عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

هناك لحظات لا يحدث فيها شيء.. لا خبر سيئا يصل، ولا كارثة تقع، ولا أحد يغادر، ولا شيء ينكسر أمام أعيننا.

ومع ذلك نشعر، بطريقة غامضة، أن شيئا في الداخل قد انطفأ.

نجلس في المكان نفسه الذي جلسنا فيه بالأمس، نرى الأشياء نفسها، نسمع الأصوات نفسها، نفتح الهاتف نفسه، نمر على الوجوه نفسها، وننجز ما اعتدنا إنجازه... لكن شيئا ما لا يعود يشبهنا.

لا نستطيع أن نسميه حزنا. ولا هو تعب. ولا هو اكتئاب بالضرورة.

إنه ذلك الشعور المراوغ الذي يجلس إلى جوارنا دون أن يتكلم:

الملل.

لكنني لا أعتقد أن الملل دائما يعني أن الحياة فارغة.

أحيانا يكون العكس تماما.

أحيانا يكون الملل هو اللحظة التي تكتشف فيها أن الحياة أصبحت أضيق من أسئلتك.. وأن المكان الذي اعتدت أن تسكنه لم يعد يتسع لك.

وأن الروتين الذي كان يمنحك الأمان بدأ يتحول إلى قفص.

وأنك لم تعد بحاجة إلى مزيد من الأشياء، وإنما إلى معنى جديد للأشياء الموجودة.

لهذا أعتقد أن الملل ليس دائما فراغا في الحياة.

أحيانا يكون احتجاجا صامتا على حياة لا تشبهنا.

ولكن لماذا نشعر بالملل؟

السؤال يبدو بسيطا، لكنه ليس كذلك.. فالإنسان يستطيع أن يشعر بالملل في أكثر الأماكن ازدحاما، وفي أكثر الأيام نجاحا، وحتى وسط أشخاص يحبهم.

وقد يعيش إنسان حياة شديدة البساطة دون أن يشعر بالملل، بينما يعيش آخر وسط السفر والعمل والناس والأحداث، ويشعر بأن كل شيء يتكرر.

إذن ليست كثرة الأشياء هي التي تهزم الملل. ولا ندرة الأشياء هي التي تصنعه.

ربما المسألة أعمق: علاقة الإنسان بما يعيشه.

حين تتوقف الحياة عن مفاجأتنا، يبدأ الملل.

وحين نتحول نحن إلى نسخ متوقعة من أنفسنا، يبدأ الملل.

وحين نعرف مسبقا ماذا سنفعل، وماذا سنقول، وماذا سيحدث، وماذا سيقوله الآخرون، تصبح الأيام متشابهة حتى لو تغيرت تواريخها.. يبدأ الملل

فالملل ليس أن يتكرر اليوم.

الملل أن يتكرر الإنسان داخل اليوم.

عند هايدغر، يصبح الملل أكثر من شعور عابر.

إنه حالة وجودية تكشف للإنسان شيئا عن علاقته بالعالم.

في الملل العميق لا يكون الشيء مملا بالضرورة.

قد لا يكون هناك شيء محدد نستطيع أن نشير إليه ونقول: هذا ما يزعجني.

كل شيء يبدو موجودا، لكن لا شيء يبدو قادرا على جذبنا.

العالم لا يختفي. بل يفقد بريقه.

الأشياء حولنا تبقى في أماكنها، لكنها تفقد قدرتها على استدعائنا.

وهنا تصبح تجربة الملل مرآة قاسية:

ربما ليست المشكلة أن العالم فقد معناه، وإنما أننا فقدنا علاقتنا بالمعنى.

ولهذا قد يكون الملل أحيانا دعوة إلى الاستيقاظ.

أن نسأل:

ماذا حدث لي؟

متى أصبحت الأشياء التي كانت تدهشني عادية؟

متى توقفت عن السؤال؟

متى تحولت الحياة إلى قائمة مهام؟

ومتى أصبحت أعيش لأن علي أن أعيش، لا لأنني أشعر أنني أعيش؟

أما شوبنهاور، فيأخذنا إلى منطقة أكثر تشاؤما.

فالإنسان، في رؤيته، يتأرجح بين الألم والملل؛ نريد شيئا، فنظل قلقين حتى نحصل عليه، ثم حين نحصل عليه يفقد بريقه، فنبدأ في البحث عن شيء آخر.

نرغب.

نسعى.

نصل.

نشبع.

ثم نشعر بالفراغ.

ثم نرغب من جديد.

كأن الرغبة هي التي تدفع عجلة الحياة، وكأن إشباعها لا يمنحنا دائما السعادة التي تخيلناها.

وهنا تكمن إحدى مفارقات الإنسان المعاصر:

لقد امتلكنا وسائل لا حصر لها لقتل الملل، لكننا لم نعرف بالضرورة كيف نعيش.

لدينا آلاف الأفلام، وملايين الصور، وموسيقى لا تنتهي، وأخبار لا تتوقف، وهواتف تستطيع أن تفتح أمامنا العالم كله.. ومع ذلك يمكن للإنسان أن يشعر بفراغ هائل.

لأننا أحيانا لا نحتاج إلى مزيد من المثيرات.

نحتاج إلى شيء يجعل وجودنا جديرا بالانتباه.

وهنا أصل إلى علاقتي الشخصية بالملل.

أنا لا أخاف الملل. ولا استسلم له

لكنني أتعامل معه كإشارة.

حين أشعر أن الأيام أصبحت متشابهة، لا أسأل نفسي:

بماذا أقتل الوقت؟

هذا السؤال في حد ذاته يزعجني.

لماذا نريد دائما أن نقتل الوقت؟

أليس الوقت هو الشيء الوحيد الذي لا نستطيع استعادته؟

أنا أسأل سؤالا آخر:

ماذا يريد هذا الملل أن يقول لي؟

أحيانا يكون الجواب واضحا.

ربما أحتاج إلى تغيير.

ربما أحتاج إلى الابتعاد عن مكان أو شخص أو نمط حياة.

ربما عقلي يحتاج إلى سؤال جديد.

وربما أكون قد أمضيت وقتا طويلا في شيء لم يعد يضيف إلي شيئا.

لهذا لا أهرب من الملل دائما. بل أجلس معه.

أراقبه.

أتركه يتكلم.

فقد يكون الملل في بعض الأحيان أكثر صدقا من الانشغال.

الانشغال يستطيع أن يخدعنا.

يمكننا أن نملأ اليوم بالعمل والرسائل والمواعيد والضجيج، فقط كي لا نسمع السؤال الموجود في الداخل.

أما الملل فيجبرنا على مواجهته.

أنا أواجه الملل بالكتابة.

لا لأن الكتابة تسليني، وإنما لأنها تحول الفراغ إلى سؤال.

حين أشعر أن شيئا ما في داخلي يريد أن يتكلم، أكتب.

قد تبدأ الفكرة صغيرة جدا.

كلمة... مشهد.. سؤال.. جملة سمعتها... وجه مر في الشارع... شجرة وقفت أمامها.ثم يبدأ السؤال في النمو.

وهكذا يصبح الملل مادة خاما للفكر.

أحيانا أكتب لأنني لا أعرف ماذا أفعل.

ثم أعرف، وأنا أكتب، ماذا كان ينقصني.

وهذا أحد أسرار الكتابة بالنسبة إلي:

أنها لا تقتل الملل؛ إنها تستخرج منه معنى.

وأواجه الملل أيضا بالفضول.

أقرأ كأنني لم أعرف شيئا من قبل.

أذهب إلى فكرة لا أعرفها.

أفتح كتابا لا يشبه الكتب التي اعتدت قراءتها.

أدخل منطقة فكرية لا أعرف إلى أين ستقودني.

فالفضول هو العدو الطبيعي للملل.

الإنسان الذي ما زال يسأل لا يستطيع أن يكون مملا تماما، حتى لو كان جالسا في غرفة واحدة.

السؤال يفتح نافذة.

والفكرة تفتح بابا.

والدهشة تعيد للوقت حركته.

لذلك أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يشعر بالملل، وإنما أن يفقد فضوله تجاه العالم

وأحيانا أواجه الملل بأن أغير شيئا صغيرا.

لا أحتاج دائما إلى ثورة.. قد أغير المكان.. أمشي بلا هدف.أجلس وحدي.

ألتقي شخصا لم أره منذ وقت.

أقرأ شيئا مختلفا.

أعيد ترتيب المكان.

أذهب إلى مدينة احبها

أستمع إلى موسيقى قديمة. او الي اغنياتي المفصل

أجلس أمام البحر.

أمشي تحت المطر.

فالإنسان ليس آلة تحتاج دائما إلى إنجازات ضخمة كي تشعر بالحياة.

أحيانا يكفي أن نخرج من الطريق الذي حفظناه

لكنني أعتقد أن هناك مللا أعمق من ملل الروتين.

إنه ملل الوجود.

ذلك السؤال الذي لا علاقة له بما سنفعله مساء اليوم، وإنما بما نفعله بحياتنا كلها.

لماذا أعيش؟

إلى أين أمضي؟

هل ما أفعله يشبهني؟

هل أريد هذه الحياة فعلا؟

هل أعيش وفق اختياراتي أم وفق ما اعتدت عليه؟

هل أنا الشخص الذي أردت أن أصبحه؟

هنا يصبح الملل فلسفة.

لأنه لا يعود سؤالا عن الوقت، وإنما عن المعنى.

وربما لهذا كان كامو مهما في التفكير في الحياة.

فالإنسان يبحث عن المعنى، بينما العالم لا يقدم له دائما إجابة جاهزة.

وهنا تظهر العبثية.

لكنني لا أرى أن اكتشاف العبث يجب أن يقودنا إلى الاستسلام.

ربما العكس.

ربما حين نكتشف أن الحياة لا تقدم لنا معناها جاهزا، تصبح مهمتنا أن نصنع معناها بأنفسنا.

أن نكتب.

أن نحب.

أن نفكر.

أن نترك أثرا.

أن نعيش رغم عدم وجود ضمانات.

أن نصنع من وجودنا إجابة شخصية على سؤال الوجود

أحيانا أتساءل:

هل نحن نمل لأن الحياة لأن توقعاتنا منها أصبحت ضخمة إلى درجة يستحيل معها أن ترضينا؟

نريد حياة استثنائية.

نري أن يكون كل يوم ممتعا.

نريد أن نكون سعداء طوال الوقت.

نريد النجاح والحب والسفر والإنجاز والدهشة.

ثم نتفاجأ بأن الحياة تحتوي أيضا على أيام صامتة، وأيام متشابهة، وأيام لا يحدث فيها شيء.

لكن ربما هذا طبيعي.

فليست الحياة حفلا متواصلا.

وليست كل لحظة مطالبة بأن تكون عظيمة.

هناك أيام مهمتها الوحيدة أن تمر.

وهذا لا يعني أنها بلا قيمة.

قد يكون الهدوء نفسه جزءا من الحياة.

وقد يكون الفراغ أحيانا مساحة يتنفس فيها العقل.

ولهذا لا أريد أن أحارب كل ملل

أخطر أنواع الملل، في رأيي، هو أن يعتاد الإنسان حياته إلى درجة يتوقف فيها عن السؤال إن كان سعيدا.

أن يقول: هكذا هي الحياة.

هذه الجملة القصيرة قد تكون قبرا كاملا.

هكذا هي الحياة؟

ومن قال؟

ومن قرر أن الطريق الذي نمشي فيه هو الطريق الوحيد؟

ومن قال إن ما اعتدناه هو ما نريده؟

ربما يكون جزء كبير من نضج الإنسان هو أن يجرؤ، بين حين وآخر، على أن ينظر إلى حياته من الخارج.

أن يسأل نفسه:

لو التقيت نفسي اليوم لأول مرة، هل سأختار أن أعيش هذه الحياة؟

السؤال مؤلم.

لكنه ضروري

وأعتقد أن المرأة التي أكونها اليوم لا تستطيع أن تعيش طويلا في حياة مغلقة.

أنا بطبيعتي أحتاج إلى الحركة الفكرية.

أحتاج إلى الكتابة.

إلى السؤال.

إلى الاختلاف.

إلى الكتب.

إلى الناس الذين يضيفون إلي شيئا.

إلى الأفكار التي تزعج يقيني.

أشعر بالاختناق حين يصبح كل شيء متوقعا.

حين تصبح الكلمات محفوظة.

والحوارات مكررة.

والأيام نسخة عن أيام سابقة.

لذلك ربما لا يكون عدوي الحقيقي هو الملل.

عدوي الحقيقي هو الجمود.

فالملل يمكن أن يكون بداية حركة.

أما الجمود فهو أن أشعر بالملل ثم أقرر أن أعيش معه.

أن أعرف أن شيئا ما لا يشبهني ثم لا أغيره.

أن أشعر بأن حياتي تضيق ثم أتعلم كيف أتنفس في الضيق.

أن يصبح الاعتياد بديلا عن الحياة.

وهذا ما اريده

أريد أن أظل امرأة يمكن أن تغير رأيها.

يمكن أن تتعلم شيئا جديدا.

يمكن أن تبدأ مشروعا جديدا.

يمكن أن تكتب عن موضوع لم تكتبه من قبل.

يمكن أن تذهب إلى مكان لم تذهب إليه.

يمكن أن تكتشف في نفسها منطقة لم تكن تعرفها.

لا أريد أن أصبح سجينة النسخة التي صنعتها عن نفسي.

حتى صورتي عن نفسي أريد أن أترك فيها نافذة مفتوحة.

فربما تكون الحياة الحقيقية هي تلك المساحة التي لم نكتشفها بعد في أنفسنا

والملل، في النهاية، ليس دائما عدوا.

وأحيانا يكون الملل رسول غامض يجلس أمامنا ويقول:

لقد انتهى شيء.

كيف أتخلص من الملل

ربما تكون الحياة الممتعة هي التي نظل فيها قادرين على رؤية ما يحدث.

أن نرى الضوء على جدار.

أن ننتبه إلى صوت المطر.

أن نسمع جملة فتوقظ فينا فكرة.

أن نقرأ كتابا فنكتشف أننا لسنا الشخص نفسه بعد الصفحة الأخيرة.

أن نجلس مع شخص فننسى الوقت.

أن نحب شيئا دون أن نحتاج إلى تبرير حبنا له.

أن نستطيع أن نقول:

اليوم لم يحدث شيء عظيم.

لكنني كنت حاضرة.

وهذا يكفي.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

مفهوم مُصطلحيّ الأصالة والمعاصرة كما فسّره لنا أقطابُ الأدب، وفقهاء اللغة، وصناديد ُالفِكر، وفرسانُ الثقافة، والإبداع على مصاطب العِلم، وفى حلقات الدرْس وما جاء مبثوثاً فى بطون كتب وأسفار المصادر، ومظانّ المراجع التاريخية، والأدب، والنقد، والفكر، والعِرفان.. بعيداً عن السياسة وبمنأى عن أهوالها وويلاتها.. يطيب لي بادئ ذي بدء أن ألفت نظر القراء الكرام أنّ هذا المقال لا علاقة، ولا صلة له إطلاقاّ من قريبٍ أو بعيد بالسياسة أو بالأحزاب السياسية من أيّ لونٍ كانت، خاصّة، والبلاد عاشت مؤخراً فى خضمّ أوار، وأتون الحملات الإنتخابية المستعرة للأستحقاقات التي شهدها المغرب فى الثالث والعشرين من شهر سبتمبر الفارط 2026.

حزب الصّداقة الخالصة!

 ينبغي أن أنهي إلى وطيد علمكم - بهذه المناسبة - بادئ بدء أنني لم أنتمِ قطّ فى حياتي لأيِّ حزبٍ سياسيٍّ فى بلادنا، وإن كانت تربطني صداقات حميميّة متينة مع العديد من الأعضاء، والمنتمين أو المسيّرين أو زعماء بعض هذه الأحزاب الكبرى في بلادنا حيث كنت وما زلت أنشر مقالاتي، ودراساتي بين الفينة والأخرى فى صُحفهم وجرائدهم، ولا أخفي عنكم سرّاً إنْ أنهيتُ إلى علمكم أيضاً أنه قد عُرض عليّ فى العديد من المناسبات الإنتماء إلى بعض هذه الأحزاب منذ سنوات بعيدة خلت إلى يومنا هذا المشهود، حيث زارني بعضُهم لهذه الغاية خلال تأدية مهامّي كملحق صحفي، ومستشار سياسي، وثقافي، ووزير مُفوّض، ثمّ كقنصل عام، وسفير مفوّض وفوق العادة فى بعض مقارّ عملي بقصلياتنا، وسفاراتنا فى مختلف البلدان التي عملتُ بها، ولكنني كنت دائماً أعتذر بلطف للجميع.. ! وكنت فى تدوينةٍ سابقة قد أنهيتُ إلى علكم أنَّ الحزبَ الوحيد الذي أتنمي إليه حقيقةً هو (حزب الصّداقة الخالصة التي تربطني بكم جميعاً معشر لقراء الكرام والقارئات الكريمات) ويملأني ذلك فخراً، وزهواً، ونخوةً وإعتزازاً.. وما أكبرَ، وما أعظمَ، وما أوسعَ، وما أشسعَ قاعدة حزبنا الصّلبة التي تغطيّ مختلفَ أنحاء المعمور فى مشارق الأرض ومغاربها، وهي تضمّ تحت فضائها الوريف مختلف الجنسيّات، والأصول، والجذور، والملل، والنّحل، والإثنيات، والأعراق الذين أكنّ لهم ولهنّ جميعاً كلّ المودّة، والتجلّة، والتقدير. بعد هذه التوطئلة انتقل الى القول:

كما هو فى علمكم وعلم الجميع أنّ صفوةٌ من النُخبٍ السياسية فى مجتمعنا المغربي أمعنت منذ سنوات بعيدة خلت على إستعمال مُصطلحيْ الأصالة والمعاصرة -المُثقليْن بحمولةٍ وِقْرِيّةٍ، وَسَقيّةٍ هائلة تنوءُ بكاهلِ حامليها حضاريّاً، وتراثيّاً، وروحيّاً، وثقافيّاً، وفكرياً، وتاريخيّاً، وعوائديّاً، وأدبيّاً، وشعريّاً، ولغوياً وسواها- دأب هؤلاء وألئك على إستعمال هاذين المُصطلحين فى صُلب أهوال السياسةوويلاتها، التي قد يَنظرُ إليها غيرُ قليلٍ من النّاس بنوعٍ من التلكّؤ، والشّزر، والإزدراء، والإرتياب، فى حين قد ينظر إليها آخرون بقدرٍ باهظٍ من الإعجابِ، والإعتزازِ، والزّهوِ، والفخار.. ! فكلّ شئٍ يظلُّ نسبياً فى عُرفهم، كما أخبرهم بذلك الأنكل ألبرتْ أنشتاين! وقديماً قال أحدُ العارفين: مَنْ تسيّسّ ولم يتسلّق، فقد أخفقَ، ومَنْ تسلّق ولم يتأنّق فلن يتألّق، كما أنّه مَنْ تفقّه ولم يتصوّف، فقد يتفسّقَ، ومَنْ تصوّف ولم يتفقّه، فقد يتزندقَ، ومَنْ جمعَ بين هذه المعاني، والأماني، والمثاني جميعِهاً فقد تحقّق…! إنّهم هؤلاء وأولئك الذين:

(يُحَيَّوْنَ بَسَّامِـيْنَ طَـوْراً وتـارةً / يُحَيَّوْنَ عَبّاسِيْنَ شُوْسَ الحَواجِبِ).. !

موضوع سال من أجله مداد غزير فى ثقافتنا، له صلة مباشرة بما يُنعَتُ إصطلاحاً بالثابت والمتحوّل، أو الأثيل والدخيل، أو الأصيل والمعاصر، أو الوافد والتليد، أو الإتّباع والإبداع، فهناك من يتشبّث بالأصول لا يرضى بها أو لها بديلا تحت ذريعة حفظ الهويّة والجذور، وهناك من يعانق كلَّ جديدٍ وافدٍ كَسِمَةٍ وعلامة من سمات أو علامات الإنفتاح، والتطوّر، والحداثة، والعصرنة، بمعانيها الواسعة، وهناك من يحاول الجمع، أوالتقريب بين هاذين التيارين الذين يبدوان للوهلة الأولى وكأنّهما يقومان على طرفي نقيض. وينطبق هذا على مختلف مجالات الفكر، والثقافة، والآداب، والعلوم، والشّعر، والشريعة، واللغة ومعظم المجالات، والمفاهيم، والسلوكيّات التي أضحت تتحكّم فى حياتنا العصرية فمصطلح الثابت معناه الرّسخ أو الرّاسخ، أو القارّ والمستقرّ، ومعناه الديمومة، والإستمرارية، والملازمة، والمكوث، والبقاء، وجاء فى مُحكم التنزيل: (كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)، وأمّا مصطلح المتحوّل، أو المتغير، أو المتحرّك، أو المتنقّل فمعناه التحوّل، والتبدّل، والتغيير، أو التغيّر، و جاء هذا المعنى فى القرآن الكريم (إنّ الله لا يغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسِهم).

بين مفهوميْ الثّابت والمُتحرّك

الثابت والمتحوّل، يفضيان إذن إلى ما يُعرف بالاصالة والمعاصرة، أو بالقديم والحديث، أوبالمطلق والنسبي، أو بالموروث والحداثة.ويؤكد غير قليل من الباحثين أنّ الجدلية بين ثقافة المجتمع وقيمه لا يمكن أن تنفصم، وكلّ ثقافة لا تنطلق من قيم المجتمع السائدة فيه هي ثقافة منبوذة، وعليه فإنّ أيَّ مجتمعٍ أيّاً كان لا يمكنه أن يتأقلم مع ثقافات أجنبية دخيلة أو وافدة عليه تتنافى أو تتجافى مع القيم الأصيلة لهذه المجتمعات أو هذه الثقافات.

وليس معنى التشبّث بالثقافة الأصلية إهمال ثقافة الآخر، وعدم الاطلاع عليها والإفادة منها، بل إنها تعني العودة إلى الأصول، والإغتراف من الينابيع الأولى أيّ الرجوع إلى (الأصل أو الأثل) بمعناهما الواسع. مع ضمان المرونة والإنفتاح.

وما فتئنا نشهد معاركَ كلامية ساخنة، ولا أقول طاحنة إلى يومنا هذا بين مُسمّيات، ومُصطلحات لغوية متعددة ولكنها تصبّ فى آخر المطاف فى معنىً واحد، وهي طالما وردت وكرّرت وإنثالت على ألسن مختلف الدّارسين فى مختلف ربوع وأصقاع العالم العربي والإسلامي المترامي الأطراف، مثل مصطلحات من باب (التقليد والتجديد، والأصيل والدخيل، والمحافظة والتحديث، والجمود، والجموح، والتحرّر، والإنعتاق، والرجعية والتقدمية، والأنا والآخر، والقيد والإنطلاق، والإنسية والإستلاب، والوافد والتالد، والمحليّ والعالمي، والقديم والجديد، والتراث والحداثة.. إلخ.

ويؤكّد الناقدان الانجيزيان ريتشارد وأوغدن Ogden and Richardsفى كتابيْهما الذائع الصّيت فى معنى المعنى The Meaning of Meaningأنّ الثقافة مثل اللغة (مخلوقٌ حيٌّ يدبّ على قدميْن) وهي ليست جامدة، أو هامدة بل إنها فى تبدّل وتطوّر دائميْن، وهي فى نموّ مطّرد، وتغيّر متواصل. وإلقاء نظرة على تاريخنا وثقافتنا ولغتنا فى مختلف العصور يؤكّد لنا مصداق هذا القول. فالإنفتاح الذي طبع ثقافتنا هو الذي كفل لها الغنى والثراء، والإستمرارية، والتطوّر الذين تتميّز بهما اليوم، متشبّثة بماضيها التليد، وقائمة على حاضرها العتيد، ومنفتحة على غدها الواعد.

كلمة ¨أدب وتطوّرها عبر العصور

فلنتوقّف قليلاً فى هذا المجال عند كلمة الأدب بالذّات على سبيل المثال وليس الحصر كنموذج للتطوّر واالتحوّل اللذين تشهدهما اللغة نفسها، والكلمات والألفاظ التي تتالّف منها، فقد صار معنى كلمة الأدب يكتسب فى كلّ عصر مفاهيم جديدة لم يكن يعنيها من قبل، وهي من المصطلحات التي دارت حولها مناقشات عدّة. هذا ما أكّده لنا جهابذة الدارسين، والمدرّسين للأدب العربي، والنقد الأدبي بشكل مباشر فى حلقات الدّرس الذي كنّا نختلف إليها بكلية الآداب بجامعة عين شمس بالقاهرة ّ أمثال الدكاترة مصطفى الشكعة، وعبد القادر القطّ، وعزّ الدّين إسماعيل، ومصطفى ناصف، ولطفي عبد البديع وسواهم، من تلامذة تلاميذ طه حسين رحمه الله. فهذه الكلمة أدبعرفت عدّة مراحل أو أطوار لغوية، ففي الجاهلية إستعملت في كلامهم شعرًا ونثرًا بمعنى الدعوة إلى الطعام، ويستدلّ المؤرخون القدماء على ذلك بقول الشاعر المنكود الطالع، المأسوف على شبابه طرفة بن العبد :نحن في المشتاةِ نَدْعُو الجَفَلَى / لاتــرى الآدِب فينا يَنْتَقِر، (إنك لا ترى الدّاعي فينا إلى الطعام يخصّ شخصاً دون آخر)، ومنها اشتقوا كلمة (أدٌب – يأدٌب) بمعنى أعدّ أو صنع طعامًا، كما إشتقّت منها كلمة (المأدبة) جمع مآدب وهي الوليمة، أو الولائم.

وقد تحوّل هذا المعنى إلى قياس، فالضّيف أو الآدب إلى المأدبة غالبا ما يتّسم بأدب، وحشمة، وخجل، وخلق، والغريب أنّه فى لغة أو أمازيغية سكّان منطقة كتامة وضواحيها وأرباضها (الواقعة على الطريق الجبلية القديمة الرّابطة بين مدينتي تطوان والحسيمة)حيث توجد ثاني أعلى قمّة فى المغرب وهو جبل تدغين بعد توبقال، يُسمِّي بعضُهم الضيوفَ بهذا المعنى أيّ الخجولون ! فيقولون على سبيل الدعابة والمزاح: (إمْحَاشمَنْ ينقّين أوزرطيط) أيّ (الضيوف يقتلهم البّرد).. ! وهي منطقة معروفة بالبرد الشديد القارص الزّمهرير خلال فصل الشتاء على وجه الخصوص، ويقال عند أهل الرّيف فى هذا الصّدد بنفس المعنى: إنبجيونْ إنقّين أصمّيض.وهناك أبيات طريفة فى سياق آخرعن الضيف للصّوفي الشهير الحسين ابن منصور الحلاّج يقول فيها:

نديمي غيرُ منسـوبٍ / إلى شـــــــيءٍ من الحيفِ

سقاني مثلما يشــــرب / كفعل الضيفِ بالضيفِ

فلـــما دارت الكــأسُ / دعا بالنّطعِ و الســّــــيفِ

 كذا مَنْ يشربُ الرّاحَ / مع التنّين في الصّـــــيفِ

ولقد إستعمل الرّسول الكريم كلمة أدب فيما بعد فقال أدّبني ربّي فأحسن تأديبي .ثم إستعملت فى العصر الأموي بالمعنى الخلقي والتهذيبي، إلا ّأنه أضيف لها معنى تعليمي، فالمؤدّبون كانوا يعلّمون أبناءَ الخلفاء مختلف العلوم، والمعارف، والآداب، والأخبار. ثمّ أصبحت هذه الكلمة تعني (العِلم) الذي كان يطلق إبّانئذٍ غالباً على العلوم الدينية والفقهية إلخ.وقيل كلّ إناء يضيق بما فيه، إلاّ إناء العِلم فإنه يزداد إتّساعاً، ويُقال:مَنهُومَان لا يشبعان طالبُ علمٍ وطالبُ مال.!

وكان التعليم الأدبي فى العصر العبّاسي قائماً على الحفظ، والإجترار، والعنعنة، والرّواية، والنّسب، والشّعر، واللغة، ونحوها، فأطلقت على كلّ هذه العلوم، قال صاحب المقدّمة ابن خلدون الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كلّ علم بطرف.ثمّ صارت الآداب تطلق على فنون المنادمة وأصولها، إذ كانوا يعتبرون معرفة النغم، والأغاني، والسّماع من أرقى وأرقّ فنون الآداب، ثم إنفرد لفظ الأدباء بالشّعراء والكتّاب.ثم أصبح الأدب يرادف لفظ الثقافة، فالعلوم، والمعارف، والإنسانيات، والإجتماعيات، واللّسنيات، والفنون الجميلة كالموسيقى، والرّسم، والتصوير، والشعر، ومختلف مجالات الإبداع، تدخل في باب الأدب بمعناه العام والواسع اليوم.

اللّغات الأصلية والهويّات والأعراق

كنت قد نبّهت فى عدّة مقالات سابقة فى هذا المنبرالاعلامي الرّصين وفى سواه أنّ الدّفاع عن جذورنا، وأصولنا، وعن أصالتنا، وهويّتنا، وكياننا، أوإنفتاحنا، وتطوّرنا، لا ينبغي أن يثنينا، أو ينسينا، أو يقصينا، أو يبعدنا عن العناية، والإهتمام، والنّهوض، والدّفاع كذلك بشكل متوازعن عناصرهامّة، ورئيسية أخرى فى المكوّنات الأساسية، والأصلية، والأصيلة للهويّات، والإثنيات، والأعراق الوطنية الأخرى فى رقعتنا الجغرافية، وفى مختلف أنحاء المعمور، ففى حالة البلدان المغاربية على سبيل المثال، فإنّ اللغات الأمازيغية التي تعتبر من المكوّنات الأصليّة كذلك فى نسيجها الإجتماعي قد تعايشت جنباً إلى جنب مع لغة الضّاد فى تآخٍ، وتكاملٍ، وتناغمٍ وتلاحمٍ منذ وصول أو دخول الإسلام إلى هذه الرّبوع والأصقاع، والتأثّر والتأثير المتبادل ببينهما، فى مجتمعات إتّسمت بإستمرار بالعدّد، والتنوّع، والمرونة والإنفتاح، ليس على لغاتها ولهجاتها الأصلية المتوارثة وحسب، بل وحتى على اللغات الأجنبية الأخرى الدخيلة كالفرنسية، والإسبانية، والإنجليزية، والإيطالية، والبرتغالية وسواها، وحسبي أن أشير فى هذا الصّدد إلى التعايش الذي كان قائماً بين هذه اللغات برمّتها، والذي لم يمنع أبداً فى أن يكون هناك علماء أجلاّء، وفقهاء جهابذة، وشعراء أفذاذ، فى هذه اللغة أو تلك من مختلف جهات ومناطق هذه البلدان، وكان المواطن من أصل عربيّ فى هذا السياق يفتخر ويتباهى بنخوة وشجاعة وأرومة إخوانه من البربر الأمازيغ، والعكس صحيح، قال قائلهم فى هذا الصدد متباهياً بجذرهم العريق: (وأصبحَ البِرُّ من تكرارهِ علماً / على الخير والنّبل والمكرمات). فالبِرّ (بكسر الباء) الذي يعني الخير والإحسان إذا كُرِّر مرّتيْن أصبح (بِرّبِرّ) أي البربر !.

وأعيد إلى الأذهان فى هذا المقام قولَ شاعرٍ آخر من الرّيف الوريف ينشد متحسّراً ومتألّماً على حاضرته التي إندرست، وإندثرت، وتلاشت، وإمّحت، وزالت، وبادت بعد التعايش الزّاهر، والإزدهار المتألّق اللذيْن عرفتهما مدينته من قبل، مستعملاً ثلاث لغات فى بيتٍ واحدٍ من الشّعر، وهي اللغات: (العربيّة، والرّيفيّة، والسّودانية)، وهو خير دليل على توفّرعناصر التثاقف، والمثاقفة، والتمازج، والتعدّدية والإنفتاح التي كانت سائدة فى ذلك الإبّان فقال:

(أثادّرث إينُو مَانيِ العلومُ التي دَكَمْ / قد إندرستْ حقّاً وصارتْ إلى يَرْكَا).

وقيل إنّ الكلمة الأخيرة الواردة فى هذا البيت وهي يَرْكَا تعني باللغة السّودانية الله، وبذلك يكون معنى البيت:(أيَا دارِي أينَ العلومُ التي كانت فيك.. قد إندرست حقّا وصارت إلى الله)، ويذكّرنا هذا البيت ببيتٍ آخرشهير للبيد ابن ربيعة العامري الذي يقول فيه:

ألاَ كلُّ شئٍ مَا خَلاَ اللهَ باطلُ / وكلُّ نعيمٍ لا محالة زائلُ.

 الأصالة : تقتضي الإعتزاز بالإنتماء، والتشبّث بالأصول، والتعلّق بالجذور، والتراث، والعودة إلى الينابيع الأولى، فالشجرة الكبيرة أو الدّوحة العظمى الضاربة جذورها فى عمق الثرى لا يمكنها أن تقتلع من مكانها، وفى حال القيام بذلك تتعرّض للخطر، والموت، والهلاك، والتّوى.. وربّما لهذا يُقال إنّ الأشجار تموت واقفة …! وكذلك قولهم: (أخي إستقمْ فالشّجرُ ينمُو جِذعُه مستقيماً.. إذا إلتوىَ حاقَ به التّوىَ).

و المعاصرة: تعني إستساغة وهضم، وقضم، وفهم، والتقبّل، والإنفتاح على مستجدّات العصر، ومخترعاته، ومعطياته، ومستحدثاته، ومتغيّراته، ومعايشاته، أيّ المواءمة، أوالجمع، والتأليف، والتوليف، والموازنة، والمعانقة والمقاربة بين إرث ثقافي تليد (أصيل)، وبين حاضر حدثيّ عتيد (معاصر) بشكلٍ قريبٍ جدّاً من الكيّاسة ، وبعيداً بعيداً جدّاً عن السّياسة.. !

إذن.. نعود لنذكّر والذكرى تنفع المؤمنين.. ما جاء فى مستهلّ هذا المقال وهو أنّ صفوةً من نُخبٍ فى مجتمعنا المغربي أمعنت فى أيّامنا على إستعمال مُصطلحيْ الأصالة والمعاصرة – المُثقليْن بحمولةٍ وِقْرِيّةٍ، وَسَقيّةٍهائلة تنوءُ بكاهلِ حامليها حضاريّاً، وتراثيّاً، وروحيّاً، وثقافيّاً، وفكرياً، وتاريخيّاً، وعوائديّاً، وأدبيّاً، وشعريّاً، ولغوياً وسواها- دأب هؤلاء وألئك على إستعمال هاذين المُصطلحين فى صُلب أهوال السياسة وويلاتها، التي قد يَنظرُ إليها غيرُ قليلٍ من النّاس بنوعٍ من التلكّؤ، والشّزر، والإزدراء، والإرتياب، فى حين قد ينظر إليها آخرون بقدرٍ باهظٍ من الإعجابِ، والإعتزازِ، والزّهوِ، والفخار.. ! فكلّ شئٍ يظلُّ نسبياً فى عُرفهم، كما أخبرهم بذلك الأنكل ألبرتْ أنشتاين ! وقديماً قال أحدُ العارفين: مَنْ تسيّسّ ولم يتسلّق، فقد أخفقَ، ومَنْ تسلّق ولم يتأنّق فلن يتألّق، كما أنّه مَنْ تفقّه ولم يتصوّف، فقد يتفسّقَ، ومَنْ تصوّف ولم يتفقّه، فقد يتزندقَ، ومَنْ جمعَ بين هذه المعاني، والأماني، والمثاني جميعِهاً فقد تحقّق…! إنّهم هؤلاء وأولئك الذين:

(يُحَيَّوْنَ بَسَّامِـيْنَ طَـوْراً وتـارةً / يُحَيَّوْنَ عَبّاسِيْنَ شُوْسَ الحَواجِبِ).!

وقديماً قال الشّاعر مُحقّاً:

دعنيِ والفخارَ بعزِّ قومٍ / ذهبَ الزّمنُ القديمُ بهمْ جميدَا

وشرُّ العالمينَ ذوو خمولٍ / إذا فاخرتَهم ذكرُوا الجُدودَا

وخيرُ النّاس ذو حَسَبٍ قديمٍ / أقامَ لنفسِه حَسَباً جَدِيدَا.

***

د. محمّد محمّد الخطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

......................

* تحريراً فى Torremolinos برج الطواحين مالقة فى الثاني من شهر اكتوبر 2026.

هناك شيء غامض في الإنسان يجعله لا يكتفي بأن يكون موجودا، بل يريد أن يعرف أن وجوده قد وصل إلى أحد.

كأن الحياة، مهما اتسعت داخلنا، تظل ناقصة ما لم نجد عينا أخرى ترى هذا الوجود، وعقلا يتوقف عند أفكارنا، وذاكرة تحفظ شيئا من أثرنا.

 نحن لا نريد دائما أن نكون عظماء.. أحيانا كل ما نريده هو ألا نعبر هذا العالم كأننا لم نكن

ربما لهذا لا تكون الشهرة، في جوهرها مجرد رغبة في الظهور.

إنها في بعض صورها صرخة وجودية خفية تقول:

أنا هنا... هل يراني أحد؟

فالإنسان لا يعيش داخل ذاته فقط، بل يعيش أيضا داخل نظرات الآخرين. نحن نعرف أنفسنا جزئيا من خلال الطريقة التي يستقبلنا بها العالم.

منذ اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه مرئي، يبدأ سؤال الاعتراف في التشكل داخله.

الطفل يبحث عن عين أمه، والعاشق يبحث عن نظرة تقول له: أنت مهم، والكاتب يبحث عن قارئ، والفنان عن متلقي، والمثقف عن مجتمع يسمع صوته.

تتغير الوجوه والمنصات والأشكال، لكن الحاجة القديمة تظل واحدة:

وهذا ما جعلني اطرح هذه الأسئلة

هل الشهرة رغبة في الاعتراف، أم محاولة لتعويض شعور عميق بعدم القيمة؟

هل نريد أن نكون معروفين، أم نريد أن نشعر بأن وجودنا له قيمة؟

وهل يمكن للكاتب والمثقف أن يستمتع بأن يراه الآخرون، دون أن يتحول إلى عبد لهذه النظرة؟

فقد تكون الشهرة نتيجة طبيعية للإنجاز حين يجد العمل الجيد طريقه إلى الناس. وقد تكون أيضا محاولة لترميم صورة مهزوزة للذات حين يصبح عدد المتابعين، وحجم الحضور، وكثرة الإعجابات هي المقياس

اعتقد ان الإنسان الذي يبحث عن الاعتراف لا يريد دائما أن يكون عظيما؛ أحيانا يريد فقط ألا يكون منسيا.. هو يريد أن يعرفه الناس لأنه قدم شيئا يستحق المعرفة

هو لا يريد أن يعيش فقط، بل يريد أن يعترف العالم بأنه عاش  وحقق انجازات

يريد أن يعترف الآخرون بحضوره، بجهده، بأفكاره، بموهبته، وبقصته.

وهناك من يحتاج إلى أن يعرفه الناس كي يشعر أنه يستحق الوجود.. وهنا تتحول الشهره الي سجن

نعم فالمشكلة تبدأ حين يتحول الاعتراف من إضافة إلى الذات إلى شرط لوجود الذات.

حين يصبح الكاتب عاجزا عن الكتابة إذا لم يقرأه أحد.

وحين يصبح المثقف مضطرا إلى إثارة الضجيج كي يتأكد أنه ما زال حاضرا.

وحين يتحول عدد الإعجابات إلى مقياس للقيمة الفكرية.

وحين يصبح الصمت مؤلما لا لأنه صمت، وإنما لأنه يعني في وعينا أن أحدا لم ينتبه إلينا.

واعتقد ان المثقف أكثر عرضة لهذه المفارقة.

فهو يعمل في مجال لا يمكن قياسه دائما بالنتائج المباشرة. قد يكتب كتابا لا يقرأه أحد، أو مقالا لا يثير ضجة، أو فكرة تحتاج إلى سنوات قبل أن تجد طريقها إلى الوعي العام.

لذلك فإن الاعتراف بالنسبة إليه قد يكون مغريا بصورة خاصة.

أن يرى اسمه في الصحف.

أن يدعى إلى المؤتمرات.

أن يشار إلى أفكاره.

أن تقتبس عباراته.

أن يعرفه الناس.

كل ذلك ليس عيبا في ذاته.. لكن الخطر يبدأ حين يصبح المثقف أسيرا للصورة التي صنعها الآخرون عنه

وهذه لحظة خطيرة في حياة الفكر.

لأن المثقف الذي يكتب من أجل الحفاظ على صورته، لا يصبح حرا تماما.

قد يتجنب فكرة لأنه يخشى خسارة جمهوره.

وقد يكرر نفسه لأن الجمهور يحب النسخة القديمة منه.

وقد يتحول إلى أسير لعبارته الأشهر، أو كتابه الأكثر نجاحا، أو صورته التي صنعتها عنه وسائل الإعلام.

وهنا تتحول الشهرة من نافذة إلى قفص. او سجن

وجهه نظري أننا نحتاج إلى الآخرين، لكننا لا ينبغي أن نمنحهم مفاتيح صورتنا عن أنفسنا

للأسف العالم الرقمي جعل كل شيء قابل للقياس

المتابعون، المشاهدات، التعليقات، المشاركات، الإعجابات.. الانتشار

نعم قد تنتشر الفكرة لأنها بسيطة.

وقد تنتشر لأنها صادمة.

وقد تنتشر لأنها تثير الغضب.

وقد تمر فكرة عميقة بصمت طويل، ثم يأتي زمنها بعد سنوات.

ولهذا فإن ربط القيمة بالانتشار قد يكون واحدا من أكثر أوهام عصرنا قسوة

ربما الحل لا يكمن في أن نتخلى عن الشهرة، فهذا غير واقعي ولا مطلوب.

ولا يكمن في أن نتظاهر بالزهد فيها بينما نفرح بها سرا.

النضج أن نعرف مكانها الصحيح في حياتنا.

أن نفرح حين يصل عملنا إلى الناس، دون أن نربط قيمتنا بعدد الذين وصل إليهم.

أن نحب التقدير، دون أن نموت إذا غاب.

أن نسمح للآخرين بأن يرونا، دون أن نعطيهم الحق في تحديد من نكون.

أن نقبل النقد دون أن يهدد هويتنا.

وأن نحتفل بالنجاح دون أن يحول النجاح ذواتنا الي ذوات متضخمه

نعم نحتاج إلى أن يحبنا الآخرون، لكن لا ينبغي أن نكره أنفسنا حين لا يحبوننا.

نحتاج إلى أن يقرأنا الآخرون، لكن يجب أن تكون لدينا الشجاعة لتقبل النقد ومراجعة الأفكار

ربما ليست المسألة في أن يعرفنا العالم كله.

ربما يكفي أن نجد بعض العيون التي ترى حقيقتنا دون ضجيج.

بعض العقول التي تفهم ما نحاول قوله.

بعض الأرواح التي تشعر بأن وجودنا أضاف شيئا إلى وجودها.

وفي وجهه نظري ليست الشهرة هي أن يعرفك الجميع

الشهرة الحقيقية أن تترك في هذا العالم شيئا لا يموت تماما حين يغيب اسمك.

أن تكتب فكرة تجعل إنسانا يعيد التفكير.

أن تقول كلمة تمنح شخصا شجاعة.

أن تفتح نافذة في جدار مغلق.

أن تجعل عقلا أكثر حرية، وإنسانا أكثر قدرة على الاختيار، وحياة أكثر احتمالا.

فقد ينسى العالم اسمك، لكنه لا ينسى دائما ما غيرته فيه.

وهنا فقط يتحرر الإنسان من حاجته لأن يقول:

أنا مشهور، إذن أنا موجود.

الشهرة قد تمنح الإنسان حضورا في ذاكرة الناس، لكن الفكر وحده يستطيع أن يمنحه حضورا في وعيهم.

يكفي أحيانا أن نكون قد أضفنا إلى هذا العالم فكرة لم تكن موجودة، أو سؤالا لم يكن مطروحا، أو شجاعة في قلب إنسان، أو نافذة في عقل احدهم

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تُعدُّ رواية دون كيشوت واحدة من أهم الاعمال الروائية الطويلة عبر التاريخ الأدبي الإنساني. ولأنها نص عظيم الثراء فإنه مفتوح على الكثير من التأويلات الفكرية، وكثيراً ما يلفت نظر الباحثين صراع دون كيشوت مع طواحين الهواء، وهو صراع مبني على خيالاته المريضة ضد أعداء يسكنون وعيه ولكنهم غير موجودين في الواقع.

ولكن هناك أسئلة أكثر عمقاً نحتاج أن نطرحها هل القيم التي يدافع عنها صالحة لزمانه؟!! وهل أدرك كيشوت أن شروط تحقق هذه القيم متوفرة؟!! وهل النظام الاجتماعي والسياسي الذي أنتج قيم الفروسية مازال باقياً؟!!.

وعلينا أن نطرح هذه الأسئلة على المثقف الذي يُقدِّم نفسه كفارس نبيل يدافع عن القيم والاخلاق والهوية لذلك يتحصن هذا المثقف داخل بنية معرفية صالحة لإنتاج أوصياء على العقل والضمير والمجتمع.

