عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

شهد الأدب عبر تاريخه الطويل تحولات عميقة ارتبطت دائمًا بتغير المجتمعات وتبدل أنماط الحياة ووسائل المعرفة والتواصل، غير أن التحول الذي فرضته العولمة خلال العقود الأخيرة يبدو من أكثر التحولات تأثيرًا في طبيعة الكتابة ووظيفة الكاتب ودور الأدب في الحياة العامة. فقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها الحدود الثقافية أكثر هشاشة، وانتقلت الأفكار والصور والنصوص بسرعة غير مسبوقة، حتى بات الكاتب يعيش في فضاء عالمي مفتوح لا تحكمه الجغرافيا التقليدية بقدر ما تحكمه شبكات الاتصال والتأثير الإعلامي والثقافي. وفي ظل هذا الواقع الجديد لم يعد الأدب مجرد تعبير محلي عن هموم مجتمع محدد، بل صار جزءًا من حوار كوني واسع تتقاطع فيه الثقافات والهويات والأسئلة الإنسانية الكبرى.

لقد كان الكاتب في الأزمنة السابقة يؤدي أدوارًا واضحة نسبيًا داخل مجتمعه؛ فهو حامل الوعي الثقافي، والناقد الاجتماعي، وصوت الهوية الوطنية، وأحيانًا ضمير الأمة في مواجهة السلطة أو الظلم أو التخلف. وكانت العلاقة بين الكاتب والقارئ تقوم على نوع من الثقة الثقافية، حيث يُنظر إلى الأدب باعتباره وسيلة للتنوير وبناء الوعي وتشكيل الذائقة الفكرية والجمالية. لكن العولمة بما رافقها من ثورة رقمية وإعلامية أعادت تشكيل هذه العلاقة بصورة جذرية، فالقارئ لم يعد مرتبطًا بكتاب أو صحيفة أو مؤسسة ثقافية بعينها، بل أصبح يتنقل بين آلاف المنصات والنصوص والثقافات بضغطة زر واحدة، الأمر الذي جعل الكاتب يواجه تحديًا جديدًا يتمثل في كيفية الحفاظ على صوته الخاص وسط هذا الضجيج العالمي الهائل.

ومن أبرز التحولات التي فرضتها العولمة على وظيفة الكاتب تراجع صورة “المثقف المركزي” الذي يمتلك سلطة رمزية واسعة داخل المجتمع. ففي الماضي كان الكاتب يحتل موقعًا متقدمًا في تشكيل الرأي العام، وكانت الرواية أو المقال أو القصيدة قادرة على إثارة نقاشات اجتماعية وفكرية واسعة. أما اليوم فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المحتوى السريع تنافس الأدب في التأثير والانتشار، بل إن كثيرًا من القضايا التي كانت تناقش عبر الكتب باتت تُستهلك في مقاطع قصيرة وتعليقات عابرة. وهذا التحول دفع الكاتب إلى إعادة التفكير في أدواته وأساليب حضوره، فلم يعد يكفي أن يكتب نصًا جيدًا، بل أصبح مطالبًا أيضًا بفهم آليات العصر الرقمي والتفاعل مع فضاءات إعلامية متغيرة باستمرار.

ومع ذلك، فإن العولمة لم تكن مجرد تهديد لوظيفة الكاتب، بل أتاحت له أيضًا فرصًا غير مسبوقة. فقد أصبح بإمكان الكاتب أن يصل إلى قراء من مختلف أنحاء العالم، وأن تُترجم أعماله بسرعة أكبر، وأن يشارك في حوارات ثقافية عابرة للقارات. كما وفرت التكنولوجيا أدوات جديدة للنشر والتعبير، فتراجع احتكار المؤسسات التقليدية للنشر، وظهر جيل من الكتّاب الذين صنعوا حضورهم عبر المنصات الرقمية قبل أن تعترف بهم المؤسسات الثقافية التقليدية. وهكذا تغيرت وظيفة الكاتب من مجرد منتج للنصوص إلى فاعل ثقافي يتحرك داخل فضاء عالمي متشابك، ويخوض معارك متعددة تتعلق بالهوية والحرية والمعنى.

لقد أثرت العولمة أيضًا في طبيعة الموضوعات التي يعالجها الأدب. فبينما كان الكاتب في السابق يركز غالبًا على قضايا محلية أو وطنية، أصبح الأدب المعاصر أكثر انشغالًا بالأسئلة الكونية مثل الهجرة، والمنفى، والهوية المركبة، والصدام الثقافي، والعزلة في العالم الرقمي، وتأثير الرأسمالية المعولمة على الإنسان. ولم يعد الكاتب يتحدث فقط باسم جماعته الضيقة، بل بات يحاول فهم الإنسان في عالم سريع التحول تتداخل فيه الثقافات وتتقاطع فيه المصائر. ولهذا أصبحت الرواية المعاصرة على سبيل المثال فضاءً مفتوحًا للهويات المتعددة والتجارب العابرة للحدود، حيث يمكن لشخصيات تنتمي إلى قارات مختلفة أن تتجاور داخل النص الواحد.

غير أن هذا الانفتاح العالمي خلق بدوره إشكالية معقدة تتعلق بمفهوم الهوية الثقافية. فالكاتب اليوم يعيش بين ضغطين متناقضين: ضغط المحلية الذي يدعوه إلى الحفاظ على خصوصيته الثقافية واللغوية، وضغط العالمية الذي يدفعه إلى مخاطبة قارئ دولي قد لا يعرف الكثير عن بيئته الأصلية. ومن هنا ظهرت أسئلة كثيرة حول ما إذا كانت العولمة تؤدي إلى إثراء الأدب عبر التبادل الثقافي، أم أنها تفرض نوعًا من التنميط الثقافي الذي يجعل النصوص أكثر تشابهًا وأقل ارتباطًا بجذورها المحلية.

وقد انعكس هذا التوتر بوضوح في الأدب العربي المعاصر، حيث يسعى كثير من الكتّاب إلى تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الأصالة والانفتاح. فهناك من يرى أن الكاتب ينبغي أن يتمسك بلغته وخصوصيته الثقافية مهما كانت الضغوط العالمية، لأن الأدب الحقيقي ينبع من عمق التجربة المحلية. في المقابل يرى آخرون أن الانغلاق الثقافي لم يعد ممكنًا في عصر العولمة، وأن الكاتب المعاصر مطالب بالانخراط في الأسئلة الإنسانية المشتركة والتفاعل مع التيارات الفكرية والأدبية العالمية.

ومن التحولات المهمة أيضًا أن الكاتب لم يعد مجرد مراقب للواقع، بل أصبح جزءًا من صناعة الصورة الإعلامية والثقافية عن نفسه. فالعالم الرقمي خلق نوعًا من “الكاتب النجم” الذي يُتابَع حضوره الشخصي بقدر ما تُقرأ نصوصه، وأصبحت الشهرة أحيانًا مرتبطة بالقدرة على الظهور والتسويق الذاتي أكثر من ارتباطها بالقيمة الأدبية وحدها. وهذا الواقع يطرح تحديات أخلاقية وثقافية حول معنى الكتابة ودورها الحقيقي، وهل ما يزال الأدب قادرًا على الاحتفاظ بعمقه الإنساني وسط ثقافة الاستهلاك السريع والصورة العابرة.

ومع كل هذه التحولات، يبقى الأدب قادرًا على الاحتفاظ بجوهره الأساسي بوصفه محاولة لفهم الإنسان والعالم. فالكاتب، مهما تغيرت الوسائط والأدوات، يظل باحثًا عن المعنى في زمن مليء بالتشظي والقلق والتسارع. وربما كانت وظيفة الكاتب اليوم أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، لأنه لا يواجه فقط أسئلة الفن والجمال، بل يواجه أيضًا تحديات التكنولوجيا والهوية والاقتصاد والثقافة الرقمية. إنه مطالب بأن يكتب في عالم تتراجع فيه القراءة العميقة، لكنه في الوقت نفسه يملك فرصًا أوسع للوصول والتأثير والتفاعل.

إن الأدب في زمن العولمة لم يفقد أهميته، لكنه تغير في الشكل والدور والوظيفة. فالكاتب لم يعد معلمًا تقليديًا يقف فوق المجتمع، بل أصبح جزءًا من شبكة عالمية متداخلة من الأصوات والخبرات والرؤى. ومع ذلك فإن الحاجة إلى الأدب تبدو اليوم أكثر إلحاحًا، لأن الإنسان المعاصر، وسط هذا التدفق الهائل للمعلومات والصور، ما يزال يبحث عن سردية تمنحه معنى وعن لغة تساعده على فهم ذاته وعلاقته بالعالم.

ولهذا فإن وظيفة الكاتب في عصر العولمة لم تنتهِ، بل أعيد تشكيلها. لقد أصبح الكاتب شاهدًا على تحولات كبرى يعيشها الإنسان الحديث، ومترجمًا للقلق الوجودي الذي يرافق عالمًا سريع التغير، وجسرًا بين الثقافات والهويات المختلفة. وبينما تتغير الوسائط وتتشابك الثقافات، يظل الأدب واحدًا من أكثر الفنون قدرة على حماية العمق الإنساني من السطحية، وعلى تذكير العالم بأن الإنسان ليس مجرد مستهلك للمعلومات، بل كائن يبحث دائمًا عن الحكاية والمعنى والجمال.

***

د. عصام البرّام

لطالما حيرني سؤال يبدو، للوهلة الأولى، بسيطًا، لكنه كلما تعمقت فيه ازداد تعقيدًا: إذا كان الواقع المرئي والمحسوس والملموس واحدًا بالنسبة إلى البشر جميعًا، فلماذا يختلفون في رؤيته وتفسيره وتأويله وفهمه؟ لماذا يرى الإنسان الشيء نفسه بصورة مختلفة عن أخيه الإنسان، مع أن كليهما ينظر إلى العالم ذاته، وتشرق عليهما الشمس نفسها، ويعيشان فوق الأرض نفسها، وتخضع أجسادهما للقوانين الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية ذاتها؟

وهذا ما دفعني للاهتمام بالعلاقة بين الجغرافيا والثقافة وأنماط التفكير. هل تفكر المجتمعات بالطريقة نفسها مهما اختلفت بيئاتها الجغرافية والتاريخية؟ وهل للجغرافيا أثر في تكوين العقل الجمعي؟ أم أن الثقافة، بما تراكمه من لغة ودين وعادات وذاكرة ورموز ومؤسسات، هي التي تصنع الطريقة التي ننظر بها إلى العالم؟

اتذكر دراسات نشرتها عن معنى القوافل الأدبية في مجلة المنار العدنية الصادرة عن اتحاد الادباء والكتاب عام 2007م

في إحدى ندوات العولمة والمجايلة التاريخية للدكتور سيار الجميل، استوقفتني مقارنات ذكية بين عدد من الدول العربية وبعض الدول الآسيوية، مثل ماليزيا وسنغافورة وتايلاند وغيرها، وهي دول كانت في مراحل تاريخية سابقة أقل تقدمًا من بعض الدول العربية على مستويات متعددة، ثم حدث تحول نهضوي جعل مساراتها تتباعد بصورة لافتة. وقد دفع هذا السؤال الدكتور بن شرقي بن مزيان إلى طرح إشكالية وجدتها جديرة بأن تصبح موضوعًا للتفكير: ما الذي يفسر اختلاف المسارات بين المجتمعات؟

هل يتعلق الأمر بالأنثروبولوجيا التكوينية لهذه المجتمعات؟ أم بالثقافة وهيمنة بعض المؤسسات التقليدية؟ أم بالجغرافيا وسياقاتها؟ أم بنمط الدولة ومؤسساتها؟ أم أن الأمر برمته نتيجة تفاعل تاريخي مركب لا يمكن اختزاله في عامل واحد؟ ومنذ ذلك الحين وجدتني مأخوذًا بهذا السؤال، لأنني لا أبحث عن إجابة جاهزة بقدر ما أبحث عن معنى يفسر هذا الاختلاف الإنساني الهائل.

وتذكرت في أثناء ذلك كتاب عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ريتشارد إي. نيسبت، «جغرافية الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف… ولماذا؟»، الذي يحاول أن يفسر بعض الفروق في طرائق التفكير بين الثقافات الغربية والآسيوية. والفكرة الأساسية التي أثارتني في الكتاب هي أن الإنسان لا يستقبل العالم استقبالًا محايدًا كما تستقبل الكاميرا صورة أمامها، وإنما يراه من خلال بنية ذهنية وثقافية تشكلت تاريخيًا في سياقات جغرافية وثقافية مختلفة فالعالم واحد، لكن خرائطه الذهنية متعددة.

يذهب صاحب جغرافية التفكير ريتشارد إي. نيسبت،، إلى رصد نمط من التفكير التحليلي في تشكل بعض البيئات الغربية، يميل إلى عزل الأشياء وتصنيفها والبحث عن القوانين التي تحكمها، بينما تطور في بعض البيئات الآسيوية نمط أكثر ميلًا إلى رؤية الأشياء داخل سياقاتها وعلاقاتها وشبكاتها المتبادلة. وليس المقصود بالطبع إقامة جدار نهائي بين «الغرب» و«الشرق»، أو تحويل البشر إلى قوالب جامدة، وإنما محاولة فهم الكيفية التي تؤثر بها البيئة والثقافة والتاريخ في الإدراك نفسه.

وهنا أجدني أعود إلى سؤال الوجودية الأولى ماذا يملك الإنسان قبل أن يصبح غربيًا أو شرقيًا، مسلمًا أو مسيحيًا، عربيًا أو آسيويًا، مؤمنًا أو غير مؤمن؟ غير كونه كائنا حيا يمشي على قدمين

فالجسد البشري، أينما وجد، يخضع لقوانين الطبيعة نفسها. الجوع لا يحتاج إلى ترجمة، والعطش لا يعرف الحدود القومية، والألم لا يسأل عن الدين، والحاجة إلى الأمن ليست اختراعًا ثقافيًا خالصًا. ومن هذا المستوى الأساسي يمكن فهم أهمية هرم أبراهام ماسلو للحاجات الإنسانية: الحاجات الفسيولوجية، ثم الأمن، ثم الحب والانتماء، ثم التقدير، ثم تحقيق الذات والحاجات العليا. قد نختلف في ترتيب هذه الحاجات أو في تفسيرها الثقافي، لكن الإنسان، في النهاية، يحتاج إلى الطعام والماء والأمان والانتماء والاعتراف والمعنى. وحتى حين يصل إلى مرحلة البحث عن الحقيقة والجمال والعدل وتحقيق إمكاناته الإنسانية، فإنه لا يخرج تمامًا من شروط وجوده البيولوجي والاجتماعي، بل يرتقي فوقها دون أن يلغيها.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الإنسان كائن طبيعي، لكنه لا يعيش في الطبيعة وحدها؛ إنه يعيش أيضًا في عالم من المعاني التي صنعها بنفسه وهذا هو الكائن الوحيد، في حدود معرفتنا، الذي يستطيع أن يقول: «أنا».

ومن هذه الـ«أنا» تبدأ الحكاية الطويلة للوعي واللغة والثقافة والهوية والذاكرة والتاريخ والحضارة فالكائن البشري المتعين لا يرى العالم كما هو فقط، وإنما كما تسمح له لغته وثقافته وذاكرته وتجربته التاريخية أن يراه. وهذا ما يضيء جانبًا مهمًا من أعمال الأنثروبولوجي الأمريكي إدوارد تي هول، الذي نظر إلى الثقافة بوصفها نظامًا لإنتاج المعنى، لا مجرد مجموعة من العادات والمعلومات والمعتقدات وكل جماعة بشرية تبني، بصورة واعية أو غير واعية، تصورًا عن الزمن والمكان والحقيقة والهوية والحياة والموت والخير والشر. ثم تنشأ المشكلة عندما تتحول هذه التصورات من أدوات لفهم العالم إلى حقائق مطلقة لا تقبل النقاش؛ عندها لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى تهديد للهوية ذاتها.

هنا نفهم لماذا يستطيع الإنسان أن يقتل من أجل فكرة، وأن يموت من أجل رمز، وأن يعادي إنسانًا آخر لمجرد أنه ينتمي إلى سردية مختلفة. فالمعتقد، حتى حين يكون غير قابل للاختبار التجريبي، يستطيع أن يصبح قوة مادية هائلة حين يؤمن به الناس ويتصرفون على أساسه.

وبهذا المعنى يمكن القول إن التاريخ الإنساني يمكن أن يُقرأ، في جانب منه، بوصفه تاريخًا لصراع السرديات الكبرى: من الأسطورة إلى الدين، ومن الطوطم إلى الأيديولوجيا، ومن الأساطير السياسية القديمة إلى العقائد السياسية الحديثة.وهذه هي الاطروحة التي انتبه اليها المفكر المصري أنور عبد الملك 1924- 2012م إذ تميز بمشروع فكري عقلاني وحضاري مبكر، انشغل بنقد المركزية الأوروبية وتفكيك الاستشراق التقليدي قبل سنوات من صدور كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق». سعى عبد الملك إلى إعادة صياغة مفاهيم النهضة والثورة والأصالة والحداثة من منظور الخصوصية الحضارية، داعيًا إلى استعادة التعددية الثقافية في النظام الدولي، ومبشرًا بصعود الشرق، ولا سيما الصين والعالم العربي، بوصفه فضاءً حضاريًا قادرًا على إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وقد جمع في تحليله بين البنى الاجتماعية والتحولات السياسية والعسكرية والعمق التاريخي للأمم. ومن أبرز كتبه: «المجتمع المصري والجيش»، «نهضة مصر»، «ريح الشرق»، «تغيير العالم»، «من أجل استراتيجية حضارية»، «الجدلية الاجتماعية»، «الفكر العربي في معركة النهضة»، «مدخل إلى الفكر العربي المعاصر»، «الإبداع والمشروع الحضاري»، «الشارع المصري والفكر»، «الوطنية هي الحل»، و**«في أصول المسألة الحضارية»**؛ وهي في مجملها تعكس انشغاله بسؤال النهضة واستعادة الشرق فاعليته الحضارية والتاريخية. وهو يرى أن الحضارات لا تتحرك جميعها داخل السياق التاريخي نفسه، وأن اختلاف تجاربها الاجتماعية والقومية والتاريخية ينتج اختلافًا في رؤيتها للزمن وللصيرورة وللعلاقة بين الفرد والجماعة.

لقد نشأت حضارات شرقية قديمة، مثل مصر والصين وفارس واليابان، داخل مجتمعات ذات استمرارية تاريخية عميقة، وتماسك اجتماعي وثقافي قوي، جعل الزمن فيها يبدو أقل تجزؤًا من التصور الحديث الذي يميل إلى تقسيم التاريخ إلى مراحل منفصلة ومتتابعة.

فالإنسان الشرقي، في قراءة عبد الملك، لا يرى نفسه دائمًا بوصفه فردًا منفصلًا عن التاريخ، وإنما بوصفه حلقة في سلسلة ممتدة عبر الأجيال.

فكرة تستحق التأمل، لأنها تجعلنا نعيد النظر في الطريقة التي نفهم بها التقدم نفسه. فهل التقدم مسار واحد تسير فيه جميع المجتمعات بالسرعة نفسها؟ أم أن لكل حضارة زمنها التاريخي الخاص، وإيقاعها الداخلي، وطريقتها في استيعاب الحداثة؟

لا يعني هذا أن نرفض منجزات الغرب أو أن نغلق أبوابنا أمام العلم والتكنولوجيا والحداثة، كما لا يعني أن نقد الغرب ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للشرق. المسألة أعمق من ذلك: كيف نستفيد من منجزات الآخر دون أن نفقد القدرة على التفكير من داخل شروطنا التاريخية؟

فالنهضة ليست تقليدًا للآخر، كما أنها ليست عودة رومانسية إلى الماضي. إنها القدرة على إنتاج معرفة تنطلق من الواقع، وتستفيد من التجارب الإنسانية كلها، لكنها لا تتخلى عن حقها في طرح أسئلتها الخاصة.

ليس العالم واحدًا بالمعنى الذي يجعل البشر يرونه بالطريقة نفسها؛ فالعالم الخارجي قد يكون مشتركًا بين الجميع، لكن الإنسان لا يراه عاريًا من اللغة والذاكرة والثقافة والتاريخ والجغرافيا والتجربة. نحن لا نرى العالم فقط، بل نؤوله، والخطر يبدأ حين ننسى أننا نؤول فنخلط بين الحقيقة وصورتنا عنها.

ومن هنا لا ينبغي أن نفهم الشرق والغرب بوصفهما جوهرين ثابتين أو عقلين متناقضين، بل بوصفهما تاريخًا طويلًا من التفاعل والتبادل والصراع والتعلم المتبادل. فلا يوجد عقل شرقي خالص ولا عقل غربي خالص، كما لا توجد حضارة تمتلك وحدها مفاتيح التاريخ.

إن العالم المعاصر أصبح قرية من حيث الاتصال، لكنه لم يصبح عقلًا واحدًا؛ بل كلما اقترب البشر ماديًا، ظهرت بصورة أوضح اختلافاتهم الرمزية والثقافية. ولهذا نحتاج إلى رؤية كلية ترى الاقتصاد والسياسة والثقافة والدين والتكنولوجيا والتاريخ بوصفها عناصر مترابطة داخل شبكة واحدة.

أما الفلسفة، فوظيفتها ليست إنتاج يقينيات مقدسة، وإنما حماية العقل من تحول أفكاره إلى أصنام. إنها تعلمنا أن نسأل، ونشك، ونختبر، ونراجع أنفسنا.

وربما لا يكون السؤال: من يرى العالم بصورة صحيحة، الشرق أم الغرب؟ بل: كيف نتعلم أن نفكر معًا، رغم اختلاف الطرق التي تعلمنا بها رؤية العالم؟

ولهذا أجد في انعقاد مؤتمر جامعة حضرموت بمناسبة الذكرى البلاتينية للعلاقات اليمنية الصينية أكثر من مجرد استعادة لحدث تاريخي مضى؛ إنها فرصة لإعادة قراءة التاريخ بوصفه سؤالًا مفتوحًا على المستقبل. فالعلاقة بين اليمن والصين ليست مجرد علاقة دبلوماسية بين دولتين، وإنما هي امتداد لتاريخ أقدم من الدول والحدود، تاريخ طرق التجارة والبحار والموانئ، وتبادل السلع والأفكار والثقافات بين حضارتين عريقتين.

وتكتسب هذه الندوة أهميتها من أنها تتيح لنا أن ننظر إلى الصين واليمن خارج الصور النمطية التي صنعتها المركزيات القديمة، وأن نقرأ تجربة الصين المعاصرة في ضوء تاريخها الحضاري الطويل، كما نعيد التفكير في موقع اليمن وقدرته على استعادة دوره في شبكة التفاعل الآسيوي والعالمي.

إن الاحتفاء بسبعين عامًا من العلاقات اليمنية الصينية لا ينبغي أن يكون احتفاءً بالماضي وحده، بل مناسبة للسؤال: ماذا يمكن أن نتعلم من هذا التاريخ؟ وكيف نحول الذاكرة المشتركة إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع للمستقبل؟

فالتاريخ لا يصبح حيًا حين نتذكره فقط، وإنما حين يساعدنا على فهم حاضرنا وفتح إمكانات جديدة للمستقبل. وربما تكون هذه هي الرسالة الأعمق للندوة: أن الحضارات لا تتقدم حين تنغلق على ذواتها، بل حين تتعارف، وتتفاعل، وتتبادل الخبرة، وتبحث معًا عن عالم أكثر تعددًا وعدلًا وإنسانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

فرش اشكالي: يشغل بول ريكور موقعا متميزا في الفلسفة الفرنسية في القرن العشرين، فهو من أكثر فلاسفتها عمقا، وقد وصفته صحيفة لوموند يوم وفاته بعبارة فيلسوف جميع الحوارات، وهو وصف يلتقي مع ما رصد في سيرته الفكرية من دفاعه عن الحوار الكوني مع معظم تيارات عصره. ويلاحظ جان غروندان أحد أبرز شراحه، أنك لا تجد في أعماله الكتاب الأعظم الواحد، بل كتبا كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب، ومع ذلك تلاحقه تهمة متكررة أنه لا يملك فكرا خاصا، وأنه لا يفعل سوى عرض أفكار غيره وتصحيح تجاوزاتها.

يصف ريكور تقليده الفلسفي بثلاث سمات، الانتماء إلى الفلسفة الانعكاسية، والوقوف في دائرة الظاهراتية، وتمثيل نسخة تأويلية منها. وتكاد عبارة واحدة تلخّص مشروعه: «الإنسان هو فرح النَّعَم في حزن المتناهي». وليست هذه العبارة تفاؤلًا ساذجا ولا يأسا وجوديا، بل قدرة على قول «نعم» للحياة من داخل تناهيها نفسه. ومن هذا التوتر انبثقت فلسفة إرادة تعرف حدودها، وتأويل يثق بالرمز ويرتاب فيه معا، وأخلاق تطلب الحياة الطيبة في مؤسسات عادلة، وذاكرة ترفض أن يبتلعها النسيان أو تستعبدها الضغينة.

من هنا ينطلق مقالنا من سؤال مركزي: بأي معنى يمكن عد الجمع بين النقد والاقتناع عند ريكور بناء منهجيا متماسكا لا تسوية توفيقية، وكيف يتجلى ذلك في تصوره للذات المتناهية وللتأويل الذي تفهم به نفسها؟.

بأي مرجعية يمكن ان نفهم فلسفة بول ريكور؟

تتوزع الدراسات والمقالات المتعلقة بفلسفة بول ريكور على ثلاثة اتجاهات الاتجاه الأول الببليوغرافيا السيرية، وأبرزها نصوص كتاب غروندان الذي يقدم قراءة منتظمة لمسار ريكور ولأعماله، ويلاحظ بصفة خاصة أنه لا يوجد في هذه الأعمال الكتاب الأعظم الواحد، بل كتب كثيرة يصلح كل منها لهذا اللقب، كما يجعل من فاجعة ابنه أوليفييه مفتاحا لبعد مأساوي في الذات عينها كآخر. وإلى جانبه سيرة دوس، وهي المرجع الأدق في تفاصيل الحياة العامة والجامعية، ويضاف إليهما المراجع الاصطلاحية كمعجم أبيل وبوريه.

والاتجاه الثاني نقدي-موضوعاتي، يتناول ريكور من زاوية علاقته بالهامش وبما بعد الكولونيالية، وقد جمعت بعض مساهماته في عدد خاص من مجلة دراسات ريكور بعنوان ريكور ما بعد الكولونيالي، إضافة الى أول كتاباته الفلسفية «بحث عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو».

والاتجاه الثالث دراسات قطاعية تتناول عصبا واحدا من فكره، وهي الأكثر صلة بأطروحة هذا المقال. فمنها ما يتخذ من ثنائية النقد والاقتناع محورًا صريحًا، مثل بين النقد والاقتناع مسار تفكير بول ريكور، وبين القلق والنقد لحظة الاقتناع عند بول ريكور، ومنها ما يقرأ التأويل من جهة الغيرية وحدود المعنى، أو من جهة أخلاق الضيافة والانتقال من الارتياب إلى الثقة بالذات، أو من جهة الخصوصيات الوجودية، حيث تقرأ حياة الإنسان بوصفها توترًا لا يتوقف بين القدرة والعجز، ويكمل هذه الصورة ما كتب عن فلسفته بوصفها تجوالًا للمعنى وعن لغة التأويل وعقلها النقدي.

سيرته وفلسفته

ولد بول ريكور في فالانس يوم 27 فيفري 1913، وكان أبوه مدرّس إنجليزية في الثانوية. توفيت أمه بعد ولادته بقليل، وقُتل الأب في معركة المارن سنة 1915، ولم يُعثر على جثته إلا سنة 1932 حين حرث فلاح حقله. كبر في رين بين جدّيه لأبيه وعمّته وأخته أليس، في بيت بروتستانتي متقدّم في السنّ يغلب عليه الحداد. ويقول إن القراءة كانت ملاذه، وإن المدرسة كانت له استراحة لا عبئًا، وخرج من هذا اليتم بإحساس حادّ بالظلم الاجتماعي؛ فقد رأى لاحقًا أن أباه مات من أجل لا شيء، ووجد في تربيته البروتستانتية ما يسند هذا الإحساس. وماتت أخته أليس بالسلّ وهي في الحادية والعشرين، فظلّ يشعر بأن عليه دينًا غير مدفوع لها وسيعود هذا الدين في أعماله على شكل أسئلة عن الذنب والمسؤولية والذاكرة.

في ثانوية رين التقى ريكور أستاذه رولان دالبييز، فتعلّم منه قاعدة رافقت حياته (إذا اعترضك عائق فواجهه ولا تلتفّ عليه) وكتب بحثه الجامعي الأول عن مسألة الله عند لاشوليي ولانيو ثم صار أستاذًا في الثانوية سنة 1933، وسيقول إن هذا الدخول المبكر إلى التدريس حكم عمله كلّه، فأعماله الفلسفية ظلّت مرتبطة بالتعليم

كان في تلك السنوات قريبًا من الاشتراكيين ومن الحلقات المسيحية الملتزمة اجتماعيًا، وكتب مقالًا عن «ضرورة كارل ماركس» (1937–1938)، لكنه لم يخلط يومًا بين الإنجيل والاشتراكية [11][19]. وحاز التبريز سنة 1935 بالمرتبة الثانية. وكان يحضر كلّ جمعة صالون غابرييل مارسيل، وقاعدته ألّا يُستشهد بأي مؤلف وأن يبدأ التفكير من أمثلة حيّة وفي تلك الفترة اكتشف كارل ياسبرس وقرأ هوسرل، وتزوّج سيمون لوجاس، وأنجبا خمسة أبناء.

جُنّد ريكور سنة 1939، ووقع في الأسر في ماي 1940 في وادي المارن، المكان نفسه الذي سقط فيه أبوه. أُرسل إلى معسكر في بوميرانيا، وأقام هناك مع رفاقه ومنهم ميكل دوفرين ما يشبه جامعة صغيرة بمكتبة ودروس وامتحانات وترجم في الأسر أفكار هوسرل، وكتب في هوامش النص لقلّة الورق، وكتب أولى صفحات مشروعه عن الإرادة. ولم ينقص الأسرُ ولعه بالثقافة الألمانية، فقد عدّ غوته وشيلر وهوسرل وياسبرس ألمانيا الحقيقية. وحين حُرّر سنة 1945 وجد نفسه قريبًا من معسكر برغن-بلسن، فأدرك أن نجاته كانت أعجوبة ويُسجَّل في هذا السياق أن سنوات الأسر الخمس كانت أرضية خصبة، وأن ترجمته وتعليقه على هوسرل ثم كتاب كارل ياسبرس وفلسفة الوجود (1947) خرجا من صميمها

ومن صفاته التي تستحق التكريم أنه لم يتردد في نقد أحكامه القديمة؛ راجع نزعته السلمية قبل الحرب بقسوة، وسمّى بعض مواقفه السياسية آنذاك خاطئة، بل آثمة.

بعد التحرير استقبله غابرييل مارسيل كأنه أحد أبنائه. وصدر سنة 1947 كتابه الأول، كارل ياسبرس وفلسفة الوجود، بالاشتراك مع دوفرين وبمقدمة من ياسبرس نفسه. عُيّن أستاذًا في ستراسبورغ سنة 1948، وقضى فيها نحو ثماني سنوات وصفها بأنها من أسعد سنوات حياته. وفيها اقترب من مجلة «إسبري» ومؤسّسها إيمانويل مونييه الذي توفي سنة 1950، ودافع عن أطروحته «الإرادي واللاإرادي»، ونشر التاريخ والحقيقةوانتقل إلى السوربون سنة 1957حيث ازدادت شهرته وضاقت به قاعاتها المكتظة بالمجهولين

لم يعش في برج عاجي. تذكر المصادر أنه انحاز منذ 1947 إلى حرب التحرّر الوطني للجزائريين، وأن كشف التعذيب سنة 1957 هو ما دفعه إلى الانخراط في معارضة الحرب، وأنه ابتعد سنة 1960 عن دعوة بيان الـ121إلى العصيان الشامل، وقد بلغ ثمن هذه المواقف حدّ التوقيف فقد جاءت الشرطة إلى بيته في التاسع من جوان 1961 عند السادسة صباحًا، وهو يصحّح أوراق الامتحانات قبل الإفطار، وفتّشت البيت بحثًا عن أسلحة أو مقاومين جزائريين فلم تجد شيئًا، ثم أوقفته بتهمة الاشتراك في نشاط ضد الدولة الفرنسية.

بدأ ريكور مشروعًا فلسفيا ضخمًا من ثلاثة أجزاء: إيديتيقا الإرادة (1950)، ثم تجريبيتها في الجزأين اللذين صدرا معًا سنة 1960، ثم شعريتها عن المتعالي، وهو الجزء الذي لم يُنشر قطّ وأراد أن يقدّم في مجال الفعل ما قدّمته «ظاهراتية الإدراك» لميرلو-بونتي في مجال الإدراك.

فكرته الأساسية أن الإرادة الإنسانية ليست سيّدة مطلقة، بل حرية متجسّدة تابعة. تقوم الإرادة على ثلاثة أفعال: تقرّر وتتحرك وتوافق، وهي تعمل داخل نسيج من اللاإرادي: الحاجات والدوافع والعادات والانفعالات، وفي عمقها ما سمّاه اللاإرادي المطلق، أي الطبع واللاشعور والحياة نفسها الوجود عنده يُعانى ويُقاد معًا، وهو لا يرى في حدود الإرادة نقصًا يجب تجاوزه، بل شرط إمكانها وفي هذا العمل دفاع عن ساذجة ثانية» أن يستعيد الإنسان بعد التأمل والنقد ثقته بالحياة وإمكاناتها. وكان يرى أن فلسفتي هيدغر وسارتر بالغتا في التركيز على القلق والموت، وأن فكرة الموت لا ينبغي أن تلتهم كلّ الانتباه.

وفي الإنسان الخطّاء يجد ريكور إمكان الشرّ في اختلال التناسب بين المتناهي واللامتناهي، أي في طبيعة إنسان يشارك في الاثنين معًا، وفيه أثر لباسكال ولا يبلغ التحليل الفلسفي الشرّ نفسه، فيلجأ في رمزية الشرّ إلى الأساطير والرموز التي عبّر بها البشر عن تجربة الذنب. وهنا صاغ عبارته الشهيرة: الرمز يساعد على التفكير. وانتقل بذلك من فلسفة الوعي إلى فلسفة الطريق الطويل حيث لا يعرف الأنا ذاته بالاستبطان، بل بتأويل الرموز التي حملت تجربته.

يُعدّ كتاب في التأويل: بحث في فرويد (1965) الحلقة الأهمّ. بدأ ريكور مقالة قصيرة عن الشعور المرضي بالذنب فانتهى إلى كتاب ضخم وميّز فيه بين تأويلين: تأويل اختزالي يشكّ في ما تقوله الرموز عن نفسها، وتأويل موسِّع ينصت إلى المعنى الذي تحمله. وحاول التوفيق بينهما داخل تأويل عام. والرمز عنده تعبير لغوي ذو معنيين يحتاج إلى تأويل ولم يخفِ نقده لنفسه: عاتب نفسه لأنه بنى قراءته على أكثر نصوص فرويد نظرية ولم يحتكّ بما يكفي بالتجربة التحليلية. وأثار الكتاب عداء أنصار لاكان.

وفي صراع التأويلات (1969) أعاد ترتيب الخريطة بين الطريق القصير والطريق الطويل وناقش البنيوية، وكان أهدأ محاور لها بين الفلاسفة الفرنسيين، وتوسّط بين غادامير وهابرماس رافضًا التعارض بين الحقيقة والمنهج ثم انتقل من الرمز إلى الاستعارة لأنها أضبط بنية.

في سنة 1975 ألقى ريكور في جامعة شيكاغو سلسلة محاضرات نُشرت بالإنجليزية سنة 1986 بتحرير جورج تايلور، وبالفرنسية سنة 1997 بعنوان الإيديولوجيا واليوتوبيا. وهي تعالج الخيال الاجتماعي في صورتين. فللإيديولوجيا ثلاثة مستويات: تشويه الواقع (ماركس)، وتسويغ السلطة وإضفاء الشرعية عليها (فيبر)، وتحقيق الاندماج الاجتماعي (غيرتز). واليوتوبيا تقابلها لانها تفتح إمكانات جديدة وتنقد السلطة القائمة، ولها وجه مرضي هو الهروب من الواقع الصعب. ويمرّ ريكور بماركس وفيبر ومانهايم وغيرتز دون أن يصير تلميذًا لواحد منهم، ويرى مقدّم الطبعة البرتغالية أن هذه المحاضرات تردّ التهمة الشائعة بأنه «انتقائي»، لأنها تكشف وحدة عميقة في فكره حول الخيال الثقافي.

في الزمان والسرد يقرأ ريكور معضلات الزمن، ويقترح أن السرد جواب البشر عنها. فالتاريخ والخيال كلاهما سرد، والسؤال من أنا؟ يُجاب عنه بحكاية حياة، وهذا ما سمّاه الهوية السردية. لكنه يرفض أن تتحوّل الحكاية إلى شفافية كاملة، ويدعو إلى التخلّي عن هيغل، أي عن وهم حبكة الحبكات وفي وعيه التاريخي الماضي تقليد يحملنا، والمستقبل أفق انتظار، والحاضر لحظة مبادرة، وبها ينتقل من أنا كائن إلى أنا أستطيع

ثم جاءت الذات عينها كآخر (1990) ثمرة محاضراته في غيفورد. ميّز فيها بين هوية الإيدم (idem)، أي الهو ذاته الثابت، وهوية الإبسا (ipse)، أي الذات التي تحافظ على وعدها وتتغيّر مع ذلك، وهي ذات مسؤولة يمكن أن تُنسب إليها أفعالها.

ويجمع ريكور فلسفته في ثلاثة أسئلة: من أنا؟ ماذا ينبغي أن أفعل؟ ما الوجود؟ وجوابه عن الثاني هو الأخلاق الصغرى أي السعي إلى الحياة الطيبة مع الآخرين ومن أجلهم في مؤسسات عادلة ويفرّق فيها بين الأخلاق» بمعناها الغائي الأرسطي و«الأدب» بمعناه الواجبي الكانطي، ويقدّم الأولى على الثانية: كانط كامن في أرسطو، وأرسطو يقتضي كانط

في الذاكرة والتاريخ والنسيان (2000)، وهو كتاب من 676 صفحة نُشر وهو في السابعة والثمانين، يرى ريكور أن الكتابة التاريخية تعيد تمثيل الماضي، وأن الكتابة تعادل الدفن، هي عمل جنائزي يحفظ الموتى من الضياع. ويميّز بين نسيان بالإتلاف يجب أن تقاومه الذاكرة، ونسيان احتياطي وسعيد يتخذ شكل الصفح، وأقصى صوره التحرّر من الهمّ، ويربط هذا بكلمات الإنجيل عن زنابق الحقل. وينتصر مرة أخرى للحياة على الموت، فالحكيم عند سبينوزا لا يفكّر في الموت، والناس عند أرندت وُلدوا ليبتدئوا لا ليموتوا. وختم الكتاب بسطور قليلة تقول إن تحت التاريخ ذاكرةً ونسيانًا، وتحتهما حياة، وإن كتابة الحياة حكاية أخرى

وفي حيّ حتى الموت وهو النصّ الذي نُشر سنة 2007 مع شذرات كُتبت بين 2004 و2005 يعمل الحداد على غير ما يُتوقّع فقد صاغ ريكور البهجة بوصفها مقترنة بالنعمة المرجوّة للوجود حيًّا حتى الموت ويرى في الحداد فعلًا للأحياء لا للموتى، ويميّز مترجمه بين الحيّ والباقي على قيد الحياة، ويقرأ الموت من زاوية ذاكرة الأقربين.

وقد سبقت هذه الكتابة فاجعة كبرى: ففي خريف 1986، وهو يحاضر في براغ، فقد ابنه أوليفييه في مأساة انتحار. فازدادت نبرة فكره المأساوية عمقًا، وأهدى إلى ذكراه فاصل مأساوية الفعل في «الذات عينها كآخر» ويُسجَّل بداية الاشتغال على الموت في جانفي 1996، حين استجاب أوليفييه أبال لطلب ريكور بدء حوار معه حول الموت برسالة من نحو عشرين صفحة حُفظت مع المخطوط في الملفّ نفسه.

الخاتمة

تبيّن القراءة أن ثنائية النقد والاقتناع عند ريكور ليست ترددا بين قطبين ولا تسوية وسطى، بل ناظم منهجي يتجلى في حدود الإرادة، وتأويل الرموز، وهوية السرد، وأخلاق الذاكرة، وحوار الفلسفة والإيمان. ويترتب على ذلك ردّ جزئي على تهمة الانتقائية، فالمسار من الرمز إلى الاستعارة إلى السرد إلى الهوية السردية إلى الذات المسؤولة إلى الذاكرة ليس تراكما لأطروحات الغير، بل سلسلة إجابات عن سؤال واحد: كيف يفهم الإنسان ذاته وهو لا يصل إليها مباشرة؟ ويتعدد المحاورون عند ريكور دون أن تتعدد مواقفه.

نال ريكور جوائز كثيرة، منها جائزة هيغل في شتوتغارت وجائزة ياسبرس في هايدلبرغ وجائزة بالزان وجائزة كيوتو، وأكثر من ثلاثين دكتوراه فخرية، كما ثبت في قائمة موثّقة أنه نال جائزة ليوبولد لوكاس في توبنغن والجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية وجائزة بول السادس الدولية سنة 2003. وتوفي في 20 ماي 2005 عن اثنين وتسعين عامًا في شاتناي-مالابري، وهو المكان نفسه الذي وقف فيه باكيًا في حديقة الأسوار البيضاء سنة 1950 عند موت صديقه مونييه، دون أن يعلم أنه سيسكنه يومًا.

