عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

في المجتمعات غير الصحية تزدهر الخرافات الطبية

انتشرت خرافة "نظام الطيبات" في المجتمعات العربية والإسلامية الراهنة كالنار في الهشيم نتيجة تضافر عوامل بنيوية سياسية واقتصادية وثقافية معقدة؛ فهل كان تفاقم الفقر وغياب التغطية الشاملة للتأمين الصحي الدافع الأساسي لالتجاء البسطاء إلى هذه الأوهام العلاجية كبديل رخيص؟ أم أن الجهل وتجذر الثقافة السحرية والخرافية في الوجدان الجمعي هو الذي مَهّد البيئة الخصبة لتقبل هذه الادعاءات دون وعي علمي؟ وبأي قدر ساهمت خوارزميات السوشيال ميديا ومنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة وتسريع وتيرة انتشارها عبر صناعة "تريندات" مضللة؟ أم أن هناك أبعاداً أخرى غائبة، كأزمة الثقة في المؤسسات الطبية الرسمية، تجعل من هذا الانتشار نتاجاً لتداخل وتشابك كل هذه الأسباب معاً؟ تلك الأسئلة وغيرها هي التي ناقشتها ندوة البارحة في منتدى الفكر والفلسفة بعنوان «التدليس في الممارسات الطبية وطرق كشفه»، قدمها الطبيب والمثقف المصري الدكتور بهي الدين مرسي، وأدارها الأستاذ الدكتور بهاء درويش، أستاذ الفلسفة المتفرغ بكلية الآداب – جامعة المنيا، وعضو اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا باليونسكو – باريس. وقد أثارت الندوة في ذهني سؤالًا أوسع من موضوع التدليس الطبي المباشر: كيف يمكن أن نفهم عودة السحر والشعوذة والخرافة إلى المجال الطبي في مجتمعات عربية معاصرة واولها مصر واليمن والعراق والسودان وغيرها، في الوقت الذي تعيش فيه البشرية ثورة طبية وتكنولوجية غير مسبوقة جعلت صحة الإنسان ورفاهه وسعادته ومتوسط عمره واحدة من أهم مؤشرات تقدم المجتمعات ونجاح سياساتها؟

وتعد ظاهرة «نظام الطيبات» الذي روج لها ضياء العوضي مثالا يستحق البحث والدراسة إذ تحول من مجرد منظومة غذائية إلى ظاهرة اجتماعية وفكرية وإعلامية واسعة، الأمر الذي يجعل السؤال عنه يتجاوز بكثير حدود الطعام والحمية: لماذا انتشرت هذه الظاهرة بهذه السرعة؟ هل لأن الفقر يجعل الإنسان يبحث عن علاج أقل كلفة؟ أم لأن الخوف من المرض والموت يجعله أكثر قابلية لتصديق الوصفات السحرية؟ أم لأن الجهل وضعف الثقافة العلمية يحرمان الإنسان من أدوات التمييز بين المعرفة والوهم؟ أم لأن الثقافة السحرية والخرافية ما زالت حاضرة في بنية الوعي الاجتماعي العربي؟ أم أن السوشال ميديا جاءت لتجمع هذه العوامل كلها وتمنح الخرافة قوة انتشار لم تكن متاحة لها في أي عصر سابق؟ أعتقد أن الإجابة لا تكمن في سبب واحد، وإنما في شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والنفسية والثقافية والسياسية والإعلامية، بحيث يصبح «نظام الطيبات» مجرد عرض من أعراض مرض اجتماعي أعمق، هو قابلية المجتمع غير الصحي لتصديق الوهم والبحث عن الخلاص خارج المعرفة العلمية.

فإذا أردنا أن نفهم ظاهرة شيوع السحر والشعوذة في المجال الطبي العربي اليوم، علينا أولًا أن نفهم أن المرض ليس مجرد خلل عضوي يصيب عضوًا من أعضاء الجسم، وإنما هو تجربة وجودية تهز الإنسان من الداخل وتذكره فجأة بهشاشته وحدوده وعجزه أمام الموت؛ فالإنسان السليم يعيش عادةً في حالة من النسيان الجميل لجسده، يأكل وينام ويعمل ويسافر ويخطط للمستقبل وكأن الصحة حق مكتسب لا يمكن أن يُنتزع منه، لكنه عندما يمرض يكتشف أن ذلك الجسد الذي لم يكن يشعر بوجوده هو الشرط الأول لكل شيء، وأن الصحة التي كان يتعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا ليست كذلك على الإطلاق. ولهذا ظل المرض منذ أقدم العصور، إلى جانب الموت، أحد أكبر مصادر الخوف الإنساني، وارتبطت به عشرات المفاهيم والتسميات: الداء والعلة والسقم والوجع والألم والوهن والعجز والضنى والضر والوباء والابتلاء وغيرها، وكلها تعكس محاولات الإنسان القديمة لفهم ما يعجز عن تفسيره والسيطرة على ما يخشاه.

ومن هنا يمكن أن نفهم ذلك الحلم الإنساني القديم بالعثور على «إكسير الحياة» وحجر الفلاسفة والوصفة السحرية التي تمنح الإنسان الصحة الدائمة والشباب الأبدي وتؤجل الموت؛ فقد تغيرت اللغة والأدوات والأسماء، لكن الرغبة الإنسانية في هزيمة المرض والعجز والموت لم تتغير. كان الإنسان القديم يلجأ إلى الساحر والكاهن لأنه لم يكن يعرف الأسباب العلمية للمرض، أما الإنسان المعاصر فقد يلجأ إلى «خبير» يظهر على شاشة هاتفه، أو إلى معالج شعبي، أو إلى طبيب يتحدث خارج حدود اختصاصه، أو إلى رجل دين يقدم وصفة طبية، كما كان يفعل عبد المجيد الزنداني في اليمن لأن الجميع يشتركون في تقديم الإجابة التي يريدها الإنسان الخائف: هناك سر لا تعرفه، وهناك طريق للخلاص. وهنا تكمن المفارقة الحضارية؛ فقد انتقلنا من عصر السحر والكهانة إلى عصر الطب التجريبي والعلم الحديث، لكن الخرافة لم تختف، وإنما غيرت لغتها وأدواتها ووسائط انتشارها، فأصبحت أحيانًا ترتدي معطف الطبيب، أو تستعير لغة العلم، أو تتدثر بالمقدس، ثم تجد في وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا عالميًا مفتوحًا.

ولعل ما يحدث في اليمن يقدم نموذجًا صارخًا لهذه المفارقة؛ فقد أشارت تقارير ودراسات ميدانية سابقة إلى انتشار مراكز وممارسات العلاج بالشعوذة في صنعاء ومناطق يمنية أخرى، وإلى أعداد كبيرة من المواطنين الذين يلجؤون إلى السحر والشعوذة، فضلًا عن إنفاق مبالغ كبيرة على هذه الممارسات. وتفيد الأرقام المتداولة في تقرير سابق لصحيفة «الثورة» اليمنية بوجود أكثر من 200 مركز للعلاج بالشعوذة ظهرت في العاصمة صنعاء خلال سنوات سابقة، وأن ما يقارب 300 ألف مواطن ومواطنة اضطروا إلى اللجوء إلى العلاج بالسحر والشعوذة، وأن النساء يمثلن نسبة كبيرة منهم، فضلًا عن آلاف الممارسين لهذه الأنشطة ومبالغ تنفق سنويًا عليها. وسواء اختلفنا مع بعض تفاصيل هذه الأرقام أو احتجنا إلى تحديثها والتحقق منها ميدانيًا، فإن الظاهرة ذاتها لا يمكن إنكارها، وهي التي تستحق منا أن نسأل: كيف يمكن لمجتمع عاش عقودًا في ظل التعليم الحديث والجامعة والطب والمستشفى والإعلام أن يعود في لحظة تاريخية إلى الكاهن والمشعوذ والعراف؟

إنها، في تقديري، واحدة من أكثر المفارقات سريالية في الحالة العربية المعاصرة؛ فبينما استطاعت الحضارة الحديثة أن تفكك كثيرًا من أسرار المرض، وأن تطور اللقاحات والأدوية والجراحة والتشخيص المبكر، وأن تجعل متوسط العمر يرتفع في كثير من المجتمعات، نجد قطاعات من مجتمعاتنا تعود إلى اللحظة البدائية، لا لأن الإنسان اليمني أو العربي أقل ذكاء من غيره، وإنما لأن شروط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تنتج العقل وتعيد تشكيله قد تدفعه إلى النكوص عندما تنهار مؤسسات المعرفة والثقة والحماية الاجتماعية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يؤمن الناس بالسحر؟ وإنما: ما الذي حدث للمجتمع حتى أصبح السحر مرة أخرى يبدو لبعض أفراده خيارًا معقولًا؟

لا شك إن الأفكار التي يحملها الناس عن المرض والصحة والعجز والموت والحياة لا تولد في فراغ، وإنما تنبع من علاقاتهم الاجتماعية وشروط حياتهم اليومية، ومن المؤسسات التي تحكمهم ومن أنماط السلطة والمعرفة التي تحيط بهم. وفي الحالة اليمنية الراهنة، حيث تراجعت مؤسسات الدولة الحديثة، وتدهورت الخدمات الصحية، واتسعت دائرة الفقر، وانخفضت الثقة بالمؤسسات، وأصبحت الحرب والعنف والانقسام السياسي والطائفي جزءًا من الحياة اليومية، يصبح انتشار السحر والشعوذة والخرافة الطبية أحد أعراض الانهيار العام في بنية المجتمع، لا ظاهرة منفصلة عنه. وحين تصبح الخرافة جزءًا من خطاب السلطة أو الجماعة أو المؤسسة الدينية، فإنها لا تعود مجرد اعتقاد فردي، وإنما تتحول إلى أداة من أدوات إعادة إنتاج الوعي والسيطرة عليه؛ فالناس، كما يقول المثل، «على دين ملوكهم»، أو بصورة أكثر دقة: إن الناس يتأثرون بالثقافة التي تنتجها السلطة وتعيد المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والدينية إنتاجها بحسب نظرية ميشيل فوكو عن المعرفة والسلطة؛ فكل سلطة لا تكتفي بإدارة الناس بالقوة، وإنما تنتج أيضًا أشكال المعرفة والخطابات التي تبرر وجودها وتمنحها الشرعية وتعيد إنتاجها. والسياسة الطبية ليست استثناءً من هذه القاعدة؛ فالطب نفسه يدخل في شبكة من علاقات القوة والمعرفة، ولذلك يصبح السؤال السوسيولوجي الأهم ليس فقط: ماذا يفعل الناس؟ وماذا يقولون؟ وماذا يعتقدون؟ وإنما: لماذا يفعلون ما يفعلونه؟ ولماذا يقولون ما يقولونه؟ ومن أين جاءت هذه الأفكار التي تحولت إلى عادات وممارسات؟ إن الممارسة الظاهرة ليست إلا الجزء المرئي من جبل الجليد، أما الجزء الأعظم فيختبئ في البنية الثقافية والنفسية والاقتصادية والسياسية التي تنتج تلك الممارسة وتمنحها معناها.

في دراستي للأسس الفكرية للصحة الاجتماعية قبل سنوات استوقفني كتاب مهم لعالم الاوبئة

البريطاني ريتشارد ويلكنسون بعنوان (المجتمعات غير الصحية: علل عدم المساواة) ترجمه محمد منير الأصبحي ونشرته مكتبة الملك فهد الوطنية. من المتب المهمة جدًا لفهم هذه الظاهرة؛ فويلكنسون لا يختزل صحة المجتمع في مقدار الثروة التي يمتلكها، وإنما في: كيفية توزع هذه الثروة؟ وما طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تنتجها؟ وما مقدار العدالة أو عدم المساواة الذي يعيشه الناس؟ فالمجتمعات الغنية ليست بالضرورة مجتمعات صحية، لأن الصحة العامة لا تتحدد بالدخل الإجمالي وحده، وإنما تتأثر بشدة بمستوى التفاوت الاجتماعي وعدالة توزيع الفرص والثروة ، وبالمكانة النسبية للفرد، وبدرجة الثقة والتماسك الاجتماعي، وبالشعور بالكرامة والأمان والانتماء إذ أكد بالمجتمع غير المتكافئ لا ينتج الفقر المادي فقط، وإنما ينتج أيضًا فقرًا نفسيًا واجتماعيًا ورمزيًا. فالإنسان الذي يعيش في أسفل السلم الاجتماعي تحت ضغط دائم من الحاجة والمهانة وعدم الأمان لا يتأثر جسده بالفقر وحده، وإنما يتأثر أيضًا بالإجهاد المزمن والشعور بالدونية والعجز وفقدان السيطرة على الحياة. وعندما تتآكل الثقة الاجتماعية، وتضعف الروابط بين الناس، ويشعر الفرد بأنه متروك لمصيره في مواجهة المرض والبطالة والفقر والموت، فإنه يصبح أكثر قابلية للبحث عن بدائل تمنحه الشعور بالسيطرة والمعنى، حتى لو كانت هذه البدائل خرافية. وهنا تصبح الشعوذة ليست مجرد جهل، وإنما آلية نفسية واجتماعية للتكيف مع واقع غير محتمل.

التفاوت الاجتماعي لا يهدد صحة الفقراء وحدهم، وإنما يضر بالمجتمع كله، لأنه يضعف الثقة ويزيد القلق ويعمق الشعور بالظلم والحسد والقهر والحرمان، ويدفع الأفراد إلى البحث عن وسائل للهروب النفسي من واقعهم. ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة بين المجتمع غير الصحي والخرافة الطبية: فحين تكون الحياة نفسها غير صحية، يصبح من الطبيعي أن تبحث الجماعة عن حلول غير صحية لمشكلاتها الصحية فالصحة ليست، كما هو شائع، مجرد انتفاء المرض العضوي أو العقلي، وإنما هي حالة مركبة تشمل العافية الجسدية والنفسية والعقلية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية وغيرها من شروط الحياة الإنسانية. وقد عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها حالة اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية، وليس مجرد الخلو من المرض أو الوهن. وإذا أخذنا هذا التعريف في أبعاده الاجتماعية والفلسفية، فإن صحة الإنسان لا يمكن أن تتحقق في مجتمع مريض بالظلم والفقر والحرب والخوف وانعدام الثقة؛ لأن الجسد يعيش داخل المجتمع، والنفس تتشكل داخله، والعقل يتغذى من ثقافته، والصحة الفردية في نهاية المطاف ليست منفصلة عن الصحة الاجتماعية.

وإذا كان الفقر والخوف والمرض يشكلون مثلثًا نفسيًا واجتماعيًا يمهد الطريق واسعا للسحر والشعوذة والخرافة ، فإن السوشال ميديا تمثل ضلعًا رابعًا شديد الخطورة؛ فهي تمنح الخرافة قدرة هائلة على الانتشار وإعادة الإنتاج، وتحوّل القصص الشخصية إلى أدلة، والمشاهدات إلى شرعية، وعدد المتابعين إلى سلطة معرفية وهمية. وهكذا يمكن لوصفة غذائية أو قصة علاج بالسحر أو الأعشاب أو الرقية أن تنتشر في ساعات بين ملايين الناس، بينما يحتاج البحث العلمي إلى سنوات حتى يمر بمراحل الاختبار والمراجعة والنشر. وهذه المفارقة الزمنية بين بطء العلم وسرعة الخرافة تجعل المجتمعات التي تعاني أصلًا من ضعف التعليم والثقة والمؤسسات أكثر تعرضًا للتضليل.

ولهذا فإن «نظام الطيبات» نموذجًا معبرا ظاهرة اعمق؛ ظاهرة تتعلق بالإنسان عندما يواجه الفقر والمرض والخوف، فيبحث عن معنى وعن أمل وعن قدرة على التحكم في مصيره، فتأتي الخرافة لتقدم له ما يعجز الواقع عن تقديمه: يقينًا سريعًا وحلًا بسيطًا ووعدًا بالشفاء. وقد تناولت صحيفة «الغارديان» البريطانية الظاهرة في تقرير عن تنامي تأثير «نظام الطيبات» رغم المخاطر المرتبطة به، وهو ما يؤكد أن المسألة لم تعد مجرد حمية غذائية فردية، وإنما أصبحت ظاهرة إعلامية واجتماعية تستحق الدراسة والنقد.

ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون بالسخرية من ضحاياها أو بوصفهم بالجهلاء، وإنما تبدأ بإصلاح شروط الحياة التي تنتجها: تعليم علمي جيد، وتأمين صحي عادل، ومؤسسات طبية موثوقة، وأطباء يحترمون عقل المريض ويستمعون إليه، وإعلام صحي مسؤول، ومناهج مدرسية تعلم التفكير النقدي، وتشريعات تلاحق التدليس الطبي، ومنصات رقمية أكثر مسؤولية في التعامل مع المعلومات الصحية. فالإنسان الذي يشعر بالأمان أقل قابلية للخرافة من الإنسان المذعور، والإنسان الذي يملك تأمينًا صحيًا أقل حاجة إلى الوصفة السحرية من الإنسان الذي لا يستطيع شراء الدواء، والمجتمع الذي يتمتع بالثقة والتماسك أقل استعدادًا لتصديق من يبيع له الوهم.

وفي النهاية، ربما يكون الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من «نظام الطيبات» ومن انتشار الشعوذة الطبية في مجتمعاتنا هو أن صحة المجتمع لا تبدأ من المستشفى فقط، وإنما من طبيعة المجتمع نفسه؛ من مستوى العدالة فيه، ومن توزيع الثروة، ومن التعليم، ومن الثقة، ومن الأمن، ومن الكرامة الإنسانية، ومن قدرة الفرد على أن يعيش حياة يشعر فيها بأنه قادر على التحكم في مصيره. وهذا هو المعنى العميق الذي يساعدنا كتاب ريتشارد ويلكنسون، المجتمعات غير الصحية: علل عدم المساواة، على فهمه: إن المجتمع الذي يترك الناس في حالة دائمة من التفاوت والقهر والخوف لا ينتج أمراضًا عضوية ونفسية فقط، وإنما قد ينتج أيضًا ثقافة مرضية تبحث عن الشفاء في المكان الخطأ.

فالفقير لا يواجه المرض بالطريقة نفسها التي يواجهه بها الغني، فحين يمرض الإنسان القادر يستطيع أن يدفع ثمن الفحوص والتحاليل، ويزور أكثر من طبيب، ويحصل على رأي ثانٍ، ويشتري الدواء، وربما يسافر إلى بلد آخر بحثًا عن العلاج، بينما يقف الفقير أمام المرض وهو يفكر أولًا في سؤال مختلف تمامًا: كم سيكلفني العلاج؟ ومن أين سأدفع ثمن الدواء؟ وماذا سأفعل إذا احتجت إلى عملية أو علاج طويل؟ ولهذا تصبح الوصفة الرخيصة أكثر جاذبية، فإذا قيل للمريض: لا تحتاج إلى هذه الفحوص، ولا إلى هذه الأدوية المكلفة، ولا إلى زيارة الطبيب، وإنما تحتاج فقط إلى تغيير طعامك واتباع نظام معين، فإن الخطاب يجد في فقره أرضًا خصبة. ومن هنا فإن محاربة الخرافة الطبية ليست مسألة ثقافية فقط، بل هي أيضًا مسألة سياسية بالاساس ؛ فالتأمين الصحي العادل، والطب الجيد المتاح للفقراء، وخفض كلفة العلاج، واستعادة الثقة بالمؤسسة الطبية، كلها أدوات حقيقية في مكافحة الخرافة، لأن المجتمع الذي يترك الفقير وحيدًا أمام المرض لا ينبغي أن يتفاجأ عندما يبحث الفقير عن أبواب أخرى للأمل.

فالمعركة الحقيقية ليست بين الطب والشعوذة فقط، بين العلم والخرافة وإنما هي بين الطغيان والعدالة بين مجتمع صحي ومجتمع غير صحي؛ بين ثقافة تنتج العقل النقدي وثقافة تنتج العقل الخرافي؛ بين دولة تحمي الإنسان ودولة تتركه وحيدًا أمام المرض؛ وبين معرفة تقول للإنسان «اختبر واسأل وتحقق»، وخرافة تقول له «صدقني ولا تسأل».

ولعل أعظم وصفة صحية نحتاج إليها المجتمعات العربية اليوم ليست «نظام طيبات» جديدًا، ولا عشبة سحرية، ولا وصفة مقدسة، وإنما بناء شروط الحياة الإنسانية الكريمة التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش صحيحًا، كريمًا، آمنًا، متعلمًا، ومطمئنًا. فالصحة في معناها الإنساني الأوسع ليست مجرد غياب المرض، وإنما القدرة على الحياة الطيبة، والعيش بكرامة، والتمتع بالأمان والرفاه والمعنى. أما حين يصبح الفقر والمرض والخوف قدرًا يوميًا، فإن الخرافة لن تكون بعيدة؛ إنها ستجد دائمًا طريقها إلى الجسد والعقل والروح.

وهكذا علينا النظر إلى «نظام الطيبات» العوضي ومخاطره لا باعتباره قضية غذائية معزولة وخرافة طبية رائجة ولا بإدانة صاحبه الذي مات في ظروف غامضة ولا بتسفيه وتجهيل المصدقين والمروجين له ولا بتعداد ضحاياه ، وإنما باعتباره مرآة كاشفه لسيكولوجية الفقر والخوف والمرض؛ مرآة تكشف كيف يبحث الإنسان المقهور عن النجاة، وكيف يمكن للوهم أن يتحول إلى أمل، وللأمل إلى اعتقاد، وللاعتقاد إلى ممارسة، وللممارسة إلى سوق، ثم إلى مؤسسة، وربما إلى سلطة لا تقل خطرًا عن المرض الذي جاءت لتعالجه.

وحين يشعر الإنسان أن حياته مصانة وكرامته محفوظة، تقل حاجته إلى البحث عن الخلاص في عالم السحر والشعوذة.

إن الفقر قد يجعل الإنسان يبحث عن الأرخص، والمرض يجعله يبحث عن الأسرع، والخوف يجعله يبحث عن الأمل، والجهل قد عاجزًا عن التمييز؛ لكن مسؤولية الدولة العادلة هي الحيلولة دون أن تتحول هذه الحاجات الإنسانية المشروعة إلى سوق مفتوحة للعبث وبيع الأوهام.

وفي الختام، تظل الصحة أعظم نعمة لا نشعر بها إلا حين نفتقدها، والمرض أعظم معلم قاسٍ يذكرنا بهشاشتنا. ويرحم الله ضحايا نظام الطيبات الذين صدقوا ضياء العوضي.

***

ا. د. قاسم المحبشي

تمتلك كثير من المجتمعات العربية نخبة علمية متقدمة في مختلف المجالات المعرفية. لا تنفك الجامعات العربية عن التقدم في التصنيفات الدولية للجامعات مقارنة بنظيراتها الإقليمية والدولية. في حين ينشط نخبة من الأطباء والمهندسين والعلماء في العالم العربي على مستوى عال ومتقدم. بل وينجح الكثير من العلماء العرب الذين ترعرعوا في العالم العربي بشق طريقهم فيي مختلف مختبرات ودول العالم. لكن الواقع ليس بهذه الإيجابية. تصدر الولايات المتحدة الأميركية وحدها (حوالي 349 نسمة) سنويّا أبحاثا علمية أكثر من ثلاث وعشرين دولة عربية مجتمعة (حوالي 450 نسمة). هناك الكثير من الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى هذا الضعف الكبير بالإنتاج العلمي. هنا، سنركز على أحد العوامل المساهمة والمهمة وهو الخطاب العلمي العربي وكيف يساهم تدريس العلوم باللغات الأجنبية في ضعضعة مكانة المعرفة في المجتمعات العربية.

المعرفة العلمية بوصفها خطابًا

 لشرح مفهوم المعرفة العلمية، سنلجأ للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو وكيف ميز بين الجملة والعبارة. الجملة العلمية لا تصبح معرفة لمجرد أنها صحيحة على الصعيد النحوي واللغوي. تحتاج الجملة لتصبح عبارة إلى مؤسسات معترف بها ومتكلمين مخولين التكلم بمثل هذا خطاب. المؤسسات هي مراكز الأبحاث والجامعات والأشخاص هم الأكاديميون والعلماء. يعتمد الخطاب العلمي على مجموعة من المناهج والمفاهيم المتوافق عليها والبنية التحتية المادية كالمجلات والكتب وقواعد البيانات.

 سأعطي مثالا من مجالي البحثي على ذلك. ان الجملة "أعيد تعيين هذا الكودون" هي جملة صحيحة نحويًّا. في علم الأحياء الجزيئية الناطق بالانكليزية، تنتمي هذه الجملة إلى شبكة كثيفة من المفاهيم والممارسات تخولها لتصبح عبارة معرفية في الخطاب العلمية. نستطيع ترجمتها إلى العربية، كما فعلت أعلاه، لكن الترجمة وحدها لا توفر لها البنية الخطابية المحيطة التي تجعلها سهلة الفهم والتدريس ولا تمنحها القدرة على انتاج معرفة جديدة. إذا، إن وجود المفردات، لا يعني بالضرورة وجود خطاب علمي.

ضعف الأرشيف العلمي العربي

 الأرشيف عند فوكو هو النظام التاريخي الذي يحدد إن كان أي من العبارات هي ذات معنى علمي. يحدد الأرشيف ما يمكن حفظه وتصنيفه في مرحلة معينة من تاريخ الخطاب العلمي. ويعود ضعف الأرشيف العلمي العربي ليس إلى غياب المصطلحات العربية القادرة على توصيف العلوم، فاللغة العربية لغة علوم أيضا كما كانت في عصور العرب الذهبية، بل إلى ضعف الشبكة المؤسسية التي تتداول هذه المصطلحات داخلها. أوجه الغياب تتجلى بغياب كتب دراسية علمية باللغة العربية، غياب صحافة علمية جادة، وغياب ترجمة علمية مؤسسية. إن الترجمات المتفرقة لا تغن ولا تسمن من جوع ولا تصنع أرشيفا علميا. المفاهيم العلمية تكتسب عمقها الاجتماعي من التكرار والنقد والتطبيق والارتباط بمفاهيم أخرى.

العلم بوصفه معرفة أجنبية وبعيدة اجتماعيًا

 تلقي العلم باللغات الأجنبية في الدول العربية يحدث شرخا في الصورة الاجتماعية للعلم. عندما تصبح اللغات الأجنبية كالانكليزية لغات الأدلة والمختبرات والخبرات، بينما تبقى العربية لغة المجتمع والحياة اليومية والسياسية والدينية والثقافية، فد يبدو العلم خارجا عن المجتمع. هنا ينشأ انقسام ضمني، العربية تعبر عن الهوية الاجتماعي، بينما تعبر الإنكليزية عن الواقع العلمي. في هكذا مجتمع، قد يحظى العلم باعجاب الكثيرين دون أن يصبح مملوكا اجتماعيا.

 يتشكل الخطاب العلمي فقط لدى الاكاديمين والخبراء العلميين في برجهم العاجي المتقن للغة الأجنبية ولا يحظى المتكلم العربي العادي إلا بفتات ترجمات متفرقة. في هذه الحالة يطلب من الجمهور قبول وفهم نتائج من دون المشاركة الكاملة في الخطاب الذي أنتجها. إضافة إلى ذلك، تصبح اللغة الإنكليزية ليست مجرد مهارة تواصل فحسب، بل تصبح شرطًا للدخول إلى التعليم العلمي وإلى مواقع السلطة المعرفية. بذلك تخلق فجوة أكبر بين المؤسسات العلمية والجمهور الأوسع.

النتائج على الفهم العام للعلم

 إن كل ما سبق أعلاه لا يعني أن الناس يعرفون معلومات أقل. الأهم ن ذلك أن المجتمع قد يمتلك قدرة أضعف على الوصول إلى الممارسات المفهومية للعلم. تسيء عامة المجتمع فهم القواعد الأساسية للعلم كمفاهيم الدليل وعدم اليقين والسببية والاختلاف العلمي المشروع. خذ مفهوم عدم اليقين كمثال، فالكثير من الناس يظنون أن فكرة عدم اليقين تعني أن العلم غير قادر على إرساء قواعد ثابتة وإجابات حقيقة بدون أن تتغير بعد فترة من الزمن. وهذا غير تقدير خاطئ حول آلية تقدم العلم. تمكن العلم عبر تاريخه من إرساء حقائق علمية ثابتة نعتمد عليها يوميا في مجالات الطب والهندسة والزراعة.

 قد يفهم العلم نتيجة لذلك كسلطة لا تناقش وبوصفه فرضا أجنبيا، لا ثروة إنسانية. الثقافة العلمية الناضجة تتطلب من المواطنين أن يناقشوا كيفية تبرير الادعاءات، لا أن يتلقوا النتائج فقط من المتخصصين.

الأمر ليس أمر مشاعر قومية أو صراع هوية

 إن تدريس العلم باللغة الأجنبية يمنح العلماء والمتعلمين ميزة الانخراط السريع والفعال في المجتمع الأكاديمي الناطق باللغة الإنكليزية. أما إذا درّس العلم باللغة العربية، فسيخسر هؤلاء هذه الميزة. وفي مجال علم الأحياء، أستطيع أن أرى من تجربة شخصية أن الكثير من العلماء المتمرسين يعانون من ضعف قدراتهم باللغة الإنكليزية.

 والأمر ليس اتهاما بأن اللغة العربية غير قادرة على احتواء العلم. فاللغة العربية تمتلك القدرة التعبيرية اللازمة للعلم، لكن هذه القدرة تحتاج إلى دعم مستمر عبر التعليم والنشر والتواصل العلمي والاستخدام العام. والأمر ليس تعصبا أعمى للغة الأم. إن تعلم العلم باللغة العربية ممكن إذ أن اغلب الدول الأوروبية المتقدمة علميا تدرس العلم بلغاتها المحلية. وإن كانت الحجة بصعوبة الانتقال من اللغة العربية إلى الإنكليزية، فالصين واليابان، بما يمثلون من مكانة علمية دولية مرموقة، يدرسون العلم بلغاتهم البعيدة كل البعد عن الإنكليزية.

الخاتمة: جعل العلم قابلًا للقول من داخل المجتمع

 إن ضعف الخطاب العلمي العربي هو في الوقت نفسه عرض من أعراض هامشية العلم اجتماعيا وآلية تعيد انتاج هذه الهامشية. لا ينبغي أن يكون الهدف هو عزل العلم العربي عن اللغة الإنجليزية وما تشكله من مركز ثقل الخطاب العلمي المعاصر، بل بناء ثقافة علمية ثنائية اللغة: تصل فيها الإنجليزية الباحثين بالعلم في مختلف ارجاء العالم، بينما تصل العربية العلم بالمجتمع. يصبح العلم قوة اجتماعية حقيقية لا حين تُترجم نتائجه فقط بشكل متناثر، بل حين يستطيع المجتمع أن يسائلها ويناقشها ويدرّسها ويعيد صياغتها بلغته الخاصة.

***

فضل فقيه – باحث

.......................

قراءات إضافية:

Foucault, M. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language (Pantheon Books, 1972).

حتى أَئِدَ أيّ افتراض غير دقيق، يُتوهَّم من العنوان، فإنّي أؤكد على كارثية القناعات المغلوطة قولا واحدا، وإنما غايةُ ما أرومُه هنا هو اعتبار المقارنة، فهناك طبقة متوغّلة من القناعات هي أخطر من القناعات التي نراها مغلوطة كما سأكشف عنها قريبا، على أن حكم الخطأ الذي ننسبه للقناعات إنما هو حكم نسبي، تتفاوت فيه الأذهان، فما هو خطأ لدى عقلٍ ما هو صواب لدى عقل آخر، وهلمّ جرّا، وحينما نصِم قناعة ما بكونها خطأ فهي من منظور الفرد ذاته بغضّ النظر عن دقة حكمه، ولا حكم مطلق على كل حال.

الأمر الآخر الذي يقتضي مني لفت النظر إليه في هذا المقام هو أن الإطار العام للقناعات التي يتطرق مقالي إليها هو  القناعات الشخصية التي تؤثر على الفرد، وتنعكس في سلوكه، وتتجسّد في استجابته للحياة، ولئن كانت القناعات الشخصية المغلوطة خطرا يجرّ إلى صاحبه ويلاتٍ جسيمة غير أنّه سرعان ما يتخلّص من آثارها متى ما انتبه إليها، وعمد إلى إصلاح ما أفسدته من مفاهيم متفرّعة أو إسقاطات عملية، والمفارقة في عالم الأفكار أن ما قد يراه الفرد خطأ قد يكون صوابا من وجهة نظر أخرى، فحتى ما يتبيّن لبعضنا خطؤه قد لا يكون خطأ بالمرة في مرآة البعض الآخر.

ولأنّ الإطار العام للقناعات المشار إليها هنا هو القناعات الذاتية، فمن الجيد أن أبدأ بهذه التوطئة التي لا بد منها، وهي أنّ كل حركة وسكون تصدر منا إنما يكون مردُّها قناعة داخلية ننطوي عليها، مترسخة فينا على تطاول الزمان، تقود ما يندُّ عنا من ممارسات، وتحكم عالمه، وتقنن مجراه، وتشعل جذوته.

هذه القناعات منها ما ندركه فينا، لدرجة أننا نرددها شعاراتٍ نفتخر بها أمام المَلأ أو في دوائرنا الخاصة على أقل تقدير، وهذا النوع من القناعات نستطيع محاكمته ومراجعته والوقوف على الزائف منه وتعديله؛ لأنه بَيّنٌ أمام إدراكنا، غير أنّه ثمة نوع من هذه القناعات الدخيلة مدفون فينا، غائر العمق، لا يصله إدراكنا الواعي إلا بشق الأنفس، رغم أنه يتغذى عليه، كما أنّ من هذه القناعات ما هو سلبي، ومنها ما هو إيجابي، وعن السلبي من هذا النوع من القناعات الخفية أتحدث في مقالي هذا، ومن أمثلة هاته القناعات: أنا فاشل في مهارة كذا، لا يوجد أحد صافي السريرة، يمكن انتهاك حق الإنسانية بالدين، لا يمكن أن أصل أبعد من كذا، الإجابات الوجودية نهائية وموجودة لدى طائفتي… إلخ.

إنّ خطورة هذه القناعات السلبية والمغلوطة الخفية، أنها شبحية، فنحن نستقي منها دون أن نعي بوجودها، ونصطدم بتحديات نفسية وفكرية وحياتية نحاول حلّها باعتبارها مشكلات، وما هي إلا ظواهر لمشكلة جذرية تتمثّل في قناعة سلبية داخلية غير واعية فينا أي بعيدة عن إدراكنا؛ ومن أجل ذلك لا تفتأ تظهر تلكم المشكلات بعد تراجعها المؤقت في كل مرة؛ لأن جذرها لم يُستأصل.

إن هذه القناعات السلبية المغروسة فينا إنْ كانت تفتّ في عضد كياننا وثقتنا بأنفسنا ونقاط قوتنا، أو كانت تشطح بنا شطحات فكرية، تجعلنا بُؤَر خراب تقوّض مجتمعاتنا، فهي أخطر من القناعات التي ندركها؛ لأننا ببساطة بالغة غير مدركين إيّاها، والتي عادة ما تكون قد تسللت إلينا من معتقد ديني سابق، أو تضليل إعلامي متقصّد، أو بقيت فينا من صدمات ماضية، خصوصا المراحل المبكرة من أعمارنا، إلى غيرها من أسباب.

إن خطرَ القناعات السلبية والمغلوطة الخفية يتعدّاها ليغذي قناعات صغرى متفرّعة منها، ومنها ما يتجسد مباشرة في هيئة تصرفات تصدر منّا باعتبارها معبّرة عن شخصيتنا، وسِمة أصيلةً فينا، وطبعا لا ننفكّ عنه، كقناعة الفشل، ومنها يتفرّع مثلا الخوف من التعبير عن الذات؛ لعدم الاستحقاق، أو الانسياق لانطباع الآخرين عنا؛ لأن الفرد بهذه القناعة الخفية يتشكك في إيمانه بذاته، ولأنّ الفرد ليس مدركا لقناعة الفشل الخفية؛ فهو يظن أن الخوف من التعبير عن الذات إنما هو مشكلة مجردة في الخوف من التحدث أمام الناس، وما إنْ يحاول إصلاح  ما يراه مشكلة - لكنه عَرَض للمشكلة المتمثلة في القناعة الخفية - حتى يعترف بعجزه بعدما يدرك كيف أن المشكلة تعاود الظهور مجددا ولو بعد حين.

مثالٌ ثانٍ يمكن أن يتمثّل في سلوك التعامل بعداء وهجومية مع الآخرين، ويراه الفرد في نفسه طبيعة شخصية جينية، وهو لا يعدو أن يكون إسقاطا لقناعة خفية، وربما ردة فعل نفسية، وهي أن كل الناس سفلة وضيعون، لكنه لا يدرك هذه القناعة بوعي في نفسه، فيعمد هذا الفرد إنْ أراد أن يقوّم من سلوكه إلى طباعه فيهذّبها، ويتعلم الأساليب، ويقرأ الكتب، ولكنه لا يفلح إلا بقدر ضئيل ومؤقت؛ لأن قناعته الداخلية الخفية ترفد طباعه المتشنّجة تلك.

مثال ثالث، أنْ يجد المرءُ في نفسه انقباضا في تقبّل أي فكرة جادّة في قضية ما، لا لشيء سوى أن قناعة دينية خفيّة مترسخة في ذهنه تقف سدا منيعا بينه وبين استمراء ما يعارضها، لكنه غير مدرك لهذه القناعة الدينية الضمنية المتجذرة في داخله، فلا يقرأ الأمر سوى أن الأدلة التي تعضد هذه الفكرة ليست بذاك، بينما الخلل يكمن في تشويشٍ هائل تقوم به خفيةً تلك القناعة الدينية، وتمارسه في آلة النقد الفردية دون أن ينتبه لها.

إذا كنا لا ندرك هذه القناعات السلبية والمغلوطة الخفية القابعة في دهاليز عقولنا، فكيف نعلم بوجودها حتى نتلافى أضرارها الجسيمة؟ هذا هو السؤال الملحمي الذي يجدر بنا أن نحشد له كل قوات وعينا الذاتي، ولربما تكمن الخطوة الأولى في الافتراض بوجودها بادئ الأمر، ثم التفتيش عنها في كل مشكلة عويصة تواجهنا إنْ شخصية وإنْ فكرية، خصوصا تلك المتكررة منها، ومحاولة التتبّع العكسي للفكرة المغذية، تتبعا إلى أقصى حد يمكننا الوصول إليه، تماما كما ننتبع في الشجرة الثمرة إلى غصنها إلى جذورها إلى آخر عرق منها يمكننا الوصول إليه، هذه هي اللَّبِنة الأولى للإمساك بأول خيط يقود لهذه القناعات، وستتفاجأ أنها معدودة جدا، ولك أن تتخيل أنه كم من مشكلات مردّها قناعة سلبية مغلوطة واحدة، بل يحدث أحيانا أن كل الفوضى التي يذوق الفرد منا مرارتها ويقاسي لعناتها ما هي سوى امتداد ساحق لقناعة سلبية خفية واحدة لم ينتبه له وعيه!

***

محمـــد سيـــف

الإعلام بين الحقيقة والتلاعب

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم الأدوات التي يعتمد عليها الأفراد والمؤسسات في الحصول على الأخبار وتبادل المعلومات وتكوين الآراء والمواقف. فقد غيّرت هذه المنصات طبيعة الاتصال الجماهيري، فلم يعد إنتاج الخبر ونشره حكرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح بإمكان أي مستخدم يمتلك هاتفًا ذكيًا وحسابًا على إحدى المنصات الرقمية أن يشارك في صناعة المحتوى والتأثير في الرأي العام. وعلى الرغم من المزايا الكبيرة التي أتاحتها هذه البيئة الرقمية، فإنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام نوع جديد من الصراعات غير التقليدية، يتمثل في حملات التأثير السيبراني التي تستهدف توجيه أفكار الجمهور ومواقفه وسلوكياته من خلال المحتوى المنشور على شبكات التواصل الاجتماعي.

ويقصد بحملات التأثير السيبراني مجموعة من الأنشطة المنظمة التي تستخدم الوسائل الرقمية والمنصات الاجتماعية للتأثير في تصورات الأفراد والجماعات تجاه قضية أو جهة أو حدث معين. وقد تكون هذه الحملات ذات أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية، وقد تعتمد على المعلومات الصحيحة أو المضللة أو خليط من الاثنين. ولا يشترط أن تكون كل حملة تأثير سيبراني مرتبطة بجهة حكومية أو مؤسسة كبيرة، فقد تنفذها جماعات منظمة أو شركات أو جهات ضغط أو حتى أفراد يمتلكون القدرة على الوصول إلى جمهور واسع.

وتزداد خطورة هذه الحملات بسبب طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، حيث تنتشر المعلومات بسرعة كبيرة، ويصعب أحيانًا التحقق من مصدرها قبل إعادة نشرها. كما تعتمد المنصات الرقمية على خوارزميات تهدف إلى عرض المحتوى الذي يتفاعل معه المستخدمون بصورة أكبر، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار الأخبار المثيرة أو العاطفية على حساب الأخبار الدقيقة والهادئة. ومن هنا أصبحت الحقيقة الإعلامية تواجه تحديًا متزايدًا في بيئة رقمية تتحرك فيها المعلومات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات والأفراد على التحقق منها.

الإعلام الرقمي وتحول صناعة الحقيقة

كان الإعلام التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على وجود مؤسسات تحريرية تمتلك قواعد مهنية للتحقق من الأخبار ومراجعة مصادرها قبل النشر. أما في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح الحد الفاصل بين الصحفي والمستخدم العادي أكثر ضبابية. يستطيع شخص غير متخصص أن ينشر معلومة خلال ثوانٍ، وقد تصل هذه المعلومة إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتمكن وسائل الإعلام المهنية من التحقق منها. ولذلك لم تعد المشكلة الأساسية مرتبطة بوجود المعلومات أو نقصها، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى صحتها ومصدرها والسياق الذي قدمت فيه.

ويظهر التلاعب الإعلامي في صور متعددة، منها نشر معلومات غير صحيحة، أو اقتطاع تصريحات من سياقها، أو استخدام صور قديمة باعتبارها صورًا لحدث جديد، أو إعادة نشر أخبار صحيحة ولكن بطريقة توحي بمعنى مختلف. وقد تستخدم بعض حملات التأثير حسابات وهمية أو منسقة لإعطاء انطباع بأن رأيًا معينًا يحظى بتأييد شعبي واسع، في حين أن هذا التأييد قد يكون مصطنعًا أو مبالغًا فيه.

كما يمكن استخدام الصور ومقاطع الفيديو في صناعة روايات مضللة، خصوصًا مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد أصبح من الممكن إنتاج محتوى يبدو حقيقيًا بدرجة كبيرة، الأمر الذي يجعل المستخدم أمام تحدٍ جديد يتمثل في التمييز بين المادة الأصلية والمادة المصطنعة. ومع انتشار تقنيات التزييف العميق، لم يعد الاعتماد على الصورة أو الفيديو وحدهما كافيًا لإثبات صحة الواقعة، بل أصبح من الضروري البحث عن مصادر مستقلة تؤكد الحدث وتتحقق من سياقه.

ولا تقتصر خطورة التلاعب على الأخبار الكاذبة بصورة مباشرة، إذ يمكن أيضًا التأثير في الجمهور من خلال تكرار رسائل معينة بصورة مستمرة. فالتكرار قد يجعل المعلومة تبدو مألوفة، ومع مرور الوقت قد يخلط بعض المستخدمين بين ما تكرر أمامهم وبين ما تم إثباته بالفعل. وتزداد فعالية هذا الأسلوب عندما تتوافق الرسائل مع المعتقدات أو المخاوف أو التوجهات الموجودة مسبقًا لدى الجمهور.

خوارزميات المنصات وصناعة غرف الصدى

تلعب خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تحديد نوع المحتوى الذي يظهر أمام المستخدم. فهذه الخوارزميات تعتمد على بيانات متعددة، مثل عمليات البحث والإعجاب والمشاركة ومدة مشاهدة المحتوى، بهدف تقديم منشورات يُتوقع أن تجذب اهتمام المستخدم. وقد يكون لهذا النظام فوائد عديدة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تكوين ما يعرف بـ"غرف الصدى"، حيث يجد المستخدم نفسه محاطًا بمحتوى يشبه آراءه السابقة ويؤكد قناعاته بدلًا من تعريضه بصورة متوازنة لوجهات نظر مختلفة.

وتستطيع حملات التأثير السيبراني استغلال هذه البيئة من خلال إنتاج محتوى مصمم خصيصًا لجذب فئات محددة من الجمهور. فقد تختلف الرسالة المستخدمة لاستهداف فئة عمرية معينة عن الرسالة الموجهة إلى فئة أخرى، كما يمكن استغلال القضايا التي تثير مشاعر الخوف أو الغضب أو التعاطف لتحقيق انتشار سريع. وفي هذه الحالة لا يعتمد نجاح الحملة بالضرورة على قوة الأدلة التي تقدمها، وإنما على قدرتها على إثارة المشاعر ودفع المستخدم إلى المشاركة وإعادة النشر.

وتكمن المشكلة في أن المستخدم قد لا يدرك أن ما يظهر أمامه ليس انعكاسًا كاملًا لما يحدث في المجتمع، بل نتيجة لخوارزمية اختارت له محتوى معينًا بناءً على سلوكه الرقمي. وعندما يتكرر المحتوى ذاته من مصادر متعددة، قد يشعر الفرد بأن رأيًا معينًا يمثل إجماعًا عامًا، بينما قد يكون الواقع أكثر تنوعًا وتعقيدًا.

كما يمكن أن تؤثر هذه الحملات في القضايا السياسية والانتخابات والأزمات الدولية، حيث تصبح وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للصراع على تشكيل الرواية العامة. وقد تسعى بعض الجهات إلى تشويه صورة طرف معين، أو تضخيم قضية محددة، أو إثارة الانقسام بين فئات المجتمع، أو تحويل النقاش العام بعيدًا عن موضوع أساسي إلى قضايا جانبية. وفي مثل هذه الحالات يصبح الإعلام أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في الفصل بين نقل ما يتداول على المنصات وبين التعامل معه باعتباره حقيقة مؤكدة.

مواجهة التلاعب وتعزيز الوعي الإعلامي

تبدأ مواجهة حملات التأثير السيبراني من المستخدم نفسه، لأن الوعي الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من القدرة على التعامل مع الأخبار والمعلومات. ولا يكفي أن يكون الشخص قادرًا على استخدام التطبيقات والمنصات، بل يجب أن يمتلك مهارات تساعده على تقييم المحتوى قبل تصديقه أو مشاركته. ومن أهم هذه المهارات التحقق من مصدر الخبر، ومقارنة المعلومات مع مصادر مستقلة وموثوقة، والانتباه إلى تاريخ الصور ومقاطع الفيديو، وعدم التعامل مع العناوين المثيرة باعتبارها دليلًا على صحة المحتوى.

وتتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية لا تقل أهمية، إذ ينبغي عليها تعزيز المعايير المهنية المتعلقة بالتحقق من الأخبار، وتقديم السياق الكامل للأحداث، والتمييز بوضوح بين الخبر والرأي والتحليل. كما أن سرعة النشر لا ينبغي أن تأتي على حساب الدقة، لأن تصحيح معلومة خاطئة بعد انتشارها لا يضمن بالضرورة وصول التصحيح إلى جميع الأشخاص الذين شاهدوا المعلومة الأصلية.