قدم الفيلسوف اللبناني دكتور على حرب نقداً للمثقف الذي يحرس الأفكار لأنه في هذه الحالة تتحول الأفكار إلى أصنام ويتحول المثقف من شخص حر مُبدع للأفكار الجديدة إلى عبد لوثن الافكار القديمة.

بناءًا على هذه الرؤية نحن نناقش معاً هذه البنية المعرفية لدى هذا التيار الثقافي في مجتمعنا المصري الحالي.

أولاً: الاعتداد بالتفوق التاريخي على الغرب

يعيش هذا التيار على إستدعاء سياق تاريخي قد رحل، كان فيه السلوك الإستعماري الإمبراطوري أداة الامم والشعوب في السيطرة على الموارد الاقتصادية والطرق التجارية مع فرض ثقافة الأمة التي تمتلك أدوات القوة العكسرية ويحالفها الحظ في الانتصار علي الامبراطورية التي تسبقها في إحتلال الشعوب.

ومن داخل هذا السياق ظهرت قوة جديدة في القرن السابع الميلادي هى القوة العربية الإسلامية التي تمكنت من هزيمة الجيش الروماني في الكثير من أجزاء الدولة البيزنطية شرقاً وغرباً، كما أستطاعت أن تقتطع أجزاء من تحت سلطة الامبراطورية الفارسية.

فأحتلت الدولة العربية الإسلامية الوليدة مكان الدول الكبرى، ولم تعمل الدولة الإسلامية على تغيير البنية الإدارية المُستقِرة في تلك البلدان، بل على العكس تماماً إستاعنت بالكفاءات الإدارية من أهلها.

فلم تكن سمة الإمتداد الجغرافي تخص الدولة الإسلامية وحدها، بل كانت سمة الإمبرطوريات القديمة كلها، ونظرة سريعة للتاريخ تُثبِتُ لنا ذلك.

إذن هل الإستناد على الإمتداد الجغرافي والسياسي والعسكري للدولة الإسلامية كفيلاً أن يخلق حالة من الإعتداد بالذات لدى المثقف والشعور بالتفوق على الغرب؟!!

أم إنه واجب على المثقف أن ينظر إلى السياق التاريخي ويفهم شروط النجاح والفشل لكي يقدم قراءة موضعية للتاريخ بدل الإنحياز العاطفي؟!!

وهل يصلح إستدعاء سياق تاريخي قديم داخل السياق المعاصر، لإشباع النفس بشعورٍ زائف من التفوق على الغرب؟!!

ثانياً: تبني هوية مُغلَقة

يسعى هذا التيار إلى فرض هُوية مُغلَقة على المجتمع المصري، تحت مُسمى (الهوية الحضارية الإسلامية) وهذا التوجه يفرض نمط معرفي أحادي، لأن ركائز هذه الهُوية هى (الدين، واللغة، والتاريخ) وإذا أمعنا النظر سنجد أن هذه العناصر ليست سوى أدوات الجماعات المتطرفة لإستنساخ العقول.

أما الدين فبالضرورة هو الدين الإسلامي لأن الهوية الحضارية المُبتغاة هى إسلامية. وهذا يفرض سؤالاً كيف تتم معاملة غير المُسلِم داخل هذه البنية الهوياتية؟!!

حتماً قد تخطى المجتمع فقه أهل الذمة ولكن ستُنتِج هذه الحالة تمييزاً إجتماعياً داخل بنية العلاقات اليومية، لأن تغذية الشعور الجمعي للأغلبية بإمتيازها الديني يجعل الأغلبية تمارس الإستعلاء الديني على الآخر ومظاهر هذا الإستعلاء كثيرة.

أما اللغة فتكتسب قوتها داخل هذه المنظومة من كونها لغة القرآن الكريم، لهذا تصبح هذه اللغة مُقدَسة ويكتسب المُتحدِث بهذه اللغة قيمة أعلى داخل هذه المنظومة. وهذا ما رأيناه بوضوح عند جميع الجماعات المتطرفة التي يتحدث أفرادها باللغة العربية تفاخراً وإستعلاءاً.

والتاريخ المقصود هنا هو التاريخ العربي الإسلامي بحيث يتم تقديم رموز هذا التاريخ كأبطال وأولياء صالحين وهنا يتعذر على الوعي الجمعي إدراك الأخطاء البشرية التي مارسها هؤلاء الابطال فيصبح التاريخ العربي الإسلامي مُقدَساً بالضرورة.

وهنا نسأل المثقف الذي يحرس هذا التصور الهوياتي، كيف يَصلحُ أن تُقبَلُ هوية إقصائية وتؤثر على السلام الإجتماعي؟!!

كيف يتماهى تصور المثقف مع رغبة المتطرف الإقصائية؟!!

ثالثاً: إنتاج خطاب مُناهِض للحداثة

ليست الحداثة أو منتوجاتها العقلية تحمل صفة القداسة، ولم يدّعي يوماً أحد من مفكريها أنه معصوم من الخطأ بل أكبر ما تتميز به الافكار الحداثية إنها قابلة للنقد لكي يمكن تطويرها لأن العقل الحداثي لا يعترف بالجمود المعرفي الذي يحوِّل الأفكار إلى دوجما.

ولكن أن يقوم التيار الثقافي الدجمائي بوصم الحداثة والعلمانية، بإنها أدوات الغرب في الحرب على الإسلام، وتهديد الهوية الحضارية الإسلامية، وإشاعة الفساد الأخلاقي فهذا ليس نقداً موضوعياً لأنها إتهامات بدون تقديم تحليل للبنية المعرفية التى أنتجت الحداثة والعلمانية. كما لم يتم تقديم تحليل للبنية المعرفية التي أنتجتها الحداثة.

ولكن تلقف هذا التيار حادثة (جزيرة إبستين) للهجوم على الحداثة وتقديم مسوغات رفضهم لها على أساس أن هذا الفساد الأخلاقي هو نِتاج الحرية التي ينادي بها الغرب وهذا أدى إلى الإنفلات القيمي والأخلاقي، ولهذا قامت الأبواق الإعلامية والثقافية التي تنتمي إلى هذا التيار بإتهام المفكرين المصريين الذين يدافعون عن حرية المرأة في مجتمع أصبح يراقب ويتجسس عليها ليضعها في إطار أخلاقي ماضوي، حتى أن ملبسها أصبح مثار نقاش وجدال ومنع، وتعالت صيحات منع الفتيات من الدخول إلى الجامعة بدعوى الكود الأخلاقي للمجتمع وقيم الحشمة وإحترام التقاليد والأعراف، وهذه جميعها أسباب تستدعي الوصاية على المرأة لحماية المجتمع من الإنحلال ولضرورة حفظ السلام الإجتماعي.

ولكن الحقيقة التي يخاف أن يقول بها هذا التيار أن وصايته على المرأة تأخذ سلطتها من تأويلات دينية وفقهية قديمة أُنتِجت داخل سياقات ثقافية وحضارية مغايرة تماماً للسياق الثقافي المُعاصر.

لذلك يتطوع مثقف من داخل هذا التيار الماضوي بإتهام الفلاسفة والمفكرين الذين دافعوا عن المرأة بإنهم يُنتِجون (خطابات العُري لتقويض السلام الإجتماعي) وإتهمهم بإنهم يتبعون خُطى الغرب لإفشاء العُري في المجتمع.

وفي الواقع لا يوجد مفكر مصري حر وفيلسوف أمين للعقل نادى بالعُري الجسدي، ولكن هم نادوا بالحرية الفردية والعمل على حماية الإنسان من الإستغلال ومحاولات التسليع الإستهلاكي، هؤلاء الفلاسفة يطالوب برفع الوصاية عن المرأة وهى دعوة قديمة بدأها قاسم أمين في نهاية القرن التاسع عشر من خلال كتابه الشهير (تحرير المرأة) ولم ينادي قاسم أمين بالعُري في كتابه ولكن طالته تهمة إنه يعمل على إفساد المجتمع أخلاقياً من أبواق التيار الماضوي الذي مازال يوزع نفس الإتهامات الجائرة والكاذبة على كل مفكر حر وفيلسوف حقيقي صاحب مشروع توعوي لإصلاح العقل المصري والعربي.

ولنا بعض الأسئلة هل حقاً ملابس المرأة المكشوفة تعمل على عدم الإستقرار المجتمعي؟!!

أليس هذا إختزال مُخّل لأسباب تقويض السلام الاجتماعي؟!!

أليس هذا إلهاء للعقل وتشتيت للانتباه بعيداً عن الأسباب الحقيقية لتقويض السلام المجتمعي؟!!

للاسف الشديد دائماً جسد المرأة وحياتها محط إهتمام ووصاية التيار الماضوي.

إذن نحن أمام تيار ايديولوجي يتدثر بثياب المثقفين لحراسة الافكار الماضوية التي هى أوهام تعيش في مخيلة هؤلاء فقط، وإنه لمن العجب العجاب هو تجاهل التجربة التاريخية الطويلة لهذه الافكار ولمنظومة القيم التى أنتجتها داخل سياقاتها التاريخية.

***

بقلم: اشرف منير رمزي

 

كان الخلاف بين المفكر الفِلَسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935 - 2003) والمستشرق البريطاني الأمريكي برنارد لويس (1916 - 2018) أكثر من مجرد اختلاف بين مفكرَيْن حول تفاصيل تاريخية. كان خلافًا حول الطريقة التي يُنظَر بها إلى الشرق، ونزاعًا حول السؤال الأعمق الذي يسبق كل كتابة عن الشعوب والثقافات، مَن يملك حق تعريف الآخَر، وبأيِّ لغة، ولأيِّ غرض؟. لهذا السبب ظلَّ اسم برنارد لويس حاضرًا بقوة في مشروع إدوارد سعيد النقدي، ولا سيما في كتابه الشهير "الاستشراق" الذي صدر عام 1978.

كان لويس مستشرقًا أكاديميًّا واسع المعرفة بالإسلام، وتاريخ الشرق الأوسط، واللغتين العربية والتركية. وكان سعيد ينتقد البنية الفكرية والسياسية التي رأى أنها سمحت لبعض أنماط المعرفة عن الشرق بأن تتحول إلى سلطة على الشرق. وهُنا تحديدًا يبدأ الخلاف الحقيقي.

يُمثِّل لويس تقليدًا استشراقيًّا أكاديميًّا يرى أن دراسة المجتمعات الإسلامية والعربية يمكن أن تقوم على البحث التاريخي واللغوي والوثائقي، وأن الباحث يستطيع عبر معرفة اللغات والنصوص والتاريخ أن يصل إلى فهم أكثر دقة للمجتمعات التي يدرسها.

أمَّا سعيد فكان يسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا يحدث عندما لا تكون المعرفة منفصلة عن علاقات القوة؟، وهل يستطيع الباحث أن يصف مجتمعًا آخر وصفًا محايدًا تمامًا إذا كان هذا المجتمع قد خضع تاريخيًّا للاستعمار، وكانت الدولة التي ينتمي إليها الباحث جزءًا من منظومة سياسية تتعامل معه بوصفه موضوعًا للسيطرة أو الإدارة أو التدخل؟.

ناقشَ سعيد تقليدًا فكريًّا واسعًا امتد عبر الأدب والتاريخ والأنثروبولوجيا والسياسة والفنون والكتابات الاستعمارية، واستشهدَ بعدد كبير من المفكرين والكُتَّاب والمؤرخين. ولويس كان شخصية مهمة في هذا النقاش، لأنه لم يكن مجرد مستشرق كلاسيكي بعيد عن السياسة. لقد كتب عن الإسلام والغرب والشرق الأوسط في سياقات أكاديمية وسياسية متداخلة، وشاركَ لاحقًا في نقاشات عامة واسعة حول قضايا الشرق الأوسط والإسلام والسياسة الدولية، لهذا رأى سعيد أن التعامل معَ لويس مهم لفهم نموذج مُعيَّن من المعرفة عن الشرق.

اعتراض سعيد الأساسي يتجلى في اعتبار المشكلة ليست فقط في وجود أخطاء هنا وهناك، وإنما في الإطار الذي يجعل الشرق موضوعًا قابلًا للتعريف من الخارج بصورة متكررة ومتماسكة.

إذا أخطأ مؤرخ في تاريخ واقعة مُعيَّنة، يمكن تصحيح الخطأ بوثيقة أخرى. أمَّا إذا كان الخلاف متعلقًا بطريقة بناء صورة كاملة عن شعب أو حضارة، فالمسألة تصبح أعمق من تصحيح معلومة.

سعيد شديد الحساسية تجاه الكلمات التي تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تحمل تاريخًا كاملًا من التصنيفات. والحديث عن "الشرق" مثلًا ليس مجرد تحديد جغرافي. الشرق بالنسبة إلى سعيد لم يكن حقيقة طبيعية جاهزة تنتظر الباحثَ كي يكتشفها، إنَّه نتاج لتاريخ طويل من الكتابة والتصنيف والوصف والمقارنة.

في الأدبيات الاستشراقية القديمة، كثيرًا ما ظهر الشرق بوصفه نقيضًا للغرب. عاطفي مقابل عقلاني، تقليدي مقابل حديث، ساكن مقابل متغير، ديني مقابل علماني، وغير قادر على صناعة التاريخ بنفس الطريقة التي يُفْتَرَض أن الغرب يصنعه.

لم يقل سعيد إن كل مستشرق يكتب بالطريقة نفسها. بالعكس، كان يعرف أن بين المستشرقين اختلافات كبيرة، وأن أعمالًا كثيرة في دراسة اللغات والتاريخ والنصوص الإسلامية لا يمكن اختزالها في دعاية استعمارية. لكن ما يهمه هو النمط العام الذي يتكرر عبر أعمال مختلفة، الشرق يُقَدَّم باعتباره موضوعًا للدراسة، بينما يُمنَح الغرب موقع الذات التي تَدْرُس وتُفَسِّر وتَحْكم وتُعرِّف. ومن هنا جاء اعتراضه على لويس.

لَم يَقْبل لويس الصورةَ التي رسمها سعيد للاستشراق. ومن أبرز اعتراضاته "خلط" سعيد بين البحث العلمي والسياسة، وأنَّه يُحمِّل الدراسات الاستشراقية أكثر مما تحتمل.

بالنسبة إلى لويس، كانت هناك تقاليد علمية حقيقية في دراسة اللغات والوثائق والتاريخ الإسلامي، ولا يصح إلغاء قيمتها لأن بعض الحكومات الأوروبية استخدمت المعرفة بالشرق لأغراض سياسية واستعمارية. فليس كل من درس العربية مستعمرًا، وليس كل كتاب عن الإسلام جزءًا من مشروع إمبراطوري، وليس كل باحث غربي في الشرق أسيرًا لصورة نمطية عن العرب والمسلمين.

وفق سعيد، فإن المشكلة لم تكن في هوية الباحث وحدها، بل في العلاقة بين إنتاج المعرفة والبنية التي تَمنح هذه المعرفة سُلطة مُعيَّنة. وهُنا أصبح الخلافُ بين المفكرَيْن خلافًا على معنى الموضوعية نفسها.

من أكثر الأفكار تأثيرًا في مشروع سعيد أن المعرفة لا تُنتَج في فراغ. المؤرخ يختار موضوعًا، والباحث يختار الكلمات التي يستخدمها، والمؤسسة الأكاديمية تحدد ما يُعَدُّ بحثًا مشروعًا، والجامعة تُموِّل بعضَ المشاريع دون غيرها، والدولة تستخدم خبرةَ الباحثين في رسم سياساتها. هذا لا يعني أن كل معرفة زائفة، أو أن كل باحث يخدم السُّلطة عمدًا. إن المعرفة قد تكون علمية، وفي الوقت نفسه تعمل داخل علاقات اجتماعية وسياسية وتاريخية.

يرى سعيد أن الاستشراق لم يكن مجرد مجموعة من المعلومات الخاطئة عن الشرق، وإنما هو نظام متكامل من التمثيل. وفي هذا النظام يستطيع الغربُ أن يتحدث عن الشرق بصورة تمنحه موقع المتكلم، بينما يصبح الشرقي موضوعًا للكلام.

لذلك لم يكن سعيد مهتمًّا فقط بما يقوله لويس عن العرب والمسلمين، بل أيضًا بالموقع الذي يتحدث منه لويس، والسُّلطةِ التي يَمنحها ذلك الموقع لخطابه.

ظهر الخلاف أيضًا في الطريقة التي فسَّر بها كل منهما تاريخَ المجتمعات الإسلامية. كان لويس مهتمًّا بصورة خاصة بمسألة أسباب التراجع أو التأخر في العالَم الإسلاميِّ مقارنة بأوروبا. وفي عدد من أعماله ناقشَ العلاقة بين المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية وبين مسار التطور التاريخي في الشرق الأوسط.

سعيد اعتبرَ بعضَ هذه التفسيرات تُمثِّل ميلًا إلى التعامل معَ العالَم الإسلاميِّ بوصفه يَحمل في داخله أسبابًا بنيوية تفسر مشكلاته التاريخية، بينما يجري التعامل معَ أوروبا بوصفها المعيار الذي تُقَاس عليه الحداثة والتقدم.

وهنا ظهر خلاف كبير حول سؤال يبدو بسيطًا: لماذا لم تحدث الحداثة في العالَم الإسلاميِّ بالطريقة نفسها التي حدثت بها في أوروبا؟. يمكن أن يكون السؤال مشروعًا تاريخيًّا، لكن طريقة صياغته قد تقود إلى إجابات مختلفة تمامًا. هل المطلوب تفسير الاختلاف التاريخي بوصفه نتيجة مجموعة محددة من الظروف السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، أمْ أن الاختلاف يتحول تدريجيًّا إلى صورة ثقافية تقول إن هناك شيئًا في الإسلام أو العقل الشرقي يجعل المجتمعات غير قادرة على إنتاج الحداثة بالطريقة الأوروبية؟. كان سعيد شديد الحذر من الاحتمال الثاني. فإذا تحولت تجربة أوروبا إلى معيار عالمي وحيد، يصبح كل مجتمع آخر مجتمعًا ناقصًا ومتخلفًا بِقَدْرِ ابتعاده عن النموذج الأوروبي.

من أبرز ما يزعج سعيد في بعض الكتابات عن الشرق الميلُ إلى التعميم. فالعالَمُ العربي ليس مجتمعًا واحدًا، والمجتمعات الإسلامية ليست كتلة واحدة، والتاريخ العثماني لا يعني التاريخَ العربي، والتجربة الإيرانية ليست التجربة المصرية، ولا يمكن تفسير شمال أفريقيا بالطريقة نفسها التي يُفَسَّر بها تاريخ الجزيرة العربية أو بلاد الشام. لكن اللغة التي تتحدث عن "الشرق" بصورة واسعة قد تخفي هذه الفروق.

أراد سعيد إعادةَ التفاصيل إلى الصورة. كان يريد أن يُرى العربي باعتباره فردًا يعيش داخل مجتمع محدد، له طبقته ومهنته وتاريخه ومصالحه وصراعاته، وليس باعتباره مجرد تجسيد لـ "العقل الشرقي". وهذا جانب إنساني مهم في مشروعه.

أصبح الخلاف أكثر حساسية عندما انتقل من دراسة الاستشراق إلى السياسة المعاصرة، وخصوصًا القضية الفِلَسطينية. سعيد فِلَسطيني، وفِلَسطين جزء أساسي من تجربته الفكرية والسياسية. وكان يَرى أن تصوير العرب في الثقافة الغربية لا يمكن فصله بسهولة عن التاريخ السياسي للصراع العربي الإسرائيلي.

لويس من أبرز الباحثين الغربيين الذين كتبوا عن الإسلام واليهودية والشرق الأوسط، واتخذ مواقف سياسية واضحة في قضايا الشرق الأوسط. وفي مراحل لاحقة ارتبط اسمه بنقاشات واسعة حول الصراع العربي الإسرائيلي، والسياسات الأمريكية تجاه المنطقة.

بالنسبة إلى سعيد، لم يكن الأمر خلافًا سياسيًّا عابرًا. كان يَرى أن الطريقة التي يُوصَف بها العربي في المجال الأكاديمي والإعلامي والسياسي تؤثر في الطريقة التي يُنظَر بها إلى حقوقه ومصالحه ومكانه ومكانته في العالَم.

حين يُصوَّر الفِلَسطيني مثلًا بوصفه مشكلة أمنية، أو كتلة بشرية مجهولة الهوية، تختفي من الصورة أسئلة التاريخ والاقتلاع والحقوق والذاكرة. وهُنا تصبح اللغة السياسية جزءًا من الصراع.

من أكثر الاعتراضات التي وُجِّهت إلى سعيد أنه لم يترك مجالًا كافيًا للاعتراف بالإنجازات العلمية للاستشراق. سعيد لم يكن يدعو إلى إغلاق دراسة الشرق في الغرب، ولم يقل إن تعلُّم العربية أو دراسة المخطوطات الإسلامية أمر عديم القيمة. بل كان نفسه أستاذًا جامعيًّا وناقدًا أدبيًّا شديد الاهتمام بالتاريخ والنصوص والثقافة. ما أراده هو تغيير العلاقة بين الباحث وموضوعه، أن يكون الشرق أكثر من مادة للبحث، ويكون له صوت، ويكون الناس الذين يُدرَسون قادرين على الاعتراض على الصورة التي يرسمها عنهم الباحثون، وأن يدرك الباحث أن معرفته ليست محايدة، وإنما لها ارتباط وثيق بالتاريخ والسياسة والموقع الاجتماعي.

رأى بعضُ منتقدي سعيد أن تركيزه على السُّلطة والخطاب يُقَلِّل من أهمية الأدلة التاريخية، والمناهج المتخصصة في فروع الدراسات الشرقية.

وفي المقابل، بقي سؤال سعيد قويًّا: هل تكفي الدقة العلمية في الوثائق واللغات إذا كان الإطار الذي تُرتَّب داخله هذه المعرفة يُنتج صورةً نمطية عن مجتمع كامل؟.

يمكن تلخيص جوهر اعتراض سعيد على لويس في عدة مستويات مترابطة:

1- رفضَ سعيد فكرة أن دراسة الشرق يمكن فصلها بالكامل عن التاريخ السياسي الذي تشكلت داخله الدراسات الاستشراقية.

2- اعترضَ على التعميمات الثقافية التي تجعل الإسلامَ أو العرب وحدات تفسيرية ضخمة بدل التعامل معَ التاريخ بوصفه سلسلة من المجتمعات والتجارب المتغيرة.

3- انتقدَ المقارنات التي تجعل أوروبا مِعيارًا ضمنيًّا للحداثة، ثم تُفَسِّر الاختلافَ العربي أو الإسلامي باعتباره عجزًا عن الوصول إلى ذلك المِعيار.

4- رفضَ الفصلَ الحاد بين الثقافة والسياسة، خصوصًا عندما يتعلق بالأمر بمنطقة ظَلَّتْ لفترة طويلة موضع اهتمام استعماري وإستراتيجي مباشر.

5- رأى أن مَن يكتب عن الشرق لا يستطيع تجاهلَ مسألة التمثيل، أي كيفية تحوُّل وصف الآخَر إلى صورة ثابتة عنه، ثم تتحول الصورة إلى حقيقة متداولة، ثم تُستخدَم هذه الحقيقة المُفترَضة في تفسير أفعاله.

لويس باحثٌ واسع الاطلاع، وغزير الإنتاج، ومتخصص في لغات وتاريخ المنطقة، وله تأثير كبير في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في القرن العشرين. وله قراءاته الخاصة للإسلام، وتاريخِ الدولة العثمانية، والعلاقاتِ بين العالَم الإسلامي والغرب، كما كان له حضور سياسي وفكري واضح خارج الجامعة. وهذا تحديدًا ما جعل نقد سعيد له مهمًّا. والرد على لويس لم يكن بالنسبة إلى سعيد مجرد خلاف أكاديمي حول تفسير نص تاريخي، وإنما هو جزء من معركة أوسع على حق تعريف المنطقة وسكانها وتاريخها. سعيد لم يكن يدعو إلى استبدال مركزية غربية بمركزية شرقية. أراد أن تُفْتَح مساحة تَسمح بتعدد الأصوات، وأن يُعامَل الإنسان باعتباره تاريخًا حيًّا لا نموذجًا ثقافيًّا جاهزًا. وهُنا تظهر قيمة نقده الحقيقية. فالاستشراق في نظر سعيد، لم يكن مشكلة لأن الغربي درس الشرقَ، بل لأن العلاقة بين "مَنْ يَدْرُس" و "مَنْ يُدْرَس" يمكن أن تتحول إلى علاقة غير متكافئة، خصوصًا عندما تتداخل المعرفة معَ القوة السياسية والعسكرية. ومِن هُنا، يصبح الاستشراق ليس خطابًا عن الشرق فحسب، وإنما أيضًا نظام لإنتاج صورة عنه تُسهِم في تثبيت موقع المُتحدِّث بوصفه صاحب المعرفة، وموقع الآخَر بوصفه موضوعًا لها.

رفضَ لويس أن تُختزَل الدراسات الشرقية في هذا الإطار، وأكَّدَ على قيمة البحث التاريخي واللغوي والوثائقي، ورأى أن كثيرًا من نقد سعيد للاستشراق يتجاهل الفروقَ بين البحث العلمي والدعاية السياسية.

وبَيْن الموقفين بقي سؤال مفتوح لا يمكن حسمه: كيف نكتب تاريخَ شعب آخَر دون أن نُحوِّله إلى صورة نحتاج نحن إليها؟. هذا السؤال هو الذي يجعل ردودَ سعيد على لويس تتجاوز شخصية الرَّجُلَيْن. فهي في جوهرها نقاش حول السُّلطة والمعرفة واللغة والتاريخ، وحق المجتمعات في ألا تكون مجرد موضوعات يكتب عنها الآخَرون.

قوة سعيد الأساسيَّة أنه أجبر القارئ على التوقف أمام شيء اعتدنا المرورَ به بسرعة، وهو أن الكلمات التي نصف بها الشعوب ليست كلمات عابرة، أو تجميعًا للحروف.

حين نقول إن مجتمعًا متخلف، أو تقليدي، أو عنيف، أو غير عقلاني، أو استبدادي، أو عاجز عن التغيير، فنحن نختار زاوية مُعيَّنة للنظر إليه. وقد تكون هذه الزاوية مفيدة في سياق، ومُضلِّلة في سياق آخر، وقد تتحوَّل معَ كثرة تكرارها إلى حقيقة تبدو بديهية وطبيعية وعادية، لا تحتاج إلى دليل ولا برهان.

لم يطلب سعيد مِنَّا أن نُصدِّق الشرقَ لمجرد أنه شرق، ولم يطلب أن نرفض الغربَ لمجرد أنه غرب. طلبَ شيئًا أكثر إزعاجًا وصعوبةً، وهو أن نَشُكَّ في الصورة الجاهزة، ونفحص اللغة التي نصنع بها الآخَر، ونسمح للتاريخ بأن يكون أكثر تعقيدًا من القوالب الجاهزة التي نضعه فيها.

أمَّا لويس، فبقي يُمثِّل في هذا السجال الطرفَ الذي يصرُّ على أن دراسة التاريخ لا ينبغي أن تُخْتَزَل في تحليل السُّلطة والخطاب، وأن معرفة اللغات والنصوص والمؤسسات والوقائع والأحداث تظلُّ أساسًا لا يمكن الاستغناء عنه.

وبذلك، فإن الخلاف بينهما لا ينتهي بمجرد اختيار اسم، والانحياز إليه. إنه خلاف بين طريقتين في النظر إلى المعرفة نفسها، طريقة تسأل أولًا ماذا حدث؟، وطريقة أخرى تسأل كيف أصبحَ ما نقوله عن الذي حدث ممكنًا، ومَن الذي امتلكَ سُلطة قَوله؟.

إن التاريخ يحتاج إلى الوثيقة، لكنه يحتاج أيضًا إلى الوعي باللغة. والبحث يحتاج إلى التخصص، لكنه يحتاج كذلك إلى وعي بموقع الباحث. والاختلاف بين الحضارات لا ينبغي أن يتحول إلى أحكام ثابتة عن طبيعة البشر.

رُبَّما كان أهم مبدأ يمكن استخلاصه من مشروع سعيد كُلِّه هو أن معرفة الآخَر لا تصبح أكثر إنسانية بمجرد أن نعرف عنه معلومات أكثر، وإنما عندما نتخلى أيضًا عن الحاجة إلى تحويله إلى صورة بسيطة يمكن السيطرة عليها، وفهمها من نظرة واحدة، لتحقيق منافع ذاتية ومصالح شخصية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

«إن الدين سينتصر لأنه يُسبغ المعاني على الأشياء»1.

تحليل فلسفي:

أول الكلام هو تصحيح النسبة والسياق الأصلي للعبارة:

قبل التحليل لا بد من ضبط المصدر لأن العبارة هي نقل وتلخيص لا اقتباس حرفي. النص الأصلي جاء في مؤتمر صحفي عقده "جاك لاكان" في المركز الثقافي الفرنسي بروما في 29 أكتوبر 1974 ونُشر لاحقا بعنوان Le triomphe de la religion (دار سيوي، 2005، بإشراف جاك-ألان ميلر) scienceshumaines.com.

الصياغة المؤكدة في المحضر الأصلي:

«يستطيع الدين أن يُعطي معنى - يمكن القول - لكل شيء معنى للحياة الإنسانية مثلا... والدين سيعطي معنى لأكثر التجارب غرابة تلك التي بدأ العلماء أنفسهم يشعرون تجاهها بشيء من القلق». أنتهى.

نفتتح القول بالتنبيه إلى نقطتين مهمتين وهو ما يمنح التحليل انطلاقة صحيحة:

1. قوله «سينتصر» ليست وعدا قاطعا بل ترجيحا بشرط.

لأن الصيغة الأصلية تقول: "إذا انتصر الدين كما هو الأرجح سيكون ذلك علامة على أن التحليل النفسي فشل".

هنا الشرط لم يتحقق بعد.

والمعلق على الشرط عدم عند انعدام الشرط.

أي أن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء الحكم أو المشروط لأن الشرط أساس لوجود المشروط فإن غاب الشرط يمتنع ويسقط وجود الشيء المرتبط به تماما.

مثال للتوضيح: وجود الأوكسجين شرط للأحتراق إذا انعدم الأوكسجين انعدم الاحتراق.

2. العبارة في الترجمة العربية تقابل منطقا ضمنيا عند لاكان: الانتصار ليس نتيجة قوة سياسية أو صدق ميتافيزيقي بل نتيجة وظيفة الدين وهي وظيفة إنتاج المعنى.

فالتحليل ينبغي ألا يُقرأ  كدفاع ديني "لاكان" كان ملحدا صريحا بل كان يعرف نفسه ساخرا بأنه «نتاج الكهنة».

ما يصفه "لاكان" هو ميكانيزم لا حقيقة لاهوتية.

لكن عن أي جزء من أجزاء «الدين» يتكلم "لاكان"؟

بالتأكيد هو لا يقصد العقيدة بل الآلة الرمزية للمعنى.

"لاكان" لا يقصد «الدين» بالمعنى العقدي التقليدي مثل: (إيمان، طقس، مؤسسة) بل يقصد وظيفة نفسية-رمزية: الوظيفة التي تعالج جرح المعنى في الوجود الإنساني. هنا نصل إلى الفهم الدقيق: الدين عند "لاكان" بنية لا مجموعة أطروحات.

فما هي بنية الدين عند "لاكان"؟

لفهم بنية الدين عند "لاكان" لا بد من فهم ثلاثيته:

أ: الرمزي: وهو نظام اللغة والقانون هو أصل مصدر المعنى بحكم كونه نظام الفوارق والاشارات. والرمزي هو ما يجعل الأشياء قابلة للفهم.

ب: المتخيل: هو نظام الصورة والتماهي وأيضا ميدان الوهم.

ج: الواقعي: هو ما يقاوم الترميز ويكدر أساريره لأن الواقعي صلب عصي على المعنى مثل: الفقد والموت والمرض والعدم. يجب أن نفهم أن الواقعي هنا ليس «الواقع» كما يعاش بل "حده" أي المواقف التي تحتاج إلى أجابة فأنت تأكل وتشرب وتنام هذه كلها واقع ولا تحتاج إلى تبرير لكن "حد الواقع" هي تلك المواقف التي تحتاج إلى أجابة كالموت والمرض والفقد والألم.

بهذه المقابلة يصير قول العبارة واضحا: المعنى نتاج (الرمزي-المتخيل) و"الحد الواقعي" هو الفجوة التي لا يسدها معنى وهذه الفجوة هي مثار الشك في كل دين.

ونتسائل لماذا يفشل الدين عند "الحد الواقعي"؟

خذ هذه الحدود: طفل يصاب بالسرطان أو يولد معاقا. عالم شاب يموت وهو في قمة عطائه كارثة طبيعية تقتل آلاف الأطفال والنساء.

هنا يعجز الرمزي والمتخيل في إيجاد الجواب فيلجأ إلى العجز المعرفي (حكمة) لا تعرف علتها!؟

فالرمزي في الدين مصمم لهذا العجز ليعالج ما لا يمكن تفسيره. وهذه هي الوظيفة المزدوجة للدين: إنتاج معنى + إخفاء الجهل.

ونسأل مرة أخرى لماذا «يُسبغ الدين المعاني على الأشياء»؟

والجواب هو: لأن "الحد الواقعي" عديم المعنى هذه هي نقطة المركز. إسباغ المعنى ليس ثرثرة بل مناورة وجودية حيث يشعر الإنسان بالفقد والقلق فيأتي الدين ويمنح المعنى لما لا معنى له وعزاء للحياة الإنسانية أمام الموت والعدم. لكن المفارقة الدقيقة: إسباغ المعنى يُخفي إن الإسباغ نفسه نتيجة بشرية تاريخية وهذا ما لا يلتفت إليه الكثير. فالدين يُغطي الواقعي بمنطق «كل شيء له معنى» وهنا ينسج الدين (بنية الوهم) لأنه حتى المتدين الذي يملك أدنى درجات الوعي يدرك "أن ليس كل شيء له معنى".

فيلوذ بجواب (حكمة لا يعرف معناها).

وهنا يظهر مفهوم القلق الوجودي فالرمزي في الدين وجد للخلاص من القلق الوجودي وهو يقايض هذا بمبادلة: عبادات وشعائر وخضوع مقابل معنى لإزالت القلق.

جدل المفارقة: العلم يوسع الواقعي فيزداد الدين قوة!

هذه أخطر نقطة و"لاكان" يقول: "خلافا لما ظُن منذ أوغست كونت العلم لا يحل محل الدين بل العكس   لأن العلم دائما سيدخل زلزالا بحيث سيكون لزاما أن يُعطى له معنى».

أقول تمام القول قول "لاكان" لأن العلم يؤكد الواقعي يوميا ويُنتج جديدا من خريطة الجينوم إلى الهندسة الوراثية والأستنساخ ويكتشف مجهولا - لم يكن في حساب الدين - من المجرات إلى الثقب الأسود فيثير قلقا.

والقلق هنا ليس شكا نظريا بل موقف وجودي العلم لا يستطيع أن يقول «ما معنى هذا لك» لأن بنيته بنية كمية - وظيفية لا بنية معنى. فيقفز الدين ليحتل الفراغ في دلالة الوجود لا في التفسير الفيزيائي.

فمقولة "لاكان" إذن ليست تقريرا بل نبوءة بنيوية: حيث ينتصر العلم موضوعيا يزداد موقع الدين وظيفيا.

هذا هو السر الكامن خلف صمود الأديان أمام أمواج العلمنة الحداثية. نؤكد مرة ثانية لا ينطلق "لاكان" في هذا الحكم من موقف لاهوتي مدافع عن العقائد وإنما يحلل ميكانيزمات العقل البشري والوظيفة التي لا يستطيع أي نسق آخر بما في ذلك العلم أن يؤديها بكفاءة مماثلة.

أما الترجمة الفلسفية الدقيقة لعبارة "لاكان" فهي: الدين لا ينتصر لأنه صادق صدقا ميتافيزيقيا بل لأن الإنسان لا يحتمل مواجهة "الحد الواقعي" بلا معنى.

***

سليم جواد الفهد

.....................

1. جاك لاكان، انتصار الدين مسبوق بخطاب إلى الكاثوليك، ترجمة: محمد الحاج سالم، ص7، 2023.

أسس الثورة العقلانية

ولد الإنسان وولدت معه حقوق طبيعي عليه أن يدافع عنها للحفاظ عليها وهي: حق الحياة، وحق الحريّة، وحق الملكيّة، وحق الكرامة الإنسانيّة، وغيرها من حقوق تحافظ على سعادة الإنسان وعدالته ومساواته.. الخ.

بيد أن هذه الحقوق راحت تتلاشى شيئاً فشيئا عند من حُرم من الملكيّة، أو من وقع أسيرا في الحروب، أو من استغل من قبل المنتج الذي لم يبق له سوى جهده يبيعه لم يدفع له حق لقمة العيش كي يستمر وجوده الشقي في هذه الحياة.

من هذه المقدمات قامت في العصور الوسطى انتفاضات (ثورات) للفلاحين ضد من استغلهم، كثورة الزنج الخرميّة والقرامطة في الخلافة العربيّة الإسلامية، ثم ثورات الفلاحين في أوربا، وهي ثورات كانت أجندتها تطرح: المطالب التي طُرحت آنذاك ويمكن صياغتها في مطالب جذرية تشكل الديمقراطية جوهرها بشكل عام، وإلغاء القنانة والامتيازات الفئويّة وأعمال السخرة والإتاوات والضرائب الثقيلة الوطأة التي تذهب لجيوب المتنفذين في الدولة والمجتمع، وكذلك تحويل ممتلكات الكنيسة إلى أغراض دنيويّة، ومساواة الجميع أمام القانون.. الخ.

جاءت الديانات كي تحرر الإنسان من هذا القهر والعبوديّة والتشيىء، بيد أن القيمين على هذا الدين حرفوه لمصالح أنانية ضيقة تخدمهم وتخدم السلطان، فراحوا باسم الدين يستعبدون المفقرين ويأمرونهم بالرضا والطاعة لمن سيطر عليهم لأن ذلك قدرهم.

ثم جاء فلاسفة عصر التنوير في القرنين السابع والثامن عشر لإعادة النظر بالنسبة للعالم وتفسير حركته الاجتماعية والطبيعة خارج نطاق الفكر الديني اللاهوتي. لقد طرح فلاسفة التنوير تيار المذهب العقلي، فقالوا إن المجتمع شأنه شأن الطبيعة، يتألف من عناصر وعلاقات قليلة العدد وبسيطة نسبيّاً ومتجانسة كيفيّاً، وأنه عبارة عن مجموعة من الأفراد المتجانسين كيفيّاً والشبيهين بعضهم ببعض مبدئياً (كذرات) اجتماعيّة من نوع ما، والذين يتمتعون بحقوق (طبيعية) متساوية وأبديّة. ففكرة مساواة الناس أمام الرب ارتفعت إلى فكرة أكثر تحديداً ودقة وهي فكرة مساواة الناس (الفطرية)، وكانت هذه الفكرة مميزة جداً للوعي الذي انتقد التنظيم الاقطاعي الهرمي الفئوي والطائفي للمجتمع.

إن ما طرحه فلاسفة عصر التنوير من رؤى لفهم الطبيعة الفطريّة للمساواة في المجتمع، والتنظير لكيفية تجاوز عدم الاستقرار والتوازن في المجتمع، بطريقة هي أقرب بالتبشير والوعظ  منها إلى الفعل الثوري  جاء الفكر الثوري العقلاني النقدي ليقول: إن الجماهير هي وحدها من يصنع الثورة الحقيقيّة التي تعمل على إعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع...إنها ثورة القوى الثورة التي راحت تتناقض مصالحها مع العلاقات الانتاجيّة الاستغلاليّة السابقة لوجودها، أو التي أوصلتها إلى حالات القهر والظلم والاستغلال والاستلاب والغربة والتشيىء، والراغبة في إعادة بناء علاقات إنتاجيّة جديدة يسود وتعم فيها العدالة والمساوة وتكافئ الفرص والمواطنة والمشاركة في إدارة أمور الدولة والمجتمع والمساواة أمام القانون وعودة الإنسان إلى مرجعيته الإنسانيّة.

2- مدخل:

تشكل العصور الوسطى المتأخرة من الناحية الزمنية، واحدة من أكثر الفترات مأساوية بالنسبة لأروبا بشكل خاص. حيث شكلت هذه المرحلة محطة هامة من محطات احتقار عقل وروح وجسد جماهير هائلة من السكان ومئات الآلاف من المضطهدين من فلاحين أقنان وحرفي المدن والبروليتاريا التي كانت في مرحلتها الجنينية. فكل هؤلاء الذين أخذ الحقد يمتلكهم ضد مضطهديهم من النبلاء الاقطاعيين والكنيسة والملك، وامتلكتهم الرغبة في الخلاص من مضطهديهم هؤلاء، وإزالة أو تخفيف معاناتهم الطبقيّة بكل تجلياتها التي فرضها عليهم سادة ذلك العصر، هذه الرغبة التي ترافقت عملياً من قبلهم في انتفاضات الفلاحين، التي تحولت إلى حروب أهليّة حقيقيّة. مع الإشارات هنا إلى ان هذه الانتفاضات رافقها أيضاً نشر العديد من المؤلفات التي لا سابق لها من حيث الجرأة في فضح وتعرية السلطتين الدينيّة والروحيّة لذلك العصر. فمجموع المطالب التي طُرحت آنذاك يمكن صياغتها في مطالب جذرية تشكل الديمقراطية جوهرها بشكل عام، وإلغاء القنانة والامتيازات الفئويّة وأعمال السخرة والإتاوات والضرائب الثقيلة الوطأة التي تذهب لجيوب المتنفذين في الدولة والمجتمع، وكذلك تحويل ممتلكات الكنيسة إلى أغراض دنيويّة، ومساواة الجميع أمام القانون.. الخ. (1).

بيد ان (الغريزة الديمقراطية) هذه كانت تصطدم بالثقافة أو المواقف الفكرية المحافظة للعصور الوسطى وأسرِ تقاليدها، وإن نجحت القوى الاجتماعيّة المتمردة على هذه الثقافة أحياناً بتخليصها من هذا الْأَسرِ، فما ذلك إلا بسبب التمردات الفوضويّة التي كانت تجري، وليس نتيجة مواقف عقلانيّة مدروسة ومخطط لها كما جرى لاحقاً عندما تشكلت الطبقة البرجوازيّة وأصبح لها منظروها من المفكرين والسياسيين.

3- سيطرة الأيديولوجيا الدينيّة في العصور الوسطى على حياة المجتمع والدولة:

لقد كان الدين في العصور الوسطى يمثل الأيديولوجيا الفعليّة الوحيدة، وبالتالي فإن أي فعل ديمقراطي يمكن أن يصدر عن الجماهير لم يكن ممكناً عمليّاً إلا داخل أفكار الأيديولوجيا الدينيّة أيضاً، أي على شكل هرطقة دينيّة بالنسبة للخطاب الديني الرسمي. فثوريو القرنيين الخامس عشر والسادس عشر كما هو شأن أعدائهم المدافعين عن الإقطاع، كانوا مخلصين للنطرة الدينيّة اللاهوتيّة تجاه العالم، حيث اعتقدوا أن هناك نظاماً الهيّاً معطى مرة واحدة وإلى الأبد، وعلى أساسه يُحكم المجتمع، وأن أي خلل يحدث في تطبيق هذا النظام سببه تعسف المضطهِدين وجهل المضطهَدين. والمهمة الأساسيّة تكمن عندهم في إزالة البدع والتحسينات الكاذبة التي دخلت على النموذج الاجتماعي العريق والمثالي والأسطوري.

أما الحل للخروج من هذه الهرطقة فهو إعادة تفسير النصوص الدينية المقدسة تفسيراً أكثر دقة، وهذا ما دفع قسم من رجال الكهنوت المسيحي الثوريين في القرن السادس عشر لاستخدام العقل والمنطق ضمن رؤية صوفيّة يمكن للرب أن يرسلها لمن يشاء حسب زعمهم. (2).

4- الأفكار الثورية للبرجوازية في عصر التنوير:

لم يكن بإمكان الصراع ضد الاضطهاد واستبداد الملك والاقطاع والدعوة إلى تحقيق العدالة والحرية الإنسانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن يصبح ناجحاً بدون تغيير النظرة إلى العالم، ففي مطلع القرن السابع عشر نشأت المقدمات الموضوعية في أوربا في إعادة النظر بالنسبة للعالم وتفسير حركته الاجتماعية والطبيعة خارج نطاق الفكر الديني اللاهوتي. ففي ذلك الوقت أخذت تنتشر الرؤية النقديّة المنسجمة منهاجيّاً مجموع مجموع المفاهيم والتقاليد والعادات الدينية غير العلميّة للعالم. وقد أحرز هذا النقد في البداية نجاحات عظيمة بالنسبة لقضايا العلوم الطبيعيّة، وليس الاجتماعيّة، وكانت تلك القضايا مرتبطة بالدرجة الأولى بإدراك الطبيعة وطبيعة العلاقة بينها وبين الإنسان. وفي مضمار هذا السير النظري جرى التحدي للنظرة الدينيّة التقليديّة للعالم بصورة ثوريّة، حيث ترك هذا التحدي تأثيراً كبيراً على تفكير الناس وعلى الحياة الروحيّة بأسرها. فنظريّة "كوبر نيك" حول مركزية النظام الشمسي زعزعت أحد الأسس الدينيّة الأسطوريّة اتجاه النظرة الدينيّة للكون، وهذا ينطبق على نظريّة "هارفي" حول الدورة الدموية وتناقضها مع التفكير الديني والتصورات الكنسيّة عن الإنسان والتشريح العضوي له. يضاف إلى ذلك تطور الرياضيات الكلاسيكيّة والميكانيك والتأكيد على إعطاء الثقة المطلقة بالعقل والخشوع للمنطق.