لم يحلم ريكور بالخلود، وإنما بـ«حبّات الخلود» لحظات الحياة الكثيفة التي تُعاش في الحاضر. وترك للناس شجاعة التفكير، وطريقة في التفكير تقوم على الاقتراب من الأفكار المتباعدة دون إذابتها، والبحث عن الوسط الصحيح الذي رآه أصعب من التطرّف. ويقول غروندان إن فكره سيبقى مفتوحًا، لأن الحياة عنده تُكتب دون أن تكتمل وبذلك تُقرأ ثنائية النقد والاعتقاد لا تناقضًا يُتحمّل، بل توترًا مُخصبًا: «الإنسان هو فرح "النعم" في حزن المتناهي.

***

عمرون علي

.......................

المراجع

- نابي بوعلي، بول ريكور والفلسفة. منشورات الاختلاف

- الفيلم الوثائقي بول ريكور: فيلسوف كل الحوارات، من إخراج كارولين رويسنر

- حيّ حتى الموت، متبوعاً بشذرات. ترجمة وتقديم عمارة الناصر (مقدمة أوليفييه أبال وخاتمة كاترين غولدنشتاين)، منشورات الاختلاف / ضفاف، ط1، 2016.

- بول ريكور، عن الترجمة. ترجمة حسين خمري، منشورات الاختلاف، ط1، 2008.

- بول ريكور نظرية التأويل: الخطاب وفائض المعنى. ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، ط1، 2003.

كلنا نعلم أن النص بنيان يشدّ بعضه بعضاً؛ شبكة من العلاقات المتضامة بين لبناته، لا تستمد دلالتها من عناصرها منفردة ومستقلة، بقدر ما تستمدها من طريقة انتظامها وتفاعلها وتموقعها داخل الكل. وهذا ما يفرض على القارئ والدارس معاً أن يبتعد عن النص قليلاً، مسافة بانورامية تسمح برؤية معماره ككل؛ من العنوان إلى المتن، ومن المتوزعات النصية إلى الإحالات، ومن البياضات إلى الهوامش وما يحيط بالنص من عناصر مشاركة في إنتاج دلالته. حيث لا ينتظم الجزء إلا داخل الكل ولا يلتئم الكل إلا بانتظام اجزائه.

ومن هنا تكتسب العتبات النصية، في تصور جيرار جينيت، أهميتها بوصفها عناصر مرافقة للنص وموجة له، لا مجرد إضافات تقع على هامشه. فالعنوان، واسم الكاتب، والصورة، والتصنيف النوعي، والمقدمة، والهامش، والبياضات وغيرها من العناصر التي تنتظم حول النص أو داخله، تشكل جزءاً من جهاز تواصلي ودلالي يشارك في توجيه القراءة، ويهيئ القارئ للدخول إلى النص من زاوية دون أخرى.

إن هذه المشيرات تتوزع على جغرافيا النص بوعي أو بغير وعي، وقد تؤسس، إذا دُرست بحذر، لقراءة أولية كاشفة عن بعض ما يضمره النص، لا بمعنى أنها تقدم مفاتيح نهائية لمعناه، وإنما لأنها تفتح منافذ أولى إلى عالمه، وتلفت الانتباه إلى ما قد يكون مستتراً خلف بنيته الظاهرة.

فالقراءة الحذرة لهذه العتبات يمكن أن تكون بمنزلة مفاتيح لمغاليق لا تصرح بها اللغة صراحة، بل تتوارى خلف تيمات قد تبدو راكدة في ظاهرها. غير أن خلخلة هذه التيمات، عبر التفكيك والمساءلة، تكشف أحياناً أنها تمارس لعبة الظهور والتخفي، وأنها تدخل، بصورة أو بأخرى، في علاقة توتر وممانعة مع القارئ؛ فتمنحه بعض الإشارات، وتحجب عنه بعضها الآخر، وتترك له مساحات يتعين عليه أن يملأها بالقراءة والتأويل.

إن قراءة من هذا النوع هي، بحق، خطوة أثرية أو أركيولوجية؛ تنقب في تربة النص بهدوء وصبر، دون إغفال الجزئيات المكتشفة. فقد تكون الجزئية الصغيرة سرّ الاكتشاف، أو على الأقل سبيلاً خفياً، كالرمز الذي يقود إلى كنز لا يظهر من الوهلة الأولى. وخصوصاً إذا أحسنّا التأويل الذي يمحص في العلاقات المتوارية والمتخفية بين العتبات، وفي الصلات التي تجمع بينها وبين المتن؛ إذ لا تبدو هذه العناصر، في النصوص المحكمة، جزرًا منفصلة، وإنما تنتظم في شبكة علائقية قد يكون لكل خيط فيها وظيفة دلالية أو إجرائية.

ولعل العتبات، بهذا المعنى، تشبه جهازاً عصبياً يشد الهيكل النصي بعضه إلى بعض، ويسمح للنص بأن يمارس لعبته؛ فيختبر قارئه قبل أن يهمس له بأسراره، أو يتكشف له شيئاً فشيئاً أثناء جذبته وشطحاته، إن جاز القول.

وهذا كله يعود، في جانب منه، إلى حنكة الدارس في استمالة النص وسحبه إلى ساحة مكشوفة الأبعاد، حتى يشعره بحريته، لا إلى مخفر شرطة ويرغمه على الاستنطاق. ومن هنا جاءت القراءات مختلفة ومتعددة؛ ذلك أننا لا نملك الرؤية نفسها، ولا الآليات نفسها في الاشتغال على النص، ولا الدرجة نفسها من الخبرة أو الصبر أو رحابة الأفق. وربما لا نملك المنهج نفسه ولا أدوات القراءة والتحليل، ناهيك عن سلطة المنهج!

وهذا بالذات ما يجعل النص، مهما اعترف وأسرّ وأقرّ، يبقى مراوغاً وصامتاً عن أشياء أخرى لم يبح بها؛ أشياء تنتظر قارئاً آخر، ربما كان أكثر تجربة وحنكة وصبراً، وأقل ثقة بحيل النصوص وقدرتها على إظهار كل ما تخفيه.

وإذا كانت العتبات تشكل، عند جينيت، مناطق تماس بين النص وما يحيط به، فإن أهميتها لا تكمن في وصفها أو تصنيف وظائفها؛ إذ إن قيمتها أعمق من ذلك بكثير. وجب أن ننظر إليها من حيث أثرها في فعل القراءة.

فالقارئ لا يدخل النص دائماً من بابه الداخلي المباشر، وإنما قد يسبقه العنوان، أو الصورة، أو التصنيف النوعي، أو اسم الكاتب، أو مقدمة، أو إهداء، أو هامش، فتتكون لديه، قبل أن يقرأ المتن، مجموعة من الفرضيات والانتظارات.

غير أن هذه الفرضيات ليست أحكاماً نهائية؛ فقد يأتي النص ليؤكدها، وقد يخذلها، وقد يقلبها رأساً على عقب. ومن هنا لا تكون العتبة سلطة تفرض معنى على القارئ، بقدر ما تكون اقتراحاً أولياً لمسار من مسارات الدخول. (هي مؤشر فقط يوجهك لمسار الدخول لكنه يترك لك حرية التوجه والتحرك داخل هذا المسار..)

وهنا تبرز أهمية التمييز الذي أقامه جينيت بين أشكال النص الموازي، ولا سيما بين ما يوجد داخل المحيط المادي للنص، وما يوجد خارجه من خطابات وتصريحات ومراسلات وإعلانات وغيرها. فليس كل ما يحيط بالعمل الأدبي يؤدي الوظيفة نفسها، ولا يجوز اختزال مفهوم العتبة في مجرد العناصر المرئية على الصفحة.

إن العتبة، بهذا المعنى، ليست مكاناً جغرافياً فحسب؛ إنها وضعية تواصلية. إنها المنطقة التي يلتقي فيها النص بقارئه قبل أن يدخل هذا الأخير إلى عمق المتن. (مساحة حرة- عذرا إن أسميتها - "منطقة التفاوض")

ولعل هذه النقطة (المنطقة) هي التي تسمح بالانتقال من جينيت إلى إيكو دون افتعال وصلة بين مشروعين نظريين مختلفين. فإذا كانت العتبة تسهم في إعداد القارئ للدخول إلى النص، فإن النص نفسه يبني، من خلال استراتيجيته، صورة القارئ الذي يستطيع أن يتعامل مع إشاراته وفراغاته وكفاءاته. (يتفاوض!)

ومن ثم يصبح السؤال: كيف يدخل القارئ النص؟ مكملاً لسؤال آخر: أي قارئ يفترضه ويرتضيه النص أصلاً؟

لقد أولت نظرية التلقي فعل القراءة أهمية مركزية، وأعادت النظر في العلاقة التقليدية بين الكاتب والنص والقارئ، بحيث لم يعد المعنى بلغة الإقتصاد (واردات - صادرات) ينتقل جاهزاً من ذهن الكاتب إلى ذهن المتلقي، بل صار فعل القراءة جزءاً أساسياً من عملية إنتاج الدلالة.

غير أن اختزال هذا التحول في القول إن القارئ «حل محل الكاتب» قد يكون تبسيطاً مخلّاً؛ فالأدق أن الاهتمام انتقل إلى العلاقة التفاعلية التي تنشأ بين النص وقارئه، وإلى الكيفية التي تتشكل بها الدلالة أثناء فعل القراءة. (لا وصية للكاتب على النص)

وهنا تظهر أهمية مفهوم «القارئ النموذجي» عند أمبرتو إيكو؛ إذ لا يتعلق الأمر بقارئ تاريخي محدد له مواصفاته، ولا بقارئ متفوق على غيره، وإنما بوظيفة نصية تستدعي مجموعة من الكفاءات التي تمكن المتلقي من التعاون مع استراتيجية النص.

فالنص، بهذا المعنى، لا يكتفي بأن يكون موضوعاً للقراءة؛ إنه يبني، في أثناء تشكله، شروطاً معينة لكي يُقرأ.

ومن هنا لا يعود القارئ النموذجي شخصاً نبحث عنه خارج النص، بل وظيفة يستدعيها النص من خلال لغته، ونوعه، وإشاراته، وفراغاته، واستراتيجياته. وقد يستطيع قارئ فعلي أن يقترب من هذه الوظيفة بدرجات متفاوتة، بحسب ما يمتلكه من كفاءات وخبرات ومعارف.

وهكذا يمكن النظر إلى العتبة والقارئ النموذجي بوصفهما لحظتين متكاملتين في استراتيجية التواصل النصي: العتبة تهيئ أفق الدخول، والنص يستدعي الكفاءة التي تسمح باستمرار الرحلة داخله.

لكن الإشكالية تظهر فوراً حين نتسأل: أي قارئ نقصد؟

فنحن لا نملك قارئاً واحداً، وإنما قراء متعددين، لكل واحد منهم تكوينه الثقافي، وخبرته، وحساسيته، وأدواته، وأفق انتظاره. وقد يقرأ القارئ نفسه النص ذاته في أزمنة مختلفة، فيخرج منه في كل مرة بمعنى أو بإمكان دلالي جديد. (خصوصا إذا اعترفنا أن النص طبقات معاني)

إذن: من أين لنا بمعنى موحد في ظل تعدد القراء؟ ومن أين لنا بمعيار يفصل بين القراءة الممكنة والقراءة المتعسفة؟ وإذا كان النص قابلاً لأن يُقرأ بوجوه متعددة، فهل يعني ذلك أن كل تأويل يصبح مشروعاً بمجرد أن يستطيع القارئ الدفاع عنه؟

هنا تتعمق الإشكالية أكثر مما تتبسط، وتتراءى لنا، للحظة، صورة ما يمكن أن نسميه مجازاً «فوضى القارئ».

هذه التسمية لا يجب أن تُفهم بوصفها حكماً على التعدد، وإنما بوصفها سؤالاً عن الحد الفاصل بين حرية التأويل واعتباطيته.

فالتعدد ليس بالضرورة فوضى!

بل إن النصوص الكبرى كثيراً ما تستمد جزءاً من حيويتها من قدرتها على إنتاج قراءات متباينة. والمشكلة لا تبدأ من اختلاف القراءات، وإنما من اللحظة التي تبتعد فيها القراءة عن العلامات التي يقدمها النص، ويتحول التأويل إلى إسقاطات وتهم القارئ عليه بدلاً من أن تكون حواراً معه.

 فتعدد القراءة لا ينفي بالضرورة وحدة النص بل تعدد التأويلات (الارتجالية) قد يفضي إلى انهيار المعنى...

فالقراءة يمكن أن تتعدد، لكن تعددها يظل مطالباً بأن يدخل في حوار مع النص نفسه؛ مع بنيته، وإشاراته، وتكراراته الدلالية، وعتباته، وهوامشه، وإحالاته، وشبكة العلاقات التي تنتظم عناصره.

إذا كان النص يستدعي قارئاً قادراً على التعاون معه، فإن هذا التعاون لا يعني أن القارئ يمتلك النص امتلاكاً مطلقاً (سلطة القارئ) . فثمة دائماً فرق بين أن يكون القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة وأن يصبح صاحب السيادة الوحيدة عليها. اذا لابد من حد للتأويل.

فالحد ليس حصنا يغلق النص (سياج دوغمائي بمفهوم أركون)، ولا قانوناً يمنع تعدد القراءات(سكولاستيكي)، وإنما هو مجموعة من القيود أو نقول بلغة أخف " عقود للقراءة" التي يشترطها النص نفسه: لغته، وبنيته، وسياقه، وعلاقاته الداخلية، وإشاراته المتكررة، ونوعه الأدبي، وعتباته، وما يتيحه من إمكانات وما يستبعده من احتمالات.

بهذا المعنى، لا يكون التأويل بحثاً عن معنى وحيد مخبأ في مكان ما داخل النص، كما لا يكون إنتاجاً حراً لمعنى لا علاقة له به. إنه حركة بين ما يقوله النص وما يسمح به، وبين ما يقترحه وما يتركه مفتوحاً.

وقد يكون النص الجيد هو النص الذي يعرف كيف يترك لقارئه مساحة للحركة دون أن يفقده الطريق.

وهنا تحديداً تتضح قيمة العتبات: فهي لا تقول للقارئ دائماً ماذا يعني النص، لكنها قد تلمح "تشير" إلى كيفية الدخول إليه. كما تتضح قيمة القارئ النموذجي: فهو لا يختار أي معنى يشاء، وإنما يحاول أن يلتقط ما تفترضه استراتيجية النص من كفاءات ومسالك وطرائق للتعاون.

وعليه يمكن القول إن حرية التأويل لا تُقاس بغياب الشروط، وإنما بقدرة القارئ على التحرك داخل هذه الشروط التي يمنحها النص.

ولكي لا تغرق القراءة في العشوائية وارتجالية التأويل، ينبغي ألا يناقض التأويل بنية النص ودلالاته المتكررة، وألا ينفصل عن معطياته اللغوية والثقافية والنوعية، وألا يحول العتبات والهوامش والإشارات إلى مجرد زخارف يمكن استعمالها كيفما اتفق.

فهذه العناصر، حين تنتظم داخل شبكة علائقية غير اعتباطية، تصبح قابلة للتأويل والاختبار والمناقشة أمام معطيات النص نفسها.

وهنا ينتقل القارئ من مجرد الانطباع إلى القراءة، ومن القراءة إلى التأويل، ومن التأويل إلى مساءلة حدود هذا التأويل.

إن القراءة المنتجة ليست تلك التي تقول كل شيء عن النص، وإنما تلك التي تستطيع أن تبرهن على ما تقول.

خاتمة

  يختبر فرضياته كلما تقدم في القراءة.

ومن هنا لا تبدو العتبات مجرد مقدمات للنص، ولا يبدو القارئ مجرد مستقبل لمعناه. إنهما يدخلان في علاقة تفاوض مستمرة، تبدأ قبل المتن، وتستمر داخله، وقد لا تنتهي تماماً بعد إغلاق الكتاب.

***

الداودي الخالدي - المغرب

تعد أزمة القراءة والفهم في العصر الرقمي مشكلة حقيقية، لأنها لم تعد أزمة نقص في المعلومات، بل أزمة في كيفية التعامل مع هذا الانفجار المعلوماتي الكبير، وبمعنى اخر، نحن لا نعيش في أزمة قراءة، بل أزمة فهم ومعنى للقراءة.

فالحصول على أي محتوى يكون بمجرد ضغطت زر عبر أي منصة رقمية. ومع ذلك، حاليا نواجه تحديا وتراجعا حقيقيين في الفهم والقدرة على انتاج المعرفة، لان المشكلة الحقيقية ليست في قلة القراءة، بل في طبيعة واسلوب القراءة ذاتها. وتكمن أزمة القراءة والمعرفة في العصر الرقمي في عدة محاور رئيسية، وهي:

اولا: التصفح السريع مقابل القراءة العميقة: تحول الاسلوب السائد للقراءة لدى غالبية الافراد من التأني والتأمل الى القراءة السطحية السريعة. فالقراءة العميقة او المتأنية تفعل روابط عصبية متنوعة تتضمن الانتباه، والذاكرة العاملة، والتخيل، والاستدلال، مما يسهم في بناء تمثيلات معرفية اكثر تعقيدا داخل الدماغ البشري. اما القراءة السطحية السريعة - التي يمارسها الغالبية على منصات التواصل الاجتماعي – تركز على استهلاك العناوين والمحتوى السريع والمختصر، مما يسبب تشتيت الانتباه لدى الافراد، وبالتالي فقدان القدرة على التركيز وزيادة الفهم.

ثانيا: كثرة المعلومات على حساب المعرفة: أصبح هناك خلط كبير بين تجميع المعلومات وبين انتاج المعرفة، بأعتبار أن المعلومات مادة خام، وعبارة عن بيانات متناثرة. اما المعرفة فهي عملية معالجة لهذه المعلومات، وتحليلها وتطبيقها في سياقات واقعية لأنتاج رؤى وافكار جديدة. وعليه، فأن الفرد في الوقت الراهن بات غير قادر على التمييز بين المعلومة والمعرفة، وبالتالي أصبح الكثير منا مستهلكين جيدين للمعلومات، لكننا متعثرين في انتاج المعرفة.

ثالثا: حرية النشر: في الماضي، كانت المعرفة تنتج عبر مراحل مختلفة تبدأ من التحرير والنقد والتنقيح، وتمر عبر لجان علمية ومتخصصة لغرض التأكد من محتواها المعرفي. اما اليوم ومع سهولة النشر في المنصات الرقمية، اختلط الصحيح بالخاطئ والجيد بالرديء، وأصبح التحدي الكبير ليس في ايجاد محتوى منشور، بل في تنقية المكتوب الجيد من "الحطام الرقمي".

رابعا: وهم المعرفة: يعتقد الكثير من افراد المجتمع أن كثرة التصفح والاطلاع على المنشورات في هذه المنصات الرقمية يسهل اكتساب المعرفة وزيادة الفهم، لكن هذا الاسلوب في الحقيقة لا يساعد على القراءة الصحيحة، ولا على الفهم والتحليل. فالانسان قد يعتقد أنه يفهم لمجرد شاهد عشرين فيديو قصيرا او تصفح عشرة منشورات مختلفة، وعندما يطلب منه لاحقا شرح الفكرة، نكتشف أنه لا يستوعبها، وهذا يتطابق تماما مع ظاهرة تاثير (دانينغ كروجر) بخصوص وهم الفهم والتفسير.

وفي هذا المنظور، تعمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي على تقديم ما يوافق توجه القارئ من خلال مستشعرات ذكية لسلوكه، مما يحرمه من التعرض لافكار مغايرة او مضادة. هذا التحول في اسلوب القراءة يحول الفرد من التحرر الفكري الى الوقوع في فخ التحيز والانغلاق على الذات.

نحو حل الازمة، بما أن المعرفة ليست كمية كبيرة من المعلومات، وانما هي بناء ذهني يمنح الفرد القدرة على تحليل وتفسير العالم واتخاذ القرار، فلابد من تدريب العقل على تعلم القراءة النقدية، وتقييم المصادر والتحقق منها، والتفكير التأملي، والتعليم على كيفية انتاج معرفة اصيلة لا مجرد استهلاكها.

ففي زمن الادوات الرقمية الذكية، لم تعد المشكلة في الحصول على المعرفة، ولا مستقبل المجتمعات تحدده وفرة المعلومات التي تمتلكها، بل في قدرتها على تحويل تلك المعلومات الى فهم، وتحويل الفهم الى معرفة، وتحويل هذه المعرفة الى حكمة قادرة على بناء الانسان. وهو ما يستدعي منا النظر الى القراءة كمهارة تفكير عليا، لا مجرد وسيلة لفك الرموز اللغوية.

***

علاء جواد كاظم

ان الرغبة في الايمان بالحياة الآخرة هي وسيلة دفاعية ضد الخوف من الموت. نحن كبشر نفهم موتنا. فكرة المحو الدائم تقود الى قلق وجودي. الايمان بالحياة بعد الموت يوفر ملاذا روحيا، يعطي للحياة معنى واتجاه.

الايمان بما بعد الموت يخفف من حدة الخوف من الموت ويمنح الأمل باستمرار الوعي. رؤيتنا الى ما بعد الحياة تُظهر ان دافع الانسان للايمان يتفوق بشكل دائم على الحاجة لدليل قاطع. تلك العقيدة هي سيف ذو حدين: توفر راحة حيوية ولكن بثمن. الايمان الأعمى يقود الى الإنكار والى إحساس زائف بالأمان، يدفع الناس الى تشويه الحقيقة من أجل حماية سلامهم الداخلي بدلا من مواجهة الحقائق غير المريحة.

مع ذلك لايزال الايمان يقدم فوائد حيوية للبقاء. انه يعمل كملاذ روحي، يعطي للحياة معنى واتجاه. الأساس لهذه الراحة هو الايمان بما بعد الحياة ومفهوم الجنة – وهي الفكرة بان الموت ليس هو النهاية المطلقة، وان الوعي لن يُفنى. هذا الاعتقاد يخدم أهدافا أساسية متعددة في حياتنا.

تهدئة الخوف من العدم

يمتلك الانسان مستوى فريد من الوعي الذاتي. فكرة الفناء الدائم تسبب قلقا وجوديا عميقا. الاعتقاد بعالم حر من الألم والمعاناة سوف يكافح مباشرة هذا الخوف، موفراً املاً بالاستمرارية بدلا من العدم المطلق. الفيلسوف الاسباني ميغيل دي اونامونو Miguel de Unamuno كتب بكثافة حول " الجوع للخلود". هو جادل ان العقل البشري يخبرنا ان الموت هو النهاية، لكن العاطفة البشرية والمشاعر تطلب بشدة حياة خالدة. ميغيل يرى ان هذا الصراع يخلق جوهر "المعنى المأساوي" للتجربة البشرية، جاعلا الرغبة بما بعد الحياة ليست استنتاجا منطقيا وانما ضرورة عاطفية حيوية للتحكم باليأس.

التخفيف من وقع حتمية الموت

رغم ان الموت يبقى يقينا بايولوجيا مطلقا (على الأقل الآن)، فان الترقب المستمر للموت يتجلى دائما كعبء سايكولوجي هام في سن الشيخوخة. أنظمة العقائد التي تتمحور حول ما بعد الحياة تنجز وظيفة وقائية مساعدة على التكيف من خلال التخفيف من حدة القلق المرتبط بالموت. هذا المفهوم ينسجم مباشرة مع نظريات الانثرابولوجي الثقافي ارنست بيكر الذي نظّر بان الافراد يصوغون "مشاريع الخلود" - بما فيها الأطر الروحية، والارث الفني والقناعات الدينية – لمنح وجودهم أهمية مستمرة ولكي يواجهوا روحيا احتمال الفناء الكلي.

جعل الوجود المتناهي مقبولا

بدون الايمان بالحياة الاخرة، فان وجود الانسان – الخروج من لا شيء فقط ليعود الى لا شيء – يصبح امرا كئيبا. توقّع شيئا ما متجاوز يخفف من قسوة حقيقة محدودية حياتنا، يعيد صياغة الحياة القصيرة لتصبح رحلة مستمرة.

السايكولوجي والفيلسوف ويليم جيمس سلط الضوء على القيمة الوظيفية للايمان، مجادلا ان الايمان بنظام أعلى يشبع حاجة اساسية للأمل والأمان والمعنى. هو يرى، اذا كان الايمان بالحياة الاخرة يساعد في التغلب على الحزن ويمنح استقرارا عاطفيا في عالم قاس، فان هذا الاعتقاد ينطوي على قيمة عملية حقيقية وصادقة.

فوائد أخرى للبحث عن الايمان بعالم الآخرة

1- الحفاظ على أحبائنا والروابط التي تربطنا بهم

الحزن والفجيعة يخلقان انفصالا وجوديا عميقا. الايمان بالاخرة يعيد صياغة مفهوم الموت ليس باعتباره انهاءً مطلقا دائما للعلاقة، بل باعتباره انقطاعا مؤقتا. هذا يوفر مجالا نفسيا حيويا لاستمرار الروابط العاطفية مع الفقيد، موفراً راحة اثناء الحزن الحاد ويحافظ على الإحساس بالارتباط المستمر.

2- استعادة العدالة والإنصاف الكونيين

العالم المادي هو غالبا ما يكون غير مبال وغير متكافئ – الأعمال الجيدة لا تُمنح مكافأة والمعاناة تبدو عشوائية وتمضي بلا عقوبة أثناء حياة الشخص. حياة ما بعد الموت تحقق رغبة إنسانية أساسية في عالم أخلاقي. انها تخلق اطارا للمسائلة النهائية حيث الألم يتحول الى سلام ونزاهة أخلاقية تحمل وزنا مستمرا. "العدالة الكونية" يمكن ان تمنحنا الراحة بوجه كل الشرور في العالم.

3- ترسيخ الهوية والقدرة على الفعل وتقدير الذات

اذا كان الوعي البشري ينقرض تماما عند الموت، فان الهوية الفردية ستكون هشة ومؤقتة. الايمان بما بعد الحياة يعزز الشعور بالقدرة على التصرف بشكل مستقل وتقدير ذات مستمر، وهو ما يضمن ان تكون قصة حياة الفرد جزءاً من مسار دائم ذو مغزى بدلا من ان تكون عرضية وشرارة مؤقتة، أي، تترك بصمة كاربونية روحية للأجيال القادمة.

4 - التماسك الاجتماعي ورؤى مشتركة حول العالم

على المستوى الثقافي والجماعة، تؤسس المعتقدات المشتركة في ما بعد الحياة أعرافا جماعية وهياكلا أخلاقية وطقوسا مشتركة. هذا يعطي الجاليات لغة مشتركة حول الموت والحزن وإحياء الذكرى، بما يعزز الوحدة الاجتماعية والتعاون المتبادل عند مواجهة حتمية الموت. البؤس يحتاج الى رفقة.

5- منظور على نطاق كوني

في نهاية المطاف، الايمان بما بعد الموت – او في خالق عظيم – لا يتعلق بالحقيقة الإلهية الموضوعية بقدر ما يتعلق بتحمّل رُعبنا الوجودي. عندما نواجه كونا شاسعا لا يبالي بنا، حيث لا يمثل وجودنا القصير سوى ومضة عابرة على المسار الزمني الكوني، فاننا نلجأ بطبيعة الحال الى التباهي بأهمية الذات. نحن نبني روايات معقدة عن الحياة الآخرة لطمأنة أنفسنا باننا لسنا تافهين، وان معاناتنا لها هدف، ووعينا سوف لن يُمحى، وهنا تكمن المفارقة الجوهرية للوضع البشري:

حتى عندما نُواجه بالحقيقة القاسية للعلم، وعدم الاحتمال الرياضي، وكون محكوم بقوانين الفيزياء، فان إكراهنا العاطفي على الايمان يبقى صلبا.

وبالرغم من ان كل قطعة من الدليل الواقعي تشير الى كون غير شخصي، لكن روح الانسان تستمر بالمطالبة بمعنى، والتشبث الشديد بالأمل.

***

حاتم حميد محسن

...........................

Psychology today, August 22, 2026

المصادر:

1- Becker, E.(1973). انكار الموت. صحافة حرة.

2- James, w.(1897). الرغبة في الاعتقاد، ومقالات أخرى في الفلسفة الشعبية. Longmans, Green, and Co.

3- Unamuno, M.de.(1972). المعنى المأساوي للحياة في الناس والأمم (A-Kerrigan,Trans).، مطبوعات جامعة برينستون. (العمل الأصلي نُشر عام 1913).

4- Yalom, 1.D.(2008). التحديق في الشمس: التغلب على رعب الموت. Jossey-Bass

5- ثيش نات هان. (2002). لا موت، لا خوف: حكمة مريحة للحياة. دار نشر ريفرهيد.

6- ساغان، ..(1980)C الكون. راندوم هاوس.

قراءة فلسفية في فكر جوديث بتلر

في الوقت الذي يدّعي فيه الغرب أنه حامي "حقوق الإنسان" و"القيم الديمقراطية"، فإن شاشاته تطبع يومياً العنف الممارس ضد الفلسطيني وتقدمه كـ "ضرورة أمنية" أو "حتمية تاريخية". وهنا تبرز مفارقة أخلاقية وسياسية صارخة: كيف يحول الخطاب الإعلامي الغربي الفلسطيني من "ضحية" تستوجب الحماية، إلى "تهديد" يبرر العنف الواقع عليه؟ وكيف تُستخدم مفاهيم مثل "الضرر الجانبي" و"ثقافة الموت" كذرائع أخلاقية لتبرير الاستعمار؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، لا يكفي وصف "انحياز الإعلام"، بل نحتاج إلى تفكيك فلسفي للآليات التي تجعل العنف "مقبولاً". وفي هذا السياق، تقدم الفيلسوفة جوديث بتلر، بالاستناد إلى فلاسفة النقد المعاصر مثل إدوارد سعيد، وحنة أرندت، وجورجيو أجامبين، أدوات حادة لقراءة كيفية إنتاج الشاشات لـ "الحياة غير القابلة للرثاء"، وتحويل الضحية إلى جلاد.

آلية تطبيع العنف

ماذا يعني هذا المصطلح تحديداً في سياق الإعلام الغربي؟

إنه ليس مجرد "انحياز" أو "تغطية ناقصة"، بل هو عملية منهجية لإعادة برمجة وعي المتلقي. تطبيع العنف هو ذلك السحر الأسود الإعلامي الذي يجعل "الاستثناء" (قتل المدنيين وتدمير البنية التحتية) يبدو وكأنه "قاعدة" مقبولة، ويجعل "اللاأخلاقي" يبدو وكأنه "إجراء أمني ضروري"

تبرهن جوديث بتلر على أن التطبيع لا يحدث عبر الصدمة، بل عبر التكرار والتجريد. عندما تُعرض صور الدمار والضحايا الفلسطينيين يومياً، ولكن بصيغة جافة، خالية من الأسماء، والوجوه، والقصص الإنسانية، يتحول "الحدث المأساوي" إلى "خبر روتيني" يمر في شريط الأخبار دون أن يثير موجة غضب أو صدمة أخلاقية.

بمعنى آخر، "تطبيع العنف" هو جعل الجريمة "مألوفاً". هو تحويل السؤال من: "كيف نوقف هذا القتل؟" إلى "كم عدد الضحايا اليوم؟". وعندما يتبلد إحساس المشاهد بهذا التكرار، يتحقق الانتصار الأكبر للخطاب الاستعماري: ليس فقط قتل الجسد الفلسطيني، بل قتل "صدمة" العالم وضميره أمام هذا القتل، ليصبح العنف مقبولاً، متوقعاً، بل ومبرراً كـ "أقل الخسائر الممكنة" في مواجهة "التهديد الوجودي".

من "العنف الجسدي" إلى "نزع القابلية للرثاء"

تشرح جوديث بتلر في كتابها "أطر الحرب" حقيقة صادمة: العنف لا يبدأ لحظة سحب الزناد، بل يبدأ مسبقاً، عندما يُعاد تعريف الإنسان بوصفه حياةً أقل استحقاقاً للحماية. هنا، يتجاوز العنف كونه مجرد إيذاء جسدي للفلسطيني، ليصبح "عنفًا معرفيًا" يتمثل في تجريد حياته من قيمتها الإنسانية، وهي العملية الجوهرية التي تصفها بتلر بمفهوم "عدم قابلية الرثاء".

وبمجرد أن تُصنَّف بعض الأرواح على أنها أقل قابلية للرثاء، أو تُعامل وكأنها "ميتة سلفًا"، يصبح من السهل تبرير العنف الواقع عليها، بل والتعامل معه كإجراء وقائي ضروري، لا كجريمة. وهذا هو جوهر تطبيع العنف: تصوير شعوب كاملة كـ "تهديد وجودي"، مما يجعل القضاء عليها يبدو حتمية طبيعية أو ضرورة لحماية "الأحياء". وفي مواجهة هذا المنطق، تؤكد بتلر أنه إذا كان "العنف المؤسسي" مرفوضًا من حيث المبدأ، فلا يمكن مطلقًا تبرير عنف الدولة أو انتهاكاتها بمجرد الاستناد إلى خطاب زائف حول "الأمن".

والأخطر من ذلك، أن هذا العنف لا يُمارس فقط عبر تقديم صورة مشوهة عن الآخر، بل أيضًا عبر محو وجوده من الأصل؛ فلا تُذكر أسماؤه، ولا تُروى سيرته، ولا يجد موته مكانًا داخل الذاكرة العامة. ومن هنا ينبع تساؤل بتلر المزلزل عن آلاف الضحايا في الحروب الحديثة: "إذا فُقد شخص لم يكن يُعدّ أصلاً شخصًا في المخيال العام، فأين تكون الخسارة؟ وكيف يمكن الحداد عليه؟".

كيف يقتل الإعلام الفلسطيني قبل أن يُقتل؟

لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح طرفًا مؤثرًا في الطريقة التي نرى بها الإنسان والعنف والضحايا. وفي تغطية الحرب على الفلسطينيين، لا يتحدد حضور الضحية بما حدث لها فقط، وإنما أيضًا بالطريقة التي تُقدَّم بها حياتها وموتها أمام الجمهور. فقد يظهر الفلسطيني أحيانًا بوصفه ضحية تستحق التعاطف، لكنه قد يُقدَّم في خطاب آخر بوصفه تهديدًا أمنيًا أو مسؤولًا عن العنف الواقع عليه.

ومن هنا تطرح هذه المقالة سؤالها الأساسي: كيف يسهم الإعلام في جعل العنف ضد الفلسطيني أمرًا مألوفًا أو قابلًا للتبرير؟ وكيف تتحول اللغة الإعلامية من مجرد وصف للحدث إلى أداة تحدد من يستحق الحماية والرثاء، ومن يمكن التعامل مع موته باعتباره خسارة أقل أهمية؟

تحاول المقالة الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال قراءة فلسفية في فكر جوديث بتلر، خاصة مفهومها عن "قابلية الحياة للرثاء"،  فهي ترى أنه لا يعكس الإعلام الواقع بحياد، بل "يؤطره". فالإطار الإعلامي الغربي يقرر مسبقاً من هو "الضحية" ومن هو "الجلاد". عندما يسقط فلسطيني، لا يُعرض كإنسان فُقد، بل كـ "إرهابي محتمل" أو "حجر عثرة" أمام الأمن الإسرائيلي. هنا، يتحول الإعلام من مجرد ناقل للأخبار إلى "شريك في التشكيل الأخلاقي" للواقع، حيث يعيد توزيع قيمة الحياة الإنسانية، محولاً الاستبعاد السياسي إلى تفاوت أخلاقي يجعل حياة الفلسطيني أقل قيمة في الوعي العام، ومجرد مصدر دائم للخطر.

تسمي بتلر هذه الآلية ب"نزع القابلية للرثاء"؛ أي أن تُجرَّد حياةٌ ما من قيمتها الإنسانية قبل أن تُزهق، بحيث يصبح موتها "أقل ظهوراً، وأقل اعترافاً بها بوصفها خسارة إنسانية". والفلسطيني هو النموذج الأوضح لهذه الآلية في عصرنا. والتأطير الإعلامي يسبق القنبلة؛ فهو يخلق الواقع الذي يكون فيه قتل الفلسطيني "مفهومًا" ومقبولاً ويجعل قتله قابلا للتبرير باسم الضرورة الأمنية.. وبالتالي فإن الإعلام يقتل الفلسطيني مرتين: الأولى بالرصاص، والثانية بتشويه صورته وتجريده من إنسانيته قبل أن يسقط.

وبذلك، لا يكتفي الإعلام بعكس مصالح القوى المهيمنة فحسب، بل يعيد إنتاج "هيمنة ثقافية" راسخة. فهو فاعلٌ أساسي يشارك في إنتاج الخطاب السياسي والأخلاقي الذي يشرعن عنف الدولة، ويطبعه، ويخفي معاناة الضحايا أو يفرغها من بعدها الإنساني. من خلال هذه الآلية، يُشكَّل وعي المتلقي ويُدرَّب على تقبل هذا التفاوت في قيمة الحيوات، دافعاً بالحياة الفلسطينية إلى هامش الاعتراف، بينما تُمنح حيوات أخرى حق الظهور والرثاء.

هنا يمتد تحليل بتلر ليلتقي ببراعة مع أطروحات إدوارد سعيد حول "الاستشراق" و"تغطية الإسلام". فالإعلام الغربي يرث ويعيد إنتاج الصورة النمطية للعربي/المسلم ككائن همجي يعشق الموت، ويشكل "تهديداً وجودياً" للحضارة الغربية لا يفهم إلا لغة القوة. إن اتهام الفلسطيني بـ "ثقافة الموت" هو في جوهره "إسقاط نفسي" من الغرب وإسرائيل؛ فالخطاب الاعلامي الغربي يتجاهل أن الغرب هو من يمتلك ترسانة نووية وجيشاً يحتل ويقصف، لكنه يتهم الضحية بـ "الهمجية" لمجرد مقاومتها بحجر أو عملية فدائية. هذا هو "الاستشراق" بامتياز: إعلام يمنح أسماءً ووجوهاً مفعمة بالعاطفة لضحايا الطرف الآخر، بينما يُبقي الفلسطينيين مجهولين، مجرد أرقام بلا عزاء أو رثاء.

من الضحية الى المسؤول عن موته

عندما يُوصف الفلسطينيون بأن لديهم "ثقافة استشهاد" أو أنهم "يحبون الموت" أو أنهم" يستخدمون أطفالهم دروعاً بشرية"، فإن الخطاب لا يصف واقعاً فحسب، بل يرتكب جريمة إبستيمولوجية (معرفية). فهو يحول النضال السياسي ضد الاحتلال والمقاومة الفلسطينية  إلى "مرض ثقافي" أو "عقدة نفسية".

والنتيجة الماكرة لهذا التأطير هي: إذا كان الفلسطيني "يبحث عن الموت"، فإنه يتنازل طوعاً عن حقه في الحياة. وبهذا الانقلاب، يُنقل عبء المسؤولية الأخلاقية من كتف القاتل إلى كتف المقتول، ويصبح القصف "أثراً جانبياً مؤسفاً" لا جريمة حرب. فبهذا المنطق، يُجرَّد الفلسطيني من صفة "الضحية" مسبقًا، حتى يصبح طفله في نظر الإعلام حاملاً لبذور "التهديد". بينما يُغسل المحتل يديه من الدماء، ويُلقى اللوم على "ثقافة" الضحية نفسها؛ فيُجرَّد الفلسطيني من براءته مسبقًا، ويُتَّهم بموته قبل أن يُقتل.

وتسلط بتلر الضوء على أن هذا الخطاب يجعل قيمة الحياة الإنسانية غير متكافئة: فالحياة الإسرائيلية تُرثى، تُبكى، وتُقام لها النصب التذكارية (حياة قابلة للرثاء). أما الحياة الفلسطينية، فتُختزل في "أرقام" و"إحصائيات" جافة، بلا أسماء أو وجوه أو قصص إنسانية.

"الضرر الجانبي" و "الدرع البشري"

في قاموس الإعلام الغربي، يوجد مصطلح واحد يكفي لتبرير أي مجزرة: "الضرر الجانبي"، هذا المصطلح ليس تقنياً، بل هو جريمة لغوية. فهو يحوّل القتل العمد والمنهجي إلى "حادث مؤسف"، ويحوّل الضحايا إلى "أرقام"، ويحوّل الإبادة إلى "إحصائية". عندما تقول "بي بي سي" إن "150 فلسطينياً قُتلوا في غارة، من بينهم 40 طفلاً"، فإنها لا تحزن، بل "تُعلِن". وعندما تقول "سي إن إن" إن "العملية أسفرت عن أضرار جانبية"، فإنها لا تعترف بجريمة، بل "تُبلِّغ" ببرود.

ولفهم سبب تقبل المجتمع الغربي لهذا "الضرر الجانبي" وتلك "التراتبية الأخلاقية للحياة"، نحتاج إلى الاستعانة بفلسفة حنة أرندت حول "الحق في امتلاك حقوق". تشير أرندت إلى أن مأساة اللاجئين و"عديمي الجنسية" تكمن في أنهم حين يفقدون الانتماء إلى دولة قومية، يفقدون حقهم في أن يُعاملوا كبشر. فالفلسطيني، في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي، يُجسد مأساة "انعدام الجنسية"؛ فبما أنه لا يملك دولة تحميه أو "تثأر" له، فإن حياته تصبح "أقل قابلية للرثاء والحزن". والإعلام الغربي لا يبرر العنف فحسب، بل يمارس "عنفاً معرفياً" حين يحذف المعاناة الفلسطينية من دائرة التعاطف الإنساني، متجاهلاً أن غياب الدولة للفلسطيني لا يعني غياب إنسانيته.

