداً عن التنوير وإعلاء قيم العقل في التناول للنصوص الدينية، وربما كان هذا سببه هو جعل فئة قليلة تسيدت مشهد الخطاب الديني رؤية مواضعة التنوير هذه على أنها أساس لضياع وتقويض المجتمع وإحلال قيم غير إسلامية في مجتمع إسلامي متدين. ومن ثم وجدنا المتزعمون للخطاب الديني يهتمون بالإشارة إلى الكتب الأدبية القديمة حينما يحاولون الجلوس مع التنويريين في مقعد واحد، وهم يشيرون إلى هذه الكتب التي توضح أحوال الأمم، وتحث على الفضائل وتنفر من الرذائل وارتكابها دون غيرها.

ومشكلة الخطاب الديني المعاصر أنه نأى بعيداً عن مقصده التنويري والإصلاحي للفرد والجماعة على السواء، وذلك حينما قصر همه على تكفير البعض واتهام البعض الآخر بالتفسيق، وإلقاء تهمة الخروج السافر عن تعاليم الشريعة، وهو في ذلك يكون قد ارتكب ذنباً قد لا يغتفر لأنه حمل غيره تكفيره بغير دليل قطعي، بالإضافة إلى أنه تنصل من مهمته الحتمية وهي تنوير العقول والألباب. ولقد اعتبر الإمام محمد عبده البعد عن التكفير من الأصول الرئيسة والأساسية في الإسلام بل وأعده حكماً رئيساً من أحكامه وهو البعد عن التكفير، ويقول في ذلك " إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر ". و هناك قاعدة تقتضي بأن التكفير حكم شرعي من أحكام الدين له أسبابه، وضوابطه، وشروطه، وموانعه، وآثاره. وهذه القاعدة لا ترتبط بدين معين، أو مله بعينها، والتكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره اتلله الله المطلع على ما في الصدور، والشهيد على أعمال عباده من البشر، وثبوت الكفر على المرء أمر لا يثبت إلا بدليل شرعي متفق عليه، سواء من النص، أو بإجماع العلماء والفقهاء كافة، وليس القلة منهم.

وما أخطر التحديات التي تواجهنا هذه الآونة المحمومة بفضل اللغط السياسي الديني استباق بعض التيارات الدينية في إلقاء تهم التكفير على الآخر، ولقد توعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله : " لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك". أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والمنصات الرقمية.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية

كلية التربية ـ جامعة المنيا.

لماذا لا نسمع شيخا أو فقيها يقول للناس: من شيد مدرسة، بنى الله له بيتا في الجنة؟

لماذا لا نسمع من يقول: من أنشأ مكتبة تفتح أبواب المعرفة أمام الفقراء، أو مستشفى يخفف وجع المرضى، أو مركزا للبحث العلمي، أو منح طفلا فرصة للتعلم، فله من الأجر ما يليق بعظمة ما صنع؟

أليس العلم صدقة؟

أليست إنقاذ حياة الإنسان من أعظم وجوه الرحمة؟

 أليس تحرير العقل من الجهل عملا يستحق أن يكون له في ميزان الفضيلة مقام رفيع؟

المشكلة، في تقديري، ليست في الدين بقدر ما هي في أولويات الخطاب الديني حين يتحول إلى خطاب وعظي يختزل الخير في الشعائر، ويترك العمران الإنساني في الهامش. فحين يصبح التدين منفصلا عن الإنسان، يمكن أن ينشغل الناس كثيرا بما يفعلونه في علاقتهم بالسماء، وينسون ما يفعلونه في علاقتهم بمن يسيرون معهم على الأرض.

ما معنى أن تصلي كثيرا، بينما تترك إنسانا يتضور من الجوع؟

ما معنى أن تحفظ النصوص، بينما تعادي الآخر المختلف؟

ما معنى أن تبحث عن طريق مختصر إلى الجنة، بينما تمر كل يوم بجوار إنسان يحتاج منك شيئا من الرحمة؟

نحن في حاجة إلى خطاب يقول للناس إن بناء مدرسة ليس أقل شرفا من بناء مسجد، وإن إنشاء مستشفى قد يكون في جوهره عبادة للرحمة، وإن تأسيس مكتبة قد يكون نوعا من بناء الإنسان، وإن تمويل بحث علمي قد يكون صدقة ممتدة الأثر؛ لأن المعرفة التي تمنحها لإنسان قد تنتقل منه إلى مئات وآلاف، كما تنتقل النار من شعلة إلى أخرى دون أن تنقص الأولى.

فالخير ليس فكرة معلقة في السماء؛ الخير أثر يحدث هنا، على الأرض، في جسد مريض، وفي عقل طفل، وفي حياة امرأة، وفي مستقبل مجتمع.

وفي وجهه نظري. الطبيب الذي يسهر على مريض لا يعرفه، والباحث الذي يقضي سنوات في مختبر بحثا عن علاج، والمعلم الذي يوقظ في طفل فقير شهوة المعرفة، والمثقف الذي يحارب الخرافة بالفكرة، والإنسان الذي يمنح محتاجا كرامته قبل أن يمنحه ماله؛ هؤلاء جميعا يمارسون شكلا عميقا من العبادة الإنسانية

لكن ثمة سؤالا أكثر عمقا: لماذا نحتاج أصلا إلى وعد بالجنة حتى نفعل الخير؟

ألا ينبغي أن تكون حياة الإنسان نفسها جديرة بأن نخفف آلامها، ونوسع إمكاناتها، ونمنح أبناءها فرصة أفضل للحياة، حتى لو لم يكن وراء ذلك ثواب موعود؟

هنا تبدأ الأخلاق في الارتقاء من منطق المكافأة إلى منطق المسؤولية.

فالإنسان الذي يبني مستشفى لأنه يحب الإنسان، لا لأنه ينتظر قصرا في السماء، قد يكون قد بلغ درجة أكثر نضجا في الفعل الأخلاقي؛ لأنه لم يعد يسأل: ماذا سأحصل في المقابل؟ بل يسأل: ماذا يستطيع وجودي أن يمنح لهذا العالم؟

فإذا كان الإنسان لا يتصدق إلا طمعا في الجنة، ولا يكف عن الظلم إلا خوفا من النار، فإن أخلاقه لا تزال واقفة على عتبة المصلحة؛ إنه لم يصل بعد إلى تلك المنطقة النادرة التي يصبح فيها الخير غاية في ذاته

إن أعظم صدقة قد لا تكون شيئا نضعه في يد فقير، بل شيئا نضعه في عقل إنسان.

وقد تكون أعظم عبادة أن تجعل الحياة أقل قسوة على الآخرين.

لماذا نبحث دائما عن طريق إلى السماء، بينما يمكن أن يكون أحد أكثر الطرق نبلا إليها هو أن نجعل الحياة على الأرض أقل بؤسا، وأكثر معرفة، وأوسع حرية، وأشد إنسانية. وربما لا يحتاج الله إلى بيوت إضافية في السماء بقدر ما يحتاج الإنسان إلى بيوت تحفظه من البرد، ومدارس تنقذه من الجهل، ومستشفيات تنقذه من الموت، ومكتبات تنقذه من العيش بعقل مستعار.

فإن كان ثمة جنة تستحق أن نبحث عنها، فلنبدأ ببنائها هنا...

على هذه الأرض التي تركناها طويلا للفقر والجهل والخوف، ثم رفعنا أعيننا إلى السماء نسألها النجاة.

فالسماء لا تحتاج إلى أيدينا كي تعمر... أما الأرض، فتنتظرنا.

أيها الإنسان...

يا من أفنيت عمرك تسأل عن الطريق إلى السماء، بينما نسيت الطريق إلى الإنسان.

يا من تحفظ أسماء أبواب الجنة، ولا تعرف اسم الجائع الذي مر بجوارك.

يا من تخشى أن تفوتك حسنة صغيرة، ولا يؤرقك أن يعيش إنسان في محيطك بلا علم، ولا كرامة، ولا فرصة.

أيها الإنسان، لا تجعل علاقتك بالله ذريعة لقسوتك على خلقه، ولا تجعل العبادة بديلا عن الرحمة، ولا تجعل التدين حجابا يحجب عنك أخيك الإنسان. مهما كانت عقيدته

إن كان الله قد خلقك حرا، فلا تحوّل نفسك إلى تابع.

وإن منحك عقلا، فلا تسلمه لأحد.

وإن منحك قلبا، فلا تجعله يعتاد رؤية الألم حتى يفقد قدرته على الارتجاف.

أيها الإنسان...

لا تجعل الخير صفقة بينك وبين السماء؛ اجعله موقفا أخلاقيا منك تجاه الحياة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في عالم يشهد تحولات متسارعة على المستويات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، لم يعد السرد مجرد وسيلة فنية لحكي الأحداث أو نقل التجارب الإنسانية، بل أصبح أداة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي وإعادة بناء الذاكرة الثقافية للمجتمعات. فالسرد المعاصر، بمختلف أشكاله الأدبية والإعلامية والرقمية، يمارس دورًا متناميًا في إعادة قراءة الماضي واستحضار الوقائع التاريخية والرموز الثقافية ضمن رؤى جديدة تتلاءم مع متطلبات الحاضر وتحديات المستقبل. ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين السرد المعاصر والذاكرة الثقافية باعتبارها علاقة تفاعلية تسهم في إنتاج المعنى وصياغة الهوية الجماعية.

تُعرَّف الذاكرة الثقافية بأنها ذلك المخزون الرمزي والمعرفي الذي تحتفظ به المجتمعات عبر الأجيال، ويشمل الأحداث التاريخية والقيم والعادات والتقاليد والرموز والأساطير والنصوص المؤسسة للهوية الثقافية. وهذه الذاكرة لا تُحفظ بصورة جامدة أو ثابتة، بل تخضع باستمرار لعمليات إعادة تفسير وتأويل وفقًا للظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية المتغيرة. وهنا يتدخل السرد بوصفه الوسيلة الأكثر قدرة على تحويل الوقائع والذكريات إلى قصص تحمل دلالات ومعاني تؤثر في وعي الأفراد والجماعات.

لقد شهد السرد المعاصر تطورًا ملحوظًا في أدواته وتقنياته، فلم يعد مقتصرًا على الرواية أو القصة التقليدية، بل امتد إلى السينما والدراما التلفزيونية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والوثائقيات والبودكاست وغيرها من الوسائط الحديثة. هذا التوسع منح السرد قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور والتأثير في تصوراته حول الماضي والحاضر. فكل قصة تُروى تحمل ضمنيًا رؤية معينة للعالم وتُعيد ترتيب الأحداث وفق منظور محدد، الأمر الذي يجعل السرد أداة مؤثرة في تشكيل الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاجها.

ومن أبرز ملامح السرد المعاصر اهتمامه بإعادة قراءة التاريخ من زوايا مختلفة، خاصة تلك التي كانت مهمشة أو مغيبة في السرديات التقليدية. فقد أصبحت الروايات والأعمال الفنية الحديثة تمنح مساحة أكبر لأصوات الفئات التي لم تكن ممثلة بالشكل الكافي في الخطابات التاريخية الرسمية، مثل النساء والأقليات والفئات الاجتماعية المهمشة. وبهذا المعنى، يسهم السرد المعاصر في توسيع نطاق الذاكرة الثقافية وجعلها أكثر تنوعًا وشمولًا، حيث لا تقتصر على رواية واحدة للأحداث، بل تحتضن تعددية الأصوات والتجارب.

كما أن السرد المعاصر يساهم في إعادة إحياء التراث الثقافي من خلال تقديمه بصيغ جديدة تتناسب مع الأجيال الحديثة. فالكثير من الأعمال الأدبية والفنية تستلهم الحكايات الشعبية والأساطير والتراث المحلي وتعيد توظيفها في سياقات معاصرة، مما يضمن استمرار حضورها في الوعي الجمعي. وهذه العملية لا تعني مجرد استنساخ الماضي، بل إعادة إنتاجه بما يجعله قادرًا على التفاعل مع قضايا الحاضر وأسئلته. وبهذا يصبح التراث مادة حية ومتجددة بدلًا من أن يبقى حبيس الكتب أو الذاكرة الفردية.

وفي ظل الثورة الرقمية، اكتسب السرد المعاصر أبعادًا جديدة أثرت بصورة مباشرة في تشكيل الذاكرة الثقافية. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد إمكانية المشاركة في صناعة السرد وتوثيق تجاربهم الشخصية بشكل غير مسبوق. وأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر قصته أو يوثق حدثًا عاشه أو يشارك صورًا وذكريات تسهم في تشكيل صورة جماعية عن واقع معين. هذه المشاركة الواسعة حولت الذاكرة الثقافية من عملية مركزية تهيمن عليها المؤسسات الرسمية إلى عملية تشاركية يساهم فيها عدد كبير من الفاعلين الاجتماعيين.

ومن جهة أخرى، أدى انتشار المنصات الرقمية إلى تسريع تداول السرديات الثقافية وتجاوزها الحدود الجغرافية. فالقصة التي تُنتج في مكان ما يمكن أن تصل خلال لحظات إلى جمهور عالمي، الأمر الذي يسهم في تبادل الخبرات الثقافية وتعزيز الحوار بين الشعوب. غير أن هذا الانفتاح يطرح تحديات مهمة تتعلق بالحفاظ على الخصوصية الثقافية في مواجهة العولمة الثقافية التي قد تؤدي إلى تهميش بعض السرديات المحلية أو إعادة صياغتها وفق معايير خارجية.

ويظهر تأثير السرد المعاصر في إعادة تشكيل الذاكرة الثقافية أيضًا من خلال قدرته على معالجة القضايا الكبرى التي مرت بها المجتمعات، مثل الحروب والتحولات السياسية والأزمات الاجتماعية. فالأعمال السردية التي تتناول هذه الأحداث لا تكتفي بتسجيلها، بل تقدم تفسيرات وتأويلات تساعد الأفراد على فهمها واستيعاب آثارها. وغالبًا ما تلعب هذه الأعمال دورًا مهمًا في المصالحة مع الماضي أو في إعادة تقييمه، مما يجعلها جزءًا أساسيًا من عملية بناء الذاكرة الجماعية.

ولأن الذاكرة الثقافية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية، فإن السرد المعاصر يساهم بصورة مباشرة في إعادة تعريف هذه الهوية وصياغتها. فعندما تُروى القصص التي تعكس قيم المجتمع وتجاربه وتطلعاته، فإنها تساعد الأفراد على إدراك انتمائهم الثقافي وتعزز شعورهم بالارتباط بتاريخهم ومجتمعهم. وفي الوقت نفسه، يتيح السرد المجال لمراجعة بعض التصورات التقليدية وإعادة النظر فيها بما يتناسب مع التحولات التي يشهدها المجتمع.

غير أن هذه القدرة الكبيرة للسرد على تشكيل الذاكرة الثقافية تفرض مسؤولية أخلاقية وثقافية على المبدعين والمؤسسات الإعلامية والثقافية. فالسرد قد يكون وسيلة للحفاظ على الحقيقة وتعزيز الوعي، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أداة للتشويه أو الانتقاء أو التلاعب بالوقائع إذا لم يستند إلى رؤية نقدية ومسؤولة. ولذلك فإن بناء ذاكرة ثقافية متوازنة يتطلب الجمع بين حرية الإبداع والالتزام بالقيم المعرفية والإنسانية التي تحترم التعددية والموضوعية.

إن المجتمعات التي تدرك أهمية السرد في تشكيل الوعي تكون أكثر قدرة على حماية ذاكرتها الثقافية من النسيان أو التشويه. فالقصة ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي وعاء يحمل الخبرات والتجارب والقيم التي تنتقل من جيل إلى آخر. وكلما ازداد الاهتمام بإنتاج سرديات تعكس الواقع بعمق وصدق، ازدادت قدرة المجتمع على فهم ذاته واستيعاب تاريخه واستشراف مستقبله.

لذا، يمثل السرد المعاصر قوة ثقافية مؤثرة في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاج المعاني المرتبطة بالماضي والحاضر. ومن خلال تنوع وسائطه وأساليبه، أصبح قادرًا على استحضار التراث وإعادة تفسير التاريخ وإبراز الأصوات المختلفة داخل المجتمع. وبينما تستمر التحولات الرقمية والثقافية في تغيير طرق إنتاج القصص وتلقيها، سيظل السرد أحد أهم الأدوات التي تصوغ ذاكرة الشعوب وتحافظ على هويتها وتمنحها القدرة على التواصل مع ذاتها ومع العالم من حولها.

***

د. عصام البرّام

في العالم العربي، بمصر أولًا يبرز زكي نجيب محمود بوصفه النموذج الأوضح للفيلسوف الذي امتلك قلم الأديب، فقد جمع بين البحث الفلسفي والكتابة الثقافية والمقالة الأدبية، وسعى إلى تقريب الفلسفة من القارئ العربي، لا بتفريغها من دقتها، بل بإعادة صياغتها في لغة واضحة وحية، ولذلك عُدَّ من أبرز من جسّدوا عبارة «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء»، إذ لم يكتفِ بعرض الوضعية المنطقية والفلسفة الغربية، بل انشغل أيضًا بسؤال الأصالة والمعاصرة، وبإمكان بناء عقل عربي حديث يتفاعل مع التراث دون أن يستسلم له..

هناك العبقري عباس محمود العقاد الذي كان أديبًا وشاعرًا وناقدًا وصحفيًا ومفكرًا موسوعيًا، وقد تجاوز إنتاجه المائة كتاب في الأدب والفكر والفلسفة والتاريخ والدين، ولم تكن الفلسفة عنده موضوعًا خارجيًا عن الأدب، بل كانت حاضرةً في كتاباته عن الإنسان والحرية والجمال والدين والشخصية التاريخية. ففي «الله» و«الفلسفة القرآنية» و«التفكير فريضة إسلامية» حاول أن يعالج قضايا الإيمان والعقل والروح والمجتمع معالجةً فكرية، بينما جعل في «العبقريات» من السيرة والتاريخ مجالًا لتحليل الشخصية والقيادة والضمير والمسؤولية، كما أن العقاد لم يكن شاعرًا يكتفي بالتعبير الوجداني، بل كان يرى الشعر موقفًا من الوجود ورؤيةً إلى الإنسان، وقد أسهم، مع إبراهيم المازني، في تأسيس مدرسة الديوان التي دعت إلى تجديد الشعر العربي، وربطت القصيدة بالتجربة النفسية والفكرية، ورفضت أن يكون الشعر مجرد محاكاة شكلية أو زخرفة لفظية، اذ يمكن القول إن العقاد كان أديبًا يمارس الفلسفة من خلال الشعر والنقد والسيرة والفكر الديني، وفيلسوفًا يحرص على أن تظل أفكاره متصلةً بجمال اللغة وحيوية التجربة..

أما طه حسين، فقد كان أديبًا وناقدًا ومؤرخًا للفكر والأدب، وصاحب مشروع تنويري جعل من المعرفة والتعليم والنقد العقلي شروطًا لتحرير الإنسان، لعل هناك من يقول لم يكن فيلسوفًا نسقيًا بالمعنى الأكاديمي الدقيق، لكن كتاباته حملت وعيًا فلسفيًا واضحًا، ظهر في دفاعه عن العقل والمنهج والشك المنهجي، وفي مساءلته للموروث وطرائق إنتاج الحقيقة. وقد أثارت دراسته للشعر الجاهلي نقاشًا واسعًا لأنها نقلت إلى الأدب العربي أدوات نقدية حديثة، ودفعت إلى مراجعة المسلّمات الموروثة بدل قبولها لمجرد شيوعها.. بل يتجلى البعد الفلسفي عند طه حسين أيضًا في أعماله الأدبية، مثل «الأيام» و«دعاء الكروان» و«المعذبون في الأرض». فهذه الأعمال لا تكتفي بسرد التجربة أو تصوير المجتمع، بل تطرح أسئلة الحرمان والعدالة والكرامة والتعليم والقدر والاختيار. وفي «الأيام» تتحول السيرة الذاتية إلى تأمل في علاقة الإنسان بالعجز والمعرفة والإرادة، بينما تكشف «دعاء الكروان» عن الصراع بين التقاليد والعدالة، وبين سلطة المجتمع وحق الفرد في الحياة والاختيار..

بينما يبرز نجيب محفوظ في مرحلته الفلسفية (ثلاثية «الحرافيش»، و«أولاد حارتنا»، و«رحلة ابن فطومة») روائيًا يجعل من السرد فضاءً للسؤال عن العدالة والحقيقة والحرية والقدر، دون أن يفقد الرواية جاذبيتها السردية.

و ببلاد الحرمين، يمكن التوقف عند عبد الله القصيمي، الذي جمع بين الكتابة الفكرية والبلاغة الجدلية والأسلوب الأدبي الحاد، فقد جاءت مؤلفاته في صورة نصوص فكرية ذات كثافة لغوية ومفارقات وسجالات، ولم يكن يعرض أفكاره في لغة أكاديمية جافة، بل في كتابة هجومية وتأملية تستفز القارئ وتدفعه إلى مراجعة مسلّماته. ومن كتبه «العرب ظاهرة صوتية» و«هذا الكون ما ضميره؟»، وهي أعمال تشتغل على أسئلة العقل والدين والمجتمع والحرية، وإن اختلفت المواقف من حدتها واستنتاجاتها.

ويضاف إلى ذلك غازي القصيبي، الذي لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي، لكنه جمع بين الشعر والرواية والمقالة والتأمل الثقافي، وطرح في أعماله أسئلة السلطة والاغتراب والبيروقراطية والحرية والإنسان.. ففي رواياته وقصائده يتداخل الأدبي بالسياسي، واليومي بالفكري، ويتحول الأدب إلى وسيلة لفحص علاقة الفرد بالمؤسسة والمجتمع والتاريخ. ومن المهم هنا التمييز بين الفيلسوف المتخصص والمثقف الأديب ذي الحس الفلسفي، حتى لا نحمّل الأسماء أكثر مما تحتمل.

أما في الشام، يقدم زكي الأرسوزي نموذجًا مبكرًا للمفكر الذي جمع بين الفلسفة واللغة والأدب والقومية، إذ اهتم بأصل الكلمات وباللغة بوصفها حاملةً لذاكرة الجماعة وتصورها للعالم..

كما يبرز أنطون سعادة، الذي صاغ مشروعًا فكريًا وسياسيًا ذا طابع فلسفي، واستفاد في عرضه من اللغة الأدبية والرموز التاريخية والتأمل في الأمة والمجتمع والهوية. غير أن حضورهما يقع في منطقة المفكر الفلسفي ذي التعبير الأدبي أكثر من وقوعه في مجال الأديب الذي يكتب الفلسفة صراحة.

أما بمكة الثوار الجزائر، يمكن وصف العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي بأنه فيلسوف الإصلاح؛ لا لأنه أنشأ نسقًا فلسفيًا بالمعنى المدرسي، وإنما لأنه امتلك تصورًا متكاملًا للإنسان واللغة والدين والتاريخ، فالإنسان عنده لا يتحرر إلا بالعلم، ولا ينهض إلا بامتلاك وعيه، ولا يصون هويته إلا إذا صان لغته، ولا يواجه الاستعمار العسكري ما لم يقاوم الاستعمار الثقافي. وهذه الرؤية تتجاوز الوعظ المباشر إلى فلسفة في النهضة، تجعل المعرفة شرطًا للحرية، والأدب وسيلة لبناء الوعي، والإصلاح فعلًا حضاريًا شاملًا.

وبذلك أثبت العلامة الإبراهيمي أن الفلسفة والأدب كانا، في التجربة العربية الإسلامية، متداخلين داخل مشروع العالم والمصلح. فقد كان الفقيه فيه أديبًا، والأديب فيه مربيًا، والمصلح فيه مفكرًا، والمفكر فيه صاحب بيان. وإذا كان ابن المقفّع قد جعل الحكمة السياسية تتكلم بلسان الحكاية، وابن حزم قد جمع بين الفقه والأدب وتحليل النفس، فإن البشير الإبراهيمي جعل اللغة العربية والأدب والفقه أدواتٍ متكاملة لتحرير الإنسان الجزائري وبناء وعيه الحضاري..

مالك بن نبي يقدم نموذجًا فريدًا للمفكر الذي جعل مشروعًا فكريًا كاملًا يدور حول فلسفة الحضارة، ووجد في الرواية والمذكرات وسيلتين لتجسيد هذا المشروع، فقد وضع بن نبي كل مؤلفاته تحت عنوان جامع هو «مشكلات الحضارة»، ورأى أن أزمة العالم الإسلامي أزمة حضارية بامتياز، يمكن تحليلها بمعادلة بسيطة وعميقة: الحضارة = الإنسان + التربة + الوقت. غير أن هذا التحليل الفلسفي لم يظل حبيس المصطلحات، بل تجسد في أعمال أدبية: برواية «لبّيك» (1947) التي وُصفت بأنها رواية فلسفية، تجعل من رحلة الحج والإنسان والمكان والزمان مجالًا لاختبار معادلة الحضارة وتمثل شروط النهضة في جسد سردي..

وفي مرحلة النضج، كتب «مذكرات شاهد للقرن» (القسم الأول «الطفل»، والقسم الثاني «الطالب»، القسم الثالث « الكاتب »)، وهي سيرة ذاتية ذات بعد فكري وحضاري، لا تكتفي بسرد الذكريات، بل تقرأ الطفولة في الجزائر والدراسة في فرنسا بوصفها مختبرًا حيًا لتفاعل «الإنسان» مع «التربة» و«الوقت»، وتكشف كيف تشكّلت رؤية بن نبي للحضارة من خلال تجربة الاغتراب والمواجهة بين الثقافتين، ليعرب بن نبي أن الفلسفة لا تُكتب دائمًا في لغة المفاهيم؛ فقد تُكتب في رواية تختبر الفكرة في مصير شخصية، أو في مذكرات تجعل من السيرة الشخصية شهادة على عصر وتحولات حضارة. وهو بهذا يقترب من تقليد ابن سينا في «حي بن يقظان» وابن طفيل في صياغته اللاحقة، وابن عربي في «ترجمان الأشواق»، حيث يصبح الأدب لغةً للفلسفة، وتصبح الفلسفة عمقًا للأدب.

 ويبرز عبد الحميد بن هدوقة أحد رواد الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، وصاحب رواية «ريح الجنوب» التي صدرت سنة 1971، بوصفه أديبًا جعل من السرد مجالًا للتفكير في الإنسان والمجتمع والتحول التاريخي. فقد تناول في رواياته قضايا الأرض والريف والمرأة والسلطة والتقاليد والعدالة، ولم يكن الواقع عنده مجرد مادة للحكاية، بل سؤالًا مفتوحًا عن علاقة الإنسان بمحيطه، وعن الصراع بين الموروث والحداثة، وبين ضرورات الجماعة وحق الفرد في الاختيار.. وفي أعمال مثل «نهاية الأمس» و«بان الصبح» و«الجازية والدراويش»، يتحول السرد إلى مساءلة للوعي الاجتماعي، وتغدو الشخصيات مرايا لتوترات الجزائر وهي تعبر من زمن الاستعمار إلى زمن الاستقلال وبناء الدولة، لقد عُرف بن هدوقة روائيًا وقاصًا وشاعرًا وكاتبًا مسرحيًا، الأمر الذي يجعل تجربته مثالًا على تداخل الأجناس الأدبية واتساع الأدب لاستيعاب الأسئلة الفكرية والتاريخية.

ويأتي أحمد رضا حوحو نموذجًا جزائريًا آخر للأديب الذي اتخذ من الأدب وسيلةً للنقد الاجتماعي والوعي الإنساني، حيث اعتمد في قصصه ومقالاته أسلوب السخرية والمفارقة والحوار، وكشف من خلاله مظاهر الجهل والنفاق والاستبداد والتفاوت الاجتماعي، من غير أن يحوّل نصوصه إلى مواعظ مباشرة أو خطب إصلاحية، وكانت كتابته تنطلق من الإيمان بأن الأدب لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يساعد على تعريته وإعادة النظر فيه؛ فالشخصية الساخرة عنده ليست مادة للضحك وحده، بل أداة لكشف اختلال القيم، والموقف الكوميدي ليس ترفًا، بل طريقة لإظهار التناقض بين ما يدّعيه المجتمع وما يمارسه في الواقع..

من هنا يقترب حوحو من الفلسفة الاجتماعية؛ إذ يجعل الأدب سؤالًا عن الإنسان، والحرية، والكرامة، ومسؤولية المجتمع عن إعادة إنتاج عيوبه.

وإذا كان ابن هدوقة قد جعل الرواية فضاءً لتحليل التحولات الاجتماعية والتاريخية، فإن حوحو جعل القصة والمقالة مجالًا للنقد والسخرية وكشف الأقنعة. كلاهما يثبت أن الأدب الجزائري لم يكن منفصلًا عن التفكير في الإنسان والمجتمع، وأن الفلسفة قد تحضر في النص الأدبي لا على هيئة مصطلحات مجردة، بل في صورة موقف، وشخصية، وصراع، ومفارقة. فالأديب لا يحتاج دائمًا إلى أن يعلن انتماءه إلى الفلسفة حتى يكون نصه فلسفيًا؛ يكفي أن يضع الإنسان أمام أسئلته العميقة، وأن يجعل القارئ يرى الواقع لا كما اعتاده، بل كما ينبغي أن يُساءل ويُفهم.

أما إسم بختي بن عودة، ذلك المثقف الشهيد الذي جمع بين النقد الأدبي والشعر والصحافة والتفكير الفلسفي، وجعل من الكتابة فعلًا من أفعال المقاومة الثقافية، لم يكن الأدب عنده ترفًا لغويًا أو انشغالًا جماليًا منفصلًا عن الواقع، بل كان وسيلةً لإعادة بناء الوعي، وتفكيك المسلّمات، والدفاع عن الحداثة والعقل والحرية في زمن كانت فيه الثقافة مهددةً بالانغلاق والعنف.

اشتغل الشهيد بختي بن عودة على قضايا الكتابة والنقد والتأويل، واهتم بما سماه النقاد مشروعًا حداثيًا يسعى إلى تحرير النص من القراءات الجامدة، والقارئ من سلطة الأحكام الجاهزة..

ومن هذه الزاوية، يمثل بختي بن عودة نموذجًا خاصًا للفيلسوف الأديب في الجزائر: ليس لأنه أسس نسقًا فلسفيًا مكتملًا، بل لأنه مارس التفكير الفلسفي من داخل النقد والشعر والصحافة والعمل الثقافي، كان يؤمن بأن المعركة ضد الظلامية لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما تُخاض أيضًا بالكتاب، والسؤال، والقصيدة، والندوة، والقدرة على إنتاج معنى جديد للحياة..

كمكما أستاذنا البروفسور عبد القادر فيدوح مهتمًا بالرواية بوصفها مجالًا لتقاطع الخيال والتاريخ والهوية والذاكرة. ومن الأعمال التي تكشف هذا الاهتمام كتاب «تأويل المتخيل: السرد والأنساق الثقافية»، إضافة إلى دراساته التطبيقية حول الرواية العربية المعاصرة وثيماتها الثقافية.

حيث يرى البروفسور عبد القادر فيدوح أن الأدب ليس مجرد تعبير جمالي أو نقل للواقع، بل هو مجال لطرح أسئلة فلسفية عميقة حول الإنسان والوجود والهوية والحرية والذاكرة والمعنى. فالنص الأدبي، من خلال الشخصيات والأحداث واللغة، يحوّل هذه القضايا المجردة إلى تجارب محسوسة قابلة للتأمل والتأويل. ومن هنا اصبحت الكتابة الأدبية لديه بحثًا عن الحقيقة لا باعتبارها إجابة نهائية، بل باعتبارها سؤالًا مفتوحًا يتجدد مع كل قراءة؛ ولذلك يمثّل الأدب عند استاذنا البروفسور عبد القادر فيدوح فضاءً للحوار بين الجمالي والفكري، وبين التجربة الإنسانية والتأمل الفلسفي.

هكذا تمنح الفلسفة البروفسور فيدوح أدوات لفهم الأسئلة العميقة داخل النص، بينما يمنحه الأدب مادة حية لاختبار هذه الأسئلة. فالفلسفة تبحث في مفاهيم مثل الذات والوجود والحرية والذاكرة، أما الأدب فيجسد هذه المفاهيم في شخصيات وصور وأحداث ولغة.

و لعل روايته «ملاوة.. سيرة بوح الروح» تمثل الوجه الإبداعي لمشروع الناقد الأدبي والمفكر الجزائري البروفسور عبد القادر فيدوح، إذ تحوّل مفاهيم الذاكرة والذات والمكان من موضوعات نقدية إلى تجربة سردية معيشة.

ثم أرى أن البروفسور أمين الزاوي أحد الوجوه الثقافية اللامعة في الجزائر، بما يجمعه من حضور روائي وفكري وأكاديمي يكتب بالعربية والفرنسية، ويجعل من الأدب مجالًا حيًا للتأمل في أسئلة الفلسفة والهوية والاختلاف، حيث تزداد قيمة حضوره في أعماله الأخيرة، ولا سيما رواية "الأصنام: قابيل الذي رقّ قلبه لأخيه هابيل"، التي واصل فيها مساءلة العنف والأخوّة والتحولات الاجتماعية برؤية فلسفية عميقة، ثم

رواية "منام القيلولة" التي تعود إلى الذاكرة الجزائرية الجريحة، وتحديدًا إلى آثار العنف والخيانة والتحولات التي عرفتها البلاد من زمن الاستعمار إلى العشرية السوداء عبر سردٍ مفعم باللمسات الفلسفية العميقة التي تستثمر الحلم والقيلولة بوصفهما فضاءً رمزيًا لكشف ما هو مأساوي ومكبوت في الواقع، وٱخر ما يبرز علاقة الأديب والمفكر امين الزاوي بالفلسفة كتابه "في سوسيولوجيا الإيمان: فصاحة العقل في التفاصيل التي يسكنها الشيطان" صدر سنة 2026، ويُقدَّم بوصفه نصًا يتجاوز الدين والسياسة إلى نقد آليات تحويل الإيمان إلى أداة للاستبداد والطاعة، ويبدو من العنوان أن الاستاذ أمين الزاوي يواصل اشتغاله على العلاقة الملتبسة بين العقل والاعتقاد، لكن بمنظور فلسفي عميق يستمد فعالية التحليل برؤية عبر مناهجية تجمع السوسيولوجي بالفكري والرمزي بالتاريخي والنفسي بالسلوكي من خلال عملية تفكيك ومناقشة للتفاصيل اليومية التي تتشكل فيها السلطة الرمزية والخضوع.

و إلى جانب كل هذا التنوع الأدبي والفكري الفلسفي معروف عن المفكر الأديب أمين الزاوي مشاركاته الفاعلة في الندوات واللقاءات الثقافية التي يثري فيها النقاش برؤيته النقدية ومداخلاته الفكرية المفعمة بالروح الفلسفية الواقعية.. وعليه، فإن احترامي له كصديق وكاتب حر، لا يقوم فقط على مكانته الأدبية والثقافية، بل أيضًا على كونه مفكرًا يجعل من الكتابة موقفًا ومن الحوار الثقافي أفقًا دائمًا للتفكير، ومن الفلسفة فضاءا يغني الأدب بفن السؤال..

دون أن انسى الأكاديمي الفاضل البروفسور عبد القادر بوعرفة نموذجًا جزائريًا معاصرًا للمثقف الذي لم يفصل بين الفلسفة والأدب، بل جعل الكتابة مجالًا مشتركًا للتأمل في الإنسان والوجود والمجتمع، فيلسوف وأكاديمي وكاتب وأديب، اشتغل على قضايا الفكر الجزائري، والتراث الفلسفي، والحداثة، والتنوير، كما اتخذ من القصة والحكاية والسخرية وسائل لتقريب الأسئلة الفلسفية من القارئ، حيث تكشف عناوين بعض كتاباته عن التداخل بين التفكير النظري والخيال الأدبي والتأمل في الواقع، كثورة على الجمود والتخلف حيث تستنطق الفكرة الواقع وتلاحق القصة الاسئلة الممنوعة او المسكوت عنها، اذ تقدم مجموعته القصصية «كانوا هنا» صورة واضحة لهذا التداخل؛ فالقصة عند بوعرفة لا تكتفي بسرد حدث أو رسم شخصية، بل تنفتح على أسئلة الألم والذاكرة والكفاح والغياب والمعنى، فشخصياته لا تتحرك في فضاء حكائي محض، وإنما تحمل توترًا وجوديًا يكشف هشاشة الإنسان، وصراعه مع الواقع، ومحاولته استعادة كرامته وسط عالم تتنازعه القسوة والتهميش والنسيان. وقد وُصفت المجموعة بأنها تمزج بين الحس الأدبي والهمس الفلسفي، وتبرز التناقض الكامن في التجربة الإنسانية.

بينما في بلاد الرافدين يبرز جميل صدقي الزهاوي وحسام الآلوسي، الفيلسوف العراقي الذي جمع بين البحث الفلسفي والاهتمام بالأدب واللغة والتراث وهادي العلوي الذي استطاع أن يقدم شخصيات وأفكارًا تراثية في صورة حية تجعل الماضي شريكًا في أسئلة الحاضر، كما عُدَّ من الكتّاب الجامعين بين الفلسفة والتراث والادب في المشهد العراقي المعاصر.

وفي مجال الشعر، يبرز بلند الحيدري، الذي تأثر بالفكر الوجودي وبأسئلة الحرية والاغتراب والتمرد والقلق، لم يكن شعره منفصلًا عن المناخ الفلسفي الذي عرفه العراق والعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.

وفي العراق المعاصر، يبرز ماجد الغرباوي نموذجًا آخر للمفكر العراقي الذي جمع بين الفكر النقدي الثقافي والكتابة الأدبية ذات النفس الفلسفي وقد صدر مؤخرا كتابه نصوص أدبية بعنوان: (يتهادى حُلماً). فقد جعل من قضايا التسامح والحرية، حيث جعل من قضايا التسامح والحرية والتنوير محاور أساسية في مشروعه، وتتميز كتابته بقدرتها على تحويل القضايا الفكرية المعقدة إلى أسئلة قريبة من الإنسان، تتصل بالخوف والاختلاف والسلطة والضمير والمسؤولية.

إن أهمية الأستاذ ماجد الغرباوي لا تكمن في إنتاج خطاب فلسفي اصطلاحي فحسب، بل في سعيه إلى بناء وعي نقدي يحرر الإنسان من أسر القراءة الأحادية عبر الفكر التجديدي والأدب بشتى اشكاله من القصيدة الى القصة والرواية فهو يكتب في منطقة تتقاطع فيها الفلسفة مع الأدب؛ لأن التأويل عنده ليس عملية تقنية، بل فعلٌ إنساني يشارك فيه القارئ بخبرته وذاكرته وأسئلته.

أما رسول محمد رسول، فيمثل صورة أكثر مباشرة للفيلسوف الأديب؛ فقد عُرف كاتبًا وفيلسوفًا عراقيًا متخصصًا في الفلسفة الألمانية، وكتب في الفلسفة والرواية والدراسات النقدية. ومن مؤلفاته «فتنة الأسلاف: هيدغر قارئًا كانط» و«إنسان التأويل»، إلى جانب أعمال روائية ونصوص أدبية، مما يجعله نموذجًا للمثقف الذي يتحرك بين الفلسفة والسرد والنقد دون أن يرى بينها قطيعة.

ويكتسب رسول محمد رسول أهمية خاصة لأنه لا يكتفي بتفسير الفلسفة، بل يختبر إمكاناتها داخل الأدب. فالفلسفة الألمانية، ولا سيما عند هايدغر، ترتبط عنده بسؤال اللغة والتأويل والوجود، وهي أسئلة لا تُفهم خارج التجربة الأدبية، حيث الإنسان ليس عقلًا مجردًا يواجه العالم من خارجه، بل كائن يتشكل داخل اللغة، ويحيا في التاريخ، ويبحث عن ذاته من خلال السرد والتأويل، حتى اصبحت الرواية عنده امتدادًا للتفكير الفلسفي، كما يصبح البحث الفلسفي فعلًا من أفعال القراءة والتأويل.

والاكيد أننا يمكننا أن نضيف العديد من الأسماء التي أسهمت أعمالهم في إبراز تجاور الفلسفة مع الأدب من نواكشط الى صلالة..

(يتبع)

***

أ. مراد غريبي

ذكرنا في اللقاء السابق أن مفهوم الإرهاب لم يظهر فجأة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، وأنه مر بتحولات تاريخية ودلالية حاسمة؛ إذ كان الجذر اللغوي (رهب) يدل أساسًا على الخوف والخشية، وجاء في القرآن الكريم أيضًا في سياق الردع المشروع وإعداد القوة، بعيدًا كل البعد عن دلالات العنف العبثي الحديثة. كما أن التراث الإسلامي لم يعرِّف "الإرهاب" كمفهوم اصطلاحي مستقل، بل عالج الأفعال المهددة لأمن الجماعة والوعي الجمعي من خلال مفاهيم شرعية محددة كـ (الحرابة والبغي والفتنة والخروج)، وجعل لكل منها دلالته الشرعية وحدوده الفقهية.

 غير أن الاحتكاك الشديد بالأغيار في العصر الحديث أدى إلى انتقال مفهوم الإرهاب (Terror) إلى المجال التداولي العربي والإسلامي؛ ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من الترجمة، والتأويل، والتوظيف الأيديولوجي، وما صاحب ذلك من خلط شائن بين المقاومة المشروعة والعنف المنفلت، ناهيك عما أحدثه المتأولون والمجتزئون من تشويه للمفاهيم. الأمر الذي يجعل إعادة قراءة مفهوم الإرهاب وتحولاته الناشئة ضرورة لفهم حضوره في حاضرنا المعيش.

وإذا ما حاولنا، بعد هذا التأصيل المنهجي، أن نقيم تحقيبًا علميًا دقيقًا للمفهوم داخل الفكر العربي والإسلامي المعاصر، فإنه لا يسوغ لنا بحال أن نقف عند حدود التقسيم الزمني الصلب، وكأن التاريخ الفكري مجرد تعاقب آلي للمراحل؛ بل يتعين علينا أن ننظر مليًا في التحولات الجذرية التي أصابت المفهوم في ذاته، وفي بنيته الدلالية، وفي نسقيته وموقعه الحقلي، وفي الوظائف التي أُنيطت به، وفي انتقاله السلس أو المتوتر من سياق إلى سياق، ومن أفق تداولي إلى أفق آخر.

وقد جاء اختيارنا للامتداد الزمني الممتد من (1850 إلى 2026)، لا باعتباره إطارًا تاريخيًّا محايدًا، بل لأنه يمثل المدى الزمني الذي تشكلت في أثنائه أبرز الانزياحات الدلالية للمفهوم في الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر؛ حيث تبدأ إرهاصات النهضة الاحتكاكية بالأغيار، وفي أثنائها تتكون مشاريع الإصلاح والاستجابة لموجات الحداثة، ثم تتوالى تحولات الدولة الوطنية والأيديولوجيا والمجتمع، إلى أن نصل إلى حاضرنا المعيش والوقت المعيش الذي أعادت فيه الوسائط الرقمية إنتاج المفاهيم وصياغتها، لا في معانيها فحسب، بل في وظائفها وأدوات تداولها بين الجماهير وشبيبة الأمة.

وبناءً على ذلك، قسمنا مسار مفهوم الإرهاب في نسق الفكر العربي والإسلامي المعاصر إلى ست مراحل كبرى، تمثل كل منها بنية تاريخية ودلالية مخصوصة في سيرورته وتحولاته:

 أولًا: مرحلة النهضة والإصلاح (1850 1918).

ثانيًا: مرحلة الدولة الوطنية والفكر الأيديولوجي (1918 1950).

ثالثًا: مرحلة الفلسفة العربية المعاصرة والدولة الوطنية الجديدة (1950 1967).

رابعًا: مرحلة من الانكسار إلى الإعداد للانكسار (1967 2010).

خامسًا: مرحلة المنطق المائي (1990 2011).

سادسًا: مرحلة الثورات والإعلام الرقمي (2010 2025).

تُشكّل المرحلة الأولى والمتمثلة في مرحلة النهضة والإصلاح (1850 1918) نقطة الانطلاق الأساسية في نهجنا؛ إذ يتجلّى فيها مفهوم الإرهاب عبر مضامينه الدلالية وأبعاده التاريخية، حتى وإن توارى عن التداول الاصطلاحي الصريح، وابتعد عن ألسنة قادة الرأي والمثاقفين في الخطاب السائد آنذاك. وإذا ما حاولنا - عبر غرابيل التحليل، وبمنهجٍ لا يسقط المفاهيم اللاحقة على سياقات سابقة - أن نحدد موضع المفهوم في هاتيك المرحلة، فإننا نصطدم بحقيقة تأسيسية واضحة؛ تتمثل في أن المصطلح بصيغته الحديثة لم يكن حاضرًا داخل الحقل الفكري العربي والإسلامي، لا بوصفه مفهومًا قائمًا، ولا بوصفه قضية مستقلة؛ الأمر الذي يجعلنا أمام غياب اصطلاحي كامل، لا مجرد ضعف عابر في التداول، فالإرهاب هنا لا يُناقش أصلًا، بل لا يُعرَف كمفهوم مستقل.

ذلك أن الحقل الفكري في هاتيك المرحلة كان يتحرك داخل منظومة مفاهيم ونظام نسقي مختلف، يتمحور حول الجهاد، والمقاومة، ودفع العدوان، ومواجهة الاستبداد؛ وهي مفاهيم - إذا ما حاولنا تفكيكها - تنتمي إلى نسق شرعي وأخلاقي أصيل ومستقر، لا إلى إطار قانوني-سياسي حديث يتأثر بمقولات الأغيار وضغوطهم.

وإذا ما نظرنا إلى خطاب جمال الدين الأفغاني، نجد أنه يركّز كل التركيز على مقاومة الاستعمار الغاشم والاستبداد المحلي بوصفهما السبب المباشر في تخلف الأمة والوعي الجمعي، حيث يقول: (الاستبداد أصل كل فساد، والاستعمار امتداد له)، دون أن يستخدم التوصيف المعاصر مثل (الإرهاب). كما نجد أن محمد عبده حين تناول قضايا القوة والعنف، كان يربطها بالعدل والضرورة الشرعية، لا بوصفها ظاهرة مستقلة تحتاج إلى مفهوم خاص، إذ يؤكد أن القوة إنما تُستعمل لحفظ الحق، لا للعدوان؛ وهو ما يعكس أن الموقع الفكري كان أخلاقيًا شرعيًا لا سياسيًا تأثر بمقولات الأغيار.

ومن جهة أخرى، فإن غياب الدولة الوطنية الحديثة بصيغتها الكاملة، وعدم تشكّل النظام الدولي بمؤسساته المهيمنة، قد جعل المفهوم غير مطروح أصلًا داخل الحقل؛ الأمر الذي يقودنا إلى أن البيئة الفكرية لم تكن بحاجة إلى هذا النوع من المفاهيم الوافدة.

فمفهوم الإرهاب إذا في هذه المرحلة غائبًا اصطلاحيًا وغريبًا عن الحقل الفكري والسياق العام. وإذا ما حاولنا تفكيك البنية الدلالية لما يمكن أن يُعد جذورًا بعيدة لمفهوم الإرهاب، فإننا نجد أنفسنا أمام ألفاظ معجمية مثل التخويف، والبطش، والعدوان، والحرابة؛ وهي ألفاظ إذا ما حاولنا تحليلها بمنهجية دقيقة تحمل دلالات قريبة من بعض جوانب المفهوم الحديث، لكنها لا تجتمع في بناء مفهومي واحد، الأمر الذي يجعل الدلالة موزعة لا مركبة؛ فالمعاني الدلالية موجودة في الموروث، لكن المفهوم الاصطلاحي الكلي غائب تمامًا.