لا شك أن خصائص فلسفة (المذهب العقلي) التي أخذت تنتشر بشكل واسع راحت تترك آثارها المهمة على طابع الفكر الانتقادي في القرنين السابع والثامن عشر. وذلك بإعلان المذهب العقلي حيث اعتبر أن كل ما هو غير منسجم وغير متسق ومتناقض داخلياً، هو غير حقيقي، وبالتالي من هنا أصبحت العلاقات الاجتماعيّة والمؤسسات الاجتماعيّة التي لم يكن موجوداً في أطرها الانسجام الاجتماعي، وكانت تتكشف فيها التناحرات الاجتماعيّة موضعاً للانتقاد من قبل المذهب العقلي، لذلك أقر هذا المذهب العقلي بحوامله الاجتماعيّة تغيير هذه العلاقات والمؤسسات الاجتماعيّة. لقد افترض تيار المذهب العقلي، أن المجتمع شأنه شأن الطبيعة، يتألف من عناصر وعلاقات قليلة العدد وبسيطة نسبيّاً ومتجانسة كيفيّاً، وأنه عبارة عن مجموعة من الأفراد المتجانسين كيفيّاً والشبيهين بعضهم ببعض مبدئياً (كذرات) اجتماعيّة من نوع ما، والذين يتمتعون بحقوق (طبيعية) متساوية وأبديّة. ففكرة مساواة الناس أمام الرب ارتفعت إلى فكرة أكثر تحديداً ودقة وهي فكرة مساواة الناس (الفطرية)، وكانت هذه الفكرة مميزة جداً للوعي الذي انتقد التنظيم الاقطاعي الهرمي الفئوي والطائفي للمجتمع. (3).

5- مقدمات انطلاق فلسفة التنوير:

لقد انطلقت فلسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر (فلسفة التنوير)، بصورة واضحة من المقدمة القائلة: بأن تطبيق الحريّة المدنيّة يعتبر أساساً كافياً لبناء المجتمع المثالي. وكان فلاسفة هذه المرحلة يفهمون الحريّة على أنها تحرر من الفروض الاقطاعيّة وقيود تقسيم المجتمع إلى فئات ومراتب، وكمساواة للناس أمام (القانون). لقد كانت فلسفة التنوير هذه تقصد حريّة العمل الاقتصادي، أي النشاط البرجوازي، وقد عكس هذا الاقتناع موضوعيّاً خصائص الممارسة الاجتماعيّة التاريخيّة في ذلك العصر، عصر تطور نشاط رجال الأعمال الرأسماليين. إلا أن فلاسفة عصر التنوير لمسوا طبقاً لأوهام المذهب العقلي في فهمهم للحريّة ومثالهم عنها بديهيّة يصوغها العقل الصرف للمفكر على حد زعمهم، عدا (روسو) الذي اعترف أن المساواة أمام القانون من السهل ان تصبح مساواة شكليّة وستاراً للثروة، فلمساواة الفعلية عنده لا يمكن ان تتحقق حيث يوجد الثراء والفقر، وحيث يوجد عدم المساواة في الملكيّة. أما الحل عنده فهو خلق مواطن صالح أخلاقيّاً، بعيد عن الأنانيّة والرغبة في الاقتناء الترفي. أليس هو من قال: (عندما قام أول شخص وسيج قطعة من الأرص وقال هذه ملكي وصدقة الناس، بدأ استغلال الإنسان للإنسان).

أما الحاكم الذي يعتبر المثل الأعلى لتحقيق السعادة والمساواة لشعبه فهو عند فلاسفة عصر التنوير ذو الثقافة التنويريّة الذي يعمل طبقاً لقوانين العقل.

لا شك أن فلاسفة عصر التنوير قد ساهموا في الإعداد للثورة الفرنسيّة الكبرى، وكانوا على ثقة كبيرة بأن المصدر الرئيس لأي اضطهاد اجتماعي، إنما يتمثل في سوء الاستخدام الواعي والإرادي من قبل بعض الناس أو الجماعات التي أخذت تنشأ نتيجة لعدم المساواة (الحقوقيّة) بين الناس، ونتيجة للتبعيّة المقننة تشريعيّاً بين المالك والمنتج، ولعدم وجود قوانين واحدة والزاميّة للجميع. لذلك اعتقدوا أنه يكفي الإلغاء الحقوقي للتبعية الشخصيّة وجعل جميع الأفراد في وضع واحد أمام القانون، عندها فقط تزول جميع أشكال الاضطهاد والنزاعات من تلقاء ذاتها في الحياة الاجتماعية.

6- طبيعة وجوهر المساواة الاجتماعيّة:

لقد أثبت التاريخ أن المساواة الاجتماعية أمام القانون لم تلغ عدم المساواة الاجتماعية في السوق الحرة. وأن إقرار المساواة أمام القانون لم يكن سوى بديلاً لمرحلة جديدة في الصراع الطبقي، وأصبح الاعتبار الحاسم في هذا الصراع هو عدم المساوة من حيث الْمِلْكِيَةَ وانقسام الناس إلى جماعات اجتماعية كبيرة تبعاً لحالة ومقدار الملكيّة العائدة لهم. كما أثبت التاريخ أيضاً أن (الثورة الفرنسيّة) التي مهد لها فلاسفة التنوير فكرياً لم تكن في النهاية إلا ثورة برجوازيّة، وقد شهدت نهاية الثورة بالمثال الاجتماعي المجرد الذي وضعه هؤلاء الفلاسفة، والذي اعتنقه بإخلاص الجمهور الثوري الذي كانت تحركه الغريزة الديمقراطيّة اولاً، ومن تأثروا بأفكار التنوير ثانياً. لذلك أظهرت الثورة الفرنسيّة المحدوديّة التاريخية لمجتمع العقل الذي وضع تصوراته آنذاك عن المجتمع الذي لم يكن عند فلاسفة التنوير الذين مارسوا دور هذا العقل ووضعوا تلك التصورات عن المجتمع، بأنه مجموعة ميكانيكيّة متوازنة من الأفراد، هم ليس أكثر من ذرات اجتماعية متجانسة تماماً ومتساوون مع بعضهم من الناحية القانونيّة الشكليّة.

7- ملاك القول:

إن التحولات الاجتماعيّة الحقيقيّة هي التي تعمل على إعادة بناء الدولة والمجتمع وفقاً للقوانين العلميّة الثوريّة التي يلعب فيها (العقل النقدي) دوراً فاعلاً في كشف القوانين الموضوعيّة والذاتيّة التي تتحكم في حركة الدولة والمجتمع، ومن ثم إعادة توظيف هذه القوانيين لمصلحة جميع أفراد والمجتمع، هذا الدور الذي يمارسه الفلاسفة الثوريون المؤمنون بحريّة الإنسان وعدالته، وهذا ما جعل ماركس يعوّل كثيراً على الفلاسفة الثورين عندما اناط بهم مسألة التغيير بقوله: ( آن للفيلسوف الان أن يبني هندسة المجتمع كما يبني المعماري هندسة البناء.). بيد أن ما يرسم له الفلاسفة لن يتحقق مالم تؤمن به الجماهير المضطهدة والمحرومة من العدالة والمساواة، هذه الجماهير هي وحدها من يصنع الثورة الحقيقيّة التي تعمل على إعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع...إنها ثورة القوى الثورة التي راحت تتناقض مصالحها مع العلاقات الانتاجيّة الاستغلاليّة السابقة لوجودها، أو التي أوصلتها إلى حالات القهر والظلم والاستغلال والاستلاب والغربة والتشييء، والراغبة في إعادة بناء علاقات إنتاجيّة جديدة يسود وتعم فيها العدالة والمساوة وتكافئ الفرص والمواطنة والمشاركة في إدارة أمور الدولة والمجتمع والمساواة أمام القانون وعودة الإنسان إلى مرجعيته الإنسانيّة. أي عودته من ضياعه في منتجاته وعلاقات الاستغلال والاستبداد القائم،  هذا الضياع الذي يعتبر أمراً حتميّاً، فهو ليس نتيجة ذنب ارتكبه الإنسان في حياته، بل هو النتيجة المؤلمة للانفصال الذي يحدث في مرحلة معينة من نمو الإنسان بين وجوده الواقعي ومنتجاته. إن الضياع هو الوجه الاخر المقابل للتموضع. فالإنسان يتموضع بصورة  دائمة، أي يوجد خارج ذاته، يتجسد في أشياء (يشيئ). والضياع يتخذ مصدره من الحياة الاقتصاديّة عندما يقوم الإنسان ببيع قوة عمله في السوق ولا يعود يخصه إنتاجه، ويتخذ وجوداً مستقلاً عنه. والحريّة بالنسبة لهذا الإنسان المتشيئ المعزول عن إنتاجه، لا تتحقق إلا بإزالة هذا الضياع والقوى المستبدة ومن يساندها ممن يعملون على استمرارية هذا الاستبداد وتجذيره في حياة القرد والمجتمع الماديّة والروحيّة.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

.....................

(1). (راجع كتاب الفلسفة العلمية والثورية – إصدار دار التقدم 1982- مجموعة من الباحثين السوفييت – ترجمة –فهد كم نقش- ص 25.).

(2). (المرجع نفسه- ص 27).

(3). (المرجع نفسه- ص 33).

رُبَما يَسْري وهمٌ إلينا أنّ التسابق المحموم إلى حيازة أكبر قدر ممكن من التصوّرات الصائبة كافٍ لحجزِ مكانةٍ لائقة في خانة الوعي ومَصافّ ذوي الوعي المتقدّم، ورغم أنّ ذلك قد يبدو للوهلة الأولى مُستساغا منطقيًا ومعقولا رياضيا، إلا أنه عند تفحّصه نجد أنه قد يكون مدمّرا، وليس قاصرا فحسب.

لن أتحدث عن أهمية استحضار مبدأ النسبية لدى تبنّي أي مفهوم مهما بدا رصينا متينا، بحيث نحافظ على درجة معقولة من هامش احتمال الخطأ؛ لتشييد أرضية صُلبة من الاستعداد للتغيير والتعديل، إذْ إنّ اعتبار النسبية قد تناولتُه في مناسبات عدة، ولا أملّ؛ لأهميته، ولكني أتحدث هنا عن ضابط آخر في غاية الخفاء والتمويه، ولكن قبل ذلك، لا بأس أن أؤسِّس لِمنطلَق نتفق عليه سويّةً يكون بمثابة بوابة لهذا الضابط الخفي.

إذا تَمَثّلْنا وعينا الذاتي فضاءً مفتوحًا من المفاهيم والتصوّرات الصائبة - في وجهة نظرنا - فلا بدّ أن نعي أن هذا الفضاء ليس ساحةً تتناثر فيه مفاهيمُنا وقناعاتنا التي تشكّل وعينا، في ثكناتٍ منعزلة ومستقلة عن بعضها البعض، كلا، بل هذا الفضاء ما هو إلا نسيج تربط بين مكوّناته - من التصوّرات والرؤى الخاصة بنا - وشائجُ متأصّلة الصلة ببعضها البعض.

ولعلي أقرّب ذلك بمثال لتتضّح الصورة التي أود أن أعْبُرَ بها من مُعتَمَلِ إدراكي إلى ساحة تفكيركم، فالصِلات الرابطة بين قناعات وعينا مهما بَدَت غير ذات صِلة ظاهرًا، ومترامية في شتّى زوايا وعينا، فهي كأجسام حديدية مُمَغْنَطة تسبح في حقل كهرومغناطيسي يربط فيما بينها وإنْ كان الرابط غير مرئي، وبما أنّ وجود الصِلة بالضرورة يستلزم وجود التأثير، فتحرُّك أي جسم حديدي مُمَغْنَط منها في هذا النسيج من القوى من شأنه أنْ يلقي بظلاله على البقية، وإنْ بتفاوت، ولكن ما الذي يعنيه هذا حينما نُسْقِطُه على نسيج الوعي؟

إنَّ تَبَنّي مفهومٍ ما يجب أن يتم بمقتضى هذا الفهم، وباستدعاءٍ جادّ لهذا الضابط، وهو أنّ التبنّي ينبغي ألا يكون بمعزل عن بقية المفاهيم الموجودة سَلَفًا، بل بما يتساوَق ويتماشى معها، بلا مغالاةٍ تجعل التقصير في الاعتناء بشبكة المفاهيم المتبنّاة ضريبةً يتحمّلها المرءُ، ويحسب ذلك التبنّي المسعور وعيا، وما هو من الوعي في شيء، على أني حين أتحدث عن التوافق مع شبكة المفاهيم فلا أعني عدم المساس بمفاهيمنا القديمة، فليس عن معيار التقدم الزمني أتحدث، فأكثر أزماتنا كامنٌ في مفاهيمنا البالية، بل عن مفاهيمنا الحالية التي ارتضيناها لأنفسنا، وارتأَيْنا صوابَها، وهي بالكليّة تمثّل شبكة وعينا، وعينا الحالي.

إنّ لكل مفهوم نتبنّاه تأثيرٌ متتابِع (Ripple Effect) وتداعيات متلاحقة على علاقتنا ببقية مفاهيمنا المُتَمَوْضِعة في حقول معرفية أخرى، يجب أن تُؤخذ في الاعتبار، وأنّ الاحتفاء المبالَغ فيه - خصوصا في البدايات - بمفهومٍ ما أو بضعة مفاهيم من شأنه أن يعطّل ما جنيناه من نتائج رائعة وحصدناه من تطور طال جوانب عدة في حياتنا، جَرّاءَ الوعي الذي أَكْسَبَتْنا إياه مفاهيمنا الموجودة سَلَفًا حتى تلك التي تمسّ قطاعاتٍ أخرى، وإذا كان ذلك كذلك فالمخاطرة الجذرية تكمُن في أنّ إغفال هذه الصلة، لا يقتصر ضرره على مفهوم آخر أو منطقة وعي أخرى فحسب، بل على شبكة المفاهيم بأسرها وإنْ على تفاوت في التأثير، وتراخٍ في الزمن؛ لأن الوعي شبكة، وعملية الوعي شبكية، وما يحصل في طرف الشبكة يصل إلى طرفها الآخر.

وحتى لا يبدو الطرح تنظيريًا جافًا، دعوني أستدعي أمثلةً حيّة أوضّح ما أعنيه واقعا، فَلْتتخيّل أنك للتوّ تبنَّيتَ مفهومًا يقضي بضرورة تحديد أولويّات المرحلة، فتعمَدُ؛ تَبَعًا لذلك إلى قطع بعض الإجراءات المرتبطة بمفهوم حاليٍ صحيح كذلك، رأسًا، بدون تدريج ولا مراعاة؛ لأنها ليست داخلة ضمن مفهومك الفَتِيّ (أولويّات المرحلة) وهذا الارتماءُ الفَجّ في تبنّي هذا المفهوم - الذي في أصله صحيحٌ - سيجرّ عليك تبعات سلبية، قد تكون على المَدَيَيْن المتوسط والبعيد إنْ لم يكن القريب.

ومثالٌ آخر، المغالاة في تبنّي مفهومٍ يقع في منطقة العلاقات، رغم أنه صحيحٌ جدا - لو جاز لي هذا التعبير - إلا أنّ الانحيازَ إليه بالكليّة، من المحتمَل أن يَتْبَعَه انزياحٌ سافِرٌ لإِعْمال مفهوم في الوعي المالي مثلا، وهذا الانزياح الأخير بدوره ستصيبُ لوثتُه مفهومًا في منطقة الوعي النفسي تاليًا مثلا، وهكذا دواليك، في مناطق وعي مختلفة، في تتابعات قد لا يُنتَبَه إليها إلا متأخرا، وربما في مرحلة يصعب معها فكّ العُقَد إلا بالبتر!

وهذا يدفعُنا بشدّة لحظةَ تبنّي مفهوم ما، إلى الانتباه جيدا إلى التداعيات المحتمَلة على العناصر الأخرى من شبكة وعينا في مختلف الجوانب، وضرورة دَوْزَنَة علاقتنا بهذا المفهوم وضبطه وفقًا لذلك، وعليه؛ فلا يغدو حينئذٍ مؤشّرُ وعينا مرهونا فقط بمقدار ما ننطوي عليه من تصوّرات متينة، بل كذلك بمدى حضور هذا الضابط الذي يراعي نسقها الكلّي، فهذه المراعاة الواعية هي التي تتيح لكل مفهوم من شبكة مفاهيمنا الفرصةَ العادلة لكي نَمْتَحَ من مَعينها الرقراق، والدفع بذلك إلى أقصى حدود الممكن، وهذا يجعلني أتجرأ بالزعم أنّ الوعي الحقيقي بمفهوم ما لا يكون بدرجة تبنّيك إياه، وإنما بدرجة اتّساق تبنّيه مع تبنّيك بقيةَ مفاهيمك، وأنّ شبكةً متّسقةً من الوعي المتواضع خيرٌ ألف مرة من شبكة وعي متقدمة مشوّهة بِمَيْلٍ غير مسؤول تجاه بضعة مفاهيم فيها، فقوائم مخلوق متساوية في القصر أجملُ بحاله وأبلغ في فاعليته من مَسْخٍ ذي قوائم قصيرة مع قائمة طويلة للغاية.

بات جليًا الآن أنّ الوعي شبكة من المفاهيم، ولِزامًا علينا أن نقف على مسافة واحدة من جميع مفاهيمنا في هذه الشبكة المتصلة - مهما بَدَتْ استقلاليةُ بعض مفاهيمها - بما يضمن الاتّساق العام بينها، والذي يخدم عملية الوعي في صورتها الشمولية، ليكون الضابط الفيصلي عندئذٍ في تَبَنِّي أيّ مفهوم هو مراعاة النسَق العام لمجموعة مفاهيمنا، وإلا فإن لعنة الوعي الشبكي ستظلّ تطاردُ كل تَبَنٍّ متطرّف لمفهوم ما أو زُمْرَةٍ منها دونًا عن البقية، إلى أنْ يُعاد التوازُن، وتعود الأمور إلى نصابها المعتدل، إنها لعنة الجماعة، حتى في الوعي يا صاح!.

***

محمد سيف - عُمان

هل سبق أن بحثت في جوجل عن منتج، ثم ظهر لك إعلان عنه مباشرة على شبكات التواصل الاجتماعي؟ أو تسوقت عبر إنستغرام وفيسبوك، فوجدت أمامك محتوى يبدو مصمماً بدقة على ذوقك واحتياجاتك؟ وراء هذه المصادفات الظاهرة منظومة هائلة من البيانات التي تجمعها شركات التكنولوجيا عن مستخدميها. وهذا ما يمكن تسميته ب«رأسمالية المراقبة»، وهو نظام اقتصادي جديد أصبحت فيه المعلومات الشخصية مادة أولية للتنبؤ بسلوك البشر، وتحولت هذه التنبؤات إلى سلعة تهدد، أسس الديمقراطية.

توصف رأسمالية المراقبة بأنها «المؤسسة الاقتصادية السائدة في عصرنا»، وهذا الأمر ليس مبالغة، بل تحول جذري في طبيعة الرأسمالية. ففي القرن الرقمي، أصبح النشاط الاقتصادي قائماً على تجارة السلوك البشري؛ إذ تُراقب أفعالنا، وتحوَّل إلى بيانات، ثم تستخدمها الشركات الكبرى لبناء نماذج تتنبأ بما سنفعله. وبعد ذلك تُباع هذه التوقعات إلى قطاعات مختلفة، من التأمين والصحة إلى التمويل والاستهلاك. وكلما ازدادت قدرة الشركات على تقليل عدم اليقين بشأن سلوكنا، ازدادت قدرتها على تحقيق الأرباح.

قد يبدو هذا كله مريحاً للمستخدم. فالموسيقى التي تقترحها سبوتيفاي، والأفلام التي تختارها نتفليكس، والمنتجات التي يعرضها أمازون، كلها خدمات تجعل الحياة أكثر سهولة. وليس هناك اعتراض على إنكار هذه المنافع؛ بل تكمن المشكلة، في أن المعرفة والبيانات التي تولدها هذه الخدمات لا تعود إلى أصحابها، وإنما تستولي عليها الشركات وتحوّلها إلى مصدر للقوة والربح.

وتكمن خطورة الأمر أيضاً في أن معظم هذه العمليات تجري بعيداً عن أعين المستخدمين. فالتنقيب عن البيانات والتنبؤ بالسلوك يتمان على نطاق هائل، بحيث يصبح من الصعب على الفرد أن يدرك حجم ما يُستخرج منه وما يُبنى عليه من استنتاجات. لذلك فالمطلوب ليس إلغاء التكنولوجيا أو حرمان الناس من الخدمات الرقمية، وإنما إخضاع هذه المنظومة لقواعد جديدة تضمن أن تكون البيانات والمعرفة الناتجة عنها في خدمة الأفراد والمجتمع والمؤسسات الديمقراطية، لا في خدمة مجموعة محدودة من الشركات.

ومن هنا نصل إلى جوهر المخاوف: إما أن نملك مجتمعاً ديمقراطياً، أو مجتمعاً قائماً على المراقبة؛ لا يمكن أن نملك الاثنين معاً. فرأسمالية المراقبة، لا تجمع البيانات فحسب، بل تنتزع من الإنسان جزءاً من قدرته على تقرير ما يُعرف عنه، وكيف يُحكم عليه، وما الذي ينبغي أن يبقى خاصاً به. ولهذا أدعوا إلى تقنين ما يمكن تسميه ب«الحقوق المعرفية»، أي تحويل حق الإنسان في التحكم في المعرفة المتعلقة به إلى حق قانوني يمكن الدفاع عنه.

وتزداد المشكلة وضوحاً حين ننتقل من الفرد إلى المجال العام. فقد أصبحت شركات مثل ميتا تسيطر على مساحات واسعة من التواصل الاجتماعي وتؤثر في المعلومات التي تصل إلى الجمهور. والخطر هنا أن منطق الربح قد يعمل في الاتجاه المعاكس للمصلحة العامة؛ فالمحتوى الأكثر إثارة واستفزازاً وغضباً يحقق تفاعلاً أكبر، والتفاعل يعني مزيداً من البيانات، ومزيداً من البيانات يعني توقعات أدق، ومن ثم أرباحاً أكبر. وهكذا قد تجد الخوارزميات نفسها تشجع المحتوى الأكثر تطرفاً لا لأنه الأفضل للمجتمع، بل لأنه الأكثر قدرة على جذب الانتباه.

ولا يتوقف الأمر عند تشكيل سلوك الأفراد. فهذه المنظومة تستطيع التأثير في السلوك الجماعي أيضاً: زيادة الغضب والاستقطاب، دفع الخطاب نحو الكراهية والتحريض، أو التأثير في الطريقة التي تتشكل بها المواقف العامة. ومثال ذلك بما حدث خلال جائحة كوفيد-19، حين انتشرت المعلومات المضللة على نطاق واسع، وما ارتبط بذلك من آثار خطيرة على حياة الناس.

لذلك فلو أتيح لي اتخاذ قرار واحد لتغيير هذا الواقع، فسأختار وقف الاستخلاص الضخم والصامت للبيانات الشخصية واعتباره غير قانوني. إذ لا يمكن بناء فضاء رقمي ديمقراطي على أساس قوة اقتصادية تستولي على السلوك الإنساني وتحوله إلى مادة تجارية من دون موافقة حقيقية من أصحابه.

المسألة، في النهاية، ليست في أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً من حياتنا، ولا في أن الخدمات الرقمية جعلتها أكثر سهولة. المسألة هي من يملك المعرفة التي تنتجها هذه الحياة الرقمية، ومن يملك القدرة على تحويلها إلى قوة. لقد دخلنا هذه الديستوبيا من دون أن نخطط لها، وربما من دون أن نلاحظ أننا دخلناها أصلاً. لكن استمرارها ليس قدراً محتوماً. فإذا كان القرن الرقمي قد بدأ على هذا النحو، فإن استعادته تظل ممكنة، شرط أن نستعيد أولاً حقنا في أن تكون حياتنا، وبياناتنا، ومعرفتنا، ملكاً لنا لا مادة خامة لسلطة الآخرين.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

لم تكن "الأم" في تاريخ الفنون والموسيقى مجرد موضوع عابر للتعبير العاطفي، بل كانت المرآة الأعمق التي تعكس فلسفة المجتمعات وتقاليدها. وحين نتأمل كيف تناول الغناء العالمي صورة الأم، نلمس بوضوح اختلافاً جذرياً في النبرة، والمساحة، والأبعاد الفكرية بين الشرق والغرب.

في الفضاء الثقافي والفني الشرقي، تحتل الأم مكانة مقدسة ومركزية طاغية؛ إذ تحولت في الأغنية إلى أيقونة لا تُضاهى وترتيلة وجدانية تفيض بالخشوع والتبجيل. فالأغنية الشرقية لا تقترب من الأم بوصفها فرداً عادياً، بل تنظر إليها كرمز مطلق للتضحية الصامتة، والصبر الجارف، والدعاء المستجاب. لقد باتت أعمال خالدة مثل رائعة "ست الحبايب" التي كتب كلماتها الشاعر حسين السيد، ولحنها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وأدتها بصوتها الخالد الفنانة فايزة أحمد بمثابة نشيد قومي للبيت والعائلة، حيث يمتزج فيها حنين الطفولة بقدسية الانتماء، ليصبح فقدان الأم هو الانكسار الوجودي الأكبر في حياة الإنسان.

ويتجلى هذا العمق الشرقي بأبهى صوره أيضاً في رائعة الشاعر الكبير محمود درويش، والتي لحنها وأداها الفنان اللبناني مارسيل خليفة في أغنيتهما الخالدة "أحن إلى خبز أمي"؛ حيث يقول درويش في كلماته ....

أَحَنُّ إِلَى خُبْزِ أُمِّي

وَقَهْوَةِ أُمِّي

وَلَمْسَةِ أُمِّي

وَتَكْبُرُ فِيَّ الطُّفُولَةُ

يَوْماً عَلَى يَوْمِ

وَأَعْشَقُ عُمْرِي لِأَنِّي

إِذَا مِتُّ،

أَخْجَلُ مِنْ دَمْعِ أُمِّي!

فالخبز والقهوة ولمسة اليدين هنا ليست مجرد تفاصيل مادية، بل هي رموز مقدسة للطفولة والقبول والأمان، ويتحول الحنين فيها إلى حالة من الخشوع الأخلاقي الرفيع، حيث يصبح الخوف من دمع الأم هو المعيار الأسمى للوفاء.

على الجانب الآخر، وفي الموسيقى الغربية بمختلف قوالبها من "البوب" و"الكاونتري" و"الراب"، حضرت الأم من منظور إنساني واقعي ومباشر. هنا، لا تُقدّم الأم ككائن أسطوري متعالٍ، بل كامرأة من لحم ودم تواجه قسوة الحياة ويومياتها بصراحة تامة، كما يظهر في العديد من الأعمال الخالدة؛ فعلى سبيل المثال، قدم فريق Boyz II Men أغنيتهم الشهيرة "A Song for Mama" التي تحتفي بالأم كامرأة حقيقية كانت الصخرة التي يستندون إليها وسط صعاب الحياة، بينما ذهب جون لينون في أغنيته المؤثرة "Mother" إلى أبعاد نفسية أعمق تستكشف جروح الطفولة وفقدان السند بحرقة واقعية مجردة.

وخير مثال يجسد هذه الواقعية بقوة هو الأغنية الأيقونية "Dear Mama" لنجم الهيب هوب الأمريكي توباك 2Pac، والتي أنتجها وشارك في كتابتها توني بيزارو. هنا يوثق توباك قصة أمه أفيني شاكور التي ربته وسط جحيم الفقر والإدمان وظروف التمييز في الأحياء الأمريكية القاسية، لتقدم الأغنية كلمات تنبض بالواقعية:

  And even as a crack fiend, mama,

وحتى في قاع الإدمان ومعاناة المرض يا أمي،

You always was a black queen, mama.   

ظللتِ دائماً تلك الملكة السمراء العظيمة في نظري يا أمي.

فالأغنية لا ترفع الأم إلى مرتبة الملائكة المعصومين، بل تقدمها كامرأة من لحم ودم أخطأت أحياناً بحكم ظروفها المدقعة، لكنها كافحت بشراسة لحماية أطفالها، ليبرز الاعتراف المباشر والمكاشفة النفسية القائمة على تقدير حجم التضحيات وسط عالم يعج بالصراعات.

هكذا يتجلى الفرق؛ بين شرقٍ اختار أن يرفع الأم إلى مرتبة "القداسة المطلقة" عبر عاطفة جارفة كما في "ست الحبايب" و"أحن إلى خبز أمي"، وغربٍ اختار أن يقترب منها عبر "الواقعية الإنسانية" التي تلامس تفاصيل العيش والوجود وصراعاته كما في أعمال توباك وجون لينون وغيرهم. وفي النهاية، وسواء اختلط اسم الأم برائحة الخبز والقهوة الدافئة، أو بصراع البقاء في شوارع المدينة، يبقى نداء الأم هو الصوت الأبدي الذي يخترق جدران الزمن ليعيد للإنسان براءته الأولى

أبعاد العاطفة: من تراتيل الخشوع الشرقي إلى ملامسة الوجدان الغربي

إذا تجاوزنا الفارق الفلسفي في رسم صورة الأم، فإننا نلمس بوضوح كيف تباينت الأدوات التعبيرية والمواضيع التي دارت في فلكها الأغاني بين العالمين. ففي الوجدان الشرقي، تدور رحى الأغنية حول الحنين الجارف، إظهار العرفان المطلق، وتخليد تضحيات الأم التي تفانت بصمت من أجل بناء أسرتها. إن المفردات المتاحة في الأغنية الشرقية غالباً ما تنهل من قاموس الطهارة والبر والدعاء، وتُصوّر الأم كحصن للدفء والأمان لا يقبل التبديل. هذا الحنين العارم يصل في كثير من الأحيان إلى حدود التماهي مع الوطن والأرض، لتصبح الأم هي الوطن المصغر الذي يلجأ إليه الإنسان كلما اشتدت عليه نوائب الدهر.

في المقابل، تنوعت المواضيع والمشاعر في الغناء الغربي لتشمل طيفاً أوسع من التجارب الإنسانية والنفسية. فنجد مثلاً في الموسيقى الريفية "الكاونتري" تصويراً دافئاً للأم بوصفها حارسة القيم العائلية والذاكرة البسيطة للبيت القديم. بينما نجد في قوالب أخرى كالـ "هيب هوب" والـ "راب" تحية عميقة وصريحة للأمهات اللواتي كابحن وسط جحيم الفقر والتمييز لحماية أبنائهن، مما يمنح الأغنية طابعاً واقعياً خشناً ومليئاً بالاحترام المتبادل والمكاشفة. كما لم تتردد الموسيقى الغربية في طرح أبعاد أكثر تعقيداً، كالتعبير عن شعور الذنب أو جروح الطفولة، في مقاربة تحليلية تبحث في جوهر العلاقة الإنسانية بكل تصدعاتها ودفئها.

هكذا يتشكل المشهد؛ عاطفة شرقية تحلق في سماء التقديس والامتنان المطلق، وعاطفة غربية تمشي على أرض الواقع لتلامس تفاصيل التجربة اليومية بكل ما فيه من قسوة وجمال

إن الغناء للأم، شرقاً وغرباً، ليس ترفاً عاطفياً، بل هو محاولة مستمرة من الإنسان لترميم روحه وإعادة اكتشاف براءته الأولى وسط صخب العالم. وبغض النظر عن اختلاف الألحان وتباین نبرات التقديس والواقعية، يبقى نداء الأم هو الصوت الأبدي الذي يخترق جدران الزمن، مذكراً إياناً بأن أجمل ما في هذا العالم البارد هو ذلك الدفء الذي تبدأ به الحكاية، ولا ينتهي أبداً

***

ئاريان علي

ليست الهزيمة كما قد يبدوا لأول وهلة مجرد واقعة عسكرية عابرة، ولا سقوطًا سياسيًا ينتهي بانتهاء الحدث، بل هي لحظة انكشاف نسقي، الأمر الذي يجعلها مولِّدًا إبستمولوجيًا يعيد ترتيب المفاهيم في الوعي الجمعي. نعم، قد يُغري الانتصار بالاطمئنان، لكن الانكسار هو الذي يمرّ عبر غرابيل التاريخ، فيكشف ما كان مستترًا في النسق، وما كان قابلًا للتصلب دون مساءلة. ونحن هنا لا نكتب تاريخ الدول، بل نكتب تاريخ تشكّل الوعي. فلا نقف عند من حكم ومن سقط، بل نتتبع كيف أعادت هاتيك اللحظات المفصلية تعريف العلاقة بين المقدس والسياسي، بين الشرعية والسلطة، بين الجماعة والهوية.

وإذا ما حاولنا قراءة تاريخنا عبر نهجٍ مغاير لما ألفه المتفقهين في السرد التقليدي القديم، نجد أن الهزيمة لم تكن نهاية، بل كانت بداية تحول نسقي. حيث نجد أن الفرق جوهري بين تاريخ الدول وتاريخ تشكّل الوعي.

وذلك لأن تاريخ الدول يصف الوقائع؛ أما تاريخ النسق فيسأل: كيف فُسرت الوقائع؟، ولماذا اختار الوعي الجمعي تفسيرًا أخلاقيًا دون تفسير بنيوي؟، ولماذا غلب خطاب الضحية أحيانًا على خطاب الإصلاح؟، ولماذا يميل العقل الدفاعي إلى انتظار الكارثة كي يعيد التفكير؟. الأمر الذي يجعلنا نطرح سؤالًا لا مفر منه؛ هل الهزيمة قدر تاريخي، أم بنية ذهنية تتكرر؟ـ فإذا قلنا إنها قدر، أعفينا النسق من المساءلة.

وإذا قلنا إنها بنية، أصبح لزاما علينا أن نمرر أفكارنا عبر غرابيل النقد، لا عبر شعارات التبرير. ففي الماضي، كانت الهزيمة تُنتج تركيبًا جديدًا كـ (علم كلام، تصوف، إصلاح، مشروعًا سياسيًا). أما في الوقت المعيش، فقد يبدوا أن الهزيمة تتحول إلى سردية دائمة تُعاد في الفضاء الرقمي، حيث يُكافأ الغضب، وتُضخَّم الصدمة، ويتشكل خطاب الضحية المعولم. وهنا لا يعود السؤال: من انتصر ومن انهزم؟. بل؛ كيف أصبح الألم جزءًا من الهوية؟.

وقد يتهمنا بعض المشككين أن قراءة التاريخ من جهة الهزائم والانكسارات ضربٌ من التجديف، أو مجافاة للإنصاف الحضاري. مما يجعلنا نميز بين الطعن أو إنكارا المقدس، وبين النقد الحضاري بوصفه مساءلة للنسق. وليس من شأن هذا العمل أن يضعف الإيمان، ولا أن يُرضي الأغيار، ولا أن يجاري المجترئين في قراءاتهم السطحية، بل أن يعيد النظر في البنية الذهنية التي تستقبل الحدث.

وقد يرى آخر في هذه القراءة مغامرة فكرية، وقد يتهمنا البعض بالمبالغة، غير أننا نؤكد أن مساءلة النسق ليست خروجًا عليه، بل شرط بقائه. فالنسق الذي لا يُراجع يتحول إلى بنية دفاعية، والبنية الدفاعية تقودنا إلى زيغٍ جديد.

فلا نسعى إذن إلى جلد الذات، ولا إلى مجاراة المجدفين، ولا إلى إرضاء الأغيار، ولا إلى محاكمة الماضي بأدوات الحاضر، بل إلى إعادة ترتيب السؤال. كمحاولة لفهم كيف يعمل النسق حين يتعرض للصدمة، وكيف ينتقل من الدفاع إلى التصلب، ومن التصلب إلى الانكسار، ومن الانكسار إلى مراجعة قد تكون جزئية أو جذرية.

وإذا ما حاولنا أن نرى حاضرنا المعيش بعينٍ نسقية، نجد أن الهزيمة المعاصرة لم تعد عسكرية فقط، بل وجودية وسردية. لأنها تقع في مستوى المعنى قبل أن تقع في مستوى الجغرافيا. الأمر الذي يفرض علينا نهجًا جديدًا في التفكير، لا يقوم على النرجسية، ولا على انتظار الصدمة، بل على نقد حضاري مستمر. فالوعي ما بعد الهزيمة ليس إنكارًا للتاريخ، ولا اجترارًا له، بل انتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن التبرير إلى المساءلة، ومن الدفاع إلى التحليل. فقد تكون الهزائم جزءًا من مسار الأمم، لكن تحويلها إلى هوية دائمة هو ما ينبغي تفكيكه.

ولذلك لا نسعى هنا لنؤرخ للهزيمة، بل لنقرأ تشكّل الوعي من خلالها، ولنفتح أفقًا يتجاوز منطق الانتظار الكارثي، ويُعيد ترتيب العلاقة بين النسق والنقد. فليست الأمم في لحظات ازدهارها أكثر قدرة على رؤية نفسها. لأن الانتصار يُغري بالاطمئنان، ويُغري بإعادة إنتاج النسق كما هو، ويُغري باعتبار الحاضر ذروةً مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة. أما الهزيمة، فإنها مهما كانت قاسية تُجبر الوعي على أن ينظر في مرآته.

وليست الكتابة في موضوع الهزيمة أمرًا جديدًا في الفكر العربي أو الإسلامي. بل يمكن القول إن كل جيل منذ القرن التاسع عشر كتب بطريقته عن الانحطاط، والتخلف، والتراجع الحضاري، وأسباب السقوط، وقابلية الاستعمار، وأزمة العقل، وهزيمة المشروع القومي، وفشل الإسلام السياسي، وصولًا إلى انهيار الدولة الوطنية.

نعم، لقد كُتبت دراسات عن الانحطاط، وعن القابلية للاستعمار، وعن هزيمة 1967م، وعن أزمة الدولة الوطنية، وعن صعود المتأسلمين، وعن فشل القومية، وعن تحولات المجال العام. ناهيك عن دراسات تناولت الإسلام السياسي، أو الليبرالية العربية، أو الخطاب الديني المعاصر. غير أن أغلب هاتيك الأعمال تناولت مرحلة بعينها، أو مشروعًا محددًا، أو أزمة ظرفية. خلافا لما نحن بصدده فهو محاولة ربط تلك اللحظات في نسقية ممتدة، لتقرأ بوصفها حلقات في تشكّل وعي ما بعد الهزيمة. حيث تشكل كل صدمة إعادة ترتيب الوعي الجمعي، وليس هذا بمعنى محو القديم، بل بإعادة تأويله.

غير أن معظم هذه الكتابات كانت تتحرك داخل أفقين رئيسيين: إما أفق التفسير السياسي العسكري، أو أفق النقد الحضاري الفكري. فـ مالك بن نبي(1905 1973م) -مثلا- الذي قدّم في كتابه شروط النهضة (1948م) مفهوم القابلية للاستعمار، معتبرًا أن الهزيمة ليست فعل الخارج وحده، بل ثمرة بنية نفسية اجتماعية داخلية تُمهّد للاستعمار.

وقد شكّل طرحه انتقالًا من تفسير الحدث إلى تحليل القابلية الكامنة في المجتمع المهزوم. ثم جاء قسطنطين زريق (1909 2000م) في (معنى النكبة) (1948م)، ليقرأ هزيمة 1948م بوصفها أزمة حضارية شاملة، لا واقعة عسكرية عابرة، داعيًا إلى نهضة عقلية وأخلاقية تعيد بناء الإنسان قبل الدولة.

وفي أعقاب نكسة 1967م، كتب صادق جلال العظم (1934 2016م النقد الذاتي بعد الهزيمة (1968م)، متجهًا نحو تفكيك الخطاب الأيديولوجي السائد، ومحمّلًا الثقافة السياسية مسؤولية إنتاج الوهم قبل إنتاج الهزيمة. أما عبد الله العروي (1933) ففي كتابه الأيديولوجيا العربية المعاصرة (1967م)، قد عالج الهزيمة في سياق أوسع هو مأزق الحداثة، محللًا البنية الفكرية العربية وعلاقتها المتعثّرة بالمفاهيم الحديثة، ومؤكدًا أن الأزمة بنيوية في الوعي التاريخي ذاته.

ومع انتقالنا إلى العقود الأخيرة، تغيّر أفق السؤال. فظهرت دراسات ركزت على انهيار الدولة الوطنية، وصعود الإسلام السياسي، ثم تعثره، وكتبت حول فشل المشروع القومي، وأزمة الليبرالية العربية، وتحولات المجال العام الرقمي. فقد درس محمد عابد الجابري (1935 2010م) في (نقد العقل العربي) (1982 2001م) البنية المعرفية التي تُنتج الوعي، معتبرًا أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن يقوم دون تفكيك أنساق التفكير الموروثة.

وفي سياق تحليل الإسلام السياسي، قدّم جيل كيبل (1955) في كتابه (النبي والفرعون) (1984م) قراءة سوسيولوجية لصعود الحركات الإسلامية داخل الدولة الوطنية، رابطًا الظاهرة بأزمة الشرعية والتنمية. ثم جاء وائل حلاق (1955) في (الدولة المستحيلة) (2013م)، ليذهب أبعد من تحليل التعثّر، متسائلًا عن إمكان التوفيق أصلًا بين الشريعة وبنية الدولة الحديثة السيادية. ومع تحولات المجال العام الرقمي، تناول فيليب ن. هوارد (1970) في Lie Machines (2020م) أثر التكنولوجيا السياسية في إعادة تشكيل الرأي العام، مبينًا أن الهزيمة المعاصرة لم تعد عسكرية أو أيديولوجية فحسب، بل معرفية اتصالية أيضًا.

وقد كُتبت دراسات عن سقوط بغداد، ودراسات عن الأندلس، ودراسات عن 1967، ودراسات عن 2011، لكن نادرًا ما جُمعت هذه اللحظات في إطار نظري واحد يقرأها بوصفها حلقات في تشكّل الوعي. فكل هذه الأعمال- على أهميتها - تشترك في أمر جوهري وهي أنها تقرأ الهزيمة بوصفها موضوعًا سياسيًا أو فكريًا محددًا داخل مرحلة تاريخية بعينها.

أما ما نحن بصدده فإننا ننطلق من زاوية مختلفة. حيث لا نكتب عن هزيمة بعينها، ولا عن مشروع بعينه، ولا عن مرحلة واحدة، بل نحاول أن نتتبع الهزيمة بوصفها مولِّدًا إبستمولوجيًا عبر قرون. أي أننا لا نسأل فقط لماذا هُزمنا؟. بل نسأل ماذا فعلت الهزيمة بعقولنا؟. فلسنا نؤرّخ للهزائم بمعناها العسكري الضيق، ولا نرصد التسلسل الزمني لسلسلةً من السقوطات السياسية، بل نحاول كتابة التاريخ الفكري للإسلام من زاوية الانكسار لا من زاوية الانتصار؛ أي محاولة لفهم كيف أعادت كل صدمةٍ كبرى تعريف المفاهيم المركزية كـ(الإلهيات، السلطة، الشرعية، الجماعة، الهوية، الأمة، الدولة، والمعنى).

 وقد جرت العادة في كتابة التاريخ الإسلامي على إبراز العصور الذهبية والفتوحات ومراحل القوة وإنتاج الحضارة، غير أن هذا المنظور على أهميته يُغفل سؤالًا أعمق ألا وهو؛ كيف يتغيّر الوعي حين ينكسر؟، وهل ما نسمّيه هزائم كان نتيجة ظروف تاريخية عابرة، أم أنه نمط تفكير يتكرر فنُعيد إنتاج الإخفاق كل مرة؟. وهل نستطيع أن نبني وعيًا قادرًا على التجدد من الداخل، دون أن ننتظر صدمة كبرى أو كارثة جديدة تدفعنا إلى المراجعة؟. وعلى الرغم من أننا لا ندّعي امتلاك إجابة وافية متكاملة، لكننا نقترح مسارًا في التفكير، من خلال قرأة تاريخنا لا بوصفه سلسلة من الأمجاد أو سلسلة من المؤامرات، بل بوصفه تفاعلًا معقدًا بين البنية والحدث، بين الداخل والخارج، بين النسق والصدمة. هذا المسار يظهر أن كل هزيمة كبرى أعادت ترتيب العلاقة بين المقدس والسياسي، بين الجماعة والسلطة، بين الهوية والعالم.

وجدير بالذكر أن نوضح أن دعوتنا لكتابة التاريخ من جهة الانكسار ليست دعوة إلى التشاؤم، بل هي محاولة لتحرير الوعي من وهم الاكتمال، ومن وهم البراءة المطلقة، ومن منطق الانتظار الكارثي. فهي دعوة إلى أن نمارس النقد قبل أن تفرضه الصدمة، وأن نُعيد التفكير في مفاهيمنا لا لأننا هُزمنا فقط، بل لأننا نريد أن نفهم. بهذا المعنى، فإننا هنا لا نقدم رثاءً، ولا بيانًا أيديولوجيًا، ولا سجالًا سياسيًا، بل محاولة لصياغة نظرية في الوعي ما بعد الهزيمة؛ وعي يدرك أن الانكسار قد يكون لحظة ميلاد، وأن أخطر الهزائم ليست تلك التي تقع في الجغرافيا، بل تلك التي تستقر في البنية الذهنية.