هنا يلتقي تحليل بتلر مع تحليل جورجيو أجامبين من زاوية مكملة: فكلاهما يكشف أن المشكلة لا تكمن فقط في العنف الذي يقع على الحياة، بل في البنى التي تحدد مسبقاً أي حياة تستحق الحماية وأي حياة تُترك عرضة للعنف. يبيّن أجامبين بمفهوم "الحياة العارية" و"حالة الاستثناء" كيف تُستبعد فئات معينة من الحماية القانونية والسياسية، بحيث يمكن قتلها دون أن يُعامَل قتلها كجريمة. فالاستعمار الاستيطاني ينتج وضعاً قانونياً استثنائياً يجعل الفلسطيني "حياة عارية" (أجامبين)، ويُنتج الإعلام أطراً خطابية تجعل هذه الحياة "غير قابلة للرثاء" (بتلر). وبذلك، يتحول الفلسطيني من مجرد ضحية للاستثناء القانوني، إلى مثال حيّ على التقاء الاستثناء السياسي مع نزع القابلية للرثاء إعلامياً.  وتوضح بتلر كيف أن خطاب "الأمن" و"مكافحة الإرهاب" يُستخدم كدرع لانتهاك القانون الدولي، ويوضح إدوارد سعيد كيف أن الغرب يتبنى الرواية الصهيونية حرفياً، فيصبح "حق اليهود في الأمن" متفوقاً على "حق الفلسطينيين في الوجود".

يتجلى هذا بوضوح في سلاح "الدرع البشري". تكشف بتلر التحول الخطير لهذا المصطلح؛ فلم يعد يشير إلى فعل محدد، بل تحول إلى توصيف جماعي للسكان، بما يؤدي إلى طمس الفارق بين المدني والمقاتل. وعندما يصبح كل فلسطيني "درعاً بشرياً محتملاً"، يصبح كل فلسطيني هدفاً مشروعاً، وتلغى المساواة في الكرامة الإنسانية. تحذر أرندت من خطورة هذه "العقلانية الباردة" في تبرير العنف؛ فالقتل لم يعد بدافع الكراهية العاطفية، بل بتخطيط عسكري وقوانين ومسميات مثل "الضرر الجانبي".

ويقرر الإعلام الغربي أن الفلسطيني، بسبب "ثقافته" أو "مقاومته"، قد تنازل طوعاً عن حقه في الحياة، وبالتالي فقد استحقاقه للرثاء. إن هذه الرواية لا تبرر القتل فحسب، بل تشرعنه أخلاقياً، وذلك بجعل الضحية هي المتهمة الوحيدة في مسرح الجريمة. وهنا يلتقي هذا السلاح بسلاح "ثقافة الاستشهاد" في نتيجة واحدة: تجريد الفلسطيني من صفة "الضحية" مسبقاً. حتى وهو طفل، حتى وهو جريح، حتى وهو تحت الركام، فهو "ليس بريئاً". إنه متهم بموته قبل أن يُقتل.

نحو ثورة أخلاقية في الاعتراف

يظهر تطبيع العنف حين يعاد تقديم الاستعمار الاستيطاني بوصفه "إدارة للصراع" بدلًا من النظر إليه بوصفه"جريمة" تستدعي المساءلة، بل يرى فيه "إدارة صراع". والفلسطيني ليس ضحية استعمار، بل هو "عائق لوجستي" يجب إزالته لتحقيق "الأمن والاستقرار" الإقليمي. كما يقوم تطبيع العنف على الضرر الجانبي، الذي يحول القتل العمد إلى "حادث مؤسف" يقع أثناء "الدفاع عن النفس".

لا يُعَدُّ تفكيك الخطاب الإعلامي ترفاً فكرياً، بل هو شرط مسبق لأي عدالة. فطالما أن الإعلام الغربي يرفض الاعتراف بـ "قابلية الرثاء" للحياة الفلسطينية، وطالما يستمر في وصف الفلسطيني بـ "التهديد" أو "الضرر الجانبي"، فإن بعض الخطابات الإعلامية الغربية تصبح جزءًا من البنية الخطابية التي تهيئ للعنف وتطبع آثاره.

إن ما كشفه هذا التحليل الفلسفي ليس مجرد "انحياز إعلامي"، بل "نظامًا أخلاقيًا كاملاً" يُنتج العنف ويُبرره ويطبعه، ولذا لا يمكن أن يكون هناك سلام أو عدالة ما لم نعد تعريف "الإنسانية" لتشمل الفلسطيني، وما لم نرفض الخطاب الإعلامي الذي يحول "الضحية" إلى "جلاد " يبرر قتله.

وبناء على هذا التحليل، فإن الحل ليس في "تغطية إعلامية أفضل"، بل في "ثورة أخلاقية في الاعتراف". ثورة تعيد للفلسطيني "قابليته للرثاء"، وتعترف بأن حياته تساوي حياة أي إسرائيلي، وأن موته خسارة إنسانية كما موت أي إنسان آخر. وهذا يتطلب كما يرى إدوارد سعيد تفكيك "البنية الاستشراقية" التي تشكل صورة العربي/المسلم منذ قرون. ومن منظور حنة أرندت، يقتضي ذلك الاعتراف بـ "الحق في امتلاك حقوق" لكل إنسان، بغض النظر عن جنسيته، أما عند جورجيو أجامبين فيرتبط ذلك بضرورة إنهاء "حالة الاستثناء" التي تحول الفلسطيني إلى "حياة عارية".

يبقى السؤال الذي تتركه هذه القراءة الفلسفية مفتوحًا أمامنا جميعًا: إذا كنا نؤمن فعلاً بأن كل إنسان يستحق الكرامة، فهل يطبق هذا المبدأ على الفلسطيني؟ أم أن إنسانيته تتوقف عند حدود "الإطار الذي يُقدَّم من خلاله في الإعلام الغربي"؟

***

أ. د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله

أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة / جامعة الفيوم

التفكير في التاريخ جزء من انشغالات الإنسان بعد انفصاله عن الطبيعة بالتأكيد إذ يبدأ الوعي بالتاريخ حينما يعي الكائن البشري تميزه عن الطبيعة الفجة، وكل نظرة في التاريخ تظهر موقف الإنسان من الزمان، فالإنسان هو الكائن الذي جعل من حركة النجوم زمانا وجعل من الزمان تاريخا، لأنه مفطور على حاستي الذاكرة والوعي والتوقع، إذ انه ينظم حياته داخل شبكة تزامنية نسيجها؛ الماضي والحاضر والمستقبل. هذا الحس بالزمان وأبعاده يرجع إلى الحضارات البدائية، قال الشاعر (جون دن) "الكائنات ذوات الطبيعة الأدنى أسيرة الحاضر إما الإنسان فكائن مستقبلي". فقد توصل إنسان نياندرتال (نحو 50.0000) سنة ق. م إلى دفن موتاه "وهو ما لا يفعله حيوان أخر، .إذ يفكر في نوع من الوجود المتصل لهؤلاء الراحلين. إن الخوف من الموت ورغبة الإنسان في الخلود تعد من اقوي الدوافع التي حفزت الإنسان منذ أقدم العصور إلى التفكير في الزمان على أنه تغير مستمر، ومن ثم جعله يبحث عن معنى المصير الذي ينتظر الإنسان بعد الحياة. فما هو التأريخ بوصفه تدوينا ؟ ومن يكتبه؟ وما هي الحقيقة التاريخية؟ وكيف تطورت مناهج الدراسات التاريخية؟ وكيف يمكننا النظر إلى وظيفة المؤرخ في عصر الرقمنة والصوت والصورة والذكاء الاصطناعي؟

فما هو التاريخ؟ وما الذي بقي من وظيفته في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي؟ نقصد وظيفة التأريخ الذي حددها ابو علم التأريخ هيرودوت اليوناني (حوالي 484 ق.م - 425) بقوله" هو تدوين الاحداث العظيمة وحفظها من الضياع والنسيان" فما الذي بقى من تلك الوظيفة التوثيقية للتاريخ وقد امتلك كل إنسان بما فيهم الأطفال الموبايل الذي يوثق كل صغيرة وكبير ة تحدث في حياته؛ يوثقها بالحرف والصوت والصورة لحظة بلحظة؟ وحينما يقول مالو (أن التاريخ هو أن نترك ندبة في الأرض) أو يكتب الأمريكي " دافيد رونالد" من جامعة هارفارد، (تاريخنا بلا أهمية) 1977م أو حينما يعلن المؤرخ البريطاني " ج. هـ. بلومب " في كتابه " حيرة المؤرخ" عام 1964م " ليس للتاريخ معنى أو فاعلية أو رجاء، فقد اندثرت فكرة الرقي والتقدم الصاعد بين المشتغلين بالتاريخ، فــ 90% منهم يرون أن العمل الذي يمارسونه لا معنى له على الإطلاق" أو يكتب المؤرخ الإنجليزي المشهور " جفري باراكلاف" من جامعة اكسفورد، تحت تأثير الإحساس العميق بالأزمة " إننا مهاجمون بإحساس من عدم الثقة بسبب شعورنا بأننا نقف على عتبة عصر جديد لا تزودنا فيه تجاربنا السابقة بدليل أمين لسلوك دروبه، وان أحد نتائج هذا الموقف الجديد هو أن التاريخ ذاته يفقد، إن لم يكن قد فقد سلطته التقليدية ولم يعد بمقدوره تزويدنا بخبرات سابقة في مواجهة المشكلات الجديدة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً منذ آدم حتى اليوم" ١٩٧٠م أو حينما يكتب الأمريكي فوكوياما (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)١٩٩٠م. أو حينما يخطب دبليو بوش في جنوده ومجنداته قبيل لحظات من اجتياح العراق العظيم قائلا لهم (أنتم تصنعون التاريخ) وحينما أشاهد بام عيني مجندة أمريكية تمتطي الدبابة في شارع السعدون، قلب مدينة بغداد، عاصمة الحضارة العربية الإسلامية فهذا ولا شك يدل على اضطراب معنى التاريخ. ثم يأتي فيلسوف التاريخ الأمريكي الفين توفلر ليمنح عبارة بوش معنى بوصفه حرب الاجتياح الأمريكي للعراق حربا بين الموجة الحضارية الثالثة الصاعدة وبقايا الموجة الثانية. وبهذا اختلف صورة التاريخ التي توحي بمسار النهر المتدفق باستمرار إلى مصبه الأخير. توفلر وآخرين يرون أن التاريخ يشبه البحر وليش النهر ربما قرأنا عن تشبيه التاريخ بالنهر بوصفه صيرورة دائمة الحركة عبر الزمان من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل إذ أن التاريخ يجري كما تجري مياه الأنهار إلى مصالتها؛ أنها تجري باستمرار يستحيل الاستحمام بها مرتين! بحسب هيرقلطيس. لكن هل هذا التشبيه دقيق ويشبع المعنى؟

‎الأنهار تجري في مسار واحد تنساب أو تجرف لكنها جميعها تصب في آخر المطاف في البحر ؛ البحر البحر هو من يشبه التاريخ أو يشبهه التاريخ إذ أننا نعيشه كما تعيش الأسماك بالماء وكما هو قانون البحار وحياة الأسماك الكبيرة التي تتغذى على الأسماك الصغيرة يمكن النظر إلى التاريخ وحركته المستمرة. نعم هو يتحرك حركة ذاتية نسبية ولكنه لا يسيل إلى مكان ما خارج هذه الكوكب. ومن البحر استلهم الشاعر الكاريبي ديريك والكوت قصيدته (البحر والتاريخ) فالبحر هو محور التاريخ حيث يحتفظ بالذكريات في قاعه كما يحتفظ بجثث ضحاياه وسفنهم ومقتنياتهم. ومن الاخطاء الفادحة في الدراسات التاريخية التقليدية أن الباحثين في التاريخ والآثار انشغلوا في تدوين ما حدث ويحدث في اليابسة وكل ما هو متاح للرؤية والمشاهدة بينما ظل التاريخ الحقيقي محتجبا عنكم في اعماق البحار والمحطات التي تشكل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مجازنا بينما هي في حقيقتها كرة مائية أو بحرية وصف أقرب إلى الحقيقة

‎إنه البحر الذي يستحق القراءة منذ أقدم العصور ولا زال هو من يشكل ويعيد تشكيل العالم بمختلف الصور والأنحاء وكل دراسة لإحداث ووقائع التاريخ الأرضية تظل قاصرة بدون أن تشتمل على فهم دور البحر وتاثيره المباشر وغير المباشر في حياة الناس الترابية. وربما ادركت مدرسة التاريخ الجديد موخرا ذلك الأمر وهذا هو ما فعله المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل وهو أحد مؤسسي مدرسة التاريخ الجديدة حينما جعل من عالم البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي على أيام فيليب الثاني – وهذا هو عنوان الكتاب الذي أصدره عام 1949 – نموذجاً تطبيقياً لكتابة التاريخ بحسب المنهجية الشمولية التي يدعو إليها. وقد توصل بروديل من دراسته المستفيضة لهذا الموضوع إلى وجود شخصية تاريخية لهذا البحر. وقد تجلى ذلك في وحدة النظم الاقتصادية والسياسية التي سادت في معظم الدول التي قامت على شواطئ البحار وهكذا بدا الأفق الشمولي عند بروديل"مجموعة تاريخية يشملها نمط واحد من نظم الحياة المادية والروحية، والسمة الأولى للحضارة هي أنها حقيقة واقعية ذات مدة مفرطة في الطول، وسمتها الثانية هي أنها مرتبطة أوثق الارتباط بمكانها الجغرافي إذ تحدث بروديل عن ثلاثة أزمنة وهي: الزمان الجغرافي والزمان الاجتماعي والزمان الفردي. وفي اطار هذا الفهم تبرز "امكانية لكتابة ثلاثة تواريخ ثانوية أو فرعية تصب كلها في ذات التاريخ الأصلي (الكلي) أو (الشامل): أولها تاريخ جغرافي (يهتم بدراسة الطبيعة أو المكان كتاريخ)، ثانيها: تاريخ ظرفي اجتماعي (يعنى بدراسة المجتمع والحضارة)، ثالثها: تاريخ حدثي (سياسي). ولا يعني هذا الاخير عودة مقنعة إلى المنهج التاريخي القديم، بل التأكيد على أن ثمة شروطاً تحدد الحدث نفسه وتسمح بامكانه". وقد خلص بروديل من كل ما تقدم إلى أنه قد أنجز في كتابه (البحر الابيض المتوسط والعالم المتوسطي على عهد فيليب الثاني) تاريخاً متعدداً لكنه واحد، لأن حركته تسير من البنية، أي من شروط لامكان إلى الحدث. في ضوء ما تقدم يمكن لنا القول بأن فهم تاريخ العالم الحديث والمعاصر، والاستعمار أهم ملامحه لا يمكن أن يتأتى بدون فهم حركة الاكتشافات الجغرافية وطرق السفن والبحارة ورواية روبنسون كروزو

وفي ذات السياق "تضع أعمال قرنح المحيط الهندي في المركز كمكان، وخلاله تتخلق التواريخ والهويات والعلاقات والصلات والسياسات. إن الساحل الشرق إفريقي السواحيلي العريض، والذي لا يحظى بما يستحق من استكشاف مع ذلك، هو موطن مزيج ثري من أشكال التراث الإفريقي والآسيوي والعربي، وهذه العوالم هي التي يرسم قرنح خرائطها في رواياته"

والاكتشاف فعل حركة ونقلة وقوة وتفوق وسيطرة ومن يكتشف يصمم ويشكل يسمي الذات والأخر فمن نحن ومن الآخر وكيف يمكننا الخروج من هذه الشبكة العلائقية المستحكمة فما هو التاريخ؟ وكيف يتحرك وإلى اين يسير؟ ولما كان قدرنا أن نكون شاهدين على هذا العصر ومنفعلين بما يحدث فيه من تغييرات وأحداث ومشكلات، فمن الأجدر بنا أن نفهم ما يدور حولنا ونتعرف طبيعة المنطلقات الفلسفية والمسارات العامة التي توجه دفة قيادة التاريخ العالمي في عالمنا المعاصر، والفلسفة هي النافذة التي نطل منها لتعرّف حقيقة عصرنا ومشكلاته ذلك لأنها روح عصرها ملخصاً بالفكر، ولا مندوحة لنا نحن القاطنين في هذا المكان المتوسط من الأرض من الفهم العميق للروح الفلسفية العامة التي تكمن خلف كل تلك المظاهر والأحداث والملامح التي تشكل وجه عالمنا الجديد، وتشكل وجهنا في نسيج هذا العالم الخارج عن نطاق سيطرتنا، والخاضع لديناميات قوى عالمية غربية وشرقية وإراداتفاعلة أخرى، قابضة على نواصي التاريخ والحضارة والمدنية والثقافة.ولما كانت الفلسفة حواراً بين الفكر والواقع، بين الإنسان وعصره، بين الشعوب والحضارات، حواراً يجدد الدهشة ويثير التأمل ويفتح الآفاق ويضيء السبل والممكنات لفهم المشكلات وحل الأزمات، فإن حاجتنا ماسة لمثل هذا الحوار الثقافي الذي يعين البشر على تحديد الأسئلة الجوهرية والبحث عن الإجابات المناسبة والممكنة عنها، ولاسيما بعد أن صرنا اليوم دون أجوبة لأن الأسئلة التي طرحناها لم تكن مطابقة للواقع، لذا جاءت أجوبتها مخيبة للآمال. فما أحوجنا لفهم شيء عن عصرنا وطبيعة مشكلاته وحقيقة فلسفاته، كي نتمكن من التعاطي معه على أسس عقلانية واقعية نقدية. هناك في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة بغداد أعدت التفكير في التاريخ الذي يكسر رؤوس البشر ولم يتكسر رأسه أبداً. فكان سؤال التحدي والاستجابة عند الذي أستوقفني إذ كيف لنا اليوم أن نواجه تحدي التاريخ العالمي؟ لا سيما ونحن نعلم أن العالم العربي يزخر بتراث تاريخي حضاري وثقافي غني جدا ففيه نشأت نصف حضارات العالم القديم في جبال اوراس إلى النيل والفرات واليمن وما بينهما (الحضارة المصرية القديمة والاشورية والسومرية والكلدانية والبابلية والكنعانية والفينيقية وحضارات الشمال الافريقي والمغرب العربي الكبير والحضارة اليمنية في جنوب الجزيرة العربية وغيرها) فضلا عن كونه مهد الديانات الابراهيمية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام) لكن التاريخ بوصفه تراثا لا يضي الموقف المعتم في اللحظة العالمية الراهنة فلا بد لنا من التعرف على الأخر الذي يعيد تشكلنا فالآخر هو مرآة الذات لكن مشكلة وعي الذات وفهم الآخرين ليست من البساطة بحيث تنكشف للانا بذاتها ولذاتها دون عنأ أو جهد يذكر، بل هي عملية شديدة التعقيد وعسيرة الفهم، إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها. هناك في العراق التليدة شهدت بنفسي لحظة الصدام التاريخي القاسي بين بداية التاريخ ونهايته وما كان لها من نتائج مروعة على الوطن العرب والعالم كله. فجاءت اطروحتي في فلسفة التاريخ الغربية محاولة لفهم التاريخ ومساراته العالمية في ضوء نظرية التحدي والاستجابة. وهي محاولة لتسلط الضوء على فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر، آرنولد توينبي موضوعاً، إذ يعد العصر الحالي منذ بدء القرن العشرين أكثر العصور نزوعاً الى التفكير بصورة تاريخية، وذلك بسبب ما شهده مشروع الحداثة الغربية من أزمات خانقة وأحداث عاصفة ومتغيرات كثيرة في مجمل الخبرة التاريخية في الثقافة والحضارة والمدنية، وهذا ما أفضى إلى ازدهار فلسفات التاريخ المعاصرة على نحو لم يسبق له مثيل. إذ شغلت مشكلة التاريخ وقواه وحركته وتطوره، ومشكلة الحضارة الغربية ومصيرها عدداً واسعاً من الفلاسفة والمفكرين، أمثال شبنجلر وتوينبي وبليخانوف وپوپر وكروتشه وجورج لوكاتش وكولنجوود وكولن ويلسن واشفيتسر وليفي شتراوس وسارتر، وهيرمان، وجارودي وفوكو وتوفلر وهنتجتون وفوكو ياما غيرهم وتقدم هذه الأطروحة تحليلاً نقدياً شاملاً لأبرز الاتجاهات الفلسفية المعاصرة التي فسرت التاريخ والحضارة من زوايا نظر مختلفة ومتصارعة وأهمها: الاتجاه المادي الماركسي، والاتجاه الحيوي النيتشوي، والاتجاه الوضعي التجريبي، والاتجاه التأملي المثالي، والاتجاه البرجماتي الذرائعي، والاتجاه الليبرالي الجديد الذي يعد ارنولد توينبي ابرز ممثليه، إذ أن دراسته للتاريخ والتي بناها على مدى أربعة عقود، تقف معلماً بارزاً في الليبرالية الحديثة، فهي تعبر عن مميزاته عن فشلها، وعن التشاؤم التاريخي الكامن خلفها. وفي سياق تتبعنا لنشؤ تطور فلسفة التاريخ وتطورها تناولنا أهم التصورات الأسطورية واللاهوتية والميتافيزيقية في تفسير التاريخ وقواه وحركته واتجاهه وغاياته وخلصنا إلى أن فلسفة التاريخ من حيث هي تشريع أنساني عقلي لم تزدهر إلا بعد الثورة المنهجية الكبرى منذ عصر النهضة الأوربية وبدء الحداثة الغربية التي جعلت الإنسان محوراً لكل فكراً وسلوكاً، إذ سادت نظرة تقدمية ليبرالية متفائلة في تفسير التاريخ والحضارة الأوربية ومنذ نهاية القرن التاسع عشر أخذت تشيع في مختلف الدوائر الثقافية الأكاديمية الغربية نزعة تشاؤمية في فلسفة التاريخ والحضارة، إذ حلت فكرة الاضمحلال والانحلال محل فكرة التقدم والتطور، وحل الخوف والقلق والشك محل الثقة والطمأنينة، وحلت النسبية والعرضية محل الحتمية والضرورة في صورتي التشاؤمية الثقافية والتشاؤمية التاريخية، وخلصنا الى ان الصراع بين فلاسفة التاريخ لم يكن صراعاً معرفياً أكاديمياً منهجياً حول معنى التاريخ والمعرفة التاريخية، بل كان صراعاً على التاريخ ذاته بهدف السيطرة عليه وقيادته وتوجيه مساره والفوز بخيراته. وفي وسط ذلك الصراع تقف فلسفة ارنولد توينبي الليبرالية الجديدة كمحاولة للتوفيق بين جميع الاتجاهات الفلسفية إذ جمعت بين النظرة الدورية للحضارات والنظرة الخطية للعناية الإلهية، وذلك بتأكيد التعاقب الدوري للحضارات مع الحفاظ على دور الوثبة الحيوية في نظرية التحدي والاستجابة. وإذا كان توينبي قد كتب نقشاً على ضريح الحضارة الغربية فان المتشائمين الثقافيين أمثال نينشه شبنجلر وفوكو يتجمعون للاحتفال والسهر حول الجثة قبل دفنها. وعلى الرغم من تشاؤمية توينبي التاريخية ألا انه أبقى باب الأمل مفتوحاً, مشدداً على مسئولية الإنسان الأخلاقية في توجيه مسار التاريخ والحضارة للنماء أو للفناء. إذ دعا توينبي لقيام دولة عالمية تظم جميع الحضارات والشعوب والأديان منتقداً فكرة المركزية الأوربية والإمبراطورية والاستعمار والتعصب القومي والمذهبي، غير انه في دراسته للحضارة الإسلامية أعتمد على التراث الاستشراقي وجاءت أحكامه مضطربة ومتناقضة في كثير من المواضع، وكان موقف الفكر العربي من توينبي موقفاً احتفالياً أكثر منه نقدياً أكاديميا.

ختاما: فيما يتصل بكلمة تأريخ ومعناها فيمكنني القول أن مفهوم التاريخ قد استأثر قديماً وحديثاً باهتمام المؤرخين والكتاب والفلاسفة وتعددت الآراء والمباحث فيه، "حتى إلفينا أنفسنا أمام نتاج واسع يتناول التاريخ مصطلحاً وفكرة وفناً وموضوعاً وميداناً من ميادين المعرفة الإنسانية" وكلمة التاريخ من الكلمات التي تعرضت الى سوء فهم لا حدود له بسبب ما الصق بها من معان متعددة ودلالات مختلفة اذ اخذ الناس يطلقونها على ظواهر وأشياء لا حصر لها من قبيل: تاريخ الكون، وتاريخ العالم، والتاريخ العام، وتاريخ البشرية، وتاريخ الطبيعة، وتاريخ الإنسان، وتاريخ العلم، وتاريخ الحضارة، وتاريخ المدنية، وتاريخ الثقافة، وفلسفة التاريخ، وتاريخ الفلسفة، والمنهج التاريخي، والتاريخية، والحتمية التاريخية، وعلم التاريخ، والبحث التاريخي، والتاريخ السياسي، والتاريخ الاقتصادي، والتاريخ الاجتماعي....إلى آخره من الموضوعات التي تطلق عليها كلمة التاريخ إذ ان من يعود إلى مادة تاريخ في أية موسوعة يتعجب من عدد الكتب المؤلفة في موضوعها وذلك في لغة واحدة "وسيصعب تقدير حجم كتاب يؤلف اليوم على نمط القسم المخصص للتاريخ في فهرست ابن النديم" ولعل هذا اللبس الذي يكتنف مفهوم التاريخ هو ما يفسر حيرة الدارسين في فلسفة التاريخ، إذ نجدهم يتساءلون في بدء كل عمل عن "ما هو التاريخ؟" كيف نفهم التاريخ؟ ما هي فكرة التاريخ؟ وهل التاريخ سلسلة متصلة ومتجانسة من المراحل والحلقات أم ركام هائل ومشتت من الحوادث والأحداث؟ وهل هو واقف أم يتحرك؟ واذا كان يتحرك ما هي قواه الدافعة؟ وما شكل حركته؛ هل خطية؟ أم دائريّة؟ أم حلزونية؟ نهرية جارية أم موجية راجعة؟ كل تلك الأسئلة سوف تجدون ما يشبها في روابط المقالات المنشورة في الحوار المتمدن وغيره من المواقع .

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

عندما يكون تأثير الفلسفة عليك حقيقيا، لن تكره أحدا، لن تحقد على أحد، ولن تقصي أحدا. ستتسع في إنسانيتك، وتغدو أكثر قدرة على احتضان الاختلاف، لا بوصفه تهديدا لوجودك، بل بوصفه وجها آخر من وجوه الحياة.

سيبدو العالم أكثر إغراء للفرجة والتأمل، لا ساحة للتنافس ولا ميدانا لإثبات التفوق على الآخرين.

ستدرك أن الجميع، بطريقة أو بأخرى، هم أبناء ظروفهم، ونتائج حكايات لم يختاروا بداياتها، وتشكيلات معقدة من الموروث والخوف والتجربة والاحتياج. وأن قليلين فقط يمتلكون شجاعة مراجعة ما صاغهم، والتمرد على ما ظنوه قدرا لا سبيل إلى تغييره.

ستتعلم ألا تحاكم الإنسان من نهايته، قبل أن تتأمل الطريق الذي قاده إليها، وألا تختزل وجوده في خطيئة، أو فكرة، أو موقف عابر.

ستدرك أن الإنسان كثيرا ما يكون ابن ما لم يختره. او كما يقول الفيلسوف حسن حماد نحن أبناء رميه النرد ، وستدرك أن بعض قسوته ليست سوى خوف قديم لم يجد طريقا آخر إلى التعبير عن نفسه، وأن بعض تعصبه ليس قوة في اليقين، بل عجزا عن احتمال الأسئلة. وحين تفهم ذلك، لا يصبح الآخر عدوا، حتى حين تختلف معه، بل يصبح سؤالا آخر عن الإنسان.

وحين تنضج رؤيتك، لن تعود معركتك مع الآخرين، بل مع كل ما فيك من جهل، وكل ما استقر في وعيك دون أن تمنحه حق السؤال

 ستكتشف أن الحرية ليست أن تنتصر على الناس، بل أن تتحرر من حاجتك إلى إخضاعهم، وأن القوة ليست في قدرتك على إيلام أحد، بل في قدرتك على ألا تجعل من ألمك مبررا لإيلام الآخرين

قد يظن الإنسان أنه يحتاج إلى المال، بينما حاجته الأعمق هي الأمان. وقد يظن أنه يحتاج إلى الحب، بينما هو في الحقيقة يبحث عن اعتراف بوجوده. وقد يتوهم أنه يريد امتلاك الآخرين، بينما يعجز عن امتلاك زمام نفسه. وهكذا، كلما أخطأ الإنسان في معرفة حاجته، ازداد اغترابه عنها، وصار ما يظنه طريقا إلى الاكتفاء بابا جديدا إلى الجوع.

عندما تتعمق في الفلسفة ستبدو لك الحياة أقل شبها بساحة للمبارزة، وأكثر شبها بمسرح واسع، يقف عليه كل واحد منا للحظة، يؤدي دوره كما استطاع، ثم يغادر دون أن يعرف إن كان قد فهم النص أم قضى عمره يحفظه..

الفلسفة لن تمنحك العالم الذي تشتهيه، لكنها تمنحك وعيا يجعلك ترى العالم خارج حدود اشتهائك

لا تعدك بأن تصبح أكثر امتلاكا، بل تدعوك إلى أن تصبح أقل ارتهانا لما لا تملك. ولا تعلمك كيف تنتصر على الجميع، بل كيف تتخلص من ذلك الجزء فيك الذي لا يشعر بقيمته إلا حين ينتقص من قيمة الآخرين.

ولذلك التسامح الذي تصنعه الفلسفة ليس ضعفا أمام الخطأ، ولا صمتا أمام الظلم، بل قدرة على مقاومة الشر دون أن تتشبه به، ونقد الأفكار دون أن تتحول إلى عدو للإنسان، ومواجهة القبح دون أن تسمح له بأن يستوطن روحك.

إن الأثر الحقيقي للفلسفة ليس أن تجعلك تعرف أكثر فحسب، بل أن تجعلك أقل حاجة إلى الكراهية، وأقل افتقارا إلى التصفيق، وأكثر تحررا من أوهام التفوق.

أن تبلغ من الوعي حدا لا تعود فيه الحياة امتحانا مستمرا لقيمتك، ولا يصبح وجود الآخرين خصما من وجودك، ولا تحتاج فيه إلى أن تنتصر في كل جدال كي تطمئن إلى صوابك.

. لا تعود بحاجة إلى تحطيم الآخرين كي تشعر بعلوك، ولا إلى إقصائهم كي تثبت انتماءك، ولا إلى امتلاك الحقيقة كاملة كي تمنح نفسك حق الوجود.

هناك فقط، ستكتشف أن العالم لا يحتاج إلى نسخة أخرى منك، بل إلى إنسان أكثر وعيا بحدوده، وأكثر رحمة بضعفه، وأكثر شجاعة في مواجهة أوهامه.

وأن أعظم ما يمكن أن تبلغه الفلسفة فيك، ليس أن تصبح فوق الآخرين، بل أن تتحرر من الحاجة إلى أن تكون فوق أحد.

الفلسفة لا تمنحك بالضرورة حياة أسهل، لكنها تمنحك عينا ترى بها حياتك من مسافة. وهذه المسافة هي أول أشكال الحرية؛ أن تستطيع أن تنظر إلى أفكارك دون أن تكون أسيرا لها، وإلى رغباتك دون أن تنحني أمامها، وإلى مخاوفك دون أن تمنحها حق تقرير مصيرك.

قد لا تكون الحكمة أن نفهم العالم كله، فهذا مستحيل، وإنما أن نفهم موضعنا منه؛ أن نعرف ما نحتاج، وما نريد، وما يمكننا احتماله، وما ينبغي أن نتركه يمر دون أن نحوله إلى معركة

وربما تكون الثمرة الأعمق للفلسفة أن تتحرر من الحاجة إلى أن يكون العالم نسخة منك، وأن تكف عن مطالبة الآخرين بأن يروا ما تراه، أو أن يؤمنوا بما تؤمن به، أو أن يسيروا في الطرق التي اخترتها لنفسك. أن تدرك أن اختلاف الإنسان ليس خللا في الوجود، وأن الحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة حين نصفق لها جميعا

أن تبلغ من الوعي ما يجعلك ترى في الآخر إنسانا قبل أن تراه خصما، وفي الاختلاف إمكانية للفهم لا ذريعة للعداء، وفي الحياة تجربة تستحق التأمل لا سباقا محموما نحو اعتراف الآخرين.

ما قيمة أن نبلغ قمة الحقيقة إذا كان الطريق إليها قد جعلنا أكثر قسوة وأقل قدرة على رؤية الإنسان؟

لعل أسمى ما تمنحنا إياه الفلسفة هو أن نغادر هذا العالم دون أن نكون قد أضفنا إلى أوجاعه وجعا، أو إلى أسواره سورا، أو إلى يقينياته سجنا جديدا

***

ابتهال عبد الوهاب

 

(كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ) خلاصة المعنى

أنت، أنا، هو، هي، نحن، هم، هن، هذا، ذاك، ذات، أخر، اولئك.. الخ من الرموز اللغوية التي يستخدمها الإنسان العاقل لتعريف الأشياء والكائنات والكيانات والظواهر في هذا العالم بوصفها ضمائر حاضرة أو غائبة، متكلمة أو خرساء، ماهوية أو وجودية .الخ فمن مبدأ الهوية نتعرف على ماهية الكائن وهويته الجوهرية (النوع والجنس والصفات) هذا معدن وذاك حجر هذا حيوان وذاك نبات، هذا فيل وذاك جمل ..الخ ومن هنا يمكن تصنيف جميع الكائنات غير العاقلة بعدها كائنات ماهوية وجدت بماهية وهوية مكتملة قلما تتغير مع الزمن، في حين أن مبدأ الوجود يقتصر على وجود الكائن الإنساني، إذ إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي ولد ناقصا، أي غير منجز الهوية، إذ إن وجوده يسبق ماهيته، فهو وجود لذاته ومن أجل ذاته وليس وجودا في ذاته وفي متناول اليد مثله مثل وجود الأشياء. وهذا هو مبعث حضور مشكلة الهوية الطاغي في عالم الإنسان، حيث توجد الحرية والعقل واللغة والحاجات والمصالح والرغبات والأحلام والأوهام والتنافس والصراع. إلخ. ويميز الفيلسوف الفرنسي بول ريكور بين معنيين للهوية: ف"الهوية بمعنى الشيء عينه (idem) والهوية المطابقة (Sameness) بالإنجليزية بمعنى الهوية المتطابقة بإحكام، أو المتماثلة إلى حدِّ التطابق التام أو التشابه المطلق مع الذات في جميع الأزمنة وجميع الأحوال". وربما كان الفيلسوف اليوناني بارمندس هو أول من وضع هذه الصيغة بعبارته الشهيرة (الوجود موجود والعدم غير موجود) ثم جاء أرسطو فصاغها منطقيا في قوانين الهوية الثلاثة. وهذا هو التصور الذي شاع في الفلسفة العربية الإسلامية المتأثرة بأرسطو. ويذهب الجرجاني في "التعريفات" إلى أن الهوية هي "الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق" و(البذرة تحمل في جوفها شكل الشجرة وطعم الفاكهة) حسب هيجل. أما عالم الاجتماع البريطاني انتوني جدنز فيذهب إلى أن الهوية Identity هي" السمات المميزة لطابع الفرد أو الجماعة المتصلة بماهيتهم وبالمعاني ذات الدلالة العميقة لوجودهم". ويذهب مايك كرانج إلى القول: إنه "يمكن تحديد الهوية من نقيض ما نحن عليه بقدر ما يمكننا تحديدها من طريق من نحن ... وكثيرا ما تتدخل الجغرافيا هنا لأن الجماعات في صيغة (نحن - هم) هي في أحوال كثيرة محددة إقليميا" ولعل هذا التعريف يستند إلى الفكرة الفلسفية التي مفادها (أن كل تعريف تحديد وكل تحديد سلب) ويرى روجيس دوبرية أن "هوية الجماعة هي إيديولوجيتها " وحيثما تختلج (نحن) فستكون (إيديولوجيا) وحينما يتعذر قول (نحن) لا تكون (إيديولوجية)... لأن ولادة إيديولوجية معناه ولادة جماعة " وتلك الصيغة هي التي وجدت رواجها في فكر ما بعد الحداثة الذي ينفي وجود هوية ذات مستقلة قبل وجود محمولها، فلا تتأسس هوية الذات إلا في علاقتها بالآخر وهكذا تتحدد المفاهيم بوساطة ما لا تكونه، بل إن الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي وصفها ب "النقلة الحاسمة في إعادة تفسير العلاقة بين الذات والموضوع ... لا يوجد أساس أو جوهر أو محل وراء الصفات أو المحمولات .. بل توجد {الهويات} فقط كما يجري تمثيلها في شكل مادي ملموس" نخلص مما تقدم إلى أن الهوية الجمعية هي بنية ثقافية تاريخية تمنح المنتميين إليها إحساسا بالتماهي مع ذاتهم الجمعية (نحن) التي تميزهم عن الجماعات الأخرى، فضلا عن كونها إيديولوجيا كلية تحدد نظرتهم إلى ذاتهم وإلى الآخرين وإلى التاريخ والحياة والعالم. وإذا ما اتفقنا بأن كل الناس هم بني آدم وحواء فهذا معناه أنهم على درجة متساوية من حيث الحسب والنسب والأصل والنوع والجنس. اليس كذلك؟ إذ انهم بذلك ينتمون إلى الهوية الإنسانية المشتركة بوصفها مسلمة بديهية فمن أين تأتي العنصرية والتمييز والاختلاف الهوياتية بين البشر؟ أننا بصدد استراتيجيات هوية بوصفها رهانات صراع أجتماعي ثقافي بين الفاعلين الاجتماعيين في عالم الممارسة الحياتية التاريخية؛ الممارسة التي تعبر بوضوح عن معناها حسب بول فيين، "إذ هي ليست مثالا غامضا أو أرضية تحتية للتاريخ أو محركا خفيا، بل ما يفعله الناس" في حاضرهم المباشر، حيث يكدون ويكدحون ويتدافعون ويتسابقون ويتنافسون ويتصارعون في سبيل الحصول على مقدرات وعناصر العيش المادية والمعنوية، حيث تكتسب الخطابات والرموز والتصورات والأسماء والمسميات والتعريفات والصفات والهويات الفردية والجمعية أهميتها وقيمتها وفاعليتها ودلالتها، وقوتها وسلطتها، إذ إن سلطة الكلمات والرموز لا توجد في ذاتها وبذاتها، بل تستمدها من خارجها، من سلطة الذين يستخدمونها في الواقع المتعين. وفي علاقة السلطة بالمعرفة، لا شيء خلف الستار حسب ميشيل فوكو، فالسلطة بوصفها علاقات قوى هي التي تقول دون أن تتكلم! والقوة دائما هي التي تشكل المجتمع وتمنحه المعنى، وهذا هو معنى القول المأثور (الناس على دين ملوكهم) ولا يوجد أي مجتمع تحترم فيه القواعد تلقائيا، ووظيفة السلطة هي الدفاع عن المجتمع من نقائصه الخاصة، ومن التهديدات الآتية من خارجه. فكيف يمكننا التوقف عن مشكلة الذات والهوية في اللحظة العالميّة الراهنة؟

يرى الفيلسوف الفرنسي فرانسوا جوليان إن «الهوية الثقافية لا وجود لها» هذا هو عنوان الكتاب الذي استفزني كما تلاحظون عنوانا، صادماً، بل مستفزاً لكل من اعتاد أن يتعامل مع الثقافة بوصفها جوهراً ثابتاً، ومع الهوية بوصفها شيئاً نرثه مكتمل الملامح من الآباء والأجداد ثم نحمله معنا أينما ذهبنا. غير أن جوليان لا ينكر وجود الثقافات ولا ينفي اختلاف التجارب التاريخية للشعوب؛ إنما يعترض على تحويل الثقافة إلى «هوية» مغلقة، وإلى جوهر حصري يملك أصحابه وحدهم حق تمثيله. فهو يقترح النظر إلى الثقافات باعتبارها موارد حية يمكن تفعيلها وإعادة تركيبها، لا هويات جاهزة مغلقة على أصحابها.

ولما كنت مشغولاً بسؤال الهوية منذ عقود، فقد وجدت في هذا العنوان فرصة للعودة إلى سؤال قديم يتجدد كلما تغير العالم: من نحن

هل توجد بالفعل هويات ثقافية للبشر متمايزة عن بعضها بعضاً، لكل واحدة منها جوهرها الخاص وحدودها المغلقة وذاكرتها المكتملة؟ أم أن ما نسميه «هويات» ليس أكثر من صور تاريخية متحركة للوجود الإنساني، تتشكل من التفاعل والاحتكاك والتبادل والاختلاف، ثم يعاد تركيبها باستمرار بحسب حاجات الإنسان وصراعاته ورهاناته؟

كتاب «الهوية الثقافية لا وجود لها» لا ينفي وجود الثقافات أو يمحو خصوصيات الشعوب، وإنما يريد أن يحرر الثقافة من ذلك القفص المفاهيمي الذي يسمى «الهوية»، حين تتحول الهوية من وسيلة للتعريف إلى ادعاء بالثبات والنقاء والانغلاق. فالثقافة، في نظره، ليست ملكية خاصة لجماعة بعينها، ولا جوهراً موروثاً نضعه في خزائن الذاكرة ثم نستدعيه عند الحاجة، وإنما هي موارد إنسانية حية لا تنضب بالاستخدام، بل تزداد ثراءً كلما أُعيد اكتشافها وتفعيلها وترجمتها وتداولها بين البشر. ومن هنا يستبدل جوليان بمنطق «الاختلاف» الجامد مفهوم الانزياح؛ فالانزياح لا يقيم جداراً بين الثقافات، وإنما يخلق مسافة منتجة تجعل كل ثقافة قادرة على رؤية نفسها من خارجها، واكتشاف ما لم تكن تراه وهي أسيرة اعتيادها الخاص. وفي هذه المسافة يولد ما يسميه جوليان «المبثوث» أو «المشترك» (L’entre)، أي ذلك الفضاء الذي يقع «بين» الثقافات، حيث لا تعود العلاقة علاقة نحن وهم، وإنما تصبح مجالاً للترجمة والحوار والتفاعل وإنتاج المعنى. وهكذا لا يكون المشترك الإنساني تشابهاً يلغي التنوع، بل فضاءً مفتوحاً يجعل الاختلاف نفسه مورداً للتعارف والتجدد. لذلك فإن الثقافة لا تحيا بانغلاقها على أصل متخيل نقي، وإنما بقدرتها على العبور والتفاعل والتحول؛ وما نسميه «الهوية الثقافية» ليس في النهاية جوهراً ثابتاً، بقدر ما هو سيرورة مفتوحة من التفاعل والاختيار وإعادة بناء الذات.