ذلك أن النصوص الشرعية تناولت مسألة العنف وضبطه ضمن سياقات محددة، مثل قوله تعالى(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا...)، وهو ما يرتبط بمفهوم الحرابة الفقهي المحدد، لا بالإرهاب بمعناه الحديث المتداول عند الأغيار. كما أن قوله تعالى: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) جاء في سياق الردع المشروع وإعداد القوة المادية، لا في سياق العنف العبثي المنفلت؛ الأمر الذي يقودنا إلى ضرورة التمييز الدقيق بين الدلالة النصية والدلالة الاصطلاحية الحديثة، منعًا لزيغ المتأولين، والمجدفين، والمشككين الذين يعبثون بالدلالات.

ومن جهة أخرى، فإن المتفقهين والمثاقفين في تلك العصور تعاملوا مع هذه القضايا السلوكية ضمن أبواب فقهية محددة، مثل أحكام الجهاد والحدود والديات، دون أن يحولوها إلى مفهوم كلي يُعاد من خلاله تفسير الواقع السياسي والاجتماعي؛ وهو ما يعكس الطابع الجزئي المحكم للدلالة. كما نجد أن رفاعة الطهطاوي حين تحدث عن مسائل الأمن والنظام، ركّز أساسًا على القانون والعدالة، معتبرًا أن الأمن لا يتحقق إلا بإقامة العدل، دون أن يستدعي أو ينقل مفهومًا أجنبيًا يشبه الإرهاب بمفهومه المعاصر.

وإذا ما حاولنا قراءة ذلك بطريقة عميقة، نجد أن الدلالة كانت مندمجة كليًا في النسق الشرعي العام. مما يبرهن أن دلالة الإرهاب في هاتيك المرحلة كانت مضمرة داخل مفاهيم جزئية، دون أن تتبلور في مفهوم مستقل وشامل. وإذا ما حاولنا تحديد الوظيفية الخاصة بمفهوم الإرهاب في هذه الفترة، فإننا نصطدم بحقيقة أنه لا يؤدي أي وظيفة مفهومية أو تحليليّة، لأنه لم يُستدع أصلًا داخل الخطاب الإصلاحي أو الفقهي، الأمر الذي يجعلنا أمام حالة (لا-مفهوم) بالمعنى المنهجي الصارم.

نعم، إن مفهوم الإرهاب هنا لا يعمل ولا يُنتج آثارًا معرفية، لأنه لم يُصغ بعد في القواميس الفكرية. ذلك أن الخطاب الإصلاحي في النهضة لم يكن بحاجة إلى مفهوم جامع يدمج أشكال العنف المتنوعة تحت عنوان واحد، بل كان يفرّق بنسقية عالية بين العنف المشروع (كالجهاد والدفاع عن الأوطان) والعنف المرفوض والمنكر (كالعدوان والبغي والفساد)؛ وهو ما يقودنا إلى غياب الوظيفة الكلية للمفهوم. ناهيك عن أن هدف الرواد كشيخ الأزهر محمد عبده كان يتركز في إصلاح بنية المجتمع وبناء الوعي الجمعي وإيقاظ الأمة، لا تصنيف الأفعال وتأطيرها داخل مفاهيم سياسية وافدة من الأغيار.

كما أن غياب الصراع الأيديولوجي العالمي بصورته الحديثة، وعدم وجود خطاب دولي موحد يفرضه الأغيار حول العنف والتطرف، قد جعل استدعاء المفهوم غير ضروري ولا وظيفي. ومن جهة أخرى، فإن هذا الغياب الوظيفي يعكس طبيعة المرحلة التي كانت تبحث عن أسباب النهضة الحضارية والخروج من التخلف، لا عن أدوات التصنيف المفاهيمي والهجوم الأيديولوجي.

وإذا ما حاولنا قراءة هذا المسار، نجد أن التفكير العربي والإسلامي كان عمليًا إصلاحيًا لا تصنيفيًا وسائليًا. ولذلك فإن الإرهاب لم يؤدِّ أي وظيفة مفهومية في هذه المرحلة التاريخية، لأنه لم يكن مفهومًا مطروحًا أصلًا في حقل التداول.

وإذا ما حاولنا تحديد لحظة الانزياح المفاهيمي في هذه المرحلة التاريخية، فإننا لا نجد انزياحًا بالمعنى التقليدي للتحول الاصطلاحي، بل نجد ما يمكن تسميته - منهجيًا وبحسب نهجنا التحليلي - بـ (الغياب المؤسس)؛ أي أن هذه المرحلة تمثل الأرضية التاريخية الصلبة التي لم يظهر فيها المفهوم بصورته الحديثة، لكنها مهّدت بشكل غير مباشر لظهوره والتفاعل معه لاحقًا؛ الأمر الذي يجعل الغياب نفسه جزءًا جوهريًا من المسار التاريخي لتحولات المفاهيم. نعم، إن عدم الحضور هنا ليس فراغًا معرفيًا ، بل هو تمهيد وتأسيس لما تلاه. ذلك أن التحولات الكبرى التي بدأت في هذه المرحلة -وفي مقدمتها الاحتكاك المباشر بالأغيار، ونشوء بذور الدولة الحديثة، وبداية تشكل النظام الدولي الجديد - قد وضعت الأسئلة الكبرى والتحديات التي سيُبنى عليها المفهوم وتداعياته لاحقًا، وإن لم يُصغ بعد في صورته الاصطلاحية البحتة.

فإذا كان الخطاب الإصلاحي لرواد النهضة قد انشغل كليًا بمقاومة الاستبداد الداخلي والتصدي للاستعمار الخارجي، فإن هذا الانشغال الفكري نفسه سيؤدي لاحقًا إلى إعادة تعريف العنف وضبط حدوده داخل سياقات سياسية وأيديولوجية جديدة. وإذا ما حاولنا قراءة هذا الغياب في صيرورته التاريخية، نجد أن المفهوم كان في طور التكوّن غير الواعي خلف حجب الأحداث.

وبناء على ما تقدم يتجلى بوضوح أن الإرهاب في هذه المرحلة لم يكن مفهومًا قائمًا أو متصورًا، بل كان غيابًا دالًا ومفسرًا، مهّد الأرضية لظهوره العاصف لاحقًا حين دخلت المفاهيم في دائرة الصراع السياسي والدولي، وأُعيد تعريف العنف والمقاومة داخل أطر ونظم جديدة تشكل حاضرنا المعيش والوقت المعيش بكل تعقيداته.

ولحديثنا بقية عن مفهوم الإرهاب وتحولاته والمرحلة التالية مرحلة الدولة الوطنية والفكر الأيديولوجي (1918-1950).

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

أسطورةُ ميزوفانتي مُتعدد اللغات

ميزوفانتي كاهنٌ عاشَ في القرن التَّاسع عشر وتوفي 1849 ابن نجار بولوني. وكان عام سنة 1781 في عامه السابع فتى يافعاً يُلازم أباه النجار مساعداً إياه في مهنته في مقعد في الشارع وتتناهى إلى سمعه دروسُ (فاذر رسبابي) المنبعثة من النافذة وهو يدرِّس أولاد الميسورين اليونانية واللاتينية، فحفظ ابنُ النجار تلك التراتيلَ من مكانه، وعندما علم الكاهن بمقدرة الفتى هذه توسل إلى والده أنْ يبعث به إلى المدرسة ليتعلم، فانخرط في دراسة اللاهوت وعلوم الكنيسة وعمل أميناً لمكتبة الفاتيكان، وترقى بعد حين لمرتبة الكاردينال، فهو الى جنبِ لغته البولونية الأم يعرفُ اللغة العبرية والفارسية، والتركية والألبانية، والمالطية والقبطية، والكلدانية واللاتينية والإسبانية والفرنسية والبرتغالية والصينية والسريانية والأمهرية، وكان ملماً باللغة العربية وعكف على تدريسها ووضع رسالة مُؤلفة في تاريخ العربية، اندهش زوارُ روما القادمون إليها من بعيد بمقدرته العجيبة المنقطعة النظير ؛ فهو يحيط ُ بأكثر من اثنتين وخمسين لغة، والبعض أكد أنه ملم باثنتين وسبعين لغة، وآخرون أصروا أن إلمامه باللغات فاق الثمانين، وأغلب الآراء تقطع بأنه ملم بأكثر من خمسين لغة، لا بل في أحيان يحيط بلهجات اللغة الواحدة المتنوعة ؛ مما أثار دهشة المتحدثين بتلك اللغات، وفي الوقت ذاته أثار ريبة الكثير وشكهم بمقدرته الحقيقية تلك ؛ فقد أصطف الكثير من العلماء ودارسي اللغات الكلاسيكية لامتحانه والتأكد من قدراته اللغوية، لم يدلِ بجواب شاف لكثيرين سألوه عن سر قدرته اللغوية ؛ فهو بعد أن عزاها لهبة الهية منحها إياه الرب يقول: امتلك ذاكرة جيدة واذناً لاقطة تحفظ ما يُقال بسرعة، كثيرون سخروا من مقدرته وقللوا من قيمتها وشبهوه بالة الاورغن أو الببغاء الذي يردد ما يسمع من دون تمثل لمحمولات تلك اللغات الدلالية والاجتماعية، ومرة رتب بابا الكنيسة الكاثوليكية مكيدة فجمع له عشرات المتحدثين بلغات مختلفة وكلموه مخاطبين إياه في وقت واحد وبسرعة كبيرة وطلاقة بقصد إرباكه وإحراجه وامتحان قدرته الحقيقية، وكان من المستحيل مخاطبتهم والإصغاء لهم في آن واحد لكنه بهدوء وثقة أخذ يخاطبُ كلَّ شخص منفرداً بلغته التي يجيدها مما أذهلهم، ومن قدراته المدهشة تعلمه السريع أي لغة بدون لغة وسيطة تعينه على الترجمة فقط يعتمد قاموس اللغة الذي يريد أن يتعلمها ويدرس وقواعدها، ويُروى عنه أنه يطلب من المصلي الأجنبي الذي لا يعرف لغته في الكنيسة أن يعيد صلاته حتى يتعلمها منه ليتمكن من تمييز إيقاع الكلام ويقوم بتقطيع السلسة الكلامية في عملية تحليلية حتى يميز بين الأفعال والأسماء والصفات فيتعلمها، ومرة تحدث معه (ستارشفسكي) باللغة الأوكرانية التي يجهلها فقال له متحدياً هذه الأوكرانية، فطلب منه ميزوفانتي أن يقابله بعد أسبوعين، وبعد مضي المدة استطاع ميزوفانتي أن يحدثه لساعات طويلة بالأوكرانية مما أصابه بالذهول، وكان الكاهن الوحيد الذي يستطيع أن يسمع اعترافات الغرباء الأجانب، ومرة أرسلوا إليه من السجن لاستماع اعتراف شخصين سينفذ فيهما حكم الإعدام ولا أحد يستطيع سماع اعترافهما لعدم معرفتهم بلغتهما، فعكف ميزوفانتي ساهراً ليله لتعلم لغتهما لسماع اعترافهما حتى يطلب من الرب أن يصفح عنهما،

هذه التفاصيل عن حياة ميزوفانتي وغيرها يسردها (مايكل ايرارد) في كتابه (وداعا بابل. البحث عن متعددي اللغة الاكثر موهبة في العالم). ترجمة بندر الحربي نشر. الدار العربية للعلوم بيروت لبنان. الطبعة الاولى 2013، لم يكن مؤلف الكتاب (مايكل إيرارد) الوحيد من كتب عن سيرة ميزوفانتي بل كتب كثيرون متناولين حياته وقدرته اللغوية العجيبة لكن (مايكل ايرارد) حاول أن يفكك سردية (ميزوفانتي) وتمثلاتها الاسطورية التي لا تبرح الدهشة ويعيد تمثلها بطرق أكثر عقلانية متجاوزاً الانبهار إلى الواقع والممكن ؛ فقد غادر بلاده متجها إلى بولونيا للبحث في مخطوطات ميزوفانتي وأرشيفه الشخصي الذي تحتفظ به احدى المكتبات، وقد انتهى إلى دليل قاطع يؤكد إحاطة ميزوفانتي بكل هذه اللغات من خلال البحث في مخطوطاته الشخصية المحفوظة في بولونيا التي هي عبارة عن قصائد كُتِبَتْ بخط يده وبلغاتٍ مختلفةٍ ورسائل بلغات شتى كتبها لآخرينَ، ورسائل مختلفة وردت إليه من آخرين، هذه الرسائل كُتِبَتْ بخمس عشرة لغة وكُتِبَتْ بأربع أبجديات ؛ مما يؤكد معرفته بتلك اللغات قراءة وكتابة ؛ فهم يراسلونه ويكاتبونه وهو يتفاعل معهم بلغاتهم الكثيرة، ولكن المؤلف لم يقطعْ بمدى إجادة الكاردينال للغات بمستوى طلاقة ابن اللغة الأصلي وهو أمر لا يشينه ؛ فاللغة تهدف للتواصل ولا يضير المتحدث بلغة أجنبية تلكؤ أو لكنة ما إذا نجح في تجاذب أطراف الحديث مع الآخر بلغته،

أسلوب الكتاب كُتِبَ بتقنيات رواية ما بعد الحداثة في الشروع بالبحث وخوض غمار رحلة طويلة وشاقة ومرهقة في الاستقصاء وتتبع خفايا أمرٍ مجهول نُسِجَتْ حوله الأساطيرُ، والتنقيب عن وثائق وأدلة تعيد رسم صورة الحقيقة الغائبة، يبدأ الكتاب بفصل عنونه المؤلفُ بــ (متاهة الكاردينال) وهو عتبة نصية موفقة، وكم كنت اتمنى لو حمل الكتاب هذا العنوان بدلا من هذا الفصل،

والكتاب في ظني المتواضع لا يتحرك أفقياً بل هو مشدود ومأخوذ بدهشة الكاردينال على الرغم من تكريسه لفصول كثيرة ومتعددة يتجاوز فيها ميزوفانتي للبحث عن نظائر معاصرين للمؤلف لا يقلون دهشة من ميزوفانتي التقاهم وحاورهم في كم ما يجيدونه من لغات ومن أبرزهم (زياد فصاح) وهو لغوي لبناني يقيم في البرازيل يجيد أكثر من خمسين لغة التقاه وحدثه، والمؤلف يراوح مكانه ويعيد إنتاج ما قاله عن ميزوفانتي في فصول لاحقة كرسها لآخرين معاصرين في التنقيب عن حياتهم الشخصية ومحيطهم العملي والأسري والاجتماعي والثقافي وأثر كل ذلك في تعدد اللغات لديهم مستعينا بتقنيات السرد في وصف المكان ورسم الشخوص، لكن مسار التحول في رحلة البحث تمثل بالوقوف عند تجارب وملفات التشريح العصبي لأدمغة متعددي اللغات المتوفين التي لم يصل فيها التشريح لأجوبة شافية لا بل إنَّ التشريح العصبي لأدمغة المعاقين لغويا من المتوفين أضاء جوانب علمية مهمة في تحديد المراكز العصبية المسؤولة عن إنتاج اللغة وفهمها أكثر مما أضاء تشريح أدمغة متعددي اللغات الموهوبين كما يؤكد مؤلف الكتاب نفسه،

ومما سَهَّلَ لمؤلف الكتاب عمله هو اهتمام الغرب بهذه الظاهرة وشيوع الأندية والجمعيات والمنتديات المتعلقة بمتعددي اللغات التي ساعدت الباحث كثيراً وهيَّأتْ له قوائمَ شكلت بوصلة رحلته في سبر هذه الظاهرة اللغوية، إنَّ موضوع متعددي اللغات يضيء فكرةً غيرَ طافيةٍ على السطح يغوصُ إليها المتأملُ وتشفُ عن ثقافة الغرب في احترام الآخر وتعلم لغته لا من أجل دوافع اقتصادية وطموحات في الحصول على فرص عمل لائقة بل هو اللقاء الحميمي بين شعوب وثقافات مختلفة تلتقي عبر السفر والترحال، فرغبة اللقاء والحوار الحميمية بين الأمم الأوربية شكلت دافعاً لتعلم اللغات لديهم

وإنْ كانْ تلك اللغات تنطق بها شعوب غير متفوقة اقتصادياً وتكنولوجياً، وواحدة من أهم أهداف الكتاب تمثلت بتخفيف القلق لدى متعلمي اللغات عن طريق الإجابة عن أسئلة مضمرة: كيف يمكن تعلم اللغة بسرعة؟ ما مستوى الجودة المطلوبة في تعلم مهارات اللغة الثانية؟ وماهي المعايير المتبعة في ذلك؟ وهل مستوى الحديث بمعيار ابن اللغة هو المعيار الصحيح؟ حقاً إن كتاب (نهاية بابل) كتاب جدير بالقراة.

***

د. كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

هناك عبارةٌ منطقيةٌ وقاعدةٌ تقول «الحُكْمُ على الشيء فَرْعٌ عن تصورِهِ»، بمعنى أنك لا يمكنك أن تُصدِرَ حُكمًا وتقييمًا لشيء ما، إلا بعد المعرفةِ به، والإلمام بتفاصيلِهِ، وإلا سيكون ما سوى ذلك من قبيل الانطباعاتِ الهوجاءِ، التي لا تستندُ إلى لا إلى عقلٍ ولا إلى منطقٍ.

بدايةً، فإن فيلم «المُلْحِد» الذي جاء في عنوان هذا المقال، هو فيلم مصري، مِن تأليف الأستاذ: إبراهيم عيسى، تم اكتمالُ تصويره، وكان من المفترَض أن يُعرَضَ في العام ٢٠٢٣م، ولكنه مرَّ بسلسلةٍ مِن التطوراتِ وإيقاف العرْض، إلى أن تم عرْضُهُ للمرةِ الأولى في سينمات مصر في نهاية العام الماضي ٢٠٢٥م، في رأس السنة، وقد قَيَّدتُ عنوانَ المقالة بأنها قراءة «فكرية»، لأنني أعلمُ أن هناك بعض الانتقادات «الفنية» حول الفيلم والسيناريو والتنفيذ...إلخ من أمور الصناعة السينمائية، ولكني -كما قلتُ- أتناولُ هذا الفيلم مِن ناحيةٍ «فكرية» فلسفية.

والفيلم قامَتْ حوله وبخصوصِهِ حالةٌ مِن الجدل الكبير، فبمجرَّدِ نزول «البرومو» الخاص بالفيلم؛ اندفعَ جمْعٌ غفيرٌ مِن الجماهيرِ، والتياراتِ الدينيةِ، معارِضة أو ساخطةً أو لاعنةً ومُتَّهِمَة للفيلم ومؤلِّفِهِ والقائمين عليه، وتبرير هؤلاء لهجماتهم هذه هو أن هذا الفيلمَ يَدْعَمُ الإلحادَ، ويريدُ أن يضربَ الدينَ ويحاربَهُ.

هذا الانطباعُ هو ما جعلني أبدأ المقالة بعبارة: «الحُكْمُ على الشيء فَرْعٌ عن تصورِهِ»، فإننا إذا أردنا تناولَ حالةِ الصَّخَبِ التي دارتْ بشأن هذا الفيلم في إطار هذه العبارةِ المنطقية؛ سنجِدُ أن هذا الصَّخَبِ حول الفيلمِ لم يحقق أدنى درجاتِ التفكير المنطقي؛ علامَ تُهاجِم؟ ومَن تُهاجِمُ؟ هل كان الفيلم وقتها تم عرْضُه أصلًا حتى تستبق كلَّ شيء، وتَقْفِز على كل القواعد العقليةِ، والمنطقيةِ، وتعطي حُكْمًا على شيء لم تتصوره، ولم تشاهده، أي لم تعرفه أصلًا بعدُ؟ وكأن هذه الحالة الهوجاء في هذه الفترة التي أعقبَتْ عَرْضَ «البرومو» تُشبه إلى حد كبير ما يسمِّيه المناطقة -علماء المنطق-: مغالطة رجل القش، أو مهاجمة رجل مِن القَش، ومعنى هذه المغالطةِ المنطقيةِ، في إحدى صورها، أن الشخصَ يُنشئ شيئًا لا وجودَ له، ثم يَشْرُعُ في مهاجمته(١).

ومِن ثَمَّ، علينا أن نعرِف ما الدوافعُ وراء مهاجمةِ شيء لم يكن -وقتها- قد عُرِضَ من الأساس، ولنستبْطِن الأسباب.

أولًا: الانطباعات المُسبَقة

إن مؤلِّفَ فيلم «المُلْحد» هو الأستاذ إبراهيم عيسى، ولا يخفى على كثيرين مدى الخلاف من الجماعات الإسلامية وغيرهم معه ومع أطروحاته، وبالتالي، عندما عُرِضَ الإعلانُ عن إذاعة فيلم يحمل اسم «المُلْحد»، وكان مؤلُّفه إبراهيم عيسى؛ فالنتيجة إذًا: حَكَمَتْ هذه الجماعاتُ على الفيلم بمعاداة الدين، وتدعيم الإلحاد، من غير انتظارٍ لمشاهدة الفيلم على الأقل، ثم تكوين الانطباع، لم تحتَجْ هذه الجماعات وقتًا؛ فُحُكْمُها جاهزٌ، وسوء النية مُفتَرَضٌ، مع أنهم يقرأون ليلًا ونهارًا قولَه تعالى: «یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَـٰدِمِینَ». (سورة الحجرات، الآية: ٦)، ومع تلاوتهم لهذه الآية، إلا أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى التبيُّن ولا إلى التثبُّت من كوْن الفيلم معاديًا للدين، وداعمًا للإلحاد أم لا.

ثانيًا: اسم الفيلم

مما لا شكَّ فيه، أن جزءًا كبيرًا، وعنصرًا رئيسًا -من ضمن العناصر- من أسباب مهاجمة الفيلم، كانت بسبب اسمه: «المُلْحِد»، مع أن اسمَ الفيلم يتكون من كلمة واحدة، غير دالة لا على تأييد ولا على معارَضة، فمِن أين وكيف استنبطوا من عنوان فيلم بكلمةٍ واحدة «المُلْحِد» أنه يدعمُ الإلحادَ؟ العنوان بهيئته مجرَّدٌ من أية ميول، فلا يَحمِلُ دلالةً على التأييد ولا على الرفْضِ، وسأضْرِبُ على ذلك مثالًا: المستشرق المجري: جولد تسيهر، له كتاب بعنوان: «العقيدة والشريعة في الإسلام»، فهل نفهمُ مِن عنوانِهِ هذا (طبقًا لمنطق المهاجمين لفيلم المُلْحد) أنه يؤيِّدُ الإسلامَ فقط لأن عنوان كتابه وردت فيه ألفاظٌ إسلاميةٌ مثل: «العقيدة» و «الشريعة» و «الإسلام»؟ وفقًا لمنطق هذه الجماعات نعم، إذا فُهِمَ من عنوان فيلم «الملحد» أنه يدل على الإلحاد، فلنفهم إذًا أن عنوان كتاب هذا المستشرق يدل على أنه يدافع عن الإسلام.

ومثالٌ آخَر، الدكتور طه حسين له كتابه الشهير، بعنوان «في الشِّعْر الجاهلي»، فهل لمجرد ذِكْر كلمة «الشِّعر الجاهلي» في العنوان يعني أنه يؤيِّدُ الشعر الجاهلي؟ بل على النقيض تمامًا، كان طه حسين في هذا الكتاب ينفي وينكر وجودَ معظم الشعر الجاهلي(٢)

ثالثًا: سيكولوجية الجماهير

يقول غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير»: إن الجماهير غير ميَّالة كثيرًا للتأمُّل، وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية، ولكنها مؤهَّلة جدًّا للانخراط في العمل...ففي بعض الأحيان، يمكن لتكتُّلٍ ما من البشر أن يمتلك خصائصَ جديدةً، مختلفة تمامًا عن خصائصِ الفردِ عندما كان وحده وبمفرده بعيدًا عن جماعة ما، فعندئذ تُطمَس الشخصية الواعية للفرد، وتصبح عواطف الجماهير هي المسيطرة والمُتَحَكِّمة والموجِّهة له(٣).

بمعنى أن الشخص عندما يندرجُ وينخرطُ في جماعة من الجماهير، فإنه يكتسب صفاتٍ أخرى غير التي كانت عنده وهو فرد خارج الجماعة، وهنا تختفي شخصيةُ الفرد، لينخرط في الجماهير، ويردد هتافاتهم عن غير اقتناع -غالبًا- ولا منطق، ولكن وجوده وسط هذا التكتل جعلَه يكتسبُ آراء هذا الوسط وجماعته، وينادي بأصواتهم، ويأتمر بأمرهم.

وإذا أردنا أن نطبِّق هذا المنظورَ التحليلي النفسي للحالة التي صاحبَتْ الإعلانَ عن فيلم الملحد، فنشيرُ إلى أن جمهرةً كبيرةً -دون تعميم- انخرطتْ في الهجومِ على فيلم «الملحد» انجرافًا وراء الجماهير وما هو سائد، وتأثرًا بالحالة الملتهبة التي كانت حاصلة حينها، فكأن شخصية كل فردٍ من الجماعات المتكتلة -وليس على التعميم أيضًا- انْمَحَتْ لصالح الجماهير والصوت العالي وقتها، ومِن ثَمَّ، فهذه الحالة شكَّلَتِ اجتماعًا جماهيريًّا عريضًا، ليس بالضرورة أن يكون كل فرد من هذه الحشود واعيًا بما يقول، ولا مُدرِكًا لِمَا يعارِضه ويردده، وإنما كل ما في الأمر أن الحالة العامة المشتعلة التَهَمَتْه وابتلعتْه؛ فلم يستطع أن يقول كلمةً واحدةً خارج هتافات هذه الجماهير، وإذا أردنا أن نقرِّبَ الصورةَ: فهذا الأمر يُشبِهُ شخصًا يجلسُ في مدرجاتِ ملعب كرة قدم، لمباراة بين الأهلي والزمالك -على سبيل المثال-، فإذا كان هذا الشخصُ يَجْلِسُ وسط جماهير الأهلي، فإنه لا يستطيع -غالبًا- مثلًا أن يرتدي تيشيرت الزمالك، أو أن يَهتِفَ لصالح الزمالك؛ وإنما سينضوي تحت جماعة الجماهير وتوجههم، وإلا لحدَثَ ما لا يُحمَد عقباه.

هذه حالةٌ مزمنةٌ لا تتعلقُ فقط بفيلم «المُلْحد»؛ وإنما هي توجُّهٌ وصائي جماهيري، يَجْعَلُ مِن نفسِهِ رقيبًا على كل شيء، أو بمصطلح الدكتور مراد وهبة: «مُلَّاك الحقيقة المُطلَقة»، الذين يظنون في أنفسهم أن مصيرَ كوكب الأرض بأيديهم، ولديهم الأحكام الجاهزة دون أن يتصوروا الأمرَ أو يعرفوه، أو يطَّلِعوا عليه مِن الأساس، ومِن مظاهر هذه الوصاية التي عاينتُها بنفسي: كانت عند ذهابي لسماع فيلم «المُلحِد» بصحبة خطيبتي؛ حيث وجدتُ الموظفَ المُكلَّفَ بحجْزِ التذاكر ينظرُ إليَّ شزرًا، وذلك عندما أخبرتُه بأن يقوم بالحجز لنا لمشاهدة فيلم «المُلْحد»، وقام بالحجز على مَضَض، وكانت هناك سينما أخرى، قريبة من السينما التي شاهدنا الفيلمَ فيها، أنكرَ موظفُ قطْع التذاكر وجودَ عرْضٍ للفيلم أصلًا، قائلًا: الفيلم ممنوع من العرض! بينما كانت هذه السينما تضع إعلانًا عن الفيلم وغيره من الخارج، والفيلم قد سُمِحَ بعرضه، ولكن لربما ظن هذا الموظف أنه بذلك يقدِّم خدمةً للدين، بنجاحه في إبعاد أحدهم عن مشاهدة الفيلم! وكان من اليسير وضْع هذا الموظف في موقف محرج وتقديم شكوى بذلك، ولكني -لسبب أو لآخر- آثرتُ عدم فعل هذا الأمر، وتوجهتُ للسينما المجاورة، وقمتُ بمشاهدة الفيلم فيها برفقة خطيبتي.

هذا بخصوص السياق العام لظهور فيلم «الملحد»، أما أحداثُ هذا الفيلم، والقضايا الفكرية والتراثية التي تَعَرَّضَ لها، فنستكملُها بإذن الرحمٰن فيما هو قادمٌ مِن المقالاتِ بخصوص هذا الموضوع.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

....................

هوامش المقالة

(١) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٤٣: ١٤٤.

(٢) د. طه حسين، «في الشعر الجاهلي»، تقديم: عبد المنعم تليمة، (ط١، القاهرة، دار رؤية للنشر، ٢٠٠٧م)، ص ٧١: ٧٢.

(٣) غوستاف لوبون، «سيكولوجية الجماهير»، ترجمة وتقديم: د. هاشم صالح، (ط١، بيروت، دار الساقي، ١٩٩١م)، ص ٤٥.

 

حين ينقطع الحوار داخل الدرس الفلسفي ويغيب النقد، فإن الدرس يوأد في مهده. يفقد طابعه الحي ويتحول إلى مجرد وصايا تلقى من فوق، تنزل داخل القسم كطقس جامد لا كممارسة فكرية مفتوحة. وكل درس فلسفي يفرغ من الحوار والنقد، مهما بدا محكماً في شكله البيداغوجي، يفقد شرعيته الفلسفية ذاتها؛ لأن ما يمنح الدرس الفلسفي مضمونه الديمقراطي الحقيقي هما الحرية والمساءلة، وعقلانية متحررة ينبغي أن تتجذر في حياتنا الثقافية والسياسية، بدءاً من الثانوية والجامعة وصولاً إلى الفضاء الاجتماعي العام.

هذا الانقطاع في الحوار وتغييب اليات التفكير النقدي الحر هو ما يفسر، في جزء كبير منه، تلك الصورة السلبية المستقرة في أذهان العامة والمقبلين على تعلم الفلسفة: صورة مادة متعالية، رديفة للامعنى، وأخت للمروق والتمرد. يستحضر البشير ربوح لهذه الصورة شهادة أدونيس عن تجربته الأولى مع الدرس الفلسفي: كيف كان الدخول إلى القاعة أشبه بدخول بيت أشباح، والنصوص المدروسة أشبه بجثث عائمة لا حياة فيها، تتكدس في الذهن كركام من رمل بلا معنى إلى أن تفرغ على ورقة الامتحان.

هذه الشهادة، كما قرأها ربوح، ليست حالة استثنائية بل نموذج لما يحدث حين يصادر الحوار من الدرس الفلسفي ويغيب النقد. والحقيقة التي تغيب عن كثير من المقالات التي كتبت عن البشير ربوح، هي أنه أدرك هذا الخطر مبكراً جداً، وطبقه على نفسه فلم يكن فقط رجلاً يقف في الشارع يمارس التفلسف كفعل او كما وصفه استاذنا عبد الحكيم بليلطة فلسفة تمشي على الارض بل كان رجل نقد يجلس أمام كتب من مشارب شتى، يراجع نصوصا فلسفية، يحاكمها ويستنطقها، يبحث فيها عن المعقول والنافع مبتعدا عن النصوص التي لا صدى لها، هذا البعد بعد الناقد الأكاديمي الهادئ والمتواضع يكاد يغيب عما ما كتب عنه.

وليس هذا التغييب مجرد قصور توثيقي، بل قصور فكري. لأن فهم ربوح كـفاعل ومناضل فحسب يفقده نصف مشروعه. فالفعل عنده ليس مجرد حركة جسدية في الشارع، بل هو امتداد لذلك الحوار وتلك الروح النقدية . وفي ذكرى ميلاده في 21 أوت، نعود إليه لنقرأه قراءة تليق به: فكيف كان هذا الباحث المتواضع يمارس النقد بعيداً عن الضوضاء؟ وكيف حوّل تواضعه ومراجعاته  في صمتها  إلى فعل مقاوم؟

في مقاله المنشور بمجلة «الحياة الثقافية» ديسمبر 2012 بعنوان «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي»، لم يكتف ربوح بتشخيص أزمة الدرس الفلسفي، بل وضع تصوراً متكاملاً لما ينبغي أن يكون عليه في جوهره الديمقراطي، عماده شرطان متلازمان: الانفتاح والحداثة، والانفتاح عنده لا يعني تفكيك الفلسفة أو إذابة خصوصيتها، بل انفتاحها على التداخل مع باقي المواد المعرفية دون أن تفقد هويتها الجدلية. أما الحداثة فيربطها مباشرة بسؤال الديمقراطية: الحرية والمواطنة والتعددية والتسامح والاعتراف بالآخر. وهو يتحفظ في الوقت ذاته على استنساخ حداثة غربية خالصة، مؤكداً ضرورة أن تكون الحداثة نابعة من صلب وجودنا الحر، فقد : «آن الأوان أن نعود إلى تطوير الفلسفة بمعناها الحقيقي، تلك التي تهتم كما يقول الفارابي «بالفضائل النظرية أولاً ثم بالفضائل العملية». فالفلسفة هي عملية تشخيص واقع الإنسان ومقتضياته ومستتبعاته بأدوات نظرية وطريقة بحثية نقدية.... إن الفعل الفلسفي في جوهره يرتكز على النقد، باعتباره الضامن الأساسي لديمومته، كي تستمر الفلسفة في التواجد داخل فضاء الإنسانية العام، ومن ثمة يرى أستاذنا فتحي التريكي أن : «الميزة التي يتحلى بها الخطاب الفلسفي والتي تتجاوز التحديد هي منطق النقد والدحض الذي يحرك الفكر الفلسفي ويهيئ السؤال لمحاولة الإجابة الصحيحة»

في السنة نفسها صدر كتابه «مطارحات في العقل والتنوير: عبد الوهاب المسيري أنموذجاً» (دار الفارابي، 2012)، وهذا الكتاب ممارسة منهجية كاملة لما نظّر له في مقاله التربوي: قراءة تاريخية-مفاهيمية، بحث عن «الفكرة النواة»، ثم وضع النص نفسه في ميزان النقد "وإذا كان الموطن الأصلي لأي مقولة فلسفية هو النص الفلسفي بمتنه ورؤيته؛ فإن التنقيب عنها يقتضي التوجه رأساً نحوه، والاشتغال عليه تحليلاً ونقداً، من أجل استكشاف الفكرة/ النواة التي تتحكم فيه من الداخل" ويفتتح ربوح كتابه بتشخيص أزمة العقل العربي الإسلامي منذ عصر النهضة، منقسماً بين نقل النصوص التراثية وتحيينها من جهة، ونقل الفكر الفلسفي الغربي بمدارسه المختلفة من جهة أخرى، ليخلص إلى أن كلا المسارين انتهى بالعقل العربي إلى التنازل عن حقه في الإبداع والتفرد برؤيته الخاصة، ويجعل من القدرة النقدية رأس الأمر في تجاوز هذا الوضع وقد بنى الكتاب على ثلاث مقاربات متكاملة: تأسيسية تتتبع مفهوم «العقل» لسانياً واصطلاحياً بأفق تاريخي وترصد مصادره عند المسيري انطلاقاً من مدرسة فرانكفورت وموقفها من التنوير ، وتحليلية تعرض ثلاثة نماذج معرفية غربية بالتفصيل : النموذج الاقتصادي عند ماكس فيبر، والنموذج اللغوي عند فرديناند دوسوسير، والنموذج المابعد حداثي التفكيكي عند جاك دريدا ، ثم بيان كيف ردها المسيري جميعاً إلى مقولة مركزية واحدة هي «العقل المادي» بمرجعيته الطبيعية الخالصة ، ونقدية يعرض فيها ربوح مسعى المسيري في تجاوز هذا العقل نحو بديل يسميه «العقل التوليدي»، قبل أن يقوّم الأطروحة كاملة، مبيّناً مكاسبها المعرفية على المستويات الاقتصادي واللغوي والتفكيكي، وحدودها في آن. يحاور ربوح المسيري بعمق وإخلاص طوال هذه الفصول الثلاثة، ويعترف بأن نقده الموجّه للفكر الغربي، سواء في نصوصه الأدبية أو الفلسفية، يمثل ضرورة حضارية لا ترفاً فكرياً، ذلك أن الغرب عند أصحاب المشاريع النهضوية ليس مجرد بقعة جغرافية بل مصدر مهم للأفكار والرؤى والمقولات والمناهج؛ لكنه لا يتسلّم «سلطة الاسم الكبير» حتى لو كان المسيري، ويصرّح في خاتمة الكتاب أن جدة المشروع وقوته لا تعنيان الانجرار نحو تقديسه وتمجيده، «فالمشروع لم يوضع لذلك، وإنما وُضع للتفكير والتدبر والتحاور معه»   وهو ما يجد له ربوح سنداً في دعوة المسيري نفسه، في جلّ كتاباته، إلى الاختلاف معه في أطروحاته ومواقفه وتحليلاته. وينهي ربوح كتابه بإقرار متواضع لا يقل دلالة عن أطروحته النقدية ذاتها "فإذا كان مشروع المسيري بهذه الجدة والقوة، فهذا لا يعني أن ننجرّ نحن نحو تقديسه وتمجيده"

يظهر المنهج نفسه في مقاله «مقاربة تاريخية بأفق مفاهيمي لمسألة الميتافيزيقا» (مجلة أبعاد، 2017)، حيث يرفض أن تبقى الفلسفة حبيسة القواميس، ويميّز بصرامة بين المصطلح والمفهوم، ويقرأ بارمنيدس وأفلاطون وأرسطو قراءة لا تُسلّم. وفي مراجعاته  المنشورة في مجلة «تبيُّن»، طبق هذا المنهج على النصوص الأجنبية: مراجعته لكتاب روديغر سافرانسكي «معلّم ألماني: هايدغر وعصره» ، ومراجعته لكتاب أكسل هونيت «الاجتماعي وعالمه الممزق». في الحالتين لم يكن يبحث عن أب فكري، بل كان يحاكم النص: هل يقدّم أداة نقدية للراهن، أم يتحول إلى سلطة جديدة تُتسلّم بلا سؤال؟

ما يجمع هذه القراءات النقدية كلها هو رفض ثنائية السلطة، حيث لا ينحاز ربوح إلى «الحداثي» ضد «التراثي»، فكلاهما يقع في العطب نفسه إذا فقد السؤال. وحين سُئل يوماً: «من هو الدكتور ربوح البشير؟» رفض السؤال رفضاً فلسفياً، رآه سؤالاً نيتشوياً يخاطب الذات في أعلى مراتب نرجسيتها، وقدّم نفسه بوصفه «الباحث المتواضع في مجال الفلسفة»: مولود في 21 أوت 1967 برأس الوادي (ولاية برج بوعريريج)، وأستاذ للفلسفة، عضو في الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة. هذا التواضع كان امتداداً لرفضه المبكر لـ«الفيلسوف البهرج» الذي وصفه في مقال 2012.

النقد الأكاديمي عند البشير ربوح ليس بديلاً عن الشارع، بل هو الشارع بثوبه الأنطولوجي. ففي كتاب «فلسفة الفعل: من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد»  الذي أشرف عليه مع عبد العزيز العيادي يمارس النقد في المكتبة والقسم لكي يفعل هذا النقد في الشارع، النقد عنده هو الفعل الأول، والفعل عنده هو النقد الممتد.

في ذكرى ميلاده 21 أوت، لا نحتفي بتاريخ ولادته فقط، بل نحتفي باستحالة موت سؤاله. ليس السؤال الذي تناوله مقال السابق فقط «كيف نخرج الفلسفة إلى الشارع؟» ، بل هو السؤال الأعمق: كيف نبقي النقد حياً دون أن يتحول إلى تمجيد؟ كيف نقرأ ربوح نفسه بعين الناقد لا بعين الراثي؟

الوفاء الحقيقي لروح البشير ربوح ليس في تكرار عباراته، بل في سرقة سؤاله: أن نأخذ معانقة الحياة ونحاكمها نقدياً كما كان يحاكم هو النصوص العظيمةو أن نسأل: هل الشارع الأنطولوجي الذي دعا إليه لا يزال ممكناً اليوم؟ أم أن الشارع نفسه تغير وصار بحاجة إلى نقد جديد؟ الوفاء له يعني أن نحافظ على جرأة النقد التي كانت تميزه حين كان يواجه الأسماء الكبيرة بلا خوف. وبهذا المعنى تتصير الفلسفة سؤالاً، لا طقساً كهنوتياً. وتتحول الى ممارسة نقدية تزعزع المألوف وتفتح الممكن.

وأخيرا يمكن القول أن تبقى الفلسفة حية، معناه ان يكون صوتها مزعجاً، لأن المزعج وحده هو الذي لا يموت.

***

عمرون علي

.....................

قائمة المراجع

أعمال البشير ربوح:

- ربوح، البشير. «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي». مجلة الحياة الثقافية، ديسمبر 2012.

- ربوح، البشير. مطارات في العقل والتنوير: عبد الوهاب المسيري أنموذجاً. بيروت: دار الفارابي، 2012.

- ربوح، البشير (وآخرون). السؤال عن الهوية في التأسيس والنقد والمستقبل. (كتاب جماعي)، 2016.

- ربوح، البشير. استشكالات ودروب في قضايا الفكر الفلسفي المعاصر. 2017.

- ربوح، البشير. «مقاربة تاريخية بأفق مفاهيمي لمسألة الميتافيزيقا». مجلة أبعاد، 2017.

- ربوح، البشير. أسئلة قلقة في الراهن العربي. 2018.

- ربوح، البشير. مراجعة كتاب روديغر سافرانسكي «معلّم ألماني: هايدغر وعصره». مجلة تبيُّن، العدد 29، صيف 2019.

- ربوح، البشير. مراجعة كتاب أكسل هونيت «الاجتماعي وعالمه الممزق». مجلة تبيُّن، العدد 8، شتاء 2020.

- ربوح، البشير (إشراف) وعبد العزيز العيادي. فلسفة الفعل: من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد.

مصادر أخرى:

- أدونيس. شهادة ضمن كتاب: تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990.

- التريكي، فتحي. فلسفة الحياة اليومية. بيروت/تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2009.

- الخطابي، عز الدين. أسئلة الحداثة ورهاناتها... بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009.

- دريدا، جاك. عن الحق في الفلسفة. ترجمة عز الدين الخطابي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010.

- المسكيني، فتحي. الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة. بيروت: دار جداول، 2011.

دراسة في ضوء المتغيرات الاجتماعية والنصوص العقابية

الأسرة هي الخلية الأولى في بنيان المجتمع، والملاذ الدافئ الذي تنمو فيه القيم وتتشكل بين جدرانه ملامح المستقبل. وليست الأسرة مجرد عقد اجتماعي يجمع بين طرفين بل هي الركيزة الأساسية التي يستند إليها الأمن المجتمعي، ومن هذا المنطلق لم يقف المشرع العراقي مكتوف الأيدي أمام حماية هذا الكيان إذ جعل الدستور العراقي لعام 2005 الأسرة أساس المجتمع، وألزم الدولة بالمحافظة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية (المادة 29) فإن هذه الحصانة الدستورية تصطدم اليوم بواقع معقد فرضته التحولات الاقتصادية والاجتماعية الرقمية، حيث تحول الملاذ الآمن في بعض الأحيان إلى ساحة لتصفية الحسابات والنزاعات المتبادلة. إن حماية الأسرة اليوم لا تتطلب نصوصاً عقابية رادعة لمرتكبي العنف،

 بل تستلزم فلسفة تشريعية واجتماعية متكاملة تعيد ترميم هذا الكيان وتحميه من التصدع والانهيار.

   العنف الزوجي المتبادل في ميزان التشريع العراقي 

شكّلت الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهات الأمنية في وزارة الداخلية العراقية صدمة قانونية واجتماعية كبيرةبعد تسجيلها أكثر من 900 حالة اعتداء من الزوج على زوجته، وفي مقابل ذلك قفزة غير مألوفة بلغت 2235 حالة اعتداء من الزوجة على زوجها. يعكس هذا التباين تحولاً خطيراً في بنية العنف الأسري مما يضع النص القانوني العراقي النافذ أمام مسؤولية الموازنة والمواجهة الحازمة لحماية الأمن المجتمعي

من أسباب المحركة لظاهرة العنف الزوجي المتبادل

تتداخل مجموعة من العوامل المعقدة لتفرز هذه الأرقام غير التقليدية في المجتمع العراقي

١- الأسباب الاقتصادية يُعد الارتفاع في معدلات البطالة، التضخم، والفقر من أبرز المحفزات اليومية للشجار الأسري والتوتر النفسي داخل المنزل 

٢- التحول الاجتماعي والرقمي الاستخدام غير الواعي لوسائل التواصل الاجتماعي الذي أدى إلى زيادة الشكوك والغيرة وتسهيل حالات الخيانة الزوجية، فضلاً عن الانفتاح الذي غيّر من شكل العلاقات وسقوف التوقعات المادية.

٣- الضغوط النفسية المتراكمة ترسبات الحروب والأزمات الأمنية السابقة التي مر بها العراق وافتقار المجتمع إلى مراكز دعم نفسي متخصصة تؤهل الأفراد للتعامل مع الضغوط.

٤- آفة المخدرات والمؤثرات العقلية انتشار المواد المخدرة في السنوات الأخيرة بات سبباً مباشراً في تغييب الوعي وارتكاب اعتداءات جسدية مروعة من الطرفين

 الآثار النفسية والمادية المترتبة على العنف

تتعدى آثار العنف الزوجي أطراف العلاقة المباشرة لتضرب عمق البنية المجتمعية تتسبب هذه النزاعات بحالات قلق مزمن واكتئاب حاد واضطرابات ما بعد الصدمة تترجم أحياناً بـ "العنف المضاد" كرد فعل انتقامي (مما يفسر جزئياً ارتفاع بلاغات تعنيف الأزواج) أما على صعيد الاطفال ينشأ الأطفال في بيئة مشبعة بالخوف والاضطراب مما يؤدي إلى تراجع مستواهم الدراسي وإصابتهم بالتبول اللاإرادي أو الانطواء وصولاً إلى إعادة إنتاج العنف مستقبلاً من خلال (جنوح الأحداث)

 يترتب على العنف كلف علاجية وطبية فضلاً عن تعطل الأفراد عن الإنتاج والعمل وتشتت الثروة العائلية بسبب مصاريف الدعاوى القضائية والطلاق والنفقة

 مساحة القانون العراقي والعقوبات النافذة

لا يفرق القانون العراقي في الحماية الجنائية بين رجل وامرأة فالجريمة تبقى جريمة بغض النظر عن جنس الجاني والمجني عليه وتتحرك الدعوى وفقاً للنصوص التالية في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل

يستند العمل القانوني بملف العنف إلى المادة (29/ رابعاً) من الدستور العراقي لعام 2005 والتي تنص صراحة على:

تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع

عقوبات الاعتداء الجسدي الضرب والجرح

تُكيف محاكم التحقيق والجنح اعتداءات العنف الزوجي وفق أحكام المواد التالية

 المادة (413) تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أحدث بغيره أذى أو مرضاً (الاعتداء العمدي الخفيف)

المادة (412) إذا أدى الاعتداء إلى قطع أو بتر عضو أو تعطيل منفعة (عاهة مستديمة)، ترتفع العقوبة إلى السجن مدة لا تزيد على 15 سنة. 

المادة (415) تعالج حالات الضرب الخفيف الذي لا يترك أثراً بليغاً ويعاقب عليها بالحبس البسيط أو الغرامة. 