وإذا كان التاريخ لا يخلو من صدمات، فإن السؤال الذي نختتم به هذا التمهيد ويبدأ معه مسار القراءة هو؛ هل نمتلك شجاعة النظر إلى ذواتنا من خلال جراحنا، لا لنقدّسها، بل لنتجاوزها؟.

وللحديث بقية ...

***

بقلم: د. بدر الفيومي

مفهوم «التنمية المستدامة» حديث الظهور في أدبيات التنمية واقتصاداتها. وكان استخدامه -حتى وقت قريب- محدوداً في دراسات البيئة. ويبدو لي أن بروزه الأولي جاء رداً على ما يُعتقد أنه تغول للقطاع الصناعي، أدى، بين نتائج أخرى، إلى تقليص القطاع الزراعي، لا سيما الزراعة التقليدية والغابات ومصائد الأسماك، وأضر بالبيئة ونمط العيش في المجتمعات التقليدية. ولذا؛ ركز معظم الداعين للتنمية المستدامة، في تعريفاتهم الأولية لها، على صيانة الموارد الطبيعية والنظام البيئي.

وخلال الثلاثين عاماً الماضية، انضم «المناخ العالمي» إلى قائمة الأهداف التي تحظى باهتمام دعاة التنمية المستدامة. ولعل أكثر التعريفات شيوعاً في الوقت الراهن هو الذي اختارته «اللجنة العالمية للبيئة والتنمية» في تقريرها التأسيسي «مستقبلنا المشترك»، وفحواه أن التنمية المستدامة هي تلك التي تلبي حاجات أهل الحاضر، من دون الإضرار بالموارد الطبيعية التي تحتاج إليها الأجيال المقبلة. وينطوي هذا التعريف على مفهومين أساسيين: مفهوم الحاجات، لا سيما «الحاجات الأساسية لفقراء العالم، والتي ينبغي أن تعطى الأولوية». ومفهوم القيود التي تفرضها العلاقة الحرجة بين الاستعمال المكثف للتكنولوجـيـا ومتطلبات التجارة، من جهة، وبين الموارد المتوفرة فعلياً في البيئة الطبيعية، من جهة ثانية.

لا تخلو التعريفات السابقة من نقاط ضعف، خصوصاً فيما يتعلق بالقيود على التقنية ودور الإنسان في تحقيق الاستدامة. ولذا؛ سأقترح تعريفاً يتلافى نقاط الضعف المذكورة، حيث يصف النظام المستدام بأنه ذلك النظام القادر على إعادة إنتاج مقوماته الأساسية، والاستمرار إلى أجلٍ غير مسمى. إذن، فالنظام المستدام ينبغي أن يتسم بالتوازن، وذلك بالجمع بين:

1- رعاية حاجات البيئة (أي الموارد الطبيعية، بتقييد التصرفات المفسدة).

2- السوق (أي توليد فائض قيمة مناسب للارتقاء بالمعيشة) لتلافي تحويل المحافظة على الموارد الطبيعية سبباً لإفقار السكان.

3- الجماعة (أي كونه منسجماً مع القيم المجتمعية الخاصة بالرفاه والحياة الفاضلة). و

4- توسيع الموارد (أي المراهنة على البحث العلمي في استنباط موارد جديدة وزيادة إنتاجية الموارد الحالية. وهذا يجعل التقنية عنصراً حيوياً في منظومة الاستدامة، لكن ليس في تحديد معاييرها وأغراضها النهائية).

وبناءً عليه؛ فإن التنمية المستدامة هي المشروع الذي يستهدف إقامة نظام اقتصادي - معيشي مستدام، من خلال تحقيق غايتين متعاضدتين:

الأولى: علاج العوامل التي تعيق أو تبطئ التطور الاقتصادي والاجتماعي.

الأخرى: إنشاء نظام اقتصادي - اجتماعي قادر على تجديد مقوماته والعناصر الضرورية لحياته. وهذا ما نسميه على وجه التحديد «التقدم». إن التنمية الشاملة تستهدف بالتأكيد إنشاء المحرك الاجتماعي للتقدم في مجالاته المختلفة.

أعتقد أن العامل الأشد إعاقة للتطور الاجتماعي والاقتصادي، هو «توهم» العجز عن التقدم. وأقول إنه توهم لأننا ننظر إلى الحالات والأفعال والمعارف كمسائل مقارنة. إننا نتساءل أولاً: هل هذا الفعل ممكن أم مستحيل؟ ثم ننظر: هل فعله أحد في العالم أم لا؟ وبناءً عليه نقرر أنه ممكن أو غير ممكن. حينما نتحدث عن التقدم، فإننا نستحضر في أذهاننا النماذج المتعارفة في العالم القديم والحديث. فنقول إن مجتمعنا قادر على أن يفعل أي شيء قدر عليه الآخرون، بما فيه أرقى الصناعات وأدقها وأعمق العلوم وأوسعها. هذا الإيمان تمهيد ضروري للسؤال التالي: إذا كان إنسان مثلنا، في أميركا مثلاً، استطاع أن يصنع الطائرة، فما هو الذي توفر له ولم يتوفر عندنا كي نفعل ما فعل؟

بعبارة أخرى، فإن سؤال التنمية يجب أن يبدأ من ثلاث فرضيات: أولاها: أننا نستطيع أن نتقدم؛ لأن غيرنا استطاع. الثانية: أن هناك معوقات أعاقتنا أو أبطأت حركتنا، وأن واجبنا يتلخص في تشخيصها ثم إزالتها. الثالثة: أن هذا السؤال لا يتعلق بالهوية أو الإيمان، فلا نبحث له عن جواب ميتافيزيقي، بل يتعلق بالإنسان والبيئة والثقافة (القيم الاجتماعية) فيجب أن نبحث عن علاجه في هذه الحقول.

***

د. توفيق السيف

حين التعمق في مفردات ومفاهيم المنظومة الفكرية الإسلامية، نكتشف أن هذه المنظومة تعمل على تحرير العقل المسلم من كل المعيقات المادية والمعنوية التي تحول دون استخدام العقل أو التفكير بدون قيود ومسبقات ذهنية أو تاريخية تعمل على تقييد العقل أو منعه من الانطلاق.

بل إن ذات المفاهيم الفكرية الإسلامية، تشكل رافعة ضد كل القيود والكوابح التي تمنع تحرير العقل المسلم.

وفي تقديرنا أن تحرير العقل المسلم من كل القيود والكوابح، هو من المفاهيم الأساسية لنهضة الأمة. لأن الخطوة الأولى في مشروع النهضة الحقيقية والفعلية في أي مجتمع، هو تحرير عقولهم من كل المعيقات والمبررات التي تحول دون استخدام العقل بشكل فعال، وانطلاقه في مشروع النهضة والتحرر من كل ما يعيق فعل النهضة وممارستها.

وحين التأمل في آيات الذكر الحكيم، نجد هناك العديد من الآيات القرآنية التي تؤسس لمرحلة الانطلاق العقلي والثقافي بعيداً عن قيود الآباء وكوابح المسبقات الذهنية والعملية السابقة. فالتجارب والتاريخ بكل تطوراته هو لأخذ العبرة والاستفادة من دروسه وكيفية التحرر من كل المعيقات. فلا انحباس في التاريخ وقضاياه، ولا هروب من الراهن وتحولاته، بل ممارسة شهودية مستندة إلى عقل وفكر متحرر من كل القيود والمعيقات.

الموقف من التاريخ وأحداثه:

حينما يذكر النص القرآني الكثير من أحداث التاريخ وتطوراته، لا يستهدف النص القرآني الانحباس في أحداث التاريخ وقضاياه المختلفة، وإنما الاستفادة من دروسه وعبره، حتى لا يكرر الإنسان الفرد والجماعة أخطاء من سبقه، أو الخيارات الخاسرة التي التزم بها السابقون.

فالتاريخ مدرسة متكاملة للاستفادة منه على مختلف المستويات، وليس بديلا عن الراهن بكل تطوراته وتحولاته.

فحينما نعود إلى التاريخ، نعود إليه، لا بمعنى الهروب من الراهن، وإنما لاستنطاقه، وأخذ العبر والدروس من أحداثه المختلفة.

يقول تبارك وتعالى {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}[الروم،9]، وقال تعالى {وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون}[الروم، 33].

فـ " يعطي القرآن الحكيم المؤمنين البصيرة الإلهية في التاريخ لينظروا من خلالها إلى الغابرين ويعتبروا بمصيرهم. ذلك بأن الإنسان تشده حوادث التاريخ بقدر ما تستثيره ظواهر الحياة الراهنة. وهو مفطور على النظر إلى الماضي. إذا فلينظر إليه من خلال بصيرة إلهية ليزداد إيماناً بربه وتسليماً لسنته وشرائعه كلما نظر في أحوال الغابرين ".

فكل أحداث التاريخ تعلمنا، أن الخضوع لمتواليات بعض اللحظات، تفضي إلى نتائج كارثية. فحينما يخضع المجتمع إلى سيطرة المترفين، فإن مؤدى هذه السيطرة، هو اضمحلال الطبقة الوسطى وتلاشيها التدريجي، وهذا بدوره يفضي إلى ضعف التماسك الاجتماعي، الذي يؤدي بدوره إنهاء التجربة الاجتماعية الخاضعة لسيطرة وسياسة المترفين.

يقول تعالى {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}[القصص، 76]. وتكون نتيجة هذه السيطرة هي: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين}[القصص، 81 ].

فالضعف البشري بكل دوائره ومستوياته، لا يمكن تجاوزه إلا بتنمية روح الإيمان، فالإيمان بكل متوالياته النفسية والسلوكية، هو القادر وحدة لمواجهة الضعف البشري المركوز في نفس وعقل الإنسان..

فالروح الإيمانية هي التي تجعل الإنسان يقتحم الصعوبات ويواجه المعضلات. ولولا هذه الروح لبقي الإنسان خاضعاً لمقتضيات الخوف من المجهول ومن المستقبل القريب والبعيد.

وحينما يزيل الإنسان حجب الأهواء والشهوات والظنون، تتجلى قدرة الإنسان في عمران الأرض والحياة.

فالتاريخ بالنسبة إلى الإنسان المسلم الذي يمتلك الوعي والبصيرة، ليس نهاية الحياة، وليس السقف الذي يجب أن تقف عنده كل الإرادات والإبداعات الإنسانية. بل هي تجربة إنسانية فيها كل الصور والاحتمالات، ومهمتنا أخذ العبر والدروس من هذه التجارب الإنسانية سواء كنا أفراداً أو مجتمعات.

وحينما يعلن الإنسان أنه ينتمي إلى مدرسة الإسلام، وأنه يمتلك كل الاستعداد للالتزام بكل مقتضيات هذا الانتماء والولاء، فهو في حقيقة الأمر يطرد من نفسه وعقله نزعة الوصولية ومفارقة الباطن مع الظاهر. لذلك نتمكن من القول: أنه لا نهضة حقيقية في أي واقع إنساني، إلا بصفوة تأخذ على عاتقها الالتزام بكل قيم النهضة وثوابتها، وترفض مهما كانت الضغوطات أو التهديدات أو الإغراءات بيع التزامها أو التنصل منه.

إن صدق الانتماء والولاء، ووجود كتلة بشرية ملتزمة بذلك قلباً وقالباً، ظاهراً وباطناً، هو من أهم الحقائق والمفاهيم الأساسية لإحداث نهضة حقيقية في واقعنا الاجتماعي والإنساني.

التحرر من الأهواء والشهوات وعدم الخضوع إلى متطلباتها:

لعلنا لا نضيف شيئاً إلى علم القارئ حين القول: أن التحرر المعنوي من الحاجات والشهوات، هو سبيل نيل الحرية في دوائر الحياة المختلفة. ومن يعيش عبداً لشهواته وأهوائه وحاجاته البيولوجية أو الاجتماعية، لن يتمكن من نيل الحرية في السياسة والمجتمع. لأنه ببساطة شديدة من يخضع لأهوائه وشهواته وحاجاته، لن يتمكن التحرر من كل هذه القيود، وبالتالي فإن هذا الإنسان سيعبر في كل مقولاته عن خضوعه التام بكل تلك الحاجات والشهوات.

من هنا فإن تحرير العقل المسلم من كل القيود والمعيقات، يقتضي تحرر العقل المسلم من أهوائه وشهواته وحاجاته التي تضغط عليه جوهرياً وتجعله على مستوى المواقف والممارسة خاضعاً لكل متواليات عدم التحرر المعنوي.

وعليه فإن تحرير العقل المسلم المعنوي، الذي يكبح الإنسان ويقيده بفعل علاقته غير السليمة مع غرائزه وشهواته وحاجاته.

كذلك يقتضي التحرر من كل القيود الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحول الإنسان إلى عبد أعمى لكل هذه المفردات.

وإن الطريق للتحرر من كل هذه القيود، هو التحرر المعنوي، وعدم الخضوع القسري لكل الأهواء والشهوات التي تحول الإنسان إلى كائن شهواني، غرائزي.

لذلك فإن من يتحرر من شهواته وأهوائه، قادر على التحرر من الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي وأشكال الحيف الاقتصادي. ومن لا يستطيع التحرر من شهواته وحاجاته فإنه تبعاً لذلك سيكون غير قادر على التحرر من كل القيود الخارجية. من هنا ينبغي أن نربي أنفسنا على المستويين الروحي والعقلي، أن لا تكون هناك حاجة تضغط علينا سلباً لتلبيتها.

فلا حاجة تأسرنا، ولا شهوة تخضعنا، ولا قوى غاشمة مهما كانت غطرستها قادرة على إخضاعنا والسير الأعمى خلفها.. ولو تأملنا في آيات الذكر الحكيم نجدها باستمرار توجهنا إلى ضرورة التحرر من الأهواء والشهوات.

***

محمد محفوظ

لماذا نتحمل مشقة ان نكون صالحين؟

ارتبطت الاخلاق، او السلوك الصالح، تقليديا بالتقدير الإيجابي المشروط، لكن هل يجب إعادة صياغة هذا التقدير كمصلحة ذاتية؟ سنستكشف نظرية كارل روجرز.

يُنظر الى الاخلاق كفعل حسن، يحدده تقدير إيجابي مشروط، منفصلا عن الذات باعتبارها شخصا صالحا. ناقشت البشرية منذ الازل ما نعنيه بـ "صالح" او حسن، ليشمل ذلك فلسفة الاخلاق الأساسية والتنشئة الاجتماعية. لكن هل السعي للشخص الصالح يفترض سلفا اننا نفتقر للخيرية التي نبحث عنها، بما يجعل الكفاح الأخلاقي فعلا مؤلما للغاية ينم عن كراهية الذات؟ استطلاع الاخلاق، يبدأ بفكرة كارل روجرز عن التقدير الإيجابي المشروط (1)، هل يجب ان ننتقل بعيدا عن أفكار الاخلاق كتضحية ذاتية غير انانية الى فكرة المصلحة الذاتية؟

الشخص الصالح مقابل الفعل الصالح

بينما تختلف تعريفات الاخلاق بشكل كبير طبقا لكل مدرسة من مدارس الفكر، لكن ما هو واضح، وان يتم تجاهله، هو ان الاخلاق هي مسألة فعل وليست هوية. النقاشات الفلسفية حول الاخلاق تهتم بما يشكل "الشخص الصالح". اذن من أين يأتي السعي لنكون صالحين، وكيف يرتبط بالفعل الأخلاقي؟

التقدير الإيجابي المشروط

بحث عالم النفس الأمريكي البارز كارل روجرز بكثافة تأثير "التقدير الإيجابي المشروط" على تطور مفهوم الذات. هو اكتشف ان التربية تستلزم مكافأة وعقوبة تقود الى تقدير الذات المشروط. في الطفولة، عندما تُكافأ سلوكيات معينة وتُعاقب أخرى، نميل للخلط بين قيمنا الذاتية وأفعالنا.

ان طاعون المجتمع الحديث هو السعي الدائم لنكون "صالحين جدا". يجادل روجرز ان التقدير الإيجابي المشروط يقودنا الى استبطان إحساس بشعور داخلي بعدم القيمة، لأن قيمة الذات تصبح مشروطة بأفعال معينة.

هنا تبرز فجوة بين الذات الواقعية الأصلية والذات "المثالية"، التي تشير الى ذات خيالية تسعى لتلبية الشروط الاجتماعية للتقدير الإيجابي. وهكذا، يتأسس انشاقا بين الـ "انا" و "انا يجب"، بما يؤدي الى تنافر يقود الى معاناة كبيرة.

عمل الشيء الصالح

دعا روجرز لممارسة تقدير إيجابي غير مشروط، يحدد بفاعلية الفرق المُتجاهل بين الفعل ومفهوم الذات. عند النظر الى قيمتنا الجوهرية غير المشروطة، يتخذ سؤال الاخلاق رؤى مختلفة حيث لم نعد نربط قيمتنا الذاتية به. الاخلاق لا تستلزم ان تكون صالحا وانما تعمل صالحا. مع ذلك، ربما حتى اكثر من قبل، نحن لانزال نتساءل لماذا يجب ان نهتم بالافعال الأخلاقية. اذا لم تكن لأجل ان نكون صالحين، اذن لأجل ماذا؟

مشاعر عالمية

هناك قصيدة للشاعر سعدي شيرازي يُحتفل بها على نطاق واسع ضمن الدبلوماسية الدولية، وهي أبيات من قصيدة بني آدم كُتبت على سجادة رائعة وُهبت الى الأمم المتحدة عام 2005، والتي عُرضت داخل المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك.

كل الكائنات البشرية هم أعضاء في اطار واحد

طالما ان الجميع في البداية نشأوا من نفس الجوهر.

عندما يصيب الألم أحد الأطراف

الأطراف الأخرى لا يمكنها ان تبقى ساكنة.

اذا انت لا تشعر بتعاسة الآخرين

"انسان" ليس اسما يليق بك.

كان سعدي شاعرا مشهورا من شيراز في ايران. في أول وهلة، القصيدة تبدو نقاشا مُبالغ فيه حول أهمية التحلي بالتعاطف نحو الجنس البشري. لكن فحصا دقيقا يبيّن ان سعدي يتحدث حول شيء ما أعمق. القصيدة تبدأ بتعريف الكائن البشري كأجزاء من كل، تنبثق من نفس المصدر الانطولوجي، هي تعبيرات لنفس المبدأ او الجوهر. يتبع من تلك العبارة الأولى انه متى ما كان يعاني جزء من الكل، فان الأجزاء الأخرى لا يمكن ان تبقى دون اضطراب.

الصالح العالمي

من منظور سعدي، ما لم نشعر بارتباط حقيقي يتجاوز العزلة الزائفة التي تفرضها فرديتنا، فلن نتمكن من احتضان انسانيتنا. عندما نرتبط بالكل، ندرك انفسنا والاخرين كأجزاء مختلفة من نفس الجسم.

انظر في يديك الاثنين. هما ظاهرا متميزان، ويمكن ان يُفهم كل واحد منهما بطريقة مختلفة، لكنهما جزء من جسمك. يدك اليمنى يمكنها ان تؤذي بسهولة يدك اليسرى، والعكس صحيح. وبينما اليد المصابة هي اليد الجريحة، لكن جسمك بالكامل سوف يتأثر. رغم ان أفكار سعدي قد تبدو غريبة، لكنها واضحة في تجربتنا اليومية. من المؤكد الشعور بالرعب من التسبب في أذى شخص آخر كما تبيّن تجربتنا وكما أثبت العدد الهائل من الدراسات السايكولوجية والعصبية.

ان علاقة الاخلاق الشخصية بالاخلاق الجمعية ليست جديدة في الفلسفة، حيث نوقشت بدءاً من سقراط وحتى عمانوئيل كانط في الاخلاق المطلقة، وان كانت بطرق مختلفة.

ما يفترضه سعدي كتحفيز للاخلاق هو بعيد عن حالة مثالية من نكران الذات، بل، انه تحفيز أناني متأسس على الوعي في الارتباط الانطولوجي لتفاعلنا الذاتي: وعي في كلّ غير اناني فيه كل ذات بشرية تكون جزءاً. وفق هذا المنظور، كل فعل من الأذى هو بالضرورة فعل لايذاء الذات. نحن نهتم بالاخلاق ليس لأجل الاخرين واانما لأجل انفسنا.

الاخلاق كمصلحة ذاتية

بينما السؤال عما يشكل الفعل الأخلاقي هو وراء نطاق هذا المقال، لكن ما هو مهم هو فصل الكفاح الأخلاقي عن التحديات العاطفية والارتباطات والرومانسية التجريدية. عندما ننظر للاخلاق كمسألة مصلحة ذاتية نُسجت مع أفضل مصلحة لانسانيتنا الجمعية، فان مخاوفنا تتخذ شكلا مختلفا وبسيطا، متجذرا في الإحساس العام.

لم تعد الرغبة تعوقنا في ان "نكون صالحين" ولا بالافكار المثالية المجردة لـ "عمل الشيء الصالح"، نحن يمكن ان ننظر للاخلاق كممارسة بسيطة في الحفاظ على رفاهيتنا الفردية. يمكننا الاهتمام بالآخرين لأننا نهتم بانفسنا، واعون بان الألم الذي نصيب به الاخرين انما نصيب به انفسنا أيضا .

نحن نحب الاخرين، ليس بسبب اننا ناس لطفاء جدا وانما بسبب اننا نحب انفسنا بما يكفي لكي لا نرغب في تجربة الكراهية. من هذا المنظور، نحن نفهم الفرق بين الأخلاق واللااخلاق كالفرق بين أفعال التدمير الذاتي والحفاظ على الذات.

***

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) التقدير الإيجابي المشروط يحدث عندما يُعطى الحب والموافقة والمساعدة فقط عندما يحقق الشخص مستويات معينة او سلوكيات او توقعات " انا فخور بك او أحبك فقط عندما تنفذ ما اريد".

أمثلة على ذلك: الاب عندما يحتضن او يمتدح طفله فقط عندما يجلب معه للبيت درجات عالية في الامتحان. او المدير الذي يبدي الدفء والاحترام فقط عندما يتجاوز العامل أهداف الأداء.

التأثيرات على الرفاهية النفسية:

1- شرط القيمة: يتعلم الافراد ان قيمهم تعتمد كليا على الآداء. هم يشعرون انهم "صالحين" فقط عندما ينجحون.

2- فقدان الأصالة: الناس يخفون مشاعرهم الحقيقية او يكبحون رغباتهم الحقيقية لكي يربحوا الموافقة ويتجنبوا الرفض.

3- القلق وانخفاض قيمة الذات: الخوف المستمر من الفشل في تلبية التوقعات يقود الى شك ذاتي عميق وقلق واحساس هش بالذات.

كارل روجرز يقترح مفهوما مضادا وهو تقدير إيجابي غير مشروط، unconditional positive regard حيث ان الشخص يُقبل ويُقيّم ويُدعم بالكامل بصرف النظر عن سلوكه وأخطائه او فشله. هذه البيئة الصحية تسمح للناس ببناء احترام وثقة حقيقية للذات تمكّنهم من النمو بدون خوف.

ماذا يحدث للإنسان حين لا يعود الزمن أمامه، بل خلفه؟

ربما تكون هذه هي اللحظة الأكثر قسوة في وعينا بالوجود. اللحظة التي نتوقف فيها عن النظر إلى الزمن باعتباره طريقا طويلا يمتد أمامنا، ونبدأ في رؤيته كمسافة قطعتها أقدامنا بالفعل.

 فجأة يصبح للماضي ثقل لم يكن له من قبل، وتتحول السنوات من أرقام على التقويم إلى وجوه غابت، وأماكن تغيرت، وأحلام تأجلت أو رحلت، وأشياء ظننا أن لدينا وقتا كافيا لاستعادتها، ثم اكتشفنا أن الوقت لم يكن ملكنا يوما.

الشيخوخة هي أن يتحول الزمن، للمرة الأولى، من مستقبل ننتظره إلى ماض نتأمله

الجسد يعرف طريقه إلى الشيخوخة.

لا يستشيرنا.

لا ينتظر موافقتنا.

يترك على الوجه خرائطه الصغيرة، ويبطئ الخطوة، ويغير ملمس اليد، ويأخذ شيئا من قوة العينين، ويذكرنا، كل يوم، بأننا لسنا أصحاب هذا الجسد بقدر ما نحن عابرون فيه.

لكن هناك شيئا آخر لا يخضع بالضرورة لقوانين الجسد:

دهشتنا.

وهنا يبدأ الفرق بين أن تكبر وأن تشيخ.

يمكن للجسد أن يتقدم، فيما يظل العقل قادرا على البدء.

يمكن للشعر أن يبيض، فيما يظل الفضول يملئنا

يمكن للمرآة أن تقول إننا تقدمنا في العمر، فيما يقول الداخل:

ما زلت أريد أن أعرف.

ما زلت أريد أن أحب.

ما زلت أريد أن أرى.

ما زالت لدي أسئلة لم أجد لها جوابا

نحن لا نكبر لأن عقارب الساعة تتحرك.

نحن نكبر حين ندرك أن بعض ما مضى لن يعود.

والشيخوخة، في معناها الأعمق، ليست مجرد تغير في الجسد، ولا عدد السنوات التي يحملها الإنسان في بطاقة هويته. إنها لحظة فلسفية يصبح فيها الإنسان أكثر وعيا بالزمن، وأكثر حساسية تجاه ما فقده، وأكثر إدراكا أن المستقبل الذي كان يبدو ذات يوم بلا نهاية، بدأ يضيق شيئا فشيئا.

الجسد يكبر، وهذا قانون لا نملكه.

لكن الإنسان قد يشيخ قبل جسده بسنوات طويلة.

وقد ترى شابا في العشرين يعيش بعقل متقاعد، يخاف التجربة، ويكره التغيير، ويكرر نفسه، ويعتبر الفضول ترفا، ويقول عن كل حلم: فات الأوان.

وقد ترى إنسانا في الثمانين يمشي في الحياة بعينين مدهوشتين، يتعلم، ويحب، ويسأل، ويضحك، ويجرب، ويبدأ من جديد.

لذلك لا أعتقد أن العمر وحده هو الذي يصنع الشيخوخة.

الإنسان يشيخ حين تصبح العادة أقوى من الرغبة، والخوف أقوى من الفضول، والتأجيل أسهل من المواجهة، واليقين أكثر راحة من السؤال.

قد يتقدم بنا العمر، لكن ما يجعلنا نشيخ حقا هو أن نتوقف عن الحركة الداخلية

يقول تشيخوف: "يكبر الإنسان ثلاثة أضعاف عمره عندما يحاول التأقلم مع حياة ليست مناسبة له."

وربما تكمن هنا إحدى أكثر مفارقات الشيخوخة قسوة.

فنحن لا نتعب دائما من الحياة، وإنما نتعب من الحياة التي لا تشبهنا.

كم من إنسان قضى سنوات طويلة يؤدي دورا لم يختره، ويعيش علاقة لا تشبه قلبه، ويعمل في مكان يطفئه، ويخاف من تغيير الطريق لأن الآخرين سيقولون إنه تأخر، أو فشل، أو فقد صوابه؟

ثم يستيقظ ذات يوم ليكتشف أنه لم يعش الحياة التي أرادها، وإنما الحياة التي اعتادها.

وهنا يصبح الزمن أكثر دهاء منا.

إنه لا يسرقنا دفعة واحدة.

لا يأتي في منتصف الليل ليأخذ منا عشر سنوات.

إنه أكثر هدوءا من ذلك.

يتقدم ببطء نحو المجهول، ويسرق منا كل يوم شيئا صغيرا: دهشتنا، جرأتنا، انتباهنا، قدرتنا على البدء، قدرتنا على قول ما نريد، ثم يجعلنا نعتاد هذا الفقد حتى نظنه نضجا

وفجأة نكتشف أن الحياة لم تمر من أمامنا فقط.

نكتشف أننا مررنا بجانبها.

وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن تأجيله إلى الأبد:

كم بقي من العمر كي نسترد ما سرقناه من أنفسنا؟

ترى سيمون دي بوفوار في كتابها التقدم في العمر أن الشيخوخة ليست مجرد حدث بيولوجي يخص الفرد، وإنما تجربة إنسانية تتشكل أيضا من الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الإنسان المتقدم في العمر.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فنحن لا نخاف الشيخوخة بسبب الجسد وحده، وإنما بسبب المعنى الذي منحناه لها.

نحن نعيش في ثقافة تمجد الشباب، السرعة، الجسد، الإنتاج، المنافسة، الجمال، والقدرة على الإنجاز، ثم تأتي الشيخوخة لتضع الإنسان أمام سؤال صعب:

ماذا تبقى مني حين لا أستطيع أن أفعل كل ما كنت أفعله؟

هل تظل قيمتي قائمة عندما يقل إنتاجي؟

هل أظل مرغوبا عندما يتغير جسدي؟

هل أظل قادرا على الحب حين تتغير ملامحي؟

هل تظل حياتي ذات معنى حين يصبح الماضي أطول من المستقبل؟

الشيخوخة تكشف لنا أحيانا أن كثيرا مما اعتبرناه قيمة إنسانية لم يكن سوى قيمة اجتماعية مؤقتة.

فالمجتمع قد يحب الإنسان المنتج أكثر من أي شخص اخر

وقد يحتفي بالشاب لأنه يمثل المستقبل، بينما ينظر إلى الشيخ باعتباره ماضيا.

لكن الإنسان ليس آلة إنتاج.

وقيمة وجوده لا ينبغي أن تبدأ حين يصبح نافعا وتنتهي حين تقل قدرته على الإنجاز.

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من الشيخوخة أنها تعيد ترتيب علاقتنا بالزمن.

هنري برجسون لم ير الزمن مجرد سلسلة ميكانيكية من الثواني والدقائق، بل تحدث عن الزمن المعيش، الزمن الذي يتشكل داخل وعينا من خلال الذاكرة والشعور والتجربة.

ولهذا قد تكون ساعة واحدة طويلة جدا في لحظة ألم، وقد تمر سنوات كاملة كأنها لحظة في حياة ممتلئة.

نحن لا نعيش الزمن نفسه.

نحن نعيش إحساسنا بالزمن.

ولهذا لدي اعتقاد بأن عمر الإنسان ليس دائما هو الرقم المكتوب في شهادة ميلاده.

أحيانا، من خفة مشاعري، أعبر الشارع كطفلة في العاشرة.

وأحيانا، من فرط الشعور بالضجر ، أشعر أنني أكبر من سنواتي بكثير.

قد يحمل الإنسان جسدا في الستين وقلبا ما زال قادرا على الدهشة.

وقد يحمل جسدا في العشرين وروحا أنهكها الخوف حتى لم يعد فيها مكان للمغامرة.

الشعور لا يوقف الزمن، لكنه يغير الطريقة التي نسكن بها الزمن.

وأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه هو أن يقول: "فات الأوان."

فكل مرة نقول فيها فات الأوان، نمنح الزمن سلطة لم تكن له.

لا شيء يقول إن عليك أن تتوقف عن التعلم لأنك بلغت سنا معينة.

ولا شيء يقول إن الحب له تاريخ انتهاء.

ولا شيء يقول إن الفضول ملك للشباب فقط

ولا شيء يقول إن البداية تصبح سخيفة حين تتأخر.

ربما لا نستطيع أن نعيد أجسادنا إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نرفض أن نتحول إلى نسخة من أنفسنا انتهت صلاحيتها لمجرد أن السنوات تقدمت.

لذلك اقول : مهما كان عمركم

تعلموا.

اقرأوا.

غيروا آراءكم.

جربوا أشياء لم تجربوها.

تعرفوا إلى أشخاص جدد.

اذهبوا إلى أماكن لم تروها.

اتركوا بعض المساحات للاصدقاء

لا تجعلوا ما فعلتموه بالأمس سجنا لما يمكن أن تفعلوه غدا.

أنت الآن تعيش في أحد الأيام التي قد يتمنى رجل في الثمانين أو التسعين العودة إليها.

لكن لأنك تعيش داخلها، لا تستطيع رؤيتها بالطريقة التي سيراه بها بعد عقود.

القرب يعمينا أحيانا.

والفقد هو الذي يعيد للأشياء حدودها.

الذاكرة لا تحفظ الزمن كالأرشيف.

الذاكرة تبعثه.

وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف معنى اليوم العادي.

فلا توجد أيام عادية حقا.

هناك فقط أيام لم نعرف بعد ماذا ستعني لنا.

قد يمر يوم كامل بلا حدث يستحق أن نكتبه في مذكراتنا، ثم يصبح بعد سنوات أحد أكثر الأيام التي نتمنى استعادتها.

ليله لم يمت فيه أحد يهمني

مكالمة انتهت بكلمة "تصبح على خير" ثم جاء صباح آخر فعلا.

رحلة عادية إلى البيت وصل فيها الجميع سالمين.

ضحكة لم نعرف أنها ستصبح ذكرى.

وجه أحببناه ورأيناه في اليوم التالي مرة أخرى.

هذه الأشياء لا تصل إلى الأخبار.

ولا نحصل بسببها على جوائز.

لكن ربما تكون، عندما ينتهي كل شيء، هي الجزء الذي سنشتاق إليه أكثر.

نحن نقضي نصف حياتنا ننتظر الأيام الاستثنائية، ثم نقضي النصف الآخر نتمنى لو استطعنا استعادة يوم عادي واحد.

الشيخوخة، إذن، لا تجعلنا نخاف الموت فقط.

إنها تجعلنا نعيد تقييم الحياة.

وهنا تكمن قيمتها الفلسفية القاسية.

فالموت ليس مجرد نهاية بعيدة، وإنما حقيقة تجعل للوقت قيمة.

ولهذا لا أريد أن أعيش وكأن الحياة مجرد غرفة انتظار.

لا أريد أن أؤجل الفرح إلى وقت مثالي لن يأتي.

لا أريد أن أقول سأقرأ حين أتفرغ

 وسأسافر حين تتحسن الظروف

  وسأبدأ حين يصبح الطريق واضحا.

فقد يكون الاستعداد للحياة أحد أكثر الطرق أناقة لإهدارها.

نستعد.

ثم نستعد أكثر.

ثم نكتشف أن العمر كله كان استعدادا

لا تؤجلوا الحياة حتى تصبح الحياة مناسبة لكم.

الحياة لن تصبح كاملة.

سيظل فيها الخوف والفقد والمرض والقلق والرحيل.

لكنها ستظل أيضا قادرة على أن تمنحنا الدهشة.

وهذا يكفي كي نحاول.

لا أريد أن أتعامل مع الشيخوخة باعتبارها عدوا ينبغي سحقه.

الجسد له قوانينه، والزمن لا يفاوض أحدا.

ولا أعتقد أن مقاومة الشيخوخة تعني إنكار العمر أو مطاردة الشباب إلى الأبد.

أن تكبر ليس عيبا.

العيب أن تفقد علاقتك بالحياة قبل أن ينتهي عمرك.نتظر اللحظة المناسبة.

أنا لا أريد جسدا لا يشيخ.

أريد عقلا لا يتعفن.

أريد فضولا لا ينطفئ.

أريد قدرة على الحب لا تنتهي.

أريد دهشة تستطيع أن تنظر إلى شجرة في السبعين كما كانت تنظر إليها في السابعة.

أريد أن أبقى قابلة للبدء من جديد كل يوم

وربما لهذا أقول:

لا تنتظروا الحياة حتى تنتهي.

غنوا.

ارقصوا تحت المطر

تأملوا

اقرأوا.

اضحكوا بلا سبب.

قولوا لمن تحبون إنكم تحبونهم.

التقطوا الصور، ليس خوفا من الزمن، وإنما امتنانا للحظة.

اجلسوا مع من تحبون دون أن تنشغلوا بالهاتف

قولوا ما تريدون قوله قبل أن يتحول الكلام إلى ندم.

اقتربوا من الطبيعة.

تعلموا شيئا جديدا في سن لا يتوقع الناس فيه منكم أن تتعلموا شيئا.

لا تسمحوا للعمر أن يتحول إلى أمر قضائي ضد الحياة.

ربما تكون الشيخوخة أكثر مرايا الإنسان صدقا.

فهي تزيل شيئا فشيئا كل ما كنا نعتقد أنه ثابت، وتضعنا أمام الحقيقة البسيطة التي حاولنا طوال حياتنا الهرب منها:

أننا عابرون.

لكن كوننا عابرين لا يعني أن وجودنا بلا قيمة.

على العكس.

ربما لأننا عابرون تصبح الضحكة مهمة.

ويصبح الشغف مهما

وتصبح الصداقة مهمة.

ويصبح الكتاب الذي قرأناه في الوقت المناسب مهما.

وتصبح الشجرة التي زرعناها ولم نرها تكبر جزءا من معنى وجودنا.

وتصبح يد أمسكنا بها في لحظة خوف أثمن من كل الأشياء التي ظننا يوما أنها ستجعلنا سعداء.

ولهذا، إذا كان الزمن سيأخذ منا الشباب، فليأخذ ما يشاء.

لكن لا نعطه دهشتنا.

لا نعطه فضولنا.

لا نعطه قدرتنا على الحب.

أنا لا أخاف الشيخوخة  ولست مهتمة بأن أبدو أصغر من عمري.

أنا مهتمة بأن أظل أكبر من خوفي.

أتقبل أن يكبر وجهي، لا أن تصغر أسئلتي.

أتقبل أن تتغير ملامحي، لا أن تتجمد روحي

لن اقول. كيف نمنع الشيخوخة؟

ولكن . عندما اصل إلى سن الشيخوخة

أتمنى أن أقول.

هذا أنا.

هذه أخطائي.

هذه خساراتي.

هذه نجاحاتي

هذه ضحكاتي.

هذه الوجوه التي أحببتها.

هذه المدن التي تركت شيئا مني فيها.

هذه الكتب التي غيرتني

لقد عشت كما كنت اريد.. فاجمل مقاومة للشيخوخة هي أن نعيش

***

ابتهال عبد الوهاب

دفعني تخصصي في فلسفة التاريخ والحضارة من حواء وآدم حتى ترانب والخميني الى تأمل الفارق بين التجارب الحضارية والثقافات السياسية المختلفة، أن ثمة سؤالًا عميقًا يستحق أن نعيد طرحه بلا خوف ولا مجاملة: كيف تنظر الثقافة المختلف إلى حياة الإنسان وحقوقه؟ وما الذي تعتبره جديرًا بالحماية والرعاية والاحترام؟

من التأكيد بنسبية الوقائع المشخصة فليست الدولة العلمانية كتلة واحدة، كما أن المجتمعات العربية والإسلامية ليست كتلة واحدة، فهذه التعميمات لا تفسر التاريخ ولا الواقع . لكن يمكن ملاحظة اختلاف في البراديغم الثقافي والسياسي المهيمن في بعض التجارب

المتاحة للرؤية والمقارنة ففي الثقافة التي لا تكف عن تذكير الإنسان بعجزه وقلة شأنه وعدم كفاية عقله وخيبة مسعاه في هذه الدنيا الفانية التي يكرس فيها الاعتقاد بإنها (لا تساوي جناح بعوضة) لا يمكنها أن تكون دافعا وحافزا للأمل والعمل والنمو والتنمية والمستقبل والازدهار بل ستفضي مع مرور الزمان الى نتائج كارثية لم تكن بالحسبان وسيدفع جميع الناس أثمانها الباهظة، افرادا وشعوبا ودولا من دمهم ولحمهم وكرامتهم وتاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم كما يتنضد المشهد الآن أمام البصر والأبصار في مشهد تراجيدي سوريالي في اليمن التي يعاد تسويتها وتشكيلها أمامية حوثية طائفية من (انصار الله) أو الشباب المؤمن أو المسيرة القرآنية وقد سبق وحذرت من مخاطر تجنيد النساء والأطفال في الحرب الاهلية اليمنية الكارثية منذ بدايتها إذا كانت الحروب تُدمِّر الجسور والطرق والمباني، فإن أخطر ما تدمره هو الإنسان وهو في طور التكوين. فالطفل الذي يولد في زمن الحرب لا يرث الخراب المادي فحسب، بل يرث أيضًا عالمًا مضطربًا من الخوف والحرمان والقلق وانعدام اليقين. وهنا تبدأ الحرب في ممارسة تأثيرها الأعمق؛ إذ تنتقل من ساحات القتال إلى ساحات التربية، لتعيد تشكيل الوعي قبل أن تعيد تشكيل الواقع.

لقد أثبت علم الاجتماع التربوي أن الإنسان لا يتعلم من المناهج الدراسية وحدها، بل يتعلم من البيئة التي يعيش فيها، ومن الرموز التي تحيط به، ومن الصور التي تتكرر أمام عينيه، ومن الألعاب التي يلهو بها، ومن اللغة التي يسمعها كل يوم. فالطفولة ليست مرحلة عمرية فحسب، بل هي المصنع الذي تُصاغ فيه الشخصية، وتُبنى فيه منظومة القيم، ويُرسم فيه أفق المستقبل.

ولهذا فإن الحرب لا تكتفي بتدمير المدارس، وإنما تمتد إلى إعادة تعريف معنى المدرسة نفسها. فحين تغيب الدولة، ويضعف القانون، ويصبح السلاح جزءًا من المشهد اليومي، تتحول التربية من صناعة للمواطنة إلى عملية تكيف مع العنف، ويغدو البقاء أهم من المعرفة، والقوة أهم من الحوار.

وأتذكر هنا مشهدًا ما يزال حيًا في ذاكرتي، التقطته بعد سنوات قليلة من اندلاع الحرب في اليمن. كنت في طريقي إلى منزلي في مدينة خور مكسر، إحدى أكثر أحياء عدن مدنية وانفتاحًا، حين استوقفتني مجموعة من الأطفال، في عمر الزهور، يسيرون في صفوف منتظمة، يؤدون ما يشبه المارش العسكري بدقة لافتة. طلبت من سائق سيارة الأجرة أن يتوقف، وظننت في البداية أنها لعبة مدرسية عابرة أو نشاط احتفالي.

لكنني عندما اقتربت، كانت المفاجأة أكبر مما توقعت. فقد كان جميع الأطفال تقريبًا يرفعون في أيديهم بنادق ومسدسات وآليات عسكرية بلاستيكية، ويهتفون بشعارات حربية، ويحاكون حركات المقاتلين بكل براءة، وكأنهم يعيدون تمثيل مشاهد اعتادوها في حياتهم اليومية.

وهذا هو معنى العبارة التي طالما ورددتها (حينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة وتستبطن بفعل التطبع تصير ثقافة

وهكذا تمخضت نتائج هيمنة البرالديغم الثقافي في (يمن الحكمة والإيمان) اقصد هيمنة الثقافة التي تجعل الدنيا هامشًا، والإنسان عاجزًا، والعقل قاصرًا، والسعي الدنيوي قليل القيمة، والموت أسمى من الحياة، والنجاة الأخروية أهم من تحسين شروط الحياة الجديرة بالعيش والكرامة وكلما ضاقت فرصة الحياة الكريمة زادت ثقافة الموت الذميمة. لاحظت مشاهد مروعة من المعارك المشتعلة هذا الأيام في الجبال المطلة على باب المندب، جثث أطفال بعمر الزهور متناثرة في الشعاب والوديان وصور متوحشة في تمثيل المقاتلين من الأطراف المتحاربة بجثث بعضهم بصورة لا تنم عن قيم الشرف والبطولة أبدا. وليس هناك ما هو افضع من مؤمن لتعذيب مؤمن آخر من ذات الدين، إذ إن كلا منهم يعتبر ذاته ملاكا والأخر شيطانا ! وحينما تحضر الملائكة والشياطين يختفي آدم وحواء الانسان أبن أديم الأرض والنفحة الربانية وقيمه الإنسانية الدنيوية المتواضعة الشفوقة القنوعة النسبية المتغيرة المرنة الواقعية الممكنة العقلانية، إلا تكفي هذه النتائج الفاجعة كل من يدعي الأنتماء الى دين الإسلام الحنيف الذي أنزله الله رحمة بالعالمين لإعادة التفكير الحصيف بالنتائج والأسباب؟! والفكرة الآتية من خارج الحياة لا تستطيع أن تنتج حتى فكرة موتها وفي هذه الحلقة الجهنمية تكمن خطورتها !

وحينما ننظر إلى الدول المدنية التي قننت الحياة الحياة المشتركة لمواطنيها سياسيا نجدها تأخذ حياة الإنسان وحقوقه الطبيعية والمدنية وسعادته ورفاهه بكل صارمة وجدية بوصفها غاية الغايات.

ليست المشكلة في الدين بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، ولا في الإيمان بوصفه بحثًا عن المعنى والرحمة والعدل، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها بعض التأويلات الدينية إلى ثقافة تقلل من قيمة الحياة الدنيوية، أو تجعل الألم قدرًا لا ينبغي مقاومته، أو تحول الفقر والمرض والجهل والقهر إلى امتحان ينبغي احتماله بدل أن يكون سؤالًا ينبغي العمل على تغييره.

وليس هناك ما يمنع الإنسان من أن يؤمن بأن الحياة ابتلاء، وأن فيها الألم والمرض والفقد والخسارة، فالإيمان بالابتلاء قد يكون مصدرًا للصبر والقوة والتكافل والعمل من أجل تجاوز المحنة. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الإيمان إلى فلسفة للاستسلام، فيُطلب من الإنسان أن يتعايش مع الفقر والقهر والجهل والمرض وكأنها أقدار لا يجوز مقاومتها أو تغييرها. هناك فرق كبير بين أن أقول للإنسان: اصبر على ما لا تستطيع تغييره، واعمل على تغيير ما تستطيع، وبين أن أقول له: اصبر لأن الدنيا فانية، ولا تنشغل بحقوقك فيها لأن الجزاء الحقيقي في الآخرة. فالإيمان بالآخرة لا ينبغي أن يكون سببًا لإهمال الدنيا، بل حافزًا لجعلها أكثر عدلًا ورحمة وكرامة. وإذا كان الإنسان مكرمًا، فإن حياته وحقوقه وصحته وحريته وأمنه ليست أمورًا هامشية. فالحياة ليست ضد الآخرة، والابتلاء ليس دعوة إلى الاستسلام، والصبر لا يعني قبول الظلم.