أن سؤال الهوية ليس سؤالاً ثابتاً، وإنما سؤال تاريخي يتغير بتغير الإنسان والعالم. فقد كان الإنسان القديم يعرف نفسه بقبيلته وعشيرته ونسبه، ثم أصبح الدين، في عصور هيمنة المرجعيات الدينية، إطاراً مركزياً لتعريف الذات، بينما جاءت الدولة الوطنية الحديثة لتمنح الإنسان هوية قانونية وسياسية جديدة قوامها المواطنة والسيادة والحقوق. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول أي واحدة من هذه الدوائر إلى حقيقة مطلقة تدّعي احتكار تعريف الإنسان، فتختزل الفرد في قبيلته أو طائفته أو دينه أو قوميته، وتحوّل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى حدود فاصلة بينهم. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، في عالم انكمش فيه الزمان والمكان وتشابكت فيه المصائر، ليس: ما الهوية التي ننتمي إليها؟ بل: أي نوع من العالم نريد أن نبنيه من اختلافاتنا؟ فقد يحمل الإنسان هويات وانتماءات وذكريات كثيرة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه الحماية والاعتراف والحقوق حين يصبح خارج حدود جماعته. هناك، عند الحدود والمطارات والقوانين، تتقدم المواطنة على النسب، والحقوق على الادعاءات، والدولة على العصبية. ومن هنا تكتسب قراءة فرانسوا جوليان أهميتها؛ فهو لا يدعونا إلى إنكار الثقافات، بل إلى تحريرها من وهم امتلاك هوية مغلقة ومكتملة، والنظر إليها بوصفها موارد إنسانية حية تتفاعل وتتغير وتُترجم وتتجدد. إن الثقافة التي تخاف من التفاعل تتحول إلى متحف، والثقافة التي تتغذى من الانفتاح تظل قادرة على الحياة. ولعل الخلاص من «أوهام الهوية» لا يعني أن نتخلى عن ذواتنا، وإنما أن نكف عن تحويلها إلى أسوار. فالإنسان أوسع من هوياته، والثقافة أوسع من حدودها، والتاريخ أوسع من سردية واحدة. وفي النهاية، لا أرى ما يضمن للإنسان المعاصر كرامته وانتماءه واعتباره مثل دولة عادلة تحمي حقوقه، ومجتمع يعترف بتعدده، وإنسانية تجعل الاختلاف ثراءً لا ذريعة للصراع. فلا هوية محترمة بدون إنسان محترم، ولا إنسان محترم بلا حقوق، ولا حقوق مصونة بلا دولة محترمة. وربما هنا بالضبط تبدأ الدعوة التي يضعها جوليان أمامنا: أن ننتقل من الدفاع عن «هوية» مغلقة إلى بناء مشترك إنساني مفتوح؛ من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال أكثر رحابة: كيف نستطيع أن نكون نحن، وأن يظل الآخر هو الآخر، دون أن يمنع أحدنا الآخر من أن يكون إنساناً؟

ويمكن تلخص المعنى بهذا الحديث النبوي الشريف: (كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ).

***

ا. د. قاسم المحبشي

حين نختار لونا واحدا للوحة كانت تستحق الطيف كله

ثمة لحظة يقف فيها الإنسان أمام لوحة حياته ممسكا بفرشاته، وفي يده الأخرى علبة ألوان مليئة بكل ما شكله الطيف: الأحمر الجسور والأزرق المتأمل والأخضر الذي يعرف أسرار الينابيع والبنفسجي الذي يسكن عتبة الظلام والنور معا. لكنه في لحظة غريبة من الاستسلام أو الكسل أو الخوف ربما، يضع العلبة جانبا ويمد يده نحو لون وحيد، ليشرع في رسم حياته كلها بذلك اللون الأوحد، ظانا أن هذا الاتساق شكل من أشكال الحكمة، وأن الأحادية درع يرتديه في مواجهة تعقيد الوجود.

هذا المقال ليس دعوة إلى الفوضى اللونية، ولا ترنيمة لمن يعيشون متقلبين لا قرار لهم. إنه تساؤل هادئ ومقلق في عمقه، عن تلك العادة الإنسانية العميقة التي تجعلنا نقلص اللانهائي إلى المألوف، ونترجم ثراء العالم إلى لغة أحادية آمنة. تساؤل عما نخسره حين نرفض أن تكون لوحتنا بالألوان جميعها.

حين يختار المرء لونا واحدا لرسم حياته، فإنه غالبا لا يفعل ذلك عن جهل بوجود ألوان أخرى، بل عن خوف خفي من الاحتمال. فالألوان الأخرى تعني التعقيد، والتعقيد يعني أن الحياة لا تختصر بإجابة جاهزة. المرء يختار اليأس لونا وحيدا فيرى الدنيا كلها خرابا، أو يختار الأمل الساذج فلا يرى في الظلام إلا وهما عابرا، وقد يتخذ من الألم دينا فيقدس جراحه ويشيد معبدا للحزن يزوره كل صباح.

ما يوهم الإنسان بأن اللون الأوحد حكمة، هو ذلك الوضوح الزائف الذي يمنحه إياه. اللوحة ذات اللون الواحد لا تحتاج إلى توازن، لأنها لا تعرف التوتر الجميل بين المتضادات. هي مقروءة من أول نظرة، ولكنها لا تقول شيئا يستحق أن يقرأ مرتين أو أكثر.

الوضوح الذي لا يأتي من مواجهة التعقيد بل من إلغائه ليس حكمة، إنه استسلام مبهرج بثياب اليقين.

الفيلسوف الألماني هيغل رأى أن الروح لا تبلغ نفسها إلا حين تمر بالنفي، حين تواجه ما يعارضها وتحتويه. اللوحة الأحادية اللون لم تواجه نفسها قط. إنها صورة تنظر في مرآة، ترى فيها صورتها ذاتها، لا أثر لغير ولا مساحة لشيء لم يكن منتظرا. إنه وهم الوضوح.

علبة الألوان كما قال صديقي سعيد قاسمي، ليست دعوة للبهجة المصطنعة. إنها استعارة لذلك الانفتاح العميق على كامل طيف التجربة الإنسانية. أن تحمل العلبة كاملة يعني أنك تقبل أن الحزن لون، والفرح لون، والحيرة لون، والطمأنينة لون، وأن لوحة لا تحتوي هذه الألوان كلها تبقى ناقصة ولو بدت منسجمة تامة الاتساق. فالفنان الحقيقي يعرف ما يعرفه الفيلسوف: أن الإتقان لا يكون في استبعاد الألوان، بل في إتقان التوازن بينها. الأبيض المحض ليس نورا إنه عمى. والأسود الخالص ليس عمقا إنه إلغاء. النور الحقيقي يأتي حين يجاور الظلام ويحاوره، والعمق يتولد من التدرج لا من الانقطاع.

حين ترى لوحةً لرامبرانت، يصدمك ذلك الظلام. ظلام حقيقي، لا مجمل ولا مبرر. من أعماقه يتسرب ضوء يكاد يكون حارا كالتنفس، يضيء وجها هنا ويدا هناك، كأنما يعلن أن النور لا معنى له إلا في جوار عتمة تعرف ثقلها. رامبرانت لم يختر بين الضوء والظلام، لقد اختار المساحة الشاقة بينهما. هكذا الحياة الإنسانية المكتملة، ترسم في تلك المساحة الشاقة، لا في الأبيض المريح ولا في الأسود المستسلم. فمن يعيش الألم دون أمل ينزلق إلى عدمية تجفف الروح. ومن يتمسك بالأمل الساذج دون أن يشرب من كأس الحقيقة المرة يبني بيته على رمال وهم، فالبطولة الحقيقية، إن كان للحياة بطولة، هي في أن يحمل المرء كلا اللونين معا، ويمضي.

أن تقر بالجرح لا يعني أن تسكنه. وأن ترى الجمال لا يعني أن تعمى عن الشقاء. الحياة الكاملة هي التي تعرف كيف تنتقل بين الألوان دون أن تلغي أيا منها. الخطأ الكبير الذي يقع فيه من يختار اللون الأوحد هو الظن أن الألوان الأخرى خصوم لا شركاء. يظن الإنسان المتشائم أن الأمل نقيضه وعدوه، فيرفضه. ويظن المتفائل الساذج أن الألم مؤامرة على سعادته، فيهرب منه. كلاهما يرسم لوحة ناقصة، لأن كلاهما لا يفهم أن الألوان تعيش في حوار لا في صراع.

الفرنسي ميرلو بونتي قال إن الإدراك الحقيقي للعالم لا يكون بالعزل بل بالعلاقة. نحن لا ندرك الأحمر في ذاته، بل ندركه في حضور الألوان الأخرى، فيما يجاوره ويناقضه ويكمله. وهكذا تماما الفرح، لا يدرك في ذاته إلا لمن ذاق الحزن، ولا يقدَر العطاء إلا لمن عرف الفقد، والصحة لا يعرفها إلا من جرب الوهن.

ما تمنحه علبة الألوان الكاملة ليس الفوضى، بل الإتقان في مستوى أعلى، وهو القدرة على رسم الظل بيد والاضاءة بالأخرى، أن تحمل الثقل وتتقدم، وتعترف بالتعقيد وتجد فيه الجمال الأصعب لا الخوف.

اللوحة الأحادية اللون لا تعرف التفاصيل. وهذا بيت القصيد. الحياة تكمن في تفاصيلها، لا في صورتها الإجمالية. الحب الحقيقي ليس كتلة زرقاء واحدة إنه اللحظة التي تضحك فيها مع شخص ما حتى يؤلمك بطنك، والصمت الذي يسود في غرفة حين يكون كلاكما متعب، والجملة التي لا تقال لأن صاحبها يعرف أنها غير ضرورية. هذه التفاصيل أبدا لا ترسم بلون واحد. فالعقل الذي يفكر بلون واحد يرى العالم مسطحا والناس إما أخيار أو أشرار، والمواقف إما صواب أو خطأ، والعلاقات إما جنة أو جحيم. لكن الحياة الحقيقية تأبى هذا الاختزال.

كل إنسان علبة ألوان بذاته، فيه السخاء والضيق والشجاعة والخوف والبصيرة والعمى والمحبة والأنانية. ومن يراه بلون واحد سلبا كان أم إيجابا، يرى شخصا لم يوجد قط.

أن تحمل علبة الألوان الكاملة وتعمل بها، يتطلب شيئا أشق من الاختيار، الصبر على التعقيد.

الفنان يجلس أمام لوحته، يفكر طويلا قبل وضع لمسة واحدة، يسأل نفسه عن اللون الذي يخدم هذه اللحظة، وأي درجة من هذا اللون؟ وكيف يتحدث هذا اللون مع الذي سبقه؟ وهذا السؤال الفني هو في جوهره سؤال فلسفي عن كيفية التعامل مع الحياة: ليس بالاختزال، بل بالاختيار الواعي في كل لحظة، مع الاعتراف بأن اللحظة التالية قد تستدعي لونا مختلفا، ومن يتقن هذه الجماليات لا يكون موزعا ولا متضاربا، بل حيا بالمعنى الكامل. يضحك ويعرف أن الضحكة ستنتهي. يحزن ويعرف أن الحزن لن يدوم للأبد. يحب ويعرف أن الحب يحتاج إلى يقظة دائمة كي لا ينطفئ. يخطئ ويعرف أن الخطأ لون له أيضا مكان في اللوحة، وليس دليل فشل يبرر إلقاء الفرشاة.

الحكمة لا تكمن في أن تختار أجمل لون ثم تتمسك به حتى يغطي كل اللوحة، الحكمة تكمن في أن تعرف متى تضع اللون ومتى تتركه يجف، ومتى يأتي دور لون آخر لم تكن تتوقع جماله.

في النهاية، نحن لا نرسم لوحة مكتملة ثم نعيش. نحن نرسم ونعيش في الوقت ذاته، واللوحة تتشكل مع كل نفس. هذه الحقيقة ترعب من يريد ضمانة قبل أن يبدأ، وتهيج من يظن أن الإتقان يعني الضبط الكامل. لكنها حقيقة تمنح الشجعان شيئا ناذرا، حرية أن يغيروا لونهم كلما استدعت اللوحة ذلك. فلا أحد يخرج من الحياة بلوحة تامة الكمال. لكن الفرق بين لوحة يقال عنها إنها عاشت ولوحة تبدو كأنها لم تحدث، هو تلك العلبة: هل فتحت؟ هل استخدمت؟ هل جربت ألوان خشي منها في البداية؟ هل وضع اللون الأحمر حتى حين كانت اليد ترتجف؟

نصيحة صديقي سعيد، افتح العلبة، فكل اللوحات العظيمة تبدأ بهذه اللحظة الصغيرة الشجاعة.

***

عبد الرحيم الجرودي

ليست كل الجرائم التي يرتكبها الإنسان في حق الإنسان قابلة للرصد، وليست كل الضحايا ممن يستطيعون الوقوف أمام المحاكم ليقولوا إنهم كسروا وتألموا

فهناك جرائم لا تترك خلفها جثثا، ولا تلطخ أيدي مرتكبيها بالدماء، لكنها تترك في أعماق ضحاياها خرابا لا تراه العيون، وندوبا لا تمحوها السنوات، وأسئلة موجعة عن جدوى الطيبة، وعن معنى الثقة، وعن ذلك الإنسان الذي منحناه شيئا من أرواحنا، فإذا به يعيده إلينا مكسورا.

إننا نعيش في مجتمعات اعتادت أن تقيس الجريمة بما يمكن إثباته، وأن تحصي الخسائر بما يمكن تعويضه، وأن تبحث عن الجاني في مسرح الجريمة، متناسية أن بعض المسارح لا تتجاوز حدود القلب، وأن بعض الضحايا يواصلون حياتهم بصورة طبيعية، بينما يكون شيء جوهري في أعماقهم قد مات إلى الأبد.

فهل القتل هو فقط أن تنهي حياة الجسد، أم أن تدفع روحا إلى الانطفاء البطيء، حتى يصبح بقاؤها على قيد الحياة مجرد استمرار بيولوجي لحياة فقدت معناها؟

فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا تحميه القوانين من كل أشكال الأذى. إنه يعيش أيضا بالحب والكرامة والثقة، وبالشعور بأنه مرئي ومقبول، وأن ثمة من يصغي إلى صوته دون أن يسخر منه، ويحتضن ضعفه دون أن يستغله، ويصون قلبه دون أن يتخذ منه ساحة لتجاربه العابرة.

ومن هنا تبدأ الحكاية؛ من تلك الجرائم التي لا تحدث في الشوارع المظلمة، بل في وضح العلاقات الإنسانية، حيث يرتدي الأذى أحيانا قناع الحب، وتتخفى القسوة خلف مبررات الحرية، ويصبح الجرح الذي أحدثناه في حياة الآخر مجرد تفصيل صغير في يومنا، بينما يتحول في حياته إلى مأساة كاملة.

أن تعلق قلب إنسان بك، ثم تتركه في منتصف الطريق، بعد أن جعلته يصدق أن مستقبلا ينتظره معك.. جريمة.

أن تستخدم ماضيه ضده كلما اختلفت معه.. جريمة.

أن تمنحه أملا وأنت تعرف أنك لا تنوي الوفاء به.. جريمة.

أن تسرق ضحكة أحدهم.. جريمة.

أن تصدم الآخر بكلمة جارحة في لحظة ضعف.. جريمة.

أن تتنمر عليه حتى تجعله يرى نفسه بعينك الساخرة ويكره صورته في المرآة.. جريمة.

أن تمنحه الأمان ثم تستخدم خوفه ضده.. جريمة.

أن تعبث بثقته، ثم تتركه يشك في كل من حوله.. جريمة.

أن تسخر من حلمه فتجعله يخجل من أحلامه.. جريمة.

أن تقلل من شأنه حتى يبدأ في تصديق أنه لا يستحق.. جريمة.

أن تستغل ضعفه وأنت تعرف أنه ائتمنك عليه.. جريمة.

أن تخذل قلبا جاءك صادقا، ثم تمضي في حياتك كأن شيئا لم يحدث.. جريمة.

أن تكون سببا في انطفاء شيء جميل في إنسان، ثم تتركه وحيدا في مواجهة عتمته.. جريمة.

قد لا تدخل هذه الجرائم سجلات المحاكم، لكنها تدخل ذاكرة الإنسان. وقد لا يعاقب عليها القانون، لكنها قد تتحول إلى عقوبة يعيشها الضحية كل يوم: خوف من الحب، شك في الآخرين، احتقار للذات، وعجز عن منح الثقة مرة أخرى.

لكن هل يعني ذلك أن كل ألم جريمة؟

بالطبع لا. فالإنسان ليس مسؤولا عن كل مشاعر الآخرين، والحب لا يُفرض، والرحيل قد يكون حقا مشروعا، والاختلاف ليس خيانة، والعلاقات قد تنتهي دون أن يكون فيها جان ومجني عليه.

إن ما يجعل الأذى مسألة أخلاقية ليس مجرد حدوث الألم، وإنما الطريقة التي نصل بها إليه: هل كنا صادقين أم مخادعين؟ هل احترمنا الآخر أم استغللنا تعلقه؟ هل كنا ندرك هشاشته ثم استخدمناها ضده؟ وهل، حين عرفنا أثر أفعالنا، حاولنا إصلاح ما أفسدناه أم واصلنا السير وكأن شيئا لم يحدث؟

فليس من الضروري أن يكون كل أذى مقصودا حتى يكون مؤلما، لكن المسؤولية الأخلاقية تبدأ حين ندرك أثر أفعالنا، ونملك القدرة على مراجعتها، ثم نختار بين أن نتوقف أو نستمر.

إن الجريمة المعنوية لا تحتاج دائما إلى يد مرفوعة أو سلاح حاد؛ فقد ترتكبها نظرة احتقار، أو تجاهل متعمد، أو خيانة ثقة، أو سخرية متكررة، أو كلمة قيلت في لحظة غضب ثم استقرت في ذاكرة صاحبها سنوات طويلة.

والكلمات على وجه الخصوص ليست أصواتا تتبدد في الهواء. إنها تترك أثرا في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه. قد تكون الكلمة نافذة يطل منها المرء على ذاته بمحبة، وقد تكون جدارا يحاصره خلف صورة مشوهة عن نفسه.

ولعل التنمر من أكثر أشكال القتل المعنوي قسوة؛ لأنه لا يكتفي بإيذاء الإنسان من الخارج، بل قد يدفعه إلى استبطان الإهانة، فيتحول صوت المتنمر مع الوقت إلى صوت يسكن داخله. عندها لا يعود الضحية بحاجة إلى من يهينه؛ فقد أصبح يحمل سجانه في داخله.

وهنا تتجاوز المسألة حدود المشاعر العابرة لتصل إلى سؤال فلسفي أعمق: ما الذي يجعل فعلا ما جريمة في ميزان الأخلاق، حتى وإن لم يكن جريمة في ميزان القانون؟

ربما تبدأ الإجابة من الطريقة التي ننظر بها إلى الإنسان نفسه.

هل نراه ذاتا مستقلة، لها كرامتها وإرادتها وحقها في الاختيار؟ أم نراه مجرد وسيلة لإشباع رغباتنا، أو تأكيد أهميتنا، أو تفريغ غضبنا، أو ملء فراغ عاطفي مؤقت؟

هنا يصبح استحضار كانط ضروريا؛ فقد جعل احترام الإنسان بوصفه غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة، مبدأ مركزيا في أخلاقه. ومن هذا المنظور، فإن استغلال ضعف الآخر أو التلاعب بوعيه ومشاعره لا يمثل مجرد سلوك مؤذ، بل انتقاصا من إنسانيته واستقلاله، لأنه يحوله من ذات لها إرادتها إلى أداة في مشروع لا يملك فيه حق الاختيار الحقيقي.

ولذلك فإن أخطر أشكال الأذى ليست دائما تلك التي تأتي في لحظة غضب، وإنما تلك التي تتحول إلى ممارسة واعية للسيطرة: أن تعرف موضع الألم في إنسان، ثم تضغط عليه عمدا؛ أن تعرف ما الذي يخيفه، ثم تستخدم خوفه لإخضاعه؛ أن تعرف مقدار تعلقه بك، ثم تجعل هذا التعلق وسيلة للابتزاز أو الإهانة.

نحتاج، في المقابل، إلى أن نعيد الاعتبار إلى اللطف، لا بوصفه ضعفا، بل بوصفه وعيا بقيمة الإنسان.

أن نفهم أن الاعتذار ليس انتقاصا من الكرامة، وأن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، وأن الرحمة ليست ترفا أخلاقيا يمكن الاستغناء عنه في عالم مزدحم بالمنافسة والصراع.

فكم من إنسان لم يكن يحتاج إلى معجزة كي يستعيد ثقته بالحياة، بل إلى كلمة صادقة، أو اعتذار متأخر، أو يد تمتد إليه دون أن تطالبه بتبرير انكساره.

وكم من جرح كان يمكن ألا يحدث، لو أدرك صاحبه أن وراء كل وجه حكاية لا يعرفها، وأن الإنسان الذي يبدو قويا قد يخفي في أعماقه هشاشة لا تحتمل مزيدا من العبث.

إن أخطر ما في القتل المعنوي أنه قد يحدث دون أن يلتفت إليه أحد، وأن مرتكبه قد يواصل حياته مطمئنا، بينما يظل ضحيته يخوض معركة طويلة لاستعادة نفسه.

وقد ينسى الإنسان وجوه الذين آذوه، لكنه لا ينسى دائما كيف شعر في حضورهم: هل كان آمنا أم خائفا؟ محترما أم مهانا؟ مقبولا كما هو، أم مضطرا إلى الاعتذار عن ذاته؟

لهذا فإن مسؤوليتنا الأخلاقية لا تبدأ فقط حين نرفع أيدينا عن الآخرين، بل حين نكف عن استخدام الكلمات والمشاعر والثقة الإنسانية أدوات للسيطرة والإذلال.

لا تجعلوا من الحب فخا، ولا من الصراحة سلاحا، ولا من اختلاف الآخرين مادة للسخرية. لا تسلبوا إنسانا ثقته بنفسه ثم تطالبوه بأن يكون قويا، ولا تهدموا قلبا ثم تتعجبوا من عجزه عن الحب.

فليس كل ما لا يعاقب عليه القانون مباحا في ضمير الإنسان، وليس كل جرح لا يُرى جرحا صغيرا.

قد تنتهي الجريمة حين يغادر الجاني المكان، لكنها لا تنتهي بالضرورة حين يغادر الألم قلب ضحيته.

وربما كان أسمى ما يمكن أن نتركه في حياة الآخرين ليس أثرا يدل على أننا مررنا من هنا، بل طمأنينة تجعلهم أكثر تصالحا مع ذواتهم، وأكثر قدرة على الحب، وأقل خوفا من العالم.

فإذا لم نستطع أن نكون سببا في ابتسامة إنسان، فلنحاول على الأقل ألا نكون سببا في انطفائها.

فالكلمات مسؤولية، والحب مسؤولية، والثقة مسؤولية، والقوة مسؤولية. وكل قلب يضع شيئا من حياته بين أيدينا هو أمانة، حتى وإن لم يكتب القانون على هذه الأمانة عقدا.

لا تجعلوا من ضعف الآخرين فرصة للقوة، ولا من ثقتهم مادة للعبث، ولا من الحب مساحة للسيطرة.

 لا تقتلوا في الإنسان شيئا فشيئا ثم تطالبوه بأن يظل كما كان

***

ابتهال عبد الوهاب

 

جميعنا على معرفة بتقنية تنبيه الانحراف عن المسار في السيارة، فما إنْ نغفُل؛ لنعاسٍ أو لصارف، فتتّجه السيارة خارج مسارها، حتى ينطلق صوت التنبيه، وتهتز مُستشعِرات المِقْود، معدِّلةً اتجاه عجلات السيارة، لتنبّهنا بأننا كنا على وشك الخروج من مسارنا في الشارع، ولولا ذلك لكنّا عرضةً للاصطدام، فلا نصل لوجهتنا أو نصل لوجهة أخرى! مع أن السيارة تمضي قُدُمًا للأمام.

هذا حرفيا يلخّص ظاهرة خطيرة مستشريةً فينا، وخطورتها تكمن في أنّ صورتها العامة، حركةٌ وإنجاز وتقدُّم، بينما في حقيقتها لا تعدو أن تكون رجوعَ القهقرى؛ ذلك لأنّ الإنجاز لا يَشِي بالضرورة بشخصية متميزة، وتراكم الإنجازات ليس مؤشرا قاطعا على جودة الحياة، بل قد يكون علامة على التآكل الذاتي، وكثير من الإنجازات على هذه الشاكلة، ولكن كيف يصل الأمر بالإنجاز إلى هذا الحد من القَتامة، والحالُ أنّ الكل يستميت في مراكمة إنجازاته أمام الملأ عنوانًا للشخصية الناجحة؟! ينحدر الإنجاز إلى هذا الحضيض حين يكون خبطَ عشواء، لا ينظّمه سياقٌ واعٍ يضبطه على اتجاه بوصلة نسختنا المستقبلية، فستصبح الإنجازات قفزات تشتتنا، وخطوات تبعثرنا، في حركةٍ لا تتوقف من السير بغير اهتداء، مجرد كومة من إنجازات تمزّق أَنَانا يمنةً ويسرة، ولا تصنع مجدا واضحا، ولا تمهّد دربًا نحو وجهة تصنعنا فعلا، بل وجهات تتناوَشُنا ووهمُ تقدّم يعمينا عن التقدم!

مثالُه كمسافر على متن طائرة من مسقط ثم يحط في بغداد، ثم يطير إلى مومباي، ثم إلى إسطنبول، ثم إلى القاهرة، ثم إلى برلين، وقد نزل في كل مدينة منها ما شاء من السنوات، ليكتشف بعد أن استفرغ وُسعه واستنفد موارده من جهد وسيولة ووقت أنّ وجهته التي كان يُفترض به أن ينزل بها هي موسكو، لكنه ما عاد قادرا على ذلك، فكل تلك المدن التي نزل بها، تبدو إنجازات تُحسب فيه طريقه، لكنها في شريعة التقدّم لم تكن كذلك قَطّ، وليس فيها من التقدّم إلا وهمُه!

وهناك وهْمُ تقدّمٍ آخر كذلك حين تغيب البوصلة، وهو اقتناص الفرص، قد يبدو بديهيا أن اقتناص الفرص ممارسة تَنِمّ عن النباهة والكياسة، ولكنها حين تكون كيفما اتفق، بحيث تُركَب كلُّ موجة قادمة، وتكون الأبواب مُشْرَعةً لكل فرصة آتية، بدون أن تنتظم في سياقٍ يلملم شتاتها، وينتقي منها ما وافق، ويَذَرُ منها ما لا ينسجم معها، ويوصد الباب في وجهها مهما كانت مغويةً مغرية، أما بغير ذلك، فهذه الفرص المقتنَصة ليست تقدما يُفْرَح به، بل قفزاتٌ ملهية، وانزلاقاتٌ مختطِفة، تلهينا وتخطفنا عما هو أَوْلى في حقنا؛ وعليه فليس كل فرصة هي فرصة حقيقية لنا، بل قد تكون إلهاءً يبعدنا عن فرَصنا الحقيقية.

وهنا أستحضر صورةً أو رسمةً منتشرة في الإنترنت في وقت سابق، وقد يكون مَرّ عليك هذا المشهد عَيَانًا، وهو طابور من النمل يسير نحو وجهة واضحة وفي المنتصف ينعطف عن مصّاصة، رغم أنها فيما يبدو للناظر فرصة لا تقدَّر بثمن، لكنها بالنسبة إلى النمل إلهاءٌ صارخ عن وجهته التي ينبغي له ألا يَحيد عنها قِيْد أُنْمُلَة؛ لأنه آمَنَ أن فرصته الحقيقية ما هو فيه تلك الساعة، وأن القفز إلى فرصة عابرة هو طاقة مهدورة وانحراف مسار لا يصحّ!

إني حين استعرضتُ وهْمَ التقدم بِشقّيه: سواء ما يأتي في صورة إنجاز، أو ما يظهر في هيئة فرصة، كرَّرتُ صمّام أمان يحكم ما يكون إنجازا يستحق تحقيقه، وفرصةً تستحق اقتناصها، صمَّامُ الأمان هذا هو السياق المنظِّم لحزمة الإنجازات والفرص، وما أقصده بالسياق هو الرؤية، رؤيتنا الذاتية التي تحكم عموم تحركاتنا، على أنّ معادلة الرؤية تنتظمُها ثلاثة منطلقات، أولها: مَن أنت؟ وأين أنت الآن؟ وثانيها: ماهي نسختك المستقبلية التي تودّ أن تكونَها؟ وثالثُها الذي يتوسطهما: ماهي قدرتُك التي تمثّلك؟ لتفسح لها المجال لتصنع قدرك، فتنقلك من وضعك الراهن إلى مصيرك المستقبلي.

هذه الرؤية الواضحة تعمل مرشّحا دقيقا لدرجة مدهشة للحركات التي تصبّ في صالح مسارك، سواء للإنجازات التي تستحق أن تهبَها اختيارك، أو الفرص التي تستحق أن تسترعي انتباهك، على أنّ التركيز في مسارك الذي رسمَتْه رؤيتُك يفتح لك الباب أمام فرص حقيقية ما كانت لتقدم إليك لولا تركيزك الجادّ، كما يمنحك تحقيق إنجازاتك بأعلى كفاءة ممكنة؛ بسبب غياب المشتتات، فإذا بطائرتك تصل بك من مسقط إلى موسكو، بدون أن تُبَعْزِق رحلتَك وتبدّدها في محطات لا شأن لك بها، تستزفُ منك الغالي والنفيس، بل مباشرة صوب وجهتك التي تليق بك، كما أنك ترغب عن فرصة لذيذة عابرة في منتصف الطريق؛ لأنك راغب في مائدة ممتدة من الفرص الرائعة التي ستحوزها؛ لأنّك كنت من الحنكة بمكان بحيث إنك لم تدع تلك الفرصة المزيفة تصرفك عن تلك الفرص الحقيقية، وكما أنّ لكل شيءٍ ضريبتَه، فلكل شيء مكافأته أيضا.

إنّ هذه الرؤية هي تماما جهاز التنبيه في سيارتك، الذي كلما غفلتَ ولاح لك إنجازٌ يبدو رائعا، أو فرصة تبدو جذابة، عدَّلَ مسارك، وقوّم اختيارَك، وصوّب انتباهك، وذكّرك بقدَرك الذي تسير نحوه، فلا يقبل من الطريق إلا ما خدم المسار، مسارك أنت! فليس كل حركة بركة، بل كل حركة موجَّهة بركة.

***

محمد سيف – سلطنة عُمان

 

يُعدّ الحديث عن منظومة الحداثة السياسية، التي تضم مفاهيم كالديمقراطية والمواطنة والتعددية وحقوق الإنسان، حديثاً عن نسق فكري منسجم ومتكامل. هذا الانسجام لا يقتضي تطابقاً مطلقاً أو جموداً نظرياً، بل يقوم على تكامل الأدوار؛ فحفظ الحريات الفردية يشكل الدرع الحامي للتعددية، والمواطنة المتساوية هي القاعدة التي تصون الديمقراطية من الانحراف. وفي هذا السياق، فإن التوتر القائم بين حرية الفرد وسلطة المجتمع لا يمثل خللاً أو تهديداً للكيان، بل يُعدّ ديناميكية صحية وفرصة حقيقية للمراجعة والتطور المستمر. فالأنظمة الناضجة تحول هذا الاحتكاك السلمي إلى طاقة تجديد ذاتي، مستيعبةً للتيارات المضادة دون المساس بالأصول الجوهرية.

ولا يقتصر التوتر داخل هذه المنظومة على إطارها العام، بل يمتد ليشمل ثنائيات جوهرية تتطلب موازنة دقيقة؛ أبرزها الصلة بين حكم الأغلبية وحقوق الأفراد والأقليات. ففي الديمقراطية التقليدية، قد تخضع الأقلية لهيمنة الأغلبية إن غابت الضوابط، وهنا يبرز دور "حقوق الإنسان والتعددية" كفرامل دستورية وقانونية تقيد سلطة العدد، وهو ما يُعرف فلسفياً بالتوتر الخفي بين الديمقراطية والليبرالية. وإلى جانب ذلك، تبرز إشكالية العدالة الاجتماعية في مواجهة الحرية المطلقة؛ إذ لا تضمن أسواق الحريات الفردية المطلقة الرفاه الاجتماعي تلقائياً، بل قد تفضي أحياناً إلى تفاوت طبقي واسع يضر بالاستقرار العام، مما يفرض على الأنظمة الناضجة إيجاد آليات توازن بين كفاءة الحرية الاقتصادية وعدالة التوزيع لضمان تماسك المجتمع ورفاهه. وفي المقابل، فإن غياب هذه البيئة الديناميكية والواعية في المجتمعات غير المستقرة يحول تلك التوترات إلى صراعات مدمرة، تستغلها الشوائب لتقويض المنظومة برمتها وإبعادها عن غايتها في ضمان الحريات والرفاه.

وفي المقابل، يبرز التيار الثاني الذي يضم المذاهب القومية والشيوعية والأفكار الدينية، والتي أفضت في تجاربها التاريخية والواقعية إلى تكريس الاستبداد والديكتاتورية وقمع الحقوق والحريات. فعلى الرغم من أن هذه التيارات قد انطلقت غالباً من شعارات كبرى تهدف إلى التحرير، أو تحقيق العدالة الطبقية، أو حماية الهوية الروحية، إلا أن آليات تطبيقها اتسمت بنزعة إقصائية مركزية. لقد أدت هذه النزعة إلى إلغاء التعددية ودمج الفرد كلياً داخل الهوية الجماعية المغلقة؛ سواء كانت عرقية، أو أيديولوجية، أو عقائدية. وفي غياب العقد الاجتماعي القائم على المواطنة الحقيقية وقبول الاختلاف، تحولت هذه الأفكار من مساحات فكرية واجتماعية رحبة إلى أدوات سلطوية بيد الأنظمة لفرض الهيمنة وتهميش التنوع، مما جعلها عقبة كؤوداً أمام قيام أنظمة ديمقراطية مستدامة تضمن الحريات الأساسية والرفاه الاجتماعي.

وهكذا، يتضح أن بناء المجتمعات المزدهرة والأنظمة الديمقراطية المستدامة ليس مجرد خيار عابر، بل هو مسار شاق يتطلب وعياً عميقاً بضرورة "توطين" قيم الحداثة والمواطنة الحقيقية لتتلاءم مع بيئتنا التاريخية والاجتماعية. إن هذا التوطين لا يتحقق إلا بوجود إرادة صلبة ترفض تحويل الأفكار إلى قوالب جامدة أو شعارات استهلاكية، وتمنع انزلاق التفاعلات الفكرية إلى صراعات مدمرة. فالتوازن الدقيق بين صون الحريات الفردية وحماية التنوع، والتحرر من نزاعات الاستبداد والإقصاء، هو الضمانة الوحيدة للعبور نحو مستقبل تُصان فيه كرامة الإنسان ويتحقق فيه الرفاه الاجتماعي المنشود.

***

ئاريان علي

تأملات في خوف الانسان من الحرية وقلق المعنى

الانسان في رحلة بحثه عن خرابة يقينية تأويه من عراء ولسعة برد المأزق الوجودي، كثيرا ما يمد يده إلى أول يقين يعثر عليه، لا لأنه الحقيقة، بل لأنه أكثر دفئا من العدم، وأقل قسوة من مواجهة اسئله مفتوحه على هاوية الاحتمال

يبحث عن مكان يهدأ فيه خوفه. يريد سقفا فوق رأس السؤال، وجدارا يحجبه عن عاصفة الشك، وإجابة جاهزة تعفيه من ذلك القلق الذي يوقظ في داخله السؤال الاكثر قسوة: لماذا انا هنا؟

ومنذ ان وعى الانسان هشاشته، وهو يبني لنفسه ملاجئ من المعنى. مرة يسكنها في الدين، ومرة في الفلسفة، ومرة في السلطة، ومرة في الحب، ومرة في الجماعة، ثم يمنح هذا المأوى قداسة تكفي لتحويله من اختيار شخصي إلى حقيقة كونية، ومن حاجة نفسية إلى قانون يجب على الجميع السكن تحته

ولأننا نخاف المسافة الفاصلة بين السؤال والإجابة، ونرتعب من ذلك الفراغ الذي لا يمنح العقل جدارا يستند إليه. لذلك نبني من الموروثات عقولا جاهزة، ومن المقدسات أسوارا، ومن الإجابات القديمة سقفا نختبئ تحته كلما اشتد علينا مطر الشك.

لكن المأزق الحقيقي في وجهه نظري يبدأ حين تتحول الخرابة إلى سجن، وحين يصبح المأوى الذي احتمينا به من برد الوجود أكثر قسوة من العراء نفسه. عندها لا يعود اليقين بيتا للروح، بل قبرا للسؤال

 ولا يعود الإيمان بحثا عن المعنى، بل آلية دفاع ضد الخوف من المجهول.

لذلك كانت اخطر اللحظات في تاريخ الوعي هي تلك التي تحولت فيها الاجابات الى اسوار، والمقدسات الى حراس، والموروثات الى شرطة داخلية تفتش العقل قبل ان تسمح له بالتفكير.

ربما النضج يبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الانسان عن سؤال العالم أن يمنحه يقينا مطلقا، ويبدأ في تحمل مسؤوليته عن المعنى الذي يصنعه

اعتقد ان خلاصنا ليس في العثور على يقين نهائي، بل في امتلاك شجاعة السير في العراء دون أن نفقد إنسانيتنا

 أن نرتجف أمام سؤال الوجود، لكن ألا نهرب منه، وأن نعرف أن بعض الأسئلة لا تأتي لكي نغلقها بإجابة، وإنما لكي تفتح في داخلنا نافذة أوسع على الحياة.

علينا ان نعيد النظر في علاقتنا باليقين نفسه.

فليس كل ما يمنحنا الطمأنينة يستحق ان يسمى حقيقة، وليس كل ما يخيفنا باطلا، وليس كل سؤال ينبغي ان ينتهي الى اجابة. بعض الاسئلة اعظم من ان تغلق، لان قيمتها ليست فيما تمنحه من يقين، بل فيما تنتزعه من سبات

واعتقد ان الوعي الحقيقي يبدأ حين نكتشف ان الخرابة التي احتمينا بها طويلا لم تكن بيتا للحقيقة، وان العراء الذي كنا نخشاه لم يكن عدما، بل فضاء للحرية.

العراء الوجودي ليس بالضرورة احساسا سلبيا، كما قد يبدو للبعض

فأن يشعر الانسان بأنه بلا يقين نهائي. وبأن الوجود لا يقدم له خريطة مكتملة ولا ضمانة مسبقة للمعنى، قد يكون بداية يقظته لا علامة انهياره. فالعراء مؤلم حين نراه فقدا للمأوى، لكنه يصبح خصبا حين نراه تحررا من الاسقف الواطئة التي اعتدنا ان نحني رؤوسنا تحتها.

لذلك فالقلق الوجودي ليس مرضا ينبغي التخلص منه دائما، بل قد يكون ذلك الارتجاف الداخلي الذي يخبرنا ان وعينا ما زال حيا. المشكلة ليست في ان نقف عراة امام الوجود، بل في ان نهرب من عرائنا الى اول يقين يعرض علينا دفئا مؤقتا

ربما من يبحثون عن جدار يحميهم من قلق الوجود قد يجدون ملاذا...

اما الذين يجرؤون على مواجهة العراء، فقد يجدون انفسهم.

احيانا يكون العراء هو المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها العقل ان يتنفس خارج سلطة الاجابات الجاهزة، وحينها يتحول الخوف الى معرفة، والقلق الى سؤال، والوحدة الى اكتشاف للذات

***

ابتهال عبدالوهاب

 

مشكلة النسبية المتطرفة في الفلسفة والأخلاق، أنها تؤول- منطقياً- إلى العدمية. والنسبية، كما ذكرت في مقال سابق، هي المذهب القائل بأنه لا توجد قيم وأخلاقيات أو معارف متعالية، أي ثابتة عبر الزمان والمكان. وفقاً لهذه الرؤية، فإن قيماً مثل العدل والحرية والأخوة والإحسان والنظام، لها مفهوم خاص بكل جماعة أو بلد أو زمن أو دين، فلا تُعدُّ معياراً عاماً يلزم الجميع. والسبب في ذلك أنها منتجات بشرية، تتأثر بما يحمله المنتجون من معارف وتجارب، وما يعتقدونه من قيم وقواعد عيش.

لو أخذنا هذه الرؤية إلى نهاياتها المنطقية، فسوف توصلنا لاستحالة وصف الأفعال بالحسن أو القبح، أو العدل والظلم. لأن ما تعدّه ظالماً، قد يُعدّ في زمن آخر، أو مجتمع آخر، فعلاً عادياً. وما تعدّه حسناً قد يراه الآخرون قبيحاً. وهكذا تتحول القيم والمفاهيم الرفيعة، إلى مجرد آراء أو أعراف محلية، لا أكثر.

ربما يرى بعض القراء هذا الموقف طبيعياً. لأننا نعرف أفعالاً كثيرة عدّها الأقدمون عادية، في حين نراها اليوم ظالمة وقبيحة، مثل تجارة البشر، والأخذ بالثأر، والغارات على المدن والأقاليم الخارجة عن سلطتنا... وأمثال ذلك.