ملاحظة قانونية هامة (إشكالية المادة 41/1)

يمنح قانون العقوبات العراقي في المادة (41/ ف1) حق تاديب الزوج لزوجته في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً

 إلا أن القضاء العراقي المعاصر بات يفسر هذا النص تضييقاً شديداً حيث يستقر الاجتهاد القضائي على أن أي ضرب يترك أثراً جسدياً أو يحط من الكرامة أو يتسبب بضرر نفسي يعتبر جريمة معاقباً عليها ولا يمكن للزوج التذرع بـ "حق التأديب" لتبرير الاعتداء الجسدي الموثق بالتقارير الطبية

 الحلول والمقترحات القانونية والاجتماعية

إقرار قانون مناهضة العنف الأسري لا يزال العراق يفتقر إلى قانون خاص وشامل ينظم العنف الأسري بدقة. من الضروري الإسراع في تشريع مشروع القانون الذي يتضمن تأسيس

 "مراكز آمنة" لحماية الضحايا وتفعيل دور البحث الاجتماعي لإصلاح ذات البين قبل توقيع العقوبات وتدعيم مكاتب حماية الأسرة والطفل رفد المديريات التابعة لوزارة الداخلية بالكوادر المتخصصة نفسياً واجتماعياً لتفكيك الأزمات الأسرية قبل تحولها إلى قضايا جنائية، غالباً ما تضطر الضحية (سواء الزوج أو الزوجة) للتنازل عن الدعوى بسبب الضغوط العشائرية أو العائلية يجب وضع قيود تضمن عدم تكرار الاعتداء حتى في حال الصلح ،والتأكيد على تفعيل دور الباحث الاجتماعي في محاكم الأحوال الشخصية بشكل حقيقي وإلزام المقبِلين على الزواج بإنهاء دورات تأهيلية نفسية وقانونية لضمان فهم الحقوق والواجبات إطلاق حملات توعية إعلامية تركز على حل النزاعات الأسرية عبر الوسائل التربوية والنفسية والابتعاد عن العنف الجسدي أو اللفظي كوسيلة لفرض السيطرة.

***

بقلم اسعد الجوراني

قراءة فلسفية في ذكرى المولد النبوي الشريف

ليست كل الأحداث التي تقع في التاريخ سواء في قيمتها أو في قدرتها على تجاوز الزمن الذي احتواها. فبعض الأحداث يولد في لحظة، ثم يبقى أسيرا لها، لا يستمد حضوره إلا من الذاكرة؛ وبعضها يتجاوز لحظته التاريخية ليصبح جزءا من الوعي الإنساني، كلما عاد الإنسان إلى أسئلته الكبرى عن ذاته، وعن العالم الذي يعيش فيه، وعن الغاية التي تمنح وجوده معنى.

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لا باعتباره مجرد واقعة تاريخية نعود إليها في كل عام، وإنما باعتباره بداية لتحول عميق في رؤية الإنسان إلى نفسه وإلى العالم. فالمولد هنا لا يعني ميلاد شخص عظيم فحسب، وإنما ميلاد رسالة أعادت ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخر، وبين الإنسان والعالم.

ومن هنا تنشأ المفارقة التي تمنح ذكرى المولد قيمتها الفكرية؛ وهي أن حدثا وقع في الماضي استطاع أن يظل حاضرا في سؤال الإنسان عن نفسه.

فما الذي تغير في صورة الإنسان حين جاءت الرسالة المحمدية؟ وأي تصور للإنسان حملته هذه الرسالة؟ ولماذا لا يزال هذا التصور قادرا، بعد قرون طويلة، على أن يخاطب قلق الإنسان المعاصر وأسئلته؟ التي هي في جوهرها أسئلة فلسفية، وليست أسئلة تاريخية فحسب.

كان الإنسان، قبل الرسالة المحمدية وفي غير مجتمع من المجتمعات، يعيش داخل منظومات من القوة والانتماء والعصبية والمصلحة، وكانت قيمة الفرد كثيرا ما تستمد من نسبه أو قوته أو مكانته أو ما يملكه من مال ونفوذ.

ولم تكن المشكلة في وجود هذه العلاقات في ذاتها، وإنما في تحولها إلى معايير للحقيقة والقيمة؛ حين يصبح القوي جديرا بالحق لأنه قوي، ويصبح الضعيف قابلا للامتهان لأنه ضعيف، ويصبح الانتماء معيارا للحكم على الإنسان قبل أن يكون فعله أو خلقه.

ومن هنا كان السؤال عن الإنسان أعمق من مجرد السؤال عن مكانته الاجتماعية.

كان السؤال: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ هل قيمته فيما يملك؟ أم فيما يكونه؟ هل حريته تعني أن يفعل ما يستطيع، أم أن يدرك ما ينبغي أن يفعل؟ وهل الآخر منافس في الوجود، أم شريك في الإنسانية؟

هذه الأسئلة التي تبدو لنا اليوم شديدة الحداثة، كانت في جوهرها كامنة في بنية التحول الذي جاءت به الرسالة المحمدية.

لقد أعادت الرسالة بناء الإنسان من الداخل، وربطت قيمته بما يتجاوز القوة والنسب والمال، وأقامت ميزانا أخلاقيا يجعل الإنسان مسؤولا عن اختياراته، لا مجرد كائن تحكمه غرائزه أو ظروفه أو انتماءاته.

وفي قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم"، تتجلى إحدى الدلالات الكبرى لهذا التصور؛ فالكرامة هنا لا تستند إلى طبقة أو جنس أو نسب، وإنما تبدأ من أصل إنساني مشترك.

وهذا التحول ليس مجرد قيمة أخلاقية، وإنما هو تحول في فلسفة الإنسان نفسها.

ولعل من أهم ما جاءت به الرسالة المحمدية أنها لم تنظر إلى الإنسان باعتباره كيانا مكتفيا بذاته، وإنما باعتباره كائنا تتحدد إنسانيته بقدر ما يعي مسؤوليته.

فالإنسان حر، لكن حريته ليست انفلاتا من كل قيد؛ لأنه مسؤول عن أثر اختياراته. وهو قادر، لكن قدرته ليست مبررا للهيمنة؛ لأن القوة حين تنفصل عن الأخلاق تتحول من وسيلة للعمران إلى أداة للظلم. وهو عاقل، لكن العقل لا يبلغ غايته إذا انفصل عن الحكمة. وهو قادر على المعرفة، لكن المعرفة إذا لم تهذب الإرادة قد تزيد الإنسان قدرة على الخطأ، لا قدرة على الصواب.

ولهذا لم تأت الرسالة لتملأ العقل بالمعلومات فحسب، وإنما لتبني الإنسان الذي يعرف كيف يحول المعرفة إلى بصيرة، والبصيرة إلى موقف، والموقف إلى خلق.

وهنا تتضح أهمية اقتران التعليم بالتزكية في قوله تعالى: "يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة".

فالإنسان لا يصير أفضل لمجرد أنه يعرف أكثر. وقد يكون هذا من أكثر الأسئلة إلحاحا في عصرنا؛ إذ اتسعت دائرة المعرفة الإنسانية إلى حد مذهل، لكن اتساع المعرفة لم يضمن دائما اتساع الحكمة.

لقد أصبح الإنسان أكثر قدرة على تغيير العالم، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر قدرة على تغيير نفسه.

ومن هنا يبدو النموذج المحمدي شديد الصلة بعصرنا؛ لأنه لا يفصل بين العلم والأخلاق، ولا بين القوة والمسؤولية، ولا بين الحرية والواجب.

وإذا كانت الفلسفة قد جعلت سؤال الإنسان أحد أسئلتها الكبرى، فإن السيرة النبوية تقدم نموذجا حيا لإنسان لم يكن وجوده منفصلا عن القيمة.

فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يقدم الأخلاق باعتبارها مجموعة من القواعد المجردة، وإنما كانت الأخلاق تتجسد في طريقة النظر إلى الناس، وفي التعامل مع الضعيف، وفي العفو عند القدرة، وفي العدل مع المخالف، وفي التواضع مع المكانة، وفي الرحمة حين يكون الانتقام ممكنا.

ولهذا لم يكن وصف القرآن له بأنه "على خلق عظيم" وصفا لفضيلة هامشية، وإنما إشارة إلى أن عظمة الإنسان لا تقاس فقط بما يعرفه أو ينجزه، وإنما بما يصير إليه خلقه.

فحين سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلقه، قالت: "كان خلقه القرآن". وفي هذه العبارة الموجزة معنى بالغ العمق، وهو أن الحقيقة حين تستقر في الوعي لا بد أن تظهر في السلوك، وأن الإيمان الذي لا يترك أثرا في علاقة الإنسان بغيره يظل معرفة لم تبلغ بعد مرتبة التحقق.

وهنا يلتقي البعد الفلسفي بالبعد الإيماني في نقطة واحدة، وهي أن الإنسان لا يعرف قيمه حقا إلا حين يعيشها.

ولعل الرحمة هي أكثر القيم التي تمنح النموذج المحمدي حضوره الإنساني الممتد.

قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". والرحمة في هذا السياق ليست مجرد عاطفة تجاه الضعف، وإنما رؤية للإنسان تقوم على الاعتراف بإنسانيته، والنظر إليه باعتباره غاية في التكريم، حتى حين يخطئ أو يختلف أو يبتعد.

ومن هنا فإن الرحمة لا تناقض العدل، كما أن العفو لا يعني إلغاء الحق. فالرحمة التي لا عدل فيها قد تتحول إلى ضعف، والعدل الذي لا رحمة فيه قد يتحول إلى قسوة.

أما النموذج النبوي، فيكشف عن إمكانية اجتماع ما يبدو متعارضا: قوة الحق ورحمة القلب، وحزم الموقف ورقة الإنسان.

ولعلنا أحوج ما نكون إلى استعادة هذا التوازن في زمن أصبح فيه الاختلاف في الرأي سببا للخصومة، والخلاف في الموقف مبررا للتجريح، والاختلاف في الانتماء سببا لنزع الإنسانية عن الآخر.

إن استحضار السيرة النبوية هنا لا يعني الهروب من أسئلة عصرنا إلى الماضي، وإنما البحث في ذلك التراث عن قيم يمكنها أن تساعدنا على مواجهة حاضرنا بقدر أكبر من الحكمة.

لقد منح العصر الحديث الإنسان قدرة هائلة على السيطرة على الأشياء. استطاع أن يخترق أعماق المادة، وأن يسبر أغوار الفضاء، وأن يختصر المسافات، وأن يفتح أبوابا غير مسبوقة في المعرفة والتواصل.

لكن هذا التقدم يكشف مفارقة لا يمكن تجاهلها؛ فكلما ازدادت قدرة الإنسان على السيطرة على العالم، ازدادت حاجته إلى القدرة على السيطرة على نفسه.

فالمشكلة لم تعد دائما في أن الإنسان لا يستطيع، وإنما في أن السؤال أصبح: هل ينبغي له أن يفعل كل ما يستطيع؟

وهنا تلتقي الحضارة الحديثة، من حيث لا تشعر، مع أحد أعمق أسئلة الأخلاق. فالعلم يمنحنا القدرة، لكنه لا يحدد وحده وجهة استخدامها. والتقنية توسع إمكاناتنا، لكنها لا تخبرنا وحدها بما ينبغي أن نختار. والقوة تمنحنا مجالا للفعل، لكنها لا تمنح الفعل مشروعيته الأخلاقية. ومن هنا تبدو الحاجة إلى نموذج يربط القدرة بالمسؤولية، والحرية بالقيمة، والمعرفة بالحكمة. وهذه إحدى الدلالات التي تجعل استحضار السيرة النبوية في عصرنا أمرا يتجاوز الاحتفال بالماضي إلى التفكير في المستقبل.

إننا حين نتحدث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا نتحدث فقط عن شخصية تاريخية عظيمة، وإنما عن نموذج إنساني تشكلت حوله منظومة كاملة من القيم التي أعادت تعريف علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالعالم.

ولذلك ظل حضوره حيا في وجدان أمته؛ فالذاكرة لا تحتفظ بكل الشخصيات بالطريقة نفسها. هناك شخصيات تبقى لأن التاريخ يسجل أخبارها، وشخصيات تبقى لأن آثارها تتحول إلى جزء من الوعي. ومحمد صلى الله عليه وسلم من هذا النوع الثاني. فكلما عادت الإنسانية إلى أسئلتها الكبرى، عاد النموذج المحمدي إلى الظهور بوصفه تجربة تاريخية تحمل أبعادا أخلاقية وإنسانية تتجاوز زمانها.

إن السؤال عن العدالة لم ينته. والسؤال عن الحرية لم ينته. والسؤال عن الرحمة لم ينته. والسؤال عن العلاقة بين القوة والحق لم ينته. وقبل هذه الأسئلة جميعا وبعدها يبقى السؤال الأعمق: ما الإنسان؟

ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن تمنحه لنا ذكرى المولد النبوي ليس أن نتذكر فقط أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل، ولا أن نستعيد أحداث سيرته استعادة سردية، وإنما أن نتوقف لحظة أمام الأثر الذي تركته رسالته في مفهوم الإنسان.

أن نسأل أنفسنا، نحن الذين نحب النبي محمد ونصلي عليه ونحتفي بذكراه: هل بقيت من محبته في حياتنا رحمة؟ هل بقي من هديه في علاقاتنا صدق؟ هل بقي من أخلاقه في اختلافاتنا عدل؟ هل أصبحنا، بفضل ما نعرفه عنه، أكثر قدرة على تهذيب أنفسنا؟ فالمحبة الحقيقية ليست مجرد شعور يسكن القلب، وإنما أثر يظهر في السلوك.

وليس المقصود من استحضار أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن نكتفي بالإعجاب بها، وإنما أن ندرك أن الأخلاق التي جعلت منه نموذجا إنسانيا عظيما ما زالت قادرة على أن تجعل حياتنا أصفى، وعلاقاتنا أرحم، ومجتمعاتنا أكثر عدلا.

وهنا تصبح الذكرى ذات معنى آخر، وهو أن يتحول الاحتفاء إلى مراجعة، والمراجعة إلى وعي، والوعي إلى سلوك.

إن كل حضارة تكشف، في جانب عميق منها، عن الصورة التي تحملها للإنسان. فإذا كان الإنسان مجرد مستهلك، أصبحت قيمته في قدرته على الاستهلاك. وإذا كان مجرد أداة، أصبح وجوده رهنا بمنفعته. وإذا كان مجرد رقم، أصبح قابلا للاستبدال. أما حين يكون الإنسان مخلوقا مكرما، مسؤولا عن حريته، مؤتمنا على ما أوتي من قدرة، مرتبطا بالآخر في شبكة من الحقوق والواجبات، فإن الحضارة لا تعود مجرد سباق في امتلاك القوة، وإنما تصبح سعيا إلى تهذيب القوة وتوجيهها نحو الخير.

ومن هنا تتجاوز الرسالة المحمدية حدود الوعظ الأخلاقي إلى رؤية متكاملة للإنسان. إنها لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن الدنيا، وإنما أن يتحرر من عبوديتها. ولا تطلب منه أن ينسحب من الحياة، وإنما أن يعمرها بالحق. ولا تطلب منه أن يلغي عقله، وإنما أن يهتدي به إلى الحكمة. ولا تطلب منه أن يهرب من قوته، وإنما أن يجعل القوة أمانة. وهذا هو الإنسان الذي تستطيع الرسالة أن تصنعه: إنسانا حرا، مسؤولا، عاقلا، رحيما، قادرا على أن يرتقي فوق نزواته دون أن يفقد صلته بواقعه.

من هنا لا تبدو ذكرى المولد النبوي مجرد عودة إلى لحظة من الماضي، وإنما فرصة لاستعادة معنى ظل محتاجا إلى التجدد في كل زمان.

فالمولد حدث وقع مرة، أما السؤال الذي فتحته الرسالة فما زال مفتوحا: سؤال الحرية.. سؤال المسؤولية.. سؤال الخير.. سؤال العدل.. سؤال الرحمة.. ثم السؤال الذي يجمعها جميعا: أي إنسان نريد أن نكون؟

ربما يكون هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن نهديه إلى ذكرى المولد. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولد في التاريخ، لكن رسالته خاطبت الإنسان خارج حدود التاريخ. ولد في مكة، لكن أسئلته لم تكن أسئلة مكة وحدها. وعاش في القرن السادس الميلادي، لكن القيم التي جسدها لا تنتمي إلى قرن دون قرن.

وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا يوم مولده، فإن الوعي الإنساني يستطيع أن يجعل من كل يوم فرصة لاستعادة بعض ما جاء به من رحمة وصدق وعدل وتواضع.

ولذلك فإن الاحتفاء الحقيقي بذكرى المولد لا يكون بكثرة الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما بأن نترك لحديثنا عنه أثرا في أنفسنا. أن يصبح الصدق أقرب إلينا من الكذب، والعفو أوسع من الانتقام، والرحمة أسبق من القسوة، والعدل أثبت من الهوى.

فليس أجمل من أن نحتفي بمن كان رحمة للعالمين بأن نكون، كل في موضعه، أرحم بالناس. وليس أصدق من أن نصلي على من وصفه ربه بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم"، أن نحاول أن نجعل للأخلاق مكانا أعظم في حياتنا.

لقد ولد محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ، لكن حضوره لم يبق أسيرا للتاريخ. ومن هنا يمكن أن نفهم سر هذه الذكرى التي تتجدد في وجدان المسلمين جيلا بعد جيل؛ فهي ليست مجرد استعادة لماض عزيز، وإنما عودة إلى نموذج كلما تأملناه أعاد إلينا شيئا من السؤال الذي قد تنسينا إياه مشاغل الحياة: ماذا يعني أن يكون الإنسان إنسانا؟

ولعل الإجابة لا تكون في كثرة الكلام، وإنما في الطريقة التي نحيا بها. فإذا جعلتنا ذكرى المولد أكثر صدقا، فقد تركت أثرها. وإذا جعلتنا أكثر رحمة، فقد فهمنا شيئا من رسالته. وإذا جعلتنا أكثر عدلا مع من نختلف معهم، فقد اقتربنا من أخلاقه. وإذا أعادت إلينا الإحساس بأن الإنسان أمانة لا غنيمة، وكرامة لا أداة، ومسؤولية لا مجرد حق، فقد تجاوزنا بالذكرى حدود الاحتفال إلى معنى أعمق وأبقى.

وهكذا، من ميلاد النبي محمد إلى سؤال الإنسان، تمتد رحلة لا تنتهي عند حدود الذكرى؛ لأن أعظم ما يمكن أن يفعله حضور النبي في وعينا ليس أن يجعلنا أسرى للماضي، وإنما أن يجعلنا أقدر على أن نصنع من الحاضر امتدادا للقيم التي جاء بها.

فصلوات الله وسلامه على محمد صلى الله عليه وسلم، يوم ولد، ويوم حمل رسالة ربه، ويوم مضى إلى الرفيق الأعلى، ويوم تبقى سيرته في ضمير الإنسان شاهدة على أن القوة يمكن أن تكون رحمة، وأن الحرية يمكن أن تكون مسؤولية، وأن العلم يمكن أن يصير حكمة، وأن الإنسان يستطيع أن يرتقي بنفسه حتى يصبح وجوده ذاته رسالة.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

الثورة الروحية

من الأحداث الكبرى في التاريخ الوسيط، ظهور الإسلام بوصفه ديانة سماوية كبرى من الديانات التوحيدية-الإبراهيمية الكبرى، مثل المسيحية واليهودية، ديانة موجهة إلى الناس كافة، على عكس اليهودية التي كانت تقريبا منذ البداية ديانة مغلقة ولهذا تحولت في غمار التاريخ ديانة مغلقة و إلى قبيلة وطائفة عرقية.

والجدير بالذكر كذلك أن ظهور الإسلام فتح الأفاق المسدودة للعرب عامة ولقبيلة قريش خاصة كما شكّل نزول الوحي، الحدث الأبرز، وخاصة على الصعيد السياسي والثقافي/الفكري، ليس عند قبيلة قريش وفي الحجاز فقط، ولكن في الجزيرة العربية كلها. ]1[

و غني عن البيان القول، أن ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية، كان ضرورة حتمية.بعد أن إستنفَّذ النظام القبلي/الوثني دوره التاريخي، وبعد أن وصل النظام الاجتماعي/المعرفي عند حدوده القصوى، وعجز عن تقديم ما يلبي الحاجات الروحية والمعرفية والإجتماعية وحتى السياسية للأفراد والجماعات التي كانت تعيش في مكة والجزيرة العربية، وبعبارة أخرى في نهاية القرن السادس الميلادي بدأت تظهر على النظام القبلي علامات التفكك والتفسخ والإنحلال.كما كان لابد من تجديد الدعوة للتوحيد الديني شكلا والتوحيد السياسي مضمونا، وبمعنى أخر كانت الحاجة ماسةإلى ثورة دينية وإصلاح إجتماعي وإعادة ترتيب الطبقات .

و تجدر الإشارة إلى كذلك، إلى أن القوتين العظميين في تلك الحقبة الدقيقة من التاريخ الوسيط، الأمبراطورية الفارسية والأمبراطورية البيزنطية اللتان كانتا تتقاسمان النفوذ والسيطرة في منطقة الشرق الأوسط في تلك الحقبة، قد بلغ بهما الوهن والضعف مبلغه. ]2[

و لهذا، لا نجانب الصواب، إذا قلنا أن الدعوة المحمدية كانت ليس مجرد دعوة دينية عادية، بل مجموعة ثورات في ثورة واحدة إن صح هذا التعبير، بالنظر إلى الأهداف التي حققتها وفي مدة وجيزة، فالثورة لا تسمى ثورة إلا إذا قلبت نظام الحكم أولا واستولت على السلطة ثانيا وأحدثت تغييراً جذريا في البنى الإجتماعية/الإقتصادية والثقافية.

و بالفعل كان الإسلام ثورة روحية من حيث طرحه لعقيدة التوحيد، بكل ما تعنيه عقيدة التوحيد من معاني ودلالات، وثورة اجتماعية من زاوية الدعوة إلى إعادة ترتيب الإجتماعية وثورة سياسية من منظور التوجه نحو بناء المجال السياسي في المدينة /يثرب، لكن المعنى حقيقي للدعوة المحمدية هو المعني الديني الذي هو جوهر الدعوة وروح الرسالة، فالإسلام هو بالدرجة الأولى دين، يحمل رسالة دينية وله وظيفة دينية، وهذا ليس معناه أن الدعوة المحمدية قد أُطلِقَت في منطقة خالية من المعتقدات الدينية أو أن العرب كانوا مثل القبائل البدائية التي كانت في الأدغال أو كانوا يفكرون بعقلية إنسان ما قبل اكتشاف النار، بل بالعكس، فقد كان العرب يتوفرون على قدر كبير من المعارف و الأداب والأخلاق والضوابط الإجتماعية[3 ]

و باختصار كان لدى العرب في الجزيرة، نظام معرفي ولكن فيه نواقص ونظام اجتماعي يعوزه الوازع الديني والردع القانوني، أي ما كان غائبا هو الوازع السياسي – القانوني المتمثل في وجود دولة.

الثورة السياسية

و هناك مسألة أخرى لا بد أن نتوقف عندها تتعلق بلفظ " الجاهلية " هو تسمية إسلامية للنظام الاجتماعي ماقبل الإسلام أو كما يطلق عليه اليوم بالنظام البائد، لكن مفهوم الجاهلية لا تعني الجهل و لا تدل على المعنى المضاد للمعرفة، بل تحمل معنى غياب الوازع القانوني وغياب ’ليات الضبط الإجتماعي أي غياب الدولة وغياب السلطة القهرية، التي تملك الحق المشروع للعنف، ولكن غياب الدولة لم يمنع العرب من ممارسة السياسة، سياسة الحكم وإدارة شؤون المدينة، ولو في شكلها البسيّط ونظامها البدائي .

و لهذا نتفق مع بعض الباحثين القائلين بأن الإسلام لم يظهر في الفراغ، ولم يأت من فراغ، بل ظهر وانتشر في منطقة كانت تتوفر على موروث ديني / ثقافي زخم ]4[، فقد كانت أفكار ومفاهيم التوحيد والعبادة وحتى فكرة الله كانت فكرة منتشرة في الجزيرة وفي محيطها الشمالي وحدودها الجنوبية، وكانت العرب تؤمن بوجود الله، وكل ما في الأمر أنها كانت تشرك به غيره من الآلهة التي جسدتها في أصنام وأوثان أشهرها كانت في مكة وهي "اللاَّت" و" العُزى" و" مناة " .

و من المهم أن نلفت الإنتباه، أن هذه الأصنام والتماثيل، لم تكن خاصة بالعبادات فقط، بل طريقة من طرق الدخل ومورد من موارد التجارة وباب من أبواب الرزق، خاصة في موسم الحج، والحقيقة أن شعائر وطقوس الحج كانت تمارس كما هي، سواء قبل الإسلام أو في الإسلام. ]5[  ولا ننسى أن الديانتين التوحيديتين السابقتين على الإسلام وهما المسيحية واليهودية، كانتا منتشرتين في الجزيرة بشكل أو بأخر، هنا وهناك وخاصة في شمال الحجاز، بالإضافة إلى التأثير الكبير الذي مارسه الحنفاء و معتقد الحنيفية على العرب وعلى قريش وعلى الرسول محمد بن عبد الله(ص) .

و من هذا المنطلق كانت قريش تحرص حرصا شديدًا على الحفاظ على الكعبة، ليس بسبب ما تمنحه لسادة قريش من الشرعيّة والمشروعيّة، بل بهدف ما تُدره من عائدات اقتصادية هائلة، وبالتالي لم يكن من السهل على سادة قريش التنازل عن هذه "البقرة الحلوب" أمام دعوة دينية وخطاب إيديولوجي -ثوري يدعو إلى التوحيد و يطالب الناس بالكف عن عبادة الأصنام والتوقف عن أداء الشعائر والطقوس الوثنية المرتبطة ارتباطا قويا بالنشاط التجاري والحركية الاقتصادية والرواج “ السياحي” [6]

و بالمناسبة إن فكرة الله تؤدي مباشرة إلى فكرة أخرى هي فكرة التوحيد والتوحيد دلالة على تطور الفكر البشري .

و هكذا فإن عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام، لم تكن فكرة دينية جديدة على سكان الجزيرة، بل أن هؤلاء الناس تعرفوا على هذه الفكرة/العقيدة، وكما أشرنا سابقا، من خلال معتقد ديني اسمه الحنيفية، وتذكر كتب السيرة أن صاحب الدعوة كان يتحنث في غراء حراء وكان على اتصال بالحنفاء، بطريقة أو بأخرى]7[ .

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن المعارضة الشديدة التي أبدتها قريش في إنكار النبوة ورفض الدعوة المحمدية، هي بسبب خوف سادة قريش على مصالحهم الإقتصادية ونشاطاتهم التجارية بالدرجةالأولى ]8[ .

فالتوحيد ليس فقط عبادة الله وحده لا شريك له.بل كان القصد من التوحيد، هو توحيد الجماعات البشرية التي كانت تقطن الجزيرة العربية، في إطار أمة عربية-إسلامية واحدة، تحت قيادة دينية وسياسية واحدة، والتي ستأخذ فيما بعد، مع التطورات التاريخية المتلاحقة والأحداث السياسية المتوالية، شكل إمبراطورية مترامية الأطراف بنظام سياسي اسمه الخلافة وفي إطار دولة سلطانية.

الثورة الثقافية

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول، بأن الحدث القرآني كان بمثابة ثورة ثقافية/إجتماعية من حيث الدعوة والعمل على تفكيك النظام القبلي المُهيّمن، والذي تمثله طبقة أرستقراطية في شكل قبيلة ممثلة من الناحية الاجتماعية في أشراف العرب ومن الناحية الاقتصادية في كبار التجار ومن الناحية السياسية في" الملأ " و " دار الندوة " ]9[ .

و بالموازاة مع الدعوة إلى خلخلة هذه التراتبية/الطبقية هناك دعوة إلى المساواة بين الفقراء والأغنياء، بين العرب والعجم، بين الأبيض والأسود، على الأقل في الحقوق والواجبات الدينية.أما القول بأن نزول الوحي(التنزيل) كان ثورة روحية، فكرية وثقافية، فهذا ما لا يختلف عليه إثنان، من حيث لغة الخطاب القرآني والأسلوب البياني الذي وصل درجة الإعجاز وكذلك ما تضمنه الخطاب القرآني من الدعوة الصريحة إلى التدبر والقراءة والتفكير وضرورة إعمال العقل والحث على التأمل والبحث في الطبيعة والكون ]10[ .

كما تجدر الإشارة إلى أن النص الديني المؤسس دعا الرسول والمؤمنين والناس كافة إلى التوبة قبل فوات الآوان، وإلى السعي وراء إلى ما يرضي الله، كما أنه حدد العقائد والأفعال التي يأمر بها الله، وقد علم أن على الناس أن يؤمنوا بأن الله أحد، وبأنه أعلن إرادته بواسطة الأنبياء، وبأن محمد خاتم الرسل، وبأن الرسالة المنزلة عليه، وهي القرآن، إنما هي كلام الله المنصوص المعبر عن مشيئته من أجل البشر، وبأن على البشر أن يعملوا بالأوامر الواردة فيه، وبأن العالم سينتهي بيوم الحساب، تُقوَّم فيه أعمالهم وعليها يحاسبون]11[ .

و لسنا في حاجة الى شرح كبير للقول بأن هناك علوما بأكملها سوف تنشأ، أقصد النشأة الجنينية في العصر الأموي وتكتمل في العصر العباسي الأول، إبتداءً من منتصف القرن الثاني الهجري، وكل هذه العلوم والمعارف والثقافة، تنطلق من النص القرآني، النص المؤسس، مثل علوم اللغة من قواعد النحو والصرف والبلاغة وعلوم الفقه وعلم الكلام والتصوف والفلسفة، وصدق من قال أن الحضارة العربية - الإسلامية هي حضارة نص.

و باختصار نقول انطلاقا من النص القرآني تأسس النظام المعرفي العربي ممثلاً في البيان والعرفان والبرهان]12[ .

و لا نذيع سرا إذا قلنا، أنه منذ بدء الدعوة المحمدية في عام609م إلى غاية وفاة الرسول عام 632 م.أي في مدة ثلاثة وعشرون سنة، ثلاثة عشر سنة في مكة، وعشر سنوات في المدينة.كانت أهداف التوحيد قد تحققت على عدة مستويات، على المستوى الديني بنشر الرسالة وتبليغ الدعوة تقريبًا في الجزيرة العربية كلها، وعلى المستوى الاجتماعيً بتشكل الجماعة الإسلامية وبوضع الحجر الأساس لأمة في طور التكوين، و تحققت أهداف التوحيد سياسيًا بلَّم شمل العشائر والقبائل العربية تحت راية سلطة سياسية واحدة.

و بالفعل تحققت أهداف التوحيد الديني والإجتماعي والسياسي، رغم الفروقات القبلية والحزازات العشائرية والإختلالات الطبقية التي كانت في حالة كمون بعض الشيء، طيلة زمن النبوة، أما عن النزاعات السياسية، فكانت كامنة في منطقة اسمها اللاَّشعور السياسي وبالتالي كان هناك ما يمكن تسميته باللاشعور السياسي.لأن النبي إستطاع في المدينة أن يحتضن الجميع حتى الذين كانوا يعارضون الدعوة في مكة، وأن يوحّد الجميع في أطار ميثاق الصحيفة أو دستور المدينة، والأهم من ذلك تمكن الرسول محمد بن عبد الله (ص) من تأسيس الجماعة الإسلامية التي تحولت إلى أمة المؤمنين، والتي ستعرف لاحقًا، خاصة بعد إعلان الجهاد/الحرب، أي بدار الإسلام، أي الأرض التي يعيش فيه المسلمون، في مقابل دار الحرب، أي الأرض التي يعيش فيها غير المسلمين ]13[ .

و من نافلة القول أن هذه الجماعة تحولت، في خضم الصراع والتدافع، من كيان قبلي/ عشائري إلى كيان ديني/سياسي، ثم تحول هذا الكيان، بفعل التراكم الكمي إلى كيف، هو دولة تتوفر على سلطة سياسية ونظام حكم وجيش نظامي، هي الدولة الأموية، الدولة التي تبنت الإيديولوجيا الجبرية وجمعت في شرعيتها بين المصحف والسيف، ومن أجل بقائها واستمرارها ربطت بين العشيرة والغنيمة.

و الحقيقة التي لا نقاش فيها أنه كان من الضروري قيام الدولة الأموية، بعد أن غابت الدولة وساد الإنفلات الأمني، وبالتالي الدولة ا أموية هي أول دولة في الإسلام، بالمعنى الحقيقي لمفهوم الدولة، طبعاً بمقاييس تلك الحقبة التاريخية، في العصر الوسيط، الدولة التي إقتضت الضرورة التاريخية أن تكون هي البديل للرّدة التي وقعت بعد تعيين أبي بكر الصديق خليفة/حاكما، وهي البديل لتلك الفتنة الكبرى التي سادت عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان والتي قتل فيها الآلاف المؤلفة من المسلمين، وهي البديل للحرب الأهلية التي نشبت بعد اغتيال الخليفة الرابع علي بنو أبي طالب.

و ثمة ملاحظة في هذا الصدد وهي أنه وفي مدة قصيرة اندلعت حروب الردة وسادت الفوضى واستيقظت الفتنة ونشبت الحرب الأهلية، وبلغة العصر كان عهد الخليفة الثالث وعهد الخليفة الرابع عهد عدم استقرار سياسي، وليسهذا فحسب بل وفشا فيه العنف السياسي من اتنفضات واحتجاجات واغتيالات، ومع قيام الدولة الأموية استقرت الأمور بعض الشيء، وقد كان عبد الرحمن بن خلدون على حق عندما فَسّر الإنقلاب الأموي، بأنه كان لا مفر منه لبقاء المجتمع العربي- الإسلامي والحفاظ – إن جاز هذا التعبير - على الوحدة الوطنية وسلامة أراضي الأمة الوليدة وتواصل الفتوحات والأهم من ذلك إستمرار الدولة. ]14[

معنى هذا الكلام أن قيام الدولة الأموية كان هو الحل الأمثل للحرب الأهلية، كما بينت هذه الأحداث الدامية أن العصبية الدينية أو العامل الأساسي المتمثل في الدعوة المحمدية قد أصابه الوهن بعض الشيئ، فكان لابد من ظهور العصبية القبلية من جديد، التي كانت في حالة كمون، وبعبارة أدق تم كبت العصبية القبلية طيلة ثلاثة وعشرون سنة لأسباب معروفة، وكان لا بد من عودة المكبوت.

وغني عن البيان القول أن العصبيات سواء أكانت دينية أم إجتماعية أم إيديولوجية لها قوة الدفع في البداية ثم تبدأ شيئا فشيئا في الضعف والإنحلال والانكماش كما جاء في نظرية عبد الرحمن ابن خلدون.

و الحقيقة التي لا مراء فيها أن الصراعات في التاريخ العربي /الإسلامي منذ بداية الدعوة كانت إما صراعات قبلية/عرقية، أو صراعات طافية/مذهبية أو صراعات إجتماعية/ طبقية، وبعبارة أخرى كانت العصبيات الثلاث التي حركت التاريخ العربي/الإسلامي، هي بالدرجة الأولى عصبية الدم أو ما يسمى اليوم بالقرابة في علم الأنتروبولوجيا والتي تجسمت في القبيلة والعشيرة والإيديولوجية الدينية الممثلة في العقيدة والمصالح التجارية/ الاقتصادية التي تجسدت في الغنيمة ]15[ بمثابة الفتيل الذي أشعل معظم النزاعات والصراعات، منذ بداية الدعوة في مكة وحتى ما جرى ويجري اليوم في كثير من الأقطار العربية، حيث الصراعات الدامية على السلطة، وفي هذه الصراعات يتم استخدام الدين وتوظيف العشيرة وتوزيع الريع ]16[

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي - الجزائر

...................

مصادر ومراجع

1) حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية –الإسلامية. دار الفارابي ط 5 بيروت 1985 ص 321.

2) المرجع نفسه ص 217

3) المرجع نفسه ص 241

4) المرجع نفسه ص 221

5) عبد الإله بلقزيز: النبوة والسياسة. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2014، ص 83

6)  المرجع نفسه ص 82

7) حسين مروة: المرجع نفسه ص 309.

8) محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1992 ص 99

9) حسين مروة: المرجع نفسه ص 231

10)  ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة. بيروت: دار النهار.1977، ص 11

11)  المرجع نفسه ص 12

12) محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، 1993 ص 57.

13) برهان غليون: نقد السياسة..الدولة والدين. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي . 2007.ص 93.

14) محمد الحداد: حفريات تأويلية في خطاب الإصلاحية العربية.بيروت، دار الطليعة. 2002 ص 24

15) محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي. المرجع نفسه ص 57

16)  المرجع نفسه ص 48

 

قراءة نفسية ـ فكرية في تشكيل الوعي الجمعي العربي

ليست أزمة الإنسان العربي المعاصر أزمة سياسية أو اقتصادية فحسب، وليست مجرد نتيجة لتراكم الهزائم أو الاستبداد أو التخلف التنموي، إنها في أحد أعمق وجوهها، أزمة في تشكيل الوعي ذاته.

إنّ الإنسان لا يعيش الواقع كما هو، وإنما يعيه من خلال منظومة من الأفكار والقيم والرموز والمعتقدات التي تتشكل داخل الأسرة والمدرسة والدين والمجتمع والدولة والثقافة والإعلام، ثم تتحول مع الزمن إلى ما يشبه البنية الداخلية التي تحدّد طريقة رؤيته لذاته وللآخر وللعالم.

ومن هنا تظهر ثنائية شديدة الدلالة:

«أنا المقهورة» و«الأنا المتمردة».

حيث أنّ الأنا المقهورة هي تلك الذات التي تعلّمت الخضوع قبل أن تتعلم السؤال، وتكيفت مع السلطة قبل أن تكتشف حقها الطبيعي في الاختلاف، وأصبحت ترى في الجماعة ملاذاً من خوف الحرية، وفي الطاعة ضماناً للأمان والبقاء، وفي الاختلاف تهديداً للهوية.

أما الأنا المتمردة فهي الذات التي تبدأ باستعادة حقها في التفكير، ليس بهدف هدم المجتمع، وإنما بهدف تحرير الإنسان من الأفكار التي تحوّلت إلى قيود كريهة غير مرئية.

إن القهر لا يبدأ دائماً من السجن أو العنف المباشر، إنّما قد يبدأ من فكرة صغيرة تقول للإنسان:

لا تسأل ولا تنتقد.

وقد يستمر من خلال التربية التي تجعل الطاعة فضيلة مطلقة، أو الخطاب الذي يحوّل الاختلاف إلى خيانة، أو الثقافة التي تمجد الماضي إلى درجة تمنع الحاضر من إنتاج مستقبله.

وعليه، فإن قراءة الوعي الجمعي العربي تحتاج إلى العودة إلى الجذور الفلسفية التي أسهمت في تشكيل مفهوم الإنسان والأنا، ثم الانتقال إلى التحليل النفسي ومفهوم اللاوعي، وصولاً إلى دراسة علاقة الفرد العربي بالجماعة والسلطة والأيديولوجيا، وصولاً إلى السؤال الأكثر إلحاحاً:

كيف يمكن للإنسان العربي أن ينتقل من الأنا المقهورة إلى الأنا المتمردة، ومن الوعي المفروض إلى الوعي الحر؟.

بدأ السؤال عن الإنسان والوعي والذات في الفلسفة اليونانية بوصفه سؤالاً عن الحقيقة والفضيلة وطبيعة المعرفة. ومع سقراط أصبح السؤال عن الذات محوراً مركزياً، فدعوة «اعرف نفسك» لم تكن مجرد نصيحة أخلاقية، بل كانت انتقالاً من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي للإنسان.

أما أفلاطون فقد نظر إلى النفس باعتبارها بنية مركبة، وربط العدالة بانسجام مكوناتها.

وفي فلسفته نجد تصوراً مبكراً للصراع الداخلي بين الرغبة والعقل والإرادة، وهو صراع سيعود لاحقاً، بصورة مختلفة، في مدارس علم النفس والفلسفة الحديثة.

وجاء أرسطو ليمنح الإنسان بعداً أكثر واقعية، حين ربط الإنسان بالعقل والمجتمع والغاية.

فالإنسان عنده كائن اجتماعي وسياسي، ولا يستطيع أن يفهم ذاته بمعزل عن الجماعة.

ومع انتقال الفكر إلى الحضارة الإسلامية، لم يكن الفكر العربي الإسلامي مجرد ناقل للفلسفة اليونانية، بل شهد عملية واسعة من إعادة التأويل والتفاعل.

فالإنسان أصبح موضوعاً للتفكير من خلال العلاقة بين العقل والنقل، الفرد والجماعة، الحرية والمسؤولية، والإرادة والقدر.

وفي الفكر الإسلامي والفلسفة العربية، نجد لدى الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم محاولات متعددة لفهم الإنسان والعقل والمجتمع.

أمّا ابن خلدون فقد قدم قراءة اجتماعية عميقة للعمران البشري، وربط سلوك الجماعات بمفاهيم العصبية والسلطة والتحول الحضاري.

وهنا تظهر مسألة أساسية:

إن الوعي الإنساني لم يتشكل من فراغ، ولا في فراغ، وإنما كان دائماً نتاجاً للتفاعل بين الفرد والجماعة والتاريخ والسلطة والثقافة.

ولذلك فإن فهم الوعي العربي المعاصر يستوجب فهم البنية التاريخية التي ساهمت في تشكيله.

احتل مفهوم «الأنا» موقعاً مركزياً في الفلسفة وعلم النفس، فالإنسان لا يكتفي بأن يكون موجوداً، وإنما يسأل:

من أنا؟.

ماذا أريد؟.

وما حدود حريتي؟.

وفي التحليل النفسي، قدم فرويد تصوراً للأنا باعتبارها وسيطاً بين مطالب ال هو والأنا الأعلى، ومتطلبات الواقع.

ومن هذا المنظور، فإنّ الأنا ليست كياناً مستقلاً تماماً، بل هي منطقة صراع بين الرغبات والقيم والواقع.

أما " يونغ " فقد وسّع المجال حين تحدث عن اللاوعي الجمعي والنماذج الأصلية، مشيراً إلى أن الإنسان لا يحمل فقط خبراته الفردية، بل يتأثر أيضاً بمخزون رمزي عميق تشترك فيه الجماعات الإنسانية.

وفي الفلسفة الوجودية، أصبح الإنسان مسؤولاً عن تشكيل ذاته، فالذات ليست شيئاً جاهزاً بصورة نهائية، وإنما مشروع يتشكل من خلال الاختيار والفعل.

ومن هنا يمكن فهم « الأنا المقهورة » بوصفها أنا فقدت جزءاً من قدرتها على إنتاج ذاتها. إنها ذات تعيش وفق تعريفات الآخرين لها، الأسرة تحدد لها من تكون، الجماعة تحدد ما ينبغي أن تؤمن به، السلطة تحدد المقبول والمرفوض، والموروث يحدد في كثير من الأحيان ما يجوز التفكير فيه.

أما « الأنا المتمردة » فهي لحظة استعادة السؤال:

هل أنا ما يريد الآخرون أن أكون عليه، أم أن لي الحق في أن أصنع ذاتي؟.

وهذه ليست دعوة إلى الأحادية المتطرفة، وإنما إلى تأسيس علاقة صحيّة بين الفرد والجماعة، يكون فيها الانتماء اختياراً واعياً، لا إلغاءً للذات.

لا يعيش الإنسان داخل وعي فردي فقط. فهو يتأثر بالرموز والأساطير والذاكرة الجماعية والصور النمطية والمخاوف المتوارثة. وهنا تبرز أهمية مفهوم اللاوعي الجمعي في فهم المجتمعات.

فالخطاب السياسي لا يعمل دائماً من خلال الحجج العقلانية، بل يخاطب أحياناً المخاوف والرغبات والذكريات الجماعية.

وقد تستثمر الأيديولوجيا في الشعور بالخطر، أو في تمجيد الماضي، أو في خلق عدو دائم أو آني، أو في تقديم السلطة باعتبارها الحامي الوحيد للجماعة.

عندما يتكرر خطاب معين عبر المدرسة والإعلام والمنبر والخطاب السياسي، فإنه لا يبقى مجرد كلمات، بل يتحول تدريجياً إلى بنية ذهنية.

وهكذا يمكن أن تتحول الأيديولوجيا إلى نوع من « الوعي الجاهز » الذي يجيب عن الأسئلة قبل أن يطرحها الفرد. وهنا تكمن خطورتها، إذ يصبح الإنسان مقتنعاً بأنه يفكر بحرية، بينما هو في حقيقة الأمر يعيد إنتاج الأفكار التي تلقاها من البيئة المحيطة.

إن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تجبر الإنسان على الصمت، بل تلك التي تجعله يتحدث بلغة السلطة وهو يظن أنه يتحدث بلغته الخاصة.

يعاني الفرد العربي المعاصر من توتر واضح بين حاجته إلى الانتماء وحاجته إلى الاستقلال.

فالجماعة تمنحه الهوية والأمان والشعور بالحماية، لكنها قد تتحول، عندما تصبح مطلقة، إلى قوة تحد من استقلاله.

وتظهر هذه الأزمة في الأسرة والمدرسة والعمل والسياسة والثقافة، كثيراً ما يُنظر إلى أي سؤال باعتباره خروجاً عن المألوف، وإلى النقد باعتباره عداءً، وإلى الاستقلال الفكري باعتباره تمرداً ليس مشروعاً.

والنتيجة أن الفرد قد يعيش صراعاً داخلياً بين ما يريده فعلاً وما يتوقعه الآخرون منه.

وقد يكون أكثر أشكال القهر عمقاً أن يصبح الرقيب خارج الإنسان في البداية، ثم ينتقل إلى داخله، عندها لا يحتاج المجتمع إلى مراقبته باستمرار، لأنه أصبح يراقب نفسه بنفسه.

لكن الانتماء ليس المشكلة في ذاته، فالمجتمع الإنساني لا يستطيع أن يعيش من دون روابط وقيم مشتركة، المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء إلى إلغاء للذات، وعندما تصبح الجماعة فوق الإنسان، لا من أجل الإنسان.

تتعدد آليات الهيمنة، وبعضها لا يبدو في ظاهره قهرياً. ومن أبرزها:

أولاً: التربية القائمة على الطاعة.

عندما يتعلم الطفل أن احترام الكبير يعني عدم مناقشته، وأن الخطأ في السؤال أخطر من الخطأ في الجواب، فإن المدرسة والأسرة قد تنتجان إنساناً يخشى التفكير المستقل.

ثانياً: تقديس السلطة.

حين تتحول السلطة السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية إلى مرجعية غير قابلة للنقد، يصبح النقد نفسه فعلاً مشبوهاً.

ثالثاً: صناعة الخوف.

الخوف من المجتمع، ومن الفشل، ومن العزلة، ومن الاتهام بالخيانة أو الخروج عن الجماعة، يمكن أن يكون أكثر فعالية من القمع المباشر.

رابعاً: احتكار تفسير الحقيقة.

عندما تدعي مؤسسة أو جماعة أو سلطة امتلاك الحقيقة المطلقة، يصبح الاختلاف معها تهديداً وليس حقاً، وقد يكون جريمة عظمى.

خامساً: الهيمنة الثقافية.

قد تتجسد في تهميش المفكر المختلف، أو تشويه صورته، أو تجاهله، أو اتهامه بالانفصال عن المجتمع، وتهديد أمنه.

وهنا ينبغي التمييز بين القهر الخارجي والقهر الداخلي:

فالأول تفرضه السلطة.

أما الثاني فيستمر حتى بعد غياب السلطة، لأن الفرد يحمل آليات الرقابة داخل ذاته.

التمرد الفكري ليس هو رفضاً لكل شيء، وليس رغبة في الهدم من أجل الهدم، بل إنه القدرة على طرح السؤال الذي يخشى الآخرون طرحه.

إن كل تحوّل فكري كبير بدأ في لحظة تمرد على مسلمة كانت تبدو غير قابلة للنقاش، ولذلك فإن التمرد يمثل شرطاً من شروط تطور المعرفة.

لكن التمرد الحقيقي يختلف عن الفوضى، إنّ المتمرد فكرياً:

لا يرفض الحقيقة، بل يرفض احتكارها.