ونحن نعلم إن الإنسان يسلك وفقًا لما يعتقد؛ فالمعتقد ليس فكرة تسكن الرأس فحسب، بل قوة تتسلل إلى السلوك وتعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالعالم. فإذا اعتقدت أن بيتي مسكون بالخوف خفت منه، وإذا اعتقدت أن جيراني يتربصون بي توترت علاقتي بهم، وإذا اعتقدت أنني لا أستحق مستقبلًا أفضل فقدت الدافع إلى البحث عنه. وهكذا يمكن للمعتقد أن يكون قوة للتحرر والتقدم، كما يمكن أن يتحول إلى قيد يعيد إنتاج العجز والاستسلام.

وحين تتحول بعض المعتقدات إلى يقين مغلق، ثم تتكفل المؤسسات والتعليم والخطابات الاجتماعية بتثبيتها، فإنها لا تعود مجرد أفكار فردية، بل تصبح ثقافة كاملة تحدد ما نراه ممكنًا وما نراه مستحيلًا.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر: حين يتعلم الإنسان أن الفقر قدر، والمرض ابتلاء لا ينبغي مقاومته، والجهل أمرًا محتومًا، والسؤال خروجًا، والحرية فتنة، والدنيا شيئًا لا يستحق كثيرًا من الاهتمام، تبدأ ثقافة احتقار الحياة.

أما حين يرى الإنسان الدنيا مجالًا للعمل والعمران والمسؤولية، يصبح العلم ضرورة، والصحة حقًا، والكرامة أساسًا، والحرية مسؤولية، ورعاية الإنسان واجبًا.

فالمشكلة ليست في أن نؤمن، بل في ماذا يفعل إيماننا بنا ومجتمعاتنا والعالم الذي نتشاركه مع أشباهنا من البشر.

فحين ننظر إلى تاريخ العنف باسم الدين، من الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش وحروب الطوائف الدينية في اوروبا ما قبل الحديثة ، إلى حروب الطوائف الإسلامية التي شهدتها ولاتزال تشهدها عدد من الدول العربية منها؛ اليمن وأفغانستان والصومال وسوريا والعراق وليبيا والجزائر وغيرها، ينبغي ألا نختزل هذه المآسي في الدين وحده؛ فالعنف تصنعه أيضًا صراعات السلطة والموارد، والاستبداد، والاحتلال، والفقر، وانهيار الدولة، والصراعات الطائفية والتدخلات الخارجية. لكن يبقى السؤال الأخلاقي قائمًا: كيف يستطيع الإنسان أن يقتل إنسانًا آخر لأنه يعتقد أنه وحده يمتلك الحقيقة؟ وكيف يتحول المختلف من إنسان إلى شيطان؟ عندما ينقسم العالم في الوعي المتطرف إلى ملائكة وشياطين، يختفي آدم، ويختفي الإنسان ابن آدم، ذلك الكائن الضعيف المحتاج إلى الرحمة، القابل للخطأ والصواب، والذي لا يملك الحقيقة كاملة. وهنا تبدأ المأساة؛ إذ يصبح القتل تطهيرًا، والتعذيب عقوبة، والإقصاء فضيلة، والكراهية دفاعًا عن المقدس. لذلك لا يكفي أن نسأل: من يملك الحقيقة؟ بل علينا أن نسأل: أي إنسان تنتج الحقيقة التي نؤمن بها؟ هل تجعلنا أكثر رحمة وعلمًا وحرية واحترامًا للحياة، أم تجعلنا أكثر خوفًا من السؤال، واحتقارًا للدنيا، وعداءً للمختلف، واستعدادًا للتضحية بحياة الآخرين باسم خلاصنا؟ إن الفكرة التي لا ترى الإنسان في الآخر، مهما كان اسمها، لن تستطيع أن تبني عالمًا إنسانيًا.

وهنا ينبغي أن نعيد التفكير: ليس في الإيمان بوصفه إيمانًا، ولا في الدين بوصفه دينًا، وإنما في الطريقة التي تتحول بها معتقداتنا إلى سلوك، وسلوكنا إلى مؤسسات، ومؤسساتنا إلى ثقافة، وثقافتنا إلى مصير تاريخي.

ففي عالم انكمش فيه الزمان والمكان، ولم يعد الإنسان يستطيع أن يعيش منعزلًا عن الآخر، لم يعد التعايش ترفًا أخلاقيًا، بل أصبح شرطًا لبقاء الإنسان. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن أن نسميه «لاهوت التعايش»: قراءة للإيمان تجعل اختلاف الأديان والثقافات مجالًا للتعارف لا للصراع، وللتكامل لا للإلغاء، ولحماية الحياة لا لتبرير إهدارها.

إننا بحاجة إلى إيمان يرى في الإنسان إنسانًا قبل أن يراه منتميًا إلى عقيدة أو طائفة أو قومية؛ إيمان يحرر الرحمة من حدود الجماعة، والكرامة من حدود الهوية، والحق من احتكار الحقيقة.

فإذا كانت الحياة ابتلاءً، فإن أول واجب في هذا الابتلاء هو حماية الحياة. وإذا كان الإنسان مكرمًا، فإن أول علامات تكريمه أن نحفظ كرامته. وإذا كان العقل نعمة، فإن شكره يكون باستخدامه في السؤال والنقد والمراجعة.

وعندها فقط تتحول العقيدة من جدار يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان إلى جسر يعبر به الجميع نحو عالم أكثر رحمة وعدلًا وحرية.

وهنا تتجاوز مفارقة المعتقد حدودها، لتصبح دعوة إلى مصالحة الإنسان مع الحياة، ومع العقل، ومع الآخر.

***

د. قاسم المحبشي

 

هل يمكن للإنسان الفرد أو الجماعة، أن يفهم نفسه بدون الآخر.. وهل يستطيع الإنسان أن يستغني عن الآخر.. أم العلاقة بين الذات والآخر، من العلاقات المركبة على المستويين الفردي والجماعي، بحيث أنه لا يمكن فهم الذات إلا بفهم الآخر.. وبالتالي فإن العلاقة بين الذات مهما كان عنوان تعريفها، هي بحاجة إلى الآخر مهما كان عنوانه وتعريفه..

فإذا كان عنوان الذات دينيا، فإن هذه الذات بحاجة ماسة لفهم ذاتها وللعيش الإنساني السليم مع الآخر الديني. وإذا كان عنوان الذات قوميا أو عرقيا أو مذهبيا، فإنه لا يمكن لهذه الذات من إدراك حقائق الحياة بدون نسج علاقات سوية مع الآخر.. فالآخر بكل دوائره، هو مرآة الذات بكل دوائرها.. ومن يبحث عن ذاته، لا يمكن القبض على حقيقتها وجوهرها بدون استيعاب الآخر وفهمه وإدراك حاجاته ومتطلباته. فالآخر هو مرآة الذات، ولا ذات حقيقية بدون آخر حقيقي. لذلك فإننا نعتقد ومن منطلق فلسفي ومعرفي إن كل دعوات الاستغناء عن الآخرين مهما كانت مبرراتها ومسوغاتها أو عناوينها، هي دعوات لا تنسجم ونواميس الحياة الإنسانية..

فدعوات نفي الآخر واستئصاله، لم تؤد ولن تؤدي إلا إلى تشبت الذات بكل خصوصياتها وحيثياتها المباشرة وغير المباشرة .

لذلك فإننا نرى أن كل الأيدلوجيات والنزعات الاصطفائية والتطهيرية، لم تفض إلا إلى المزيد من بروز الهويات الفرعية والخصوصيات المراد طمسها وتغييبها.

وعليه فإن الآخر الديني هو ضرورة وجودية للذات الدينية. كما أن الأخر المذهبي هو ضرورة وجودية ومعرفية للذات المذهبية وهكذا بقية العناوين ودوائر الانتماء التي تحدد معنى الذات والآخر.. فالذات التي لم تتجاوز حدودها على أحد تعبير الكاتب المصري سمير مرقص، مهما كان ثراء هذه الذات ومهما حملت من خبرات، تظل في حاجة كيانية - ماسة ـ إلى أن تعبر هذه الحدود انطلاقا من احتمالية أن الآخر قد يحمل ثراء وخبره لم تعرفها أو قد تدركها ا الذات من جهة، وإن استمرار الذات في الوجود يعتمد إلى حد كبير على اختبار ما لدى هذه الذات من غنى وخبرة بالتفاعل أو باكتشاف ـ على الأقل ـ ما لدى الآخر من جهة أخرى.

والآخرـ بحكم التعريف ـ هو مغاير للذات، ويظل منطقة تحتاج إلى الإدراك.

والذات في عملية خروجها إلى الآخر ـ اكتشافا ـ إنما تعيد اكتشاف نفسها، وربما تبدأ في إدراكها. والذات لا يمكن أن تكون ذاتا إلا بوجود الآخر.

فمن يبحث عن اكتشاف ذاته، ومعرفة منظومته القيمية والثقافية، فعليه بالتواصل مع قيم الآخرين ومنظوماتهم الثقافية.

فالعزلة والانكفاء لا يقودان إلى اكتشاف الذات، حتى ولو كان خيار العزلة خيارا أيدلوجيا.

والنظرة النرجسية إلى الذات وقيمها وما تملك من مبادئ ومعارف، فإنها لا تؤدي أيضا إلى إدراك وفهم حقيقة الذات الثقافية والقيمية.. وذلك لأن النزعة النرجسية لدى الإنسان، تقوده إلى شعور وهمي بالاستغناء عن الآخرين بكل معارفهم ومكاسبهم العلمية والحضارية. فلا العزلة تقود إلى الفهم واكتشاف الذات، كما إن الاستغناء عن الآخرين، والتكور والتمحور حول الذات، لا يفضي إلى اكتشافها، وإنما يفضي إلى بناء صورة نمطية حول الذات، ليست قادرة على استنهاض الإنسان واكتشاف قدراته وطاقاته الكامنة. وحده التواصل والانفتاح هو الذي يقود إلى اكتشاف الذات. من هنا نصل إلى حقيقة اجتماعية وحضارية مهمة. وهي أن العزلة والانكفاء، ليست هي وسيلة الدفاع الحضارية والثقافية عن الذات، بل هي تعتبر وسيلة للهروب من استحقاقات الراهن. ولم يسجل لنا التاريخ تجربة إنسانية عن مجتمع، تمكن من حفظ ثوابته وصيانة مكتسباته من خلال الانكفاء والانعزال . ويبقى الانفتاح الرشيد والتواصل العلمي والثقافي والاجتماعي، بين مختلف التعبيرات والمكونات، هو وسيلة الدفاع عن الذات. فالتمسك بالثوابت والدفاع عن الخصوصيات، لا يمكن أن يتحقق بانغلاق الذات، وإنما بانفتاحها وتواصلها المستديم مع الآخر. ومهما كانت التباينات ونقاط الاختلاف، لا مبرر حقيقي للانكفاء والانعزال.. بل على العكس من ذلك تماما... ولا يمكن إدارة الاختلافات الدينية والمذهبية والفكرية، بدون تواصل المختلفين مع بعضهم البعض..

لهذا كله فإننا نعتقد وبشكل عميق أن اكتشاف الذات يتطلب الاهتمام بالأمور التالية:

1-  إن الإنسان مهما امتلك من إمكانيات وكفاءات وطاقات، لا يستطيع أن يحقق ذاته ويعزز مكاسبها العامة، بدون نسج علاقات طبيعية وسوية مع محيطه الاجتماعي والثقافي والوطني..

فالإنسان السوي لا يمكنه الاستغناء عن الآخرين وإنما من الضروري أن ينسج علاقات سوية معهم. ولا ريب أن بوابة هذه العملية هو الانفتاح والتواصل والتعاون مع الآخرين.

فالعلاقة شرطية وجدلية في آن واحد (على حد تعبير الكاتب سمير مرقص) بين الذات والآخر. وهذه العلاقة غاية في التعقيد، حيث يصبح الآخر شرطا لتحرر الذات من ذاتية عمياء لا ترى إلا نفسها – وربما لا تراها – ومن ثم تحمل نهاية لصيرورتها، وهنا يكمن البعد الشرطي في العلاقة. وفي الوقت نفسه فإن تحرر الذات من حدودها والخروج إلى الآخر، إنما يعني التجدد بإدراك نقاط القوة لدى الآخر والتي تعني نقاط الضعف لدى الذات ما يعني تحقق البعد الجدلي في العلاقة،والعكس صحيح بطبيعة الحال. هذا بالإضافة إلى تصحيح الصور النمطية أو الرؤى سابقة التجهيز التي يشكلها كل طرف من الطرفين – الذات والآخر – بعضهما عن بعض..

2-  إن الآخر المختلف، ليس موضوعا للنبذ والإقصاء والسباب والشتيمة، وإنما هو موضوعا للحوار والتواصل والتعارف. وإن الاختلافات والتباينات مهما علا شأنها، لا تشرع لأحد ممارسة الحيف والظلم بحق الآخر المختلف.

فالمطلوب من كل الأطراف، ليس التنابز بالألقاب، وممارسة سوء الظن المتبادل، وإنما المطلوب هو ممارسة العدل تجاه بعضنا البعض..

ولا يمكن أن نحقق مفهوم العدل في العلاقة مع المختلف، بعيدا عن قيم الحوار والتواصل والتعاون..

فليس عيبا أن نختلف، لأن ذلك من لوازم الحياة الإنسانية، ولكن العيب كل العيب حينما يقودنا هذا الاختلاف إلى الخصام والعداء المتبادل..

فتعالوا جميعا من مواقعنا الفكرية والثقافية والاجتماعية المتعددة والمتنوعة، أن نمد أيدينا لبعضنا البعض، ونطرد من واقعنا كل أسباب الإحن والبغضاء، ونتعاون مع بعضنا البعض لإرساء معالم وحقائق الاحترام المتبادل وصيانة الحقوق والحفاظ على أسباب الوئام وموجبات الاستقرار والتضامن..

3- حين الحديث عن ضرورة نسج علاقات إيجابية بين الذات والآخر، وإن جميع مكونات وتعبيرات المجتمع الواحد، من الضروري أن تنفتح على بعضها، وتتواصل اجتماعيا ومعرفيا.. فإننا ندرك وبعمق أن التوجيهات الأخلاقية بوحدها، لا تصنع هذه الحقائق، ولا تبني العلاقات الإيجابية بين مختلف الأطياف والتعبيرات..

لذلك فإننا نعتقد أن تنمية فضاء المصالح المشتركة، بين مختلف المكونات والتعبيرات، هو الذي يساهم مساهمة رئيسية في تعزيز التواصل والعلاقة..

فحينما تكون مصالح الناس متباعدة، فإن التوجيهات الأخلاقية، ستعالج في الحدود القصوى بعض الحالات الفردية. أما إذا كانت شبكة المصالح اليومية بين الناس متداخلة، فإن هذه الشبكة بمتوالياتها ومقتضياتها المتعددة، ستفرض واقعا جديدا على صعيد العلاقات الداخلية في المجتمع الواحد. وتأتي التوجيهات الأخلاقية، لتضيف إلى هذا الواقع نزعة أخلاقية – روحية، تساهم في ضبط العلاقة اليومية، وتخرجها من دائرة العلاقة بين الأجساد والعقول، وتدخلها في رحاب الروح والالتزامات الأخلاقية..

إننا نشعر بأهمية أن تكون العلاقة بين تعبيرات المجتمع إيجابية وحسنة، ومتجاوزة لإرث القطيعة والانفصال. ولا سبيل حيوي وفاعل لذلك إلا بتوسيع شبكة المصالح المشتركة بين مختلف الأطراف..

بحيث يشعر الجميع، أن مصلحة الجميع تقتضي، التمسك بكل أسباب الانسجام الاجتماعي والتضامن الوطني..

وصفوة القول: إننا ينبغي أنلا نذعن إلى إكراهات القطيعة ومناخات المفاصلة والجفاء بين أطياف المجتمع والوطن، ونعمل من مواقعنا المتعددة على إشاعة أجواء التفاهم والتواصل، ونوفر كل الأسباب المؤدية إلى بناء علاقة إيجابية وحيوية ومتضامنة بين جميع المكونات والتعبيرات.

***

محمد محفوظ

 

عندما يسود المجتمع وعي ماضوي، وثقافة احادية، وتعليم تنميطي يعتمد على التلقين والحفظ، وسياسة تعمل على خلق هُوية مُغلَقة، ويتصدر المشهد المُؤدلَجون، ويدخل الفن تحت الوصاية، ويكون الإعلام بوق دعاية وليس منبر تثقيفي وتوعوي عندها يتحول الناس إلى نُسخٍ مُكررة تجتر ما ابتلعته من أفكار دون أن تمر على العقل، لأن العقل قد تم احتلاله داخل هذه البنية المعرفية التي تخلق قطيع يُساق.

هنا تظهر حاجة ضرورية إلى أشخاص قادرون على طرح السؤال ومحاكمة النسق والنمط الواحد، لذلك تعلو قيمة صوت الاستاذة إبتهال عبد الوهاب الذي صدح شادياً: (لا يقاس الانسان بمدى اندماجه في القطيع، بل بقدرته على مقاومة الذوبان فيه. فالسلام الذي يمنحه التشابه سلام هش، سرعان ما ينهار عند اول سؤال حقيقي. وحده المختلف يدفع ثمن الوعي، لكنه وحده ايضا يمتلك شرف المعنى).

وهنا سوف نسعى معاً إلى قراءة فكر ابتهال عبد الوهاب لعل المجتمع ينتبه إلى هذا العقل الثري الذي ينفجر كشلال هادر، طامحاً إلى إزالة ما تراكم من نفايات الجهل داخل بنية العقل الجمعي المصري.

أولاً: التمرد 

ليس التمرد في فكر إبتهال هو إعتراض على واقع ترفضه وحسب، إنما هو سيرورة وصيرورة أي إنه فعل هدم وبناء في آنٍ واحد أما ماذا تهدم وماذا تبني ؟!! إنها تهدم الماهيات التي يفرضها عليها المجتمع لتبني وتخلق ماهية تخصها وكينونة تتجلى من خلالها ذاتها الشخصية لذلك تقول (انا ظاهرة تشكلت حين قررت الروح ان تخرج من قالبها.. ‏وتجرؤ على ان تكون ذاتها ولو كلّفها ذلك عزلتها الكونية... انا الكينونة التي تشق لنفسها دربا).

ومن أجل لذلك لم تقف عند قيود المجتمع التي تحرم المرأة من كينونتها بل تمردت على هذا النسق الإقصائي الذكوري وصرخت وهى تحمل صرخة كل أنثى قائلة: (ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، لكنني لم أقبل أن تكون الأنوثة سجنا، ولا الذكورة معيارا للإنسانية. أردت فقط أن أعيش بإنسانيتي كاملة، أن أفكر دون وصاية، وأسأل دون خوف، وأختلف دون أن أدفع ثمن اختلافـي

ثمة امرأة قديمة في داخلي ماتت مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت اعود منها بملامح مختلفة، وبقلب اكثر حذرا، ووعي اكثر عمقا. واليوم لا اريد ان اعود الى تلك المرأة...).

إذن فعل التمرد عند السيدة إبتهال هو فعل فلسفي وجودي، يعمل على تفكيك الماهيات المُسبقة، وتكسير القيود التي تكبل الحضور الانساني الحر وتمنع العقل من ترك بصمته الخاصة التي لا يمكن لأحد غيره أن يقوم بها.

لذلك يكون التمرد مفتاح هام في قراءة فكر إبتهال عبد الوهاب، ودعوة دائمة لحث قراءها على الاستجابة لنداء التمرد للخروج من نفق الإنغلاق والتحجر والإستنساخ الفكري.

ثانياً: الأنسنة

يقف الانسان في بؤرة إهتمام إبتهال عبد الوهاب لذلك سعت إلى أنسنة التراث الديني (المقدس)، وأنسنة القيم،وأنسنة السلطة في الواقع المُعاش.

١ - أنسنة الوعي الديني

أ - أنسنة التراث الديني

قامت الاستاذة إبتهال بتفكيك البنية المعرفية للتراث لذلك وضعت التراث الديني في إطار الاجتهادات الانسانية ولم تضعه في دائرة المقدس لكي تعمل على تحيده حتى لا يأخذ سُلطة على العقل لذلك قالت:

(غير أن التراث، في حقيقته، ليس نصا مقدسا، بل نص تاريخي كتبه بشر عاشوا ظروفا خاصه. وفكروا بأدوات عصرهم، وأجابوا عن أسئلة زمانهم. ومن الظلم للعقل أن نحوله إلى صنمٍ ذهني نطوف حوله دون أن نجرؤ على سؤاله.

إن المشكلة لا تكمن في التراث نفسه، فالتراث في جوهره ذاكرة الإنسانية وتجربة العقول التي سبقتنا. لكنه يصبح خطرا حين يختزل في صورة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. ففي تلك اللحظة يتوقف عن كونه معرفة، ويبدأ في التحول إلى سلطة. والسلطة حين تستقر في الفكر دون مساءلة لا تنتج علما بل تنتج طاعة. وتتحول سريعا إلى نوع من الجمود المعرفي).

لذلك دفاعاً عن الانسان ذهبت إلى ضرورة قراءة التراث الديني في سياقاته التاريخية والابتعاد عن تحويله إلى صنم يسجد له الإنسان، فالتراث في خدمة الانسان وليس العكس.

ب - أنسنة الطقس الديني

لم تنظر إبتهال إلى الطقس والاحتفال الديني من واقع التصور الدجمائي المُغلَق بل الخروج من مساحة العقيدة الضيقة إلى مساحة الانسانية الرحبة، لذلك قدمت رؤيتها المتقدمة عن شعيرة الصوم قائلة: (غير ان الخطر الحقيقي يكمن حين يختزل الصوم في الامتناع عن الطعام بينما تترك مساحات واسعة من السلوك اليومي اسيرة للكذب والنفاق واقصاء الاخر وازدراء العمل وتعطيل العقل. هنا يتحول الصوم من قيمة محررة إلى اداة تبرير ومن تجربة روحية إلى طقس اجتماعي يعاد انتاجه بلا وعي. وهو ما نبه إليه محمد اركون حين حذر من تقديس الشعائر على حساب النقد الاخلاقي معتبرا ان اخطر اشكال التدين هو ذاك الذي يصادر العقل ويغلق افق السؤال).

وعلى نفس القياس قدمت قراءة إنسانية لذبح الاضاحي حيث نبهت أن الاضحية الحقيقية هى ذبح كل ما يعتمل في النفس من قبح يعمل على إهدار قيمة وكرامة الانسان لذلك تترك لنا سؤالاً: (ولهذا يبدو عيد الأضحى سؤالا أخلاقيا أكثر منه طقسا دينيا: أيهما أولى بالذبح.. الخروف أم القسوة التي تسكن الإنسان؟.. ما الذي يجب أن يموت في الإنسان.. كي يصبح أكثر إنسانية؟).

٢ - أنسنة منظومة القيم.

لعل ما يلفت النظر أن القائمين على السلطة يجعلون الدين مصدر القيم الاخلاقية، حتى إنهم وضعوا الدين في قمة أدوات الضبط الاجتماعي لأن الناس تعيش بمنطق الحلال والحرام . أما الاستاذة إبتهال فإنها تضع من يقوم بإنتظار المكافأة على أفعاله في دائرة النفعية والمصلحة وهذا فى حد ذاته خَصماً من القيمة الاخلاقية للفعل ذاته. فالفعل يكتسب قيمته الاخلاقية من واقع تاثيره على الآخر إيجاباً وسلباً وليس لان القانون أو الدين بمنع الفعل يصبح  شريراً ولكن الضرر الذي ترتب علي القيام بهذا الفعل هو ما أعطى القيمة اللاأخلاقية لهذا الفعل . لذلك تقول لنا في مواجهة ساخنة مع العقل الدوجمائي: (لكن ثمة سؤالا أكثر عمقا: لماذا نحتاج أصلا إلى وعد بالجنة حتى نفعل الخير؟

ألا ينبغي أن تكون حياة الإنسان نفسها جديرة بأن نخفف آلامها، ونوسع إمكاناتها، ونمنح أبناءها فرصة أفضل للحياة، حتى لو لم يكن وراء ذلك ثواب موعود؟

هنا تبدأ الأخلاق في الارتقاء من منطق المكافأة إلى منطق المسؤولية).

ولا تقف الاستاذة إبتهال عند منظومة القيم الاخلاقية المعروفة لدى العامة بل أضافت إليها قيمة (القلق)

وقد يُصاب المرء بالدهشة من هذه الاضافة إلى منظومة القيم ولكن بالرجوع إلى فكر السيدة إبتهال نجد أن القلق هو فعل وجودي يعمل على تحريك الوعي من منطقة البلادة والجمود إلى منطقة الحركة وتحديث الفكر .

كما إنها تنتقد (المعرفة) وتقول إنها تفتقد بعدها الاخلاقي عندما تتحول إلى إداة لإنتاج الجهل والتعصب والكراهية (المعرفة في ذاتها ليست ضمانا للفضيلة بل قد تكون احيانا حجابا يحجب الانسان عن ذاته اذا لم تصقل بالوعي النقدي ولم تصف بالممارسة الاخلاقية فما جدوى عقل واسع الاطلاع ان كان اسيرا لرغباته الضيقة وانفعالاته اللحظية وما نفع ثقافة مترامية الاطراف اذا كانت عاجزة عن تحرير صاحبها من اسر التعصب والانحياز لقناعات مسبقة لا تفعل سوى اعادة انتاج الجهل في صورة اخرى).

٣ - أنسنة السُلطة

في ظل سياق عربي يترنح تحت صراعات دامية من أجل السُلطة، لذلك من تستب له يقبض عليها وكأنها هبة سماوية وكأنه هو مسيح ومخلص لهذا الشعب البائس، لذلك لا تستمد الدولة سلطتها وممارساتها داخل هذه النظم من الدستور والقانون بل من اللّه والزعيم المُلهم، لذلك تدفع الشعوب ضريبة هذا التصور عن السلطة. لذلك أنسنة السلطة عند الاستاذة إبتهال تعني أن الدولة هى نظام بشري يهدف إلى حماية الافراد من الفوضي وتعمل على صون حرياتهم وحقوقهم الاجتماعية والفكرية والدينية لذلك يجب أن تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع. ويجب أن يكون مِرجَع الدولة الدستور والقانون . لذلك تلخص رؤيتها نحو السلطة هكذا (أريد دولة يكون القانون فيها أقوى من الحاكم، والحق أعلى من الامتياز، والإنسان أكرم من كل شعار).

ثالثاً: الفلسفة

ليست الفلسفة عند إبتهال عبد الوهاب إجترار لأفكار كبار الفلاسفة وليست صدى صوت لاصواتهم بل الفلسفة كما تراها السيدة إبتهال هى أداة العقل للخروج من كهف الطمأنينة الزائفة إلى فضاء الشك الذي يلتمس الحقيقة، هى عدم الاكتفاء بالاجابات المُعلَبة بل السؤال الذي يفضح الجهل ويُعرّي الوهم،وبعبارتها هى (ضرورة أخلاقية وفكرية. إنها تلك اليد الخفية التي تمسك العقل وتمنعه من الانحدار نحو يقينيات مطلقة لا تعرف الشك ولا تعترف بالآخر. الفلسفة ليست موسوعة لأسماء الفلاسفة، ولا هي تكديس للنصوص، بل هي نمط خاص في النظر إلى العالم، رؤية تؤنسن الوجود، وتحول التجربة الفردية إلى مجال لاكتشاف الذات والآخر معا. وما الفلسفة إلا هذا التوتر الجميل بين حرية الفرد وانعكاس المجتمع فيه، بين تفرده وتشابكه، بين صوته الخاص وصدى البشرية في داخله.

الفلسفة ليست علما يدرس فحسب، بل هي طقس من طقوس الحياة. دهشة ممتدة وصوت داخلي يوقظ فينا السؤال الأول. السؤال الذي يشق الصمت ويخلق المعنى).

وقد إستخدمت الاستاذة إبتهال الفلسفة في إعادة تعريف مصطلح الجاهلية و تفكيك البنية المعرفية للتطرف ودافعت من خلالها عن حق الاختلاف العقيدي.

الاستاذة إبتهال عبد الوهاب ليست مثقفة تسكن في برج عاجي، وليست فيلسوفة تسبح في فضاء ميتافيزيقي بل هى فيلسوفة تشتبك مع المجتمع وتتفاعل مع قضاياه وتسعى إلى بناء عقول حرة ناضحة قادرة على الاختيار وبناء ذواتهم وماهياتهم الخاصة.

انا لا أدعي إنني إستوفيت كل فكر الاستاذة إبتهال بل فتحت نافذة صغيرة للقارئ ليطل من خلالها على هذا الانتاج الفكري والادبي الرائع كما أدعو غيري من القراء لتناول فكر إبتهال بالمناقشة والتحليل والقراءة المحايدة، فهذا ما يجعل الافكار قادرة على التوالد وإنتاج البُنى الفكرية المتكاملة.

***

بقلم: أشرف منير رمزي

الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 - 1984) منح المفكر الفِلَسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935 - 2003) شيئًا حاسمًا في بناء مشروعه، وهو طريقة جديدة للسؤال عن المعرفة نفسها. مِن أين تأتي؟، ومَن يملك حقَّ إنتاجها؟، وكيف تتحول إلى حقيقة مُعترَف بها؟، ومتى تصبح المعرفةُ وسيلة لتنظيم البشر وتصنيفهم والسيطرة عليهم؟.

أقرَّ سعيد بتأثير فوكو في مشروعه، ولا سِيَّما أفكاره المتعلقة بالخطاب والعلاقةِ بين المعرفة والسُّلطة. وتأثيرُ فوكو كان قويًّا بصورة خاصة في بناء الإطار النظري للاستشراق، قبل أن يبدأ سعيد لاحقًا في الابتعاد عن بعض نتائج فوكو الفلسفية. وهُنا بالضبط تكمن أهمية العلاقة بينهما، سعيد لَم يُكرِّر فوكو، لقد أخذ أدواته، ونقلها إلى تاريخ الاستعمار والتمثيل الثقافي، ثم أعادَ توجيهها لخدمة مشروع مختلف.

قبل فوكو، كان من الممكن أن يُنظَر إلى المعرفة، وخصوصًا المعرفة الأكاديمية، باعتبارها نشاطًا يهدف إلى اكتشاف الحقيقة. الباحثُ يدرس موضوعًا، ويجمع المعلومات، ويُحلِّلها، ثم يصل إلى نتائج يُفْتَرَض أنها مستقلة عن علاقات القوة. لكنَّ فوكو جعل المسألة أكثر تعقيدًا.

لم يتعامل فوكو معَ المعرفة بوصفها شيئًا محايدًا يقف خارج التاريخ والمجتمع. كان مهتمًّا بالشروط التي تجعل نوعًا مُعَيَّنًا من الكلام ممكنًا، وتجعل بعضَ الأقوال تبدو عِلمية ومعقولة ومشروعة، بينما تُستبعَد أقوال أُخرى، أوْ تُدفَع إلى الهامش. وهُنا ظهر مفهوم الخطاب بوصفه أكثر من مجرد مجموعة من الكلمات أو النصوص، إنَّه منظومة من القواعد والمفاهيم والمؤسسات والممارسات التي تُحدِّد، في فترة تاريخية مُعيَّنة، ما الذي يمكن قَوله، وكيف يمكن قَوله، ومَن يملك سُلطة قَوله.

وهذه النقلة الفكرية كانت شديدة الأهمية بالنسبة إلى سعيد، لأنَّ السؤال لَم يعد: هل كان المستشرق الفُلاني منصفًا في وصف الشرق أمْ لا؟، بل أصبح: كيف أمكنَ أصلًا أن يتشكل نظام معرفي كامل اسمه "الشرق" بحيث يبدو قابلًا للوصف والتصنيف والتفسير من موقع غربي؟. وهُنا تبدأ المسافة بين سعيد وكثير من النقد التقليدي للاستشراق.

لم يكن هدف سعيد في " الاستشراق" مجرد اكتشاف أخطاء في كُتب المستشرقين. لو كان الأمر كذلك، لكان مشروعه أقرب إلى تصحيح بعض الأحكام الخاطئة عن العرب والمسلمين، أو الدفاع عن صورة حقيقية للشرق في مقابل صورة غربية مُشوَّهة. لكن سعيد ذهب إلى أبعد من ذلك. سألَ عن النظام الذي جعل هذه الصور ممكنة ومتكررة وقادرة على الاستمرار. وهذه هي اللحظة التي يظهر فيها فوكو بقوة.

الخطابُ عند فوكو لا يصف موضوعَه فقط، وإنما يشارك في إنتاج الموضوع الذي يتحدث عنه. لذلك أمكنَ لسعيد أن ينظر إلى "الشرق" الذي يظهر في الأدبيات الاستشراقية، ليس باعتباره انعكاسًا بريئًا لواقع جغرافي وحضاري موجود مسبقًا، وإنما باعتباره نتاجًا لتاريخ طويل من الكتابة والتصنيف والتمثيل والمؤسسات والعلاقات السياسية.

حين يقول كاتب غربي إنَّ الشرق عاطفي، أو غير عقلاني، أو استبدادي، أو ساكن خارج التاريخ، لا يصبح السؤال فقط: هل هذه الجملة صحيحة؟. ينبغي البحث عن مصدر هذا التصنيف، وتاريخِ تَكراره، وطبيعةِ المؤسسات التي أعادت إنتاجَه، والمفاهيمِ التي جعلته يبدو طبيعيًّا، والنتائجِ السياسية المترتبة على النظر إلى شعب كامل بهذه الطريقة. بهذا المعنى، انتقلَ سعيد من تفنيد الصورة إلى تشريح آليَّة إنتاج الصورة، وهذه واحدة من أهم أفكار فوكو.

المعرفة لا تعمل في فراغ اجتماعي. المؤسساتُ تحدد مَن يستطيع الكلامَ، والجامعاتُ والمراكز البحثية والأرشيفات والكُتب والمناهج والمجلات العلمية تمنح بعضَ أشكال الكلام سُلطةً أكبر مِن غَيرها. والمعرفةُ يمكن أن تصبح جزءًا مِن آليَّات الإدارة والتصنيف والحُكم، لهذا كان فوكو مهتمًّا بترابط السُّلطةِ والمعرفة. سعيد أخذ هذه الفكرة، ووضعها في سياق الاستعمار. وأصبحَ بالإمكان النظر إلى الاستشراق باعتباره تاريخًا لعلاقة بين المعرفة والسُّلطة، وليس تاريخًا للأفكار عن الشرق فقط. فوكو كان يدرس تاريخًا أوروبيًّا في الأساس، ويُركِّز على تشكيل أنظمة المعرفة والانضباط والسُّلطة في مجالات مِثل: الطب، والجريمة، والسجن، والجنون، والجنس. أمَّا سعيد فنقل أدوات تحليل الخطاب إلى فضاء العلاقة بين الغرب والشرق والإمبراطورية والاستعمار. وهذا ما جعل الاستشراقَ نقطة تحوُّل في الدراسات ما بعد الاستعمارية.

مِن أكثر الأفكار التي تجعل تأثيرَ فوكو في سعيد عميقًا أنَّ سعيد لم يكن مهتمًّا فقط بما يقوله المستشرق عن الشرق، وإنما بكيفية تحوُّل الشرق إلى موضوع معرفي. أي: كيف يصبح بالإمكان تصنيف "الشرق" وكأنه شيء واحد متجانس؟. الشرقُ ليس بلدًا واحدًا،ولا لغة واحدة، ولا دِينًا واحدًا، ولا تاريخًا واحدًا، ولا مجتمعًا واحدًا. ومعَ ذلك، أنتجَ الخطابُ الاستشراقي في صور كثيرة "شرقًا" عامًّا، ومتشابهًا، وله صفات ثابتة وجامدة، مقابل غرب عقلاني وحديث ومتحرك.

هُنا يمكن رؤية أثر فكرة فوكو عن التصنيف والتشكيل الخطابي، ليست السُّلطة في منع الكلام فقط، إنها موجودة أيضًا في الطريقة التي تحدد بها الأشياء التي نتحدث عنها، والفئات التي نفكر من خلالها، والحدود التي نضعها بين "نحن" و" هُم". وهكذا يصبح الاستشراق أكثر من مجموعة كُتب، إنَّه طريقة في رؤية العالَم.

أحدُ المفاهيم المركزية عند سعيد هو التمثيل. الغربُ لا يصل إلى الشرق بلا وساطة. هُناك نصوص وصور ومفاهيم ورحلات وروايات وتقارير وأعمال فنية ودراسات أكاديمية ومؤسسات، تُنتج صورةً مُعيَّنة عن الشرق. وهُنا يصبح السؤال: هل الصورة التي نراها هي الشرق أمْ أنها طريقة مُعيَّنة لرؤية الشرق؟. هذا الفرقُ صغيرٌ في اللغة، لكنه هائل في النظرية، لأنَّ الاعتقاد بأن التمثيل هو الحقيقة يجعل الصورةَ غير مرئية بوصفها صورة، أمَّا عندما ننتبه إلى عملية التمثيل، فسوفَ نبحث عن هُوية مَنْ يُمثِّل، ومَن هو صاحب المصلحة في ذلك.

في "الاستشراق" تتجاور تأثيرات متعددة، مِن فوكو إلى غرامشي إلى ماركس وغَيرهم. وتُشكِّل هذه المصادر المختلفة شبكة فكرية جعلتْ مشروع سعيد أكثر تركيبًا من مجرد نظرية في الخطاب.

أخذ سعيد من فوكو حساسيةً شديدة تجاه إنتاج المعرفة والسُّلطة والخطاب. ومِن غرامشي أخذ اهتمامَه بالهيمنة ودَور الثقافة والمثقفين، ومِن ماركس استفادَ من التفكير في الإمبريالية والمصالح والعلاقات المادية والتاريخية، ومِن تقاليد النقد الأدبي أخذ قدرته على قراءة النصوص، ليس بوصفها جُملًا منفصلة وعبارات مُتقطِّعة، وإنما بوصفها أعمالًا تدخل في تاريخ اجتماعي وثقافي. لهذا فإن "الاستشراق" ليس كتابًا مرتبطًا بفلسفة فوكو، ولا كتابًا ماركسيًّا بالمعنى الصارم، ولا دراسة أدبية تقليدية. إنَّه تركيب خاص، وهذا تحديدًا ما جعله مُؤثِّرًا إلى هذا الحد.

فوكو يساعد سعيد على نقد الغرب، وسعيد يعيد توجيهَ فوكو نحو العالَم الاستعماري. فوكو طوَّر أدواته من داخل دراسة تاريخ المجتمعات الغربية، بينما أخذ سعيد بعضَ هذه الأدوات، ووجَّهها إلى علاقة الغرب بالآخَر.

وهكذا أصبحَ من الممكن استخدام سؤال فوكو عن المعرفة والسُّلطة لفحص ما يحدث عندما يقوم مجتمع قوي بإنتاج معرفة عن مجتمع آخَر أضعف منه سياسيًّا. وهُنا تظهر أهمية سعيد التاريخية، فهو لَم يقل فقط: الغربُ أخطأ في وصف الشرق، بلْ سألَ سؤالًا أكثر عُمقًا: ماذا لو كان وصف الشرق جزءًا من تاريخ القوة بين الغرب والشرق؟.

مِن الخطأ تصويرُ سعيد باعتباره تابعًا فكريًّا لفوكو طوال حياته. الأدبياتُ الأكاديمية حول العلاقة بينهما تؤكد وجود تأثير قوي، خصوصًا في "الاستشراق"، لكنها أيضًا تُوضِّح انتقاد سعيد لجوانب مِن تصوُّر فوكو للسُّلطة والحقيقة، خصوصًا عندما تعلَّق الأمر بتأسيس نقد مِعياري للظلم، والدفاعِ عن الحرية والعدالة. وهذا الخلافُ ليس هامشيًّا، إنَّه يمسُّ قلبَ مشروع سعيد، لأنه كان يريد أن يقول شيئًا يتجاوز الخطابات التي أنتجتها السُّلطة. كان يريد أن يقول إنَّ هذه الخطابات لها نتائج على بشر حقيقيين، لذلك ينبغي مقاومتها.

إذا كان سعيد قد دعا إلى عدم قَبول أي خطاب عن الآخَر باعتباره بريئًا ومحايدًا، فعلينا أن نُطبِّق الدرسَ نَفْسَه على سعيد. أي إنَّ "الاستشراق" يجب أن يبقى قابلًا للنقد. وقد ظهرتْ بالفِعل انتقادات أكاديمية متعددة للكتاب، بعضُها يتعلق بطريقة تعميم سعيد للخطاب الاستشراقي، وبعضُها يتعلق بعلاقته معَ فوكو، وبعضُها يرى أنَّ تحليله لا يمنح دائمًا مساحة كافية للاختلافات الداخلية بين المستشرقين، أو للتاريخ المتبادل والمعقد بين الشرق والغرب.

وجودُ هذه الانتقادات لا يلغي قيمة سعيد، بلْ يؤكد شيئًا مهمًّا في مشروعه، وهو أنَّ النصوص الكُبرى لا ينبغي أن تتحول إلى سُلطة مغلقة. يجب أن نقرأها، ونستخدم أدواتها، ونختبر حدودها، ونختلف معها.

فوكو يُركِّز على الخطاب، وسعيد يفحص الخطابَ الذي صنعه الغربُ عن الشرق. فوكو يُركِّز على العلاقة بين المعرفة والسُّلطة، وسعيد يفحص تشابكات المعرفة معَ الاستعمار والإمبريالية.

وتأثيرُ فوكو في سعيد لا ينبغي أن يُفْهَم باعتباره تأثيرًا شكليًّا، أو مجرد استعارة لمصطلحات فلسفية. لقد مَسَّ طريقةَ بناء السؤال نَفْسِه. وسعيد اعتمدَ على فوكو في اعتبار المعرفة ليست مجرد معلومات عن العالَم، والخطابات لا تصف الواقعَ فقط، وإنما تشارك في تشكيل الطريقة التي يظهر بها الواقع لنا. ومِن هذه النقطة استطاعَ سعيد أن يعيد قراءة الاستشراق باعتباره نظامًا من التمثيلات والمعارف التي ارتبطتْ تاريخيًّا بعلاقات القوة والاستعمار. لَم يكن حضور فوكو في مشروع سعيد حضورًا نظريًّا، وإنما كان نقطة انطلاق غيَّرت طريقةَ النظر إلى الاستشراق مِن أساسها. وقدْ تحوَّل الاستشراق مِن مجموعة كُتب وأوصاف عن الشرق إلى خطاب له تاريخ مصلحي، وسُلطة سياسية، وأثرٌ عميق في تشكيل صورة الشرق كما استقرَّت في الوعي الغربي.

لم يأخذ سعيد مِن فوكو إجابات جاهزة، ولا قوالب مُعَدَّة سلفًا، ولا عبارات إنشائية عاطفية، ولا شعارات رنَّانة، ولا خطابات حماسية، وإنما أخذ طريقة مختلفة في النظر إلى المعرفة، ثم استخدمها لتحليل العلاقة بين مَن يملك القُدرةَ على الكلام، ومَن يُعرَّف ويُوصَف ويُتحدَّث عنه.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تُضاف إلى قائمة الأدوات التي اخترعها الإنسان لتوسيع قدرته على الفعل، كما لم يعد شأنًا محصورًا في المختبرات العلمية أو شركات التكنولوجيا الكبرى. لقد بدأ يتسلل إلى البنية العميقة للحياة المعاصرة، إلى التعليم والطب والهندسة والاقتصاد والفلك والعلوم الإنسانية، وإلى الطريقة التي نبحث بها عن المعلومة، ونحلل بها الظاهرة، ونبني بها الفرضية، ونختبر بها النتائج.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل أصبح: ماذا سيحدث للإنسان وللمعرفة عندما تدخل الآلة إلى قلب عملية التفكير نفسها؟ هنا يبدأ التحول الفلسفي. في هذا اللقاء نحاول ان نجعل هذا المشكل محور حديثنا في هذا اللقاء الفكري. فذا ما عدنا الى التاريخ العلمي للإنسان ومسيرته الطويلة سوف نجد انه في جانب منه، تاريخ توسيع أدواته في انتقاله من الموقف الطبيعي، اذ اخترع الإنسان المجهر لكي يرى ما لا تراه العين، والتلسكوب لكي يتجاوز حدود النظر الأرضي، والحاسوب لكي يسرّع الحساب، وشبكات الاتصال لكي يختصر المسافة بين العقول.

لكن الملاحظ من خلال تلك المراحل أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن كثير من هذه الأدوات؛ لأنه لا يكتفي بتوسيع القدرة على الرؤية أو الحساب، وإنما يدخل إلى منطقة كانت تُعدّ طويلًا من أكثر المناطق التصاقًا بالإنسان: (التحليل، والتصنيف، والاستنتاج، والتنبؤ، وتوليد النصوص والصور والنماذج والفرضيات). التي كانت من اهم مهام الانسان. وهذا يجعلنا ازاء سؤال مهم، إذا كانت الأدوات السابقة تمدد حواس الإنسان وعضلاته، فهل يمثل الذكاء الاصطناعي تمديدًا لبعض وظائف العقل؟ كما وجدنا في تحول الانسان من الموقف الطبيعي ؛ من الضروري هنا التأكيد ليس المقصود بذلك أن الآلة أصبحت إنسانًا، ولا أن الذكاء الاصطناعي يمتلك بالضرورة وعيًا أو قصدية أو تجربة ذاتية مماثلة للإنسان؛ فهذه قضايا فلسفية وعلمية لا تزال مفتوحة. لكن المؤكد أن الحدود التقليدية بين الأداة والفاعل المعرفي أصبحت أكثر تعقيدًا. فالآلة لم تعد مجرد وعاء يحفظ ما يعرفه الإنسان، بل أصبحت قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، واكتشاف أنماط يصعب على الباحث رؤيتها مباشرة، والمساعدة في بناء نماذج وتوقعات واقتراح مسارات بحثية جديدة. ومن هنا تتضح أهميته في العصر الراهن. في حقول متنوعة وتحقق اضافة نوعية مثل : في الطب، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل الصور الطبية، واكتشاف أنماط مرضية، ودعم التشخيص، وتحليل البيانات السريرية، والمساهمة في تطوير الأدوية. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا أخلاقيًا بالغ الأهمية: هل يمكن أن نترك القرار الطبي للخوارزمية؟ الجواب لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط؛ لأن الطب ليس مجرد مطابقة بيانات، وإنما علاقة إنسانية تتضمن المسؤولية والثقة والرحمة وفهم خصوصية المريض. وهذا يدخلنا الى حقل اخلاقيات البيوتقيا التي تعمل على توظيف وتحليل وتفسير ومقارنة وتأويل وافتراض العديد من الأسئلة المتعلقة بذات الجانب فالجينات الوراثية والقتل الرحيم وأبحاث الخلايا الجذعية وتأجير الأرحام والحيامن والهندسة الوراثية والاستنساخ البشري وغيرها من الأفكار تعد المادة الأساسية في الأخلاق التطبيقية في المجال البيوتيقي.

لكن نعود الى موضوعنا باستعراض المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي اذ في العلوم الطبيعية، يفتح الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة لتحليل البيانات والنمذجة والمحاكاة والتنبؤ. فالعالم المعاصر ينتج بيانات علمية تفوق قدرة الباحث الفرد والمؤسسة التقليدية على معالجتها بالوسائل القديمة. وهنا تصبح الخوارزمية وسيلة لعبور فائض البيانات إلى مستوى من التنظيم يسمح باكتشاف علاقات جديدة.

لكن هذه المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي تجعلنا ازاء مفارقة؛ اذ كلما ازدادت قدرتنا على معالجة البيانات، ازدادت حاجتنا إلى السؤال عن معنى البيانات. فالآلة تستطيع أن تجد علاقة بين متغيرين، لكنها لا تجعل العلاقة بالضرورة تفسيرًا سببيًا. وقد تنتج نتيجة دقيقة حسابيًا لكنها خاطئة علميًا إذا كانت البيانات منحازة أو كان النموذج غير ملائم للسؤال. وهي مفارقة مهمة تظهر في الكثير من النتائج، لكن نعود الى المهام ولا اريد ان اجعل الاستطرادات الجانبية محور حديثنا حتى لا يتفرع .

اذ نجد الذكاء الاصطناعي يقدم خدماته في الهندسة، يساعد الذكاء الاصطناعي على التصميم والمحاكاة وتحسين الأداء واكتشاف الأعطال، وقد أصبح قادرًا على اقتراح حلول تتجاوز أحيانًا التصورات الأولية للباحث. وهنا لا تعود الآلة مجرد منفذ لأفكار المهندس، بل يمكن أن تصبح طرفًا في عملية توليد البدائل. غير أن كثرة البدائل لا تعني بالضرورة جودة القرار؛ فالاختيار يظل فعلًا إنسانيًا، لأن السؤال ليس فقط: ما الحل الأكثر كفاءة؟ وإنما: أي كفاءة نريد؟ ولأي غاية؟ ولصالح من؟ وهو امر سوف نتركه الى الحوارات التي ممكن تحدث اضافات مفيدة وتوسع من الفائدة المرجوة من هذه المحاضرة.

أما المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي في علوم الفضاء والفلك، فإن حجم البيانات القادمة من التلسكوبات والمراصد الحديثة يجعل الذكاء الاصطناعي أداة شديدة الأهمية في اكتشاف الأنماط وتصنيف الأجرام وتحليل الإشارات وبناء النماذج. هنا تتسع العلاقة بين الإنسان والكون: الإنسان لا يرى الكون مباشرة، وإنما يمر إلى كثير من أسراره عبر أجهزة وبيانات ونماذج، والذكاء الاصطناعي يصبح طبقة جديدة بين الملاحظة والتفسير. فالمهام كبيرة والاحاطة بها ليس بالأمر السهل بل هي كبيرة، ولعل النتائج التي ظهرت اخيرا جعلت المهمة ناجحة وفعالة.

وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية، تبرز إمكانات أخرى أكثر حساسية. يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل ملايين الوثائق، ومقارنة النصوص، وتتبع المفاهيم عبر العصور، واكتشاف الأنماط في الخطاب، والمساعدة في بناء خرائط للمفاهيم والاتجاهات الفكرية. ويمكن للباحث في التاريخ أن يستفيد منه في تنظيم الأرشيفات الضخمة، وللباحث في اللغة أن يستخدمه في تحليل المدونات، وللباحث في الفلسفة أن يستعين به في المقارنة بين المفاهيم والمدارس والنصوص. لكن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا؛ لأنه يتعلق بنا في حقل الفلسفة والعلوم الانسانية، فالآلة قد تساعدنا في قراءة النص، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تأويله. وقد تستطيع مقارنة آلاف الكلمات، لكنها لا تختصر التاريخ الذي جعل الكلمة ممكنة، ولا التجربة الإنسانية التي منحتها معناها. ولذلك فإن الخطر لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في تحويله من أداة توسع أفق الباحث إلى سلطة تُغلق أفقه. وهذا يقودنا إلى قضية التعليم. لقد كان التعليم التقليدي قائمًا إلى حد كبير على امتلاك المعلومة واسترجاعها. أما في عصر الذكاء الاصطناعي فإن قيمة التعليم لا ينبغي أن تقاس بكمية المعلومات التي يستطيع الطالب حفظها، لأن الآلة أصبحت قادرة على استرجاع كم هائل من المعلومات خلال لحظات. ومن ثم ينتقل مركز الثقل من امتلاك الإجابة إلى امتلاك القدرة على السؤال.

وهو امر حيوي ويعود بنا الى اشكال التعليم المطلوب اليوم وهذه ليست مسألة تقنية، بل انقلاب في فلسفة التعليم. فالطالب الذي يسأل سؤالًا جيدًا، ويميز بين الفرضية والحقيقة، ويفحص المصدر، ويكتشف التناقض، ويعرف حدود النموذج، ويستطيع بناء حجة مستقلة، سيكون أكثر قدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي من الطالب الذي يحفظ المعلومات دون أن يعرف كيف يفكر بها.

ومن هنا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي قد يدفع التعليم، إلى العودة إلى جوهره القديم" تكوين العقل لا حشو الذاكرة". غير أن هذا الاحتمال الإيجابي يواجه خطرًا آخر هو الكسل المعرفي. فإذا أصبحت الآلة تكتب وتلخص وتحلل وتقترح، فقد يميل الإنسان إلى تسليمها الوظائف التي كان ينبغي أن تنمي قدرته العقلية. وهنا تظهر مفارقة العصر: الأداة التي يمكن أن تجعل الإنسان أكثر قدرة قد تجعله، إذا أسيء استخدامها، أقل قدرة. اذ كان يحاول جعل الذكاء الاصطناعي ان يقوم بالمهام بدل عنه في الوقت الذي وجدنا به اليوم يستطيع إنسان واحد، بأدوات لم تكن موجودة قبل سنوات، أن ينجز أعمالًا كانت تحتاج سابقًا إلى فريق كامل. ويستطيع الباحث استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل المعرفة والمساعدة في بناء الفرضيات. ويستطيع المهندس تسريع بعض مراحل التصميم. ويستطيع المبرمج بناء أنظمة بصورة أسرع. ويستطيع صاحب المشروع تحليل بياناته واتخاذ قرارات أفضل.لكن الأداة نفسها لا تصنع النهضة وحدها. لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يضاعف القدرة… ولا يمنح صاحبه بالضرورة الأمانة. بمعنى ان الآلة تستطيع أن تختصر الطريق، لكنها لا تضمن أن الإنسان استفاد من الرحلة. ولهذا ينبغي التمييز بين الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والتنازل له عن الفعل العقلي. الأول توسيع للقدرة، أما الثاني فهو إضعاف لها. الأول يجعل الآلة شريكًا في البحث، أما الثاني فيجعل الإنسان تابعًا لنتائجها.

وتظهر المسألة بصورة أوضح في البحث العلمي. فالذكاء الاصطناعي قادر على تسريع مراجعة الأدبيات، وتنظيم البيانات، واقتراح الفرضيات، ومحاكاة السيناريوهات، وتحليل النتائج. لكن العلم لا يتقدم بالسرعة وحدها. إنه يتقدم أيضًا بالشك، والاعتراض، والتجربة، وفشل الفرضيات، والقدرة على القول: ربما نكون مخطئين. بمعنى ان الانسان له دور كبير لايمكن اهماله في سياق صناعة النهضة العلمية والاجتماعي.

ومن هنا فإن مستقبل البحث العلمي لن يكون، على الأرجح، صراعًا بين الإنسان والآلة بقدر ما سيكون إعادة توزيع للأدوار بينهما. الآلة تتفوق في السرعة والحساب ومعالجة الكميات الهائلة من البيانات؛ والإنسان يظل مسؤولًا عن صياغة الغاية، وتحديد قيمة السؤال، وفهم السياق، وتحمّل المسؤولية الأخلاقية عن النتائج.

لكن ثمة اعتراضًا لا يمكن تجاهله: ماذا لو أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر استقلالًا وقدرة؟ ألن يؤدي ذلك إلى تراجع الدور الإنساني؟

ربما يكون هذا السؤال مشروعًا، لكنه يختزل القضية في ثنائية غير دقيقة: إنسان مقابل آلة. المسألة الأعمق ليست من سينتصر، وإنما أي علاقة سنبني بين الطرفين؟

فالإنسان هو الذي يحدد البنية الاجتماعية التي تستخدم فيها التكنولوجيا، وهو الذي يقرر أين توضع الخوارزمية، ومن يمتلكها، ومن يراقبها، ومن يتحمل نتائجها. ولذلك فإن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما في السلطة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. وهو امر سابق على الذكاء الاصطناعي اقصد العلاقة مع الالة فقد ظهرت مباحث كثيرة في هذا الحقل خصوصا مع مدرسة فرانكفورت وما تم تناوله من علاقة مع الاله وهذا الامر نستطيع ان نجعل الذكاء الاصطناعي جزء منه أي انه ليس بالجزء الجديد بل تفرع مهم فقد تكون الخوارزمية محايدة في صيغتها الرياضية، لكن البيانات التي تتعلم منها قد تكون منحازة، والمؤسسة التي تستخدمها قد تكون منحازة، والغاية التي توجهها قد تكون منحازة. ولهذا فإن أخطر سؤال ليس: هل الذكاء الاصطناعي ذكي؟ بل: من يضع له السؤال؟ ومن يملك حق استخدام جوابه؟ وهذا واضح في الاحداث الاخيرة المنطق وما رافقها من توظيف للممكنات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي انه الانسان.

وهنا نصل إلى البعد الأخلاقي. لا يمكن بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي بالاعتماد على الكفاءة التقنية وحدها. فكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا ازدادت الحاجة إلى الأخلاق. إن نظامًا قادرًا على التنبؤ بالسلوك يمكن أن يساعد في حماية المجتمع، لكنه يمكن أيضًا أن يتحول إلى أداة للمراقبة. ونظامًا قادرًا على تحليل المعلومات يمكن أن يساعد الباحث، لكنه يمكن أيضًا أن يسهم في إنتاج التضليل. وأداة قادرة على توليد المحتوى يمكن أن توسع الإبداع، لكنها تستطيع أيضًا أن تجعل الكذب أكثر سرعة وانتشارًا.

لذلك فإن التقدم التقني لا ينبغي أن يقاس فقط بما تستطيع الآلة أن تفعله، بل بما ينبغي لها أن تفعله. وهذه هي النقطة التي ينتقل فيها النقاش من التكنولوجيا إلى الفلسفة. وهو الحق التي ابدع فيه الفلاسفة من تقديم رؤية معمقة للموضوع، وفي نفس السياق تأتي هذه المحاضرة في قسم الفلسفة اذ يمكن لنا التأكيد على ان الذكاء الاصطناعي يكشف أن الإنسان لم يعد يعيش فقط في عالم من الأشياء، وإنما في عالم من الأنظمة الذكية التي تتوسط علاقته بالأشياء وبالآخرين وبالمعرفة نفسها. وهذا يفرض علينا إعادة التفكير في مفاهيم الحقيقة، والسلطة، والمسؤولية، والإبداع، والتعليم، والعمل، وحتى معنى الخبرة الإنسانية.

لكن ايضا ممكن القول ان أعظم أثر للذكاء الاصطناعي أنه يجبر الإنسان على إعادة اكتشاف ما هو إنساني فيه. وهو امر مهم بل حيوي، فحين تستطيع الآلة كتابة نص، نسأل: ما الذي يجعل الكتابة تجربة إنسانية؟ وحين تستطيع تحليل البيانات، نسأل: ما الذي يجعل المعرفة أكثر من مجرد معالجة للمعلومات؟ وحين تستطيع إنتاج صورة أو لحن، نسأل: هل الإبداع مجرد تركيب أم أنه يتضمن تجربة وذاكرة وقصدًا ومعنى؟ وحين تستطيع اقتراح قرار، نسأل: أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟ وهي اسئلة حيوية ومن مهام الفلسفة ومن الضروري مناقشتها ومحاولة استنباتها في حقول وقضايا متنوعة حتى نكون ازاء اجابات تقدم حلول للواقع وتفتح سؤال حول الممكن، وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد موضوع تقني إلى مرآة فلسفية للإنسان. إنه لا يكشف فقط ما تستطيع الآلة أن تفعله، بل يكشف أيضًا ما كنا نظنه حكرًا على الإنسان، وما ينبغي لنا أن نعيد تعريفه.

ولعل المفارقة الأجمل أن التكنولوجيا التي يخشى البعض أن تجعل الإنسان أقل إنسانية يمكن أن تدفعه، إذا أحسن استخدامها، إلى سؤال أكثر عمقًا عن إنسانيته.

إن العصر القادم لن يكون عصر الإنسان الذي يستغني عن الآلة، ولا عصر الآلة التي تستغني عن الإنسان، وإنما عصر العلاقة الجديدة بينهما. وسيكون التفوق الحقيقي للمجتمعات التي لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه آلة لإنتاج الأجوبة فحسب، بل بوصفه أداة لتوسيع مجال السؤال والممكن.

فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون بديلًا عن العقل، بل مجالًا جديدًا لاختبار العقل. ولا ينبغي أن يلغي الباحث، بل أن يمنحه قدرة أكبر على البحث. ولا ينبغي أن يحل محل المعلم، بل أن يدفع التعليم من تلقين المعرفة إلى صناعة القدرة على التفكير.

ولا ينبغي أن يحل محل الإنسان في اتخاذ القرارات الأخلاقية، بل أن يجعل الإنسان أكثر وعيًا بمسؤوليته عنها. وفي النهاية، ليست القضية أن الآلة أصبحت ذكية، وإنما أن الإنسان أصبح مطالبًا بأن يكون أكثر وعيًا بذكائه وحدوده ومسؤوليته.

لقد كان السؤال القديم: ماذا يستطيع الإنسان أن يعرف؟ أما سؤال عصر الذكاء الاصطناعي فيمكن أن يصبح: ماذا يفعل الإنسان بالمعرفة عندما تصبح القدرة على إنتاجها أسرع من قدرته على فهم آثارها؟

وهنا تبدأ المسألة الفلسفية الحقيقية؛ لأن المستقبل لا تصنعه الآلات وحدها، بل تصنعه الطريقة التي يختار بها الإنسان أن يعبر بها من المعرفة إلى الفعل، ومن القدرة إلى المسؤولية، ومن الإمكان التقني إلى الإمكان الإنساني. فالمشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي يفتح أبوابًا كثيرة، وإنما أن علينا أن نتعلم أي باب يستحق العبور.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

من البديهيات العلمية والتي لا تثير نقاشا وجدالا، هي أن العقل البشري متماثل بين البشر.. فالباري عز وجل خلق عقولنا جميعا بطريقة واحدة، وأودع فيها إمكانات وقدرات واحدة.. ولكن وبفعل الثقافة وسبل التنشئة والأعراف والتقاليد والبيئة الاجتماعية التي يعيشها الإنسان أضحى بفعل هذه العوامل، لكل عقل بشري إطار يؤطره ومنظار ينظر من خلاله إلى الكون وشؤون الحياة المختلفة..

لهذا نجد أن بعض القضايا والأمور لدى إنسان أنها عين الصواب، وهي ضرورة الحياة التي لا غنى عنها، ويقابله إنسان آخر يرى عكس هذه الرؤية.. إن هذا الاختلاف والتباين، لا ينم عن اختلاف في العقل، وإنما يكشف عن اختلاف وتباين في العقلية.. وهذه العقلية هي نتاج كل العوامل والشروط الثقافية والاجتماعية التي يخضع إليها الإنسان أو يعيشها.. لأن الأنظمة الاجتماعية والمعايير القيمية الحياتية، تتبدل أو تتراجع أو تتقدم تبعا لتغير المجتمع في أنماط حياته وسلوكه العام..

فالمشاكل والتحولات الاجتماعية التي يعيشها الإنسان الفرد أو الجماعة، هي مشاكل من صنع المجتمع ذاته وطبيعة الثقافة السائدة فيه..

فإذا كانت الثقافة السائدة ترذل قيمة العمل، ولا تحترم الجهد العملي الذي يبذله الإنسان في سبيل تحصيل رزقه أو تطوير أحواله، فإن هذه الثقافة ستقود إلى وقائع اجتماعية وأنماط حياة ومعايير عامة للتفضيل متناغمة وهذه النوعية من الثقافة.. وهكذا نستطيع القول: أن المشاكل الاجتماعية ليست مشاكل عقلية، وإنما هي مشاكل نتاج خيارات المجتمع الثقافية والسلوكية.. ويشير إلى هذه الحقيقة المفكر الراحل (على الوردي) في كتابه (خوارق اللاشعور) بقوله: بأن أصحاب المنطق القديم يعتبرون المشاكل الاجتماعية هي مشاكل عقلية من الممكن حلها عن طريق الوعظ والإرشاد ولا دخل للظروف الاجتماعية فيها.. وكما يقولون إذا أصلحت العقول استقامت الأمور! في حين أن العقل هو نتاج اجتماعي ومن صنع المجتمع والثقافة السائدة فيه، حيث تنمو فيه قدرات الإنسان الذهنية والمعرفية.. فإذا وجدنا أفرادا يمارسون عادات وتقاليد غير صحيحة فلا يكفي لإصلاحهم أن ندعوهم إلى التفكير السليم، لأنهم يعتقدون بأن ما اعتادوا عليه هو الصحيح وما يعتقد به الآخرون فهو خطأ.. ولذلك يميلون إلى الاعتداء على من يخالفهم في رأي أو عقيدة، وهذا هو شكل من أشكال التعصب العقلاني..

والذي يزيد هذه الحالة انتشارا وشيوعا في مجتمعاتنا، هو نزعة الإنسان لتعميم قناعاته واستخدام في بعض الأحيان وسائل قسرية لتعميم أفكاره وقناعاته..

مما يفضي إلى صراعات وصدامات من جراء هذه النزعة والسعي الحثيث لخلق التماثل والتطابق بين قناعات الآخرين وقناعات الممارس لهذه النزعة.. ولعل هذا هو الذي يفسر لنا اختلاف الأولويات والضروريات لدى الناس، حتى لو عاشوا في بيئة اجتماعية وثقافية واحدة.. فما هو ضروري لدي، ليس بالضرورة هو الضروري لدى الآخر..

وما يستحق التضحية لدي، ليس بالضرورة هو الذي يستحق التضحية لدى الآخر.. إن هذا الاختلاف والتباين، ليس وليد العقل الذي أودعه الباري عز وجل فينا، وإنما هو نتاج نوعية الثقافة وطبيعة الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع..

لهذا فإن عملية التغيير والإصلاح، لا تتم إلا بإصلاح الثقافة التي تحدد للإنسان منظارا ينظر من خلاله لشؤون حياته المختلفة.. وإن تغيير هذه الثقافة، لا يتم بالوعظ والإرشاد المجرد، وإنما يتطلب تغيير وقائع الحياة التي تعزز هذه القناعة لدى الإنسان..

ولعل هذا التغيير الذي يحدثه الإنسان في ثقافته ومنظومته القيمية كمدخل لإحداث التغيير في الحياة الاجتماعية والسياسية، هو ما تشير إليه الآية القرآنية الكريمة (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فلكل إنسان حقيقته الخاصة، واستخدام القسر والقوة العارية لتعميم هذه الحقيقة، لا يفضي إلا إلى تشبث الناس بحقائقهم الخاصة، وضمور النزعة التواصلية، التي تبحث عن المساحات المشتركة وتثري واقع الحياة من روافد متعددة ومتنوعة..

وبفعل هذه الحالة تبرز في حياة الفرد والمجتمع حالة المفارقات على مستوى القيم والسلوك.. فالقيم العامة تدعو إلى الجد والاجتهاد والمثابرة، ولكن واقع الإنسان يعيش الدعة والكسل.. والقيم تدعو إلى الترفع عن الأصول الترابية من عائلية وعشائرية وقبلية والواقع الاجتماعي يندفع بشكل أو بآخر نحو هذه الأصول والانتماءات..

وتستمر هذه المفارقات، وتخترق كل جوانب الحياة الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. فباسم الوحدة نمارس وننتج القيم المضادة لها.. وباسم العدالة نؤسس للظلم المستديم في دوائر الحياة المختلفة.. وباسم قوامة الرجل على المرأة، يمارس أقسى أنواع العسف والظلم بحق المرأة.. وهكذا دواليك..

وستستمر هذه المفارقات في حياتنا العامة، ما دام التغيير الذاتي لم يتحقق لدى الإنسان..

من هنا فإن حجر الأساس في مشروع تحقيق التقدم النوعي في أي مجتمع، حينما تتسع دائرة الناس القادرين على تغيير ذواتهم وصياغتها وفق قيم العلم والعمل والحرية والعدالة.. ودون ذلك ستبقى كل هذه التطلعات بعيدة المنال وصعبة التحقيق.. والسبب في ذلك هو أن الإنسان لا يستطيع أن يمارس حريته ويحافظ عليها، وهو خاضع لحاجاته وأهواءه، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يستفيد من علمه حق الاستفادة وهو يعيش الأغلال والأحقاد.. فكل القيم الفاضلة والنبيلة، لا يمكن أن تتحقق في واقع الإنسان الفرد والمجتمع، بدون تغيير الذات وتنقيتها من شوائب الأثرة والأنانية، وضبطها عن نزعات التسلط والطغيان.. وإن التغيير الذاتي هو الذي ينهي المفارقة بين القبول والفعل، وبحيث تبقى أفعالنا منسجمة مع أقوالنا، وسلوكنا الخاص والعام متناغما مع قيمنا العامة.. وبه تنتهي الثنائية والازدواجية بين الحياة الحقيقية التي يمارس الإنسان فيها ما يحلو له، وبين الحياة الظاهرية، التي يراعي فيها الإنسان اللياقة والآداب العامة.. بحيث تصبح حياتنا سوية – مستقيمة، بدون ازدواجية وثنائية وانفصام.. كما أن التغيير الذاتي هو الذي يوفر القاعدة النفسية والعقلية، لكي يمارس الإنسان دوره التاريخي في البناء والتنمية والعمران..

***

محمد محفوظ

لم تكن الصحافة مجرد أوراق تُطبع بالحبر وتوزَّع على القراء، بل كانت واحدة من أهم التحولات التي غيّرت علاقة الإنسان بالمعلومة والسلطة والمجتمع. فمنذ أن بدأ البشر يتبادلون الأخبار عن الحروب والملوك والكوارث والأسواق، ظل السؤال قائماً: كيف يمكن نقل الخبر إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وبطريقة منتظمة وسريعة؟ ومن هذا السؤال الطويل ولدت الصحافة، التي عاشت قروناً من التطور حتى وصلت اليوم إلى الهاتف والشاشة والمنصات الرقمية.

من الأخبار المكتوبة إلى الجريدة المطبوعة

تعود جذور نقل الأخبار إلى عصور قديمة. ففي روما ظهرت لوحات إخبارية حكومية عُرفت باسم«أكتا ديورنا» ، كانت تسجل بعض الأحداث السياسية والاجتماعية اليومية، لكنها لم تكن صحيفة بالمعنى الحديث. وفي أوروبا خلال العصور الوسطى ظهرت نشرات مكتوبة بخط اليد، كان التجار وغيرهم يتداولونها، وغالباً ما كانت تتناول حدثاً واحداً مثل معركة أو كارثة أو مناسبة عامة. ومن الأمثلة المبكرة روايات شاهد عيان عن معركة«فلودن»  سنة 1513.

ومع ازدياد الحاجة إلى الأخبار، برزت في البندقية خلال القرن السادس عشر منشورات أسبوعية حملت أخبار الحروب والسياسة في إيطاليا وأوروبا. وكانت هذه المنشورات خطوة مهمة نحو ظهور الصحيفة الحديثة، لأنها اتسمت بالتكرار والانتظام ووصلت إلى جمهور أوسع من الأخبار المكتوبة باليد.

لكن التحول الحقيقي جاء مع اختراع الطباعة. فقد أدى انتشار تقنية الطباعة إلى جعل إنتاج النصوص أسرع وأكثر قدرة على الوصول إلى أعداد كبيرة من القراء. وفي هذا السياق، يُنسب إلى الألماني (يوهان كارولوس) إصدار أول صحيفة مطبوعة في العالم بمدينة ستراسبورغ عام 1605، تحت اسم

 «Relation aller Fürnemmen und gedenckwürdigen Historien».

 وكان كارولوس قد بدأ بإعداد نشرات إخبارية بخط اليد، ثم انتقل إلى طباعتها بعد ارتفاع الطلب عليها.

أوروبا تكتشف قوة الخبر

خلال القرن السابع عشر بدأت الصحف تنتشر في عدد من المدن الأوروبية. ظهرت منشورات في هولندا وألمانيا وبولندا وإنجلترا وفرنسا، وأصبحت الصحيفة تدريجياً وسيلة منتظمة لجمع الأخبار من مصادر مختلفة.

وفي أمستردام ظهرت منشورات إخبارية اعتمدت على الأخبار الأجنبية والترجمات، بينما ظهرت في فرنسا سنة 1631 صحيفة«لا غازيت» ، التي ارتبط اسمها بالصحافة الفرنسية المبكرة. وفي البرتغال ظهرت الصحافة المطبوعة سنة 1641، ثم ظهرت الصحافة الإسبانية في القرن نفسه. كما شهدت السويد ظهور صحيفة سنة 1645، وهي من أقدم الصحف التي استمرت، وإن كانت اليوم تعمل إلكترونياً فقط.

ولم تكن الصحافة في بداياتها حرة كما نعرفها اليوم. فقد كانت الحكومات تفرض الرقابة على الصحف، وكانت بعض المطبوعات تركز على الأخبار الخارجية وأسعار السلع، وتتجنب انتقاد السلطة. لكن تخفيف الرقابة، خصوصاً في إنجلترا سنة 1695، فتح الباب أمام ازدهار الصحف في لندن وغيرها.

الصحافة والأدب.. علاقة بدأت ثم تحولت

في بداياتها كانت الصحافة قريبة جداً من الأدب. فقد تبادلت الصحف مع الأدباء المقالات والقصص والخاطرات والتأملات والمواد الثقافية. وكان (دانييل ديفو) من أبرز الشخصيات التي جسدت هذا التداخل؛ فقد مارس الصحافة وكتب الأدب في الوقت نفسه، وكان من أوائل من اهتموا بأخبار الأسواق والحوادث والجرائم والرياضة والنقد الأدبي والمسرحي.

ولم يكن ديفو صحفياً فقط، بل كان صاحب الرواية الشهيرة«روبنسون كروزو» ، وهو ما يكشف طبيعة العلاقة المبكرة بين الصحافة والأدب. ومع مرور الزمن بدأت الصحافة تبني هويتها الخاصة، فلم تعد موجهة إلى النخبة الأدبية وحدها، وإنما أصبحت وسيلة جماهيرية تخاطب شرائح المجتمع المختلفة.

ومع ذلك لم تنقطع العلاقة بين الصحافة والأدب تماماً. فقد ظهرت لاحقاً اتجاهات مثل: الصحافة الجديدة والصحافة الأدبية، التي استخدمت الأساليب الأدبية في كتابة التحقيقات والريبورتاجات، وبرز فيها كتاب مثل (توم وولف) و(ترومان كابوتي) و(غابرييل غارسيا ماركيز).

عندما أصبحت الصحافة سلطة

مع تطور المجتمع والصناعة والتكنولوجيا، لم تعد الصحيفة مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت قوة سياسية واجتماعية مؤثرة. فقد ساهمت الثورات والحروب والتحولات الكبرى في زيادة أهمية الصحافة، وكانت الثورة الفرنسية عام 1789 إحدى المحطات التي كشفت بوضوح قدرتها على التأثير في الرأي العام.

ثم جاءت الحروب النابليونية والحربان العالميتان والحرب الباردة، لتصبح الصحافة جزءاً أساسياً من الصراع السياسي والإعلامي. وفي المقابل، أثبت الصحفيون أن الصحافة تستطيع كشف الفساد ومواجهة أصحاب النفوذ. ومن أشهر الأمثلة تحقيقات (كارل برنستين) و(بوب وودورد) في صحيفة«واشنطن بوست» التي ارتبطت بفضيحة ووترغيت وأسهمت في إسقاط الرئيس الأميركي (ريتشارد نيكسون).

لكن هذا الوجه المشرق لم يمنع وجود وجه آخر مظلم؛ فقد استخدمت بعض الصحف الدعاية والتضليل، وحرضت ضد أقليات وشعوب، وتبنت خطاباً عنصرياً، أو تحولت إلى أدوات بيد الحكام والأنظمة السياسية. وهكذا ظلت الصحافة سلاحاً ذا حدين: يمكن أن تكون صوتاً للحقيقة، كما يمكن أن تتحول إلى أداة للتلاعب بالرأي العام.

الصحافة العربية.. بداية متأخرة ومسيرة حافلة

وصلت الصحافة الحديثة إلى العالم العربي في سياق التحولات السياسية والثقافية التي شهدتها المنطقة. وكانت مصر من أهم مراكز انطلاق الصحافة العربية، إذ ظهرت«الوقائع المصرية» سنة 1828 في عهد (محمد علي)، واستمرت لعقود، وتولى تحريرها عدد من الشخصيات الفكرية والسياسية البارزة، كما صدرت بالعربية والتركية.

وفي لبنان ظهرت الصحافة السياسية في بيروت خلال القرن التاسع عشر، ومن أبرز محطاتها جريدة«حديقة الأخبار» التي أسسها (خليل الخوري) سنة 1858. أما تونس فشهدت ظهور«الرائد التونسي» سنة 1860، وكان من أهدافها نشر التنوير والإصلاح. وفي مناطق عربية أخرى أخذت الصحافة تتوسع تدريجياً، حتى أصبحت الصحيفة جزءاً من الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية.

كما تطورت المصطلحات التي تصف هذه المهنة، فاستُخدمت كلمات مثل: «جورنال» و«صحيفة» و«جريدة» و«صحافة»، وهي ألفاظ أصبحت مرتبطة بمهنة نقل الأخبار وصناعة الرأي العام.

الثورة الصناعية تصنع العصر الذهبي للصحافة

كان القرن التاسع عشر مرحلة ذهبية للصحافة الورقية. فقد ساعدت المطابع الحديثة والورق الأرخص والآلات الجديدة والسكك الحديدية والتلغراف على إنتاج الصحف بكميات أكبر ونقلها إلى مسافات أبعد.

وفي الولايات المتحدة، ارتفع عدد الصحف بصورة كبيرة، وظهرت صحف جماهيرية بأسعار منخفضة، بينما أصبحت المنافسة بين المؤسسات الصحفية أكثر شدة. وفي منتصف القرن التاسع عشر وصل عدد الصحف اليومية والأسبوعية إلى أرقام كبيرة، ثم ظهرت وكالات الأنباء مثل«أسوشيتد برس» ، وأسهمت خدمات الأخبار الدولية في تغيير طريقة جمع المعلومات وتوزيعها.

ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت صحافة جماهيرية ضخمة، لكن المنافسة الشديدة أدت أحياناً إلى ما عُرف بـ«الصحافة الصفراء»، التي اعتمدت الإثارة والمبالغة من أجل جذب أكبر عدد من القراء.

من ملايين النسخ إلى شاشة الهاتف

بلغت الصحافة الورقية ذروة انتشارها خلال القرن العشرين. تحولت الصحف من منشورات صغيرة إلى مؤسسات ضخمة تضم عشرات الصفحات والأقسام السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية والاجتماعية. ووصل توزيع بعض الصحف إلى ملايين النسخ، وأصبحت مؤسسات مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«الغارديان» و«التايمز» وغيرها علامات بارزة في عالم الإعلام.

لكن التكنولوجيا التي ساعدت الصحافة على الانتشار كانت نفسها التي وضعتها أمام أكبر تحدٍّ في تاريخها. ففي بداية القرن الحادي والعشرين بدأت الصحف الكبرى بإطلاق مواقعها الإلكترونية، وانتقل جزء كبير من الجمهور من الورق إلى الإنترنت. وأصبح الخبر يصل إلى القارئ خلال ثوانٍ، من دون انتظار الطباعة أو التوزيع.

وهنا بدأت رحلة الصحافة الورقية نحو التراجع. لم يعد القارئ مضطراً إلى شراء صحيفة في الصباح لمعرفة ما حدث في العالم؛ فالهاتف أصبح صحيفة ومذياعاً وشاشة أخبار في آن واحد. ومع ذلك، لم تختفِ الصحافة، بل تغير شكلها ووسائلها.

الصحافة لا تموت.. بل تتغير

إن تاريخ الصحافة هو في الحقيقة تاريخ تطور الإنسان في بحثه عن المعرفة. بدأت بخبر مكتوب باليد، ثم تحولت إلى نشرة مطبوعة، ثم إلى جريدة يومية، ثم إلى مؤسسة إعلامية ضخمة، وأخيراً إلى منصة رقمية تصل إلى العالم كله.

قد تختفي الورقة تدريجياً من أيدي القراء، وقد تتراجع المطابع والتوزيع التقليدي، لكن الحاجة إلى الخبر والتحليل والتحقيق والرأي لن تختفي. فالإنسان سيبقى بحاجة إلى من يبحث عن الحقيقة، ويتحقق من المعلومات، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويحاسب أصحاب السلطة.

ولهذا فإن مستقبل الصحافة لا يتعلق ببقاء الورق بقدر ما يتعلق ببقاء جوهر المهنة: الحقيقة، والتحقق، والمسؤولية، وحرية التعبير. فالصحافة التي بدأت قبل قرون بورقة بسيطة استطاعت أن تصبح واحدة من أقوى أدوات تشكيل الوعي الإنساني، وربما يكون انتقالها من الورق إلى العالم الرقمي مجرد فصل جديد في قصة طويلة لم تنتهِ بعد.

***

رمزي ميركاني

والحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نصنعه

يعد خط الزمن من المفاهيم التي تستوقف الإنسان عندما يتأمل حياته وما مر به من أحداث وتجارب وما ينتظره من أيام قادمة؛ فالإنسان لا يعيش لحظته الحاضرة منفصلًا عن ماضيه، ولا يستطيع أن ينظر إلى مستقبله دون أن يحمل معه شيئاً من تجاربه السابقة. ولذلك فإن علاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل تشكل معلماً مهماً من طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الحياة وتعاملنا مع ما نواجهه من أحداث ومواقف. وأشخاص فالإنسان قد يجعل من الزمن مصدراً للقوة إذا أحسن التعامل معه واستافد من جوانب مهمة في حياته المهنية والاجتماعية والشخصية، وقد يجعله مصدراً للألم والتعب والإرهاق إذا بقي أسيراً مكبلاً لما مضى أو مرعوباً وخائفاً مما سيأتي من القادم في المستقبل الذي ينتظره.

وقد تناول عدد من المتخصصين مفهوم خط الزمن في مؤلفات وتطبيقات مختلفة منهم الذي اكتشفه (تاد جيمس) وكتب فيه أيضاً (عبد الناصر الزهراني، ووايت وود سمول)، لما لهذا المفهوم من أهمية في فهم الطريقة التي يستحضر بها الإنسان ماضيه، ويعيش بها حاضره، ويتطلع بها إلى مستقبله. غير أن الأهم من فهم خط الزمن هو أن ندرك كيف يمكن أن نجعل علاقتنا بالزمن أكثر وعياً وتوازناً وحكمة؛ فنأخذ من الماضي خبرته ونتعلم ما نجحنا فيه ونتفادى ما أخطأنا فيه وفشلنا في تحقيقه لنأخذ العظات والدروس والعبر، ومن الحاضر فرصته لنعمل ونجتهد ونوظف قدراتنا وطاقاتنا بأفضل طريقة وصورة نستطع أن نستخرج ما نملكه ونوظفه في عملنا وحياتنا وظروف معيشتنا، ومن المستقبل رؤيته والحلم الذي نخطط له ونهدف الوصول إلى أهدافه، بدل أن يتحول الماضي إلى حزن وكآبة، والحاضر إلى عجز وضعف وهوان، والمستقبل إلى خوف ورعب وقلق دائم يسجننا في أوهامنا وهواجسنا التي نكبل طاقاتنا.

إن الماضي يمثل جزءاً أصيلاً من حياتنا؛ ففيه تجاربنا الأولى، ونجاحاتنا وإخفاقاتنا، وأفراحنا وأحزاننا، ومواقف القوة والضعف، والقرارات التي أصبنا فيها والقرارات التي أخطأنا ارتكبناها، وكل ما مررنا به من أحداث تركت أثراً في شخصياتنا وطريقة تفكيرنا ومشاعرنا. لكن الماضي لا ينبغي أن يكون مكاناً نقيم فيه، وإنما مدرسة نتعلم منها؛ لأن الإنسان الذي يعود إلى ماضيه بهدف التعلم يزداد خبرة ووعياً، أما الذي يعود إليه كل يوم ليعيد الحزن والندم والخذلان والإحباط، فإنه يسمح للماضي بأن يستنزف قواه وحاضره ويضعف قدرته على التقدم والاستمرارية.

ولذلك فإن الحكمة ليست في أن ننسى الماضي أو ننكر ما حدث فيه، وإنما في أن نأخذ منه الدرس ونترك الألم، وأن نستفيد من التجربة دون أن نبقى أسرى لها. فالفشل الذي مررنا به يمكن أن يتحول إلى خبرة، والخسارة يمكن أن تعلمنا كيف نحسن الاختيار، والخذلان يمكن أن يجعلنا أكثر وعياً بعلاقاتنا، والألم يمكن أن يمنحنا قدرة أكبر على فهم أنفسنا والآخرين وتجاوز محطات كانت تمثل ثقلاً وإخفاقاً لنا. وقد يمر الإنسان بتجربة يظن في لحظتها أنها نهاية الطريق، ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت درساً غير طريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة.

ومن هنا يأتي التوجيه القرآني العظيم: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: 23)، فليس المقصود أن يفقد الإنسان مشاعره تجاه ما يحدث له، وإنما ألا يسمح لما مضى أن يسيطر على حاضره، وألا يجعل ما فقده سبباً دائماً للندم والحسرة والانكسار الدائم الذي يزلزل كيانه ويضعف قواه. فالأيام تمضي، والأحداث تتغير، والإنسان ينضج ويعي، وما كان بالأمس مصدراً للألم قد يصبح اليوم مصدراً للأمل والحكمة والفائدة المرجوة.

والمشكلة تبدأ عندما يتحول الماضي من مصدر للخبرة إلى مصدر دائم للإحباط واليأس والحزن، فيظل الإنسان يستعيد المواقف القديمة وكأنها تحدث أمامه من جديد، ويتذكر الكلمات التي آلمته، والفرص التي ضاعت منه، والأشخاص الذين خذلوه، والأوقات التي شعر فيها بالعجز أو الضعف، ثم يبني على تلك الذكريات حكماً قاسياً على حاضره ومستقبله. وهنا يصبح الماضي عبئاً نفسياً ثقيلاً، بدل أن يكون تجربة نتعلم منها ونستخلص منها ما فشلنا به ونحوله لنجاحات تترى وتتوالى علينا.

أما الحاضر فهو المساحة الحقيقية التي يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها ويصنع شيئاً مميزاً ومختلفاً؛ فهو اللحظة التي نملك فيها القدرة على التفكير والاختيار والعمل والتغيير. ولذلك فإن خسارة الحاضر بسبب الانشغال المفرط بالماضي أو الخوف المستمر من المستقبل، تعني أن الإنسان يفقد المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها أن يفعل شيئاً ويحدث شرخاً في ما أستطاع الوصول إليه حتى يتمكن منه ويحققه.

وقد يعيش الإنسان بين ماض يرهقه ويحزنه ومستقبل يخيفه ويرعبه، فلا يجد في حاضره إلا الملل وقلة الحيلة؛ لأنه لا يستطيع أن يغير ما مضى، ولا يعرف كيف يستعد لما سيأتي من القادم من اليام حوله، فيظل واقفاً ومتجمداً في مكانه، يراقب حياته وهي تمضي دون أن يشارك في صناعتها. وتغييرها. وهنا تأتي أهمية أن يدرك الإنسان أن التغيير لا يبدأ غداً، وإنما يبدأ من هذه اللحظة، وأن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه على نفسه ليس فقط: ماذا حدث لي؟ ولا: ماذا سيحدث لي؟ وإنما: ماذا أستطيع أن أفعل الآن وأقوم بتغييره نحو الأفضل والأحسن؟

ومن هنا تظهر قيمة الرفض وعدم التسليم. فالإنسان الذي يريد أن يصنع تغييراً في حياته يحتاج إلى أن يرفض الاستسلام للظروف، لا أن ينكرها، وأن يرفض أن يجعل الفشل نهاية الطريق، وأن يرفض أن يجعل الألم هوية، وأن يرفض أن يصدق أن ما حدث في الماضي يجب أن يتكرر في المستقبل.

فالرفض الإيجابي لا يعني إنكار الواقع، وإنما يعني أن أقول: نعم، هناك صعوبة، ولكنني سأبحث عن الحل؛ نعم، حدث فشل، ولكنني سأتعلم منه؛ نعم، تعرضت للخذلان، ولكنني لن أسمح له بأن يدمر ثقتي بنفسي والحياة من حولي؛ نعم، تأخرت في بعض الأمور، ولكن ما زالت أمامي فرصة لأبدأ من جديد وأستعيد قوتي وقدراتي للعمل.

وهذا المعنى يلتقي بوضوح مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فالتغيير لا يبدأ دائماً من تغير الظروف، وإنما قد يبدأ من تغير الإنسان نفسه؛ من طريقة تفكيره، وتعديل مشاعره التي تدعمه وتدفعه للإعمال الصالحة والسليمة ويتخذ قرارات ملائمة، ومن نظرته إلى ما يواجهه، ومن استعداده للتحرك بدل الانتظار والتحسر على ما فات.

غير أن الرفض وعدم التسليم وحدهما لا يكفيان، فالرغبة في التغيير تحتاج إلى أخذ بالأسباب؛ لأن الأمنيات مهما كانت جميلة لا تصنع حاضراً إيجابياً ولا مستقبلًا مشرقاً ما لم تتحول إلى عمل، والأهداف لا تتحقق بمجرد التفكير فيها، وإنما تحتاج إلى تخطيط وتعلم ومثابرة واستمرار. فالإنسان الذي يريد أن ينجح في عمله عليه أن يطور نفسه، والذي يريد أن يحقق هدفاً عليه أن يحدد خطواته، والذي يريد أن يغير واقعه عليه أن يبدأ بما يستطيع فعله.

وهنا يأتي الحديث النبوي العظيم الذي يمكن أن يكون قاعدة لهذا المعنى كله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز” رواه مسلم”. فالمؤمن لا يقف عند حدود التمني، ولا يستسلم للعجز، وإنما يبحث عما ينفعه، ويأخذ بالأسباب، ويستعين بالله.

وهكذا يصبح الأخذ بالأسباب هو الجسر الذي يصل بين الرغبة والنتيجة، وبين الحلم والإنجاز. وقد لا يملك الإنسان القدرة على التحكم في جميع الظروف المحيطة به، لكنه يستطيع أن يحدد إلى حد كبير كيف يستجيب لها، وما الذي يتعلمه منها، وما الخطوة التي يمكن أن يقوم بها في ظلها.

أما المستقبل فهو المساحة التي لم نعشها بعد، ولهذا فإنه قد يصبح في أذهان بعض الناس مصدراً للخوف والقلق والحزن والفزع. يبدأ الإنسان في معاناة أحداث لم تقع بعد، ويتخيل أسوأ الاحتمالات، ويضخم التحديات والصعوبات بشكل أكبر مما هي عليه واقعاً وحقيقة ويستهلك طاقته في سؤال: ماذا سيحدث؟ وماذا لو فشلت؟ وماذا لو تغيرت الظروف؟ وماذا لو لم أستطع أن أفعل كذا وكذا؟ وبذلك يعيش المستقبل قبل أن يأتي ويهول الأحداث قبل أن تكون واقعاً معاشاً، ويخسر حاضره بسبب خوفه وجزعه من غده.

وهنا نستحضر قول الله تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30). وتأمل هذا التعبير العظيم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾؛ فالخوف يرتبط غالباً بما هو آت وما لم يحدث بعد، بينما الحزن يرتبط بما مضى وفات ومات. وكأن الإنسان بين زمنين قد يستهلكان طاقته: ماض يحزنه ومستقبل يخيفه، بينما الحاضر هو المساحة التي يستطيع فيها أن يعمل ويغير ويصنع المجد والأثر.

ومن هنا يمكن أنا القول: الحزن على الماضي لا يعيد ماضيه، بل يخسر نفسه هماً غماً، والخوف من المستقبل لا يصنع له حلماً ولا رؤية تسره وتسعد كيانه، أما الحاضر فهو المساحة التي تستطيع أن تفعل فيها شيئاً إيجابياً يصحح مسار الماضي ويحسن من صورة المستقبل التليد.

وهذا لا يعني أن الإنسان لا يحزن ولا يخاف؛ فالحزن والخوف مشاعر إنسانية طبيعية يتعرض لها كل إنسان مهما علت رتبه أو قلت مناصبه، وإنما المقصود ألا يتحولا إلى حالة من الضعف والهوان تستولي على الإنسان وتمنعه من الحياة والعمل وتحرمه من النجاح والتوفيق. فالإنسان الواعي لا ينكر حزنه، ولكنه لا يسكن فيه، ولا يديم يأسه حتى لا يسجنه ويكبله ولا ينكر خوفه، ولكنه لا يسمح له بأن يقوده. إلى الهلع والجزع. بل يتعامل مع الماضي بالتعلم وأستخلاص ما بقي من الدروس التي تقوي عزيمته وتصحح مساره، ومع المستقبل بالاستعداد والتهيء، ومع الحاضر بالفعل والعلم الدؤوب والمتواصل.

ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث نفسه: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل » رواه مسلم. فهذه التربية النبوية تمنع الإنسان من الغرق في «لو» التي تعيد الماضي بصورة مؤلمة، وتدفعه إلى قبول ما وقع، والتعلم منه، ثم مواصلة الطريق غير آبه بما حصل له.

أما المستقبل فلا ينبغي أن يكون مساحة للفزع والخور، وإنما مساحة للاستعداد وتقوية النفس لمواجهة الحياة بكا صنوفها بقوة وبأس؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعرف كل ما سيحدث غداً، لكنه يستطيع أن يطور نفسه اليوم، ويستعد للفرص والتحديات، ويضع أهدافه، ويخطط لخطواته، ويأخذ بالأسباب التي تساعده على الوصول إلى ما يريد.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذا المعنى بوضوح حين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18). فالمستقبل هنا ليس مصدراً للهلع، وإنما دعوة إلى النظر والاستعداد والعمل: ماذا قدمت لغد؟ ماذا أعددت؟ ماذا تعلمت؟ ماذا أصلحت؟ وما الأثر الذي أريد أن أتركه؟

ومن هنا يمكن أن نفهم ذلك القول الذي يختصر كثيراً من معاني خط الزمن: إذا امتلكنا الرفض وعدم التسليم والأخذ بالأسباب، فلن يكون الماضي مجرد حزن واكتئاب وإحباط ويأس، ولن يكون الحاضر مللاً وقلة حيلة، ولن يكون المستقبل خوفاً وقلقاً وحزناً وفزعاً؛ بل يمكن أن يتحول الماضي إلى خبرة، والحاضر إلى فرصة، والمستقبل إلى رؤية وأمل.

وهذه الرؤية تجعل الإنسان أكثر قدرة على إعادة ترتيب علاقته بالزمن؛ فبدل أن ينظر إلى الماضي باعتباره سلسلة من الخسارات والفشل، يبدأ في البحث عن الدروس التي تركتها تلك التجارب، وبدل أن ينظر إلى الحاضر باعتباره واقعاً مفروضاً لا يستطيع تغييره، يبدأ في اكتشاف المساحات التي يستطيع أن يتحرك فيها، وبدل أن ينظر إلى المستقبل باعتباره مجهولاً مخيفاً، يبدأ في التعامل معه باعتباره مساحة تحتاج إلى رؤية واستعداد وعمل.

إن الإنسان لا يستطيع أن يعود إلى الأمس ليغير ما حدث، لكنه يستطيع أن يغير طريقة تعامله مع ما حدث، ولا يستطيع أن يعيش الغد اليوم، لكنه يستطيع أن يستعد له، أما اليوم فهو المساحة التي بين يديه. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يأخذ من الماضي حكمته لا أحزانه، ومن الحاضر فرصته لا عجزه، ومن المستقبل رؤيته لا مخاوفه.

وكم من تجربة مؤلمة تحولت مع مرور الوقت إلى درس ثمين، وكم من فشل كان بداية لنجاح جديد، وكم من شخص ظن أن الطريق انتهى به ثم اكتشف أن ما ظنه نهاية لم يكن إلا بداية لطريق آخر أكثر وعياً ونضجاً وقد قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5–6)، لتبقى في قلب الإنسان مساحة للأمل حتى في أشد لحظات العسر والشدة.

إن خط الزمن في حياتنا ليس مجرد انتقال من أمس إلى اليوم ومن اليوم إلى الغد، وإنما هو رحلة وعي نتعلم فيها كيف نقرأ ما مضى ونعتبره قاموس ودليل ومرشد لنا، وكيف نعيش ما هو حاضر ونستمتع بالرحلة بعد أن ننهمك في الوصول، وكيف نستعد لما هو قادم. والماضي مهما كان مؤلماً وقاسياً لا ينبغي أن يكون سجناً ومحبساً لنا، والحاضر مهما كان صعباً لا ينبغي أن يكون مساحة للاستسلام والتثبيط، والمستقبل مهما كان غامضاَ ومظلماً لا ينبغي أن يكون سبباً للفزع والسوادوية.

لقد مضى ما مضى، ولا نستطيع تغييره، لكننا نستطيع أن نتعلم منه ويكون بوصلة لنا. وهذا يومنا، ونستطيع أن نستثمره. وهذا مستقبلنا، ونستطيع أن نستعد له. وبين الماضي والمستقبل تقف لحظة الحاضر، وهي اللحظة التي نملك فيها القدرة على القرار والعمل.

ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن نقوله لأنفسنا ونحن ننظر إلى خط الزمن هو: لقد مضى ما مضى، وسأتعلم منه بدل أن أبقى أسيراً له، وهذا يومي وسأستثمره بدل أن أهدره، وهذا مستقبلي وسأستعد له بدل أن أخاف منه.

فالماضي ليس نهاية قصتنا، والحاضر ليس عجزنا، والمستقبل ليس خوفنا، وإنما الماضي خبرتنا، والحاضر مسؤوليتنا، والمستقبل رؤيتنا.

وقد لا نستطيع أن نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نتعامل معه، وقد لا نستطيع أن نغير اتجاه الرياح، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوجه شراعنا، وقد لا نستطيع أن نعود إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نقرر من هذه اللحظة إلى أين نريد أن نمضي.

وعندما نرفض الاستسلام، ونأخذ بالأسباب، ونعيش الحاضر بوعي، وننظر إلى المستقبل برؤية وأمل، ونستعين بالله، يصبح الزمن الذي كان يمكن أن يكون مصدراً للحزن والقلق مجالاً للتعلم والنمو والإنجاز.

فلا تجعل الماضي يسكنك في الحزن، ولا تجعل المستقبل يسكنك في الخوف؛ خذ من الماضي درسه، ومن الحاضر فرصته، ومن المستقبل أمله. فما مضى لا يعود، وما سيأتي لم يأتِ، أما هذه اللحظة فهي حياتك التي بين يديك.

الماضي للتعلم، والحاضر للعمل، والمستقبل للاستعداد؛ فلا تحزن على ما مضى، ولا تخف مما لم يأتِ، وعش يومك مستعيناً بالله، آخذاً بالأسباب، مؤمناً بأن مع العسر يسراً.

***

د. أكرم عثمان

27-9-2026

ليست أخطر أزمات التدين أن يخطئ الإنسان في فهم مسألة ما، ولا أن يضيق أفقه في باب من أبواب المعرفة؛ فخطأ الفهم من طبيعة الإنسان، وضيق الأفق قابل للتوسعة بالتعلم والتجربة ومراجعة النفس والتقويم.. وإنما تبدأ الأزمة الحقيقية حين يتحول جهل الإنسان إلى يقين مطلق، وظنه إلى حكم ثابت؛ يدعوه إلى تحويل الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى تفسيق أو تبديع أو تخوين، ثم ينتهي الأمر به إلى امتلاك مفاتيح الجنة والنار في الوعي الشخصي.. وعندها لا يصبح الدين -في نظره القاصر- حقيقة لبناء الإنسان؛ بل يصبح أداةً للحكم على الإنسان ومحاكمته وإرهابه!

ومن هنا يمكن النظر إلى أنماط متعددة من التفكير المنحرف أو المتشدد أو اللا أخلاقي أو الجاهل أو غير الواعي أو عديم الفقه أو ذي النظرة القاصرة الضيّقة.. على اختلاف صورها ومظاهرها، باعتبارها تلتقي أحيانًا عند دافع معرفي واحد؛ ألا وهو التشكيك الجهلي؛ وهو ذلك التشكيك الذي لا ينشأ عن بحث علمي، ولا عن سؤال معرفي نزيه، وإنما عن تصور مسبق يجعل المختلف موضع ريبة قبل أن يكون موضع فهم، فيسأل صاحبه: "كيف يمكن أن يكون على حق؟" قبل أن يسأل: "ماذا يقصد؟ وما دليله؟ وما سياقه؟ وما مدى دلالة كلامه؟".

وهنا يقع الانحراف الأصولي قبل أن يقع الانحراف الفقهي؛ لأن من أبجديات النظر المنهجي أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فمن لم يتصور كلام الآخر تصورًا صحيحًا، ولا عرف مقصده، ولا أحاط بسياقه، ثم أصدر عليه حكمًا، فإن حكمه لا يستند إلى العلم، ولو أكثر من الاستشهاد بالنصوص، فالنص الصحيح لا ينقذ دائمًا من سوء التنزيل، كما أن كثرة المحفوظات لا تعني بالضرورة سلامة الفهم لها.

إذن؛ المشكلة ليست في أن يختلف الناس؛ فالاختلاف سنة في العقل الإنساني، بل إن تاريخ العلوم الشرعية نفسه شاهد على أن اختلاف الأنظار لم يكن دائمًا علامة فساد، وإنما كان في كثير من صوره دليلًا على حيوية الاجتهاد واتساع النظر.. فالمشكلة تبدأ حين يتوهم أحدهم أن صحة ما يراه تستلزم بطلان كل ما عداه، وأن امتلاكه لدليل في مسألة ما يمنحه حق مصادرة نيات الآخرين ومقاصدهم ومآلاتهم.

وهذا هو الانتقال الخطير من فقه المسألة إلى محاكمة الإنسان وترويعه!

فثمة فرق عميق بين أن تقول: "هذا القول أراه خطأً"، وبين أن تقول: "صاحب هذا القول من أهل الخطأ والهلاك"؛ فالأول حكم معرفي قابل للنقاش والنظر والمراجعة، أما الثاني فهو انتقال من دائرة البحث في الأقوال إلى دائرة الحكم على المصائر، وبين الدائرتين مسافة أصولية وأخلاقية هائلة جدًا.

لقد نشأ في بعض البيئات الدينية وعيٌ غريب يجعل التدين أشبه بمحكمة دائمة للآخرين؛ فيصبح السؤال الأول عند رؤية المختلف: هل هو ناجٍ أم هالك؟ بدل أن يكون السؤال: ما الذي جعله يرى الأشياء بهذه الطريقة؟ وما مقدار الحق الذي يمكن أن يكون في كلامه؟ وما الذي يمكن أن نتفق عليه؟ وكيف يمكن أن نحفظ للإنسان كرامته ونحن نختلف معه؟

وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات إيلامًا؛ أن يتحول التدين من وسيلة للارتقاء بالإنسان إلى وسيلة للاطمئنان إلى نجاته الشخصية عبر تخيل هلاك الآخرين.. وهنا تبرز أزمة عميقة جدًا تهدد حياة الناس وأمنهم!

والحال أن الإيمان لا يمنح الإنسان علمًا بالغيب لمجرد أنه آمن، والقرآن الكريم حين يتحدث عن الحكم على الناس لا يجعل المعيار هو مجرد الانتماء إلى صورة جماعية، ولا يفتح للإنسان بابًا مطلقًا إلى سرائر الخلق؛ بل يقرر قاعدة معرفية وأخلاقية شديدة العمق في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْه في الدِّينِ"، وهذا يؤكد أن العلم الحقيقي ليس مقتصرًا على مجرد امتلاك ظاهر النص؛ وإنما هو امتلاك لأهلية النظر والفهم فيما يراد الحكم عليه، وبين النص والحكم مساحات من الفهم والدلالة والسياق والمقصد والمآل لا يجوز اختصارها بعجلة نفسية تريد جوابًا سريعًا.

إن التشدد يبدأ غالبًا من اختزال العالم، فالعالم في العقل المتشدد بسيط أكثر مما ينبغي؛ فهو أبيض وأسود، حق وباطل، معنا وضدنا، ناجٍ وهالك.. لا مساحة للالتباس، ولا للجهل المعذور، ولا لتفاوت المدارك، ولا لاختلاف البيئات، ولا لتعقيد الإنسان، ولا لتداخل المصالح والظروف والتجارب.. كل شيء ينبغي أن يأخذ حكمًا نهائيًا، وكل إنسان ينبغي أن يوضع في خانة تحده!

لكن الإنسان ليس خانة! الإنسان تاريخ طويل من الضعف والقوة، والعلم والجهل، والصدق والخطأ، والنية والعمل، والظروف والاختيارات.. ولذلك فإن اختزال الإنسان في خطأ واحد، أو موقف واحد، أو عبارة واحدة، هو في جوهره اختزال للإنسان نفسه، والفقه الذي لا يرى هذه التعقيدات يتحول من علم لفهم الواقع إلى آلة لتصنيفه. ولذلك فإن الأزمة أعمق من "التشدد الديني" في معناه المتداول؛ إنها أزمة وعي ديني، والوعي الديني لا يعني أن تعرف الأحكام فحسب؛ بل أن تعرف حدود معرفتك بها، وأن تدرك الفرق بين القطعي والظني، وبين النص وتأويل النص، وبين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل، وبين الخطأ والكفر، وبين المخالفة والعداوة، وبين النصيحة والإدانة، وبين الغيرة على الدين والرغبة في السيطرة على الناس باسم الدين.. إن الوعي ببساطة هو المعرفة المجردة عن الهوى والانتماء الطائفي..

وهذه التفرقة هي جوهر الفقه الراشد؛ فالفقه ليس كثرة الأحكام، وإنما حسن تنزيل الحكم على محله.. وليس العلم أن تعرف ما تقول فقط؛ بل أن تعرف متى تقول، وكيف تقول، ولمن تقول، وما الذي يترتب على قولك.. ولهذا كان النظر في المآلات جزءًا من العقل الفقهي؛ لأن الكلمة التي تُقال باسم الحق قد تُنتج باطلًا في الواقع إذا أُخرجت من سياقها، أو قيلت بغير ميزان، أو تحولت من إصلاح إلى تحريض، ومن نصح إلى احتقار..

ومن هنا أيضًا يمكن فهم خطورة الصبغة الشكلية للتدين حين تستولي على الوعي؛ إذ قد يصبح المظهر معيارًا للحقيقة، والشكل بديلًا عن المقصد، والجزئي حجابًا عن الكلي، والهيئة الخارجية معيارًا للحكم على عمق الإنسان.. وليس الخطر هنا في الشكل ذاته، فالشرائع لا تخلو من صور وهيئات وأحكام ظاهرة، وإنما الخطر حين يُختزل الدين في الشكل ويُنسى المعنى الذي من أجله شُرع الشكل.. فالدين الذي يعلّم الإنسان الطهارة الظاهريّة ولا يعلّمه طهارة القلب؛ ويعلّمه ضبط اللسان ولا يعلّمه حرمة الكرامة الإنسانية؛ ويعلّمه الحكم على الأفعال ولا يعلّمه التثبت في الحكم على أصحابها؛ إنما هو دين يحتاج إلى مراجعة في طريقة فهمه لا إلى مزيد من الشعارات حوله.

إن أخطر أشكال الجهل ليس أن يجهل الإنسان معلومة، وإنما أن يجهل أنه يجهل! فالجاهل البسيط يمكن تعليمه، أما الجاهل المركب فلا، لأنه لا يبحث عن الحقيقة؛ فهو يعتقد أنه يمتلكها كاملة أساسًا.. ولذلك فإن التشكيك الجهلي أخطر من السؤال الصادق؛ لأن السؤال يفتح العقل، أما الشك المتعصب فيغلقه ثم يضع على إغلاقه اسم "اليقين"!

ومن هنا يصبح المختلف في نظره مشبوهًا قبل أن يكون مخالفًا، وتصبح مخالفته دليلًا على سوء قصده، ثم يصبح سوء قصده دليلًا على فساد دينه، ثم يصبح فساد دينه مقدمة للحكم على مصيره.. وهكذا تتحول سلسلة من الافتراضات غير المبرهنة إلى يقين أخروي كاذب.

وهذه قفزة لا يبررها الفقه ولا تستسيغها الأخلاق.. فالقول بأن "الآخر هالك" هو موقف من وجود الإنسان نفسه، ولذلك ينبغي أن يكون الوعي الديني شديد الحذر في التعامل مع أحكام المصير.. فالإنسان يستطيع أن يناقش فكرة، وأن يرد قولًا، وأن يبيّن خطأ منهج، وأن يرفض سلوكًا؛ لكنه لا ينبغي أن يتعامل مع مصائر الناس وكأنه يقف في موضع القضاء الإلهي المطلق!

بل إن من أعمق مفارقات التدين أنه كلما ازداد الإنسان وعيًا بعظمة الله المطلقة، ازداد تواضعه في الحكم على عباد الله؛ لأنه يعرف أن الله أعلم بالسرائر، وأعلم بالظروف، وأعلم بما وراء الكلمات والأفعال، وأعلم بمن بلغه الحق وكيف بلغه، وما فهمه منه، وما عجز عن فهمه، وما حمله على اختياره.. ولهذا فإن التدين الحقيقي لا يقتل الإنسان باسم الدين، ولا يحتقر الإنسان باسم الحقيقة، ولا يجعل الاختلاف سببًا لإهدار كرامته.. فالإنسان يبقى هو الإنسان؛ له حرمة، وله كرامة، وله حق الأمن والعيش، وله حق في أن يُفهم قبل أن يُدان.

إن مجرد كونك متدينًا لا يمنع كونك إنسانًا.. بل لعل التدين الحقيقي هو أن تصبح إنسانًا أكثر إنسانية، فالدين لا يأتي ليحرر الإنسان من إنسانيته، وإنما جاء ليهذبها ويرفعها من مستوى الغريزة إلى مستوى المسؤولية، ومن الأنانية إلى الرحمة، ومن الفوضى الداخلية إلى المعنى المثالي، ولذلك فإن العلاقة بين التدين والإنسانية ليست علاقة تناقض؛ إذ لا قيمة لتدين يُنتج قسوةً تُهين الإنسان، ولا معنى لعبادة تنتهي إلى احتقار الخلق.

والدين الذي يحب الله لا يمكن أن يكون معاديًا للإنسان الذي خلقه الله، فحتى الكافر نفسه ــمن حيث كونه إنسانًاــ لا يفقد إنسانيته، ولا تسقط عنه كرامته الإنسانية لمجرد اختلاف اعتقاده، فالاختلاف العقدي لا يبرر الظلم، والاختلاف الفكري لا يبرر الإهانة، والمخالفة الدينية لا تبيح العدوان، فيمكن للإنسان أن يعتقد أن عقيدة ما باطلة؛ وأن يناقشها؛ وأن يرفضها؛ وأن يبيّن ما يراه من خطئها، دون أن يتحول رفض الفكرة إلى كراهية للإنسان ذاته.

وهنا يظهر الفارق بين دين يبني الضمير ودين يُستعمل لتغذية الأنا؛ فالأول يجعل الإنسان أكثر رحمة، وأكثر احتياطًا في الحكم، وأكثر قدرة على الاعتراف بالخطأ، وأكثر تواضعًا أمام الحقيقة. أما الثاني فيمنح صاحبه شعورًا بالامتياز، ثم يحول هذا الامتياز إلى حق مزعوم في مراقبة الآخرين وتصنيفهم والحكم عليهم!

ولذلك فإن معركة الوعي الديني ليست مع كثرة المعلومات، وإنما هي مع طريقة استعمال تلك المعلومات، فقد يحمل الإنسان آلاف النصوص ولا يملك فقهًا واحدًا في تنزيلها، وقد يحفظ عشرات الأحكام ولا يعرف مقصدًا واحدًا من مقاصد التشريع، وقد يكثر حديثه عن السنة وهو عاجز عن ممارسة أدنى أخلاقها في تعامله مع المخالف!

إن المعرفة حين تنفصل عن الأخلاق تصبح أداة للهيمنة، كما أن التدين حين ينفصل عن الرحمة يتحول إلى قسوة مقدسة، والفارق بين العالم والمتشدد ليس دائمًا في مقدار ما يعرفه كل منهما؛ بل في كيفية تعامله مع ما لا يعرفه، فالعالم يقول: "لا أعلم"، أما المتشدد فيقول: "أعلم ما في قلبك"!

العالم يميز بين ما ثبت وما لم يثبت، أما المتشدد فيحوّل الاحتمال إلى يقين.. العالم يفرّق بين الحكم على القول والحكم على قائله، أما المتشدد فقد يجعل القول طريقًا سريعًا إلى محاكمة صاحبه.. العالم يعرف أن الحقيقة أكبر من ذاته، أما المتعصب فيجعل ذاته معيارًا للحقيقة..

ومن هنا؛ فإن إصلاح الخطاب الديني لا يبدأ دائمًا بإضافة نص جديد إلى المكتبة، وإنما يبدأ بإعادة بناء الإنسان الذي يقرأ النص، لأن النص الواحد قد يصنع رحيمًا إذا قرأه قلب واسع، وقد يصنع قاسيًا إذا قرأه عقل مغلق، فالمشكلة فيما يحمله القارئ إلى النص من مخاوفه وصراعاته وأحكامه المسبقة..

وهكذا فإن الفوضى التي يصنعها الفكر المنحرف ليست فوضى في الأفكار وحدها، وإنما فوضى في معايير الحكم على الأفكار والناس، وحين تختل هذه المعايير يصبح كل مختلف متهمًا، وكل سؤال شبهة، وكل مراجعة تراجعًا، وكل نقد طعنًا، وكل رحمة تمييعًا، وكل انفتاح انحرافًا يجر إلى الهاوية!

والخروج من هذه الدائرة يكون بالعودة إلى عمق الدين؛ إلى دين يجعل الإنسان مسؤولًا عن نفسه قبل أن يكون مسؤولًا عن الناس، وإلى فقه يعلّمه أن الحكم يحتاج إلى علم، وأن العلم يحتاج إلى تصور، وأن التصور يحتاج إلى تأنٍّ، وأن التأنّي يحتاج إلى أخلاق، وأن الأخلاق ليست هامشًا على التدين؛ بل جزء من حقيقته الكبرى ومقاصده العليا.

وربما آخر ما ينبغي أن يُقال؛ أن التدين ليس أن تنجو وحدك في خيالك، وتوزع صكوك الهلاك على العالم؛ وإنما التدين أن تخاف على قلبك من أن يتحول اليقين فيه إلى كِبر، وأن تخاف على علمك من أن يتحول إلى أداة لإذلال الناس، وأن تدرك أن الطريق إلى الله لا يمر فوق كرامة الإنسان.. فإذا كان الدين قد جاء ليهدي الإنسان، فإن أول علامات الوعي به أن لا نفقد الإنسان ونحن نبحث عن الدين!

وإذا كان الله سبحانه رب العالمين، فإن رحمته ليست ملكًا لجماعة، ولا مذهبًا، ولا طائفة، ولا فردًا، وإن الإنسان -قبل كل تصنيف- أحد أفراد هذا العالم الذي خلقه الله عز وجل، وجعل له من الكرامة ما يوجب على المتدين أن يكون أرحم به، لا أشد عليه.

ولعل أعمق صور التدين أن تعرف أن الله سبحانه لا يحتاج إلى قسوتك على عباده وعياله!

***

د. محمد أحمد عبيد

كاتب مصري حاصل على دكتوراه في الفلسفة والفكر

يصعب الحديث عن مشروع الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم (وُلد 1957) من دون التوقف عند المفكر الفِلَسطيني الأمريكي الدكتور إدوارد سعيد (1935 - 2003)، ليس لأن إبراهيم كان تلميذًا عربيًّا لسعيد، أو لأن مشروعه يمكن اختزاله في مفاهيم مِثل: الاستشراق، والخطاب الاستعماري. وإنما لأنَّ اللقاء معَ سعيد يقع في منطقة أعمق بكثير، وهي منطقة السؤال عن كيف تُنتج الثقافةُ صورتها عن نفسها والآخَرِ، وكيف تتحول المعرفةُ إلى سُلطة، وكيف يصبح الأدبُ جزءًا من تاريخ طويل من التمثيل والتسمية والتصنيف.

وهُنا تحديدًا تكمن أهمية سعيد بالنسبة إلى مشروع إبراهيم. لقد جاء سعيد إلى النقد الأدبي من باب مختلف عن الأبواب التي اعتاد النقدُ العربي الدخول منها. لم يكن الأدب عنده جزيرةً معزولة عن التاريخ، ولم يكن النص مجرد بنية لغوية مكتفية بذاتها، وإنما كان جزءًا من شبكة واسعة من المؤسسات والأفكار والسُّلطات والعلاقات السياسية والثقافية.

فَتَحَ سعيد أمام النقد العربي أفقًا جديدًا، ولم يسأل فقط: ماذا يقول النص؟، وإنما طَرَحَ أسئلةً مهمة: مَن يتكلم؟، ومَن يملك حقَّ تمثيل الآخَر؟، وما المعرفة التي يستند إليها هذا الكلام؟، وما العالَم الذي ساهمَ النصُّ في بنائه أو تثبيته؟. هذه الأسئلةُ هي الأعمدة التي يقوم عليها فكر سعيد. وإبراهيم اشتغلَ في هذا الأفق، لكنَّه لَم يعتمد على تكرار سعيد، وإعادةِ إنتاجه.

كان كتاب إدوارد سعيد " الاستشراق" الصادر بالإنجليزية عام 1978 لحظةً فاصلة في الدراسات الإنسانية. لم يكن الكتاب مجرد تاريخ للأفكار الأوروبية عن الشرق، وإنما محاولة للكشف عن منظومة معرفية وثقافية متشابكة أنتجت " الشرق" بوصفه موضوعًا للمعرفة الغربية.

سعيد لَم يقل ببساطة إن الغربيين كانوا يكتبون عن الشرق بصورة سلبية، المسألةُ عنده أكثر تعقيدًا، هناك مؤسسات، ورحلات، وكُتب، وأبحاث، وآداب، وخطابات سياسية، وتصورات تاريخية، كُلُّها ساهمتْ في تكوين صورة متماسكة نسبيًّا عن "الشرق" بوصفه آخَر مختلفًا عن الغرب.

سعيد نَقَلَ النقاشَ من مستوى "الصورة الخاطئة" إلى مستوى إنتاج المعرفة، وهذا التحول كان بالغ الأهمية بالنسبة إلى النقد العربي. فبدل أن يكون السؤال: هل صورة العربي في الأدب الغربي صحيحة أمْ خاطئة؟، صار ممكنًا أن نسأل: لماذا احتاج الخطابُ الغربي في سياقات تاريخية محددة إلى إنتاج هذه الصورة أصلًا؟، وما المؤسسات التي جعلتْ هذه الصورةَ قابلة للتداول؟، وكيف تحولت المعرفةُ بالشرق إلى سُلطة عليه؟.

في هذه النقطة يقترب مشروع إبراهيم من سعيد اقترابًا واضحًا. كثيرٌ من أعمال إبراهيم تتحرك داخل سؤال تمثيل الآخَر، والعلاقة بين السرد والهوية، وموقع الثقافة العربية في منظومات أوسع من إنتاج المعرفة. لكنَّه سُرعان ما ينقل السؤالَ إلى مجالات أكثر اتِّساعًا، تتعلَّق بكيفيةِ تمثيل الثقافة العربية لنفسها، وكيفيةِ صناعة صورتها عن الآخَر، وكيفيةِ إسهام السرد العربي في بناء المركز والهامش. وهُنا يبدأ استقلالُ مشروعه.

مِن السهل أن نكتشف تأثير سعيد في مشروع إبراهيم إذا بحثنا عن المصطلحات المتشابهة: الاستشراق، الآخَر، المركز، الهامش، التمثيل، الخطاب، السُّلطة، الهُوية، السرد. لكن هذا المستوى من المقارنة ليس كافيًا. التأثيرُ الأكثر عمقًا يظهر في طريقة بناء السؤال النقدي.

جَعَلَ سعيد الناقدَ أكثر حساسية تجاه العلاقة بين النص وسياقه التاريخي والسياسي والثقافي. ولَم يعد ممكنًا التعامل معَ النصوص التي تتحدث عن الشرق وكأنها بريئة من تاريخ القوة الذي أنتجها، وهذا الحِس حاضرٌ بقوة في مشروع إبراهيم، خصوصًا حين يتعامل معَ السرديات الكُبرى التي صاغتْ صورةَ الذات العربية، أوْ حين يبحث في طرائق تمثيل الآخَر داخل الثقافة العربية.

إبراهيم لا يقرأ السردَ باعتباره متعة جمالية فحسب، ولا بوصفه سِجلًّا محايدًا للأحداث. السردُ عنده قوة ثقافية، إنَّه يختار ويُقْصي، يُرتِّب ويُصنِّف، يمنح بعضَ الأصواتِ موقع المركز، ويضع أصواتًا أُخرى في الهامش. وهذا قريبٌ جدًّا من الروح التي أعاد بها سعيد تعريفَ العلاقة بين الأدب والتاريخ. لكنَّ الفرق أنَّ إبراهيم أخذ هذه الأدوات إلى داخل الثقافة العربية نفسها. ورُبَّما يكون هذا واحدًا من أهم آثار سعيد في مشروع إبراهيم.

سعيد جَعَلَ الاستشراقَ أكثر من مجرد موضوع بحث. صار الاستشراقُ مثالًا على آليَّة ثقافية أوسع، حيث المركز يصنع صورةً عن الهامش، ثم يتعامل معَ هذه الصورة بوصفها حقيقة عن الهامش. إبراهيم يُوسِّع هذه الفكرة باتجاه الثقافة العربية. ليس هُناك، في قراءته، مركز غربي فقط، وهامش عربي فقط. الثقافاتُ تستطيع أن تُنتج مراكزَها وهوامشَها، وتبني صورها عن الآخرين، وتمنح شرعيةً لبعض الأصوات، وتحجبها عن أصوات أُخرى. وهذا ما يجعل مشروعه متصلًا بما يمكن تسميته نقد المركزية.

المركزيةُ هُنا ليست شعورًا بالتفوق فحسب، إنها طريقة في تنظيم المعرفة والثقافة، وتحديد الأصل والفروع، والثقافة الرفيعة والثقافة الهامشية، والصوت الرئيسي والأصوات الثانوية، والتاريخ الذي يستحق أن يُروَى، والتواريخ التي يمكن إسكاتها أو تأجيلها.

وهكذا، تصبح قراءة إبراهيم للثقافة العربية أكثر تركيبًا من مجرد مواجهة "الغرب" أو الرد على الاستشراق، إنَّه يحاول أن يكشف آليَّات المركز والهامش حيثما ظهرتْ. إبراهيم جَعَلَ السردَ واحدًا من أهم المداخل إلى فهم الثقافة. والروايةُ والحكاية والتاريخ والتمثيلات الأدبية ليست عنده أشكالًا فنية منفصلة عن العالَم، إنها طُرق لصياغة الذاكرة والهُوية والتاريخ.

وهُنا، يلتقي إبراهيم معَ سعيد في نقطة شديدة الأهمية، وهي أنَّ التمثيل ليس مرآةً محايدة. حين نروي حكاية جماعة ما، فإننا لا ننقلها كما هي. نحن نختار زاوية النظر، ونحدد الشخصيات التي تستحق البطولة، ونحدد مَن يكون غريبًا، ومَن يكون قريبًا، ومَن يتكلم،ومَن يبقى صامتًا. وهذا ما يجعل السردَ متصلًا بالسُّلطة.

سعيد مارسَ هذا النوع من القراءة في الأدب الغربي، خصوصًا في موضوع الثقافة والإمبريالية، حيث حاولَ أن يقرأ الأعمالَ الأدبية الكُبرى ضمن تاريخ الإمبريالية وعلاقاتها الثقافية. لَم يكن المقصود اتهام الروايات بأنها سيئة، أو تحويل الأدب إلى منشور سياسي، بل الكشف عن التداخل بين المُتخيَّل الأدبي والعالَمِ التاريخي الذي أنتجه. هذه الفكرة تجد صدى واضحًا في مشروع إبراهيم، الذي أعطى السردَ العربي مكانة مركزية في فهم التحولات الثقافية وصناعةِ الهوية.

إبراهيم استفادَ من المناخ النظري الذي ساهمَ سعيد في تأسيسه عربيًّا وعالميًّا، لكنَّه لَم يَبْنِ مشروعَه كُلَّه على كتاب " الاستشراق". لديه اهتمام خاص بالسرديات العربية، والتاريخِ الثقافي، والمركزِ والهامش، والهُوية، والمُتخيَّل الثقافي، وطرائق تشكُّل الرواية العربية والخطابِ العربي. ومِن ثَمَّ فإنَّ العلاقة بين الرَّجلين أقرب إلى علاقة حوار فكري غير مباشر منها إلى علاقة تابع ومتبوع.

سعيد أعادَ تعريفَ السؤال عن الشرق، أمَّا إبراهيم فوسَّع السؤالَ ليشمل الطريقةَ التي تصنع بها الثقافةُ العربية صُوَرَ العالَم وصُوَرَ نفسها. وهذا فارقٌ مهم، فلوْ كان إبراهيم يعيد إنتاج سعيد، ويُكرِّره،لظلَّ اهتمامه محصورًا في تفكيك الصور الغربية عن العرب، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فبدأ يفحص البنية السردية والثقافية التي تشكلت داخل المجال العربي نفسه.

كان سعيد أحد أبرز الأسماء التي ساهمتْ في تأسيس دراسات ما بعد الكولونيالية/ الاستعمارية. وهي الدراسات الأكاديمية للإرث الثقافي للاستعمار والإمبريالية، وتُركِّز على التبعات البشرية لاستغلال السكان الأصليين في الأراضي المُسْتَعْمَرَة، والسيطرة عليهم، وعلى أراضيهم. وتُعْتَبَر ما بعد الاستعمارية تحليلًا نظريًّا نقديًّا لتاريخ وثقافة وأدب وواقع القوى الاستعمارية الأوروبية. ومِن أبرز ما قدَّمه هذا الاتجاه أنَّه نقل الاهتمامَ مِن الاستعمار بوصفه احتلالًا عسكريًّا وإداريًّا إلى دراسة آثاره في المعرفة واللغة والثقافة والتمثيل.

الاستعمارُ لا ينتهي بالضرورة لحظة خروج الجيش، أو رفع العلم الوطني. قد تبقى آثاره في الطريقة التي يرى بها مجتمعٌ ما نَفْسَه، والصورِ التي يرسمها عن ماضيه، وعلاقته باللغة، ومفهومِه عن الحداثة، وتصورِه للغرب، وموقعِ التراث مِن الحاضر.

هذه الحساسية واضحة في كثير من الأسئلة التي يطرحها إبراهيم، فهو لا يتعامل معَ الثقافة العربية باعتبارها كتلة ثابتة، ولا يرى الهويةَ شيئًا مكتملًا ينتظر مِنَّا الدفاع عنه، بلْ ينظر إلى الثقافة بوصفها عملية تاريخية تتشكل عبر التفاعلِ والصراع والتبادل وإعادة إنتاج المعاني. وهذه طريقة تفكير تدين بالكثير للمنعطف الذي أحدثه سعيد.

كان من الممكن أن يتحول "الاستشراق" في الثقافة العربية إلى مجرد خطاب احتجاج، الغربُ أساءَ تمثيلَنا، وعلينا أن نصحح صورته عنَّا. لكن إبراهيم، في جوانب مهمة من مشروعه، يذهب إلى منطقة أكثر إزعاجًا وعُمقًا، ماذا لوْ كانت لدينا نحن أيضًا أنظمة تمثيل تُنتج صورًا نمطية عن الآخرين؟، ماذا لو كانت ثقافتنا نفسها قدْ صنعتْ مراكز وهوامش؟، ماذا لو أن بعض الصور التي نعتبرها طبيعية عن المرأة، أو المُخْتَلِف، أو الجماعات الدينية والثقافية، أو الشعوب الأُخرى، هي أيضًا نتاج طويل من السرد والتصنيف؟. هُنا يتحول النقدُ من معركة معَ الآخَر إلى مسؤولية معرفية تجاه الذات.

كان سعيد شديد الحساسية تجاه فكرة الهوية الصُّلبة والمغلقة، رغم ارتباط مشروعه العميق بقضايا فِلَسطين والاستعمار والتمثيل. كان يرى التعددَ والتداخل والتاريخ المشترك والتفاعل بين الثقافات عناصر أساسيَّة في فهم الهوية.

مِن أكثر الأمور التي رسَّخها سعيد في النقد الحديث رفضه لفكرة أن الأدب يعيش خارج السياسة. لكن السياسة عنده ليست مجرد الأحزاب والحكومات والانتخابات. إنها علاقات القوة التي تحدد مَن يستطيع الكلامَ، وما الذي يمكن قوله، وكيف تُبنَى صورة العالَم. وهذا الفهمُ يساعد في قراءة مشروع إبراهيم أيضًا.

عندما يدرس الناقدُ السرديات، فإنَّه لا يدرس أفكارًا جميلة فحسب. إنَّه يدرس كيف تعمل الأفكارُ داخل المجتمع. وهذا يعني أن النص أكثر من كلماته، وأكبر من حدوده، إنَّه جزء من العالَم. وهذه إحدى أهم النقاط التي جعلتْ تأثير سعيد يتجاوز الدراسات الاستشراقية نفسها.

ما الذي أخذه إبراهيم من سعيد، وما الذي تجاوزه؟. يمكن تلخيص العلاقة في عدد من المستويات، دون تحويلها إلى علاقة تطابق:

1- النص والسياق: الإفادة من النظر إلى النص داخل سياقه التاريخي والثقافي بدل عزله عن العالَم.

2- التمثيل: التعامل معَ صورة الآخَر بوصفها بناءً ثقافيًّا، وليست انعكاسًا بريئًا للواقع.

3- الخطاب والسُّلطة: الانتباه إلى أن إنتاج المعرفة مرتبط، في حالات كثيرة، بعلاقات القوة.

4- المركز والهامش: فحص الطرق التي تُمنَح بها بعض الثقافات أو الأصوات موقع المركز بينما تُدفَع أُخرى إلى الهامش.

5- نقد الاستشراق: الاستفادة من الكشف عن آليَّات تمثيل الشرق في الثقافة الغربية.

6- توسيع السؤال: نقل النقد من سؤال: كيف يُمثِّلنا الآخَر؟، إلى سؤال: كيف نُمثِّل أنفسَنا ونُمثِّل الآخرين؟.

7- السرد: النظر إلى الحكاية والرواية والتاريخ بوصفها أدوات لصناعة الذاكرة والهوية.

8- الهوية: فهم الهوية باعتبارها تاريخًا متحركًا ومتشابكًا، وليست جوهرًا ثابتًا مغلقًا.

إنَّ التمثيل لم يعد حكرًا على المستشرق أو الروائي أو المؤرخ. كُلُّ شخص يمتلك منصة صار قادرًا على إنتاج صورة عن الآخَر. لكنَّ المشكلة لم تتغيَّر في جوهرها، الصورةُ ليست الواقع. والسؤالُ النقدي يبدأ عندما يتكرَّس رفض الخلط بينهما.

قيمةُ مشروع إبراهيم، في هذا السياق، أنَّه لا يتعامل معَ النقد بوصفه عملية تصحيح أخطاء الآخرين فقط، النقدُ عنده فِعْلُ كشفٍ، كشف ما يبدو طبيعيًّا، وما اعتدنا ألا نسأل عنه، وكشف الأنساق التي تختبئ خلف الحكايات. وهُنا تظهر قوة تأثير سعيد في أعمق صورها، ليس لأنَّ إبراهيم استخدمَ مفهومًا من سعيد، بلْ لأنه تبنَّى قَدْرًا من الشك المنهجي تجاه الخطابات التي تُقَدِّم نَفْسَها بوصفها حقيقة مكتملة. وهذا الشك ليس عدميًّا، إنَّه محاولة لفهم أعمق.

سعيد لَم يكن مهمًّا لأنَّه قال إنَّ الغرب مخطئ، والشرق صحيح. أهميته أنَّه جعلنا ننتبه إلى الآليَّة التي تُنتج بها صور الغرب عن الشرق. وبالطريقة نفسها، تكمن أهمية إبراهيم في أنَّه جعلنا ننتبه إلى الآليَّات التي تنتج بها الثقافة العربية سردياتها عن نفسها والعالَمِ.

سعيد علَّم الناقدَ أن النص لا يعيش وحده، وعلَّمه أن وراء المعرفة سُلطة، ووراء الصورة هناك تاريخ، ووراء تمثيل الآخَر هناك علاقة معقدة بين الثقافة والسياسة. ثم جاء إبراهيم، في سياقه العربي، ليواصل الحفرَ في السؤال، ولكن من جهة أُخرى: ماذا تفعل الثقافةُ العربية حين تحكي العالَمَ؟، وماذا تفعل حين تحكي نَفْسَها؟.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

ليست الكتابة فعلًا لغويًا محضًا، كما أن المعرفة ليست تراكمًا للمعلومات، والتنوير ليس مجرد شعار ثقافي يُستعاد كلما اشتدّ الالتباس في الواقع. خلف هذه المفاهيم الثلاثة تقف قضية أعمق تتصل بموقع الإنسان من العالم، وبقدرته على أن يفهم ما يجري حوله، وأن يحوّل التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة على السؤال والمراجعة والنقد. ولعلّ الكتابة، في أحد أعمق معانيها، ليست سوى محاولة مستمرة لاستعادة هذه القدرة التي يهددها النسيان، ليس بوصفه فقدانًا للذاكرة فقط، وإنما بوصفه حالة ثقافية وحضارية يصبح فيها الإنسان عاجزًا عن ربط الحاضر بما سبقه، وعن رؤية جذور الأسئلة التي يواجهها، وعن استخلاص المعنى من التجارب التي عبرت أمامه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة ليس أن يقلّ عدد الكتب، وإنما أن تفقد الكتابة قدرتها على إنتاج الأسئلة. فالكتاب الذي لا يفتح نافذة على سؤال جديد قد يظل حاملًا للمعلومات، لكنه لا يساهم بالضرورة في بناء معرفة حيّة. وكذلك الثقافة التي تنشغل بتكرار ما هو معروف، من دون مساءلة أو مراجعة، يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى ذاكرة جامدة، تحفظ الكلمات، لكنها تفقد القدرة على مساءلة الواقع.

 تكتسب الكتابة قيمتها بوصفها فعلًا معرفيًا ونقديًا. فالكاتب لا يملك الماضي كي يعيد إنتاجه، ولا المستقبل كي يقدمه في صورة يقين جاهز؛ إنه يقف في المسافة الحرجة بينهما، ويحاول أن يقرأ الحاضر من خلال ما يحمله من آثار الماضي وإمكانات المستقبل. وفي هذه المسافة بالذات تتقاطع الكتابة مع المعرفة والتنوير.

حين تتحول الكتابة من تسجيل العالم إلى مساءلته

هناك فرق عميق بين أن نكتب عن العالم وأن نحاول فهم العالم من خلال الكتابة. في الحالة الأولى قد تتحول الكتابة إلى تسجيل للأحداث والوقائع والانطباعات؛ أما في الحالة الثانية فإنها تصبح فعلًا نقديًا يضع الواقع أمام مرآة الأسئلة. وهذا التحول هو الذي يمنح الكتابة مشروعيتها الفكرية، لأن قيمة النص لا تكمن في كثرة ما يصفه، وإنما في مقدار ما يستطيع أن يكشفه من علاقات خفية، وأن يعيد ترتيب عناصر المشهد بحيث يصبح ما كان مألوفًا قابلًا للتفكير من جديد.

الكتابة التي تستحق أن تبقى ليست بالضرورة الأكثر ضجيجًا، ولا الأكثر انتشارًا، وإنما تلك التي تضيف شيئًا إلى وعينا بالعالم. قد يكون هذا الشيء فكرة صغيرة، أو سؤالًا مؤجلًا، أو قراءة مختلفة لتجربة قديمة، أو اعتراضًا على يقين أصبح، من فرط تكراره، يبدو حقيقة نهائية. وفي كل هذه الحالات تتحول الكتابة من مجرد وسيلة للتعبير إلى ممارسة معرفية لها أثرها في تشكيل الوعي.

و لعلّ إحدى مشكلات الثقافة المعاصرة أنها تعيش في وفرة غير مسبوقة من الكلام، بينما تعاني في الوقت نفسه من نقص متزايد في التفكير. لقد أصبح إنتاج النصوص أسرع من القدرة على قراءتها، وتدفقت المعلومات إلى المجال العام بصورة جعلت الإنسان محاطًا بملايين المعطيات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أصبح أكثر معرفة. فالمعلومة لا تتحول تلقائيًا إلى معرفة، والمعرفة لا تتحول تلقائيًا إلى وعي، والوعي نفسه لا يصبح نقديًا إلا حين يمتلك القدرة على المقارنة والتحليل والمراجعة.

هنا تظهر وظيفة الكاتب والمثقف في معناها الحقيقي. ليست وظيفته أن يضيف صوتًا جديدًا إلى الضجيج، بل أن يساعد على التمييز بين الصوت والضجيج، بين الخبر والمعرفة، بين المعلومة والحقيقة، وبين ما يستحق أن يُقال وما ينبغي أن يخضع أولًا للتفكير. وهذه الوظيفة تزداد أهمية كلما أصبحت اللحظة الراهنة أكثر سرعة، وأكثر قدرة على استهلاك الأحداث قبل أن تمنح الإنسان فرصة لفهمها.

إن زمن السرعة يهدد المعنى بقدر ما يهدد الذاكرة. فالحدث الذي يحتل واجهة المشهد اليوم قد يُزاح غدًا بحدث آخر، حتى تبدو الوقائع وكأنها لا تملك زمنًا كافيًا كي تستقر في الوعي. وفي مثل هذا المناخ تصبح الكتابة محاولة لإبطاء الزمن قليلًا، لا لإيقافه، وإنما لمنح الإنسان فرصة للتأمل في ما يعبر أمامه.

وهنا تحديدًا تتصل الكتابة بالمعرفة. فالكتابة لا تحفظ الحدث فحسب، وإنما تستطيع أن تمنحه سياقه، وأن تربطه بما سبقه وما قد يترتب عليه. إنها تحاول أن تمنع الحاضر من أن يتحول إلى لحظة معزولة، وأن تمنع الماضي من أن يتحول إلى أرشيف بلا حياة.

إنً الكاتب الذي يشتغل على راهنية اللحظة لا ينبغي أن يكون أسير اللحظة. مهمته أن يقرأ ما وراءها، وأن يرى في الحدث أكثر من سطحه المباشر، ويسأل عن البنية التي أنتجته، وعن الأفكار التي تحكمت فيه، وعن الدروس التي يمكن أن تخرج منه. فالراهنية، بهذا المعنى، ليست عبودية للحاضر، وإنما قدرة على قراءة الحاضر في ضوء الزمن.

المعرفة حين تستعيد ذاكرتها ويصبح السؤال بداية التنوير

إذا كانت الكتابة تحفظ أثر التجربة، فإن المعرفة تمنح هذا الأثر معنى. غير أن المعرفة نفسها يمكن أن تدخل دائرة النسيان حين تنفصل عن السؤال النقدي. فليست المشكلة دائمًا في غياب المعرفة، وإنما في غياب استخدامها بوصفها أداة للفهم والمراجعة. وقد يكون الإنسان محاطًا بالكتب والمعلومات والمراجع، لكنه يظل أسيرًا لأفكار جاهزة إذا لم يمتلك القدرة على مساءلتها.

لهذا لا يبدأ التنوير من الإجابة، وإنما من السؤال. السؤال هو اللحظة التي يتوقف فيها العقل عن التعامل مع الأشياء بوصفها مسلّمات نهائية. إنه المسافة التي يصنعها الإنسان بينه وبين ما اعتاده، لكي يستطيع أن يراه من جديد. ومن دون هذه المسافة لا يمكن أن يكون هناك نقد، ومن دون النقد لا يمكن أن تتجدد المعرفة.

التنوير، في هذا المعنى، ليس زمنًا تاريخيًا انتهى، ولا مشروعًا اكتمل بمجرد ظهور أفكار فلسفية أو حركات إصلاحية في مرحلة معينة. إنه حاجة مستمرة ما دام الإنسان معرضًا لتحول المعرفة إلى دوغما، والثقافة إلى سلطة مغلقة، والذاكرة إلى رواية انتقائية. وكل مجتمع يحتاج إلى أن يعيد مساءلة مسلّماته، لا لأن كل ما ورثه خاطئ، وإنما لأن الموروث نفسه لا يصبح حيًا إلا حين يدخل في علاقة نقدية مع الحاضر.

من هنا يصبح التعامل مع التراث قضية فكربة معرفية لا قضية تقديس أو رفض شامل. فالتراث ليس كتلة واحدة، ولا يمكن اختزاله في صورة واحدة. داخله العقل والنقد والاجتهاد، كما داخله الجمود، وفيه أسئلة تجاوزت زمنها وأسئلة انتهت صلاحيتها، وفيه ما يمكن أن يضيء الحاضر وما يحتاج إلى قراءة تاريخية نقدية. والتنوير لا يكون بقطع الصلة بالماضي، كما لا يكون بتحويل الماضي إلى مرجعية مغلقة؛ وإنما بإقامة علاقة واعية معه، علاقة تسمح بالاستفادة والمراجعة في الوقت نفسه.

هنا تلتقي المعرفة بالذاكرة. فالمجتمع الذي ينسى تجاربه يفقد جزءًا من قدرته على فهم حاضره. والنسيان ليس دائمًا نتيجة لمرور الزمن؛ قد يكون أحيانًا نتيجة لطريقة انتقائية في بناء الذاكرة، أو نتيجة لهيمنة خطاب واحد، أو لتراجع السؤال النقدي. وعندما تصبح الذاكرة انتقائية، تصبح المعرفة بدورها ناقصة، لأن ما لا يدخل في الذاكرة العامة قد يفقد حقه في أن يكون موضوعًا للتفكير.

إن مقاومة النسيان لا تعني تحويل الماضي إلى متحف، وإنما إبقاء التجربة مفتوحة على القراءة. فالماضي لا يعود إلينا كما كان؛ نحن الذين نعود إليه بأسئلة جديدة. وكل جيل يعيد قراءة ما سبقه لأنه يواجه مشكلات مختلفة، ولأن المعرفة لا تتقدم بإغلاق الأسئلة، وإنما بإعادة صياغتها.

لهذا يمكن للكتابة أن تكون إحدى أدوات التنوير حين ترفض أن تكون مجرد تكرار لما قيل. فالكاتب الذي يعيد إنتاج الأفكار من دون مساءلتها قد يساهم، من حيث لا يريد، في تثبيت الجمود. أما الكاتب الذي يضع الفكرة في مواجهة الواقع، والواقع في مواجهة السؤال، فإنه يفتح إمكانًا جديدًا للتفكير.

ولا يعني ذلك أن مهمة الكاتب هي تقديم حلول نهائية. ربما تكون القيمة الأعمق للكتابة في قدرتها على جعل السؤال أكثر وضوحًا. فبعض الأسئلة لا تحتاج إلى جواب سريع، وإنما تحتاج إلى أن تبقى حاضرة في الوعي حتى تمنع الاستسلام للإجابات السهلة. والكاتب الحقيقي لا يخاف من السؤال المفتوح، لأن انفتاح السؤال يعني أن العقل ما زال قادرًا على الحركة.

في زمن النسيان: الكتابة دفاعًا عن حق العقل في أن يتذكر ويسأل

نعيش اليوم في زمن تتنافس فيه السرعة مع الذاكرة، والصورة مع الفكرة، والتدفق المعلوماتي مع المعرفة المتأنية. لا يعود التحدي أن نعثر على المعلومة، وإنما أن نعرف ماذا نفعل بها. ولا يعود السؤال كيف نصل إلى النص، وإنما كيف نقرأه في سياقه، وكيف نميز بين المعرفة والرأي، وبين الحقيقة والانطباع، وبين التفكير والدعاية.

في مثل هذا الزمن تصبح الكتابة مسؤولية معرفية قبل أن تكون نشاطًا ثقافيًا. إنها مطالبة بأن تقاوم اختزال الإنسان إلى مستهلك للمعلومات، وأن تدافع عن حق العقل في التمهل والتأمل والمقارنة. فالإنسان الذي لا يملك وقتًا للتفكير يصبح أكثر قابلية لأن تفرض عليه الأفكار الجاهزة نفسها، حتى عندما تبدو تلك الأفكار نابعة من اختياره الشخصي.

والكتابة التي تقاوم النسيان لا تستعيد الماضي من أجل الماضي، وإنما تستعيده لأن الحاضر يحتاج إلى ذاكرته. إنها تذكّرنا بأن كثيرًا من الأسئلة التي نظنها جديدة لها جذور قديمة، وأن كثيرًا من الأزمات التي تظهر فجأة هي نتيجة تراكمات لم ننتبه إليها، وأن المجتمعات لا تستطيع بناء مستقبلها إذا ظلت عاجزة عن قراءة تجاربها قراءة نقدية.

لكن مقاومة النسيان لا تعني أيضًا تحويل الكاتب إلى حارس للذاكرة وحدها. فالكاتب مطالب بأن يكتب للمستقبل بقدر ما يكتب للماضي والحاضر. وما يكتبه اليوم قد يصبح بعد سنوات وثيقة على طريقة عصره في التفكير، وعلى الأسئلة التي شغلته، وعلى المخاوف التي واجهها، وعلى الأحلام التي حاول أن يمنحها لغة.

وهنا تبرز العلاقة بين الكتابة والتنوير بصورة أكثر وضوحًا. فالكتابة التنويرية لا تقدم نفسها بوصفها امتلاكًا للحقيقة، وإنما بوصفها دفاعًا عن شروط البحث عنها. إنها تؤمن بأن العقل لا يحتاج إلى وصاية كي يفكر، وأن المعرفة لا تزدهر في المناخ الذي يخاف من السؤال، وأن الثقافة تفقد معناها حين تتحول إلى تكرار مطمئن لما هو قائم.

لذلك فإن مهمة الكاتب ليست أن يطارد اللحظة فحسب، بل أن يمنحها عمقها. وليس أن يلهث وراء كل جديد، بل أن يسأل عن قيمة الجديد ومعناه ومآلاته. وليس أن يكون حاضرًا في كل مكان، وإنما أن يكون حاضرًا حيث يصبح حضوره إضافة إلى المعنى.

إن الكتابة، في أحد وجوهها الأكثر نبلًا، فعل مقاومة هادئ ضد النسيان. إنها تقول إن التجربة تستحق أن تُفهم، وإن السؤال يستحق أن يبقى مفتوحًا، وإن المعرفة لا ينبغي أن تتحول إلى محفوظات، وإن التنوير ليس ترفًا ثقافيًا يمكن تأجيله إلى زمن آخر. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءًا من قدرته على فهم نفسه، والإنسان الذي يفقد حقه في السؤال يفقد جزءًا من قدرته على صناعة مستقبله.

من هنا لا تعود الكتابة مجرد أثر يتركه الكاتب وراءه، وإنما تصبح جزءًا من الصراع الطويل من أجل إبقاء العقل يقظًا. كل نص جاد يحاول أن يمنع فكرة من الموت قبل أن تُفهم، وتجربة من الاختفاء قبل أن تُقرأ، وسؤالًا من الانطفاء قبل أن يأخذ مداه.

لعلّ هذا هو المعنى الأعمق للكتابة في زمن النسيان: أن نكتب لا لكي نملأ صفحات جديدة، وإنما لكي نمنح الأشياء التي تستحق البقاء فرصة أخرى للحضور. أن نكتب لأن المعرفة تحتاج إلى ذاكرة، ولأن الذاكرة تحتاج إلى نقد، ولأن النقد يحتاج إلى حرية السؤال، ولأن التنوير لا يبدأ من امتلاك اليقين، بل من الاعتراف بأن العقل لا يزال قادرًا على أن يسأل.

ما هو مؤكًد وبديهي ٫ أنً الكتابة ليست وعدًا بأن تغيّر العالم دفعة واحدة، لكنها تستطيع أن تغيّر الطريقة التي نراه بها. وهذه ليست وظيفة صغيرة. فمن يتغير نظره إلى العالم يتغير بالضرورة ما يطلبه منه، وما يرفضه، وما يتذكره، وما يعتقد أنه ممكن. وفي المسافة بين السؤال والمعرفة، وبين الذاكرة والنسيان، تظل الكتابة إحدى أكثر الوسائل إنسانية لحماية المعنى من الضياع.

إنها، ببساطة، محاولة لأن نقول للزمن: لن نعبرك من دون أن نسأل ماذا صنعت بنا، وماذا صنعنا بك..

***

البشير عبيد - تونس

كاتب صحفي وباحث

 

(في منتصف الشتاء، وجدت في داخلي صيفًا لا يُقهر)... ألبير كامو

في قلب العالم العربي، يجد الإنسان نفسه أمام تيه لا يقاس بالمسافة الجغرافية، بل بعمق الفجوة الداخلية بين ما يحمله من ذاكرة وأمل، وما يصطدم به من واقع كأنه صدى لجرم قديم لا يذكره. هذا التيه ليس أزمة سياسية تحل بتغيير الحكام، ولا تراكما اقتصاديا يعالج بإعادة توزيع الثروات. إنه أزمة وجودية بالمعنى الفلسفي العميق: أزمة الكائن الذي لا يعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي، من هو في مرآة الآخر، ومن يريد أن يكون في فضاء المستقبل. وبين هذا ال(لا يعرف) وذاك ال(لا يريد)، يسكن التيه.

السؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس تشخيصيا محضا، نضيفه إلى أخرى أنجزت، حتى تحول بعضها إلى إنتاج يأس منهجي. بل هو سؤال فلسفي جذري: كيف يتحول التيه من عقوبة تلقى على كاهل الإنسان إلى أرضية يبني فوقها خلاصه؟

حين ننظر إلى أسطورة سيزيف، نرى استعارة للعقوبة الوجودية في أنقى صورها: صخرة تدفع إلى القمة لتعود إلى الهاوية، في حلقة لا رحمة فيها. غير أن سيزيف العربي يواجه وضعا أكثر خبثا: إنه يدحرج صخرة الهوية نحو قمة الإنتماء، فلا يجد قمة واضحة المعالم، بل قمما متعددة ومتنازعة: عربية، دينية، طائفية، قبلية، إثنية، كل منها تدعي أنها الحقيقة الكاملة وتنفي الأخريات. الهوية سلاح ماض، يمكن أن تكون درعا في مواجهة الضياع، ويمكن أن تكون المشرط الذي يمزق النسيج الجامع.

لم تكن أزمة الهوية العربية وليدة اليوم، بل هي ميراث مزدوج: من جهة، حقبة استعمارية رسمت الخرائط بمسطرة المصالح لا بمشرط التاريخ، فتركت شعوبا موزعة داخل دول وأخرى مقسمة بينها. ومن جهة أخرى، فشل النخب في بناء عقد اجتماعي حداثي يحتوي التعددية ولا يقمعها، فتحول الإختلاف الثقافي من نعمة إلى لعنة. الدولة الوطنية العربية، في أغلب تجلياتها، لم تبن مواطنا، بل بنت رعايا، ولم تؤسس فضاء مشتركا للإعتراف المتبادل، بل أقامت تراتبيات في الإنتماء، ليكون هذا أكثر وطنية لأنه من هذه الطائفة، وذاك أقل حقوقا لأنه من تلك الإثنية. حين انهار هذا البناء الهش أمام رياح (الربيع) العربي، لم تنكشف دولة تحتاج إصلاحا، بل انكشف فراغ هائل كان الإستبداد يملأه بالقوة، فتهاوت الجدران كلها دفعة واحدة.

للعقوبة الوجودية في السياق العربي وجه ثان أكثر قسوة في يومياته وإن كان أقل بريقا فلسفيا، وجه الجحيم الإجتماعي والإقتصادي. ذلك الجحيم الذي لا نيرانه أسطورية ولا حراسه شياطين، بل بيروقراطية فاسدة وبطالة تنهش الشباب وفجوات ثروة تعلن يوميا أن الكرامة بضاعة لمن يستطيع شراءها. حين يعجز الشاب العربي عن العمل اللائق الذي يحفظ كرامته، وحين يرى أن الوصول إلى فرص الحياة مشروط بوساطة أو ثروة أو انتماء لا بالجدارة والعطاء، يدخل في نوع من التيه الإجتماعي يتجاوز الأزمة الإقتصادية ليصبح أزمة معنى. يتساءل في قرارة نفسه: لماذا أجتهد؟ لمن أبني؟ وماذا يعني أن أكون مواطنا في دولة لا ترى فيّ إلا رقما ومؤشرا في إحصاءات؟

هذا السؤال: لِمَ؟ هو أخطر أسئلة التيه، لأن اليأس من المعنى أشد فتكا من اليأس من الرغيف. كامو الذي فهم هذا جيدا قال إن السؤال الفلسفي الحقيقي الوحيد هو: لماذا لا نقدم على الإنتحار؟ والإنسان العربي الذي يفقد المعنى لا ينتحر جسديا في الغالب، بل يمارس نوعا آخر من الإنتحار: الهجرة الداخلية، أي أن يكون حاضرا غائبا، مقيما بجسده ومرحلا بروحه.

في مواجهة هذا التيه المزدوج، تيه الهوية وتيه المعنى، يبرز الإنسان الفاعل كما وصفه سارتر: ذاك الذي يعلم أن وجوده يسبق ماهيته. أي أن الإنسان لا يأتي إلى الحياة حاملا هوية جاهزة وقدرا محسوما، بل يعرف نفسه عبر ما يختار وما يفعل وما يبني. هذه الحرية هي مصدر القلق الوجودي، لكنها أيضا مصدر الخلاص.

الإنسان الفاعل في السياق العربي ليس بطلا رومانسيا يتحدى الواقع بالخطاب والبلاغة، ولا ثائرا أيديولوجيا يكرر مانيفستوات1 الأمس. إنه كائن أكثر تواضعا وأكثر عمقا في الآن ذاته، يمارس الوعي النقدي يوميا ويرفض أن تعرفه الطائفة أو القبيلة قبل أن يعرف نفسه، يختار الفعل الأخلاقي في واقع فاسد لا لأنه يضمن النجاح، بل لأنه يحفظ كرامته كإنسان. هذا الإنسان لا يعيش خارج التيه، بل يعيش داخله ويحوله مثلما حول كامو سيزيف من رمز العقوبة إلى رمز السعادة العبثية: "ينبغي أن نتخيل سيزيف سعيدا". الخلاص لا يعني الخروج من الصحراء بالضرورة، بل أن تتحول الصحراء في نظرك من مكان للعقوبة إلى فضاء لاختبار ما أنت عليه.

الفلسفة الوجودية تعاني من إغواء الفردانية المفرطة حين تطبق على واقع جماعي متشابك العقد. الإنسان العربي لا يعيش في فراغ وجودي نظيف، بل في شبكة من العلاقات والضغوط والإنتماءات التي تشكل شرطه الوجودي. الخلاص الفردي ممكن، لكنه مبتور وقاصر ما لم يتقاطع مع مشروع جماعي. هذا المشروع ليس أيديولوجيا ناجزة تنتظر التطبيق، ولا حزبا سياسيا يقدم نفسه منقذا، هو أقرب إلى ما سماه هابرماس "الفعل التواصلي"، فضاء عمومي يلتقي فيه الناس على أساس العقل والحوار لا على أساس القوة والإذعان، يعيدون فيه تفاوض عقدهم الإجتماعي على أساس ما يريدون أن يبنوا معا لا على أساس من هم، طوائف وقبائل وأعراق. ومفتاح هذا المشروع هو إعادة الإعتبار للمواطنة لا بوصفها وثيقة قانونية، بل علاقة وجودية: أنا مسؤول عن الآخر لأنه شريكي في هذا الفضاء العام، لا لأنه من طائفتي أو عشيرتي.

التيه بين العقوبة والخلاص ليس سردية تتراتب فيها المراحل: نعاقب ثم نخلص. إنه حالة قائمة في آن واحد، العقوبة والخلاص يسكنان اللحظة الواحدة ذاتها. حين يختار الإنسان أن يكون فاعلا داخل تيهه، يبدأ الخلاص قبل أن ينتهي التيه. حين تختار مجموعة من البشر أن تتحاور بدل أن تتقاتل، يبدأ العقد الإجتماعي قبل أن تكتمل الدولة. لا عودة ممكنة إلى ما قبل هذا التيه، لا إلى حداثة متخيلة لم تكتمل، ولا إلى تراث مثالي لم يكن كما يرسم. الخروج ليس عودة بل عبورا نحو هوية مفتوحة لا تخاف التعددية، ونحو دولة تعترف بالمواطن فردا لا رعية، ونحو إنسان يتحمل مسؤولية حريته لأن هذه الحرية هي الثمن الوحيد الذي لا يعاد دفعه مرتين.

***

عبد الرحيم الجرودي

...................

1- مصطلح مانيفستوات هو صيغة جمع لكلمة مانيفستو (Manifesto)، والتي تعني في السياق الثقافي والسياسي بيانا أو إعلانا يوضح المبادئ أو الغايات لمجموعة أو حركة معينة، وغالبا ما يكون ذا طابع نقدي أو ثوري.

لا مندوحةَ إِذنْ ولا مفرّ، والمقال يستفتح أنفاسَه بهذا العنوان المستفِزّ إلا أنْ أَتَتَرَّسَ بهذه الديباجة التي تردّ الاعتبار للأبعاد المرذولة في التسويف، فالتسويف حين يطالُ عملا يُفترض بك تنفيذه، فهذا - بَداهةً - سلوك مذموم، لا يسع كل شخص سويّ إلا أنْ ينبُذَه، على أنّ علاجَه الناجع هو وضع خطة إجرائية تضمّ الخطوات مقرونةً بخطها الزمني، وبناء عملية وتوفير بيئة تعملان سياقا يضمن تنفيذ الخطوات كما خُطِّط لها، أما مجرد إبقاء ما نريد إنجازه فكرة ذهنية محبوسة بين قضبان جماجمنا، ومرهونة في عالَم التصوّر المجرّد، بلا خطة عملية توضح مراحل الإنجاز بخط زمني واضح، ولا إيجاد عملية تكفل التنفيذ بشكل مدروس، فسيظل التسويف دَفّةً تُدير المشهد، ويظل العمل مقبورا ينتظر قيامتَه.

وبما أننا فَرَغْنا من إزالة ما يمكن أن يكون لَبْسا في أن يكون مدحا يُكال للتسويف على خلاف ما استقرّ في وعينا من ذمّه وذمّ مَسْحوقيه ومَسْجونيه، فالمقال في لُبِّه يجيب على سؤال: متى لا يكون التسويفُ مشكلةَ تسويف؟!

لأنّ دهاليز نفوسنا معقّدة؛ فيمكن القول إنه ليس كل تسويفٍ هو ممارسة يستوجب تقويمها، ومشكلة نبحث لها عن مخرج، بل قد يكون نذيرا يجب الالتفات إليه، وتحذيرا يستحق الانتباه إليه بجديّة، وصرخة تحذيرية يتحتم علينا أن تُصيخ أسماعُنا إليها، مفادُه أنّ مماطلة النفْس في التنفيذ ليست بالضرورة لعلة في الإرادة أو خلل في العزيمة، أو حتى في الخطة العملية، بل قد يكون صوتا داخليا حقيقيا وحدسا صائبا مُلِحًّا بأن هذه الخطوة خطأ وضرر مَحض، يجب الابتعاد عنها، أو سابقةٌ لأوانها ينبغي تأخيرها، أو بحاجة لتعديل ضروري لتتساوَق ومصلحتَنا الشخصية، إلى غير ذلك من المحاذير الواقعية.

إن لغة حُدوسنا الداخلية تتهجّى أبجدياتٍ عدّة، من بينها أبجدية التسويف، إذ تجد نفسك متثاقلا على القيام بأمر ما، قد يظهر أنه جيد، رغم أنك بوجه عام لا تعاني من التسويف المَرَضي في بقية شؤونك، ومثال ذلك أن تكوني امرأةً منْطلقةً مُنْجزة مُنظّمة، لكنك بدأتِ مؤخرا تعانين من التسويف، خلافا للنَّسق العام الذي تتّسم به خطواتك الواثقة وعلى مدى عقود، فقد يكون  ذلك حينها مؤشرا صارخا على ضرورة التركيز وعدم الانزلاق لفخ التشتت؛ لضمان أن تليق المُخرجات باجتهادك كَمًا وكيفا، فالتشتيتُ - ولو بدا أنه تشتتٌ منظّم! - يئِد النجاحات العظيمة، وينشب أظافره في أوداجها في مهدها، بينما التركيز يطوي المسافات بين المرء وبين المجد بما لم يحلم به يوما ما، لا في مناماته ولا في أحلام يقظته.

ومثالٌ ثانٍ، أن تكون طالبا في البكالوريوس مُجِدًا مثابرا قويّ الشكيمة، ثم تجد نفسك في مساق دراسي ثقيل الوطأة على النفس، منيع الولوج، فلا تَنْشَبْ تسوّف في هذا المساق مشاريعَك وواجباتِك واستذكار دروسك، فهو - أي التسويف - إذَّاك، قد يكون علامة على ضرورة التفكير مَلِيًا في تغيير تخصصك مثلا، أو تأجيل فصل دراسي حتى ترتب أوضاعا راهنة لها أولوية قصوى، وأنّ عدم المسارعة لذلك قد يُحْدِثُ شَرْخًا في حياتك الخاصة لا قِبَلَ لكَ به.

ومثالٌ ثالثٌ، أن تكون عازما على المضيّ قُدُما في مشروعٍ ما، وقد أشبعتَ كل حيثياته دراسةً واستشارة وجاهزية، فضلا عن أنه لديك وَفْرة من الموارد اللازمة للمشروع، إلا أنك - رغم ذلك كله - تجد نفسك تنازعك الخُطى على نحوٍ مُبْهَم، فتسارعُ إلى الاعتقاد بأنه تسويف يجب القضاء عليه، إلا أنه قد يكون تنبيها بضرورة مراجعة دراسة المشروع لوجود ثغرة قد تكون كَبْوةً تصيبك في مَقْتَل، لا تنهض بعدها.

لا غَرْوَ أنّ التقدير والحُكم في المواقف التي يحضر فيها التسويف، هو حُكْمٌ مُحتَمَل، ففي الوقت الذي قد يكون تسويفا حقيقيا يجب حلُّه، إلا أنه قد يكون - على النقيض تماما - حدسا صائبًا بالتوقف حقا؛ لأنّ هناك خطأ ما يجب الالتفات إليه وإيلاؤه اهتماما جادا، والكارثة تكمُن في أنّك إن لم تكترث لحَدْسك، وتعاطيت معه على اعتبار أنه تسويف، وأكرهتَ نفسك على المضيّ قدما في تلك المهمة، فستجني على نفسك ويلاتٍ ساحقة، ويصدُق فيك حينئذٍ: وَجَنَتْ على نفسها بَراقِش! فالحَدْس لا يخطئ ولا يمزح، وهو أمرٌ جَلَلٌ ليس بالأمر الهَزْل! وعليه؛ يغدو السؤال الجامح والفيصلي هنا هو: كيف أميّز بين الحالتين ما دام الأمر بهذه الخطورة؟

ولعلي أقترح لِفَكّ الاشتباك في هذه المنطقة الملغّمة بين التسويف الذي خرج من رَحِمِ ضَعْفِ الإرادة أو التخطيط، وبين التسويف المدفوع بحدس داخلي بأن الخطوة خطأ، هو أن يجلس الواحد فينا مع نفسه جلسة حازمة مفتشا عن صحة ما يريد الإقدام عليه وجدواه، حتى لو كان كل شيء يبدو أنه على ما يُرام، محاولا أن يتلمَّس بَواعِثَ هذا التسويف، فإن لم يجد من علة في جوهر الخطوة التي يريد أن يخطوها أو المهمة التي يرغب في إتمامها أو المشروع الذي يطمح إلى إنجازه، فهذا يرجّح احتمال أنه تسويف ناتجٌ من افتقارٍ لخطة زمنية أو عوامل مؤثرة كموانع نفسية أو بيئية تتطلب حَلْحَلَتها بادئ ذِي بَدْء، وما إلى ذلك، أما إن وقف على حقيقة حدسه في الصدّ عن الإقدام، ورأَى رَأْيَ العين الباعثَ الحقيقي الذي يغذي هذا التسويف بما هو خطوة تستوجب أن يكبح نفسه عنها إنْ كليا أو جزئيا أو مؤقتا، فعندئذٍ يكون التسويف ليس مشكلةَ تسويف، بل درعا نفسيا حمانا من مغبّة ما يمكن أن يؤول إلى ندم وخيبة أمل، وحمِدَ مراعاتَنا إيّاه، وفي مثل هذا المقام يجمُل تقريظ المديح في تمجيد التسويف! 

***

محمـــد سيـــف

من فجر الضمير في وادي النيل الى الشرائع في وادي الرافدين

يثير سؤال نشأة الاخلاق واحدا من اقدم الاسئلة التي رافقت الفكر الانساني: هل جاءت الاخلاق مع الاديان، ام ان الانسان عرف الخير والشر قبل ان يعرف النصوص المقدسة؟ وهل كان الضمير ثمرة للوحي، ام ان الوحي جاء ليهذب ضميرا كان قد بدا يستيقظ في اعماق الانسان منذ فجر الحضارة؟ ان هذا السؤال لا يتعلق بتاريخ الدين فقط، بل بجوهر الانسان نفسه: متى بدأ يشعر ان عليه مسؤولية تجاه غيره، وان هناك افعالا ينبغي فعلها وافعالا ينبغي تجنبها حتى عندما لا يكون هناك رقيب او عقاب؟

تناول عالم المصريات الامريكي جيمس هنري بريستد هذه القضية في كتابه الشهير "فجر الضمير"، حيث رأى ان الاخلاق لم تولد فجاة مع ظهور الرسالات الدينية، بل ان جذورها تمتد الى عصور اقدم، عندما بدأت الحضارات تنقل الانسان من حياة تقوم على الغريزة والبقاء الى حياة تقوم على التنظيم والمسؤولية والوعي. فالانسان القديم لم يكن يعيش فقط لكي ياكل ويحتمي ويتكاثر، بل بدا يسال نفسه: كيف ينبغي ان يعيش؟ وكيف يمكن للجماعة ان تستمر من دون ان تتحول القوة الى ظلم والمصلحة الى صراع دائم؟

وفي وادي النيل ظهرت واحدة من اقدم صور هذا الوعي الاخلاقي. فلم يكن النيل مجرد مصدر للماء والغذاء، بل كان عاملا اساسيا في نشوء الاستقرار والمجتمع. ومع الاستقرار ظهرت الحاجة الى قواعد تنظم العلاقات بين الناس، وبدأ الانسان يميز بين العدل والظلم، والصدق والكذب، والرحمة والقسوة.

ومن هنا يمكن فهم مفهوم "ماعت" في مصر القديمة، وهي كلمة ارتبطت بالحق والعدل والصدق والنظام والتوازن، في مقابل الفوضى والاضطراب والظلم. وكان الحفاظ على "ماعت" يعني، في جوهره، الحفاظ على النظام الاخلاقي الذي يجعل حياة الفرد والمجتمع ممكنة ومستقرة. وهكذا ادرك المصري القديم ان المجتمع لا يمكن ان يستمر بالقوة وحدها، بل يحتاج الى معيار للحق والعدل.

وتظهر اهمية هذا التصور بصورة اوضح في المعتقدات المصرية المتعلقة بالحياة بعد الموت، حيث ارتبط مصير الانسان بفكرة محاكمة القلب. فقد كان القلب يوزن رمزيا في مقابل ريشة "ماعت"، في اشارة الى وزن اعمال الانسان وحقيقة حياته. وبغض النظر عن التفسير الديني لهذه الصورة، فان معناها الاخلاقي واضح: الانسان مسؤول عن افعاله، وحياته لا تقاس فقط بما امتلكه او بالقوة التي مارسها، بل بما فعله تجاه الاخرين. وهنا تظهر مبكرا فكرة الرقيب الداخلي والمسؤولية الاخلاقية.

اما في وادي الرافدين، فقد ظهرت صورة اخرى لتطور الاخلاق، تمثلت في انتقال القيم والاعراف الى قوانين مكتوبة. ففي بلاد سومر واكد وبابل ظهرت نصوص قانونية مبكرة، من بينها قوانين اور نمو وشريعة حمورابي. ولم تكن هذه النصوص مجرد قوائم للعقوبات والملكية، بل تضمنت تصورات عن العدالة وتنظيم المجتمع وحماية بعض الفئات.

وفي مقدمة شريعة حمورابي يظهر الحاكم بوصفه مسؤولا عن اقامة العدل ومنع القوي من ظلم الضعيف، وحماية الارملة واليتيم ونشر النظام. ورغم ان هذه القوانين لم تحقق المساواة بمفهومها الحديث، فان فكرة ان السلطة تتحمل مسؤولية اخلاقية تجاه المجتمع تمثل مرحلة مهمة في تاريخ الفكر الاخلاقي والسياسي.

كما تكشف النصوص السومرية والادب القديم عن اهتمام بقيم مثل الصدق والوفاء واحترام العهود والعائلة ومراعاة الضعفاء. وفي ملحمة جلجامش نرى تحولا اخلاقيا واضحا في شخصية البطل. ففي البداية يظهر جلجامش ملكا قويا ومتجبرا، ثم يمر بتجربة الصداقة والفقد والبحث عن الخلود، فيكتشف حدود القوة وحدود الانسان امام الموت. وتتحول رحلته من الغرور الى الحكمة، ومن البحث عن القوة والخلود الى فهم قيمة الحياة وحدود الانسان.

هذه الشواهد تجعل من الصعب القول ان الانسان لم يعرف الاخلاق قبل الاديان. فالانسان حين عاش في جماعة احتاج الى الصدق حتى تستمر الثقة، والى العدل حتى لا تتحول الجماعة الى صراع دائم بين الاقوياء والضعفاء، والى الرحمة حتى يبقى المجتمع متماسكا. ولذلك يمكن النظر الى الاخلاق في بداياتها باعتبارها استجابة لحاجات انسانية واجتماعية عميقة.

ومع مرور الزمن تطورت هذه القيم واصبحت اكثر تعقيدا، ثم جاءت الاديان لتمنحها بعدا روحيا ومقدسا. فالعدل اصبح عبادة، والرحمة فضيلة، والصدق مسؤولية امام الله، ومساعدة الضعيف عملا له قيمة روحية. وبذلك انتقلت الاخلاق من كونها ضرورة لتنظيم المجتمع الى كونها ايضا مسؤولية امام سلطة اخلاقية عليا تتجاوز المجتمع والفرد.

لكن التاريخ يعلمنا في الوقت نفسه ان الايمان وحده لا يضمن الاخلاق. فقد مارس بعض المتدينين الظلم باسم الدين، كما عاش اشخاص غير متدينين حياة مليئة بالصدق والرحمة والنزاهة. وهذا يدل على ان العلاقة بين الدين والاخلاق ليست حتمية. يمكن للدين ان يكون مصدرا قويا للاخلاق، كما يمكن للانسان ان يستمد مبادئه من ضميره وتربيته وتجربته وشعوره بالاخر ومسؤوليته تجاه المجتمع.

ومن هنا يصبح السؤال الاكثر عمقا ليس فقط: هل يستطيع الانسان ان يكون اخلاقيا من دون دين؟ بل: كيف نشا في الانسان اصلا ذلك الصوت الداخلي الذي يجعله يشعر ان بعض الافعال خاطئة حتى عندما يستطيع ارتكابها من دون عقاب؟ كيف نشات مشاعر التعاطف والشفقة والندم؟ ولماذا يشعر الانسان بالذنب عندما يظلم شخصا ضعيفا حتى لو لم يره احد؟

وتقدم لنا الاكتشافات الاثرية لمحات عن قدم التعاون ورعاية الضعيف. فقد عثر الباحثون على بقايا بشرية تعود الى عصور سحيقة لافراد عاشوا مع اصابات واعاقات كان من الصعب عليهم البقاء من دون مساعدة جماعتهم. ومثل هذه الشواهد تشير الى ان التعاون والرعاية لهما جذور عميقة في التاريخ الانساني.

كما تشير دراسات حديثة في علم النفس وتطور الطفل الى ان بعض اشكال التعاطف والتمييز بين الاذى والمساعدة تظهر في مراحل مبكرة من حياة الطفل قبل تلقي تعليم اخلاقي منظم. وهذا لا يعني ان الطفل يولد حاملا منظومة اخلاقية كاملة، لكنه يشير الى وجود استعدادات نفسية تساعد على نشوء الاخلاق، ثم تقوم التربية والثقافة والدين والقانون بتطويرها وتوجيهها.

ومن هنا يمكن القول ان الاخلاق والاديان دخلا في علاقة طويلة ومعقدة. فالانسان حمل معه استعدادا للتعاطف والتعاون والعدل، ثم جاءت الحضارات لتضع لهذه القيم اشكالا وقوانين، وجاءت الاديان لتمنحها معنى روحيا اعمق ومكانة مقدسة.

ولعل اعظم دليل على قدم الاخلاق ليس فقط ما تركته الحضارات القديمة من قوانين ونصوص، بل ما عاشه الانسان نفسه منذ بدايات وجوده. فالانسان لم يصبح اخلاقيا فقط عندما قرا الوصايا، بل عندما شعر للمرة الاولى ان الم الاخر يشبه المه، وان ضعف غيره يمكن ان يكون ضعفه، وان الجماعة لا يمكن ان تستمر اذا تحول كل فرد فيها الى كائن لا يرى سوى مصلحته.

وهنا ربما يكمن المعنى الحقيقي لفجر الضمير: ان الانسان بدا يصبح انسانا عندما لم يعد يسال فقط: ماذا استطيع ان افعل؟ بل بدا يسال ايضا: ماذا ينبغي ان افعل؟ وعندما ظهر هذا السؤال، ولد واحد من اعظم التحولات في تاريخ البشرية. فقد اصبح الانسان قادرا على مقاومة غرائزه، ومراجعة افعاله، والشعور بالندم، والتضحية من اجل غيره، ووضع قواعد تحمي الجماعة.

لذلك فان الحديث عن الاخلاق قبل الاديان لا ينبغي ان يكون محاولة لالغاء دور الدين، كما ان الحديث عن الدين لا ينبغي ان يؤدي الى انكار جذور الضمير الانساني. لقد بدا الضمير في اعماق الانسان، ثم جاءت الحضارات لتصوغ قيمه في قوانين ومفاهيم مثل "ماعت" والشرائع القديمة، وجاءت الاديان لتمنح هذه القيم افقا روحيا واسعا.

ومن فجر الضمير في وادي النيل، الى الشرائع في وادي الرافدين، الى الرسالات التي جاءت لاحقا، ظل السؤال واحدا: كيف يمكن للانسان ان يكون انسانا افضل؟ وربما تبدأ الاجابة عندما ندرك ان الاخر ليس مجرد غريب عن مصالحنا، بل انسان مثلنا، له خوفه والمه وكرامته وحقه في الحياة. وعندما يصبح هذا الادراك جزءا من وعينا، يصبح العدل اكثر من قانون، والرحمة اكثر من واجب، والصدق اكثر من مصلحة، ويصبح الضمير ذلك الصوت الداخلي الذي يذكرنا، حتى في غياب الرقيب، بان هناك حدودا لا ينبغي ان نتجاوزها.

***

د. عامر ملوكا - اكاديمي وكاتب

رئيس تحرير مجلة بابلون الصادرة في ملبورن / استراليا

في أكتوبر (تشرين الأول) 1971، أقامت جامعة آيندهوفن الهولندية مناظرة بين اثنين من أكثر المفكرين إثارة للجدل يومئذ: نعوم شومسكي وميشيل فوكو. وأدارها الفيلسوف الهولندي فونز إلدرز. وقيل يومئذ إنها كانت بين أهم اللحظات الفكرية في القرن العشرين.

طُرحت في المناظرة قضايا كثيرة، في فلسفة العلم، والطبيعة البشرية، ومفاهيم السلطة والعدالة والأخلاق. ونعلم أن الرجلين كليهما، فوكو وشومسكي، ينتميان لاتجاه اليسار الداعي للتغيير، ولكنهما في الوقت نفسه يقفان على طرفي نقيض -تقريباً- في الموقف من قضايا أساسية في الفلسفة والأخلاق. ولذا قيل إن المناظرة منحت فوكو فرصة نادرة لطرح آرائه الأكثر إثارة للجدل، بطريقة مقنعة وقريبة من الأذهان، وقدمته –خصوصاً- لجمهور المهتمين بالفلسفة وعلم الاجتماع خارج فرنسا.

والراجح أن الجدل السابق حول آرائه هو الذي جعل المناظرة مثيرة للاهتمام؛ لا سيما أن الطرف الثاني، شومسكي، معروف أيضاً بثقافته الموسوعية وصلابته في النقاش الفكري.

واستحوذت مسألتا الأخلاق والمعارف الإنسانية الأساسية على الجانب الأكبر من اهتمام المتابعين. فالمعروف أن فوكو يميل للتشاؤم إزاء علاقة الإنسان بعالمه. ويبدأ هذا بدعوى أثارت جدلاً واسعاً منذ ظهورها في 1966، وخلاصتها أن «إنسان العصر الراهن هو اختراع حديث».

مراد فوكو -بطبيعة الحال- ليس الإنسان بشكل عام؛ بل الإنسان بالمفهوم الذي نتداوله الآن: الإنسان الذي هو محور الحق والفكر والآيديولوجيا والسياسة والاقتصاد والعلم، الإنسان الذي يُنظر إليه كسيد للكون وهدف لكل حركة أو اختلاف أو اتفاق فيه. لم يعرف العالم هذا المفهوم قبل القرن التاسع عشر؛ لكن الذي تغير ليس موقع الفرد بالنسبة للجماعة. فالجماعة ما زالت -وفق رؤية فوكو- تسيِّر الفرد وتصوغ شخصيته، من خلال الثقافة واللغة وتقسيم الأدوار وصناعة المعاني ووسائل الإنتاج، وطريقة تظهير السلطة والنفوذ. الذي تغير في هذه المعادلة هو فهم الإنسان لنفسه، ثم ترتب عليه تغير اتجاه المعرفة والقيم.

بناءً على رؤية فوكو، يمكن القول إن الإنسان أقرب إلى نسخة مكررة، يشكلها المجتمع ومنظومة السلطة التي ينطوي عليها. وحين ينهض بنفسه فسوف يكون تجسيداً للأنساق التي تشكلت حولها وعلى أساسها الجماعة، وليس الشخص الذي يصنع ذاته وأقداره أو يؤثر بعمق في محيطه. ينطبق هذا على إنسان ما قبل القرن الـ19 والإنسان المعاصر. ولكن هذا التاريخ كان نقطة فاصلة بين مفهومين مختلفين تماماً.

خلافاً لهذا الموقف، رأى شومسكي أن فوكو أخطأ أولاً في تعريفه لطبيعة الإنسان، حين قرر أنه يأتي إلى هذا العالم صفحة بيضاء، لا يعرف شيئاً على الإطلاق. ومنذ اللحظة الأولى يتولى المجتمع صياغته وتشكيله. رأى شومسكي أن الإنسان يخرج من رحم أمه مزوداً ببنية عقلية، تمكِّنه من الفهم المتدرج لعالمه، والتفاعل معه، كما تمكِّنه من اكتساب أدوات التواصل مع البشر الآخرين، لا سيما اللغة والحدس الذي يمكِّنه من إدراك المعاني المتولدة عن الأفعال. يستطيع الإنسان في تلك المرحلة المبكرة تلمُّس الحرية؛ بل وممارستها حيثما أتيحت الفرصة. هذه البنية هي التي مكَّنتنا من فهم العالم الذي نحن فيه، واكتشاف بدائله، وتغيير ما يمكننا تغييره. ولولا قابلية استيعاب الواقع وبدائله، ولولا قابلية التغيير عند الإنسان، لبقي العالم على صورته التي عرفها أقدم أسلاف البشر.

ومن هنا فإن الحديث عن تغيير العالم نحو صورة أفضل مما ورثناه، ليس شكلاً من أشكال التوهم الآيديولوجي، كما رأى فوكو؛ بل هو دعوة للإنسان كي يكتشف جوهره الخلاق ويحرر طاقاته المبدعة. عندها سيعيد صياغة عالمه، على النحو الذي يحقق غاياته في تلك اللحظة. هذا خلق جديد وليس مجرد تأكيد لرؤية الأسلاف، كما يُفهم من رؤية ميشيل فوكو. ولذا يمكن الادعاء بأن الإنسان ليس مجرد تكثيف لحقيقة الجماعة التي ينتمي إليها؛ بل هو أقرب إلى جسر بين عالمها وعالم جديد ما زال في رحم الغيب. هذا العالم الجديد يصنعه الأفراد؛ لأنهم في الجوهر ذوات عارفة ومتحولة، تتطلع دائماً إلى ما وراء المشهد.

***

د. توفيق السيف

 

في المثقف اليوم