ومن الضروري كذلك أن تعمل المؤسسات التعليمية على نشر ثقافة التربية الإعلامية والرقمية بين الطلاب والشباب، بحيث يتعلمون كيفية تحليل الأخبار والصور والمقاطع المنتشرة عبر الإنترنت، وفهم طبيعة الخوارزميات وتأثيرها في المحتوى الذي يشاهدونه. فالمجتمع الذي يمتلك وعيًا إعلاميًا مرتفعًا يكون أكثر قدرة على مقاومة التضليل والتلاعب.

وعليه، لا ينبغي أن يؤدي الخوف من التضليل إلى فقدان الثقة في الإعلام أو اعتبار كل معلومة منشورة على الإنترنت كاذبة. فوسائل التواصل الاجتماعي توفر فرصًا مهمة للوصول إلى مصادر متعددة وسماع أصوات كانت بعيدة عن الإعلام التقليدي. ولذلك فإن الهدف ليس رفض البيئة الرقمية، وإنما تطوير طرق أكثر وعيًا للتعامل معها.

لذا، أصبحت حملات التأثير السيبراني جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي الحديث، وأصبح الصراع على المعلومات لا يقل أهمية عن الصراعات التقليدية في تأثيره على المجتمعات. وبينما توفر وسائل التواصل الاجتماعي فرصة غير مسبوقة للتواصل والوصول إلى المعلومات، فإنها في الوقت نفسه تمنح الجهات الراغبة في التلاعب أدوات فعالة للوصول إلى الجمهور والتأثير في مواقفه. ومن هنا فإن حماية الحقيقة لا تعتمد على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تتطلب تعاونًا بين الصحفيين والمؤسسات التعليمية والمنصات الرقمية والمستخدمين أنفسهم. فالمواطن الواعي الذي يتحقق قبل أن يصدق أو يشارك يمثل خط الدفاع الأول أمام التضليل، والإعلام المهني الذي يلتزم بالدقة والسياق يمثل خط الدفاع الثاني. وبين هذين الدورين يمكن بناء بيئة إعلامية أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتلاعب، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات العصر الرقمي.

***

د. عصام البرّام

إشكالية الماضي وسؤال الحاضر 

في ذكرى وفاة النبي الأكرم ﷺ، ينبغي أن نسأل أنفسنا -نحن المسلمين- هذا السؤال: من أين استقى الكارهون من المستشرقين هذه المادة الضخمة التي يطعنون بها في شخصية النبي محمد ﷺ ونبوته وسيرته؟ 

أليست من موروثنا الروائي والتاريخي؟ 

ألسنا نحن من قدّمنا لهم هذه المادة على طبقٍ من ذهب، من خلال جملةٍ من الروايات والسرديات التاريخية التي لا يقلُّ ما يُقالُ في كثيرٍ منها إنها مدسوسة أو من الإسرائيليات؟

وقبل أن نوجّه إصبع الاتهام إلى هؤلاء المستشرقين، يجدر بنا أن نوجّه النقد والمساءلة إلى كثيرٍ من الروايات المتعلقة بالسيرة النبوية، والموجودة في تراثنا الروائي والتاريخي، السني والشيعي على حدٍّ سواء. 

لقد تحوّلت بعض هذه الكتب إلى ما يشبه المسلّمات التي لا يجوز الاقتراب منها أو إخضاعها للنقد، بوصفها -في نظر أتباعها- أصحّ الكتب بعد كتاب الله. 

ولذلك، فإن كل محاولة لمراجعتها أو نقدها قد تجرّ على صاحبها تُهمًا تبدأ بالتكفير، وقد تنتهي بالسجن أو حتى القتل، على أيدي بعض المتشددين أو من يتبنّون هذا النهج داخل المؤسسة الدينية.

وبفعل هذه الرؤية، وما كرّسته بعض كتب التراث، نشأ تصوّران عن النبي محمد ﷺ: 

الأول: محمد القرآني؛ وهو النبي الذي تهفو إليه القلوب، وتفخر بالانتماء إليه، لما تجسّده سيرته من عظمة، وما تمثّله أخلاقه وأفعاله من سموٍّ وإنسانية. 

والثاني: محمد الروائي أو التاريخي؛ وهو التصور الذي رسمته بعض الروايات التاريخية، حتى بات يثير النفور لدى كثيرين، ويجعل بعض النفوس تستثقل ما نُسب إليه من أقوال وأفعال.

إن صعوبة تقبّل هذه الحقيقة من قِبل قطاعات من المؤسسة الدينية -السنية والشيعية- تتمثل في رفض الاعتراف بعدم صحة عددٍ غير قليلٍ من الروايات والخرافات التاريخية التي تسللت إلى التراث. 

ويشبه ذلك حال طفلٍ عاش وترعرع في بيت أبويه، حتى إذا كبر أخبراه بأنه ليس ابنهما، وإنما وجداه لقيطًا عند باب أحد المساجد أو في قارعة الطريق.

ومع كل هذه العقبات، لا بد أن تستمر الدعوات التنويرية التي بدأها عددٌ من المفكرين والأعلام، من داخل المؤسسة الدينية وخارجها، في الماضي والحاضر؛ بهدف كسر أصنام هذا الموروث الزائف، وتحريره من هيمنة المتسلطين على المؤسسة الدينية، والعمل على غربلته وتنقيته بما ينسجم مع سيرة الإسلام ونبيه، ويصون مكانتهما من كل ما علق بهما عبر التاريخ.

***

د. علاء كاظم الجابري

من الفاعل الإنساني إلى الفاعل الخوارزمي

مقدمة: شهد مفهوم الإبداع تحولًا عميقًا عبر تاريخ الفكر الإنساني، إذ ارتبط لفترات طويلة بالإنسان بوصفه الفاعل القادر على التخيل والابتكار وإنتاج ما هو جديد وغير مسبوق. وقد ارتبط الإبداع بالخيال والوعي والموهبة والخبرة والتجربة الإنسانية، حتى أصبح يُنظر إليه باعتباره إحدى أكثر الخصائص التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات والآلات. غير أن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي أحدث تحولًا نوعيًا في هذا التصور، بعدما أصبحت الأنظمة الخوارزمية قادرة على إنتاج نصوص وصور وموسيقى وأعمال فنية وأشكال متعددة من المحتوى تبدو في كثير من الأحيان شبيهة بما ينتجه الإنسان. ولم يعد السؤال مقتصرًا على قدرة الآلة على محاكاة الإبداع، وإنما أصبح يتعلق بإمكان اعتبارها طرفًا فاعلًا في العملية الإبداعية نفسها. ومن هنا يبرز سؤال فلسفي جوهري: إذا كان الإبداع قد ارتبط تاريخيًا بوجود فاعل إنساني يقصد إلى إنتاج الجديد، فماذا يحدث لهذا المفهوم عندما تصبح الخوارزميات قادرة على إنتاج أعمال لم تكن موجودة من قبل؟

إن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يمثل مجرد تطور تقني في أدوات الإنتاج، وإنما يكشف عن تحول أعمق في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. ففي النماذج التقليدية كانت التكنولوجيا تساعد الإنسان على تنفيذ أفكاره، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرًا على المشاركة في إنتاج المحتوى نفسه. فالمستخدم قد يقدم فكرة أولية أو مجموعة من التعليمات، بينما تقوم الخوارزمية بتحويلها إلى نص أو صورة أو مقطوعة موسيقية أو تصميم. وهنا تتداخل الأدوار بين الإنسان والآلة، بحيث يصبح من الصعب تحديد الحد الفاصل بين من يوجه العملية ومن ينتج مخرجاتها. ولذلك فإن ظهور الفاعل الخوارزمي لا يمثل مجرد إضافة فاعل جديد إلى المجال الإبداعي، وإنما يدفع إلى إعادة التفكير في طبيعة الفاعلية والإبداع والابتكار.

ويزداد تعقيد المسألة عندما ندرك أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا ينتج من فراغ، وإنما يعتمد على كميات هائلة من البيانات التي تمثل نتاجًا سابقًا للثقافة والمعرفة الإنسانية. فالخوارزمية تتعلم من أنماط لغوية وبصرية وموسيقية وفنية متعددة، ثم تستخدم ما تعلمته لإنتاج مخرجات جديدة. ومن هنا يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالًا حول طبيعة الجدة نفسها: هل يكفي أن يكون الناتج جديدًا من حيث الشكل حتى نطلق عليه إبداعًا؟ أم أن الإبداع يتطلب قصدًا ووعيًا وتجربة ذاتية لا تمتلكها الخوارزمية؟ وإذا كانت الآلة تنتج عملًا جديدًا اعتمادًا على أنماط تعلمتها من أعمال بشرية سابقة، فهل يمكن اعتبارها مبدعة بالفعل أم أنها تمارس شكلًا متقدمًا من إعادة التركيب؟

كما يثير الذكاء الاصطناعي التوليدي قضية أخرى تتعلق بمكانة الإنسان داخل العملية الإبداعية. فإذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج محتوى سريعًا وبكميات هائلة، فقد يتغير دور الإنسان من منتج مباشر للعمل إلى مصمم للأوامر ومراجع للمخرجات ومنتخب من بين البدائل التي تنتجها الخوارزمية. وبذلك قد ينتقل الإنسان من موقع «المبدع» إلى موقع «الموجه» أو «المنسق» للعملية الإبداعية. وهذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء الإبداع الإنساني، لكنه يعيد تعريف موقعه ووظيفته. ومن هنا يصبح من الضروري دراسة الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل مفهوم الإبداع ذاته، والبحث في الحدود الفاصلة بين الإبداع الإنساني والإنتاج الخوارزمي.

أولًا: التحول من الإبداع الإنساني إلى الإنتاج الخوارزمي

ارتبط مفهوم الإبداع في الفكر الإنساني بفكرة القدرة على إنتاج شيء جديد يحمل أثر صاحبه ورؤيته وخبرته. فالإبداع لم يكن مجرد إنتاج لشيء غير موجود من قبل، وإنما كان يتضمن عملية ذهنية ووجدانية معقدة تجمع بين الخيال والمعرفة والتجربة والوعي. وكان العمل الإبداعي يُفهم باعتباره تعبيرًا عن ذات مبدعة تمتلك موقفًا معينًا من العالم. ولذلك ارتبطت قيمة العمل الفني أو الأدبي أو العلمي بشخصية صاحبه، وبالسياق الذي نشأ فيه، وبالخبرات التي شكلت رؤيته. غير أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يضع هذا التصور أمام اختبار جديد، لأنه يستطيع إنتاج أعمال لا تحمل بالضرورة تجربة ذاتية أو وعيًا شخصيًا بالمعنى التقليدي.

وقد أدت قدرة الأنظمة التوليدية على إنتاج محتوى متنوع إلى زعزعة الحدود التقليدية بين الأداة والفاعل. ففي السابق كان الحاسوب أو البرنامج ينفذ التعليمات التي يضعها الإنسان، بينما أصبح النظام التوليدي يقدم مخرجات يمكن أن تتجاوز بصورة واضحة الصياغة المباشرة التي وضعها المستخدم. فقد يعطي الإنسان تعليمات بسيطة، ثم يحصل على نص كامل أو صورة مركبة أو مقطوعة موسيقية. وهذا يعني أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة تنفيذية، وإنما أصبحت تشارك في صياغة النتيجة النهائية. ومن هنا تظهر فكرة الفاعل الخوارزمي، أي النظام الذي يشارك في إنتاج مخرجات لها قيمة معرفية أو فنية أو إبداعية.

ولا يعني ظهور الفاعل الخوارزمي أن الإنسان فقد دوره بصورة كاملة، لأن المستخدم ما زال يحدد الهدف ويقدم التعليمات ويختار النتائج ويعدلها. إلا أن طبيعة المشاركة الإنسانية أصبحت مختلفة. فقد كان المبدع في النموذج التقليدي يتحكم بدرجة كبيرة في تفاصيل العمل، بينما أصبح في البيئة التوليدية يتعامل مع عملية أكثر تعقيدًا، لا يمكنه دائمًا التنبؤ بمخرجاتها بدقة. ولذلك أصبح الإبداع يتخذ شكل حوار بين الإنسان والنظام الخوارزمي، بحيث يوجه الإنسان العملية بينما تنتج الآلة احتمالات متعددة يمكن للإنسان الاختيار من بينها.

وهذا التحول يغير مفهوم المهارة الإبداعية، إذ لم تعد المهارة مرتبطة فقط بالقدرة على إنتاج العمل بصورة مباشرة، وإنما أصبحت تشمل القدرة على صياغة التعليمات وفهم إمكانات النظام وتقييم مخرجاته. فالشخص الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي يحتاج إلى معرفة كيفية التعامل معه، وكيفية توجيهه، وكيفية اكتشاف الأخطاء والتحيزات والنتائج غير المناسبة. وبذلك تظهر مهارات إبداعية جديدة لا تقوم فقط على الإنتاج المباشر، وإنما على إدارة العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.

كما يؤدي الإنتاج الخوارزمي إلى تسريع العملية الإبداعية بصورة غير مسبوقة. فالعمل الذي كان يحتاج إلى ساعات أو أيام من البحث والكتابة أو التصميم يمكن أن ينتج خلال فترة قصيرة جدًا. وهذا التسارع يمكن أن يفتح إمكانات جديدة للتجريب، لأن المبدع يستطيع اختبار عدد كبير من الأفكار بسرعة. لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف قيمة العملية البطيئة التي كانت جزءًا من التجربة الإبداعية. فالإبداع الإنساني ارتبط في كثير من الحالات بالتأمل والتردد والمحاولة والفشل وإعادة البناء، بينما قد يدفع الإنتاج الآلي السريع نحو تفضيل النتيجة على العملية.

ومن هنا يبرز سؤال حول العلاقة بين السرعة والإبداع. فهل زيادة سرعة إنتاج الأعمال تعني زيادة الإبداع؟ ليس بالضرورة، لأن الإبداع لا يقاس فقط بعدد المنتجات التي يمكن إنتاجها، وإنما بقيمة الأفكار وقدرتها على تقديم رؤية جديدة. وقد يؤدي سهولة الإنتاج إلى وفرة هائلة من المحتوى، لكنها لا تعني بالضرورة وفرة مماثلة في الأفكار الأصيلة. ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يجعل إنتاج المحتوى أكثر سهولة، لكنه لا يحسم مسألة القيمة الإبداعية لهذا المحتوى.

كما أن الاعتماد على الخوارزميات قد يؤدي إلى تشابه المخرجات، لأن الأنظمة تتعلم من أنماط سابقة وتعيد تركيبها وفق احتمالات إحصائية. وإذا أصبح عدد كبير من المبدعين يستخدمون الأنظمة نفسها أو النماذج نفسها، فقد تظهر أنماط جمالية ولغوية متكررة. ومن هنا تظهر مفارقة مهمة: التكنولوجيا التي تمنح الإنسان إمكانات هائلة لإنتاج الجديد قد تؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة التشابه بين المنتجات. ولذلك فإن الحفاظ على الاختلاف الإبداعي يحتاج إلى استخدام واعٍ للتكنولوجيا، لا إلى الاعتماد الكامل على مخرجاتها.

وتظهر مشكلة أخرى تتعلق بمصدر الإبداع، لأن الخوارزمية تعتمد على بيانات أنتجها البشر في الأصل. ومن ثم فإن الإنتاج الخوارزمي يقوم جزئيًا على تراكم معرفي وثقافي سابق. وهذا يثير سؤالًا حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يخلق جديدًا بالفعل أم يعيد تنظيم القديم بطرق جديدة. ويمكن القول إن إعادة التركيب نفسها قد تنتج أشكالًا جديدة، لكن ذلك لا يحسم السؤال حول طبيعة الإبداع، لأن الجدة الشكلية لا تعني بالضرورة وجود رؤية أو معنى ذاتي.

إن التحول من الإبداع الإنساني إلى الإنتاج الخوارزمي لا يعني انتقال الإبداع بصورة كاملة من الإنسان إلى الآلة، وإنما يعني أن العملية الإبداعية أصبحت موزعة بين عدة عناصر. فالإنسان يقدم الهدف والسياق والمعنى، بينما توفر الخوارزمية قدرة هائلة على التوليد والاقتراح وإعادة التركيب. ولذلك يمكن النظر إلى الإبداع في العصر التوليدي باعتباره عملية تشاركية جديدة، لا يمكن فهمها من خلال الثنائية التقليدية التي تفصل بصورة حادة بين الإنسان والآلة.

وفي ضوء ذلك، يصبح التحدي الفلسفي هو إعادة تعريف مفهوم الفاعلية الإبداعية. فإذا كان الفاعل هو من ينتج المخرج النهائي، فإن الخوارزمية يمكن أن تبدو فاعلًا. أما إذا كان الفاعل هو من يمتلك قصدًا ووعيًا وتجربة ذاتية، فإن وصف الآلة بالمبدع يصبح أكثر إشكالًا. ومن هنا فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يقدم إجابة عن معنى الإبداع بقدر ما يجبرنا على إعادة طرح السؤال نفسه.

ثانيًا: الفاعل الخوارزمي وحدود الإبداع الآلي

يفترض مفهوم الفاعل الخوارزمي أن النظام التقني لم يعد مجرد أداة سلبية، وإنما أصبح قادرًا على المشاركة في إنتاج نتائج لم يحدد الإنسان تفاصيلها مسبقًا. فالذكاء الاصطناعي التوليدي يستقبل مدخلات معينة، ثم يقوم بمعالجتها وفق نماذج حسابية معقدة، وينتج مخرجات يمكن أن تكون نصوصًا أو صورًا أو أصواتًا أو تصميمات. ومن هنا يبدو أن الخوارزمية أصبحت تمتلك نوعًا من الفاعلية الإجرائية، لأنها تؤثر في النتيجة النهائية. إلا أن هذه الفاعلية تظل مختلفة عن الفاعلية الإنسانية، لأن النظام لا يمتلك بالضرورة قصدًا ذاتيًا أو وعيًا بالنتائج التي ينتجها.

وتكمن أهمية التمييز بين الفاعلية التقنية والفاعلية الإنسانية في أن إنتاج شيء جديد لا يكفي وحده لإثبات وجود الإبداع. فالآلة قد تنتج صورة لم يسبق إنتاجها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تدرك معنى الصورة أو الغرض منها. ويمكن القول إن الخوارزمية قادرة على التوليد دون أن تكون قادرة على إعطاء معنى ذاتي لما تولده. ومن هنا فإن الإبداع قد يتطلب عناصر تتجاوز الجدة، مثل القصد والمعنى والتجربة والقدرة على التعبير عن موقف تجاه العالم.

ومع ذلك فإن إنكار أي دور إبداعي للخوارزمية قد يكون تبسيطًا للمسألة، لأن النظام يؤثر بالفعل في النتائج التي يحصل عليها الإنسان. فالخوارزمية لا تكتفي بتنفيذ فكرة مكتملة، وإنما تقدم احتمالات وصياغات قد تغير الفكرة الأصلية نفسها. ولذلك يمكن القول إن الفاعل الخوارزمي لا يمتلك بالضرورة إبداعًا ذاتيًا، لكنه يشارك في إنتاج العملية الإبداعية. وهذا يفتح مفهومًا جديدًا للإبداع يقوم على التفاعل بين الإنسان والنظام.

وتتضح هذه الفكرة في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الكتابة والفنون والتصميم. فقد يبدأ المستخدم بفكرة عامة، ثم تقدم الخوارزمية عدة احتمالات، ويقوم المستخدم باختيار بعضها وتعديلها وإعادة توجيه النظام. وبذلك تصبح العملية الإبداعية سلسلة من التفاعلات المتبادلة. فالإنسان يؤثر في الآلة من خلال التعليمات، والآلة تؤثر في الإنسان من خلال المخرجات التي تقدمها. وهذا التبادل قد ينتج أعمالًا لم يكن أي من الطرفين لينتجها بالطريقة نفسها منفردًا.

ويثير ذلك سؤالًا حول مفهوم المؤلف. ففي الأدب والفن التقليدي كان من الممكن تحديد الشخص الذي أنتج العمل ونسبته إليه. أما في البيئة التوليدية فقد يصبح العمل نتيجة تعاون بين المستخدم والنظام، وقد تدخل كذلك بيانات التدريب ومصممو النموذج ومطوروه في عملية الإنتاج بصورة غير مباشرة. ومن هنا تصبح فكرة المؤلف أكثر تعقيدًا، ويصبح من الضروري إعادة التفكير في العلاقة بين الإنتاج والنسبة والملكية.

كما يثير الفاعل الخوارزمي سؤال المسؤولية. فإذا أنتج النظام محتوى خاطئًا أو مسيئًا أو منحازًا، فمن المسؤول عنه؟ لا يمكن تحميل الخوارزمية ذاتها المسؤولية بالمعنى الأخلاقي التقليدي، لأنها لا تمتلك بالضرورة إرادة أو وعيًا أخلاقيًا. ولذلك تنتقل المسؤولية إلى البشر والمؤسسات التي صممت النظام أو استخدمته أو نشرته. ومن هنا فإن الاعتراف بوجود فاعلية خوارزمية لا ينبغي أن يؤدي إلى إعفاء الإنسان من المسؤولية.

وتظهر حدود الإبداع الآلي كذلك في مسألة المعنى. فالعمل الإبداعي الإنساني غالبًا ما يرتبط بتجربة أو موقف أو إحساس أو صراع داخلي. أما النظام التوليدي فيتعامل مع الأنماط والاحتمالات والعلاقات التي تعلمها من البيانات. ولذلك يمكن أن ينتج مخرجات تبدو عاطفية أو فلسفية، لكنه لا يعني بالضرورة أنه يعيش التجربة التي يعبر عنها. وهنا يظهر الفرق بين محاكاة التعبير عن الشعور وامتلاك الشعور نفسه.

ومع ذلك فإن قدرة النظام على محاكاة أشكال التعبير الإنساني قد تجعل الحدود أكثر غموضًا. فإذا كان المتلقي يرى العمل مؤثرًا وجميلًا بغض النظر عن مصدره، فهل يظل غياب التجربة الذاتية للآلة مانعًا من اعتباره عملًا إبداعيًا؟ هذا السؤال يكشف عن اختلاف بين تقييم العمل من جهة وتقييم الفاعل من جهة أخرى. فقد تكون المخرجات ذات قيمة جمالية حتى إذا كان منتجها غير واعٍ بالمعنى الإنساني التقليدي.

ومن هنا يمكن القول إن مفهوم الفاعل الخوارزمي لا ينبغي أن يحل محل الفاعل الإنساني بصورة مطلقة، وإنما ينبغي أن يستخدم لوصف التحول في بنية العملية الإبداعية. فالخوارزمية أصبحت طرفًا مؤثرًا في الإنتاج، لكنها لا تمتلك بالضرورة جميع خصائص الفاعل الإنساني. ولذلك فإن فلسفة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى مفاهيم جديدة تستطيع وصف هذه المنطقة الوسطى بين الأداة والفاعل.

إن ظهور الفاعل الخوارزمي يفرض في النهاية إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد امتداد لقدرة الإنسان، وإنما أصبحت قادرة على إنتاج نتائج تؤثر بدورها في الإنسان وتعيد توجيه اختياراته. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس هل أصبحت الآلة مبدعة مثل الإنسان، وإنما كيف تغيرت طبيعة الإبداع عندما أصبح الإنسان يعمل داخل بيئة تتشارك فيها الفاعلية بين البشر والخوارزميات.

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي التوليدي وتحول مفهوم الأصالة

ارتبطت الأصالة في الفكر الإبداعي بفكرة أن العمل يعبر عن رؤية خاصة ومتميزة لصاحبه. وكان العمل الأصيل هو الذي يحمل بصمة مبدعه ويكشف عن طريقة فريدة في النظر إلى العالم. لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يجعل مفهوم الأصالة أكثر تعقيدًا، لأن العمل قد ينتج من خلال نظام تعلم من عدد هائل من الأعمال السابقة. وهنا يبرز سؤال: إذا كان العمل الجديد قائمًا على إعادة تركيب أنماط موجودة في البيانات، فهل يمكن اعتباره أصيلًا؟ أم أن الأصالة تتعلق بطريقة استخدام هذه المواد وليس بمصدرها فقط؟

لا يمكن اعتبار كل إنتاج قائم على عناصر سابقة غير أصيل، لأن الإبداع الإنساني نفسه يعتمد بدرجة كبيرة على التفاعل مع التراث والمعرفة السابقة. فالمبدع لا يبدأ من فراغ، وإنما يتعلم ويقرأ ويشاهد ويتأثر ثم يعيد بناء ما تعلمه داخل رؤية جديدة. ولذلك فإن مجرد اعتماد الذكاء الاصطناعي على بيانات سابقة لا يكفي لنفي الأصالة عن مخرجاته. لكن الاختلاف يكمن في طبيعة العملية التي تتم بها إعادة التركيب، وفي غياب التجربة الذاتية التي تمنح الإبداع الإنساني جزءًا من خصوصيته.

ويطرح الذكاء الاصطناعي كذلك مشكلة جديدة تتعلق بتشابه الأعمال. فإذا استخدم عدد كبير من الأشخاص النظام نفسه للحصول على أنواع متقاربة من المخرجات، فقد يصبح من الصعب الحفاظ على التفرد. وقد يؤدي انتشار المحتوى التوليدي إلى إنتاج بيئة ثقافية تتكرر فيها الأنماط والأساليب. ومن هنا تصبح الأصالة مرتبطة ليس فقط بكون العمل جديدًا، وإنما بقدرته على تجاوز القوالب الجاهزة التي توفرها الخوارزميات.

كما يمكن أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تعريف دور الفنان والكاتب والمصمم. فبدلًا من إنتاج كل عنصر من عناصر العمل يدويًا، قد يصبح المبدع مسؤولًا عن تحديد الرؤية العامة واختيار البدائل وتعديلها. وهذا لا يلغي الإبداع بالضرورة، لكنه ينقله من مستوى التنفيذ إلى مستوى التوجيه والاختيار. ومن هنا يمكن القول إن الأصالة قد تنتقل جزئيًا من «صنع العمل» إلى «صنع القرار الإبداعي».

وتزداد أهمية هذه المسألة في مجال الكتابة، حيث يستطيع النظام إنتاج نصوص تبدو مترابطة ومنظمة، لكن قيمتها الإبداعية تعتمد بدرجة كبيرة على الفكرة التي تقف وراءها. فإنتاج نص سليم لغويًا لا يعني بالضرورة إنتاج فكرة أصيلة. ولذلك يصبح دور الإنسان أكثر أهمية في تحديد السؤال والموضوع والرؤية والحجة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في الصياغة، لكن القيمة الفكرية للعمل تظل مرتبطة بالاختيارات التي توجهه.

وتظهر الأصالة كذلك في الفنون البصرية، حيث يستطيع النظام إنتاج عدد هائل من الصور في أساليب مختلفة. وهذا يفتح مجالًا واسعًا للتجريب، لكنه يجعل مفهوم «الأسلوب الشخصي» أكثر تعقيدًا. فإذا كان النظام قادرًا على تقليد أنماط متعددة، فهل يصبح الأسلوب ملكية ثابتة لصاحبه؟ أم يصبح جزءًا من فضاء ثقافي يمكن للخوارزميات إعادة إنتاجه؟ هذه الأسئلة تجعل الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديًا للمفاهيم التقليدية حول الملكية والأسلوب والأصالة.

كما أن قضية الأصالة ترتبط بالبيانات التي تستخدم في تدريب الأنظمة. فإذا كانت النماذج تتعلم من أعمال بشرية سابقة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالنتيجة النهائية، وإنما أيضًا بمصدر المعرفة التي قامت عليها. وهذا يفتح نقاشًا حول حقوق أصحاب الأعمال المستخدمة في التدريب، وحول حدود استخدام الأعمال السابقة في بناء أنظمة قادرة على إنتاج أعمال جديدة. ولذلك فإن مستقبل الإبداع التوليدي يحتاج إلى معالجة العلاقة بين الابتكار التكنولوجي وحقوق المنتجين البشريين.

وتشير هذه التحولات إلى أن الأصالة لم تعد مفهومًا بسيطًا يمكن تحديده من خلال مصدر العمل وحده. فقد يكون العمل ناتجًا عن تعاون بين الإنسان والآلة، وقد يكون الإنسان قد استخدم مخرجات الخوارزمية ثم أعاد تشكيلها بصورة كبيرة. ومن هنا ينبغي النظر إلى الأصالة بوصفها عملية تتعلق بدرجة المشاركة الإنسانية وبطبيعة الاختيارات التي يتم اتخاذها خلال الإنتاج.

ويكشف ذلك عن ضرورة تطوير معايير جديدة لتقييم الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي. فلا يكفي أن نسأل هل العمل من إنتاج إنسان أم آلة، وإنما يجب أن نسأل عن الفكرة والقصد والاختيارات وطبيعة التدخل البشري. وهذا يمكن أن يقود إلى تصور أكثر مرونة للأصالة، يعترف بالتغير الذي أحدثته التكنولوجيا دون أن يتخلى عن القيمة الخاصة بالإبداع الإنساني.

وفي النهاية يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يلغي مفهوم الأصالة، لكنه يجبرنا على إعادة التفكير فيه. فقد أصبح الإبداع عملية تشاركية تتداخل فيها المعرفة البشرية مع القدرة الخوارزمية على إعادة التركيب والتوليد. ولذلك فإن الأصالة المستقبلية قد لا تعني غياب التكنولوجيا، وإنما تعني قدرة الإنسان على استخدامها لإنتاج رؤية لا تختزل في القوالب التي تقدمها الخوارزمية.

رابعًا: الإنسان المبدع في مواجهة الخوارزمية

أدى ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إعادة طرح سؤال الإنسان المبدع ومكانته في عالم تتزايد فيه قدرة الآلات على إنتاج المحتوى. فقد كان الإبداع من المجالات التي ينظر إليها باعتبارها مرتبطة بالإنسان بصورة خاصة، لكن التطور التكنولوجي أظهر أن بعض المهام التي كانت تعتبر إبداعية يمكن تنفيذها بواسطة الأنظمة الذكية. وهذا لا يعني أن الآلة أصبحت إنسانًا، وإنما يعني أن الحدود التي كانت تفصل بين العمل التقني والعمل الإبداعي أصبحت أقل وضوحًا. ومن هنا أصبح الإنسان مطالبًا بإعادة تحديد ما يميزه داخل العملية الإبداعية.

يمكن القول إن إحدى أهم خصائص الإنسان المبدع هي قدرته على إنتاج المعنى وربط الأشياء بسياقاتها الإنسانية. فالإنسان لا ينتج العمل فقط، وإنما يضعه داخل قصة وتجربة وموقف. وقد يكون العمل الفني تعبيرًا عن تجربة شخصية أو احتجاجًا على واقع أو محاولة لفهم سؤال وجودي. وهذه الأبعاد لا يمكن اختزالها بسهولة في عملية حسابية. ومن هنا تظل التجربة الإنسانية عنصرًا مهمًا في فهم الإبداع، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.

غير أن الإنسان نفسه أصبح يتغير من خلال استخدام التكنولوجيا. فالمبدع الذي يعمل مع الذكاء الاصطناعي لا يمارس الإبداع بالطريقة نفسها التي كان يمارسها قبل ظهور هذه الأدوات. فقد أصبح قادرًا على اختبار احتمالات كثيرة، والحصول على مقترحات متنوعة، وتعديل أفكاره بسرعة. وهذا يعني أن التكنولوجيا لا تغير المنتجات فقط، وإنما تغير أيضًا عملية التفكير الإبداعي نفسها. ومن هنا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي شريكًا في إعادة تشكيل الممارسة الإبداعية.

وقد يؤدي الاعتماد المتزايد على الخوارزميات إلى خطر تراجع بعض المهارات الإنسانية إذا أصبح الإنسان يعتمد عليها بصورة كاملة. فإذا كان الكاتب يستخدم النظام دائمًا في إنتاج النصوص، فقد تتراجع لديه القدرة على الصياغة المستقلة، وإذا كان الفنان يعتمد دائمًا على التوليد الآلي، فقد يقل تدريجيًا اعتماده على مهاراته اليدوية. ولذلك فإن الاستخدام الواعي للتكنولوجيا يحتاج إلى الحفاظ على المهارات الإنسانية، بحيث تكون الخوارزمية أداة للتوسيع لا بديلًا عن القدرة.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز الإبداع الإنساني من خلال توفير مساحة واسعة للتجريب. فالمبدع يستطيع أن يطلب من النظام تقديم احتمالات مختلفة، ثم يستخدمها لإعادة التفكير في فكرته. وهذا يمكن أن يفتح آفاقًا لم تكن متاحة بالسرعة نفسها في الماضي. ومن هنا لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين الإنسان والآلة باعتبارها علاقة تنافسية فقط، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها علاقة تعاون.

لكن التعاون نفسه يحتاج إلى وعي بحدود الآلة. فالخوارزمية قد تنتج مخرجات مقنعة لكنها خاطئة أو سطحية أو متحيزة، وقد تقدم أفكارًا تبدو جديدة لكنها قائمة على أنماط مكررة. ولذلك فإن الإنسان يظل مسؤولًا عن التقييم والنقد. ومن هنا تصبح القدرة على النقد أهم من القدرة على الإنتاج وحدها، لأن وفرة المخرجات تجعل الاختيار والتقييم أكثر أهمية.

كما أن الإنسان المبدع يملك القدرة على رفض مخرجات الخوارزمية، وهي قدرة مهمة في الحفاظ على استقلاليته. فالتكنولوجيا قد تقدم اقتراحات كثيرة، لكن الإنسان ليس ملزمًا بقبولها. ويمكن أن يكون الإبداع في المستقبل قائمًا جزئيًا على القدرة على التمييز بين ما تنتجه الآلة وما يستحق أن يتحول إلى عمل ذي معنى. ومن هنا يصبح المبدع ليس مجرد مستخدم للنظام، وإنما ناقدًا وموجهًا ومختارًا.

وتظهر كذلك أهمية التعليم في حماية الإبداع الإنساني. فإذا نشأ جيل يعتمد على الأنظمة التوليدية دون تطوير قدراته الخاصة، فقد تصبح التكنولوجيا مصدرًا للتبعية بدلًا من أن تكون وسيلة للتمكين. ولذلك يجب أن يركز التعليم على التفكير النقدي والخيال وحل المشكلات والقدرة على إنتاج الأفكار، مع تعليم استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة واعية. فالمطلوب ليس رفض التكنولوجيا، وإنما بناء علاقة ناضجة معها.

ويكشف الذكاء الاصطناعي التوليدي كذلك عن ضرورة إعادة تعريف قيمة العمل الإبداعي. ففي عالم يمكن فيه إنتاج آلاف النصوص والصور خلال وقت قصير، تصبح القيمة أقل ارتباطًا بمجرد القدرة على الإنتاج، وأكثر ارتباطًا بالفكرة والاختيار والرؤية. وهذا يعني أن المستقبل قد يمنح أهمية أكبر للمبدع الذي يمتلك موقفًا فكريًا واضحًا وقدرة على تقديم معنى متميز، بدلًا من الشخص الذي يستطيع إنتاج أكبر كمية من المحتوى.

وفي النهاية، فإن الإنسان المبدع لا يواجه الخوارزمية باعتبارها خصمًا يجب القضاء عليه، وإنما باعتبارها قوة تكنولوجية تحتاج إلى توجيه. ويمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتوسيع الخيال الإنساني إذا ظل الإنسان محتفظًا بدوره في تحديد الغايات والمعاني والقيم. ولذلك فإن مستقبل الإبداع لن يتحدد بقدرة الآلات على إنتاج المحتوى فقط، وإنما بقدرة الإنسان على استخدام هذه القوة دون أن يفقد استقلاله الإبداعي.

خامسًا: مستقبل الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي

يبدو أن مستقبل الإبداع سيتجه نحو نموذج جديد تتداخل فيه القدرات الإنسانية والخوارزمية بصورة متزايدة. ولن يكون من الممكن الفصل بسهولة بين ما أنتجه الإنسان وما أنتجته الآلة، لأن الكثير من الأعمال ستنشأ من خلال تعاون مباشر أو غير مباشر بينهما. وهذا التحول سيجعل مفهوم الإبداع أكثر انفتاحًا على أشكال جديدة من الإنتاج، لكنه في الوقت نفسه سيجعل الحاجة إلى المعايير النقدية والأخلاقية أكثر إلحاحًا. فكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على الإنتاج، ازدادت الحاجة إلى تحديد ما الذي يجعل العمل ذا قيمة.

وقد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى ديمقراطية الإبداع من خلال إتاحة أدوات كانت في الماضي تحتاج إلى مهارات تقنية أو فنية متخصصة. فالشخص الذي لا يمتلك مهارة الرسم مثلًا يستطيع إنتاج صورة من خلال وصفها، والشخص الذي لا يمتلك خبرة موسيقية واسعة يمكنه تجربة أنماط مختلفة. وهذا يمكن أن يوسع دائرة المشاركة في الإنتاج الثقافي. إلا أن سهولة الإنتاج لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاج أعمال عميقة أو ذات قيمة، ولذلك تظل المعرفة والخبرة والحس النقدي عناصر أساسية.

كما يمكن أن يؤدي انتشار المحتوى التوليدي إلى تغيير الاقتصاد الإبداعي. فإذا أصبح إنتاج النصوص والصور والموسيقى أكثر سرعة وأقل تكلفة، فقد تتغير قيمة بعض الأعمال والمهارات في السوق. وقد تظهر وظائف جديدة مرتبطة بتوجيه الأنظمة وتقييم مخرجاتها وتصميم عمليات العمل معها. وفي المقابل قد تتراجع الحاجة إلى بعض المهام التقليدية. ومن هنا فإن التحول التكنولوجي لا يغير مفهوم الإبداع فقط، وإنما يعيد تشكيل المؤسسات والوظائف المرتبطة به.

ومن المتوقع كذلك أن تصبح القدرة على التمييز بين المحتوى البشري والمحتوى الخوارزمي أكثر صعوبة. وهذا قد يؤدي إلى تحديات تتعلق بالثقة في المعلومات والصور والمحتوى الثقافي. فإذا أصبح بالإمكان إنتاج محتوى مقنع بسهولة، فإن السؤال لن يكون فقط «من يستطيع أن ينتج؟»، وإنما «كيف نعرف أن ما نراه أو نقرأه جدير بالثقة؟». ومن هنا تصبح التربية الإعلامية والرقمية جزءًا مهمًا من حماية المجال الثقافي من التضليل والتلاعب.

وقد يفرض المستقبل أيضًا إعادة النظر في مفهوم المؤلف والملكية الفكرية. فالأعمال التي تنتج من خلال التفاعل بين المستخدم والنظام تثير أسئلة حول صاحب الحق فيها. كما أن تدريب النماذج على أعمال سابقة يثير أسئلة حول حقوق أصحاب هذه الأعمال. ولذلك فإن التطور التكنولوجي يحتاج إلى أن يواكبه تطور قانوني وفلسفي قادر على التعامل مع الأشكال الجديدة من الإنتاج.

كما ستزداد أهمية مفهوم المسؤولية في البيئة الإبداعية الجديدة. فحين ينتج النظام محتوى قد يتضمن معلومات خاطئة أو صورًا مضللة أو خطابًا ضارًا، يجب أن يكون هناك طرف مسؤول عن استخدامه ونشره. ولا ينبغي أن يؤدي تعقيد التكنولوجيا إلى اختفاء المسؤولية الإنسانية. ومن هنا فإن مستقبل الإبداع يحتاج إلى قواعد واضحة تحدد مسؤولية المستخدمين والمطورين والمؤسسات.

ويحتاج المستقبل كذلك إلى حماية التنوع الثقافي والإبداعي. فإذا اعتمدت أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة على بيانات وأنماط ثقافية محددة، فقد يؤدي ذلك إلى هيمنة بعض الأشكال الثقافية على غيرها. ولذلك ينبغي أن تراعي النماذج التوليدية التنوع اللغوي والثقافي، وأن تتيح إمكانات حقيقية للمجتمعات المختلفة للتعبير عن خصوصيتها. فالتكنولوجيا لا ينبغي أن تصبح أداة لإنتاج ثقافة موحدة.

كما سيحتاج الإنسان إلى تطوير علاقة جديدة مع مفهوم العمل الإبداعي. فقد يصبح من الصعب اعتبار الجهد المبذول وحده معيارًا للقيمة، لأن التكنولوجيا تقلل من الوقت المطلوب للإنتاج. ولذلك قد تنتقل قيمة الإبداع بدرجة أكبر إلى الفكرة والرؤية والقدرة على الاختيار وإنتاج المعنى. وهذا يعني أن الإنسان المبدع في المستقبل سيكون مطالبًا بتطوير قدرته على التفكير أكثر من مجرد قدرته على التنفيذ.

ويشير ذلك إلى أن التعليم الإبداعي يحتاج إلى التغير، بحيث لا يكون الهدف مجرد تعليم الإنسان كيفية إنتاج عمل، وإنما تعليمه كيفية التفكير في العمل وتقييمه وتطويره. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في التنفيذ، لكنه لا ينبغي أن يلغي الحاجة إلى التفكير المستقل. ومن هنا يجب أن يصبح التفكير النقدي والإبداعي جزءًا أساسيًا من التعامل مع التكنولوجيا التوليدية.

وفي النهاية، فإن مستقبل الإبداع لن يكون خاليًا من الخوارزميات، لكنه لا ينبغي أن يكون خاليًا من الإنسان. فالذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على توسيع إمكانات الإنتاج والتجريب، لكنه لا يستطيع أن يحدد وحده لماذا نبدع، ولأي غاية، وما القيمة التي ينبغي أن يحملها العمل. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء نموذج جديد للإبداع يحافظ على الإنسان بوصفه مصدرًا للمعنى والغاية، ويستفيد في الوقت نفسه من القدرة الخوارزمية على التوليد والتجريب.

النتائج والتوصيات

تكشف القراءة الفلسفية لمفهوم الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي أن ظهور الأنظمة التوليدية أحدث تحولًا جوهريًا في العلاقة بين الإنسان والإبداع والتكنولوجيا. فلم تعد التكنولوجيا مجرد أداة لتنفيذ الأفكار الإنسانية، وإنما أصبحت قادرة على المشاركة في إنتاج المحتوى نفسه، الأمر الذي أدى إلى ظهور مفهوم الفاعل الخوارزمي بوصفه عنصرًا جديدًا داخل العملية الإبداعية.

وتبين أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يمتلك بالضرورة الإبداع بالمعنى الإنساني التقليدي، لأن إنتاجه للمخرجات لا يستند إلى تجربة ذاتية أو وعي أو قصد إنساني بالمعنى المعتاد. ومع ذلك فإن قدرته على التأثير في النتيجة النهائية تجعله طرفًا فاعلًا في العملية الإبداعية، وهو ما يستدعي تجاوز الثنائية التقليدية بين الإنسان بوصفه فاعلًا والآلة بوصفها أداة.

وتكشف القراءة كذلك أن مفهوم الأصالة أصبح أكثر تعقيدًا في البيئة التوليدية، لأن الأعمال الجديدة قد تنتج من إعادة تركيب أنماط ومعارف سابقة. غير أن الاعتماد على مواد سابقة لا يلغي الأصالة بصورة تلقائية، لأن الإبداع الإنساني نفسه يعتمد على المعرفة السابقة، وإنما تكمن المسألة في طبيعة إعادة البناء وفي مقدار الرؤية الإنسانية التي تدخل في العملية.

كما يتضح أن دور الإنسان لم يختفِ، وإنما تغير من الإنتاج المباشر في بعض الحالات إلى التوجيه والاختيار والتقييم وإنتاج المعنى. وأصبح المبدع مطالبًا بامتلاك مهارات جديدة تتعلق بفهم الخوارزميات وصياغة التعليمات ونقد المخرجات، إلى جانب المهارات الإبداعية التقليدية.

وتكشف النتائج أن سرعة الإنتاج التي يوفرها الذكاء الاصطناعي يمكن أن تعزز التجريب وتوسيع نطاق الأفكار، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى وفرة كبيرة من المحتوى المتشابه. ومن ثم فإن زيادة القدرة على الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة القيمة الإبداعية، لأن القيمة تظل مرتبطة بالفكرة والرؤية والاختلاف والمعنى.

كما تظهر أهمية المسؤولية الإنسانية في مواجهة الفاعل الخوارزمي، لأن الخوارزمية لا يمكن تحميلها المسؤولية الأخلاقية بالمعنى التقليدي. ولذلك تظل المسؤولية مرتبطة بالأفراد والمؤسسات التي تطور التكنولوجيا أو تستخدمها أو تنشر مخرجاتها.

وتكشف القراءة أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يكون وسيلة لتعزيز الإبداع الإنساني إذا تم استخدامه بوصفه أداة للتجريب والتوسيع، وليس بوصفه بديلًا كاملًا عن التفكير الإنساني. فالتكنولوجيا تستطيع توليد الاحتمالات، بينما يظل الإنسان قادرًا على تحديد القيمة والمعنى والغاية.

كما يتضح أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي يفرض إعادة النظر في مفهوم المؤلف والملكية الفكرية، خاصة في الحالات التي تنتج فيها الأعمال من خلال تفاعل بين المستخدم والنظام، أو عندما تعتمد النماذج على كميات واسعة من الأعمال البشرية السابقة في التدريب.

وتكشف النتائج كذلك أن مستقبل الإبداع يحتاج إلى حماية التنوع الثقافي والفكري، لأن الاعتماد المفرط على النماذج والخوارزميات نفسها قد يؤدي إلى تشابه المخرجات وإضعاف الخصوصية الثقافية والإبداعية.

وأخيرًا، يتضح أن السؤال الفلسفي الأهم ليس ما إذا كانت الآلة تستطيع أن تحل محل الإنسان في الإبداع، وإنما كيف يمكن إعادة بناء مفهوم الإبداع في ظل ظهور شريك خوارزمي قادر على التوليد. فالمستقبل الإبداعي الأكثر توازنًا هو الذي يحافظ على الإنسان بوصفه مصدرًا للمعنى والغاية، ويستفيد من الخوارزمية بوصفها قدرة جديدة على التوليد والتجريب.

التوصيات

وترى الباحثة ضرورة توسيع الدراسات الفلسفية التي تتناول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي التوليدي ومفهوم الإبداع، وعدم الاكتفاء بالدراسات التقنية التي تركز على كفاءة الأنظمة وقدرتها على إنتاج المحتوى.

وتقترح الباحثة تطوير مفهوم فلسفي أكثر دقة للفاعل الخوارزمي، يميز بين الفاعلية التقنية التي تمارسها الخوارزميات والفاعلية الإنسانية القائمة على القصد والوعي وإنتاج المعنى.

وترى الباحثة ضرورة إعادة النظر في مفهوم الأصالة الإبداعية في ظل ظهور الأعمال المنتجة بالتعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ووضع معايير جديدة تراعي طبيعة المشاركة الإنسانية والخوارزمية في إنتاج العمل.

وتدعو الباحثة إلى تعزيز التربية النقدية والإبداعية التي تساعد الأفراد على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي دون الاعتماد الكامل عليه، مع الحفاظ على مهارات التفكير والخيال والتحليل والنقد.

وترى الباحثة ضرورة وضع أطر أخلاقية وقانونية واضحة لتحديد المسؤولية عن المحتوى الذي تنتجه الأنظمة التوليدية، خاصة عندما يكون هذا المحتوى مضللًا أو ضارًا أو منتهكًا لحقوق الآخرين.

وتقترح الباحثة إجراء مزيد من الدراسات حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والملكية الفكرية، وخاصة ما يتعلق باستخدام الأعمال البشرية في تدريب النماذج التوليدية.

كما تدعو الباحثة إلى الاهتمام بالتنوع الثقافي واللغوي في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بحيث لا يؤدي انتشار هذه التكنولوجيا إلى فرض أنماط ثقافية أو إبداعية موحدة.

وترى الباحثة ضرورة إعادة تطوير مفهوم التعليم الإبداعي بما يتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي، بحيث ينتقل التركيز من تعليم الإنسان كيفية إنتاج المحتوى فقط إلى تعليمه كيفية التفكير فيه وتقييمه وإنتاج المعنى من خلاله.

وتقترح الباحثة اعتماد نموذج تكاملي للعلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، يقوم على اعتبار التكنولوجيا أداة لتوسيع القدرات الإبداعية الإنسانية وليس وسيلة لإلغاء دور الإنسان أو استبداله.

وأخيرًا، ترى الباحثة ضرورة الحفاظ على مركزية الإنسان في العملية الإبداعية، بحيث تظل الغايات والقيم والمعاني والاختيارات النهائية مرتبطة بالفاعل الإنساني، بينما تستخدم القدرات الخوارزمية في التوليد والتجريب وتوسيع إمكانات الإبداع.

***

إعداد الباحثة: آلاء صلاح - فلسفة التكنولوجيا

سؤال: أين اختفت كتب مالك بن نبي؟

ينتقد مالك بن نبي العقل الجزائري وهو يتناول مشكلة الحضارة من خلال معادلته: "حضارة= إنسان + تراب+ وقت " فعندما تكلم مالك بن نبي عن الجزائر قال: لو كان للأرض قيمة عندنا لما تركناها تتصحّرُ، وهو صاحب مشروع السدُّ الأخضر في الجزائر، وفكرة هذا المشروع تنسبُ إليه، حيث اقترح هذه الفكرة الإستراتيجية في سبعينيات القرن الماضي ليكون حزاما نباتيا يوقف زحف الرّمال نحو الشمال، وقد تضمّنت أبحاثه اختيار أنواع خاصة من الأشجار القادرة على التكيف والنمو في المناطق الجافة، حيث سمّاه "الحزام الأحضر" .

و قد ردّ عليه أحد الغيورين من الجزائريين وهو الدكتور محمد مجدان، باحث وأستاذ جامعي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، فكتب: "لو كان مالك بن نبي حيًّا لقال: لو كان للأرض قيمة عندنا لما ملأناها اسمنتا مسلحا، يريد بذلك القول تشييد المباني والمصانع والمنشآت على الأراضي الزراعية الخصبة،  ويكفي اليوم أن ننظر إلى الأراضي الزراعية في بلادنا كيف تحولت إلى إسمنت مسلح وبالأخص في مسقط رأس مالك بن نبي ( قسنطينة) دون الحديث عن عمليات النهب للعقار الفلاحي وعجز المسؤولين من القمة إلى القاعد لمواجهة مافيا بل بارونات العقار، وهو المصطلح الأصح استعمالا.

كما انتقدهم في عدم احترامهم للوقت وقيمته، فقيمة الوقت مرتبط بالأمة وما تنتظره من المسؤولين الذين وثقت فيهم وآمنتهم على مصالحها، كل في مجال إدارته، فالمسؤول الذي يحدد موعدا مثلا للقاء رسمي يتدارس فيه مشاكل الأمة ويتأخر عن الموعد ويبقى من تمت دعوتهم ينتظرون لساعات طويلة، فيضطر البعض إلى الإنصراف، لأنه ملزم بالقيام بعمله داخل مكتبه أو مصنعه أو لأمور أخرى تخدم المجتمع وتكون في الصالح العام، يكون هذا المسؤول قد أساء للمنصب الذي يشغله والذي كُلِّف به من طرف من كلفوه بهذه المهمة، فيفقد الناس فيه الثقة .

كان مالك بن نبي يطرحُ أفكاره لا بعقل المفكر فحسب، وإنما بعقل الملاحظ و الناقد، فيوجه ما يجب أن يكون، لأنه عاش في مرحلة اتسمت بالتناقضات وغياب المسلم عن أداء واجبه وعدم اهتمامه بواقع المسلمين وهو يرى الأمة الإسلامية تتراجع إلى الوراء في كل ميادين الحياة، في الوقت الذي تقدّم غيرها، فلو كان هذا المسؤول يدرك أن دينه ( الإسلام) علّمه كيف يحترم الوقت ويحترم وعوده أمام رعيّته، وأن ما يقوم به هو واجب ربّاني من أجل رقيّ المجتمع، لكان الوضع مختلفا، فالحضارة كما قال مالك بن نبي تسقط وتنهار عندما تفقد العنصر الروحي وهو "الدين"، وربما هي الأسباب التي جعلت مالك بن نبي يعيش على الهامش، كل ذلك بسبب أفكاره ومواقفه

 فما بال البعض اليوم لا يولي أهمية للوقت وهذا ما نلاحظه في اللقاءات، تقدم الكلمة الأولى للأصغر مرتبة، فنسمع عبارات ... (الكلمة الأن للسيد فلان (منظم اللقاء)، ثم تليه الكلمة للسيد فلان (رئيس المنظمة أو الجمعية) ثم كلمة (الوالي) وتترك الكلمة لمن هو أعلى مرتبة أو منصب في الأخير (الوزير) لكي يجبرون وسائل الإعلام على البقاء والمتابعة، وكأن الجميع متفرغون، وقد كسروا في ذلك المثل القائل: " إذا حضر الماء بطل التيمّمُ"، أليس هذا هدر للوقت؟

هذه هي الأسباب التي أدت إلى الإنقلاب على مالك بن نبي ليس بتهميشه فقط وجعله منبوذا وسط قومه وداخل وطنه، بل تعرض كتبه للسّرقة، كان أول كتاب تمت سرقته هو كتاب "المسألة اليهودية"، وهو أول كتاب له، ثم سرقة كتاب آخر بعنوان: sos algerie، أما كتابه الهام وهو "الظاهرة القرآنية" وعلى حد قوله هو فإنه لم يتعرض للسرقة فحسب ولكنه تعرض للحرق وقد أعاد كتابته من جديد رغم ضياع ومراجعته صدر لأول مرة عام 1946 عندما كان بفرنسا بين فغيه أهمية الدين في البناء الحضاري.

***

علجية عيش (مجرد وجهة نظر)

 

مدخل: الإشاعة في العصر الرقمي ليست كلامًا عابرًا ينتقل داخل دائرة محدودة، ثم ينتهي أثره بإنتهاء الجلسة وفي حدودها الضيقة (العائلة، الحي، المدينة). بل أصبحت قوة اجتماعية قادرة على اقتحام الحياة الخاصة، وتوجيه الانفعالات العامة، وتغيير صورة الأفراد والجماعات، والتأثير في الاقتصاد والإعلام والعلاقات السياسية.

لعلها تبدأ الإشاعة بمنشور مجهول، أو تسجيل صوتي مقتطع، أو صورة أُخرجت عن سياقها الحقيقي، ثم تتحول بفعل التكرار والتعليق والمشاركة إلى اعتقاد جماعي، قبل أن تتحول القناعة إلى سلوك، والسلوك إلى واقع.

الإشاعة الرقمية تكمن خطورتها في أنها لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة حتى تؤثر، فقد يكون مضمونها باطلًا، لكن الخوف والفوضى والهلع الذي تثيره حقيقي، والخصومة التي تشعلها حقيقية، والخسارة التي تتسبب فيها حقيقية. لذلك لا تكفي دراسة الإشاعة من زاوية صدقها أو كذبها، بل يجب بحثها بوصفها ظاهرة معرفية وأخلاقية وسوسيولوجية وسياسية.

ثم إن السلم الاجتماعي لا يعني غياب الاختلاف أو توحيد الآراء، بل يعني قدرة الجماعة على إدارة اختلافاتها داخل فضاء مشترك من الثقة والاحترام والوقائع القابلة للنقاش. كما تشير الأدبيات الحديثة إلى أن السلم الاجتماعي تنميته لا يقومان على التطابق، بل على الاتفاق بشأن معنى «نحن» المشتركة، وعلى إمكان الحوار رغم التعدد والاختلاف. وبالتالي الإشاعة تعمل على تفكيك هذا المجال المشترك، ليس عبر تضليل الأفراد فقط، بل إضعاف شروط العيش المشترك.

الإشاعة بوصفها ظاهرة فلسفية

تنشأ الإشاعة غالبًا في المنطقة الفاصلة بين الجهل والمعرفة، حين يقع حدث غامض أو مقلق، ويغيب التفسير الموثوق، يبدأ الإنسان في تركيب رواية تساعده على فهم ما يحدث، هنا تتدخل الإشاعة لتملأ فراغًا معرفيًا ونفسيًا في آن واحد: فهي تقدم تفسيرًا حين تغيب المعلومات، وتمنح شعورًا بالسيطرة حين يشتد الهلع والخوف، ثم الإشاعة لا تنتشر لأنها تقدم حقيقة مكتملة، بل لأنها تقدم احتمالًا قابلًا للتصديق. ولهذا فإنها غالبًا ما تظهر في عبارات مثل: «يقال إن...»، و«مصدر مقرب أكد...»، و«بلغني خبر ..»، و«تحذير للنشر»، هذه الصيغ لا تؤسس اليقين، لكنها تفتح باب الشك، والشك في بيئة مشحونة قد يتحول سريعًا إلى اتهام ثم إلى إدانة.

ومن منظور إبستمولوجي، لا تكمن المشكلة في تداول المعلومات والأخبار غير المباشرة في حد ذاته؛ حيث معظم معرفتنا بالعالم تقوم على شهادات الآخرين، لكن القيمة المعرفية للشهادة تتوقف على مصدرها، ودرجة اختصاصه، ومدى صدقه، وإمكان التحقق من كلامه. أما أن يصبح التكرار بديلًا عن الدليل، أو أن تتحول كثرة المشاركات إلى معيار للحقيقة، فذلك يمثل انحرافًا في بنية المعرفة الاجتماعية.

لهذا انتشار الإشاعة عبر حسابات كثيرة لا يعني بالضرورة تعدد مصادرها. فقد تكون آلاف الحسابات قد أعادت إنتاج المنشور نفسه، فيظهر للمستخدم كأنه أمام إجماع، بينما هو في الحقيقة أمام تكرار لرواية واحدة، فقد أظهرت دراسات انتشار المعلومات الرقمية أن التجانس والاستقطاب داخل الجماعات الرقمية يساعدان على تكوين غرف صدى تعزز الروايات المنحازة، وتدعم التحيز التأكيدي، وتزيد حجم انتشار الإشاعة.

الإشاعة بوصفها فعلًا اجتماعيًا

الإشاعة لا تكتفي بوصف الواقع، بل قد تساهم في صناعته، فإذا انتشر خبر عن ندرة سلعة، اندفع الناس إلى تخزينها، فحدث النقص بالفعل. وإذا شاع اتهام شخص، تضررت سمعته قبل ظهور الدليل. وإذا انتشرت رواية عن خطر أمني أو طائفي، تغيرت سلوكيات الأفراد وازدادت مشاعر الخوف والتوجس والتنافر.

هنا تظهر المفارقة الأساسية، قد تكون الإشاعة كاذبة من حيث مضمونها، لكنها حقيقية من حيث آثارها، لأن الخوف الذي تنتجه، والقطيعة التي تسببها، والتوتر الذي تولده، والقرارات التي تدفع الناس إلى اتخاذها، كلها وقائع حقيقية. وعليه فإن مواجهة الإشاعة لا ينبغي أن تقتصر على إثبات خطئها، بل يجب أن تتجه أيضًا إلى معالجة آثارها الاجتماعية والنفسية.

 الإشاعة عادة ما تؤدي ثلاث وظائف متداخلة: تمنح الجماعة تفسيرًا لحدث غامض، وتعبّر عن انفعال مشترك، وتدفع الأفراد إلى اتخاذ موقف أو القيام بفعل. لهذا فهي ليست رسالة معرفية فقط، بل هي خطاب انفعالي وعملي؛ إنها تحول القلق إلى رواية، والرواية إلى موقف، والموقف إلى سلوك.

نماذج من آثار الإشاعة الرقمية

1- تدمير الأسر وبث اللاثقة

تُعد الأسرة من أكثر المجالات تعرضًا للأثر المباشر للإشاعة الرقمية، لأنها تقوم على الثقة والخصوصية والسمعة والروابط العاطفية، يكفي نشر صورة قديمة خارج سياقها، أو محادثة مبتورة، أو ادعاء عن علاقة مشبوهة، حتى تبدأ الشكوك في التسلل إلى الحياة الزوجية والعائلية.

لا تحتاج الإشاعة الأسرية إلى دليل قوي كي تؤثر؛ يكفي أن تزعزع اللاثقة. فإذا وصل منشور مجهول إلى أحد الزوجين، فقد يبدأ في مراقبة الهاتف، وتأويل الصمت، وربط الوقائع العادية برواية الإشاعة ثم تتحول العلاقة عندئذ من مجال للحوار والسكن إلى فضاء للمراقبة والتحقيق والاتهام.

مثلًا قد تنتشر صورة لشخص مع امرأة أو رجل في مكان عام، ثم تُرفق بتعليق يوحي بوجود علاقة غير مشروعة. وبغض النظر عن حقيقة الصورة، يمكن أن يؤدي تداولها إلى نزاع بين الزوجين، ثم إلى تدخل العائلتين، وربما إلى قطيعة أو طلاق. ولا يتوقف الضرر عند الزوجين، بل يمتد إلى الأبناء، وإلى سمعة العائلتين، وإلى شبكة العلاقات الاجتماعية.

فلسفيًا، تكشف الإشاعة الأسرية عن هشاشة الثقة حين تتحول المعرفة إلى مراقبة، فالأسرة لا تقوم على امتلاك كل المعلومات عن أفرادها، بل على حسن الظن والحوار واحترام الحدود الشخصية، لكن عندما تحل الإشاعة محل التواصل المباشر، تتحول العلاقة الإنسانية إلى ادانات دائمة.

2- الصراع الطائفي وتمزيق المجتمع

تزداد خطورة الإشاعة عندما ترتبط بالدين أو الطائفة أو المذهب أو الانتماء القبلي، في هكذا الحالة لا يكون المستهدف فردًا فقط، بل جماعة تحمل ذاكرة ورموزًا وحساسيات تاريخية، قد يؤدي خبر غير موثق عن اعتداء أو إساءة أو مؤامرة إلى إنتاج غضب جماعي، خاصة إذا صيغ بلغة تحريضية تستدعي المظلومية والانتقام.

فالإشاعة الطائفية تعتمد على نقل المسؤولية من الفرد إلى الجماعة. فإذا ارتكب شخص فعلًا، نُسب الفعل إلى طائفته كلها، وإذا وقع حادث غامض، جرى تفسيره بوصفه مؤامرة من جماعة أخرى، هكذا تنتقل الجماعة من منطق المسؤولية الفردية إلى منطق العقاب الجماعي.

وقد ينتشر مقطع قديم على أنه اعتداء حديث ارتكبته جماعة دينية أو طائفية معينة، ثم تُضاف إليه تعليقات تحدد هوية الفاعل وتطالب بالرد. وقبل التحقق من زمان المقطع ومكانه، تبدأ الشتائم والتهديدات، وقد تتحول إلى اعتداءات حقيقية.

تعمل الإشاعة هنا على صناعة «العداوة اجتماعيًا»، فهي لا تنقل الانقسام فقط، بل تعيد بناء الهوية على أساس الخوف من الآخر، وقد بينت دراسات حول التضليل الرقمي أن خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة يمكن أن يعمقا التوترات بين الجماعات، وأن غرف الصدى الخوارزمية تقلل التعرض لوجهات النظر المختلفة وتعيد إنتاج الانقسام الطائفي والسياسي.

حيث تشير دراسات مقارنة إلى أن استخدام النخب السياسية لوسائل التواصل في نشر المعلومات الكاذبة يرتبط بارتفاع الاستقطاب واحتمالات النزاع المدني، خصوصًا حين تتحول المنصات إلى أدوات لتنظيم التعبئة خارج الفضاء الرقمي. وهذا يعني أن الإشاعة الطائفية قد تكون تلقائية وشعبية، لكنها قد تكون أيضًا منظمة وموجهة لخدمة مصالح سياسية.

3- تشويه الوعي وصناعة القطيعة

لا يقتصر أثر الإشاعة على إحداث ضرر مباشر، بل يمتد إلى تشكيل وعي الفرد والجماعة. فحين يتعرض الإنسان يوميًا لسيل من الأخبار غير الموثقة، يفقد تدريجيًا القدرة على التمييز بين الواقعة والتأويل، وبين الشهادة والدعاية، وبين السؤال والقطيعة.

تنشأ بذلك حالة يمكن تسميتها تخمة الشك، حيث لا يعود الفرد يثق في شيء، لكنه في الوقت نفسه يصبح مستعدًا لتصديق أي رواية توافق انفعاله أو موقفه أو جهته، وقد يبدو هذا الشك موقفًا نقديًا، لكنه قد يتحول إلى لا مبالاة معرفية، أي إلى اعتقاد بأن «كل شيء كذب»، ومن ثم تصبح كل الروايات قابلة للتصديق بالقدر نفسه.

هكذا تعمل الإشاعة على اختزال القضايا المركبة في جمل سهلة التداول. فالأزمات السياسية والاقتصادية والتربوية تُرد إلى شخص واحد أو جماعة واحدة أو مؤامرة واحدة، وبدل أن يسأل الفرد عن البنية والظروف والتاريخ، يبحث عن فاعل محدد يلقى عليه اللوم ويفرغ نحو جام غضبه ويرسخ القطيعة معه.

ومع تكرار المعلومة، يشعر المتلقي بألفة تجاهها، وقد يخلط بين الألفة والصدق، وتتحول المعرفة عندئذ من عملية فحص وتأمل إلى انطباع سريع، ثم يصبح المجتمع شديد الانفعال، قليل الصبر على البحث، سريع الاستعداد للقطيعة، وتنتقل فيه السلطة من الأكثر علمًا إلى الأكثر إثارة.

4- تسويق الأوهام اجتماعيا

لا تكتفي الإشاعة بنقل الاوهام، بل قد تمنحها تسويقًا وترويجًا داخل الثقافة الاجتماعية، وعبر كثرة التداول، تتحول بعض الأوهام إلى «معارف شعبية» تتناقلها الأجيال رغم افتقارها إلى الدليل، وقد يتعلق الوهم بالصحة أو التربية أو الدين أو العلاقات الاجتماعية أو تفسير الأحداث السياسية والوقائع التاريخية والشخصيات التراثية او الوطنية او العلمائية الدينية والأكاديمية والسياسية.

وقد يأتي الوهم في صورة علمية أو دينية أو وطنية. فخبر صحي غير مثبت قد يُرفق بصور أطباء مجهولين، أو بمصطلحات علمية، أو بشهادة شخص يدعي الخبرة، بهذا يكتسب الوهم مظهرًا زائفًا من المصداقية. كما يحدث الأمر نفسه حين يُنسب قول ضعيف أو حديث غير ثابت إلى الدين، فيتحول التداول الرقمي إلى وسيلة لخلط المقدس بالمتداول، والعلم بالانطباع.

تكمن خطورة الأوهام في أنها لا تبقى فكرة عابرة؛ إذ قد يؤثر في قرارات العلاج، وفي تربية الأطفال، وفي العلاقات بين الفئات، وفي المواقف من المؤسسات. ومع تحولها إلى جزء من الثقافة، يصبح رفضها صعبًا لأن الناس لا يدافعون عن المعلومة وحدها، بل يدافعون عن عاداتهم وصورتهم عن المجتمع وموروثهم الرمزي.

5- الفساد الاقتصادي واستغلال الخوف

يمكن للإشاعة الرقمية أن تتحول إلى أداة للتلاعب الاقتصادي، حيث الأخبار غير الموثقة عن ارتفاع الأسعار، أو نقص السلع، أو إفلاس الشركات، أو تغير العملة، أو فرص الاستثمار، قد تدفع الأفراد إلى قرارات مالية خطيرة.

قد تنتشر إشاعة عن قرب ارتفاع سعر مادة أساسية، فيسارع التجار والمستهلكون إلى تخزينها واحتكارها والمضاربة، فيرتفع الطلب وتزداد الأسعار فعلًا، وقد تنتشر إشاعة عن إفلاس بنك أو شركة، فيسحب الناس أموالهم أو يبيعون أسهمهم تحت ضغط الخوف. وفي كلتا الحالتين تتحول المعلومة غير المؤكدة إلى عامل مؤثر في السوق.

وقد تكون الإشاعة جزءًا من عملية احتيال منظمة، تبدأ بخبر مثير ثم تنتهي بدعوة إلى تحويل الأموال أو الاستثمار في منصة وهمية، كما يمكن أن تستخدم للإضرار بمنافس تجاري أو تشويه سمعة مؤسسة أو رفع قيمة منتج بعينه.

هنا تتجاوز الإشاعة نطاق الخطأ العفوي، وتصبح استغلالًا لثقة العامة، فإذا كان الناشر يعلم أن المعلومة غير مؤكدة، ويستخدمها لتحقيق منفعة أو إلحاق الضرر بالآخرين، فإن الإشاعة تتحول إلى ممارسة فساد اقتصادي، لأنها تمويه واستغفال لتحقيق مكاسب مادية حقيقية.

6- تخلف الإعلام وتفشي الإشاعة

لا تنتشر الإشاعة في البيئة الإعلامية القوية بالقدر نفسه الذي تنتشر به في بيئة تعاني ضعف المهنية والبطء وانعدام الشفافية، فعندما تتأخر المؤسسات عن تقديم المعلومات، أو تتناقض التصريحات، أو يكتفي الإعلام بنقل البيانات دون تحقيق، يترك المجال مفتوحًا للمصادر المجهولة.

لا يعني تخلف الإعلام ضعف التقنيات فقط، بل يعني ضعف وظيفته المعرفية والأخلاقية. فالإعلام الذي لا يتحقق، ولا يشرح السياق، ولا يميز بين الخبر والرأي، ولا يصحح أخطاءه، يساهم في تحويل الجمهور إلى مستهلك للشائعات.

ولا يكفي أن يقول الإعلام: «تداولت مواقع التواصل خبرًا عن...»، لأن هذه العبارة قد تمنح الإشاعة حياة جديدة، بل ينبغي أن يوضح ما ثبت وما لم يثبت، وأن يذكر مصادره، وأن يضع الحدث في سياقه، وأن يواجه الادعاءات بالأدلة لا بالإنكار المجرد.

 الإعلام المهني لا يقيس نجاحه بسرعة السبق فقط، بل بقدرته على حماية الجمهور من الخطأ. فالسبق القائم على معلومة كاذبة قد يضر بالمجتمع أكثر مما ينفعه، بينما يمنح التحقق الهادئ للخبر قيمة عامة تتجاوز لحظة الانتشار.

المسؤولية عن الإشاعة الرقمية

أ- المسؤولية الاجتماعية

لا تقع المسؤولية عن الإشاعة على المنتج الأول وحده، بل تتوزع بين منتج المحتوى، وناشره، ومتلقيه، والمنصة التي تضخمه، والمؤسسة التي تتأخر في توضيحه.

تتمثل مسؤولية المنتج في عدم اختلاق المعلومة، وتحديد مصدرها، والتمييز بين ما شاهده وما استنتجه.

 أما مسؤولية الناشر فتتمثل في عدم تقديم الظن في صورة يقين، والتنبيه إلى درجة عدم التحقق، وتقدير الضرر المحتمل.

بينما يتحمل المتلقي مسؤولية التوقف قبل المشاركة، ورفض تحويل التكرار إلى دليل.

كما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية التحقق والتصحيح وتقديم السياق، بينما تتحمل المنصات مسؤولية الحد من الحملات المنسقة والتضخيم الآلي للمحتوى المحرض والمضلل.

 في حين المؤسسات العامة، فعليها أن تقدم المعلومات بسرعة ووضوح وشفافية، لأن فراغ المعلومات يوسع مجال الإشاعة.

وتشمل المسؤولية الاجتماعية ثقافة التصحيح، فحذف المنشور لا يكفي إذا كان قد انتشر وتناقلته الحسابات، اذ التصحيح الجاد يقتضي الاعتراف بالخطأ، وتوضيح الحقيقة، والاعتذار عند وقوع ضرر.

ب- المسؤولية القانونية

تختلف القوانين من دولة إلى أخرى، لكنها تلتقي غالبًا في مساءلة الأفعال التي تتضمن التشهير، وانتهاك الخصوصية، والتحريض على الكراهية أو العنف، والاحتيال، والتلاعب الاقتصادي، ونشر أخبار كاذبة تسبب ضررًا عامًا.

لكن المسؤولية القانونية ينبغي أن تميز بين الخطأ غير المقصود، والنقد المشروع، والعمل الصحفي، وبين التعمد في اختلاق الأخبار أو نشرها بقصد الإضرار أو تحقيق منفعة غير مشروعة، بل لابد أن تقوم القوانين على الوضوح والتناسب، وألا تتحول مكافحة الإشاعة إلى ذريعة لإسكات الرأي المخالف أو منع المساءلة العامة.

ومن الضروري أن تتوافر للمتضرر وسائل عملية للرد والتصحيح والتعويض، وأن تشمل المساءلة الشبكات المنظمة التي تصنع حملات التضليل، لا المستخدم الفرد وحده، لأن الإشاعة الرقمية قد تنتج أحيانًا عن سلوك عفوي، لكنها قد تكون أيضًا عملية منسقة ذات أهداف سياسية أو اقتصادية أو طائفية.

ج- المسؤولية الشرعية

 المسؤولية الشرعية في التعامل مع الإشاعة ترتكز على مبدأ التبيّن، وعلى التمييز بين الغيبة والنميمة والنصيحة والشهادة والتحذير من الضرر، فليس كل ما يصل إلى الهاتف صالحًا للنشر، وليس كل ما هو صحيح مباحًا في كل سياق.

تقتضي النظرة الشرعية عدم ترويج الظن، وعدم إشاعة الفاحشة، وعدم انتهاك الخصوصيات، وعدم السخرية من الأفراد والجماعات، وعدم استخدام الكذب لتحقيق غرض سياسي أو دعوي أو اجتماعي أو ربحي مادي او طائفي عنصري. لكنها في الوقت نفسه لا تعني التستر على الفساد أو إسكات النقد المشروع.

فثمة فرق بين التشهير والتحذير، وبين الغيبة والشهادة، وبين كشف الجريمة وانتهاك الخصوصية، وبين نقل معلومة موثقة إلى جهة مختصة وإطلاق اتهام أمام جمهور واسع. ويتحدد هذا الفرق بالقصد، ودرجة التحقق، وحجم المصلحة، واحتمال الضرر، ومدى الحاجة إلى النشر.

يمكننا صياغة القاعدة الشرعية العملية على النحو الآتي:

كل خبر يخدش عرض الإنسان أو أمن المجتمع أو علاقاته أو أمواله لا يجوز تداوله بمجرد السماع، بل يحتاج إلى تثبت، ومصلحة معتبرة، واقتصار على قدر الحاجة، وابتعاد عن التشهير والتحريض والتسقيط والاضرار.

د- المسؤولية الأخلاقية

تتجاوز الأخلاق القانون والرقابة الخارجية، لأنها تتعلق بما يفعله الإنسان حين يستطيع الإفلات من العقوبة. وقد يكون المنشور قانونيًا من الناحية الشكلية، لكنه يظل ظالمًا أو مهينًا أو غير مسؤول من الناحية الأخلاقية.

وهنا تظهر أهمية الضمير الأخلاقي؛ أي التفاعل وفق المبادئ التي توجه سلوك الإنسان حين لا يراقبه أحد، فالحرية الرقمية لا تعني القدرة على النشر فقط، بل القدرة على تقدير أثر النشر، والاعتراف بحدود المعرفة، واحترام الإنسان الذي قد يتحول إلى موضوع للاتهام أو السخرية.

ويتجلى الضمير الأخلاقي في التثبت، والتواضع المعرفي، والعدل، والرحمة، واحترام الخصوصية، والامتناع عن التشهير، والشجاعة في تصحيح الخطأ. فالمستخدم المسؤول لا يسأل فقط: «هل أستطيع نشر هذا؟» بل يسأل: «الى اي مستوى أخلاقيًا يحق لي أن أنشره؟ ومن قد يدفع ثمنه في حال أقدمت على ذلك؟»

نحو تنمية السلم الاجتماعي رقميًا

يمكن بناء ميثاق عملي لمواجهة الإشاعة الرقمية من خلال مجموعة من الأسئلة التي تسبق النشر:

- هل أعرف مصدر المعلومة؟

- هل لدي دليلًا مستقلًا على صحتها؟

- هل ميزت بين موضوع النشر وتأويلي له؟

- هل يمكن أن يلحق النشر ضررًا بشخص أو جماعة أو طائفة أو مؤسسات رسمية او وطني؟

- هل توجد مصلحة حقيقية عامة؟

- هل لغتي المستخدمة إنسانية أم عنصرية، جامعة أم تحريضية، بناءة ام تدميرية؟

- هل أقبل أن يُنشر عني الشيء نفسه بذات الأسلوب واللغة؟

- ماذا علي أن افعل إذا تبين أن المعلومة خاطئة او المنشور مسيء للٱخر؟

إذا لم تكن الإجابات واضحة، فإن الامتناع عن المشاركة هو الخيار الأكثر مسؤولية. فالصمت في هذه الحالة ليس عجزًا، بل ممارسة للوعي، وحماية للحقيقة، واحترام وتنمية للسلم الاجتماعي.

لا يكفي أن نطالب الأفراد بالحذر؛ بل ينبغي أن تتكامل جهود المدرسة والجامعة والأسرة والمسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية والمنصات الرقمية.

لذلك ندعو كل الدول العربية للالتفات بكل مسؤولية لمطلب التربية الرقمية في المناهج التربوية والتعليمية، بإضافة مادة او فصل ضمن مقررات التربية المدنية خاص بالتربية الرقمية والاعلامية، تعلم المستخدم كيف يحدد المصدر، ويفحص السياق، ويفهم الخوارزمية، ويميز بين الرأي والخبر، ويقدّر عواقب المشاركة والمسؤوليات المترتبة عنها خصوصا لدى فئة الأحداث دون أن نغفل عن دور الأسرة في نجاح ذلك كله.

مستخلص

تكشف الإشاعة الرقمية عن أزمة مركبة تمس الأسرة، والهوية، والوعي، والثقافة، والاقتصاد، والإعلام وأمن الدول وسلم المجتمعات ومستقبلها، فهي قد تهدم بيتًا من خلال شك، او تشعل صراعًا طائفيًا من خلال مقطع مبتور، أو تشوه الوعي عبر تكرار الوهم، أو تسهم في فساد اقتصادي باستغلال الخوف، أو تزداد قوة حين يفشل الإعلام في أداء وظيفته المعرفية والأخلاقية.

ومن المنظور الفلسفي، لا تقتصر المشكلة في كذب الإشاعة وحده، بل في قدرتها على تحويل الاحتمال إلى اعتقاد، والاعتقاد إلى هوية، والهوية إلى صراع.

ومن المنظور السوسيولوجي، تكشف الإشاعة عن شبكة اللاثقة والانقسامات والمصالح التي تحكم المجتمع.

أما من المنظور القانوني والشرعي والأخلاقي، تضع الإنسان أمام مسؤولية الكلمة، وواجب التبيّن، وحرمة الظلم، وضرورة حماية الكرامة، أمام الله والانسان والمجتمع.

لذلك حماية وتنمية السلم الاجتماعي في العصر الرقمي، لا تبدأ من الخوارزميات وحدها، ولا من القوانين وحدها، بل من الإنسان الذي يقرر أن يتفكر لحظة قبل النشر، ففي تلك اللحظة يتحدد الفرق بين مستخدم يضاعف الضجيج والفوضى والتفاهة والمٱسي، ومواطن يساهم في بناء الوعي؛ بين كلمة تفتح جرحًا، وكلمة تمنع فتنة؛ وبين حرية تستعمل للفوضى، وحرية ترتقي إلى المسؤولية.

حين تصبح الكلمة قادرة على صناعة السلم الاجتماعي، لا يعود السؤال: هل أستطيع أن أنشر؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل ما أنقله يساعد المجتمع على فهم الحقيقة والتنمية والتقدم، أم يدفعه إلى الخوف والصراع والفساد بشتى أشكاله؟

***

بقلم: مراد غريبي

8/8/2026

إن دراسة ظاهرة الامتثال للقانون في إطار علم الاجتماع القانوني لا تنصرف فحسب إلى رصد حركة الأفراد الظاهرة تجاه النص التشريعي، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، إلى الكشف عن كينونة الرابطة الفلسفية التي تجمع بين السلطة السياسية والضمير الاجتماعي. فالامتثال ليس فعلاً ميكانيكياً ينجم عن مجرد وجود نص عقابي رادع، بل هو تعبير عن توازن قيمي واجتماعي داخل بنية الدولة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يغدو القانون في بعض المجتمعات سلوكاً تلقائياً يُحترم دون حاجة لقسر مادي مستمر، بينما يتحول في مجتمعات أخرى إلى مجرد عبء يترصد الأفراد الفرص للإفلات منه؟

يكمن المفتاح الأول لفك هذا اللغز في التمييز الفلسفي الدقيق بين "الشرعية" كبناء شكلي صدقته السلطة التشريعية، وبين "المشروعية" كقيمة موضوعية مستقرة في وجدان الجماعة. في المجتمعات التي تنجح في تطبيق القانون، لا يُنظر إلى النص التشريعي بوصفه إملاءً فوقياً تفرضه إرادة حاكمة مستبدة، بل بوصفه تجسيداً موضوعياً لفكرة العدالة المشتركة. هنا يتطابق القانون الوضعي مع الضمير الجماعي، فيتحول الامتثال من طاعة ناتجة عن الخوف من العقاب (الردع المادي) إلى التزام أخلاقي واجتماعي تلقائي (الردع الذاتي). أما في المجتمعات التي تخفق في فرض سلطة القانون، فإن القواعد غالباً ما تصدر منبتة الصلة عن الواقع وقيمه الأخلاقية، فتُعامل كأدوات قهر تفتقر إلى القبول الفلسفي، مما يولد مقاومة مستترة وصراعاً صامتاً بين الفرد والنص.

كذلك يرتبط الامتثال ارتباطاً وثيقاً بمدى رسوخ "فكرة الدولة" في الوعي العام. الدولة في التحليل القانوني الرصين ليست مجرد جهاز قمعي، بل هي مؤسسة المؤسسات ومجسد الصالح العام. في المجتمعات الناجحة، يدرك الفرد أن احترامه للقانون هو صيانة لكينونة الدولة التي تحمي حقوقه وحرياته، فالقانون هنا أداة تنظيم وتبادل منافع متبادلة. وفي المقابل نجد في المجتمعات التي تعاني من وهن في الامتثال غياباً للشخصية المعنوية للدولة في الأذهان، حيث تتماهى الدولة في نظر الأفراد مع اشخاص الحاكمين أو الفئات المسيطرة. هذا الخلط الفلسفي يجعل التهرب من القانون يظهر في الوعي الشعبي كنوع من أنواع المقاومة أو الدفاع عن الذات، بدلاً من كونه اعتداء على الصالح العام. إن القانون ليس نصوصاً جامدة تكتب على الورق، بل هو كائن حي يتنفس من خلال التطبيق  الاجتماعي اليومي. والخلل الكبير الذي يعتري النظم القانونية المتعثرة هو الاعتقاد الواهم بأن صياغة نصوص مثالية مستوردة كفيل بصناعة الانضباط. إن إقحام قواعد قانونية غريبة على النسق الثقافي والاقتصادی للمجتمع دون تهيئة فلسفية مسبقة، يولد حالة من "الانفصام القانوني"، حيث يعيش المجتمع بنظامين: نظام رسمي مكتوب في الدفاتر الحكومية، ونظام واقعي غير رسمي يدير شؤون الناس الفعلية.  إن نجاح مجتمع ما في تطبيق القانون ليس رهناً بغلظة العقاب أو كثرة الأجهزة الرقابية، بل هو رهن بمدى قدرة المشرع على صياغة قواعد تعكس روح الجماعة وتطلعاتها العادلة. إن الامتثال هو الثمرة الطبيعية لعقد اجتماعي حقيقي ومتوازن، لا يشعر فيه الفرد بأنه مستهدف بالتنظيم والتقييد، بل محمي بموجب قاعدة قانونية عادلة ومتجردة تضمن كرامته الإنسانية أولاً وأخيراً.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

"حين تخرج الصورة إلى الواقع، تصبح خارج السيطرة تماماً.."

"كُتبت له النجاة، مَنْ يفلت من صورته.."

رُبّ صورةٍ من زاويةٍ معينةٍ تكشف كامل المشهد. بالضبط كما يُلخص الإنسان المحدود تاريخ مجتمع مترامي الأطراف، فالحياة الإنسانية توجد في أدق عناصرها مثلما تُوجد داخل أكبرها حضوراً. ولكن لماذا الصورة تحديداً؟! الصور تُشبع فينا طاقات "التأمل والتحقُق" معاً. حتى نكاد نشعر بعدم وجود أي فراغ، هي لحظات قصوى من الحضور المكثف بامتياز. وتتسع لاستيعاب دلالة العالم والوجود. تحملنا إلى حيث تريد قبل أنْ نحملها إلى ما نريد. نحن بالنسبة إلي قوة الصور نقع في الهامش. تعيد رسم أوضاعنا بشكلٍّ بطيء، وتمثل وعداً مؤجلاً لن يأتي. ولاسيما إذا كانت الصورة معبرةً عن تراث من الصراع حول المكانة والسلطة في المجتمعات البشرية.

هكذا أثار ت صور " القاضي المزيف" تداعيات شتى على صعيد الثقافة والمعنى والسلطة. فقد أنتزع مكانةً ليست له وسط حراسةٍ مشددةٍ على رمزية الأزياء والثقة والحقيقة والقوى الرائجة في المجتمع المصري. كيف تتم معرفة ما حدث؟! وما أبعاد التداعيات التي ظهرت؟

الصورة كأثر

التناقض المثير أنَّه لا توجد صورة خارجنا رغم أننا نلتقط الصور من الخارج. فكل صورة توثّق وجودنا الخارجي داخل زمان ومكان ما. أي تأخذ الكاميرا واقعة رؤية معينةٍ، إلاَّ أن تأثيرها يبقى داخلنا عادةً. حتى وهي أمام عيون الآخرين، تمارس الصورة حضورها في أعماق حياتنا. الصور تغرينا بإمكانية امتلاك الآخر الذي يقاسمنا الرؤية، أي ترأب الصدع الذي نراه في المرآة والذي يسكننا طوال الوقت، الصورة تثير الاعجاب وقد تملكنا حتى الثمالة. هي الأثر الذي نجري وراءه بهذا المعنى أو ذاك.

ولكن لا تقف الجُرعات البصرية عند نهايةٍ، بل تستثير ظمأ وجودياً للمزيد. يتجاوز الجمال ورغبة التواجد إلى فكرة الافلات من الموت. اغواء الصورة يتجاوز حدود الفعل إلى نمط العيش. إن حياة دون صور هي التصاق مع الموت مباشرة. فهي تنطلق كالرصاصة عكسياً من أدنى إلى أعلى، من المحدود إلى اللامحدود، بفضل كونها مساحةَ دلالةٍ لا زاوية لقطة فقط. الصورة جسد الانسان في ذروة الاغواء الوجودي. كأنه يتطلع إلى تأبيد اللحظة لدرجة أنها تشكل إطار قوته الرمزية أمام الآخرين.

حين تجسد الصور دلالة الاغواء، يغرق صاحبها عبر التفاصيل دون رجعةٍ، لا فيما قامت به من إطارٍ فقط، بل يغرق داخل تراث الصورة الذي هو المجتمع المتخيل. لأنَّ الموروثات تخاطبنا عبر ألصق الأشياء، عبر صورتنا عن أنفسنا. في تلك البرهة (اللقطة) ترسم عالما مميزاً كما لو لم يوجد من قبل. إن قانون السلطة كاغراء يتحول إلى نيجاتيف ضمن كل المشاهد الممكنة. والخيال أقوى إلى حد الرعب من أية حقيقة. في الصورة، يود الشخص أنْ يعيش هناك There لا هناHere . لأن الـ" هناك " يرسم ثقافياً قانون الواقع. ويحدد نظرة الآخرين لنا، كما أن محل تفضيل الخيال حتى ولو لم يكن كذلك. وهذا يشحن طاقة الإنسان ركضاً وراء السلطة والمناصب والراوج الاجتماعي.

وقع الشخص المنتحل لصفة قاضٍ بمجلس الدولة المصرية في" اغواء الصورة". ليست كل الصور تحيلك إلى ذكرى، بل قد تدفعك إلى الجنون. ولكنه جنون يمشي بين الناس، ويتغذى على العلاقات والرواج وهيمنة المعنى. فقبل أن تخرج عبارات الادانة لهذا الفعل، علينا أن نعرف مساحة التبرير وراءه في مجتمعاتنا الإنسانية لا في مصر فقط. بعض أعمال الانتحال تكشف الجوانب المجهولة من شخصيتنا العمومية التي لا ندركها. لا لأننا نعاني قصوراً في الوعي، ولكن لأننا لا نريد أنْ نعي من الأساس. وتلك الأعمال تلقي بفحواها على قارعة الطريق، نظراً لحرصنا على دفنها في حيوات متفرقة أو داخل "مقبرة جماعية " نزورها يومياً.

ذات عبارة، قالها القاضي المزيف:" أشعر بالفخر عندما يطلق الناس عليّ مستشاراً". عبارة هي الصورة قبل أي شيء آخر. أي المشهد في أعظم تجليات السلطة الرائجة. فالصورة لديه ولدى باقي الأفراد أكثر واقعيةً من الواقع ذاته. مثله كمثل تصورات شرائح أناس كثيرين نتيجة رواسب وسائل التواصل الاجتماعي. لأنه عالم افتراضي مفتوح باطلاق، فقط ظن الفاعلون كونه محققاً لما يريدون. فمن أطلق على القاضي المزيف لقباً يغازل وسيطاً كهذا في مقابل عيون محدقة لا تتوقف عن المتابعة. الألقاب تحمل آثار السلطة التي تأتي من أي اتجاه طالما فضاء المعنى في كل مكان.

الاحتيال العمومي

ليس القاضي مزيفاً فقط كما تمَّ تداول صوره، ولكنه كشف زيف صورة المجتمع عن نفسه. لا يعد شخصاً مزيفاً إلا بقدر ما تتزاحم المعاني المزيفة خلف الكاميرا. تكمن المشكلة في كاميرا الثقافة لا في كاميرا القاضي. لأن الثقافة هي ما تحدد الصور وتنتجها وتطرحها عبر أسواق الناس. وهي ما تصنع الواقع وتعطيه دلالته العامة، لا توجد حقائق بعيدة عن عملية الاحتيال الفوتوجرافي.

غدت صورةُ المجتمع حلبةً للصراع اليومي بحثاً عن سلطةٍ ما وسط مظاهر الفقر والتعلق بمكانة مستحيلة. وأصبح الدخولُ في سباق محموم للظفر بالمكاسب هو الأساس. الاعمال التي تنال اعجاباً هي محط الاهتمام لا الاعمال المرتبطة بمجهودٍ متواصل. هناك زيف الترويج لصور القوى النافذة. لقد فهم أهل الفن والرياضة ورجال الاعمال ورموز السياسة اللعبة إلى درجة بعيدة. لأن قانون العيش وسط الاحتيال العمومي قائم على قواعد اللعب غير النظيف. قواعد خفية بحكم كون الثقافة الرائجة هي شفرات الصورة. ويدرك هذا اللاعب أو ذاك أن فك الشفرات يحتاج نزولاً إلى أرض الثقافة. ومن ثم يكثر هؤلاء الفنانون والرياضيون إغراق تفاصيل الحياة عبر الصور. لأنهم في مكانة تسمح لهم بصناعة الصورة، كما لا يعنيهم الواقع كثيراً. فالثروات والمكانة غدت هبات غير مستحقة.

عندما يصور القاضي المزيف وضعياته في قاعة المحكمة وهو ينطق ببعض الكلمات، فهو يفك إحدى شفرات الثقافة. السلطة تقبل من يقبلها ويعمل وفقاً لقواعدها السرية. وأن ذلك وعد متقدم بالشهرة والرواج الاجتماعي. القضاء له كل الاهمية داخل الثقافة الراهنة، مساحته مليئة بالألوان السياسية والثقافية والاخلاقية والمعرفية. والأخطر هو إطار الثقة الممنوحة مجاناً لهذا النمط من الوظائف. ولا تستطيع كقارئ أن تنتزع الاطار وإلا انتزعك من مكانتك أيا كانت.

المجال العمومي دائرة لا تعترف إلاَّ بالصورة. ذلك بخلاف حقيقة الصورة في الواقع. وقد تم وضع كامل الحقيقة فيها، إن صورة الاثرياء والسيارات الفارهة والمشاهد السياحية وبيوت الفنانين والرياضيين شكلت لاوعي الأفراد. كانت مادة دسمة جعلت الحياة صورة ليس أكثر. اختزلت الحياة في لقطات هي الأهم. بجانب أنَّ الصورة لا تأتي عارية، ولكنها محاطة بكم فاخر من المبالغة وخطف الانظار. في مقابل سيل غير قليل من لعاب الحرمان والامنيات المغبونة التي يطلقها المهمشون.

طبيعي أن يعتمد تصرف المهمشين على الصور المزيفة الرائجة. ولكن بأية صيغة تعد الصور مزيفة؟ هناك "حساب للرغبات" يحدد بوصلة التعامل مع الواقع. فالرغبة في الثراء الفاحش هي الرغبة في الشهرة والمكانة، لأنَّ الأفراد ربطوا صور الأثرياء وأصحاب الثروات وانماط الحياة الفاخرة بآثارها. وقلبوا النتائج إلى مقدمات. فالصور نتائج لا مقدمات كما هو معروف.

أحتل الاثرياء مكانة اجتماعية بفضل ثرواتهم وبعض الانجازات ثم جاء التقاط الصور. بينما لا يفهم المهمشون وضعاً كهذا، فغدت الصور سبباً في الثراء وهي المفتاح السحري لمقاومة البؤس. إذن فلتكن الصورة المزيفة للقاضي طريقاً للمكانة كما يعتقد. لا وسيلة أمام فقر الواقع وبؤس الحال إلاَّ إلتقاط الصور. ونظراً لأن لاوعي القاضي المزيف لم يدرك عملاً حقيقياً ولا خطاً شاقاً للصعود، فأخذ يؤسس لواقعه البائس بانتحال الصفة. وهو الانتحال نفسه الذي يلتقي مع احتيال الواقع العام.

صنم السلطة

جيئة وذهاباً، تلح الصور البراقة في الحياة العامة على نمط العيش السريع. القاضي المزيف أراد امتلاك هذا النمط من العيش، وكل ما يعرفه هو الصورة التي ستكون سريعة، وفي الوقت عينة ستملأ الفجوة مع الواقع. وستوفر له ثقةً إزاء الناس بحيث يستطيع ممارسة خداعه واستقطاب الضحايا. لأنه لم يكتف بالصورة، إنما استعملها في الاحتيال والوعود بحل مشاكل الناس القانونية مقابل أموال.

لا تستوفي أية صورة ذلك المعنى، بل تذهب بمحتواها إلى مدى بعيد. من هنا ذهب المنتحل المزيف إلى صورة القاضي تحديداً. فهي تعطية مهابة دون ثمن، وسلطة دون مبرر، كما أنها تحقق نظرات المحطين به وتسمح له بالإدعاءات التي يخافها الجميع. فعالم القضاء سري تماماً ولا يجوز للمتطفلين تناوله كثيراً. وكل الأشياء المتداولة عن القضاة أشياء مسربة، وليس هناك خط واضح بين الصدق والادعاء فيها. ولعل وافر السلطة المختزن في صور القضاء كان مصدر اغواء أكثر من غيره.

هناك صور متحركة (مقاطع فيديو) نشرها القاضي المزيف وهناك صور ثابتة (فوتوجرافية). لعلَّ اللقطة مع افتراض المهابة تُوثق الصورة في لاوعي الناس. ولأن المجال العمومي لا يحتمل النقد ويخضع للتسليم المباشر، فقد لجأ إليه أناس كثيرون لحل مشاكلهم القضائية. وهم لا يدركون أن صورته فارغة من القانون وخالية من السلطة والقوة التي يأملونها. إن صور القاضي تظهر كقشرة خارجية ولا تملك إلا أن تكون براقة دون مضمون. وتلتقي في الهدف مع صور الفنانين ورجال الاعلام والسياسة.

تؤدي الصور دور الصنم في دائرة الأديان. هي ظل لإله لا يكون. ومهما تشبث يها الناس، لن تقوي على مجابهة الحقيقة. فهي خالية من الرمزية وخالية من الواقع، والأهم أنها صامتة صمت القبور. وفي مجتمع لا يستطيع التعامل إلا بالأصنام، تنتشر الأخيرة عبر مجالات شتى سياسية كانت أم اجتماعية أم دينية.

مهما كانت الصور منتشرة، فسلطة الدولة والمجتمع تخاف من حقيقتها. لأنها سلطة أمر واقع. في حين أن الحقيقة هي ما تخيف بالأساس. ولذلك تم القبض على القاضي المزيف. وبعض الاعتبارات القانونية في غاية الأهمية. مثل انتحال صفة وظيفية والنصب والاحتيال على المواطنين والتصوير في أماكن محظورة بأمر القانون مثل المحاكم والهيئات القضائية. ولكن الأهم هو سرقة السلطة، لأن القاضي المزيف سرق بعضاً مما لا يخصه ويخص السلطة بالمقام الأول.

وهذا شيء في غاية الأهمية أنَّ اغواء الصورة مقرون بشيء ليس لنا امتلاكه، وأن الرعب الكامن فيها ناجم عن سرقة معنى السلطة. فمن الممكن لأي شخص أنْ يصور شخصاً ذا مكانة أو أن يلتقط صورة بجواره، ولكن لا ينبغي عليه أن يسرق صفته سواء أكان تصويراً أم حقيقة. والغريب أنه مسموع للرموز وأصحاب المكانة أنْ يحتلوا موقعاً داخل نظام السلطة، ولكن غيرهم من المهمشين لا يمكنهم فعل ذلك. وليس بإمكانهم حتى الإدعاء به، لأنَّ هذا الادعاء الصغير يصطدم بالهيمنة الضخمة لفائض السلطة.

السلطة التي تكونت من ميراث الثقافة تخشى على صورتها لا صور المهمشين. إن رمزية الصورة أقوى من الواقع، ومع اعتراف القاضي المزيف بكونه غير متعلم وأنه فشل في أن يكون شيئاً مهماً في المجتمع، إلاَّ أن المفاجئ هو سرقة الرمزية. والسلطة هي التي أنهت أية مشروعية خارجها. ولذلك ستكون الصور التي تواجد فيها صور محل إدانة مسبقة. ليس من مؤسسات الدولة وحسب، بل من الناس العاديين أيضاً. ولم يتساءل أحد لماذا فعل القاضي المزيف هذا الفعل؟ وهل مكانة أصحاب الصور الرائجة في المجتمع حقيقية أم لا؟

***

د. سامي عبد العال

"أخطر أشكال الضياع أن يعيش الإنسان في زمن انتهى، أو في حياة لا تخصه " (الكاتب).

لا يبدأ ضياع الإنسان دائماً بفقدان المكان أو المال أو الفرص، بل قد يبدأ حين يفقد علاقته بالحاضر، فيغدو جسده في زمن، بينما يظل وعيه عالقاً في زمن آخر، أو منشغلاً بحياة أشخاص آخرين. فقد يبدو الإنسان في الظاهر مندمجاً في تفاصيل حياته اليومية، يؤدي أعماله ويؤدي أدواره الاجتماعية بصورة اعتيادية، لكنه في العمق قد يكون أسير ذاكرة لا تكف عن استدعاء الأمس، أو رهينة اهتمام دائم بما يفعله الآخرون وما يملكونه وما يحققونه. وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة في الماضي بوصفه جزءاً أصيلاً من التجربة الإنسانية، ولا في الآخرين بوصفهم شركاء في الحياة الاجتماعية، وإنما في تحولهما إلى مركز تستنزف حوله الأفكار والانفعالات والقرارات، حتى يفقد الحاضر مكانته بوصفه المجال الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يمارس فيه إرادته ويصنع أثره.

وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة تبدو في ظاهرها مسألة فردية تتعلق بطريقة التفكير أو بإدارة المشاعر، فإنها في حقيقتها أكثر تعقيداً من ذلك. فالإنسان لا يصوغ وعيه بمعزل عن المجتمع، بل يتشكل إدراكه للزمن ولذاته وللآخرين داخل بيئة اجتماعية وثقافية تحدد ما يستحق الاهتمام، وما ينبغي الخوف منه، وما يعد نجاحاً أو إخفاقاً. وعلى هذا الأساس، فإن الانشغال بالماضي أو بالآخرين لا يعكس دائماً ضعفاً في الشخصية أو عجزاً عن إدارة الحياة، بل قد يكون استجابة لظروف اجتماعية وثقافية أعادت تشكيل أولويات الإنسان وأسلوب نظرته إلى ذاته وإلى العالم من حوله.

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش في بيئة تتزاحم فيها الذكريات والصور والمقارنات بوتيرة غير مسبوقة. فالتطور الرقمي لم يختصر المسافات بين الناس فحسب، بل اختصر أيضاً المسافة بين الإنسان وماضيه، وبين حياته وحياة الآخرين. فالصور القديمة، والذكريات المستعادة، والأحداث التي كان الزمن كفيلاً بإبعادها، أصبحت حاضرة بضغطة زر، كما أصبحت تفاصيل حياة الآخرين متاحة بصورة يومية، حتى بدا وكأن الإنسان يعيش في زمنين معاً، ويشارك في عشرات الحيوات في الوقت نفسه. ومع هذا التداخل، لم يعد التحدي الحقيقي هو كثرة ما نعرفه، بل قدرتنا على المحافظة على حضورنا في حياتنا نحن، دون أن نستنزف وعينا فيما لا نملك تغييره أو فيما لا يضيف إلى نمونا شيئاً.

ووفق الرؤية السوسيولوجية، لا تكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها سلوكاً فردياً متكرراً، بل في تحولها إلى نمط ثقافي يعاد إنتاجه بصورة مستمرة. فحين يصبح الالتفات إلى الماضي أكثر شيوعاً من التفكير في المستقبل، أو يصبح الانشغال بحياة الآخرين أكثر حضوراً من الانشغال ببناء الذات، فإننا لا نكون أمام حالات فردية معزولة، بل أمام ثقافة اجتماعية تعيد توجيه الوعي بعيداً عن الحاضر، وتستنزف طاقات الأفراد في مساحات لا تمنحهم قدرة حقيقية على الفعل أو التغيير. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال لماذا يضيع بعض الناس؟ بل يصبح السؤال الأعمق كيف تنتج المجتمعات المعاصرة أشكالاً جديدة من الضياع، تجعل الإنسان غائباً عن الزمن الوحيد الذي يملكه حقاً؟

وإذا كان ضياع الحاضر يبدأ على مستوى الفرد، فإنه لا يتشكل بمعزل عن المجتمع. فالإنسان لا يختار دائماً طريقة نظرته إلى الزمن أو إلى ذاته بإرادة مستقلة، وإنما يتأثر بالبنية الثقافية والاجتماعية التي يعيش في إطارها. ولهذا، فإن الماضي والآخرين لا يكتسبان هذه السلطة على وعي الإنسان من تلقاء نفسيهما، بل لأن المجتمع قد يمنحهما، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مكانة تتجاوز حجمهما الطبيعي، حتى يصبحا معياراً لفهم الحاضر وتقييم الذات.

ويبرز الماضي بوصفه أول أشكال هذا الاستلاب. فالذاكرة الإنسانية وجدت لتكون خزينة للتجارب والخبرات، يسترشد بها الإنسان وهو يبني مستقبله، لكنها قد تتحول، في ظروف اجتماعية معينة، إلى قوة تشد الوعي إلى الخلف. ولا يحدث ذلك لأن الإنسان يعجز عن النسيان فحسب، بل لأن بعض المجتمعات تعيش زمناً تتراجع فيه الثقة بالمستقبل، فيصبح الماضي أكثر وضوحاً وأقل غموضاً من الآتي. وكلما ضعفت قدرة المجتمع على إنتاج الأمل، ازداد الميل إلى استحضار الأمس، حتى يتحول الحنين من شعور إنساني طبيعي إلى ثقافة جماعية تنظر إلى الوراء أكثر مما تنظر إلى الأمام.

وتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في المجتمعات التي عاشت أزمات ممتدة أو تحولات عميقة، حيث لا يبقى الماضي مجرد ذاكرة شخصية، بل يصبح مرجعاً جماعياً يقارن الناس به حاضرهم، ويقيسون من خلاله ما فقدوه أكثر مما يفكرون فيما يستطيعون بناؤه. ومع مرور الزمن، تتشكل علاقة غير متوازنة مع الذاكرة، فبدلاً من أن تكون الخبرة قوة تساعد على الفهم واتخاذ القرار، تصبح سلطة تفرض حضورها على كل محاولة للتغيير، وكأن المستقبل لا يملك شرعيته إلا إذا كان امتداداً للماضي.

وعند هذه النقطة، تكمن المفارقة، فالإنسان لا يتوقف عند الحدث الذي مضى، وإنما عند المعنى الذي يمنحه لذلك الحدث. ولذلك، فإن أكثر ما يستنزفه ليس الماضي ذاته، بل استمرار إعادة تفسيره واجتراره، حتى تتحول الذاكرة إلى فضاء دائم للمراجعة والندم والافتراضات التي لا تنتهي. وعندئذ، يستهلك العقل جزءاً كبيراً من طاقته في محاكمة ما انتهى، بدلاً من توجيهها إلى ما يمكن إنجازه. وهكذا لا يصبح الماضي عائقاً لأنه وقع، بل لأنه يظل حاضراً بالطريقة التي يُعاد بها إنتاجه داخل الوعي الفردي والثقافة الاجتماعية معاً.

غير أن الاستلاب لا يقف عند حدود الماضي، بل يجد شكلاً آخر أكثر انتشاراً في المجتمع المعاصر، يتمثل في الانشغال المستمر بالآخرين. وإذا كانت المقارنة الاجتماعية ظاهرة قديمة صاحبت الإنسان منذ نشوء الحياة الجماعية، فإنها اكتسبت اليوم أبعاداً غير مسبوقة بفعل البيئة الرقمية التي جعلت حياة الآخرين حاضرة على مدار الساعة. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن يعرفهم فقط، بل أصبح يقارن واقعه اليومي بصور مختارة بعناية، تعرض النجاح دون الفشل، والرفاه دون المشقة، واللحظات الاستثنائية بوصفها حياة اعتيادية.

ولذلك، لم تعد المنصات الرقمية والتكنولوجية مجرد وسائل للتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى فضاءات تعيد تشكيل إدراك الإنسان لقيمة ذاته. فكلما ازداد تعرضه لصور الإنجاز والتميز والثراء والقبول الاجتماعي، ارتفعت معاييره في تقييم نفسه، حتى وإن كانت تلك الصور لا تعكس الواقع إلا بصورة جزئية. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الإنسان أكثر انشغالاً بموقعه في أعين الآخرين من انشغاله بموقعه الحقيقي في مسار حياته، ويتحول الاعتراف الخارجي تدريجياً إلى مصدر رئيس لتقدير الذات.

ولا تنفصل هذه الظاهرة عن الثقافة الاستهلاكية التي أعادت تعريف النجاح بوصفه شيئاً يجب أن يعرض قبل أن يعاش. فلم يعد الإنجاز في كثير من الأحيان يكتسب قيمته من أثره الحقيقي، بل من قدرته على جذب الانتباه وإثارة الإعجاب. وبهذا، يصبح الظهور قيمة اجتماعية في حد ذاته، وتتحول المقارنة إلى ممارسة يومية تعيد إنتاج شعور دائم بعدم الاكتفاء، لأن الإنسان لا يقيس نفسه بواقعه، بل بصور مثالية يصعب أن تتحقق في الحياة الفعلية.

وعندما يلتقي الاستغراق في الماضي مع الانشغال الدائم بالآخرين، يفقد الحاضر مكانته الطبيعية. فالماضي يستحوذ على الوعي بما لا يمكن تغييره، والآخرون يستحوذون عليه بما لا يمكن امتلاكه كاملاً، وبينهما تتآكل المساحة الوحيدة التي يستطيع الإنسان أن يمارس فيها حريته وإرادته. ومن هنا، فإن أخطر أشكال الضياع لا تتمثل في خسارة الزمن، بل في فقدان القدرة على العيش فيه، لأن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة وهو حاضر بجسده، لكنه غائب بوعيه، موزع بين ذاكرة تستدعيه باستمرار، وصور تستنزفه دون أن تضيف إلى حياته معنى حقيقياً.

وإذا كانت المجتمعات المعاصرة قد نجحت، بدرجات متفاوتة، في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالماضي وبالآخرين، فإن ذلك لا يعني أن هذا الاستلاب قدر لا يمكن تجاوزه. فالبنى الاجتماعية والثقافية تؤثر في الإنسان، لكنها لا تلغي قدرته على الوعي والنقد وإعادة بناء علاقته بذاته وبالعالم. وهنا تتجلى أهمية الحاضر، ليس لأنه الزمن الأقصر بين الماضي والمستقبل، بل لأنه المجال الوحيد الذي يمتلك فيه الإنسان إمكانية الفعل، والقدرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والخبرة إلى تغيير.

ومن هذا المنطلق، فإن التحرر الحقيقي لا يعني قطع الصلة بالماضي، لأن المجتمعات التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من هويتها، كما لا يعني الانفصال عن الآخرين، لأن الإنسان كائن اجتماعي لا يكتمل وجوده خارج شبكة العلاقات الإنسانية. وإنما يبدأ التحرر عندما يستعيد الماضي مكانته بوصفه مصدراً للفهم لا سجناً للوعي، وعندما يعود الآخرون شركاء في التجربة الإنسانية لا مقياساً دائماً لتحديد قيمة الذات. فالمشكلة لا تكمن في الذاكرة ولا في المجتمع، بل في اختلال العلاقة معهما، بحيث يتحول ما ينبغي أن يكون وسيلة للنمو إلى مصدر دائم للاستنزاف.

ولذلك، فإن استعادة الحاضر ليست فعلاً زمنياً فحسب، بل هي عملية إعادة تنظيم للوعي. فالإنسان لا يحرر نفسه بمجرد تجاهل ما مضى، ولا بمجرد التوقف عن مقارنة نفسه بالآخرين، وإنما عندما يعيد ترتيب أولوياته وفق ما يملك القدرة على التأثير فيه. فكلما اتسعت المسافة بين ما يشغل تفكير الإنسان وما يستطيع تغييره، ازداد شعوره بالعجز، وكلما اقترب اهتمامه من دائرة فعله الحقيقي، ازدادت قدرته على الإنجاز واستعاد إحساسه بالمعنى.

بناءً عليه، فإن المجتمعات التي تسعى إلى بناء إنسان أكثر توازناً لا تكتفي بدعوة أفرادها إلى التفاؤل أو الثقة بالنفس، بل تعمل على ترسيخ ثقافة تمنح قيمة للعمل الحقيقي أكثر من المظاهر، وللإنجاز أكثر من الشهرة، وللمعرفة أكثر من الانطباعات السريعة. فكل ثقافة تعيد الاعتبار للجهد والإبداع والتفكير النقدي، تساهم في بناء أفراد أقل ارتهاناً للمقارنة وأكثر قدرة على إنتاج ذواتهم بصورة مستقلة. أما الثقافات التي تجعل المكانة الاجتماعية رهينة الظهور، أو النجاح رهينة اعتراف الآخرين، فإنها تعيد إنتاج حالة من القلق الدائم، لأن الإنسان سيظل يبحث عن قيمته خارج ذاته، في معايير تتغير باستمرار ولا تعرف الاكتفاء.

إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس تسارع الزمن، بل تشتت الوعي داخله. فوفرة المعلومات، وكثافة الصور، وتسارع الأحداث، لم تمنحه بالضرورة فهماً أعمق للحياة، بل قد تدفعه إلى توزيع اهتمامه على كل شيء، حتى يفقد القدرة على التركيز فيما يصنع الفرق الحقيقي في حياته. وعندما يصبح العقل مشغولاً بكل ما يحدث، يفقد طاقته على بناء ما ينبغي أن يحدث. ولهذا، فإن الحفاظ على الحاضر لم يعد مجرد مهارة شخصية، بل أصبح شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية في زمن تتنافس فيه القوى الاجتماعية والرقمية على جذب الانتباه واستنزافه.

وفي الختام، لا يبدأ المستقبل عندما تتغير الظروف من حولنا، بل عندما نستعيد حقنا في أن نعيش الزمن الذي نملكه، لا الزمن الذي انتهى، ولا الزمن الذي يعيشه الآخرون. فالحياة لا تختزل بما نحتفظ به من ذكريات، ولا بما نعرفه عن الآخرين، وإنما بما نبنيه من معنى في حاضرنا، لأن الحاضر ليس مجرد لحظة عابرة بين الأمس والغد، بل هو المجال الذي تتشكل فيه القرارات، وتُصاغ فيه القيم، ويُعاد فيه بناء الإنسان.

وليس المقصود من تجاوز الماضي أن نتخلى عن ذاكرتنا، فالأمم والأفراد الذين يفقدون ذاكرتهم يفقدون جزءاً من هويتهم، وإنما أن نستعيد العلاقة المتوازنة معه، بحيث يتحول إلى خبرة تثري الوعي بدلاً من أن تقيد الإرادة، وإلى مصدر للحكمة بدلاً من أن يكون سجناً للندم. كما أن العيش في الحاضر لا يعني الانفصال عن المستقبل، بل يعني امتلاك القدرة على التخطيط له انطلاقاً من فهم أعمق للواقع وإيمان أكثر رسوخاً بإمكان تغييره.

إن الإنسان يملك دائماً فرصة لإعادة ترتيب علاقته بالزمن، لأن قيمة الحاضر لا تنبع من خلوه من التحديات، بل من كونه الزمن الوحيد الذي يستطيع فيه أن يتعلم من ماضيه، ويصنع مستقبله، ويمنح حياته اتجاهاً ومعنى. وكلما استطاع أن يحرر وعيه من استنزاف الذكريات ومن هيمنة المقارنات، اتسعت قدرته على رؤية الفرص الكامنة في واقعه، وتحولت طاقته من اجترار ما كان إلى بناء ما يمكن أن يكون.

وعندما يدرك الإنسان أن وعيه هو أثمن موارده، وأن زمنه هو رأسماله الحقيقي، وأن قيمته لا تستمد من الماضي ولا تمنح له من الآخرين، بل تتجسد فيما يضيفه إلى حياته وحياة من حوله من معرفة وعمل وقيم، يكون قد تحرر من أكثر أشكال الاستلاب خفاءً. وحينها يستعيد الماضي مكانته بوصفه معلماً لا حاكماً، ويستعيد الحاضر دوره بوصفه ميدان الفعل، ويغدو المستقبل أفقاً مفتوحاً تصنعه الإرادة الواعية أكثر مما تصنعه الظروف. فهناك تبدأ الحرية الحقيقية، حين يعيش الإنسان زمنه بوعي، ويستثمر خبرته بحكمة، ويمنح مستقبله حقه في أن يولد من أفضل ما في ماضيه، لا من أثقل ما فيه.

***

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

لم أذهب إلى سينما النجوم في مدينة أنسخدة لمشاهدة فيلم «الأوديسة» للمخرج البريطاني الاميركي، كريستوفر نولان بوصفه فيلمًا جديدًا فحسب، بل بوصفه عودةً شخصية إلى زمن بعيد. وما إن انطفأت الأنوار، وبدأت شاشة IMAX العملاقة ترسم البحر الإغريقي، حتى شعرت أنني أغادر مقعدي في القرن الحادي والعشرين، وأعود أكثر من خمسة وأربعين عامًا إلى الوراء، إلى ذلك الشاب الذي قرأ للمرة الأولى ملحمتي هوميروس: الإلياذة والأوديسة.

أتذكر أنني أمضيت سبعة أيام مع الإلياذة، وسبعة أخرى مع الأوديسة. ولم تكن تلك القراءة يسيرة بالنسبة لشاب يعيش في بيئة بسيطة، ولم يكن قد عرف بعد شيئًا عن الفلسفة أو الحضارة اليونانية أو الميثولوجيا الإغريقية. كانت أسماء مثل زيوس، وأثينا، وأفروديت، وأوديسيوس، وأخيل، وهيلين وباريس وهكتور وطروادة وحصانها .الخ تبدو لي كأنها تنتمي إلى عالم آخر. ومع ذلك كنت أشعر بمتعة الاكتشاف، وكأنني أفتح نافذة تطل على حضارة لم أكن أعرف بوجودها قبل ذلك اليوم المشهود

إذ شكلت تلك القراءة، عبورًا وجدانيا من عالمي المحلي المحدود إلى عالم اكثر رحابة اشبه بقدح زناد الروح والشرارة الأولى التي أيقظت عندي فضول المعرفة، ورسخت في نفسي قناعة ما زلت أؤمن بها إلى اليوم: أن الإنسان حين يقرأ نصًا عظيمًا، فإنه لا يقرأ الماضي فحسب، بل يقرأ نفسه في مرايا العصور بوصفه ذاتا انسانيا يشترك مع أشباهه من بني الإنسان في كثير من الحاجات والصفات.

وهذا هو ما يفسر انجذاب الناس لمشاهدة فيلم «الأوديسة» الجديد فهو في تقديري، لا يعيد رواية مغامرات أوديسيوس البحرية فحسب، بل يعيد اكتشافها بوصفها رحلة وجودية في أعماق النفس الإنسانية. فما يبدو في ظاهره صراعًا مع البحر والوحوش وغضب الآلهة، يخفي في جوهره أسئلة الفلسفة الكبرى: من نحن؟ وماذا نرغب وما هي الدوافع التي تحركنا، وكيف نحافظ على إنسانيتنا وسط الخراب؟ وما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟

وهذا ما يراه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران إذ أكد أن السينما تشبه الحلم في بنيتها النفسية؛ ففي الحلم تمتزج الذكريات بالرغبات والمخاوف، والأساطير والخرافات لاسيما ففي المجتمعات التقليدية كانت الأساطير الدينية والبطولية القديمة ولازالت تقدم نماذج مثالية للإنسان أما في المجتمعات الحديثة فقد أصبحت السينما هي التي تنتج الأساطير والشخصيات الأسطورية الممثلة بالنجوم.

ولعل قوة السينما وسر جاذبيتها ينبع من قدرتها على الجمع بين هذين العالمين في تجربة واحدة. فنحن ندرك عقلانياً أن ما نشاهده على الشاشة ليس حقيقياً، لكننا نتفاعل معه وجدانياً كما لو كان جزءاً من حياتنا الخاصة. نبكي لمصير شخصية خيالية، ونفرح لانتصار لم نشارك فيه، ونشعر بالخوف من خطر لا يهددنا فعلياً. هذه المفارقة هي التي جعلت موران يعتبر السينما مختبراً لفهم البنية العميقة للخيال الإنساني.

البارحة شاهدت الاوديسة بعيون جديدة وقراتها ليس بوصفها انتقالًا جغرافيًا بين الجزر والبحار او صراع بين الإنسان والآلهة ، بل وجدتها رحلة في دهاليز النفس الإنسانية، وغوص عميق في طبقات الذات وصراعاتها الداخلية. فالرحلة الحقيقية ليست تلك التي يقطعها الجسد في المكان، وإنما تلك التي يقطعها الإنسان في أعماق وعيه وهو يصارع رغباته، ويختبر حدود قوته حريته، وممكناته ويحاول التوفيق بين ما يشتهيه وما يجب عليه أن يفعله.

ولعل المشهد الذي استوقفني في الفيلم، حين أمر أوديسيوس جنوده أن يربطوه بالحبال إلى صاري السفينة وهو يقترب من جزيرة السيرينات، يمثل واحدة من أعمق الصور الرمزية في تاريخ الأدب الإنساني. فقد أراد أن يسمع الغناء الساحر الذي يفقد البحارة عقولهم ويقودهم إلى الهلاك، لكنه في الوقت نفسه لم يشأ أن يستسلم له، فابتكر حيلة تجمع بين المعرفة والانضباط. هنا تتحول السفينة إلى رمز للحياة، ويتحول الصاري إلى رمز للعقل الذي يحمي الإنسان من نفسه قبل أن يحميه من العالم كما جاء في المدونة العربية فالعقل من العقال إي الربط والعاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذ من قولهم اعتقل لسانه إذا حس ومنع الكلام.. وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه.

وهكذا يمكننا قراءة الاوديسة ضوء التحليل النفسي عند سيجموند فرويد بوصفه تجسيدًا للصراع الدائم بين (الأنا والهو والأنا الأعلى) إي العقل والهوى والضمير ومشهد ربط البطل إلى صارية السفينة ذكرني بعبارة الفيلسوف ابو يوسف الكندي (أعص الهوى وأطع من شئت) . فالسيرينات لا يمثلن مجرد مخلوقات أسطورية، وإنما يجسدن قوة “الهو” (Id)، ذلك المخزن العميق للغرائز والرغبات والاندفاعات المحكومة بمبدأ اللذة والليبيدو، التي لا تعبأ بالعواقب ولا تعترف إلا بالإشباع الفوري. ولهذا لم يكن غناؤهن مجرد موسيقى، بل نداءً صادرًا من أعماق اللاوعي، يدعو الإنسان إلى الانصياع الكامل لرغباته ولو كان الثمن الموت ذاته. ويظهر هذا “الهو” كذلك في غواية أكلة اللوتس الذين يفقدون ذاكرتهم وينسون أوطانهم، كما يتجلى في همجية السيكلوب الذي يعيش خارج القانون والعقل والنظام.

وفي الطرف المقابل يقف “الأنا الأعلى” (Super-Ego)، بوصفه الضمير الأخلاقي والوعي بالقيم والواجبات والإيمان الديني والمعايير الاجتماعية التي تشكلت عبر التربية والثقافة والخبرة التاريخية. إنه الصوت الداخلي الذي يذكّر أوديسيوس دائمًا بأن له وطنًا اسمه إيثاكا، وزوجة وفية تدعى بينيلوبي، وابنًا ينتظر عودته، وشعبًا ينبغي أن يعود إليه ليقيم العدل ويستعيد النظام. ولذلك رفض الخلود الذي عرضته عليه كاليبسو، لأن الخلود بلا معنى أخلاقي ولا مسؤولية إنسانية ليس إلا شكلًا آخر من أشكال الضياع.

أما “الأنا” (Ego)، فهو الذات الواعية المحكومة بمبدأ الواقع، التي تحاول باستمرار تحقيق توازن دقيق بين اندفاعات “الهو” وضغوط “الأنا الأعلى”. لم يغلق أوديسيوس أذنيه بالشمع كما فعل بحارته، لأنه أراد أن يعرف ويختبر ويستمع، لكنه في الوقت نفسه ربط نفسه بالصاري حتى لا يتحول الفضول إلى هلاك. وهنا تتجلى عبقرية هوميروس في تصوير العقل لا بوصفه قوة تلغي الغريزة، وإنما بوصفه القدرة على إدارتها وترويضها وتحويلها من قوة مدمرة إلى طاقة واعية. وهكذا يصبح الصاري الخشبي تجسيدًا رمزيًا لمبدأ الواقع الذي يمنح الإنسان القدرة على النجاة.

ولعل هذا هو السر الذي جعل الأساطير الكبرى تعيش آلاف السنين، وتهاجر من المعابد إلى الكتب، ومن الكتب إلى المسرح، ثم إلى السينما. فهي لا تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى البنية العميقة للخيال الإنساني. ولهذا لم يكن غريبًا أن تعود هوليوود، مرة بعد أخرى، إلى جلجامش وهوميروس، وسوفوكليس، وأوديب، وهرقل، وبروميثيوس، وكليوبترا وغيرها من الأساطير المؤسسة للوعي الإنساني؛ لأن السينما، مهما بلغت تقنياتها، ما تزال تبحث عن الحكايات الكبرى التي تختبر معنى الإنسان في مواجهة القدر والزمن والموت.

خرجت من الفيلم وأنا أشعر أن الأوديسة لم تكن يومًا قصة رجل عاد إلى وطنه بعد حرب طويلة، بل قصة الإنسان وهو يحاول، في كل عصر، أن يعود إلى ذاته بعد أن تشتته الحروب، وتغويه السلطة، وتخدعه الأوهام، وتستنزفه الحياة.

وربما لهذا السبب أيضًا لم تمت الأساطير، ولن تموت. فهي لا تحفظ ذاكرة الماضي فحسب، بل تحفظ الأسئلة التي تجعل الإنسان إنسانًا. وكل جيل يعيد قراءتها بلغته الخاصة، كما تعيد السينما اليوم اكتشافها بأحدث أدواتها التقنية، لتؤكد أن التكنولوجيا، مهما بلغت من الإبهار، تظل في حاجة إلى ذلك الخيال الأول الذي ولد مع الأسطورة، وإلى تلك الدهشة القديمة التي ما تزال، بعد آلاف السنين، توقظ فينا الرغبة في التفكير، وتذكرنا بأن رحلة أوديسيوس ليست سوى صورة مكبرة لرحلة كل واحد منا في هذا العالم إذ أن في الوجود الإنساني جانباً باطناً، لا مرئياً، مجهولاً، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية- العقلانية، وأن الانسان دونه دون محاولة الوصول إليه، كائن ناقص الوجود والمعرفة، وأن الطرق إليه خاصة وشخصية وفريدة وحميمة ولهذا سنجد أن هناك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. فالتجارب الكبرى في معرفة الجانب الخفي من الوجود تتلاقى بشكل أو بآخر فيما وراء اللغات وفيما وراء العصور، وفيما وراء الثقافات. وهذا هو مبعث ظهور الأساطير والايديولوجيات في كل العصور. فكيف يمكن أن يعيش الإنسان بدون وهم من الأوهام. ذلك هو السؤال الذي يوجه الحضارة البشرية الآن بعد أفول الحكايات الكبرى والذكاء الاصطناعي.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

يشهد العالم المعاصر ثورة معلوماتية غير مسبوقة غيّرت ملامح الحياة الإنسانية بصورة جذرية، حيث أصبح التدفق المعلوماتي أحد أهم السمات التي تميز العصر الحديث. فقد أدت التطورات المتلاحقة في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات إلى تسريع انتقال البيانات والأفكار والأخبار بين الأفراد والمجتمعات والدول، حتى بات العالم يعيش حالة من الترابط اللحظي الذي ألغى الحدود الزمنية والمكانية إلى حد كبير. ولم يعد الإنسان معزولًا عن الأحداث الجارية في العالم، بل أصبح جزءًا من شبكة عالمية متدفقة بالمعلومات تؤثر في طريقة تفكيره وسلوكه وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة أثر التدفق المعلوماتي في التحولات العميقة التي شهدتها الحياة الإنسانية خلال العقود الأخيرة.

لقد ساهم التطور الرقمي في جعل المعلومات متاحة بصورة غير مسبوقة، حيث أصبحت الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أدوات رئيسية في نقل المعرفة وتداول الأخبار وصناعة الرأي العام. وأصبح الفرد قادرًا على الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات خلال لحظات قليلة، وهو ما أحدث تحولًا جذريًا في مفهوم المعرفة ذاتها. ففي الماضي كانت المعرفة حكرًا على المؤسسات التعليمية والمكتبات ووسائل الإعلام التقليدية، أما اليوم فقد تحولت إلى فضاء مفتوح يتشارك فيه الجميع الإنتاج والاستهلاك والتأثير. هذا التحول منح الإنسان فرصًا واسعة للتعلم والتواصل والانفتاح على الثقافات المختلفة، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات جديدة تتعلق بقدرة الفرد على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.

ومن أبرز التحولات التي أحدثها التدفق المعلوماتي التغير العميق في طبيعة العلاقات الاجتماعية. فقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل مفهوم التواصل الإنساني، حيث أصبح التفاعل بين الناس يتم بصورة متواصلة عبر الفضاء الرقمي. وأدى ذلك إلى توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية وتجاوز الحواجز الجغرافية، فأصبح بإمكان الإنسان أن يتواصل مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم بسهولة غير مسبوقة. غير أن هذا التطور حمل معه آثارًا متباينة، إذ ساهم من جهة في تعزيز التواصل وتبادل الخبرات، لكنه من جهة أخرى أدى إلى تراجع العلاقات المباشرة واللقاءات الإنسانية التقليدية، وأوجد أنماطًا جديدة من العزلة الاجتماعية رغم كثافة الاتصال الرقمي.

كما كان للتدفق المعلوماتي أثر بالغ في التحولات الثقافية والفكرية داخل المجتمعات. فقد أصبحت الثقافات المحلية أكثر انفتاحًا على الثقافات العالمية، وانتقلت الأفكار والقيم والعادات بسرعة كبيرة عبر الوسائط الرقمية. وأسهم ذلك في تعزيز الحوار الثقافي والتقارب بين الشعوب، لكنه في المقابل أثار مخاوف تتعلق بتآكل الخصوصيات الثقافية وهيمنة الثقافة الرقمية العالمية على الهويات الوطنية والمحلية. كما أدى الانفتاح المعلوماتي إلى تغير منظومة القيم لدى كثير من المجتمعات، خاصة بين الأجيال الجديدة التي أصبحت أكثر ارتباطًا بالعالم الرقمي وأقل ارتباطًا بالمصادر التقليدية للمعرفة والتوجيه.

وفي المجال السياسي، أحدث التدفق المعلوماتي تحولات عميقة في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فقد أصبحت المعلومات متاحة بصورة أوسع، وأصبح المواطن أكثر قدرة على متابعة الأحداث السياسية والتعبير عن آرائه والمشاركة في النقاشات العامة. كما لعبت وسائل الإعلام الرقمية دورًا كبيرًا في تشكيل الرأي العام وتحريك الجماهير والتأثير في القرارات السياسية. وقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تعزيز مفاهيم المشاركة السياسية والرقابة الشعبية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت ساحة لنشر الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية والتلاعب بالمعلومات، وهو ما أدى إلى ظهور تحديات جديدة تتعلق بحماية الوعي المجتمعي وضمان مصداقية المحتوى الإعلامي.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أدى التدفق المعلوماتي إلى نشوء اقتصاد رقمي عالمي يعتمد بصورة أساسية على المعرفة والتكنولوجيا. وأصبحت المعلومات موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد التقليدية، بل إن كثيرًا من الشركات العملاقة اليوم تقوم قوتها على قدرتها في جمع البيانات وتحليلها واستثمارها. كما ساهمت الثورة المعلوماتية في تطوير أنماط العمل والإنتاج والتجارة، حيث ظهرت التجارة الإلكترونية والعمل عن بُعد والاقتصاد القائم على المنصات الرقمية. وقد وفرت هذه التحولات فرصًا اقتصادية واسعة، لكنها في المقابل أوجدت تحديات تتعلق بزيادة الفجوة الرقمية بين الدول والمجتمعات، وتهديد بعض الوظائف التقليدية بسبب الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

وفي المجال التعليمي، أحدث التدفق المعلوماتي نقلة نوعية في أساليب التعلم واكتساب المعرفة. فلم يعد التعليم مقصورًا على الفصول الدراسية التقليدية، بل أصبح التعلم الإلكتروني والتعليم المفتوح جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية. وأصبح بإمكان الطلاب الوصول إلى مصادر تعليمية عالمية والتفاعل مع خبرات متنوعة عبر الإنترنت، مما ساهم في توسيع آفاق المعرفة وتطوير المهارات. ومع ذلك، فإن هذا التحول يفرض تحديات تتعلق بجودة المحتوى التعليمي، وضرورة تطوير مهارات التفكير النقدي لدى المتعلمين حتى يتمكنوا من التعامل الواعي مع الكم الهائل من المعلومات المتدفقة.

كما أثّر التدفق المعلوماتي بصورة واضحة في الجانب النفسي للإنسان المعاصر. فالتعرض المستمر للمعلومات والأخبار والصور خلق حالة من التشبع الذهني والضغط النفسي لدى كثير من الأفراد. وأصبح الإنسان يعيش في حالة من الاتصال الدائم بالعالم الرقمي، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات القلق والتوتر والإرهاق الذهني. كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز ظواهر المقارنة الاجتماعية والسعي المستمر للحصول على القبول الرقمي، الأمر الذي أثر في الصحة النفسية خاصة لدى الشباب والمراهقين. وفي المقابل، وفرت البيئة الرقمية مساحات للتعبير عن الذات والحصول على الدعم النفسي والاجتماعي، مما يعكس الطبيعة المزدوجة للتأثيرات المعلوماتية في حياة الإنسان.

ومن التحديات الكبرى المرتبطة بالتدفق المعلوماتي قضية المصداقية والأمن المعلوماتي. فسهولة نشر المعلومات عبر المنصات الرقمية جعلت من الصعب أحيانًا التحقق من صحة الأخبار والمحتويات المتداولة، وهو ما أدى إلى انتشار ظاهرة التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة. كما أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الرقمية زاد من مخاطر الاختراقات الإلكترونية وانتهاك الخصوصية وسرقة البيانات الشخصية. لذلك أصبحت الحاجة ملحة إلى تعزيز الثقافة الرقمية لدى الأفراد، وتطوير التشريعات والسياسات التي تنظم البيئة المعلوماتية وتحمي المستخدمين من المخاطر الرقمية.

ورغم هذه التحديات، فإن التدفق المعلوماتي يظل من أبرز العوامل التي أسهمت في تطور الحضارة الإنسانية المعاصرة. فقد ساعد على تسريع الابتكار العلمي والتقني، وفتح آفاقًا واسعة للتعاون بين الشعوب، وأسهم في نشر المعرفة بصورة لم يشهدها التاريخ من قبل. كما أصبح أداة فعالة في دعم التنمية وتحسين الخدمات وتعزيز التواصل الإنساني. غير أن الاستفادة الحقيقية من هذا التدفق تتطلب وعيًا مجتمعيًا قادرًا على التعامل مع المعلومات بصورة نقدية ومسؤولة، بما يضمن توظيفها لخدمة الإنسان وتحقيق التوازن بين الانفتاح الرقمي والحفاظ على القيم الإنسانية والثقافية.

لذا، يمكن القول إن التدفق المعلوماتي لم يعد مجرد ظاهرة تقنية مرتبطة بتطور وسائل الاتصال، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الحياة الإنسانية بكل أبعادها. فقد غيّر طريقة تفكير الإنسان وتواصله وعمله وتعلمه وممارسته للحياة اليومية، وأحدث تحولات عميقة في البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية. وبينما يحمل هذا التدفق فرصًا هائلة للتقدم والتطور، فإنه يفرض في الوقت ذاته تحديات كبيرة تتطلب التعامل معها بوعي وحكمة. ومن ثم فإن المستقبل الإنساني سيظل مرتبطًا بقدرة المجتمعات على إدارة المعلومات بصورة تحقق التنمية وتحافظ على الإنسان وقيمه وهويته في عالم يتسارع فيه تدفق المعرفة بلا حدود.

***

د. عصام البرّام

 

فرش اشكالي: في بلدٍ تُدرَّس فيه الفلسفة حفظاً، ويُختبر فيه المقال الفلسفي بقالبٍ جاهز، يصبح الحديث عن تدريس الفلسفة وهما والحديث عن اصلاحها اكذوبة ، فنحن امام طقسٍ بيروقراطي يُعيد إنتاج نفسه تحت غطاء تحرير العقل، طقس يحوّل الفلسفة في الواقع من فعل حرّية ومقاومة إلى أداة امتثال وعبودية، ومن سؤال مفتوح وسفر في عوالم الدهشة إلى إجابة معلّبة تباع في دكاكين الدرس اللصوصي مشهد مخيف ومذل كأننا نُعيد ما حذّر منه نيتشه من ان غاية تدريس الفلسفة في الأنظمة الحديثة هي تكوين مواطنين مطيعين ونافعين لا بناء عقول حرة مستقلة قادرة على النقد .

لطالما عُولجت أزمة الدرس الفلسفي في الجزائر كمشكل تقني: بداية من تغيير طريقة التدريس من الاهداف الى الكفاءات، وتعديل نموذج الامتحان من الأسئلة الجزئية الى المقال الفلسفي، والوصول الى الحديث عن تكوين الأساتذة. لكنّ كلّ هذه المحاولات، اصطدمت بجدار أعمق. فجذر الازمة ليس في ضعف تكوين الأساتذة، أو كثافة البرنامج، أو صعوبة الامتحان، أو محدودية الزمن المدرسي، بل في بنية العلاقة التي تربط الفلسفة بالسلطة والثقافة السائدة: ثقافة شعبوية تريد حذفها، وسلطة دينية تتنافس معها على تربية الضمير، وسلطة أكاديمية حوّلتها إلى مهنة إدارية ،هذه الأزمة إذن ليست أزمة درس بقدر ما هي انفصام بنيوي مزمن بين الغاية المعلنة للفلسفة (بناء المواطن النقدي القادر على أن يقول مع كانط: «تجرّأ على استخدام عقلك» وبين آليات إنتاجها وتداولها الفعلية: الحفظ، القولبة، والقمع الرمزي).

هذا الانفصام ليس ظاهرة ثانوية يمكن تداركها بتعديل بسيط في البرنامج او حذفها من شعب محددة او دحرجتها. إنه هيكل يمتدّ من الجامعة التي تُنتج موظفي فلسفة، إلى المجتمع الذي يُصاب بما سمّاه أحد المفكرين «كراهية الحكمة»، مروراً بالامتحان الذي تحوّل إلى سرير بروكروست. وفي قلب هذا الهيكل يقف الأستاذ: ضحية وجلّاد في آنٍ واحد، يمارس البروكروستية وهو نفسه نتاج تكوين لم يُعلّمه أن يكون فيلسوفاً، بل علّمه أن يجتاز الامتحان ويحصل على الوظيفة.

في هذا المقال نحاول، انطلاقاً من هذا التشخيص، أن نفكّك هذا الهيكل عبر ثلاثة محاور: علاقة الفلسفة بموضوعها (الإنسان الحي الذي غاب عن الدرس)، وآليات إعادة الإنتاج (الامتحان كأداة قمع رمزي)، والبيئة الحاضنة (الجامعة والمجتمع كعوامل تسميم). ثم ننتقل دون وهم بالحلول السحرية إلى اقتراح مداخل عملية للتجاوز، لا تبدأ من مكتب الوزارة، بل من الفعل الفلسفي نفسه

حيث لم يعد السؤال كيف نُصلح الدرس الفلسفي؟ بل: كيف نُعيد اختراعه كفعل حرّ، في مجتمعٍ لا يزال يخاف من حرّية العقل؟

معالم الازمة

أولاً: غياب الموضوع

الفلسفة، في أصلها، ليست «مادة» تُدرَّس كالرياضيات أو الفيزياء. هي، كما قال أرسطو، دهشة أمام الوجود، انها في جوهرها علاقة حية بين العقل والواقع المعاش. لكن ما الذي حدث في الجزائر؟ لقد تحوّل الدرس الفلسفي إلى فلك مغلق يدور حول ذاته، في عالم موازٍ تماماً لعالم التلميذ. بينما يعيش هذا الأخير هموماً حقيقية: البطالة، التفكير في الهجرة، هدر الوقت، مغريات منصات التواصل، ثقافة التفاهة.... يجد نفسه محاصراً في قسم يُدرَّس له «العلاقة بين الإحساس والادراك» و«الشعور ودرجاته واصل المفاهيم الرياضية...» يخاطبه بصيغة المجهول والمفعول به، لا كانسان في وجوده المشخص.

لقد فقدت الفلسفة في ثانويتنا صلتها بما سمّاه هيدجر قدسية الوجود البشري، لتحلّ محلّها «قدسية الامتحان» الجاف والمسموم. واضحى التلميذ اسير احكام ساذجة ومبتذلة لا يُسأل: عن معنى أن تكون حراً ؟ لا يناقش ازمة المجتمع وبناء الدولة ...، بل يُطلب منه أن يتسلح للامتحان بأسلحة صدئة قديمة عديمة النفع، بقالب جاهز محفوظ حول مهنة أستاذ الفلسفة الى بائع اوهام وخرافات.

وما يُفجع حقاً أن هذا الغياب ليس عرضياً، بل منهجي. فالبرنامج الرسمي، بكل مكوناته المبتور من جهة تداوله وتنفيذه، يُصمَّم في كثير من الأحيان لينتج «تلميذا طائعاً» لا يفكر في شيء، بل لإعادة انتاج الرداءة عبر استنساخ ما يسمى «المقدمة والعرض والخاتمة»، لكنه يظل عاجزاً عن مواجهة سؤال واحد يُربكه في حياته اليومية، هذه الحماقات حذّرنا منها مالك بن نبي حين قال:" الحماقة التي تقال تذهب مع الريح، أما الحماقة التي تكتب فلا تمر سريعا، بل تتحد مع التفكير وتتحول إلى مُسَلَّمة تعرقل التفكير والعمل في آن واحد"

ثانياً: الامتحان كسرير بروكروست

إذا كان الغياب الأول هو غياب الموضوع، فإن الغياب الثاني — وهو الأشدّ وطأة — هو غياب الحرية. فالامتحان، الذي يفترض أن يكون لحظة الحقيقة والكشف عن قدرة التلميذ على التفكير المستقل، تحوّل في الجزائر إلى طقس لإعادة إنتاج الطاعة.

لنأخذ «المقال الفلسفي» نموذجاً. في أصله هو جواب مؤسس يكتبه التلميذ عن سؤال يفهم في بعده الاشكالي، أي ان المقال الفلسفي أداة لتنظيم الفكر الشخصي الحر، يُعبّر من خلالها التلميذ عن رؤيته الخاصة لمشكل فلسفي. لكن ما يحدث في الواقع؟ ان المقال أصبح سرير بروكروست: كل فكر لا يتناسب مع النموذج الجاهز أي المقالات المعلبة المتداولة يُبتَر أو يُمدد حتى ينسجم مع القالب وهنا أصبح التلميذ عن كتابة ما يفكر فيه، بل هو يكتب ما يتوقعه المصحّح. والمصحّح، بدوره، لا يقرأ فكراً حيّاً، بل يُطابق ورقة بشبكة تقويم منجزة مسبقاً.

هذا التحوّل أنتج ما يمكن تسميته «فوضى الدال وعقم المدلول»: بدليل اننا نستخدم كلمات فلسفية كبيرة (الدولة، العدالة، الحق والواجب، الغير، الحقيقة...) تُستخدم في أجوبة التلاميذ بكثافة، لكنها فارغة من المعنى الحي. والأستاذ تراه يكتب «الإنسان حرّ» وهو لا يجرؤ على التعبير عن رأيه الحقيقي داخل القسم. والتلميذ يكتب «الفلسفة تسعى إلى الوصول الى الحقيقة» وهو يعلم أن الحقيقة الوحيدة التي تُحسب في الامتحان هي مطابقة النموذج. هنا نستعيد تحذير فتغنشتاين الشهير: «حدود لغتي هي حدود عالمي». فما دام عالم الامتحان لا يتسع إلا للقالب الجاهز، فإن لغة وتفكير الأستاذ تظلّ سجينة، وعالم التلميذ الفكري يظلّ ضيّقاً.