ولا يرفض التراث، بل يرفض تحويل التراث إلى سجن زمني.

ولا يرفض الانتماء، بل يريد انتماءً قائماً على الوعي وليس على الإكراه.

ومن هنا فإن وظيفة المثقف ليست أن يكرر ما يريده المجتمع، وإنما أن يساعد المجتمع على رؤية ما لا يريد أن يراه.

إن الأنا المتمردة تبدأ عندما يصبح الإنسان قادراً على القول:

ربما أكون مخطئاً، لكنني أريد أن أمتلك حق التفكير في خطئي.

وهذه الجملة البسيطة تحمل في أبجديتها ثورة معرفية وأخلاقية عميقة.

لا يمكن فصل أزمة الوعي عن أزمة التنمية. فالتنمية ليست طرقاً ومصانع ومشاريع اقتصادية فقط، إنها أيضاً بناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والمشاركة.

وقد عانت التجارب العربية من فجوة بين النموذج المعلن والواقع، فالكثير من الخطابات تحدثت عن التحديث، بينما بقيت بنى اجتماعية وسياسية وثقافية تعيد إنتاج أنماط قديمة من السلطة والتبعية المهترئة.

إن التنمية الحقيقية تبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات الثقافة، لأنها تصنع الإنسان قبل أن تصنع الاقتصاد.

والسؤال هنا ليس: كم ننتج؟.

بل أيضاً: أي إنسان نريد أن ننتج؟.

إن المجتمع الذي يريد اقتصاداً حديثاً بعقلية تخاف السؤال، قولاً واحداً، لن يستطيع تحقيق نهضة مستدامة.

والمجتمع الذي يريد التكنولوجيا لكنه يخشى حرية التفكير سيظل مستهلكاً للمعرفة لا منتجاً لها.

لذلك فإن النموذج التنموي العربي يحتاج إلى الانتقال من التركيز على تنمية الأشياء إلى تنمية الإنسان في المقام الأول، ومن بناء المؤسسات فقط إلى بناء العقل القادر على مساءلة المؤسسات.

إن الانتقال من « الأنا المقهورة » إلى « الأنا المتمردة » لا يحدث بقرار سياسي أو شعار ثقافي، بل من خلال عملية طويلة لإعادة بناء الإنسان.

وتبدأ هذه العملية من تحرير السؤال، أي أن يصبح السؤال حقاً مشروعاً، وأن يصبح الاختلاف جزءاً طبيعياً من الحياة الثقافية.

ثم تأتي إعادة بناء التربية على أساس الحوار لا التلقين، وعلى النقد لا الحفظ وحده، وعلى تنمية الشخصية المستقلة، لا صناعة النسخ المتشابهة.

ويأتي بعد ذلك تحرير الثقافة من احتكار النخب المغلقة، وإتاحة المجال للمفكرين والكتاب والمبدعين المختلفين، لأن الثقافة التي لا تسمح بالاختلاف تتحول في النهاية إلى ثقافة ميتة.

كما أن الإصلاح السياسي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الإصلاح النفسي، فالإنسان الذي تعود على الخضوع قد يعيد إنتاج الاستبداد حتى في المؤسسات التي يفترض أنها ديمقراطية.

ولهذا فإن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل، من قدرة الإنسان على التخلص من الخوف، وعلى الاعتراف بحقه في التفكير، وعلى احترام حق الآخرين في التفكير أيضاً.

إن الأنا المتمردة ليست أنا عدوانية، وإنما أنا واعية. وهي لا تقول " أنا ضد الجميع "، بل تقول: « أنا أريد أن أكون ذاتاً مستقلة داخل الجماعة، لا تابعاً ملغى داخلها ».

إن ثنائية « أنا المقهورة والأنا المتمردة » تكشف واحدة من أكثر القضايا عمقاً في أزمة الوعي العربي.

فالقهر ليس دائماً قراراً يصدر عن سلطة، بل يمكن أن يتحول إلى ثقافة وتربية وذاكرة وخوف، ثم يستقر داخل الإنسان حتى يصبح جزءاً من طريقته في التفكير وسلوكه.

لقد تشكل الوعي الإنساني عبر تاريخ طويل من الأسئلة الفلسفية حول الذات والعقل والحقيقة، وانتقلت هذه الأسئلة إلى الحضارة الإسلامية وتفاعلت مع منظومتها الفكرية والاجتماعية، ثم جاءت الفلسفة الحديثة والتحليل النفسي لتكشف أن الإنسان ليس كائناً شفافاً أمام ذاته، وأن وراء الوعي الظاهر رغبات وصراعات ومخاوف وذاكرة فردية وجماعية.

وفي السياق العربي، تزداد المسألة تعقيداً بفعل التداخل بين السلطة والموروث والأيديولوجيا والجماعة، وبفعل استمرار أنماط من التربية والثقافة تجعل الطاعة أكثر أماناً من السؤال، والانتماء أكثر قبولاً من الاستقلال، والتقليد أقل خطراً من الإبداع.

لكن " الأنا المقهورة " ليست قدراً أبدياً.

ففي داخل كل أنا مقهورة إمكانية للتمرد، وفي داخل كل خوف سؤال مؤجل، وفي داخل كل منظومة مغلقة نافذة يمكن أن يدخل منها النور.

والتمرد الذي نحتاجه ليس تمرداً على المجتمع، ولا على التاريخ، ولا على الهوية، بل هو تمرد على القهر الذي يمنع الإنسان من أن يكون إنساناً.

إنه تمرد على الخوف، وعلى احتكار الحقيقة، وعلى إلغاء الآخر، وعلى تحويل الماضي إلى سلطة دائمة على الحاضر.

إن بناء إنسان عربي واعٍ لا يبدأ فقط بتغيير الأنظمة أو القوانين، بل يبدأ بتغيير العلاقة التي يقيمها الإنسان مع ذاته، أن ينتقل من سؤال « ماذا يريدون مني؟ » إلى سؤال « ماذا أريد أنا؟ »، ومن « هل يسمحون لي أن أفكر؟ » إلى « كيف أتعلم أن أفكر؟».

وعند هذه النقطة تحديداً تولد الأنا المتمردة.

إنها لا تهدم لكي تنتصر، بل تتمرد لكي تحرر العقل، ولا ترفض الانتماء، بل تعيد تعريفه، ولا تبحث عن قطيعة مع الماضي، بل عن علاقة نقدية معه، ولا تريد إنساناً بلا جذور، وإنما تريد إنساناً يستطيع أن يعرف جذوره دون أن يتحول إلى أسير لها.

ولعل الخلاص الحقيقي للوعي العربي يبدأ حين ندرك أن أكبر معارك التحرر ليست دائماً معركة الإنسان ضد سلطة خارجية، وإنما معركته ضد السلطة التي استقرت في داخله.

عندها فقط تنتقل الذات من موقع المقهور إلى موقع الفاعل، ومن الخوف إلى السؤال، ومن التلقين إلى التفكير، ومن التبعية إلى المسؤولية، ومن « الأنا المقهورة » إلى « الأنا المتمردة ».

وهنا يبدأ الإنسان العربي في استعادة حقه الأهم:

حقه في أن يصنع وعيه بنفسه.

***

د. أنور ساطع أصفري

في الفلسفة الحديثة، يمثل نيتشه نموذجًا بارزًا للفيلسوف الذي لا يمكن فصل أفكاره عن أسلوبه. فقد كان كاتبًا وشاعرًا ذا حس موسيقي، وصاغ كتابه «هكذا تكلم زرادشت» في بنية تجمع بين النبوءة والحكمة والخطبة والرمز والمشهد الشعري..

 ولم يعرض مفاهيمه، مثل إرادة القوة والإنسان الأعلى والعود الأبدي، في صورة تعريفات مدرسية، بل جعلها أصواتًا وتجارب وصورًا ومفارقات..

لقد أدرك نيتشه أن الأسلوب ليس ثوبًا خارجيًا للفكرة، وأن طريقة القول جزء من مضمونها، فالفكرة التي تقال بنبرة تقريرية تختلف في أثرها عن الفكرة نفسها حين تصاغ في استعارة أو صرخة أو مفارقة، لذلك لم تكن ثورته في الفلسفة ثورةً على الأفكار وحدها، بل كانت ثورةً في اللغة التي تحمل الأفكار.

كما ينتمي شوبنهاور وكيركغارد إلى هذا النمط من الفلاسفة الذين جعلوا الكتابة جزءًا من التجربة الفلسفية. لقد كتب شوبنهاور نثرًا واضحًا وقويًا، وتأمل في الإرادة والألم والفن والموسيقى، ورأى في التجربة الجمالية تحررًا مؤقتًا من أسر الرغبة والمنفعة..

 بينما كيركغارد، فقد استخدم أسماء مستعارة وأصواتًا متعددة ليجعل الحقيقة علاقةً وجودية يعيشها الفرد، لا معلومةً خارجية يتلقاها ببرود.. كان كيركغارد يعرف أن الإنسان لا يتغير بمجرد أن يسمع فكرة صحيحة، بل حين يشعر بأن الفكرة تمسه في وجوده وتضعه أمام مسؤوليته واختياره وقلقه.. لذلك اقتربت كتابته من الفن الروائي والمسرحي، حيث لا تُفرض الرؤية على القارئ، بل يُدفع إلى اختبارها في داخله.

في القرن العشرين، اتخذت العلاقة بين الفلسفة والأدب شكلًا أكثر وضوحًا، ولم تتوقف العلاقة بين الفلسفة والأدب عند الحداثة الأولى، بل تجددت في الفلسفة المعاصرة بأشكال متعددة، فلاسفة كتبوا الرواية والمسرحية والشعر، وفلاسفة جعلوا من التحليل الأدبي جزءًا من مشروعاتهم النظرية، وأدباء أنتجوا أعمالًا تُقرأ بوصفها فلسفةً من غير أن ترفع شعار الفلسفة.

ففي فرنسا، مثّل جان بول سارتر وألبير كامو وسيمون دي بوفوار، نموذجًا كلاسيكيًا للفيلسوف الروائي.

لم يكتب سارتر الرواية هامشًا على الفلسفة، بل جعلها مختبرًا للحرية والاختيار والمسؤولية والنظرة والآخر.. ففي «الغثيان» يعيش القارئ تجربة الاغتراب وفقدان المعنى لا بوصفها مفهومًا، بل بوصفها إحساسًا جسديًا ونفسيًا..

أما في مسرحياته، تتحول الأفكار إلى مواقف درامية، وتصبح الحرية عبئًا أخلاقيًا لا مجرد مبدأ نظري.

في حين ألبير كامو، فقد صاغ العبث والتمرد في «الغريب» و«الطاعون» و«السقوط» من خلال شخصيات ومصائر، لا عبر محاضرات؛ إذ كان يرى أن الروائيين الكبار هم «الروائيون الفلاسفة» الذين يفكرون بالصور والمصائر لا بالمفاهيم المجردة وحدها.

ومع سيمون دي بوفوار امتد النموذج نفسه، فدرست وضع المرأة في «الجنس الآخر» بأدوات فلسفية واجتماعية وتاريخية، وكتبت الرواية والمذكرات لتختبر الحرية والأنوثة والشيخوخة والموت من الداخل.

كما مارس ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز وبول ريكور وألان باديو قراءةً فلسفية للأدب لم تكتفِ بالتطبيق الخارجي، بل جعلت من النص الأدبي شريكًا في إنتاج المفاهيم: ففوكو درس «ريمون روسيل» و«باتيكيو» و«سَاد» لفهم علاقة الخطاب بالسلطة والجنس؛ ودريدا فكك نصوص مَلارميه وكافكا وجويس وهولدرلين ليختبر التفكيك؛ ودولوز كتب عن بروست وكافكا وحوّل الرواية إلى آلة حربية ضد التمثيل؛ وريكور جعل السرد والهوية والذاكرة محاور فلسفية كبرى؛ وباديو قرأ بيكيت ومالرو وكافكا من موقع أنطولوجيا الحدث والحقيقة.

أما في بريطانيا، تُعد آيريس مردوخ حالة فريدة؛ فهي فيلسوفة أخلاقية بارزة (درست عند هايدجر وفيتغنشتاين) وروائية غزيرة الإنتاج (ست وعشرون رواية)، لم تفصل مردوخ بين فلسفتها ورواياتها؛ ففي أعمال مثل «البحر، البحر» و«الرأس المقطوع» و«الجرس» تستكشف الخير والوهم والحب والسلطة والذات من خلال شخصيات معقدة، وتجعل من السرد الفلسفي وسيلة لكشف تشوهات الذات وسبل التحرر منها.

وفي إيطاليا، جمع أومبرتو إيكو بين السيميائيات والفلسفة الوسطى والرواية.. فـإسم « الوردة» ليست رواية بوليسية تاريخية فحسب، بل تحقيق في الدلالة والتأويل والسلطة والمعرفة، وتُقرأ بوصفها تمارين في النظرية السيميائية والنقد الهرمنيوطيقي..

ويقدّم أنطونيو غرامشي نموذجًا مختلفًا للفيلسوف الأديب؛ فهو لم يكن منظّرًا سياسيًا وفيلسوفًا ماركسيًا فحسب، بل كان صحفيًا وكاتبًا وناقدًا أدبيًا ومسرحيًا، درس الفلسفة والتاريخ والأدب، واشتغل بالكتابة الصحفية بوصفها أداةً للتثقيف وبناء الوعي.. 

وفي «دفاتر السجن»، التي كتبها خلال اعتقاله في ظل النظام الفاشي، لم يعالج غرامشي قضايا السياسة والاقتصاد وحدها، بل تناول اللغة والأدب والمسرح والتعليم ودور المثقف والثقافة الشعبية. وقد جعل من الأدب ميدانًا للصراع على تشكيل الوعي، ورأى أن الرواية والصحافة والمسرح ليست أشكالًا جمالية منعزلة، بل مؤسسات ثقافية تسهم في إنتاج التصورات الاجتماعية وتكريس الهيمنة أو مقاومتها.

ومن أبرز مفاهيمه في هذا السياق مفهوم «المثقف العضوي»؛ فالمثقف، في نظره، ليس شخصًا يعيش بعيدًا عن المجتمع، وإنما هو فاعلٌ يعبّر عن حاجات جماعته، ويسهم في تنظيم وعيها، وصياغة رؤيتها إلى العالم. ومن هنا كان غرامشي يمارس الفلسفة في صورة تحليل ثقافي وأدبي؛ إذ لم يبحث عن الحقيقة في الكتب الفلسفية وحدها، بل سأل كيف تتشكل الحقيقة داخل اللغة، والمدرسة، والصحافة، والأدب، والعادات، والوعي الشعبي.

وعلى هذا الأساس، يمثل غرامشي شاهدًا معاصرًا على أن الفلسفة والأدب صنوان؛ فالفلسفة عنده ليست تأملًا مجردًا منفصلًا عن التاريخ، والأدب ليس زخرفة لغوية خارج صراع الأفكار. كلاهما مجال لفهم الإنسان وتكوين وعيه، ومقاومة الهيمنة الثقافية، وفتح إمكانات جديدة للحياة الاجتماعية.

 إن غرامشي أعاد وصل الفكر بالأدب والثقافة والمجتمع، مؤكدًا أن معركة الإنسان على المعنى تجري، في جانب كبير منها، داخل الكلمات والصور والحكايات.

بينما في إسبانيا، مثّل ميغيل دي أونامونو وخوسيه أورتيجا إي غاسيت، تيارًا فلسفيًا أدبيًا عميقًا، حيث كتب أونامو روايات مثل «نِيبا» و«قديسةُ الآلام» و«ضباب»، وجعل الشخصية الروائية تتمرّد على مؤلفها، في استعارة جريئة لحرية الإنسان أمام الله والقدر..

 أما أورتيجا فقد طور «فلسفة الظروف» و«العقل الحيوي» في مقالات ذات أسلوب أدبي رفيع، جعلت من المقالة الفلسفية جنسًا أدبيًا بحد ذاته.

أما في عالم الفلسفة الألماني، ترك موريس بلانشو بصمةً خاصة في تحويل الكتابة الفلسفية إلى تجربة أدبية حدية. ففي «توماس الغامض» و«موت الصوت» و«الفضاء الأدبي»، يذوب الحد بين الفلسفة والسرد، ويصبح النص نفسه موقعًا لاختفاء المعنى وظهوره، لا لنقله..

كما يمثل هانس جورج غادامير نموذجًا فلسفيًا آخر، إذ جعل التأويل والحوار واللغة جوهرًا لفهم النصوص والتجارب الإنسانية، مؤكدًا أن الأدب لا يُفهم باعتباره مادةً جامدة، بل بوصفه حدثًا يتجدد مع كل قارئ وكل سياق..

ومن النماذج المعاصرة كذلك بيتر سلوتردايك، الذي جمع بين الفلسفة والثقافة والنقد الحضاري والكتابة ذات النفس الأدبي. ففي أعماله يشتغل على موضوعات السخرية، والحداثة، والتمرين، والدين، والفضاء الحضاري، مستخدمًا أسلوبًا غنيًا بالصور والمفارقات والاستعارات..

دون أن ننسى غونتر غراس، الروائي والشاعر والكاتب المسرحي الألماني، نموذجًا للأديب الذي حمل وعيًا فلسفيًا وتاريخيًا حادًا، ففي رواياته، ولا سيما «طبلة الصفيح»، تعامل مع الذاكرة والذنب والتاريخ والنازية ومسؤولية الفرد والجماعة.. ولم يكن سرده مجرد استعادة للماضي، بل مساءلةً للطريقة التي تصنع بها الأمم ذاكرتها، وتخفي جرائمها، وتعيد كتابة تاريخها، حيث هنا تتحول الرواية إلى محكمة للوعي الجمعي، ويغدو الخيال الأدبي وسيلةً لاستنطاق التاريخ لا للهروب منه..

أما فالتر بنيامين، فهو من أوضح الشواهد على التداخل الألماني بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، كونها فيلسوفًا وناقدًا أدبيًا ومترجمًا وكاتب مقالات ومهتمًا بالفن واللغة ووسائط الاتصال، كتب عن غوته وكافكا وبودلير، كما جمع في أسلوبه بين التأمل الفلسفي والصورة الأدبية وشذرة الذاكرة والمشهد الحضري، وفي أعماله عن العمل الفني في عصر الاستنساخ التقني، وعن الحكاية، وعن باريس، لم يكن الأدب موضوعًا خارجيًا للدراسة، بل كان وسيلة لفهم التحولات العميقة في الإنسان والمدينة والذاكرة والتاريخ..

 وتكشف هذه النماذج أن الثقافة الألمانية لم تفصل الفلسفة عن الأدب فصلًا نهائيًا، فمنذ نيتشه الذي جعل الفلسفة نثرًا شعريًا، وهايدغر من جعل الشعر طريقًا إلى انكشاف الوجود، وبنيامين  النقد الأدبي شكلًا من أشكال التفكير في التاريخ، وأدورنو جعل الفن مجالًا لمقاومة الهيمنة، وبلوخ جعل الأدب حاملًا لأحلام المستقبل، وغراس جعل الرواية ذاكرةً نقدية للضمير الألماني. بذلك يتأكد أن الفلسفة والأدب ليسا مجالين متجاورين فحسب، بل طريقتان متداخلتان في مساءلة الإنسان والعالم؛ فحين تضيق اللغة المفاهيمية عن احتضان التجربة، تتقدم الصورة والحكاية، وحين يهدد الأدب بأن يتحول إلى زخرفة، تعيده الفلسفة إلى عمق السؤال ومسؤولية المعنى.

(يتبع)

***

أ‌. مراد غريبي

تُعد فلسفة التربية والتعليم بمثابة الدليل الأخلاقي والمعرفي الذي يحدد مسار العملية التعليمية؛ فهي لا تكتفي بالتدقيق في "كيف نعلم"، بل تتعمق بشكل أوسع في اسئلة جوهرية تتعلق بـ "لماذا نعلم". أن مشكلة التعليم الحالي لا تتجلى في وأساليبه ومناهجه، بل تكمن في حصره لانتاج المعرفة في حفظ المعلومات وتدويرها، واهماله تحفيز التفكير النقدي الذي يؤدي الى الحكمة. وهنا ينكشف لنا أن التعليم يراوح عند ادنى مستويات "بلوم" المعرفية وهو التذكر، وفي بعض الاحيان مستوى الفهم. لذا تبرز الحاجة الى اعادة بناء فلسفة التربية والتعليم على أسس معاصرة تتعدى اسلوب التعليم البنكي القائم على الحفظ، وصولا الى بناء معرفة جديدة.

والفلسفة التربوية هي المجال الذي تتداخل فيه الأفكار النظرية بالواقع العملي، لتطرح اسئلة تخص الهدف الأسمى من وجود المؤسسة التربوية: هل هي مجرد وسيلة لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي وتعزيز رأس المال الثقافي السائد، أم أنها مساحة للتحرر وتشكيل الوعي النقدي؟

تعد الفلسفة التربوية العنصر الأساسي الذي يعتمد عليه أي نظام تربوي في العالم؛ فهي ليست مجرد أفكار نظرية، بل تشكل الإطار الذهني الذي يحدد خصائص العملية التعليمية وأهدافها واساليبها. ومن خلالها تتبلور الإجابات حول هذه الأسئلة الرئيسية التي توجه التعليم، مثل: ما الذي يجب أن نعلمه؟ وكيف ينبغي أن نعلم؟ ولماذا نعلم؟. هذه الاسئلة الجوهرية لا يمكن الإجابة عليها دون وجود رؤية فلسفية واضحة تحدد طبيعة المعرفة والدور الذي يلعبه كل من المعلم والتلميذ في تشكيلها.

تتباين النظم التعليمية بناءً على رؤيتها ورسالتها واهدافها الفلسفية للمعرفة؛ فبعضها يعتبر أن المعرفة حقائق مطلقة ويجب على المعلم أن ينقلها للتلميذ، وهذا يتجلى بوضوح في أساليب التدريس القائمة على اسلوب التلقين. اما في الفلسفة التربوية الحديثة، تبرز رؤية متجددة للمعرفة كعملية ديناميكية مستمرة، يساهم الطالب بشكل فعال في بنائها من خلال التفاعل، والتجربة، والتفكير، ومن هنا يتحول التعلم من مجرد استهلاك المعلومات إلى عملية نشطة لإنتاج معرفة جديدة.

وتحدد فلسفة التعليم مكانة المتعلم في المنظومة التعليمية؛ فإما أن يُعتبر كأناء يملأ بالمعلومات، أو كعقل نشط يحفز على التفكير والتحليل والإبداع والانتاج. وفي النظم التربوية التقليدية، يُختزل دور المتعلم في مجرد متلق للمعلومات، مما يقيد من قدراته الذهنية العليا. بينما في الفلسفة التربوية الحديثة، يُعتبر المتعلم مركز العملية التعليمية، حيث يشجيع على طرح الأسئلة، وادارة الحوار، واستكشاف المعرفة وبنائها ذاتيا من خلال تجربته الشخصية.

وبناء على ذلك، يتحول دور المعلم من المصدر الوحيد للمعلومة إلى الموجه والميسر لعملية التعلم، وبدلاً من أن يركز على الإلقاء، أصبح يتمحور حول تصميم بيئة تعليمية تفاعلية تحفيز على التفكير النقدي، ويدعم الطلبة ليكتسبوا المعرفة بانفسهم. ويعكس هذا التحول انتقالاً جوهرياً في مفهوم التعليم وفلسفتة واهدافه.

تتباين أهداف التعليم وفقاً للفلسفة التي تعتمدها الدولة او المؤسسة؛ فبينما تركز بعض الأنظمة التربوية على النجاح في الامتحانات، تسعى مؤسسات أخرى إلى بناء شخصية قادرة على التفكير النقدي، والتحليل، وصنع القرار. إن الاقتصار على قياس النتائج المعرفية السطحية يعوّق إنتاج عقول فاعلة، فيخرج افراد يمتلكون معلومات وفيرة دون قدرة على توظيفها في المواقف الحياتية، بينما يسعى التعليم الحقيقي إلى تنمية وتطوير مهارات التفكير العليا وبناء شخصية انسان متكاملة.

ومع تقدم الوسائل التقنية، ومنها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أصبح من غير الممكن استخدام أساليب تعليمية تقليدية تعتمد على نقل المعلومات؛ لأنها اصبحت في متناول الجميع وبطريقة غير مسبوقة، مما يستوجب الانتقال إلى فلسفة تعليمية تركّز على كيفية استخدام هذه المعلومات المنتجة اليا، وتحليلها، والاستنتاج منها لبناء معرفة جديدة.

إن التغيير الجوهري في مجال التعليم والتعلم لا يتعلق بإدخال التكنولوجيا فحسب، بل يرتبط بتبني رؤية جديدة تركز على خلق معرفة جديدة بدلاً من مجرد اعادة استخدامها. ويتطلب ذلك إعادة تقييم المناهج الدراسية، وفلسفتها، واهدافها، وأساليب تدريسها، وطرق تقويمها؛ بحيث يتم تعزيز دور الطالب كمنتج للمعرفة لا مستهلك لها، ليصبح التعليم عملية مستمرة تهدف إلى تنمية العقل وتعزيز قدرته على التعلم الذاتي مدى الحياة.

إن مفهوم الفلسفة يجسد الاطار المرجعي الذي يقود النظام التعليمي ويحدد خصائصه ومخرجاته، فإذا كان مبني على التلقين، فإنه ينتج عقولاً تعتمد على الحفظ والتدوير، وأما إذا كان مبني على التفكير والحوار والابتكار، فإنه يساعد على بناء إنسان قادر على مواجهة تحديات العصر الحديث. لذا، فإن أي جهد لإصلاح التعليم يجب أن يبدأ أولاً بإعادة صياغة فلسفته؛ أي التحول من "اقتصاد المعرفة" الى "اقتصاد انتاج المعرفة" لتتناسب مع متطلبات القرن الحالي.

وتعمل الفلسفة التربوية المعاصرة على نقل المتعلم من مركزية الاستهلاك السلبي في "عملية تبادل المعلومات" إلى مركزية المشاركة والحوار الفعال في "خلق المعرفة". لذا، لم يعد التعليم مجرد شحن عقول بالمعلومات، بل أصبح عملية حوارية نقدية تهدف إلى تحليل المسلمات وإعادة تشكيل مفاهيم جديدة ذات معنى اجتماعي وثقافي؛ حيث يتغير دور المعلم من سلطة ناقلة إلى شريك معرفي في التفكير، مستخدماً الأسلوب السقراطي لتعزيز الوعي واكتشاف الحقائق.

إن صياغة فلسفة التربية والتعليم يستدعي النظر اليها باعتبارها مسيرة دائمة لتشكيل الهوية البشرية التي تحافظ على القيم والمبادئ الأساسية للفرد والمجتمع، وتفتح المجال للأدوات الحديثة، بهدف تحويل الفصل الدراسي من مكان للتلقين إلى بيئة خصبة لإنتاج الأفكار.

***

علاء جواد كاظم

 

لم يكن يومًا الفيلسوف عقلًا باردًا، ساكنًا في برجٍ من المفاهيم، ولا الأديب وجدانًا معزولًا، لا يعنيه من العالم إلا ما يثير الانفعال والخيال. كلاهما، في جوهر تجربته، إنسانٌ منشغل بالسؤال؛ سؤال الوجود، الحقيقة، الحرية، المصير، الجمال والمعنى. وإن اختلفا في الأدوات، فإنهما يجتمعان في الغاية: مقاومة العيش العبثي، وتحرير الوعي من أسر المألوف، وإعادة الإنسان إلى صلته العميقة بذاته والعالم.

ولعلّ في الوعي العام، من أكثر الأوهام رسوخًا، أن الفيلسوف لا يكون إلا صاحب نسقٍ منطقي وتجريدٍ مفاهيمي، وأن الأديب لا يتجاوز حدود النسق و السياق و الصورة و السرد والإيقاع والحكاية و الحبكة. بينما تاريخ الفكر يكشف أن  بين الفلسفة والأدب شعرة، و الحدود بينهما لم تكن، في تجاربها الكبرى، حواجز صلبة كما يتوهم البعض.

لا مناص أنه كان الفيلسوف أديبًا في أسلوبه أو خياله أو بنائه الحواري، وكان الأديب فيلسوفًا من حيث عمق نظرته إلى الإنسان والحياة، حتى إن لم يرفع شعار الفلسفة ولم يكتب بلغة المدارس والمصطلحات.

لقد ولدت الفلسفة، في جانب كبير من تاريخها، من رحم الحكمة والشعر والملاحم والخطابة والأسطورة. فالإنسان القديم لم يكن ينظر إلى المعرفة بوصفها جزرًا منفصلة، بل كان يتعامل مع العالم باعتباره وحدةً حية تتداخل فيها الحقيقة بالرمز، والعقل بالخيال، والتأمل بالحكاية. لذلك لم يكن انتقال الفكر من الأسطورة إلى الفلسفة قطيعةً تامة مع الأدب، بل كان تحولًا في طرائق التعبير عن الأسئلة الكبرى.

ولعل أفلاطون، مثلًا، لم يكن مجرد فيلسوف وضع نظرية في المعرفة أو السياسة، بل هو أحد كبار الكتّاب الذين عرفتهم الفلسفة. فقد صاغ أفكاره في حوارات نابضة بالحياة، وجعلها تتحرك على ألسنة شخصيات تتجادل وتراوغ وتكتشف. أما سقراط في حوارات أفلاطون، فلا يظهر مجردَ حجةٍ منطقية، بل شخصيةً دراميةً نابضةً بالحياة، تجوب أثينا وتستدرج محاوريها إلى مناطق القلق والدهشة.

وفي «المأدبة» لا تُعرض فكرة الحب في صورة تعريفٍ مجرد، بل تتشكل عبر أصوات متعددة وحكايات متباينة، قبل أن ترتقي من الجمال الحسي إلى الجمال الروحي.

ولم يكن لجوء أفلاطون إلى الأسطورة عجزًا عن البرهان، بل إدراكًا لحدود البرهان حين يتعلق الأمر بما يتجاوز التجربة المباشرة. فأسطورة الكهف، وعربة النفس، وإيروس، وأطلنطس، ليست إضافات زخرفية إلى فلسفته، بل أدوات معرفية تمنح الفكرة جسدًا رمزيًا وقدرةً على النفاذ إلى المخيلة..

هنا تتكشف حقيقة أساسية: قد تعجز العبارة المفاهيمية عن بلوغ بعض المعاني، بينما تستطيع الصورة الأدبية أن تفتح إليها طريقًا أعمق.

أما أرسطو، الذي استقر في الذاكرة بوصفه رائد المنطق والعلم و فلسفته جافة، لكنه كان أيضًا صاحب أهم دراسة قديمة في الشعر والمأساة، حيث لم يتعامل في «فن الشعر» مع الأدب بوصفه ترفًا أو محاكاة سطحية للواقع، بل بحث في الحبكة والفعل والشخصية والتطهير، وكشف عن قدرة المأساة على تمثيل الفعل الإنساني وإثارة الخوف والشفقة واستنطاق المصير.. لقد أدرك أن الأدب لا يروي الأحداث فقط، بل يكشف منطقها الإنساني، ويضع الإنسان أمام تناقضاته وحدود اختياراته.

و عبر هذا المنظور يمكن فهم هيراقليطس بوصفه فيلسوفًا شاعرًا بقدر ما هو مفكر في طبيعة التغير. فشذراته القصيرة، المشحونة بالغموض والإيحاء، لا تشبه تقريرًا علميًا باردًا، بل تقترب من الومضة الشعرية التي تختصر رؤية كاملة في صورة واحدة،  عندما يقرر أن الإنسان لا ينزل النهر نفسه مرتين، فإنه لا يقدم معلومة عن الماء فحسب، بل يضعنا أمام فلسفة في الزمن والصيرورة واستحالة الثبات.

وكذلك لم يكن بيثاغورس مجرد رياضي يبحث عن النسب العددية، بل صاحب رؤية روحية وجمالية للكون، ربطت بين العدد والموسيقى والنظام وتطهير النفس..

أما الرواقيون، من جهتهم، كتبوا فلسفتهم في صورة تأملات ورسائل وحِكَم، كما يتضح في كتابات سينيكا وماركوس أوريليوس.. إذ «التأملات» ليست بحثًا نظريًا مغلقًا، بل دفترٌ روحي يحاور فيه الإمبراطور نفسه، ويراجع ضعفه، ويستعيد صلته بالفضيلة والزمن والموت. أما سينيكا فقد جمع بين الفلسفة الأخلاقية والمأساة المسرحية، محولًا مبادئ الرواقية إلى صراعات حية بين الرغبة والقدر والسلطة والانتقام..

لكن في الحضارة الإسلامية، لم تكن الفلسفة منفصلة عن الأدب والبلاغة والشعر والتصوف والموسيقى، فقد كان العالم الواحد يشتغل في حقول متعددة، لأن المعرفة لم تكن قد انقسمت بعد إلى تخصصات مغلقة.. فالكندي، الذي يُعد أول فيلسوف عربي، كان عالمًا في الموسيقى والرياضيات والطب، وكتب في اللغة والمنطق والعلم، بما يعكس تصورًا للمعرفة يقوم على الترابط لا التجزئة.

أما الفارابي، الملقب بالمعلم الثاني، فلم يكن فيلسوفًا سياسيًا أو منطقيًا فحسب، بل اهتم بالموسيقى والشعر والخطابة والجدل،  و كتابه في الموسيقى شكل جانبًا مهمًا من رؤيته إلى الانسجام والنظام وتأثير النغم في النفس، ثم إن حديثه عن اختلاف القول الشعري عن القول البرهاني يكشف وعيًا مبكرًا بتعدد طرائق المعرفة، من غير أن يعني ذلك إلغاء قيمة أحدها لحساب الآخر. فالشعر، وإن لم يكن برهانًا، يملك قدرةً على تشكيل المخيلة وتوجيه الانفعال وبناء المواقف.

أما ابن سينا، الذي يختزله كثيرون في صورة الطبيب والفيلسوف، فقد لجأ إلى الرمز والحكاية في كتاباته الفلسفية و كان صاحب خيال رمزي وأدبي خصب، ولا سيما «رسالة الطير» و«قصة سلامان وأبسال»، كما ارتبط اسمه بقصة «حي بن يقظان» التي اتخذها ابن طفيل لاحقًا صياغةً أدبية أكثر اكتمالًا وشهرة.  و في «قصة سلامان وأبسال» تتحول قضايا النفس والمعرفة والاغتراب والخلاص إلى رحلات رمزية.. حيث النفس لا تظهر في صورة تعريف تجريدي، بل في هيئة مسافر يبحث عن موطنه، أو طائر يكتشف قيده، أو إنسان يصارع حدود الجهل والانفصال.. لقد أبدع ابن سينا ليجعل الفلسفة حركةً للوعي وتجربةً روحية، لا مجرد مجموعة من القضايا المنطقية.

وإذا كان التوحيدي أديبًا في التصنيف، فإنه مفكر وفيلسوف في طبيعة الأسئلة التي عالجها. ففي «الإمتاع والمؤانسة» و«الصداقة والصديق» يتأمل الإنسان والعلاقات والمعرفة واللغة والمجتمع، لا عبر نسقٍ مغلق، بل من خلال الحوار والخبر والمجلس والمفارقة. إنه يفكر من داخل الأدب، ويعرض الإنسان لا بوصفه مفهومًا مستقرًا، بل كائنًا يتكلم ويخطئ ويخاف ويطلب الاعتراف ويعيش التناقض بين ما يقول وما يفعل.. ومن هنا جاءت فلسفته قريبة من الحياة، لأنها لم تفصل الإنسان عن سياقه الاجتماعي والنفسي.

بينما الجاحظ، فعلى الرغم من عدم إدراجه عادةً ضمن الفلاسفة، فقد امتلك عقلًا فلسفيًا واضحًا. لقد تأمل في اللغة والعقل والطبيعة والمجتمع والعادات والحيوان والاختلاف والبيان. وكتاب «الحيوان» ليس مجرد جمعٍ لأخبار الحيوان، بل مجال للملاحظة والتجربة ونقد الأقوال، ونافذة على فهم الطبيعة والإنسان. وكانت اللغة عند الجاحظ أكثر من أداة للتعبير؛ إنها قوة في بناء الوعي وتشكيل الفكر. ولذلك يمكن اعتباره فيلسوفًا للبيان، يكتشف الأفكار من خلال احتكاكها بالواقع وحركتها داخل اللغة.

وفي الشعر العربي، يبرز المتنبي مثالًا على الشاعر الذي لا يعلن فلسفته، لكنه يمارسها في رؤيته إلى الإنسان والزمن والقوة والكرامة والمجد والموت، فقد جعل من قصيدته مسرحًا تتصارع فيه صورة الإنسان الطامح مع هشاشته، ورغبته في الخلود مع وعيه بالموت، وإرادته في المجد مع قسوة الواقع. وحين يقول:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

فإنه لا يصف الشجاعة فحسب، بل يصوغ تصورًا عن الصلة بين الإرادة والإنجاز. وحين يقول:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

فإنه يضعنا أمام التوتر الأزلي بين الرغبة والواقع. وليس المطلوب أن نطلق على المتنبي لقب الفيلسوف بالمعنى المدرسي، بل أن ندرك أن الشعر قد يحمل وعيًا فلسفيًا دون أن يتحول إلى محاضرة نظرية.

ويأتي أبو العلاء المعري نموذجًا أكثر صراحة لامتزاج الأدب بالفلسفة،  شاعرًا ولغويًا وناقدًا وصاحب موقف عقلي شديد الحساسية تجاه الموروث والسلطة الاجتماعية وأوهام الناس..

في «رسالة الغفران» أنشأ عالمًا تخييليًا مركبًا جمع بين اللغة والخيال والنقد والسؤال الديني والأخلاقي، بينما تكشف «اللزوميات» عن قلق عميق تجاه الموت والمعرفة والمجتمع وطبيعة الإنسان.

لم يكن المعري مجرد شاعر متشائم، كما جرت العادة على اختزاله، بل هو شاعر السؤال الذي يرفض الطمأنينة السهلة والإجابات الجاهزة.. إنه يذكّرنا بأن الأدب الكبير لا يكتفي بتزيين الحياة، بل قد يزعزع يقيننا بها لكي يعيد بناء علاقتنا معها على أساس أكثر صدقًا!!

في حين على أعتاب تجربة ابن عربي، يصبح الشعر لغةً من لغات المعرفة والكشف. فلم يكن شعره ملحقًا عابرًا بمشروعه الصوفي، بل كان جزءًا من رؤيته إلى الوجود والحب والإنسان..

وفي تجربة ابن عربي، ولا سيما في ديوانه «ترجمان الأشواق»، يتحول الشعر إلى لغة للكشف والمعرفة؛ إذ تتداخل فيه رموز الحب الإنساني بإشارات الحب الإلهي، ويتحول الرمز إلى وسيلة لحماية المعنى من الابتذال، وفتح الدلالة على إمكانات متعددة، حيث الجمال قد يكون طريقًا إلى الحقيقة، والحقيقة قد تظهر في صورة لا يلتقطها العقل المباشر.

هنا تظهر وظيفة الأدب في أرفع صورها: فهو لا يقدم المعنى جاهزًا، بل يبقيه في حركة، والصورة الشعرية لا تغلق الدلالة، وإنما توسعها، وتتيح للقارئ أن يشارك في إنتاجها، لذلك كله كان الشعر قريبًا من التصوف؛ لأن كليهما يشتغل على ما يتجاوز العبارة المباشرة، دون أن ينفصل عن اللغة..

ولا تكتمل صورة التداخل بين الفلسفة والأدب من غير التوقف عند عبد الله بن المقفّع، الذي مثّل في الثقافة العربية الإسلامية نموذجًا مبكرًا للمفكر الأديب، حيث تجاوزت كتاباته حدود الصياغة البلاغية إلى بناء رؤية في الأخلاق والسياسة وتدبير الحكم وإصلاح الإنسان..

في «الأدب الكبير» و«الأدب الصغير» لا نجد مواعظ متفرقة فحسب، بل تصورًا متكاملًا لتربية النفس، وتهذيب السلوك، وتنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة والمجتمع. كما أن «كليلة ودمنة»، بما يتضمنه من حكايات الحيوان والأمثال والحوار الرمزي، لم يكن كتابًا للتسلية، بل خطابًا فكريًا غير مباشر في طبيعة الحكم، وأخلاق الحاكم، ومخاطر الوشاية، وضرورة المشورة، وحدود القوة.

لقد أدرك ابن المقفّع أن الحكمة السياسية لا تبلغ أثرها دائمًا حين تُقدَّم في صورة تقرير مباشر؛ فقد تكون الحكاية أقدر على تمرير النقد، والمثل أعمق نفاذًا إلى الوعي، والرمز أكثر أمانًا في مواجهة السلطة. ولذلك جعل الأدب وسيلة للتفكير في السياسة والأخلاق، وحوّل الحيوان إلى قناع يتكلم من خلاله العقل، وتتحول القصة إلى مرآة تكشف أحوال الإنسان والدولة..

من هذه الزاوية، كان ابن المقفّع أديبًا يمارس التفكير الفلسفي في صورة حكمة عملية، لا في صورة نسق تجريدي مغلق.

و لو كان ابن المقفّع قد جعل الحكاية مجالًا للتفكير في الأخلاق والسياسة، فإن ابن حزم الأندلسي جمع بين الفقه والأصول والكلام والأدب والشعر والنقد والتاريخ، حتى غدا مثالًا واضحًا للعالم الموسوعي الذي لا يرى المعرفة حقولًا متنافرة، فهو فقيه ظاهري صاحب اجتهاد، ومتكلم ومحاجج، وأديب وشاعر، ومؤلف كتاب «طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف»، ذلك الكتاب الذي درس الحب وأحوال المحبين وأعراض العاطفة وأسبابها من خلال الأخبار والقصص والأشعار والملاحظة والتحليل.. وقد وُصف ابن حزم، إلى جانب منزلته الفقهية والأدبية، بأنه فيلسوف؛ لما اتسم به فكره من نزوع إلى النظر العقلي والتحليل والنقد ومقاومة التقليد.

وفي «طوق الحمامة» لا يكتب ابن حزم عن الحب بوصفه انفعالًا شعريًا عابرًا، بل يعالجه باعتباره تجربة إنسانية مركبة، تتداخل فيها النفس والجسد والذاكرة والخيال واللغة والمجتمع.. إنه يراقب سلوك المحبين، ويتتبع علامات الحب وأحواله وتحولاته، ويستعين بالقصة والشعر والمثال من أجل بناء معرفة دقيقة بالطبيعة الإنسانية..

هنا يتجاور الفقيه مع الأديب والفيلسوف: فالفقيه يستحضر قيم المسؤولية والتمييز، والأديب يصوغ التجربة في لغة مؤثرة، والفيلسوف يحاول الكشف عن بنيتها ودلالتها.

ومن ثم، فإن ابن المقفّع وابن حزم يقدمان شاهدين بالغَي الدلالة على أن الأدب والفلسفة كانا صنوان في الثقافة العربية الإسلامية. فالأول مارس الفلسفة الأخلاقية والسياسية عبر الحكاية والحكمة، والثاني مارس تحليل التجربة الإنسانية من داخل الفقه والأدب والشعر. وإذا كان الفيلسوف في بعض الثقافات يكتب نسقًا مجردًا، فإن الثقافة العربية والإسلامية كثيرًا ما أودعت أسئلتها الفلسفية في كتب الأدب، والرسائل، والحِكَم، والمقامات، والقصائد، والسير، والمناظرات.

وعليه، لا يصح النظر إلى الأدب العربي والإسلامي بوصفه إنتاجًا جماليًا منفصلًا عن التفكير، ولا إلى الفلسفة بوصفها وافدًا غريبًا عن بنية الثقافة العربية..

 فمنذ ابن المقفّع والجاحظ والتوحيدي، مرورًا بالمعري وابن حزم وابن عربي، ظل العقل العربي والإسلامي يثبت أن الفكرة قد تسكن الحكاية، وأن البرهان قد يتخذ صورة قصيدة، وأن تحليل الإنسان قد يمر عبر خبر أدبي أو رسالة وجدانية..

 لقد كان الأدب عند هؤلاء ليس زخرفةً للفكر، بل طريقةً من طرائق إنتاجه، وكانت الفلسفة ليست نسقًا بعيدًا عن الحياة، بل وعيًا يتشكل في اللغة والتجربة والخيال..

(يتبع)

***

مراد غريبي

 

تكتسب العلاقة بين الحياة الموت طبيعة مفارقة فولا الموت لما كان للحياة قيمة ومعنى ولولا الحياة لما كان للموت قيمة ومعنى. فكيف يمكن ستكون الأرض لو أن كل الكائنات الحية التي ولدت فيها وعاشت ظلت حيا إلى الأبد ولم تمت؟ فكم هي الكائنات التي ولدت ونمت وعاشت وماتت على هذه الأرض ولم يعرف عنها أحد ؟ من المؤكد أن الحياة بدون موت ستختنق مع الدفعة الأول. فمن بين ثمانية ميلون نوع كائن حي ولد وعاش على هذه الأرض لم يتمكن الإنسان من اكتشاف غير مليونا واحدا فقط من الكائنات الحية التي انقرضت معظمها وتطور بعضها بحسب قانون البقاء للأصلح. من المؤكد إن الكائنات التي ولدت وماتت في هذه الدنيا هي أكثر بما لا يمكن تخيله من الكائنات الحي في كل لحظة زمنية عابرة فالموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة في هذه الكون. إذ أن كل ما نعرفه يمكن أن يكون نسبيًا أو قابلًا للتغيير إلا أن الموت يظل الحقيقة المطلقة في هذا الكوكب ولا توجد وسلية ممكنة لتفادي الزوال والنسيان غير حفظ ما يمكن حفظه من الآثار في متحف التاريخ الطبيعي الذي يروي للأجيال المتعاقبة من الاحياء كل ما يبقى من ذاكرة الحياة.

حين وقفت أتأمل هيكل الماموث الضخم، بنابيه الطويلين اللذين يشبهان قرني ثور إفريقي، في مدخل متحف ناتورا دوسيه للتاريخ الطبيعي، انتابتني حالة من الدهشة والرهبة: دهشة الحياة ورهبة الموت، إذ لم يكن أمامي حيوان حي، وإنما هيكل عظمي؛ ومع ذلك شعرت أنني أقف أمام حياة كاملة كانت ذات يوم تمشي وتأكل وتتكاثر وتخاف وتبحث عن الماء والغذاء، ثم انتهت إلى هذه العظام الصامتة. عندها أدركت أن المتحف ليس مجرد مكان تُجمع فيه الأشياء القديمة والنادرة، وإنما هو ذاكرة الحياة وشاهد التاريخ؛ مكان يحاول فيه الإنسان أن ينقذ ما استطاع من النسيان.

ولعل أصل كلمة المتحف Museum تعود إلى كلمة Muse اليونانية أي ربات الفنون والمعارف التسع في الأساطير اليونانية، بنات زيوس، وكانت كل واحدة منهن مرتبطة بمجال من مجالات المعرفة والفن؛ الشعر والتاريخ والموسيقى وغيرها. ثم تطورت الكلمة لتصبح دالة على المكان الذي تُجمع فيه أشكال المعرفة والجمال، وكأن المتحف منذ ولادته الأولى كان محاولة لجمع شتات العالم في مكان واحد.

حين يتأمل كل واحد منا ذاكرته الخاصة، ماذا يجد فيها؟ يجد ركاماً هائلاً من الأحداث والمواقف والتجارب والخبرات والأشخاص والأمكنة والأزمنة؛ يجد الكلمات والصور والروائح والأصوات، والأفراح والأحزان، والآمال والخيبات، والأحلام والأوهام، وما وعيناه وما مر بنا من دون أن ننتبه إليه؛ ذاكرتنا ليست مكتبة مرتبة، ولا صيدلية مصنفة، ولا سوبرماركت موضوعاً فيه كل شيء على رف مستقل. إنها أقرب إلى محيط مضطرب، أو إعصار دائم الحركة، تتداخل فيه الأزمنة والأشياء والصور والمعاني. قد نستعيد حدثاً وقع قبل خمسين عاماً كما لو أنه حدث بالأمس، وقد نعجز عن تذكر ما تناولناه بالأمس.