لكن دعونا نتذكر أيضاً أن البشرية لا تستغني عن القيم المتعالية. وكمثال، فإن اتفاق أمم العالم المعاصر على المنظومة المسماة بالقانون الدولي، هو الذي جعل حياة البشر آمنة، ووفر الحماية للأجيال الحالية والمقبلة من القتل والعذاب. ومنها مثلاً المواثيق الدولية التي تنظم سلوك الجيوش في الحرب، والتي تحرّم الإبادة وتدمير الموارد الضرورية للحياة، وقتل الأسرى والجرحى والمدنيين، وكذا مواثيق حقوق الإنسان، ومثلها اتفاقيات التجارة الدولية، واتفاقات المحافظة على المناخ والبيئة. فهذه وأشباهها، عُقِدت وأقيمت على القاعدة الفلسفية، القائلة بأن هناك مجموعة من القيم العليا لا بد أن يتوافق عليها البشر، ومنها العدل وصيانة الحياة الإنسانية، واحترام الحقوق الأساسية للناس كافة، وشراكة البشر في موارد الكرة الأرضية... إلخ. هذه القيم باتت –مع اتفاق الأمم عليها- مسلَّمات حقيقية قائمة بذاتها، وهي كونية، بمعنى أنها عابرة للأزمان والثقافات والجغرافيا، يلتزم بها الجميع ويحترمها الجميع.

ومنذ قديم الزمان، تنبّه الفلاسفة إلى مشكلة القول بالنسبية الأخلاقية. فذهب أرسطو إلى أن الأخلاق والقيم العليا قائمة خارج الوعي، وأن كل إنسان يتلقاها مثلما يتلقاها غيره. وإن لها صورة واحدة صحيحة في كل الأزمان، وكل صورة أخرى هي دعوى كاذبة. وبعبارة أخرى، فإن على الإنسان أن يأخذ بما هو متعارف من الفضائل فيطبّقها على نفسه وحياته، وليس متوقعاً أن يسعى لتعديلها أو استبدالها، بل حتى مساءلتها أو مجادلتها أو التشكيك في صوابها؛ لأنها متعالية على الوقائع وآراء الناس.

والتفت الفلاسفة المسلمون إلى تلك المشكلة أيضاً. لكنهم وجدوا أن القول بعدم وقوع القيم والأخلاق في نطاق اختيار الإنسان، يفتقر إلى دليل قوي قادر على حمل مؤونتها الثقيلة. فذهبوا –كما ذكر الشيخ محمد رضا المظفر– إلى أن أياً من هذه القيم، ليس من نوع البديهيات التي تحمل دليلها في ذاتها، ولا هو مما يمكن إثباته بدليل قبل إنشائه، بل هي من نوع الإجماعات الممتدة، أي تلك التي اتفق الناس على صحتها وضرورتها، في مختلف الأزمان والأمكنة، وقبلوها على هذا النحو، حتى لو لم يكن لديهم دليل عليها، سابق لوجودها وظهور نتائجها. وإنما أجمعوا عليها بعدما اكتشفوا ضرورتها لسلامة الإنسان وصون كرامته.

هذا إذن الموقف المقابل للنسبية، التي لا شك في سلامتها من حيث الأساس ومن حيث التحليل. لكن يصعب جداً اعتبارها منهجاً وحيداً لتحديد قيمة الأخلاقيات والمفاهيم، لا سيما ما تعارف البشر على كونه مجرداً متعالياً.

***

د. توفيق السيف

 

عندما يُختزل الدين في حدود الفقه والأحكام، تتقلص أبعاده الروحية والأخلاقية التي تنشد كرامة الإنسان، بغض النظر عن معتقده وهويته وعرقه وقوميته وانتمائه. فكرامة الإنسان تمثل مفهومًا كونيًا لا يقتصر على فئة أو طائفة أو جماعة بعينها، وإنما تتصل بالإنسان بما هو إنسان.

لقد اختزلت القراءات الدينية المغلقة الدين في حدود الفقه والأحكام، حتى أضحى يتدخل في شؤون حياة الإنسان كافة، إذ تم عزله عن الأفق الثقافي العالمي، وحصر وجوده داخل أفق ضيق تتحكم فيه بعض المقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم، والتي يُنظر إليها بوصفها مقولات تتجاوز التاريخ، وتعلو على حدود إدراك العقل البشري وتحولاته.

للدين جوهره الروحي والأخلاقي الذي يمثل أساس التدين، ومن خلاله يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة إنسانية تتلاءم مع إنسانيته. إلا أن هذا الجوهر يتراجع عندما يتحول الدين إلى منظومة من الأحكام والتكاليف التي تستحوذ على المجال الديني بأكمله.

فالقرآن الكريم لم يتحدث بلغة الأحكام بكثرة، بل إن أكثر ما تضمنه من آيات هو ما يشير إلى الهداية والحكمة والموعظة والقصص التي تُضرب أمثالًا للناس، لكي يستفيدوا منها في حياتهم العملية. لكن الذي جرى هو اختزال لغة القرآن في لغة الأحكام؛ فتحول النص من دلالاته الروحية والأخلاقية إلى مجموعة من الأحكام الشرعية التي يُتعامل معها بوصفها عابرة للأزمنة والأمكنة، رغم أن كثيرًا منها ارتبط بسياق تاريخي وظرفي يختص بعصر البعثة، ومجتمع ذلك العصر، ونمط تدينه وثقافته وأحواله الاجتماعية.

وقد اختُزل القرآن، في بعض القراءات الفقهية، في آيات الأحكام؛ وهي الآيات التي تُستنبط منها الأحكام العملية. والمشهور في عددها، كما جاء في بعض مؤلفات علوم القرآن، أنها تتراوح بين 200 و500 آية من مجموع آيات القرآن الذي يبلغ 6236 آية من دون البسملات، وعند احتساب البسملة يصبح العدد 6349 آية. {1}

وبناءً على ذلك، فإن نسبة آيات الأحكام من مجموع آيات القرآن تتراوح تقريبًا بين 3% و8%. وبعبارة أدق، نجد من بين كل مئة آية قرآنية ما يقارب ثلاثًا إلى ثماني آيات من آيات الأحكام، بحسب اختلاف التقدير في عددها.

غير أن التدين الفقهي والعقدي لا ينظر، في كثير من قراءاته، إلى هذه الأحكام بوصفها تمثل جزءًا محدودًا من الخطاب الديني، أو بوصفها أحكامًا ارتبطت بظروف تاريخية واجتماعية خاصة، بل يتعامل معها بوصفها أحكامًا عابرة للتاريخ وصالحة لكل زمان ومكان. ومن ثم، يُعاد تكليف إنسان اليوم بأحكام نشأت في سياق عصر البعثة، من دون أن يؤخذ بعين الاعتبار، تطور الثقافات والعلوم والمعارف، وتحول أنماط التفكير، وتغير الأحوال الفردية والاجتماعية من عصر إلى آخر.

وهذا ما يجعل إنسان اليوم، رهين فكرة الأمس، ومقيدًا بتقاليد وتكاليف دينية قد تحد من قدرته على التفاعل مع أسئلة عصره . ومن هنا يفقد الدين شيئًا من أبعاده الروحية والأخلاقية والجمالية، حين تتحول الأحكام التاريخية إلى غاية مركزية في التدين، بدل أن تكون جزءًا من سياقه ووظيفته.

مثلاً في بعض القراءات الفقهية نجد احكام التكفير، والردة، والولاء والبراء، وبعض الأحكام المنظمة للعلاقة مع الآخر المختلف دينيًا وعقديًا.

فعندما نراجع بعض المقولات الاعتقادية في علم الكلام القديم، نجد أن التكفير لم يُطرح بوصفه مجرد حكم نظري، بل ارتبط بأحكام وآثار عملية خطيرة. يقول الغزالي: التكفير حكم شرعي يرجع إلى: إباحة المال وسفك الدماء والخلود في النار. {2}

ولا تقتصر المشكلة على الأحكام العقدية والفقهية المتعلقة بعلاقة الإنسان بالآخر، وإنما تمتد إلى أحكام تتدخل في شؤون حياته الخاصة، الأمر الذي قد يحول دون انفتاحه على الآخر المختلف، ويحد من إمكان التثاقف والتفاعل مع الثقافات والتجارب الإنسانية المتنوعة.

وعلى هذا الأساس، يمكن التمييز بين التدين الفقهي والتدين الأخلاقي.

دين روحي أخلاقي جمالي افضل من دين فقهي عقدي أيديولوجي

لأن التدين الأخلاقي يرفض اختزال الدين في الفقه والأحكام والتكاليف، وينشد، قبل كل شيء، كرامة الإنسان بوصفها قيمة كونية عليا. ومن هنا يعيد تعريف الإنسان من منظور علم كلام جديد، على نحو يرى أن «إنسانية الإنسان لا تتحقق إلا بتحقق كرامته». {3}

ومن هنا تأتي ضرورة إعادة تعريف الدين والإنسان من منظور علم الكلام الجديد، بحيث يصبح الإنسان مركزًا للتحدي ومحورًا للاهتمام، بدل الانشغال بالقضايا الميتافيزيقية المجردة، كالبحث في القدر والجوهر والعرض والذات والصفات، من منظور علم الكلام القديم.

***

بهاء سوادي

باحث في قضايا تجديد الفكر الديني وعلم الكلام الجديد.

.................

المصادر

1. الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد.

2. الغزالي، أبو حامد، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.

3. الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد.

  في ذكرى ميلاد مارتن هايدغر، المولود في 26 سبتمبر 1889، والذي رحل في 26 مايو 1976، قد يبدو السؤال عن الطريقة الصحيحة لكتابة Dasein بالعربية سؤالًا صغيرًا يتعلق بالنقل الصوتي. غير أن المسألة، عند التأمل، تفتح بابًا أوسع على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الكتابة الفلسفية: كيف نتعامل مع المصطلح حين ينتقل من لغة إلى أخرى؟ وأين تنتهي حرية التعريب ويبدأ واجب الدقة؟

دازين؟ دازاين؟ ديزاين؟..

تنوع كتابة الكلمة بالعربية ليس مجرد اختلاف في الرسم، وإنما يكشف اختلافًا في التعامل مع اللفظ الألماني ومع موقعه داخل اللغة العربية. فحين ينتقل مصطلح فلسفي من لغة إلى أخرى، تتداخل اعتبارات النطق والنقل الصوتي والترجمة مع طبيعة المفهوم الذي يحمله.

ولعل Dasein مثال واضح على ذلك. ففي العربية نجد صيغًا متعددة لكتابتها، من بينها «دازين» و«دازاين» و«ديزاين». وإذا كان النقل الصوتي هو المقصود، فإن معرفة النطق الألماني تصبح أمرًا أساسيًا. حرف D في بداية Dasein يُنطق دالًا، والمقطع ei في الألمانية يُنطق صوتًا ثنائيًا قريبًا من «آي»، ولذلك تقترب «دازاين» من النطق الألماني أكثر من «دازين». أما «ديزاين» فتأخذ الكلمة إلى نطق مختلف عن الأصل الألماني، وقد توحي للقارئ العربي بكلمة design الإنجليزية المعروفة.

أما من الناحية الفلسفية، فالمسألة أكثر تعقيدًا. فـDasein تركيب ألماني من da، بمعنى «هنا» أو «هناك» بحسب السياق، وsein، بمعنى «يكون»؛ ويمكن، على المستوى الاشتقاقي، تقريب الكلمة إلى «الوجود-هناك» أو «الكينونة-هناك». غير أن هذا التقريب لا يستنفد معناها الاصطلاحي عند هايدغر؛ ولذلك يظل «الدازاين» في كثير من الكتابات العربية المتخصصة خيارًا يحافظ على خصوصية المصطلح، مع إمكان شرحه عند أول ورود له. فهايدغر حمّل الكلمة وظيفة مفهومية تتجاوز معناها المعجمي المباشر.

ولم يبتكر هايدغر لفظ Dasein؛ فقد كان اللفظ مستعملًا في الألمانية قبلَه، واستُخدم أيضًا في سياقات فلسفية سابقة. الجديد هو الوظيفة الاصطلاحية التي منحه إياها داخل مشروعه. فـDasein عنده تسمية للكائن الذي تكون كينونته موضع فهم وسؤال، والذي ينفتح له العالم وتتحدد أمامه إمكانات وجوده؛ ولهذا لا يصح اختزالها في مفهوم «الإنسان» بالمعنى الأنثروبولوجي المعتاد، كما لا يصح مساواتها ببساطة بـ Sein، أي «الكينونة» أو «الوجود» بحسب سياق الترجمة.

ومن ثم ينبغي التمييز بين تاريخ الكلمة وتاريخ المفهوم. فـDasein لفظ ألماني ذو تاريخ لغوي سابق على هايدغر، أما الأسئلة الفلسفية التي أعاد هايدغر صوغها من خلاله فتندرج ضمن تاريخ طويل للسؤال عن الكينونة، يمتد من الفلسفة اليونانية عبر تحولات الميتافيزيقا الغربية حتى الصياغة الهايدغرية للسؤال عن معنى الكينونة. وهذا يوضح لماذا لا يمكن اختزال المصطلح في مقابله القاموسي؛ فالكلمة تحمل تاريخًا لغويًا، بينما يحمّلها الفيلسوف وظيفة مفهومية جديدة.

وتتضح أهمية المصطلح في فلسفة هايدغر. فـDasein ليست مجرد كلمة عابرة في كتابه Sein und Zeit، أي «الكينونة والزمان»، وإنما هي من المفاهيم المركزية التي يقوم عليها التحليل الوجودي. ومن حولها تتشكل شبكة من المصطلحات المترابطة، مثل Geworfenheit وEntwurf وBefindlichkeit وErschlossenheit وEigentlichkeit وUneigentlichkeit وZuhandenheit وVorhandenheit، وهي مصطلحات تتعدد ترجماتها العربية بحسب المترجم والسياق. وقد تُقابل، على سبيل التقريب، بـ«القذف» أو «الإلقاء»، و«الإسقاط»، و«الوجدانية»، و«الانكشاف»، و«الأصالة»، و«اللاأصالة»، و«الجاهزية للاستعمال»، و«الحضور الماثل». غير أن هذه المقابلات ليست متطابقة في دلالتها ولا مستقرة على ترجمة واحدة، ولذلك يظل الرجوع إلى المصطلح الألماني مهمًا.

وتظهر، على نحو خاص، الصلة بين Geworfenheit وEntwurf في تحليل Dasein بوصفه وجودًا ملقى في العالم، لا يستنفد إمكاناته فيما أُلقي فيه، بل ينفتح على إمكانات مختلفة ويسقط نفسه عليها. فالقذف لا يعني مجرد وقوع الكائن في وضع معين، كما أن الإسقاط لا يعني مجرد اختيار حر منفصل عن ذلك الوضع؛ وإنما يتحدد وجود Dasein في هذا التوتر بين ما وجد نفسه فيه وما يمكن أن يكونه.

ولهذا لا تكفي معرفة المقابل العربي للمصطلح وحدها. فالمترجم قد يختار نقل Dasein إلى «الدازاين»، أو يترجم بعض المصطلحات بحسب سياقها، مع إبقاء الألماني حاضرًا بين قوسين عند الحاجة. وتظل هذه الطريقة أكثر احتياطًا في المصطلحات التي لا تستقر ترجمتها العربية على مقابل واحد، إذ تتيح للقارئ أن يتابع المفهوم في لغته الأصلية وأن يميز بين الترجمة والتأويل.

وهذه المسألة تتجاوز هايدغر نفسه. فكثير من المصطلحات الفلسفية التي نستعملها اليوم تحمل وراءها تاريخًا طويلًا من الانتقال بين اللغات. وما نعدّه اليوم لفظًا مستقرًا في العربية قد يكون في أصله ثمرة رحلة طويلة بين لغة وأخرى، كما هي الحال في «فلسفة»، المنقولة إلى العربية عن اليونانية φιλοσοφία عبر تاريخ طويل من الترجمة والتفاعل اللغوي والحضاري. ومن ثم فإن كل ترجمة فلسفية تتضمن اختيارًا لغويًا وتأويليًا، وتؤثر في الطريقة التي يصل بها المفهوم إلى القارئ.

وتزداد أهمية هذه المسألة حين نكتب عن فيلسوف مثل هايدغر؛ لأن اللغة عنده ليست مجرد أداة خارجية للتعبير عن أفكار جاهزة، وإنما تدخل في صميم التفكير نفسه. ولذلك فإن التعامل مع مصطلحاته يحتاج إلى الإصغاء إلى لغتها، وإلى الاشتقاق الذي تقف عليه، وإلى العلاقات التي تنشئها داخل النص. وقد تكون جملة عربية سليمة من الناحية النحوية، واضحة في ظاهرها، لكنها تحمل مصطلحًا أُسيء فهمه، فتكون سلامة العبارة قد أخفت اضطراب الفكرة.

ولعل هذا يذكّرنا بأن الدقة ليست نقيض الوضوح. فالوضوح الذي يقوم على مصطلح غير دقيق قد يمنح القارئ سهولة في القراءة مع وهم في الفهم، بينما قد يحتاج المصطلح الدقيق إلى شيء من التمهل والعودة إلى الأصل ومقارنة الترجمات. تلك الصعوبة المؤقتة أكرم للفلسفة من وضوح سريع يقوم على معنى مضطرب.

في ذكرى ميلاد هايدغر، يعود السؤال إلى بدايته: دازين أم دازاين أم ديزاين؟

قد يبدو الاختلاف في كتابة كلمة واحدة أمرًا هامشيًا، لكنه يكشف شيئًا أساسيًا في علاقتنا بالفلسفة حين نعبر بها من لغة إلى أخرى. فالكلمة الفلسفية لا تُقرأ بمعزل عن لغتها وسياقها وتاريخها، واختيار صورتها في العربية جزء من الطريقة التي نُقدّم بها المفهوم إلى القارئ.

لهذا يستحق Dasein كل هذا التوقف: لأن السؤال عن كيفية كتابة الكلمة يقود، في المحصلة، إلى سؤال عن كيفية قراءة الفلسفة نفسها.

تدقّ الكلمة، فيتسع المعنى.

***

بولص آدم

 

فلسفة الهوية والوجدان بين الأصالة والاستهلاك

يبدو الإنسان مذعناً منذ لحظة وعيه الأولى لثنائية أزلية تحرك خطاه وتؤطر صراعاته الداخلية: أهي الرغبة في الاستمتاع أم الحاجة إلى الاستماع والتأمل؟  فمنذ أن تأمل الفلاسفة الأوائل طبيعة الوجود والفن، نظروا إلى الفنون باعتبارها انعكاساً لجوهري النفس الإنسانية؛ فالاستمتاع غريزة بنيوية تدفع الإنسان للبحث عن البهجة والارتواء، بينما الاستماع والإنصات هما مرآة الوعي وقدرة الإنسان على استيعاب العالم وترويض فوضاه. وليست هاتان الغريزتان مجرد خيارين عابرين، بل هما انعكاس لـ نزاع داخلي عميق بين لجم الغريزة والتلذذ بالحياة، وبين قيود الواقع ومسؤولياته الثقيلة.

من هنا يبرز التساؤل الوجودي الأعمق: هل هذا التشابك المعقد بين السعي للذة والإنصات لمتطلبات الوعي هو غريزة أصيلة فُطِر عليها الإنسان ليدير بها سفينة وجوده، أم أنه قدرٌ مفروض عليه يخوضه محكوماً بشقاء البحث المستمر عن المعنى؟ وحين يتجسد هذا الصراع في مرآة الفن -بين ما هو أصيل يرتقي بالروح وما هو هابط يستجيب لغرائز اللحظة-يتحول الصوت والكلمة من مجرد أداتين للترفيه، إلى ساحة معركة كبرى يتحدد فيها مصير الهوية الإنسانية بين السمو والانحسار.

ثنائية الاستمتاع والإنصات. الجذور النفسية والفسيولوجية للموسيقى والفن

حين نغوص في كنه النفس البشرية، نجد أن التفاعل مع الصوت والموسيقى ليس مجرد نشاط ترفيهي عابر، بل هو استجابة عميقة لبنية الإنسان الفسيولوجية والنفسية، تتوزع على قطبين رئيسيين. فالاستمتاع يُعد حاجة غريزية أثبتت الدراسات النفسية والعصبية أن الألحان والنغمات تحفز من خلالها مناطق الدماغ المسؤولة عن المكافأة والمتعة، مما يطلق هرمونات مثل الدوبامين لتقليل التوتر وخلق حالة من الارتواء النفسي والهروب المؤقت من ضغوط الواقع.

وفي المقابل، تمثل قدرة الإنسان على الاستماع الواعي صوته الداخلي للتأمل في المعنى وترويض فوضى الوجود، وهو ما شغل فلاسفة الفن الأوائل في بحثهم عن مدى تأثير الفنون في تهذيب الروح والنفس. من هنا، يبرز النزاع الداخلي الذي يضع الإنسان دائماً في صراع مستمر بين رغبته في بلوغ أقصى درجات اللذة الحسية وبين حاجته إلى الارتقاء بالذوق والوعي؛ فإما أن ينقاد الصوت لإشباع غرائز لحظية عابرة، أو يرتقي ليلامس أبعاداً وجودية ووجدانية أعمق.

الحدود والخطوط الحمراء. مقارنة فلسفية وثقافية بين الفن الشرقي والغربي

يتجلى الاختلاف الجذري بين الفن الشرقي والفن الغربي في طبيعة الحدود الممسوحة لكل منهما، حيث يرتكز الفن الشرقي -تاريخياً- على الرمزية والمجاز والارتباط الوثيق بالتقاليد والأخلاق العامة، محافظاً دائماً على خط رجعة يسمح للعمل الفني بالبقاء ضمن إطار الذوق العام الذي تقبله العائلة والمجتمع المحافظ، بغض النظر عن سعة الغزل أو عمق العاطفة. وفي المقابل، انطلق الفن الغربي من فلسفة الفردانية المطلقة وحرية التعبير التي تحررت تدريجياً من القيود التقليدية، مما جعل الحدود منذ نشأته الأولى قابلة للتجاوز والتوسيع، ليُعامل الجسد والرغبة كجزء طبيعي من التجربة الفنية والمجتمعية دون بال بالضرورة لردود الفعل الجمعية.

حقبة السبعينات والثمانينات. مفترق طرق بين ثورة التحرر الغربي ورصانة الشرق

مثلت فترة السبعينات والثمانينات حقبة ذهبية وفارقة في تاريخ الموسيقى العالمية والعربية على حد سواء، وتشهد بوضوح على الفارق الجذري في طريقة معالجة المضامين بين الشرق والغرب

في الغرب

 شهدت السبعينات والثمانينات انفجاراً ثقافياً وفنياً غير مسبوق، حيث تحولت الموسيقى إلى أداة صريحة للتعبير عن التحرر الفردي والجسدي؛ فظهرت أسماء وفرق غنت للرغبة بوضوح دون مواربة (مثل فرقة ABBA، ودونا سامر بأغنيتها الجريئة Love to Love You Baby في منتصف السبعينات، ومادونا في أوائل الثمانينات التي جعلت كسر المحرمات جزءاً من هويتها). ومع انطلاق قناة MTV عام 1981، أصبح البصري موازياً للصوتي، لتتحول الجرأة واستعراض الجسد إلى عنصر تسويقي تنافسي بحت.

في الشرق

عاش العالم العربي مرحلة انتقالية حساسة؛ فبينما ظل عمالقة الطرب (مثل أم كلثوم حتى رحيلها عام 1975، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ) يمثلون القمة التي تكرس الحب العذري واللغة الشعرية الرفيعة التي تخاطب وجدان العائلة، ظهر في الثمانينات جيل جديد (مثل عمرو دياب وراغب علامة) أخذت أغلبه الأغنيات نحو إيقاعات أسرع وغزل بالعيون والقد والقوام. ورغم ذلك، ظلت هذه التحولات مغلفة بالرومانسية البريئة واللمسات العاطفية التي لا تصل أبداً إلى حدود الجنس الصريح، محكومةً بسياق أخلاقي ورقابة صارمة ترفض أي خروج عن المألوف لكي تبث الأغاني في البيوت العربية دون حرج.

الواقع المعاصر.. ذوبان الهوية وسؤال هل بقي الفن الشرقي شرقياً؟

شهد العصر الحديث تحولات جذرية ومفصلية مع ثورة التكنولوجيا الرقمية، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، وتسارع وتيرة الإنتاج الفني؛ وهو ما أدى إلى تذويب الفوارق التقليدية بين الثقافات، ليقفز إلى الواجهة التساؤل الوجودي والجمالي الأملس: هل بقي الفن الشرقي شرقياً كما عهدناه؟

إن الإجابة الصادقة والواقعية تؤكد أن الفن الشرقي قد فقد الكثير من ملامحه الجوهرية وروحه العميقة. فلم يعد الشرق ينتج فناً نابعاً من خصوصيته الحضارية ومقاماته وشجنه الأصيل، بل تحول في أغلبه إلى قالب مستورد وهجين. ولم تعد الشرقية اليوم تعكس هوية فنية أو مضامين راقية ترتقي بالوجدان وتخاطب الروح، بل انحسرت لتصبح مجرد لهجة محلية أو إيقاع صاخب تُؤدى به تلك الأغاني الاستهلاكية الخاوية، بينما تهرأت الروح والكلمة والذوق العام تحت وطأة الاستهلاك الرقمي السريع. ويظهر هذا الجفاء بوضوح مؤلم حين نتأمل واقع الفن الشعبي في البيئتين المصرية والعراقية -اللتين عُرفتا تاريخياً بعمقهما الحضاري وإرثهما الطربي الرفيع-حيث انحرفت بعض الأنماط بصورة جذرية نحو الإسفاف، والكلمات الهابطة، وتحول الفن من رسالة سامية للارتقاء بالبشر إلى مجرد سلعة استهلاكية تلهث خلف التريند والأرباح المادية الرخيصة، مما أحدث قطيعة تامة بين إرث الماضي العريق وبين واقع السوق المعاصر.  إن هذا الانهيار الفني والذوقي لم يأتِ من فراغ، بل هو حصيلة منظومة متكاملة تضافرت فيها أطراف عدة؛ أولها سلطة خوارزميات المنصات الرقمية التي تقدّس لغة الأرقام والمشاهدات على حساب القيمة، وثانيها غياب الدور الرقابي والتوجيهي الحقيقي للمؤسسات الرسمية والنقابات الفنية في مصر والعراق والتي فتحت الباب على مصراعيه دون فلترة أو معايير حقيقية تحمي الذوق العام. ويضاف إلى ذلك انكفاء النخبة المثقفة واكتفاؤها بالتذمر الصامت بعيداً عن الاشتباك مع الشارع، فضلاً عن ضغط الحياة المعصرية وإيقاعها السريع الذي جعل المتلقي يميل نحو المحتوى الخفيف الاستهلاكي الذي لا يتطلب تأملاً أو تفكيراً.

إن الأمل يظل قائماً للاحتفاظ بما بقي من أصالة الفن الشرقي ما دامت الجذور التاريخية والروائع الفنية راسخة في الذاكرة الجمعية. وللحفاظ على ما تبقى من هذه الهوية العريقة، تبرز الحاجة الملحة إلى استراتيجيات واعية وجادة تتجسد في إحياء الأرشيف وربطه بالأجيال الجديدة عبر تقديم التراث الخالد، كالمقامات العراقية والطرب المصري الأصيل، بقوالب حديثة ومقاومة للنسيان لتبقي نافذة الجمال الحقيقي مفتوحة. كما يتطلب الأمر دعم الأصوات والمشاريع الفنية الجادة وتمكين الفنانين الشباب الذين يحملون مشروعاً حقيقياً يحترم الكلمة واللحن من الوصول والمنافسة، إلى جانب بناء الوعي النقدي والمجتمعي من خلال ترسيخ ثقافة النقد الفني الرافض للاستسفاف والابتذال باعتباره خطراً داهماً على الهوية والوجدان، وليس مجرد حرية تعبير عابرة.

***

ئاريان علي

أثناء ممارستي عملي التطوعي في متحف التاريخ الطبيعي ناتورا دوسيت (Natura Docet) في مدينة دينيكامب الهولندية، وجدت نفسي أمام سؤال يتجاوز المتحف ومقتنياته وحدوده الجغرافية: كيف يتعلم الإنسان أن يميز بين ما هو موجود واقعيا وما هو مختلق خيالياً؟ وكيف تتحول هذه القدرة البسيطة في ظاهرها إلى أساس للعلم، ثم إلى أساس للتقدم الحضاري؟

ربما كنت أبحث عن جواب لسؤال آخر أكبر: لماذا استطاعت هولندا، وهي بلد صغير المساحة والسكان والموارد الطبيعية مقارنة بكثير من دول العالم، أن تكون في مقدمة البلدان المنتجة للمعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وأن تصبح من البيئات المهمة في تطور الذكاء الاصطناعي والعلوم الحديثة؟

شيئاً فشيئاً بدأت أرى أن الإجابة لا توجد فقط في المختبرات والجامعات والشركات التكنولوجية، وإنما تبدأ في مكان أعمق بكثير: في الطريقة التي يتعلم بها الطفل منذ سنواته الأولى كيف يرى العالم.

في ناتورا دوسيت لاحظت الفرق المدهش بين الكائنات الطبيعية الحقيقية والكائنات الخرافية التي أنتجتها المخيلة البشرية. في داخل المتحف الصغير هياكل عظمية لكائنات عاشت فعلاً على هذه الأرض، ومنها هيكل الماموث، وبيض الديناصورات، وطيور وحيوانات نادرة من مناطق مختلفة من العالم، وصولاً إلى التمساح البحري. هنا لا يحتاج العلم إلى أن يخترع الكائن؛ فالكائن نفسه، أو أثره، أو هيكله، أو حفريته، هو الذي يتكلم؛ الجماجم والعظام والأجنحة والجلود والريش والقرون والأسنان ليست مجرد أشياء ميتة محفوظة خلف الزجاج، وإنما هي وثائق صامتة لتاريخ الحياة التي تصرمت. إنها تقول للإنسان: كان هذا موجوداً، عاش هنا، وتحرك وتغذى وتكاثر ثم مات، وبقيت منه آثار تستطيع أنت أن تقرأها.

وهنا تكمن إحدى أعظم فضائل المتحف العلمي: أنه يعلمنا احترام الدليل.فالخيال يستطيع أن يصنع تنيناً، وأن يمنحه أجنحة ومخالب وناراً، لكن العلم يسأل: أين الدليل؟ هل عاش هذا الكائن بالفعل؟ أين عظامه؟ أين حفرياته؟ ما طبقته الجيولوجية؟ ما علاقته بالكائنات الأخرى؟

وهذا السؤال الصغير: أين الدليل؟ ربما كان أحد أهم الأسئلة التي صنعت الحضارة العلمية الحديثة.

لكن المفارقة الأجمل في متحف التاريخ الطبيعي ( ناتورا دوسيت) أن المكان لا يعزل الحقيقة عن الخيال، وإنما يعلم الطفل كيف يضع كل واحد منهما في موضعه الصحيح ففي الحديقة الخارجية رأيت مجسمات لكائنات أسطورية من ثقافات مختلفة: البراق الطائر، وأبو الهول، وعروس البحر، والعنقاء وغيرها، إلى جانب كائنات أسطورية أخرى من اليونان والهند والصين ومصر وبلاد الرافدين وغيرها. وفي المعرض الصيفي للكائنات الخرافية Fabelwezens توزعت كائنات أسطورية مجسمة بين الأشجار والعشب والمياه، بعضها متحرك ويصدر أصواتاً واقعية، فيتحول المكان إلى عالم ساحر يجمع بين الدهشة واللعب والمعرفة.

لكن المهم ليس أن الطفل يرى التنين أو حورية البحر، وإنما أن يعرف أنهما ينتميان إلى عالم الأسطورة، لا إلى عالم الحيوان الطبيعي.

وهذه نقطة تربوية وفلسفية بالغة الأهمية.

فالمشكلة ليست في الخيال. بالعكس، لا حضارة عظيمة بلا خيال. الإنسان الذي لا يستطيع أن يتخيل ما ليس موجوداً الآن لن يستطيع أن يبني ما سيكون موجوداً غداً. فالطائرة بدأت حلماً، والمدينة بدأت مخططاً، والروبوت بدأ فكرة، والذكاء الاصطناعي نفسه كان زمناً طويلاً أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الواقع.

لكن الفرق بين الخيال العلمي والخرافة هو أن الأول يعرف أنه خيال، ويسعى إلى تحويل الإمكان إلى واقع بالدليل والتجربة والهندسة، بينما الثانية قد تتحول إلى حقيقة زائفة حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما يتخيله وما يعرفه.

خرجت من ناتورا دوسيت وأنا أشعر أن عملي التطوعي في هذا المتحف لم يكن مجرد ممارسة عملية أو مشاركة في نشاط ثقافي، بل كان فرصة نادرة للتأمل وإعادة قراءة كثير مما سبق أن درسته في فلسفة التاريخ والحضارة، وكأنني انتقلت من صفحات الكتب إلى مختبر حيّ للتاريخ الطبيعي والإنساني. فقد وجدت أمامي، في هياكل الماموث وبيض الديناصورات والطيور والحيوانات والنباتات، شواهد مادية على تاريخ الحياة، وفي الكائنات الأسطورية التي احتضنتها الحديقة رأيت الوجه الآخر للتاريخ: تاريخ المخيلة والرموز والأساطير التي صنعتها الجماعات لتفسير المجهول وبناء هوياتها وصور قوتها. وبين الحقيقة والأسطورة، وبين الأثر والخيال، أدركت من جديد أن الحضارة لا تتقدم بمجرد تراكم المعلومات، وإنما بقدرة الإنسان على التمييز والنقد والاختبار وتحويل المعرفة إلى تجربة. ثم جاء متحف كوربوس ليكمل هذا الدرس من جهة أخرى؛ فالإنسان لم يعد موضوعاً نراه من الخارج، بل أصبح عالماً ندخله ونكتشفه من الداخل، فتحولت العمارة إلى تشريح، والتشريح إلى تجربة، والتجربة إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة. عندها بدا لي أن الصلة بين الفلسفة والهندسة والتربية والعلم ليست عرضية؛ فالفلسفة تسأل عن الغاية والمعنى، والهندسة تمنح الفكرة شكلاً قابلاً للاختبار، والتربية تبني الإنسان القادر على تحويلها إلى واقع، والعلم يضع الجميع أمام امتحان الدليل. ومن هنا فهمت أن الذكاء الاصطناعي، مهما بدا قمة التكنولوجيا الحديثة، يبدأ في الحقيقة من عقل تربى على السؤال: كيف عرفت؟ وما دليلك؟ وهل يمكن اختبار ما تقول؟ ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي منحني إياه العمل التطوعي في المتحف: أن التفوق العلمي ليس امتلاكاً للأجهزة والمختبرات بقدر ما هو ثقافة في النظر إلى العالم؛ ثقافة تسأل قبل أن تصدق، وتلاحظ قبل أن تحكم، وتجرب قبل أن تعمم، وتعترف بالخطأ قبل أن تدافع عنه. فالخيال يفتح أبواب الممكن، والعلم يختبره، والهندسة تجسده، والتربية تصنع الإنسان القادر على استخدامه. وبين الخيال والحقيقة، وبين الأسطورة والمعرفة، وبين الحلم والبناء، تتشكل الحضارة. وهنا، ربما، يبدأ العلم؛ وهنا يبدأ الذكاء؛ وربما من هنا أيضاً يبدأ سر تفوق الشعوب والدول.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

برفقة صديقي الدكتور المهندس حسين جعفر السقاف، كانت لنا زيارة إلى متحف كوربوس (CORPUS) في أوستخيست بالقرب من مدينة لايدن الهولندية؛ ذلك المتحف العلمي الفريد الذي لم أرَ مثله في حياتي، والذي ما زلت، بعد مغادرته، واقعاً تحت تأثير الدهشة التي تركها في نفسي. دخلناه وكأننا ندخل مبنى من مباني المتاحف، لكننا سرعان ما اكتشفنا أننا لا ندخل متحفاً بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما ندخل الإنسان نفسه؛ ندخل إلى جسده، ونسافر بين أعضائه، ونرى بأعيننا ما يحدث في ذلك العالم الخفي الذي نحمله معنا أينما ذهبنا دون أن نراه.

يعد كوربوس متحفا مجسما للجسد الإنساني الحي يقف هنا كأنه كائن بشري عملاق خرج من الأرض ليقول للعابرين: انظروا إلى الإنسان! مجسم ضخم لرجل جالس يبلغ ارتفاعه نحو خمسة وثلاثين متراً، يتحول فيه الإنسان من موضوع للعرض إلى بناء معماري، ومن صورة بيولوجية إلى فضاء يمكن الدخول إليه واكتشافه. وهذه، في تقديري، هي أولى مفاجآت المكان: أن تتحول العمارة إلى تشريح، وأن يتحول التشريح إلى تجربة، وأن يتحول المتحف من مكان ننظر فيه إلى الأشياء إلى مكان ننظر فيه إلى أنفسنا ونتجول في دهاليزها.

بدأت رحلتنا من الركبة، ثم صعدنا عبر الجسد، وتجولنا في أول منازل الكينونة ومواطن النبض الأول (الرحم) وشاهدنا البيوضة وصراع ملايين الحيوانات المنوية للوصول اليه تموت كلها ويصل الأقوى. شاهدنا الكرموسومات وكيف تتشكل الجينات وفي المعدة والأمعاء شاهدنا العجب العجاب ثم تجولنا في القلب والكبد، والرئتين وصعدنا إلى الرأس وتجولنا في الدماغ. لم يكن الأمر مجرد انتقال من طابق إلى طابق، وإنما رحلة من عضو إلى عضو، ومن وظيفة حيوية إلى أخرى، ومن المعرفة الخارجية بالجسد إلى الإحساس بأننا جزء من هذا الجسد الذي نحاول فهمه وهكذا صار القلب الذي كنا نقرأ عنه في كتب الطب فضاءً ندخله، والرئة التي نعرف وظيفتها في التنفس تجربة حسية، والدماغ الذي نتصوره مركزاً للوعي والمعرفة مكاناً تنتهي عنده الرحلة.

وأنا في غرفة العقل تحديداً، تذكرت العبارة الشهيرة التي كانت مكتوبة على بوابة أكاديمية أفلاطون: «من لم يكن مهندساً لا يدخل علينا» بما تحمله دلالة فلسفية عميقة تستحق التأمل؛ لأن المعرفة لا تقوم على التأمل المجرد وحده، كما لا تقوم على التقنية الهندسية وحدها. ثمة علاقة قديمة بين التفكير في العالم ومحاولة قياسه وبنائه وتنظيمه. وفي تلك اللحظة شعرت أن كوربوس نفسه يقدم لنا، بطريقة معاصرة ومذهلة، درساً في هذه العلاقة القديمة بين العقل الذي يفكر واليد التي تبني بين الفيلسوف والمهندس. وهنا فهمت معنى عبارة إسبينوزا عن حاجة الفلسفة إلى الهندسة وحين يكون رفيقك في السفر مهندساً معمارياً واسع الاطلاع على التاريخ والجغرافيا والأدب والفلسفة، فإن الرحلة تتحول من نزهة عابرة إلى درس مفتوح في فئ الجغرافيا والتاريخ والحضارة. فالأماكن لا تُرى بالعين وحدها، وإنما تُقرأ بالعقل، ويُصغى إليها بالقلب، ويُعاد اكتشافها بالحوار. وهذا هو تماماً ما عشته مع صديقي الدكتور المهندس حسين جعفر السقاف في تلك الزيارة الرائعة.

كان المتحف بالنسبة إلينا موضوعاً للمشاهدة، لكنه كان أيضاً موضوعاً للحوار. كنت أنظر إلى المكان بعين الفيلسوف، وكان حسين ينظر إليه بعين المهندس المعماري؛ ومن خلال تداخل النظرتين بدأ المبنى يكشف لنا عن معنى أوسع من وظيفته التعليمية. فالهندسة هنا لم تكن مجرد بناء جدران وأرضيات وسلالم وأجهزة، والفلسفة لم تكن مجرد أسئلة معلقة في الهواء؛ بل رأينا كيف يمكن للفكرة أن تتحول إلى فضاء، وكيف يمكن للفضاء أن يولد فكرة.

وهنا تذكرت أن الهندسة والفلسفة، رغم اختلاف أدواتهما، تنتميان في عمقهما إلى سؤال واحد: كيف يمكن أن نفهم العالم ونمنحه شكلاً قابلاً للحياة والبناء والسكن والفهم فالفلسفة تبحث عن المعنى، والهندسة تبحث عن الإمكان؛ الفلسفة تضع السؤال، والهندسة تختبر قدرة الواقع على الإجابة عنه. ولهذا فإن العلاقة بينهما ليست علاقة ترف فكري، وإنما علاقة ضرورية في بناء الحضارة.

فالهندسة من دون فلسفة يمكن أن تتحول إلى علم تقني جامد، قادر على بناء الأبراج والجسور والمدن والأنفاق والمصانع، لكنه قد ينسى السؤال الأهم: لماذا نبني؟ ولمن نبني؟ وما أثر ما نبنيه في الإنسان والبيئة والمجتمع؟ يمكن للمهندس أن يبني بيتاً بالغ القوة، لكنه إذا غابت عنه الرؤية الإنسانية قد يصبح البيت مجرد كتلة من الخرسانة لا تستشعر حاجات سكانها الروحية والنفسية والجمالية. ويمكنه أن يبني جسراً متيناً من الناحية الإنشائية، لكنه إذا تجاهل البعد الإنساني والاجتماعي قد يكون جسراً يربط نقطتين في الخريطة ولا يربط إنساناً بإنسان.