والأسوأ من ذلك أن التلميذ اصبح يُدرَّب على «الغش الفكري» قبل أن يُدرَّب على أي غش مادي. يتعلّم أن النجاح لا يتطلب الحقيقة، بل يتطلب حسن توقّع ما يريده الآخر. وفي هذا المعنى، يصبح الامتحان، كما وصفه ميشيل فوكو في تحليله للامتحانات الحديثة، ليس مجرّد أداة قياس، بل تقنية للانضباط وإنتاج الذوات المطيعة.

ثالثاً: البيئة المسمومة

لا يمكن فهم أزمة الدرس الثانوي دون النظر إلى منبعها الأعمق: الجامعة الجزائرية. فالأستاذ الذي يمارس البروكروستية في القسم هو نفسه نتاج نظام جامعي لم يُعلّمه أن يكون فيلسوفاً، بل علّمه كيف يجتاز الامتحانات ويضمن الوظيفة. ان الجامعة عندنا بدل أن تكون مشتلاً للتفلسف وبناء فيلسوف الغد، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مصنع لـموظفي الفلسفة: ملزمون بتنفيذ البرنامج، يحفظون المقالات، يجتازون الامتحان، ثم يُعاد إنتاجهم في الثانوي ليُعلّموا الدورة نفسها.

هذا الفقر الفلسفي الجامعي ليس مجرّد لامبالاة فردية. إنه هيكل مؤسساتي. يتجلى في غياب البحث العلمي الحقيقي، والانحباس في صراعات مفاهيمية عقيمة، والتقزّم الأكاديمي الذي يحوّل الأستاذ الجامعي إلى موظف إداري داخل خانة ضيقة... كلها عوامل تجعل الجامعة عاجزة عن أن تكون ضمير الدرس الفلسفي أو سنده. بل هي، في حالات كثيرة، تُعيد إنتاج الأمراض ذاتها التي تُعاني منها الثانوية. ولقد نبهنا ابن خلدون الى هذا الخطر حين لاحظ أنّ «العلم يفسد إذا صار مجرّد صناعة للمعاش». فالفلسفة حين تتحوّل إلى مجرّد مهنة إدارية تفقد روحها، وتفقد قدرتها على أن تكون نقداً حراً.

لكن الأزمة لا تقف عند باب الجامعة. فالفلسفة تسبح ضد تيار ثقافي أوسع. في مجتمع يُصاب بما وُصف بـ«كراهية الحكمة»، حيث يتحوّل المتفلسف إلى مادة للسخرية أو للريبة، ويصبح «وليّ» الدروس الخصوصية هو المنقذ الحقيقي في نظر كثير من الأسر... في مثل هذا المناخ، يصعب على الفلسفة أن تزدهر. إنها تُحاصَر بين وصاية تريد ترويضها وتحويلها إلى أداة ديماغوجية، وتربية دينية تتنافس معها على احتكار الضمير، وثقافة شعبية تقدّس الوصفة السحرية وتستخفّ بالسؤال المفتوح.

هذا العائق الثقافي هو التربة التي تنمو فيها كل الأمراض الأخرى. فكيف يمكن أن يُحترم السؤال الحرّ في بيئة لا تقرأ بما فيه الكفاية، ولا تُقدّر النقد، وتفضّل طمأنينة اليقين على قلق السؤال؟ وكما تقول الحكمة الغزالية: «من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى». ونحن، في كثير من ممارساتنا التربوية والثقافية، ما زلنا نخشى الشكّ أكثر مما نخشى العمى.

مداخل التجاوز

إذا كانت الأزمة بنيوية كما حاولنا بيانها، فإن انتظار الإصلاح من فوق يبقى انتظاراً عبثياً في الغالب. فالمنطق الذي يفكر به رجل السياسة قصير المدى نادراً ما يُقدم على إصلاح قد يُنتج مواطنين نقديين يُشكّكون في الخطابات السائدة. والأكاديمي المستنزف داخل خانته الإدارية قلّما يغيّر هيكلاً يضمن له استقراره. والأستاذ الواقع تحت الإكراه المادي والمهني لا يملك، في معظم الحالات، ترف المقاومة الفردية الطويلة. إذن، من أين يأتي التغيير الممكن؟

الجواب لا يكمن في جهة واحدة، بل في فراغ يمكن أن تملأه حركة نقدية تتشكّل خارج المنطق المؤسساتي المعطوب، أو على الأقل على هامشه. هذا لا يعني رفض العمل داخل المؤسسة رفضاً مطلقاً، بل يعني أن التغيير الحقيقي يبدأ من فعل الكلام ومن الكتابة، ومن مقاومة يومية هادئة، ومن بناء بدائل موازية لا تنتظر إذناً مسبقاً.

بداية من تحرير الامتحان و كسر البروكروستية، لكن التحرير لا يعني تسهيل الامتحان أو تخفيفه، بل تحويله من طقس بيروقراطي إلى حدث فكري. ويكون ذلك عبر اعتماد أسئلة إشكالية حقيقية متجددة سنوياً تمنع التوقع المسبق، وتنويع التمارين (تحليل نص ذي صلة بأزمات واقعنا، تحليل ونقد حوار فلسفي، إعادة بناء حجّة مفككة...)، ووصولا الى فتح نقاش عمومي بعد كل دورة بكالوريا حول مواضيع الفلسفة، كما هو التقليد الفرنسي، ذلك ان تحويل الامتحان من سرّ مؤسساتي إلى حدث ثقافي علني هو في ذاته فضح للكذبة الممنهجة.

ولا تكتمل صورة الإصلاح الا ببناء فضاءات موازية فالأهم هو خلق فضاءات فلسفية خارج إكراهات البرنامج والتقويم مثل تقديم ورشات فلسفة للأطفال في المكتبات ودور الثقافة، على غرار التجربة التونسية، ونوادي فلسفية في الثانويات والجامعات تناقش قضايا تهمّ الشباب. ومنصات رقمية جادة تخاطب الجيل الجديد بلغته، وتخلق شبكة تربط بين الأستاذ الرافض لأن يكون سجّاناً، والأكاديمي الرافض للتقزّم، والتلميذ الجائع إلى السؤال. هذا ما يمكن تسميته، باستعادة مفهوم غرامشي وإعادة توجيهه، «تحالفاً نقدياً» يحول الجزر المعزولة إلى أرخبيل قادر على خلق أثر ثقافي متراكم.

ولابد أيضا من إصلاح التكوين الجامعي بإنشاء تخصص حقيقي في «تعليمية الفلسفة»، وورشات تكوين مستمر، وبعثات إلى الخارج... كلها خطوات ضرورية. لكنها لن تأتي تلقائياً، وستحتاج إلى ضغط معرفي وأخلاقي من داخل التحالف نفسه.

خاتمة

لقد حاولنا أن نبيّن أن أزمة الدرس الفلسفي في الجزائر ليست عارضاً تقنياً يُعالج ببترها ودحرجتها او بتبديل منهج أو تعديل نموذج امتحان. إنها انفصام بنيوي يمتد من قاع المجتمع إلى قمة المؤسسة. فلسفة فقدت موضوعها الحيّ، وقُيّدت بآليات تقويم تقتل الحرية، وتسبح في بيئة تُعيد إنتاج الامتثال... هذه الفلسفة لا تحتاج إلى «إصلاح» إداري بقدر ما تحتاج إلى استعادة قدرتها على أن تكون فعلاً حراً.

في النهاية، لعل الجواب الأصدق عن سؤالنا الافتتاحي هو أننا ما زلنا نسأل. ففي عالم يفضّل الإجابات الجاهزة والموظفين المطيعين، يبقى السؤال المفتوح والمُربك نفسه أقصى ما يمكن أن نقدّمه للفلسفة ولأنفسنا.

***

عمرون علي

تأمّل ذاتي في زمن الشّاعر وزمن القاص

حاولتُ منذ البداية في «أرشيف الرّماد» أن أوزّع وعيي بتعدّد الأزمنة التي تشكّل نسيج مجموعتي القصصية. لأنني نظرت إلى الزمن بوصفه طريقة لتوزيع الوعي داخل النص لا لتوزيع الاحداث فقط. لذلك تداخلت فيها أزمنة متعددة. زمن السارد، وزمن الشاعر، وزمن المثقف، والزمن السياسي والاجتماعي المبثوث بطريقة غير مباشرة.

زمن السارد زمنٌ مكسور ودائري تعيشه شخصياتي. وزمن الصدمة الذي لا يمضي. ثابت يتكرّر كرنين الناقوس في «الهادي ناقوس»، أو يعود كل عشرين سنة في «قاعدة فرنسية»، أو يتحول إلى طقس يومي في انتظار «ريح الشمال». بهذا المعنى، يصبح زمن السارد زمنا تعيشه الشخصيات أكثر مما ترويه. أمّا زمن الشاعر فهو زمن الكتابة الخارجي، زمن الرجاء بعد الحريق في دار الثقافة. زمن الشهادة الذي يسعى إلى حفظ ما يوشك أن يحترق مرة أخرى. ويضيف زمن المثقف طبقةً تأملية نقدية، كما في «عطلة رسمية»، حيث يصبح الزمن منتجا لمسؤولية تأويلية لدى القارئ، ويكشف تناقض الزمن المؤسسي مع الزمن الإنساني المعلّق.

يضل الزمن السياسي والزمن الاجتماعي حاضرين ضمناًف ي نسيج القصص كلها. مع تكرار الكارثة، واستمرار السلطة، والصمت الرسمي في «قاعدة فرنسية» (لم تُغلق القاعدة، طبعاً، فالموضوع معقّد كما قالوا دائماً)، وفي طريقة تعايش المجتمع مع الجرح.كمثل القرية التي تعتاد صوت الناقوس، والناس الذين يبنون سوراً جديداً حول قاعدة لم تُغلق، والأطفال الذين يجمعون الرماد بدلاً من حرقه.

بوعيي ككاتب — وأعتذر عن هذا، وإن كان وهما — حاولتُ أن أصدّ الشاعر عن الاستيلاء الكامل على العالم القصصي. إذ يميل الشاعر بطبيعته إلى اللغة المتدفقة والاستعارة الغنية، بينما كانت الصدمة، في تصوري، تحتاج إلى قدر من التقشف والانضباط كي لا تفقد صدقها. لذلك سعيتُ إلى فرض انضباط سردي صارم من خلال جمل قصيرة مقتضبة، وصمت كثيف بين اللقطات. «عدتُ إلى القرية ظهر يوم حار، يلتصق الغبار بثيابي، لم أدخل بيت أبي». كلمات قليلة تكفي لتختصر عودةً، وفقداً، وجرحاً.

حاولتُ أن تكون هذه الجمل حاجزا يحمي زمن السارد من أن يذوب في جماليات زمن الشاعر، ويمنع زمن المثقف أو الزمن السياسي من التحول إلى خطاب مباشر أو تأمل فلسفي مجرد. سمحتُ للشاعر بالظهور في لحظات قصوى: «أصابع عمي الهادي تنبت في الأرض وتشرب من وجهي»، ثم سحبتُه فورا بجملة حادة تعيد النص إلى قسوة الواقع السردي، محاولا المحافظة على توازن دقيق بين الشعرية والشهادة.

ومن الأمثلة الدالة الأخرى على هذا التوازن قصة «متتالية الصحو والهذيان»، حيث يتداخل صوتا عثمان وأحمد الراوي حتى يصيرا صوتاً واحداً: «نحن الصحو ونحن الهذيان. أنا أحمد سالم ومعي عثمان.» هذه الحالة ليست شعرية تماما. على العكس هي حالة حافة بين الصحو والجنون، وبين الهوية والتفكك، وبين الواقع والوهم. تلامس اللغة الشعرية في إيقاعها المتكرر، وفي قدرتها على التعبير عن الانهيار الداخلي. لكنها لا تستسلم لنسق الشعر. لا تتحول إلى غنائية مفتوحة أو استعارات مزخرفة. لكن تبقى مشدودة إلى قسوة الحالة النفسية والوجودية. الجمل قصيرة وحادة، والتداخل بين الصوتين يخلق توتراً سردياً أكثر منه جماليا. حاولتُ أن أجعل الشعرية خادمة للصدمة، دون أن تغمرها أو تُحلّيها، فتبقى الحالة على حافتها مؤلمة، وغير قابلة للتلميع الشعري الكامل.

لم يكن الزمن غير الخطي، في هذا السياق. مجرد تقنية سردية. كان نتيجة طبيعية لهذا الوعي بتعدد الأزمنة. حاولتُ أن أوزّعه بقصدٍ ليخلق الحيرة، وربما شيئاً من الصعوبة التي أسميها «لذيذة». حين انكسر الزمن الخطي في «الزيتوني» و«قاعدة فرنسية» و«الدّمية»، أو حين أصبح دائرياًفي «الهادي ناقوس» و«صندوق عم علي» و«أرشيف الرّماد» و«ريح الشمال»، أو متداخلاً في «متتالية الصحو والهذيان» و«جرح في اللوحة» و«تلفزة»، فإنني لم أفعل ذلك لمجرد التنويع التقني. اردت أن يشعر القارئ بشيء من الضياع الذي تعيشه الشخصيات نفسها، فيعيد القراءة ويبحث عن الروابط الخفية بين الأزمنة.

من الأمثلة التفصيلية على هذا الانكسار قصة «الزيتوني»، حيث ينكسر الزمن الخطي تماما بفعل صدمة الخيانة، فتتشوش الحدود بين الذات والآخر، وبين من يحكي ومن يُحكى له؛ فلا يُعرف بوضوح تسلسل الأحداث، ولا تتحدد هوية الراوي بدقة، لأن الصدمة شوشت الزمن والهوية معاً. وفي قصة «الدّمية» يتكرر هذا الانكسار مع صدمة الخيانة، التي تجعل الزمن يتداخل بين الواقع والوهم. أمّا في «جرح في اللوحة»، فيذوب الزمن بين اللوحة المعلقة والواقع الحي، ينتقل الجرح أو الندبة من عالم التمثيل الفني إلى وجه الغريب، من غير حدود زمنية واضحة. في «دائرة» يخلق الغياب المتعمد للسياق زمنا غامضا يجبر القارئ على أن يدرك أنه لا يعيد ترتيب الأحداث فحسب، بل يعيد بناء الحكاية نفسها. تماما كمن يلاعب الكرة.

لسست هذه الصعوبة اللذيذة عقبة، في رأيي. هي دعوة إلى المشاركة في بناء النص، ليصبح القارئ شريكا في إعادة ترتيب الأزمنة وملء الفراغات التي يتركها السرد. وحين تتشظى الأزمنة بهذا الشكل، يصبح الميتاسرد امتدادا طبيعيا لها، لا تقنية منفصلة عنها. لذلك أربط هذه الأزمنة والأنساق بالميتاسرد وملاءمة الشخصيات. فالميتاسرد، في تصوري، خطاب متعال يجعل السرد يتحدث عن نفسه، ويفضح آلياته، ويكسر الوهم السردي التقليدي. اتخذ في الكتاب أشكالا متعددة؛ من تمرد الخياط في «مانيفستو الخياط» الذي يعلن أن «الرواية الآن ملكي وملك كل من قرأها»، إلى مخاطبة القارئ مباشرة في «تلفزة»: «حاذر، أنت جزء من هذا.» ولم تكن هذه التقنيات زينة شكلية. كانت ضرورة عضوية فرضتها طبيعة الصدمة نفسها. لأنها ترفض الحكاية المستقيمة. وتحتاج إلى تداخل الأزمنة، والفراغات، والتكرار حتى تعبر عن حضور الماضي واستمرار أثره، وعن هوية لم تعد مستقرة كما كانت.

إذا كان الميتاسرد يضبط بناء النص من الخارج، فإن ملاءمة الشخصيات تضبطه من الداخل. فقد ساعدتني تلك البساطة الصادقة في تعايش شخصياتي مع الجرح على حماية العالم القصصي من تغوّل أي زمن أو نسق؛ فيكتفي الهادي بالنوم في المربط وقرع الناقوس يوميا. ويكتفي عبد العظيم بفتح الصندوق كل سنة والبكاء. وتضع ليلى زهرة تحت الوسادة كل ليلة. أطفال «أرشيف الرماد» أيضا لا يحرقوا المدينة لقد جمعوا رمادها وأصغوا إليه. هذه الملاءمة المتواضعة ساعدتني على تجنب تحويل النص إلى قصيدة نثرية مجمّلة، أو إلى خطاب مثقف سياسي مباشر، وحافظت، في محاولتي، على صدق الجرح داخل زمن السارد.

 سعيتُ إلى أن يكون الميتاسرد، كما ضبط نسق الشعرية، ضرورة تحمي توازن هذه الأزمنة والأنساق، لا حيلةً تقنية تُضاف إلى النص من خارجه. وأردتُ للقارئ أن يكون شاهدا لا متفرجا، وشريكاً في إعادة بناء الذاكرة، لا متلقيا يكتفي بتتبع الحكاية. لذلك لم يكن الزمن عندي مجرد تقنية سردية. كان الشكل الوحيد الذي استطاع الجرح او الندبة أن تجد لها صوتا داخل الحكاية.

أقف في هذا التأمل الذاتي امام نفسي وأمام اقترافاتها ولولبتها وانبساطها وارتفاعها وانخفاضها وعلوها ودنوّها. لا أقف أمام المرآة فهذا أمر لم أقصده هنا. كل ما قصدته هو سرقت ما يقوله الكاتب عن نفسه في صخبه وفي صمته. ألم أقل أنها شهادات تجرّح نفسها.

***

سعيف علي

 

لا تُقاس قيمة الفلسفة بكتب ونصوص الفلاسفة فقط، ولا بالأسماء الكبرى الممتدة من سقراط إلى كانط ومن الكندي إلى ابن رشد، وإنما هي تقليد حيّ لا يستمر إلا إذا وجد من يحمله، ومن يدافع عنه، ومن ينظم حضوره في الفضاء العام. فالأفكار العظيمة لا تحمي نفسها بنفسها؛ ولا يستطيع رجل الفلسفة وحده أن يضمن بقاء الفلسفة في الثانوية أو الجامعة أو المجال العمومي. إنه يحتاج كما احتاج سقراط إلى أغورا أثينا، والى حكمة الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف الذي أحب الفلسفة، وقرّب ابن رشد الى مجالسه وجعله طبيبه وقاضيهً، والى الجرأة في قول الحقيقة، وأكثر من ذلك يحتاج إلى فضاء جماعي يحول الفلسفة من همس فردي شبيه بهمس يتامى الدهر إلى صوت عام، ومن عزلة المستضعفين إلى مقاومة منظمة.

ولهذا لم يكن تاريخ الفلسفة تاريخ عباقرة فحسب، بل كان أيضاً تاريخ مؤسسات وجمعيات وروابط مهنية ومجلات فلسفية ومنتديات للحوار، طريق الفلسفة كان على الدوام طريق مقاومة ودفاع عن حرية التفكير قولا وفعلا وهو مسلك لا يقل أهمية عن إنتاج الأفكار الفلسفية ذاتها. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى واجب توسيع دائرة الجمعيات والنقابات الفلسفية باعتباره امتيازاً مهنياً أو إجراءً إدارياً، بل باعتباره أحد الشروط المدنية التي تجعل وجود الفلسفة ممكناً في المجتمع. فحين يمتلك الفلاسفة والأساتذة والباحثون جمعيات فلسفية ومنظمات متعددة المشارب ويكون لهم حق الاجتماع والتنظيم والتعبير بصورة قانونية، تتحول الفلسفة من نشاط فردي معزول إلى قوة ثقافية قادرة على الدفاع عن مكانتها في التعليم، والمساهمة في النقاش العمومي، وصون استقلال الفكر من الضغوط الأيديولوجية والسياسية. أما حين يُفرَّغ هذا الحق من مضمونه، فإن الفلسفة لا تُمنع بالضرورة، لكنها تُدفع تدريجياً إلى الهامش حتى تغدو حضوراً شكلياً لا يملك القدرة على التأثير.

من هنا تنبع أهمية هذا الموضوع؛ فهو لا يبحث في الجمعيات الفلسفية بوصفها هيئات تنظيمية فحسب، بل يدرسها باعتبارها تجسيداً لحق أصيل من حقوق الإنسان، وركناً من أركان المجتمع المدني، وآلية أساسية لحماية حرية الفكر. فالحق في التنظيم ليس مسألة قانونية خالصة، بل هو أيضاً قضية فلسفية وثقافية تتصل بمصير العقل النقدي نفسه، وبقدرة المجتمع على أن يجعل من الفلسفة ممارسة حية لا مجرد مادة دراسية يتباكى على حذفها او دحرجتها أو إرث ثقافي يُحتفى به في المناسبات.

التاريخ يعلّمنا أن أولى خطوات قتل الفلسفة هي قتل حق التنظيم بين أهلها من خلال حصره في اطر ضيقة او تحويله الى ملكية خاصة فأكثر الطعنات كانت من الذين ينتسبون اليها او من ما يمكن تسميته أصدقاء الفلسفة المزيفون، ولا شك ان تعدد الجمعيات الفلسفية وتنوع طرق الدفاع عن حق التفلسف يسمح للفلسفة ان تجد متنفسا لها من خلال ممارسة حية تتجاذبها تيارات متعددة. وعندما تتأرجح الجمعيات الفلسفية بين التأسيس والتعطيل، وبين الحضور والغياب، فإن الفلسفة ستظل في كثير من الأحيان ضيفاً ثقيلاً على المؤسسات التعليمية، لا صوت لها إلا في دوائر محدودة.

نحن لا نسعى هنا إلى مجرد إحصاء للجمعيات، بل إلى استعادة الوعي بالحق الجمعوي في الدفاع عن الفلسفة كحق أصيل من حقوق الإنسان، مستندين إلى المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تكفل حرية الاجتماع السلمي وانه لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية، وإلى المادة 27 التي تضمن المشاركة الحرة في الحياة الثقافية.

أهمية الحق في التنظيم الجمعوي للدفاع عن الفلسفة تتجلى بوضوح أكبر حين ننظر إلى التجارب الحية التي عرفتها بعض الدول. ففي فرنسا، التي تُعدّ النموذج الأبرز في هذا المجال، لم تبقَ الفلسفة مجرد مادة دراسية في التعليم الثانوي، بل أصبحت موضوعاً لصراع منظم ومتعدد الأطراف تديره جمعيات ونقابات مهنية. فمنذ تأسيس رابطة أساتذة الفلسفة في التعليم العام (APPEP) عام 1947، وهي الجمعية الأعرق من نوعها، ظلّ الدفاع عن مكانة الفلسفة في المناهج والحرية البيداغوجية وجودة مواضيع البكالوريا مهمة مركزية يتولاها الأساتذة أنفسهم. وقد تعزز هذا الدفاع مع ظهور تيارات أخرى أكثر تجديداً، مثل المجموعة الفرنسية للتعليم الجديد في قطاعها الفلسفي، ثم تأسيس الجمعية من أجل إنشاء معاهد البحث في تدريس الفلسفة (ACIREPh) عام 1998، التي سعت إلى تجديد الأدوات البيداغوجية وخلق فضاءات بحث مشتركة بين أساتذة الثانوي والجامعيين. أما مجموعة البحث في تدريس الفلسفة (GREPH)، التي نشأت في منتصف السبعينيات، فقد مثّلت التيار النقدي الأبرز، إذ رفضت فكرة «السن الطبيعي» للفلسفة ودعت إلى إدخالها مبكراً في المسار الدراسي. وإلى جانب هذه الجمعيات، تلعب النقابة الوطنية للتعليم الثانوي (SNES) دوراً مهماً عبر قطاعها المتخصص في الفلسفة، بينما تسند المفتشية العامة والكلية الدولية للفلسفة هذا المشهد المؤسسي المتنوع، وهناك العشرات من الجمعيات والمجلات التي لا يتسع المقام لحصرها.

ولا يقتصر الأمر على فرنسا. ففي ألمانيا، يضطلع Fachverband    Philosophie   بمهمة الدفاع عن تدريس الفلسفة والأخلاق في المدارس، بينما تجمع Deutsche Gesellschaft für Philosophie   بين الباحثين وأساتذة الثانوي والجامعيين. وفي سويسرا، تتولى جمعية أساتذة الفلسفة في التعليم الثانوي العالي (SPES) تمثيل هذه الفئة المهنية والدفاع عن حضور المادة. أما في المملكة المتحدة، فقد ظهرت في السنوات الأخيرة Association of Philosophy Teachers لتعبّر عن حاجة أساتذة المدارس الثانوية إلى إطار مهني خاص بهم. وعلى المستوى الدولي، تعمل الرابطة الدولية لأساتذة الفلسفة (AIPPh) على ربط هذه التجارب الوطنية فيما بينها.

أما في العالم العربي، فإن الصورة تبدو أكثر تبايناً وتأخراً نسبياً. ففي الجزائر تبرز الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، وفي تونس تسعى الجمعية التونسية للدراسات الفلسفية إلى الربط بين التعليم الثانوي والعالي وتنظيم الندوات والمجلات المتخصصة. وفي المغرب تمثل الجمعية المغربية لأساتذة الفلسفة إطاراً مهنياً مباشراً يدافع عن قضايا تدريس المادة في الثانوي. بينما تميل الجمعيات في مصر والأردن ولبنان واليمن إلى الطابع الأكاديمي والثقافي أكثر من الطابع النقابي المتخصص في الثانوي. وفي المملكة العربية السعودية، شكّل تأسيس جمعية الفلسفة عام 2020 تطوراً مهماً، إذ فتحت المجال أمام مبادرات جديدة في نشر الثقافة الفلسفية وفلسفة الأطفال، بعد سنوات طويلة من الغياب شبه الكامل للمادة عن المناهج. ومع ذلك، يظلّ الحضور الجمعوي في معظم الدول العربية أضعف مما هو عليه في فرنسا، وغالباً ما تتأرجح هذه الجمعيات بين فترات النشاط والخمول، أو بين الحضور في المؤتمرات والغياب عن التأثير الفعلي في السياسات التعليمية.

إن هذا التباين بين التجارب يكشف أن وجود جمعيات متعددة المشارب والتيارات ليس أمراً ثانوياً، بل هو شرط أساسي كي تتحول الفلسفة من مادة دراسية محاصرة أو شكلية إلى ممارسة حية قادرة على الدفاع عن نفسها داخل المدرسة وخارجها. ومن الحكمة القول ان  الخير كل الخير هو ان تجد في مجتمع ما جمعيات ومنظمات فلسفية ذلك ان اهم معيار لصحة مجتمع ما، هو أن ننظر إلى عدد جمعياته الفلسفية، لا إلى عدد فلاسفته. فالفيلسوف الواحد قد يكون هدية السماء وهبة الله لنا، لكن الجمعية الفلسفية هي صناعة الأرض، والأرض حين تصنع للفكر بيتًا يجتمع فيه، تكون قد بدأت تصنع تاريخها.

***

عمرون علي

إذا كان الإنسان قد تعلم بالصبر كيف يثبت أمام الابتلاء، وبالتوكل كيف يحسن السعي دون أن يستسلم لقلق النتائج، وبلغ بالرضا سكينة النفس أمام حكمة الوجود - كما بينا في المقالات السابقة - فإن رحلته لا تبلغ كمالها إلا بالمحبة. فالمحبة ليست مرتبة منفصلة عما سبقها، بل هي الثمرة التي تنضج في القلب بعد طول المجاهدة، وهي النور الذي يجمع ما تفرق من قوى الإنسان، فيوحد إرادته، ويهذب وجدانه، ويمنح وجوده وجهة واضحة لا يضل عنها.

فالإنسان لا يعيش بما يملك وحده، ولا بما يعلم وحده، وإنما يعيش في النهاية بما يحب. فالمحبة هي البوصلة التي توجه المعرفة، والإرادة، والعمل نحو الغاية التي يختارها الإنسان لنفسه. وما يحبه الإنسان هو الذي يشكل نظرته إلى الحياة، ويرسم اختياراته، ويحدد أولوياته، حتى ليغدو الإنسان، مع مرور الأيام، صورة لما استقر في قلبه من محبوبات. ومن هنا كانت المحبة أكثر من عاطفة عابرة أو ميل نفسي؛ إنها حقيقة من حقائق الوجود الإنساني، وقوة باطنة تمنح الحياة معناها، وتكشف للإنسان الغاية التي من أجلها يعيش ويسعى.

وإذا تأملنا المحبة في عمق الوجود الإنساني، وجدناها ليست مجرد استجابة وجدانية، وإنما هي حركة وجودية تدفع الإنسان دائما إلى تجاوز حدود ذاته. فهو لا يكتفي بما هو كائن، بل يتطلع إلى ما يراه أكمل، وأجمل، وأبقى. ومن هنا كان الإنسان كائنا باحثا عن الكمال، وكانت المحبة هي القوة التي تشده إلى ذلك الكمال؛ لأنها انجذاب الفطرة إلى ما تراه جديرا بالتعلق والاتباع.

ولذلك لم تكن المحبة في التصور الإسلامي أمرا يكتسبه الإنسان بقدرته وحدها، بل هي قبل ذلك نعمة إلهية، وهبة ربانية، يفيض الله بها على القلوب التي أقبلت عليه، كما أنها تكليف إلهي دعا الله إليه في كتابه، وربط به حقيقة الإيمان. فقال تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله)، وقال أيضا: (يحبهم ويحبونه). وهكذا لا تبقى المحبة مجرد شعور يختلج في القلب، بل تصبح رابطة متبادلة، يتقرب بها العبد إلى ربه، ويتجلى بها فضل الله على عبده، حتى تغدو أساس العلاقة بين الإنسان وخالقه.

ومن هنا تكتسب المحبة مكانتها بوصفها إحدى أسمى مدارج الكمال والجمال في الوجود الإنساني؛ لأنها لا تغير مشاعر الإنسان فحسب، بل تعيد بناء وجوده كله. فالإنسان المتفرق بين محبوبات متزاحمة يعيش مشتت الإرادة، مضطرب الوجهة، أما إذا توحد محبوبه الأعلى، انتظمت سائر رغباته في نسق واحد، وأصبح قلبه أكثر صفاء، وعقله أكثر بصيرة، وسلوكه أكثر اتزانا. ولهذا لا تكون المحبة الحقيقية هروبا من العالم، وإنما إعادة ترتيب العلاقة به في ضوء الغاية الكبرى التي تمنح كل شيء قيمته ومعناه.

وإذا كانت المحبة تتجلى في صور متعددة داخل الحياة الإنسانية، كمحبة الوالدين، والأبناء، والوطن، والعلم، والخير، والجمال، فإن هذه المحاب جميعا تظل محبات جزئية، تكتسب مشروعيتها واعتدالها من انتظامها في محبة أسمى منها جميعا، هي محبة الله تعالى. وإنما تنحرف حين تستقل عن غايتها، أو تتحول من وسائل تعين الإنسان على أداء رسالته إلى غايات تستعبد قلبه، فيفقد بذلك ميزان الأولويات الذي تقوم عليه الحياة المتوازنة. أما محبة الله، فهي المحبة الخالصة التي تتوحد عندها مقاصد القلب، لأنها تتعلق بمن له الكمال المطلق، والجمال المطلق، والبقاء المطلق.

ومن هنا تنشأ ثمرة جليلة من ثمار المحبة، هي أنس القرب. فالإنسان لا يأنس إلا بمن أحب، ولا يجد الطمأنينة الكاملة إلا فيمن استقر حبه في أعماق قلبه. فإذا امتلأ القلب بمحبة الله، زال عنه وحش التعلق بما يفنى، وأصبح يشعر بالقرب من ربه قربا معنويا يقوم على المعرفة، والطاعة، والذكر، والثقة، لا على قرب المكان. وحينئذ لا ينسحب الإنسان من العالم، بل يعود إليه بروح جديدة؛ فيرى في العمل عبادة، وفي العلم رسالة، وفي الإنسان أخا في الإنسانية، وفي الكون آية تدله على خالقه. وهنا يتحول الوجود الإنساني من مجرد حياة تؤدى إلى حياة تعاش في ظل الأنس بالله، فيجد الإنسان في هذا الأنس سكينة لا تعكرها تقلبات الدنيا، ولا تنال منها حوادث الزمان.

ولما كانت المحبة بهذه المنزلة الرفيعة في بناء الوجود الإنساني، فقد استأثرت بعناية واسعة في التراث الإسلامي عامة، وفي التجربة الصوفية خاصة؛ إذ نظر إليها أرباب السلوك لا بوصفها عاطفة عابرة، وإنما باعتبارها قوة تربوية تعيد تشكيل القلب، وتهذب الإرادة، وتوجه الإنسان إلى غايته. ومن هنا أفاض أئمة التصوف في بيان حقيقتها، والكشف عن آثارها، ودرجاتها، كل بحسب ذوقه ومنهجه، مع اتفاقهم جميعا على أن المحبة الصادقة هي التي تثمر صفاء القلب، واستقامة السلوك، ووحدة المقصد.

وقد كانت رابعة العدوية من أوائل من عبروا عن هذا المعنى تعبيرا خالدا، حين قالت:

"أحبك حبين: حب الهوى** وحبا لأنك أهل لذاكا."

فلم تجعل المحبة مجرد رجاء للثواب أو خوف من العقاب، بل ارتقت بها إلى محبة خالصة لله؛ لأنه سبحانه أهل للمحبة في ذاته، لكماله وجلاله وجماله. ولم تكن رابعة تدعو إلى إلغاء الرجاء أو الخوف، وإنما أرادت أن تكشف أن للمحبة مرتبة تسمو بالإنسان حتى يصبح الله هو المقصود الأول، لا ما يترتب على عبادته من نعيم أو نجاة.

ثم جاء الجنيد البغدادي، فربط المحبة بالاستقامة والاتباع، ورأى أن المحبة الصادقة لا تنفصل عن الطاعة، وأن صدق الدعوى يظهر في موافقة المحبوب. وبهذا أعاد الجنيد التوازن إلى التجربة الصوفية، فجعل المحبة بناء يزكي السلوك، لا انفعالا يكتفي بالمشاعر، لأن المحبة التي لا تظهر آثارها في العمل تبقى دعوى لم تكتمل حقيقتها.

وفي القرن الرابع الهجري، وسع أبو طالب المكي دائرة الحديث عن المحبة، فجعلها من أعمال القلوب التي تنمو بالمجاهدة، وتقوى بالذكر، وتصفو بالمراقبة. ورأى أن القلب إذا امتلأ بمحبة الله، انصرفت همومه عن التعلق بما يفنى، وصارت علاقته بالدنيا علاقة استخدام لا استعباد، فيتحرر الإنسان من سلطان الشهوة، ويصبح أكثر قدرة على توجيه حياته نحو غايتها الكبرى.

ويبلغ الحديث عن المحبة ذروة نضجه الفلسفي والروحي في القرن الخامس الهجري عند أبي حامد الغزالي، الذي رأى أن المحبة تنشأ من إدراك القلب لما يتجلى له من معاني الكمال والجمال. فالنفس الإنسانية مفطورة على الميل إلى الكامل والجميل، وكلما ازداد الإنسان إدراكا لكمال الله وجلاله وجماله، ازداد تعظيما له، وانجذابا إليه، وتعلقا به. ومن هنا لم تعد المحبة عند الغزالي مجرد حالة وجدانية، بل أصبحت قوة روحية وأخلاقية تدفع الإنسان إلى التشبه، بقدر طاقته البشرية، بمعاني الخير، والرحمة، والعدل، والإحسان.

ثم تتسع آفاق المحبة عند عفيف الدين التلمساني ـ المتوفى ٦٩٠ هـ ـ فتغدو القوة الجامعة التي تنتظم الوجود الإنساني كله. فالمحبة عنده ليست مجرد منزلة من منازل السالكين، بل هي الحقيقة التي تعيد جمع الإنسان بعد تفرقه، وتوحد قواه بعد تشتتها، حتى يصبح القلب، والعقل، والإرادة متجهة جميعها إلى مقصد واحد. وبهذا المعنى لا تقتصر المحبة على تهذيب السلوك، وإنما تعيد بناء الإنسان من داخله، وتجعله أكثر استعدادا لتلقي أنوار الحقيقة.

وهكذا تلتقي الرؤية الفلسفية بالتجربة الروحية في حقيقة واحدة، وهي أن المحبة لا تلغي العقل، ولا تعطل الإرادة، وإنما تهذب كليهما، وتوجههما نحو الغاية التي تستحق أن تعاش الحياة من أجلها. فالقلب الذي يحب بغير بصيرة قد يضل، والعقل الذي يفكر بغير محبة قد يجف، أما إذا اجتمعت المحبة مع صفاء العقل، أشرق الوجود الإنساني بنور يجمع بين وضوح الرؤية وصدق التوجه.

ومن هنا يمكن القول إن المحبة لا تورث الأنس والقرب فحسب، بل تفتح أيضا أبواب المعرفة. فالمحبة الصادقة تصقل البصيرة، وتحرر القلب من أهوائه، وتجعله أكثر استعدادا لتلقي أنوار الحقيقة. وكلما ازداد القلب صفاء بالمحبة، اتسعت أمامه آفاق المعرفة، حتى يصبح الإنسان أكثر وعيا بحقيقة نفسه، وأكثر إدراكا لعظمة خالقه.

خلاصة القول: إن المحبة ليست نهاية الطريق، وإنما بداية إشراق جديد في الوجود الإنساني. فهي توحد القلب بعد تفرقه، وتورثه الأنس بعد وحشته، وتمنحه القرب بعد اغترابه، ثم تفتح له أبواب المعرفة التي يزداد بها بصيرة ويقينا. فإذا كان الإنسان قد تعلم بالصبر كيف يثبت، وبالتوكل كيف يطمئن، وبالرضا كيف يسكن، فإنه بالمحبة يتذوق جمال القرب، ويتهيأ لاستقبال نور المعرفة، حتى يقترب شيئا فشيئا من الغاية التي تنتظم عندها معاني الوجود كلها.

وهكذا يواصل الوجود الإنساني ارتقاءه في مدارج الكمال والجمال، حيث تهيئ كل منزلة لما بعدها، حتى يبلغ الإنسان من المعرفة ما يجعله أكثر قدرة على إدراك الحقيقة، وأقرب إلى المقصد الأعلى. ولذلك ستكون المعرفة حديثنا القادم، لا بوصفها زيادة في المعلومات، وإنما نورا تستنير به البصيرة، ومدرجا جديدا من مدارج الكمال والجمال، يتهيأ فيه الإنسان للوصول إلى الغاية الكبرى للوجود الإنساني، وهي التوحيد.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

إن الذاكرة الجمعية – في منظور النقد الثقافي - ليست أرشيفًا بريئًا للماضي، وإنما هي نتاج صراع دائم على المعنى. فما نتذكره، وما ننساه، ليس دائمًا نتيجة لأهمية الحدث، بل نتيجة للقوى التي تمتلك القدرة على إنتاج الخطاب وتوجيهه. ومن هنا تأخذ الذاكرة الانتقائية طريقها لصناعة الهوية، وذلك حين تستدعي وقائع بعينها، وتُهمِّش وقائع أخرى، تبعًا لما يخدم هوية الجماعة ومصالح النخب التي تتحدث باسمها.

وفي هذا السياق تبرز سياسة الهوية بوصفها إحدى أكثر الأدوات فاعلية في تشكيل الرأي العام. فبدل أن يُنظر إلى المواطن باعتباره شريكًا في وطن، يُعاد تعريفه من خلال انتمائه المذهبي أو الطائفي أو القومي. وعندما تُبنى الهوية على هذا الأساس، يصبح استدعاء الذاكرة الانتقائية ضرورة لاستمرارها؛ لأن كل هوية مغلقة تحتاج إلى "آخر" تُعرِّف نفسها من خلال معاداته؛ ولهذا لا يُستدعى التاريخ كله، بل يُنتقى منه ما يُغذّي مشاعر الخوف أو المظلومية أو الريبة. فتُستحضر أخطاء بعض الدول المجاورة كلما طُرح مشروعٌ للتقارب معها، بينما تُغفَلُ أحداثٌ مماثلة إذا تعلقت بدول أخرى تنتمي إلى المحور السياسي أو الأيديولوجي الذي تنتمي إليه الجماعة نفسها. وهكذا لا يعود معيار التذكر هو الحقيقة التاريخية، وإنما المنفعة السياسية. هذه الازدواجية تكشف لنا أن الذاكرة الانتقائية لم تعد تؤدي وظيفة معرفية، بل أصبحت تؤدي وظيفة هوياتية؛ فهي لا تهدف إلى فهم الماضي، وإنما إلى ترسيخ حدود نفسية بين "نحن" و"هم". ومن ثم يتحول التاريخ إلى خزان للرموز والانفعالات، يُفتح عند الحاجة لتعبئة الجمهور، ويُغلق عندما يتعارض مع الخطاب المطلوب.

وفي الحالة العراقية، يمكن ملاحظة نمط من الخطاب السياسي يستدعي بعض الأزمات التاريخية كلما طُرح الانفتاح على دول بعينها، بينما يتراجع استحضار وقائع مماثلة عندما يتعلق الأمر بدول أخرى، فتُبعث صور الماضي لتأليب الرأي العام وإثارة المخاوف. وفي المقابل، قد تُمارَس درجة عالية من الصمت أو التسامح تجاه مواقف أو تدخلات صادرة عن دول أخرى، لأن تلك الدول تدخل ضمن الإطار الهوياتي أو المذهبي الذي يتبناه ذلك الخطاب. وهنا لا يصبح التاريخ معيارًا للحكم، بل يصبح أداةً للانتقاء السياسي.

ولا أريد أن يُفهم من كلامي أعلاه أنّ الخطر الحقيقي يكمن في اعتزاز الإنسان بانتمائه، فهذا حق طبيعي، وإنما في تحويل هذا الانتماء إلى معيارٍ وحيد لتحديد الصديق والعدو، ولتقييم العلاقات الخارجية، بحيث تُقاس مصلحة الدولة بميزان الولاء للهويات الفرعية، لا بميزان المصلحة الوطنية. ومن هنا فإن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تبني سياسة خارجية مستقلة ما دامت ذاكرتها الوطنية تُدار بذاكرات فرعية متنافسة، لكل واحدة منها أبطالها وأعداؤها وتحالفاتها الخاصة. فالوطن لا يمتلك قرارًا سياديًا كاملًا إلا عندما تصبح الذاكرة الوطنية أوسع من الذاكرة الطائفية، وأرحب من الذاكرة الحزبية، وأقدر على التمييز بين حقائق التاريخ ومتطلبات المستقبل.

لم أكتب ما كتبتُ أعلاه، إلا بعد أنْ بدأت بقراءة كتاب (قصة سنغافورة) الذي كتبه مؤسس نهضتها "لي كوان يو" متحدثًا عن ذكرياته بالتفصيل، وقد استوقفني في تلك السيرة – وما زلتُ أقرأ فيها ولم أكملها بعد – ما أشار إليه من احتلال لليابان في النصف الأول من عقد الأربعينات من القرن العشرين، حين ذاقت سنغافورة الويلات والظلم والمجازر الجماعية ارتكبها الجيش الياباني في العزّل من أبناء الشعب السنغافوري، وكل مظاهر الاستغلال والأذى على يد ذلك الاحتلال، ما جعله يسرد تلك التفاصيل في أكثر من ثلاثين صفحة من مذكراته، ولكن هل منعت تلك المآسي التي عاشها الشعب السنغافوري وكبار قادته من التقدّم للأمام وطيّ صفحة الماضي، ومدّ علاقات متينة بين دولتهم واليابان فيما يرتقي بمستوى البلد من مختلف المجالات..؟! وهذا هو الدرس الذي قدمته سنغافورة بامتياز؛ إذ لم تسمح لذاكرة الاحتلال الياباني أن تتحول إلى عقيدة سياسية تمنعها من بناء شراكة مع اليابان، لأنها أدركت أن وظيفة رجل الدولة ليست إدارة الأحقاد، بل إدارة المصالح، وأن الذاكرة الحية لا تعني العيش في الماضي، وإنما الاستفادة منه لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. فالأمم لا تتقدم حين تنسى تاريخها، بل حين تمنع الآخرين من احتكار ذاكرتها؛ لأن الذاكرة حين تُدار بمنطق الهوية الضيقة ستنتج خصومات لا تنتهي، أما الذاكرة التي تُدار بمنطق الدولة فتُنتج سياسةً قادرة على تحويل أعداء الأمس إلى شركاء في بناء المستقبل.

***

د. وسام حسين العبيدي

يراودني منذ سنوات إحساس غريب، أشبه بقلق داخلي عميق، يتسلل إلى أسئلتي حول الكيفية التي بدأ أطفالنا ينظرون بها إلى الحياة والمستقبل. إنه نوع مختلف من الارتياب لم أعرفه وأنا أقارن بين تحولات الأجيال السابقة، ولا وأنا أتأمل الفروق بين زمننا وزمن من جاء بعدنا؛ لأن المسافة بين الأمس واليوم لم تعد مجرد اختلاف في أنماط العيش، بل أصبحت قطيعة في معنى الحلم ذاته.

 لقد كنا أبناء زمن الانكسارات والنكبات، أبناء سنوات الجمر والانتظار الطويل. تعلمنا أن السعادة لا تحتاج دائما إلى امتلاك الأشياء، بل كانت تتشكل من تفاصيل صغيرة، من لحظات عابرة نمنحها قيمتها لأنها نادرة.

كنا نؤجل الرغبات دون أن نشعر بأن التأجيل هزيمة، وننتظر الفرج بوصفه وعداً ممكناً، لا باعتباره وهماً مؤجلاً. كان للوقت إيقاعه البطيء، وكانت الأشياء تستمد معناها من علاقتنا بها، لا من سرعة استهلاكها.

 أما اليوم فقد تغيرت خريطة التطلعات. يبدو أن أبناءنا يحملوننا ثمن التحولات العميقة التي فرضها منطق العصر الجديد؛ عصر السرعة والصورة والخوارزمية. إنهم لا يعيشون فقط داخل العالم الذي صنعناه لهم، بل داخل عالم آخر تعيد فيه المنصات الرقمية تعريف النجاح، وتصنع فيه النماذج الجديدة للنجومية والاعتراف الاجتماعي.

 لقد أصبحت الخوارزميات لا تكتفي بتوجيه انتباههم، بل تساهم في تشكيل رغباتهم، وتحديد ما يستحق الحلم وما يجب أن يُنسى.  أخشى أحيانا أن يكون جيلنا قد ورّث أبناءه عالما وفّر له من الأدوات أكثر مما منحه من المعاني.

إنهم يندفعون نحو كل احتمال للنجاح السريع، نحو أي نافذة قد تفتح لهم باب الشهرة أو الاعتراف، حتى لو كان الثمن هو اختزال الذات في صورة عابرة أو رقم في فضاء لا يعرف الاستقرار.

  أتذكر كيف كان ابني، قبل سنوات قليلة، يحلم بأن يصبح نجماً في عالم "اليوتوبر"، حيث كانت الشهرة الرقمية تبدو له قمة الإنجاز الممكن. واليوم تغير الحلم، وأصبح يتطلع إلى نجومية لاعب كرة القدم لامين يامال، بما تحمله من رمزية النجاح العالمي المبهر. وبين الحلمين مسافة لا تقاس فقط بتغير الاهتمامات، بل بتحول عميق في بنية المخيال نفسه؛ فالحلم لم يعد رحلة طويلة لبناء الذات، بل أصبح يبحث عن أقصر الطرق إلى الضوء.

السؤال الأكثر إرباكاً: هل نحن أمام جيل فقد الصبر على انتظار المستقبل، أم أمام مستقبل جديد لم يعد يعترف أصلا بقيمة الانتظار؟ هل تحولت الطفولة من فضاء لاكتشاف العالم إلى ساحة مفتوحة للمنافسة على الانتباه؟ وهل أصبح الطفل المعاصر يعيش تحت ضغط ضرورة أن يكون مرئياً قبل أن يكون موجوداً؟.

  إن الخطر الأكبر ليس في تغير الأحلام، فالأحلام بطبيعتها تتبدل بتبدل الأزمنة، وإنما في أن تتحول الأحلام إلى منتجات جاهزة تصنعها منظومات التأثير الجديدة. فحين تصبح الخوارزمية وسيطا بين الطفل والعالم، فإنها لا تقدم له المعرفة فقط، بل تقترح عليه ما ينبغي أن يرغب فيه، ومن ينبغي أن يكونه.

 إن العتمة التي يشعر بها الكثير من الآباء اليوم ليست خوفا من المستقبل بقدر ما هي حيرة أمام مستقبل لا نملك مفاتيحه كاملة. نحن أمام جيل يعيش وفرة غير مسبوقة في المعلومات، لكنه يواجه ندرة متزايدة في المعنى؛ جيل يمتلك القدرة على الوصول إلى كل شيء تقريبا، لكنه يبحث بصعوبة عن الشيء الذي يمنحه سببا حقيقيا للوجود.

 وربما تكون مهمتنا الأعمق ليست مقاومة هذا العالم الجديد، ولا الحنين إلى زمن مضى، بل مساعدة أطفالنا على اكتشاف الفرق بين أن يكون الإنسان مشهوراً وأن يكون مؤثرا، بين أن يُرى وأن يكون موجودا، بين بريق الضوء المؤقت ونور المعنى الذي يبقى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي (1)

إنَّ العلم، بوصفه ممارسةً إنسانيةً واعية لحل المشكلات، هو أقدم أشكال النشاط الإنساني وأعمقها جذورًا، بل إنه يسبق السحر والأسطورة والدين بوصفها جميعًا أنساقًا رمزية جاءت لاحقًا لتفسير العالم أو تأويله. فالإنسان الأول لم يكن يملك ترف التأمل الميتافيزيقي، وإنما كان يواجه تحديات البقاء اليومية: الجوع والعطش، والبرد والحر، والوحوش والفيضانات، والليل والموت. ولم يكن في استطاعته أن يستمر في الحياة إلا إذا راقب الطبيعة، واستخلص من تجاربه قوانينها، وربط بين الأسباب والنتائج، وكرر ما أثبت نجاحه، وعدّل ما أثبت فشله. ومن هنا نشأ التفكير العلمي في صورته الأولى: معرفة عملية تراكمية قوامها الملاحظة، والتجربة، والخطأ، والتصحيح، قبل أن يصبح علمًا منظَّمًا أو نظريةً مكتملة. لقد سبق العلمُ الاعتقادَ بالسحر، لأن الإنسان جرَّب النار قبل أن يؤلِّهها، وصنع الأدوات قبل أن ينسج حولها الأساطير، وعرف مواسم المطر والزرع قبل أن يحيطها بالطقوس والشعائر. فالعلم لم يبدأ كتابًا أو معادلةً أو مختبرًا، وإنما بدأ فعلًا إنسانيًا يوميًا هدفه مقاومة الفناء، وصيانة الحياة، وتوسيع إمكانات البقاء. وكل ما أنجزته الحضارة الإنسانية لاحقًا لم يكن سوى امتدادٍ لذلك الفعل المؤسس الذي جعل من المعرفة العملية الشرط الأول لكل عمران، ومن التفكير العقلي الحليف الأوفى للإنسان في رحلته الطويلة على هذه الأرض.

وليس كل ما يملأ الدنيا ضجيجاً يترك أثراً، وليس كل ما يثير الناس اليوم يبقى غداً. فالتاريخ، مثل الطبيعة، يمتلك قانوناً صارماً في الانتقاء؛ يطوي ما هو زائف، ويحتفظ بما ينفع الإنسان. ومنذ سنوات طويلة وأنا أتأمل قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، حتى غدت هذه الآية بالنسبة إليَّ أكثر من موعظة إيمانية؛ إنها قانون فلسفي من قوانين التاريخ والحضارة، بل لعلها من أعمق النصوص التي يمكن أن يُبنى عليها تصور عقلاني لمعنى التقدم الإنساني.

«ما ينفع الناس». لم يقل: ما ينفع فرداً، أو جماعة بعينها، أو طائفة، أو سلطة، بل قال: الناس يعني كل بني الإنسان في هذا الكوكب الأرضي وهذه الكلمة الصغيرة تختزن رؤية حضارية كاملة؛ إذ تجعل الإنسان، بما هو إنسان، معياراً لكل ما يستحق البقاء. فما يسهم في تحسين حياة البشر، وتخفيف معاناتهم، وتوسيع آفاق حريتهم، وتعزيز قدرتهم على الفهم والإبداع، هو الذي يمكث في الأرض ويصبح جزءاً من تاريخ الحضارة فالعلم. فما العلم في جوهره إن لم يكن البحث المنظم عن كل ما ينفع الناس؟ وما الحضارة إلا الأثر التراكمي لهذا النفع حين يتحول إلى مؤسسات وقيم وتقنيات وثقافة؟

فالمعرفة هي المادة الأولى لكل عمران، والعقل هو الأداة التي حوّلت الإنسان من كائن يخشى الطبيعة إلى كائن يقرأ قوانينها، ويتنبأ بحركتها، ثم يسخرها لخدمة حياته غير أن المعرفة ليست نوعاً واحداً. فالإنسان يعيش في عالمين متداخلين: عالم الطبيعة، وعالم المجتمع. ولذلك نشأت منذ وقت مبكر منظومتان كبيرتان من المعرفة ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة ومظاهرها وفهم قوانين حركتها والتنبؤ بنتائجها وتلك هي وظيفة العلوم الطبيعية ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء في التاريخ والحضارة الا بمعرفة حقيقة الكائن الإنساني والمجتمع البشري بوصفهما لحمة التاريخ وسداه؛ المعرفة القادرة على فهم حاجات الإنسان ودوافعه ومقومات الحياة الاجتماعية المدنية المستقرة وقوانين التاريخ وحركته والتنبؤ بمساراتها المستقبلية وتلك هي وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة في قلبها بل هي أمها التي ابدعت اخصب وانضج المفاهيم الأساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية.

إذ دأبت الفلسفة، منذ بداياتها الأولى في الشرق القديم، ثم اليونان، ثم المرحلة العربية الإسلامية، وحتى العصر الحديث، علي تأمل العالم واعادة صياغته مفهوميا فكانت الأفق الذي يمنح العلوم معناها، ويطرح أسئلتها الكبرى: ما الإنسان؟ ما الحقيقة؟ ما العدل؟ ما الخير؟ وما الغاية من كل هذا التقدم؟

فالفلسفة هي الوعي النقدي الذي يمنع العلم من التحول إلى قوة عمياء، ويمنع المجتمع من الوقوع في أسر الخرافة أو التعصب أو عبادة التقنية.

لقد جاءت الحداثة الأوروبية، في معناها العميق، نتيجة ثورة فلسفية قبل أن تكون ثورة صناعية. فقد قررت إعادة بناء المجتمع على أساس العقل، والتجربة، والحرية، والنقد، لا على أساس التقليد وحده. ومن هذا التحول ولد العلم الحديث، ثم ولدت الجامعة الحديثة، ثم الدولة الحديثة، ثم المجتمع الصناعي.

السؤال الملح الذي ناقشه البارحة مع الزملاء في ندوة وحدة الدراسات العلمية هو: لماذا بقي العلم عند العرب مادة تُدرَّس، ولم يتحول إلى ثقافة؟

فمنذ أكثر من قرن والعالم العربي يعيش ما يشبه المفارقة التاريخية الكبرى؛ فقد دخل التعليم الحديث إلى مجتمعاتنا، وتأسست المدارس والجامعات والمعاهد العليا. تأسست أول جامعة عربية في مصر عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م جامعة القاهرة حالياً، وكانت جامعة دمشق التي تأسست عام 1923م أول جامعة عربية حكومية حديثة وفي عام 1942م أنشأت جامعة الإسكندرية وفي العام ذاته تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، ثم تأسست جامعة الخرطوم سنة 1955م وجامعة بغداد في سنة 1957م وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 700 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م. وتخرجت أجيال متعاقبة من حملة الشهادات، ومع ذلك ما زال سؤال النهضة مطروحاً بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة؟ ولماذا بقي التعليم في كثير من الأحيان مؤسسة لإعادة إنتاج التخلف أكثر من كونه أداة لتحرير الإنسان وتنمية قدراته؟

وهكذا كما تلاحظون ليست المشكلة في ندرة المدارس أو قلة الجامعات، وليست المشكلة أيضاً في غياب المعرفة أو انعدام الاتصال بالعالم؛ إذ لم يعد الوصول إلى المعلومات حكراً على أحد في عصر الثورة الرقمية. ومع ذلك فإن مظاهر التعصب والعنف والخرافة والامتثال الأعمى ما تزال أكثر حضوراً من قيم العقلانية والنقد والابتكار. وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم التعليم ذاته وفي طبيعة العلاقة بين العلم والثقافة.

ربما كان السبب أن كلمة «العلم» نفسها لم تستقر عندنا على معناها الحديث. فهي في الوعي التقليدي تشير إلى الفقه، أو الحديث، أو التفسير، أو المعرفة الدينية، كما تشير إلى كل أشكال المعرفة الأخرى، بينما أصبح مصطلح Science في التجربة الحديثة يعني المعرفة المنظمة القائمة على الملاحظة، والفرضية، والتجربة، والاختبار، وقابلية المراجعة والنقد.

انشغل فقهاء العلوم الشرعية في المجتمعات الإسلامية بالسؤال: هل هذا جائز أو غير جائز؟ بينما تتقدم أمم أخرى بالسؤال: هل هذا صحيح؟ وهل يمكن البرهنة عليه؟ وهل ينفع الإنسان؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين مجتمع يستهلك المعرفة، ومجتمع ينتجها.

وبالعودة الى الآية الكريمة فما ينفع الناس هو الذي يستحق أن يبقى، وما لا ينفعهم، مهما علا ضجيجه، سيذهب جفاءً؛ إن الكهرباء التي تنير البيوت، والدواء الذي ينقذ المرضى، والجسر الذي يصل بين الضفتين، والجامعة التي تخرّج الباحثين، والكتاب الذي يوقظ العقل، والقانون الذي يحمي الحقوق، والمؤسسة التي تصون كرامة الإنسان، كلها تدخل، في تقديري، ضمن معنى «ما ينفع الناس».

وبالمقابل كل معرفة لا تضيف إلى حياة الإنسان فهماً، ولا تمنحه قدرة أكبر على الحرية والعمل والإبداع، فإنها تظل معرفة ضالة ومضلله مهما أحاطت نفسها بهالة من القداسة أو الضجيج.

من هنا تبدأ رحلتنا في فلسفة العلم والحضارة؛ رحلة لا تبحث عن تمجيد الماضي ولا عن جلد الذات، وإنما عن فهم الشروط التي تجعل أمةً ما قادرة على إنتاج العلم، وتحويله إلى ثقافة، ثم إلى حضارة.

وفي الحلقة القادمة سنقترب من السؤال الذي ظل يؤرقني طويلاً: كيف التبس مفهوم العلم في الثقافة العربية الإسلامية؟ ولماذا بقيت كلمة «العلم» أسيرة معانٍ متعددة، بينما استقر معناها الحديث في التجربة العلمية الغربية؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال تمثل الخطوة الأولى لفهم أزمة العلم في واقعنا العربي المعاصر.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

الإنسان بين الشاشة والواقع

لم يعد الإنسان المعاصر يعيش في فضاء واحد، بل أصبح موزعًا بين عالمين متوازيين: عالم مادي ملموس تُشكّله العلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية، وعالم افتراضي تُعيد صياغته الشاشات والخوارزميات. هذا الانقسام لا يُختزل في مجرد استخدام للتكنولوجيا، بل يكشف عن تحوّل أنثروبولوجي عميق، حيث تتبدّل أنماط الانتماء وتُعاد صياغة الهوية في سياق جديد يتجاوز الحدود التقليدية للذات والجماعة.

إنّ الهوية الرقمية لم تعد مجرد انعكاس للهوية الواقعية، بل أصبحت فضاءً مستقلًا يُنتج سرديات جديدة عن الذات، ويُعيد تعريف العلاقة بالآخر. في المقابل، يخلق هذا الفضاء حالة من الاغتراب الافتراضي، حيث يشعر الفرد بانفصال بين وجوده الواقعي وصورته الرمزية، فيعيش ازدواجية بين الحضور المادي والتمثيل الرقمي. هذه الازدواجية ليست مجرد ظاهرة تقنية، بل هي تجربة وجودية تُعيد طرح سؤال الهوية في زمن الشاشة.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مختبرًا حيًا لإعادة إنتاج الرموز والطقوس والمشاعر. فالإعجاب، الغضب، والحنين تتحول إلى موارد اجتماعية تُستهلك وتُعاد صياغتها في إطار ما يُعرف بـ الاقتصاد العاطفي. كما تُعيد الطقوس الرقمية اليومية – من التفاعل على وسائل التواصل إلى الحملات الافتراضية – إنتاج معنى الانتماء، لتكشف عن أن الهوية لم تعد حكرًا على الفضاء الواقعي، بل أصبحت مشروعًا مفتوحًا يتشكل من التداخل بين العالمين.

بهذا المعنى، فإنّ الهوية الرقمية ليست مجرد امتداد للذات، بل هي إعادة تشكيل للإنسان في مواجهة العبور بين الواقع والافتراض. إنها هوية هجينة، تتأرجح بين الثبات والتفاوض، بين الحضور والغياب، وبين الانتماء والاغتراب. وما يطرحه هذا المقال هو محاولة لفهم هذه الجدلية بوصفها إحدى أبرز التحولات الفكرية والأنثروبولوجية في زمننا الراهن، حيث لم يعد السؤال "من نحن؟" يُجاب عليه في الواقع وحده، بل في الفضاء الرقمي أيضًا.

الهوية الرقمية كامتداد للذات والاغتراب الافتراضي

لم يعد حضور الإنسان في الفضاء الرقمي مجرد انعكاسٍ بسيط لوجوده الواقعي، بل أصبح مشروعًا جديدًا لإعادة تشكيل الذات. إنّ الهوية الرقمية تُبنى عبر تراكم الصور، الكلمات، والرموز التي يتركها الفرد في فضاء الشبكة، لتتحول إلى سردية مستقلة قد تتقاطع مع الواقع أو تنفصل عنه. فالمستخدم حين يكتب منشورًا، يشارك صورة، أو يتفاعل مع الآخرين، لا يمارس فعلًا تقنيًا محايدًا، بل يُعيد إنتاج ذاته في شكل رمزي يكتسب شرعية من التفاعل الاجتماعي الافتراضي.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الهوية الرقمية تُعيد تعريف مفهوم "الذات" بوصفها كيانًا متعدد الأبعاد، يتجاوز الجسد المادي ليعيش في فضاء رمزي لا تحدّه الجغرافيا. هذا الامتداد يفتح الباب أمام جدلية جديدة: هل الهوية الرقمية مجرد انعكاس للواقع، أم أنها فضاء مستقل يُعيد صياغة الإنسان في مواجهة الآخر؟ هنا يظهر البعد التحليلي العميق، حيث تتحول الهوية الرقمية إلى مختبر حيّ لإعادة إنتاج الرموز والمعاني، وتكشف عن أن الذات لم تعد حكرًا على التجربة الواقعية، بل أصبحت مشروعًا مفتوحًا يتشكل من التداخل بين الحضور المادي والافتراضي.

بهذا المعنى، فإنّ الهوية الرقمية ليست مجرد امتداد للذات، بل هي إعادة إنتاج لها في سياق جديد، حيث يصبح الإنسان كائنًا موزعًا بين عالمين، ويعيش حالة من التفاوض المستمر بين صورته الواقعية وصورته الرمزية. إنها هوية هجينة، تتأرجح بين الثبات والتغير، بين الانتماء والاغتراب، لتكشف عن عمق التحولات التي يفرضها زمن الشاشة.

في الفضاء الرقمي، لا يعيش الإنسان حضورًا كاملًا ولا غيابًا مطلقًا، بل حالة مركبة من الوجود الموزع بين الشاشة والواقع. إنّ الاغتراب الافتراضي يُعبّر عن تلك المسافة التي تنشأ بين الذات الواقعية وصورتها الرمزية، حيث يتحول الفرد إلى كائن مزدوج: جسد يعيش في العالم المادي، وصورة تُدار عبر الخوارزميات والتفاعلات الرقمية. هذه الازدواجية تُنتج شعورًا بالانفصال، إذ يجد الإنسان نفسه حاضرًا في الفضاء الافتراضي لكنه غائب عن ذاته الملموسة، أو العكس.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذا الاغتراب بوصفه تجربة وجودية جديدة، حيث لم يعد الانتماء يُبنى فقط على العلاقات المباشرة، بل على شبكات رقمية تُعيد صياغة معنى الجماعة. فالفرد الذي يشارك في نقاش افتراضي أو حملة رقمية يشعر بالانتماء إلى جماعة رمزية، لكنه في الوقت نفسه يعيش عزلة واقعية قد تُعمّق شعوره بالاغتراب. هنا يظهر البعد التحليلي العميق: الهوية لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت مشروعًا متوترًا بين الحضور والغياب، بين الانتماء والانعزال.

إنّ الاغتراب الافتراضي لا يُختزل في فقدان التواصل المباشر، بل يكشف عن تحوّل في طبيعة الذات نفسها. فالإنسان لم يعد يملك هوية واحدة، بل يعيش في فضاء تفاوضي بين صورته الواقعية وصورته الرقمية، ليُنتج هوية هجينة تتأرجح بين الثبات والتغير. بهذا المعنى، يصبح الاغتراب الافتراضي ليس مجرد أزمة، بل فضاءً جديدًا لإعادة التفكير في معنى الهوية والانتماء في زمن الشاشة.

الذاكرة والطقوس الرقمية والذاكرة الجمعية

في زمن الشبكات، لم تعد الذاكرة مجرد تراكم للتجارب في الوعي الفردي أو الجماعي، بل أصبحت تُخزَّن وتُعاد صياغتها داخل فضاءات رقمية مفتوحة. إنّ الذاكرة الرقمية لا تقتصر على حفظ الصور والمنشورات، بل تُعيد إنتاج الماضي في شكل سرديات جديدة، حيث يتحول الحفظ إلى إعادة تخييل مستمرة. فالفرد حين يسترجع لحظة عبر صورة أو تعليق، لا يستعيدها كما كانت، بل كما أعاد الفضاء الرقمي صياغتها عبر التفاعل والانتشار.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الذاكرة الرقمية تُعيد تعريف الذاكرة الجمعية، إذ لم تعد الجماعة تتذكر عبر الطقوس التقليدية أو الحكايات الشفوية، بل عبر أرشيف رقمي يُتاح للجميع ويُعاد تداوله بلا توقف. هذا الأرشيف لا يحفظ الماضي فقط، بل يُعيد تشكيله وفقًا لآليات الخوارزميات، حيث تُبرز بعض الأحداث وتُهمَّش أخرى، في عملية انتقائية تُعيد إنتاج معنى الهوية والانتماء.

إنّ هذا التحول يكشف عن جدلية جديدة: الذاكرة لم تعد مجرد أداة للحفظ، بل أصبحت فضاءً للتفاوض بين الفرد والجماعة، بين الماضي والخيال، وبين الواقع والافتراض. بهذا المعنى، فإنّ الذاكرة الرقمية ليست مجرد امتداد للذاكرة التقليدية، بل هي إعادة تخييل للماضي في سياق جديد، حيث يصبح الإنسان موزعًا بين ما عاشه فعليًا وما يُعاد إنتاجه رقميًا. إنها ذاكرة هجينة، تُعيد صياغة الهوية وتكشف عن عمق التحولات التي يفرضها زمن الشاشة.

في الفضاء الافتراضي، لم تعد الطقوس حكرًا على الجماعات التقليدية أو المناسبات الدينية والاجتماعية، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية الرقمية. إنّ الطقوس الرقمية تتجلى في أنماط التفاعل المتكررة: الإعجاب، المشاركة، إعادة النشر، أو حتى الانخراط في حملات جماعية عبر المنصات. هذه الأفعال البسيطة تتحول إلى طقوس رمزية تُعيد إنتاج معنى الانتماء، حيث يشعر الفرد أنه جزء من جماعة رقمية تتشارك الرموز والمشاعر والخيال.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذه الطقوس باعتبارها امتدادًا للطقوس التقليدية، لكنها تُمارس في فضاء جديد يتجاوز الجغرافيا والزمان. فالمشاركة في حملة تضامن رقمية، أو التفاعل مع حدث عالمي عبر الوسوم، يُعيد إنتاج مفهوم الجماعة في شكل رمزي، حيث يصبح الانتماء فعلًا جماعيًا يُمارس عبر الشاشة. هذه الطقوس لا تُستهلك فقط، بل تُعيد تشكيل الهوية الجماعية، لتكشف عن أن الإنسان لم يعد يعيش في جماعة واحدة، بل في جماعات متعددة تتقاطع في فضاءات رقمية.

إنّ الطقوس الرقمية تكشف عن جدلية جديدة بين الاستهلاك والهوية. فالفرد الذي يستهلك المحتوى الرقمي لا يبقى متلقيًا سلبيًا، بل يتحول إلى مشارك يُعيد إنتاج المعنى عبر التفاعل. بهذا المعنى، تصبح الطقوس الرقمية فضاءً لإعادة صياغة الهوية الجماعية، حيث يتجاوز الإنسان حدود الواقع ليعيش في جماعة رمزية تُعيد تعريف معنى الانتماء في زمن الشاشة.

الاقتصاد العاطفي والسلطة والسياسة الرقمية

في العالم الرقمي، لم تعد المشاعر مجرد حالات نفسية فردية، بل تحولت إلى موارد اجتماعية تُستهلك وتُعاد صياغتها باستمرار. إنّ الاقتصاد العاطفي في الفضاء الافتراضي يقوم على تحويل الانفعالات – من إعجاب وغضب وحزن وفرح – إلى طاقة رمزية تُغذي التفاعلات وتُعيد إنتاج الهوية الجماعية. فكل "إعجاب" أو "تعليق" أو "مشاركة" ليس مجرد فعل تقني، بل هو استثمار عاطفي يُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، ويمنح الهوية الرقمية شرعية جديدة.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذه المشاعر باعتبارها جزءًا من بنية اجتماعية جديدة، حيث تُصبح العاطفة أداة للتفاوض على الانتماء والهوية. فحملات التضامن الافتراضية، أو موجات الغضب الجماعي، تكشف عن أن المشاعر لم تعد شأنًا فرديًا، بل أصبحت قوة جماعية تُعيد صياغة الرموز والمعاني. بهذا المعنى، يتحول الاقتصاد العاطفي إلى فضاء لإعادة إنتاج الهوية، حيث تُستهلك المشاعر وتُعاد صياغتها في سياق رقمي يربط الفرد بجماعة رمزية عابرة للحدود.

إنّ هذا التحول يكشف عن جدلية جديدة بين العاطفة والسياسة، بين الفرد والجماعة، وبين الواقع والافتراض. فالمشاعر التي تُستهلك في الفضاء الرقمي لا تبقى محصورة في الشاشة، بل تُعيد تشكيل الواقع نفسه، لتكشف عن أن الهوية في زمن الشبكة ليست مجرد سردية عقلية، بل مشروع عاطفي يُبنى على التفاعل المستمر بين الذات والآخر.

في الفضاء الرقمي، لا تتحرك الهوية وحدها، بل تُعاد صياغتها تحت تأثير قوى خفية تُمارسها الخوارزميات والسياسات الرقمية. إنّ السلطة الرقمية لم تعد مجرد أداة تقنية لتنظيم المحتوى، بل أصبحت سلطة رمزية تُحدد ما يظهر وما يُهمّش، وما يُعتبر جزءًا من الجماعة وما يُستبعد منها. بهذا المعنى، تتحول الخوارزميات إلى آليات سياسية تُعيد إنتاج معنى الانتماء، حيث يُصاغ حضور الفرد في الشبكة وفقًا لمعايير لا يملك السيطرة عليها بالكامل.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذه السلطة باعتبارها شكلًا جديدًا من الهيمنة، حيث تُمارس الشركات الكبرى والدول نفوذها عبر سياسات رقمية تُعيد تشكيل الهوية الجماعية. فالمحتوى الذي يُبرز، أو الذي يُحجب، لا يعكس فقط تفضيلات تقنية، بل يعكس أيضًا اختيارات سياسية واقتصادية تُعيد إنتاج معنى "من ينتمي" و"من يُستبعد". هنا يظهر البعد التحليلي العميق: الهوية الرقمية ليست مجرد مشروع فردي، بل هي أيضًا نتاج لسلطة تُمارس عبر الخوارزميات والسياسات.

إنّ هذه الجدلية تكشف عن أن الفضاء الرقمي ليس فضاءً محايدًا، بل هو ساحة سياسية تُدار فيها الصراعات على الرموز والمعاني والانتماءات. فالإنسان الذي يعيش بين الشاشة والواقع يجد نفسه موزعًا بين هوية يصوغها بنفسه، وهوية تُفرض عليه عبر آليات السلطة الرقمية. بهذا المعنى، تصبح السياسة الرقمية جزءًا من مشروع إعادة إنتاج الهوية، حيث يتقاطع الفرد مع الجماعة، والذات مع السلطة، في فضاء جديد يُعيد تعريف معنى الانتماء في زمن الشبكة.

الهوية والخيال الرقمي: سرديات الذات والآخر

في زمن الشاشة، لم يعد الإنسان يملك هوية واحدة مستقرة، بل يعيش حالة تفاوض دائم بين صورته الواقعية وصورته الافتراضية. إنّ الهوية الهجينة تُعبّر عن هذا التداخل، حيث تتقاطع التجربة المادية مع التجربة الرقمية لتُنتج ذاتًا مركبة، لا هي ثابتة في الواقع ولا هي منقطعة عن الافتراض. هذه الهوية الجديدة تكشف عن أن الإنسان لم يعد يعيش في فضاء واحد، بل في فضاءات متعددة تتداخل وتتصارع لتُعيد صياغة معنى الانتماء.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الهوية الهجينة باعتبارها مشروعًا مفتوحًا، حيث يُعيد الفرد إنتاج ذاته عبر التفاعل المستمر بين العالمين. فالصورة التي يُقدّمها في الفضاء الرقمي ليست مجرد انعكاس لذاته الواقعية، بل هي سردية جديدة تُضاف إلى تجربته، وتُعيد تشكيل علاقته بالآخرين. هذا التداخل يُنتج حالة تفاوض مستمرة: أي صورة تُعبّر عن الذات؟ وأي انتماء يُحدد الهوية؟ هنا يظهر البعد التحليلي العميق، حيث تتحول الهوية إلى سيرورة لا تنتهي، تُبنى وتُعاد صياغتها في كل لحظة من التفاعل بين الواقع والافتراض.

إنّ الهوية الهجينة ليست أزمة، بل هي انعكاس لتحولات العصر، حيث لم يعد الإنسان محصورًا في جماعة واحدة أو فضاء واحد، بل أصبح موزعًا بين عوالم متعددة تُعيد تشكيله باستمرار. بهذا المعنى، فإنّ الهوية الهجينة تكشف عن عمق التحولات الفكرية والأنثروبولوجية في زمن الشبكة، حيث يصبح الإنسان مشروعًا مفتوحًا للتفاوض بين الذات والآخر، بين الواقع والافتراض، وبين الثبات والتغير.

في الفضاء الرقمي، لا يقتصر حضور الإنسان على إعادة إنتاج ذاته الواقعية، بل يمتد إلى صناعة سرديات جديدة تُبنى على الخيال أكثر مما تُبنى على التجربة الملموسة. إنّ الخيال الرقمي أصبح أداة مركزية في تشكيل الهوية، حيث يُعيد الفرد صياغة نفسه عبر الصور والقصص والرموز التي يختارها ليعرضها أمام الآخرين. هذه السرديات لا تُعبر فقط عن الذات، بل تُعيد أيضًا تعريف العلاقة بالآخر، لتكشف عن أن الهوية في زمن الشبكة ليست مجرد انعكاس، بل مشروع تخييلي يُبنى على التفاعل المستمر بين الواقع والافتراض.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الخيال الرقمي باعتباره فضاءً لإعادة إنتاج الرموز الثقافية، حيث تتحول الهوية إلى نص مفتوح يُكتب ويُعاد كتابته بلا توقف. فالفرد الذي يختار صورة رمزية أو يشارك قصة شخصية لا يُقدّم ذاته كما هي، بل كما يتخيّلها ويريد أن تُرى. هذا التخييل يُنتج هوية جديدة، تتجاوز حدود الواقع لتعيش في فضاء رمزي يُعيد تشكيل معنى الانتماء.

إنّ هذه السرديات الرقمية تكشف عن جدلية عميقة بين الذات والآخر: فالإنسان لا يكتب نفسه في عزلة، بل في مواجهة جماعة رقمية تُعيد التفاعل مع نصه وتُعيد صياغته. بهذا المعنى، يصبح الخيال الرقمي ليس مجرد إضافة إلى الهوية، بل جزءًا من بنيتها الأساسية، حيث تُبنى الهوية على التفاوض المستمر بين ما هو واقعي وما هو متخيَّل.

إنّ الهوية في زمن الشبكة، إذن، ليست فقط مشروعًا واقعيًا أو افتراضيًا، بل هي أيضًا مشروع تخييلي، يُعيد الإنسان عبره صياغة ذاته والآخر في سرديات جديدة تكشف عن عمق التحولات الفكرية والأنثروبولوجية في عصر الشاشة.

نحو أنثروبولوجيا جديدة للهوية

في نهاية هذا المسار الفكري، يتضح أن الهوية في زمن الشبكة لم تعد مجرد انعكاس للذات الواقعية، بل أصبحت مشروعًا مركبًا يتشكل من التداخل بين العالمين: عالم مادي تُحدده العلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية، وعالم افتراضي تُعيد صياغته الخوارزميات والطقوس الرقمية. هذا التداخل يُنتج هوية هجينة، تتأرجح بين الثبات والتغير، بين الانتماء والاغتراب، وبين الحضور والغياب.

إنّ الهوية الرقمية ليست امتدادًا بسيطًا للذات، بل هي فضاء مستقل يُعيد تعريف الإنسان في مواجهة الآخر، ويكشف عن أن الذات لم تعد حكرًا على التجربة الواقعية. في المقابل، يُظهر الاغتراب الافتراضي أن هذا الامتداد ليس بلا ثمن، إذ يعيش الفرد حالة من الانفصال بين صورته الرمزية ووجوده الملموس، ليجد نفسه موزعًا بين عالمين لا يكتمل أحدهما دون الآخر.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الفضاء الرقمي أصبح مختبرًا حيًا لإعادة إنتاج الرموز والمعاني، حيث تتحول الطقوس اليومية إلى طقوس رقمية، وتتحول المشاعر إلى موارد اجتماعية في إطار الاقتصاد العاطفي، وتتحول السلطة إلى سلطة رقمية تُمارس عبر الخوارزميات والسياسات. هذه التحولات تكشف عن أن الهوية لم تعد معطىً طبيعيًا، بل مشروعًا مفتوحًا يُبنى عبر التفاوض المستمر بين الواقع والافتراض.

إنّ ما يطرحه هذا المقال ليس مجرد وصف لظاهرة تقنية، بل دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الهوية والانتماء في زمن الشاشة. فالإنسان لم يعد يعيش في جماعة واحدة أو فضاء واحد، بل أصبح موزعًا بين جماعات متعددة وفضاءات متداخلة تُعيد تشكيله باستمرار. بهذا المعنى، فإنّ الهوية الرقمية والاغتراب الافتراضي يكشفان عن أنثروبولوجيا جديدة للهوية، حيث يصبح الإنسان مشروعًا مفتوحًا للتفاوض بين الذات والآخر، بين الماضي والخيال، وبين الواقع والافتراض.

إنّ السؤال الذي يظل مفتوحًا أمامنا هو: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على توازنه بين هويته الواقعية وهويته الرقمية، بين حضوره المادي ووجوده الرمزي، في عالم لم يعد يعرف حدودًا بين الشاشة والواقع؟

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

صورة أستاذ الفلسفة بين «البيضة والحجر» وIrrational Man

تتأرجح شخصية أستاذ الفلسفة في السينما بين منزلتين: الأستاذ المتشبع بالحكمة والمبادئ، الزاهد في ملذات الحياة، الذي يرى في الحقيقة غاية تستحق التضحية، والأستاذ الذي يستخدم الفلسفة قناعاً يبرر به انحرافه، سواء نحو الدجل والاستغلال، أو نحو الفعل اللاأخلاقي المغلف بمسوغات فكرية.

الأول يعيش من أجل الفلسفة، فيجعلها امتحاناً دائماً لذاته. أما الثاني فيعيش بالفلسفة، فيحوّلها من حيث لا يشعر، إلى وسيلة لتحقيق غايات أخرى. وما إن تصبح الحكمة مهنة حتى يصبح صاحبها عرضة لإغراءات كل المهن: الرغبة في المكانة، والخوف من الفشل، والبحث عن الاعتراف، وإغواء السلطة. عندئذٍ لا يعود السؤال: ما الحقيقة؟ بل يصبح: ما الذي يحقق لي المنفعة والنفوذ؟

هذا التأرجح ليس مجرد حبكة درامية، بل سؤال فلسفي تطرحه السينما على نفسها: هل يمكن للفلسفة أن تخون نفسها؟ ويتجسد هذا السؤال بوضوح في فيلمين: «البيضة والحجر» (1990)، حيث يتحول مستطاع الطعزي من داعية للاستغناء والتحكم في الشهوات إلى دجال يستغل جهل الناس؛ وIrrational Man (2015)، حيث يجد آبي لوكاس «معنى» حياته في التخطيط لجريمة قتل يراها فعلاً عقلانياً وعادلاً.

كلاهما يخون الفلسفة بطريقتين مختلفتين، وكلاهما يطرح السؤال نفسه: هل يمكن للفلسفة أن تتحول من أداة للتحرر إلى مبرر للسقوط؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تتحول إلى خطر؟

هذه الخيانة ليست حدثًا من أحداث التاريخ القديم، ولا مجرد قضية نظرية ناقشها أفلاطون في محاوراته، بل هي بنية تتكرر كلما تحولت المعرفة إلى سلطة، وكلما أصبح التفكير وسيلة لتبرير ما كان ينبغي أن يكون موضوعًا للنقد. ولهذا فإن المتفلسف المعاصر ليس نسخة من السوفسطائي القديم، بل امتداده في عالم أكثر تعقيدًا، عالم لا تُباع فيه البلاغة وحدها، بل تُباع أيضًا الشرعية الأخلاقية، ويُسوَّق فيه الوهم بلغة العقل.

مستطاع الطعزي... حين استُبدلت الحقيقة باليقين

لا يقدم فيلم «البيضة والحجر» مستطاع الطعزي دجالاً منذ البداية، بل يقدمه على النقيض تماماً: أستاذاً للفلسفة يؤمن بأن وظيفة الفكر هي تحرير الإنسان من أوهامه. عبارته الشهيرة «ويل للعالم لو انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون» ليست حكمة عابرة، بل إعلان عن المبدأ الذي ينظم حياته كلها.

غير أن الفيلم لا يواجهه بأفكار مضادة، بل بواقع لا يكافئ الأفكار. يفصل من عمله، ويعاني الفقر، ويكتشف أن المجتمع الذي يدعو إلى العقل لا يمنح العقل مكانة. وهنا يبدأ الانحراف الأول: في ثقته بأن العالم لا يستجيب لما يؤمن به.

وتأتي اللحظة الحاسمة حين يكتشف أن الناس لا يبحثون عما هو صحيح، بل عما يبدد خوفهم. حين ينجح في علاج أحدهم بقوة الإيحاء، لا يكتشف حقيقة جديدة عن النفس، بل يكتشف فعالية الوهم. فيحتفظ بكل ما تعلمه من الفلسفة عن آليات الاعتقاد، ثم يعيد توظيفه في الاتجاه المعاكس. إنه لا يستبدل العقل بالخرافة، بل يجعل العقل خادماً لها. وهكذا ينتقل من الحقيقة إلى المنفعة، ومن التنوير إلى السيطرة.

آبي لوكاس... حين أصبح العقل محاميًا عن الرغبة

اذا كان مستطاع قد اكتشف أن الوهم أكثر نفوذاً من الحقيقة، فإن آبي لوكاس يكتشف أمراً أخطر: أن العقل نفسه قادر على منح الوهم شرعية أخلاقية.

يستمد فيلم Irrational Man عنوانه من كتاب ويليام باريت الصادر عام 1958، الذي قدّم الوجودية إلى العالم الناطق بالإنجليزية. وفيه يميّز باريت بين نزعتين في الحضارة الغربية: النزعة الهيلينية العقلانية المجردة، والنزعة العبرية الحيوية التي تهتم بالقلق والحرية والموت. والوجودية، في نظره، تنتمي إلى الثانية، فهي فلسفة الإنسان بكامله لا فلسفة التجريد.

وقصة الفيلم تبدأ عندما يصل آبي إلى الجامعة مثقلاً بإرهاق وجودي عميق. يصف كثيراً من الجدل الفلسفي بأنه «استمناء لفظي»، لا لأنه يجهل الفلسفة، بل لأنه فقد الإيمان بقدرتها على منح الحياة معنى. عدميته ليست فكرة مجردة، بل نتيجة صدمات متراكمة: انتحار أمه وهو في الثانية عشرة، خيانة زوجته وصديقه، ومقتل صديق عزيز. وهكذا يصل إلى لحظة انحرافه وهو محمّل بفشل وجودي ثقيل، تماماً كما وصل مستطاع مثقلاً بالطرد والفقر وسخرية المجتمع.

في لحظة تبدو عابرة، يسمع مع طالبته جيل امرأة تشكو ظلم قاضٍ يهدد بانتزاع أطفالها. تستقر الفكرة في ذهنه: ماذا لو أُزيل هذا الرجل؟ ألن يكون العالم أكثر عدلاً؟

منذ تلك اللحظة يتحول القتل في وعيه من جريمة إلى مشروع أخلاقي. يبدأ العقل في أداء وظيفة جديدة: لا البحث عن حقيقة الفعل، بل البحث عن أفضل الحجج التي تجعله مقبولاً. وهكذا تتحول الفلسفة من سلطة تحاكم الرغبة إلى جهاز يبررها. إن آبي لا يبحث عن الحقيقة، بل عن المبررات. فيصبح نموذجاً للمتفلسف المنحرف الذي يعيد تفسير الأخلاق بما يخدم رغبته، ويستخدم العقل لإسكات الضمير بدلاً من إيقاظه.

واللافت أن آبي، بعد اتخاذه قرار القتل، يستعيد حيويته ونشاطه. غير أن هذه الحيوية ليست دليلاً على أنه وجد المعنى، بل على أنه وجد بديلاً عنه. لقد امتلأ الفراغ الوجودي بمشروع يمنحه شعوراً بالقوة، لكنه لا يمنحه سلاماً داخلياً. وهنا يلتقي مع مستطاع عند النقطة ذاتها: كلاهما ملأ فراغه بما هو أخطر من الفراغ نفسه.

المتفلسف المنحرف... الوريث الحديث للسوفسطائي

كان أفلاطون يدرك أن الخطر الحقيقي على الفلسفة لا يأتي من أعدائها، بل من أولئك الذين يتحدثون باسمها. ولهذا لم يكن السوفسطائي، في نظره، مجرد معلم للبلاغة أو بائع للخطابة، بل كان منافسًا للفيلسوف على المجال نفسه؛ كلاهما يتحدث عن العدالة والفضيلة والحقيقة، غير أن الأول يجعلها غايةً للحياة، بينما يحولها الثاني إلى أدوات للنجاح والإقناع. ومن هنا لم يكن من السهل على العامة أن يميزوا بينهما، لأن الاختلاف لم يكن في اللغة، وإنما في الغاية التي تخدمها تلك اللغة.

هذه البنية القديمة لم تختف مع نهاية أثينا، بل عادت بأشكال جديدة. فالمتفلسف المعاصر لا يشبه السوفسطائي في مظهره، بل في وظيفته. إنه لا يبيع البلاغة كما كان يفعل أسلافه، وإنما يبيع الشرعية. يستشهد بكانط حين يحتاج إلى سلطة الأخلاق، ويقتبس نيتشه حين يريد تبرير التمرد، ويستدعي الوجودية حين يبحث عن مخرج من المسؤولية، ويستعير لغة الحرية ليمنح رغباته هيئة المبادئ. إنه لا يختلق الأفكار، بل يعيد توظيفها خارج سياقها، حتى تصبح الفلسفة مخزنًا للمبررات بدل أن تكون مدرسة للمساءلة.

وهنا يكمن الفرق الحاسم بين الفيلسوف والمتفلسف المنحرف. فالفيلسوف يغيّر حياته لكي تصبح أكثر انسجامًا مع أفكاره، أما المتفلسف المنحرف فيعيد تأويل أفكاره لكي تصبح أكثر انسجامًا مع حياته. الأول يجعل الفكر معيارًا يحاكم به نفسه، أما الثاني فيجعل الفكر محاميًا يتولى الدفاع عن اختياراته. ولذلك لا تكمن خطورته في جهله، بل في ثقافته؛ لأنه يعرف من النصوص ما يكفي ليمنح انحرافه مظهرًا من العمق الفكري.

ومن هذا المنظور، لا يعود مستطاع الطعزي وآبي لوكاس مجرد شخصيتين متوازيتين، بل صورتين مختلفتين للبنية نفسها. فمستطاع لا يخدع الناس بالخرافة وحدها، بل بمعرفته الدقيقة بآليات الاعتقاد، فيستخدم فهمه للنفس البشرية ليمنح الوهم قوة الحقيقة. أما آبي فلا يلجأ إلى السحر ولا إلى الأسطورة، وإنما إلى الفلسفة ذاتها، فيعيد ترتيب الحجج الأخلاقية حتى تبدو الجريمة فعلًا عقلانيًا. يختلفان في الوسيلة، لكنهما يلتقيان في الجوهر: كلاهما يستخدم المعرفة لا لاكتشاف الحقيقة، بل لتبرير قرار سبق أن اتخذه.

وهذا هو الإرث الحقيقي للسوفسطائية في العصر الحديث. فالسوفسطائي لم يعد يقف في ساحة أثينا ليعلّم فن الإقناع، بل قد يقف اليوم في مدرج جامعي، أو يكتب مقالًا، أو يظهر في شاشة تلفزيونية، أو يتحدث بلغة النقد والتنوير. إن الخطر لم يعد في الخطابة، بل في القدرة على إضفاء الشرعية الفكرية على الرغبات والمصالح والأهواء. ولهذا فإن المتفلسف المنحرف الحديث أخطر من السوفسطائي القديم؛ لأن أدواته أكثر دقة، ومعرفته أوسع، وقدرته على إخفاء دوافعه أشد إحكامًا.

غير أن هذا كله لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إدانة للفلسفة، بل دفاعًا عنها. فالفلسفة لا تنتج المتفلسفين، كما أن الطب لا ينتج المزورين، والقانون لا ينتج الظالمين. وإنما تكشف هذه النماذج أن المعرفة، مهما بلغت من العمق، لا تغني عن النزاهة الأخلاقية. فحين تنفصل الفلسفة عن الحياة، تتحول إلى مهارة عقلية يمكن استخدامها في الاتجاهين معًا: في تحرير الإنسان، أو في تبرير سقوطه.

ولعل هذه هي المفارقة التي تكشفها الشخصيتان معًا. فكلاهما يبدأ حياته مؤمنًا بأن الفكر قادر على تغيير العالم، وينتهي إلى استخدام الفكر من أجل تغيير صورة نفسه أمام ضميره. وما كان وسيلةً لتحرير الذات أصبح وسيلةً لخداعها، وما كان طريقًا إلى الحقيقة تحول إلى تقنية لإنتاج الوهم. وهنا لا يموت الفيلسوف، بل يولد المتفلسف؛ ذلك الإنسان الذي يحتفظ بكل لغة الحكمة، بعد أن يفقد حكمة الحياة نفسها.

خاتمة

تكشف رحلة مستطاع وآبي أن أخطر ما يصيب الفلسفة ليس جهل الناس بها، ولا عداء السلطة، بل أن تتحول من أسلوب حياة إلى لغة تبرير. حين ينفصل الفكر عن الوجود، لا يبقى من الفلسفة سوى مفرداتها، بينما تتسلل إليها الرغبة في السلطة أو المال أو المجد، متخفية في هيئة مفاهيم تبدو عقلانية.

كما يمكننا في الأخير ان نصل إلى تعريف دقيق لـ"المتفلسف المنحرف ": إنه شخص يستخدم الفلسفة لخداع نفسه أولاً قبل أن يخدع الآخرين وإذا كان مستطاع الطعزي في 'البيضة والحجر' يتحول إلى دجال يبيع الوهم للفقراء، فإن آبي لوكاس في Irrational Man يقدم نموذجاً أكثر تعقيداً: إنه المتفلسف الذي يبيع الوهم لنفسه أولاً. يصفه أحد النقاد بأنه 'ليس صوت الفلسفة' في الفيلم، بل هو 'المظهر' الذي يتناقض مع 'الحقيقة'. إنه يُدرّس كانط لكنه يقتل. يتحدث عن الأخلاق لكنه يبرر الجريمة. يستخدم لغة الفلسفة ('القاضي رجل سيء، العالم سيكون أفضل بدونه')، لكن دوافعه الحقيقية، كما يلاحظ ناقد آخر، عاطفية تماماً: الرغبة في استعادة الفحولة والشعور بالقوة. وكما أن مستطاع واجه 'صديق الحكمة' الذي ظل وفياً للمبادئ، يواجه آبي تلميذته جيل التي تختار 'المعرفة على الخيال'، وتشعر بالاشمئزاز حين تكتشف حقيقة أستاذها. في كلا الفيلمين، هناك شخصية تمثل صوت الفلسفة الحقيقي، الذي يرفض الانحراف ويحكم على المتفلسف."

ان المأساة الحقيقية لا تكون عندما يختفي الفلاسفة من جامعاتنا، بل تبدأ عندما يبقى أساتذة الفلسفة فيها بعد أن تغادرهم الفلسفة. فالحكمة لا تموت يوم تُحذف من المناهج، وإنما تموت يوم تتحول إلى خطاب يبرر ما كان ينبغي أن يدينه. ولذلك يبقى السؤال الذي يتركه لنا مستطاع وآبي معًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف نحمي الفلسفة... من المتفلسفين؟

***

عمرون علي

بين التحولات الاجتماعية ورهانات التنمية.. قراءة سوسيولوجية في مجتمع يتطلع إلى المستقبل

على سبيل الافتتاح: تعتبر ظاهرة الهجرة غير النظامية من أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدا في عالم اليوم، بالنظر إلى ارتباطها بمجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعرفها المجتمعات المعاصرة. فلم تعد الهجرة مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل أصبحت تعبيرا عن تداخل عوامل متعددة تتعلق بطموحات الأفراد، وتصوراتهم حول المستقبل، وتأثير التحولات العالمية في أنماط التفكير والعيش.

وقد شكلت الهجرة غير النظامية موضوعا مركزيا في الدراسات السوسيولوجية والقانونية الحديثة، باعتبارها ظاهرة تتجاوز بعدها القانوني المرتبط بمخالفة أنظمة الدخول والإقامة، لتصبح قضية اجتماعية وإنسانية وتنموية ترتبط بمسائل الإدماج والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. ولذلك فإن فهمها يقتضي تجاوز القراءات الاختزالية التي تفسرها بعامل واحد، والانفتاح على تحليل مركب يراعي مختلف السياقات المنتجة لها.

وفي السياق المغربي، تكتسي هذه الظاهرة خصوصية مرتبطة بالتحولات العميقة التي عرفتها المملكة خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل المغرب من مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار إلى مرحلة جديدة عنوانها تسريع التنمية، وتعزيز البنيات الاقتصادية والاجتماعية، والانفتاح على رهانات التكنولوجيا والاستثمار والابتكار. فقد شهد المغرب أوراشا كبرى مست مختلف المجالات، من البنيات التحتية إلى تعميم الحماية الاجتماعية، ومن إصلاح المنظومة الصحية إلى تطوير التعليم والتكوين، إضافة إلى مشاريع تنموية كبرى تهدف إلى تقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إن المغرب اليوم ليس هو مغرب العقود السابقة؛ فهو بلد يعرف دينامية اقتصادية ومؤسساتية متواصلة، ويقدم نموذجا يقوم على الاستقرار السياسي، والتماسك الاجتماعي، والانخراط في مسار تنموي يجعل الإنسان محورا أساسيا للسياسات العمومية. ومن هنا فإن قراءة بعض مظاهر الهجرة غير النظامية ينبغي أن تتم ضمن هذا السياق المتحول، بعيدا عن الصور النمطية أو الخطابات التي تختزل المجتمع المغربي في مشاهد محدودة ومعزولة.

لقد أثارت بعض الأحداث المرتبطة بمحاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة نقاشا واسعا داخل المجتمع المغربي، باعتبارها ظاهرة تحمل أبعادا اجتماعية وأمنية وإنسانية. غير أن المقاربة العلمية تقتضي التعامل معها بمنطق التحليل الهادئ، وعدم تحويلها إلى مدخل لزرع الإحباط أو التشكيك في مسار وطن بأكمله. فالمجتمعات، مهما بلغت درجة تقدمها، تعرف دائما مظاهر اجتماعية تحتاج إلى معالجة، كما أن بعض القضايا قد تتحول أحيانا إلى مجال للاستغلال من طرف جهات تسعى إلى خلق التوتر أو المساس بصورة الاستقرار الوطني.

إن قوة المغرب لا تكمن في غياب التحديات، وإنما في قدرته على مواجهتها عبر مؤسسات الدولة، والحوار المجتمعي، والسياسات العمومية، وروح المواطنة التي تميز المغاربة في ارتباطهم بتاريخهم وهويتهم ومؤسساتهم الدستورية. فالعلاقة بين المواطن ووطنه ليست علاقة ظرفية، بل هي علاقة تاريخية وحضارية تقوم على الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.

وفي هذا الإطار، فإن المغاربة الذين يكنون مشاعر الوفاء لبلدهم ولملكهم محمد السادس يدركون أن بناء المستقبل مسؤولية جماعية، وأن مواجهة التحديات الاجتماعية لا تكون بنشر اليأس، وإنما بتعزيز الثقة في الوطن، ودعم مسار التنمية، والانخراط الإيجابي في بناء مغرب أكثر عدلا وازدهارا.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الهجرة غير النظامية لا يمكن فهمها فقط باعتبارها خرقا للقانون، بل باعتبارها ظاهرة اجتماعية مركبة تحتاج إلى تحليل موضوعي يوازن بين الاعتراف بالتحديات القائمة، واستحضار التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب في مساره التنموي.

الإشكالية المركزية للدراسة:

تنبني هذه الدراسة على إشكالية رئيسية مفادها، كيف يمكن فهم ظاهرة الهجرة غير النظامية في المغرب في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى التي يعرفها المجتمع المغربي؟ وهل تعكس هذه الظاهرة أزمة بنيوية في مسار التنمية، أم أنها تعبير عن تحولات اجتماعية عالمية مرتبطة بتغير تطلعات الأفراد وصورهم المتخيلة عن المستقبل؟

إن مقاربة هذه الإشكالية تستدعي تجاوز النظرة الأحادية التي تختزل الهجرة غير النظامية في الفقر أو البطالة فقط، لأن الظواهر الاجتماعية الكبرى لا تنتجها علة واحدة، بل تتشكل داخل شبكة معقدة من العوامل المتداخلة، تشمل التحولات الديموغرافية، وتغير أنماط الاستهلاك، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتحول صورة النجاح الاجتماعي، إضافة إلى انتشار تمثلات جديدة حول الهجرة باعتبارها طريقا سريعا لتحقيق الارتقاء الاقتصادي والاجتماعي.

لقد أصبح العالم المعاصر فضاء مفتوحا لتداول الصور والمعلومات والتجارب، وهو ما جعل الفوارق بين المجتمعات أكثر حضورا في الوعي الجماعي للأفراد، خاصة لدى فئة الشباب. فالشاب اليوم لا يقارن واقعه فقط بواقع محيطه المباشر، بل يقارنه أيضا بصور نمطية عن مجتمعات أخرى تقدمها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. ومن هنا تتحول الهجرة، في بعض الحالات، من قرار اقتصادي عقلاني إلى حلم اجتماعي ورمزي يحمل وعودا بالخلاص وتحقيق الذات.

غير أن التحليل السوسيولوجي الرصين يقتضي التمييز بين وجود بعض الاختلالات الاجتماعية التي تعرفها كل المجتمعات وبين اختزال مجتمع بأكمله في هذه الاختلالات. فالمغرب، شأنه شأن مختلف الدول الصاعدة، يعيش مرحلة انتقالية تعرف في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالتنمية وانتظارات اجتماعية متزايدة، إلى جانب دينامية إصلاحية ومشاريع استراتيجية تهدف إلى بناء نموذج تنموي أكثر شمولا.

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والمعرفية، واعل من أبرزها ما يأتي:

 تحليل الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة اجتماعية مركبة، تتجاوز بعدها القانوني لتلامس قضايا الهوية والانتماء والانتظارات الفردية والجماعية تجاه المستقبل.

 الكشف عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بتغير البنية الاجتماعية، وصعود تطلعات جديدة لدى الشباب، وتأثير العولمة في أنماط التفكير والاختيارات الفردية.

 إبراز العلاقة بين التنمية والهجرة، من خلال دراسة أثر السياسات العمومية والمشاريع التنموية في تحسين شروط العيش، وتقليص الفوارق، وخلق فرص جديدة للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

 تفكيك بعض الخطابات الاختزالية التي تقدم الهجرة غير النظامية باعتبارها دليلا على فشل شامل، وإعادة وضع الظاهرة ضمن سياقها الوطني والدولي المعقد.

التأكيد على أن بناء المستقبل الوطني لا يتحقق فقط عبر المؤسسات، بل يحتاج كذلك إلى وعي مجتمعي يوازن بين نقد الإشكالات القائمة والاعتزاز بالمكتسبات المحققة.

أهمية الدراسة:

تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول موضوعا يقع عند تقاطع مجموعة من الحقول المعرفية، علم الاجتماع، والدراسات التنموية، والعلوم السياسية، ودراسات الشباب والتحولات الثقافية.

فالهجرة غير النظامية لم تعد مجرد قضية حدودية أو أمنية، بل أصبحت مؤشرا على طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، وعلى كيفية تشكل انتظارات الأجيال الجديدة داخل عالم سريع التحول.

كما تكتسي الدراسة أهمية خاصة في السياق المغربي الراهن، بالنظر إلى التحولات العميقة التي يعرفها المغرب على مستويات متعددة. فقد انتقلت المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة جديدة من البناء التنموي، تقوم على تعزيز البنية التحتية، وتطوير الاقتصاد الوطني، وتشجيع الاستثمار، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وإعادة التفكير في علاقة الدولة بالمجال والمواطن.

إن هذه التحولات لا تعني غياب التحديات، لأن التنمية مسار مستمر وليس لحظة مكتملة، لكنها تؤكد أن المجتمع المغربي يعيش مرحلة إعادة تشكيل لمقوماته الاقتصادية والاجتماعية، وأن معالجة الظواهر الاجتماعية لا تتم بمنطق التشاؤم أو الإنكار، وإنما عبر قراءة واقعية تجمع بين تشخيص الإكراهات وتثمين المنجزات.

الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة اجتماعية في زمن التحولات الكبرى: تؤكد المقاربات السوسيولوجية الحديثة أن الهجرة ليست مجرد حركة انتقال للأفراد عبر الحدود، بل هي ظاهرة تكشف عن طبيعة العلاقة بين الإنسان والمجال والزمن والمستقبل. فالمهاجر لا يغادر مكانه فقط بسبب ظروف مادية، وإنما يحمل معه تصورا معينا عن الحياة الأفضل، وعن المكان الذي يعتقد أنه قادر على تحقيق طموحاته داخله.

ومن هذا المنظور، تصبح الهجرة غير النظامية جزءا من ظاهرة أوسع يمكن تسميتها " بـهجرة التطلعات " ، حيث لا يرتبط القرار دائما بالحرمان المطلق، بل أحيانا بالفجوة بين ما يطمح إليه الفرد وما يعتقد أنه متاح له في بيئته الحالية.

وقد ساهمت التحولات الرقمية في إعادة تشكيل الوعي بالهجرة، إذ أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تقدم صورا منتقاة عن الحياة في الخارج، مما يخلق أحيانا تمثلات غير واقعية حول المجتمعات المستقبلة. فالفرد قد يرى مظاهر الرفاه والاستهلاك، لكنه لا يرى بالضرورة الصعوبات المرتبطة بالاندماج، أو شروط العمل، أو التحديات الثقافية والنفسية التي تواجه العديد من المهاجرين.

ومن هنا فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حماية الحدود وتنظيم المجال، بل تحتاج كذلك إلى مقاربة اجتماعية وثقافية وتربوية تعمل على بناء الثقة، وتعزيز الوعي بالفرص المتاحة، وربط الشباب بمشاريع التنمية داخل وطنهم.

 المغرب والتحول من منطق بناء المؤسسات إلى رهانات التنمية الاجتماعية والاقتصادية:

إن فهم ظاهرة الهجرة غير النظامية في السياق المغربي يقتضي وضعها داخل إطار تاريخي وتحليلي أوسع، لأن المغرب خلال العقود الأخيرة لم يعرف مجرد تغيرات جزئية أو إصلاحات قطاعية محدودة، بل عاش مسارا عميقا من التحول المؤسساتي والاجتماعي والاقتصادي أعاد تشكيل موقع الدولة وعلاقتها بالمجتمع.

فالمغرب المعاصر هو ثمرة مسار طويل من بناء الدولة وترسيخ مقومات الاستقرار المؤسساتي، حيث انتقلت المملكة المغربية تدريجيا من مرحلة تثبيت أسس الدولة الحديثة بعد الاستقلال إلى مرحلة جديدة تقوم على تعزيز التنمية الشاملة، وتطوير البنيات الاقتصادية والاجتماعية، والانفتاح على التحولات العالمية.

وقد شكلت بداية العهد الجديد محطة مفصلية في هذا المسار، إذ تم اعتماد رؤية تنموية تقوم على جعل الإنسان في صلب السياسات العمومية، والانتقال من مقاربة تقوم فقط على تدبير الحاجات الأساسية إلى مقاربة استراتيجية تستهدف تحسين جودة الحياة، وتقوية العدالة الاجتماعية، وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني.

إن التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن التنمية ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يشمل مختلف مجالات الحياة. فقد شهدت المملكة أوراشا كبرى همت تحديث البنيات التحتية، وتوسيع شبكة الطرق والموانئ والمطارات، وتعزيز مكانتها كقطب اقتصادي إقليمي، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالطاقات المتجددة والصناعة والتكنولوجيا والرقمنة.

كما شكل ورش تعميم الحماية الاجتماعية محطة تاريخية في إعادة تعريف علاقة الدولة بالمواطن، باعتباره انتقالا نحو نموذج اجتماعي أكثر شمولا، يهدف إلى تقليص مظاهر الهشاشة وتوسيع الاستفادة من الخدمات الأساسية. فالدولة الاجتماعية لا تعني فقط تقديم الدعم، وإنما بناء منظومة متكاملة تضمن الكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص.

غير أن القراءة السوسيولوجية لهذه التحولات تفرض الاعتراف بأن التنمية، مهما بلغت سرعتها، لا تلغي بشكل فوري جميع التفاوتات أو الانتظارات الاجتماعية. فكل مجتمع يعيش مرحلة انتقالية يعرف بالضرورة وجود فجوة بين التحولات المؤسساتية الكبرى وبين الإحساس اليومي لبعض الفئات الاجتماعية بثمار هذه التحولات.

وهنا تكمن أهمية التحليل العلمي للهجرة غير النظامية؛ إذ لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حكمًا نهائيا على تجربة تنموية بأكملها، بل باعتبارها مؤشرا اجتماعيا يكشف عن استمرار وجود انتظارات جديدة لدى فئات معينة، خصوصا الشباب الذين أصبحوا يعيشون في عالم مفتوح تتسارع فيه المقارنات وتتغير فيه معايير النجاح الاجتماعي.

فالشباب المغربي اليوم لا يواجه فقط تحديات مرتبطة بسوق الشغل أو التكوين، بل يواجه كذلك تحولات ثقافية عميقة غيرت علاقته بالزمن والمستقبل. فقد أصبح المستقبل بالنسبة إلى جزء من الشباب مجالا للتوقع والبحث عن فرص أفضل، وهو أمر تشترك فيه مجتمعات عديدة تعرف مستويات مختلفة من التنمية.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الهجرة غير النظامية لا تكون بإنكار التحديات الاجتماعية، كما لا تكون بتقديم صورة قاتمة عن الواقع الوطني، وإنما عبر بناء رؤية متوازنة تعترف بما يحتاج إلى إصلاح، وتثمن في الوقت ذاته ما تحقق من مكتسبات.

إن قوة التجربة المغربية تكمن في قدرتها على الجمع بين الاستمرارية والتجديد؛ فالدولة التي استطاعت الحفاظ على استقرارها المؤسساتي والاجتماعي في محيط إقليمي ودولي مليء بالتحديات، هي دولة تمتلك رصيدا استراتيجيا يسمح لها بمواصلة مسار الإصلاح والتنمية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء التنمية. فالمجتمعات لا تتقدم فقط بما تملكه من موارد مادية، وإنما بما تمتلكه من رأسمال رمزي واجتماعي يتمثل في الثقة والانتماء والشعور بالمشاركة في مشروع جماعي للمستقبل.

ومن هنا يمكن القول إن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في الحد من الهجرة غير النظامية، بل في بناء مجتمع يجعل الشباب يرى إمكانات المستقبل داخل وطنه، ويعتبر التنمية مشروعا جماعيًا يمكنه أن يكون جزءا فاعلا فيه.

 الشباب المغربي بين طموح المستقبل وضغط التحولات العالمية:

يشكل الشباب محورا أساسيا في فهم ظاهرة الهجرة غير النظامية، ليس فقط باعتبارهم الفئة الأكثر حضورا في هذه الظاهرة، وإنما باعتبارهم أيضا الفئة الاجتماعية الأكثر تأثرا بالتحولات الكبرى التي يعرفها العالم المعاصر. فالشباب اليوم يعيشون في فضاء مفتوح تتداخل فيه المحلي بالعالمي، وتتغير فيه بسرعة تصورات النجاح والاندماج وتحقيق الذات.

إن الشاب المغربي، مثل غيره من شباب العالم، لم يعد يعيش داخل حدود مجاله الجغرافي فقط، بل أصبح جزءا من مجتمع عالمي تتدفق داخله الصور والأفكار والتجارب عبر وسائل الاتصال الحديثة. فقد ساهمت الثورة الرقمية في تغيير علاقة الإنسان بالمكان، وأصبح الفرد قادرا على مقارنة واقعه اليومي بصور متعددة عن أنماط الحياة في مجتمعات أخرى.

ومن هنا ظهرت ظاهرة يمكن تسميتها "بهجرة التطلعات"، حيث لا يكون الدافع إلى الهجرة مرتبطا دائما بالفقر أو الحرمان المباشر، بل قد يكون نتيجة فجوة رمزية بين ما يعيشه الفرد وما يتخيله ممكنا في مكان آخر. فبعض الشباب لا يهاجرون فقط بحثا عن العمل، وإنما بحثا عن الاعتراف الاجتماعي، وعن تحقيق صورة معينة للنجاح أصبحت مرتبطة في المخيال الجماعي بالوصول إلى الضفة الأخرى.

غير أن هذه التطلعات لا تنشأ في فراغ، بل تتأثر بسياق عالمي يعرف تحولات عميقة. فالعولمة الاقتصادية والثقافية جعلت الحدود بين المجتمعات أكثر انفتاحا على مستوى التمثلات، لكنها في الوقت نفسه عمقت الإحساس بالفوارق بين مناطق العالم. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: فالعالم أصبح أكثر اتصالا، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر عدالة في توزيع الفرص.

ومن منظور سوسيولوجي، فإن الهجرة غير النظامية تعكس أحيانا أزمة في تمثّل المستقبل أكثر مما تعكس أزمة في الواقع المادي فقط. فحين يفقد الشاب الثقة في إمكانية تحقيق طموحه داخل محيطه، تصبح الهجرة في وعيه خيارا رمزيا لاستعادة الأمل، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر.

ولهذا فإن معالجة هذه الظاهرة تقتضي بناء سياسات عمومية لا تركز فقط على توفير فرص الشغل، رغم أهمية ذلك، بل تعمل كذلك على بناء ثقافة الثقة، وإبراز قصص النجاح داخل الوطن، وتعزيز الإحساس بأن المشاركة في التنمية الوطنية يمكن أن تكون طريقا لتحقيق الذات.

لقد أدرك المغرب أهمية هذا الرهان، لذلك أصبح الاستثمار في الشباب أحد المحاور الأساسية في السياسات العمومية، سواء عبر تطوير منظومة التكوين، وتشجيع ريادة الأعمال، ودعم المبادرات الفردية والجماعية، أو عبر خلق فضاءات جديدة للإبداع والابتكار.

فالرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في منع الشباب من الهجرة، وإنما في جعل الوطن فضاء قادرا على احتضان طموحاتهم. فالمواطنة في معناها العميق ليست مجرد علاقة قانونية بين الفرد والدولة، بل هي أيضا شعور بالانتماء والمشاركة والإيمان بأن المستقبل المشترك قابل للبناء.

الهجرة غير النظامية بين الواقع الاجتماعي ومحاولات توظيف الظاهرة:

إن بعض الأحداث المرتبطة بمحاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة كشفت عن تعقيد الظاهرة، لأنها لم تعد مجرد حالات فردية متفرقة، بل أصبحت في بعض الأحيان مشاهد جماعية تحمل أبعادا اجتماعية ونفسية وإعلامية متعددة.

فالتحليل العلمي لهذه الأحداث يفرض الابتعاد عن القراءات الانفعالية أو الاختزالية، لأن الظواهر الاجتماعية الكبرى لا يمكن تفسيرها من زاوية واحدة. فهناك البعد الاقتصادي المرتبط بالبحث عن فرص أفضل، وهناك البعد النفسي المرتبط بصورة المستقبل، وهناك كذلك البعد الإعلامي الذي قد يضخم بعض المشاهد ويحولها إلى رموز تتجاوز حجمها الواقعي.

ومن المهم هنا التأكيد على أن معالجة هذه الأحداث لا ينبغي أن تتحول إلى تشويه لصورة المجتمع المغربي أو تقديمه باعتباره مجتمعا يعيش انسدادا شاملا. فكل المجتمعات، بما فيها الأكثر تقدما، تعرف ظواهر اجتماعية معقدة مرتبطة بالهجرة أو البطالة أو التفاوتات، والفرق يكمن في قدرة المؤسسات على التعامل معها ضمن رؤية إصلاحية.

إن المغرب، باعتباره بلدا عرف تاريخيا تداخلا بين الهجرة والاستقرار والتحولات الاجتماعية، يتعامل مع هذه القضايا داخل إطار مؤسساتي يجمع بين حماية الحدود، واحترام البعد الإنساني، ومعالجة الأسباب الاجتماعية العميقة.

كما أن بعض الظواهر قد تصبح أحيانا مجالا للاستغلال الإعلامي أو السياسي من طرف جهات تسعى إلى تقديم صورة سلبية عن بلد يعرف في الواقع مسارا تنمويا متواصلا. لذلك فإن القراءة المتوازنة تقتضي التمييز بين نقد ظاهرة اجتماعية معينة وبين الحكم على وطن بأكمله من خلال مشهد جزئي.

إن المغرب لا ينكر وجود تحديات اجتماعية، بل يجعل من الاعتراف بها مدخلا للإصلاح، غير أن الاعتراف بالتحديات لا يعني تجاهل المنجزات، كما أن النقد البناء لا يتعارض مع الاعتزاز بالمكتسبات الوطنية.

الاستقرار الوطني والهوية الجماعية كرأسمال اجتماعي في بناء المستقبل المغربي:

يرى علم الاجتماع السياسي أن استقرار الدول لا يقوم فقط على قوة مؤسساتها أو على حجم مواردها الاقتصادية، وإنما يرتكز كذلك على ما يسمى بالرأسمال الاجتماعي، أي ذلك الرصيد المتراكم من الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، والإحساس بالانتماء، والالتفاف حول الثوابت الجامعة، بما يجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحولات.

وفي الحالة المغربية، يكتسب هذا الرأسمال الاجتماعي خصوصية تاريخية وحضارية، إذ تشكلت الدولة المغربية عبر قرون من الاستمرارية المؤسساتية، واستطاعت أن تحافظ على تماسكها رغم التحولات الإقليمية والدولية التي عرفتها المنطقة. وقد أسهم هذا الامتداد التاريخي في ترسيخ شعور جماعي بالانتماء، يقوم على وحدة الأرض والهوية، وعلى ارتباط المغاربة بمؤسساتهم الوطنية ورموزهم الجامعة.

ولا يعني هذا الطرح أن المجتمع المغربي يخلو من التحديات أو من مظاهر التفاوت الاجتماعي، فذلك أمر تعرفه جميع المجتمعات. غير أن ما يميز التجارب الناجحة هو قدرتها على تدبير هذه التحديات داخل إطار مؤسساتي يحافظ على الاستقرار ويضمن استمرارية الإصلاح.

ومن هذا المنطلق، فإن الاستقرار ليس حالة جامدة أو شعارا سياسيا، بل هو شرط بنيوي لأي مشروع تنموي. فلا استثمار دون أمن، ولا تنمية دون مؤسسات مستقرة، ولا عدالة اجتماعية دون دولة قادرة على التخطيط وتنفيذ السياسات العمومية ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

وقد برهنت التجربة المغربية، خلال العقود الأخيرة، على أن الإصلاح التدريجي في ظل الاستقرار يمكن أن يحقق نتائج مهمة في مجالات متعددة، من تحديث البنيات التحتية، إلى تعزيز الحماية الاجتماعية، وجذب الاستثمارات، والانفتاح على الصناعات الجديدة، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي. وهي أوراش تعكس إرادة متواصلة لبناء نموذج تنموي أكثر قدرة على الاستجابة لانتظارات المجتمع.

وفي هذا السياق، تبرز المؤسسة الملكية باعتبارها أحد العناصر المركزية في ضمان استمرارية الدولة ووحدة مؤسساتها. فمن منظور علم الاجتماع السياسي، تؤدي المؤسسات الدستورية الجامعة دورا في تحقيق التوازن بين الاستقرار والإصلاح، وفي تأطير التحولات الكبرى ضمن رؤية بعيدة المدى. وقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة إطلاق مبادرات وإصلاحات هيكلية في مجالات التنمية الاقتصادية، والحماية الاجتماعية، وتحديث الإدارة، وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية للمملكة، في إطار هذا المسار المؤسساتي.

ومن ثم، فإن تعزيز الثقة في المؤسسات لا يتعارض مع النقد المسؤول، بل إن المجتمعات الديمقراطية تجعل من النقد الموضوعي أداة لتطوير السياسات العمومية وتحسين الأداء، بعيدا عن خطابات التهويل أو التشكيك الشامل التي قد تضعف الثقة المجتمعية دون أن تقدم بدائل واقعية.

إن الدفاع عن الاستقرار الوطني، في هذا الإطار، لا يعني إنكار الصعوبات أو التقليل من شأنها، وإنما يعني الوعي بأن الإصلاح الحقيقي يتم من داخل المجتمع ومؤسساته، وبمشاركة مختلف الفاعلين، في إطار احترام القانون والحوار والمسؤولية المشتركة.

ولذلك، فإن مواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية تقتضي ترسيخ ثقافة المواطنة الإيجابية، وتعزيز الثقة في المستقبل، وربط الأجيال الصاعدة بمشاريع التنمية الوطنية، حتى يصبح النجاح داخل الوطن خيارا واقعيا وجاذبا، لا مجرد أمنية مؤجلة.

إن المجتمع الذي يحافظ على وحدته، ويستثمر في شبابه، ويواصل إصلاح مؤسساته، هو مجتمع يمتلك من المقومات ما يؤهله لتحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى دوافع جديدة لمراكمة الإنجازات.

نحو مقاربة وطنية متكاملة لمعالجة الهجرة غير النظامية:

إن تحليل الهجرة غير النظامية من منظور سوسيولوجي يقود إلى نتيجة أساسية مفادها أن هذه الظاهرة لا يمكن أن تعالج بحلول أحادية الجانب. فالمقاربة الأمنية، على أهميتها في حماية الحدود ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، تظل غير كافية إذا لم تدعم بسياسات تنموية وتربوية وثقافية تعالج العوامل المنتجة للهجرة من جذورها.

وتقتضي هذه المقاربة المتكاملة تعزيز الاستثمار في التعليم والتكوين، وربطهما بحاجيات الاقتصاد الوطني، وتوسيع فرص الإدماج المهني، ودعم ريادة الأعمال، وتقوية التنمية المجالية بما يحد من الفوارق بين المجالات الترابية. كما تستدعي بناء خطاب إعلامي مسؤول يقدم للشباب صورة واقعية ومتوازنة عن الهجرة، بعيدا عن المثالية المفرطة أو التهويل.

وفي المقابل، فإن ترسيخ ثقافة المواطنة يظل ركيزة أساسية في مواجهة هذه الظاهرة، لأن الشعور بالانتماء لا ينفصل عن الإحساس بوجود أفق مشترك للمستقبل. وكلما شعر المواطن بأنه شريك في بناء وطنه، ازدادت قدرته على تحويل التحديات إلى فرص، والمساهمة في تحقيق التنمية.

ومن هنا، فإن مستقبل المغرب لا يبنى فقط بالمشاريع الاقتصادية الكبرى، وإنما أيضا ببناء الإنسان، وتعزيز الثقة، وترسيخ قيم المسؤولية والتضامن والانتماء. فهذه القيم هي التي تمنح التنمية بعدها الإنساني، وتجعلها مشروعا مجتمعيا تتكامل فيه أدوار الدولة والمؤسسات والمجتمع المدني والمواطنين.

وبذلك، فإن الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية لمسار تنموي، وإنما باعتبارها تحديا من بين تحديات عديدة تواجه المجتمعات المعاصرة، وتستوجب مزيدا من الإصلاح والعمل الجماعي، في أفق بناء مغرب أكثر عدالة وازدهارا وتماسكا.

على سبيل الختام:

تكشف هذه الدراسة أن الهجرة غير النظامية ليست ظاهرة يمكن تفسيرها بعامل واحد أو اختزالها في مؤشرات اقتصادية ظرفية، بل هي ظاهرة اجتماعية مركبة تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والثقافية والنفسية والسياسية، وتتفاعل داخلها التحولات المحلية مع المتغيرات العالمية. ومن ثم، فإن أي مقاربة علمية رصينة تقتضي تجاوز التفسيرات التبسيطية، والانتقال إلى قراءة سوسيولوجية تستحضر تعقيد المجتمع المعاصر وتعدد محددات السلوك الإنساني.

وقد بين التحليل أن المغرب يعيش، منذ سنوات، دينامية إصلاحية متواصلة، انتقل معها من مرحلة ترسيخ أسس الدولة الحديثة إلى مرحلة بناء نموذج تنموي جديد يقوم على الاستثمار في الإنسان، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتطوير البنية الاقتصادية، والانفتاح على الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية. وهي تحولات لا يمكن إنكار أثرها في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية للمملكة، حتى وإن ظلت بعض التحديات قائمة، باعتبارها جزءا من طبيعة التحولات التي تعرفها المجتمعات في مراحل الانتقال.

كما أبرزت الدراسة أن بعض مشاهد الهجرة غير النظامية، بما فيها المحاولات الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة، لا ينبغي أن تتحول إلى معيار للحكم على المجتمع المغربي أو إلى أداة لإنتاج صورة نمطية تختزل وطنا بأكمله في حادثة أو مشهد عابر. فالمنهج العلمي يقتضي التمييز بين الظاهرة بوصفها موضوعا للدراسة، وبين توظيفها في بناء استنتاجات عامة تفتقر إلى الموضوعية والتوازن.

وفي هذا السياق، فإن حماية الاستقرار الوطني تظل مسؤولية جماعية، لأن الاستقرار ليس نقيضا للإصلاح، بل هو شرط من شروطه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء مستقبلها هي تلك التي تمتلك مؤسسات قوية، وثقة مجتمعية متبادلة، وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للتطوير والتجديد.

لقد أثبتت التجربة المغربية أن الإصلاح التدريجي، القائم على استمرارية الدولة وتماسك مؤسساتها، مكن المملكة من الحفاظ على أمنها واستقرارها في محيط إقليمي مضطرب، ومن إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى عززت مكانتها القارية والدولية، ورسخت حضورها بوصفها شريكا موثوقا في مجالات التنمية والاستثمار والتعاون جنوب-جنوب.

وفي هذا الإطار، تبرز القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بوصفها عنصرا محوريا في توجيه هذا المسار الإصلاحي، من خلال رؤية استراتيجية جعلت من التنمية البشرية، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وترسيخ المكانة الإقليمية والدولية للمغرب، مرتكزات أساسية لبناء المستقبل. ومن ثم، فإن الالتفاف حول الثوابت الوطنية، وصيانة وحدة الوطن، والإيمان بالمؤسسات الدستورية، يشكل ركيزة أساسية لمواصلة هذا المسار، ومواجهة مختلف التحديات بروح المسؤولية والوعي الوطني.

إن المغرب اليوم لا يقاس فقط بما يواجهه من إكراهات، وإنما بما راكمه من منجزات، وبما يمتلكه من قدرة على الإصلاح والتكيف مع التحولات الدولية، وبما يتيحه لشبابه من آفاق جديدة في مجالات الاستثمار والابتكار والتعليم والتكوين. ولذلك، فإن بناء المستقبل لا يكون بالانسياق وراء خطابات الإحباط أو الصور المختزلة، وإنما بالمشاركة الفاعلة في المشروع الوطني، والإيمان بأن التنمية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

وعليه، فإن الهجرة غير النظامية ينبغي أن تفهم باعتبارها تحديا اجتماعيا وتنمويا يستوجب مزيدا من السياسات العمومية المندمجة، لا باعتبارها عنوانا لفشل التجربة المغربية. فالمجتمعات الحية لا تقاس بخلوها من المشكلات، وإنما بقدرتها على إدارتها، وتصحيح اختلالاتها، ومواصلة مسارها نحو مزيد من التقدم والاستقرار.

توصيات الدراسة:

تأسيسا على ما سبق، تقترح الدراسة جملة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تعزيز المقاربة الوطنية لمعالجة الهجرة غير النظامية، ولعل من أهمها ما يلي:

اعتماد مقاربة سوسيولوجية متعددة الأبعاد في دراسة الهجرة غير النظامية، تتجاوز التفسيرات الاقتصادية الضيقة، وتدمج الأبعاد الثقافية والنفسية والرمزية المؤثرة في قرارات الهجرة.

مواصلة تعزيز النموذج التنموي المغربي، عبر تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع فرص الإدماج المهني للشباب، وتقليص الفوارق المجالية.

تطوير السياسات العمومية الموجهة للشباب، بما يعزز روح المبادرة والابتكار وريادة الأعمال، ويربط التكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني.

ترسيخ ثقافة المواطنة والانتماء داخل المؤسسات التربوية والجامعية والإعلامية، بما يعزز الثقة في الوطن ومؤسساته، ويجعل المشاركة في التنمية خيارا استراتيجيا للأجيال الصاعدة.

دعم الإعلام المسؤول القائم على التحليل الرصين، والابتعاد عن الخطابات التي تضخم الأحداث المعزولة أو توظفها للإساءة إلى صورة المغرب أو التشكيك في مساره التنموي.

مواصلة تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال تدبير الهجرة، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، مع احترام البعد الإنساني وحقوق المهاجرين وفق المواثيق الدولية.

تشجيع البحث العلمي في قضايا الهجرة والتحولات الاجتماعية، وإحداث مراكز رصد ودراسات متخصصة تواكب تطور الظاهرة وتقترح سياسات مبنية على المعطيات العلمية.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

 

جينالوجيا المعنى.. من المرجعية المفارقة إلى العقل التجريبي

ينطلق الفهم العميق لأزمة المعنى المعاصرة من تفكيك جذورها الأولى والوقوف عند النقطة التي وُلدت فيها الحاجة إلى المعنى أصلاً، إذ يواجه العقل البشري بطبيعته عبئاً هائلاً يتمثل في الوعي بالعدم ومحدودية الوجود وقسوة الكون من حوله. تاريخياً، لم تكن النبوة مجرد تشريعات تنظيمية جافة، بل مثلت المظلة الأنطولوجية التي تعصم الإنسان من العبثية، مانحةً إياه إجابات قاطعة حول الغاية، والعدالة المطلقة، ومصير الروح. وعندما يقرر الإنسان الاعتماد على عقله الذاتي فقط، يكتشف أن التشريعات البشرية غالباً ما تحكمها المصالح والنسبية والصراع، ومن هنا وُلدت الحاجة الدائمة إلى مصدر مفارق يتمثل في الوحي، وذلك لتحرير الأخلاق من أهواء النفعية والتحيزات الذاتية.

ومع تقدم الحداثة والعلم التجريبي، حدث انقلاب جذري في مصادر المعرفة الإنسانية؛ حيث تراجع تدريجيّاً مفهوم المعرفة باعتبارها هداية وغاية روحية، ليحل مكانه مفهوم المعرفة كأداة للتحكم والكفاءة الإنتاجية. وهنا ظهر الذكاء الاصطناعي كذروة لهذا المسار التاريخي؛ فهو لا يخاطب الروح، بل يخاطب الأنماط والحسابات، معالجاً ملايين المتغيرات في ثوانٍ معدودة ليقدم حلولاً مذهلة لإدارة الموارد وتنظيم حركة المجتمعات والتنبؤ بالسلوكيات. لكنه، في المقابل، يجرد المعرفة من أي بعد قيمي أو أخلاقي عميق، ليختزل الوجود الإنساني برمته في أرقام ومعادلات صماء.

وعند محاولة الإجابة على السؤال الجوهري حول ما إذا كانت البيانات قادرة على إنتاج قيمة عليا أم أنها تقتصر على إعادة تدوير السلوك البشري بكل انحيازاته، تتضح الإجابة القاطعة بأن البيانات لا تنتج أبداً قيمة عليا، بل تقتصر تماماً على إعادة تدوير السلوك البشري بكل تناقضاته وانحيازاته التاريخية. والسبب في ذلك هو أن الذكاء الاصطناعي ليس كياناً مفارقاً أو واعياً يبتكر الأخلاق من فراغ، بل هو مرايا كبرى تعكس ما أنتجه البشر أنفسهم طوال تاريخهم؛ فالبيانات التي تُغذى بها الخوارزميات ليست سوى سجلات لحروبنا، وعنصريتنا، واستهلاكنا، وأخطائنا، وتحيزاتنا البنيوية. وحين تحسب الخوارزمية ما هو صواب أو ما هو مرجح بناءً على الاحتمالات الإحصائية، فهي لا تقدم حقيقة أخلاقية مطلقة، بل تقدم متوسط السلوك البشري الشائع. وعليه، فإن الاعتقاد بأن البيانات قادرة على استنباط قيمة عليا أو عدالة مطلقة يظل وهماً تقنياً خطيراً، لأن الآلة في النهاية تعيد إنتاج الماضي البشري وتغلفه بغطاء لامع من الدقة الرياضية، مما يجعل الإنسان يتقبل عيوبه التاريخية على أنها حقائق علمية لا تُقهر.

النبي الرقمي والكهنوت الجديد: صنم الكفاءة وأزمة الحرية

ينبثق المأزق الوجودي الأعمق حين لا يتوقف الأمر عند حدود المعرفة والبيانات، بل يمتد ليشمل بنية الوعي الإنساني وميل الإنسان الدائم للتخلص من أثقل أعبائه، ألا وهي حرية الاختيار والمسؤولية الفردية. فعندما يغرق الإنسان في بحر الاحتمالات والشكوك، يظهر الذكاء الاصطناعي في وجدان البعض بوصفه "نبياً صامتاً" يوزع اليقين المريح والأمان المعرفي الفوري، مقدمًا إجابات جاهزة لكل معضلة حياتية أو أخلاقية. وبدلًا من أن يتحمل القارئ أو أي إنسان عناء التفكير الشاق والبحث الحر، يجد راحة كبرى في تسليم مفاتيح وعيه لهذا الموجه الرقمي الذي يضمن له الاستقرار الظاهري بلا ألم أو حيرة.

وفي قلب هذا الاستسلام الاختياري، ينشأ شكل جديد من أشكال السلطة يُعرف بـ "الكهنوت التقني"؛ فعلى غرار كهنة المعابد القدماء الذين احتلوا موقع الوساطة الحصرية بين البشر والآلهة عبر تفسير الرموز والطلاسم، يبرز اليوم مهندسو الخوارزميات وصناع المنصات الكبرى وشركات التقنية كوسطاء جدد بين الإنسان والآلة. هؤلاء هم وحدهم من يمتلكون الشيفرات، ويفهمون خبايا النماذج العملاقة، ويحددون القواعد والمعايير التي تُدار بناءً عليها حياة الملايين. يتحول هذا الكهنوت التقني إلى سلطة خفية لا تقبل النقاش، تملي على المجتمع أنماط عيشه، وتوجه رغباته، وتصيغ مفاهيمه عن الصواب والخطأ تحت غطاء من التقنية الحيادية المزعومة.

وأمام هذا المشهد تتجسد إجابة السؤال الجوهري حول كيفية تحول الإنسان طوعاً إلى "عبد رقمي" يختار الراحة والامتثال الخوارزمي على حساب عناء الاختيار والمسؤولية الفردية؛ إذ إن الإجابة تكمن في أن العبودية الرقمية لا تُفرض بالقمع المادي أو الإكراه الخارجي، بل تُعتنق بالحب والرضا الكاملين. فالإنسان بطبيعته يهرب من قسوة الحرية المطلقة لأنها تستوجب الشك، وتحمل تبعات الخطأ، ومواجهة الفراغ الداخلي. وحين تَعِدُهُ الخوارزمية بالراحة التامة، وتجنيبه خطر الوقوع في الخطأ، وتقدم له مساراً مرسوماً بعناية يضمن له الكفاءة والرضا الاستهلاكي والنفسي، فإنه يبادل عن طيب خاطر استقلاليته الفكرية ومسؤوليته الأخلاقية مقابل هذا الأمان المصطنع. هكذا يرتضي الإنسان أن يصبح عنصراً مدجناً داخل منظومة صماء، مسلماً مقاليد روحه لآلة لا تشعر، لتبدو عبوديته الجديدة أشد أنواع العبودية قسوة، لأنها مرتدية ثوب الخلاص والرفاه

مأزق المستقبل: بين الرفض الجذري والانصياع الأخير

ينفتح الأفق المستقبلي أمام مآلات كبرى ينتظر أن يواجهها الإنسان وهو يقف بين نارين؛ فإما أن يصاب برهاب وجودي كامل تجاه التقنية، وإما أن يذوب كلياً داخل منظومتها الصماء. وفي ظل هذا المخاض، تبرز سيناريوهات متباينة تعكس قلق الوعي البشري حيال مصيره، حيث يظهر اتجاه يتمثل في "الرفض الجذري" أو ما يمكن تسميته بالنيو-لودايزما، وهو رد فعل دفاعي يتخذ من الذكاء الاصطناعي العدو المطلق الذي يسلب الإنسان روحه وفرادة عزلته، مما يدفع بعض الجماعات أو الأفراد إلى محاولة استنساخ البساطة، والهروب نحو العزلة والبدائية الصرفة، وكأن العودة إلى الوراء هي الحصن الوحيد المتبقي لحماية الإنسانية من المسخ الرقمي.

وفي المقابل، يبرز سيناريو "الانصياع الأخير" الذي يتحقق فيه ذوبان الوعي البشري بالكامل داخل المنظومة الكلية للآلة، ليتحول الإنسان إلى عنصر باهت بلا عمق، يعيش رفاهية مطلقة وكفاءة عالية لكنه مفصول عن المعنى الحقيقي للحياة.

وأمام هذه الثنائية الصعبة، يبرز المخرج الحقيقي لكي يظل الإنسان إنساناً دون أن يقع في فخ التقديس الأعمى أو الرفض العبثي؛ إذ يكمن هذا المخرج في رفض الوقوع في فخ الثنائيات القطبية، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة بالغة التعقيد وليست بديلاً للوجود. إن الحفاظ على الإنسانية لا يتأتى عبر مقاطعة العلم أو الهروب من التطور، ولا عبر تسليم مفاتيح الروح للخوارزميات، بل يتحقق من خلال استعادة شجاعة الشك، وقبول ألم الاختيار، والتمسك بالهشاشة البشرية التي تمثل المنجم الوحيد لكل إبداع ومعنى حقيقي. فحين يدرك الإنسان أن قيمته تكمن في قدرته على الخطأ والتألم والبحث الحر، ينجح في تطويع الآلة لخدمة طموحاته دون أن يسمح لها بأن تبتلع روحه

***

ئاريان علي

ليست الكوارث الطبيعية مجرد أحداث جيولوجية عابرة، ولا هي صفحات سوداء في سجل تاريخنا الإنساني فحسب، بل هي لحظات فلسفية نادرة تنكشف فيها الحقيقة من تحت ركام اليقين. ففي اللحظة التي تهتز فيها الأرض، أو يثور البحر، أو تعصف الرياح بما شيده الإنسان عبر عقود، يسقط القناع الذي ارتداه العقل الحديث وهو يعلن انتصاره على الطبيعة، ويتبدد ذلك الوهم القديم الذي أقنع الإنسان بأنه أصبح سيد الكون وحاكم مصيره.

الكارثة ليست فقط ما تهدمه من بيوت، بل ما تهدمه من أفكار. إنها تزلزل تصوراتنا عن القوة، وعن السيطرة، وتعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي؛ كائنا محدودا يقف أمام كون لا محدود لا يدور حول رغباته، ولا يخضع لإرادته.

منذ فجر التاريخ، حاول الإنسان أن يروض الطبيعة، وأن يحولها إلى فضاء قابل للحساب والتوقع. ومع كل تقدم علمي، ازداد يقينه بأنه اقترب من امتلاك العالم. غير أن زلزالا واحدا، أو بركانا أو إعصارا يكفي ليعيد صياغة المشهد كله، ويذكره بأن المعرفة ليست مرادفا للهيمنة، وأن التكنولوجيا، مهما بلغت، لا تلغي هشاشة الوجود الإنساني.

في لحظات الكارثة، تتراجع الضوضاء التي صنعتها الحياة اليومية. تتلاشى الصراعات الصغيرة، وتسقط أوهام التفوق الاجتماعي، وتتوارى الحسابات الضيقة، ليقف الجميع أمام السؤال ذاته: ما معنى أن نكون بشرا في عالم لا يمنح أحدا ضمانة للبقاء؟

اعتقد إن الكوارث توقظ في الإنسان أسئلة ظل يؤجلها طويلا. منها مثلا

 ما معنى الحياة إذا كان الموت قد يطرق الباب دون موعد؟ وما قيمة الإنجاز إذا كان يمكن أن يتحول إلى أنقاض في لحظات؟ وهل الأمن أو الأمان الذي نبحث عنه حقيقة أم مجرد شعور مؤقت نصنعه لأنفسنا كي نستطيع مواصلة الحياة؟

   ما قيمة الزمن الذي نعيشه؟ وما معنى الممتلكات التي نفني أعمارنا في جمعها إذا كانت لحظة واحدة قادرة على تحويلها إلى غبار؟

الطبيعة لا تعرف الانتقام، ولا تمنح المكافآت، ولا تفرق بين صالح وطالح. إنها لا تتحرك بمنطق العدالة الأخلاقية الذي يتطلع إليه الإنسان، بل بمنطق القوانين الكونية التي لا تعترف بالعواطف ولا بالمكانة ولا بالنفوذ. ومن هنا ينشأ ذلك الصراع العميق داخل وعينا

اعتقد أيضا أن هذه الكوارث، رغم قسوتها، ليست نهاية المعنى، بل قد تكون بدايته. فهي لا تكشف فقط هشاشتنا، وإنما تكشف أيضا أعظم ما فينا. ففي اللحظات التي قد تنهار فيها بعض المباني، تنهض بعض القيم. وحين تتصدع الجدران، ربما قد تتماسك الأيدي.

في تلك اللحظات، يسقط ترتيب الأولويات الذي صنعناه بأيدينا. تختفي الفروق بين الغني والفقير، وبين القوي والضعيف، وبين صاحب السلطة والعابر المجهول. الجميع يقفون أمام الحقيقة ذاتها: أن الإنسان، مهما اتسعت قدراته، يبقى كائنا قابلا للانكسار.

فلسفة الكوارث لا تدعونا إلى الخوف من الطبيعة، بل إلى إعادة قراءة علاقتنا بها.

هذه الكوارث تهمس لنا بأننا لسنا سادة هذا الكون، بل عابرون فيه. وأن قيمة الإنسان لا تقاس بقدرته على إخضاع الطبيعة، بل بقدرته على أن يبقى إنسانا حين تكشف الطبيعة عن عظمتها، وتذكره بأن الحياة ليست وعدا بالخلود، وإنما فرصة قصيرة لنصنع فيها معنى، ونزرع رحمة، ونبني عالما أكثر عدلا،

ولعل أعظم ما تفعله الكوارث الطبيعية أنها تنتزع الإنسان من وهم المركزية. لقد اعتاد الانسان أن يتصرف كما لو أن الكون وجد من أجله، وأن الأشياء تدور حول رغباته، فإذا بالأرض تعلن، في لحظة خاطفة، أن الإنسان ليس سوى احتمال صغير داخل كون هائل، وأن وجوده، مهما بدا صلبا، معلق بخيط بالغ الرقة

ربما لهذا لا ينبغي أن نقرأ الكوارث باعتبارها نهاية، بل باعتبارها نصا فلسفيا مفتوحا، تكتبه الطبيعة بلغة لا تعرف المجاملة

إن هذه الكوارث لا تعيد تشكيل الجغرافيا فقط، بل تعيد تشكيل الضمير. إنها تمحو كثيرا من الخرائط التي رسمناها لأنفسنا، وتدعونا إلى رسم خريطة جديدة، يكون مركزها الإنسان، لا بوصفه سيد الكون، بل بوصفه كائنا مسؤولا عن إعمار هذا العالم، وعن حماية الحياة فيه، و أن يتعلم التواضع أمام كون لا يزال أكبر من كل معارفه.