وكذلك هو التاريخ ليس مستودعاً مرتباً للأحداث، بل مغامرة الذات الإنسانية عبر الزمن: من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل. وكما أن ذاكرة الإنسان تقوم على التذكر والوعي والخيال، فإن التاريخ نفسه يتوزع على هذه الأبعاد الثلاثة: الماضي الذي نتذكره، والحاضر الذي نعيشه، والمستقبل الذي نتخيله.

ولعل هذا هو أحد الأسرار التي جعلت الفلاسفة يقيمون صلة عميقة بين العقل والتاريخ. فالعقل لا يعيش خارج الزمن، والتاريخ ليس مجرد سلسلة من الوقائع، وإنما هو الطريقة التي يمنح بها الإنسان معنى لما حدث وما يحدث وما يمكن أن يحدث.

وأنا أتجول في متحف ناتورا دوسيه، بين الحيوانات المحنطة والهياكل العظمية والحفريات والمعادن والعينات التي بدأ مؤسس المتحف يوهان بيرينك بجمعها منذ عام 1911، شعرت أنني لا أتجول في قاعات متحف راهن فحسب، بل في طبقات متراكمة من الزمن. هنا هيكل الماموث، وهناك بيض الديناصورات، وفي مكان آخر طيور وحيوانات نادرة من أنحاء العالم؛ طيور الجنة والرفراف وغيرها، وصولاً إلى التمساح البحري. وفي الخارج تمتد حديقة المتحف، حيث تتحول الطبيعة إلى فضاء حي للتعلم والدهشة، وتقام فيها معارض للكائنات الأسطورية والمجسمات المتحركة التي تجذب الأطفال، إذ إن كل شيء هنا يقول إن الحياة أكبر بكثير من الإنسان عمقا وافقا.

وأنا أتجول في اجنحة المتحف اذكرت حكاية الباحث الذي كرّس مختبره لجمع بقايا الكائنات الحية والحفريات، حتى تحول مختبره إلى ما يشبه متحفاً صغيراً مزدحماً بالجماجم والعظام والأجنحة والجلود والريش والقرون والأسنان، وغير ذلك من بقايا الكائنات الحية التي تم جمعها في مستودعه: كان المشهد ثرياً بالأشياء الأثرية إلى درجة الدوار وذات يوم ذهب تشارلز داروين لرؤية المتحف البيولوجي فتعجب من قدرة الرجل على جمع كل هذه الحفريات الكثيرة جداً. كان المختبر أشبه بمتحف أثري يعج بكل أنواع وأشكال جماجم وعظام الحيوانات، وأجنحة الطيور والجلود والقرون والأسنان مصنفة بأسمائها، تفاصيل تعمي البصر وتذهل البصيرة! فاندهش داروين وقال عبارته الشهيرة: "ما المغزى الأخير من كل هذه التفاصيل، وكيف يمكن إخراجها في رؤية نسقية كلية عقلانية لها معنى وتفيد المعرفة الإنسانية؟!". فكان ذلك السؤال أشبه بقدح زناد الروح الفلسفية في عقل عالم البيولوجيا الشاب داروين، فتمخض عنه كتابه المهم أصل الأنواع، وهو الكتاب الذي يصنف بوصفه إحدى الثورات العلمية في تاريخ المعرفة البشرية. وبالمثل فعل عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي في دراسته للتاريخ؛ إذ إن المؤرخين والإخباريين العرب جمعوا المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها ومنحها المعنى والدلالة الفكرية في مقدمته الشهيرة. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم عبارة المَنَوِّر (أو المفكر) الفرنسي جان جاك روسو: "نحن نحتاج إلى الفلسفة لكي نرى الأشياء التي نعيشها ونشاهدها كل يوم في حياتنا"

وهنا يكمن الفرق بين الجمع والمعرفةفجمع الأشياء لا يصنع علماً بالضرورة. يمكن للإنسان أن يجمع آلاف العينات، لكنها لا تتحول إلى معرفة علمية مفيدة الا عندما يتم تصنيفها باسماءها وأنواعها وأجناسها والكشف عن العلاقات التي تربط بينها، وعن القانون الذي يحكمها، وعن المعنى الكامن وراء تنوعها وهذا ما فعله عالم البيولوجيا تشارلز داروين. فقد كان أمامه عالم هائل من التفاصيل البيولوجية، لكنه لم يكتفِ برؤيتها منفردة، بل حاول أن يبحث عن النظام الذي يربطها بعضها ببعض. ومن هذا السؤال خرجت واحدة من أعظم الثورات العلمية في تاريخ المعرفة الإنسانية: نظرية التطور والانتخاب الطبيعي التي عرضها في كتابه أصل الأنواع.

وبالمعنى نفسه، فعل عبد الرحمن بن خلدون شيئاً مشابهاً في ميدان التاريخ. كان المؤرخون والإخباريون قبله قد جمعوا أخبار الأمم والحوادث والوقائع، لكن ابن خلدون لم يكتفِ بجمع المادة التاريخية، بل سأل عن قوانين العمران والاجتماع التي تجعل الأحداث مفهومة. لقد انتقل من ذاكرة التاريخ إلى فلسفة التاريخ.

وهنا يمكننا فهم أهمية المتحف وقيمته ووظيفته فهو لم يعد مجرد مخزن داخلي تحفظ فيه الأشياء، بل أصبح فضاءً لإعادة تنظيم ما يبدو مشتتاً، وربط المادة بالمعنى، والماضي بالحاضر، والشيء بالسؤال. فالمعروض ليس مجرد قطعة ميتة خلف زجاج؛ إنه أثر لوجود سابق، يحمل قصة ومكاناً وزمناً وعلاقات بشرية وبيئية وثقافية فالأشياء المعروضة لا تعود مجرد بقايا من الماضي، وإنما تغدو موضوعات ثقافية تحمل آثار الرحلات والحروب والطقوس والهجرات والتحولات الاجتماعية. وتصبح مهمة المتحف المعاصر بناء علاقة أخلاقية مع الذاكرة، علاقة تعترف بتاريخ الاقتناء، وتكشف طبقات المعنى المخفية، وتمنح الزائر قدرة على تأمل التاريخ بدل استهلاكه بوصفه حقيقة جاهزة

وبهذا المعنى يمكن النظر إلى هياكل الحيونات المحفوظة بوصفها شاهداً على عالم كان موجوداً ثم تغير. والحفرية ليست حجراً قديماً، وإنما وثيقة كتبتها الأرض بلغتها الخاصة. والهيكل العظمي ليس مجرد عظام، بل سيرة حياة انتهت وبقي أثرها فمتحف التاريخ الطبيعي ليست مجرد مخازن لهياكل عظمية وحفريات متحجرة، بل هي فضاءات فلسفية بامتياز تطرح أسئلة عميقة حول الوجود، والزمن، ومكانة الإنسان في الكون ومستقبله المتحف بهيكله العظمية ومومياته المحنطة يذكرنا بـ الهشاشة الوجودية؛ للكائنات الحية فإذا كانت كائنات امتلكت كل ذلك الزمن والقوة قد اختفت، أفلا يكون وجود الإنسان نفسه مجرد ومضة عابرة في تاريخ كوني لا يعرف معنى الدوام؟ وهنا يتهاوى وهم المركزية البشرية التي جعلت الإنسان سيد الطبيعة ومركز الكون؛ فشجرة التطور تكشف للإنسان أنه ليس خارج الطبيعة ولا فوقها، بل غصن صغير في شجرة حياة هائلة سبقت وجوده بملايين السنين. إن المتحف يمارس بذلك نوعاً من التواضع الوجودي والمعرفي، يعيد الإنسان من عرش السيادة إلى موقع الشراكة مع بقية الكائنات. وحتى التحنيط والتجميد لا يمثلان انتصاراً على الزمن والموت، بل محاولة لحفظ أثرهما؛ فالمتحف لا يعيد الحياة إلى الكائن، وإنما يمنحه وجوداً آخر بوصفه ذاكرة وشاهداً على ما كان. وهكذا يتحول المتحف الطبيعي إلى فضاء فلسفي تتجاور فيه الحياة والموت، والوجود والفناء، والذاكرة والنسيان، ليذكّرنا بأننا لسنا ملوكاً على الحياة، وإنما عابرون في تاريخها الطويل. يذهب تيار حماة الأرض أولا ومنهم جودي باربي إلى “أن الأرض ستقوم وتنتقم وتطاردنا من فوقها” تلك الرؤية التي صدمتني حينما قرأتها قبل عشرين عاما بدأت الآن اتفهم مقاصدها الجديرة بالقيمة والأهمية والاعتبار. وهي رؤية نابعة من قلق حقيقي على مصير الأرض التي هي أم الحياة كلها ولا يحق لا كائنا من كان العبث بها وتسخيرها لمصالحة العابرة المدمرة. رؤية جماعة الأرض أولا أكدت أن الإنسان هذا الزائر الغريب الأخير هو الذي يستحق الموت قبل أن يدمر الكوكب، الإنسان نفسه وليس المجتمع الحديث فقط هو الذي سينقرض بهدوء في النهاية، تدميره المحموم لبيئته، نهبه الكوكب الأرضي، كل ذلك سوف ينتهي، وسوف تتوقف الثرثرة الجوفاء عن الحضارة الكلمة الأخيرة هي كلمة د.هـ. لورانس الذي كتب يقول: (نظر “بيركن” إلى الأرض في المساء وهو يفكر: حسن إذا تم تدمير البشرية…إذا هلك جنسنا كما حدث لـ”سدوم” وبقي هذا المساء الجميل، بالأرض النيرة والأشجار الخضراء…. فأن ذلك يكفيني… فلتمض البشرية…. حان وقتها لم تعد الإنسانية تجسد ما لا يسبر غوره… الإنسانية كتابة ميتة…. دع الإنسانية تختفي بأسرع ما يمكن”( ينظر، قاسم المحبشي، الأرض وأخر الزئرين)

وحين أغادر متحف التاريخ الطبيعي، لا أشعر أنني خرجت من مكان مليء بالحيوانات المحنطة والحفريات والهياكل العظمية، بل أشعر أنني خرجت من زمن طويل. أعود إلى الشارع وأنا أحمل في ذاكرتي صورة الماموث، لا بوصفه حيواناً انقرض منذ آلاف السنين، وإنما بوصفه سؤالاً مفتوحاً عن معنى الحياة والموت والزمن.

ربما لهذا السبب تبدو المتاحف، في جوهرها العميق، أشبه بمرايا كبيرة للوجود.

فالمتحف يقول لنا بصمت: هذه حياة كانت هنا، وهذا عالم مر من هنا، وهذه أشياء بقيت بعدما غاب أصحابها. وما دمنا نحن أيضاً عابرين في هذا العالم، فإن السؤال الذي يطرحه المتحف علينا ليس: ماذا بقي من الماضي؟ بل:ماذا سيبقى منا حين نصبح نحن أيضاً جزءاً من الماضي؟ ولعل هذا هو المعنى الأعمق للمتحف:

إنه ليس مكاناً لحفظ ما بقي من الموت، بل مكاناً لتذكير الأحياء بأنهم يعيشون في ذاكرة ستصبح يوماً ما تاريخاً.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

يفتح قرار المجلس الدستوري الفرنسي القاضي بعدم دستورية الحظر العام لشبكات التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة نافذة أوسع بكثير من حدود النزاع القانوني المباشر. فالقضية في عمقها لا تتعلق فقط بسنّ الولوج إلى المنصات، ولا بحدود سلطة الدولة في حماية الأطفال، وإنما تكشف عن مسالة جوهرية تتعلق بمدى إمكانية مجتمعات مختلفة في تاريخها وثقافتها وبنيتها النفسية والأخلاقية صياغة القاعدة نفسها لعالم رقمي واحد.

 لقد دخلت البشرية الفضاء الرقمي وهي تحمل معها اختلافاتها القديمة، غير أن التكنولوجيا بدت في بدايتها كما لو أنها قادرة على محو الحدود الثقافية وصناعة فضاء كوني محايد. لكن السنوات الأخيرة كشفت العكس تماما، حيث إن الشبكة واحدة، فيما تختلف علاقتنا بها؛ والمنصة قد تكون ذاتها، لكن دلالتها الاجتماعية والنفسية والسياسية ليست واحدة في كل مكان.

ولتعزيز تصورنا، نقول إن المقاربة المقارنة هنا بين الشرق والغرب تكتسب مشروعيتها، شرط ألا تتحول إلى ثنائية تبسيطية تجعل الغرب فضاءً للحرية والشرق فضاءً للوصاية، أو تجعل الأول نموذجاً للحداثة والثاني كتلة ثقافية مغلقة. فالشرق والغرب ليسا جغرافيتين صامتتين، وإنما تاريخان مختلفان في إنتاج الفرد والأسرة والسلطة والجسد والخصوصية، والطفولة، وحتى مفهوم الحرية نفسه. 

في هذا المنحى، تكشف قضية شبكات التواصل الاجتماعي عن أحد أبرز الاختلافات الكامنة في الخلفية الفلسفية للتشريعات الرقمية. ففي التجربة الليبرالية الغربية نشأ مفهوم الحقوق حول الفرد باعتباره وحدة قانونية مستقلة، قادرا على امتلاك حقوقه في مواجهة الدولة والمجتمع والأسرة. ومن ثم فإن حماية الطفل تتقاطع بالضرورة مع الاعتراف التدريجي بطفولته كمرحلة تتمتع بحقوق مستقلة، ومع الحذر من أن تتحول الحماية إلى وصاية دائمة أو إلى مصادرة مبكرة للاستقلال الفردي. أما في كثير من المجتمعات الشرقية، فتظل الأسرة والجماعة وشبكة العلاقات الاجتماعية أكثر حضورا في تعريف الفرد لنفسه ولموقعه في العالم.

إن الطفل في هذا السياق، لا يظهر دائما بوصفه "فردا قانونيا مستقلا" فحسب، وإنما بوصفه عضوا في بنية أسرية واجتماعية وأخلاقية أوسع. ولذلك قد يُنظر إلى تدخل الأسرة في الحياة الرقمية للقاصر باعتباره امتداداً طبيعياً لمسؤوليتها التربوية، بينما قد يُقرأ التدخل ذاته في بعض التصورات الغربية باعتباره قابلا للانزلاق نحو الرقابة على الاستقلال الشخصي. وهنا تحديدا يصبح القانون الرقمي مرآة للثقافة التي أنتجته.

ربما تكمن إحدى مشكلات النقاش العالمي حول التكنولوجيا في الاعتقاد بأن المفاهيم الكبرى، مثل الحرية والخصوصية والاستقلال، تحمل المعنى نفسه في كل المجتمعات. لكن الفلسفة السياسية والاجتماعية تعلمنا أن المفاهيم لا تعيش خارج التاريخ. فالحرية في التقليد الليبرالي ارتبطت طويلا بتحرير الفرد من تدخل السلطة، بينما يمكن أن ترتبط الحرية، في سياقات ثقافية أخرى، بالقدرة على العيش داخل جماعة متماسكة تحمي الفرد وتمنحه المعنى والانتماء.  والخصوصية بدورها ليست مفهوما تقنيا محضا. ففي بعض المجتمعات الغربية، قد تكون الخصوصية تعبيرا عن سيادة الفرد على بياناته وجسده وخياراته. وفي مجتمعات أخرى، تتداخل الحدود بين الخاص والعام بفعل طبيعة الأسرة الممتدة، وقوة الروابط الاجتماعية، واختلاف تصور العلاقة بين الفرد والجماعة.  لهذا فإن استيراد التشريع الرقمي من مجتمع إلى آخر قد يكون أكثر تعقيداً من نقل نص قانوني؛ لأن ما ينتقل معه بصورة غير مرئية، هو تصور معين للإنسان.

إن قرار المجلس الدستوري الفرنسي يكشف في المقابل، عن توتر داخلي في النموذج الغربي نفسه.  فالدولة التي تريد حماية الأطفال من الإدمان الرقمي، والمحتوى العنيف، والاستغلال التجاري والتلاعب النفسي والخوارزمي، تصطدم بحدود فلسفة حقوقية بنت جزءا كبيرا من مشروعها التاريخي حول استقلال الفرد وحماية حرياته من تغول السلطة.  وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة، فالخوارزمية تستطيع أن تعرف عن الطفل أكثر مما تعرفه الدولة، والمنصة تستطيع أن تؤثر في سلوكه أكثر مما تستطيع الأسرة، ومع ذلك تظل الدولة مطالبة بألا تتجاوز حدوداً دقيقة حين تحاول حمايته. إنها مفارقة العصر الرقمي، حيث السلطة الخاصة للمنصات تتضخم، فيما تظل السلطة العامة مقيدة بسياج الحقوق والحريات. ومن ثم فإن سؤال فرنسا لا يستحضر فقط كيفية حماية الطفل؟ بل أيضاً، من يحمي الطفل من المنصة، ومن يحميه من الدولة، ومن يحميه من نفسه؟.

في المقابل، قد تواجه المجتمعات الشرقية سؤالاً آخر: كيف يمكن حماية الأطفال من الاقتصاد النفسي للمنصات من دون أن تتحول الحماية إلى آلية دائمة للرقابة الاجتماعية؟  فحين تكون الأسرة أكثر حضورا، وحين تكون السلطة الأبوية أكثر رسوخا، وحين تتداخل القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية مع المجال الخاص، يصبح خطر الانزلاق من "الحماية" إلى "الوصاية" قائما أيضا. وقد تكون المشكلة أكثر تعقيدا عندما تتولى الدولة نفسها تعريف "المحتوى الضار" أو "السلوك غير الملائم" وفق معيار أيديولوجي أو أخلاقي أحادي. ففي هذه الحالة يمكن أن تتحول حماية القاصر من مخاطر الخوارزمية إلى حماية المجتمع من الاختلاف؛ ومن حماية الطفل إلى هندسة وعيه.  وهنا ينبغي التمييز بين الحماية التي توسع قدرة الطفل على الاختيار، والحماية التي تصنع اختياراته مسبقا.

لا يعني هذا أن الشرق ينبغي أن يرفض التجربة الغربية، ولا أن الغرب مطالب باستنساخ التصورات الشرقية. المسألة أعمق من ذلك بكثير. فالمطلوب هو بناء "كونية مرنة للحقوق الرقمية"؛ كونية تعترف بوجود مبادئ إنسانية مشتركة، لكنها لا تفترض أن تنزيلها يجب أن يكون متطابقا في جميع الثقافات. فحماية الطفل من الاستغلال الرقمي ينبغي أن تكون مبدأً عابرا للحدود. وحماية خصوصيته ينبغي أن تكون حقا مشتركاً. ومنع المنصات من تحويل هشاشته النفسية إلى سلعة تجارية ينبغي أن يشكل قاعدة كونية. لكن الوسائل القانونية والتربوية والاجتماعية لتحقيق هذه الغايات ينبغي أن تترك مجالاً للاختلاف الثقافي. فالطفولة نفسها ليست تجربة بيولوجية فقط؛ إنها أيضاً بناء ثقافي ونفسي واجتماعي. والطفل الفرنسي لا يدخل العالم الرقمي بالشروط النفسية والاجتماعية نفسها التي يدخل بها الطفل المغربي أو الهندي أو الياباني أو النيجيري. لا لأن أحدهم أكثر إنسانية من الآخر، وإنما لأن معنى الأسرة والسلطة والجماعة والخصوصية والحرية يختلف من مجتمع إلى آخر. 

ربما نحتاج إلى تجاوز ثنائية "استيراد النموذج" و"رفض النموذج"، نحو بناء ما يمكن تسميته السيادة الثقافية على التشريع الرقمي.  فالسيادة في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة فقط بالخوادم والبيانات والبنى التحتية، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بالقدرة على إنتاج المفاهيم التي تنظم علاقة الإنسان بالتكنولوجيا.

 من يحدد معنى الخصوصية؟ من يعرّف الضرر؟ من يقرر متى يكون الطفل ناضجا بما يكفي لاتخاذ القرار؟ ومن يملك حق مراقبة هذا النضج؟ ومن يحدد الحدود بين التربية والرقابة؟  هذه ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة فلسفية وسياسية وثقافية بامتياز. ولهذا فإن مستقبل التشريع الرقمي لن يحسمه صراع بين الشرق والغرب بقدر ما سيحسمه صراع أعمق بين تصورات مختلفة للإنسان، الإنسان بوصفه فردا مستقلا، والإنسان بوصفه كائنا علائقيا؛ الحرية بوصفها تحررا من التدخل، والحرية بوصفها قدرة على العيش داخل جماعة؛ الحماية بوصفها تحصينا للذات، والحماية بوصفها ممارسة للوصاية.

في النهاية، يضعنا القرار الفرنسي أمام سؤال يتجاوز فرنسا والشرق والغرب معً. فالخطر الحقيقي ليس في أن تستخدم المجتمعات التكنولوجيا بصورة مختلفة، وإنما في أن تسمح التكنولوجيا لنفسها بأن تصبح هي التي تحدد، بصورة خفية، معنى الإنسان واحتياجاته ورغباته وحدود وعيه.

 قد نختلف حول سن الولوج إلى المنصات، وحول دور الأسرة والدولة، وحول حدود الخصوصية، لكن ينبغي أن نتفق على شيء واحد، لا ينبغي أن يتحول الطفل إلى مادة خام في مختبر الخوارزمية، كما لا ينبغي أن يتحول إلى موضوع دائم للوصاية القانونية أو الثقافية.  وبين هذين الخطرين تقع المهمة الأصعب، أن نحمي الطفل من المنصة دون أن نسلمه للدولة، وأن نحميه من الدولة دون أن نتركه للسوق، وأن نحميه من السوق دون أن نصادر قدرته على أن يصبح ذاتاً مستقلة.

و ربما يكون الدرس الأعمق للمقارنة بين الشرق والغرب، أن القانون الرقمي الأكثر إنسانية ليس ذلك الذي يفرض نموذجا ثقافيا واحدا على العالم، وإنما ذلك الذي يعرف كيف يحمي الكرامة الإنسانية مع الاعتراف بأن الطريق إلى الحرية، وإلى الخصوصية، وإلى النضج، يمر عبر خرائط ثقافية ونفسية متعددة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

يمكن قراءة مفهوم التربية الحوارية من خلال ثلاثة مستويات مترابطة وعبر تحليل كتاب "اعادة التفكير في النظرية التربوية" لأستاذ التعليم روبرت ويغريف في جامعة كامبردج البريطانية. يعيد ويغريف تعريف "التربية الحوارية" بشكل اعمق بكثير من التعريفات الشائعة – التي تختزلها في مفهوم "المناقشة الصفية" او "التعلم التعاوني". فالحوار عنده ليس مجرد اسلوب تدريس، بل هو رؤية انطولوجية لما هية التعلم، ورؤية ابستمولوجية لكيفية تشكيل المعرفة، ورؤية تربوية لكيفية تصميم التعليم.

يتصور معظم المعلمين أن التربية الحوارية هي طرح اسئلة او اجراء مناقشات او العمل في مجموعات واعطاء المتعلم فرصة للكلام، لكن ما يراه ويغريف أن هذا ليس جوهر التربية الحوارية، لان الصف الدراسي قد يكون مليئا بالحديث، ومع ذلك لا يحدث فيه حوار حقيقي، بدليل ليس كل كلام حوارا بالضرورة.

ويعرف ويغريف التربية الحوارية فلسفيا؛ أنها فلسفة تعليمية ترى أن عملية التعلم تحدث عندما يدخل الطالب في فضاء حواري مفتوح يوسع افق وعيه من خلال التفاعل مع اصوات مختلفة، بحيث تتشكل المعرفة نتيجة للحوار وليست نقطة لبدايته. اما بالمفهوم الابستمولوجي (كيف تتولد المعرفة؟)، يرى أن المعرفة لا تأتي من الكتاب وحده، ولا من المعلم وحده، ولا ايضا من عقل الطالب وحده، بل تتولد داخل فضاء بين العقول، وهذه الفكرة ماخوذة من فيجوتسكي وباختين وطورها ويغريف الى مفهوم "الفضاء الحواري". هذا الفضاء لا يعد مكانا ماديا، بل هو حالة ذهنية واجتماعية يكون فيها الطالب قادرا على رؤية العالم من اكثر من زاوية.

وبناء على ذلك، يمكن ترجمة هذا المفهوم النظري الى تطبيق عملي، باعتبار أن التربية الحوارية تعني أن المعلم لا يبدأ بتقديم اجابة، بل يبدأ بخلق شروط التفكير، لذا فأن وظيفة المعلم الحقيقية ليست شرح المعرفة، بل تصميم الموقف الحواري وادارة الاختلاف وتوسيع الاسئلة وتشجيع الاصغاء وبناء الثقة، فالمعلم هنا لا يسيطر على الحوار، بل يحميه ويوجهه.

نجد أن الهدف الحقيقي من التربية الحوارية هو توسيع الوعي لا تدريس معلومات او مجرد تنمية التفكير النقدي، وبالتالي يتمكن الطالب من رؤية العالم بطريقة جديدة لا مجرد أن يتغير لأنه عرف شيئا جديدا. فالذي يجعل الحوار التربوي حوارا حقيقيا يشترط أن توجد فيه خمسة عناصر اساسية وهي؛ الانفتاح، تعدد الاصوات، الاصغاء الحقيقي، البحث المشترك، والتحول الذي يخرج به المشاركون بفهم اعمق مما دخلوا به.

اعتقد أن رؤية ويغريف هذه تفتح بابا جديدا حول العلاقة بين التربية الحوارية والذكاء الاصطناعي، ولو طبقنا نظريته حرفيا في عصر الذكاء الاصطناعي سيكون السؤال: "كيف نجعل الذكاء الاصطناعي يوسع الفضاء الحواري دون ان يغلقه باجابات جاهزة؟".

وبناء على هذا، يمكن ان نطور تعريف ويغريف لمفهوم التربية الحوارية ليتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي؛ فنقول، "التربية الحوارية هي عملية تربوية تهدف الى توسيع فضاء الوعي من خلال الحوار المنظم بين الطالب والاخرين والمصادر المعرفية الاخرى، بما في ذلك انظمة الذكاء الاصطناعي، بحيث يعاد بناء المعرفة بصورة نقدية واخلاقية وتعاونية".

وفي الختام، ومن منطلق القيمة الحقيقية للحوار ليست مجرد زيادة في كمية المعلومات، بل هي في تغيير نوعية العلاقة بين الانسان والمعرفة؛ فبدلا من ان يكون مستهلكا لها، يكون مشاركا في بنائها وتطويرها. لذا، فالتربية الحوارية هي تربية تجعل التعلم عملية مستمرة لتوسيع افق الوعي من خلال الحوار المنفتح مع الاخرين، ليصبح المتعلم قادرا على اعادة تشكيل فهمه وادراكه للعالم ولذاته، والمساهمة في بناء معرفة جديدة بصورة اخلاقية ونقدية.

***

علاء جواد كاظم

في ذكرى ميلاد المرحوم البشير ربوح

فرش اشكالي: ازمة الفلسفة عندنا، كما شخصها المرحوم البشير ربوح، تتجاوز الخلل البيداغوجي إلى عطب أعمق: في علاقتها بالمجتمع والمؤسسة، والسلطة والمعنى نفسه، فحين تفقد الفلسفة قدرتها على السؤال تتحول الى طقس كهنوتي، وتفقد ماهيتها بوصفها فعلاً نقدياً يزعزع المألوف ويفتح الممكن، وهكذا تنقلب إلى كسل فكري، وقحط وجودي، وانغلاق يفصلها عن الحياة.

كان ربوح متعباً من هذا الحال، حزينا متألما لدرس فلسفي هزيل يعاني من الانتكاسة والانغلاق، يدور حول نفسه بلا أثر لكنه — وهنا تكمن شجاعته — لم يستسلم للتشخيص. كان يؤمن بإمكانية التعافي، وبأن الفلسفة قادرة على أن تعانق الحياة من جديد إذا واجهت أعطابها واقتربت من الشارع وتفاعلت مع الزمن. « فحين تريد الفلسفة أن تفكر، أن تسأل، أن تتخطى، أن تنقد، فما عليها إلاّ أن تعانق الحياة. معانقة تقودنا مباشرة إلى مفاصلها، وتعاريقها، وانشغالاتها. ربَّ انفتاح يمنحنا فرصة التحرر من الكسل، والقحط الوجودي، والتحجر، والانغلاق، ويضعنا في قلبها النابض بعشقها».

بهذه الكلمات لم يكن يفتتح درساً، بل كان يفتتح جرحاً وفي ذكرى ميلاده، 21 أوت، لا نحتفي بتاريخ ولادته، بل باستحالة موت سؤاله: كيف نُعيد للفلسفة صوتها المزعج؟ كيف نُخرج الدرس الفلسفي في الجزائر من القحط البيداغوجي إلى الشارع الأنطولوجي؟ وكيف نُخرجها من قاعة الدرس إلى زوايا الشارع حيث تتدفق الحياة بكلّ ما فيها من قبح وجمال؟

لم يكن مسار ربوح مساراً اعتيادياً. في الوقت الذي كان فيه كثيرون يكتفون بتلقين البرنامج الرسمي، كان هو يخصص وقته للقراءة والتأمل، ويجيد الحوار مع النصوص الغربية دون أن يسقط في شراكها. اشتغل على هايدغر في أطروحة نقدية حول «المساءلة النقدية لمفهوم الميتافيزيقا في فضاء اللغة»، وقرأ إدوارد سعيد بعمق، مستفيداً مما أسماه «النقد الدنيوي» الذي يجمع بين العمق النظري والانخراط في الواقع. وقد افتتح مقاله «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي» باقتباس لسعيد يلخص مشروعه كله: «إن لم تستطع أن تلهم طلابك ليفهموا بأن التعليم هو تعليم ذاتي فعلاً وليس قبولاً بلا نقاش لما يقوله المسؤول، حينها عليك أن تدرك بأنك سلمتهم إلى عبودية فكرية وبالتالي أخلاقية»

من هنا نفهم حدة تشخيصه لأزمة الدرس الفلسفي. ليست الأزمة مجرد مشكل بيداغوجي يُحل بتغيير منهج أو كتاب مدرسي، بل هي أزمة بنيوية تعكس أزمة المجتمع بأسره. ويمكن إجمال عوائقها في خمسة محاور متشابكة:

أولها: غياب الهوية والمرجعية، فالدرس الفلسفي عندنا يبدو بلا بيت، يستورد مفاهيمه من افلاطون وديكارت وكانط وصولا الى بشلار وفوكو وتشومسكي... دون أن يجري عملية توطين حقيقية. وهنا التلميذ الذي ندرسه «العقد الاجتماعي» لروسو مثلا لا يجد نفسه داخل هذا الطرح ، فنحن نحدثه عن المواطنة دون أن يتساءل عن المواطنة الجزائرية في تجربتها المحددة إيجابا وسلبا . فيتحول الدرس إلى لغة معلّقة في الهواء، لغة بلا كينونة.

ثانيها: تشرنق النخب فأساتذة الفلسفة في الثانوي، بدلاً من أن يكونوا كتلة تاريخية فاعلة كما كان يأمل ربوح مستلهماً المصطلح من غرامشي، صاروا جزراً منعزلة. لا جمعية وطنية حقيقية تجمعهم، ولا مجلة ديداكتيكية محلية، لا ملتقيات تناقش همومهم المشتركة. فتتبدد الطاقات في صراعات هامشية، بينما يحتاج الدرس إلى من يتحدث باسمه ويدافع عنه.

ثالثها: غياب الذات الفاعلة. فالأستاذ عندنا يفتقر غالباً إلى الوعي النقدي. يرى نفسه أداة تنفيذ للبرنامج الرسمي، لا ذاتاً تتساءل وتنتقد وتبني. ينظر إلى الحاضر فقط (إنهاء البرنامج، تقديم دروس دعم لتلاميذ البكالوريا...)، لا يمتد فكره إلى المستقبل: كيف يغيّر هذا الدرس وعي جيل؟  وهنا يصير الدرس، في أحسن الأحوال، درساً بهرجاً، كما كان يسميه ربوح مستعيراً المصطلح من الفارابي: متأملاً مجرداً يحتقر العامة ويتوجه إلى خاصة الخاصة، دون أن يحدث أثراً في المجتمع.

رابعها: عجز الجامعة، وهذا الواقع المؤلم نلمسه في غياب التكوين الجامعي فغالباً ما يكون قاصراً. فمعاهد ومدارس الفلسفة تدرس تاريخ الفلسفة كمادة تحفظ فيها الأسماء والتواريخ، لا كممارسة للتفكير. وتغيب عنها الديداكتيك والتربية الفلسفية بشكل جدي. فينتج عن ذلك أستاذ يمارس الشرح بسطحية دون السؤال، والتحليل دون النقد.

خامسها: احتكار الحقيقة، فالخطاب الديني حول الفلسفة إلى مادة مشبوهة، والنخب التي تمارس الوعظ الديني ترى في نفسها الفئة المرشحة لامتلاك السلطة بحسبانها وعداً ميتافيزيقياً، وهنا يجد الأستاذ نفسه في موقف دفاعي دائم. مضطراً إلى تبرير درسه بدلاً من السؤال به. فيصير الدرس مدافعاً، لا هاجماً في معنى الاجتهاد والنقد.

لكن ربوح رغم حدة تشخيصه، لم يكن يكتفي بالتشريح. فالرجل الذي قرأ فوكو وهايدغر كان يدرك أن النقد إن لم يقترن ببرنامج عمل فإنه يبقى عاجزاً، وهنا يتجلى التجاوز في مشروع ربوح: المقاومة عنده ليست ردّ فعل، بل بديل تاريخي ونهج فكري واجتماعي.

من هنا جاءت دعوته إلى «الشارع الأنطولوجي»: ذلك الفضاء الذي تتحول فيه الطاقة العفوية إلى فعل مؤسس، ويتحول الهمّ الشعبي إلى مشروع حضاري. ومع انطلاق الحراك الشعبي الجزائري في 2019، كان ربوح كاملاً في الصفوف الأولى، يقرأ شعارات الحراك بلغة هايدغر («اللغة بيت الكينونة»)، ويرصد القطائع التي أحدثها جيل جديد مع الماضي.

وفي هذا السياق يكتمل مشروعه البيداغوجي: اعتبار الدرس الفلسفي سلوكاً ديمقراطياً. فالدرس الذي ينبثق من الحوار ليس تقنية تدريسية فحسب، بل علاقة وجودية بين الأستاذ والتلميذ. فحين يتعلم التلميذ الاعتراف بالآخر كذات مستقلة لها كرامتها، والتسامح مع المختلف، واحترام الرأي المخالف، فإنه يتعلم الديمقراطية قبل أن يدرسها نظرياً. وهذا يقتضي شروطاً إبستمية صارمة: الأشكلة، والأفهمة، والحجاج، و هذه الشروط لا تكتمل إلا حين تتحول إلى فعل يُخرج الأستاذ والتلميذ معاً من العبودية الفكرية.

كان ربوح يرفض أن يقدّم نفسه بصيغة نرجسية. حين سُئل يوماً «من هو؟» أجاب بأن السؤال نيتشوي في جوهره، يخاطب الذات في أعلى مراتب عشقها لذاتها، ثم اختار أن يقول ببساطة: «أنا الباحث المتواضع في مجال الفلسفة». هذا التواضع لم يكن مجاملة، بل موقفاً فلسفياً. فالرجل الذي ولد في رأس الوادي، المدينة نفسها التي أنجبت البشير الإبراهيمي، ظل يرى في الفلسفة فعلاً مشتركاً لا عرضاً فردياً للمعرفة. كان يسافر ليلاً في رمضان مسافات طويلة لضمان استمرار الندوات، ويحاور، ويرسل كتبه إلى أصدقائه قبل نشرها، ويؤمن بأن «الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ.

في ذكرى ميلاده... رحمه الله، نستأنف اسئلته الحارقة وعباراته الواخزة املا في ان تشرق شمس الفلسفة غدا.

***

عمرون علي

 

لم تكن الكتابة في أي مرحلة من تاريخ الإنسانية مجرد أداة للتعبير أو وسيلة لتدوين الوقائع، بل كانت دائمًا فعلًا حضاريًا يختزل قدرة الإنسان على مقاومة النسيان، وإعادة بناء العالم بالكلمة، وتحويل التجربة الفردية إلى وعي جمعي يتجاوز حدود الزمان والمكان. فمنذ أن اكتشف الإنسان قوة اللغة، أصبحت الكتابة أحد أهم مظاهر الحرية، لأنها تمنح العقل القدرة على مساءلة الواقع، وتفكيك أنساقه، واقتراح صور جديدة للحياة أكثر اتساعًا وعدلًا وإنسانية.

ولا يمكن الحديث عن الإبداع بمعزل عن الحرية، فالعلاقة بينهما ليست علاقة تكامل فحسب، بل علاقة وجود. إذ لا يزدهر الخيال في بيئة يخضع فيها الفكر لسلطة الخوف، ولا تستطيع الكلمة أن تؤدي رسالتها وهي مكبلة بقيود الرقابة أو رهينة للأفكار الجاهزة. ولهذا كانت الكتابة الحرة، عبر مختلف العصور، أحد أهم محركات التحول الحضاري، لأنها لم تكتف بوصف العالم، بل سعت إلى إعادة اكتشافه وتغييره.

لقد أدرك كبار المفكرين أن الكاتب لا يعيش خارج زمنه، لكنه لا يجوز أن يكون أسيرًا له. فهو شاهد على عصره، وناقد لتحولاته، وصانع لأسئلة جديدة تفتح آفاق التفكير أمام المجتمع. ومن هنا تكتسب الكتابة بعدها الفلسفي، لأنها ليست مجرد صناعة للنصوص، بل صناعة للوعي، وإعادة تشكيل للعلاقة بين الإنسان والحرية والمعرفة.

الإبداع بوصفه ممارسة نقدية لإعادة بناء العالم

الإبداع الحقيقي لا يبدأ من البلاغة اللغوية، ولا من براعة الأسلوب وحدها، وإنما يبدأ من امتلاك رؤية مختلفة للعالم. فالمبدع لا يكتفي بوصف الأشياء كما تبدو، بل يسعى إلى اكتشاف ما يختبئ خلفها من دلالات، وما تنطوي عليه من تناقضات وأسئلة. ولهذا فإن كل كتابة أصيلة تحمل في جوهرها بعدًا نقديًا، حتى وإن اتخذت شكل الرواية أو القصيدة أو المقال الفكري.

وقد أشار إدوارد سعيد إلى أن المثقف الحقيقي هو الذي يحتفظ بمسافة نقدية من السلطة ومن السائد، لأن وظيفته ليست ترديد ما يقوله الجميع، بل مساءلة ما يبدو بديهيًا، وكشف المناطق التي يغيب عنها التفكير الحر. ومن هنا تتحول الكتابة إلى موقف أخلاقي قبل أن تكون إنجازًا جماليًا، لأنها تنحاز إلى حق الإنسان في المعرفة، وترفض الخضوع لمنطق الامتثال.

ولا يختلف هذا التصور كثيرًا عما ذهب إليه ميلان كونديرا حين رأى أن الرواية ليست مجرد مرآة للواقع، بل وسيلة لاكتشاف الوجود الإنساني في تعقيده وغموضه. فالنص العظيم لا يقدم أجوبة نهائية، بل يوسع مساحة الأسئلة، ويجعل القارئ شريكًا في البحث عن المعنى. وهنا تكمن قيمة الإبداع؛ فهو لا يصنع اليقين، بل يحرر العقل من يقيناته المغلقة.

إن الكاتب الذي يكرر الأفكار السائدة لا يضيف شيئًا إلى الثقافة، أما الكاتب الذي يمتلك شجاعة الاختلاف، فإنه يفتح أمام قارئه أبوابًا جديدة للتفكير، ويعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم. فالكتابة ليست نقلًا للواقع، بل إعادة تأويل له، وإعادة بناء لمعناه في ضوء التجربة الإنسانية.

والكاتب الحقيقي لا يخشى الأسئلة التي يمكن أن تزعزع المسلمات، لأن مهمته ليست حماية السائد من النقد، وإنما حماية العقل من التحول إلى مساحة مغلقة. فحين تصبح الكتابة قادرة على مساءلة ما يبدو نهائيًا، فإنها تستعيد جوهرها بوصفها فعلًا من أفعال الحرية. ومن هنا يمكن فهم الأدب والفكر باعتبارهما مجالين لمقاومة الجمود، لا مجرد فضاءين لإنتاج النصوص.

الحرية شرط لتجدد الكتابة وازدهار الخيال

كل ازدهار ثقافي في تاريخ البشرية ارتبط باتساع فضاء الحرية، لأن الخيال لا يعمل في بيئة يسودها الخوف، والعقل لا ينتج معرفة جديدة إذا كان محاصرًا بالمحرمات الفكرية. فالحرية ليست مطلبًا سياسيًا فقط، بل هي شرط معرفي وجمالي يسمح للكاتب بأن يغامر، وأن يجرب، وأن يعيد اكتشاف اللغة بوصفها فضاءً لا نهائيًا للإبداع.

لكن الحرية التي يحتاجها الكاتب تبدأ من داخله قبل أن تتحقق في محيطه. إنها حرية التخلص من سلطة النمط، ومن إغراء التكرار، ومن الخضوع لمعايير القبول السريع. فالكاتب الذي يكتب لإرضاء الجميع يفقد خصوصيته، بينما يظل الكاتب الحر وفيًا لصوته الداخلي، حتى وإن خالف المألوف أو أثار الجدل.

وقد بيّن رولان بارت أن النص الحقيقي لا يفرض معنى واحدًا، بل يفتح المجال أمام قراءات متعددة، لأن ثراء الكتابة يكمن في قدرتها على إنتاج الدلالة لا في إغلاقها. ومن هنا فإن الحرية ليست فقط شرطًا لولادة النص، بل أيضًا شرط لاستمراره، إذ يظل النص الحي قادرًا على اكتشاف معانٍ جديدة مع كل قراءة.

إن المجتمعات التي تؤمن بحرية الفكر تنتج أدبًا حيًا وفلسفة متجددة، بينما تقود هيمنة الرقابة والانغلاق إلى إعادة إنتاج الأفكار نفسها، وإلى تراجع روح الابتكار. ولهذا تصبح الحرية استثمارًا في مستقبل الثقافة، وليست مجرد مطلب لفئة من الكتّاب أو المثقفين.

غير أن أخطر القيود ليست دائمًا تلك التي تأتي من خارج الكاتب؛ فقد تتحول الجماعة نفسها إلى سلطة رمزية تفرض على المبدع ما ينبغي أن يقول وما ينبغي أن يصمت عنه. وقد يجد الكاتب نفسه، تحت ضغط الجمهور أو المؤسسات أو الرغبة في الانتشار، يعيد إنتاج اللغة التي يريد الآخرون سماعها. وهنا تصبح الحرية الداخلية أكثر صعوبة من الحرية الخارجية، لأنها تتطلب شجاعة مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين.

فالكتابة الحرة لا تعني أن يقول الكاتب كل شيء بلا مسؤولية، وإنما تعني أن يمتلك حق التفكير والاختلاف والتجريب، وأن يتحمل في الوقت ذاته مسؤولية ما ينتجه من أفكار ومواقف. الحرية والإبداع، بهذا المعنى، ليسا انفلاتًا من كل الضوابط، بل هما قدرة على تحويل الوعي إلى اختيار، والاختيار إلى موقف، والموقف إلى معرفة قابلة للنقاش.

مسؤولية الكاتب في زمن التحولات

إذا كانت الحرية تمنح الكاتب حق التعبير، فإنها تمنحه في المقابل مسؤولية مضاعفة تجاه مجتمعه وتجاه الحقيقة. فالكاتب ليس مراقبًا محايدًا للأحداث، ولا خطيبًا يردد الشعارات، وإنما هو صاحب رؤية يسعى إلى بناء وعي نقدي يحرر الإنسان من الاستسلام للأفكار الجاهزة.

لقد أوضح ميشيل فوكو أن المعرفة والسلطة ترتبطان بعلاقة معقدة، وأن الخطاب ليس بريئًا دائمًا، بل قد يتحول إلى وسيلة لإنتاج الهيمنة. ومن هنا تبرز أهمية الكاتب المستقل، الذي يمتلك القدرة على تفكيك الخطابات السائدة، وكشف ما تخفيه من مصالح وآليات تأثير، دون أن يقع في فخ الدعاية أو التبعية.

ويزداد هذا الدور أهمية في زمن الثورة الرقمية، حيث تتدفق المعلومات بوتيرة غير مسبوقة، بينما تتراجع في كثير من الأحيان القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين المعرفة والانفعال. وهنا تصبح الكتابة الرصينة ضرورة حضارية، لأنها لا تلاحق الحدث فقط، بل تمنحه سياقه، وتكشف أبعاده، وتساعد القارئ على بناء موقف واعٍ منه.

لقد أصبح الكاتب المعاصر يواجه تحديًا جديدًا يتمثل في منافسة السرعة. فالمنصات الرقمية تدفع نحو الاختصار، والتفاعل السريع، والعنوان الصادم، والصورة الأكثر قدرة على جذب الانتباه. وفي مثل هذا المناخ، تصبح الكتابة العميقة فعل مقاومة لثقافة الاستهلاك السريع للمعنى. فالكاتب لا يستطيع أن ينافس تدفق المعلومات بسرعته، لكنه يستطيع أن يمنحها ما تفتقده: السياق، والتأمل، والتحليل، والقدرة على طرح السؤال.

ومن هنا فإن مسؤولية الكاتب اليوم لا تتعلق فقط بما يكتبه، وإنما أيضًا بالطريقة التي يتعامل بها مع الحقيقة. فالكلمة يمكن أن تبني وعيًا، لكنها يمكن كذلك أن تساهم في إنتاج الوهم حين تنفصل عن التحقق والنزاهة. ولذلك فإن الحرية الصحفية والثقافية لا يمكن أن تستقيم من دون أخلاق الكتابة، ولا يمكن للكاتب أن يدافع عن حريته إذا كان مستعدًا للتنازل عن الحقيقة من أجل الشهرة أو الانتشار أو إرضاء جهة ما.

لقد رأى أوكتافيو باث أن الحرية والشعر وجهان لحقيقة واحدة، ويمكن توسيع هذا المعنى ليشمل كل أشكال الإبداع؛ فالكلمة التي تنبع من عقل حر لا تكتفي بوصف العالم، بل تعيد اكتشاف الإنسان، وتمنحه القدرة على مقاومة العزلة والخوف واللامبالاة.

 ليست قيمة الكاتب في عدد النصوص التي ينتجها، ولا في حجم حضوره في المنصات الإعلامية، وإنما في مقدار ما يضيفه إلى وعي الإنسان. فالكتابة التي لا تغير شيئًا في طريقة النظر إلى العالم قد تكون جميلة، لكنها تظل محدودة الأثر؛ أما الكتابة التي تجعل القارئ يتوقف، ويسأل، ويعيد التفكير، ويكتشف ما كان غائبًا عنه، فإنها تتجاوز حدود النص لتصبح فعلًا ثقافيًا.

إن الحرية هي الروح التي تمنح الكتابة قدرتها على الابتكار، والكتابة هي إحدى الأدوات التي تحمي الحرية من التحول إلى شعار فارغ. وبينهما تنشأ مسؤولية الكاتب: أن يكون حرًا دون أن يكون عبثيًا، ناقدًا دون أن يتحول إلى مجرد معترض، ملتزمًا بالحقيقة دون أن يصبح أسيرًا لأي سلطة، ومخلصًا للإنسان دون أن يفقد حقه في الاختلاف.