ويصور الدكتور (سعيد إسماعيل علي) العلاقة بين الفلسفة والتربية بقولة: "أن المربي أشبه بمقاول البناء هذا يبني حجرا وذلك يبني بشرا والمقاول رجل تنفيذي لا يستطيع أن يعمل إلا وفق تصميم نظري هندسي معين وواضح يقوم برسمه ومهندس التصميمات وفقا لطلب العميل وما يريد، عمارة، أم قصرا، فيلا أم فندقا، مدرسة أم جسرا، وفيلسوف التربية هو ذلك المهندس التصميمي الذي يرسم ويخطط بناء على حاجة المجتمع وتوجهاته وثقافته وإمكانياته وأهدافه وما على المربي "المعلم" إلا الالتزام بهذا المخطط العام وهو يقوم بعمل اليومي. فالعملية التربوية ليست مجرد تعليم معلومات للتلاميذ وإنما هي أولا وأخيرا عملية تنمية بشرية، بناء مجتمع، وكيف يمكن لنا أن نطمئن إلى تنمية بشرية سليمة إذا افتقدنا الشراع الموجه، إذا افتقدنا القدرة على رؤية الهدف والطريق إليه. " وما لم تكن متأكدا من تحديد المكان الذي تذهب إليه، فأنت معرض لان ينتهي بك إلى مكان آخر" على حد قوله روبرت ف. ميكر، في كتابة الأهداف التربوية، وربما هذا ما كان يقصده الفيلسوف الروماني سينكان (60م)،

بقوله "(لا رياح طيبة لمن لا يعرف طريقه، ولا لمن تحطم مقوده)

ومن هنا تصبح الهندسة نوعاً من اختبار الفلسفة في الواقع. إنها تمنح الفكرة شكلاً، وتقيس قدرتها على الصمود، وتضعها أمام مقاومة المادة والفضاء والزمن والقوانين. الفيلسوف يستطيع أن يتخيل المدينة المثالية، لكن المهندس يعرف أن المدينة لا تقوم على الأحلام وحدها؛ إنها تحتاج إلى طرق ومياه وطاقة ومساكن ومؤسسات ومساحات عامة، والأهم من ذلك كله تحتاج إلى إنسان يعيش فيها.

وهنا بالذات يصبح كوربوس مثالاً بالغ الدلالة للمعنى الذي يهم كل إنسان عاقل. لقد أخذ مصمموه شيئاً لا نستطيع الدخول إليه في حياتنا اليومية ــ جسم الإنسان ــ وحولوه إلى فضاء معماري يمكن للإنسان أن يسير داخله. لقد جعلوا التشريح مكاناً، والمعلومة تجربة، والجسد عمارة، والتعليم رحلة.

والتجربة التعليمية في كوربوس لا تعتمد على أن يقف الزائر أمام لوحة ويقرأ أسماء الأعضاء، وإنما على أن يعيش التجربة ويتجول في اعضاء الجسم كلها مع الاستماع إلى شرح تفاعلي ذكي. إذ يستخدم المتحف الصوت والصورة والإضاءة والمؤثرات البصرية والتقنيات التفاعلية ليجعل العمليات الحيوية أقرب إلى التجربة الحسية. وهكذا يتحول التعليم من عملية تلقين إلى عملية اكتشاف.

وهكذا تكون فلسفة التعليم للمستقبل فالإنسان لا يتعلم فقط عندما يسمع المعلومة، وإنما عندما يراها ويختبرها ويربطها بتجربته الخاصة. ولذلك فإن كوربوس لا يقول للزائر فقط: «هذا هو قلبك»، بل يجعله يشعر بأن القلب الذي يتحدث عنه ليس شيئاً بعيداً عنه، وإنما هو ذلك العضو الذي يعمل الآن في داخله، بصمت، من دون أن يطلب منه إذناً.

والأمر نفسه ينطبق على الدماغ. أن تنتهي الرحلة في العقل ليس مجرد ترتيب مكاني؛ إن فيه دلالة رمزية عميقة. فنحن نبدأ بالجسد، ونصعد خلال أعضائه ووظائفه، ثم نصل إلى الدماغ؛ أي إلى ذلك العضو الذي يجعل الإنسان قادراً على أن يعرف جسده، وأن يسأل عن وجوده، وأن يبني المتاحف التي تشرح له كيف يعمل.

هنا تكتمل الدائرة: الإنسان يدخل إلى جسده لكي يفهم عقله، والعقل يبني متحفاً لكي يفهم الإنسان جسده.

ولعل أجمل مفارقات تجربة كوربوس أننا، نحن الذين نعيش داخل أجسادنا منذ لحظة الميلاد، نكتشف فجأة كم نجهل ذلك العالم الهائل الذي يسكننا. القلب ينبض بلا استئذان، والرئتان تعملان في صمت، والدم يجري في شبكة لا نراها، والخلايا تتجدد، والدماغ يستقبل ويحلل ويتذكر، فيما ننشغل نحن غالباً بالعالم الذي يقع خارجنا. هنا أدركت أن الإنسان ليس مجرد كائن يعيش في العالم، بل عالم قائم بذاته؛ كوناً حياً بالغ التعقيد، له خرائطه وشبكاته ومراكزه وطاقته ووسائل دفاعه واتصاله.

زيارة جسم الإنسان في كوربوس كانت رحلة فلسفية من الجسد إلى العقل، ومن العقل إلى الوعي، ومن الوعي إلى السؤال القديم المتجدد: ما الإنسان؟

خرجنا من كوربوس، لكن كوربوس لم يخرج منا. فقد ترك في الذاكرة دهشة لا تنتهي، وأيقظ في العقل رغبة في السؤال. ولذلك أرى أن من يريد أن يزور هولندا لا ينبغي أن يكتفي برؤية مدنها وقنواتها وطواحينها؛ عليه أن يدخل أيضاً إلى الإنسان نفسه. ففي كوربوس لا تشاهد متحفاً عن الإنسان، بل تكتشف أن الإنسان هو المتحف الأكثر إدهاشاً على الإطلاق.

***

ا. د. قاسم المحبشي

لاريب أن المذكرات ليست مجرد استرجاعٍ لما مضى، ولا هي أرشيفٌ شخصي للأحداث والذكريات، بل هي—حين تكتب بوعيٍ فلسفي—شكلٌ من أشكال بناء الذات وهي تفكر في نفسها، والفيلسوف حين يقترب من المذكرات لا يطلب منها أن تحكي حياته فحسب، بل أن تكشف كيف تتكوّن الحياة حين تُفهم وتُعاد صياغتها وتدخل في نظامٍ من المعنى..

من هنا تكتسب المذكرات قيمتها الأدبية والفكرية معًا، حيث لا تسجّل التجربة بوصفها وقائعاً خامةً، بل تمنحها مسافةً تجعلها قابلةً للتأمل، وتحوّل الزمن إلى مادةٍ للوعي، واللغة إلى أداةٍ لإعادة تركيب الوجود.

عند القراءة الفلسفية للمذكرات، السؤال الأول ليس، ماذا وقع؟ و إنما، كيف يصير ما وقع قابلًا لأن يُفهم ويُروى ويُعاد تأليفه في الذاكرة؟ لأن المذكرات، كما تقترح الدراسات الحديثة، تقوم على “الحقيقة السردية” لا على النقل الحرفي وحده؛ أي أن ما فيها من صدق لا ينفصل عن طريقة التشكيل، وعن موقع الراوي من ذاته ومن عصره، وعن مقدار المسافة بين التجربة لحظة وقوعها والتجربة لحظة تدوينها، لذلك يلتقي الفيلسوف بالمذكرات عند منطقة دقيقة، منطقة الفعل الذي يصبح معنى، والحدث الذي يتحول إلى دلالة، والذات التي لا تُدرك إلا وهي تعيد رواية نفسها.

أولاً الحقيقة:

في المذكرات، لا تُفهم الحقيقة بوصفها تطابقًا بسيطًا مع الواقع، بل بوصفها صدقًا سرديًا، أي الكيفية التي يعيد بها الكاتب ترتيب خبرته بحيث تصبح قابلة للفهم والتأمل، حيث المذكرات لا تقدم وقائع مجردة، بل وقائع بعد أن دخلت في أفق الذاكرة والاختيار والإعادة، فيكون ما يهم الفيلسوف ليس “الحدث” وحده، بل المسافة التي تفصل الحدث عن صياغته، لأن هذه المسافة هي التي تكشف ماذا أراد الكاتب أن يقول عن نفسه وعن عصره..

ثانياً اللغة

اللغة في المذكرات ليست أداة نقلٍ شفافة، بل وسيلة لتشكيل الذات وهي تفكر، ثم إن المذكرات الجيدة لا تقول كل شيء، بل تعرف ما الذي يجب أن يظهر وما الذي يجب أن يبقى في الهامش، وما الذي يمكن أن يُلمح إليه بدل التصريح به. ومن هنا تأتي القيمة الفلسفية للغة المذكرات، أنها لا تصف الحياة فقط، بل تُنظّمها، وتمنحها إيقاعًا، وتحوّل الشذرات إلى بنية، والخبرات المتفرقة إلى قصة قابلة للإدراك. عبر هذا المعنى، تتقاطع اللغة مع الفلسفة لأنها تُظهر أن الذات لا تملك نفسها قبل أن تتكلم عنها..

ثالثاً الخيال

الخيال في المذكرات لا يعني اختلاقًا مضادًا للحقيقة، بل يعني القدرة على إعادة تخليق التجربة في صورة سردية تمنحها معنىً أوسع. فكل كتابة ذاتية، حتى حين تدّعي الصدق الكامل، تنتقي وتقصي وتوازن بين ما يُقال وما يُترك، وبين ما يظهر وما يُخفى؛ وهذا الاختيار نفسه جزء من الحقيقة لا نقيض لها. ومن ثم فإن الخيال هنا يعمل بوصفه قوة تنظيمٍ للذاكرة، لا بوصفه هروبًا من الواقع. إنه يربط بين الشظايا، ويمنح التجربة شكلًا يسمح لها بأن تُفهم بعد أن كانت مجرد تتابعٍ للأيام..

رابعاً الزمن

الزمن هو العنصر الأعمق في المذكرات، لأنه يحدد موقع الذات وهي تعود إلى نفسها. فالمذكرات تُكتب من نقطة لاحقة، من حاضرٍ ينظر إلى ماضٍ لم يعد حاضرًا إلا في أثره، ولذلك فهي كتابةٌ تُحوّل الزمن إلى وعي.

 فالإنسان لا يكتب ماضيه لأنه انتهى، بل لأنه لم ينتهِ في داخله؛ والمذكرات تحاول أن تصوغ هذا الامتداد بين ما مضى وما بقي مؤثرًا في الحاضر، وبالتالي تصبح المذكرات فلسفية لأنها لا تتعامل مع الزمن كتعاقبٍ ميكانيكي، بل كتجربة تتكثف فيها الذاكرة والندم والتحول وإعادة الفهم..

خامساً الذات

أما الذات، فهي في المذكرات ليست جوهرًا ثابتًا، بل كائنًا يتكوّن داخل الحكي، حيث المذكرات لا تقول، "هذه أنا"، بمعنى الاكتمال، بل تقول: "هذا ما صرت إليه حين رويت ما عشته"..

هنا تتجلى فكرة أساسية، أن الإنسان يعرف نفسه حين يضعها في السرد، وأن الوعي لا ينكشف دفعةً واحدة، بل عبر العودة المتكررة إلى الماضي وتفسيره وإعادة تأليفه، لذلك يرى الفيلسوف في المذكرات مختبرًا للهوية، "كيف نروي أنفسنا؟" وكيف يتحول الاعتراف أو التلميح أو حتى الصمت إلى أداةٍ لبناء صورة الذات؟

هكذا عندما تتجمع هذه الأسئلة الخمسة داخل المذكرات، يتبين أن هذا الجنس الأدبي ليس هامشًا على الفلسفة، بل أحد أكثر الأماكن التي تتفحص فيها الفلسفة علاقتها بالإنسان، فالحقيقة فيه غير منفصلة عن المنظور، واللغة جزء من التكوين، والخيال رافعة للمعنى، والزمن مادة للوعي، والذات مشروعٌ سرديٌّ لا يكتمل إلا بالكتابة، بهذه العناصر تصير المذكرات كتابةً عن الحياة وكتابةً في الحياة في آنٍ واحد؛ فهي لا تحكي ما جرى فقط، بل تكشف كيف يصير ما جرى قابلًا للفهم، وكيف تتشكل من التجربة مادةٌ للتفكير..

رحلتي الفكرية أنموذجا

لدى المفكر عبد الوهاب المسيري في رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمر،  المذكرات تبلغ ذروتها بوصفها كتابةً تكشف أن السيرة ليست مجرد حكاية حياة، بل طريقة في التفكير بها، و الدكتور المسيري لا يقدّم حياته كوقائع متتابعة، وإنما يجعلها مسارًا يتكشف فيه تشكّل الوعي وتحولات المنهج وتغير الأفق المعرفي؛ ولذلك يصرّ منذ البداية على أنها ليست “سيرة ذاتية” بالمعنى التقليدي، بل “سيرة غير ذاتية وغير موضوعية”، وحين يعلن أنه يستبعد ما لا علاقة له بـ“تطوري الفكري”، فإن قيمة الحدث لا تعود إلى وقوعه، بل إلى قدرته على إضاءة التحول الداخلي، أي إن الحقيقة هنا لا تُقاس بما جرى، بل بما كشفه الجريء عن مسار الوعي. ومن ثمّ فإن الزمن في هذا النص ليس تعاقب سنوات، بل تاريخ تكوّن: من البذور إلى الجذور إلى الثمر، أي من الإمكان إلى الترسخ إلى النضج..

وعلى المستوى اللغوي، تتخذ العبارة وظيفة فلسفية دقيقة؛ حيث المفكر المسيري لا يكدّس الوقائع، بل يصوغها بحيث تظلّ دالة على ما وراءها، حتى تبلغ الجملة حدًّا من الكثافة يلخصه قوله: “إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. وهذه الكثافة ليست أسلوبًا فقط، بل موقفًا معرفيًا، فكل اتساع في الرؤية يستلزم اقتصادًا في القول، لأن المعنى العميق لا يُستعرض بل يُلمَّح. أما الخيال، فيعمل هنا بوصفه أداة تنظيم للذاكرة، لا بوصفه تزيينًا لها؛ إذ تتحول الوقائع الشخصية إلى بنية سردية تكشف علاقات الفكر بالخبرة، وتُظهر كيف يتكون المنهج من الاحتكاك بالحياة لا من التأمل المجرد وحده.

وبالتالي تنكشف الذات عند المفكر المسيري لا كهوية ناجزة، بل كوعي في صيرورة، يتعلم من أخطائه، ويعيد ترتيب نفسه داخل السيرة كما يعيد المفكر ترتيب أدواته داخل النظرية. لذلك يكتب عبارةً يمكن عدّها مفتاحًا أخلاقيًا وفلسفيًا لنصه “المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب المثقف”..

المذكرات هنا لا تروي حياة مفكر فحسب، بل تعرض الفلسفة وهي تُصاغ في الداخل، وتُختبر في الواقع، وتتحول إلى موقف..

مستخلص

إن المذكرات، حين تكتب بهذا العمق، لا تعود مجرد نوعٍ أدبيٍّ يجاور السيرة والاعتراف، بل تصبح وسيلةً لفهم كيف يبني الإنسان وعيه بنفسه وبالعالم، حيث تمنحه مسافةً من ماضيه، وتردّ له حياته بوصفها معنىً لا مجرد وقائع، وتكشف أن الفيلسوف لا يعيش تجربته ثم يكتبها فقط، بل يكتبها لكي يعرفها، ويعيد ترتيبها لكي يصير قادرًا على التفكير فيها. ومن هنا تكمن قيمة المذكرات الفلسفية، أنها لا تقول لنا من كان صاحبها فحسب، بل كيف صار ما صار إليه، وكيف تحولت الحياة عنده إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى شكلٍ من أشكال التكوين المستمر..

وعند المسيري، تبلغ هذه الفكرة ذروتها؛ لأن حياته المكتوبة لا تشرح فكره فقط، بل تُظهر أن الفكر نفسه لا ينفصل عن سيرةٍ تتخلق ببطء، وأن الوعي لا يُبنى إلا حين يجرؤ صاحبه على أن يرى ذاته كرحلة، لا كجوهرٍ منتهٍ..

(انتهى)

***

مراد غريبي

 

لم تعد القراءة في عصرنا مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات أو تحصيل الشهادات، بل أصبحت تجربة إنسانية وثقافية واسعة، تجمع بين المعرفة والمتعة، وتمنح الإنسان فرصة للتأمل، واكتشاف ذاته والعالم من حوله. وإذا كانت القراءة التعليمية تهدف إلى تنمية الفهم والتحليل والتفكير النقدي والإبداعي، فإن القراءة من أجل المتعة تتجاوز ذلك إلى المجال العاطفي والنفسي، فتسهم في بناء الشخصية، وصقل الذوق، وتكوين المواقف والقيم.

فالإنسان لا يقرأ دائماً لأنه مطالب بقراءة كتاب أو تلخيصه أو اجتياز اختبار، وإنما يقرأ أحياناً لأنه يريد أن يعيش حكاية، أو يهرب مؤقتاً من ضجيج الحياة، أو يتأمل فكرة، أو يستمتع بجمال اللغة. وفي هذه اللحظة تحديداً تتحول القراءة من واجب إلى اختيار، ومن مهمة ينبغي إنجازها إلى تجربة يريد القارئ أن يعيشها.

وقد أدرك التربويون منذ وقت طويل أهمية هذا النوع من القراءة؛ لأن القارئ الذي يختار ما يقرأه بدافع شخصي يكون أكثر استعداداً للتفاعل مع النص والتأثر بأفكاره وقيمه. فالكتاب الديني قد يعمق الجانب الروحي، والكتاب السياسي قد يوسع الوعي بالشأن العام، والأدب قد يغير نظرة الإنسان إلى الحياة، والفن قد يهذب إحساسه بالجمال. وهكذا لا تبقى القراءة مجرد معلومات في الذاكرة، بل تتحول إلى خبرة داخلية تؤثر في السلوك والذوق والشخصية.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين القراءة والحاجة النفسية. فمع انتشار التلفزيون والراديو والسينما والوسائط الرقمية، توقع البعض أن تنتهي مكانة الكتاب، لكن الواقع أثبت العكس. فالإنسان ما زال يحتاج إلى الكلمة المكتوبة، لأن القراءة تمنحه نوعاً من الاتصال الهادئ والعميق لا توفره دائماً الوسائط الأخرى. وقد تكون هذه الحاجة أكثر إلحاحاً في زمننا الحالي، حيث يعيش الإنسان وسط سيل متواصل من الأخبار والصور والمقاطع والإشعارات.

لقد تغير إيقاع الحياة، وتغير معه إيقاع القراءة. ففي الماضي كانت القراءة تحتاج إلى وقت طويل وهدوء ومساحة من العزلة، وكانت المكتبة المنزلية جزءاً مألوفاً من حياة كثير من الأسر. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف الذكي حاضراً في معظم تفاصيل الحياة، وأصبح القارئ معرضاً للمقاطعة في كل لحظة. وبينما يحتاج الكتاب إلى تركيز ممتد، تدفعنا المنصات الرقمية إلى الانتقال السريع من معلومة إلى أخرى ومن صورة إلى مقطع، الأمر الذي جعل المشكلة الحقيقية ليست في اختفاء الكتاب، وإنما في صعوبة منح الكتاب الوقت والانتباه اللذين يحتاج إليهما.

ومع ذلك، فإن الحديث عن موت القراءة يبدو مبالغاً فيه. فمعارض الكتب لا تزال تستقطب أعداداً كبيرة من الزوار، والروايات والكتب الفكرية تحقق انتشاراً واسعاً، والكتب الإلكترونية جعلت الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى. لقد أتاحت الرقمنة للقارئ أن يحمل مكتبة كاملة في هاتفه أو جهازه اللوحي، وأن يحصل على كتاب في لحظات، لكنها في الوقت نفسه وضعت الكتاب داخل الجهاز ذاته الذي يحتوي على الرسائل والأخبار ومواقع التواصل. وهنا تظهر المفارقة: التقنية وسعت فرص القراءة، لكنها جعلت التركيز عليها أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق تبرز أفكار الكاتب الفرنسي دانيال بناك في كتابه «متعة القراءة»، الذي يدافع عن حرية القارئ ويرفض تحويل القراءة إلى فعل قسري. ومن أشهر أفكاره «حقوق القارئ»، ومنها حقه في ألا يقرأ، وأن يقفز عن بعض الصفحات، وألا يكمل كتاباً لم يعد يستمتع به، وأن يقرأ ما يشاء، وأن يصمت بعد القراءة دون أن يكون ملزماً بتحليل ما قرأه. وقد تبدو هذه الحقوق غريبة في بيئة تعليمية اعتادت إلزام الطالب بقراءة نصوص محددة، لكنها في جوهرها تؤكد حقيقة بسيطة: لا يمكن إجبار الإنسان على الاستمتاع.

وتلتقي هذه الفكرة مع تجارب قرائية أخرى تؤكد أن الكتاب قد يصبح جزءاً من هوية الإنسان. فالقراءة لا تعني اختيار كتاب فحسب، بل تعني أحياناً اختيار صورة للحياة، وتكوين علاقة خاصة مع الكلمات والشخصيات والأفكار. وقد يرتبط القارئ بكتاب معين لأنه جاء في مرحلة خاصة من حياته، أو يجد في رواية ما شيئاً من ذاته، أو يعود إلى كتاب قديم في فترة الركود القرائي ليستعيد شغفه.

كما أن القراءة تختصر الزمن بطريقة لا توفرها التجربة الشخصية وحدها. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش كل التجارب بنفسه، لكنه يستطيع أن يقترب منها عبر الكتب. يستطيع الشاب المقبل على الزواج، مثلاً، أن يقرأ عن الأسرة وتربية الأبناء والعلاقات الزوجية، فيتعرف مسبقاً إلى خبرات وتجارب مر بها آخرون. وبذلك تمنحه القراءة فرصة لخوض التجربة ذهنياً قبل أن يعيشها واقعياً. فالكتاب يتيح للإنسان أن «يتصفح عقول الرجال»، وأن يستفيد من تجارب أجيال وأشخاص قد لا يلتقي بهم في حياته.

ولعل هذا هو سر بقاء القراءة رغم تغير الأزمنة والوسائط. فالإنسان لا يبحث في الكتاب عن المعلومات وحدها، بل عن معنى، وعن تجربة، وعن لحظة هدوء، وعن نافذة يرى منها نفسه والعالم بصورة مختلفة. صحيح أن أشكال القراءة تغيرت؛ فنحن نقرأ اليوم المقالات والمنشورات والرسائل والمحتوى الرقمي، لكن القراءة العميقة للكتاب تظل تجربة مختلفة، لأنها تمنح العقل وقتاً للتأمل والترابط وبناء الأفكار.

إن السؤال الحقيقي إذن ليس: هل اختفت القراءة؟ بل: هل ما زلنا نعرف كيف نستمتع بها؟ وربما لم نفقد متعة القراءة تماماً، وإنما فقدنا جزءاً من طقوسها القديمة. ولذلك فإن استعادتها لا تحتاج إلى حرب ضد التكنولوجيا، بل إلى قرار واعٍ بإيجاد مساحة للكتاب وسط هذا الزحام. نحتاج إلى أسرة تقدم نموذجاً محباً للقراءة، ومدرسة تتيح للطالب حرية الاختيار، وقارئ يمنح نفسه وقتاً بعيداً عن الإشعارات.

فالقراءة في النهاية ليست مجرد وسيلة للنجاح الدراسي أو المهني، وإنما علاقة إنسانية مع الزمن والفكرة والخيال. وهي متعة لا تُفرض، بل تُكتشف، وكلما تحررت من الإكراه أصبحت أكثر قدرة على تغيير الإنسان. ولذلك سيبقى الكتاب، رغم كل التحولات، واحداً من أجمل الأماكن التي يستطيع الإنسان أن يجد فيها المعرفة والسكينة والخيال، وأن يعيش حياة أوسع من حدود عمره وتجربته.

***

رمزي ميركاني

لا يبدأ الدين، في أعمق دلالاته الفلسفية والكلامية، من السلوك بوصفه مجموعة من الأفعال المفروضة، ولا من الطقس بوصفه ممارسة خارجية، ولا من الانتماء بوصفه هوية اجتماعية جاهزة، وإنما يبدأ من لحظة أكثر تأسيسًا، هي لحظة انفتاح الإنسان على سؤال الأصل الذي منه يستمد الوجود معناه، وعليه يتوقف إمكان الاعتقاد، ومنه تتحدد قيمة الفعل واتجاه الإرادة. ولذلك فإن المعرفة الإلهية لا تظهر في البناء الإسلامي الإمامي بوصفها مسألة نظرية تقع على هامش التدين، وإنما بوصفها الشرط الذي تتأسس عليه حقيقة الدين نفسه؛ إذ إن الاعتقاد بالله لا يمكن أن يكون اعتقادًا بالمعنى الفلسفي إذا لم يكن مسبوقًا بنوع من المعرفة، كما أن التوحيد لا يمكن أن يتحول إلى وعي ديني ما لم ينتقل من مجرد اللفظ إلى إدراك ما يدل عليه اللفظ من حقيقة وجودية. ومن هنا يكتسب القول المروي عن الإمام علي: «أول الدين معرفته» دلالة تتجاوز العبارة الوعظية إلى تأسيس ترتيب معرفي للدين يجعل المعرفة أصلًا، ويجعل التوحيد نتيجة أولى لها، ثم يجعل سائر مراتب الاعتقاد والعمل امتدادًا لهذا الأصل وتحققًا له في الوجود الإنساني. [1]

إن أهمية هذه الصياغة تكمن في أنها تقلب الترتيب المعتاد الذي قد يجعل الدين مجموعة من الأوامر والنواهي ثم يطلب من الإنسان أن يؤمن بها، في حين تجعل المعرفة سابقة على الامتثال، وتجعل الوعي بحقيقة المبدأ سابقًا على الحركة نحوه، وتجعل الدين في بدايته فعلًا من أفعال انكشاف الوجود قبل أن يكون نسقًا من أنساق التنظيم السلوكي. وهذا لا يعني أن المعرفة المقصودة هي الإحاطة بحقيقة الذات الإلهية، فالإحاطة بالمطلق تناقض معنى الإطلاق، وإنما المقصود معرفة تفتح للإنسان أفق الدلالة على الله، وتخرجه من العيش في عالم الأشياء إلى الوعي بأن الموجودات، على اختلاف مراتبها، لا تستنفد تفسير وجودها في ذاتها. ولهذا يربط التراث الإمامي بين معرفة الله وبين نفي الحدود عنه، وبين إثباته وبين تنزيهه عن التشبيه والتجسيم؛ فالمعرفة الصحيحة ليست إضافة صورة ذهنية إلى مجموعة الصور التي يمتلكها الإنسان، بل هي أيضًا تحرير للعقل من الصور التي تحول دون إدراك معنى الإطلاق. [2]

أول الدين معرفته

حين يجعل الإمام علي عليه السلام المعرفة أول الدين، فإنه يؤسس ضمنيًا لنظرية في التدين تجعل الإنسان كائنًا معرفيًا قبل أن يكون كائنًا طقوسيًا، لأن الدين لا يدخل عالم الإنسان من خارج وعيه، بل لا بد أن يمر عبر سؤال العقل والقلب معًا، وأن يتحول من خطاب مسموع إلى حقيقة معقولة ومصدَّقة. وفي الخطبة الأولى من نهج البلاغة تتجاور المعرفة والتوحيد والتنزيه في بناء متدرج يكشف أن التوحيد ليس مجرد إثبات أن الله واحد، بل هو مسار معرفي يبدأ بالاعتراف بالمبدأ وينتهي إلى إدراك عجز المعرفة الإنسانية عن الإحاطة بكنه الذات الإلهية. فالمعرفة هنا تحمل مفارقة تأسيسية: كلما تعمقت معرفة الإنسان بالله، ازداد وعيه بحدود أدواته المعرفية تجاه حقيقة الله. ومن ثم فإن المعرفة الإلهية لا تنتهي إلى امتلاك موضوعها، وإنما تقود إلى تنزيهه عن أن يكون موضوعًا عاديًا من موضوعات المعرفة البشرية. [3]

وهذه المفارقة ذات أهمية فلسفية بالغة؛ لأن معرفة المحدود تختلف عن معرفة اللامحدود. ففي معرفة الأشياء يمكن للعقل أن يتجه نحو موضوعه بوصفه شيئًا قائمًا أمامه، له حدود وخصائص يمكن ضبطها، أما الله فلا يمكن أن يكون «شيئًا» من الأشياء التي يقف العقل إزاءها من الخارج. ولذلك تصبح المعرفة الإلهية معرفة تتضمن نقدًا لأداة المعرفة نفسها، إذ يتعين على العقل، وهو يبحث عن المطلق، أن يكتشف أن بعض طرائق معرفته التي تصلح للموجودات المحدودة لا تصلح للحديث عن الله. ومن هنا كان التنزيه جزءًا من المعرفة لا نقيضًا لها؛ فأن تعرف الله يعني، في أحد أبعاده، أن تعرف أنه لا يشبه ما تعرفه من الموجودات.

وقد جعل الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد قضية المعرفة والتوحيد متصلة بقضايا النفي والإثبات، وبإبطال التشبيه والوهم الذي يحول الذات الإلهية إلى صورة متخيلة، بما يكشف عن حضور مبكر لنقد التصور الحسي والتشبيهي في الفكر الإمامي. [4] وهذا يعني أن المعرفة الإلهية لا تبدأ بملء الذهن بصورة عن الله، بل تبدأ بتطهير الذهن من الصور التي تمنح المحدود صفات المطلق، ومن ثم يصبح التوحيد فعل تحرير للعقل بقدر ما هو فعل إثبات للعقيدة.

المعرفة والتصديق والتوحيد

غير أن المعرفة وحدها لا تكفي لتفسير البنية الكاملة للإيمان؛ لأن المعرفة قد تكون مجرد إدراك ذهني، في حين أن التصديق يمثل انتقال المعرفة من مستوى الإدراك إلى مستوى الاعتقاد، ثم يأتي التوحيد ليمنح هذا الاعتقاد بنيته المعيارية والوجودية. ولذلك ينبغي التمييز بين أن يعرف الإنسان قضية ما، وبين أن يصدق بها، وبين أن يعيد بناء وجوده على أساسها. فالمعرفة يمكن أن تظل موضوعًا ذهنيًا، أما التصديق فيتضمن موقفًا من الحقيقة، والتوحيد يتجاوز الموقف الذهني إلى إعادة ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالمطلق.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين المعرفة والتصديق والتوحيد بوصفها علاقة انتقال لا علاقة ترادف: المعرفة تكشف، والتصديق يثبت، والتوحيد يوحّد جهة الوجود والقصد. فالإنسان قد يعرف مفهوم التوحيد دون أن يكون موحدًا بالمعنى الوجودي؛ وقد يستطيع أن يكرر عبارة «لا إله إلا الله» دون أن تتحول هذه العبارة إلى مركز من مراكز وعيه. أما التوحيد في معناه الأعمق فهو أن ينتقل الاعتقاد من كونه قضية في الذهن إلى كونه مبدأ يعيد تنظيم رؤية الإنسان للعالم. ولذلك لا يكون التوحيد مجرد إجابة عن سؤال «كم إلهًا يوجد؟»، وإنما يصبح جوابًا عن سؤال أعمق: ما الذي يستحق أن يكون مصدرًا نهائيًا للمعنى والطاعة والرجاء والخوف؟

وهنا تلتقي البنية الكلامية بالبنية الفلسفية؛ إذ إن إثبات التوحيد لا يستقيم دون تحرير مفهوم الألوهية من تعدد المعبودات، ولكنه لا يستنفد دلالته في هذا النفي. فالتوحيد يقتضي كذلك ألا يتحول شيء من العالم إلى مطلق بديل، سواء كان سلطة أو مالًا أو جماعة أو إنسانًا أو فكرة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التوحيد بوصفه تحريرًا للإنسان من عبودية الوسائط التي تتضخم حتى تتحول إلى غايات نهائية. وقد أشار الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة إلى أن كمال الإخلاص لله هو نفي الصفات التي تجعل الذات الإلهية قابلة للتجزئة والتحديد، بما يكشف عن أن التوحيد ليس مجرد وحدة عددية، وإنما هو وحدة في مقام الألوهية ونفي الشريك والحد والمماثل. [5]

وأن الروايات الإمامية التي تربط العبادة بالمعرفة تكشف أن العبادة نفسها تفقد معناها إذا انفصلت عن الوعي بالمعبود. فليست قيمة الفعل الديني في صورته الخارجية وحدها، بل في نوع العلاقة التي يؤسسها بين الإنسان والحقيقة التي يتوجه إليها. ومن ثم تصبح المعرفة شرطًا لإخراج العبادة من العادة، والإيمان من الانتماء، والتوحيد من الشعار.

المعرفة الإلهية بين الفطرة والعقل

إذا كانت المعرفة بداية الدين، فإن السؤال التالي يتعلق بمصدر إمكانها: كيف يستطيع الإنسان أن يعرف الله؟ وهل المعرفة الإلهية وليدة العقل وحده، أم أنها مغروسة في بنية الإنسان قبل كل استدلال؟ هنا يظهر في الفكر الإسلامي تداخل الفطرة والعقل بوصفهما مستويين متكاملين، لا بديلين متعارضين. فالقرآن يربط الإنسان بالفطرة التي فطره الله عليها، ويجعل التوجه إلى الله متصلًا ببنية أصلية في الإنسان، ويربط النظر في الآفاق والأنفس بعملية عقلية تؤدي إلى اكتشاف الدلالة الإلهية. [6]

ولا ينبغي فهم الفطرة بوصفها معرفة تفصيلية جاهزة بمفهوم الله وصفاته وأفعاله، وإنما بوصفها قابلية أصلية للتوجه نحو المطلق، واستعدادًا للبحث عن العلة والمعنى والغاية، ونفورًا من أن يكون الوجود مجرد واقعة صماء لا تتجاوز ذاتها. ولذلك لا تتعارض الفطرة مع العقل، لأن العقل لا يأتي ليزرع في الإنسان سؤال الله من الخارج، وإنما ليكشف إمكانات السؤال التي تحملها بنيته الوجودية. فالفطرة تمنح السؤال جذره، والعقل يمنحه طريق البرهنة، والوحي يمنحه أفق الهداية والتصحيح.

وقد احتل العقل في المدرسة الإمامية موقعًا مركزيًا في بناء الاعتقاد، لا بوصفه سلطة مستقلة عن الوحي، وإنما ب بوصفه أداة لا غنى عنها في فهم أصول الدين وتمييز التوحيد الصحيح من التصورات المنحرفة. وتظهر هذه المكانة بوضوح في التراث الكلامي الإمامي، وتتجلى في أبواب العقل والجهل في الكافي، حيث لا يُقدَّم العقل مجرد قدرة حسابية أو ملكة نظرية، بل ب بوصفه عنصرًا في بنية التكليف والهداية والتمييز. [7] وبهذا المعنى فإن العقل لا ينافس الوحي على مصدرية الهداية، وإنما يهيئ الإنسان لفهم الوحي، ويمنحه القدرة على التمييز بين الدلالة الحقيقية والوهم، وبين التوحيد والتنزيه من جهة، والتشبيه والتجسيم من جهة أخرى.

إن الجمع بين الفطرة والعقل يتيح تجاوز ثنائية شائعة تجعل المعرفة الدينية إما حدسًا باطنيًا خالصًا أو برهانًا عقليًا مجردًا. فالفطرة من دون عقل قد تتحول إلى شعور غير محدد، والعقل من دون الفطرة قد يتحول إلى بناء تجريدي لا يمس الوجود الإنساني في أعماقه. أما المعرفة الإلهية في صورتها الدينية الكاملة فتقوم على تفاعل المستويين: قابلية داخلية تستجيب للمعنى، وعقل يفحص ويبرهن وينقد، ووحي يوجّه ويكشف ويصحح.

من المعرفة إلى اليقين

لكن المعرفة، حتى بعد تأسيسها بالعقل والفطرة والوحي، لا تبلغ غايتها بمجرد حصول التصور أو قيام الدليل؛ إذ إن الدين يريد للمعرفة أن تتحول إلى يقين، واليقين ليس كمية إضافية من المعلومات، وإنما تحول في علاقة الإنسان بالحقيقة. فالمعرفة قد تكون عرضة للتردد، أما اليقين فيمثل استقرارًا وجوديًا تصبح فيه الحقيقة مركزًا تنتظم حوله الإرادة والموقف والسلوك. ولهذا ارتبط اليقين في التراث الإسلامي بدرجات المعرفة والعمل، ولم يكن مجرد حكم منطقي معزول عن حياة الإنسان.

وفي هذا السياق يمكن قراءة الانتقال من «المعرفة» إلى «اليقين» بوصفه انتقالًا من معرفة الله بوصفه قضية إلى معرفة الله بوصفه حضورًا دالًا في الوجود. فكلما انتقلت المعرفة من مستوى المفهوم إلى مستوى الوعي الوجودي، أصبحت أكثر قدرة على إعادة تمثيل الإنسان. ولا يعني ذلك حلول الإله في التجربة الإنسانية أو إمكان امتلاك الحقيقة المطلقة، وإنما يعني أن معرفة المبدأ تتغير آثارها في الإنسان بحسب عمق تحققها فيه. ولهذا تكتسب المعرفة الأخلاقية والروحية أهميتها؛ إذ لا يكون اليقين كامل الأثر ما لم ينتج عنه تحول في طريقة رؤية الإنسان لنفسه والعالم والآخر.

ومن هنا يمكن فهم التأكيد القرآني على النظر والتفكر والتذكر والتدبر؛ فهذه الأفعال كلها تشير إلى أن الإيمان ليس قفزة تلغي العقل، بل مسار معرفي يعيد الإنسان فيه قراءة ذاته والعالم ب بوصفهما مجالًا للآيات والدلالات. [8] وإذا كان البرهان يحرر العقل من التناقض، فإن اليقين يحرر الوجود من التشتت؛ إذ تصبح الحقيقة التي توصل إليها العقل قادرة على أن تمنح الفعل اتجاهه، وأن تمنح الحرية معيارها، وأن تجعل الإنسان أقل قابلية للتعبد للأشياء المتغيرة.

وهنا تظهر القيمة الفلسفية لعبارة «أول الدين معرفته»: إنها لا تجعل المعرفة مرحلة عابرة تسبق الدين ثم تنتهي وظيفتها، وإنما تجعلها الأصل الذي ينبغي أن يعود إليه الدين باستمرار. فكلما انفصلت العبادة عن المعرفة تحولت إلى عادة، وكلما انفصل التوحيد عن المعرفة تحول إلى شعار، وكلما انفصل التصديق عن المعرفة تحول إلى تقليد، وكلما انفصل اليقين عن العقل والفطرة والوحي تحول إلى وهم ذاتي. أما حين تتكامل هذه المستويات، فإن الدين يصبح حركة صاعدة من المعرفة إلى التصديق، ومن التصديق إلى التوحيد، ومن التوحيد إلى اليقين، ومن اليقين إلى إعادة تشكيل الوجود الإنساني.

وعليه، فإن المعرفة الإلهية في المنظور الإمامي ليست مجرد مدخل إلى علم التوحيد، بل هي الأساس الذي يتحدد من خلاله معنى الدين ذاته. إنها معرفة تبدأ بالسؤال، وتتقوى بالعقل، وتتجذر في الفطرة، وتستنير بالوحي، وتتطهر بالتنزيه، وتتحول عبر التصديق إلى موقف وجودي، ثم تبلغ في اليقين صورة يصبح فيها التوحيد أكثر من قضية ميتافيزيقية، ليغدو طريقة في الوجود. ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ التوحيد بوصفه أصل المعرفة الإلهية، لا ب بوصفه إجابة عددية عن تعدد الآلهة، وإنما ب بوصفه إعادة بناء للعلاقة بين الإنسان والمطلق والعالم، بحيث لا يعود الإنسان أسيرًا لمطلقات زائفة يصنعها داخل العالم، بل يتجه من العالم عبر العقل والفطرة والوحي إلى الحقيقة التي تمنح العالم إمكان معناه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

........................

الهوامش

1. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

2. محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، كتاب التوحيد.

3. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

4. محمد بن علي بن بابويه الصدوق، التوحيد، تحقيق حسين حسيني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.

5. الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني، بيروت، الخطبة الأولى.

6. القرآن الكريم، سورة الروم، الآية 30؛ وسورة فصلت، الآيات 53-54.

7. محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، طهران، ج1، كتاب العقل والجهل.

8. القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 190؛ وسورة محمد، الآية 24؛ وسورة الحشر، الآية 21.

تشريح الجهل وتأميم الكرامة في مسلخ الشرق

من الفلسفة الأخلاقية إلى أسئلة الوجود السياسي

تتأسس فلسفة الكرامة في الفكر الأخلاقي والسياسي الحديث على التمييز الجوهري الذي وضعه الفيلسوف إيمانويل كانط بين ما يمتلك "ثمناً" وما يحوز "كرامة". فكل ما له ثمن يمكن الاستعاضة عنه ببديل مكافئ له؛ في حين أن ما يعلو فوق سائر الأثمان ولا يقبل أي بديل هو ما يمتلك كرامة متأصلة، تجعل من الكائن البشري غاية مطلقة في ذاته، لا مجرد وسيلة أو أداة نفعية تُسخَّر لخدمة مصالح المتسلطين.

وقد وسَّع تشارلز تايلور هذا المفهوم بنقله من التجريد الأخلاقي إلى الحقلين الاجتماعي والسياسي، من خلال تفكيكه لمسألة "سياسة الاعتراف" وولادة "سياسة الكرامة المتكافئة". يرى تايلور أن الانتقال من المجتمعات التقليدية القائمة على تراتبيات "الشرف" والطبقية إلى الفضاءات الديمقراطية الحديثة فرض الاعتراف بالقيمة المتساوية لجميع البشر دون استثناء. وحذّر تايلور من أن إنكار الاعتراف أو تشويهه لا يمثلان فحسب تقصيراً في اللياقة الاجتماعية؛ بل يجسدان قمعاً معنوياً وأذى مجتمعياً بنيوياً يشوه إنسانية الفرد، ويحبسه في أطر نمطية تحقيرية تستلب وعيه وهويته الحرة.