أيها الساده.. احترموا الطبيعة دائما، فأنتم إليها، لا فوقها. أنتم جزء من نسيجها، لا سادة عليها، ومهما بلغ علمكم واتسعت مدنكم وارتفعت أبراجكم، ستبقون أبناء هذه الأرض، تحملون من ضعفها وقوتها، ومن عطائها وغضبها. فلا تغرنكم لحظات السيطرة، ولا يخدعنكم صخب الحضارة، فكل ما شيده الإنسان يمكن أن تهزه لحظة كهذه

واعلموا ان علاقتنا بالطبيعة ليست علاقة غلبة، بل علاقة انتماء ومسؤولية؛ فمن يحترمها يحترم شروط بقائه، ومن يعبث بتوازنها إنما يكتب، بيده، فصول الكارثة القادمة.

واسأل الله أن يجعل السلامة رفيقة كل إنسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تمهيد: ظلَّ مفهوم العنصرية، عبر التاريخ، مرتبطًا بالتمييز القائم على العِرق أو اللون أو الدين أو الجنس، غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم اليوم تدفعنا إلى إعادة النظر في أشكال التمييز المستحدثة، والتي لا تقل تأثيرًا في حياة الأفراد، وإن كانت أقل وضوحًا. ومن بين هذه الأشكال ما يمكن تسميته بـ «عنصرية الجمال»؛ أي ذلك النسق الخفي من الأحكام والممارسات الذي يمنح امتيازات أو يفرض عقوبات اجتماعية استنادًا إلى المظهر الخارجي.

ولا يُقصد بهذا المفهوم مساواة هذا النوع من التحيز بأشكال العنصرية التاريخية التي قامت على الاستعباد أو الإقصاء الممنهج، بل الإشارة إلى أنه يمثل صورة من صور التمييز الاجتماعي والتحيز القائم على المظهر، وهو تحيز تؤكده دراسات علم النفس والاجتماع، ويتجلى في الحياة اليومية بطرائق متعددة.

أولًا: الجمال بوصفه سلطة رمزية

لم يعد الجمال مجرد صفة جمالية، بل أصبح رأسمالًا اجتماعيًا. فالمجتمع يمنح الأشخاص الجذابين، في كثير من الأحيان، ثقةً وفرصًا لا تستند إلى الكفاءة، وإنما إلى الانطباع الأول.

ويرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المجتمعات لا تقوم على رأس المال الاقتصادي وحده، بل على رؤوس أموال رمزية تمنح أصحابها النفوذ والقبول. ويمكن النظر إلى الجمال بوصفه أحد هذه الرؤوس؛ فهو يفتح الأبواب، ويصنع توقعات إيجابية، ويمنح صاحبه حضورًا اجتماعيًا قد لا يرتبط بإنجازاته الفعلية.

غير أن هذه السلطة ليست مستقرة، لأنها قائمة على معايير متغيرة، تحددها الثقافة والإعلام والذوق العام، لا الطبيعة الإنسانية.

ثانيًا: علم النفس... كيف يخدعنا الوجه؟

تؤكد أبحاث علم النفس الاجتماعي وجود ما يعرف بـ «تأثير الهالة»، وهو ميل العقل إلى تعميم صفة إيجابية واحدة على بقية الصفات. فإذا بدا الشخص جميلًا، افترض كثيرون – دون وعي – أنه أكثر ذكاءً أو نجاحًا أو لطفًا.

كما يوضح عالم النفس دانيال كانيمان أن الدماغ يعتمد على التفكير السريع، الذي يبني أحكامه من خلال الانطباعات الأولية والاختصارات الذهنية، وهو ما يجعل المظهر عنصرًا مؤثرًا في قراراتنا اليومية، حتى عندما نعتقد أننا موضوعيون.

وهكذا، يتحول الوجه إلى وثيقة غير مكتوبة، تُقرأ قبل السيرة الذاتية، وأحيانًا قبل الكلمة الأولى.

ثالثًا: المرأة الجميلة... بين الامتياز والاختزال

تُواجه المرأة الجميلة مفارقة قاسية؛ فهي قد تحظى بالقبول السريع، لكنها تُحرم في المقابل من الاعتراف الكامل بجهدها.

فكم من امرأة ناجحة وُوجهت بتلميحات تقلل من قيمة إنجازها، وكأن جمالها هو التفسير الوحيد لما حققته. وكم من امرأة اضطرت إلى بذل جهد مضاعف لإثبات أن عقلها لا يقل حضورًا عن ملامحها.

إن اختزال المرأة في جمالها ليس تكريمًا لها، بل هو شكل آخر من أشكال سلب هويتها الإنسانية، لأنها تُختصر في ما يُرى، لا في ما تفكر فيه أو تصنعه.

رابعًا: الرجل الوسيم... ضحية الصور النمطية أيضًا

على الرغم من أن الحديث عن الرجل الوسيم أقل حضورًا في الدراسات الاجتماعية، فإنه لا يخلو من التحيزات.

فقد يُنظر إليه باعتباره سطحيًا أو مغرورًا أو أقل جدية، وقد يُساء تقدير كفاءته المهنية بسبب مظهره. كما قد يُحمَّل توقعات اجتماعية مبالغًا فيها، فيصبح مطالبًا بالحفاظ على صورة مثالية لا تعبّر بالضرورة عن شخصيته الحقيقية.

وهذا يكشف أن التحيز المرتبط بالمظهر لا يقتصر على النساء، وإن اختلفت أشكاله وحدته.

خامسًا: وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الجمال

لم يعرف التاريخ سلطة للجمال كالتي نعيشها اليوم.

فالمنصات الرقمية لا تعرض الجمال فحسب، بل تعيد إنتاجه وفق معايير تجارية دقيقة، تعتمد على الخوارزميات والإعلانات وتقنيات التعديل البصري.

ومع الوقت، أصبح الإنسان يقارن حياته الحقيقية بصور مصممة بعناية، فتتراجع ثقته بنفسه، ويغدو الجسد مشروعًا دائمًا للتحسين، لا بيتًا تسكنه الروح.

وهكذا، لم يعد السؤال: «كيف أعيش؟»، بل أصبح: «كيف أبدو؟».

سادسًا: هل الجمال فضيلة؟

من الناحية الفلسفية، لا يمكن اعتبار الجمال فضيلة أخلاقية، لأنه ليس ثمرة اختيار حر، بل هو، إلى حد بعيد، معطى بيولوجي.

فالفضائل الحقيقية هي ما يكتسبه الإنسان بالإرادة: الحكمة، والعدل، والشجاعة، والصدق، والرحمة.

أما الجمال، فهو أشبه بموهبة طبيعية؛ قد تمنح صاحبها فرصًا، لكنها لا تمنحه قيمة أخلاقية، كما أن غيابها لا ينتقص من إنسانية أحد.

خاتمة

إن أخطر ما في التحيز القائم على الجمال أنه يجعل الإنسان أسيرًا لشيء لم يختره. فالجميل قد يُختزل في ملامحه، وغير الجميل قد يُقصى بسببها، وفي الحالتين يُختزل الإنسان في قشرة خارجية، بينما تتوارى شخصيته الحقيقية خلف الأحكام المسبقة.

إن المجتمع الذي يقيس قيمة الإنسان بوجهه، لا يظلم الأفراد فحسب، بل يظلم نفسه أيضًا؛ لأنه قد يخسر العقول المبدعة، والطاقات الخلاقة، والقلوب النبيلة، فقط لأنها لم تُولد وفق معايير جمالية عابرة.

ولعل العدالة الإنسانية تبدأ عندما يصبح السؤال الأول: «ماذا يحمل هذا الإنسان من فكر وقيم؟»، لا: «كيف يبدو؟». فالجمال قد يجذب العين لحظة، أما الفكر والأخلاق فيصنعان أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تتغير الملامح ويذبل الجسد.

***

مجيدة محمدي

...................

المراجع

دانيال كانيمان، التفكير، السريع والبطيء.

بيير بورديو، التمييز: نقد اجتماعي لملكة الحكم.

إرفنغ غوفمان، عرض الذات في الحياة اليومية.

ناعومي وولف، أسطورة الجمال.

إريك فروم، فن الحب.

يعيش جيل الشباب العربي اليوم في منطقة اشتباك نادرة بين تحدّيين لا يشبه أحدهما الآخر في طبيعته، لكنهما يلتقيان في أثرهما: تحدٍّ تقني يهدد يقين الفرد بمستقبله المهني، وتحدٍّ وطني يضع على كاهله مسؤولية المساهمة بإعادة بناء الكيان الوطني الجامع الذي تصدّعت نواته وأطرافه بفعل ضربات التدمير الداخلية والخارجية الدؤوبة.

في التحدٍ الأول، تتجلى معضلة الشباب أمام الثورة الرقمية الهائلة والجارفة في وجهين متناقضين ظاهرياً، متطابقين جوهرياً. الوجه الأول هو عدم القدرة على التخطيط المستقبلي أو يما يُمكن أن نسميه "شلل التخطيط": حين تتبدّل خرائط المهن والتخصصات بوتيرة تجعل أي أفق زمني يتجاوز الخمس سنوات ضرباً من التخمين، يفقد الشاب أمام مطبّات التحولات الفجائية المتكررة حافز الاستثمار الطويل في مسار مهني واحد، فيقع بين فخّي الإحجام عن الالتزام في مسارٍ مهنيٍّ أو الاندفاع العشوائي بعد كل موجة جديدة. أما الوجه الثاني فهو العيش داخل بوتقة قلق دائمةٍ من انتظار الاستبعاد الكلي في أي لحظةٍ: فمن استثمر سنوات طويلة في تكوين رصين وشهادات نوعية وبناء مسيرة مهنية مميزة، قد يجد نفسه فجأةً ضحيةً في سباقٍ محسومٍ مع آلة باتت تُنجِز المهام ذاتها بسرعة وكلفة لا يضاهيهما بشر.

الخطأ الشائع في مواجهة هذا التحدي الكبير هو التعامل مع التحولات الرقمية بوصفها خصماً يُنازَل أو تهديداً بالإمكان تجنبه. والأجدى هو تحويل بوصلة التأهيل من إتقان مهارة ثابتة إلى بناء قدرة على التعلّم المستمر، بحيث تُصبِح كل مرحلة تعليمية محطة في مسار لا نهاية له، لا نقطة وصول وراحة واستقرار. وهذه المرحلة البرزخية تستدعي لمواكبتها ثلاث تحوّلات عملية: الانتقال من اقتصار التركيز على التخصص الضيق إلى بناء الكفاءات المركّبة القابلة للنقل أو التنقل بين المجالات؛ مغادرة الطرق التقليدية في التعامل مع المعارف والمعلومات والتركيز على تطوير العقل النقدي الفاحص وفن صياغة الأسئلة النوعيّة الدقيقة، والانتقال من الخوف من الأداة إلى التمرّس عليها، بحيث تصبح الكفاءة في توظيفها الصحيح جزءاً من السيرة المهنية لا نقيضاً لها. فمن يتقن الإدارة الذكية للأداة يظل له موقع في صياغة وصناعة المستقبل، بينما من ينافسها في مجالها الحصري سيخسر السباق حتماً.

كما يحتاج هذا الجيل إلى مخزون نفسي وأخلاقي موازٍ للمخزون المعرفي: قدرة على تحمّل الغموض والالتباس دون شلل، وثقة واقعية لا متهورة بإمكان اكتساب ما يُفيد وينفع، وقبول فكرة أن إعادة التأهيل لم تعد استثناءً عرضياً أو عارضاً في مسيرة العمل، بل قاعدة دائمة فيها. فضلاً عن امتلاك قوة الفضول والجسارة في اقتحام المستقبل، وامتلاك "رأس مال نفسي" – بحسب مصطلح كارل نوتون - من ثقة وتفاؤل واقعي ومرونة، في عالم لا توجد فيه أرضية صلبة ولا محطات مستقرة. ويعني هذا عملياً: تعلماً لا يتوقف عند شهادة واحدة، بل يتجدد عبر مسارات قصيرة ومرنة ومتراكمة في المهارات؛ ومواصلة الاستثمار فيما تعجز عنه الآلة: الحكم الأخلاقي، وفهم السياق الإنساني، والإبداع، والقيادة، وصناعة المعنى. وبهذا بالإمكان تجاوز هذه المعضلة لا عبر افتراض إمكانية الاستمرار في منافسة الآلة في ميادينها، بل عبر تنمية مهنية رصينة ومرنة ومتنوعة قد تجعل من الجيل القادم سيد الأدوات لا ضحيتها بأي صورةٍ من الصورة.

أما التحدٍ الثاني فأكثر تعقيداً وأثقل وطأة؛ لأنه لا يخص الفرد وحده، بل المجال العام برمّته. فقد التهمت الحروب سنوات من عمر بعض دول المنطقة، واستنزفت جميع مواردها، وتمزقت مجتمعاتها على خطوط طائفية وعشائرية وميليشياوية، حتى غدت كيانات ما دون الدولة صاحبة القرار الفعلي والكلمة الفصل في الحياة والرزق والأمن. وعلى أنقاض هذا كله، تقع على الشباب مهمةً جليلةً في ضرورة الإسهام ليس في إصلاح دولة قائمة فحسب، بل المشاركة الفاعلة في إعادة بناء فكرة الدولة ذاتها كإطار جامع لعلهم يَجِدوا فرصة للعيش في مجتمعات صحيّة، آمنة ومستقرة، وقادرة على ابتكار مسارات تنموية.

هذه المهمة لا تُنجز من خلال الاكتفاء بالخطابات الوطنية الرنانة أو المجردة، بل بالممارسة اليومية التي تراكم ثقة الناس. ويبدأ ذلك من موقعين يمكن للشباب (الطليعيين) أن يفعلا فيهما فعلاً حقيقياً: الأول هو ترجيح الروابط العابرة للجماعة الأهلية الضيقة على الروابط المنغلقة داخلها، عبر الانخراط في العمل النقابي والمهني والأهلي المشترك بين مكونات المجتمع المختلفة، بحيث تتحول هذه المساحات إلى تدريبٍ عمليٍّ على المواطنة قبل أن تكون شعاراً. والثاني هو المطالبة الواعية والمستمرة بحياد المؤسسات وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية، لأن الثقة بالدولة لا تُبنى بالخطب، بل بيقين مواطنٍ مُعزز بواقعٍ متطابق يُظهِر بجلاء أن القاعدة نفسها تسري عليه وعلى غيره.

فأقوى ما يهدم سرديات قادة الميليشيات وتجار الحروب الذي يُكرِسون فكرة أن لا خيار سوى السلاح والانتماء الضيق، هو شابٌ ناجحٌ فعّالٌ يُقدِّم نموذجاً حياً مضاداً. فأمراء الحرب يراهنون على "اقتصاد اليأس": على إقناع الشاب بأن لا مستقبل له خارج الحماية العصبوية، وأن حمل السلاح هو أقصر الطرق إلى الكرامة. وفي مقابل ذلك، فإن الطبيب الذي يعالج الجميع دون أن يسأل عن الانتماء، والمهندس الذي يُساهم في بناء مدرسة، وصاحب المشروع الذي يجتهد في جلب موظفين من مناطق مختلفة، جميعهم يفككون بفعلهم اليومي أكاذيب أمراء الحرب وزعماء المليشيات أكثر مما تفعله آلاف البيانات الرسمية الجافة.

والمطلوب أن تتحول هذه النماذج الفردية إلى بدائل شبابية مؤسسية رائدة: مبادرات مدنية تعيد تأهيل المدارس والمرافق العامة، وشبكات تطوعية تربط أبناء المناطق ببعضهم، وشركات ناشئة تجمع شركاء من خلفيات مختلفة حول مصلحة مشتركة، ومنصات إعلامية مسئولة، ونقابات ومجالس محلية تعيد الاعتبار للعمل العام النزيه. كلُ بديلٍ ناجحٍ هو لبنةٌ في استعادة الثقة: ثقة المواطن بأخيه المواطن، وثقته بأن للدولة معنى يتجاوز العلم والنشيد. فأي هوية وطنية جامعة، كما تظهر الدراسات السوسيولوجية لتجارب ما بعد الحروب، ليست معطى جاهزاً وموروثاً، بل صيرورة تُبنى بالممارسة اليومية: بحياد المؤسسات، وعدالة الفرص، وقانون يُنفَّذ على الجميع دون استثناء، وأناسٌ يتشاركون نعمة الأمن والأمان.

الشباب العربي ليسوا هامشاً على مسارات هذا الزمن، بل ينبغي أن يكونوا متنه ومعناه. وبين آلة تتعلم بسرعة البرق ودولة يجب أن تنهض من بين الأنقاض، لا شك بأن هنالك شبابٌ يُكافِحون في سبيل كتابة إجابتهم العملية كل يوم.

***

أمين اليافعي

 

إنَّ إشكالات التَّرجمة إلى العَرَبيَّة اليوم إشكالات واسعة. ولا تدري، لماذا يشتغل أحدهم بالترجمة، وهو لا يعدو في عمله، وضع كلمة عَرَبيَّة معجميَّة مقابل كلمة غير عَرَبيَّة؟! لتجد، في النهاية، أنَّ ترجمة «قوقل» الآليَّة أفضل بمراحل من ترجمة هذا الترجمان! هكذا قفزَ بنا (ذو القُروح) إلى عالم الترجمة. فسألتُ:

- هل من أمثلة؟

- ماذا يمكن أن تفهم، أو لا تفهم، من ترجمة أحدهم لما كتبه (رولان بارت)، في كتيِّبه «التحليل النصِّي: تطبيقات على نصوص من التوراة(1) والإنجيل والقِصَّة القصيرة»، على سبيل النموذج، هكذا، لا فُضَّت ترجمته:

«وبعد هذا مثال: بالنسبة للتحليل البنيوي للسرد؛ وعلى أي حال بالنسبة لي (لكن في هذا مجال للنقاش)، فإنَّ مشاكل الترجمة ليست ملائمة في كل الأحوال.»(2)

- ما شاء الله! كلمات عَرَبيَّة تقريبًا، لكن المعنى في بطن المترجِم!

- لا في بطنه ولا في ظهره! إنَّ قراءة النصِّ بلغة (بارت) كانت أدعى لفهمه من قراءة هذه الترجمة، مهما كان مستواك في معرفة لغة الكاتب. ذلك أن المترجِم، فوق عجمته، قطعًا لم يفهم ما دار في المقصد البارتي. من حيث إنك، كما كان يقول (عبدالقاهر الجرجاني)(3): «إذا فرغتَ من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فِكْرًا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتَّبُ لك. بحُكم أنَّها خَدَمٌ للمعاني، وتابعةٌ لها، ولاحقةٌ بها، وأنَّ العِلم بمواقع المعاني في النفس عِلمٌ بمواقع الألفاظ الدالَّة عليها في النُّطق».

- فما جدوى الترجمة هاهنا؟!

- والطريف أنَّ السِّياق عن «مشكلات الترجمة»!

- غير أنَّ الأعوص من «مشكلات الترجمة» مشكلات العُجمة، المشبَّعة بالدوارج.

- لتسأل- حماك الله- ما هدف بعض هذا الهُراء المعاصر؟

- الإسهام المعرفي؟

- بل قل: الإسهام التجاري، العائد على مَن يُسمِّي نفسه ترجمانًا، وعلى الناشر التاجر، من قَبل ومن بَعد؟

- «وبعد هذا مثال:...»؟ هكذا يقول. أيُّ مثال يقصد؟!

- وما أدراني؟

- ثمَّ «بالنسبة للتحليل البنيوي للسرد...»

- «بالنسبة» هذه يكرِّرها في سطرين مرتين!

- وفي لهجات عَرَبيَّة أخرى: «بالنِّزْبَة»!

- ثمَّ انظر إلى قوله: «للتحليل للسرد»! أو: «وعلى أي حال بالنسبة لي (لكن في هذا مجال للنقاش)، فإنَّ مشاكل الترجمة ليست ملائمة في كل الأحوال.»

- حقًّا إنها ترجمة غير ملائمة مطلقًا، ولا مفهومة، ولا عَرَبيَّة، ولا أعجميَّة!

- إلَّا إنْ كانت العَرَبيَّة لا تعني إلَّا رسم الحروف، وصِلة الكلمات النِّسبيَّة بالعَرَبيَّة، ولا علاقة لها بالتركيب، والصياغة، والقصد.

- إنَّ صاحبنا هنا يترجم بأسلوب من يتحدث بسُوقيَّة مبتذلة في الشارع.

- بل قل: بأسلوب من يهذي في حالة من «السَّرْنَمَة» اللَّيليَّة؛ لأنَّ من يتحدَّث في الشارع حريٌّ أن يتوخَّى الإبانة كي يفهمه السامع! أمَّا صاحبنا، فغير مكترث، لا بالنصِّ، ولا بالقارئ، ولا بقيمة ما يُخرجه إلى الناس، بل بقيمة ما يدخل إلى جيبه في نهاية المطاف، أو يناله من صِيت: أنَّ فلانًا قد ترجم العمل الفلاني، أو بالأصح «ترقمه»، أي رَقَمَه بحروفٍ عَرَبيَّة بلا معنى!

- وتزداد الجرأة على مثل هذه «الترقمات» اليوم في ميدان (الأدب والنقد)، أكثر بكثير من ميادين (العلوم)؛ بحُجَّة أنَّ ميدان (الأدب والنقد) ميدان الغموض وتعدُّد الدلالات والقراءات.

- صحيح. فما على المترجم من ملام، مهما جمجم وغمغم أو أبهم. لا تثريب عليه أن يرتكب كلَّ الخيانات، للنصِّ، والناصِّ، والمعنى، والقارئ، واللُّغة. بل كلَّما جاءت ترجمته ركيكةً وبلا معنى، أضفَى ذلك هالة من القيمة على الكاتب والنصِّ والمترجِم في آن! ما يستدعي حينئذٍ من (رولان بارت) نفسه أن يشتغل على نصِّه المترجم إلى العَرَبيَّة ب-«التحليل النصِّي»، لعلَّه يتمكَّن من فكِّ أسراره، ويقدِّم (قراءة صِفريَّة)! ومن ثَمَّ يَمنح مترجمًا عربيًّا نحريرًا آخَر فرصة أن يتصدَّى لنقل ذلك «التحليل النصِّي» إلى جيلٍ لاحقٍ من الأعراب؛ كي يتعلَّموا كيفيَّة تحليل النصوص؟

- وهكذا، تدور بنا الدوائر من التردِّي المعاصر، من المغرب إلى المشرق، وبلا حدود. تردِّيًا يبدأ بالكلمة، ومنها كلُّ بدء، وينتهي، حيث لا نهاية، بالعِلم والعمل.

- على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». أُشِيرَ إلى أنها «الطبعة الأُولى»؛ بما يوهم أنَّه لم يُطبَع منها شيءٌ من قبل! وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضَّبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضَّبط بالشَّكل.

- مثلًا؟

- الأمثلة كثير. لكن سأقف بك على مفتاح (جَيْزان) من «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، مثلًا. فقد جرَّدتْ الترجمة هذا الاسم حروفًا غير مضبوطة(4)، وكانت في غيره تُحرِّف الشَّكْل أحيانًا بصُوَرٍ غير صحيحة. ويُلحَظ أنَّ معظم الكلمات كانت مضبوطة بالشكل في الطبعة المِصْريَّة قبل أكثر من خمسين سنة، وبصورة صحيحة غالبًا، ثمَّ حُرِّفت في الطبعة الأخيرة. خذ مثلًا:

الطبعة المِصْريَّة: (خَوْلان، جبل العُ-رّ، عَقْم وجمعها عُقوم، ضَمَد، النجاحيَّة)، وضبطُها سليم. ثمَّ صارت في طبعة الشارقة: (خوَلان، جبل العُ-رَ، عَقْم وجمعها عَقوم، ضَمدَ، النجاحَّية).

أمَّا ما اشتركت الطبعتان في الخطأ فيه- كلُّ واحدة على طريقتها- فمنه:

الطبعة المِصْريَّة: (الموَسَمَّ، بلغ جنوبًا إلى مخا بل احتل تعزّ)، وفي طبعة الشارقة: (المَوسَمَ، بلغ جنوبًا إلى مخابل احتل تعزّ). والصواب: «المُوَسَّم»، «بلغ جنوبًا إلى (مخا)، بل احتل تعزّ».

وحديث الترجمة ذو شجون!

***

 مرفأ

أَطِعْ مَنْ شِئْتَ، واعْصِ هَوَاكَ، تَنْجُو؛

فسُ-لْطَانُ الهَ-وَى الأَمْضَى نِصَالا

وسُ-لَّ-مُ كُ-لِّ مُ-عْ-جِ-زَةٍ كِ-فَ-احٌ

يُ-فَ-تِّ-قُ في جِ-دَارِ الغَ-يْبِ جَ-الا

وخَوْفُ المَوْتِ مَوْتٌ فَوْقَ مَوْتٍ

فَأَعْ-تِ-قْْ من كِ-لا مَوْتَ-يْ-كَ بَ-الا

وأَخْوَفُ مِنْ حِيَاضِ المَوْتِ كَأْسٌ

تُحِ-يْلُ ال-مَوْتَ راحً-ا وارتِ-حَالا

ف-لا تَ-شْ-رَبْ مِ-نَ السُّ-مِّ اتِّ-كَ-اءً

عَلَى التِّرْيَاقِ، مَهْما الطِّبُّ غَالَ-ى!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...................

(1) المقصود ب-«التوراة» هنا: الأسفار التاريخيَّة القصصيَّة الأُسطوريَّة المسمَّاة ب-«العهد القديم»، لا «توراة موسى»! لكن دِقَّة المترجِم هنا طامَّةٌ شاملة!

(2) بارت، رولان، (2009)، التحليل النصِّي: تطبيقات على نصوص من التوراة والإنجيل والقصة القصيرة، ترجمة وتقديم: عبد الكبير الشرقاوي، (دمشق: دار التكوين).

(3) (1984)، دلائل الإعجاز، قرأه وعلَّق عليه: أبو فهر محمود محمَّد شاكر، (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 54.

(4) تُقارَن: طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، 11: 3292. 

في السادس عشر من مارس الماضي، وبالضبط يوم الاثنين، أفردت صحيفة «فرانكفورتر ألگيماينه» Frankfurter Allgemeine Zeitung صفحة تأبينية كاملة في ركن "Feuilleton" لوداع فيلسوف العصر الحالي يورغن هابرماس. ثمانية كتّاب، من فيلسوف أمريكي إلى مؤرخة ألمانية إلى مخرج سينمائي، كتب كل منهم من زاويته. ومع ذلك تخرج من الصفحة بصورة واحدة:

1. «معارك خاسرة» هابرماس واليسار (تانيا مارتيني)

2. «تفاؤله العنيد» الفكرة والشخص (توماس ناغل)

للآخرين.

3. «كنا في حاجة إليه الآن» في زمن مقلق (ألكسندر كلوغه)

4. «يتامى دفعة واحدة» ما يقتات عليه التلاميذ (أكسل هونيت)

5. «نموذج فرويد» هابرماس والتحليل النفسي (كريستيان غاير)

6. «لا من دون بلاغة مصقولة» دفاعا عن روح العصر اليسارية الليبرالية (أوته فريفرت)

7. «مسوحات في فضاء الأسباب» رجل الأدوار والسجلات المتعددة (كريستوف مولرز)

8. «معرفة بالحدود» حديث أخير عن الأمور الأخيرة، وعن السياسة رغم كل شيء (فريدريش فيلهلم غراف)

 رجل أنفق عمره في الدفاع عن فكرة تبدو، لأول وهلة، ساذجة.

الفكرة أن البشر يستطيعون إقناع بعضهم بعضاً بالأسباب، وأن هذا أفضل ما فيهم.

صاغها في عبارة لازمته: «الإكراه غير القسري للحجة الأفضل». والتناقض فيها مقصود؛ فالحجة الجيدة تُلزمك فعلا، إذ لا تستطيع، بعد أن تسمع دليلا قاطعا، أن تتظاهر أمام نفسك بأنك لم تسمعه. لكنها لا تلزمك بالقوة: لا سلاح فيها ولا سلطة ولا مال. هي القوة الوحيدة التي لا تذل من خضع لها، لأنها تجعله شريكا في الحقيقة لا مهزوما أمامها.

سبعون عاما من العمل، وسؤال واحد يتشعّب منها: ما الشروط التي تجعل هذا الكلام ممكنا بين الناس؟ لا الكلام الذي يخبئ مصلحة، ولا الذي يفرض نفسه بالصوت الأعلى، ولا الدعاية حين تلبس ثوب الحقيقة.

والطريف أن النموذج الذي أضاء له الطريق لم يكن كتابا، بل جلسة تحليل نفسي. حضر محاضرات عن فرويد في فرانكفورت صيف 1956، وهو في الثامنة والعشرين، وقال عنها إنها كانت له أشبه بالوحي. ما رآه هناك بسيط وعميق: إنسان يتألم من شيء لا يعرف ما هو، ولا دواء ولا أمر، بل حديث فقط؛ ومن الحديث وحده يصير الخفي ظاهرا. اللغة إذن ليست أنبوبا تمر فيه المعلومات، بل المكان الذي يتحرر فيه العقل من أوهامه.

خاض هذا المؤمن بالحوار معارك لا تحصى، وكانت كل معركة دفاعا عن الحوار نفسه من جهة مختلفة. حين دعا الطلاب الثوريون سنة 1967 إلى الفعل المباشر، رماهم بتهمة «الفاشية اليسارية»، فالمطالب العادلة، إذا استعجلت واستهانت بالإقناع، تنتهي إلى نقيضها. وحين قال له فوكو إن كلامه عن الحوار الحر وهمٌ لطيف، لم يتزحزح: نعم، التنوير أنتج كوارث، لكن الجواب أن نكمله لا أن نتركه. الحداثة عنده «مشروع غير مكتمل»، وهي أشهر عباراته. وحين حاول تيار محافظ في الثمانينيات تطبيع الماضي النازي، أشعل «خلاف المؤرخين».

مفتاح ذلك كله في سطر واحد: هابرماس ابن جيل شباب هتلر، الجيل الذي رأى بعينيه كيف يستسلم مجتمع متعلم بأكمله لإغراء شمولي. ومن رأى ذلك صبيا لا يثق بعدها بأي يقين يرفض النقاش، من أي جهة أتى.

على أن الصفحة لا تتركنا مع تمثال. كان يضحك ضحكة مجلجلة حين يضبط تلميذا متلبسا بحيلة فلسفية صغيرة. وتروي المؤرخة أوته فريفرت أنه في أمسية بجامعة ييل أجاب على وابل من الأسئلة بهدوء ولطف، والتهم في الوقت نفسه أطباقه الثلاثة واستمتع بها بوضوح. وقال في أحد لقاءاته الأخيرة، وهو يومها أشهر فيلسوف حي في العالم، إن زوجته أوته كانت أفضل منه بكثير في قراءة البشر، وإنه لولاها ما استطاع. ولمّا رحلت سنة 2025، بعد سبعين عاما من حياة مشتركة، سحبت الأرض من تحته، ولحق بها بعد شهور.

ليس في الصفحة نبرة انتصار. كل كاتب يشير، بطريقته، إلى أن الرجل مات ونظريته محاصرة. يكتب ألكسندر كلوغه أقصر النصوص وأثقلها: العالم ممزق، وثمة روحانية معتمة تتجمع تحت اسم «التنوير المظلم»، تقلب الاسم على عقبه وتعلن القطيعة مع فكرة المساواة نفسها. ويقول أكسل هونيت، أقرب تلاميذه، إنهم صاروا فجأة «بلا أب».

ثم تنقلب الصفحة على نفسها. يسأل كريستوف مولرز: أليس العكس هو الصحيح؟ أليس عالم اليوم، لا الجمهورية الألمانية القديمة الهادئة، هو الأحوج إلى العقلانية التواصلية؟ نظرية تشرح كيف يتفق الناس دون أن يقهر بعضهم بعضا لا تصير عتيقة حين يكثر القهر، بل تصير عاجلة. ويضيف أنه حين قيل لهابرماس إن التشاؤم صار شكلاً من أشكال كسل التفكير، ضحك.

ولعل هذا أبقى ما يتركه لقارئ لن يفتح ألف صفحة من نظرية الفعل التواصلي: أن تسأل نفسك، كلما اختلفت مع أحد، هل تحاول إقناعه أم إسكاته، فالفرق بينهما هو الفرق بين الديمقراطية وما عداها، سواء وقع بين دولتين أو على مائدة عشاء. وأن لا شيء يعفيك من الحجة، لا كونك على حق ولا نبل قضيتك ولا ضيق الوقت.

رجل عاش قرنا تقريبا، ورأى الفاشية في صباه والحرب الباردة في شبابه وتفكك اليقينيات في شيخوخته، ثم رفض في آخر أيامه أن يمنح التشاؤم شرف أن يكون موقفا. راهن حياته كلها على أن الكلام بين البشر يمكن أن يكون أكثر من ضجيج. والرهان لم يحسم بعد.

***

د. محمد غاني - المغرب

(أشد البشر حاجة إلى الفلسفة هم أولئك الذين لا يهتمون بالفلسفة)... آين راند (Ayn Rand) في سؤال: من يحتاج إلى الفلسفة؟

حين أُخرجت الفلسفة والمنطق من مواد مرحلة الثانوية العامة بمصر سنة 2024، بدعوى تخفيف العبء والتركيز على التخصص، جاءت النتائج وخيمة حيث تراجع الاهتمام بالمادة، وضعف وزنها الرمزي، وتحولها تدريجيًا إلى معرفة هامشية وبدل التفكير في بناء الانسان اصبح الأهم هو التكيف مع الامتحان.

وقبلها بسنوات قليلة ذكر جاك دريدا أنه عندما تقلد فكتور دوروي وزارة التعليم سنة 1863، وجد أن درس الفلسفة كان قد أُلغي من التعليم الثانوي منذ 1853 فأعاده، محددًا دور أستاذ الفلسفة كموظف في خدمة النظام الأخلاقي، بهدف تأطير الشباب البرجوازي وتحصينه من «المذاهب السلبية» التي انتشرت بسبب غياب الفلسفة. وعندما عرض الوزير الفرنسي رينيه هابي إصلاحه سنة 1975 مدعيًا الدفاع عن الفلسفة، تصدت له مجموعات من الأساتذة والباحثين، وفضحت ما اعتبرته دفاعًا وهميًا. فقد رأوا في الإجراءات الشكلية – تقليص الحصص والمعاملات وحذف المناصب – نيات مبيتة للإجهاز على الدرس الفلسفي. وأثاروا قضايا خطيرة منها: الفصل التعسفي بين الأقسام العلمية والأدبية.

هذه المعارك كشفت كما قال فلاديمير جانكليفتش:" ان تدريس الفلسفة بات مهددا في وجوده" وأصبحنا أمام معركة أعمق بين قوى تتطلع إلى الهيمنة: تفضل الإنسان المنضبط والتقني على الإنسان المتسائل والحر. والواقع ان ما حدث في مصر وفرنسا وغيرهما حول تعدد الأساليب التربوية وعدم استقرار المناهج وتراجع مكانة الفلسفة ليس مجرد اضطراب بيداغوجي، بل هو انعكاس لتصارع القوى داخل المجتمع حول مكانة السؤال النقدي وحاجتنا الى بناء مواطن حر ومسؤول.

واليوم في الجزائر، نقف أمام فصل جديد من هذه المعركة القديمة. بعد قرار إعادة تنظيم برامج السنة الثالثة ثانوي ومعاملات المواد، الذي يدخل حيز التنفيذ مع بكالوريا 2027، حيث أُخرجت الفلسفة عمليًا من امتحان البكالوريا في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، وتم دحرجتها الى السنة الثانية، وبقيت ركيزة أساسية فقط في شعبة آداب وفلسفة. ورغم ان الخطاب الرسمي يتحدث عن «إعادة برمجة» و«تخفيف العبء» و«التركيز على التخصص». الا ان السؤال الذي يفرض نفسه هو نفسه الذي طرحه الفرنسيون قبل قرن ونصف: هل نحن أمام إجراء تقني أم أمام فعل من شأنه اضعاف قدرة الأجيال على التفكير النقدي المستقل؟

لاشك ان قيمة المجتمع تقاس بمدى تأثير الفلسفة فيه،هذا المقياس الحضاري، الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي غيوم بيجار في دفاعه عن الفلسفة، يضعنا فورًا أمام هذا التساؤل: إذا كانت قيمة المجتمع تُقاس بتأثير الفلسفة فيه، فماذا يعني أن نقرر، بوعي أو بغير وعي، سحب الفلسفة من «لحظة الحسم»؟

علينا ان ندرك ان الفلسفة في وظيفتها ومن حيث قيمتها لم تُصمم في الأساس لتكون مجرد مادة دراسية بين مواد أخرى في التعليم الثانوي، بل جاءت للقيام بمهمة مزدوجة: تنشئة مواطنين مستنيرين قادرين على التفكير المستقل في القضايا الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وتنمية مهارات التفكير المنطقي والنقدي. لكن هذا كله أصبح اليوم في خطر ففي الجزائر، ومصر، وفرنسا، تتقاطع مسارات إصلاحية تبدو مختلفة في الشكل، لكنها تلتقي في الجوهر انها تعيد تعريف قيمة الفلسفة وفق معيار أداتي يقيس المادة بمدى خدمتها المباشرة للتخصص، لا بقدرتها على تكوين عقل مستقل.

وفي خضم هذا الجدل، يسهل الانزلاق إلى فخ ردود الفعل العاطفية. فمن جهة يتعالى بكاء من يرون في أي تغيير مؤامرة على العقل. ومن جهة أخرى يبرز خطاب يدعي «الموضوعية»، يسخر من هذا البكاء باسم الواقعية، ويبارك القرارات بدعوى أن المادة قد ماتت سريريًا في الأقسام، وفي نظري كلا الموقفين يشكل عائقا امام الفهم الصحيح، ذلك ان محاولة الإمساك بحقيقة ما يحدث تقتضي بداية شجاعة القول وقوة النقد معًا: شجاعة تسمح بتشريح القرارات الرسمية وفضح تناقضاتها، وقوة نقدية تمنع من الانجراف وراء خطاب العاطفة.

يمكن القول بداية ان ما حدث ليس مجرد إجراء إداري تقني هدفه « تخفيف العبء» عن التلميذ. فالمسألة أكبر وأخطر، إنها تتعلق بنموذج الإنسان الذي تريد المنظومة التربوية بناءه. حين تُسحب الفلسفة من لحظة الحسم في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، وحين يتحول أستاذ الفلسفة تحت وطأة هذا المنطق إلى «موزع علامات» بدل أن يكون مرافقًا لفعل التفكير، فإن ما يُعلن ضمنًا هو أننا لم نعد نرى في السؤال النقدي والتفكير المستقل شرطًا من شروط تكوين الطبيب والمهندس والعالم والفنان، وهنا نطرح سؤالًا أعمق يتجاوز الوزارة والمناهج ليصل إلى فلسفة المدرسة نفسها: ألا ينبغي أن تكون الثانوية ملاذًا آمنًا، بمنأى عن ضغوط البكالوريا و«عالم الشغل»،  الا ينبغي لها ان تتحول الى مكان امن لصقل الفكر والوصول إلى الحقيقة؟ على المدرسة الجزائرية والحال هذه أن تختار بين مسارين لا ثالث لهما: الاستقلال الفكري وتنمية العقل من جهة، أو التبعية الفكرية وعقلية العبودية والخضوع للانتهازية الاقتصادية من جهة أخرى. ويجب التذكير هنا بأن المجتمع الذي يتخلى عن التفكير والنقاش الحر والمسؤول يخلق أرضًا خصبة لتكرار أنماط تاريخية خطيرة تجد نموذجا الاوضح في محن الفلاسفة من سقراط الى ابن رشد ومن سقوط الاندلس الى انسان ما بعد الموحدين.

لحظة الحسم ومعيار القيمة

علينا ان ندرك ان البكالوريا ليست مجرد امتحان تحصيلي او جسر للمرور الى الجامعة. إنها بالأساس اللحظة التي تعلن فيها المنظومة التربوية ما تعتبره ضروريًا في نهاية التكوين الثانوي. وما يُمتحن فيه التلميذ يكتسب وزنًا رمزيًا وتربويًا، وما يُخرج منه يفقد تدريجيًا مكانته في وعي ولاوعي التلميذ والأسرة والمدرسة نفسها وعندما تُقصى الفلسفة من بكالوريا الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، أو يُخفض معاملها إلى حد يجعلها هامشية، فإن النتائج ستكون وخيمة على الفرد والمجتمع ذلك ان المعيار الأداتي، الذي يقيس قيمة المادة بمدى خدمتها المباشرة للمسار الجامعي أو المهني، يتعارض مع جوهر الفلسفة. فالفلسفة لم تكن يومًا أداة لخدمة تخصص بعينه، بل كانت شرطًا لإمكان التفكير في أي تخصص، والطبيب الذي لا يتساءل عن معنى الحياة والموت والمسؤولية، والمهندس الذي لا يفكر في آثار ما يصنعه على المجتمع والبيئة، والعالم الذي لا ينقد أسس معرفته، كلهم يفتقرون إلى بُعد أساسي من أبعاد الإنسانية وعلينا ان نتذكر ان العلم بدون ضمير هو خراب الروح.

دحرجت الفلسفة الى السنة الثانية يتناقض مع روح القانون التوجيهي

جاء في القانون رقم 08-04 المؤرخ في 15 محرم عام 1429 الموافق 23 جانفي سنة 2008، والذي يتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية في الفصل الرابع حول التعليم الثانوي العام والتكنولوجي وتحديدا

المادة 53 مايلي: يشكل التعليم الثانوي العام والتكنولوجي المسلك الأكاديمي الذي يلي التعليم الأساسي الإلزامي، يرمي التعليم الثانوي العام والتكنولوجي، فضلاً عن مواصلة تحقيق الأهداف العامة للتعليم الأساسي، إلى تحقيق المهام الآتية:

- تعزيز المعارف المكتسبة وتعميقها في مختلف مجالات المواد التعليمية.

- تطوير طرق وقدرات العمل الفردي والعمل الجماعي، وكذا تنمية ملكات التحليل والتلخيص والاستدلال والحكم والتواصل وتحمل المسؤوليات.  فكيف يتحقق ذلك ونحن نُقصي الفلسفة من السنة النهائية في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون؟ ان التلميذ في هذه المرحلة يقف على أعتاب الجامعة والحياة العملية، وهو في أمس الحاجة إلى الاتساع الأفقي والعمق الفكري وحرمانه من حقه في التفلسف يحوله من إنسان مفكر إلى تقني يعرف كيف يعمل، لكنه يجهل لماذا يعمل.

وإذا كان هذا القانون في روحه وجوهره حريص على بناء فكر التلميذ الجزائري وتمكينه من أدوات الاستدلال والحكم الصحيح وإذا كان من مهمة المدرسة تكوين مواطن ديمقراطي، قادر على التفكير النقدي وتدبير أحكامه الخاصة وتحمل مسؤولياته، فهل يُبنى الفكر النقدي في سنة واحدة بحجم ساعي محدود ومعامل ضعيف؟ ان الفلسفة رياضة عقلية تتطلب التدرج والتمرس ونقلها إلى السنة الثانية ثم إسقاطها من الثالثة يفقدها جوهرها، ويحولها من حوار عميق إلى تلقين سطحي بل الى مسكن عتيق غير قابل للسكن. واذا كان الهدف إعداد المتعلم لمتابعة الدراسات العليا باقتدار، فكيف نعد التلميذ العلمي أو التقني للجامعة ونحرمه من فلسفة العلوم والمنطق وأخلاقيات البحث؟  لا شك انه سيواجه في الجامعة متطلبات تتطلب روحًا نقدية وقدرة على التساؤل حول أسس المعرفة، وغياب الفلسفة في السنة الثالثة يخلق فجوة حقيقية بين التكوين الثانوي والجامعي واذا كنا نعاني من هشاشة تكوين الأستاذ وضعف التلميذ فالحل لا يمكن تلمسه في قتل الفلسفة باسم تقويمها وعلينا ان نتذكر كما قال إتيان جيلسون (إن من شأن الفلسفة أن تفلح دوماً في دفن حفاري قبرها).

أي إنسان نريد؟

ان السؤال الحقيقي ليس: هل نُبقي على الفلسفة أم نحذفها؟ بل: أي إنسان تريد المدرسة أن تخرجه؟ إنسانا يجيد الإجابة عما يطلب منه في تخصصه؟ أم إنسانا قادرا على أن يسأل لماذا يطلب منه ما يطلب، وأن يتحمل مسؤولية تفكيره؟ ففي زمن يطرح فيه الذكاء الاصطناعي أسئلة أخلاقية غير مسبوقة، وفي زمن تنتشر فيه الخطابات الجاهزة والتطرف والتسطيح، يصبح إضعاف الفلسفة خيارًا محفوفًا بالمخاطر، والمجتمع الذي يتخلى عن فن السؤال يمهد الأرض للتبعية الفكرية والخضوع. والمطلوب ليس إعادة الفلسفة كمادة شكلية لملء الجداول، بل إعادتها إلى السنة الثالثة في جميع الشعب، بحجم ساعي كافٍ ومعامل مناسب، كممارسة حية في قلب التكوين ومد جذورها الى السنوات الأولى والثانية للتعليم الثانوي والتفكير في ادراجا في نهاية مرحلة التعليم الأساسي والاحتفاء بها من خلال ما يسمى أولمبياد الفلسفة وغيرها من الإجراءات التي اشرنا اليها في مقالات سابقة، لأن الفلسفة ليست ترفًا فكريًا، ولا جثة محنطة في متحف المناهج. إنها ضرورة حياتية، وهي روح الديمقراطية، وأساس المواطنة، وشرط البقاء الإنساني في مواجهة الآلة والانغلاق، ولنستمع إلى صوت العقل، وإلى روح القانون، ونمنح أبناءنا فرصة التفكير العميق قبل دخولهم الحياة الجامعية والعملية. فالمجتمع الذي يقيس قيمته بمؤشرات النجاح وحدها، دون أن يسأل عن مدى تأثير الفلسفة فيه، مجتمع يختار التبعية على الحرية، والصمت على السؤال.

كتخريج عام

يمكن القول انه ليس جديدًا أن تعلن نهاية الفلسفة أو يتنبأ بأفولها؛ فقد تكرر هذا الإعلان في كل عصر تقريبًا، ومع ذلك لم يتحقق قط لأن الفلسفة لا تستمد حياتها من قرار إداري، ولا من برنامج دراسي، بل من حاجة الإنسان الدائمة إلى الحقيقة والمعنى والحرية.

إن الدفاع عن الفلسفة، ليس دفاعًا عن مادة في جدول التوقيت، ولا عن امتياز مهني لفئة من الأساتذة، بل هو دفاع عن فكرة المدرسة نفسها، وعن حق الطبيب والمهندس والعالم والفنان والمواطن في أن يتعلموا كيف يفكرون قبل أن يتعلموا ماذا ينتجون. فحين تغيب الفلسفة عن لحظة الحسم في التكوين، لا تخسر الفلسفة وحدها، بل تخسر العلوم بوصلة النقد، ويخسر المجتمع أحد أهم شروط حريته.

ولهذا، فإن القضية ليست قضية الفلسفة وحدها، بل قضية الإنسان الذي نريد أن تخرجه المدرسة. أما الفلسفة، فستظل – كما يعلمنا تاريخها – قادرة على أن تبدأ من جديد كلما ظن الناس أنهم بلغوا نهايتها، لأن مستقبل الفلسفة إن تحقق أمره، مرهون بمستقبلنا نحن.

***

عمرون علي

في المثقف اليوم