هكذا تظل الكتابة، في جوهرها الأعمق، محاولة دائمة لتحرير الإنسان من الخوف ومن الجهل ومن استبداد المعنى الواحد. إنها ليست مجرد كلمات تُكتب على الورق أو تُنشر على الشاشة، وإنما أثر يتركه العقل الحر في زمنه. وكلما استطاع الكاتب أن يجعل من كلمته مساحة للسؤال، ومن سؤاله طريقًا إلى المعرفة، ومن المعرفة سبيلًا إلى وعي أكثر حرية، استعاد الإبداع معناه الحقيقي بوصفه إحدى أكثر الممارسات الإنسانية قدرة على مقاومة الجمود وإعادة بناء العالم.

***

البشير عبيد - شاعر وكاتب تونسي

 

اشارات حول فلسفة فتحي التريكي

المسألة ليست: هل التريكي «مع» اليسار أو «ضد» اليسار؟ ولا: هل هو «مع» النهضة أو «ضدها»؟ وإنما: من أي أفق فلسفي ينبغي أن نقرأ مفاهيم الصديق والعدو، والأخلاق والأخلاقيات، والوطنية والكونية، والاختلاف والعيش المشترك؟

وهذا مهم خصوصًا أن مشروع التريكي يربط بالفعل بين فلسفة الحداثة وما بعد الحداثة وبين التنوع والعقل والحرية وجمالية العيش المشترك، كما تربط مشروعه بفكرة «أخلاقية العيش المشترك» وبالتعقّل بوصفه ممارسة عملية موجهة إلى حسن العيش.

من الأخلاق إلى الإيتيقا: في فلسفة فتحي التريكي وإشكال الصديق والعدو

ليس من اليسير أن يُقرأ موقف فلسفي خارج الأفق النظري الذي أنتجه. فكثير من سوء الفهم لا ينشأ من غموض العبارة في ذاتها، وإنما من إخضاعها لمفاهيم ومنظومات تصورية تنتمي إلى أفق آخر. وهذا ما يبدو أنه يحدث في بعض القراءات التي تتناول مواقف فتحي التريكي، حين تُقرأ عباراته السياسية المباشرة بمنطق الاصطفاف الإيديولوجي التقليدي، فيُسارع إلى وضعه في خانة «اليسار» أو «اليمين»، أو في خانة الدفاع عن هذه الحركة السياسية أو تلك، بينما قد يكون المطلوب فلسفيا هو الانتقال من سؤال الاصطفاف إلى سؤال الأفق الفلسفي الذي يجعل هذا الاصطفاف نفسه موضع نقد.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين مسألتين مترابطتين: الأولى تتعلق بموقع فلسفة فتحي التريكي من الأخلاق والإيتيقا، ومن الحداثة وما بعدها، ومن التنوع والاختلاف والعيش المشترك؛ والثانية تتعلق بإعادة التفكير في ثنائية الصديق والعدو في ضوء هذا الأفق الفلسفي. فإذا لم نحدد أولا طبيعة فلسفة التريكي، استحال علينا أن نفهم كيف يمكن أن يستعمل مفردات سياسية كلاسيكية مثل «الصديق» و«العدو» دون أن يعني ذلك بالضرورة العودة إلى المنطق السياسي الذي جعل من هذه الثنائية أساسا للسياسة.

أولا: قبل الحكم على التريكي: أي فلسفة نقرأ؟

تكمن إحدى مشكلات القراءة في التعامل مع فتحي التريكي كما لو كان مجرد مثقف سياسي له موقف من هذا الحزب أو ذاك، أو كما لو كان امتدادا آليا لإيديولوجيا سياسية سابقة. والحال أن مشروعه الفلسفي أوسع من هذه الاصطفافات بكثير. فقد ارتبط مشروعه، في دراسات تناولت فلسفته، بفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة، وبالتنوع والعقل والحرية وجمالية العيش المشترك، وبالسعي إلى جعل الفلسفة متصلة بالحياة العمومية لا منفصلة عنها.

لذلك فإن اختزال التريكي في «موقف إيديولوجي» يهدد بإضاعة السؤال الفلسفي الذي ينبغي أن يُطرح: ما الذي يجعل موقفا سياسيا ما منسجما أو متعارضا مع شروط العيش المشترك؟

إن الأمر هنا لا يتعلق بتبرئة التريكي مسبقا من أي نقد، فهذا ليس من وظيفة الفلسفة، وإنما يتعلق بتحديد مستوى النقد. فالفيلسوف لا يُحاكم فقط بالنظر إلى هوية الجماعة التي عارضها أو الجماعة التي وافقها، وإنما أيضا بالنظر إلى المفاهيم التي تحكم موقفه، وإلى الاتساق الداخلي بين هذه المفاهيم.

وهذا هو المدخل الذي يسمح بفهم التريكي باعتباره فيلسوفا للتنوع والتعدد والعيش المشترك، لا باعتباره منظرا لأخلاق الاصطفاف الإيديولوجي.

ثانيا: من الأخلاق إلى الأخلاقيات: التحول الذي يغير معنى الموقف

هنا تظهر المسألة المنهجية الأهم: الفرق بين الأخلاق والإيتيقا، أو بين الأخلاق بوصفها نسقا معياريا مغلقا، والأخلاقيات بوصفها تفكيرا في شروط العيش مع الآخر.

ليس المقصود بهذا التمييز مجرد اختلاف اصطلاحي بين morale وéthique. فالمسألة أعمق من ذلك. إن الأخلاق، في أحد استعمالاتها الكلاسيكية، تنطلق من منظومة من القواعد والمعايير التي تحدد مسبقا ما ينبغي فعله وما ينبغي رفضه، ومن ثم يمكن أن تتحول إلى منظومة مكتفية بذاتها، تستمد مشروعيتها من اعتقادها بامتلاك الحقيقة المعيارية. أما الإيتيقا فتضع العلاقة بالآخر، وبالاختلاف، وبالسياق، وبإمكان العيش معا في قلب السؤال.

لهذا فإن الانتقال من الأخلاق إلى الإيتيقا يعني، فلسفيا، الانتقال من سؤال:

ما السلوك الصحيح الذي ينبغي للجميع أن يلتزموا به؟

إلى سؤال أكثر انفتاحا:

ما الشروط التي تجعل إمكان العيش معا ممكنا رغم اختلافنا؟

والفرق بين السؤالين جوهري. فالأول قد ينتهي إلى توحيد البشر حول معيار واحد، بينما الثاني يبدأ من حقيقة أنهم مختلفون أصلا، وأن المشكلة السياسية والأخلاقية ليست في إزالة الاختلاف، وإنما في إنتاج شروط تجعل الاختلاف قابلا للعيش.

وهنا تحديدا يمكن فهم مكانة «العيش المشترك» في مشروع التريكي. فالدراسات التي تناولت فلسفته تربط بين مفهوم التعقّل عنده وبين بناء فلسفة إنسية غايتها بلوغ «أخلاقية العيش المشترك»، كما تجعل من التعقل ممارسة عملية وأخلاقية تتجه إلى حسن العيش في المدينة ومع الآخرين.

وبهذا المعنى، فإن فلسفة التريكي لا تنطلق من البحث عن مجتمع متجانس يمحو الاختلاف، بل عن وحدة لا تلغي التعدد، وكونية لا تلغي الخصوصية، وهوية لا تتحول إلى سجن للآخر.

ثالثا: التنوع ليس إضافة إلى فلسفة التريكي، بل هو شرطها

إذا كان الاختلاف واقعة إنسانية لا يمكن إلغاؤها، فإن العيش المشترك لا يمكن أن يقوم على مبدأ إزالة الاختلاف. إنه يقوم على تحويل الاختلاف من سبب للصراع إلى شرط للتعايش.

ومن هنا تتخذ مفاهيم مثل «جمالية العيش المشترك» و«أخلاقيات العيش المشترك» معناها الفلسفي. فالجمال هنا ليس مجرد وصف جمالي للعيش، والأخلاقيات ليست مجموعة أوامر سلوكية؛ إنهما يشيران إلى محاولة بناء نمط من الوجود المشترك يجعل من الآخر شريكا في العالم لا عقبة ينبغي التخلص منها.

ارتبط مشروع التريكي بفكرة أن العيش المشترك يقوم على الحوار، واحترام الاختلاف، والكرامة، والحرية، وعلى إمكان بناء أرضية مشتركة بين الأنا والآخر دون أن يفقد أحدهما هويته

ومن ثم فإن الكونية التي يمكن نسبتها إلى هذا المشروع ليست كونية التجانس، ولا كونية إلغاء الخصوصيات باسم نموذج واحد، وإنما هي كونية تنشأ من التقاء الاندفاعات الخلاقة بين البشر؛ أي كونية لا تسبق التعدد وإنما تتشكل من داخله.

وهنا يصبح الاختلاف ليس نقيضا للوحدة، بل طريقا آخر إليها.

رابعا: حين تتخذ الأخلاق شكل الإيديولوجيا

من هذه الزاوية يمكن فهم المفارقة التي تكشفها التجارب السياسية الحديثة والمعاصرة. فليس كل خطاب أخلاقي بالضرورة خطابا إنسانيا، وليس كل من رفع راية التحرر قد تحرر من منطق الهيمنة.

إن التاريخ السياسي الحديث يبين أن مشاريع ادعت تمثيل الإنسان أو الثورة أو الدين أو الأمة أو التحرر استطاعت، في ظروف معينة، أن تنتج أشكالا جديدة من الإقصاء والعنف. ولذلك لا يكفي أن يعلن مشروع سياسي أنه يحمل قيمة أخلاقية حتى يصبح بالضرورة حاميا للإنسان.

هنا ينبغي أن نستعيد، بحذر وبتمييز تاريخي، أمثلة من تاريخ الفلسفة نفسها: فقد صدرت عن بعض الكتابات الأوروبية، بما فيها كتابات ماركس وإنجلز، مواقف من الاستعمار يمكن أن تبدو اليوم متعارضة مع المبدأ التحرري الذي يُنسب إلى المشروع الماركسي. وهذه المفارقات لا تثبت أن «الماركسية هي الاستعمار»، كما لا تثبت العكس، وإنما تكشف شيئا أكثر أهمية فلسفيا: أن الإيديولوجيا التحررية قد تحمل داخلها توترات بين مبدأها الكوني وتطبيقاتها التاريخية.

والأمر نفسه يصدق على التيارات الدينية السياسية حين تتحول قيمة دينية أو أخلاقية إلى معيار لإلغاء الآخر، أو حين تتداخل الشعارات الدينية مع مشاريع القوة والحرب والتدخل الخارجي.

المشكلة إذن ليست في الدين وحده ولا في اليسار وحده ولا في اليمين وحده. المشكلة في تحول الأخلاق إلى يقين مغلق يمنح صاحبه حق تعريف الخير والشر نيابة عن الجميع، ثم يحول الاختلاف في الرأي إلى خروج من دائرة الشرعية الإنسانية.

وهنا يصبح السؤال الإيتيقي أكثر صعوبة: ليس «هل نحن أصحاب الأخلاق؟»، وإنما «هل أخلاقياتنا تسمح للآخر بأن يكون مختلفا عنا؟

خامسا: من نقد الإيديولوجيا إلى نقد احتكار الحقيقة

إذا كان ثمة ما ينبغي الدفاع عنه في فلسفة التريكي، فهو ليس انتماءه إلى هذا المعسكر أو ذاك، وإنما ضرورة عدم اختزاله في هذه المعسكرات أصلا.

فالفلسفة التي تجعل التنوع والاختلاف والعيش المشترك في مركز اهتمامها لا تستطيع أن تكون فلسفة احتكار للحقيقة. إنها تنطلق من الاعتراف بأن الإنسان لا يعيش في عالم أحادي الصوت، وأن الاختلاف ليس خللا ينبغي تصحيحه، وإنما هو أحد شروط وجود المجال العمومي ذاته.

ولهذا فإن من يقرأ التريكي بمنظار «التخندق» الإيديولوجي قد يكون، paradoxically، قد نقل النقاش من مستوى الفلسفة إلى مستوى الإيديولوجيا التي يدعي أنه ينتقدها.

فأن تقول إن التريكي «مع النهضة» أو «ضد النهضة»، أو «مع اليسار» أو «ضده»، لا يحسم السؤال الفلسفي. وحتى لو صحّ توصيف موقف سياسي بعينه، يبقى السؤال: ما المعيار الذي حكم هذا الموقف؟

سادسا: المسألة الثانية — الصديق والعدو

من دون هذا التمهيد يصعب فهم العبارة التي قالها فتحي التريكي بشأن اليسار الكلاسيكي ومشاركته في مظاهرة 20 أوت، حيث اعتبر أن بعض عناصر اليسار الكلاسيكي «ضائعون»، وربط العمل السياسي بضرورة «تحديد الصديق وتحديد العدو»، ثم رأى أن مشاركة اليسار في تلك المظاهرة «عبث ولخبطة» قد تمثل خطرا على مستقبل تونس.

إن قراءة هذه العبارة قراءة حرفية قد تقود إلى نتيجة مفادها أن التريكي يعود إلى السياسة الكلاسيكية القائمة على ثنائية الصديق والعدو. لكن هذه النتيجة تحتاج إلى قدر من التحفظ؛ لأن المفهوم نفسه لا يحمل المعنى ذاته في كل سياق فلسفي.

فـ«الصديق والعدو» مفهوم له تاريخ طويل في الفكر السياسي، ولا يمكن اختزاله في نموذج واحد. ويبلغ أحد أشهر أشكاله الحديثة ذروته مع كارل شميت، حيث تصبح التفرقة بين الصديق والعدو معيارا للسياسي ذاته. غير أن مجرد استعمال المفردتين لا يعني تبني النظرية الشميتية، كما أن استعمالهما في سياق فلسفة للعيش المشترك يقتضي إعادة تحديد دلالتهما.

وهنا يمكن اقتراح قراءة مختلفة لموقف التريكي: العدو، في أفق فلسفة العيش المشترك، ليس من يختلف معي، بل من يهدد إمكان الاختلاف نفسه.

وهذه نقطة فاصلة.

سابعا: العدو ليس المختلف

إذا كان الاختلاف قيمة مؤسسة للعيش المشترك، فلا يمكن أن يكون المختلف عدوا لمجرد اختلافه. بل إن تحويل المختلف إلى عدو هو بالضبط ما تهدف فلسفة التعدد إلى مقاومته.

فاليساري ليس عدوا لأنه يساري، والإسلامي ليس عدوا لأنه إسلامي، والقومي ليس عدوا لأنه قومي، والليبرالي ليس عدوا لأنه ليبرالي. إن الاختلاف السياسي، مهما بلغ، يدخل في صميم المجال العمومي الذي لا معنى له من دون تعدد.

لكن الأمر يتغير عندما لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف، بل يتحول إلى ممارسة تهدم شروط الاختلاف ذاته.

هنا يمكن أن نعيد تعريف العدو داخل أفق فلسفة العيش المشترك: إنه ليس الشخص الذي يختلف عني، وإنما الفعل أو المشروع أو الممارسة التي تجعل العيش المشترك مستحيلا؛ أي التي تقوم على الإقصاء، أو العنف، أو نزع الإنسانية عن الخصم، أو تبرير القتل، أو رفض حق الآخرين في الوجود والاختلاف.

وبهذا المعنى، يصبح الصديق هو الآخر الذي يختلف معي ولكنه يقبل مبدئيا أن أكون مختلفا عنه؛ أما العدو فهو الذي يريد أن يجعل اختلافنا نفسه مستحيلا.

وهذا التعريف ينقل الثنائية من هوية الأشخاص إلى طبيعة الممارسات.

إنه انتقال فلسفي مهم: لسنا أمام «عدو» بالمعنى الأنطولوجي، أي شخص ولد عدوا أو ينتمي إلى جماعة هي بطبيعتها عدو، وإنما أمام موقف أو ممارسة يمكن أن تتحول إلى تهديد لشروط العيش المشترك.

ثامنا: هل يمكن للعيش المشترك أن يتسامح مع من يرفض التسامح؟

هنا نصل إلى المعضلة الأصعب.

إذا كان العيش المشترك قائما على الاختلاف، فهل ينبغي أن يقبل أيضا من يرفض الاختلاف؟ وإذا كان التسامح قيمة مؤسسة له، فهل يجب أن يتسامح مع من يجعل من التسامح نفسه هدفا للعداء؟

هذه ليست مسألة خاصة بالتريكي، بل هي واحدة من أعمق معضلات الفلسفة السياسية والأخلاقية الحديثة والمعاصرة. فالعيش المشترك لا يمكن أن يكون ساذجا إلى درجة أن يسمح لقوى تسعى إلى تدميره باستعمال حرياته لتقويضها.

ومن هنا يمكن أن يصبح موقف التريكي مفهوما على نحو أكثر دقة: إن التحالف أو التظاهر المشترك لا يُقاس فقط بهوية المشاركين فيه، وإنما بما قد يعنيه هذا الاشتراك بالنسبة إلى شروط المجال العمومي والتنوع والتعدد.

فإذا اجتمعت جماعات مختلفة سياسيا حول قضية واحدة، فالسؤال الفلسفي ليس فقط: «هل القضية عادلة؟»، وإنما أيضا: هل هذا الاشتراك يحمي شروط العيش معا أم يهددها؟

وهذا السؤال لا يسمح بإدانة اليسار أو تبرئة اليمين أو العكس. إنه يضع الجميع أمام المعيار نفسه.

تاسعا: من «الصديق والعدو» إلى "صديق العيش المشترك وعدو العيش المشترك"

إذا أردنا إذن أن نفهم العبارة ضمن فلسفة التريكي، فقد يكون من الأجدى ألا نستعمل ثنائية «الصديق/العدو» بمعناها الشميتي المباشر، بل أن نعيد صياغتها على النحو التالي:

صديق العيش المشترك هو من يحمي إمكان الاختلاف، وعدو العيش المشترك هو من يهدد هذا الإمكان.

وعندئذ يصبح معيار الصداقة والعداوة معيارا إيتيقيا-سياسيا لا معيارا حزبيا.

قد يكون شخص من اليسار صديقا للعيش المشترك، وقد يكون شخص من اليسار نفسه خصما له إذا تحول مشروعه إلى إقصاء وعنف؛ وقد يكون شخص من اليمين مدافعا عن التعدد في موقف ما، وقد يصبح خصما للعيش المشترك إذا رفض حق الآخرين في الاختلاف. وكذلك لا تكفي الهوية الدينية أو العلمانية أو القومية أو الاشتراكية لتحديد الصديق والعدو.

المعيار هو الموقف من العيش معا.

وهذا هو المعنى الذي يسمح بفهم فلسفة التريكي دون ردها إلى أخلاق الاصطفاف.

عاشرا: الوطنية والكونية: لا وطنية بلا انفتاح

من هنا أيضا يمكن فهم موقف التريكي من الوطنية والخصوصية والكونية. فالوطنية لا تصبح قيمة فلسفية لمجرد أنها وطنية، كما أن الكونية لا تصبح قيمة لمجرد أنها كونية.

الوطنية التي تنغلق على ذاتها يمكن أن تتحول إلى قومية إقصائية، والكونية التي تفرض نموذجا واحدا على الجميع يمكن أن تتحول إلى شكل من أشكال الهيمنة. لذلك فإن الرهان الحقيقي هو بناء علاقة جدلية بين الخصوصية والكونية: أن يكون للإنسان وطنه دون أن يتحول الوطن إلى ذريعة لإنكار إنسانية الآخر، وأن يكون منفتحا على الكوني دون أن يفقد خصوصيته.

وهنا يمكن استعادة أحد أهم رهانات فلسفة التريكي: الوحدة لا تكون بإلغاء التنوع، والكونية لا تكون بإلغاء الخصوصيات.

فالكونية الإيجابية ليست كونية القوة التي تقول للآخر: كن مثلي، وإنما كونية اللقاء التي تسمح لمختلف الذوات والثقافات بأن تلتقي دون أن تتحول إلى نسخة واحدة. وهذا ما يجعل «العيش المشترك» أكثر من مجرد تعايش سلبي؛ إنه مشروع إيجابي لإنتاج عالم يستطيع المختلفون أن يتقاسموا فيه المجال نفسه.

حادي عشر: في نقد القراءة الكلاسيكية لموقف التريكي

لهذا يبدو أن الاعتراض على موقف التريكي يصبح فلسفيا فقط عندما يتجاوز سؤال: «مع من وقف؟» إلى سؤال: أي تصور للعيش المشترك يحكم موقفه؟

فمن الممكن بالطبع نقد التريكي والقول إن تحديد «العدو» قد ينزلق إلى منطق الإقصاء، أو أن تقدير خطر سياسي معين قد يكون مبالغا فيه، أو أن تصنيف المشاركين في فعل جماعي تحت عنوان واحد قد يكون تبسيطا مفرطا. وهذه اعتراضات مشروعة.

لكن النقد يصبح أقل مشروعية حين يبدأ من افتراض أن استعمال مفهوم «العدو» يعني بالضرورة العودة إلى السياسة الشميتية، أو أن انتقاد مشاركة اليسار في تظاهرة معينة يعني الانحياز إلى خصومه السياسيين.

الفلسفة لا تعمل بهذه الطريقة.

فالمطلوب هو اختبار المفهوم داخل منظومته، ثم مساءلة اتساقه ونتائجه.

وهنا تظهر المفارقة: قد يكون نقد التريكي ممكنا من داخل فلسفة العيش المشترك نفسها، لكن لا يمكن إنصافه بإعادته إلى الإيديولوجيا التي يحاول تجاوزها.

خاتمة: ليس السؤال من الصديق ومن العدو، بل ما الذي يجعلنا قادرين على العيش معا؟

في النهاية، لا ينبغي أن تنتهي قراءة موقف فتحي التريكي إلى إعادة إنتاج ثنائية اليسار واليمين، أو النهضة والتجمع، أو العلمانية والدين، أو الوطنية والخيانة. فهذه الثنائيات قد تكون موضوعا للسياسة، لكنها ليست بالضرورة معيارا للفلسفة.

السؤال الفلسفي الأعمق هو: ما الذي يحفظ إمكان العيش المشترك؟

وعندما يصبح هذا السؤال هو نقطة الانطلاق، يتغير معنى كل شيء: يصبح الاختلاف قيمة لا جريمة، والتنوع شرطا لا عائقا، والآخر شريكا في العالم لا خصما يجب محوه، والوطن مجالا للمشاركة لا ملكية حصرية، والكونية أفقا للقاء لا أداة للهيمنة.

وعندئذ أيضا ينبغي أن نفهم عبارة «الصديق والعدو» بطريقة مختلفة: ليس الصديق هو من ينتمي إلى معسكرنا، وليس العدو هو من ينتمي إلى المعسكر المقابل؛ الصديق هو من يجعل الاختلاف ممكنا، والعدو هو من يجعل الاختلاف مستحيلا.

لكن هذا التعريف لا ينبغي أن يتحول هو الآخر إلى عقيدة مغلقة. فحتى الدفاع عن العيش المشترك يمكن أن يتحول إلى إيديولوجيا إذا ادعى امتلاك تعريف نهائي لمن هو «عدو العيش المشترك». لذلك تظل الإيتيقا أكثر انفتاحا من الأخلاق المغلقة: إنها لا تتخلى عن المعيار، لكنها تضعه باستمرار موضع الفحص؛ لا تتخلى عن القيم، لكنها ترفض تحويلها إلى وثوقية؛ ولا تتخلى عن الحكم، لكنها تجعل الحكم قابلا للتبرير والمراجعة.

ومن هنا تحديدا يمكن العثور على فتحي التريكي الذي يصعب العثور عليه إذا بحثنا عنه فقط داخل خرائط الاصطفاف السياسي: فتحي الحداثة وما بعدها، فتحي الوحدة والتنوع، فتحي الخصوصية والكونية، فتحي الحرية والعيش المشترك.

وعلى هذا الأساس، فإن السؤال الحاسم ليس: هل كان فتحي التريكي مع اليسار أم ضده؟ ولا: هل كان مع النهضة أم ضدها؟ وإنما: هل كان موقفه، في هذه اللحظة أو تلك، وفيا للمبدأ الذي يجعل فلسفته ممكنة: حماية إمكان أن نعيش معا رغم اختلافنا؟

هنا فقط ينتقل النقاش من السياسة اليومية إلى الفلسفة؛ ومن الأخلاق التي تحاكم الآخر وفق معيار مكتمل سلفا إلى الإيتيقا التي تسأل عن شروط إمكان الحياة المشتركة؛ ومن «الصديق والعدو» بوصفهما هويتين ثابتتين إلى «صديق العيش المشترك وعدوه» بوصفهما وظيفتين سياسيتين وأخلاقيتين قابلتين للفحص والنقد.

وهذا، في تقديري، هو المدخل الذي يسمح بقراءة موقف التريكي لا بوصفه تخندقا إيديولوجيا، وإنما بوصفه موقفا يحتاج إلى أن يُختبر من داخل مشروع فلسفي يجعل من التنوع والاختلاف والعيش المشترك أفقا للحياة السياسية والإنسانية.

***

أحمد الكافي يوسفي: باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة

اعتاد المهتمون بالتصوف الإسلامي كحركة تجديد في التاريخ الإسلامي توصيف الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي بأنه سلطان العارفين إسوة بالشاعر الصوفي عمر بن الفارض بأنه سلطان العاشقين، وهذا الاستحقاق للأول بالمعرفة مفاده أن ابن عربي يشبه النحلة النشيطة، إذ ينتقل من روض معرفي إلى آخر، ينهل ويتعلم ويعي ويفطن ما يتعلمه، وكانت عزيمته لا تعرف الكلل، ونبغ في مجاله وميدانه حتى أجازه أساطين عصره من أمثال ابن عساكر إمام هذا الوقت وزمانه، وكذلك ابن الجوزي الذي كان علامة العصر والزمان والتاريخ. ويمكننا أن نلمح نشاط قطبنا الصوفي الكبير في مؤلفاته، حيث ترك عدداً ضخماً من المؤلفات في شتى العلوم الصوفية تقدر بحوالي ثلاثمائة كتاب من أشهرها الفتوحات المكية التي تقع في أربعة مجلدات ضخمة، وكتاب فصوص الحكم. ويعد هذا الكتاب من الدرر التي كتبت في تاريخ التصوف الإسلامي بمجمله، إذ استطاع فيه ابن عربي أن يقدم رؤية صوفية إزاء بعض التي يمكن توصيفها بالفلسفية المجردة والتي تحتاج إلى عناية كبيرة بتقديمها إلى القارئ العربي بقصد توضيحها وتيسيرها عليه، وديوان (ترجمان الأشواق)، وهذا الأخير اجتهد المفسرون وفقهاء التاريخ أن يضعوا حدوداً جغرافية وتنظيرات تأويلية له عن مقصده وهدفه ولمن كتب. وابن عربي كصوفي وقطب كبير يختلف تمام الاختلاف مع نظرائه من أهل التصوف، فلقد ابتعد عن التقليد الذي كان شائعا ًفي زمانه، ولم يهتم بأن يكون مردداً لكلام من سبقوه بغير تفهم لمقاصدهم الرئيسة.

 فأتى بأسلوب رشيق وجديد ومليئ بالمفارقات والدهشة، بل كما يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه (التجليات الروحية في الإسلام ـ نصوص صوفية عبر التاريخ) إلى أن ابن عربي جاء بمتضادات مفهومية يتحير العقل إزاءها، ومن أمثال ذلك عبارته الشهيرة  ” سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها، فكيف يكون الخالق هو عين المخلوق؟.

ولا يعد ابن عربي الوحيد من متصوفة الإسلام الذين استبقوا في الاهتمام بالعرفانية أو بالأحرى الأخذ بالطرح الفلسفي القريب إلى الذهنية بغير تخلٍ عن جوهر التصوف وهو المحبة، بل هناك أقطاب كثيرون يمكن الاجتهاد في محاولة رصد وسرد أسمائهم مثل السهروردي وشقيق البلخي والإمام الجنيد والمحاسبي ويأتي على رأس كل هؤلاء إمام التصوف الإسلامي الشيخ عبد الجبار النفري بكتابه الماتع المواقف والمخاطبات. والعرفانية لدى أقطاب التصوف لا تخرج عن صفاء الروح وعقلية رائقة تتسع لكافة الأفكار والطروحات والرؤى لاسيما وأنها تجربة تتمايز كلية عن التجربة الدينية العادية.

وربما الاتهامات المتلاحقة التي نالت من التصوف بحجة أنه اتجاه روحي فحسب ولا علاقة له بالعقل أو فعل الإرادة الذهنية، هي التي دفعت المتأخرين من مؤرخي حركة التصوف الإسلامي نحو إبراز دور الوعي والإدراك لدى متصوفة الإسلام، وأن كنه التصوف لا يتمثل في مساجلات تنظم شعراً أو مجرد أقوال مرهونة بمواقف محددة بل هو وعي شديد الحضور وضرب من ضروب النشاط العقلي والذهني، وإن جازت التسمية في بعض الأحايين بأنه ما فوق الإدراك وما وراء المعرفة. وإذا كان مؤرخو التصوف الإسلامي قد أسرفوا في جمع المواضعات الخاصة والمرتبطة بالمفهوم وركزوا غالباً على التجربة الروحية للمتصوفة معتمدين في ذلك على التعريف الأشهر للتصوف الذي قاله الصوفي الكبير بشر بن الحارث المعروف بالحافي بأن التصوف هو صفاء الأسرار ونقاء الآثار، فإن كثيرين أيضاً أكدوا على أن التجربة الروحية تلك متلازمة على الدوام مع العقل، بل إن بعضهم أجاز اعتبار صمت المتصوفة خير دليل على إعمال العقل والتدبر في المجردات والمحسوسات.

وهذه العرفانية الموغلة في ذهنية السرد هي التي ألجأت الكثير من أقطاب المتصوفة إلى الرمزية في التعبير، والرمزية لغة خاصة ظن أولئك أنها تحميهم من هوس العامة تارة ومن عنف التوجه الفقهي القائم في فتراتهم تارة أخرى. وخصوصا أن فقهاء العصور التي عاش فيها الفقهاء الذين امتازوا ببطش الرأي كانوا يعتقدون أن الخطاب الصوفي غير المألوف هو من باب التخريب العقائدي، الأمر الذي دفع كليهما إلى مساجلات ومعارك مستدامة انتهت دوما لصالح الخطاب الفقهي الذي طالما جاء وقتئذ مناصرا لرأي الخلفاء والسلاطين.

واستغراق المتصوفة في الذهنية التي يمكن توصيفها بالمبالغة أدت بهم إلى حتمية اللجوء للإشارة بل أيضا لتشفير النصوص الصوفية ذاتها، فهم عادة يستخدمون بوعي شديد تقنيات الإيحاء بالمعنى والاكتفاء بالنهايات المغلقة التي قد لا تتطلب تأويلا خاصا بمعنى آخر احتكار نهايات القول وترك فرصة التأويل لإحداثيات النص السردية التي تسبق النهاية. ولربما حجة المتصوفة في ذلك الإبهام مفادها ستر المعرفة والحقيقة عمن ليس أهلا لها. في حين أن بعض أهل الاستشراق ادعوا أن التجاء المتصوفة إلى استخدام الإشارة في العبارة والمعنى يرجع إلى تحاشيهم اللعنف اللغوي لدى الفقهاء إذ يرى أقطاب التصوف أن قطاعا كبيرا من هؤلاء الفقهاء يتربصون بكل لفظة قد تحتمل دلالات مغايرة للمعنى الذي أراده القطب الصوفي.

  وهذه التقنية الإشارية نجم عنها ما عرف بالتفسير الصوفي الإشاري كما ورد بموسوعة التصوف الإسلامي (2009) والذي يعني تأويل الآيات القرآنية الكريمة على خلاف ما يظهر منها بمقتضى إشارات خفية تظهر لأرباب السلوك، ويمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة، ويشير الدكتور جودة المهدي إلى أن حجة الإسلام الشيخ أبا حامد الغزالي احتج بالتفسير الإشاري الفيضي قائلا: ” فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل ومحفوظا مثله فما معنى تخصيصه بذلك؟ ”. أي أن تخصيص حبر الأمة بتعليم التأويل دليل على خصوصية التأويل المفاض على القلب لخواص الأمة، وذلك في مقابلة التفسير الظاهر المتداول بالسماع لعموم علمائها.

والتأويل الإشاري المعني بالسطور السالفة قوامه المعرفة الصوفية التي تعتمد وترتكز على أساس رصين أكد عليه الدكتور محفوظ عزام حينما رصد أساس المعرفة وصفاتها عند الصوفية في ” الميثاق ” الوارد في قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) (الأعراف: 172). وهذه المعرفة المقصودة هي التي تتصل بالتجربة أكثر من اتصالها بجوانب أخرى. وأبو القاسم الجنيد بن محمد الجنيد يقول في تأويله للآية الكريمة السابقة أن الله أخبر جل ذكره أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كانوا واجدين للحق من غير وجودهم لأنفسهم، فكان الحق بالحق في ذلك موجودا بالمعنى الذي لا يعلمه غيره، ولا يجده سواه، فكان واجدا محيطا شاهدا عليهم.

ويمكن اعتماد فعل التأويل هذا كمرتبة أعلى من التفسير الظاهري المباشر، وهذا يتوافق مع ما ذهب إليه ابن رشد في كونه ـ التأويل ـ فعلا معرفيا ينقل الإنسان من رتبة العامة إلى رتبة العلماء وبذلك فابن رشد باتجاهه صوب التأويل يسعى لتكوين وتأسيس السلطة العلمية للعلماء في مجتمعات العامة، بخلاف الفقيه ابن حزم الذي لا يرتضي بالتأويل سبيلا بل يسير في كنف التفسير الظاهري المباشر الذي يرفض توزيع النص القرآني إلى ظاهر وباطن، وهو يرى أيضا أن النص وحدة لغوية متكاملة وثابتة يفسر بعضها بعضا دون اللجوء إلى التأويل.

وإذا كنا نرصد في سطورنا هذه التقنية الصوفية لاستخدام الإشارات والتأويلات الخاصة بهم، فمن الضرورة وبالغ الأمانة أن نرجع صعوبة الخطاب الصوفي سواء على مستويات الفهم والإدراك والتحليل إلى عدم اتساع اللغة المتداولة لتعبيرات الصوفيين أنفسهم، بجانب ثمة عوامل أخرى يمكن إرجاعها إلى أن التصوف نفسه يمثل حركة ثقافية بالإضافة إلى كونها حركة تجديدية كما قلنا، وبالتالي فهي ثقافة ضد الثقافة الجمعية التقليدية التي تحظى برضا كبير من العامة وفقا لرضا فقهاء العصر أنفسهم.

لكننا أمام خطاب متعدد الاتجاهات، كونه يعتمد اعتمادا رئيسا على تقنية الرمز الذي يعد أحد هذه الجوانب الأكثر حضوراً في نصوص المتصوفة، بل إن الرمز يمثل أحد أبرز السمات المميزة للتصوف الإسلامي، ولطالما عبَّر الصوفيون عن أذواقهم وتجاربهم الروحية عن طريق التلميح دون التصريح، والإشارة دون ذكر العبارة، أو استخدام لغة مغايرة لما يستعمله العوام من مفردات كاشفة، وأحياناً كثيرة يلجأ الصوفي إلى استعمال اللغة الرمزية الأكثر خصوصية هرباً من الفهم الضيق وفقر التأوي الذي يعاني منه بعض متلقي النص الصوفي، وكانت مشكلة المتصوفة أن نصوصهم تتطلب قدراً عالياً من امتلاك اللغة ودلالة مفرداتها لدى المريدين والمتلقيين من ناحية، وامتلاكهم ذائقة تمكنهم من الإحساس بالنص وصاحبه من ناحية أخرى. وربما أصاب مؤرخو التصوف الإسلامي حينما أشاروا إلى أن استخدام الصوفي للغة الرمزية جاء مناسباً للتعبير عن المواجيد والأحوال والمقامات التي لا تناسبها لغة اعتيادية كالجذب والاصطلاء والمحبة والوجد المطلق والفناء، في نفس الوقت الذي أشاروا فيه إلى أن استعمال الرمز قُصِدَ به الإشارة إلى حقائق روحية، وهذه اللغة الرمزية قد نالت من الصوفيين كثيراً حتى ألصق ببعضهم تهم الزندقة والخروج عن الدين.

ورمزية الصوفية تمثل دعوة للتحرر والخلاص ـ عادة ـ من الواقع الثقافي، لذا فالخطاب الصوفي جدلية قائمة بين الواقع والتأويل اللانهائي له، وهذه الجدلية هي الاستثناء الذي سمح للخطاب ـ نفسه ـ أن يجعل من التجربة الصوفية لأصحابها لتصبح خطابا جمعيا في نفس الوقت. ولذلك فإنه من قبيل الخطأ أن تتم قراءة نصوص الصوفية وفق سياقات مرجعية أو تاريخية فهذا محض خطأ لا يعتريه الصواب أبدا، لاعتماد النصوص على إشارات ولغة رمزية قد تستشرف مستقبلا أو تتناول قضية معرفية متنقلة بين الماضي الضارب في القدم والحاضر الآني، لذلك نصوص الصوفية رغم قدمها فإنها تعد نصوصا معاصرة ترفض أدلجة الامتدادات التاريخية، فضلا عن هذه الرمزية واللغة الإشارية، فمن العبث ممارسة حيلة الإسقاط الأيديولوجي على النصوص الصوفية، فالصوفي عكس الأديب، لا يبحث عن أسلوب أو طريقة أو كيفية لإرضاء ذوق الجمهور.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية جامعة المنيا.

 

في كل النقاشات والحوارات الفكرية والثقافية، تتأكد الحاجة الدائمة إلى تحديد المصطلحات المتداولة وبيان المقصود منها.. لأنه في كثير من الأحيان، تكون التباينات الفكرية والأيدلوجية حي النقاش المعرفي، تباينات شكلية، لأن كل طرف يفهم من المصطلح المتداول معنى ومفهوم، ويرتب على هذا الفهم قناعاته الفكرية والمعرفية..

لهذا فإن تحديد المصطلحات وبيان المعنى الدقيق منها، يساهم في تظهير النقاشات الفكرية، وإبراز المشتركات والابتعاد المنهجي من كل الهواجس التي تحول دون الفهم المتبادل بين المتناقشين أو المتحاورين..

ولعل من أهم المصطلحات التي تتداولها دون الاتفاق على معنى محدد لها، هو مصطلح (الدولة المدنية)، وكل طرف انطلاقا من خلفيته الفكرية بلور موقفه من هذا المصطلح تأييدا أو رفضا.. ولكن دون أن يتبلور معنى دقيق ومشترك لهذا المصطلح..

لهذا فإن هذا المقال يستهدف بالدرجة الأولى بيان معنى الدولة المدنية..

على المستوى النظري والفكري، تتفق جميع التوجهات الدينية والثقافية في الدائرة الاسلامية، أن التشريعات القرٱنية والاسلامية عموما، لم تحدد شكلا معينا للدولة ونظام الحكم.. وإنما التشريعات عينت وصاغت مجموعة من القيم والمبادئ، التي اعتبرتها أساسية في نظام الحكم ومؤسسة الدولة، دون تحديد الإطار أو الهيكل العام، الذي تطبق وتجسد هذه القيم والمبادئ..

فالمطلوب دائما انجاز مفهوم العدالة وسيادة القانون، بصرف النظر عن الشكل أو الإطار العام الذي يحقق هذه القيم في الواقع الخارجي.. انطلاقا وتأسيسا على هذه الحقيقة، التي أضحت ما يشبه المسلمة الفكرية، تم الاقتراب المنهجي والنظري من مسألة الحكم والدولة في الرؤية والمنظور الإسلامي..

وعليه فإننا نعتقد أن الإشكالية الفكرية والمنهجية المطروحة اليوم حول دينية الدولة أو مدنيتها في التجربة التاريخية الإسلامية، إشكالية ليست حقيقية أو نابعة من التصورات الاسلامية للمسألة السياسية وشؤون الحكم والسلطة بمعنى أن جميع التصورات التي صاغها المسلمون في أزمنة مختلفة، لم تتحدث عن مؤسسة الدولة بوصفها مؤسسة ليست تمثيلية للأمة والمجتمع.. فجميع النظريات تتحدث عن الدولة بوصفها ضرورة مجتمعية وإنسانية، وإن هذه الضرورة، لا يمكن أن تتجسد وتتشكل بعيدا عن إرادة الناس..

فالناس بإراداتهم ووعيهم وكيفية النظرة إلى ذواتهم، هم الذين يحددون شكل الدولة.. وبالتالي فإن الدولة في وظائفها وأدوارها وممارساتها، هي فعل بشري بامتياز، خاضعة لإرادة الناس واختياراتهم.. ولا توجد دولة في المنظور الإسلامي خارج إرادة الناس.. وبالتالي فما دامت الدولة كمؤسسة هي نتاج إرادة الناس، ومعنية بتمثيلهم وانجاز طموحاتهم ومشروعاتهم العامة، فهي دولة ليست ثيوقراطية، ولا تحكم إلا بإسم الناس.. وحينما يقرى الناس وفق ٱليات متداولة في الفقر السياسي والدستوري، رفضهم لأداء هذه الدولة أو رفضهم لخياراتها وأولوياتها، فلهم الحق سرعة وقانونا ممارسة حريتهم واختيارهم على الصعيد السياسي والقانوني..

ولأن الدولة وفق الرؤية الإسلامية لا يمكن أن تكون خارج إرادة الناس، لأنها في صورها الأساسية انعكاس لإرادة الناس واختياراتهم.. فالمقدس في هذا السياق، ليس شكل الدولة أو هيكلها المؤسسي، وإنما هو إرادة الناس واختيارهم.. فهي (أي إرادة الناس) هي المعيار والفيصل، وهي الضابطة النوعية..

وبالتالي فإن الدولة كمؤسسة هي بالضرورة مدنية، ولا يمكن أن نتصورها في هذا السياق بعيدا عن النطاق والممارسة المدنية..

وعليه فإننا نستطيع تحديد معنى الدولة المدنية من خلال النقاط التالية:

1- حينما تعبر مؤسسة الدولة في خياراتها واستراتيجياتها عن إرادة الناس وخياراتهم، فهي دولة مدنية.. لأنه لا يمكن أن نتصور دولة مدنية مناقضة لإرادة الناس وخياراتهم العامة..

ولكون الدولة تعبر عن إرادة الناس، فهي حصيلة جهدهم، وليست فعلا ميتافيزيقيا أو متعاليا على ظروف الزمان والمكان..

فعي (أي الدولة) جند بشري جماعي ومؤسسي، وهي مفتوحة لجميع المواطنين بدون استثناء، وهي مشروع مفتوح لإبداعات الإنسان فردا وجماعة..

وهؤلاء النفر الذين يسيرون شؤون الدولة ومؤسساتها المختلفة، يستهدون بهدي القيم العامة لمجتمعهم وأمتهم، ويكافحون بكل الوسائل المتاحة، لتحويلها إلى برنامج عمل يعملون لإنجازها في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي..

فالدولة المدنية ليست مفصولة عن قيم الناس التي تعبر عن إرادتهم، وإنما هي الفضاء العام الأساسي، الذي يعبرون الناس فيه  عن قيمهم العامة والحضارية، كما يعبرون فيها عن إرادتهم الجماعية وخياراتهم العامة..

2-علاقة الدولة المدنية مع مواطنيها محكومة بعقد اجتماعي

سياسي، يحدد حقوق وواجبات كل طرف على الآخر.. فالدولة ليست بديلا عن الناس ومبادراتهم، ومن المهم أن لا تتغول الدولة ضد الناس وإراداتهم، كما أن إرادة الناس، ليست بدلا عن ضرورة وجود دولة تنظم الشؤون العامة المجتمع، وتدير شؤون المجال العام وتحفظ حقوق الجميع بدون استئثار أو افتئات على أحد..

فالعلاقة بين الدولة والناس أي المواطنين، ليست علاقة جافة أو اعتباطية، وإنما هي خاضعة لعقد اجتماعي – سياسي، جميع الأطراف معنية بالالتزام بمقتضيات ومتطلبات العقد الاجتماعي

السياسي..

فالدولة بصرف النظر عن أيديولوجيتها أو عقيدة القائمين عليها، إذا لم يكن لديها عقدا اجتماعيا – سياسيا، ينظم علاقتها مع مواطنيها، فهي دولة ليست مدنية وإن أدعت ذلك ..

فالدولة المدنية بالضرورة، ينبغي أن تكون مرتبطة مع مواطنيها بعقد واضح وصريح، ويحدد مسؤولية كل طرف وواجباته..

فالدولة المدنية لا تكتفي بتداول المناسبة المواقع عبر آلية الانتخاب الحر والمفتوح لكل المواطنين وإنما هناك قانون أو عقد اجتماعي – سياسي ينظم العلاقة بكل أطوارها ومراحلها بين مؤسسة الدولة والمواطنين كآحاد وكمؤسسات أهلية ومدنية يعبر من خلالها الناس عن مصالحهم، ويقدمون بواسطتها خدماتهم لأبناء مجتمعهم ووطنهم..

3- في الدولة المدنية الذي يحدد نظام علاقة مؤسسات الدولة مع المواطنين هو نظام المواطنة بكل حمولته الحقوقية..

فمؤسسات الدولة المدنية تحترم الإنتماء الديني والمذهبي والقومي والعرقي للمواطنين، وتوفر على المستوى القانوني كل أشكال الاحترام والحماية لهذه الانتماءات..

والعنوان الوحيد الذي تتعامل فيه الدولة مع المواطنين هو عنوان المواطنة الذي يتساوى فيه الجميع..

أعتقد أن هذه المعايير، من أهم المعايير، التي تحدد مدنية الدولة سواء في الدائرة الإسلامية أو في أي دائرة إنسانية أخرى.. وهذه المعايير لا تتجاهل خصوصيات المجتمع أو انتماءات المواطنين، وإنما تحترم هذه الخصوصيات والانتماءات، وتتعامل مع الجميع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.. وعلى ضوء هذه الرؤية فإننا نعتقد أن مفهوم الدولة المدنية، لا يناقض التزام المسلم بإسلامه، لأنها دولة تستند على مرجعية الإسلام وقيمه الكبرى.  

*** 

محمد محفوظ

 

فيما يشبه التمهيد لفهم معنى المتحف

لم يكن الإنسان، بوصفه كائناً حياً، قادراً على البقاء في هذا الكوكب من دون العلم والتفكير. وقبل أن يصبح العلم مفهوماً معرفياً له مناهجه ومؤسساته وفلاسفته، كان ممارسة يومية فرضتها ضرورات الحياة ومشكلاتها. وربما كان أول قانون علمي أدركه الإنسان، بصورة غريزية وواعية في آن، هو قانون مقاومة الفناء والمحافظة على البقاء. فمنذ أن وجد الإنسان نفسه في مواجهة الجوع والعطش والبرد والمرض والوحوش والمسافات والمياه، بدأ يفكر في كيفية حماية وجوده وتوفير شروط بقائه.

كانت الحياة بلا مزايا هي المختبر الأول، وكانت الحاجة هي المعلم الأول، وكان الكائن هو الباحث والمجرب والمكتشف. فأول مأوى لم يكن فكرة فلسفية عن السكن، بل استجابة للخوف من الطبيعة؛ وأول نار لم تكن نظرية في الطاقة، بل وسيلة لمقاومة البرد وطهي الطعام وإبعاد الحيوانات المفترسة. وحين واجه الإنسان النهر فكر في الخشب وصنع القارب، وحين واجه المطر والبرد والشمس والريح صنع ملابسه، وحين واجه الجوع اتجه إلى الصيد ثم إلى الزراعة، وحين واجه العطش حفر الآبار، وحين واجه المسافات روّض الحيوانات، وحين واجه البحر صنع السفن، وحين واجه المرض بحث عن الدواء فالبيئة هي الوسط الحيوي الذي تعيش فيه الكائنات، والمكان هو المجال الذي تتعين فيه الكينونة وتمارس فيه الحياة وجودها. فالأرض أم جميع الكائنات الحية؛ منها ولدنا، وفيها نعيش ونتنفس ونتغذى وننمو ونزدهر ونموت، وفي فضائها نفكر ونخترع ونبدع. ولهذا لا يمكن التفكير في الإنسان من دون التفكير في المكان الذي يحتضنه، كما لا يمكن التفكير في الحياة من دون التفكير في البيئة التي تجعلها ممكنة؛ كون، كان، مكان، كائن، كيان، كينونة، مكين، تمكين تكشف عن مركزية المكان في التجربة الإنسانية. فلا كائن بلا مكان، ولا حياة بلا وسط حيوي، ولا تاريخ بلا زمان ومكان. والمكان ليس مجرد مساحة هندسية محايدة، وإنما هو أحد الشروط التي تتشكل داخلها الكينونة الإنسانية. إنه لغة صامتة تقول الأشياء بحضورها؛ فالجبال والأنهار والغابات والصحارى والمناخ والتربة والموارد ليست مجرد عناصر طبيعية، وإنما شروط تصنع إمكانات مختلفة للحياة.

عبر الممارسة اليومية الفورية المباشرة تعلم الإنسان، عبر التجربة والخطأ، أين يجد الماء والغذاء، وكيف يتعامل مع الحيوان والنبات، وأين يبني مأواه، وكيف يحتمي من الحر والبرد والمطر والرياح. لقد كان عليه أن يفهم بيئته لكي يعيش فيها فالحيوان يعيش المكان في صورته الطبيعية ويتكيف معه بغريزته، أما الإنسان فقد امتلك القدرة على إعادة تأثيث المكان بالأدوات والتقنيات. حوّل الكهف إلى مأوى، والأرض إلى حقل، والطريق إلى وسيلة اتصال، والنهر إلى مجال للري والمواصلات، والبحر إلى طريق للتجارة. ومن هنا بدأت الجغرافيا تتحول إلى تاريخ.

لكن مشكلات الإنسان لم تكن كلها خارجية. فقد اكتشف الإنسان، بعد أن واجه الطبيعة، أن أصعب مشكلاته قد تكون كامنة في داخله؛ في طريقة تفكيره، وفي معتقداته، وفي علاقته بالآخر. وهنا يصبح العلم ممارسة لتحرير العقل، لا مجرد وسيلة للسيطرة على الطبيعة.

يرى عالم النفس السويسري جان بياجيه أن الطفل في مراحل معينة من نموه يواجه صعوبة في النظر إلى الأشياء من منظور الآخرين؛ ليس لأنه أناني بالمعنى الأخلاقي، وإنما لأن إدراكه لا يزال متمركزاً حول ذاته. فهو يرى العالم من موقعه الخاص، ويجد صعوبة في تصور أن للآخر منظوراً مختلفاً.

وهذه الملاحظة العلمية تحمل معنى فلسفياً وتربوياً بالغ الأهمية إذ تعني إن النضج العقلي ليس مجرد زيادة كمية المعلومات، وإنما القدرة على الخروج من مركزية الذات. فالعقل الناضج هو الذي يدرك أن ذاتي الفردية أو الجماعية ليست مركز الكون، وأن الآخرين ليسوا نسخاً مني، وأن الحقيقة أوسع من زاوية نظر واحدة.

وهنا يصبح العلم المستنير بالفلسفة، في أعمق معانيه، ممارسة للخروج من مركزية الذات. فالعالم لا يتغير لكي يوافق معتقداتنا؛ نحن الذين ينبغي أن نغير معتقداتنا عندما تصطدم بالواقع. ولذلك فإن المعرفة العلمية لا تبدأ من اليقين، بل من السؤال، ولا تنمو بالتمسك بالإجابة الأولى، وإنما بمراجعتها واختبارها وتصحيحها فكلما اتسعت المعرفة الحقيقية زاد معها شعور الإنسان بحدود ما يعرفه، بينما تمنح المعرفة المغلقة صاحبها وهماً خطيراً بأنه امتلك الحقيقة كاملة.

وتلخص حكاية كأس الشاي الممتلئ هذا المعنى بصورة رمزية بليغة: العقل الممتلئ بنفسه لا يتسع لشيء جديد. فلكي يتعلم الإنسان ينبغي أن يترك مساحة للسؤال والدهشة والشك. وليس المقصود إفراغ العقل من المعرفة، وإنما تحريره من وهم الاكتفاء.

فالسؤال الحقيقي في التربية والتعليم ليس: ماذا نعلم الإنسان؟ وإنما: أي عقل نريد أن نصنع؟ هل تساعد المدرسة الإنسان على الخروج من مركزية ذاته والانفتاح على تعدد المنظورات، أم تعيد إنتاجها في صورة أخرى؟ هل تعلمه أن العالم مفتوح ومتعدد، أم تلقنه أن هناك إجابة واحدة ونهائية لكل سؤال؟

إن التعليم التقليدي القائم على النقل والتلقين والحفظ والاستظهار يقع في مفارقة عميقة؛ فهو يريد أن يعلم عقل الإنسان، لكنه قد يطالبه في الوقت نفسه بألا يثق بعقله وألا يسأل وألا يشك وألا يعيد التفكير فيما تلقاه. إنه يعلمه ماذا يقول، لكنه لا يعلمه لماذا يقول؛ ويعلمه الإجابة، لكنه لا يعلمه السؤال.

وهذا ما انتقده باولو فريري في مفهومه الشهير عن «التعليم البنكي»؛ حيث يتحول المتعلم إلى وعاء تُودع فيه المعلومات، ويصبح المعلم الطرف الفاعل، بينما يظل الطالب طرفاً متلقياً يقتصر دوره على الحفظ والاسترجاع. وخطورة هذا النمط أنه قد ينتج أفراداً متعلمين في الشكل، لكنهم عاجزون عن إنتاج المعرفة أو نقدها أو إعادة تفسيرها.

إن عقل الطفل ليس وعاءً فارغاً يمكن ملؤه بما نشاء، وإنما هو كائن حي يتفاعل مع المعرفة ويعيد بناءها داخل خبرته. وهنا تكتسب أفكار بياجيه حول النمو المعرفي أهميتها؛ فالعقل لا ينمو بمجرد إضافة معلومات جديدة، وإنما ينمو عندما يواجه المشكلات والتناقضات ويعيد تنظيم بنيته المعرفية.

والطفولة هي منبع الفضول والدهشه والاسئلة الأولى : ما هذا؟ لماذا؟ كيف؟ من أين جاء؟ ولعل هذه الدهشة الفطرية هي أول منابع التفكير الفلسفي. وقد أكد غاريث ماثيوز قدرة الأطفال على طرح أسئلة فلسفية مبكرة تتعلق بالوجود والقيم والمعرفة واللغة. ولذلك فإن مهمة التربية الحقيقية ليست قتل السؤال الذي يولد مع الطفل، وإنما الحفاظ عليه وتنميته.

فالمشكلة ليست أن الطفل كثير السؤال، وإنما أن المدرسة قد تجعله أقل سؤالاً. يبدأ الطفل حياته مدهوشاً من العالم، ثم يتعلم تدريجياً أن هناك أسئلة لا ينبغي طرحها، وأفكاراً لا ينبغي مناقشتها، وأجوبة لا يجوز الشك فيها. وهنا تتحول التربية من صناعة العقل إلى إغلاق العقل.

ومن ثم فإن التربية الحقيقية لا تعلم الطفل ماذا يفكر فقط، وإنما تعلمه كيف يفكر. وهذه المسألة تزداد أهمية في عصر سريع التغير، حيث تتغير العلوم والتقنيات والمعارف بوتيرة غير مسبوقة، وحيث يعيد الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ووسائل الإعلام الجديدة تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل.

فكيف نعلم أبناءنا اليوم معارف قد تصبح قديمة قبل أن يغادروا المدرسة أو الجامعة؟ وكيف نعدهم لمهن لم تظهر بعد، ولمشكلات لم نعرفها بعد؟ فالمعرفة المتجددة تحتاج إلى عقل متجدد، والعقل المتجدد هو العقل الذي لا يخاف من مراجعة نفسه. ولهذا ينبغي الانتقال من تعليم المعرفة إلى تعليم إنتاج المعرفة، ومن تلقين الإجابات إلى صناعة الأسئلة، ومن الحفظ إلى الفهم، ومن الخوف من الخطأ إلى التعلم منه.

إن العلم في جوهره ليس مجرد تراكم للمعلومات، ولا مجموعة من النظريات والمعادلات، وإنما هو قبل ذلك كله طريقة في التعامل مع المشكلات الواقعية: ملاحظة المشكلة، وصياغة السؤال، واقتراح الفرضية، واختبارها، واكتشاف الخطأ، وتصحيح المسار، ثم تحويل المعرفة إلى ممارسة نافعة. ولذلك فإن قيمة العلم لا تقاس فقط بما يضيفه إلى المكتبات، وإنما أيضاً بما يضيفه إلى قدرة الإنسان على مواجهة مشكلات الحياة.

ومن هنا فإن مستقبل المجتمعات لا يتوقف على كمية ما تمتلكه من معلومات، بل على قدرتها على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى خبرة، والخبرة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة مستدامة على حل المشكلات. فالعلم الذي لا يغير شيئاً في حياة الناس يتحول إلى معرفة ساكنة، والعلم الذي يتحول إلى ممارسة حية يصبح قوة من قوى الحضارة.

لقد بدأ العلم عندما واجه الإنسان مشكلة، وسيظل حياً ما دام الإنسان قادراً على رؤية المشكلات بوصفها أسئلة قابلة للفهم والحل. أما الفلسفة فقد جاءت لاحقاً لتسأل: كيف نعرف؟ وما الذي يجعل معرفتنا علمية؟ وما حدودها؟ وما نتائجها؟ وبذلك فإن العلم ممارسة قبل الفلسفة التي تكفّلت برعايته، والبيئة هي المجال الحيوي لهذه الممارسة، والمكان هو مسرحها، والتاريخ ذاكرة لمسارها، والفلسفة وعيها النقدي، والحضارة هي المجال الذي تظهر فيه ثمارها.

ختاما نكرر: لم يولد العلم من رغبة الإنسان في امتلاك الحقيقة المجردة، وإنما من حاجته إلى أن يعيش؛ ثم جاءت الفلسفة بعد ذلك لتسأل عن معنى ما عرفه وكيف عرفه، وجاء التاريخ ليحفظ مسار هذه المعرفة، وجاءت الحضارة لتجسد نتائجها في العالم فأول علامة للحضارة ليست الأداة التي صنعتها يد الإنسان، وإنما اليد التي امتدت إلى إنسان آخر لكي تمنعه من السقوط.

سألت إحدى الطالبات ذات مرة عالمة الأنثروبولوجيا "مارجريت ميد" عما تعتبره أول علامة حضارة في تاريخ الإنسان.

توقع الجميع أن تحدثهم العالمة عن الخطافات أو الأواني الفخارية أو أدوات الصيد.....

لكن كان ردها معاكس لجميع التوقعات حيث قالت:"إن أول علامة على الحضارة في الثقافة القديمة هي الدليل الذي وجدناه، عبارة عن عظام لشخص اصيب بكسر في عظم الفخذ وشفي منه واستمر في الحياة.

في مملكة الحيوان عموماً، إذا كسرت رجلك، سوف تموت لا مفر من ذلك، حيث انك لن تتمكن من الهروب من الخطر المحدق بك من كل جانب أو الذهاب إلى النهر لشرب الماء أو البحث عن الطعام مثلاً، زيادة على ذلك ستصبح فريسة سهلة للحيوانات المفترسة، في الغاب لا ينجو أي حيوان كسرت ساقه، لعدم توفر الوقت لغاية شفاء العظم. إن عظم الفخذ المكسور الذي وجدناه والذي تم معالجته، دليل على أن شخصًا ما آخر استغرق وقتًا للبقاء مع المصاب وحمياته والاعتناء به لغاية ان يتعافى.

أن مساعدة شخص ما على تجاوز مصاعب الحياة هي نقطة البداية للحضارة ؛ ان الحضارة مساعدة مجتمعية "

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

يبدو العراق، في كثير من التفسيرات السياسية والاجتماعية، وكأنه يعيش أزمة جماهيرية قبل أن يكون في أزمة نخبوية؛ إذ كثيرًا ما تُفسَّر مشكلاته من خلال ضعف الوعي السياسي للمواطن، أو الانقسامات الاجتماعية والطائفية، أو قابلية الجمهور للاستقطاب، أو ثقافة الاتكالية السياسية.

غير أن هذا النوع من التفسير ينطوي على مشكلة منهجية عميقة، لأنه يبدأ من الطرف الأقل قدرة على صناعة القرار وينتهي إلى تحميله مسؤولية النتائج التي تصنعها الأطراف الأكثر قدرة على التحكم في القرار. 

فالجمهور قد يؤثر في السياسة من خلال الانتخابات والاحتجاج والقبول والرفض، لكنه لا يمتلك في العادة الأدوات التي تمتلكها النخب في صياغة القوانين، وتوزيع الموارد، وإدارة المؤسسات، وتحديد السياسات العامة، وإنتاج الخطابات التي يعاد من خلالها تشكيل الوعي الجمعي.

ومن هنا، فإن الانتقال من سؤال «ماذا يفعل الجمهور؟» إلى سؤال «من يملك القدرة على الفعل السياسي؟» يمثل انتقالًا من تفسير سلوك المجتمع إلى تحليل بنية السلطة. وهذه النقلة لا تعني إعفاء الجمهور من المسؤولية، ولا تنفي دوره في إعادة إنتاج النظام السياسي، وإنما تعني إعادة ترتيب المسؤوليات بحسب تفاوت القدرة على التأثير. فليست المسؤولية الأخلاقية والسياسية متساوية بالضرورة بين من يملك القرار ومن يخضع له، وبين من يصوغ قواعد اللعبة ومن يلعب داخلها.

وتزداد أهمية هذا التحول في الحالة العراقية؛ لأن إعادة تشكيل النظام السياسي بعد عام 2003 لم تكن عملية اجتماعية تلقائية، وإنما ارتبطت بقوى سياسية ونخب تفاوضت على شكل الدولة ومؤسساتها وتوزيع السلطة داخلها. وقد أظهرت دراسات الانتقال السياسي العراقي أن عملية الانتقال كانت إلى حد كبير عملية من أعلى إلى أسفل، قادتها مجموعة محدودة من النخب السياسية، في ظل غياب نقاش وطني واسع حول مستقبل الدولة وطبيعة تقاسم السلطة والثروة.

وعليه، فإن هذا المطلب ينطلق من فرضية أساسية: لا يمكن فهم أزمة الدولة العراقية من دون إعادة تحديد الفاعل الذي ينتج الأزمة ويستفيد منها ويملك في الوقت نفسه القدرة على تغييرها.

أولاً: نقد التفسير الذي يجعل الجمهور مصدر الأزمة

يقوم جزء من الخطاب السياسي التقليدي على افتراض ضمني مفاده أن المجتمع هو أصل المشكلة: الجمهور منقسم، أو طائفي، أو عشائري، أو غير قادر على ممارسة المواطنة بصورة حديثة. لكن هذا التفسير يغفل أن الانقسامات الاجتماعية لا تتحول بالضرورة إلى أزمات سياسية إلا عندما تدخل في بنية السلطة والمؤسسات.

فالطائفية، مثلًا، ليست مجرد اعتقاد اجتماعي أو انتماء ثقافي؛ إنها تصبح قوة سياسية عندما تقوم النخبة بتحويل الانتماء إلى وسيلة لتوزيع المناصب والموارد والتمثيل. وكذلك العشيرة لا تتحول بذاتها إلى بديل عن الدولة إلا عندما تتداخل مع السلطة السياسية والموارد العامة وشبكات الزبائنية. ولذلك ينبغي التمييز بين المجتمع بوصفه حاملًا لهويات متعددة وبين النخبة بوصفها الجهة القادرة على تحويل هذه الهويات إلى مؤسسات سياسية ومصالح منظمة.

وهنا تبرز أهمية إعادة النظر في مفهوم المسؤولية. فإذا كان المواطن يصوّت لحزب أو جماعة، فإن السياسي هو الذي يحول هذا التصويت إلى حكومة أو تشريع أو سياسة عامة. وإذا كان الجمهور يتأثر بخطاب طائفي، فإن إنتاج الخطاب السياسي وتوجيهه يقع بدرجة أكبر على عاتق النخب التي تمتلك وسائل الإعلام والمنابر والمؤسسات السياسية والدينية. وإذا كان المواطن يعتمد على شبكة من العلاقات للحصول على وظيفة أو خدمة، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند سلوكه، بل يجب أن يمتد إلى النظام الذي جعل الوصول إلى الحق العام مرتبطًا بالوساطة والولاء.

وتؤكد الدراسات الخاصة بالعراق بعد 2003 أن الزبائنية لم تكن ظاهرة هامشية، بل ارتبطت بتوزيع الموارد العامة عبر الانقسامات السياسية والفصائلية، بحيث أصبحت المحاصصة الطائفية جزءًا مؤسسيًا من البيئة التي تنتج الفساد والمحسوبية.

ومن ثم، فإن نقد التفسير الجماهيري لا يعني إنكار مسؤولية المجتمع، بل يعني رفض تسطيح المسؤولية السياسية. فالجمهور يمكن أن يكون شريكًا في إعادة إنتاج النظام، لكنه ليس بالضرورة صاحب المبادرة الأولى في إنتاج قواعده.

ثانياً: من مفهوم «النخبة» إلى مفهوم «شبكة النخب»

لا ينبغي استخدام مفهوم النخبة بصورة ضيقة للدلالة على السياسيين وحدهم. فالنخبة، بالمعنى السوسيولوجي والسياسي، تشير إلى أولئك الذين يمتلكون موارد تجعلهم قادرين على التأثير في اتجاه المجتمع: السلطة، والثروة، والمعرفة، والشرعية الدينية، والمكانة الاجتماعية، والقدرة التنظيمية، والسيطرة على وسائل إنتاج الخطاب.

وبهذا المعنى يمكن الحديث عن شبكة من النخب العراقية، تشمل:

- النخبة السياسية التي تمتلك سلطة التشريع والتنفيذ وصناعة القرار.

- النخبة الاقتصادية التي تمتلك رأس المال والقدرة على التأثير في توزيع الموارد.

- النخبة الدينية التي تمتلك أشكالًا من الشرعية الرمزية والأخلاقية.

- النخبة الأكاديمية والخبرائية التي تنتج المعرفة وتقدم المشورة وصياغات السياسات.

- النخبة العشائرية والاجتماعية التي تمتلك قدرة على الوساطة والتعبئة وحل النزاعات.

- النخبة الإعلامية والثقافية التي تسهم في إنتاج الصور والتمثلات السياسية.

- النخب النقابية والمهنية التي تمثل المصالح المنظمة للفئات المهنية.

- النخب المجتمعية والمدنية التي تمتلك قدرة على التعبئة والمساءلة والتأثير في الرأي العام.

وهذا التصور أكثر ملاءمة للحالة العراقية؛ لأن السلطة لا توجد في مكان واحد. إنها موزعة بين مؤسسات رسمية وشبكات غير رسمية، وبين الدولة والمجتمع، وبين السياسي والديني والاقتصادي والاجتماعي. وقد خلصت دراسة متخصصة في النخب العراقية إلى أن فهم ممارسة السلطة بعد 2003 يتطلب النظر إلى النخب السياسية والدينية والاقتصادية، وإلى الطريقة التي تستخدم بها هذه النخب الإدارة والقبيلة وغيرها من قنوات النفوذ.

ومن هنا يمكن إعادة تعريف النخبة لا باعتبارها «أقلية تحكم أغلبية» فقط، بل باعتبارها شبكة من المواقع التي تتيح لأصحابها إنتاج التأثير وتوزيعه. فقد لا يكون الأكاديمي صاحب قرار سياسي مباشر، لكنه قد ينتج المعرفة التي تستند إليها السياسات؛ وقد لا يكون رجل الأعمال صاحب منصب حكومي، لكنه يستطيع التأثير في القرار من خلال رأس المال؛ وقد لا يمتلك الزعيم الاجتماعي سلطة دستورية، لكنه قد يمتلك قدرة على التعبئة أو الوساطة تفوق أحيانًا قدرة المؤسسة الرسمية.

وبذلك تتحول دراسة النخبة من البحث عن «الأشخاص الأقوياء» إلى دراسة شبكة القوة نفسها.

ثالثاً: النخبة بين الموقع الاجتماعي والمسؤولية الأخلاقية

غير أن امتلاك موقع نخبوّي لا يعني بالضرورة امتلاك فضيلة أخلاقية. وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين: النخبة بوصفها موقعًا اجتماعيًا، والنخبة بوصفها مسؤولية أخلاقية.

فقد يكون الإنسان من النخبة لأنه يمتلك الثروة أو المنصب أو المعرفة أو النفوذ، لكن ذلك لا يجعله بالضرورة «نخبة مسؤولة». فالموقع الاجتماعي يصف ما يملكه الفرد من قدرة على التأثير، أما المسؤولية الأخلاقية فتتعلق بكيفية استخدام هذه القدرة ولأي غاية.

وهذه النقطة أساسية لفهم أزمة الدولة العراقية. فالمشكلة ليست في وجود النخب؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع حديث أن يعمل من دون نخب سياسية وعلمية واقتصادية وثقافية. المشكلة تبدأ عندما تتحول النخبة من وظيفة إنتاج المصلحة العامة إلى وظيفة إنتاج المصلحة الخاصة.

ومن هنا يمكن اقتراح تمييز منهجي بين ثلاثة أنماط:

النخبة الوظيفية: وهي التي تستخدم موقعها وخبرتها لأداء وظيفة محددة داخل المجتمع.

النخبة المصلحية: وهي التي تستخدم موقعها لحماية مصالحها أو مصالح شبكتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

نخبة الدولة: وهي التي تتجاوز المصلحة الخاصة نحو بناء المؤسسات وحماية المصلحة العامة، وتتعامل مع السلطة بوصفها مسؤولية تاريخية لا ملكية شخصية.

وبهذا المعنى، لا تكون النخبة الوطنية هي النخبة التي تتحدث كثيرًا عن الوطن، وإنما النخبة التي تقبل بأن تكون مصالحها الخاصة خاضعة لمصلحة الدولة والقانون.

وهنا يمكن استثمار مفهوم المسؤولية السياسية عند التفكير في النخبة العراقية: كلما ازدادت قدرة الفاعل على التأثير، ازدادت مسؤوليته عن النتائج. فالمسؤولية ليست مجرد نية حسنة، وإنما علاقة بين القدرة والفعل والنتيجة. ومن يمتلك القدرة على تغيير المؤسسات ولا يفعل، أو يستخدمها لمصلحة جماعته على حساب الدولة، لا يمكن مساواته أخلاقيًا بمن لا يمتلك أي قدرة على التأثير.

رابعاً: النخبة وإعادة إنتاج النظام السياسي

لا تكتفي النخبة في الأنظمة السياسية بإدارة الواقع، بل تستطيع إعادة إنتاجه. وهذه نقطة جوهرية في فهم الحالة العراقية؛ لأن النظام لا يستمر فقط بسبب القوانين الرسمية، وإنما بسبب مجموعة من القواعد غير الرسمية وشبكات المصالح التي تجعل استمراره مفيدًا للقوى المهيمنة عليه.

بعد عام 2003، نشأ نظام سياسي قائم رسميًا على مؤسسات ديمقراطية وانتخابات ودستور، لكنه تطور في الممارسة ضمن تسوية سياسية غير رسمية ذات طابع توافقي ومحاصصي. وقد بينت دراسات حديثة أن هذا الترتيب نقل جزءًا مهمًا من القوة من الجهاز البيروقراطي المستقل نسبيًا إلى الأحزاب السياسية التي أصبحت أكثر قدرة على التحكم في المؤسسات والموارد العامة.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الدولة موجودة مؤسسيًا، لكنها ليست بالضرورة مستقلة عن النخب التي تديرها.

فالوزارة قد تكون مؤسسة دستورية، لكنها تصبح عمليًا مرتبطة بالحزب الذي يسيطر عليها. والوظيفة العامة قد تكون حقًا قانونيًا، لكنها قد تتحول إلى مكافأة سياسية. والموارد العامة قد تكون ملكًا للمجتمع، لكنها تصبح مجالًا للمساومة بين القوى السياسية. وبذلك لا يجري إلغاء الدولة، وإنما يجري إعادة توزيع الدولة داخل شبكات النفوذ.

وقد أظهرت أبحاث حديثة أن النظام التوافقي غير الرسمي في العراق ساهم في إضعاف استقلال الجهاز البيروقراطي، وأن توزيع الوظائف والموارد وفق الولاءات الحزبية أدى إلى تقويض التماسك المؤسسي للدولة.  وتشير دراسات أخرى إلى استمرار الزبائنية السياسية بوصفها آلية قابلة للتكيف مع تغير الأنظمة، من العهد الملكي إلى النظام الحالي.

وهذا يعني أن أزمة الدولة ليست مجرد «فساد أفراد»، بل قد تكون فسادًا في قواعد إنتاج السلطة نفسها.

خامساً: من النخبة السياسية إلى النخبة المستحوذة

تزداد خطورة الظاهرة عندما لا تكتفي النخب بالسيطرة على القرار، بل تسعى إلى السيطرة على مصادر إنتاج القرار. وهنا ننتقل من النخبة الحاكمة إلى النخبة المستحوذة.

فالنخبة المستحوذة لا تريد فقط أن تحكم الحكومة؛ إنها تريد التأثير في البرلمان، والإدارة، والموارد، والإعلام، والاقتصاد، والتعيينات، وأحيانًا في المجال الأمني والاجتماعي. وبذلك تصبح الدولة نفسها موردًا تتنافس النخب على السيطرة عليه.

وتتضح هذه الظاهرة بصورة خاصة في الاقتصاد الريعي العراقي؛ إذ إن اعتماد الدولة الكبير على الإيرادات النفطية يجعل السيطرة على الدولة ذات قيمة اقتصادية هائلة، لأن الوصول إلى السلطة يعني القدرة على التأثير في توزيع مورد عام واسع. وقد خلصت دراسة حديثة عن النخبة السياسية العراقية إلى أن الاقتصاد الريعي والنظام الطائفي يخلقان منافسة بين النخب للسيطرة على إيرادات الدولة، مع إهمال المصالح طويلة الأمد للمجتمع.

سادساً: سؤال المسؤولية ـ من يملك القدرة ومن يتحمل النتائج؟

يصل التحليل هنا إلى السؤال المركزي للمطلب: من يملك القدرة على التأثير، ومن يتحمل مسؤولية نتائج هذا التأثير؟

إن الإجابة تتطلب تجاوز التصور البسيط الذي يساوي بين جميع الفاعلين. فالمواطن يمتلك صوتًا انتخابيًا، لكن السياسي يمتلك أدوات التشريع والتنفيذ. والمواطن قد يطلب خدمة عامة، لكن المسؤول يملك قرار تخصيص الموارد. والموظف قد يخضع لنظام إداري، لكن القيادة السياسية قد تحدد قواعد التعيين والترقية. ولذلك ينبغي أن تكون المسؤولية متناسبة مع درجة القدرة على صناعة القرار.

ولا يعني ذلك أن الجمهور بريء بصورة مطلقة؛ فالجمهور يمكن أن يعيد انتخاب النخب نفسها، أو يقبل شبكات الزبائنية، أو يعيد إنتاج الانقسامات. لكن هذه المشاركة ينبغي فهمها ضمن بنية أوسع تحدد الخيارات المتاحة أمامه. فالمواطن الذي يطلب خدمة عبر وسيط لا يمكن وضعه في المستوى الأخلاقي نفسه مع الفاعل الذي أنشأ نظام الوساطة وجعلها شرطًا للحصول على الحق.

وهذه النتيجة تكتسب أهمية خاصة في العراق، حيث تشير الأدبيات الحديثة إلى أن التحالفات النخبوية لا تتطابق دائمًا مع الانقسامات الطائفية أو الإثنية البسيطة؛ فقد تتجاوز النخب هذه الهويات عندما تتعلق المسألة بالمساومة على السلطة والموارد. وتكشف دراسات السوق السياسية المحلية أن التحالفات بين النخب يمكن أن تتجاوز الانقسامات الهوياتية، بينما تؤدي أولوية شراء الولاءات والمحسوبية على تقديم الخدمات إلى عجز مزمن في الحكم.

وهذا يقود إلى نتيجة شديدة الأهمية: ليست الهوية وحدها هي التي تفسر سلوك النخبة، بل المصلحة أيضًا. ولذلك فإن اختزال السياسة العراقية في الطائفية قد يحجب البنية المصلحية التي تستخدم الطائفية أحيانًا كأداة لتنظيم النفوذ وتقاسم الموارد.

سابعاً: من نقد النخبة إلى إعادة تعريف الفاعل السياسي

إن إعادة تحديد الفاعل السياسي لا تعني استبدال «الجمهور» بـ«النخبة» بوصف أحدهما سببًا مطلقًا للأزمة، وإنما تعني الانتقال من تفسير أحادي إلى تحليل متعدد المستويات للسلطة. فالجمهور والنخبة والمؤسسة والسوق والهوية والإعلام كلها عناصر متفاعلة، لكن وزنها في صناعة القرار ليس متساويًا.

ومن هنا ينبغي النظر إلى العراق بوصفه نظامًا تتحرك داخله عدة دوائر:

دائرة القرار: السياسيون وصانعو السياسات.

دائرة التأثير: رجال الأعمال، رجال الدين، الأكاديميون، الإعلام، الزعامات الاجتماعية.

دائرة إعادة الإنتاج: الأحزاب، الشبكات الزبائنية، المؤسسات، التحالفات غير الرسمية.

دائرة الاستجابة: الجمهور، الحركات الاحتجاجية، المجتمع المدني، الناخبون.

وعندما تتداخل هذه الدوائر، يصبح السؤال عن «من يحكم العراق؟» أكثر تعقيدًا من البحث عن الحكومة الرسمية. فالحكم الفعلي قد يكون موزعًا بين مؤسسات الدولة وشبكات النفوذ التي تعمل داخلها وحولها.

وهذه النتيجة تنسجم مع الدراسات التي ترى أن السياسة العراقية بعد 2003 لا يمكن فهمها من خلال المؤسسات الرسمية وحدها، لأن العلاقات الشخصية وشبكات المحسوبية والروابط الجماعية أصبحت ذات أهمية كبيرة في تشكيل النظام السياسي ومخرجاته.

خاتمة

يتبين من هذا التحليل أن الانتقال من «الجمهور» إلى «النخبة» ليس مجرد تغيير في موضوع الدراسة، بل هو تغيير في زاوية النظر إلى الأزمة العراقية نفسها. فبدل أن نبدأ بالسؤال عن سبب فشل المجتمع في إنتاج دولة مستقرة، ينبغي أن نبدأ بالسؤال عن القوى التي امتلكت القدرة على تصميم النظام السياسي، وإدارة مؤسساته، وتوزيع موارده، وإنتاج شرعياته، ثم نسأل بعد ذلك عن كيفية تفاعل الجمهور مع هذا النظام.

إن النخبة، في الحالة العراقية، ليست طبقة سياسية مغلقة، وإنما شبكة متعددة من الفاعلين الذين يمتلكون موارد مختلفة للتأثير. ولذلك فإن دراسة النخبة ينبغي أن تشمل السياسي والديني والاقتصادي والأكاديمي والعشائري والإعلامي والمجتمعي. غير أن هذا الاتساع لا ينبغي أن يؤدي إلى تمييع المسؤولية؛ إذ إن المساواة بين امتلاك الموقع وامتلاك القدرة ليست صحيحة، كما أن امتلاك القدرة يرفع مستوى المسؤولية عن نتائج استخدامها.

والنتيجة الأهم أن أزمة العراق لا يمكن تفسيرها فقط بانقسام المجتمع، بل ينبغي البحث في الطريقة التي تقوم بها النخب بتحويل الانقسامات الاجتماعية إلى قواعد سياسية، وتحويل الموارد العامة إلى أدوات للولاء، وتحويل الدولة من فضاء للمصلحة العامة إلى مجال للتنافس على النفوذ. وقد أظهرت الأدبيات الحديثة حول العراق أن الترتيبات التوافقية والمحاصصية أسهمت في تقوية نفوذ الأحزاب داخل الجهاز البيروقراطي وإضعاف استقلال مؤسسات الدولة، فيما ساعد الاقتصاد الريعي على جعل السيطرة على موارد الدولة محورًا أساسيًا للمنافسة النخبوية.

ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي ليس إلغاء النخب، وهو أمر مستحيل في المجتمع السياسي الحديث، وإنما الانتقال من نخبة تستمد قوتها من الدولة إلى نخبة تستمد شرعيتها من قدرتها على بناء الدولة.

***

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

ما زالت دراسة لويس تيرمان التي انطلقت عام 1921 تستحضر في الكتابات المعاصرة كحكاية تأسيسية عن العلاقة بين الذكاء والانجاز، كما حدث مؤخرا في مقال استعرض مسار هؤلاء الاطفال المتفوقين دراسيا ليخلص الى ان العبقرية ليست مجرد درجة ذكاء مرتفعة. لكن الوقوف عند هذه النتيجة وكانها اكتشاف حديث يكشف عن ارتباك منهجي اعمق، فالمشكلة ليست في ان تيرمان اخطا التوقع، بل في ان ادواته ومفاهيمه كانت مهترئة منذ البداية، وفي ان اعادة تدوير حكايته اليوم، دون تفكيك اسسها، يعني تكرار ذات الاخطاء التي وقع فيها قبل قرن كامل.

تلك الدراسة التي يعاد الاحتفاء بها لم تكن مجرد تنبؤ خاطئ، بل كانت وليدة تصور ضيق للقدرة الانسانية، اختزل فيه العقل البشري في بضع مهارات لغوية ورياضية يمكن قياسها بارقام صماء. وهذا الاختزال ليس هامشيا، بل هو الجذر الذي انتج كل الارتباك اللاحق. وكأنما كان البرت اينشتاين يقرا نتائج تيرمان قبل ان تصدر، حين قال ساخرا: "كل انسان هو عبقري بشكل او باخر، لكن المشكلة اننا نحكم على الجميع من خلال مقياس واحد، فلو قيمنا سمكة من خلال مهارتها في تسلق شجرة، فانها ستعيش طوال حياتها معتقدة انها غبية." فالعلم المعرفي الحديث لم يعد ينظر الى الذكاء بهذه الاحادية، بل اثبت ان النجاحات الكبرى والاكتشافات الفارقة لا تنبثق من هذا النوع المجرد من التفوق العددي، وانما من تفاعل معقد بين انماط متعددة من الذكاءات: طبيعية، اجتماعية، عملية، وقدرات على التكيف مع البيئة والمجتمع. ان تجاهل هذه الابعاد في دراسات مثل دراسة تيرمان، وفي المقالات التي تستعيدها اليوم، لا يبقي النقاش في دائرة القصور المنهجي فحسب، بل ينقل هذا القصور الى فهمنا المعاصر للابداع.

والاكثر اشكالية من حصر الذكاء في مقياس واحد، هو التصور الرومانسي الذي يروج له كثير من هذه الكتابات عن "العبقري المتكامل"، ذلك الشخص الذي يملك شخصية استثنائية في جميع جوانبها المعرفية والاجتماعية. هنا يكمن احد اعقد اوجه الارتباك في تراثنا الفكري عن التفوق. فالتاريخ العلمي يثبت عكس ذلك تماما: كثير من العلماء والمبتكرين الذين قلبوا مفاهيم عصرهم راسا على عقب، كانوا يعانون من بلادة واضحة في علاقاتهم الاجتماعية، وسطحية مزمنة في وعيهم السياسي، وقصور كبير في تدبير ابسط شؤون حياتهم اليومية. لقد تحقق انجازهم نتيجة انغماس هوسي في فكرة بحثية واحدة ضيقة، دفعتهم الى تهميش كل شيء اخر، بل واقصاء التواصل الانساني ذاته. هذه الظاهرة، التي تغيب تماما عن السرديات الشائعة، تحيل العبقرية من صفة شاملة الى نوع من "الخلل الوظيفي المعرفي" المنتج، حيث يتحول التركيز المفرط على جبهة بحثية مدعومة بذكاء طبيعي كاف وظروف اجتماعية - اقتصادية مواتية، الى المحرك الفعلي للاكتشاف، وليس تلك الصورة الشعرية للمفكر الموسوعي المتامل. وهنا يستحضرنا قول علي الوردي، الذي ذهب في تحليله للشخصية المبدعة الى اعتبار العبقرية "اجتماع النقائض في شخصية واحدة"، فالمبدع الحقيقي، كما يرى الوردي، ليس ذلك الكائن المتوازن الذي تجتمع فيه الفضائل، بل هو كائن تعيش فيه التناقضات بعنف، مما يجعله غالبا غير مؤهل للحياة الاجتماعية الرتيبة، لكنه مؤهل لان يرى ما لا يراه الاخرون، وهو ما يذكرنا ايضا بتعريف ارثر شوبنهاور للعبقرية بانها "القدرة على ضرب هدف لا يستطيع احد ان يراه"، فالموهبة تضرب اهدافا مرئية، اما العبقرية فتصنع اهدافها الجديدة من رحم ذلك الخلل المعرفي المنتج.

ان اغفال هذا البعد في قراءة دراسة تيرمان وفي تحليل شروط الابداع عموما، يقود الى فهم مشوه لدور البيئة. فالمقالات التي تستعيد قصص "الصدفة التي قادت الى البنسلين" او "الطفلين المرفوضين اللذين نالا نوبل" تقدم لنا العبقرية وكأنها نتاج لحظات انتباه فردية او مفارقات تاريخية طريفة، متناسية ان هذه الحالات الاستثنائية لا تصبح اكتشافات الا حين تصادف بيئة ممولة، ومؤسسات احتضنها التاريخ، وفرصا هيكلية تتيح للانغماس الفكري ان يتحول الى نتاج تطبيقي. صحيح ان توماس اديسون عرف العبقرية بانها "واحد بالمئة الهام وتسعة وتسعون بالمئة عرق"، لكن ما تغفله هذه المقولة الشهيرة، وتسقطه ادوات قياس مثل اختبارات تيرمان، هو ان هذا "العرق" لا يثمر شيئا ما لم يصادف ارضية خصبة من التمويل والمؤسسات الراعية، والا لكان كل مجتهد مكافح عبقريا، وهو ما لا يحدث. فالمحاولات الكثيرة وتراكم الاعمال العادية التي تشير اليها تلك المقالات ليست اكثر من شرط ثانوي اذا لم تقترن ببنية داعمة تنفض عنها الغبار وتحولها الى انجاز. على النقيض من كل ذلك، يصر الخطاب السائد على تحميل الفرد وحده مسؤولية عبقريته، وكأنه يطفو فوق السياق، متجاهلا ان اثينا وفلورنسا وبغداد زمن بيت الحكمة لم تنتج عباقرتها لان سكانها تغيروا جينيا، بل لان افكارها تلاقحت في فضاءات مفتوحة ودعمتها بيئة راعية.

ثمة ارتباك اخير يكشف عن هشاشة هذه النماذج التفسيرية، وهو الخلط بين العبقرية كخاصية ذاتية قابلة للقياس، والعبقرية كحكم يصدره التاريخ بعد وقوع الانجاز. فان فان كوخ لم يكن اقل ابداعا في حياته، لكن لقب العبقري لم يلصق به الا بعد موته، مما يثبت ان هذا الوصف ليس صفة بيولوجية مغلقة او هالة اسطورية تمنحها المقاييس او المصادفة، بل نتاج تاويلات متاخرة تخضع لتقلبات الذائقة والظروف الثقافية. وهذا بالضبط ما كان يشير اليه علي الوردي في حديثه عن "عبقرية الهامش" حين راى ان الافكار الكبرى غالبا ما تولد في السياقات المتوترة والمهمشة، ولا يصنعها العقل الهادئ المستقر. فالتأويل المتاخر، كما في حالة فان كوخ او حتى في حالة اعادة اكتشاف اعمال اسحاق نيوتن، يثبت اننا لا نمنح لقب العبقري لمن يمتلك قدرات خارقة فحسب، بل لمن يتوافق ناتجه الفكري مع حاجات العصر وتقلبات الذائقة الثقافية. وحتى علم الاعصاب، الذي يحاول تلمس "مركز العبقرية" في الدماغ، كما حدث مع دماغ اينشتاين، لم يجد سوى فوضى تركيبية لا تفسر شيئا، بل ان حالات الخرف النادرة التي تطلق مواهب فنية دفينة تذكرنا بان الدماغ لا يزال يحتفظ باسرار تجعل كل يقين سابق حول العبقرية مجرد وهم.

ان الخروج من هذا الارتباك يتطلب تجاوزا جذريا للنماذج التفسيرية التي ظلت اسيرة لتلك الدراسة العتيقة وللحكايات القصصية المتراكمة. العبقرية، في ضوء ما نعرفه اليوم عن العقل البشري، ليست صفة يمتلكها الفرد بمعزل عن العالم، بل هي حصيلة تضافر ظرفي لحظوي بين استعدادات معرفية وهوس تخصصي، من جهة، وبيئة داعمة ممولة ومؤسسات عاقلة وفرص هيكلية، من جهة اخرى. وبدلا من الاصرار على التنقيب عن العباقرة في قوائم درجات الذكاء او في سرديات الصدفة الملهمة، ربما ينبغي لنا ان نطرح السؤال الاكثر ازعاجا: كم عبقريا مر من جانبنا في العقود الماضية، ودفنته بيئة غير مهيأة، او مؤسسات غير مكترثة، او فهم قاصر لطبيعة الابداع الحقيقية؟ طالما ظللنا نعيد تدوير اخطاء تيرمان ومن خلفه، فان اجابتنا عن هذا السؤال ستظل عاجزة، مثل تلك الدراسة التي مرت العبقرية من بابها فلم ترها.

***

ا. د. محمد الربيعي

هل أخطأ المفكر المصري جمال حمدان حينما وهب حياته وقلمه وسنوات عمره في سبيل الجغرافيا؟ على مستوى التقييم الشخصي فإن جمال حمدان يعد ملمحاً حضارياً وثقافيا لمصر الباهرة في سنواتها النضرة، ومن قبله كان أيضاً الجغرافي الموسوعي الدكتور محمد عوض الذي على حد اليقين لا يعرفه الطلاب المتخصصون في الجغرافيا اللهم من ألهمه الله بصيرة في التقاط اسم المؤلف على صدر كتابه .

ونتيجة التغافل الإعلامي بصحفه وقنواته الفراغية وشبكات التواصل الاجتماعي التي لا تخلو من صفحات عن الحب والغرام والنكات السخيفة وطبق اليوم لم يعد طالب الجامعة ولا المواطن يفطن من علم الجغرافيا سوى العبارة الاستثنائية في مسرحية العبقري فؤاد المهندس والمشهد الذي جمعه والفنان الملتزم جمال إسماعيل حينما أخطأ في نطق كلمة الجغرافيا بـ ” فنوغرافيا ”، ومع ذلك استمرأ الإعلام ومؤسسات الثقافة بالجغرافيا وكأن ثمة عوامل تتضافر بشراهة واشتهاء عجيب في إعلان الموت الإكلينيكي للجغرافيا وفروعها .

(أ) مَوْتُ الجُغْرَافيَا:

ولأن الجغرافيا هو أول دروس الهوية والوطنية التي تعلمناها منذ الصغر في المرحلة الابتدائية، فإنه من الأحرى تنبيه الجغرافيين المصريين بطروحاتهم التنظيرية المكرورة بحقيقة قد تكون غير طيبة أخبارها، وهي أن ثمة تحديات تزلزل عرش الجغرافيا المصرية لاسيما منذ السقوط الثقافي الذي أعقبه سقوط أخلاقي عقب الانتفاضة الشعبية في يناير 2011 أي منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير حينما تفرغ الشباب والشيوخ إلى تحليل المشهد السياسي وإسقاط كل ما بداخلنا من مركبات وعقد نفسية صوب الحراك السياسي الذي استمر حتى عزل الرئيس المعزول بإرادة شعبية وطنية في الثلاثين من يونيو 2013 .

هذا السقوط الثقافي الجغرافي تمثل في تقاعس الجغرافيين المصريين في تكريس وتعزيز الهوية الوطنية لدى الشباب عن طريق توجيه ولفت انتباههم نحو الأماكن التاريخية والجغرافية الساحرة في مصر المحروسة، وكان ينبغي على أولئك المهتمين بعلم الجغرافيا والآثار والتاريخ أن يتبنوا مبادرة وطنية خالصة لوجه الله والوطن في تنمية الوعي الوطني وتعزيز الانتماء لمصر المحروسة وحضارتها الضاربة في عمق التاريخ . وماذا كان سيضرهم في الماضي أو في الأيام المقبلة لو أن أساتذة الجغرافيا بجامعاتنا المصرية قاموا بتدشين مبادرة عنوانها اعرف بلدك لتكتشف انتماءك، تقوم هذه المبادرة قبل أن تسقط الجغرافيا سقوطها الأخير بغير قيام في الترويج للأماكن التاريخية كالمتاحف والمعابد والقرى التاريخية الساحرة المنتشرة في كافة ربوع مصر، والمحميات الطبيعية التي تزيد وتعمق من إيماننا بقدرة الخالق سبحانه وتعالى والإيمان بإبداعه لأنه بحق البديع .

وربما مصطلح ” وفاة الجغرافيا ” لم يكن جديداً على المشهد الثقافي، فلقد تنبأ البعض بهذه الوفاة الاضطرارية، تحديداً حينما زعم توفلر في سنة 1970 في كتابه ” صدمة المستقبل ” حيث قال إن تطور تكنولوجيا النقل والمواصلات ونمو الميديا المعرفية وتدفق الأشخاص المكثف أدى إلى نتيجة وهي أن المكان لم يعد مصدراً رئيساً وأساسياً للتنوع، وهو ما يهدم المزية التاريخية لعلم الجغرافيا وهي المكان، فالجغرافيا هي إنسانية المكان . وبفضل الثورة المعلوماتية والتطور التكنولوجي والتثوير الاقتصادي الذي عرف بعد ذلك بمصطلح العولمة والاقتصاد الحر تم اعتبار الجغرافيا حقلاً معرفياً وتنظيرياً فقط، بل إن الجغرافيين اليوم وتحديداً منذ نكسة يونيو 1967 فشلوا في تحديد دور إيجابي لهم يربطهم بالمكان والحجم والموقع لأنهم باختصار أجهدوا أنفسهم في تحليلات وطروحات فكرية وصاروا رهن ما تنبئهم به الخريطة التي لم تعد كما كانت . وبعدما كانت الجغرافيا خريطة سهلة واضحة المعالم أصبحت اليوم بفضل التدفق البشري والتغيير الثقافي المرتبط بالسلع والمنتجات جغرافيات جديدة ومعقدة يصعب فهمها وتحليلها .

ويبدو أن جغرافي مصر قد اغرورقوا حتى الثمالة في جغرافيتهم السياسية التي لم يتعد لها مكان اليوم لأنهم باختصار أعني وأقصد كتاباتهم وليس شخصهم الكريم فقدوا السيطرة على ترويض غول العولمة الذي استطاع بكفاءة أن يسقط الخريطة ويودي بحياتها اللهم سوى وجودها على استحياء في كتب الدراسات الاجتماعية بالمرحلة الابتدائية، وجعلوا اهتمامهم داخل المحاضرات إن اهتموا بالذكر أو من خلال كتاباتهم الصحافية بمناهضة العولمة، والأخيرة دوما في صراع ضد العقل الذي لا يعترف بالقوميات أو بالهويات الوطنية بقدر ما يسمح بالتعدد والتنوع الثقافي المرتبط بالناحية الاقتصادية فحسب .

وتجئ هذه السطور بسبب زيارة أعدها تاريخية على المستوى الشخصي لأنها أعادت اكتشاف إنسانيتي لكافة المناطق السياحية والأثرية التاريخية بمحافظات قنا والأقصر وأسوان بمشاركة طلاب من جميع الجامعات المصرية، واكتشفت والطلاب هذا الأثير الطاغي الذي تخلل أنسجتنا الوطنية ونحن نتفقد حضارتنا المصرية الساحرة والقاهرة والشاهدة على أن وطنا كمصر يستطيع أن يتغلب على جميع مشكلاته المعاصرة، وليس بمقدور كيان صغير أو دويلات فقيرة التاريخ والأصل والنسب أن تتغلب على مصر وطنا وشعب عن طريق حملات دعائية مستخدمة فيها الإعلام المشبوه والمشوه . وقررنا جميعا عندما نعود أن يستغل كل منا هذه الطاقة الإيجابية التي اكتسبناها من خلال زيارة متحف النوبة ومعبد دندرة وفيلة والكرنك والبر الغربي وحتشبسوت وغيرها من المناطق الرائدة في الترويج لمصر وتعميق الرؤية الوطنية لدى شبابنا، فإذا كانت الجغرافيا في طريقها إلى الوفاة الإكلينيكية إلا إذا استفاقت لدورها وتاريخها، فنحن بحاجة إلى علم جغرافي شعبي جديد يمكننا من مناهضة فتور الانتماء الوطني وفقر الوعي الحضاري لمكانة مصر العظيمة عن طريق توجيه مستمر لأهمية هذه المزارات وتاريخها وأن وجود الشباب في هذه البقعة الجغرافية الساحرة المسماة بمصر كفيل بأن يستطيعوا الوصول إلى عنان التقدم وارتياد منصات التتويج الثقافي والحضاري.

والملمح الأكثر حضورا ونحن ننعي حال الجغرافيا في تكريس وتعزيز الانتماء الوطني والوعي القومي هو أن جهات بعينها داخلية وخارجية تسعى إلى تقويض الهوية المصرية، وتسعى في الخريطة فساداً وخراباً لطمس ملامحها الأزلية تحديداً تلك الملامح التي تتعلق بحقنا الأصيل في الحصوصل على ترتيب الأول حضاريا وثقافيا لما نمتلكه من مظاهر وأماكن وصفات استثنائية . وبحق، فإن الجغرافيا ستموت إذا ما انصرف الجغرافيون عنها واهتموا بالدراسات الاجتماعية أو السيسيولوجية واعتمدوا على الدراسات الاجتماعية الاقتصادية وغفلوا عن مجالهم الصحيح والحيوي هذه الأيام وهو تدعيم الانتماء الوطني لدى الشباب .

ويكفيك أن تهتم على عجلٍ بتصفح كتاب Geographies of Globalization للأكاديمي النيوزلندي ورويك موراي المنشور في نسخته العربية في العام(2013) والذي تناول العلاقة بين الجغرافيا والعولمة، وهذا الكتاب صال وجال للبحث عن إجابة حصرية وحاسمة لسؤال: هل ماتت الجغرافيا ؟، وفي هذا الكتاب رصد حالة انخفاص الصلة بين علم الجغرافيا الأكاديمي والمحبوس في الكتب التنظيرية الجافة والأبحاث والدراسات الكاذبة التي لا تمت للواقع بصلة وبين العولمة التي تتصاعد حدتها ويتعالى نشاطها الاقتصادي والتنويري والاقتصادي، ومدى انحسار وفتور الوعي الوطني لدى الأمم نتيجة استغراق معظم الشباب في اللهاث وراء كل غريب ووافد وأجنبي. ولا شك أن الكتاب انتهى بنتائج غير سارة بالنسبة للجغرافية ومستقبلها المعاصر .

واليوم وفي ظل المحاولات والمساجلات المحمومة والمريضة الموجهة صوب مصر من أجل إبعادها عن دورها الريادي في المنطقة والعالم فإن الجغرافيا دورها اليوم بات ضروريا وملحاً، وعلى الجغرافيين اليوم أن يجتمعوا على هدف واحد ومهمة وطنية محددة وهي تنمية الوعي الحضاري وتعزيز الانتماء الوطني لدى شباب هذه الأمة .

(ب) جمال حمدان .. فارس المكان وبوصلة عشق الوطن:

إنه جمال حمدان، باختصار لا يشوبه التقصير وباختزال لا يتعريه طول التفسير هو فارس المكان، وهو البوصلة القادرة على التحشيد بغير انتفاضات شعبية نحو عشق الوطن وافتراس تفاصيله الجميلة بجنون، جمال حمدان حينما نتكلم عنه فإننا لا شعورياً نتجه باتجاه الوطن ونلامس أراضيه، وتأبى اللغة أن تتحدث عنه بلغة نثرية علمية جافة بل تجبرنا كتاباته ومسيرة حياته أن نتخلى ولو نسبياً عن جفاف اللغة العلمية ونلجأ إلى اللغة الشاعرية التي بحق تناسب مقامه ومكانته وتوازي عشقنا وعشقه للوطن.

والمدهش أن قراءتنا بغير تأويل أو عقد نقدية تجرنا لمساحات بعيدة عن الوطن، لكتابات المفكر الجغرافي الدكتور جمال حمدان هي قوة إجبارية تفرض علينا التفكير في واقعنا المصري المتسارع سياسياً والبطئ نحو النهضة والارتقاء، فجمال حمدان من خلال ما سطره من كتابات مثل الموسوعة العبقرية شخصية مصر، والقاهرة، والعالم الإسلامي المعاصر، واستراتيجية الاستعمار والتحرير، وكتابه المتميز عن اليهود كلها تؤكد أولاً نظرته العميقة للمستقبل وكأن ما سطره كان أشبه بصيحات التحذير لما نحن فيه الآن من أزمات ومثالب سياسية واجتماعية.

فمكانة مصر التاريخية والاستراتيجية الراهنة تجدها في هذه الكتابات المتميزة، التحذير من فوضى التعصب والتطرف تلمسها في سطور متناثرة خطها بقلمه حينما تحدث عن وسطية هذا الوطن العظيم، فهو يقرر أن مصر لموقعها الجغرافي المتوسط بين قارات العالم اتخذت لها موضعاً أكثر وسطية، ونجحت بالفعل لسنوات بعيدة أن تحافظ على هذه الخصوصية التي تحتوي متناقضات ومتضادات عجيبة في صورة أعجب وأبلغ، وإذا استقرأنا مهاد مصر لاكتشفنا أنها لم تعرف أبداً طوال تاريخها الضارب في القدم أنصاف الحلول أو المغالاة في التمايز لطرف في أقصى اليمين أو أقصى اليسار، بل كانت وسطاً دائماً في النظرة والتفكير والاختيار، وربما هذه الوسطية هي التي أفرزت لنا قاماتنا الفكرية بتعددها الأيديولوجي كالشيخ محمد عبده وطه حسين والعقاد وسلامة موسى وزكي نجيب محمود وغيرهم مما تحفظهم الذاكرة .

كما يشير عبقري المكان الدكتور جمال حمدان إلى أن هذه الوسطية التي تميزت بها مصر حفظت لها وحدتها السياسية، مع وجود مساحات متفاوتة زمنيا من الجدال السياسي لا كالذي نشاهده ليل نهار إما في برلمان المرجعية الدينية المنحل، أو في برامج الفضائيات المكرورة التي توصف دوماً بأنها فراغية الجوهر، كالفراغ الذي الذي لا حيز له ونحترف في إهداره بمهارة فائقة تشبه إضراباتنا واعتصاماتنا ومليونياتنا الثورية التي تصيب جسد هذا الوطن بسهام نافذة مميتة .

وثمة كتابات نجدها مطروحة تفتش عن ذكريات أكاديمية للدكتور جمال حمدان، وأخرى تتناول كيف كان يعيش في قرية ” ناي ” مسقط رأسه بمحافظة القليوبية، ومدرسته الابتدائية بشبرا حينما انتقل مع والده معلم اللغة العربية وغير ذلك من القصص التي تشبه رواية الأيام للتنويري المفكر المجدد الدكتور طه حسين، رغم أنه من الأحرى التأكيد على صياغاته الفكرية عن مصر وتحليلاته التنظيرية التي تؤكد عمق هذا الوطن الضارب في التاريخ بقوة، والتي تدفع الناشئة والكبار أيضاً إلى زيادة الوعي بماضي هذه الأمة ومن ثم زيادة التوعية والانتباه بمستقبلها الذي بدا بعض الشئ مترنحاً وغامضاً في ظل هذا التصارع السياسي على إسقاط مصر وهي في حقيقة الأمر وطن صعب مراسه.

فجمال حمدان يؤكد في مجمل أعماله ويقرر أن مصر محكوم عليها بالعروبة والزعامة، وأن من قدرها أن تكون رأس العالم العربي، وقلبه، وضابط إيقاعه، وفي هذا الصدد يقر حقيقة بالغة الأهمية في ظل ظروفنا السياسية الراهنة وهي أن مصر أكثر من عضو ضخم في الجسد العربي، بل هي رأسه المؤثر، وجهازه العصبي المركزي الفعال والنشط والمحرك. ولم ينس العبقري جمال حمدان مرحلة أكتوبر بانتصاراتها المجيدة فنجده يعتبر مصر أكتوبر دليلاً قاطعاً على الشعب المحارب، وتكذيباً دامغاً لنظرية الشعب غير المحارب.

ورغم هذا العشق المستدام الذي يربط الدكتور جمال حمدان بمصر وطناً ومكاناً متميزاً، نجده شديد التأثر مرارة وحزناً بواقع مصر أيامه والتي تتشابه كثيراً مع واقعنا الراهن المحموم والمستعر غضباً واحتجاجاً، فهو يرى ـ في وقته ـ أن مصر بحاجة ماسة إلى إعادة التفكير وإطالة النظر بعمق وتدبر في كيانها وهويتها ومصيرها، وهذا يدفعنا للتأكيد على أن مصر بعمقها وحضارتها وتاريخها وطن يصعب مراسه وتطويعه ولي ذراعه بتيارات وأفكار تسعى إلى إجهاض تنويره واستنارته، فإن هذا يتطلب مزيداً من العمل الدءوب بشأن تثوير الطاقات المنتجة، والعقول الأكثر إنتاجاً، وهذا لا ولن يتحقق إلا من خلال منطلقات ومرتكزات ثابتة نسبياً تشترك في إطلاقها مجموعة من المؤسسات الرسمية والمدنية وبعض الفئات المنوطة بتطوير هذا الوطن ومنتسبيه.

فهذا مواطن عليه أن يغير نظرته لذاته من شخصية سلبية مقهورة إلى أخرى أكثر إيجابية نشطة، يشارك ويمارس نشاطات مواطنته في وطن هو أحد مؤسسيه، وهذا نظام تعليمي عليه أن يستفيق قليلاً من سبات عميق، ويدرك أن عليه مهاماً جساماً تقتضي منه اليقظة المستدامة في مستويات إعداد المعلم، وأطر المناهج الدراسية، وتنشئة الطالب، إن كان يريد هذا النظام التعليمي أن يصبح مشاركاً فعالاً في صحوة هذا الوطن.

أما المؤسسات الرسمية أعني الدينية منها، فإن دورها الذي اقتصر في الماضي على معالجة الأزمات الطائفية، والظهور الإعلامي في مناسبات قمع الفتنة لابد وأن ينحسر تدريجياً، فالدور الحقيقي لها على مستوى الشراكة الوطنية هو قراءة المشهد الثقافي والمجتمعي للشارع المصري الذي يموج بتيارات وأفكار لا طاقة لنا بها هنا، ومن ثم تجهيز العقلية المصرية لمواجهة بوادر أية فتنة من الممكن وقوعها. وما أحوجنا إلى تثقيف بعض أئمتنا لاسيما الموجودين بالزوايا الريفية ببعض الدروس القيمة المنثورة بكتب التراث الإسلامي ومنها ما خطه ابن الأزرق في كتابه بدائع السلك حينما ذكر ما عاهد عليه الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) نصارى الشام، ومنه ما كتبه راعي الكنيسة إلى عمر فيما معناه أن لا يمنع كنائس الشام أن ينزلها أحد المسلمين، هذا في الزمن الجميل التي كانت دور العبادة ملاذاً ومكاناً يسع الجميع.

ومنه أيضاً ما ينبغي التأكيد عليه في مدارسنا ومساجدنا بأن بر أهل الذمة مأذون فيه لقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) . وليت بعض أئمتنا المنتشرين فوق منابر اعتلاها يوما رسولنا الكريم (عليه والصلاة والسلام) يفطنون إلى تفسير المقري لهذه الآية حينما قال إن هذا البر مأذون فيه، ويقصد به التقرب والإحسان، وهو مستحب جائز، والإقساط هو العدل الواجب فيهم، وهو مستحق واجب.

وها هو عبقري المكان جمال حمدان أو كما يصفه الدكتور محمد عبد الرحمن الشرنوبي بعاشق تراب مصر يكتب عن الخصية المصرية وكأنه يقرأ المستقبل ويستشرفه، وهي قراءة ملؤها الشجاعة في وقت نرى الشجاعة فيها مجرد أصوات عالية وصراخ غير منقطع وممارسات سياسية تستهدف تقويض الوطن ذاته، لكنه في قراءته للوطن مكاناً لم يغفل عن قراءة مرتكزات ومقدرات الوطن البشرية من سكان، ذلك حينما أشار إلى أن الشخصية المصرية تستغل فقط تاريخها حينما تواجه عدواً خارجياً لكنه من الأحرى استغلال والإفادة من هذا الإرث التاريخي في النهوض بالبلاد وفي استثارة عزائمنا الفاترة وفي إدراك مكانتنا والوعي بها باستمرارية بغير انقطاع أو تغييب عمدي ومقصود.

وهو يعمد دائماً إلى استنهاض الطاقات ويحذر من خطر الهروب من الحاضر إلى الماضي، ويشبه هذا الهروب بالمخدرات التاريخية التي تجعلنا أكثر عرضة للافتراس الذاتي لأننا نكون قد تخلينا عن مواجهة الحاضر بإحداثياته ومتغيراته المتسارعة. وليتنا نخجل من أنفسنا ونحن نعيد قراءة الطروحات الفكرية الجغرافية للعبقري جمال حمدان لاسيما وهو يصر على جعل مصر سيدة الحلول الوسطى وملكة الحد الأوسط، وهي أمة وسط بكل معنى الكلمة، بكل معنى الوسط الذهبي، وليست أمة نصفاً، ومصر جغرافياً وتاريخياً تطبيق عملي لمعادلة هيجل تجمع بين التقرير والنقيض في تركيب متزن أصيل .

وختاماً لا أملك القول سوى كلمات هذا العبقري في موسوعته الجغرافية والثقافية الفريدة ” شخصية مصر”: إننا كلما أمعنا تحليل شخصية مصر وتعمقناها استحال علينا أن نتحاشى هذا الانتهاء، وهي أنها فلتة جغرافية لا تتكرر في أي ركن من أركان العالم، فالمكان، الجغرافيا كالتاريخ لا يعيد نفسه أو تعيد نفسها، تلك هي حقيقة عبقريتها الإقليمية.

***

د. بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

استكمالا لحديثنا السابق عن المعرفة الإنسانية، نقول: إذا كانت المعرفة قد بدأت من سؤال الإنسان عن نفسه والعالم، فإنها كلما تعمقت لا تلبث أن تتجاوز حدود الأشياء المتفرقة إلى البحث عن الوحدة التي تنتظمها. فالإنسان في بدايات معرفته يرى الموجودات متكثرة، والظواهر متباينة، والتجارب متفرقة، لكنه كلما اتسعت بصيرته أخذ يبحث عن المعنى الذي يجمع هذا التعدد، وعن الأصل الذي تنتظم فيه هذه الكثرة، وعن الحقيقة التي تجعل للوجود كله وحدة تتجاوز مظاهره المتعددة.

ومن هنا لا تكون المعرفة مجرد انتقال من الجهل إلى العلم، بل انتقال من التشتت إلى الوحدة، ومن رؤية الأشياء في انفصالها إلى إدراك علاقاتها ومآلاتها ومصدر معناها. وكلما اقترب الإنسان من هذه الوحدة، أدرك أن المعرفة لا تكتمل بكثرة ما يراه، وإنما بقدرته على أن يرى وراء الكثرة وحدة، ووراء الظواهر حكمة، ووراء الجمال دالا على مصدر الجمال.

وهنا تتجلى العلاقة بين المعرفة والجمال بصورة أكثر عمقا؛ فالجمال الذي أدركه الإنسان في المحبة لم يعد مجرد إحساس يثير الوجدان، وإنما يصبح في المعرفة موضوعا للتأمل والكشف. فالإنسان حين يتأمل جمال الكون، وتناسق الموجودات، ودقة النظام، وتنوع الحياة، لا يقف عند حدود الإعجاب بالمشهد، وإنما يسأل عن مصدر هذا الجمال، وعن الحكمة التي جعلت الوجود قابلا لأن يكون موضعا للجمال والمعنى. وهكذا ينتقل الجمال من كونه تجربة وجدانية إلى كونه سؤالا معرفيا، ومن السؤال المعرفي إلى أفق الحقيقة.

وكذلك الكمال؛ فالإنسان لا يطلب الكمال في ذاته إلا لأنه يحمل في داخله معنى يتجاوز ما هو ناقص ومحدود. وكلما أدرك نقصه، ازداد توقه إلى الكمال، وكلما ارتقى في المعرفة، ازداد وعيا بحدوده، حتى يصبح البحث عن الكمال بحثا عن الأصل الذي لا يعتريه نقص، وعن الحقيقة التي لا تستمد كمالها من غيرها.

ومن هنا يمكن فهم المعرفة بوصفها مدرجا من مدارج الكمال والجمال معا؛ فهي كمال لأنها تخرج الإنسان من ضيق الغفلة إلى سعة الوعي، وهي جمال لأنها تكشف له ما كان خفيا من المعاني والدلالات. وكلما ازدادت المعرفة عمقا، ازداد الإنسان قدرة على رؤية الجمال في مواضعه، والكمال في مراتبه، والحكمة في تجاربه، دون أن يخلط بين الكامل والناقص، أو بين الغاية والوسيلة، أو بين ما هو أصيل وما هو عارض.

ولذلك فإن المعرفة الحقيقية لا تزيد الإنسان غرورا بامتلاكه الحقيقة، وإنما تزيده تواضعا أمام اتساعها. فالإنسان كلما عرف أكثر، أدرك أن ما يجهله أوسع مما عرف، وأن الحقيقة أكبر من أن تحيط بها ذات محدودة. ومن هنا كان التواضع من أصدق ثمار المعرفة، لأن المعرفة التي تورث الكبر لم تبلغ بعد درجة البصيرة، وإنما بقيت في حدود الحيازة الذهنية.

وقد كان هذا المعنى حاضرا في التراث الإسلامي حين اقترنت المعرفة بالخشية، لا لأن المعرفة غاية لإخضاع الإنسان، وإنما لأن انكشاف عظمة الحقيقة يجعل الإنسان أكثر إدراكا لمحدوديته. فكل معرفة ترفع الإنسان فوق غروره هي معرفة تقترب به من الحكمة، وكل معرفة تزيده تواضعا أمام الحقيقة هي معرفة تتجاوز حدود المعلومات إلى بناء الإنسان.

ومن هنا تتأكد أهمية التمييز بين العلم والمعرفة في مشروعنا. فالعلم يمكن أن يمنح الإنسان قدرة على تفسير الظواهر، أما المعرفة فتدفعه إلى التساؤل عن معناها وغايتها وموقعه منها. وقد يتقدم الإنسان في العلوم، ثم يبقى عاجزا عن الإجابة عن السؤال الذي يخص وجوده هو: لماذا أنا هنا؟ وما الغاية من هذا الوجود؟ وإلى أين ينتهي هذا الطريق؟

وليس في هذا التقليل من شأن العلم، بل على العكس؛ فالعلم من أرقى أدوات الإنسان في اكتشاف العالم، لكن قيمته الإنسانية تكتمل حين ينفتح على السؤال عن المعنى. فالمعرفة التي نريدها لا تناصب العلم خصومة، وإنما تضعه داخل أفق أوسع، بحيث يصبح اكتشاف قوانين الوجود مقدمة للتأمل في الحكمة، ويصبح فهم النظام مدخلا إلى التساؤل عن مصدره، ويصبح إدراك الجمال بداية للبحث عن الحقيقة التي وراءه.

وفي هذا المستوى تصبح معرفة الإنسان بنفسه أكثر عمقا. فبعد أن كان الإنسان يسأل: من أنا؟ يبدأ في اكتشاف أن ذاته ليست شيئا مغلقا على نفسها، وإنما هي نقطة التقاء بين الجسد والعقل والقلب والإرادة والروح، وبين العالم الذي يعيش فيه والغاية التي يسعى إليها. وكلما تعمقت معرفته بذاته، أدرك أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم نفسه بمعزل عن علاقته بالوجود، ولا أن يفهم وجوده بمعزل عن السؤال عن مصدره وغايته.

وهنا تعود المحبة لتلتقي بالمعرفة مرة أخرى. فالمحبة كانت قد حررت القلب من التشتت، ووحدت وجهته، ودفعت الإنسان إلى طلب محبوبه، ثم جاءت المعرفة لتمنحه بصيرة أعمق بما أحب. وكلما ازداد إدراكا لجلال المحبوب وكماله وجماله، ازداد حبه رسوخا، وكلما رسخت المحبة، أصبح القلب أكثر استعدادا لرؤية ما لا تراه المعرفة المجردة. وهكذا لا يعود القلب والعقل طرفين متعارضين، بل يتكاملان في رحلة واحدة نحو الحقيقة.

وفي التجربة الروحية يصبح هذا التكامل أكثر وضوحا؛ فالمعرفة التي لا تغير القلب تظل ناقصة، والمحبة التي لا تهذب المعرفة قد تنحرف إلى الوهم. أما حين تتحد المحبة والمعرفة، فإن الإنسان ينتقل من معرفة يتأملها من الخارج إلى حقيقة يعيش آثارها في الداخل. ولا يعود التوحيد عندئذ مجرد قضية نظرية يثبتها العقل، وإنما يصبح معنى تتجه إليه حياة الإنسان كلها.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كانت المعرفة في رحلتنا ثمرة للمحبة ومدخلا إلى التوحيد في الوقت نفسه. فالمحبة وحدت مقصد الإنسان، والمعرفة تكشف له حقيقة المقصد، ثم يأتي التوحيد ليمنح هذه الوحدة معناها النهائي. وبذلك لا تكون المعرفة نهاية مستقلة، وإنما تكون مدرجا يهيئ الإنسان للانتقال من وحدة المقصد إلى وحدة الحقيقة.

وهنا تبلغ رحلة الإنسان في مدارج الكمال والجمال منعطفا حاسما؛ لأن المعرفة حين تبلغ أفقها الأعلى لا تعود تسأل عن كثرة الموجودات بقدر ما تسأل عن وحدتها، ولا عن اختلاف مظاهرها بقدر ما تبحث عن الأصل الذي تنتظم فيه، ولا عن الجمال في صوره المتعددة بقدر ما تتطلع إلى الجمال المطلق الذي تستمد منه الأشياء جمالها، ولا عن الكمالات الجزئية بقدر ما تتجه إلى الكمال الذي لا يحده نقص.

ومن ثم يتجاوز الإنسان مرحلة أن يرى العالم مجرد مجموعة من الموجودات المستقلة، إلى أن يدركه بوصفه وجودا مفتوحا على دلالة واحدة، وأن اختلاف الأشياء لا ينفي وحدة مصدرها، وأن تعدد الصور لا يلغي وحدة الحقيقة التي تستمد منها وجودها ومعناها.

وهنا يصبح التوحيد أكثر من اعتقاد ذهني أو قضية كلامية؛ إنه اكتمال لمسار الوجود الإنساني كله. فالإنسان الذي بدأ رحلته بالوعي بعمره، ثم واجه الألم، وتعلم الصبر، وأحسن التوكل، وبلغ الرضا، وتذوق المحبة، واستنار بالمعرفة، إنما كان يتحرك في العمق نحو تحرير وجوده من التشتت، حتى تتوحد إرادته، وقلبه، وعقله، ومقصده في الحقيقة العليا.

ولهذا فإن التوحيد في أفق هذه الرحلة لا يعني مجرد القول بوحدانية الله، على جلالة هذا المعنى وأصالته، وإنما يعني أن تنعكس هذه الحقيقة على بنية الإنسان الداخلية كلها؛ فيتوحد ما تفرق فيه، ويستقيم ما اضطرب، ويتحرر من عبودية المحبوبات الجزئية، ولا يرى الكثرة حجابا عن الوحدة، ولا الوحدة إلغاء للكثرة، بل يرى الموجودات جميعا في مواضعها، ويعرف أن استقلالها في الوجود ليس استقلالا عن خالقها.

وبذلك تكتمل الصلة بين المعرفة والمحبة؛ فالمحبة قادت الإنسان إلى طلب الحقيقة، والمعرفة كشفت له طريقها، والتوحيد يوحد في وعيه مقصد الرحلة وغايتها. وإذا كانت المحبة قد أورثته الأنس والقرب، فإن المعرفة تورثه البصيرة واليقين، وإذا كان الأنس قد أزال وحشة الطريق، فإن البصيرة تكشف له وجهته، حتى لا يعود السير مجرد حركة في الزمن، وإنما يصبح ارتقاء واعيا في مدارج الكمال والجمال.

وخلاصة القول: إن المعرفة ليست مجرد امتلاك للحقيقة، وإنما استعداد دائم لاستقبالها، وليست تكديسا للمعلومات، وإنما تحرير للوعي من الغفلة، وليست انفصالا عن الحياة، وإنما عودة إليها بعين أكثر بصيرة. إنها الثمرة التي تنضج في قلب المحبة، والمدرج الذي يرتقي فيه الإنسان من وعي الذات إلى وعي الحقيقة، ومن تعدد الظواهر إلى وحدة المعنى، ومن تفرق المقاصد إلى الغاية التي تنتظم عندها معاني الوجود كلها.

وهكذا يصل الوجود الإنساني إلى عتبة أخيرة في رحلته؛ فبعد أن عرف الإنسان قيمة عمره، وفهم حكمة ألمه، وتعلم الصبر، وأحسن التوكل، وبلغ الرضا، وتذوق المحبة، واستنارت بصيرته بالمعرفة، لم يعد السؤال: كيف أعيش؟ ولا: ماذا أعرف؟ وإنما يصبح السؤال الأعمق: إلى أي حقيقة ينبغي أن يتجه هذا الوجود كله؟

وهنا تتهيأ الرحلة للوقوف عند التوحيد، لا بوصفه خاتمة لفظية لمسار طويل، وإنما بوصفه الغاية الكبرى التي تتجمع عندها خيوط الرحلة كلها؛ حيث يلتقي الكمال بالجمال، والمحبة بالمعرفة، والقلب بالعقل، والإرادة بالغاية، ويتحرر الإنسان من تفرق المقاصد ليبلغ وحدة المقصد في الله.

وهنا، عند وحدة المقصد، تبدأ قراءة أخرى للوجود الإنساني؛ قراءة لا تبحث عن الله في نهاية الطريق فحسب، بل تكتشف أن كل مدارج الطريق لم تكن إلا تهيئة للوعي بهذه الحقيقة. وذلك هو ما سنقف عنده في المقالة القادمة: التوحيد، باعتباره الغاية الكبرى للوجود الإنساني، والأفق الذي تتكامل فيه مدارج الكمال والجمال.

***

بقلم: أ. د ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

يقول "فيورباخ": (علينا أن نصبح متدينين مرة أخرى، يجب أن تصبح السياسة ديننا، لكنها لن تكون كذلك مالم يكن لنا كائن أسمى يجعل السياسة ديناً في نظرنا. ).(1)

وفيورباخ يقصد بالكائن الأسمى هنا الإنسان ذاته الذي أوجد الدين البدائي مع بداية تطور وجوده الاجتماعي ووعيه المرافق لهذا الوجود. وهنا يلتقي مع هيجل في هذه الفكرة، مع أن هيجل يعتبر هذا الكائن هو الدولة. (2).

تعتبر أطروحة فيورباخ هذه، أي إحلال السياسة بدل الدين، هي مشروع أيضاً لإحلال الفلسفة محل الدين، فعندما يحل الإنسان العقلاني محل الإنسان المتدين، يجب أن تحل هنا شراكة العمل والتعاون والانفتاح على الآخر وعمران الحياة ونشر المحبة والعدالة والمساواة والحرية بين الناس، محل شراكة الطقوس الدينيّة وأيديولوجياتها المغلقة وتفريعاتها الطائفيّة والمذهبيّة وعداواتها للمختلف وفرقها الناجية .

يقول فيورباخ: إن الدين بالمعنى المألوف ليس رابطة تشدّ الدولة وتقويها وتمنحها القدرة على التماسك، بقدر ما هي عامل انحلال لها، وتفتيت مكوناتها إلى طوائف ومذاهب متصارعة من أجل إرضاء السماء كما يعتقدون بدل إرضاء أنفسهم. فإذا كان (الله) هو السيد الذي اعتمد الإنسان عليه في جلب المطر بصلاة الاستسقاء، وهو من يحقق له النصر في المعارك.. الخ.. إلا أنه بدءً من الاعتماد على نفسه وعلى غيره من بني جنسه لتسيير أمور حياته، عبر مؤسسات اجتماعية يأتي في قمتها دولة لهم بعقد اجتماعي يتفقون عليه، عند ذلك يُضعفون بالضرورة مسألة الاعتماد كليّاً على الله، على اعتبار أن الله ليس هو من يبني الدولة ويجلب المطر للزراعة في صلاة الاستسقاء، وإنما خلق الإنسان كي يعمر هذه الأرض، لذلك فإن الإيمان بالإنسان (كخليفة) هنا، هو الذي يفسر أصل الدولة وسيرورتها وصيرورتها، (وأمرهم شورى بينهم)، وإن ربطت هذه الدولة في الدين أو الإله، فهي ليست أكثر من رغبة تريد تحقيقها القوى الحاكمة المستبدّة، لمنح الدولة الصفة المقدسة من جهة، ومنح القوى الحاكمة ذاتها لهذه الدولة، صفة التقديس أيضاً، وجعلها تحكم باسم الإله، أو ممثلة له كما جرى في العصور الوسطى في أوربا، وفي الخلافة الإسلامية، وعند طارحي الحاكمية اليوم.

إذن، إن الدولة بكل مؤسساتها هي الإنسان عبر سيرورة وصيرورة حياته، وهي الدولة التي تُبنى تصرفاتها وتشريعاتها وفقاً لمصالح القوى المتحكمة بقيادة الدولة من جهة، ووفقاً لمصالح مكوناتها في حالة تناقضاتهم وصراعاتهم من جهة ثانية. وفي حالة هذه التناقضات والصراعات بين المكونات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية والأيديولوجيّة، غالباً ما تبرز على الساحة السياسيّة توجهات سياسيّة جديدة لا تبتعد في آليّة تكوينها وعملها عن تكوين وعمل الدولة الدينيّة، وأقصد هنا الدولة (الشمولية أو الكليانيّة)، بصيغتها الوضعيّة التي تلغي دور الكتلة الاجتماعية في قيادة الدولة والمجامع، أو إلغاء دور الشعب كمصدر للسلطات، لتجسد دور الفرد الحاكم (الصمداني) الذي يُخضع كل السلطات في الدولة تحت أمرته أو سلطته، لتتجسد الدولة به وحده، كما قال " لويس الرابع عشر" (أنا الدولة والدولة أنا). وهذا الأنموذج من الدولة الشموليّة الاستبداديّة رغم أن المجتمعات الغربيّة قد تجاوزته لتحل بدلاً عن الحاكم الفرد المستبد، طبقة رأسماليّة متوحشة راحت تعمل على تهجين الإنسان ونمذجته، وتفرده وبالتالي (حيونته).

بيد أن هذا الدولة (الشموليّة) في صيغتها الأولى، أي سيطرة الفرد الحاكم سيطرة مطلقة على شؤون الدولة وتحويل الشعب إلى رعيّة، راحت تتجلى في دول العالم الثالث ومنها عالمنا العربي، حيث تجد الظروف الموضوعيّة والذاتية التي تساعد على ظهورها واستمراريتها. وفي كلا حالات الدولة الشموليّة في الغرب كانت أو دول العالم الثالث، نجد أن الدولة ظلت من حيث الجوهر تدار أو تحكم بآليّة الطبقة الحاكمة المقدسة كما هو الحال في الغرب، أو تدار بحكم القائد الفرد (الصمداني) على حد تعبير الصديق المفكر الراحل "هادي العلوي أبو "الحسن") كما هو الحال في دول العالم الثالث المتخلف، ومنه عالمنا العربي.

العلمانيّة خشبة الخلاص:

إذا كانت الدولة الشموليّة في علمنا العربي تمثل عالم الخرافة والأسطورة وتغييب العقل وتجذير الاستبداد والقهر وزرع الخوف في عقول ونفوس المواطنين الذين أصبحوا أقرب في حياتهم إلى الرعايا، ونشر الفساد في الدولة والمجتمع، وتجسيد فكرة القائد الفرد وفقهه، وبالتالي الاشتغال على كل المرجعيات المتخلفة التي تساهم في إضعاف المجتمع وتفتيته وتحطيم بنية دولة القانون والمؤسسات والأهم بنية المواطنة، لتحل بدلاً عنها الطائفيّة والمذهبيّة والعشائريّة والقبليّة والفرقة الناجية، وتجار الدين والسياسة والقوى البيروقراطيّة والطفيليّة والعسكرة...وغير ذلك من قضايا اللامعقول. فإن العلمانيّة كشروع تنموي وحضاري يدعو إلى تجسيد دولة المؤسسات، وإن الشعب هو المرجعيّة الأساس في بناء الدولة ومؤسساتها التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة، مع التأكيد عن فصل هذه المؤسسات، وبناء المواطنة بين مكونات المجتمع والدولة، كون المواطنة هي من يحقق لحمة المجتمع وتوازنه وتحقيق مصالح الفرد والمجتمع فيه، فالمواطنة هي من يحقق بالضرورة تكافؤ الفرص والحريّة والديمقراطيّة والمشاركة الفاعلة من قبل الجميع لقيادة وبناء الدولة والمجتمع بعيداً عن تفرد أي قوى مهما تكن مرجعياتها سياسيّة أو دينيّة أو طبقيّة أو كاريزميّة. أي لتكون العلمانيّة المشروع الذي يعيد الدولة إلى حضن المجتمع وللعقد الاجتماعي الذي يمنح الشعب حرية اختيار نظامه وشكله وحوامله السياسيّة، وبالتالي تكون المشروع الذي ينزع المقدس عن الدولة في شقها الديني الذي يطالب بحاكميّة الدين وتشريعاته وعقائده على حياة الناس وهذا يتحقق من خلال العمل على فصل الدين عن السياسة وجعل الدين لله والوطن للجميع. كما تعمل العلمانيّة على الغاء التفرد بالسلطة وفرض الوصاية على الشعب من قبل حزب ما، أو حاكميّة فرد ما، يمثل بعقليته "الصمدانيّة" المرجع الأساس للدولة والمجتمع في كل شيء، وهو الذي لا يأتيه الباطل من خلفه أو بين يديه. وهنا يعمل المشروع العلماني أيضاً على نزع المقدس عن السلطات الحاكمة الشموليّة المستبدة، والعودة بالسلطة إلى الشعب صاحب المصلحة الحقيقة في إدارة دولته ومصالحه من خلالها. وعلى هذا الأساس تأتي العلمانيّة في الحقيقة كرابطة أيضاً تشدّ الإنسان مع أخيه الإنسان، بعيداً عن أي مرجعية متخلفة طائفيّة كانت أو مذهبيّة أو عشائريّة أو قبليّة. أي تشدّ مكونات المجتمع جميعاً وتقذفهم في عالم المواطنة والمشاركة السياسيّة في قيادة الدولة والمجتمع. بينما يظل الدين حالة فرديّة (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) له احترامه وتقديره وعدم المساس بخصوصياته طالما هي لا تقصي الآخر المختلف ولا تحط من قيمته أو تسيئ للوطن.

علينا أن ندرك إن أهداف ومقاصد الدين في عصرنا هي غير مقاصد وأهداف السياسة إلى حد كبير، فإذا كانت أهداف الدين تقوم على تربية المواطن الذي ولد على الفطرة نقيّاً غير ملوث بمفاسد الواقع الاجتماعي كما يقول رجال الدين، إلا أن هذا الواقع راح يعمل على تلويث هذا الإنسان وإفساده شيئاً فشيئاً، فالكثير من رجال الدين أنفسهم بسبب تغذيتهم الفرد على قيم الطائفة والمذهب، مبعدين إياه عن حالته الفطريّة النقيّة التي يدعوا إليها الدين الحنيف، قد ساهموا بالتالي في تلويث البنية الاجتماعية بالروح الطائفة والفرقة الناجية، وهنا  لا بد من تنقية هذا الفرد روحيّاً واخلاقيّاً وفقاً لمبادئ وأهداف السياسة العقلانيّة التنويريّة ومقاصدها كما تريدها العلمانيّة أو تبشر بها، فهي ترمي إلى تربية الإنسان قبل أي شيء على روح المواطنة، أي كمواطن دولة لها أنظمتها وقوانينها ومؤسساتها التي تعمل على نشر وتجذير محبة الوطن وعدم التفريق أو التمييز بين أبنائه من ذكر وأنثى، أو التمييز في اللون أو الدين أو الطائفة أو المذهب، مثلما هي قائمة – أي هذه الأنظمة والقوانين والمؤسسات العلمانيّة - على نشر وتجذير العدالة والمساواة والحريّة واحترام الرأي والرأي الاخر، وضرورة مشاركة الجميع في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، أي الايمان بالتعدديّة السياسيّة وتداول السلطة.

بشكل عام إن المراد من (التربية المدنيّة) هذه، هو معرفة الإنسان للصح والخطأ الذي تحدده مصالح الناس في حالات تطورها وتبدلها، وليس على طريقة الحرام والحلال التي تحددها قيم معيارية ثابته لكل زمان ومكان، وهي قيم الدين التي لا تقبل التعديل او المراجعة أو النقد.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد من سوريّة

.....................

(1) كارل لوفيت، من هيجل إلى نتشه، تعريب ميشيل كيلو، ج!، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق 1989، ص102

(2) المرجع نفسه، ص102

لو جمعت نيتشه وكامو على منصة واحدة، لاتفقا على التشخيص واختلفا في كل شيء آخر. كلاهما يُقرّ بأن المعنى لا يأتي من خارج الإنسان وأن الإنسان الحديث يعيش في فراغ خلّفه انهيار اليقينيات الكبرى، الدينية والميتافيزيقية والأخلاقية. كلاهما يرفض الأجوبة السهلة والعزاءات الجاهزة. وكلاهما أيضا يطرح فلسفته كمحاولة للعيش في عالم أسقطت فيه الأصنام القديمة ولم تُشيَّد بعد أصنام جديدة تحلّ محلها. لكن ما يفعله كل منهما بهذا التشخيص المشترك مختلف جوهريا، يمسّ طبيعة الفلسفة ذاتها ودورها في الحياة البشرية. فالعدمية تبدأ من الغياب المطلق. ليس من التساؤل، بل من الحكم: لا معنى، لا قيمة موضوعية، لا حقيقة تستحق الاسم خارج ما يصطلح عليه البشر لأسباب نفسية واجتماعية. هذا الغياب يصبح نقطة الصفر التي منها إما أن يستسلم لها الإنسان فيقع في العدمية السلبية، وإما أن يعلو عليها بخلق معنى جديد من الإرادة المحضة. العبثية بالمقابل لا تبدأ من الغياب المطلق ولا تنتهي إليه. تبدأ من التصادم بين شيئين موجودين: رغبة الإنسان في المعنى من جهة، وصمت العالم من جهة أخرى. العبث هو الاحتكاك المتواصل بين هذين الطرفين، وهو في نظر كامو لا يُلغى إلا بإلغاء أحد طرفيه، وهو ما يرفضه رفضا قاطعا.

الفارق بين المفهومين دقيق جدا، وربما تبعاته أهم مما هو في مقدماته. العدمية تتعامل مع غياب المعنى كحكم كوني ثابت، كمعطى يُسلَّم به ثم يُبنى عليه إما بالاستسلام وإما بالتجاوز. العبثية تتعامل مع غياب المعنى كتجربة بشرية حية، كعلاقة وليس كحكم، كمسرح تقع فيه الأفعال والاختيارات وليس كمقبرة تُدفن فيها. الفرق إذن ليس فقط في النتيجة، بل في طريقة القراءة للواقع، فيما إذا كنت تقف خارج المعادلة لتحكم عليها، أم تقف داخلها وتحياها بوعي.

نيتشه مثلا يريد الخروج من العدمية، لا الإقامة فيها. يريد أن يتجاوزها إلى شيء آخر، إلى إنسان يخلق قيمه بدل أن يرثها أو يستسلم لغيابها. كامو من جهته يريد البقاء داخل العبث دون أن يُطبع معه ودون أن يهرب منه. ولهذا يرى كامو في "الإنسان الأعلى" النيتشوي نوعا غير مُعلَن من الهروب: حين تقرر أنك ستخلق معناك الخاص بإرادتك المطلقة، فأنت تحلّ مشكلة اللامعنى بجواب تصنعه أنت لنفسك. لكن ألا يشبه هذا بطريقة ما، ما يفعله صاحب الإيمان الديني حين يُقرر أن للحياة معنى لأن الله يريد كذلك؟ كلاهما، في نظر كامو، يُسكّت السؤال بجواب قبل أن يستنفد السؤال نفسه. التمرد الكاموي يرفض حتى هذا الحل، لأنه يريد الإنسان يقظا أمام السؤال إلى آخر لحظة، لا أن يجد جوابا يريحه ويغلق الملف.

الفارق الثاني يتعلق بالأخلاق، وهو فارق يترتب عليه أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. العدمية في صيغتها الأشد جذرية تتساءل بشكل مشروع: ما الداعي للأخلاق إن لم يكن ثمة معنى موضوعي؟ لماذا الفضيلة على الرذيلة، ولماذا العدل على الظلم، إن كانت كل القيم مجرد اصطلاحات بشرية في فراغ كوني لا يُبدي رأيا؟ نيتشه نفسه لا يُسقط الأخلاق دون بديل، يريد أخلاقا أخرى، أخلاق "السادة" بدل ما يسميه أخلاق "العبيد" والضعفاء المُرسَّخة في المسيحية. لكن هذا التمييز، مهما كانت نوايا نيتشه خلفه، فتح بابا واسعا من سوء الفهم وسوء الاستخدام عبر التاريخ الأوروبي المعاصر. كامو بالمقابل يستنتج من العبث أخلاقا بدلا من إسقاطها. التمرد يقود إلى التضامن: من يدرك عبثه ويُقرّ به يدرك بالضرورة أن الآخرين يعيشون عبثهم أيضاً بنفس الثقل ونفس الوطأة. هذا الإدراك المشترك لا يُنشئ نظاما أخلاقيا مكتمل البنيان، لكنه يُنشئ أخوّة حقيقية قائمة على الاعتراف المتبادل بثقل الحياة، وهو على هشاشته الظاهرة، أمتن بكثير من الأخلاق المستمدة من شريعة كونية لم تُكتب قط.

الفارق الثالث في الموقف من الإيمان الديني. العدمية في صيغتها الأكثر صرامة ترفض الدين باعتباره وهما وظيفيا أنتجه العجز البشري ليملأ فراغا لا يُملأ حقا، وهذا الرفض في الغالب لا يحمل رثاء ولا تعاطفا، إنه ببساطة حكم ينتهي بنقطة. كامو بالمقابل يقف من الإيمان موقفا أكثر دقة وربما أكثر احتراما وأصعب تصنيفا: لا يرفضه لأنه وهم، بل لأنه "قفزة" تتجاوز العبث بدلا من التحديق فيه والعيش معه. الإيمان في نظره حلٌّ إنساني مفهوم ومُحترَم كتجربة روحية عميقة، لكنه مرفوض كفلسفة لأنه يُجيب على السؤال بتجاوزه لا بمواجهته.

ثمة فارق أعمق وأشد جذرية يتعلق بالزمن الذي كتب فيه كل منهما، وهو فارق لا يمكن تجاهله لفهم الفرق بين الموقفين. نيتشه كتب في القرن التاسع عشر، حين كانت الأيديولوجيات الكبرى في طور النشوء لا في طور الهذيان الدموي. كان يرى انهيارا ثقافيا وميتافيزيقيا في الأفق الأوروبي، لكنه لم يعاين ما تفعله "الإرادة المطلقة" حين تمسك برقاب الأمم. كامو رأى ذلك. كتب "أسطورة سيزيف" عام 1942 والأوروبيون يُقتَلون باسم "المعاني الكبرى"، الجنس الأعلى تارة، والتاريخ الحتمي تارة أخرى. لهذا ربما لم يستطع أن يقفز نحو أي "إنسان أعلى" أو "إرادة مطلقة"، وهو يرى كيف يبدو هذا الإنسان الأعلى حين ينزل إلى الشوارع ويمسك بمقاليد السلطة: يشبه القائد الذي لا يُحاسَب لأنه هو من يُعرّف المعنى ويصك القيم.

قد يُقال إن هذا ظلم لنيتشه، وفي هذا حق جزئي. نيتشه ذاته أبدى ازدراءه الصريح للقومية الألمانية ومعاداة السامية في أكثر من موضع، وكان يرفض أن تُوظَّف أفكاره في خدمة العقليات القطيعية والجمعية. لكن الأفكار لا تمشي وحدها في العالم، بل تمشي في أيدي من يحملونها ويوظفونها، ويصعب على أي فيلسوف أن يُقرر مسبقا كيف سيُساء فهمه وإلى أين. كامو عاش هذه الإساءة كعصر لا كنظرية، ولهذا جاءت فلسفته محصّنة بطريقة مختلفة، إعتراف مسبق بأن كل "معنى مطلق" هو بذرة طغيان في الانتظار.

ما يجمع المدرستين في نهاية المطاف أعظم مما يفرقهما بالمقياس الأول. كلتاهما تأبى الوهم وترفض الأجوبة المصنّعة، وكلتاهما تطالب الإنسان بأن يقف أمام سؤاله الحقيقي دون أن يبحث عن وسيط يتحمل عنه ثقله. لكن العدمية في أحد وجوهها الأشد حدة تميل إلى أن تجعل من الإنسان سيد فراغه، يملأه بما يشاء وكيفما شاء، بلا مرجع خارجي ولا حدٍّ موضوعي. بينما تجعل العبثية من الإنسان شاهد تصادمه، يبقى حاضرا أمام السؤال، متمردا دون أن يُجيب، وواعيا دون أن يطمئن. الأولى تطلب الاكتمال ولو اكتمالا يصنعه الإنسان لنفسه بيده. والثانية تقبل النقص المستمر وتجعل منه موضع الكرامة لا موضع الخزي. ومع ذلك، حين يجلس الإنسان بمفرده مع هذا الفراغ الحقيقي، ويتناول المسألة كحقيقة تسكن ليالي الأرق وتُطلّ في منتصف الأيام العادية بعيدا عن وهم حلها بالقلم، يتضاءل الفارق بين المدرستين كثيراً. السؤال في نهاية المطاف واحد: كيف تعيش وأنت تعلم؟ نيتشه يقول: أخلق. كامو يقول: تمرّد. لا شيء في الكون يُرجّح جوابا على الآخر بشكل نهائي. ما يُرجّح هو أنت، من أنت، وما الذي استطعت أن تحتمله، وما الذي انكسر منك ومتى وكيف أعدت التقاطه. الفلسفة تُنيرك حتى حافة السؤال، ثم تتركك هناك وحدك، وهذا هو الشيء الوحيد الذي تستطيع فعله باحترام حقيقي للإنسان الذي يقرأ.

***

عبد الرحيم الجرودي

في المثقف اليوم