في سياق التحليل النفسي والسياسي المعاصر، استعاد فرانسيس فوكوياما مفهوم الكرامة بوصفه المحرك التفسيري الأكثر مركزية في موجات الاحتجاج الإنساني والتحولات الهوياتية الكبرى؛ مستنداً إلى فكرة "الأنفة الإنسانية"، وتحديداً نزوع النفس الفطري نحو "الندّية والمساواة"، حيث يتطلع الإنسان بغريزته إلى نيل الاعتراف بقيمته ككائن مساوٍ للآخرين.

يجادل فوكوياما بأن الانفجارات الشعبية الكبرى لم تكن مجرد ردود فعل عفوية على العوز المادي أو الضائقة المعيشية؛ بل كانت في جوهرها انتفاضة ضد الإذلال الممنهج والاحتقار اليومي الذي مارسته التوليتاريات بحق مجتمعاتها، وسعياً حثيثاً لاسترداد الاعتبار الإنساني المغتصب. غير أن هذا المسار يظل عرضة للانتكاس؛ إذ سرعان ما تعمد النظم القمعية والخطابات الشعبوية إلى استثارة "نزعة الاستعلاء والتفوق"، واللعب على أوتار المظلوميات الضيقة، لتحويل سياسة الكرامة الجامعة إلى سياسات هوية إقصائية تعيد إنتاج الانقسام والصراع الداخلي.

 الهندسة التسلطية: مصادرة الإنسان

تعتمد بنية الاستبداد في الفضاء الإقليمي على مناورة خطابية مركبة، تقوم على تفريغ مفهوم الكرامة من أصله الفردي والمجتمعي، وإعادة توطينه قسراً داخل المؤسسات العسكرية والأمنية. ففي ظل عجز النظم الشمولية عن توليد شرعية شعبية تداولية حقيقية، تبتكر السلطة ترسانة بلاغية تجعل من "هيبة الدولة" الكيان الأسمى والمطلق الذي تسحق دونه كرامات الأفراد.

تغدو "هيبة الدولة" في هذا الإطار معادلاً رمزياً لحصانة الحاكم وأجهزته القمعية من أي رقابة مجتمعية أو ملاحقة قانونية؛ بحيث يُصنَّف أي نقد مستقل لسياسات السلطة، أو فضح للفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، بوصفه اعتداءً متعمداً على استقرار الوطن وتهديداً لتماسكه.

تنتج هذه الهندسة الخطابية قلباً جذرياً لغايات الحكم والوجود السياسي؛ فبينما تقر الفلسفة السياسية بأن السلطة وُجدت لحماية حقوق الإنسان وضمان كرامته، يُعاد ترتيب الأولويات ليُجبر المواطن على التنازل الطوعي أو القسري عن حقوقه وكرامته قرباناً لديمومة الهيكل الحاكم. ويجري ترسيخ هذا التزييف عبر إقناع الجماهير بأن إهانة الفرد والتنكيل بالمعارضين في أقبية السجون والمعتقلات ليسا إلا ضرورة حتمية لحماية النظام العام، مما ينزع عن الضحية صفتها الإنسانية، ويشرعن إذلالها بوصفه ضريبةً حتمية لبقاء الكيان الجمعي.

هندسة التعمية وبث الشك الممنهج

لا يقتصر التجهيل السلطوي على آليات الرقابة البوليسية، بل يتجاوز ذلك إلى ممارسة مدروسة تُعرف بـ "صناعة الجهل الممنهج"؛ وهي دراسة الإنتاج المتعمد للتعمية وتوظيفها كمخرج ثقافي وسياسي لخدمة أطراف الهيمنة. فالجهل هنا ليس فراغاً معرفياً تملؤه برامج التعليم التقليدي، بل هو بنية مُحكمة الصنع، تُدار سياسياً واقتصادياً لضمان استسلام المحكومين.

تشريح التدليس الدولي والتدجين المحلي

يقوم الخطاب الإعلامي الغربي والدولي السائد بوظيفة محورية في ترسيخ الرؤية الاستعمارية المستمرة لقضايا المنطقة؛ إذ يفترض حتمية العنف ويجرد المجتمعات من الرشد السياسي، محولاً صراعاتها التحررية إلى مجرد نزاعات طائفية وعرقية متخلفة. وتكشف السياسات التحريرية لكبرى الشبكات العالمية عن بنية مؤسسية قائمة على ازدواجية المعايير، وتبني سرديات استعلائية تسحق الحقيقة وكرامة الإنسان معاً.

تتجلى هذه الهندسة عبر تكتيكات لغوية شديدة المكر، في طليعتها ما يمكن تسميته بـ "لغة المقابر المجهولة"؛ حيث تلجأ التغطيات الإخبارية الدولية إلى صيغة المبني للمجهول عند الحديث عن ضحايا شعوبنا المقهورة ،بينما يحضر الفاعل واضحاً وبصيغة الجزم في الأحداث المتعلقة بالطرف المعتدي، مما يعفي المجرم الحقيقي من وزره الأخلاقي والجنائي. يترافق ذلك مع استراتيجية "المساواة الزائفة" التي تضع المعتدي والضحية على قدم المساواة، فضلاً عن "نزع الطابع الإنساني" عبر تقليص الضحايا إلى أرقام صماء، والتشكيك المسبق في رواياتهم، واعتبار ادعاءات القوة الغاشمة حقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان.

معالم شراكة خبيثة تتقاسم الأدوار بدقة متناهية

من حيث المنطلقات الفكرية الكبرى، ينطلق الإعلام الدولي من استعلاء استعماري حديث يهدف إلى حراسة مصالح الهيمنة وتأطير أزماتنا كقضايا أمنية طارئة أو صراعات عرقية أزلية؛ بينما ينطلق الإعلام المحلي التابع من تقديس صنم "هيبة الدولة" وتبرير الاستبداد وشل قدرة المجتمع على الفعل الحر.

أما على صعيد التأطير البلاغي واللغوي، فبينما يعمد الإعلام الغربي إلى استخدام صيغ المبني للمجهول لنزع السياق التاريخي ومساواة القاتل بالقتيل؛ ينشط الإعلام المحلي في إنتاج معجم التخوين، وشيطنة الأصوات الحرة، وتضخيم نظريات المؤامرة لامتصاص الغضب وتوجيهه نحو أعداء وهميين.

وفي مجال استراتيجيات صناعة الجهل وتزييف الوعي، يتولى الإعلام الدولي مهمة نزع الآدمية عن الضحايا والطعن المسبق في شهاداتهم الميدانية لتطبيع الفظائع؛ في حين يتفرغ الإعلام المحلي لممارسة الإلهاء والتشتيت عبر برامج الاستعراض الاستهلاكي، وإغراق الفضاء الجماهيري بالترفيه المبتذل، ونبش النزاعات المذهبية والشعبوية التي تعمي الأبصار عن الفساد والخراب المعيشي.

تصل هذه الشراكة ذروتها في الفضاء التقني المعاصر؛ حيث تسخّر المنظومة الدولية خوارزميات المنصات العالمية لتقييد المحتوى المقاوم وكتم الأصوات التحررية؛ وفي المقابل، تحشد الأجهزة المحلية كتائب الجيوش الإلكترونية والحسابات الآلية الموجهة لخنق الرأي العام ومحاصرة أي وعي مدني مستقل.

وبالتالي تفضي هذه المنظومة المركبة إلى محصلة سياسية كارثية تمنح قوى الاحتلال والهيمنة الدولية حصانة أخلاقية تعفيها من المساءلة وتشل التضامن الإنساني مع قضايانا، وتورث في الوقت ذاته مجتمعاتنا الداخلية شللاً سياسياً وتبعث في نفوسها اليأس والقبول بتأبيد الاستبداد.

تفكيك السرديات في بؤر الصراع المفتوحة

شكّلت انتفاضات الشعوب في مطلع العقد الماضي لحظة تاريخية استثنائية انبلجت فيها كرامة السياسة من قلب الميادين العمومية؛ إذ التقت الإرادات الشعبية على شعار محوري جسدته هتافات العدالة والحرية والكرامة الإنسانية. كانت الكرامة في تلك اللحظة تعبيراً عن استعادة الإنسان حقَّه في صناعة واقعه ومواجهة منظومات التحقير الأمني التي كممت صوته طويلاً؛ فتأسست المساواة التامة في الفعل والمصير داخل الساحات المشتركة.

غير أن قوى الردة ومشاريع العسكرة شنت هجوماً معاكساً تمثل في "تأميم" مفردة الكرامة ذاتها، وانتزاعها من فضائها التحرري لتصبح عنواناً للحروب الداخلية والانقلابات العسكرية والمجازر المنظمة. تحولت الكرامة في الخطاب التسلطي الجديد من حق للمجتمع في وجه الظلم إلى امتياز حصري للأجهزة الأمنية وحصانة لقادتها، مع اتهام كل من يطالب بالحقوق المدنية بالخيانة والعمالة، في ذروة بشعة للتزوير الدلالي الذي يوظف مفردات التحرر لسحق شروط الحرية وإخراس المجتمع.

مسارات التحرر وإعادة تأسيس المواطنة العادلة

تُظهر المقاربة التفكيكية أن استلاب الكرامة وصناعة الجهل ليسا عَرَضين عابرين، بل هما الدعامة المركزية التي تقوم عليها نظم السيطرة والتسلط؛ إذ يتطلب بقاء هذه النظم تفريغ الفعل السياسي من روحه النقدية الحرة، وتحويل المجتمعات إلى جماهير عاجزة مستسلمة لأوهام الاستقرار الكاذب. إن التحالف القائم بين عصا الاستبداد وعدسات الإعلام المضلل هو حلف وجودي يهدف إلى شل قدرة الإنسان على الفعل وصنع التاريخ.

إن الخروج من هذه التبعية يتطلب تدشين مسار تحرري يقوم على مرتكزين متكاملين:

المقاومة المعرفية وتفكيك الجهل: من خلال تأسيس وعي مضاد يوثق الجرائم، ويسترد حجية شهادات الضحايا خارج إملاءات المنظومات التابعة، ويعيد للمفاهيم كرامتها ودلالاتها الأصلية الرافضة للظلم والتضليل.

استعادة كرامة السياسة كفعل مشترك: بالعودة الواعية إلى الفضاء العام، وتجاوز مجتمع الاستعراض والتفاهة، والترفع عن الانقسامات الطائفية والجهوية؛ وصولاً إلى بناء دولة القانون والمواطنة المتكافئة، حيث يكون الإنسان هو القيمة العليا والغاية الوحيدة لكل ممارسة سياسية، رافضين بحزم مقايضة الكرامة الإنسانية بأوهام الاستقرار الزائف.

الإعلام الانتهازي وسماسرة الدماء

إن الكاميرا التي تداري جرائم الطواغيت شريكة في القتل، والصحفي الذي يبيع قلمه لتخدير الشعوب ليس إلا مقاولاً لإنتاج الجهل والموت.تقتضي المسؤولية الأخلاقية والفكرية أن نختم هذا التفكيك بإدانة صريحة وناجزة للمنظومات الإعلامية الانتهازية بشتى واجهاتها.لإن معركة استرداد الكرامة هي معركة الحقيقة في المقام الأول؛ ولن تسترد السياسة عدالتها في الواقع ما لم تُحطَّم أصنام التزييف على الشاشات.

***

غالب المسعودي

من ترويض الطفل إلى تحرير الإنسان

من أخطر ما يمكن أن نفعله بعقل طفل أن نجعل الخوف لغته الأولى، وأن نضع الموت والعذاب والنار في قلب أسئلته قبل أن نعلمه كيف يحب الحياة.

الطفل لا يحتاج في بدايات وعيه إلى عالم يطارده بالتهديد، بقدر ما يحتاج إلى عالم يفتح له نوافذه.

حدثوه عن جمال الشجرة، وعن دهشة السماء، وعن الموسيقى حين تتحول الأصوات إلى معنى، وعن الرسم حين يصبح اللون لغة، وعن الكتاب حين يصير نافذة إلى عوالم لم نعرفها بعد.

حدثوه عن الحب، لا بوصفه امتلاكا، وإنما باعتباره قدرة على أن يرى الإنسان إنسانا آخر دون أن يحاول ابتلاعه أو إلغاءه.

حدثوه عن التسامح والعفو، لأن الإنسان لا يصبح عظيما بعدد الذين يخافونه، وإنما بعدد الذين يستطيع أن يسامحهم دون أن يفقد كرامته.

حدثوه عن الصدق، لا لأن الكذب يجلب العقاب، بل لأن الحقيقة هي الطريق الأقصر إلى إنسان يستطيع أن يحترم نفسه.

حدثوه عن العدل، لأن العدل ليس مجرد قاعدة اجتماعية، بل هو الاعتراف بأن للآخر حقا في الوجود والكرامة مثلما لنا.

علموه كيف يرسم لوحة.. لا ليحفظ شكل الاشياء كما يراها الآخرون، بل ليكتشف كيف يراها هو. اتركوا يده حرة أمام الورقة، ودعوه يختار اللون الذي يشبه شعوره، والخط الذي يشبه خياله، والشكل الذي لم يوجد بعد إلا في ذهنه. لا تسألوه لماذا جعل السماء بنفسجية، أو لماذا رسم الشمس بلون غريب؛ فالفن يبدأ في اللحظة التي نكف فيها عن إجبار الخيال على تقليد الواقع. علموه أن اللوحة ليست اختبارا له إجابة صحيحة وأخرى خاطئة، وإنما مساحة حرة يمكن أن يخطئ فيها، ويمحو، ويعيد، ويجرب، ويكتشف

وعلموه أن الاختلاف ليس خطرا.

فأن يكون الآخر مختلفا في أفكاره أو ثقافته أو معتقده أو طريقته في الحياة، لا يعني أنه عدو، بل يعني أن العالم أوسع من زاوية نظر واحدة. الطفل الذي يتعلم منذ صغره احترام الاختلاف، يكبر بعقل أكثر رحابة وأقل قابلية للتعصب.

أما حين يتحول الخطاب الموجه إليه إلى قائمة طويلة من الموت والعذاب والجحيم والنار الأبدية، فإننا لا نبني بالضرورة إنسانا أخلاقيا، وإنما قد نبني إنسانا يراقب خطواته خوفا من العقوبة، ويبحث عن النجاة أكثر مما يبحث عن الحقيقة.

والأخلاق التي تقوم على الخوف تظل أخلاقا هشة؛ لأن الإنسان قد يفعل الخير خشية العقاب، لكنه لا يصبح إنسانا أخلاقيا بالمعنى العميق إلا حين يحب الخير لذاته، ويرى في الرحمة قيمة، وفي العدل ضرورة، وفي الحرية مسؤولية.

ليس المقصود أن نخفي عن الطفل حقيقة الموت، فالموت جزء من الوجود، ولا يمكن بناء وعي ناضج على إنكار الحقيقة. لكن ثمة فرقا هائلا بين أن نعلم الطفل أن الموت حقيقة من حقائق الحياة، وأن نجعل الموت شبحا يطارده في كل لحظة.

فالطفل الذي يعيش محاصرا بالخوف قد يتعلم الطاعة لكنه قد يفقد السؤال.

وقد يتجنب الخطأ، لكنه قد يخاف التجربة.

وقد يبحث عن رضا الآخرين، لكنه لا يتعلم كيف يصنع ذاته.

والإبداع في جوهره يحتاج إلى مساحة آمنة للخطأ والتجريب والدهشة. ولا يمكن لعقل يرتجف باستمرار أمام العقوبة أن يحلق بعيدا في سماء الخيال.

لا تجعلوا الجحيم أول صورة يرسمها الطفل عن العالم، ولا تجعلوا الموت أول درس يتعلمه عن الحياة.

ازرعوا في روحه سؤالا، وفي قلبه محبة، وفي عقله حرية، وفي وجدانه جمالا.

علموه أن الحياة ليست امتحانا للرعب، وإنما فرصة للمعرفة والحب والإبداع؛ وأن قيمة الإنسان لا تقاس بحجم خوفه، بل بقدرته على أن يعيش بضمير حي، وأن يمنح العالم شيئا من النور الذي وجده في داخله.

لا تقتلوا في الطفل الإنسان باسم تربيته، ولا تطفئوا دهشة العالم في عينيه باسم الخوف من الآخرة.

لا نريد جيلا يرتجف أمام الحياة، بل جيلا يجرؤ على أن يسألها. لا نريد إنسانا تحركه السياط الخفية، بل إنسانا يقوده ضميره. لا نريد عقولا مغلقة أمام المختلف، بل أرواحا تتسع للإنسان أيا كان اختلافه.

لا تجعلوا الطفل يكبر وهو يظن أن الله يراقبه ليعاقبه، أو أن الحياة فخ، أو أن الآخر خطر، أو أن جسده عورة، أو أن عقله عدو يجب إسكات صوته. علموه بدلا من ذلك أن الضمير أعمق من الخوف، وأن الرحمة أسمى من العقوبة، وأن الإنسان أكبر من انتمائه، وأن قيمة الفكرة لا تأتي من قِدمها، وأن الحقيقة لا تخشى السؤال.

فإذا أردتم أن تبنوا إنسانا صالحا، فلا تبدأوا معه بالجحيم... ابدأوا معه بالحب. لا تعلموه كيف يخاف من النار، بل علموه كيف يكون نورا.

***

ابتهال عبد الوهاب

فلسفة الوجدان والشوق عند الإمام الغزالي

أزمة اليقين ومنعطف التصوف

عاش الإمام أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري، وهو عصر لم يكن مجرد حقبة زمنية عابرة في التاريخ الإسلامي، بل كان مخاضاً فكرياً وسياسياً بالغ التعقيد. تميز ذلك الزمن بصراعات حادة على السلطة، وتنافس محموم بين المدارس الكلامية، وتشرذم سياسي جعل العالم الإسلامي يعيش على وقع الاضطرابات والحروب الصليبية وتمدد الحركات الباطنية. وسط هذا الصخب، لم يكن الفكر الإسلامي يعاني فقط من أزمات الحكم، بل كان يترنح تحت وطأة أزمة أعمق تمثلت في تآكل اليقين واختناق الروح تحت ركام الجدل الفقهي الجاف والتعصب المذهبي المقيت. في خضم هذه البيئة المضطربة، وُلدت أزمة الغزالي الكبرى؛ تلك الرحلة الوجودية الشهيرة التي قادته للشك المنهجي هرباً من تقليد المعارف، فاعتزل التدريس والجاه في بغداد ليبدأ سياحة روحية طويلة. هذا المخاض القاسي هو الذي مهّد الطريق أمام الغزالي ليعيد صياغة المشهد الروحي بأكمله، منتقلاً من رحاب الفلسفة والجدل الكلامي إلى رحاب التصوف الصافي، ليجد في تجربة الوجدان والذوق الإلهي الملاذ الآمن الذي ينقذ العقل من الحيرة والروح من الجفاف، مؤسساً بذلك لمنعطف تاريخي جعل من الإنسان وتأمله الداخلي محوراً لكل معرفة حقيقية.

الحب الإنساني كقنطرة نحو المطلق

 من هذا المخاض الروحي والفكري، لم يقف الغزالي عند حدود النقد العقلي أو التصوف النظري، بل غاص بعيداً في تفكك أبعاد النفس البشرية ليصيغ فلسفة متكاملة للحب الإنساني بمعزل عن السرديات التقليدية. رأى الغزالي أن الإنسان مفطور بطبيعته على الانجذاب نحو الجمال والكمال، وأن الحب ليس مجرد عارضة طارئة بل هو طاقة وجودية كبرى تحرك الكائنات. فقد فكّك أسباب الجذب البشري مرجعاً إياها إلى معانٍ دقيقة كالاحسان والامتنان، أو الإعجاب بجمال الصورة والصفات، وصولاً إلى الانسجام الخفي والتشاكل الروحي بين النفوس. غير أن عبقرية الغزالي تتجلى في تجاوز هذا الحب المادي البحت ليجعله قنطرة رمزية وجسراً يُعبر من خلاله نحو المطلق؛ فكل جمال بشري أو إحسان أرضي ما هو إلا مرآة عابرة تنعكس عليها أنوار الأصل الإلهي. وبهذا التحليل العميق، حوّل الغزالي العاطفة البشرية من مجرد غريزة استهلاكية زائلة أو رغبة ضيقة إلى مدرسة تربوية يتعلم فيها القلب لغة التعلق والوفاء والشوق، لتصبح التجربة العاطفية الإنسانية هي العتبة الأولى التي يهتدي بها الإنسان نحو إدراك معاني الحب الخالص الذي لا يحده زمان ولا مكان.

تشريح الوجدان: من إحياء علوم الدين إلى مدارج القلوب

لإدراك العمق الحقيقي لفلسفة الحب لدى الإمام الغزالي، لا بد من العودة إلى نصوصه ومصنفاته الكبرى التي خصصها للحديث عن أشواق النفس ومنازل القلوب. لم يكن الغزالي كاتباً رومانسياً بالمعنى الحديث، بل كان طبيباً روحياً وفيلسوفاً يحاكم العواطف بمعايير المعرفة واليقين. ويأتي في صدارة الكتب التي اهتمت بهذا المبحث العظيم سفره الخالد إحياء علوم الدين وتحديداً كتاب   المحبة والشوق والأنس والرضا إلى جانب رسائله الصوفية مثل المقنعة في الرد على من أهان العشق وكتاب   منهاج العابدين ورسالته   أيها الولد

في كتابه الإحياء، يضع الغزالي يده على العلة الجوهرية للحب فيؤكد بيقين ناصع قوله: إن المحبة ثمرة من ثمرات المعرفة، فمن عرف الله أحبه لا محالة، وكل من كان بالله أعرف كان له أحب. هنا يربط الغزالي بين العلم والعاطفة؛ فالحب ليس مجرد نزوة قلبية أو انفعال عابر، بل هو نتيجة حتمية لإدراك كمال المحبوب. وحين يحلل أسباب الانجذاب الإنساني والإلهي، يقرر بوضوح أن القلب جُبل على حب أربعة أمور: حب الإنسان لنفسه وبقائه، حب المحسن إليه والمفضِل عليه، حب الجميل لذاته بغض النظر عن النفع، وحب التشاكل الخفي والانسجام الروحي بين الأرواح المتجانسة.

وحين ينتقل الغزالي إلى تفصيل بنية الحب ومراتبه المتصاعدة، فإنه يصف الشوق بأنه حركة قلبية متأججة لا تكتمل إلا بغياب الحجب؛ فهو يقول في وصف هذه الحال: الشوق هو اشتياق القلب إلى لقاء المحبوب إذا غاب عنه شخصه، وهو يتبع المعرفة، فمن عرف محبوبه ولم يره تمكن الشوق في قلبه، وكلما كانت المعرفة أتم كان الشوق أشد. فالعاشق بحسب رؤية الغزالي يظل في أتون الاحتراق والاشتياق حتى ترفع حجب المادة ويتحقق اللقاء.

ثم يرتقي الغزالي بالخطاب ليتجاوز الشوق إلى مرتبة الأنس   فيصفه بأنه ثمرة حضور المحبوب في القلب وطمأنينته به، حيث يستروح المحب بذكر حبيبه وينسئ به عن وحشة الخلق، حتى يصل في نهاية المراتب إلى   الرضا   وهو الحالة التي يصفها بقوله إنها استواء الحالتين: البلاء والنعمة، لأن المحب لا يختار مع حبيبه شيئاً، بل يكون مراد الحبيب هو عين مراده. وبهذا الخطاب المنسوج بين برهان الفلسفة وذوق التصوف، يخرجنا الغزالي من ضيق العبارات الفقهية الجافة إلى فضاءات الوجدان الواسع، ليصبح الحب لديه هو مفتاح الوجود وميزان الخلاص الإنساني

سيكولوجية العشق الإلهي ومعراج الروح

تتوج هذه الرحلة الوجدانيّة في مشروع الغزالي بالانتقال من أفق الحب الإنساني الواسع إلى رحاب التصوف الخالص وسيكولوجية العشق الأسمى، حيث لم يعد التصوف لديه مجرد ممارسات زاهدة أو طقوس شكلية، بل تحول إلى رياضة روحية عميقة تصفّي القلب من شوائب التعلق المادي وتحرره من أغلال النفعية الضيقة. من خلال هذا المعراج الروحي، استطاع الغزالي أن يفكك خبايا النفس ومقاماتها العليا، صائغاً بدقة متناهية تفاصيل الشوق والأنس والرضا، وهي حالات شعورية تعكس ذوبان العاشق في محبوبه المطلق وتجاوزه لكل دوافع الخوف أو الطمع. لقد أثبت الغزالي من خلال هذا النسق أن القلب الإنساني لا يبلغ كماله ولا يحقق طمأنينته الحقيقية إلا حين يتحرر من أسر المادة ليتصل بالمصدر الأول لكل جمال ووجود. وبهذا، نجح في تأسيس فلسفة متكاملة للحب والوجدان، أعادت للإنسان توازنه المفقود، وجعلت من الحب بأبعاده الإنسانية والإلهية الجوهر الأصفى للوجود وقاطرة الخلاص الروحي التي تضيء دروب الحيارى حتى يومنا هذا.

***

ئاريان علي

المقدمة: يشهد الاقتصاد العالمي تحولاً بنيوياً عميقاً منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، يتمثل في انتقال مركز الثقل من إنتاج السلع المادية إلى إنتاج وتداول المعلومات والبيانات. وفي قلب هذا التحول، برز مفهوم "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy) كإطار تحليلي يلتقط جوهر التحولات الرأسمالية المعاصرة. ففي ظل الوفرة غير المسبوقة للمعلومات، لم يعد الانتباه البشري مجرد عملية نفسية فردية، بل أصبح مورداً اقتصادياً نادراً، وسلعة قابلة للتداول، وميداناً للصراع الاجتماعي.

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل نقدي موسع لاقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية، باعتبارها منهجاً تحليلياً يربط بين البنى الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية والوعي الفردي والجماعي. وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن اقتصاد الانتباه ليس مجرد تطور تقني محايد، بل هو تجسيد معاصر لمنطق رأس المال في استيعاب مجالات جديدة من الحياة البشرية وتحويلها إلى مصادر للقيمة والربح.

وتتوزع الدراسة على ستة محاور رئيسية: أولاً، تعريف اقتصاد الانتباه وتحديد أهميته في سياق الاقتصاد الرقمي الحديث؛ ثانياً، تحليل تأثير وسائل الإعلام الاجتماعية والرقمية على سلوك المستهلكين؛ ثالثاً، دراسة العلاقة بين الانتباه والموارد الاقتصادية؛ رابعاً، استعراض النظريات الاجتماعية المرتبطة، مع التركيز على المادية التاريخية؛ خامساً، تقديم أمثلة من الدراسات السابقة؛ وأخيراً، مناقشة التحديات الأخلاقية والاجتماعية.

1. الفصل الأول: تعريف اقتصاد الانتباه وأهميته في الاقتصاد الرقمي

النشأة التاريخية للمفهوم

يُعد هربرت أ. سايمون من أبرز المؤسسين الأوائل للإطار النظري الذي أصبح يُعرف لاحقًا باقتصاد الانتباه وهو عالم في السايكولوجيا وفي الاقتصاد وحائز على جائزة نوبل، و طرحه في أواخر الستينيات من القرن العشرين [1]. وقد لاحظ سيمون أن الانتباه يمثل "عنق الزجاجة في الفكر البشري" (the bottleneck of human thought)، إذ يحد من قدرتنا على إدراك البيئات المحفزة وما يمكننا القيام به. وقد صاغ سيمون مقولته الشهيرة: "ثروة من المعلومات تخلق فقراً في الانتباه" (a wealth of information creates a poverty of attention)، وهي المقولة التي لخصت الإشكالية المركزية لعصر المعلومات.

وفي عام 1997، حذر الفيزيائي النظري مايكل غولدهابر (Michael Goldhaber) من أن الاقتصاد الدولي يتحول من اقتصاد قائم على المواد إلى اقتصاد قائم على الانتباه، مشيراً إلى الخدمات العديدة التي تُقدم مجاناً عبر الإنترنت. وقد تطور هذا المفهوم لاحقاً على يد باحثين مثل دافينبرت وبيك (Davenport & Beck) في كتابهما "اقتصاد الانتباه: فهم القيمة الجديدة للأعمال" (2001)، حيث تم تعريفه بأنه "نهج لإدارة المعلومات يتعامل مع الانتباه البشري باعتباره سلعة نادرة، ويطبق النظرية الاقتصادية لحل مشكلات إدارة المعلومات".

التعريف الاصطلاحي والخصائص

يمكن تعريف اقتصاد الانتباه بأنه "نموذج اقتصادي يهدف إلى كسب انتباه متلقي الرسالة الإعلامية والاتصالية لتحقيق مكاسب استراتيجية". ويقوم هذا النموذج على افتراض أساسي مفاده أن الانتباه البشري مورد محدود وشحيح في بيئة تتسم بالوفرة اللانهائية من المحتوى والمعلومات.

ويتميز اقتصاد الانتباه بالخصائص التالية:

الانتباه كسلعة شحيحة. في اقتصاد الانتباه، يُنظر إلى التركيز الذهني البشري باعتباره "سلعة شحيحة وغاية تسعى الممارسات الرقمية للاستحواذ عليها". وخلافاً للموارد المادية التي يمكن زيادتها، فإن الانتباه البشري محدود بطبيعته البيولوجية.

الانتباه كعملة. في هذا الاقتصاد، لا يُقاس الانتباه كمورد فحسب، بل يُعد "عملة" يتم تداولها. عندما يستهلك المستخدم محتوى "مجانياً"، فإنه في الواقع "يدفع" بانتباهه، ويصبح هو نفسه "المنتج".

المنافسة على الوقت والتركيز. لم تعد المنافسة الاقتصادية تدور حول المال فقط، بل "حول الوقت والتركيز الذهني". وكل ثانية يقضيها المستخدم على منصة ما تمثل قيمة اقتصادية للشركة المالكة لها.

القياس والتنبؤ بالانتباه. مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم يعد الأمر يقتصر على شراء الانتباه، بل أصبحت الشركات قادرة على "قياسه، والتنبؤ به، وتوجيهه، ثم إنتاج المحتوى المصمم خصيصاً" لجذبه.

الأهمية في الاقتصاد الرقمي

تتجلى أهمية اقتصاد الانتباه في كونه يقدم إطاراً تفسيرياً لفهم العديد من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة. ففي عصر الوفرة المعلوماتية، لم يعد السؤال الأهم "من يملك المعلومات؟"، بل أصبح السؤال المُلح: "من يستطيع أن يقرر أي جزء من هذه المعلومات سيصل إلى الإنسان، وفي أي لحظة، وبأي ترتيب، وبأي صيغة؟".

وتظهر الأهمية الاقتصادية لاقتصاد الانتباه في حجم الاستثمارات الضخمة التي تخصصها كبرى الشركات الرقمية لتطوير خوارزميات التوصية وتصميم واجهات المستخدم. فقد طورت شركة "ميتا" نموذجاً أساسياً ضخماً لتوصية الإعلانات يعمل على نطاق يقترب من النماذج اللغوية الكبيرة، مستفيداً من تاريخ التفاعل وخصائص المحتوى لتحسين التوصية.

2. الفصل الثاني: تأثير وسائل الإعلام الاجتماعية والرقمية على سلوك المستهلكين

آليات التأثير الخوارزمي

تعتمد منصات الإعلام الاجتماعي على خوارزميات متطورة تُعطي الأولوية للمحتوى الذي يحقق أعلى معدلات التفاعل. ونتيجة لذلك، "تمنح هذه الخوارزميات المحتوى المثير للجدل أو الصادم فرصاً أكبر للانتشار". وهذا يدفع صناع المحتوى إلى البحث عن أساليب تجذب أكبر عدد ممكن من المشاهدات، بهدف تحقيق عوائد مالية من الإعلانات والبث المباشر والهدايا الرقمية.

وقد أظهرت الدراسات أن الإفراط في استخدام الشاشات وتعدد المهام المستمر يرتبط بانخفاض دقة الانتباه وبطء الاستجابات الذهنية، خاصة بين الشباب. كما أن المنصات مثل تيك توك تُعرف بتقصير مدى الانتباه وتعزيز أعراض الإدمان مثل الخوف من فوات الشيء (FOMO) والتصفح القهري للأخبار السلبية (doomscrolling).

إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك

يعمل اقتصاد الانتباه على إعادة تشكيل أنماط الاستهلاك بطرق متعددة. فكلما أطال المستخدم بقاءه على تطبيق ما، زادت فرصة الشركة لتحقيق الأرباح من الإعلانات، وبيع بيانات الاستخدام، والتأثير على القرارات الشرائية. ويشير المختصون إلى أن "التحكم في الانتباه يمثل الحد الفاصل بين النيات والسلوك الفعلي؛ حيث أن ما يشكل فكر الفرد وتوجهاته ليس ما يقول إنه يهتم به، بل ما يمنحه تركيزه ووقته الذهني بانتظام".

وقد أدى التدفق المعرفي المتواصل وسيكولوجية التواصل الاجتماعي إلى تقليص مساحة التركيز الذهني العميق، مما جعل هذا الأخير "ميزة تنافسية نادرة في سوق العمل والاقتصاد الحديث". وتشير الدراسات إلى أن متوسط مدة انتباه الفرد انخفضت إلى ما بين 19 و47 ثانية فقط.

التصميم المُدمن والاقتصاد السلوكي

يستند اقتصاد الانتباه إلى مبادئ الاقتصاد السلوكي وعلم النفس المعرفي. فقد طورت شركات التكنولوجيا استراتيجيات "لتشغيل أنظمة المكافآت في الدماغ بغرض التلاعب بالناس لقضاء أكبر وقت ممكن على منصاتها". وتستند هذه الاستراتيجيات إلى حد كبير إلى علم النفس الخاص بالتحيزات المعرفية البشرية.

وتشير شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff) في مفهومها لـ"الرأسمالية السرطانية" (surveillance capitalism) إلى أن "التجارب الإنسانية أصبحت مادة خام مجانية للممارسات التجارية الخفية للاستخراج والتنبؤ والبيع". وهذا يعني أن المنصات لا تكتفي بجذب الانتباه، بل تحوله إلى بيانات تُستخدم للتنبؤ بالسلوك وتوجيهه.

3. الفصل الثالث: العلاقة بين الانتباه والموارد الاقتصادية

الانتباه كمورد نادر

في النظرية الاقتصادية التقليدية، يُعرَّف الاقتصاد بأنه "دراسة كيفية تخصيص الموارد الشحيحة". وفي عصر الوفرة المعلوماتية، يبرز السؤال: ما هو المورد النادر حقاً؟ والجواب الذي يقدمه اقتصاد الانتباه هو أن "المورد الأكثر ندرة قد يكون القدرة البشرية على الانتباه والاختيار وسط وفرة لا نهائية من المحتوى والقرارات".

وهنا يظهر تمييز جوهري: ففي الاقتصاد التقليدي، كانت الندرة تتعلق بالموارد المادية؛ أما في اقتصاد الانتباه، فالندرة تتعلق بالقدرة الإدراكية البشرية. وهذا التحول له implications عميقة على فهمنا للقيمة والتبادل والاستغلال.

تكلفة الفرصة البديلة للانتباه

من المفاهيم الاقتصادية المركزية التي تنطبق على الانتباه مفهوم "تكلفة الفرصة البديلة" (Opportunity Cost). فإذا كانت تكلفة الفرصة البديلة في النظرية الاقتصادية تمثل "قيمة البديل الضائع عند اتخاذ قرار معين"، فإنها في اقتصاد الانتباه "تتمثل في الأنشطة الأخرى التي كان يمكن للمستخدم القيام بها مثل العمل، أو التفاعل الاجتماعي الحقيقي، أو القراءة، أو ممارسة الرياضة".

وقد أظهرت دراسة حديثة نُشرت في The Economic Journal أن الأفراد يواجهون "مقايضة أساسية بين الاستمتاع بالاستهلاك الحاضر ومعالجة المعلومات"، وكلاهما يتطلب انتباهاً محدوداً. ووجدت الدراسة أن الاستهلاك الحاضر المرتفع يقلل الطلب على المعلومات حول النتائج المستقبلية المحتملة، ويزيد الاستعداد للدفع مقابل تخفيف المخاطر. وهذه النتائج لها دلالات مهمة لفهم "اقتصاد السياسة للتشتيت"، إذ قد يلجأ الفاعلون السياسيون إلى "الخبز والملاهي" لكبت الطلب على المعلومات.

التأثير على القرارات الاقتصادية

يؤثر اقتصاد الانتباه على القرارات الاقتصادية على مستويين: المستوى الفردي والمستوى المؤسسي.

على المستوى الفردي، يعمل التصميم المُدمن للمنصات على تقويض القدرة على اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة. ويشير جيمس ويليامز في كتابه Stand Out of Our Light إلى أن "القصف المستمر للمحفزات والتلاعب يقلل من قدرة المستخدمين على الاستقلالية".

على المستوى المؤسسي، أصبح الانتباه مورداً استراتيجياً للشركات. ففي بيئة العمل الحديثة، لم يعد الحصول على المعلومة يمثل نقطة تفاضل، بل أصبحت "القدرة على التعمق في المعرفة، وطرح الأسئلة الجوهرية، وتحليل التناقضات" هي المقياس الحقيقي للإنتاجية. وقد أظهرت الدراسات أن "التنقل المستمر بين المهام يترك جزءاً من التركيز معلقاً في المهمة السابقة"، وهو ما يُعرف بـ"أثر الانتباه المتبقي"، مما يؤدي إلى تراجع الأداء الذهني.

4. الفصل الرابع: النظريات الاجتماعية واقتصاد الانتباه: منظور المادية التاريخية

أسس المادية التاريخية

تُعد المادية التاريخية (Historical Materialism) المنهج التحليلي الذي طوره كارل ماركس وفريدريك إنجلز لفهم حركة التاريخ البشري. ويقوم هذا المنهج على فرضية أساسية مفادها أن "الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي"، وأن البنية الاقتصادية (القاعدة) هي التي تحدد إلى حد كبير البنية الفوقية من مؤسسات وقوانين وأفكار.

وينطلق التحليل المادي التاريخي من أن التناقضات الاجتماعية والصراعات الطبقية تنبع من علاقات الإنتاج السائدة. وفي كل مرحلة تاريخية، تظهر قوى إنتاجية جديدة تتصادم مع علاقات الإنتاج القائمة، مما يؤدي إلى تحولات اجتماعية جذرية. ويُعد رأس المال، في هذا التحليل، ليس مجرد كمية من المال، بل "علاقة اجتماعية" تقوم على استغلال العمل المأجور.

قراءة اقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية

من منظور المادية التاريخية، يمكن فهم اقتصاد الانتباه باعتباره امتداداً لمنطق رأس المال في مرحلته الرقمية. ففي "الرأسمالية الرقمية" (digital capitalism)، اندمج المنطق الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة مع التقنيات الرقمية بسرعة، وتحولت وسائل مضاعفة رأس المال من "العمل" الذي يُشترى في السوق المادي إلى "الانتباه" الذي يُجنَّد على المنصات الافتراضية.

وهذا التحول له دلالات عميقة. ففي التحليل الماركسي التقليدي، يبيع العامل قوة عمله مقابل أجر، ويستخرج الرأسمالي فائض القيمة من فرق قيمة العمل المنتَج وقيمة الأجر المدفوع. أما في اقتصاد الانتباه، فإن "العمل" الذي يُستَخرج منه فائض القيمة ليس الجهد العضلي أو الذهني في الإنتاج، بل هو الانتباه ذاته الذي يمنحه المستخدم "مجاناً" مقابل خدمات المنصة. وتحوّل المنصات هذا الانتباه إلى قيمة اقتصادية عبر الإعلانات والبيانات.

الانتباه كمجال للاستغلال الرأسمالي

يطرح الفكر الماركسي المعاصر تحليلاً نقدياً لاقتصاد الانتباه يركز على مفهوم "الاستغلال". ففي ظل الرأسمالية الرقمية، أصبح الانتباه "عنصراً رئيسياً في نظام مضاعفة رأس المال"، وظهر ما يُسمى بـ"الاستغلال الإنتاجي" (Productive Exploitation) للانتباه. ويشير هذا المفهوم إلى أن "نشاط الانتباه هو شكل من أشكال العمل الرقمي الذي يخلق قيمة"، وأن رأس المال الرقمي يستخرج فائض القيمة من هذا "العمل الانتباهي".

وقد طور باحثون ماركسيون مثل كريستيان فوكس (Christian Fuchs) نظريات حول "العمل الاستهلاكي الرقمي" (digital presumption labor)، حيث يُنظر إلى "المشاهدة" أو "النقر" باعتبارها شكلاً من أشكال العمل. ويقول فوكس إنه "إذا كانت السلعة في منصات الإنترنت هي بيانات المستخدم، فإن عملية إنتاج هذه السلعة هي العمل الاستهلاكي الرقمي".

ومن منظور المادية التاريخية، يمكن القول إن اقتصاد الانتباه يُنتج نوعاً جديداً من "البروليتاريا الرقمية" (digital proletariat) — جماهير من المستخدمين الذين يبيعون انتباههم دون وعي، ويعملون بشكل غير مدفوع لصالح المنصات الرأسمالية. وهذه الجماهير، وفقاً للتحليل الماركسي، تشكل قوة اجتماعية قابلة للتنظيم والتحرر من خلال الوعي بموقعها الطبقي.

من المنافسة إلى الاحتكار

يُظهر التحليل المادي التاريخي أن اقتصاد الانتباه يمر بمرحلة انتقالية من "المنافسة على الانتباه" إلى "احتكار الانتباه". فبفعل "منطق رأس المال"، يتحول التنافس بين المنصات تدريجياً إلى تركيز واحتكاري، حيث تُراكم المنصات المهيمنة رأس المال الرمزي والبيانات وتحقق "آثار الشبكة" (network effects) التي تعزز هيمنتها.

وتشير الدراسات إلى أن "تراكم الانتباه لدى الشركات القائمة يعزز هيمنتها من خلال تأثيرات الشبكة والاحتجاز الخوارزمي" (algorithmic lock-in)، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مستوى الحوكمة والمساءلة في توزيع الانتباه.

5. الفصل الخامس: أمثلة من الدراسات السابقة

دراسة الأسمري وبكير (2025)

قدم الأسمري وبكير (2025) دراسة بعنوان "اقتصاد الانتباه وعلاقته بصناعة المحتوى المرئي عبر منصات الإعلام الرقمي"، نشرت في مجلة البحوث والدراسات الإعلامية المصرية. سعت الدراسة إلى "رصد وتحديد طبيعة العلاقة بين اقتصاد الانتباه وصناعة المحتوى المرئي في منصات الإعلام الرقمي وعلاقتها بالعبء الزائد للمعلومات"، مع التركيز بشكل خاص على منصة يوتيوب.

واعتمدت الدراسة على المنهج التأصيلي النظري والمنهج التاريخي النقدي، واستعانت بأداة التحليل من المستوى الثاني (Meta-Analysis). وخلصت إلى أن من أهم التدابير الهادفة لتقليل العبء الزائد للمعلومات هي "إدارة المعلومات عبر الإنترنت، واتباع استراتيجيات المواجهة للتخفيف من الآثار السلبية"، والتي تشمل "التربية الرقمية، والتربية المعلوماتية، والكفاءة الإعلامية والمعلوماتية، وإدارة الذات والوقت".

دراسة كاستيلو وزملائه (2026)

نشرت كاستيلو وزملاؤه (2026) دراسة في Journal of Management Studies بعنوان "من تصميم المنصة إلى حوكمة الانتباه: إعادة التفكير في الآثار الخارجية لوسائل الإعلام الاجتماعية". وتقدم الدراسة تحليلاً متعدد الأبعاد لكيفية عمل المنصات الاجتماعية كبنية تحتية للانتباه، "تشكل الظهور والخطاب والسلطة، وبالتالي تحدد من يتحكم في الانتباه ومن تُضخَّم أصواتهم".

وتشير الدراسة إلى أن "الفشل في تخصيص الانتباه وهندسته وتراكمه يقع في قلب العواقب المجتمعية لمنصات وسائل الإعلام الاجتماعية". كما تحذر من "تحويل قواعد القرار المجتمعية إلى خوارزميات المنصة"، مما يعني نقل سلطة صنع القواعد من المؤسسات العامة إلى الأنظمة الخوارزمية الخاصة.

دراسة روغير براونزورد وديماتيو (2025)

في فصل بعنوان "مشكلات الإدارة التكنولوجية: حول الاستخراج الآلي للسلع الذهنية" من Cambridge Handbook of the Governance of Technology، يقدم براونزورد وديماتيو (2025) تحليلاً نقدياً لكيفية "مقايضة مستخدمي المنصات الاجتماعية لانتباههم وعواطفهم ومواردهم المعرفية" — وهي "سلع ذهنية تستغلها الشركات من خلال أنظمة إدارة تكنولوجية مثل الإعلانات المستهدفة والتصميم المُدمن".

وتؤكد الدراسة أن هذه المعاملات لا تسهلها عقود قانونية، بل "الكود" البرمجي، مما يسمح لشركات الإعلام الاجتماعي باستخراج القيمة بطرق لا تستطيع الأطر القانونية التقليدية التقاطها. وتُصنف الدراسة "الآثار السلبية لهذه المعاملات، مثل الاضطرابات المعرفية ومشكلات الصحة النفسية، باعتبارها نفايات تلوثية لاقتصاد الانتباه".

دراسة زوبوف (2019)

يُعد كتاب شوشانا زوبوف The Age of Surveillance Capitalism (2019) من أهم الأعمال التي ربطت بين اقتصاد الانتباه والرأسمالية السرطانية. وتقدم زوبوف تحليلاً معمقاً لكيفية تحويل التجارب الإنسانية إلى "مادة خام مجانية للممارسات التجارية الخفية للاستخراج والتنبؤ والبيع".

وتشرح زوبوف كيف أن "الرأسمالية السرطانية لا تحتاج إلى أسلحة أو سلاسل — إنها تحتاج فقط إلى وقتك، ونقراتك، وانتباهك". وتُقدم تحليلاً للآليات التي تستخدمها الشركات لمراقبة سلوك المستخدمين وأرشفته وتحليله وتسويقه، بهدف استخراج القيمة منه.

6. الفصل السادس: التحديات الأخلاقية والاجتماعية

التحديات الأخلاقية

انتهاك الاستقلالية الفردية. يعمل التصميم المُدمن للمنصات على تقويض القدرة على اتخاذ قرارات حرة ومستنيرة. ويشير النقاد إلى أن فلسفات اقتصاد الانتباه "تصور مستخدمي التكنولوجيا كضحايا — انتباههم مختطف، وإرادتهم مستنزفة، واستقلاليتهم مُلغاة".

التلاعب بالسلوك. تستخدم المنصات تقنيات الإقناع الخفي والتحفيز المستمر لتشكيل أنماط السلوك. وتثير هذه الممارسات تساؤلات أخلاقية حول حدود التلاعب التجاري المشروع، خاصة عندما يستهدف الفئات الأكثر ضعفاً مثل الأطفال والمراهقين.

انتهاك الخصوصية. تقوم الرأسمالية السرطانية على جمع كميات هائلة من البيانات الشخصية دون موافقة مستنيرة، وتحويلها إلى "مادة خام" للتنبؤ والتحكم.

تآكل الديمقراطية. يشير الباحثون إلى أن "اقتصاد الانتباه يقوض القيم الديمقراطية الأساسية، ويقوض الاستقلالية المعرفية، والتفكير التأملي، والمواطنة المستنيرة الضرورية لمجتمعات ديمقراطية سليمة".

التحديات الاجتماعية

الأضرار الصحية النفسية. يرتبط الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية بزيادة معدلات القلق، ونقص الانتباه، والإرهاق الذهني (burnout). وتشير الدراسات إلى ارتفاع تشخيصات الصحة النفسية بين الشباب منذ عام 2010، بالتزامن مع انتشار اقتصاد الانتباه.

تآكل القدرة على التفكير العميق. يؤدي التدفق المستمر للمعلومات السريعة والمقتضبة إلى تآكل القدرة على القراءة الطويلة والتفكير النقدي والتركيز العميق. وقد أشارت دراسة صوفي ليروي إلى أن التنقل المستمر بين المهام يترك "جزءاً من التركيز معلقاً في المهمة السابقة".

تفاقم عدم المساواة المعرفية. يُنشئ اقتصاد الانتباه نوعاً جديداً من عدم المساواة: "عدم المساواة المعرفية" (Cognitive Inequality). فبينما يتمكن بعض الأفراد من حماية انتباههم واستخدامه بفعالية، يجد آخرون أنفسهم عرضة للاستغلال المستمر لانتباههم دون وعي أو قدرة على المقاومة.

تدمير الصحافة الجادة. يفضل اقتصاد الانتباه "المحتوى المثير أو العاطفي، مما قد يزاحم التقارير الاستقصائية الجادة في خلاصات الجمهور". وهذا يهدد دور الصحافة كرقيب على السلطة ومصدر للمعلومات الموثوقة.

استراتيجيات المواجهة

التنظيم القانوني. يجادل الباحثون بضرورة "تنظيم شفافية الخوارزميات، وتقرير المصير المعلوماتي، والحماية من التلاعب السلوكي"، إلى جانب "تعزيز السيادة الرقمية كدفاع ضد تركيز السلطة المعلوماتية في أيدي قلة من الشركات".

التعليم الرقمي النقدي. يُعد "التربية الرقمية والتربية المعلوماتية والكفاءة الإعلامية والمعلوماتية" من الأدوات الأساسية لتمكين المستخدمين من إدارة انتباههم بفعالية. ويتضمن ذلك "تنظيم نطاق المعلومات المطلوبة، والتقدير النقدي لقيمة المعلومات ومصداقية المصادر".

لتصميم الأخلاقي. يدعو الباحثون إلى "التصميم الأخلاقي" للمنصات، بحيث لا تستند واجهات المستخدم إلى مبادئ الإدمان والاستغلال، بل إلى احترام الاستقلالية وتعزيز الرفاهية.

البدائل الاقتصادية. يطرح بعض النقاد ضرورة تجاوز اقتصاد الانتباه نحو "بيئة انتباه" (ecology of attending)، تقوم على قيم مختلفة: "الاحترام المتبادل، والحدود المعرفية، والاستدامة الذهنية".

الضرائب والتحويلات. يطرح بعض الاقتصاديين فكرة "ضريبة بيغوفية على احتجاز الانتباه" (Pigouvian Tax on Attention Capture)، بحيث تُفرض على المنصات التي تستخرج الانتباه المفرط ضرائب تعكس التكاليف الاجتماعية الخارجية لهذه الممارسات.

الخاتمة

قدمت هذه الدراسة تحليلاً موسعاً لاقتصاد الانتباه من منظور المادية التاريخية، ساعية إلى تجاوز الوصف الظاهري للظاهرة نحو فهم جذورها البنيوية في منطق رأس المال المعاصر. وخلصت الدراسة إلى أن اقتصاد الانتباه ليس مجرد تطور تقني محايد، بل هو تجسيد لمرحلة جديدة من مراحل استيعاب رأس المال لمجالات الحياة البشرية، حيث يتحول الانتباه ذاته إلى سلعة ومورداً للاستغلال.

ومن منظور المادية التاريخية، يمكن القول إن اقتصاد الانتباه يمثل تكثيفاً للتناقض الأساسي في الرأسمالية: بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والطابع الخاص للملكية. فالمستخدمون، بأدمغة انتباههم، ينتجون القيمة بشكل جماعي، بينما يستحوذ عدد محدود من الشركات على هذه القيمة. وهذا التناقض، وفقاً للتحليل الماركسي، يحمل في طياته بذور تحوله.

وتواجه مجتمعاتنا تحديات أخلاقية واجتماعية جسيمة في مواجهة اقتصاد الانتباه، تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين التنظيم القانوني، والتعليم النقدي، والتصميم الأخلاقي، والبحث عن بدائل اقتصادية. وتبقى الحاجة ملحة إلى تطوير وعي جماعي بموقعنا كفاعلين في هذا الاقتصاد، لا كمجرد ضحايا له، وقادرين على استعادة السيطرة على انتباهنا — وهو أثمن ما نملك في عصر الوفرة المعلوماتية.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني - باحث

.....................

المراجع

1. الأسمري، محمد بن عوض & بكير، محمد محمد عبده. (2025). اقتصاد الانتباه وعلاقته بصناعة المحتوى المرئي عبر منصات الإعلام الرقمي. مجلة البحوث والدراسات الإعلامية، مج. 2025.

2. Capra, M., Tasoff, J., & Xu, J. (2025). To Savour Consumption or To Confront Dread: The Hedonic Opportunity Cost of Attention. The Economic Journal, ueaf091.

3. Castelló et al. (2026). From Platform Design to Attention Governance: Rethinking Social Media Externalities. Journal of Management Studies.

4. Davenport, T. H., & Beck, J. C. (2001). The Attention Economy: Understanding the New Currency of Business. Harvard Business School Press.

5. Fuchs, C. (2023). Digital Labor and the Attention Economy. Chinese Social Sciences Net.

6. Goldhaber, M. H. (1997). The Attention Economy and the Net. First Monday, 2(4).

7. Liu, Y., & Ge, T. (2024). A Critique of the Attention Crisis from Historical Materialism and its Implications. Teaching and Research, 58(11), 34.

8. Simon, H. A. (1971). Designing Organizations for an Information-Rich World. In M. Greenberger (Ed.), Computers, Communication, and the Public Interest. Johns Hopkins University Press.

9. Williams, J. (2018). Stand Out of Our Light: Freedom and Resistance in the Attention Economy. Cambridge University Press.

10. Zuboff, S. (2019). The Age of Surveillance Capitalism. Public Affairs.

11. Brownsword, R., & DiMatteo, L. A. (2025). Problems of Technological Management: On Automated Extraction of Mental Goods. In Cambridge Handbook of the Governance of Technology. Cambridge University Press.

12. Webster, J. G. (2014). The Marketplace of Attention: How Audiences Take Shape in a Digital Age. MIT Press.

[1] Simon, Herbert A. “Designing Organizations for an Information-Rich World.” In Computers, Communications, and the Public Interest, edited by Martin Greenberger, 37–72. Baltimore: Johns Hopkins Press, 1971.

كلما تقدم الزمن، توهمنا أننا نبتعد بالضرورة عن الجاهلية، وكأن عقارب الساعة تحمل معها وعدا تلقائيا بأن يصبح الإنسان أكثر عقلا، وأكثر حرية، وأكثر إنسانية. لكن التاريخ لا يمنحنا هذا الوعد. فالزمن يتقدم، أما الإنسان فقد يتقدم معه أو يتخلف عنه

الجاهلية ليست زمنا انتهى، حتى نطمئن إلى أننا خرجنا منه، ولا حقبة تاريخية يمكن أن نضعها خلف ظهورنا ثم نمضي مطمئنين إلى المستقبل. الجاهلية أعمق من ذلك.. إنها مفهوم، وحالة ذهنية، وطريقة في النظر إلى الإنسان والعالم. ولهذا قد تتغير الأزمنة، وتتبدل المدن، وتتقدم العلوم، بينما تظل الجاهلية جالسة في مكانها، تتخفى كل مرة في ثوب جديد.

ولعل أبلغ ما يختصر هذه المفارقة ذلك البيت من إبداع الشاعر نزار قباني:

«لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية»

فما أكثر ما يتقدم الإنسان في مظهره، بينما يتراجع في جوهره

قد يحمل أحدث هاتف، ويستخدم أكثر التقنيات تطورا، ويسكن مدينة ذكية، ثم يظل عقله أسير التعصب، والخرافة، والوصاية، وكراهية المختلف. وقد يصل العلم إلى أقصى تخوم الكون، بينما يعجز الإنسان عن عبور المسافة القصيرة بينه وبين إنسان آخر يختلف عنه في الدين أو الفكر أو الجنس أو الموقف.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ليست الحضارة ما نمتلكه، وإنما ما نصبحه.

فالجاهلية لا تعني انعدام المعرفة، وإنما تعني أن المعرفة لم تتحول إلى وعي، وأن العقل لم يتحول إلى حرية، وأن الإنسان لم يتعلم بعد أن يرى في الآخر إنسانا قبل أن يراه مختلفا.

ولهذا لا يمكن أن نضع الجاهلية في الماضي ونغلق عليها أبواب التاريخ. قد يأتي زمن في المستقبل تجتمع فيه كل عصور الجاهلية تحت سقف واحد؛ تكنولوجيا فائقة، ومعلومات بلا حدود، ومدن أكثر ذكاء، وفي المقابل عقول أكثر انغلاقا، وتعصب أكثر شراسة، وكراهية أكثر قدرة على الانتشار.

قد يصبح المستقبل أكثر حداثة في أدواته وأكثر جاهلية في وعيه.

وفي رأيي ان أخطر الجاهليات ليست تلك التي تعلن عن نفسها، وإنما تلك التي ترتدي ثياب الحضارة، وتتحدث بلغة العلم، وتستخدم مفردات الأخلاق، بينما تمارس الإقصاء والقمع واحتقار المختلف

 فالجاهلية حين تكون فقيرة في أدواتها يسهل اكتشافها، أما حين تتسلح بالتكنولوجيا والمعرفة الشكلية فإنها تصبح أكثر خطرا، لأنها تستطيع أن تمنح جهلها قوة لم تكن تملكها من قبل.

ومن هنا تأتي قيمة الأخلاق العقلية؛ فهي ليست ابنة عصر محدد، ولا ملكا لدين أو ثقافة أو حضارة بعينها. العدل لا يشيخ، والحرية لا تنتهي صلاحيتها، والكرامة الإنسانية لا تتغير بتغير التقويم، واحترام الإنسان واحب وفرض في كل زمان ومكان

الأخلاق العقلية عابرة للزمان لأنها تنطلق من سؤال بسيط وعميق: ماذا لو كنت أنا الآخر؟

عندما يستطيع الإنسان أن يرى نفسه في موضع المختلف، تبدأ الأخلاق. وعندما يعجز عن ذلك، تبدأ الجاهلية، مهما كان عدد الشهادات المعلقة على الجدران، ومهما بلغت مظاهر التحضر

لذلك فإن معركة التنوير الحقيقية ليست مع الماضي، بل مع كل ما في حاضرنا من قابلية للعودة إلى الماضي. وليست المشكلة أن نغير شكل العالم من حولنا، وإنما أن نغير الطريقة التي ننظر بها إليه.

فالإنسان قد يخرج من الكهف، ويبني ناطحات السحاب، ويصل إلى الفضاء، ثم يحمل الكهف معه داخل رأسه

وحينها لا يكون قد غادر الجاهلية، بل يكون قد منحها فقط أدوات أكثر حداثة

لهذا ستظل الجاهلية ممكنة في كل عصر، وسيظل التنوير مشروعا مفتوحا لا يكتمل. وبينهما يقف الإنسان، حرا في أن يختار: أن يجعل من عقله نافذة على العالم، أو أن يحوله إلى جدار يحجب عنه العالم

والخروج من هذا المأزق لا يكون بتغيير الثياب، ولا باستيراد مظاهر الحداثة، ولا بتكديس الشهادات فوق جدران تعيش خلفها عقول مغلقة. الخروج يبدأ من اللحظة التي نمتلك فيها شجاعة مراجعة ما ورثناه، ونضع كل فكرة أمام العقل، لا أمام قداسة الموروث، وأن ندرك أن الإنسان أكبر من الجماعة، وأن كرامته تسبق كل تصنيف، وأن الاختلاف ليس خطرا ينبغي إسكاته، بل شرطا ضروريا لكي يتسع وعينا

نخرج من الجاهلية حين يصبح السؤال فضيلة لا جريمة، والشك طريقا إلى المعرفة لا تهمة، والنقد ممارسة للعقل ، وحين نتعلم أن الأخلاق لا تحتاج إلى سوط يراقبها من الخارج، لأن الضمير الذي يفكر أرقى من الخوف الذي يطيع

نخرج من الجاهلية بتجفيف منابعها: الجهل، والخوف، والتعصب، واحتقار المختلف، وتحويل الموروث إلى سلطة فوق السؤال

وحينها فقط لن نكون قد لبسنا ثوب الحضارة فوق روح جاهلية، بل سنكون قد صنعنا إنسانا يستحق الحضارة

***

ابتهال عبد الوهاب

 

قراءة في خطاب عبد الراضي رضوان في مواجهة حسن حماد

بادئ ذي بدأ نقول: ليس كل خلاف حول الفلسفة خلافا فلسفيا بالضرورة، فقد يبدأ الخلاف من فكرة ثم ينتهي إلى شيء آخر تماما: إلى بناء صورة سلبية عن صاحبها، وتحويله من طرف في حوار فكري إلى متهم يقف أمام سلسلة من المحاكم الرمزية والسياسية والأخلاقية والمؤسسية. وعند هذه النقطة لا يعود السؤال: هل أصاب حسن حماد أم أخطأ؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا يفعل الخطاب بصاحب الرأي، وإلى أي غاية يدفع القارئ في النظر إليه؟

ومن هذه الزاوية تحديدا تبدو مقالة الدكتور/عبد الراضي رضوان "كربلائيات التباكي على الفلسفة" والمنشورة في موقع فيتو الإلكتروني  (https://www.vetogate.com/5727797 )، والتي جاءت للرد على مقالة الدكتور/ حسن حماد، والتي نشرها كبوست على صفحته الشخصية على الفيس بوك (https://www.facebook.com/share/p/1QWBkpc2qz/)، جديرة بقراءة تتجاوز ظاهرها المباشر؛ لأن القضية التي يطرحها المقال أكبر من مجرد اختلاف في الرأي حول الفلسفة، وأعمق من مجرد سجال قراءة سجال بين أستاذين حول وضع الفلسفة أو حول بعض المشتغلين بها. فنحن أمام خطاب لا يكتفي بمناقشة فكرة أو تفنيد رأي، وإنما يتوسع تدريجيا في إعادة بناء صورة حسن حماد أمام القارئ، بحيث يصبح الخلاف الفكري مدخلا إلى أسئلة أخرى تتصل بالانتماء والهوية والنوايا والوطن والاستقرار، ثم تنتهي إلى مفردات ذات حمولة قانونية وأخلاقية بالغة الخطورة.

وهنا ينبغي أن نكون منصفين في قراءة كلام حسن حماد نفسه، فإذا كان حماد قد تحدث عن "بعض" المشتغلين بالفلسفة أو عن عدد غير قليل منهم، فلا يصح أن ننسب إليه أنه حكم على جميع أساتذة الفلسفة، ثم نبني النقد كله على تعميم لم يقول به. أما مضمون ملاحظته في ذاتها، فهو قابل للنقاش بطبيعة الحال؛ يمكن البحث في مدى دقة توصيفه هذا، وحدود الظاهرة التي يشير إليها، وحجمها، ودلالاتها، والأدلة التي يستند إليها. وهذا هو المسار الطبيعي لأي نقد علمي. فإذا كانت العبارة مبالغة، فلتحدد مواضع المبالغة؛ وإذا كان التوصيف غير دقيق، فلتناقش أسبابه؛ وإذا كانت الظاهرة موجودة ولكن جرى توسيع نطاقها، فليبين ذلك بالحجة. أما الانتقال من مناقشة العبارة إلى صناعة ملف حول قائلها، فذلك انتقال من مجال النقد إلى مجال آخر.

والفلسفة نفسها لا تمنح أصحابها حصانة من النقد، كما أنها لا تمنح خصومها حق تجاوز قواعد النقد. فوجود اتجاهات فكرية محافظة أو ذات مرجعيات دينية داخل بعض أوساط المشتغلين بالفلسفة أمر يمكن بحثه ونقده كما يمكن نقد أي اتجاه آخر، خصوصا إذا ترتب على بعض هذه التصورات تضييق على التعدد أو تحفظ على حرية الاختلاف أو تقليص لدور العقل في المجال العام. لكن الفارق كبير بين نقد اتجاه فكري داخل الوسط الفلسفي وبين إصدار حكم على الوسط كله. الأول قضية معرفية قابلة للبحث، والثاني يحتاج إلى تعميم لا يصح إلا بالدليل. ولذلك فإن الدفاع عن الفلسفة لا يكون بإنكار التعدد داخلها، وإنما بإخضاع جميع الاتجاهات، المحافظة منها والتقدمية والعلمانية وغيرها، لمعيار واحد؛ وهو الحجة والنقد وحرية العقل.

ولو كان مقصد عبد الراضي رضوان هو تفنيد رأي حسن حماد فحسب، لكان الطريق واضحا في مقاله: يحدد العبارة، ويناقش مضمونها، ويبين مواضع عدم الدقة فيها، ثم يقدم الأدلة المضادة، لكن المقال لا يقف عند هذا الحد. إنه يبدأ من قضية تخص الفلسفة، ثم ينتقل إلى "تجار الحداثة وثكالى العلمانية"، وإلى "الإرضاع التضليلي"، ثم إلى "التوجيهات الخارجية"، و"زعزعة الاستقرار"، و"الفتنة الطائفية"، و"تصفية الحسابات الشخصية"، إلى أن يصل الخطاب في نهايته إلى مفردات تستدعي النيابة العامة ومحكمة الجنايات.

وهنا يصبح من الصعب على القارئ أن يتعامل مع النص باعتباره مجرد رد علمي على رأي في الفلسفة وبعض المشتغلين بها. فالرجل الذي بدأ بوصفه صاحب رأي مختلف يوضع بالتدريج داخل دوائر متتابعة من الاشتباه؛ دائرة فلسفية، ثم أخلاقية، ثم وطنية، ثم سياسية، ثم قانونية. وكأن المقال لا يريد من القارئ أن يختلف مع حسن حماد فحسب، وإنما يريد أن يغير موقعه في وعي القارئ، من أستاذ يناقش قضية إلى شخصية ينبغي أن ينظر إليها بريبة وحذر.

وهنا تكمن المسألة الأكثر دلالة في بنية الخطاب، ألا وهي بناء الخصم قبل بناء الحجة. فحين يسبق وصف الشخص مناقشة فكرته، يصبح القارئ مهيأ نفسيا للحكم عليه قبل أن يبدأ في فحص حجته. والعنوان نفسه، "كربلائيات التباكي على الفلسفة"، ليس عنوانا محايدا يفتح مجالا للنقاش، وإنما يتضمن حكما مسبقا على الطرف الآخر، إذ يضعه في موقع من يتباكى ويتقمص دور الضحية. وبذلك لا يبدأ النص من السؤال: ماذا قال الرجل؟ وإنما يبدأ من إيحاء سابق بما ينبغي أن يعتقده القارئ عنه.

ثم يتسع هذا البناء ليشمل جماعات وتيارات ومفاهيم كاملة، بحيث لا يعود الأمر متعلقا بجملة قالها حسن حماد، بل بما يمكن أن تمثله هذه الجملة في ذهن الكاتب من حداثة وعلمانية وتوجيه خارجي وتهديد للاستقرار. وهذه طريقة شديدة الخطورة في الجدل؛ لأنها تنقل النقاش من العبارة المحددة إلى شبكة من الإيحاءات التي يصبح معها الرد على فكرة واحدة ذريعة لمحاكمة صاحبها داخل سياقات لا علاقة مباشرة لها بالفكرة الأصلية.

والأشد دلالة في هذا السياق هو ما يحدث في الثلث الأخير من المقال، حيث ينتقل عبد الراضي من مناقشة موقف حسن حماد إلى استخراج عبارات بعينها من كلامه، مثل الحديث عن "تعفن عقل النخبة"، و"انحطاط وعي شباب الباحثين"، ووصف بعض المشتغلين بالفلسفة بأنهم "عبيد"، وغير ذلك من العبارات التي وردت في سياق خطاب حسن حماد نفسه. والمشكلة هنا ليست في مجرد نقل هذه العبارات أو الاعتراض عليها؛ فمن حق أي ناقد أن يتوقف عند عبارة يراها جارحة أو متجاوزة أو غير دقيقة. وإنما تكمن المشكلة في الطريقة التي اقتطعت بها هذه العبارات من سياقها، ثم أعيد تقديمها داخل خطاب عبد الراضي بوصفها مادة لإدانة صاحبها، قبل أن يتوسع الخطاب في ربطها بدلالات تتجاوز الخلاف الفكري إلى النخبة والمجتمع والاستقرار والجهات المعنية، وصولا إلى استدعاء النيابة العامة ومحكمة الجنايات.

وهنا يتغير السؤال الذي يفرضه النص على القارئ. فلم يعد الأمر مجرد هل كانت عبارات حسن حماد موفقة؟ وهل كان ينبغي أن يستخدم هذه اللغة؟ وإنما أصبح ماذا يريد هذا التوظيف المتتابع لهذه العبارات أن يصنع في صورة الرجل أمام القارئ والجهات التي يستحضرها الخطاب؟ إن اقتطاع العبارة من سياقها لا يبطل إمكان نقدها، لكنه قد يغير وظيفتها الدلالية؛ فالعبارة التي كانت جزءا من سياق جدلي محدد تتحول، بعد عزلها وإعادة ترتيبها، إلى قرينة اتهام مستقلة عن السياق الذي ولدت فيه.

وهذه نقطة منهجية لا يجوز تجاوزها، إذ لا يمكن أن نحاكم عبارة قبل أن نقرأ السياق الذي وردت فيه، ولا أن نحول لغة حادة في مقال إلى دليل على موقف أخلاقي أو وطني أو قانوني لصاحبها من غير أن نثبت الصلة بين الأمرين. فإذا كان في كلام حسن حماد تجاوز، فليحدد التجاوز في موضعه، وليناقش في سياقه، وليترك للقارئ أن يحكم عليه. أما جمع العبارات المتفرقة، ثم شحنها بإيحاءات سياسية ووطنية وقانونية، فذلك لا يعود مجرد نقد للعبارة، وإنما يصبح إعادة بناء لصورة صاحبها أمام جمهور أوسع من الجمهور الذي كان موجها إليه كلامه أصلا.

ومن هنا تبدو خطورة الانتقال من "نقد القول" إلى "توظيف القول ضد قائله". فالأول ممارسة مشروعة من صميم الاختلاف الفكري، أما الثاني فيحتاج إلى قدر أعلى من الحذر والإنصاف؛ لأن القارئ قد لا يعود يرى العبارة داخل سياقها الأصلي، وإنما يراها كما أعاد الخصم تركيبها. وعندئذ يصبح الاقتباس نفسه جزءا من صناعة الاتهام، لا مجرد وسيلة لفهم النص ونقده.

والأخطر أن النص لا يكتفي بهذا المستوى من التوصيف، بل يفتح الباب أمام السلطة القانونية حين يقرر أن مثل هذه المضامين لا مكان لمحاسبتها إلا أمام "مكتب النائب العام" أو "محكمة الجنايات". وهنا ينبغي للقارئ أن يتوقف طويلا، ما علاقة محكمة الجنايات بخلاف فكري حول الفلسفة وبعض المشتغلين بها؟ وكيف انتقلنا من مناقشة رأي أستاذ في قضية فكرية إلى استدعاء مؤسسات الدولة والقانون في مواجهة أستاذ آخر؟

هذه ليست ملاحظة شكلية، لأن استدعاء الدولة إلى قلب خلاف أكاديمي يغير طبيعة الخلاف نفسه. فعندما يبدأ الخطاب بالاختلاف مع فكرة، ثم يستدعي "الجهات المعنية"، ويتحدث عن التوجيهات الخارجية وزعزعة الاستقرار والفتنة، وينتهي باستدعاء النيابة ومحكمة الجنايات، فإننا أمام استدعاء متدرج للسلطة داخل نزاع كان يفترض أن يبقى في الأصل داخل فضاء الحجة والمناقشة العلمية.

ومن هنا يصبح من المشروع أن يسأل القارئ، هل الغاية من هذا التوسع أن يثبت أن حسن حماد أخطأ في توصيف بعض المشتغلين بالفلسفة؟ أم أن ثمة غاية أخرى تتصل بصورة الرجل ومكانته داخل الوسط الأكاديمي؟ فحين يتكرر استهداف شخص بعينه، ولا يعود النقاش منصبا على فكرة محددة، وإنما يتحول إلى سلسلة متتابعة من الأوصاف والاتهامات والإيحاءات، يصبح من حق القارئ أن يتساءل عن الوظيفة التي يؤديها هذا الخطاب داخل المجال الأكاديمي، وعن النتائج التي يمكن أن تترتب عليه في صورة الرجل وموقعه وثقة الآخرين به.

وهنا تحديدا ينبغي الانتباه إلى البعد المؤسسي الذي لا يجوز تجاهله. فالأستاذ الجامعي لا يعيش في فراغ؛ فسمعته العلمية جزء من موقعه الأكاديمي، وموقعه الأكاديمي يرتبط بلجان ومؤسسات ودوائر علمية وقرارات تتصل بمسيرته ومسيرة غيره. ومن ثم فإن تحويل الخلاف الفكري إلى خطاب يمس السمعة والمكانة لا يبقى مجرد كلام عابر، بل يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط مؤسسي، لتنحية الرجل من مهامه بالجان والمؤسسات والدوائر العلمية التي يرتبط بها؛ حتى لو لم يصرح النص بذلك صراحة.

ولا أقول إن هذا وحده يثبت نية محددة لدى كاتب المقال، فالنوايا لا تثبت بالتخمين، ولا يصح أن ننسب إلى أحد قصدا خفيا من غير بينة. لكن النقد الجاد لا يقف عند النيات، بل ينظر أيضا في وظيفة الخطاب وأثره المحتمل. والسؤال هنا ليس ماذا كان في داخل الكاتب؟ وإنما ماذا يفعل النص إذا أخذناه كما هو؟ إنه لا يكتفي بتفنيد رأي حسن حماد، بل يضعه أمام سلسلة من الأحكام التي يمكن أن تؤثر في صورته العلمية والمؤسسية. وهذه نتيجة موضوعية يمكن للقارئ أن يراها في بنية النص نفسه، دون حاجة إلى ادعاء معرفة ما تخفيه النيات.

وتزداد المسألة دلالة حين يستدعي المقال عنوان "تصفية الحسابات الشخصية". فالمفارقة أن الكاتب يحذر من تصفية الحسابات، بينما يبني في الوقت نفسه خطابا شديد التركيز على شخص بعينه، محاطا بسلسلة من الاتهامات والتوصيفات. وهنا لا يكون السؤال اتهاما مضادا، وإنما سؤالا منهجيا وهو؛ متى يكون الحديث عن تصفية الحسابات كشفا لمنهج الخصم، ومتى يمكن أن يتحول هو نفسه إلى جزء من معركة تصنع للخصم صورة معينة في وعي الجمهور؟

والأمر نفسه ينطبق على أسلوب الإشارة غير المباشرة إلى الشخص، فعدم ذكر الاسم بصورة صريحة لا يعني بالضرورة أن الشخص خرج من دائرة الاستهداف؛ بل قد يكون التلميح، حين تتراكم حوله الأوصاف والاتهامات، أكثر تأثيرا من التصريح، لأن القارئ يصبح شريكا في استكمال الصورة، وهنا يتحول الخطاب من مجرد إخبار إلى توجيه لطريقة القراءة.

أما الاعتذار الذي يأتي في نهاية هذا النوع من الخطاب، فإنه يحتاج بدوره إلى قراءة دقيقة. فالاعتذار الحقيقي يعيد الأمور إلى أصلها، يحدد الخطأ، ويتراجع عن العبارة محل الاعتراض، ويغلق الباب أمام استمرار الاتهام. أما إذا بقيت الصورة الأساسية للشخص كما هي، وبقيت الاتهامات حاضرة في ذاكرة القارئ، ثم جاء الاعتذار في صيغة لا تسحب جوهر ما قيل، فإن الاعتذار قد يتحول من إغلاق للملف إلى صورة أكثر تهذيبا من استمرار الملف. وهنا يحق للقارئ أن يسأل، عما كان الاعتذار تحديدا؟ وما الذي سحب؟ وما الذي بقي قائما بعده؟

إن المشكلة الحقيقية في هذا الخطاب ليست أنه شديد اللهجة؛ فالفكر لا يخاف من الحدة، والفلسفة لا تزدهر بالمجاملات. وإنما المشكلة حين تتحول الحدة من قوة في الحجة إلى قوة على الشخص، وحين تصبح الأوصاف بديلا عن البرهان، والإيحاءات بديلا عن الأدلة، واستدعاء السلطة بديلا عن الحجاج.

ولا ندافع هنا عن حسن حماد لأنه لا يخطئ، ولا لأن كل ما قاله ينبغي أن يقبل بلا مناقشة، بل ندافع عن قاعدة أعمق من الأشخاص جميعا، إذا أخطأ الأستاذ، فليكشف خطؤه بالدليل؛ وإذا بالغ، فلتحدد مواضع المبالغة؛ وإذا أخطأ في توصيف ظاهرة، فلتدرس الظاهرة ويصحح توصيفها؛ وإذا اختلف في موقف فكري، فليواجه بموقف فكري أقوى. أما أن يتحول اختلافه إلى مدخل لبناء صورة سلبية عنه، وربط هذه الصورة بسياقات أخلاقية ووطنية وقانونية ومؤسسية، فهنا نكون قد غادرنا ميدان الفلسفة إلى ميدان آخر.

والأمر يستحق وقفة أعمق لأن تكرار الهجوم على الشخص نفسه لا يمكن التعامل معه دائما باعتباره مجرد تكرار عابر. فقد تتحول كثرة التكرار إلى صناعة تدريجية لصورة ذهنية مستقرة، كل مرة تضاف تهمة، وكل مقال يضيف وصفا، وكل إشارة تربط الاسم بسياق أكثر خطورة من سابقه، حتى يصبح القارئ في النهاية أمام صورة مكتملة لا يتذكر معها ربما أين بدأت القضية الأصلية. وهذه آلية معروفة في الخطاب العام، وهي أن التكرار لا يثبت الاتهام، لكنه قد يثبت صورته في الوعي.

ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في الوسط الأكاديمي ليس أن يختلف أستاذان، بل أن تتحول الخلافات العلمية إلى حملات تستبدل نقد الفكرة بإضعاف صورة صاحبها. فالجامعة لا تحميها المجاملة، وإنما يحميها معيار واحد يسري على الجميع، فمن حق كل أستاذ أن ينتقد زميله، ومن حقه أيضا أن يختلف معه في الفلسفة والعلمانية والحداثة وكل ما شاء، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من الخلاف الفكري سلما إلى إدانة أخلاقية أو سياسية أو قانونية ما لم يقدم لكل مستوى من مستويات الإدانة دليله المستقل.

فالفلسفة، قبل أن تكون مقررات ومناهج وأسماء ومواقع، هي امتحان دائم لحرية العقل، ولذلك فإن من يدافع عن الفلسفة مطالب بأن يقبل أول اختباراتها، بأن يخضع هو نفسه للنقد، وأن يحتمل الاختلاف، وأن يميز بين نقد الفكرة وإدانة صاحبها. فليس في الفلسفة رأي مقدس، وليس فيها شخص فوق المساءلة، لكن ليس فيها أيضا شخص يتحول إلى متهم لمجرد أن رأيه لم يعجب خصمه.

ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقال- في نظري- ليس هو هل حسن حماد على صواب في كل ما قال؟ فهذا سؤال جزئي يمكن أن يجيب عنه الدليل. وإنما السؤال الأعمق هو: هل كان موضوع المقال هو بالفعل الدفاع عن الفلسفة، أم أن الفلسفة أصبحت في بعض لحظات الخطاب ستارا لمعركة تتجاوز حدود الفكرة إلى الشخص والمكانة والموقع؟

إن هذا السؤال لا يتهم أحدا بنية خفية، لكنه يقرأ النص في وظيفته وآثاره. وحين يكون شخص بعينه هو محور سلسلة متكررة من الاتهامات، وحين تنتقل اللغة من نقد رأيه إلى التشكيك في وعيه وانتمائه ووطنيته وأخلاقه، ثم تقترب من استدعاء مؤسسات الدولة والقانون، فمن الطبيعي أن يتساءل القارئ عما إذا كان الهدف قد انتقل من إقناع الناس بخطأ فكرة إلى التأثير في نظرتهم إلى صاحبها ومكانته.

وهنا تصبح الإشارة إلى الموقع الأكاديمي أكثر من مجرد تفصيل عابر. فإذا كان الصراع يجري في فضاء تتداخل فيه لجان علمية ومواقع أكاديمية ومراكز تأثير، فإن السؤال عن المستفيد من إضعاف صورة شخص بعينه ليس اتهاما، وإنما جزء من القراءة النقدية للسياق. لا سيما إذا كان هناك، في الخلفية الأكاديمية، تنافس أو تداول محتمل على مواقع المسؤولية العلمية. وحينها لا يعود كافيا أن نسأل: من قال ماذا؟ بل يصبح من المشروع أيضا أن نسأل: ماذا يمكن أن يترتب على هذا الخطاب؟ ومن الذي يمكن أن تتعزز مكانته إذا تراجعت مكانة الطرف الآخر؟

ومرة أخرى، لا يعني طرح هذه الأسئلة الجزم بأن الكاتب قصد الإقصاء أو سعى إليه، فذلك أمر يحتاج إلى بينة مستقلة عن النص. لكن تجاهل هذا البعد تماما قد يكون سذاجة نقدية أيضا، لأن الخطاب الأكاديمي لا يعيش خارج مؤسسات القوة والمكانة. والناقد الذي يريد أن يكون عادلا لا يقرأ الكلمات فقط، بل يقرأ السياق، ويقرأ تكرار الاستهداف، ويقرأ اتجاه الخطاب، ويترك للقارئ أن يربط بين العناصر دون أن يفرض عليه نتيجة مسبقة.

وهنا تتضح المسافة بين النقد الذي يحرر العقل والخطاب الذي يحشد العقل. الأول يضع الأدلة أمام القارئ ثم يترك له الحكم، أما الثاني فيبني للخصم صورة مسبقة ثم يدعو القارئ إلى إصدار الحكم عليها. الأول يجعل الحجة في المقدمة والشخص في الخلفية، والثاني يجعل الشخص في المقدمة ثم يبحث عن الحجج التي تؤكد صورته.

ولهذا فإن الرد الحقيقي على هذا النوع من الخطاب لا يكون بشتم صاحبه ولا بإنتاج خطاب مضاد من النوع نفسه، وإنما بإعادة النقاش إلى موضعه الطبيعي، فكرة أمام فكرة، ودليل أمام دليل، وموقف أمام موقف. فإذا كان هناك خلل في رؤية حسن حماد للفلسفة، فليكشف الخلل. وإذا كان هناك قصور في حديثه عن بعض المشتغلين بها، فليبين القصور. وإذا كان ثمة اتجاه فكري داخل الوسط الفلسفي يستحق النقد، فليكن النقد صريحا ومنهجيا. أما تحويل الأستاذ إلى قضية، والقضية إلى ملف، والملف إلى صورة تهدد مكانته، فليس ذلك من الفلسفة في شيء.

الفلسفة لا تحتاج إلى محاكمات شخصية كي تنتصر، ولا تحتاج إلى تأليب سلطة على خصم فكري كي تثبت قوتها. إنها تحتاج فقط إلى عقل حر، وحجة واضحة، ونقد يقبل أن يوجه إليه ما يوجهه إلى غيره. ومن لا يستطيع أن ينتصر لفكرته إلا بعد أن يهزم صورة خصمه، قد يكون قد ربح معركة الخطاب، لكنه لم يربح معركة الفكر.

وربما يكون أكثر ما يحتاجه هذا المشهد كله هو أن نتذكر قاعدة بسيطة كثيرا ما ننساها حين تتحول الاختلافات إلى خصومات، ليس المطلوب أن نحب أفكار بعضنا، وإنما المطلوب أن نحترم حقها في أن تواجه بالحجة، وحق أصحابها في ألا تتحول أخطاؤهم إلى ذريعة لمحاكمتهم خارج ميدان الفكر. فحين يصبح نقد الفكرة طريقا إلى إقصاء صاحبها، لا تكون الفلسفة قد خسرت خصما فحسب، بل تكون قد خسرت شيئا من معناها.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم