عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مكوناتها وجبهاتها في ضوء النصر والتحرر والصمود والسؤدد

مقدمة: مثل كلمة «اقرأ» الوحي الأول في الإسلام نقطة انطلاق حضارة شاملة قامت على طلب العلم، تحرير العقل، ومقاومة الجهل والظلم. ليست «حضارة اقرأ» حضارة دينية ضيقة، بل مشروع إنساني كوني يجمع بين الإيمان والعقل، والروح والمادة، والفرد والجماعة. في هذا الإطار، تُعد المقاومة ليست رد فعل ظرفياً، بل مبدأ وجودياً متجذراً في جوهر هذه الحضارة. هي مقاومة متعددة الأبعاد: مقاومة الجهل بالعلم، والظلم بالعدل، والاستعباد بالتحرر، والذل بالسؤدد. تتجلى عبر التاريخ في صور متعددة، مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمفاهيم النصر (الذي يأتي بالتوفيق الإلهي والإعداد البشري)، والتحرر (من الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي)، والصمود (الثبات على الحق رغم الضغوط)، والسؤدد (الرفعة والسيادة الحضارية). في هذه الدراسة المعمقة، نستعرض مكونات هذه المقاومة وجبهاتها المختلفة، مع ربطها بهذه القيم الأربع.

المكونات الأساسية للمقاومة في حضارة «اقرأ»

أولاً: المكون الإيماني-الروحي

يشكل الإيمان بالله الواحد وقوة الغيب أساساً متيناً للمقاومة. يمنح المؤمن شعوراً بالانتماء إلى مشروع أكبر من الزمن الحاضر، مما يولد صموداً أسطورياً. القرآن يربط بين الإيمان والصبر والنصر: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين». هذا المكون يحول المقاومة من فعل يائس إلى عبادة وجهاد روحي، يحمي الإنسان من الانهيار النفسي أمام القوى الغاشمة. يتجلى في الصحابة الذين صمدوا في بدر وأحد، وفي مقاومة المسلمين للغزوات الصليبية والتتارية.

ثانياً: المكون العلمي-المعرفي

«اقرأ» أمر بالمعرفة، فالمقاومة تبدأ بتحرير العقل من الخرافة والتقليد الأعمى. بنى المسلمون حضارة علمية مزدهرة في بغداد والأندلس والقاهرة، مقاومين بذلك الجهل الذي كان سائداً في العصور الوسطى الأوروبية. العلم هنا مقاومة للاستعمار المعرفي: ترجمة المعارف اليونانية والفارسية والهندية، ثم تجاوزها بالنقد والإبداع. ابن سينا وابن رشد والخوارزمي والبيروني مثلوا مقاومة فكرية رفعت الحضارة الإسلامية إلى مصاف السؤدد العلمي، مقدمين نموذجاً للتحرر المعرفي.

ثالثاً: المكون الأخلاقي-الاجتماعي

تقوم الحضارة على العدل والإحسان والمساواة أمام الشريعة. المقاومة الاجتماعية ترفض الاستغلال والطبقية، وتدافع عن المستضعفين. هذا المكون يمنح المقاومة شرعية أخلاقية، فيجعلها حركة تحرر شاملة لا تقتصر على السياسة. الزكاة والوقف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدوات اجتماعية للمقاومة ضد الفقر والفساد، مما يعزز الصمود الجماعي.

رابعاً: المكون السياسي-العسكري

الدولة في حضارة «اقرأ» ليست غاية بل وسيلة لحماية الدين والنفس والعرض والمال. الخلافة الراشدة والدول الأموية والعباسية والعثمانية جسدت مقاومة سياسية للامبراطوريات المحيطة. الجهاد في سبيل الله (الدفاعي أساساً) يرتبط بالنصر والسؤدد، لكنه يقترن دائماً بالإعداد والحكمة: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة».

خامساً: المكون الثقافي-الحضاري

تشمل اللغة العربية، الفنون الإسلامية (العمارة، الزخرفة، الشعر)، والأدب مقاومة للذوبان الثقافي. المقاومة الثقافية تحافظ على الهوية وتنتج بدائل حضارية، كما حدث في الأندلس حيث ازدهر التعايش والإبداع رغم الضغوط.

الجبهات المختلفة للمقاومة

الجبهة الفكرية والتربوية

أخطر الجبهات وأعمقها. المقاومة هنا تتمثل في بناء الوعي وتعليم الأجيال على قيم «اقرأ». المدارس والجامعات (كالأزهر والقرويين) كانت حصوناً للصمود الفكري. في العصر الحديث، مقاومة الغزو الثقافي الاستعماري بالعودة إلى التراث النقدي وإحياء العلوم الشرعية والطبيعية. هذه الجبهة ترتبط بالتحرر من الاستعمار المعرفي، وتؤسس للسؤدد الحضاري طويل الأمد.

الجبهة السياسية والاقتصادية

تشمل مقاومة الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي. اقتصادياً، المقاومة تكمن في الاكتفاء الذاتي، رفض الربا، وتطوير الصناعات. تاريخياً، نجح المسلمون في مقاومة الحصار الاقتصادي خلال الحروب الصليبية، وفي العصر الحديث في مواجهة الاستعمار الاقتصادي. النصر هنا يأتي بالصمود والابتكار، كما في نماذج التنمية الإسلامية التي تجمع بين العدالة والكفاءة.

الجبهة العسكرية والأمنية

ليست المقاومة العسكرية سوى جبهة واحدة، لكنها ضرورية عند الاعتداء. من فتح مكة إلى معارك حطين ودفاع القسطنطينية، يرتبط النصر بالإعداد والتوكل. الصمود في المعارك غير المتكافئة (كمقاومة التتار) يحول الهزيمة العسكرية المؤقتة إلى انتصار حضاري طويل الأمد.

الجبهة الاجتماعية والنسوية والشبابية

تشمل تمكين المرأة في التعليم والعمل (كما كانت عائشة رضي الله عنها عالمة ومقاومة)، وتفعيل دور الشباب كقوة تغيير. المقاومة الاجتماعية تبني مجتمعاً مترابطاً قادراً على الصمود أمام الأزمات.

الجبهة البيئية والمستقبلية

في عصرنا، تمتد المقاومة إلى حماية الكوكب كأمانة إلهية، ومواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي والعولمة بقيم حضارة «اقرأ» التي تؤكد التوازن بين التقدم والأخلاق.

النصر والتحرر والصمود والسؤدد: علاقات جدلية

يمثل الصمود الركيزة: هو الثبات على المبادئ رغم الآلام، كما في قصة بلال والثبات في كربلاء وغيرها (مع الحفاظ على الإطار الإسلامي العام). يؤدي الصمود إلى التحرر، سواء كان تحرراً فردياً من الشهوات أو جماعياً من الاستعمار. أما النصر فهو نتيجة تراكمية، ليس دائماً عسكرياً بل حضارياً: انتصار الحضارة الإسلامية في حفظ المعارف ونشرها. ويتوج كل ذلك بالسؤدد، أي الرفعة والسيادة التي تجعل الحضارة قدوة، لا تابعاً. هذه القيم مترابطة: بدون صمود لا تحرر، وبدون تحرر لا سؤدد، وبالتوفيق الإلهي يأتي النصر.

خاتمة:

في حضارة «اقرأ»، المقاومة ليست استثناء بل قاعدة. هي مشروع متكامل يشمل كل جوانب الحياة، يقاوم به الإنسان المسلم كل أشكال الانهيار والذل. تاريخ هذه الحضارة مليء بفترات صمود أنتجت انبعاثاً حضارياً، كما بعد سقوط بغداد أو سقوط غرناطة. اليوم، تواجه الحضارة تحديات معاصرة تتطلب تجديداً في أساليب المقاومة دون المساس بثوابتها. العودة الحقيقية إلى «اقرأ» تعني بناء مقاومة واعية، علمية، أخلاقية، قادرة على تحقيق النصر والتحرر والصمود والسؤدد. إنها دعوة للأجيال لأن تكون جزءاً من مشروع حضاري مستمر، يقاوم الظلم ويبني المستقبل، مستلهماً من الوحي الأول: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». هكذا تبقى المقاومة في حضارة «اقرأ» سر خلودها وقدرتها على التجدد عبر العصور. فهل يتسنى لنا أن نجعل من المقاومة كطريق الحضارة المستدامة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في توثيق الانكسارات والانتصارات الإمبراطورية

 التأسيس المعرفي للاستعمارية المضطربة وبنية القلق الإمبراطوري

تكشف القراءة التفكيكية المتعمقة لتاريخ الظاهرة الاستعمارية أنها لم تكن يوماً بنية مصمتة، أو واثقة من تفوقها المطلق؛ بل قامت في جوهرها على قلق وجودي مزمن أُطلق عليه في حقل دراسات ما بعد الاستعمار نسق "الاستعمارية المضطربة" أو "النزعة الاستعمارية القلقة". ويتجلى هذا الهلع المعرفي في التباين الصارخ بين الطموح التوسعي اللامتناهي للإمبراطوريات، والواقع المادي المتعثر الذي يسم بداياتها.

تعد التجربة الاستعمارية الإنجليزية المبكرة في القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر نموذجاً تاريخياً فريداً لهذا التعارض البنيوي؛ إذ تميزت بالتراجع والتخلف العملي مقارنة بالآلة الاستعمارية الإسبانية التي كانت قد أخضعت المكسيك وبسطت نفوذها الواسع قبل عقود من تأسيس شركة فرجينيا الاستعمارية في "جيمستاون".

أمام هذا العجز المادي والتعثر الميداني الذي انتهى بمذابح وهزائم متكررة، لجأت النخب الفكرية والأدبية الإنجليزية إلى سلاح "التراكم السردي والخطابي المفرط" للتعويض عن بؤس الواقع؛ وتمت صياغة نظريات تبريرية استندت إلى استعارة الضعف والقناعة بالأشياء البسيطة أو "التوافه"، لتسويق فكرة أن إنجلترا "الصغيرة" والمنعزلة ستقود العالم بنوع من العفة الروحية والرسالة الأخلاقية التي تتفوق بها على وحشية الاستعمار الإسباني. وبذلك، ولد الخطاب الإمبريالي من رحم العزلة القومية والاضطراب الوجودي، حيث تم توظيف الفضاء الاستعماري كمسرح تهكمي للتخلص من الهويات المشوهة، وإعادة صناعة الذات بوصفها المخلص التاريخي.

يمتد هذا المنظور النقدي ليفسر سلوك قوى إمبراطورية أخرى عاشت الهلع المعرفي ذاته؛ فالإمبراطورية اليابانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ورغم انتزاعها للوصاية الدولية على جزر جنوب المحيط الهادئ في مؤتمر فرساي عام 1919، جسدت نموذجاً صارخاً لـ "القوة المستكبرة والواثقة ظاهرياً، لكن القلقة والهشة باطنياً". كان هاجس البقاء والانتزاع للاعتراف الدولي يقض مضجع النخبة اليابانية التي كانت تخشى دائماً السقوط كضحية للقوى الغربية الاستعمارية الكبرى، مما جعل من حيازتها للمستعمرات عبئاً أمنياً ودافعاً لمزيد من التنازلات الاستراتيجية والقلق الوجودي بدلاً من كونه مصدر استقرار.

ويتسق هذا السلوك الإمبراطوري القلق تماماً مع المناورات المعاصرة للقوى الاستبدادية الكبرى، وصعود ظاهرة "الترامبية الجديدة" حيث" تتقنع البنية الإمبراطورية المعاصرة بالغطرسة الفجة، والاستعراض البلاغي، والاستخفاف بالقوانين الدولية، لإخفاء تصدعاتها الداخلية الراهنة ورعبها الوجودي من فقدان الأحادية القطبية.

تفكيك البنية الزمانية والمكانية للإزاحة الاستعمارية

يمثل المكان في الفلسفة التفكيكية مساحة مادية يجري شحنها بالرموز للتغطية على تصدعات البنية الحاكمة. وتعد كاتدرائية "القديس يوحنا الأنجليكانية" في مدينة بليز سيتي، والتي شُيدت بين عامي 1812 و1820 خلال فترة من المنافسة الاستعمارية المضطربة بين القوى الأوروبية، تجسيداً مادياً حياً لـ "المكان-زمان البنيوي" للإزاحة الكولونيالية.

إن إزاحة طقس التتويج الملكي بكل جلاله الكنسي والإمبراطوري من لندن إلى بقعة جغرافية نائية ومتواضعة في حوض الكاريبي لا يمثل مجرد استعراض للقوة، بل هو "استعارة كوميدية بائسة" ومحاكاة ساخرة تكشف رعب الإمبراطورية البريطانية المتداعية من فقدان السيطرة على خطوط الملاحة الاستراتيجية (وقناة السويس لاحقاً)، حيث أسقطت مشاعر القلق والترقب التاريخي على هذه المستعمرات النائية خوفاً من انتقام الشعوب المستضعفة التي وصفتها بالأمس بـ "الوحوش".

إن التتويج في المقبرة الاستعمارية يربط تهكماً بين طقس الولادة السياسية (التتويج) وفضاء الموت المادي (المقبرة)، معلناً انغلاق النطاق الاستعماري على نفسه، وتآكله البنيوي من الداخل عبر مشهد مسرحي يثير الازدراء والشفقة في آن واحد.

الكوميديا السوداء لمعاهدات فرساي: التفكيك النقدي لصلح المنتصرين وهزيمة الخاسرين

عند تطبيق المنهج التفكيكي على اللحظة التاريخية المفصلية لعام 1919 في قصر فرساي، يتجلى لنا كيف تحولت القاعات الفارهة إلى مسرح لمعالجة القلق الإمبراطوري عبر إنتاج منظومة من المعاهدات القهرية التي وزعت الهزائم والمكاسب بأسلوب تدميري يحمل في طياته بذور فنائه. لم يكن "صلح فرساي" وثيقة قانونية لإقرار السلام بقدر ما كان صياغة بلاغية انتقامية تهدف إلى هندسة الوجود السياسي للدول الخاسرة عبر آليات الإذلال المكاني والزماني.

تمثلت أولى هذه المعاهدات في "معاهدة فرساي" مع ألمانيا، والتي صيغت في قاعة المرايا ذاتها التي شهدت إعلان قيام الإمبراطورية الألمانية عام 1871. إن اختيار هذا المكان بالتحديد يعكس رغبة المستعمر الفرنسي والبريطاني في ممارسة فعل "المحاكاة الساخرة" للتاريخ؛ حيث تحول مكان التتويج الألماني القديم إلى مقصلة سياسية واقتصادية فرضت على برلين العزل العسكري الكامل، والاعتراف الفردي بالمسؤولية عن الحرب، ودفع تعويضات باهظة أصابت البنية الوجودية للدولة بالشلل. هذا الإفراط الانتقامي يعكس "اضطراب الوعي الذاتي" للمنتصرين الذين حاولوا طرد شبح الخوف من القوة الألمانية القادمة عبر تكبيلها بنصوص تعسفية قلقة.

لم تقف الهندسة الجغرافية الانتقامية عند حدود ألمانيا، بل امتدت لتفكيك أوصال الإمبراطوريات المهزومة الأخرى عبر منظومة معاهدات فرساي الفرعية. فجاءت "معاهدة سان جيرمان" (1919) لتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، محولة إياها من كيان إمبراطوري شاسع إلى جمهورية النمسا الصغيرة المحفوفة بالضعف الاقتصادي، مع حظر اندماجها مع ألمانيا، وهو ما مثّل حكماً بالإعدام الجيوسياسي القائم على عزل المكونات القومية وتفتيتها. ثم تلتها "معاهدة تريانون" (1920) التي بترت ثلثي مساحة المجر وألحقت ملايين المجر بالدول المجاورة، لتقدم نموذجاً صارخاً لكيفية إعادة رسم الخرائط بناءً على نزوات إمبراطورية قلقة تسعى لإنشاء حواجز بشرية وجغرافية واهية لحماية مصالحها المستقبلية.

أما "معاهدة نويي" (1919) مع بلغاريا، فقد جردتها من ممراتها الاستراتيجية نحو بحر إيجة لصالح اليونان، مما رسخ مفهوم العقاب الجغرافي وحرمان الدول المهزومة من مقومات الحياة الاقتصادية المستقلة. وتوجت هذه السلسلة بـ "معاهدة سيفر" (1920) الإقصائية التي استهدفت تفكيك تركة الدولة العثمانية، وتقسيم الأناضول والمشرق العربي إلى مناطق نفوذ استعمارية مباشرة بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.

إن التفكيك النقدي لهذه المعاهدات يكشف أنها لم تكن خطة لبناء عالم مستقر، بل كانت استعراضاً مسرحياً مفرطاً حاول من خلاله المستعمرون الغربيون التغطية على تصدعاتهم الداخلية وأزماتهم الوجودية عبر تحويل جغرافيا الخاسرين إلى أراضٍ مستباحة ومقاطعات تابعة. وهو ما يحاكي تماماً بنية "التتويج البائس" في بليز؛ حيث تُبنى أمجاد الإمبراطورية فوق مقابر المهزومين، مما يحول السلام المزعوم إلى مهزلة تاريخية ومأساوية مكشوفة.

التوقيت الرمزي والمأزق الإمبراطوري المتجدد

تصل الاستعارة التهكمية للأمكنة والمواقيت إلى ذروتها الكوميدية السوداء عند تأمل السلوك السياسي الحديث للقوى الغربية في تعاطيها مع ملفات الشرق الأوسط، وتحديداً من خلال استدعاء قصر فرساي كموقع لإدارة وتوقيع التفاهمات والاتفاقيات الاستراتيجية مع إيران.

إن تكرار توظيف قصر فرساي في العصر الحديث لاستضافة هذه المشهديات السياسية يحمل دلالة رمزية بالغة الأهمية في الفلسفة النقدية؛ فالغرب، الذي يعيش اليوم طور "الاستعمارية المضطربة الجديدة" ويواجه تراجعاً بنيوياً في هيمنته الأحادية أمام الصعود التعددي للقوى الإقليمية، يحاول استدعاء "مكان الإخضاع التاريخي الأول" (فرساي 1919) ليضفي مشروعية إمبراطورية وهمية على مفاوضاته المعاصرة. وتتجلى هنا "الترامبية الجديدة" في أبهى صورها التهكمية؛ حيث يظن العقل الإمبريالي المأزوم أن استدراج طرف شرقي كإيران للتفاوض أو صياغة التفاهمات في فضاء فرساي يمثل محاولة ناجحة لإعادة إنتاج طقوس الهيمنة القديمة، وإيهام الذات الغربية بأنها ما زالت تمتلك القدرة على تحديد مصائر الأمم ورسم خرائط النفوذ من داخل الصالونات الفرنسية ذاتها.

لكن المفارقة التفكيكية هنا تكمن في تحول هذا الطقس الرمزي من مظهر للقوة إلى "مهزلة سياسية مكررة واستخفاف مفضوح". فبينما كان فرساي عام 1919 يمثل لحظة إملاء الشروط الصارمة من موقع المنتصر المطلق، تحول في القرن الحادي والعشرين إلى فضاء للمساومات المعقدة والاعتراف الضمني بالقوى الصاعدة.

إن التوقيت الرمزي والمكاني للتفاوض في فضاءات فرساي التاريخية يكشف عن رعب غربي كامن من تفكك المنظومة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى؛ فالمستعمر الجديد لم يعد يمتلك القدرة على فرض "معاهدة سيفر" جديدة أو "فرساي" قهرية ثانية، بل أصبح يستجدي الحفاظ على الوضع القائم عبر إضفاء مسحة من الوقار الإمبراطوري التاريخي على تراجعاته الدبلوماسية المستمرة. وبذلك، تصبح رمزية فرساي المعاصرة استعارة كوميدية بائسة؛ حيث يتم استدعاء مسرح الانتصارات الخالية للتغطية على انكسارات الحاضر، وعجز الآلة الاستعمارية عن فرض إرادتها المطلقة.

الفلسفة التفكيكية والآليات الإدراكية لتوثيق الهزيمة

 ينطلق التفكيك المعرفي لخطابات الهزيمة من تفنيد القوانين التاريخية التي تحاول القوى المهيمنة فرضها كحقائق أزلية. ويرى كارل ماركس في أطروحته الشهيرة أن "التاريخ يعيد نفسه؛ في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة". غير أن الجانب التهكمي والساخر يتبدى بوضوح عندما تسعى النظم الاستبدادية والوكلاء المحليون إلى تحويل أدوات القمع الداخلي إلى رموز "تقدمية" أو دروع واقية، بزعم الوقوف في وجه التدخلات الإمبريالية المعولمة والترامبية الجديدة.

هنا تبرز السخرية والكوميديا السوداء كآليات نقدية وراديكالية ضرورية لتفكيك خطابات الهزيمة المزمنة، والتي تحاول الأنظمة والتعبئة الأيديولوجية الاستعمارية تحويلها من "حدث طارئ في الزمن" إلى "طبيعة بيولوجية وثقافية ثابتة" لدى المهزومين، لضمان انكفائهم على ذواتهم ورفضهم لأي محاولة للتغيير أو المقاومة.

بنيوية السخرية والاستخفاف

تتميز السخرية والاستهزاء بكونهما أدوات تعبيرية ذات بنيات إدراكية معقدة؛ فهما لا يقابلان الفكرة بفكرة موضوعية تفصيلية داحضة، بل يعتمدان على آليات خطابية وأدبية تهدف إلى تحقير خطاب الهيمنة وتوهينه في مشاعر المتلقي. ويؤدي هذا الأسلوب إلى وضع المخاطب (المستعمر أو المستبد) في مأزق نفسي حاد يمنعه من تبني الفكرة المستهدفة بالسخرية وقاية لنفسه وحفاظاً على كرامته واحترامه الاجتماعي أمام الآخرين.

وتكمن قوة السخرية التفكيكية في أنه لا يوجد دفاع موضوعي نافع ضدها؛ لأنها لا تلتزم بقواعد النقاش العقلاني المنظم، بل تعمل على الهتك البنيوي وتعرية التناقض الفاضح في خطاب الهيمنة، وتنزع عنه صفة الرصانة والوقار الزائفين.

يرتبط هذا التكتيك النقدي بنظريات المقاومة الثقافية الشعبية حيث كانت الكلمة الساخرة تاريخياً أداة للمستضعفين والعبيد لمواجهة غطرسة السادة وتجريدهم من ترفعهم الواهي، كما يتضح في شعر الهجاء الذي يقلب المعايير الجمالية والاجتماعية السائدة رأساً على عقب. وفي مواجهة السخرية الاستعمارية الفجة والمواقف الترامبية المتغطرسة، تنشأ حركات مقاومة لغوية وجسدية تعيد صياغة ردود الأفعال عبر مناورات إيمائية مبتكرة، تهدف إلى تفريغ تنمر المستعمر أو المستبد من فاعليته، وجعله هو ذاته موضع شك وضحك مكتوم؛ لتظل الاستعارة التهكمية للتاريخ والمكان السلاح الأقوى في تعرية بنية الاستعمارية المضطربة عبر العصور.

***

غالب المسعودي

أطروحات مالك بن نبي مهمة لمن ينظر إلى الاختلال الثقافي بوصفه معيقاً للنهوض العلمي والاقتصادي في المجتمعات العربية. تحدث مالك عن «الدروشة» التي حوّلت التراث من معرفة نشطة إلى مخدر للروح. كما دعا إلى عقلنة الثقافة التي تحدد اتجاهات السلوك الفردي والجمعي.

الإنسان هو نقطة الاشتباك في أي نقاش حول التقدم. هذا رأي لا يجادل فيه أحد، كما أظن. وهو يستدعي سؤالاً ضرورياً: ما دام اتفق الناس على أن كلاً منهم نقطةُ الاشتباك ومحور الجدل، فهل يَعُون أيضاً ما الذي ينبغي فعله كي نتقدم؟ وإذا كانوا يستوعبون أبعاد هذا السؤال، فهل يحاولون فعلياً وضع أقدامهم على طريق التقدم، أي هل يحاولون العثور على الجواب العملي لذلك السؤال؟

أريد هنا إيضاح نقطة ترد إلى ذهني بين حين وآخر، وخلاصتها أن العمل الفكري المهم لمالك بن نبي، لم يتواصل على أيدي مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل التحفظ إن المشروعات الفكرية التي تستهدف الغاية نفسها، أي التقدم، ليست كثيرة أو مترابطة، بل يبدو كل منها، مثل نخلة منفردة في صحراء، يثير الاهتمام، لكن يصعب التعرف إلى الخيوط التي تربطه بما قبله.

أعتقد أننا بحاجة إلى شيء يشبه عمل الفيلسوف المعاصر، أمارتيا سن، الذي وقف أمام فرضيات، جون رولز، في نظريته الشهيرة حول العدالة، ثم قال لنفسه: «كل بلد، حتى أكثره فقراً، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسين معيشة الناس. لا يوجد بلد خالٍ من الفرص. لماذا؟ لأن الفرص يخلقها الناس، شرط ألّا ينشغلوا بالحدود الضيقة لما يرونه بعيونهم، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن تبرير للفشل، أو تركت الفعل الخلاق الإيجابي، وتفرغت لمراقبة ما يفعله هذا وذاك، كي تعثر على زلة تحولها إلى قصة. ولهذا السبب أو لغيره، عجزت عن تخيل الفرص التي يحصل عليها غيرك أو يخلقونها».

في أحاديثه الكثيرة حول الإنسان صانع الحضارة اكتفى مالك بن نبي بتأكيد ما يمكن أن نصفه اليوم بـ«الفردانية»، أي استقلال الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف أن هذا شرط محوري للنهوض الاقتصادي والعلمي.

لكن ابن نبي لم يخبرنا كيف نخلق هذا الشعور لدى جميع الناس، خصوصاً الأكثر حاجة إلى التقدم، أي الطبقات الفقيرة والمعدمة. بل أستطيع القول إن تأكيده المتكرر على الصفات الريادية للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة، أوقعه في مشكلة أخرى وهي النخبوية. فالمستفاد من كلامه أن صُنّاع الحضارة هم نخبة المجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهرياً مع الواقع القائم في عالم اليوم، حيث ينظر إلى جمهور الناس بوصفهم صُنّاعاً للمدنية ومستفيدين منها.

أعود إلى أمارتيا سن الذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكين عامة الناس من الإمساك بأقدارهم والسير في طريق التقدم. فكرة التمكين (empowerment) تجمع بين مفهومَين: المعرفة والإرادة. وأرى أن المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز الإرادة. وأقصد المعرفة العامة التي تجعل الإنسان العادي مطلعاً على العوالم البعيدة عن مداه الجغرافي والبصري، فيتعرف -تبعاً لذلك- إلى الفرص المتاحة في هذه العوالم. ويذكر في هذا السياق أن حكومة الهند وزعت في سبعينات القرن العشرين، عشرات الآلاف من أجهزة الراديو، على العائلات الفقيرة في الأرياف، كي تتعرف إلى الفرص المتاحة بعيداً عنها، ومن بينها فرص التعليم والصحة والأساليب الجديدة في الزراعة... إلخ. تلك الخطوة على بساطتها حسّنت، بشكل ملموس، شبكة الخدمات العامة في الريف، وعجلت بربطه بالاقتصاد الوطني، فتحسنت معيشة الناس.

هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم عامة الناس، لا سيما أقلهم حظاً. وهو لا يستهدف إنشاء نخبة، بل تحريك الطبقات الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي أن هذا أسرع طريق للتقدم... وللحديث بقية.

***

د. توفيق السيف

 

في كل مرة تنطلق فيها بطولة كأس العالم، يتكرر مشهد إنساني يستحق التأمل أكثر من متابعة النتائج والأهداف. فالأمر لا يتعلق بمجرد منافسة رياضية بين فرق تسعى إلى الفوز، بل بظاهرة اجتماعية وثقافية ونفسية قادرة على إعادة تشكيل سلوك ملايين البشر في وقت واحد. تتبدل الأولويات، وتتغير لغة الناس، وتتجه الأنظار نحو حدث واحد يصبح محور الأحاديث والاهتمامات والمشاعر. وكأن المجتمع بأسره ينتقل مؤقتًا من واقعه اليومي إلى واقع آخر تحكمه قواعد مختلفة.

وربما تكمن صعوبة فهم كرة القدم في أنها تجاوزت منذ زمن حدود اللعبة. فهي لم تعد مجرد نشاط ترفيهي أو منافسة بدنية، بل أصبحت إحدى أكثر الظواهر قدرة على إنتاج المعنى الجماعي في العصر الحديث. ولهذا تبدو النقاشات المتعلقة بها أقرب إلى الإيمان منها إلى التحليل، وإلى الانتماء الوجداني أكثر منها إلى الحسابات العقلانية. فما كان الدين والسياسة يقومان به في مراحل تاريخية سابقة من تعبئة للمشاعر وصناعة للهويات وتوحيد للجماعات، أصبحت كرة القدم تؤديه اليوم بدرجات لافتة.

في مواسم البطولات الكبرى، تستيقظ المشاعر الوطنية بطريقة يصعب العثور على نظير لها في أي مناسبة أخرى. الأعلام ترفرف في الشوارع والشرفات، والأناشيد الوطنية تُردد بحماس، والاختلافات السياسية والاجتماعية تتراجع مؤقتًا أمام هدف مشترك. وكأن المجتمع، بكل تناقضاته، يعثر فجأة على مساحة رمزية يتوحد فيها أفراده حول حلم واحد. ففي تلك اللحظات لا يعود اللاعبون مجرد رياضيين، بل يتحولون إلى ممثلين لآمال أمة بأكملها، فيما تصبح المباراة ساحة رمزية تُختزل فيها تطلعات الجماهير ومخاوفها ورغبتها في الانتصار.

هذا الاندماج الجماعي لا يمكن فهمه بمعزل عن الحاجة الإنسانية العميقة إلى الانتماء. فالإنسان لا يكتفي بالعيش البيولوجي أو الاقتصادي، بل يبحث دائمًا عن قصص كبرى تمنحه الشعور بأنه جزء من شيء أكبر من ذاته. وكرة القدم تقدم هذا المعنى بكثافة استثنائية؛ فهي توفر سردية مشتركة، وأبطالًا ورموزًا، وانتصارات وهزائم، وأوقاتًا مقدسة ينتظرها الناس بشغف يشبه انتظار الأعياد.

وليس من المصادفة أن يشبّه كثير من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الملاعب بالمعابد الحديثة. فالمشجعون يتوجهون إليها كما يتوجه الحجاج إلى أماكنهم المقدسة، حاملين رموز الانتماء وألوان الفرق والمنتخبات. تتكرر الأهازيج والشعارات بصورة طقسية، وتتجسد حالة من الوحدة الجماعية التي تذوب فيها الفوارق الفردية. وفي لحظة تسجيل الهدف تبلغ هذه التجربة ذروتها؛ حيث تتوحد المشاعر في انفجار جماعي من الفرح أو الحسرة، في مشهد يعكس حاجة الإنسان القديمة إلى الاحتفال الجماعي وإلى اختبار الانفعال المشترك.

ولعل ما يمنح هذه الطقوس قوتها أنها تتيح للإنسان التحرر، ولو مؤقتًا، من أعباء الحياة اليومية. ففي عالم تحكمه الالتزامات المهنية والضغوط الاقتصادية والإيقاع المتسارع للحياة، تأتي كرة القدم لتفتح نافذة على زمن مختلف، زمن لا تحكمه الإنتاجية ولا الحسابات المادية، بل تحكمه المتعة والترقب والانفعال. إنها لحظة يخرج فيها الإنسان من دوره الوظيفي والاجتماعي المعتاد ليعود إلى مساحة أقرب إلى اللعب، ذلك النشاط الذي رآه كثير من الفلاسفة تعبيرًا عن الحرية الإنسانية في أنقى صورها.

وقد ساهمت وسائل الإعلام الحديثة في تعميق هذا البعد الرمزي. فالمباريات لم تعد أحداثًا محلية أو إقليمية، بل أصبحت مناسبات عالمية يعيشها الملايين في اللحظة نفسها. يجلس الناس أمام الشاشات في منازلهم أو يتجمعون في المقاهي والساحات العامة وكأنهم يشاركون في احتفال جماعي عابر للحدود. وبهذا المعنى، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُشاهد، بل تجربة اجتماعية تُعاش وتُستعاد في النقاشات اليومية والتحليلات والذكريات التي تمتد طويلًا بعد انتهاء المباريات.

ومن المثير للاهتمام أن كرة القدم أصبحت أيضًا ساحة رمزية لتجسيد المنافسات بين الأمم. فالتاريخ والسياسة والاقتصاد كثيرًا ما تحضر في خلفية المباريات الكبرى، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة. وتتحول بعض المواجهات الرياضية إلى مناسبة لاستحضار ذكريات الصراع أو التعبير عن الرغبة في التفوق الوطني. ولهذا يشعر كثير من الناس بأن ما يجري داخل الملعب يتجاوز حدود الرياضة ليصبح تعبيرًا عن مكانة جماعة أو أمة بأكملها.

ومع ذلك، فإن هذه الهالة الرمزية لم تتأثر كثيرًا بالتجارية المتزايدة التي تحيط بكرة القدم أو بقضايا الفساد التي شهدتها بعض مؤسساتها. فالجماهير ما تزال قادرة على الفصل بين اللعبة بوصفها تجربة وجدانية عميقة وبين الإشكالات التي تحيط بها. وهذا ما يفسر استمرار سحرها وقدرتها على جذب الملايين رغم كل الانتقادات.

إن ما نشهده اليوم ليس دينًا جديدًا بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه بالتأكيد يعكس انتقال كثير من الوظائف الرمزية التي كانت تؤديها المؤسسات الدينية أو السياسية إلى فضاءات أخرى أكثر قدرة على مخاطبة وجدان الإنسان المعاصر. فالبشر لا يتوقفون عن البحث عن المقدس، لكنهم يغيرون صوره وأشكاله. وحين تضعف بعض المرجعيات التقليدية، تظهر بدائل جديدة قادرة على منح الأفراد شعورًا بالهوية والانتماء والمعنى.

ولهذا فإن كرة القدم تظل ظاهرة مزدوجة. فهي قادرة على تعزيز التضامن الاجتماعي، وبناء الجسور بين الأفراد، وإنتاج لحظات نادرة من الوحدة الجماعية. لكنها، في الوقت نفسه، قد تتحول إلى مصدر للتعصب والانغلاق والعنف حين تُرفع إلى مرتبة المطلق. فكل ما يمنح الإنسان معنى عميقًا يحمل في داخله إمكانية البناء وإمكانية الهدم معًا.

ويبقى السؤال الأكثر إثارة للتأمل: هل تكمن قوة كرة القدم في اللعبة نفسها، أم في الفراغ الوجودي والاجتماعي الذي جاءت لتملأه؟ وهل يتعلق الأمر بحب الرياضة حقًا، أم بحاجة الإنسان الدائمة إلى الإيمان بشيء يجمعه بالآخرين ويمنحه شعورًا بأنه جزء من قصة أكبر من حياته الفردية؟ ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح الحقيقي لفهم المكانة الاستثنائية التي تحتلها كرة القدم في عالمنا المعاصر.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

قد يظن البعض أن صوت الفكر يتلاشى في زمن القتال، لكن الحقيقة أن أكثر اللحظات حاجة إلى الفلسفة هي تلك التي تفقد فيها البشرية بوصلتها الأخلاقية.

ليس للفيلسوف سلاح غير فكره، ولا درع سوى ضميره. وبينما تنطلق القذائف وتقرع طبول الحرب، يقف وحده، هامسا في صخب الجنون، متحديا هذا العنف بمنطق السؤال. يراقب من وراء الضجيج ما لا يراه غيره: سقوط الإنسان تحت ركام الشعارات، وانهيار المعنى تحت الحطام.

الفيلسوف لا يبحث عن نصر ولا هزيمة، بل عن الحقيقة التي تغتال كلما اشتعلت النيران. لا تهمه خرائط الجغرافيا بل الخرائط الخفية في العقول التي يعاد رسمها بالحقد والخوف.

انه لا يقف على ضفة المنتصرين، ولا يصطف مع المهزومين، بل ينحاز دائما الى ما يتجاوز الانتصار والهزيمة: الى الحقيقة، والعدالة، والكرامة الانسانية

في زمن الحرب تكون الشجاعة الكبرى أن تسأل...  تسأل عن جدوى القتل، عن أسباب الكراهية، عن منطق العداء، عن مصدر الخطاب الذي يحشد الجموع نحو المجازر. من أين جاء؟ من يخدم؟ ولماذا لا يناقش؟

الفيلسوف لا يحمل بندقية، لكنه يزرع الشك في يد من يحملها. لا يعتلي منصة سياسية، لكنه ينصت لصوت الضمير، يسائل، يفتش عن منطق ضاع في متاهات التحريض، وعن انسانية جرفت تحت اقدام الشعارات الصاخبة.

ما دور الفيلسوف في الحرب؟

ان يفضح المسكوت عنه، ان يرفض تبرير الدم بالمقدس او بالتاريخ او بالتراث او بالخوف. ان يسأل السؤال الممنوع: هل ما يقال لنا هو الحقيقة؟ هل العدو عدو لان جوهره شرير، ام لان مصالحنا تقتضي شيطنته؟ هل الوطن يبنى بالدم، ام بالحوار؟ هل الدفاع عن القيم يعني سحق المختلف، ام احتواءه؟

هذه الاسئلة لا تصدر الا عن شجاعة من طراز خاص: شجاعة الوقوف في وجه القطيع حين يندفع نحو الهاوية.

الفيلسوف في الحرب لا يقترح استراتيجيات، بل يعيد ترتيب البوصلة الاخلاقية. انه لا يهمه كم عدد الجنود، بل كم عدد الاكاذيب التي صدقت حتى يبرر تجنيدهم. هو لا يدون الخرائط، بل يمزق خرائط الكراهية التي ترسم على جدران العقول.

احيانا، يكون صوت الفيلسوف همسا، لا يسمع وسط الجلبة. لكنه يبقى. ينقش اسئلته في الوعي الجمعي، كمن يزرع الغاما مضادة للجهل والتعصب في حقول الزمن. وربما بعد سنين، حين تتوقف المعركة، ويبدأ الناس في عد الخسائر، يظهر صوت ذاك السؤال القديم: لماذا فعلنا ذلك؟ وهنا يتضح ان الفيلسوف لم يكن صامتا، بل كان يتحدث بلغة لا يفهمها زمن الحرب، لكنها ضرورية لزمن السلام.

وليس ابلغ من الفيلسوف سقراط، الذي اثر الموت على ان يتخلى عن التفكير الحر في مدينة مزقتها الانقسامات، ولا اعظم من رسائل تولستوي وهو يناهض العنف باسم الحب، ولا اصدق من صرخة جان بول سارتر: اذا لم نسائل الحرب، فنحن نبررها

هؤلاء لم يمنعوا الحروب، لكنهم اعادوا للانسان وجهه، حين تخلى عنه

دور الفيلسوف في الحرب هو ان يكون شاهدا لا يوقع، ومفكرا لا يستدرج، وبوصلة لا تبرمج. ان يصر على ان الدم لا يغسل الخطأ، وان الطغيان لا يصلح بالقوة، وان الكرامة لا تستعاد بالقنابل، بل بالفهم والاعتراف واعادة بناء المعنى.

 الحرب لا تنتصر على الفلاسفة، حتى وان اسكتت اصواتهم مؤقتا. لان الكلمة التي تقال بصدق، ولو في زمن الجنون، تبقى. تنمو تحت الرماد، وتشقق طريقها الى ضمير العالم، شاهدة على ان الانسانية لم تكن نائمة تماما، بل كانت تحاول ان تتنفس عبر اسئلة فيلسوف.

إن دور الفيلسوف في الحرب ليس أن يصرخ، بل أن يبقى. أن يظل واقفا حين يجثو الجميع. أن يحتفظ بالسؤال حيا، حتى لا يموت المعنى

وفي النهاية، قد تخرس الحرب صوت الفلاسفة، لكنها لا تستطيع أن تطفئ نور أسئلتهم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

ثمة لقاءات عابرة في الزمن، لكنها تظل مقيمة في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس. في نهاية تسعينيات القرن الماضي، اقترح مثقف عراقي مقيم في السويد زيارة مدينة مراكش ولقاء مثقفيها وشعرائها في جلسة مفتوحة للحوار والقراءة والتعارف. لم يكن الأمر يومها مجرد نشاط ثقافي عابر، بل بدا أشبه بامتحان رمزي لإمكانية اللقاء بين عوالم مختلفة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالخيال، والمنفى بالهوية، واللغة بالإنسان.

في فضاء دار الباشا الكلاوي بالمدينة العتيقة، اجتمعنا حول الشعر والنثر والكلمة الحرة. كانت الأمسية، في جوهرها، احتفاءً بما يسميه الفيلسوف الألماني هانس جورج غادامير "اندماج الآفاق"، حيث لا يذوب أحد في الآخر، ولا ينتصر أفق على أفق، بل تتسع مساحة الفهم المشترك. يومها لفت انتباهي أن أغلب الضيوف القادمين من الشمال الأوروبي كانوا يحملون ثقافة إنسانية واسعة وانفتاحًا نادرا على الاختلاف، لا بوصفه موضوعا للتسامح فحسب، بل باعتباره شرطا من شروط المعرفة ذاتها.

ولعل هذا ما جعلني أعيد النظر في كثير من الصور النمطية التي رسختها الأدبيات الكلاسيكية حول العلاقة بين الشرق والغرب. فقد سبق أن التقيت شعراء ومثقفين من بلدان أوروبية مختلفة، ولم ألمس لديهم ذلك القدر من الحماس الإنساني الذي وجدته لدى مثقفين اسكندنافيين. بدا الأمر كما لو أن المسافة الجغرافية لا تعني بالضرورة مسافة وجدانية، وأن القرب الحقيقي، كما كان يرى مارتن بوبر، لا يتحقق إلا عندما يتحول الآخر من "هو" إلى "أنت"، ومن موضوع للمعرفة إلى شريك في الوجود.

لهذا كان صدور كتاب "الاستشراق السويدي" للكاتب والمترجم العراقي سعيد الجعفر حدثا فكريا استوقفني على أكثر من مستوى. فمن جهة أولى، يعيد الكتاب مساءلة مفهوم الاستشراق خارج المركزيات التقليدية التي احتكرت هذا الحقل لعقود طويلة، خصوصا في فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ومن جهة ثانية، يفتح نافذة على تجربة معرفية مختلفة، أقل ارتباطا بالمشروع الإمبراطوري وأكثر اتصالا بالفضول العلمي والإنساني.

يصعب الحديث عن الاستشراق دون المرور عبر المنعطف الذي أحدثه إدوارد سعيد في كتابه الشهير ّالاستشراق". فقد كشف سعيد أن الاستشراق لم يكن مجرد معرفة بريئة بالشرق، بل نظاما من التمثلات أنتجته علاقات القوة، وحوّل الشرق إلى موضوع للهيمنة والضبط والتصنيف. لقد بيّن أن المعرفة ليست دائما منفصلة عن السلطة، وهو ما سيتوسع فيه لاحقا ميشيل فوكو حين اعتبر أن كل خطاب معرفي يحمل في داخله شبكة من علاقات القوة التي تحدد ما يمكن قوله وما يجب إقصاؤه.

غير أن القراءة المتأنية لتجارب الاستشراق الاسكندنافي، وخاصة السويدي، تضعنا أمام سؤال أكثر تركيبًا: هل كل معرفة بالآخر هي بالضرورة شكل من أشكال الهيمنة؟ أم أن ثمة إمكانا آخر للمعرفة يقوم على الحوار والإنصات والاعتراف المتبادل؟

يبدو أن الكتاب الذي يقدمه سعيد الجعفر يراهن على هذا الاحتمال الثاني. فهو لا يكتفي بتوثيق أسماء ومستشرقين ورحالة، بل يعيد بناء شبكة من العلاقات الثقافية التي نسجتها الرحلة والترجمة والبحث اللغوي، حيث يتحول الرحالة من مراقب خارجي إلى وسيط حضاري، وتتحول الرحلة من أداة استكشاف إلى أداة فهم.

ولعل المقارنة التي يقيمها الكتاب بين ابن بطوطة وسفين هدين تحمل دلالة عميقة. فكل منهما كان يبحث عن العالم، لكن العالم الذي عثر عليه لم يكن مجرد أمكنة ومدن وشعوب، بل كان في جوهره بحثا عن الذات من خلال الآخر. أستحضر هنا ما كتبه بول ريكور حين أكد أن فهم الذات لا يتم إلا عبر المرور بالغير، وأن الهوية ليست معطى ثابتا بل سردية تتشكل باستمرار من خلال اللقاءات والتجارب والتبادلات.

إن قيمة هذا العمل (أعكف على قراءته حاليا)، لا تكمن فقط في إعادة اكتشاف صفحة شبه منسية من تاريخ الاستشراق، بل في دعوته الضمنية إلى تجاوز الثنائيات الموروثة بين شرق وغرب، مركز وهامش، ذات وآخر. فالعالم المعاصر، كما يذكرنا زيغمونت باومان، لم يعد يحتمل الهويات المغلقة ولا الجدران الثقافية الصلبة، بل يتجه نحو فضاءات أكثر سيولة وتعقيدًا وتداخلاً.

وأعتقد أن الاستشراق السويدي لا يمكنه قراءته كموضوع أكاديمي أو أرشيف تاريخي، بل بإعادة التفكير في معنى المعرفة نفسها. معرفة لا تقوم على امتلاك الآخر أو اختزاله، وإنما على الإصغاء إليه. معرفة تجعل من الرحلة فعلا أخلاقيا بقدر ما هي فعل معرفي، ومن الاختلاف فرصة للفهم لا ذريعة للإقصاء.

مؤكد أن الكتاب سيتيح لي أن أقرأ جزءًا من تاريخنا بعين أخرى، وأن أرى نفسي في مرآة مختلفة. فربما لا تكون الحضارات، في نهاية المطاف، سوى حوار طويل بين ذواكر متعددة، تبحث جميعها عن شيء واحد: أن تفهم العالم دون أن تدّعي امتلاكه.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

هل المدونة تشريع باسم الدين أم مصادرة له؟

في هذه المقالة المستعجلة) كالمدونة المستعجلة- التي أقرت بلا إقرار حقيقي داخل البرلمان العراقي عام ٢٠٢٥- من دون قراءة واطلاع ومناقشة مطلقا، لانهم تصوروها منزلة من "السماء " وهي قد قدمت للتو بتوقيع من المعصوم جعفر الصادق (عليه السلام) مباشرة – فيها نقد لكيف تم تحويل المذهب الحر الى مذهب فقهي لا يشبهه.

الأخطر ما في الأمر انهم جعلوا المدونة كما لو كانت نصا منزلا، غير خاضع للنقاش والمراجعة وكأنها لاتتعامل مع بشر معاصرين. بل مع "كومة أحجار"  ثابتة ومتشابهة وتصوراتهم واحدة عن قضايا حياتهم ودينهم ؟ أو كما لو كانت صياغة النص القانوني غير خاضع للمساءلة والتهميش والتعديل .

وهنا تبدأ المشكلة فالفقه الجعفري عبر تاريخه الطويل لم يكن مذهبا مغلقا أبداً. بل كان قائما على مبدأ الاجتهاد المفتوح وعلى تعدد الآراء (واختلاف الفقهاء) وحق المكلف في اختيار المرجع الذي يقلده) لم يكن هناك نص قانوني او فقهي يحتكر الحقيقة باسم المذهب لكن المدونة الجديدة فعلت العكس تماما.

لقد حولت الفقه من حركة فكرية حيّة الى جهاز قانوني جامد) ومن تعددية الاجتهاد الى احتكار النص. ومن اختلاف الفقهاء والاراء الى مادة قانونية ملزمة تصدرها الدولة وتفرضها على المجتمع باسم الدين.

والسؤال هنا: هل ماجرى هو تشريع باسم الدين، أم مصادرة للدين نفسه؟

لأن الدولة حين تختار رأيا فقهيا واحدا من بين عشرات الآراء داخل المذهب الجعفري) ثم تحويله الى قانون نافذ) فإنها  لاتغير نظام المجتمع فقط) بل تعيد تشكيل المذهب نفسه وفق حاجتها السياسية والإدارية .

إن أخطر ما في المدونة ليس مضمونها أو تسميتها (بل الطريقة التي قُدمت بها، فقد أريد للمجتمع أن يتعامل معها بوصفها فوق النقد) وخارج النقاش وكأن الاعتراض عليها اعتراض على الدين ذاته وعلى المذهب الجعفري، -الذي يشعر اتباعه لليوم بأنهم مستهدفون في دينهم وتشريعهم- لا على صياغة قانونية بشرية قابلة للنقد والتعديل، فهي وأن كانت مستمدة من المدونات الفقهية الجعفرية الا أن نقلها للفتاوى ليس معصوما وطريقة الجمع والانتقاء بالآراء لم تكن معصومة بالتأكيد.

وهذه واحدة من أخطر آليات تدمير المجتمعات: أن يتحول القانون الى مقدس) وسياسة البلد الى دين والاجتهاد البشري الى حقيقة نهائية) والأخطر أن المدونة لم تطرح في مجتمع مستقر ومتوازن، بل في مجتمع عراقي ممزق بالحروب والطائفية والفقر والفساد والانهيار المؤسسي. أي أنها جاءت في بيئة متفجرة أصلا، لم تخرج من الحروب بعد، بدل أن تبحث عن ترميمها وتوحيدها .

فهل كان العراق بحاجة فعلًا إلى قانون يشوه المذهب ويجعله مع مرور الزمن مذهبا مغلقا ويفتح نزاعات مذهبية جديدة؟
وهل كانت الأولوية هي إعادة صياغة قانون الأحوال الشخصية) وفق صراعات الهوية الطائفية، بينما الدولة نفسها تعاني من فقدان العدالة والخدمات والاستقرار وغياب الدين الفعلي في مفاصل الحياة اليومية للناس الذين اكتفوا بالطقوس الظاهرية) التي دفعتهم اليها جماعات متشددة بعيدة عن روح الدين؟

إن القوانين الكبرى لاتبنى على الاستعجال) ولا على القداسة السياسية ولاعلى التخويف الديني) بل على النقاش المجتمعي العميق، والتوافق وفهم الواقع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للمواطنين .

أما حين يتحول البرلمان إلى مجرد ختم سريع لنصوص يُخشى الاقتراب منها، فإننا لا نكون أمام تشريع ديمقراطي، بل أمام إعادة إنتاج للاستبداد بلغة دينية، في صورة تبدو ديمقراطية. لمصلحة من يتم تزييف كل شيء ؟

لقد كان الفقه الجعفري حيا لأنه كان مفتوحا ومتعدد مقالة. وكان قويا لأنه قبلَ الاختلاف. وكان إنسانيا لأنه فهم تغير الزمان والمكان.

أما تحويله الى " مدونة مغلقة " تدعي تمثيله النهائي (فليس انتصارا للمذهب) كما أدعى البعض (بل اختزال له) وربما بداية فقدانه لروحه التاريخية التي قامت على الحرية والاجتهاد والتعدد .

***

ا. د. بتول فاروق

١٦/ ٦/٢٠٢٦

من بين أكثر الظواهر الإنسانية حضوراً وأشدها تعرضاً لسوء الفهم تأتي ظاهرة اللعب. فالكلمات التي تتناسل حولها؛ لعب، لعبة، ألعاب، ملاعب، منافسة، مباراة، مبارزة، سباق، رياضة، تدريب، تأهيل، بطولة، ماراثون، مونديال، وغيرها من الكلمات التي ترمز إلى النشاط الذي يمارسه الكائن الحي بوصفه جزءا أصيلًا من حياته (وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو) إشارات إلى واحدة من أعمق الخبرات الوجودية التي صاحبت الكائن الحي منذ ظهوره على المعمورة. فاللعب ليس ترفاً ولا فعلاً هامشياً كما اعتادت بعض الثقافات أن تتصوره، وإنما هو أحد الأشكال الأولى التي تتجلى فيها إرادة الحياة ذاتها وهي تتعلم البقاء وتقاوم الفناء قانون الحياة الفطري وتشير دراسات علم السلوك الحيواني وعلم الأعصاب الوجداني إلى أن اللعب وظيفة بيولوجية أساسية لدى الثدييات، لأنه يسمح بتعلم العلاقات الاجتماعية وبناء الثقة وتجريب المخاطر داخل فضاء آمن، وهو ما يجعل الفرح نفسه حاجة وجودية لا ترفًا ثقافيًا.

للعب وظائف جوهرية في تأهيل صغار الحيونات وجعلها قادرة على التكيف مع الحياة. بل قل أن الحياة برمتها هي لعبة الكائنات الحية في الوجود ولا عذر للكائن من ممارستها طالما وهو موجودا؛ يجب أن يتقن ممارستها؛ إنها لعبته مع الموت والخوف والعجز والمرض في هذا الحياة التي لا ترحم العجز أبدا وهكذا نفهم كيف لعبت صغار الحيوانات قبل أن تتعلم الصيد والدفاع عن النفس، ولعب الإنسان قبل أن يؤسس المدن والدول والإمبراطوريات.

غير أن الإنسان بعقله هو الذي ارتقى باللعب إلى مرتبة الثقافة، وحوله إلى مؤسسة اجتماعية واقتصادية وسياسية وجمالية وأخلاقية، ووضع له قواعد ومعايير وأهدافاً تتجاوز مجرد التسلية. ففي الملعب تتجسد قيم الكفاءة والانضباط والمهارة والسرعة والإبداع، وتختفي الامتيازات الموروثة التي تأتي من خارج الجسد. هناك لا يعمل النسب ولا الثروة ولا السلطة ولا الخطابة، بل تعمل القدرات المتجسدة في الجسد ذاته. ولهذا تظل الرياضة واحدة من أكثر المجالات الإنسانية عدالة من حيث المبدأ، لأنها تعيد الإنسان إلى ما يستطيع أن يفعله بنفسه لا إلى ما يملكه خارج ذاته.

ولعل هذه الحقيقة هي التي جعلت اليونانيين يربطون بين الفلسفة واللعبة. فالرواية المنسوبة إلى فيثاغورس حين سُئل عن الفلاسفة ما تزال تحتفظ بقدرتها الرمزية حتى اليوم. فقد شبّه الحياة بمشهد احتفالي رياضي؛ بعض الناس جاءوا للمنافسة والفوز، وبعضهم جاءوا للتجارة والربح، أما الفلاسفة فقد جاءوا للمشاهدة والتأمل وفهم ما يجري. ومنذ ذلك الحين أصبح اللعب مرآة لفهم الوجود نفسه، لا مجرد نشاط ترفيهي عابر.

وبهذا المعنى يرى الفيلسوف الهولندي يوهان هويزينغا أن " الحضارة الإنسانية لم تنشأ من العمل الجاد وحده، بل من اللعب أيضًا؛ فالقانون والفن والشعائر وحتى السياسة تحمل في أصلها بنية لعبية قائمة على الرمزية والتمثيل" فاللعب ليس نقيض الجدية، بل أحد شروطها الخفية، لأنه يمنح الإنسان مساحة يخرج فيها مؤقتًا من ضغط الضرورة الاقتصادية والاجتماعية ليستعيد توازنه النفسي والجماعي.

ولم يكن من المصادفة أن يلتفت المفكرون المعاصرون إلى كرة القدم بوصفها الظاهرة الإنسانية الأكثر انتشاراً في عصرنا. فهذه اللعبة البسيطة التي تدور حول كرة مستديرة استطاعت أن تستقطب مشاعر مليارات البشر وأن تحول الانتماءات المحلية والقومية والدينية إلى لغة مشتركة يفهمها الجميع. إنها تقدم نموذجاً مصغراً للعالم: صراع وتنافس، انتصار وهزيمة، أمل وإحباط، عدالة وخطأ، فرد وجماعة، مهارة ونظام، حرية وانضباط. ولذلك فإن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت بنية ثقافية كاملة، ومختبراً إنسانياً لفهم الذات والآخر والمجتمع.

غير أن القيمة الفلسفية للعب لا تتوقف عند حدود الرياضة، بل تمتد إلى إعادة اكتشاف الجسد نفسه. ذلك الكيان يمنح هوية الكائن وتجربة حياته فكما يصعب تصور الابتسامة بدون وجه يبتسم فكذلك يستحيل وجود الكائن بدون كيان! وفيما يتصل بالكائن البشري هيمنت على الفكر الإنساني صورة مشطورة للإنسان تفصل بين الروح والجسد، بين العقل والمادة، بين السماء والأرض، بين الخلود والزوال. وبموجب هذه الثنائية تم الاحتفاء بالروح والعقل والوعي، بينما أُهمل الجسد أو نُظر إليه بوصفه وعاءً مؤقتاً أو مصدراً للشهوة والخطيئة والآثم.

مع عصر النهضة وما تلاه من حداثة فكرية لاسيما، منذ سبينوزا مروراً بنيتشه ووصولاً إلى فوكو ودولوز وميرلوبونتي، بدأت تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. لقد أعلن سبينوزا عبارته الشهيرة: «إننا لا نعرف بعد ما الذي يستطيع الجسد أن يفعله». وهي عبارة تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها تمثل انقلاباً جذرياً في فهم الإنسان لذاته. فهي لا تسأل عن الروح ولا عن العقل، بل عن الجسد نفسه بوصفه لغزاً لم يُكتشف بعد وربما كان روسو محقاً حين قال (إن أكثر الأشياء قرباً منا هي أكثرها بعداً عن فهمنا)

فكيف يمكننا النظر إلى اللعب والرياضة؟ فهما لا يعيدان اكتشاف الجسد بوصفه آلة بيولوجية فحسب، بل بوصفه مجالاً للإمكانات. فالعدّاء لا يكتشف قوة عضلاته فقط، بل يكتشف حدود الإرادة والتحمل والانضباط. واللاعب لا يكتشف جسده بوصفه كتلة لحمية، بل بوصفه ذكاءً متجسداً قادراً على اتخاذ القرار والحركة والإبداع في اللحظة ذاتها. ولذلك يصبح الجسد في الرياضة شكلاً من أشكال التفكير، ويصبح التفكير نفسه نشاطاً جسدياً.

ليس من قبيل المصادفة أن تستقر في الوعي الجمعي مقولات تبدو بديهية حدّ التكرار، مثل المثل العربي الشائع: «العقل السليم في الجسم السليم»، حتى تغدو أشبه بحقيقة نهائية لا تُمس. غير أن التأمل الفلسفي الهادئ يكشف أن هذه العبارة، على رسوخها، تنطوي على قلبٍ خفيّ في ترتيب العلة والنتيجة؛ إذ تضع الجسد شرطًا للعقل، بينما التجربة الإنسانية، في عمقها، توحي بالعكس: أن العقل هو الأصل، وهو الحارس الأول، وأن الجسد ليس إلا ميدانًا لتجلّياته.

فالعقل ليس مجرد أداة للتفكير، بل هو نظام توجيه كامل، يضبط الإيقاع الداخلي للإنسان، ويرسم حدود أفعاله، ويمنحه القدرة على التمييز بين ما يبني حياته وما يقوّضها. ومن دون هذا الرقيب الداخلي، يصبح الجسد عرضةً لقوى عمياء: شهوة بلا ميزان، وغريزة بلا ضابط، واندفاع بلا تقدير للعواقب. عندها لا تعود صحة الجسد مسألة عافية بيولوجية فحسب، بل تتحول إلى نتيجة مباشرة لغياب البوصلة العقلية. فكم من جسد قويّ ظاهريًا ينهكه سوء الاختيار، وكم من إنسان امتلك أسباب الصحة، لكنه أضاعها حين تخلّى عقله عن وظيفته كحارس ذكي للجسد فالتجربة الإنسانية لا تؤكد أن سلامة الجسد تنتج سلامة العقل بقدر ما تؤكد أن العقل هو الذي يصنع شروط سلامة الجسد فالعقل هو الذي يحول القوة إلى قيمة، والطاقة إلى معنى، والحركة إلى غاية.

وبهذا المعنى كتبت قبل أيام مقال بعنوان (الجسد السليم ثمرة من ثمار العقل السليم وليس العكس.

وإذا كانت هذه العلاقة صحيحة على مستوى الكائن الفرد، فإنها أكثر صحة على مستوى الكيان الاجتماعي. فكما يحتاج الجسد إلى عقل ينظم حركته، يحتاج المجتمع إلى عقل سياسي ينظم حياته المشتركة. والسياسة في معناها العميق ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي فن إدارة الحياة الجماعية وضبط التوازن بين المصالح والقوى والرغبات المتعارضة.

وبهذا المعنى نفهم قول الشاعر ابو العلا المعري:

يَسوسونَ الأُمورَ بِغَيرِ عَقلٍ

فَيَنفُذُ أَمرُهُم وَيُقالُ ساسَه

فَأُفَّ مِنَ الحَياةِ وَأُفَّ مِنّي

وَمِن زَمَنٍ رِئاسَتُهُ خَساسَه

هكذا أذن السياسة، شأنها شأن العقل، يمكن أن تكون علاجاً أو سماً (فارماكون) بحسب أفلاطون. فهي قادرة على إنتاج العدل والأمن والأمل حين تخضع للقانون والمؤسسات، وقادرة في الوقت نفسه على إنتاج الخوف والعنف والانهيار حين تتحول إلى أداة للهيمنة والقهر. ولذلك فإن المجتمعات التي تفقد عقلها السياسي تشبه الأجساد التي تفقد جهازها العصبي؛ تستمر في الحركة لكنها تفقد الاتجاه.

ولا تدوم الدول الا ب «عدل صحيح وأمن راسخ وأمل فسيح». فالعدل هو عقل السلطة، والأمن هو جسدها، والأمل هو روحها. وإذا اختلّ هذا التوازن، دخلت المجتمعات في حالة شبيهة بانفصال الجسد عن عقله: حركة بلا وعي، وقوة بلا اتجاه، وانهيار يتقدّم ببطء ولكن بثبات. وهذا هو حال معظم المجتمعات العربية الراهنة بنسب متفاوتة.

ربما كان ذلك الهم المستديم هو ما دفعني للتفكير بالمعاني الفلسفية لمونديال 2026م الكروي؛ فالرياضة ذات دلالة حضارية تتجاوز حدود الترفيه، فهي تعلم المجتمعات معنى القواعد المشتركة، واحترام المنافسة، والاعتراف بالآخر، وقبول الخسارة، والاحتفال بالنجاح دون تدمير الخصم. إنها مدرسة مصغرة للحياة المدنية الحديثة إذ كشفت التظاهرات الرياضية العالمية أن البشر، رغم اختلاف لغاتهم وأديانهم وألوانهم، قادرون على الاجتماع حول قواعد واحدة ولغة واحدة ومشاعر مشتركة. وفي هذا المعنى يصبح اللعب أكثر إنسانية من السياسة أحياناً، لأنه ينجح في بناء ما تعجز عنه الأيديولوجيات والصراعات الكبرى.

لذلك فإن فلسفة اللعب ليست فلسفة عن الرياضة فحسب، بل هي فلسفة عن الإنسان ذاته. عن ذلك الكائن الذي لا يتوقف عن اختبار حدوده، وعن اكتشاف ما يستطيع أن يكونه. إنها دعوة إلى إعادة النظر في علاقتنا بأجسادنا الفردية والمجتمعية، بثقافتنا، بسياساتنا، وبأنفسنا. فربما كان السؤال الذي طرحه سبينوزا قبل قرون ما يزال ينتظر جوابه الكامل حتى اليوم: ماذا يستطيع الكيان أن يكوّنه؟

وتحضرني الذاكرة تفسير مشيل فوكو لهندسة الجسد في الحضارة الرومانية الامبراطورية. بضرب مثال عن عروض صراع العبيد مع بعضهم حتى الموت في مشهد احتفالي بهيج في روما. وهذا هو ما فعله قائد ثورة العبيد سبارتاكوس حوالي 111 ق.م.-71 ق.م حينما ثأر على روما العظيمة إذ تعلم سبارتكوس في مدرسة للعبيد كيفية مصارعة الوحوش في ملاعب روما لتسلية الرومان، وفي سنة 73 ق.م نظم ثورة للعبيد في تلك المدرسة، وحينما انتصر بسرعة مذهلة على أسياده وراح يطبق عليهم ذات الممارسة التي تعلمها في مدرستهم إذ جعلهم يمارسون لعبة مصارعة الوحوش في الملعب الروماني وكان هو وقادة ثورته يشاهدون العرض بحماسة بالغة. إذ لم يكن لديه ما يفعله بأكثر مما تعلمه في مدرسة العبودية الرومانية ورغم هزيمته بعد سبعين يوما فقط إلا أن ثورته غيرت الإمبراطورية الرومانية نجح في تغيير تصور الرومان للعبيد، الذي أدى إلى تحسينات في حياة ووضع العبيد وتقليص العبودية تدريجيًا. فهل سيغير مونديال 2026م صورة العرب عن أنفسهم وتصورهم للعالم والحضارة العالمية الراهنة؟ لاسيما وإن هذا الجولة تظم ثمانية منتخبات عربية منافسة هي (مصر والعراق والجزائر والأردن والمغرب وقطر والسعودية وتونس) والثقافة يمكن اكتسابها بالتقليد والمحاكاة أما الحضارة فلا يمكن اكتسبها لا بتعلم قواعد لعبتها بالتعليم والممارسة لأن الممارسة ليس مثالاً غامضاً أو أرضية تحتية للتاريخ أو محركاً خفياً بل هي ما يفعله الناس حقاً وفعلاً فالكلمة كما يقول الفرنسي بول فين :” تعبر بوضوح عن معناها ” وإذا كانت بمعنى من المعاني (محتجبة) كالجزء المحتجب من جبل الجليد، فذلك هو ما تجهد القوى المهيمنة والمتسلطة والقابضة على السلطان والنفوذ في إخفائه على الدوام بما تثيره من زوابع ونقع كثيف يظلل أرض المعركة بالدخان والغبار، وهذه هي الوظيفة الجوهرية للأيدولوجيا السياسية، إنها العمل الدؤوب على إخفاء وحجب الواقع السياسي الفعلي في عالم الممارسة المتعينة.

نعم المونديال حدث رياضي إنساني عالمي ولكنه خطاب انتجته قوى لعبة أخرى ليست لعبتنا ولم يكن لنا دورا في انتاجه وتصميم قواعد لعبته التنافسية الشفافة ومع ذلك يبقى المونديال حدث مهمه بالنسبة لنا نحن العرب. إذ شكل فرصة سانحة للاحتكاك المباشر بشعوب وثقافات ومعتقدات متعددة قلما اجتمعت في مكان واحد. الآخر مرآة الذات كما اكرر القول دائما إذ لا تنكشف حجب الذات عن ذاتها إلا بالاحتكاك بالآخرين ومعايشتهم وكل ما عرفت الذات الأخر كلما زاد معرفتها لذاتها والتربية الجسدية الفردية تشبه الثقافة المجتمعية فكما إن التربية البدنية السليمة لا تهتم بتمرين(القدم أو الرأس فقط) أو أي عضو معين من أعضاء الجسم بل هي ممارسة تهتم بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة للنشاط والطاقة والحيوية والحركة والاستدارة بمرونة ورشاقة. والثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي تمنحهم (الذكاء الجسدي والعاطفي) إذ (هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء) والثقافة بهذا المعنى هي تجسيد لمفهوم الهابيتوس عند بيبر بورديو بوصفها نسقا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الأخرين والحياة و الكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقاً لهذا التصور، يعد «الهابيتوس» جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل لوجود، بالنسبة للفرد والمجتمع. فهل فهمنا معنى اللعبة ودلالتها الحضارية. كتب الدكتور ياسر قنصوه

" أن الاسـتدارة الكرويـة ليسـت مصادفـة، بـل حـدث يثـر أسـئلة فلسـفية وإنسـانية تدعونـا لإجابـات مدهشــة وعميقــة، فقــد جــاء التصميــم كالكــرة الأرضيــة بعالمهــا الرحــب، حيــث التنافس والصراع والانتصار والهزيمــة، والانكســار والإحبــاط، والعــودة مــن جديــد أو روح «الريمونتــادا»(*) وقــد تلخــص الاســتدارة الكرويــة مفهــوم العدالــة."

***

قاسم المحبشي 15، يونيو 2026م

........................

(ينظر، ياسر قنصوه، عندما يركل الفلاسفة كرة القدم، الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع بالقاهرة 2024م) والدنيا دوّارة.

 

في الآونة الأخيرة، اتجه المزيد من المؤلفين الأجانب الى اليونان القديمة ليتمتعوا بالإلهام في رواياتهم. الكتّاب المعاصرون ومعظمهم من البريطانيين والامريكيين، اعتمدوا على الميثولوجيا اليونانية لإضافة المزيد من العمق لقصصهم، وهم ربما في صواب في ذلك نظرا للمشاهد اليونانية الجميلة وثراء الافكار الميثولوجية والدينية مما جعل من اليونان القديمة خلفية مثالية للرواية.

بدأ اتجاه كتابة مسرح الروايات في اليونان القديمة في أواسط القرن العشرين وتحديدا في الستينات. اليونان القديمة بقيت خيارا جاذبا للمؤلفين. وبعيدا عن المناظر الخلابة، وما فيها من أودية ومعابد، فان التاريخ الثري لليونان القديمة وميثولوجيتها يضيفان عناصر مثيرة لأي قصة، تنقل القارئ الى ما يعتبره البعض أعظم حقبة على مر العصور.

من خلال كتابة روايات تدور أحداثها في اليونان القديمة، يمكن للمؤلفين الالتقاط والاختيار من مستودع غني بالاساطير والالغاز، مثل آلهة انتقامية او خيّرة، أبطال ملاحم، وكائنات اسطورية. هذه تخلق وصفة جميلة من أحداث دراماتيكية مثل حرب طروادة او القتال بين مدن كبيرة مثل أثينا وسبارطة.

في السنوات الأخيرة، بدأ المؤلفون أيضا باستطلاع شخصيات وأساطير أقل شهرة، مثل ثيسيوس و بينيلوب (زوجة اوديسيوس الوفية)، والساحرة سيرس. مؤلفو الروايات الخمس التالية في اليونان القديمة أضفوا الحيوية على تلك الفترة من خلال كلماتهم، ويمكن للمرء ان يتوقع الانجراف الى عالم الآلهة والوحوش والابطال والبطلات الذين يصعب نسيانهم.

1- رواية الملك يجب ان يموت، للروائية ماريا رينو Mary Renault

هذه واحدة من بين روايتين في سلسلة ثيسيوس من جانب المؤلفة البريطانية ماري رينو نُشرت عام 1958. انها إعادة تصوّر حية لإسطورة ثيسيوس التي تتعقب قصته بدءا من شاب نبيل الى بطل اسطوري عبر معارك ملحمية مع مينوتور وصراعه للدفاع عن العرش، الذي يواجه تهديد المغتصبين للحكم. أحداث الرواية تجري في كريت المينوية، بقصورها الرائعة وثقافتها الثرية النابضة. وسواء كنت متذوقا للتاريخ اليوناني ام لا، فان القصة ستسحبك الى عالم الاحتفال، الى تعقيدات السياسة اليونانية القديمة، والى شبكة من الممرات المحيرة حيث يقاتل ثيسيوس أشهر الوحوش في الميثولوجيا اليونانية.

2- اغنية أخيل، للكاتبة الامريكية مادلين ميلر

اغنية اخيل هي اول رواية لمادلين ميلر والفائزة بجائزة الرواية لعام 2012. وحسب عنوان الرواية، انها تدور حول احد اشهر الابطال في اليونان القديمة، اخيل، حيث رُويت القصة بواسطة ابن عمه باتروكلس.

نالت رواية ميلر المديح لنثرها الجميل الذي يستطلع الروابط العميقة بين اخيل وباتروكلس وسط فوضى حرب طروادة. انها تنقل القرّاء الى قلب اليونان حيث ساحة حرب طروادة ولكن أيضا تقدم لهم استرخاء المناظر الطبيعية الهادئة لليونان القديمة، وجبالها الشاهقة، وسواحلها الخلابة.

3- البينلوباد للروائية مارغريت اتوود

البينلوباد هي احدى الروايات التي تستكشف شخصيات أقل شهرة في الميثولوجيا اليونانية القديمة، مثل بينيلوب زوجة اوديسوس الصابرة. الرواية نُشرت عام 2005، انها إعادة سرد لاسطورة اوديسيوس من وجهة نظر بينيلوب حيث كانت تمضي حياتها في عزلة اثناء غياب زوجها.

في بينيلوباد، تعطي مارغريت اتوود بينيلوب صوتا، بينما في الاوديسة لا تعطي ذلك. بهذه الطريقة، يمكن للقارئ معرفة شخصيتها وذكائها في المكائد ضد خاطبيها. جرت الرواية في منظر طبيعي مثالي في ايثاكا، انها رواية مثالية اذا اردت ان تنتقل الى واحة في جزيرة يونانية ولكن أيضا التعمق في اسطورة اوديسوس من منظور نقدي اكبر.

4- رواية الألف سفينة للروائية البريطانية ناتالي هاينز

استمرارا لنهج استخدام اليونان القديمة كخلفية لإستكشاف قصص المرأة، رواية الالف سفينة هي إعادة سرد لحرب طروادة من خلال عدسة امرأة. هاينيز تجسد مجموعة من الشخصيات النسائية من الاساطير اليونانية القديمة، بما في ذلك شخصيات نسوية شهيرة مثل كاساندرا واندروماخي، وإلهة ايريس واثينا. هي أيضا تلقي الضوء على شخصيات غير معروفة  مثل كريوسا بنت الملك بريما و بنثيسليا ملكة الامزون.

رواية الالف سفينة تأخذ القارئ في رحلة عبر مدينة توري المتألقة والمناظر المتباينة للعالم اليوناني القديم. انها تحكي القصص الفردية لهذه الشخصيات النسائية، تصف كيف أثّرت عليهن حرب طروادة من داخل طروادة المحاصرة ومن خارجها.

5- رواية سيرس Circe للكاتبة مادلين ميلر

معظم الناس يتذكرون سيرس كساحرة أبقت اوديسوس عالقا في جزيرتها لمدة سنة في طريقه الى مدينته ايثاكا. في روايتها، تعيد ميلر تصور سيرس كشخصية قوية وتتعقب رحلة الإلهة من حياة محمية في قصر والدها المتلألئ الى منفاها البعيد في جزيرة نائية، اثناء منفاها، ستواجه سيرس آلهة يونانيين بارزين وابطال، بعضهم يساعدها وآخرون يعارضونها. هي صادفت الآلهة مثل هيرمس، الصياد ابولو واثينا بالإضافة الى شخصيات هامة مثل ديدالدس، جاسون، وميديا. بالطبع، هي أيضا صادفت اوديسيوس.عبر مزج عظمة الأسطورة مع عواطف الانسان، وأجواء المناظر الخضراء والذهبية لجزر اليونان القديمة، تقدم ميلر للقارئ تجربة لا تُنسى حقا.  

***

حاتم حميد محسن

مقدمة: تشكل عملية تحويل السيرة الذاتية والتجارب الحياتية الشخصية إلى عمل فني واحدة من أعمق أشكال التعبير الإنساني. فالفن ليس مجرد تزيين للواقع، بل هو إعادة صياغة له، حيث يتحول الزمن الخاص إلى زمن عام، والألم الفردي إلى تجربة جماعية، والذكرى العابرة إلى رمز خالد. عندما يستمد الفنان من حياته الخاصة، لا يروي قصته فحسب، بل يعيد تشكيلها بطريقة تكشف عن أبعاد إنسانية أوسع، مما يجعل العمل الفني جسراً بين الذات والعالم. هذه العملية تتطلب توازناً دقيقاً بين الصدق العاطفي والتحكم الجمالي. فالسيرة الخام غالباً ما تكون فوضوية، مليئة بالتناقضات والتفاصيل غير الضرورية، بينما يحتاج العمل الفني إلى بنية وإيقاع ودلالة. التحويل إذن ليس نقلًا حرفيًا، بل إبداعًا يعتمد على الاختيار، التركيز، والرمزية. فبماذا تتم عملية التحويل الإبداعي للذات؟ وماذا يقتضي ذلك؟ وماهي النتائج المرتبة عن ذلك؟

الخطوة الأولى: الغوص في الذات والتأمل النقدي

تبدأ العملية دائمًا بالتأمل العميق. يجب على الفنان أن يعود إلى ذاكرته كما يعود المستكشف إلى أرض غير مُكتشفة. اكتب يوميات حرة دون رقابة، سجّل الأحداث الرئيسية، الإخفاقات، اللحظات المضيئة، العلاقات المؤثرة، والصدمات التي غيّرت مسارك. لا تبحث عن "القصة الكبيرة" في البداية؛ اترك الذكريات تتدفق كما هي.ثم انتقل إلى مرحلة التحليل: ما هي الأنماط المتكررة في حياتك؟ هل هناك موضوع متكرر مثل الفقدان، الهجرة، البحث عن الهوية، أو مواجهة السلطة؟ ما هي الرموز الشخصية التي تظهر في ذاكرتك (مكان معين، رائحة، أغنية، جرح)؟ هذه العناصر تصبح بذور العمل الفني. الغوص يجب أن يكون صادقاً، حتى لو كان مؤلماً؛ فالفن الحقيقي ينبع من الجرح لا من السطح.

الخطوة الثانية: اختيار الشكل الفني المناسب

ليس كل شكل فني يناسب كل سيرة. يجب أن يتناسب الشكل مع طبيعة التجربة: في الأدب: يمكن كتابة مذكرات أو رواية شبه ذاتية. في المذكرات، يبقى الصوت الشخصي مباشراً، أما في الرواية فيتحول "أنا" إلى شخصية تسمح بالمسافة النقدية والخيال. يمكن استخدام تقنيات مثل التداخل الزمني أو السرد المتعدد الأصوات لتعكس تعقيد الذاكرة.

في الفنون البصرية: تحول التجارب إلى لوحات، منحوتات، أو تركيبات. يمكن أن يصبح جرح الطفولة خطاً تشكيلياً، أو رحلة الهجرة سلسلة من الصور المتحركة. هنا يلعب اللون والملمس والفراغ دوراً في نقل العواطف غير القابلة للوصف بالكلمات.

في المسرح والأداء: يتحول الجسد إلى أداة. يستخدم الفنان جسده وصوته لإعادة تمثيل اللحظات الحاسمة، أو يخلق "مسرحاً وثائقياً" يمزج بين الحقيقي والمتخيل.

في السينما والفيديو: تسمح التقنيات السينمائية بإعادة بناء الزمن، استخدام المونتاج لربط ذكريات متباعدة، أو التصوير الرمزي للعواطف.

في الموسيقى والشعر: تحول التجارب إلى إيقاع ولحن أو صور شعرية. الإيقاع يمكن أن يعكس نبض القلب في لحظة الخوف، والكلمات المكثفة تنقل ما يصعب شرحه.

الاختيار يعتمد على القدرة التقنية والرغبة العاطفية: أي شكل يسمح لك بأن تكون أكثر صدقاً وتأثيراً؟

الخطوة الثالثة: تقنيات التحويل الإبداعي

هنا يكمن جوهر العملية. التحويل يتطلب عدة عمليات:

التقطير والتركيز: اختر لحظات مفتاحية بدلاً من سرد كل شيء. لحظة واحدة قد تكثف عقوداً من التجربة.

الرمزية والاستعارة: حوّل الواقع إلى رمز. بدلاً من وصف الفقر حرفياً، قد يصبح "غرفة مظلمة بدون نوافذ" رمزاً للكبت. الرمز يفتح الباب للتأويل العام.

المسافة النقدية: عامل "أنا" السابق كشخصية. اسأل: ما الذي كان يجهله ذلك الشخص؟ ما الذي تعلمته لاحقاً؟ هذا يضيف عمقاً درامياً.

التخييل المدروس: لا بأس بتعديل التفاصيل أو دمج شخصيات أو تغيير تسلسل الأحداث إذا خدم ذلك الحقيقة العاطفية. الفن ليس توثيقاً قضائياً، بل بحثاً عن الحقيقة الأعمق.

البنية الدرامية: أعطِ السيرة قوساً درامياً (استعراض- صراع - ذروة - انحلال). حتى لو كانت الحياة فوضوية، يحتاج العمل الفني إلى إحساس بالاتجاه.

الطبقات المتعددة: اجعل العمل يعمل على مستويات مختلفة: السطحي (القصة)، والعاطفي، والفكري، والرمزي. لكن هذه العملية تواجه تحديات عديدة.

 أولها الخوف من الكشف: كيف أفضح ضعفي؟ الحل يكمن في فهم أن الصدق هو مصدر القوة، وأن الجمهور يتعاطف مع الإنسانية المشتركة لا مع الكمال.

 التحدي الثاني هو الغرق في العواطف: قد يؤدي الاستغراق في الألم إلى عمل فوضوي. لذلك، حدد أوقاتاً للكتابة أو الإبداع، وأوقاتاً للابتعاد.

التحدي الثالث أخلاقي: خصوصية الآخرين. هنا يجب التوازن بين حقك في رواية قصتك وحق الآخرين في خصوصيتهم. غيّر الأسماء، أو ركز على تأثير العلاقة عليك بدلاً من تفاصيل الآخر.

التحدي الرابع فني: كيف تتجنب السقوط في الذاتية المفرطة التي لا تعني أحداً؟ الحل هو ربط الخاص بالعام دائماً: ما الذي في تجربتي يشبه تجارب الآخرين؟

عندما تنجح في تحويل سيرتك إلى عمل فني، تحدث عملية تحرر مزدوجة. أنت تحرر نفسك من عبء الذاكرة غير المُعالجة، وفي الوقت نفسه تقدم شهادة للعالم. يصبح عملك مرآة يرى فيها المتلقي نفسه، حتى لو اختلفت التفاصيل.

خاتمة

هذا النوع من الفن يمتلك قوة خاصة في عصرنا، حيث يبحث الناس عن أصالة وسط الزيف الرقمي. السيرة المُحوّلة فنياً تذكّرنا بأن كل حياة هي قصة فريدة تستحق أن تُروى، وأن الفن هو الوسيلة التي تحول الزمن الضائع إلى معنى دائم. في النهاية، صناعة الأثر الفني من التجارب الشخصية ليست مجرد تقنية، بل هي موقف وجودي: رفض أن تكون ضحية الزمن، وإصرار على أن تصبح خالقاً له. كلما غصت أعمق في ذاتك، كلما ارتفع عملك نحو العالمية. ابدأ اليوم، واكتب أو ارسم أو أدِ أول خطوة، فالرحلة نفسها هي التحفة الأولى. فماهي تقنيات السرد الذاتي في التجارب الفلسفية؟ وهل يمكن لفن المذكرات البصرية المعاصرة أن تتدخل في فن صناعة الذات تخيليا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تزايدت في السنوات الأخيرة حالات الخلافات الزوجية والطلاق بين الشباب بصورة تثير القلق وتدعو إلى البحث في أسباب ذلك. ومن المؤسف أن هذه الظاهرة أصبحت واقعاً يلمسه كثير من الناس في محيطهم العائلي والمجتمعي. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال مشروع: هل تراجع الشعور بالمسؤولية إلى الحد الذي جعل بعض الناس يتعاملون مع الزواج وكأنه رحلة سياحية مؤقتة يمكن إنهاؤها عند أول خلاف أو عقبة؟

ومع ذلك، فإن الحديث عن هذه الظاهرة لا يعني التعميم على جميع الزيجات أو التقليل من شأن النماذج الأسرية الناجحة التي ما زالت تمثل الأغلبية في مجتمعنا، وإنما يهدف إلى التوقف عند ظاهرة تستحق التأمل والبحث عن أسبابها وسبل معالجتها.

لم يعد الزواج، في ظل المرحلة الانتقالية المتسارعة التي نعيشها اليوم، يحظى بالمكانة ذاتها التي كان يتمتع بها في السابق. فقد أفرزت التحولات الاجتماعية والثقافية المتلاحقة تغيرات عميقة في منظومة القيم والنظرة إلى العلاقات الأسرية. وكان الزواج في نظر الأجيال السابقة مشروع حياة يقوم على الشراكة والصبر وتحمل المسؤولية، وكان الزوجان يدركان تماماً أن الحياة المشتركة لا تخلو من التحديات والخلافات، وأن استقرار الأسرة ونجاحها يتطلبان قدراً من التنازل والتسامح والحوار. أما اليوم، فيبدو أن ثقافة الاستهلاك والسرعة قد امتدت إلى العلاقات الإنسانية أيضاً، فأصبح بعض الأزواج يتطلعون إلى حياة مثالية خالية من المنغصات، فإذا ما ظهرت خلافات أو صعوبات، ولو كانت طبيعية وعابرة، سارعوا إلى التفكير في الانفصال بدلاً من البحث عن سبل التفاهم والمعالجة. إن وزر الطلاق مشترك يتحمله الطرفان، وهو ناتج عن أخطاء أو تقصير متبادل، وإن كان كل طرف يميل إلى تبرئة نفسه وإلقاء اللوم كاملاً على الطرف الآخر، فيظهر نفسه في صورة الملاك ويصوّر شريكه في صورة الشيطان.

ومن المؤسف أن مظاهر عدم الاكتراث ببيت الزوجية قد أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الأوساط الأسرية، حيث تراجع الاهتمام الذي كان يُبذل لبناء بيت مستقر ودافئ أمام أنماط حياة جديدة فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية على مجتمعاتنا. فنجد اليوم بعض الأزواج يقضون أوقاتاً أطول خارج المنزل، في المقاهي وأماكن الترفيه أو في أنشطة اجتماعية مختلفة، تمتد أحياناً إلى ساعات متأخرة من الليل. كما يشهد المجتمع خلال السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة في بعض العادات الاجتماعية، فبعض الممارسات التي كانت في السابق أقل شيوعاً بين النساء أصبحت اليوم أكثر انتشاراً، ومن ذلك قضاء أوقات طويلة في المقاهي أو المنتديات والتجمعات الاجتماعية، يتسامرن خلالها ويدخنّ “الشيشة”. وقد تثير هذه المتغيرات خلافات بين الزوجين عندما تختلف توقعاتهما بشأن طبيعة الحياة الزوجية والأدوار والمسؤوليات المشتركة؛ إذ يختار الشباب اليوم تفاصيل حياتهم وهم يحملون تصورات مسبقة تشكلت في بيئاتهم الأولى، وعندما يصطدمون بواقع مختلف تنشأ الخلافات. وقد يحاول أحد الطرفين تغيير سلوكيات الطرف الآخر بما يتوافق مع قناعاته وتوقعاته، في حين يتمسك الطرف الآخر بما يراه حقاً شخصياً أو جزءاً من حريته في اختيار نمط حياته، متناسياً أنه أصبح جزءاً من منظومة أسرية اختارها بنفسه وبإرادته، ولم يعد فرداً مستقلاً في قراراته كما كان قبل الزواج، الأمر الذي قد يؤدي إلى اتساع فجوة التفاهم إذا غاب الحوار والتفاهم المتبادل بينهما.

وفي سياق متصل، هيمنت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي على جزء كبير من وقت أفراد الأسرة واهتماماتهم، لدرجة أن التواصل الافتراضي بات يحل محل الحوار المباشر داخل المحيط الأسري. وبذلك تفاقمت شكاوى الأزواج من الإهمال المتبادل والانشغال الرقمي، الأمر الذي يؤدي إلى تراكم المشكلات الصغيرة وتعاظمها لتهدد في نهاية المطاف استقرار الكيان الأسري.

ومن المظاهر التي تستحق التوقف عندها، أن الأوقات التي كانت تقضيها الأسر خارج المنزل بشكل عائلي يضم جميع أفراد الأسرة مجتمعين، كزيارة الأقارب والأصدقاء أو الخروج في نزهات مشتركة، لم تعد شائعة كما كانت في السابق. فأصبح أفراد الأسرة يمارسون أنشطتهم بصورة فردية مع أصدقائهم وأقرانهم، وتغيّرت تبعاً لذلك أوقات عودتهم إلى المنزل. ففي الماضي كانت هناك حدود زمنية متعارف عليها داخل معظم العائلات، حيث يحرص الآباء والأمهات والأبناء على العودة إلى منازلهم في ساعات معقولة من المساء في الأيام الاعتيادية، مما يتيح فرصة للقاء العائلي وتبادل الحديث والاطمئنان على أحوال بعضهم بعضاً. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف في بعض الأسر أن يتأخر بعض الأزواج أو الأبناء في العودة إلى المنزل، كلٌّ على حدة، حتى ساعات الفجر الأولى، من دون وجود ضرورة حقيقية تستدعي ذلك. وبذلك تتغير ساعاتهم بحيث يصبح الليل للسهر والنهار للنوم، ويعكس هذا الواقع تراجع الالتزام بالنظام الأسري وضعف التواصل بين أفراد العائلة، الأمر الذي قد يؤدي تدريجياً إلى اتساع الفجوة بينهم وتلاشي جزء كبير من اللقاءات اليومية التي كانت تعزز الترابط الأسري.

ومن العادات الأسرية الجميلة التي تغيّرت كثيراً، والتي كانت تعزز الترابط بين أفراد العائلة، اجتماع أفراد الأسرة، ولو مرة واحدة يومياً، لتناول وجبة الطعام. ففي هذه المناسبة يلتقي أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، يتبادلون الحديث، ويتفقد بعضهم أحوال بعض. وكانت أوقات الوجبات محددة، وكان أفراد الأسرة ينتظرون عودة الأب من عمله ليجتمعوا جميعاً إلى المائدة التي كان يتصدرها بوصفه رب الأسرة.

أما اليوم، فإذا وُجدت وجبة طعام داخل المنزل أصلاً، فقد أصبح كل فرد يعيش في عالمه الخاص؛ يأكل متى يشاء، ويتناول ما يطلبه من المطاعم، وغالباً ما يكون منشغلاً بهاتفه أو شاشته الخاصة أثناء الطعام. وهكذا تضاءلت فرص الحوار والتواصل العائلي، وفقدت مائدة الطعام دورها التقليدي بوصفها مساحة يومية للقاء والتقارب بين أفراد الأسرة.

ومن أكثر المظاهر إيلاماً فقدان الاحترام المتبادل بين بعض الأزواج. فالكلمة الجارحة التي كانت تُعد تجاوزاً غير مقبول أصبحت تُقال بسهولة، وأصبح استخدام الألفاظ البذيئة أو الإهانة، التي قد تمتد أحياناً إلى عائلاتهم، حاضراً في بعض البيوت. وهنا يجب التأكيد على أن العنف الجسدي، بأي شكل كان، هو سلوك مستهجن وغير أخلاقي وغير قانوني، ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال. والحقيقة أن أي علاقة زوجية سليمة لا يمكن أن تستمر في ظل غياب الاحترام؛ لأن الاحترام هو الأساس الذي تقوم عليه المودة والرحمة اللتان وصفهما القرآن الكريم بأنهما جوهر العلاقة الزوجية.

ومن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة: لماذا لم يعد الأبناء، وبخاصة الأطفال، يشكلون عاملاً رادعاً للأزواج الراغبين في الطلاق؟ فالأطفال هم أكثر المتضررين من النزاعات الزوجية، إذ تترك هذه الخلافات آثاراً نفسية واجتماعية ترافقهم طوال سنوات حياتهم. ولذلك ينبغي أن تراعى مصلحة الأبناء وأن تكون مصلحتهم حاضرة في كل محاولة للإصلاح قبل الوصول إلى قرار الانفصال. فالأطفال الذين ينشؤون في أسرة مفككة يحملون آثار تلك التجربة معهم إلى مراحل لاحقة من حياتهم، وقد تنعكس على شعورهم بالأمان والاستقرار وعلى نظرتهم إلى الزواج والحياة الأسرية. كما قد يصبح بناء أسرة متماسكة في المستقبل أكثر صعوبة بالنسبة لبعضهم بسبب ما عايشوه من خلافات واضطرابات خلال سنوات الطفولة.

ومما يثير الدهشة والاستغراب أن النساء اليوم أصبحن أكثر مبادرة إلى طلب الطلاق مقارنة بالماضي، بعد أن كانت كلمة «الطلاق» تمثل كابوساً يرهب كثيراً منهن. ولهذه الظاهرة أسباب متعددة؛ ففي الماضي كانت المرأة، خوفاً من نظرة المجتمع السلبية إلى المطلقة، أو بسبب اعتمادها الاقتصادي الكامل على الزوج تتحمل أقسى الظروف لتجنب الطلاق. أما اليوم فقد أصبحت المرأة أكثر تعليماً واستقلالاً وقدرة على اتخاذ القرار، وهو تطور إيجابي من حيث المبدأ ويعكس تقدماً في مكانة المرأة ودورها في المجتمع. غير أن هذا التطور، على اهميته وإيجابياته، يستدعي إعادة التأكيد على المسؤولية المشتركة، بحيث لا يصبح الطلاق الخيار الأول أو الحل الأسهل عند كل خلاف. فاستقلال المرأة، كما هي سلطة الرجل، يجب أن يقترن بالحكمة والشعور بالمسؤولية والحرص على استنفاد فرص الحوار والتفاهم والإصلاح قبل الوصول إلى قرار الانفصال، حفاظاً على تماسك الأسرة واستقرارها كلما كان ذلك ممكناً.

ومن الطبيعي ألا نغفل سبباً آخر يتمثل في الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تواجهها كثير من الأسر في الوقت الحاضر؛ فارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات العمل، والقلق بشأن المستقبل، كلها عوامل تشكل ضغوطا نفسية على العائلة وتدفع الكثيرين إلى البحث عن فرص عمل بعيداً عن أماكن سكنهم، مما يؤدي إلى غياب بعض الأزواج لفترات ليست بالقصيرة، وقد ينعكس ذلك سلبا على العلاقة الزوجية والتواصل والحميمية الأسرية. وتسهم هذه العوامل في زيادة التوتر داخل الأسرة وتفاقم الخلافات الزوجية. غير أن هذه التحديات، على صعوبتها، لا ينبغي أن تلغي أهمية الحوار والتفاهم والتعاون بين الزوجين في مواجهتها.

إن تدني المستوى الثقافي لبعض الشباب، وتراجع ثقافة الحوار والصبر والإصلاح، وضعف الاستعداد لتحمل المسؤولية الأسرية ومواجهة مصاعب الحياة وتحدياتها، أصبحت من أبرز المشكلات التي تواجه الحياة المشتركة. ولعل الحاجة اليوم باتت أكبر من أي وقت مضى إلى تعزيز ثقافة الأسرة، وإعداد الشباب والفتيات للحياة الزوجية قبل الزواج، وتدريبهم على مهارات الحوار وإدارة الخلافات وتحمل المسؤولية، كما تبرز الحاجة الى توفير جهات استشارية نفسية وأسرية ودينية يمكن للزوجين اللجوء إليها عند وقوع المشكلات، بدلاً من اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين ومدّعي قراءة الطالع والسحرة الذين يؤججون الخلافات ويعجلون بالانفصال. فاستقرار الأسرة هو أساس استقرار المجتمع كله، وإذا ضعفت الأسرة ضعفت معها منظومة القيم والعلاقات التي يقوم عليها المجتمع، فالزواج ميثاق يقوم على المشاركة في السراء والضراء، وعلى بناء أسرة مستقرة تمنح أبناءها الأمان والتوازن.

وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: كيف نحافظ على مؤسسة الزواج بوصفها الركيزة الأساسية لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع، ونحميها من أن تتحول إلى علاقة عابرة تنتهي عند أول اختبار أو خلاف؟

نسأل الله تعالى أن يحفظ شبابنا وأسرنا من كل سوء، وأن يديم على بيوتنا المودة والرحمة والتفاهم، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، وباستقرارها يستقر المستقبل.

والله ولي التوفيق

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

وجدت الشكلية في الشرائع القانونية القديمة ولازالت موجودة في أحدثها، والشكلية البدائية هي شكلية رمزية تنطوي على القيام بحركات خاصة أو التفوه بعبارات محددة يتوقف عليها تحقق الأثر القانوني، ويرى مؤرخو القانون أن هذه الشكلية كانت تعبر عن رغبة عند الإنسان القديم في إشباع غريزة حب المظاهر الخارجية البراقة التي كانت، بما تضفيه من رونق وبهاء على حياته، تقيم الحساسية مقام عقلية كانت لاتزال قاصرة.

وتختلف الشكلية الحديثة عن القديمة في أنها  معقولة ومنطقية وأكثر مرونة، وأنها لا تكفي لوحدها لترتيب الأثر القانوني بل يجب أن تقترن بالإرادة السليمة غير المشوبة بعيب من عيوب الرضا، فالإرادة هي التي يقع عليها الشكل، ولم تعد الشكليات الحديثة مجرد طقوس تمارس ممارسة عمياء، بعد أن تمكنت البشرية في تطورات لاحقة من التمييز بين مضارها ومنافعها، وعرفوا ما يترتب عليها من تعقيدات وتعطيل وجهد ضائع وعرفوا مالها من فضل في إيقاظ الانتباه والتحذير من الفخاخ التي تنصب للإرادة، وبث اليقين في إنتاج الواقعة آثارها المطلوبة وتهيئة الوسيلة لإثبات هذه الواقعة حين النزاع عليها.

معاني الشكلية ومظاهرها

للشكلية في القانون عدة معاني، وفي نطاق الصياغة القانونية تُعرف الشكلية بأنها، الصورة الخارجية التي يظهر بها مضمون القانون.

وعلى هذا النحو قد يتخذ المضمون القانوني شكل قاعدة قانونية أو معيار قانوني أو مبدأ قانوني.

وقد يراد بالشكلية عنصر خارجي يشترط القانون إضافته إلى واقعة قانونية حتى تنتج آثارها سواء كان هذا الأثر ترتيب التزام أو واجب قانوني أو انشاء حق أو مركز قانوني أو تعديله أو انقضاؤه، كاشتراط نشر القانون في الجريدة الرسمية لنفاذه في مواجهة الكافة، واشتراط الشكلية في بعض العقود لصحتها. واشتراط الكتابة أو النشر بالنسبة لبعض القرارات الإدارية حتى تنتج آثارها.

أما الشكلية الدستورية فيقصد بها مجموعة الإجراءات والأوضاع التي تطلبها الدستور وأوجب على سلطة التشريع اتباعها ومراعاتها وهي بصدد سن التشريع.

وتتطلب الدساتير عادة، أن تمر عملية سن التشريع  بسلسلة من الإجراءات الشكلية التي يتعين على سلطة التشريع مراعاتها حتى يكون التشريع دستورياً، ويترتب على عدم مراعاة قواعد الشكل الإجراءات الشكلية أن يولد التشريع باطلا بسبب أنه معيب بعيب عدم مراعاة الشكل والإجراءات، ويكون محلاً للطعن به أمام المحكمة الدستورية والتي تعرف عادة باسم (المحكمة الدستورية العليا)، إذا ما تعلق الأمر بمخالفة جوهرية لتلك القواعد والإجراءات.

ومن أمثلة الإجراءات الشكلية التي تتطلبها الدساتير المقارنة بصفة عامة، تحقق نصاب انعقاد مجلس النواب سواء بالأغلبية المطلقة أو الأغلبية البسيطة، وجهة تقديم مشاريع القوانين أو اقتراحها، وجوب إدراج مشروع القانون في جدول الأعمال قبل مناقشته، والإجراءات الواجب اتباعها لقراءة مشاريع القوانين، والنصاب اللازم للموافقة على سن التشريع وتصديق الجهة المخولة صلاحية التصديق والإصدار، وهي السلطة التنفيذية عادة، وأن يصدر التشريع بموافقة الأغلبية البرلمانية التي حددها الدستور.

غاية الشكلية الدستورية

تتعدد الأغراض أو الحكمة من الشكليات في المجال التشريعي، فقد يكون الغرض منها الإشهار بسلامة الارادة التشريعية وبأن كل شيء سار على مايرام حسب الأوضاع الدستورية، باعتبار أن الشكل هو المظهر المادي للتعبير عن الارادة، ومع ذلك فان لكل شكل من الأشكال المطلوبة حكمته، فحكمة اشتراط أن يقدم اقتراح القانون من قبل عدد من الأعضاء تبدو في التأكد من جدية وأهمية المقترح قبل اتخاذ سلسلة إجراءات تتطلب وقتاً ثميناً، منها إدراجه في جدول الأعمال ومن ثم التصويت عليه، وقد يتبين فيما بعد أن الاقتراح غير مرغوب فيه وما يترتب على ذلك من هدر وقت ثمين، وتبدو حكمة تقديم مشاريع القوانين من قبل السلطة التنفيذية هو أن القانون أداة هذه السلطة في علاقتها مع المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة وهي الأعرف بالحاجة العملية إلى التشريع في مجال معين من عدمه من خلال علاقتها المباشرة مع حاجات المجتمع، وقد تبدو الشكلية مظهراً من مظاهر الرقابة المتبادلة بين السلطة التشريعية والتنفيذية، كما في وجوب تصديق وإصدار القانون من السلطة التنفيذية لنفاذه مما يتيح لها الاعتراض على مشروع القانون بعدم المصادقة عليه مما يرتب عدم إمكانية سنه ونفاذه بعد ذلك إلا بناء على أغلبية خاصة.

وحكمة ضرورة إدراج الأعمال التشريعية في جدول للأعمال قبل مناقشتها هو تجنب إتخاذ أعمال تشريعية جوهرية في غياب عدد مؤثر من الأعضاء بحيث لو كان لديهم علم مسبق بجدول الأعمال لحضروا جميعاً، فضلاً عن تمكين الأعضاء من التهيؤ لما تتطلبه هذه الأعمال من استشارة مسبقة من ذوي الاختصاص قبل اتخاذ موقف منها بالتصويت عليها من عدمه.

التمييز بين الأشكال والإجراءات الجوهرية وغير الجوهرية

كان للفقه والقضاء عبر التاريخ الفضل في التمييز بين ما هو مفيد وجوهري من الشكليات والتمسك به وبين ما هو ضار وغير جوهري من الشكليات ومن ثم استبعادها بطريقة أو بأخرى.

ويميز الفقه والقضاء المعاصر كذلك بين الأشكال والإجراءات الجوهرية وغير الجوهرية والغرض من هذا التمييز هو ترتيب البطلان على القرارات التي تفتقد لشكلياتها الجوهرية أما القرارات التي تفتقد للشكليات غير الجوهرية فلا تكون باطلة، وفي هذه الحالة نكون في مواجهة قرارات معيبة بعيب الشكل ولكن هذا العيب لا يؤدي إلى البطلان، وقد أورد الفقه أمثلة كثيرة من قضاء مجلس الدولة الفرنسي على الشكليات التي لم يعتبرها المجلس من الشكليات الجوهرية المؤثرة على سلامة القرار، مثل الحكم بصحة انتخاب على الرغم من عدم السماح لعدد قليل من الأفراد بالتصويت على خلاف القانون إذا كان عددهم من القلة بحيث لم يكن من شأنه أن يؤثر موضوعاً على النتيجة النهائية، أو إذا كانت الأشكال والإجراءات المقررة هدفها تحقيق مصلحة الإدارة لا الأفراد، ولكن متى تكون شكليات القرار جوهرية ومتى لا تكون جوهرية

ولكن هل يسري نفس المبدأ بالنسبة للقضاء الدستوري؟

لا يوجد معيار ثابت لتحديد ما هو جوهري أو غير جوهري من الأشكال، وإنما يعتمد تقدير ذلك على الذكاء والحدس والفهم الصحيح لطبيعة الأشياء ومنطقها والغايات المرجوة منها، إلا أنه مما لا شك فيه أن التشدد الزائد في مراعاة مختلف الشكليات والإجراءات على نحو واحد يؤدي بالنتيجة إلى ضياع الوقت وعرقلة النشاط التشريعي دون أن تكون هناك قيمة حقيقية مقابل ذلك لتلك الشكليات، والملاحظ أن قواعد الشكل والإجراءات المصاحبة لعملية التشريع قد يرد النص عليها في الدستور ذاته، كما أنها قد ترد في الأنظمة الداخلية للبرلمان. وذهب الفقه في ذلك إلى اتجاهين فذهب الإتجاه الأول إلى أن العيب الشكلي يمكن أن يتحقق عند مخالفة التشريع للقواعد الشكلية سواء قد وردت في الدستور أو في الانظمة الداخلية  للبرلمان، بينما ذهب الاتجاه الأخر بأن عيب عدم الدستورية لمخالفة الشكل لا يتحقق إلا إذا كانت الشكلية التي خولفت قد ورد النص عليها في الدستور ذاته. فالمعول عليه في الرقابة الدستورية هو ما ورد من شكليات وإجراءات في الدستور، أما ما تضمنته النصوص القانونية الأخرى الاقل مرتبة من قواعد شكلية فان مخالفتها لا تؤدي إلى عدم دستوريته.والحال أن دستور جمهورية العراق قد تضمن أشكالا متنوعة من الإجراءات الشكلية، منها ما يتعلق بتحديد زمن معين للقيام بتصرف ما، وقد يكون بعض هذه الشكليات الزمنية جوهرية أو غير جوهرية، ونرى أن تقدير أثر عدم مراعاة الشكل على دستورية التشريع أو التصرف إنما يعود تقديره للقضاء.

والمحكمة الاتحادية العليا بطبيعة الحال لا تبحث في العيوب الموضوعية إلا بعد أن تتأكد من خلو التشريع من المخالفات  الشكلية  للأوضاع والإجراءات  التي تطلبها  الدستور، ذلك أن العيوب الشكلية  تتقدم العيوب الموضوعية.

وفي هذا الصدد تقول المحكمة الاتحادية العليا في مصر في حكم لها (وحيث أن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة غايتها أن ترد إلي قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون عليها وسبيلها إلى ذلك إن تفصل باحكامها النهائية في الطعون الموجهة اليها شكلية كانت أو موضوعية وأن يكون استيثاقها من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في العيوب الموضوعية ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هي من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها أصلاً في غيبة متطلباتها.... ويتعين على هذه المحكمة بالتالي أن تتحراها بلوغاً لغاية الأمر فيها إن قضاء المحكمة في هذه المخالفة والقائمة في مضمونها على طعن موضوعي يكون متضمنا على وجه القطع واللزوم تحققاً من استيفاء القرار بقانون الذي اشتمل عليها لأوضاعه الشكلية إذ لو قام لديها الدليل على تخلفها لسقط هذا القرار بقانون برمته ولامتنع الخوض في اتفاق بعض مواده أو مخالفتها لأحكام الدستور الموضوعية الأمر الذي يعتبر معه هذا الوجه من النعي على غير أساس حرياً بالالتفات عنه).

الشكلية في دستور جمهورية العراق لسنة 2005

تبنى المشرع الدستوري العراقي في دستور 2005 النافذ عدد من الإجراءات الشكلية منها ما يتعلق بنصاب انعقاد جلسات مجلس النواب وجهة تقديم مشاريع القوانين كما في المادة (59) بنصها (أولاً : يتحقق نصاب انعقاد جلسات مجلس النواب بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه. ثانياً: تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة، بعد تحقق النصاب ما لم ينـص على خلاف ذلك) والمادة (60) بنصها ( أولاً: مشروعات القوانين تقدم من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ثانياً: مقترحات القوانين تقدم من عشرة من أعضاء مجلس النواب، أو من إحدى لجانه المختصة.)

ونصت المادة (138) بأنه ( خامسا: أ. ترسل القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب إلى مجلس الرئاسة لغرض الموافقة عليها بالاجماع واصدارها خلال عشرة أيام من تاريخ وصولها إيه باستثناء ما ورد في المادتين (118) و(119) من هذا الدستور والمتعلقتين بتكوين الأقاليم. ب. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة، تعاد القوانين والقرارات إلى مجلس النواب لإعادة النظر في النواحي المعترض عليها والتصويت عليها بالأغلبية وترسل ثانية إلى مجلس الرئاسة للموافقة عليها. ج. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة على القوانين والقرارات ثانية خلال عشرة أيام من تاريخ وصولها اليه تعاد إلى مجلس النواب الذي له أن يقرها بأغلبية ثلاثة أخماس عدد أعضائه، غير قابلة للاعتراض وتعد مصادقاً عليها. سادساً: يمارس مجلس الرئاسة صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في هذا الدستور.)

والمادة (144) التي نصت على أنه ( يعد هذا الدستور نافذاً بعد موافقة الشعب عليه بالاستفتاء العام ونشره في الجريدة الرسمية وتشكيل الحكومة بموجبه.). وحسب المادة (126) من الدستور، فإنه ( أولاً: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) اعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور. ثانياً: لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. ثالثاً: لايجوز تعديل المواد الأخرى غير المنصوص عليها في البند (ثانياً) من هذه المادة إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. رابعاً: لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام. خامساً : أ ـ يعد التعديل مصادقا عليه من قبل رئيس الجمهورية بعد انتهاء المدة المنصوص عليها في البند (ثانياً) و ( ثالثاً) من هذه المادة في حالة عدم تصديقه. ب ـ يعد التعديل نافذاً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.)

وجاء في المادة (142) من الدستور على أنه (رابعاً ـ يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر. هـ ـ يستثنى ما ورد من هذه المادة من أحكام المادة (126) المتعلقة بتعديل الدستور، إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة. )

ونصت المادة (131) من الدستور على انه ( كل استفتاء وارد في هذا الدستور يكون ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين مالم ينص على خلاف ذلك.)

يتضح من النصوص المتقدمة أن المشرع الدستوري العراقي قد وضع قيود شكلية متشددة على مسألة تعديل الدستور مراعياً بذلك ما أخذت به دساتير الدول الديمقراطية وضماناً لحقوق الشعب من تحكم الأغلبية البرلمانية في أي وقت من الأوقات ومحاولة تعديلها للدستور وفقا للمصالح السياسية الآنية. (2009)

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

عندما نقرأ عن تجديد علم الكلام، نعيش لحظات استثنائية تتخللها الدهشة والإعجاب بهذا الجهد النقدي والفلسفي العميق الذي يقدّمه الدكتور عبد الجبار الرفاعي. فهو يمارس التجديد بعقل الناقد، ورؤية الفيلسوف، وشخصية المفكر الذي يغوص في أعماق الفكر الديني، محللًا ومفككًا بنياته ومفاهيمه. لا يكتفي الرفاعي بالنظر إلى الجوانب السطحية للموضوع، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تتجه رؤيته النقدية إلى البنية التحتية الكامنة في أعماق الفكر الديني، فيعيد النظر في المسلّمات والبديهيات التي اعتاد كثيرون التعامل معها على أنها مفاهيم ثابتة لا تقبل التغيير. في سياق ذلك، يعمد إلى نقد تعريفاتها، باحثًا في عوامل نشأة هذه التعريفات، والأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومختلف الإكراهات التاريخية التي أسهمت في تشكيل دلالاتها وبناء معانيها. ويعيد تعريفها في ضوء فلسفة الدين الحديثة.

بدأ الرفاعي مشروعه في تجديد الفكر الديني بإعادة تعريف الدين تعريفًا يحرّره من الاختزال العقدي والفقهي والأيديولوجي، حين عرّفه بأنه: "الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية". وانطلاقًا من هذا التفسير للدين، أعاد بناء منظومته الفكرية على أساس أن الدين يستجيب أولًا لحاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، قبل أن يكون منظومة أحكام أو مؤسسة سلطة أو هوية مغلقة. لذلك انشغل بإعادة تعريف المفاهيم المحورية في الدين، المتمثلة بـ : الإيمان، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف، سعيًا إلى اكتشاف دلالاتها الحيّة القادرة على إشباع حاجة وجود الإنسان إلى المعنى في عالم متغير.

 لم يتعامل الرفاعي مع هذه المفاهيم باعتبارها معاني نهائية مكتملة أُنجز فهمها في الماضي، وإنما نظر إليها بوصفها مفاهيم مفتوحة تتجدد قراءتها بتجدد علوم ومعارف وخبرة الإنسان وتحول شروط حياته وأسئلته. لذلك عمل على توسيع آفاقها الدلالية، وكشف ما تختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية وجمالية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تحولات العصر والاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر. هكذا انتقل بهذه المفاهيم من فضاء التكرار والاستنساخ إلى فضاء الاجتهاد المواكب للواقع، حيث يغدو الدين مصدرًا لإثراء المعنى، وتحرير الإنسان، وحماية كرامته، وإيقاظ وعيه، بدل أن يتحول إلى أداة للوصاية أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الماضي. في سياق هذه القراءة سعى الرفاعي إلى بناء فهم للدين يظل وفيًّا لجوهره الروحي، وفي الوقت نفسه منفتحًا على متطلبات الحياة الحديثة وأسئلة الإنسان المتجددة.

إن تجديد الفكر الديني يعني إعادة إحياء فاعليته الفكرية والاجتماعية والثقافية في حياة المسلم. وهذا التجديد مرهون بتجديد علم الكلام، كما أن تجديد علم الكلام مرهون ببذل جهد استثنائي وفريد، يستمد فرادته من الجرأة والقدرة على مقاربة المفاهيم الدينية الأساسية والحساسة، ونقدها، وإعادة النظر فيها، وصياغة تعريفاتها من جديد. يقتضي ذلك عدم الخضوع للرؤى الكلامية التقليدية المهيمنة على الفكر الديني الإسلامي، التي غدت رؤاها وتعريفاتها بمنزلة خطوط حمراء لا يجرؤ كثيرون على المساس بها أو الاقتراب منها.

عندما نتحدث عن علم الكلام، فهذا يعني أننا نتحدث عن "نظرية المعرفة في الإسلام" حسب رأي الرفاعي، لذلك يشدد على: "أن أية محاولة لتجديد الفكر الديني الإسلامي تتجاوز علم الكلام، فإنها تقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات". علم الكلام، الذي يبحث في أصول العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، يشكّل أساسًا للبنية التي تصوغ الرؤية للعالم في الدين الإسلامي. علم الكلام هو من يبحث عن: الله ووجوده، والقضاء والقدر، والثواب والعقاب، واليوم الآخر، والبعث والحساب. ويعرّف: النبوة والوحي، ويتجاوز ذلك إلى الشريعة والتكليف، مؤسسًا الأساس الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية المتصلة بمختلف شؤون حياة الإنسان الدينية.

علم الكلام التقليدي، الذي تطوّر مع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والإمامية وغيرهم من مؤسسي الفرق، انبثق في سياقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، تعكس الأسئلة العقائدية في عصره، والتي فرضتها مرحلة تاريخية محددة على مجتمع بعينه، مما يعني أن جميع المفاهيم الدينية، مثل: الوحي، والنبوة، ومصير الإنسان، والقضاء والقدر، والبعث، وغيرها، يتلقاها الإنسان ويفهمها ضمن أفقه المعرفي وقدراته الذهنية والثقافية. من هنا فإن طرائق فهم هذه المفاهيم والتعبير عنها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بتطور العلم والمعرفة وتبدّل السياقات التاريخية والثقافية. وفي ضوء هذا الفهم، يرى الرفاعي أن هناك حاجة ضرورية تدفعنا باستمرار إلى تجديد علم الكلام، وإعادة النظر فيه، ونقده، وإعادة بنائه.

يشرح الرفاعي الفرق بين ثلاثة مفاهيم، هي: الإحياء والإصلاح والتجديد. فالتجديد في نظره عملية ابتكار وتطوير، تتضمن تجديدًا في اللغة والمنهج والهدف والموضوع، وتسعى إلى إعادة بناء فهم الدين بما يستجيب لروح العصر ولتحولات الإنسان والعالم. أما الإصلاح فينشغل بمراجعة ما اعتراه من خلل أو انحراف في الفكر أو الممارسة الدينية، والعمل على تقويمه وتصحيحه داخل البنية القائمة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى إعادة تأسيس المفاهيم أو إنتاج رؤى جديدة. في حين أن الإحياء هو "استئناف ما كان في الماضي كما هو". أي إن الإحياء يتحول، وفق هذا الفهم، إلى توسيع لحضور الدين في مختلف مجالات الحياة وعلومها ومعارفها، وتدخله في شتى نشاطات الإنسان، على نحو يفضي إلى إهدار المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. وفي ضوء ذلك يميز الرفاعي بين الإصلاح الذي يستهدف تصحيح القائم، والتجديد الذي يبتكر آفاقًا جديدة للفهم، والإحياء الذي يسعى إلى استعادة ما كان في الماضي وإعادة حضوره.

في ضوء ذلك لا يمكن تصنيف الرفاعي في إطار الإحياء أو الإصلاح بالمعنى الشائع لهذين المفهومين، وإنما يتموضع في أفق التجديد بوصفه مشروعًا فلسفيًا ومعرفيًا يسعى إلى إعادة بناء التفكير الديني في إطار الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة. الرفاعي مجدد يمارس التجديد بوصفه فعلًا نقديًا، لا يكتفي بمراجعة الأجوبة الموروثة، وإنما يذهب إلى الأسئلة المؤسسة التي أنتجتها، ويعيد فحص منطلقاتها ومقدماتها في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها وعي الإنسان الحديث ومعارفه. وينشغل الرفاعي بمشروع متكامل للتجديد الديني، يهدف إلى إعادة اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد أن حجبتْه في كثير من الأحيان قراءات مغلقة ومقولات تراثية استُهلكت تاريخيًا. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في المفاهيم الدينية الأساسية، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تستوعب تحولات الإنسان والعلوم والمعارف، وتفتح أفقًا أرحب لفهم الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والحرية والكرامة والحب والرحمة. في سياق هذا المسعى يعمل على بناء وعي ديني أكثر قدرة على الحوار مع العصر، وأكثر استعدادًا للاستجابة للأسئلة الوجودية والروحية التي يواجهها الإنسان اليوم.

****

بهاء سوادي - كاتب عراقي  

طالب في المرحلة السادسة بكلية الطب في جامعة البصرة.

من الغريب ان يتصور البعض حاليا ان الفلسفة والعلم بعيدان عن بعضهما. ذلك يعود جزئيا لنظام التعليم المرتكز على التخصص وربما عوامل اجتماعية اخرى. لكن ذلك بالضرورة لا يعكس الحقيقة. عندما نعود وننظر الى الخلف الى أصول الفلسفة اليونانية، سنرى ان هذا التمييز لم يكن موجودا. بالنسبة لفلاسفة ما قبل سقراط (او كما نحب نسميهم الفلاسفة الأوائل)، كانت الفلسفة علما. وسواء كانت مهمة الفيلسوف فهم لغز وعظمة الكون، او كيف يعمل ذهن الانسان وجسده، فهي لم تكن تختلف عن مهمة العالِم. نحن مدينون كثيرا للفلاسفة الأوائل، حيث ان العديد من الاختراقات الفكرية الهامة انطلقت منهم. لذا سننظر الان في بعض هؤلاء المفكرين الأوائل، كيف فهموا طبيعة العالم الذي حولهم، وكيف تشابك تاريخ العلم والفلسفة مع بعضهما لوقت طويل. هذا يثبت لنا ان التصور السائد حاليا لا يعكس دائما الحقيقة.

الانفجار العظيم في الفلسفة Big Bang

بعد قراءتنا المتكررة للفلاسفة والتراجيديين والشعراء ومعلقين آخرين في العالم القديم، سنُصاب بالدهشة. حيث في كثير من الأحيان كانت الرؤى التي جاؤوا بها بشأن الفلسفة الطبيعية والتأملية، الطبيعة (وطبيعة الانسان)، مثارا للدهشة. ومن المذهل كم كانوا قريبين جدا من فهمنا الحديث للفيزياء والكون والكثير من المعرفة التي سلّمنا بها كبديهية والتي استقرت كمعطيات علمية في عالمنا الحالي.

فلاسفة ما قبل سقراط (طاليس، اناكساغوراس، بارمنديس، فيثاغوراس، هيرقليطس، امبيدوكلس)، في الحقيقة مهدوا الطريق لكل الفلسفة العظيمة والنقدية التي أتت لاحقا. يمكننا ان نسميهم "الانفجار الكبير" للفلسفة الغربية. هم لم يحوزوا على جميع الأدوات العلمية المدهشة التي نمتلكها اليوم (المجهر الالكتروني، تليسكوب هابل الفضائي) لكي يفهموا الطبيعة والكون بشكل أفضل، لكنهم بمجرد التفكير والجرأة في الأسئلة النقدية توصلوا الى رؤى مدهشة. هنا سنعرض ثلاث رؤى مختصرة لثلاثة من فلاسفة ما قبل سقراط ربما لم نسمع بهم ابدا، لكنهم مع ذلك كشفوا لنا الكثير من الحقيقة.

هيرموتيمز الكلازوميني

كان هيرموتيمز Hermotimus (القرن السادس ق.م) عضوا في الاتحاد الأيوني (اتحاد كونفدرالي من 12 مدينة يونانية) وقد عاش في سميرنا (ازمير الحدية) في الساحل الوسط الغربي لما يسمى اليوم تركيا. لسوء الحظ، كما في العديد من فلاسفة ما قبل سقراط الأكثر غموضا، لا شيء وصل الينا من أعماله الاصلية، ولهذا نعتمد على إشارات الفلاسفة والكتّاب الاخرين مثل ارسطو، لينقلوا لنا معلومات حول تفكيره.

يعود لهيرمونتيمز الفضل في كونه اول فيلسوف افترض الفكرة المذهلة بان الذهن هو الأساس في سبب الأشياء. هو ذكر ان الوجودات المادية ثابتة بينما العقل هو الذي يسبب التغيير. هذا يبدو مشابه الى احد المبادئ الهامة لميكانيكا الكم الحالية: ان ذهن الانسان هو لاعب نشط في "خلق" الواقع الذي ندركه. فمثلا، مبدأ اللايقين لهيزنبيرغ يقول من المستحيل ان نعرف بالضبط وبشكل متزامن موقع الجسيم وزخمه. أي انه كلما عرفنا اكثر "الموقع" الذي يتقرر - من منظور الانسان - كلما كنا أقل معرفة بالزخم والعكس صحيح. في مستوى الكم، الطبيعة دائما في تدفق ولا يمكن التنبؤ بها، هي فوضوية بمعنى ما. نحن البشر ومن خلال الملاحظة والمشاركة، نفرض على الطبيعة إحساسنا بالنظام، وبالتالي يصبح كونا عشوائيا مع إضفاء شيء من المعنى.

مبدأ اللايقين

الفيلسوف والفيزيائي سيكستوس امبيريكوس في القرن الثاني الميلادي، يضع هيرموتيمز وهسيود وبارمنديس وامبيبوكلس باعتبارهم ينتمون الى صنف من الفلاسفة آمنوا بالنظرية الثنائية dualistic theory في ان الشيء المادي والمبدأ النشط "العقل" يشكلان مع بعضهما أصل العالم (المحرك الذي لا يتحرك لارسطو unmoved mover)(1). وبينما لم يمتلك هيرموتيمز أي شيء في ذهنه عن ميكانيكا الكم (هو توقّع المحرك غير المتحرك لارسطو في الكون - كخالق او السبب الأول في الخلق)، لكنه بالتأكيد اكتشف شيئا.

اخمين الكروتوني

كان اخمين Aicmeon الذي ولد عام 510 ق.م معاصرا لإيمبيدوكلس واناكساغوراس. ومع ان لا شيء متوفر من أعمالة ، لكن تتوفر لدينا تعليقات من ارسطو وثيوفارستس. اعتُبر اخمين فيزيائيا لامعا في زمانه وعاش اثناء فترة التحول في الطب اليوناني. وبينما كان الطب التقليدي خاضعا للفلسفة والدين، لكنه اتخذ منعطفا دراماتيكيا في القرن السادس قبل الميلاد. كان اخمين رائدا في الطريقة التجريبية الصارمة في التشخيص، مقابل النهج الأكثر عمومية لأسلافه الذين نسبوا الامراض او المشاكل الى مخالفة الله. بدلا من ذلك، نظر اخمين في الفرد وأراد حقائق محددة: كيف تعمل الحواس في هذه الحالة؟ ولماذا يبدو المريض على هذا النحو؟ ما هو حقا الشيء الذي تخبرنا عنه الأعراض؟ هو أدخل عقيدته في توازن البدن ليحدد ويوضح الحالة الصحية في المريض. قام اخمين بتحقيقات فسيلوجية مفصلة لمختلف الحواس لكي يستطلع الأسباب الحقيقية للأحاسيس والأعراض الظاهرة.

كذلك، هو اعتقد ان جسم الانسان السليم يجب ان يكون "في توازن". أربعة مظاهر او "قوى" للبارد، الحار، الرطب، الجاف يجب ان تكون في توازن طبيعي في جسم الانسان. عندما لا يعمل أي واحد منهم بشكل صحيح ستظهر مشكلة. وبينما هذه تبدو بدائية، لكن علم "الاخلاط الأربعة" هذا استمر في القرون الوسطى ونتذكر ان الأطباء كانوا حتى قبل قرنين يقومون بعمليات فصد الدم بشكل روتيني .

ان الشيء المهم هو ان اخمين مهّد الطريق لأطباء المستقبل مع التركيز على المعلومات الحسية للمريض. تركيزه كان حول ماذا تقول تلك الاعراض؟ جهوده في التركيز على البيانات التجريبية وإبقاء ذهن المريض في توازن، كان هاما في تقدم الطب في عصره.

ديوجين الابولوني

وُلد ديوجين الابولوني عام 460 قبل الميلاد، وعادة يُعتبر آخِر فلاسفة ما قبل سقراط ويبدو انه قام بمعظم أعماله الهامة في أثينا. هو تأثر باناكساغوراس في عقيدته بالذهن، وهو مدين للرؤية الذرية بان المجيء للوجود والخروج منه نتج عن مزج او فصل عناصر من نفس النوع. متبعاً اناكسامينس، هو افترض النظرية المادية بان كل الأشياء في العالم هي تحويرات لنفس المادة الأساسية: الهواء.

ادّعاء ديوجين بان كل شيء في الكون هو تعديل لمادة أساسية واحدة تم بناءً على اعتبارين مترابطين: 1- التفاعل المادي سيكون مستحيلا اذا كان كل شيء انفرادي مختلف راديكاليا عن كل شيء آخر، و 2- التناغم غير المنظم للطبيعة سيكون لغزا اذا كان الذكاء السائد في كل مكان لا يتحكم في او يرشد أي شيء. انكار هذه الاعتبارات سيكون مساويا طبقا لديوجين لتجاهل الطريقة التي تمتزج بها الأشياء او تساعد او تؤذي بعضها، بالإضافة الى الطريقة التي تعتمد بها الأشياء على كل منها (كما في الماء للنبات او أي كائن حي يتنفس هواء). سيكون معادلا لتجاهل التوازن والقياس والبناء المفهوم الذي يصف كل مظهر للطبيعة.

ديوجين أعلن ان الهواء هو المادة الكونية الأساسية طالما انه مبدأ الحياة والذكاء لكل العالم الحي. في اعتقاده، ان الهواء هو المصدر والقوة المرشدة لكل تغيير مادي. انه المادة الأكثر تنوعا وتكيفا. قدرته على تجسيد ذاته في نطاق واسع من الاشكال المتغيرة، وتحت أي ظرف قابل للتصور – حار، بارد، رطب، بخار وجاف - هو دليل على عقلانيته وإلوهيته. بالمقدار الذي يكون فيه هواء في كل شيء حي، معناه جزء من الله هو في كل مخلوق حي.

عالِم الفيزياء الفلكية كارل ساجان أعجب كثيرا بالمفكرين اليونانيين القدماء. هو تأمل انه لو سُمح لهم في الاستمرار في التقدم، لأصبحنا نحن البشر حضارة فضائية قبل قرون من العصر الحديث. يمكن الإشارة الى ان فلاسفة ما قبل سقراط تشكلت على أيديهم الأسس التي بُنيت عليها الأفكار والتاملات العلمية والفسفية.

***

حاتم حميد محسن

......................

June 05, 2026, classical wisdom

الهوامش

(1) في الفلسفة والثيولوجيا، يشير (المحرك الذي لا يتحرك) لأرسطو الى سبب أساسي وأبدي لكل الحركة والتغيير في الكون. هو السبب الأول كونه يزيل الحاجة الى تراجع لا متناهي للأسباب. اذا كانت كل حركة نتجت عن حركة سابقة فيجب ان تكون هناك نقطة بدء. ولأنه يستحيل منطقيا ان توجد سلسلة لامتناهية من الأشياء المتحركة ، جادل ارسطو يجب ان يكون هناك كائن متعالي تام ولا يتغير، يبدأ كل حركة بدون ان يتحرك هو ذاته.

الخصائص الأساسية للمحرك الذي لا يتحرك:

1- لا يتحرك ولا يتغير: انه غير مادي وأبدي، ليس له حجم ويوجد دائما ولا يملك أي إمكانية للتغيير.

2- الجذب وليس الدفع: انه يحرك الكون ليس عن طريق دفع او سحب الأشياء ماديا وانما هو يحرك الأشياء بشكل غير مباشر عبر التصرف كهدف او رغبة او فكرة او حب – جاذبا كل الأشياء في الكون نحو كماله، وهي تتحرك استجابة له.

3- فكر محض: كامل وجوده هو الفعل النهائي للتأمل، فكما وصفه ارسطو، انه "فكر يفكر في ذاته" او (nous) فهم كوني.

4 - غير شخصي: على عكس إله الأديان السماوية، محرك ارسطو هو ذاتي كليا، غير واع بوجود الانسان ولا يهتم في الشؤون الحياتية.

ارسطو اشتق المفهوم في الأصل عند استطلاعه السببية والطبيعة في كتابه فيزياء ارسطو، بينما توما الاكويني عدّل المفهوم الى (الطريقة الأولى) من بين خمس طرق لإثبات وجود الله. نظرية السبب الأول أشعلت نقاشا مستمرا حول ما اذا كان الواقع النهائي يتطلب نقطة توقف سببية ام ان الكون يعمل بشكل مختلف على أساس الفيزياء الحديثة.

العمل الجماعي في تجربة الإمامية الأوائل

لم يكن تشكّل الذاكرة الحديثية عند الإمامية نتاج جهود فردية معزولة، بل أسهمت في بنائها شبكة واسعة من التفاعلات العلمية التي شارك فيها الرواة والمحدثون والفقهاء عبر مراحل متعددة من التدوين والتصنيف والتنظيم، وقد شكّل العمل الجماعي أحد أهم الآليات التي ضمنت حفظ التراث الروائي وتطويره، إذ أدرك علماء الإمامية الأوائل أن الاشتراك في التأليف والرواية يحقق قدراً أكبر من الضبط والدقة، ويقلل من احتمالات الخطأ والسهو، فضلاً عن توسيع دائرة الاستفادة من الخبرات العلمية المتنوعة.

وتكشف المصادر الرجالية والفهرستية عن نماذج عديدة لهذا اللون من التعاون العلمي، فمن أوائل تلك النماذج ما نجده عند جميل بن دراج النخعي، أحد كبار أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، إذ نسبت إليه كتب اشترك في تأليفها مع غيره من الرواة، فكان له كتاب بالاشتراك مع محمد بن حمران، وآخر مع مرازم بن حكيم، وتدل هذه المشاركة على أن تدوين الحديث لم يكن دائماً عملاً فردياً، بل كان في بعض الأحيان مشروعاً علمياً مشتركاً يهدف إلى جمع الروايات ومقابلتها وضبطها بصورة أدق.

كما تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في تجربة الحسن بن سعيد الأهوازي وأخيه الحسين بن سعيد، وهما من أبرز علماء مدرسة الحديث الإمامية في القرن الثالث الهجري، فقد اشتركا في تأليف مجموعة كبيرة من المصنفات بلغت ثلاثين كتاباً، حتى غدت هذه المؤلفات من أهم المصادر الحديثية والفقهية التي اعتمد عليها المتأخرون، ورغم أن الشهرة ارتبطت غالباً بالحسين بن سعيد، فإن المصادر تؤكد اشتراك الأخوين في هذا المشروع العلمي الكبير، وهو ما يعكس طبيعة العمل العلمي التعاوني في تلك المرحلة.

ومن الأمثلة الأخرى ما قام به الحكم بن سعد الأسدي الناشري، أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، حيث شارك أخاه مشمعل في تأليف كتاب في الديات، ويكشف هذا المثال عن امتداد ظاهرة التأليف المشترك إلى المجالات الفقهية التخصصية، مما يدل على رسوخ ثقافة التعاون العلمي بين المحدثين والفقهاء الإمامية.

وفي المجال الطبي المرتبط بالمرويات الواردة عن الأئمة عليهم السلام، نجد نموذجاً آخر يتمثل في الحسين بن بسطام بن سابور الزيات وأخيه أبي عتاب عبد الله، اللذين جمعا معاً كتاباً في الطب اشتهر فيما بعد بعنوان طب الأئمة، وتظهر أهمية هذا العمل في كونه ثمرة جهد مشترك هدف إلى جمع الروايات الطبية وترتيبها وحفظها ضمن مصنف مستقل، الأمر الذي ساهم في انتقال هذا اللون من التراث إلى الأجيال اللاحقة.

كما نجد صورة أخرى للتعاون العلمي في كتاب إبراهيم بن محمد الأشعري، أحد أصحاب الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، حيث شارك أخاه الفضل بن محمد الأشعري في تأليف كتاب روى عنهما الحسن بن علي بن فضال، ويؤكد هذا المثال أن التعاون الأسري كان يمثل إحدى القنوات المهمة في عملية إنتاج المعرفة الحديثية وتداولها داخل الأوساط العلمية الإمامية.

غير أن العمل الجماعي لم يقتصر على مرحلة التأليف المشترك، بل امتد إلى مراحل لاحقة تتعلق بتنظيم المصنفات وترتيبها وتبويبها. فقد قام أبو سليمان داود بن كورة القمي بتبويب كتاب النوادر لأحمد بن محمد بن عيسى، كما قام بتنظيم كتاب المشيخة للحسن بن محبوب السراد وفق أبواب الفقه ومعانيه، وتمثل هذه الجهود مرحلة متقدمة من الوعي المنهجي؛ إذ لم يعد الهدف مقتصراً على جمع الروايات، بل أصبح يشمل إعادة ترتيبها بما يسهل الوصول إليها والاستفادة منها.

وفي السياق نفسه قام أحمد بن الحسين بن عبد الملك الأزدي الكوفي بجمع كتاب المشيخة وتبويبه على أسماء الشيوخ، وهي خطوة تكشف عن اهتمام المحدثين الإمامية بتطوير أدوات الفهرسة والتنظيم العلمي للمادة الحديثية، وقد أسهمت هذه الجهود في تسهيل عملية النقل والاستفادة من الروايات، كما مهدت لظهور المشاريع الفهرستية والرجالية اللاحقة.

ومن خلال هذه النماذج يتضح أن الذاكرة الحديثية الإمامية لم تُبنَ عبر جهود فردية متفرقة، وإنما تشكلت من خلال منظومة متكاملة من التعاون العلمي شملت التأليف المشترك، والمراجعة المتبادلة، وجمع المصنفات، وإعادة ترتيبها وتبويبها، وقد أتاح هذا العمل الجماعي للموروث الحديثي أن يحافظ على استمراريته وأن ينتقل عبر الأجيال بدرجة عالية من الضبط والتنظيم، مما جعله أحد أبرز عناصر القوة في التجربة العلمية للإمامية الأوائل، ولذلك يمكن القول إن صناعة الذاكرة الحديثية لم تكن مجرد عملية حفظ للروايات، بل كانت مشروعاً معرفياً جماعياً شاركت فيه أجيال متعاقبة من المحدثين والفقهاء والمفهرسين، وأسهم في ترسيخ البنية العلمية للتراث الإمامي وتطوير أدواته المعرفية.

***

علي جعفر الرماحي

لا يجيء كتابي "مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات" بوصفه امتدادا تقنيا أو تتمة موضوعية لكتابي السابق "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة"، بقدر ما ينبثق باعتباره تحولا في أفق السؤال نفسه؛ انتقالا من مساءلة الوسائط بوصفها أدوات تواصل وإنتاج للمعنى، إلى تفكيك البنية العميقة التي تصوغ الوعي الإنساني داخل الإمبراطوريات الرقمية الجديدة، حيث لم تعد السلطة تُمارَس بالعنف الرمزي التقليدي فقط، بل عبر هندسة الإدراك، وتوجيه الانتباه، وإعادة تشكيل الرغبة والذاكرة والزمن.

إن ما أسميه بـمستعمرات الضوء ليس سوى تلك الجغرافيا اللامرئية التي تحتل الإنسان من الداخل، لا عبر الجيوش أو الحدود، بل بواسطة التدفق اللامتناهي للصور والخوارزميات والمنصات. إنها استعمار جديد للوعي، يتسلل في هيئة إشعاع ناعم، يقدّم نفسه باعتباره حرية مطلقة، بينما يعيد إنتاج أشكال أكثر تعقيدا من الانضباط والمراقبة.

ربما نستعيد ها هنا أطروحات ميشيل فوكو وراهنيتها القصوى، خصوصا في حديثه عن المجتمعات التأديبية وتقنيات الضبط، غير أن السلطة اليوم لم تعد مؤسسة مغلقة أو جهازا مرئيا، بل تحولت إلى خوارزمية تتخفى داخل الاقتراح الذكي والتفضيل الشخصي واقتصاد الانتباه.

لقد أصبح الإنسان الرقمي، كما يتبدى في هذا الكتاب، يعيش داخل ما يشبه البانوبتيكون الشبكي، حيث يراقب ذاته بنفسه، ويعيد إنتاج صورته وفق ما تقتضيه معايير القبول الرقمي. ومن هنا، فإن سؤال الوعي لم يعد سؤالا فلسفيا مجردا، بل أضحى سؤالا سياسيا وأنثروبولوجيا وأخلاقيا يتعلق بمصير الإنسان نفسه داخل حضارة الشاشة.

وفي هذا السياق، يقترب الكتاب من تشخيصات غي ديبور في مجتمع الفرجة، حيث تتحول الحياة إلى تمثيل دائم، وتصبح الصورة بديلا عن التجربة الحية. غير أن الفرجة اليوم تجاوزت بعدها الاستعراضي إلى مستوى أعمق؛ إذ لم تعد الصورة تكتفي بعرض العالم، بل صارت تعيد إنتاجه وصياغته وفق منطق المنصة. فالمنصات الرقمية لا تنقل الواقع، بل تبنيه، وتعيد ترتيب أولوياته وقيمه وأوهامه.

إن الضوء في هذا الكتاب ليس استعارة بريئة، بل هو ضوء الشبكات الذي يسطع إلى درجة العمى، ضوء يكشف الأشياء بقدر ما يخفيها، ويمنح الاتصال فيما يعمّق العزلة، ويخلق وفرة في المعلومات مقابل فقر متزايد في المعنى.

كما وتتقاطع أفكار الكتاب مع نقد جان بودريار لمجتمع المحاكاة، حيث يغدو الإنسان سجين علامات وصور تفوق الواقع ذاته كثافة وهيمنة، حتى يصبح الفرق بين الحقيقي والافتراضي مسألة متلاشية.

ومن جهة أخرى، يحاول هذا المشروع مساءلة التحولات التي مست بنية المجال العمومي في العصر الرقمي، انطلاقا من الأسئلة التي أثارها يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي والعقل التواصلي. فالمجال العمومي الشبكي، الذي وُعدنا به باعتباره فضاء للتحرر والتعدد، تحول تدريجيا إلى سوق كبرى للانفعالات، وإلى فضاء تُدار فيه الحشود بمنطق الترند لا بمنطق النقاش العقلاني، حيث تُختزل القضايا المعقدة في ردود فعل سريعة، وتُستبدل الحقيقة بقابلية التداول.

ولذلك فإن كتابي "مستعمرات الضوء" لا يشتغل فقط على نقد التكنولوجيا، بل على تفكيك الميتافيزيقا الرقمية التي جعلت الإنسان الحديث يؤمن بأن الخلاص يمر عبر الاتصال الدائم، والتدفق المستمر، والحضور الإلكتروني اللامنقطع. وهي الفكرة التي تحيلنا إلى تأملات مارتن هايدغر حول التقنية، حين اعتبر أن الخطر الحقيقي للتكنولوجيا لا يكمن في أدواتها، بل في الطريقة التي تجعل الإنسان يرى العالم باعتباره مخزونا قابلا للاستعمال.

إن القلق المعرفي الذي يحرك هذا الكتاب ينبع من إدراك أن المعركة الحقيقية في زمن الشبكات لم تعد معركة المعلومة، بل معركة الوعي ذاته؛ أي معركة الإنسان ضد تحوله إلى بيانات، وضد اختزاله في ملف رقمي قابل للتوقع والتوجيه والتسليع. فالرأسمالية الرقمية، كما أعتقد لم تعد تكتفي باستغلال العمل، بل انتقلت إلى استغلال الانتباه والعاطفة والميول النفسية، وهو ما يجعلنا قريبين من تحليلات زيغمونت باومان حول الحداثة السائلة، حيث تصبح العلاقات والهويات والقيم في حالة سيولة دائمة، فاقدة لأي يقين أو استقرار.

هذا المشروع الفكري لا ينتمي إلى سوسيولوجيا الإعلام بالمعنى التقليدي، بل ينفتح على فلسفة التقنية، ونقد الثقافة الرقمية، وأنثروبولوجيا الشبكات، بوصفها حقولا متداخلة لفهم التحولات الجذرية التي يعيشها الإنسان المعاصر. إنه محاولة لتفكيك الكيفية التي تتحول بها الشاشة إلى سلطة رمزية شاملة، وكيف تصير الخوارزميات فاعلا خفيا يعيد تشكيل الحس المشترك والخيال الاجتماعي وتمثلات العالم.

وفي العمق، يظل سؤال الكتاب سؤالا وجوديا:

كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حريته الداخلية في زمن تُدار فيه الرغبات رقميا؟

وكيف يمكن استعادة المعنى وسط هذا الفيض الضوئي الهائل الذي يبتلع التأمل والبطء والمسافة النقدية؟

ذلك أن أخطر ما تنتجه مستعمرات الضوء ليس فائض الاتصال، بل تآكل القدرة على التفكير الحر، وانطفاء المسافة الضرورية بين الإنسان والعالم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

.........................

* كلمة ألقيتها خلال اللقاء الثقافي الذي نظمته مديرية الثقافة بمراكش، بمناسبة معرضها الجهوي في دورته ال16 ، يوم الثلاثاء 19 ماي 2026 بساحة الكتبية مراكش

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الأركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة، أي الإنسان والتراب والوقت، مع تعديل أراه ضرورياً، كي تستوعب تحولات الفكر في يومنا الحاضر.

أعلم أن بعض الناس يرى هذا الموضوع قليل الأهمية، وأن المسائل العملية اللصيقة بالواقع اليومي هي الجديرة بالاهتمام. لكنني أجد أيضاً أن غالبية أهل الرأي، متفقون على أن مفتاح التقدم هو تطوير الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وتوطين التقنية. إن اهتمامهم بالمنطق الرياضي والحسابات، التي تشكل عماد التقنية المعاصرة، بدل البلاغة وبديع الكلام، دليل على إيمانهم بمحورية المعارف النظرية، التي تشكل الأرضية والإطار الضروري لتطوير التقنيات العملية.

أعتقد أن الجميع متفق على ضرورة النهضة، وعلى البدء بالإنسان الذي يحقق النهضة ويستفيد منها. لكن البعض قد يتناسى حقيقة أن النهضة ليست إجراءات أو منظومة أعمال فقط، بل هي في المقام الأول رؤية نظرية للأهداف الكبرى والوسيطة، ومعايير للتحقق من سلامة العمل، ثم الإجراءات والبرامج التي ستوصلنا إليها.

إنني أطمع أن يهتم عدد أكبر من أهل الرأي في بلدنا وحولها بقضايا النهضة، ولا سيما بتحويلها من شعارات عامة أو تمنيات، إلى مسائل قابلة للنقاش العام، وتطبيقات متصلة بالحياة اليومية للناس كافة.

لا شك أن هذه القضايا جديرة بالنقاش من جانب جمهور المواطنين، فضلاً عن أهل الرأي والمتخصصين. ويؤسفني أن غالبية العرب لا تهتم كثيراً بالجدل حول المشاريع الكبرى. ويشار عادة في تبرير هذا الإهمال، إلى انشغال الناس بلقمة العيش، التي قد تكون عسيرة في بعض البلدان. مع أن تلك المشاريع هي العلاج الفعال والتاريخي لشحة الرزق وانكشاف المجتمع.

سوف أعود لمناقشة الرؤية المبكرة التي طرحها مالك بن نبي في مقالات لاحقة. لكنني أود البدء بصياغة جديدة لمفهوم الإنسان الذي اقترحه، والذي أراه منصرفاً إلى معنيين: أولهما كون الإنسان هدفاً نهائياً للنهضة، فلا يصح أن تضم بين مشاريعها ما يضعف دوره أو يقيد مساراته. والآخر كونه الفاعل الرئيس الذي تعتمد عليه مشاريع النهضة. ومن هنا، فإن تطوير قدرات الإنسان العقلية والعلمية، أي تمكينه من إدارة التطور الذي نسميه نهضة، يُعدّ رهاناً محورياً وتمهيداً لا بديل عنه عند انطلاق المشروع وفي سياقه.

أما التراب، فقد كان الأستاذ مالك يركز على مفهوم الأرض والإنتاج الزراعي. وأرى أن الأصوب استبداله بمفهوم «الطبيعة» ككل، باعتبارها موضوعاً لعمل الإنسان. نهضة الاقتصاد والعلم، وهما جوهر مفهوم التقدم، ليست في حقيقتها سوى الاستثمار الأكفأ للموارد الطبيعية.

أما الوقت، فإنني أقترح أن نستبدل به مفهوم الزمن أو التاريخ؛ لأن التقدم ليس مشروعاً ينتهي بعد مدة. بل هو أقرب لبرنامج مفتوح، يبدأ بما تعرف، فتنفتح أمامك أبواب كانت مجهولة، فتستغني عما سبق. وهكذا، فكل عمل في مشروع النهضة هو عبور من مرحلة معروفة إلى أخرى جديدة، تؤدي بالضرورة إلى زوال قيم وبروز أخرى، وزوال مفاهيم وأحكام وأخلاقيات وبروز بدائل عنها، وهكذا. معرفة الإنسان تاريخية بطبعها، أي مؤقتة. اعتبار المعرفة تاريخية، أي مشروطة بزمنها، شرط ضروري للتعامل الناضج مع التحولات التي تجري في سياق النهضة. ولنا عودة إلى هذا الموضوع.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

في مأزق الحقيقة الراهن

يمر العالم المعاصر بإنتاجية مكثفة لأزمات وجودية ومعرفية مركبة؛ تتبدى في تقاطع تحولات سياسية واقتصادية وفلسفية حادة، تعيد صياغة وعي الإنسان بذاته، وبمحيطه، وبالزمن. إن هذا التحول الكوني ليس مجرد تبدل عابر في موازين القوى، بل هو زلزال مفاهيمي يطال بنية الوعي البشري ويقوض ركائز الحقيقة الفلسفية والسياسية التي استقرت لقرون. ويمكن قراءة هذا التحول الكوني المعقد من خلال ثلاثة محاور رئيسية متداخلة تشكل ملامح العصر الحديث:

 أولها، صعود "الظاهرة الترامبية" كنموذج لتفكيك القيم السياسية الكلاسيكية وإحياء النزعة السيادية المشخصة التي تعتمد على كسر المؤسسات واختزال الدولة في الفرد.

 وثانيها، تأسيس "التعميق الأيديولوجي للتفاهة" بالتوازي مع ميتافيزيقيا براغماتية نفعية تختزل الوجود الإنساني كله في أبعاده المادية الأداتية، محولة القيم الأخلاقية إلى أدوات استخدامية عابرة.

 وثالثها، سيادة فلسفة تجارية سلعية مفرطة تكرس نمط وجود وشعار الاستهلاك الفوري القائل: "أعيش يومي وغداً لغائب".

تتوج هذه المحاور الثلاثة بمقاربة فلسفية تاريخية تفكيكية لصراع الكذب والسياسة؛ حيث يتحول الكذب المنهجي في عصر "ما بعد الحقيقة" من مجرد انحراف أخلاقي طارئ أو خطيئة سلوكية فردية، إلى آلية أنطولوجية وجودية تعيد هندسة الواقع وصناعة الأوهام الجمعية. إن فهم هذا المشهد المتشابك يتطلب تشريحاً بنيوياً حاداً يربط بين تآكل المؤسسات الديمقراطية، وصعود الرأسمالية المتأخرة، والتحولات العميقة في أنظمة التاريخانية والوعي البشري بالزمن والحقيقة. إنه محاولة لتعرية الأنساق الخفية التي تحرك واجهة العالم المعاصر وتدفع به نحو سيولة معرفية شاملة.

 الترامبية وفلسفة السيادة المشخصة (أيقونة الكاو بوي)

تتجاوز الظاهرة الترامبية كونها مجرد حقبة رئاسية عابرة في التاريخ الأمريكي المعاصر، أو مجرد حدث سياسي ارتدادي؛ إذ تمثل في الجوهر تياراً أيديولوجياً هجيناً يمزج بين مستويات مرتفعة من الشعبوية اليمينية المحافظة والنزعة السلطوية القومية الجديدة. إنها ظاهرة فريدة تستخدم أدوات الحداثة وما بعد الحداثة معاً لتفكيك القيم السياسية الدولية المستقرة. وتعتمد الترامبية في منطقها الحركي على سياسة "الصدمة" المتتالية لإرباك التوازنات الدولية التقليدية، متجاوزة عن عمد القنوات المؤسساتية والقانون الدولي لتكريس مبدأ الصفقات الثنائية والنفوذ المباشر المبني على ميزان القوى العاري. وينعكس هذا التوجه في صراع حاد يتسرب من قمة الهرم السياسي إلى أعمق قاع في المجتمع؛ معبراً عن ارتباك دولي يعيد صياغة مفهوم تعددية الأقطاب على أنقاض العولمة الليبرالية والتحالفات التاريخية التقليدية، حيث يحل منطق "الغابة السياسية" محل التوافقات التعاقدية.

تتقاطع الترامبية بنيوياً مع الفلسفة الكامنة وراء المثل السائد "أمير ولو على حجر"؛ وهي فلسفة شعبية تجسد النزعة السيادية المتطرفة والمشخصة التي تفضل الهيمنة الفردية المطلقة، وإن تكن هذه الهيمنة ممارَسة على ركام نظام متآكل أو بيئة قاحلة مهدمة. في هذا المنظور السياسي، تصبح السلطة غاية بذاتها، منفصلة تماماً ومجردة من مسؤولياتها البنائية أو التزاماتها التعاقدية الجماعية تجاه المجتمع أو المستقبل.

إن ممارسة الحكم هنا تتمأسس على مبدأ الذاتية المطلقة ورفض أي كبح مؤسساتي أو دستوري أو قانوني؛ بحيث تصبح الدولة مختزلة بالكامل في شخص القائد الفرد، وتتحول العلاقات الدولية من فضاء دبلوماسي إلى فضاء من الصراع البدائي الخالي من القيم الإنسانية المشتركة. إن "الحجر" في هذا السياق هو التعبير الوجودي عن التخلي العمد عن بناء الفضاءات العمومية المشتركة والمؤسسات المستدامة، لصالح نرجسية سيادية تبسط نفوذها على التشظي والخراب، وتجد مشروعيتها في استمرار الأزمة لا في حلها.

الفلسفة التجارية السلعية وحتمية "الحاضرية المطلقة"

توظف الرأسمالية المتقدمة النزعة الاستهلاكية المفرطة ومذهب المتعة اللحظية كأدوات تصفية واحتواء شرسة للقوى الاجتماعية والسياسية التي قد تشكل، في حال وعيها، تهديداً لاستقرار بنيتها الاحتكارية. وتعمل الآلة الصناعية المعاصرة، وثقافة الإعلام الاستعراضي، ومراكز التسوق الكبرى والمنصات الرقمية، على إنتاج ما يمكن تسميته بـ "الإنسان المسطح"؛ ذلك الكائن الذي يستهلك ذاته في عملية الاستهلاك نفسها، ويتحول من فاعل تاريخي إلى مفعول به اقتصادي. وقد قوضت هذه النزعة الاستهلاكية الشرسة القيم الروحية والأعراف الاجتماعية للمجتمعات التقليدية؛ حيث جرى إزاحة المناسبات الروحية والاجتماعية الكبرى من حيزها الرمزي والديني العميق إلى حيز "الطقوسية الشكلية والاستعراضية" التي تغذيها الميديا الرقمية وصناعة الصورة المعولمة. هذا التسليع الشامل لكل ما هو إنساني ينعكس في حالة من الاغتراب الروحي والاضطراب المتزايد الذي يلتهم البيئة والإنسان على حد سواء؛ مكرساً حالة "الغثيان" الوجودي التي تفرزها الحياة البرجوازية القائمة على المنفعة الضيقة لا الجمال، وعلى التكرار العقيم للحاضر الاستهلاكي الخالي من الإبداع الحقيقي والتجاوز التاريخي.

في هذا الصدد، يحلل المؤرخ فرانسوا هارتوغ كيف أن المجتمعات الإنسانية تعبر عن تجاربها في أطر ثقافية متغيرة تسمى "أنظمة التاريخانية". وقد تراجع الوعي الزمني المعاصر بشكل حاد بعد سقوط جدار برلين وتفكك اليوتوبيا التقدمية الحديثة التي كانت تتطلع نحو المستقبل، ليفسح المجال لنظام "الحاضرية المطلقة"؛ حيث يصبح الحاضر كلي الوجود والسيادة، ويتلاشى التوازن التاريخي التقليدي بين فضاء الخبرة المستمدة من الماضي وأفق التوقعات المأمول في المستقبل.

يعيش الفرد في ظل هذا النظام علاقة شيزوفرنية بالزمن؛ وهي تجربة دوال مادية معزولة ومتقطعة تفشل في التلاحم لتشكيل استمرارية زمنية للهوية الشخصية أو الجماعية. إن شعار "أعيش يومي وغداً لغائب" ليس مجرد تعبير عن تفاؤل عابر، بل هو السلوك النفسي والاجتماعي المنسجم تماماً مع آليات الرأسمالية المتأخرة التي تثير شهوة الاستهلاك الفوري في لحظة "هنا والآن". وفي هذه الحالة الوجودية المأزومة، ينفصم الجدل الطبيعي بين الحاضر والمستقبل؛ إذ يغترب الحاضر كلياً ويتحول إلى "حاضر كئيب وسرمدي" مفرغ من الوعي التاريخي والآفاق الاستشرافية. ويرى الفيلسوف فريدريش نيتشه أن هذا التكريس للوعي اللحظي والنزوع الاستهلاكي يدمر جوهر الإنسانية؛ عبر حصر غايتها في المعرفة التقنية الفورية والمنفعة المادية العاجلة بدلاً من القيم الروحية العميقة التي تمنح الوجود استمراريته الأخلاقية والتاريخية الممتدة.

جينالوجيا صراع الكذب: التحولات المفهومية الكلاسيكية

يمثل صراع الحقيقة واللاحقيقة المحور الجوهري لمسار التاريخ الفلسفي كله؛ إذ دأبت الفلسفة، منذ نشأتها الأولى، على البحث عن الحقيقة عبر تعرية أضدادها من الوهم، والزيف، والأسطورة، والتضليل. وقد شهد مفهوم الكذب تحولات مفهومية كبرى عبر العصور، بدءاً من الصياغة اليونانية الكلاسيكية حيث برز الكذب في صيغة "القول الزائف"؛ وهي صيغة معقدة تمزج في الآن ذاته بين الخطأ المعرفي غير المقصود، والخداع السياسي المتعمد، والتزوير الفني والجمالي المفارق للواقع.

وفي محاورة "هيبياس الصغرى" الشهيرة لأفلاطون، يخوض سقراط نقاشاً بنيوياً عميقاً حول التمييز بين شخصيتي البطلين الملحميين: "آخيل" الصادق والمستقيم، و"أوديسيوس" المراوغ والذكي. ويقدم أفلاطون من خلال هذا السجال أطروحة إشكالية صادمة تفترض "تفوق فاعل السوء الطوعي"؛ مبيناً أن الشخص الذي يكذب أو يرتكب الخطأ طواعية وبعلم تام ووعي كامل هو أفضل تقنياً وعقلياً وفلسفياً من الشخص الذي يخطئ عن جهل أو دون قصد.

السبب في هذا التفضيل الأفلاطوني المظهر هو أن الأول يملك ناصية المعرفة والخبرة التامة بالمجال، وبالتالي يمتلك القدرة الواعية على التحكم بالحقائق وتوجيهها وصياغتها، بينما الثاني يتخبط دون وعي. هذا التمييز المبكر يضع يدنا على الجذر الجينالوجي للكذب بوصفه مهارة معرفية وتقنية يجري توظيفها لأغراض الهيمنة وصناعة الرأي.

 من الكذب الممنهج إلى فضاء "ما بعد الحقيقة"

تنتقل الفيلسوفة حنة أرندت بمفهوم الكذب إلى فضاء الفلسفة السياسية الحديثة في مقالتها الكلاسيكية "الحقيقة والسياسة" ، والتي كتبتها في أعقاب الجدل الصاخب والشرس الذي أثير حول كتابها "آيخمان في القدس"  مقدمة مقاربة واقعية وعميقة للعلاقة الصدامية بطبيعتها بين الفضاء السياسي وعالم الحقيقة. وترى أرندت أن الصدق لم يكن يوماً من الفضائل السياسية في تاريخ الممارسة العملية، بل طالما اعتُبر الكذب ونصف الحقيقة أداة ضرورية ومبررة في إدارة الدولة والتوجيه الغوغائي للجماهير. وتناقش أرندت مقولة توماس هوبز الشهيرة في كتابه "الليفايثان" بأن "الحقيقة التي لا تتعارض مع لذة أو ربح أي إنسان هي موضع ترحيب الجميع"، لتؤكد أن الحقيقة الواقعية تواجه رفضاً وغضباً سياسياً مستمراً حتى حين لا تتعارض مباشرة مع المصالح المادية؛ وذلك لأن طبيعة الحقيقة القسرية والصلبة وغير القابلة للمساومة تقيد حركة الفاعل السياسي الباحث عن إعادة تشكيل الآراء، وتزييف الوقائع، وتوجيه الجمهور وفقاً لبوصلة مصلحته الآنية.

توضح أرندت عناد الحقيقة الواقعية من خلال حكاية السياسي الفرنسي جورج كليمنصو؛ فحين سئل عما سيكتبه مؤرخو المستقبل عن مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الأولى، أجاب بثقة: "لا أعلم يقيناً ما سيكتبونه، ولكني متأكد تماماً من أنهم لن يجرؤوا على القول بأن بلجيكا هي من غزت ألمانيا في أغسطس 1914". وتظهر هذه الحادثة التاريخية الدالة أن الحقائق الملموسة تمتلك "صلابة مستفزة" وصموداً ذاتياً يعوق محاولات تزييف الواقع بالكامل أو محوه من الذاكرة البشرية.

ومع ذلك، تميز أرندت تمييزاً دقيقاً بين الكذب التقليدي القديم الذي كان يهدف إلى حماية الأسرار العسكرية أو خداع الأعداء بشكل موضعي وجزئي يترك نسيج الواقع العام سليماً، وبين "الكذب الممنهج الحديث" الذي تمارسه الحكومات المعاصرة والأنظمة الشمولية الشاملة. إن الكذب الممنهج لا يكتفي بإخفاء الوقائع أو مواراتها، بل يعمل على تدميرها كلياً من الجذر، وإحلال واقع افتراضي بديل، مصنع ومكتمل وموجّه، مكانها. ويكتسب هذا الكذب بعداً دموياً مرعباً؛ إذ يمثل الخطوة الأولى والأساسية للتصفية المادية الفعلية. فعندما تعمد سلطة شمولية إلى مسح اسم شخصية بارزة من الصور والسجلات التاريخية الرسمية، فإن هذا المحو الرمزي ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تفكيك لوجوده يشرعن عملية اغتياله الفعلي ويسهل تقبل تدميره المادي في الوعي الجمعي دون إثارة أي شعور بالذنب.

ولمواجهة هذا التزييف المنظم، تقترح أرندت استلهام مفهوم "العقلية المتضخمة الشاملة" من فلسفة إيمانويل كانت المتعلقة بالحكم الجمالي؛ حيث يتطلب الفكر السياسي المتزن تفعيل طاقة الخيال لاستحضار مواقف الآخرين الغائبين، والتفكير من وجهات نظر متعددة ومتقاطعة لضمان تحقيق نوع من الموضوعية والتحرر من النفعية الفردية أو الحزبية الضيقة.

يواصل الفيلسوف جاك دريدا هذا التفكيك البنيوي في محاضرته التأسيسية "تاريخ الكذب: مقدمات"؛ والتي ألقاها في المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي تخليداً لذكرى ارتباط حنة أرندت بتلك المؤسسة الأكاديمية. ويحلل دريدا في هذه الأطروحة كيف يتواطأ الكذب المعاصر مع السرعة الفائقة لوسائل الإعلام الرقمية وشبكات التواصل، التي تنتج رأياً عاماً فورياً وموجهاً، وتمنع بالضرورة فترات التفكير، والتروي، والتحليل اللازمة لكشف التزييف وتعرية الأكاذيب. كما يحلل دريدا أداء "خطابات الاعتراف والاعتذار السياسي" المعاصرة بوصفها ممارسات أدائية إجرائية لغوية تهدف في حقيقتها إلى إعفاء الفاعلين السياسيين والأنظمة من المسؤولية القانونية والمادية الفعلية تجاه الضحايا، عبر تحويل الجريمة إلى مجرد حدث لغوي يجري تجاوزه بالاعتذار الشكلي.

ويبرز هذا التحليل المعرفي لدريدا في سجاله التاريخي العنيف مع المؤرخ توني جدت؛ وكان جدت قد نشر مقالاً شهيراً في صحيفة "نيويورك تايمز" عام 1995 بعنوان "قصص الحرب الفرنسية"، أثنى فيه على شجاعة الرئيس جاك شيراك في الاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية عن ترحيل اليهود في عهد حكومة فيشي المتعاونة مع النازية، ولكنه في الوقت نفسه وجه نقداً لاذعاً ومجحفاً للمثقفين الفرنسيين الكبار من أمثال سارتر، فوكو، بوفوار، ودريدا، متهماً إياهم بـ "الصمت المريب والغريب" عن جرائم حكومة فيشي لعقود طويلة بسبب تعميتهم المعرفية وارتباطهم بالأيديولوجية الماركسية.

فكك دريدا ادعاءات جدت بصرامة معرفية، كاشفاً أنها تفتقر تماماً للدقة التاريخية وتمثل ما أسماه "الحقيقة المضادة" أو "أشباه الحقائق" الناتجة عن إهمال فادح أو تعمد مبيت لعدم البحث عن الحقيقة الناصعة. وبيّن دريدا أولاً أن التزامات فوكو السياسية البارزة لم تكن ماركسية قط، بل كانت في معظمها مناهضة صريحة ومعلنة للماركسية التقليدية. وثانياً، كشف زيف تهمة الصمت بتقديمه دليلاً تاريخياً قاطعاً تمثل في العريضة التاريخية الشهيرة الموقعة في يونيو 1992 (والتي كان دريدا نفسه من أبرز مهندسيها وموقعيها مع مثقفين آخرين) والتي طالبت صراحة ولأول مرة رئيس الجمهورية آنذاك فرانسوا ميتيران بالاعتراف الرسمي بجرائم فيشي ضد الإنسانية، وهو التحرك البارز الذي غطته صحيفة "نيويورك تايمز" ذاتها في حينه. يظهر هذا السجال الفلسفي التاريخي كيف يتحول التحريف التاريخي في الصحافة والأكاديميا المعاصرة إلى أداة لإنتاج "أوهام رقمية" وتمرير روايات كاذبة مغلفة بسلطة التواقيع الأكاديمية والمنشورات الرصينة في فضاء ما بعد الحقيقة، حيث يغدو التجهيل صناعة منظمة.

 آفاق الانسداد الأنطولوجي

يفضي هذا التشريح المعرفي والسياسي العميق للمشهد العالمي الراهن إلى إدراك واضح لحجم الانسداد الأنطولوجي الوجودي الذي تفرضه الرأسمالية المتأخرة والظواهر الشعبوية المصاحبة لها. إن تقاطع الترامبية كسيادة مشخصة فوضوية ("أمير ولو على حجر") مع أيديولوجيا التفاهة المسطحة والمنفعة البراغماتية الأداتية، قد أنتج في نهاية المطاف بشراً منزوعي البعد التاريخي والروحي، غارقين في حاضر استهلاكي سرمدي لا يرى أبعد من تلبية الرغبات الفورية لليوم الواحد. وفي هذا السياق المتآكل، يغدو الكذب أسلوب حوكمة أصيلاً، ومنهجاً منظماً لتصفية الحقائق الصلبة وتمرير السياسات الإلغائية تحت غطاء الأوهام الرقمية وشعارات ما بعد الحقيقة التي تبرر كل خطيئة سياسية.

ولا يمكن مواجهة هذا النظام الشامل للتفاهة والتزييف إلا باستعادة الفلسفة الفكرية النقدية الصارمة، والجرأة التفكيكية على قول الصدق في الفضاء العام، وتعرية آليات السيطرة السلعية والإعلامية لإنقاذ الفضاء المشترك للإنسانية من الانهيار والسقوط النهائي في بئر الأكاذيب المعولمة. إن استعادة التوازن المفقود بين فضاء التجربة التاريخية وأفق التوقعات المستقبلية، ورفض استبدال الرعاية التنموية الحقيقية للدول بأجهزة المنظمات غير الحكومية التابعة للشركات العابرة للقارات، تمثل الشروط البنيوية الأساسية والوحيدة لبناء مجتمع كوني يسترد وعيه التاريخي ويصون حقيقته الواقعية بقوة وصلابة في وجه أدوات التضليل الرقمي المعاصر. إنها معركة الوعي ضد التسطيح، ومعركة الحقيقة الصلبة ضد السيولة الخادعة.

***

غالب المسعودي

لمؤشرات تقييم التعليم العالي بين الكمّ والكيف

تأتي هذه القراءة في سياق الحاجة المتزايدة إلى إعادة التفكير في فلسفة التعليم العالي، وفي طبيعة الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح قبل الشروع في أي إصلاح أو تطوير. فقد قدّم البروفيسور محمد الربيعي رؤية نقدية متزنة، لا تنحاز إلى طرفٍ دون آخر، بل تضعنا أمام مفاضلات حقيقية يعيشها التعليم العالي اليوم: بين التوسع الكمي والارتقاء النوعي، بين مجانية التعليم واستدامة تمويله، بين المركزية الصارمة والاستقلالية المسؤولة، وبين المعرفة النظرية والمهارة التطبيقية.

إن أهمية هذه الرؤية لا تكمن في الأسئلة التي طرحتها فحسب، بل في الطريقة التي صيغت بها؛ فهي أسئلة تُعيد ترتيب أولويات النقاش، وتدفع نحو بناء منظومة تعليمية واعية بذاتها، قادرة على تقييم أدائها، ومؤهلة لصياغة مستقبلها. ومن هنا تأتي هذه القراءة لتفكيك تلك المفاضلات، وتحويلها إلى مؤشرات قابلة للقياس، تُسهم في رسم صورة أوضح لموقع التعليم العالي بين الكمّ والكيف، وبين الواقع والطموح.

أولاً: مؤشرات الكمّ والنوع

تتأرجح الجامعات بين التوسع الكمي الذي يرفع أعداد الطلبة والأقسام، وبين التميز النوعي الذي يرفع مستوى الوعي والكفاءة. ولأن التوسع وحده لا يصنع جامعة، ولأن الجودة وحدها لا تكفي دون قاعدة بشرية واسعة، فإن التوازن بينهما يصبح ضرورة.

النمو الكمي يُقاس بمعدلات الزيادة السنوية في الطلبة والأقسام، بينما تُقاس الجودة النوعية بنتائج التقييمات، ورضا الطلبة، وكفاءة التدريس، وحجم الإنتاج العلمي.

هذه المفاضلة التي طرحها الربيعي ليست سؤالًا تقنيًا، بل سؤالًا فلسفيًا حول هوية الجامعة: هل هي مؤسسة جماهيرية أم نخبوية؟ أم أنها مطالبة بأن تكون الاثنتين معًا؟

ثانيًا: مؤشرات التمويل والعدالة التعليمية

بين مجانية التعليم وكلفته، تقف الجامعات أمام معادلة دقيقة: كيف تُبقي التعليم متاحًا دون أن تفقد جودته؟

وهنا يبرز مؤشر العدالة التعليمية الذي يقيس مدى وصول التعليم للجميع، مقابل مؤشر الكفاءة الاقتصادية الذي يقارن تكلفة الطالب بالعائد المهني والعلمي.

رؤية الربيعي تُذكّر بأن مجانية التعليم ليست قيمة مطلقة إذا جاءت على حساب الجودة، وأن التمويل ليس هدفًا إذا لم يُترجم إلى تعليم أفضل. إنها دعوة لإعادة التفكير في نماذج التمويل بعيدًا عن الشعارات.

ثالثًا: مؤشرات الحوكمة الجامعية

المركزية قد تضمن الانضباط، لكنها قد تخنق الإبداع. والاستقلالية قد تمنح الحرية، لكنها قد تشتت الجهود.

لذلك تُقاس الحوكمة عبر:

- مؤشر الاستقلالية: نسبة القرارات الأكاديمية المتخذة داخل الجامعة.

- مؤشر المركزية: حجم تدخل الجهات العليا في القرارات.

ما يطرحه الربيعي هنا ليس نقدًا للمركزية بقدر ما هو نقد لغياب التوازن؛ فالجامعة لا يمكن أن تنهض بلا حرية، ولا يمكن أن تستقيم بلا مسؤولية.

رابعًا: مؤشرات المخرجات التعليمية

لا قيمة لتعليم لا ينعكس على أداء الخريج في الواقع.

وهنا تبرز مفاضلة الربيعي بين المعرفة النظرية والمهارة التطبيقية. فالمعرفة تمنح الخريج عمقًا، والمهارة تمنحه قدرة، والجامعة الناجحة هي التي تجمع بينهما.

تُقاس المهارات التطبيقية باختبارات الأداء وتقييم أرباب العمل، بينما تُقاس المعرفة النظرية بجودة الامتحانات والمشاريع والنقاش العلمي.

خامسًا: مؤشرات البحث العلمي

البحث الفردي قد يلمع، لكن البحث المؤسسي هو الذي يصنع التغيير. وهنا يطرح الربيعي سؤالًا مهمًا: هل نريد باحثين أم منظومة بحثية؟

يُقاس التعاون البحثي بنسبة الأبحاث المشتركة، بينما يُقاس البرمجة البحثية بوجود خطط وطنية ممولة.

إنها دعوة للانتقال من البحث العشوائي إلى البحث الموجّه.

سادسًا: مؤشرات التأثير العالمي

لا تُقاس الجامعات فقط بما تقدمه لطلبتها، بل بما تضيفه للعالم.

ويظهر ذلك في:

- مؤشر التصدر العلمي: الحضور في التصنيفات العالمية.

- مؤشر السلام الأكاديمي: الشراكات الدولية ومشاريع التعاون العلمي.

رؤية الربيعي هنا تتجاوز حدود الجامعة المحلية لتضعها في سياق عالمي، حيث لا مكان للجامعات المنغلقة.

خاتمة

إن قراءة رؤية البروفيسور محمد الربيعي تكشف عن مشروع فكري يسعى إلى إعادة تعريف التعليم العالي من خلال مفاضلاته الكبرى.

فهو لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يقدّم إطارًا للتفكير، ويحوّل الأسئلة الفلسفية إلى مؤشرات قابلة للقياس، ويضع الجامعة أمام مسؤوليتها في أن تعرف أين تقف، وإلى أين تريد أن تصل.

بهذا المعنى، فإن ما يطرحه من رؤى ليست نقدًا للتعليم العالي بقدر ما هي دعوة لإعادة بنائه على أسس علمية، متوازنة، وواعية بذاتها.

***

الدكتور عبد الجليل البدري

 

مدخل: عناصر البحث:

1- ملخص عن البحث:

2- مدخل:

3- في المفهوم، السلفيّة السنيّة أنموذجاً:

4- مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:

5- مصادر تلقي الدين عند السلفيين كما حددها الشافعي:

6- الخاتمة:

1- ملخص البحث:

إذا كان تعريف العقل عند الإنسان هو جملة المعارف التي اكتسبها هذا الإنسان تاريخيّاً من خلال علاقته مع الطبيعة والمجتمع، فإن العقل في علاقته الحميميّة والجدليّة مع الدماغ الإنساني هو من يقوم بتخزين هذه المعارف، ومن ثم تحليلها وتركيبها، وبالتالي توظيفها وفقاً لمصالح وحاجات الإنسان الفرد والمجتمع معاً.

فالعقل وفقاً لهذا المعطى – أي وفق تحالفه مع الدماغ - هو الوسيلة الأكثر فاعليّة ليس في ضبط حركة وتوازن الجسم الإنساني فحسب، بل هو الأكثر فاعليّة أيضاً في ضبط آليّة وحركة المجتمع. فمع غياب هذا العقل يفقد الفرد والمجتمع توازنهما. وعلى هذا الأساس تأتي دعوتنا إلى إيلاء العقل دوره ومكانته في هذه الحياة، والتصدي معرفياً وبحزم لكل من يحاول النيل منه. فمثل هؤلاء الذين يحاربون العقل ويكفرون ويزندقون أصحابه ودعاته باسم النقل، هم في الحقيقة من يسيئ للنقل ذاته أيضاً، أي من يسيئ للتراث بعد أن يقوم بتقديسه وإغلاقه وجعله المرجع الوحيد للحقيقة من جهة، ثم اعتبار من اشتغل على تكوينه في مراحل تاريخيّة محددة هم أناس كل منهم (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)، أو هم (كالنجوم الزاهرة بأي منهم نقتدي نهتدي) من جهة ثانية.

إن هذا الفهم للنقل قامت بتجسيده في حياة الأمتين العربيّة والإسلاميّة فكريّاً وسلوكيّا، قوى اجتماعيّة نعتت نفسها بالسلفيّة، وقالت بأنها هي وحدها من يمتلك حقيقة الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا ما سنجده في هذه الدراسة.

2- مدخل:

يعزف المرء أحيانا عن الخوض في بعض المواضيع ذات الطبيعة الحساسة، وخاصة الدينيّة أو السياسيّة منها خشية المتاعب التي قد يلاقيها، أو لأن المواضيع ذاتها على درجة من الغموض والإشكاليّة وأيضا التقديس، بحيث يغدو التعرض لها نوعاً من المغامرة العلميّة والأخلاقية والمعرفيّة. ولكن المرء يضطر أحياناً برأي إلى الخوض في مثل هذه المواضيع الحساسة والإشكاليّة لما لها من أهميّة في توعية الجماهير المضطهدة والمغيبة عقليّاً، وتبيان أسباب قهرها واضطهادها وتجهيلها من جهة، ثم المساهمة في تحريك الشارع موضوعيّاً وذاتيّاً وضبط آليّة علاقاته من جهة ثانية، أو لتبيان ما تتركه هذه المواضيع من آثار على جملة الحياة الاجتماعيّة والفكريّة، كما نرى من مشاهد اللامعقول التي تمارس باسم الدين ومشروع الإسلام السياسي اليوم على الساحة العربيّة والإسلاميّة من جهة ثالثة.

إن مسألة أو موضوعة السلفيّة، أو ما يسمي أيضا بأهل الحديث أو أهل السنة والجماعة، وكذلك السلفيّة في الفكر الشيعي عموماً، والخلافات الفكريّة الدائرة بين تياراتها، كالخلاف الدائر منذ زمن طويل ما بين الوهابيّة نفسها عبر مؤسستها وأحزابها الدينيّة، وبين التيارات السلفية الأخرى السابقة لها أو اللاحقة كالأشاعرة والماتريديّة والسروريّة والإخوان من جهة، أو الصراعات والخلافات الدائرة بين المذاهب السلفيّة كالمالكيّة والشافعيّة والحنبليّة والحنفيّة من جهة أخرى، وهذا الخلاف أو الصراع ينطبق أيضاً على التيار السلفي الشيعي ومفرداته المذهبيّة والطائفيّة، كالصراع الخفي عقديّاً الذي دار ولم يزل بين الاثنا عشريّة والاسماعيليّة والعلويّة وغيرهم منذ العصور الوسطى حتى اليوم. وبالتالي ما تركته هذه المذاهب والفرق بكل تجلياتها وخاصة السنيّة منها، مع المعتزلة والجهمية ومن اشتغل في علم الكلام والفلسفة في العصور الوسطى أولاً، أو مع العدو اللدود لهم سياسيّاً ومذهبيّاً وهم الشيعة بكل تياراتها أو فرقها ومذاهبها قديماً وحديثاً ثانياً. هذا إضافة إلى صراعها مع كل ما يتعلق بالفكر الوضعي السياسي منه والاجتماعي في عصرنا الحاضر وبخاصة الفكر القومي والاشتراكي في صيغتيه اليساريّة أو الليبراليّة ثالثاً.

نقول: إن هذه المسألة موضوع بحثنا – أي مسألة الخطاب السلفي السني - شكلت في الحقيقة ولم تزل تشكل أحد المواقف الإشكاليّة السياسيّة والفكريّة (العقديّة) في التاريخ العربي والإسلامي منذ وفاة الرسول حتى هذا التاريخ، وذلك لاعتبارات كثيرة، منها السياسيّة، ومنها العقديّة، ومنها الفكريّة /الفلسفيّة، ومنها الفقهيّة، ومنها الأمر الأهم الذي لم يزل قائماً ويمارس تأثيره في مجرى الحياة العربيّة والإسلاميّة بشكل واسع في حياتنا المعاصرة، وهو اعتبار دعاة وأتباع هذه المذاهب والفرق أنفسهم بأن كل منهم يعتبر "الفرقة الناجية"، وخاصة السنة الذين تبلورت دعوتهم السلفيّة تماًماً مع محنة "ابن حنبل" في الربع الأول من القرن الثالث للهجرة، حيث اعتبر من يختلف معهم في معطيات مذهبهم أو فرقتهم، كفرة وزنادقة ومن حقهم استباحة دمهم وأموالهم، في الوقت الذي يجدون فيه من يشجعهم من الحكومات والسلطات السياسيّة، التي تقدم لهم كل الدعم المادي والمعنوي من أجل نشر أيديولوجيتهم هذه وتسييدها في العالمين العربي والإسلامي، فراحت فتاوى ودراسات ومقالات مشايخهم تضع معايير الجرح والتعديل لتحدد من هو الكافر ومن هو المؤمن، ثم ما هي جزاءات كل فرقة من الفرق الضالة ومن يتبعها. بعد أن قاموا بليّ الكثير من أعناق النصوص الدينيّة المقدسة وبخاصة الآيات القرآنيّة، وما نسبوه للرسول محمد (ص) من أحاديث، بل وحتى بعض مقولات مشايخ الإسلام المعتبرين أمثال "ابن تيميّة وابن قيم الجوزيّة"، معتمدين في ذلك أيضاً على الكثير من كتب مشايخ وأئمة المذهب السلفي الدينيّة في العصور الوسطى أمثال الشيخ القاضي أبي بكر بن العربي (468-543 هـ). في كتابه الفريد (العواصم من القواصم)، وفكر من حققه وهو الشيخ (محب الدين الخطيب). هذا الكتاب الذي تناول فيه الدفاع عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومواجهة كل من يحاول التشكيك في مصداقيّة أي واحد منهم، ونعته بالكفر والزندقة. وهو الكتاب الذي لقي كل الترحيب من هيئة الأمر بالمعرف في الحجاز سابقاً. وكذلك اعتمادهم في عصرنا الحاضر على الكتاب المهم جداً بالنسبة لمسألة جهاد الكفار للدكتور (عبد الله عزام)، "الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان" وهو أحد مؤسسي تنظيم القاعدة، حيث ابتدأ هذا الكتاب بقوله تعالى: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.). (41 التوبة -). واتكأ في مضمون كتابه المتعلق بالجهاد، على معظم مشايخ تيارات السلفيّة وأئمتها ورجالاتها في العصور الوسطى، وعلى الكثير من رجالات ومشايخ وأئمة هذا المذهب وتياراته وبعض مؤسساته الدينيّة المعاصرة وبخاصة الوهابيّة، وبعض زعماء تيار "الإخوان المسلمون"

3- في المفهوم: السلفيّة السنيّة أنموذجاً:

لقد أجمع مشايخ وأئمة السلفيّة وعلى رأسهم علماء الحركة الوهابيّة بأنها: الرجوع إلى الكتاب والسنة لفهم سلف الأمّة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والسلفيّة عندهم ليست مذهباً ولا حزباً ولا جماعةً، بل هي الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته. وهي الدعوة إلى نبذ كل شيء حدث في الدين ولم يكن منه في جميع أبوبه إن كان في العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق. وأخيرا، السلفيّة هي الطائفة الناجية أو الفرقة المنصورة إلى قيام الساعة.(1)

أما مفهوم السلف: فقد بين علماء الدين من التيار السلفي، أن المراد بمصطلح السلف تاريخيّاً، هم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الثلاثة الأولى. وبذلك أصبحت عقيدة السلف دليلاً على ما كان عليه هؤلاء ومن تبعهم من الأئمة الأربعة (المالكيّة والشافعيّة والحنفيّة والحنبليّة) وغيرهم من الفقهاء ومشايخ وأئمة الدين المعروفين ممن يهتمون بالشأن الديني السلفي أمثال: (سفيان الثوري، وحماد بن سلمه، والاوزاعي، وعلي بن ألمديني، وأبو داوود، والنسائي، وابن ماجة، وأبو حسن الشعري، وأبو حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن القيم الجوزيّة، وابن حجر، وابن كثير، وابن عبد البر، والشاطبي، والإمام محمد بن عبد الوهاب، وفي هذا العصر ابن باز، والألباني، والشيخ البوطي، والعثيمين، والشيخ الفوزان والقرضاوي...) وغيرهم الكثير. بل وسائر أصحاب السلف الذين اتبعوا طريق الأوائل جيلاً بعد جيل. ولتأكيد رؤيتهم أو موقفهم هذه رجع بعض فقهاء السلفيّة إلى القرآن والحديث وأقوال الصحابة ليقدموا الأدلة النصيّة التي تدعم حجتهم، وتشير إلى تكريم الله لهؤلاء السلف وفضلهم على غيرهم من المسلمين. كتفسيرهم لقول الله عز وجل عن المهاجرين: (للفقراء المهاجرين الذين أ ُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). الحشر الآية (9). وكذلك تبيان أهمية دور من بايع الرسول (ص) في بيعة الرضوان، في تفسيرهم لقوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم...) . سورة الفتح من الآية (18) . وأيضاً في تأكيدهم على أهميّة من آمن قبل الفتح وبعده في تفسيرهم لقوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى.). سورة الحديد. الآية (10). كما يؤكدون مسألة أهمية السلف ومكانتهم بناءً على أحاديث للرسول الكريم، منها ما رواه مسلم والبخاري يقول فيه: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). وكذلك قول الرسول: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي - وفي رواية لمسلم -، أحدا من أصحابي - فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) . متفق عليه. أما الأكثر وضوحاً في هذا الاتجاه فهو حديث للإمام الشافعي يسند إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص): (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيئ في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.). (2).

إذن انطلاقاً من هذا الموقف الفكري الديني الوثوقي القائم على تفسير النص الديني المقدس بشأن السلف ودورهم ومكانتهم (الثابتة عبر الزمان والمكان). انبثق مصطلح السلفيّة وتبلور فيما بعد، وأخذ أيضاً سعته وحيويته كي يشمل مختلف العلماء والدعاة والمصلحين من أهل السنة والجماعة الذين يدعون بأنهم يقتدون بالسلف الصالح على مختلف مراحل وفترات التاريخ الإسلامي، بما فيها المرحلة الحاضرة ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفاً عن سلف دون من رمِيَ ببدعة أو شُهِرَ بلقب غير مرض بالنسبة لهم، مثل الخوارج والروافض والقدريّة والمرجئة والجهميّة، ومن يعتبرونهم على شاكلتهم من أهل زمننا كالقوميين والليبراليين واليساريين والعلمانيين ودعاة الديمقراطيّة.

هذا وقد قرر دعاة هذا التيار السلفي، بأن السلفيّة في صيغتها التي جئنا عليها أعلاه، هي منهج الإسلام، وعلي كل مسلم أن يلتزم نهجها، ومن يخرج عنه فهو مبتدع وضال، لذلك سموه بالمنهج السلفي.

إن إتباع منهج السلف في الإيمان والعمل والتزكية، هو أمر الله وأمر رسوله ولا يجوز الانحراف عن تلك الجادة قيد أنملة، وإن دعاة هذا المنهج أو المؤمنين به هم الفرقة الناجية بعد أن انقسم المسلمون علي ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. وهي التي حددها الرسول (ص) كما يقولون في قوله عندما سئل من قبل الصحابة عن الفرقة الناجية فقال:(هي ما أنا عليه وأصحابي- وفي رواية أخرى قال " الجماعة"). صحيح أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما.

وأهل السنة أيضا، هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي زمان أو مكان وُجد... قال النووي:" ولا يلزم أن يكونوا – أي الطائفة المنصورة – مجتمعين – يعني في مكان واحد – بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض.).(3).

يُذكر أن "ابن تيمية" وشيوخ السلف الذين أخذوا بالقرآن والحديث والإجماع والقياس، كانوا يشيرون لأنفسهم بأهل السنة والجماعة لاعتقادهم أنهم الفرقة الناجية المتبعة للنهج الصحيح لأهل السنة والجماعة. ومآل أهل السنة، أي السلفيّة، أو (الفرقة الناجية) الجنة ابتداءً كما يقررون، إلا إذا زادت سيئات أحدهم علي حسناته فحينها يستحق دخول النار علي قدر زيادة السيئات، وإذا ما تساوت حسناته وسيئاته فهو في المشيئة، (أي الله وحده هو من ينظر في أمره)، ولو دخل النار فمآله في النهاية إلي الجنة ولابد.) (4)

4- مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:

إن مآل من حاد عن منهج أهل السنة والجماعة واتبع فرقة من تلك الفرق الضالة الناريّة الـ (73) التي أخبر عنها الرسول في حديثه، فهو الكفر وبالتالي النار. هذا وقبل أن ندخل إلى تحديد تلك الفرق الضالة التي أشار إليها السلفيون وقالوا عنها بأنها "فرق ناريّة" دعونا نقف قليلاً عند مسألة تحديد معنى الكفر عندهم واتجاهاته:

أولاً تكفير النوع: ويعني أن العمل الفلاني فِعـْلـُهُ كفر أكبر، مثل من سجد لغير الله فقد كفر، ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد كفر، ومن دعا إلى غير الله فقد كفر. (5)

ثانياً تكفير العين: ويعني أن فلاناً بعينه كافر لارتكابه العمل ألكفري.

وما يهمنا في جانب التكفير بعمومه هنا، هو تحديد الفرق الدينيّة غير الناجية التي كفرتها الفرقة الناجية، أي فرقة (أهل السنة والجماعة).(6)

جاء في الحديث الرسول: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتي وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا من هم يا رسول الله؟، قال: هم الجماعة.) (وقال: هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.).

لقد حُددت الفرقة الناجية، والفرق التي لا تُعد من فرق الأمّة الإسلاميّة الـ/73/ أصالة، وهي فرق كافرة نوعاً وعيناً مثل (الدروز والعلويّة والإسماعيليّة.. الخ. وهذه فرق بنظرهم "تؤله غير الله عز وجل". وهناك أيضاً فلاسفة الصوفيّة "القائلون بالوجود المُطلق أو وحدة الوجود"، وغلاة الصوفيّة "الحلوليّة والاتحاديّة"، وهناك غلاة الرافضة الذين يقولون بتحريف القرآن ونقصانه ويؤلهون الأئمة وآل البيت.) وغيرهم. وهناك من الفرق الناريّة التي أقوالها أقوالا كفريّة وأعمالها أعمالا كفريّة، فالتكفير هنا تكفير نوع لا تكفير عين ٍ، وفي تكفير تلك الفرق بعين أفرادها خلاف سائغ بين العلماء، (مثل الرافضة غير الغلاة (الذين يسبون الصحابة ويكفرون بعضهم والذين يقولون بالرجعة والإمامة والتقية وغيرها).(7). وهناك المعتزلة (القائلون بنفي الصفات مع إثبات الذات والأسماء ويقولون سميع بلا سمع وبصير بلا بصر)، وبعض فرق الصوفيّة وهي الطرقيّة (الذين يتبركون بالقبور ويتمسحون يطوفون بها وينذرون لها وغير ذلك)، فمن كان من عوام تلك الفرق متأولاً أو جاهلاً أو مُلـَبَّساً عليه فهو في مشيئة الله تعالي، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وهو مستحق للعذاب ابتداءً، وحتي لو دخل النار علي قدر مخالفته فمآله في النهاية إلي الجنة والله أعلم.

أما الْعَالِمْ من أهل تلك الفرق، الذي علم الحق ولم يظهره ، ودعا لذلك الكفر أو الشرك لأي مرض قلبي، أو لأي شهوة، فهو كافر هالك في النار. وهناك من الفرق الناريّة التي لا خلاف في عدم تكفير أهلها، ولكنهم مبتدعة ضالون، (مثل عامة الزيديّة الذين يقولون بأن أفضل الخلق بعد النبي هو علي بن أبي طالب ولكنهم يثبتون إمامة أبي بكر وعمر دون لعنهم أو سبهم. والمرجئة الذين يخرجون عمل القلب والجوارح من الإيمان) وغيرهم. (8).

إن تقويم السلفيين للكثير من الطوائف والفرق الدينيّة التي جئنا عليها أعلاه، والتي لم يزل قسم كبير منها قائماً حتى هذا التاريخ، هو التقويم ذاته بنظرهم الذي حدده "الشهرستاني" في كتابه (الملل والنحل)، أو "البغدادي" في كتابه (الفرق بين الفرق). علماً أن الزمن تغير وتطورت تلك الأقليات الدينيّة في فهمها للدين بسبب تطور العلم والمعرفة، وتلقيهم الكثير منهم الفكر الديني في زمننا المعاصر من المصادر ذاتها التي يتلقاها بقية المسلمين في المدارس والجامعات، ولكن ظلت صفة الطائفة لهذا الشخص أو ذاك لعنة عليه حتى ولو كان جاهلا أو حتى طفلا.

5- مصادر تلقي الدين عند السلفيين كما حددها الشافعي:

جاء في كتاب الرسالة للشافعي، أن السلفيين يعتمدون في تلقي الدين على المصادر التالية:

1- القرآن الكريم: وهو المصدر الرئيس عند السلفيّة ويستعينون على فهمه وتفسيره بالعلوم المساعدة على ذلك، كعلوم اللغة العربية والعلم بالناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول وبيان مكيّة ومدنية نزول الآيات، وغير ذلك من علوم تتعلق بدراسة وفهم القرآن الكريم.

2- السنّة الصحيحة: والسنّة عندهم هي كل ما نقل من أقوال وأفعال وصفات خلقيّة للرسول (ص) بعد تصحيحه والتأكد من سنده ومتنه من قبل علماء الحديث ، وفقاً لعلوم أصول الحديث.

ونتيجة لهذا العلوم يمكن الجزم بصحة نسبة الحديث المروي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو بكذبه، أو الحكم له بالحسن أو الضعف.

وفي هذا العلم يقسم الحديث إلى قسمين مقبول ومردود، فأقسام الحديث المقبول أربعة: الصحيح، والحسن، والصحيح لغيره، والحسن لغيره، ولكل واحد منها تعريف وأبحاث عديدة، ومن أهمها على سبيل المثال لا الحصر تعريف الحديث الصحيح بأنه: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً. ومصادره عديدة منها (الموطأ) للإمام "مالك" و(صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري وصحيح مسلم بن الحجاج القشيري، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمختارة لضياء الدين المقدسي، والمستدركات على الصحيحين كمستدرك الحاكم، والمستخرجات عليهما، وكتاب الخراج لأبي يوسف، وسنن الدار للقطني، ومسند ابن حنبل، وسنن الدرامي وغيرها.). (9).

وأما الحديث المردود فهو أنوع، منها الضعيف والمضعَّف والمتروك والمطروح والموضوع، وكذلك لكل منها تعريفه ومسائله. فمن ذلك أن الحديث الضعيف هو ما فقد شرطاً من شروط الحديث المقبول باختلال عدالة الراوي، أو ضبطه، أو انقطاع السند، أو شذوذ المتن، أو وجود العلة القادحة، أو عدم وجود العاضد عند الحاجة إليه.

ولا يشترطون أن يكون الحديث متواتراً، بل هم يعملون بالمتواتر والآحاد على السواء. (10) .

3 - الإجماع: هو اتفاق جميع رجال الدين المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور على حكم شرعي. وإن اتفقوا سواء في عصر الصحابة أو بعده على حكم من الأحكام الشرعيّة، كان اتفاقهم هذا إجماعا. بيد أن السلفيين لا يقرون قولاً ولا يقبلون اجتهاداً إلا بعد عرضه على تلك الأصول. أي هم يجتهدون بآرائهم على ضوء تلك المصادر أو الأصول من دون أن يخالفوها. ومرد إيمانهم بأهميّة العودة إلى الإجماع هو حديث للرسول رواه ابن عباس يقول فيه: (مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.). (11).

إن مفردة (أصحابي) التي جاءت في هذا الحديث قام الكثير من فقهاء وأئمة السلفيّة بفتح دلالاتها، حيث أقر بعضهم بأن أصحاب الرسول والمقتدون بسيرته هم كل من عاصره، وهم التابعون أيضاً وتابعوهم. يضاف لهم رأي أهل المدينة.

4- القياس: وهو حجة عندهم سواء كان جليّاً أو خفيّاً. ويعتقد السلفية بل يقرون بأن (لا خلاف بين نقل صحيح وعقل صريح.). وأن النقل مقدّم على العقل، فلا يجوز معارضة الأدلة الصحيحة من كتاب وسنة وإجماع بحجج عقليّة أو كلاميّة. وإن الأخذ بالقياس يجوز عندما لا يوجد نص في مسألة. (12) .

6- الخاتمة أو ملاك القول:

إن أهميّة خطورة التيار السلفي على حياة الفرد والمجتمع في تاريخنا المعاصر، لا تكمن في الجانب الوعظي فيه، وهو الجانب الذي يدعو الناس إلى التمسك بقيم الدين الحنيف ممثلة بالمحبة والتسامح وعدم إيذاء الآخرين واحترام الوادين والقيام بالعمل الصالح.. إلخ. وإنما تكمن الخطورة في تفسير وتأويل النص القرآني وإخراجه عن سياقه التاريخي أو ما يسمى بـ (خصوص السبب)، والتعامل مع ظاهر النص واعتباره صالحاً لكل زمان ومكان، والأكثر خطورة أنهم وضعوا أحاديث باسم الرسول والبحث عن نصوص في القرآن والعمل على ليّ عنقها عند تفسيرها أو تأويلها كي تؤيد ما يرمون إليه كما جاء في حديث للإمام الشافعي يُسند إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص) يقول: (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيئ في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.). فراحوا يبحثون عن أدلة في النص القرآني يؤيد هذا الحديث، مثل قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).

نلاحظ هنا كيف تجاهلوا خصوص سبب النزول من جهة، وكيفية التركيز على أشخاصهم كأفراد، على اعتبارهم قدوة لكل زمان ومكان من جهة ثانية. وهم بذلك يوقفون حركة التاريخ في إنتاج رجالات قدوة من بعدهم، وكل من يريد أن يحوز على درجة القدوة لا بد أن يقتدي بهم. هكذا نرى كيف تقوم السلفية بعلمها أو بدون علمها بتحطيم العقل من خلال اعتمادهم كثيراً على النقل وإقصاء العقل أولاً، ثم تحطيم المجتمع باسم الفرقة الناجية ثانياً، وأخيراً من خلال تمسكها بقيم الماضي ورجالته الذين تحولوا إلى نجوم زاهرة بأي منهم نقتدي نهتدي ثالثاً.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.....................

الهوامش:

1- ما هي السلفية الصحيحة- موقع أنا مسلم.

2- - من تصدير كتاب "العواصم من القواصم "تقديم "محب الدين الخطيب". أيضاً يراجع في هذا الاتجاه: (أبو مريم محمد الحريتلي- من هم أهل السنة والجماعة؟ موقع الألوكة الشرعية - 18/5/2010 ميلادي.

3- محمد نبيل الشيمي. موقع الحوار المتمدن. العدد: 3723- 10/5/2012

4- محمد نبيل الشيمي – المرجع السابق.

5- منتدى الإسلام- لمحة عن الفرق الضالة - فضيلة العلامة د. صالح ن فوزان الفوزان.

6- المرجع نفسه.

7- المرجع نفسه.

8- للاستزادة في موضوع الكفر يراجع – الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم - للشيخ علي الشبل- عن موقع العقيدة والحياة. ويراجع أيضاً- الفرق الضالة وموقف أهل السنة منهم – موقع ألدي في دبي العربي).

9- راجع في هذه المسألة: مقال علم الحديث الشريف – عن موقع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – الكويت.

10 – المرجع نفسه.

11- من تصدير كتاب العواصم من القواصم. بقلم محب الدين الخطيب.

12- وفي الحقيقة إن القياس هنا أقرب إلى التشبيه منه إلى كونه آليّة عمل لها أصولها العلميّة بعينها، أو عند وجود نص غير واضح الدلالة، أو غير صحيح.

إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.

 ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.

يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط. أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.

 إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني. لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.

أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.

اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:

ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.

إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.

 فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.

كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.

تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.

إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.كاتب، المغرب.

إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.

 ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.

يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط.أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.

 إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني.لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.

أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.

اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:

ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.

إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.

 فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.

كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.

تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.

إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.

***

د محمد غاني – كاتب / المغرب

 

إن التداوي بالفلسفة ممارسة قديمة، رغم أنها عادت للظهور والإنتشار من جديد في عصرنا، وإن إستخدام (الفلسفة كدواء) قديم قِدَم الفلسفة ذاتها، حيث إستخدم الحكماء والفلاسفة القدماء الفلسفة بوصفها دواءً لعلاج الروح، وأمراض العقل، وإن خير ما يمكن أن يقال في حق الفلسفة هو انها: (صيدلية) لعلاج مشكلات الإنسان اليومية، حيث تتضمن الفلسفة انواعاً متعددة من المناهج والأفكار الفلسفية التي تصلح أن تكون دواءً لمشكلات الإنسان الحياتية، والتي يمكن أن نطلق عليها مجازاً إسم( الأدوية الفكرية) لعلاج الأزمات التي يواجهها الإنسان المعاصر، والدواء الفلسفي يستطيع ان يشفي الروح من أسقامها، ويُخلص الإنسان من الألم والمعاناة الفكرية والنفسية، ويحرره من المشاعر السلبية، ويكون عوناً له في التخلص من الهموم الحياتية، وتتضمن الفلسفة العديد من المناهج الفلسفية الفعّالة التي يمكن إذا تم تطبيقها بشكل عملي أن تصبح (وصفات فلسفية) يمكن إستخدامها كدواء فلسفي لشفاء الروح والعقل، ويجب أن نشير الى أن صيدلية الفلسفة لا تقدم وصفة فلسفية واحدة لعلاج جميع مشكلات الإنسان، فلكل مشكلة علاج خاص بها، ولا يصلح لغيرها، والفيلسوف يختار لكل مشكلة مايناسبها من الصيدلية الفلسفية لعلاج المشكلات الفكرية.

ويعد مفهوم (صيدلية الفلسفة) إستعارة متكررة في التراث الفلسفي الغربي، تفيد بان الفلسفة تقدم دواءً لعلاج امراض الروح والفكر، ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في قراءتين محوريتين هما: جاك دريدا Derrida،(صيدلية أفلاطون) La Pharmacie de Platon ، وإستعارة (المطرقة) عند نيتشه Nietzsche ،حيث يُحلل "دريدا" مفهوم الفارماكون (Pharmakon) عند أفلاطون Plato، بينما يقوم "نيتشه" بتكسير الأوهام الفكرية بمطرقة الفلسفة.

 والفارماكون  Pharmakon كلمة إغريقية تحمل دلالة  ومعنى مزدوج (الدواء، والسم)، وعند أفلاطون الكتابة هي فارماكون Pharmakon، لأنها دواء للذاكرة وسم للنسيان في آنٍ واحدٍ، إذ تُضعف مَلَكة التذكر الحي، وتولّد وهم المعرفة دون فِهمٍ حقيقي، فهي دواء للنسيان، وفي نفس الوقت هي سمٌ للذاكرة الحية، فالعلاج الأفلاطوني يقوم على الحوار الحي Dialectic بوصفه (دواء أصيل)، فهو "سمٌ وترياق" في الوقت نفسه، حسب طريقة الإستخدام، فالفلسفة تكون دواءً فقط إذا تم إستخدامها بالطريقة الصحيحة، وإن فارماكون  Pharmakon أفلاطون يعطي معنى ودلالة مزدوجة فهو (دواء) وعلاج، ولكنه يمكن أن يكون سم في الوقت ذاته، وبما أن أصل كلمة صيدلة Pharmacy الإنجليزية مشتقة من الإغريقية Pharmakeia، بمعنى ( دواء، سم، تعويذه)، وهي باللاتينية Pharmacia  بمعنى (تحضير الأدوية)، و(علم الأدوية)، وبالفرنسية Pharmacie ، فإن هذا يفسر سبب إختيار "دريدا" عنوان "صيدلية أفلاطون" ليعبر عن فلسفة أفلاطون في الشفاء الفلسفي، لأن الفارماكون Pharmakon يحمل الثنائية نفسها في المعنى (العلاج، والضرر).

وفي المقابل نجد نيتشه Nietzsche ينقل مفهوم صيدلية الفلسفة الى مستوى علاجي آخر، إذ يرى نيتشه أن القيم الأخلاقية والميتافيزيقة الموروثة هي سموم اضعفت الإنسان، وإن العلاج النيتشوي يهدف الى تكسير هذه الموروثات ليفسح المجال لخلق قيم جديدة.

إن فلسفة نيتشه معروفة بأنها "فلسفة المطرقة"The Hammers Philosophy، ولُقِبَ نيتشه (بالمطرقة) لأنه كسر أوهام الإعتقاد، وإستخدم الفلسفة بوصفها (مطرقة) لتكسير الأوهام والمعتقدات الفكرية الخاطئة، فالمطرقة هنا ليست مجرد اداة بناء، بل هي اداة إختبار وتكسير، وبذلك يكون نيتشه "فيلسوف المطرقة" الذي يتعامل مع الفلسفة بوصفها "أداة العلاج النيتشوي" الذي لايقدم دواءً جاهزاً، بل يكسر القيم والإعتقادات والأوهام السائدة، ويقدم دواءً مزدوج الفاعلية، دوره التخلص من الأوهام، وبناء الإنسان القوي فكرياُ، ليفسح المجال لقيم جديدة وإنسان متفوق، فالفارماكون الأفلاطوني يبحث عن الدواء الأصيل لمشكلات الإنسان، والمطرقة النيتشويه تبحث عن المستقبل الأفضل للإنسان.

***

شيماء غازي هماوندي

سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي وراءه واحداً من أعقد الأسئلة التي واجهت الفكر الإنساني منذ أن بدأ الإنسان يتأمل معنى وجوده في الزمن. فكل جيل يقف عند مفترق طرق بين ميراث ثقيل يأتيه من الماضي، وأفق مفتوح يستدعي منه الفعل والابتكار. وبين هذين القطبين تتحدد مكانة الإنسان في التاريخ: أهو وريث لما أنجزه الأسلاف، أم صانع لما سيتركه للأحفاد؟.

وأنا أتأمل في نظرية المجايلة التاريخية وفلسفة التكوين عند المفكر العربي سيّار الجميل، بدا لي أن التاريخ لا يتحرك بوصفه مجرد تعاقب زمني للأحداث، بل بوصفه منوال لفعل للأجيال المتعاقبة بحسب فيلسوف التاريخ الأمريكي جوزيف هربرت مولر (1905–1980) الذي أكد إن التاريخ نسيخ متشابك ومعقد من افعال مليارات الناس افرادا وجماعات ومؤسسات وافكارهم وعلاقاتهم الاجتماعية اثناء ممارستهم اليومية لحياتهم في كل مكان وزمان فالأجيال ليست وحدات عمرية معزولة السياق الحيوي للمارسة الاجتماعية، وإنما هي جماعات تاريخية تحمل رؤى وقيمًا وخبرات ومصالح مختلفة، وتدخل في حوار دائم مع ما سبقها وما سيأتي بعدها.

إن تعاقب الأجيال في المجتمعات البشرية حقيقة بيولوجية واجتماعية في آن واحد. فالآباء يفسحون المجال للأبناء، والأبناء يصبحون آباءً، والأحفاد يتحولون بدورهم إلى فاعلين جدد في مسرح التاريخ. غير أن هذه الحقيقة الطبيعية لا تفسر وحدها حركة المجتمعات. فالفرد لا يعيش بوصفه كائناً بيولوجياً فقط، بل بوصفه حاملاً لجملة من الأدوار الاجتماعية التي تحدد مكانته ووظيفته وعلاقاته بالآخرين. دور الأب ودور الأم ودور الابن ودور الابنة ودور الزوج / الزوجة ودور الجد، الجدة، ودور، الطفل، ودور، الطفلة ودور التلميذ ودور، الطالب ودور الزميل ودور المدير ودور السجان ودور الجلاد ودور القاضي ..الخ)؟إذ أكدت نظرية الدور الاجتماعي بأن سلــوك الفرد وعلاقاته الاجتماعيـة انمـا تعتمد على الأدوار الاجتماعيـة التـي يشغلهــا فــي المجتمــع. فضــلاً عــن أن منزلته ومكانته تعتمد على ادواره الاجتماعية المعترف بها والمقدرة اجتماعيا خير تقديرا. فلا سلطة الا بوظيفة ولا وظيفة الا بدور اجتماعي ولا دور اجتماعي الا بفاعل اجتماعي يقوم به صاحبه في المجتمع. والدور هو نمط الأفعال أو التصرفات التي يتعلمها الأشخاص أما بشكل مقصود أو بشكل تقليدي عبر المحاكاة والتكرار للهابيتوس الثقافي بحسب بورديو وحينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. ويتوزع الرأسمال الثقافي بحسب بيير بورديو الى ثلاثة عناصر هي شكل متجسد في الهابيتوس الثقافي وتكمن وظيفته في جعل الانسان كائنا اجتماعيا ومشاركا في الفضاء العام، وشكل مموضع في مستوى ثان يتكون من منافع ثقافية وخيرات رمزية مثل الكتب والآثار الفنية والأدوات الرقمية وتتمثل مهمتها في حزن وحفظ العناصر الثقافية، وشكل مؤسساتي في مقام ثالث ويتمثل في العناوين المدرسية والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة والمسرح والسينما وتتمثل مهمته في عرضه للمنتوجات الثقافية للفرجة والتقبل والتداول التوزيع والاستعراض والاستهلاك وبالتالي تتحول هذه المؤسسات الى سوق ثقافي. وهكذا يمكن القول أن الناس هو الذين يشكلون ثقافتهم بما يبدعونه من علم وفن وأدب ثم تقوم هي بتشكيلهم بما تحتويه من معرفة وقيم وعادات وافكار وانماط الحياة فهي كل ما نفكر به أو نمتلكه ونمارسه في المجتمع وتُعدّ الثقافة، وفق تعريف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بيرستد، ذلك الكل المركب الذي يشمل ما يفكر فيه الإنسان وما يقوم به وما يمتلكه بوصفه عضواً في المجتمع.

والناس يصنعون تاريخهم بقدر ما تصنعهم ثقافتهم. فهم ينتجون المعرفة والفنون والآداب والمؤسسات، ثم تعود هذه المنتجات لتؤثر فيهم وتشكل وعيهم وسلوكهم. ولذلك فإن الثقافة ليست شيئاً ثابتاً، بل هي عملية تاريخية متجددة تتغير بتغير الأجيال وتبدل الظروف. وحيوية أي مجتمع لا تقاس بكمية ما يمتلكه من تراث فقط، بل بقدرته على إعادة تأويل هذا التراث وتجاوزه وإنتاج أشكال جديدة من الحياة والمعنى.

ومن هنا تكتسب العلاقة بين التاريخ والأجيال أهميتها الحيوية. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث الماضية، بل هو العلم الذي يدرس العلاقة المعقدة بين الأموات والأحياء إذ إن تعاقب الأجيال المتوالدة هي الصيغة التي ابتكرتها الحياة لتتجاوز نفسها باستمرار. فالموت يفسح المجال للميلاد، والماضي يفسح المجال للمستقبل، والتاريخ يتجدد لأن الأحياء لا يكفون عن إعادة تفسير العالم وصياغته من جديد. ولهذا فإن التاريخ الحقيقي ليس تاريخ الموتى، بل تاريخ الأحياء الذين يحاولون تدبير حاضرهم وصناعة مستقبلهم في ظل شروط ورثوها من أسلافهم ولم يختاروها بأنفسهم.

وتتشكل الجماعات والمجتمعات البشرية وتنمو وتستمر وتستقر وتزدهر في سياق اجتماعي تاريخي ثقافي علائقي تفاعلي يتكون من أربعة انساق أساسية؛ (فاعل، فعل، علاقة، بنية) فضلا عن المكان والزمان بوصفهما إطارنا قبليان بحسب كانط تلك العناصر الأربعة وما ينجم عنها من مظاهر وظواهر وأشكال ورموز وقيم وتمثلات يعاد صياغتها وبناؤها باستمرار في خضم عملية ممارسة الفاعلون الاجتماعيون لحياتهم المتعينة ماديا ومعنويا واقعيا وافتراضيا بمختلف صيغ وصور وأنماط تمظهراتها العلائقية ؛ بين أنا _ أنت، ذات _ أخر _ نحن _ هم وغير ذلك من اشكال العلاقات الاجتماعية المتغيرة باستمرار والتي لا تدوم على حال من الأحوال وتجلياتها المختلفة والتي بدونها يصعب الحديث عن الظاهرة الاجتماعية بوصفها ظاهرة قابلة للرؤية والدراسة والفهم. كتب ابن خلدون "

إنّ اختلاف الأجيال في أحوالهم إنّما هو باختلاف نحلتهم من المعاش»

فلا وجود فعل اجتماعي بدون فاعل اجتماعي ولا وجود لعلاقة اجتماعية بدون تفاعل بين الفاعلين الاجتماعيين وهذا التفاعل الاجتماعي والعلاقة التي يقيمها عبر التكرار المستمر تشكل بنية مؤسسية شبه ثابت في سياقي التفاعلية الرمزية. فالتزاوج بين ذكور البشر وأناثهم ينجب بنية القرابة التي هي العائلة وعبر الاستمرار الدائم لهذه العلاقة تدوم البنية وهكذا هي سائر المؤسسات الاجتماعية فالمدرسة علاقة بين المعلم والمتعلم والجامعة علاقة بين الطالب والأستاذ فاذا كف التلاميذ عن الذهاب إلى المدرسة انتهت المؤسسة. وإذا كف الناس عن التزاوج الشرعي انتهت الأسرة وإذا كف الناس عن التقاضي في المحكمة انتهت مؤسسة العدالة واذا كف الناس عن الرقص والغناء والفرح إنتهت المؤسسات الفنية. وإذا كف الناس عن الالتزام بالدستور والقانون انتهت المؤسسة السياسية وإذا كف الناس عن اتباع قواعد المرور إنتهت المدينة والنظام المدني. وتلك هي خلاصة نظرية التفاعلية الرمزية( فاعل، فعل، علاقة، بنية) غير أن التاريخ الجديد ينظر إلى هذا المجتمع من زواية اشمل وأعمق وقد تبلورت خبرة الإنسان في التاريخ ومحاولة فهمه وتفسيرة في جملة من المنظورات الفكرية نشير إلى أهمها التيار المتمثل بالتاريخ الجديد”

المجايلة التاريخية لا يتعلق بتعاقب الأجيال فحسب، بل بطبيعة علاقتها بالزمن نفسه. فكل جيل يجد نفسه محاطاً بماضٍ لم يصنعه، لكنه مطالب بأن يحيا في حاضر ملموس وأن يفتح طريقاً نحو مستقبل لم يتشكل بعد. ومن هنا نفهم المعنى العميق لقول بنديتو كروتشه إن «كل التاريخ تاريخ معاصر»، أو أن التاريخ كله حاضر. فالتاريخ ليس ما مضى وانقضى، بل هو دائماً فاعلية الناس الأحياء الساعين إلى تدبير حاضرهم وتجاوز ماضيهم في آن واحد.

وحين يكون الحاضر مشبعاً بالحيوية والنشاط والإنجاز والفاعلية الخلاقة، يتراجع الماضي تلقائياً إلى مكانه الطبيعي بوصفه خبرة وذاكرة وعبرة، لا بوصفه ملاذاً نفسياً أو مشروعاً سياسياً أو حلماً بديلاً. فالناس لا ينشغلون كثيراً باستعادة ما مضى عندما يكون حاضرهم زاخراً بالحياة، ومفعماً بالأمل، ومفتوحاً على إمكانات التقدم والتجدد. عندئذٍ يصبح المستقبل هو مركز الجاذبية الذي يشد انتباههم، وتغدو مشاريع الغد أكثر إثارة من بطولات الأمس.

إننا نقصد بذلك تلك الحياة اليومية العادية التي تستغرق تسعة أعشار وجودنا؛ حياة العمل والدراسة والتعلم والإنتاج والاستهلاك والعلاقات الاجتماعية وتدبير شؤون العيش. إنها عالم اللحظة الحاضرة المباشرة، العالم الملموس الذي يعيش فيه الإنسان أكثر مما يعيش في كتب التاريخ أو في تصورات المستقبل. ذلك العالم الذي تتشابك فيه الحاجات والمصالح والرهانات والصراعات والتطلعات، وتتشكل فيه أنماط السلوك والعلاقات والمؤسسات التي تصنع النسيج الحقيقي للمجتمع. إنه ما سماه بعض علماء الاجتماع «الحياة بلا مزايا»، أي الحياة اليومية العادية التي تبدو بسيطة لكنها في الواقع تمثل عصب الجسد الاجتماعي ومصدر حركته الفعلية.

لكن حين يعجز هذا الحاضر عن إشباع حاجات الناس المادية والمعنوية، وحين تضيق آفاق المستقبل وتخبو إمكانات الإنجاز والتغيير، يعود الماضي إلى الواجهة من جديد. لا يعود بوصفه موضوعاً للمعرفة التاريخية، بل بوصفه بديلاً استيهامياً يعوض نقص الحاضر وعجزه. عندئذٍ يتحول التاريخ إلى مخزن هائل للأحلام المؤجلة والتبريرات النفسية والبطولات الرمزية، ويصبح الحنين إلى الماضي تعبيراً غير مباشر عن بؤس الحاضر وانسداد أفق المستقبل.

ومن هنا فإن الاعتقاد بأن تعلق الناس بالماضي ظاهرة طبيعية أو فطرية هو تبسيط شديد للمسألة. فالإنسان لا يحن إلى الماضي لأنه قديم، بل لأنه يشعر بأن حاضره أقل قدرة على منحه المعنى والأمل. ولذلك فإن المجتمعات الحية لا تنسى تاريخها، لكنها لا تعيش فيه أيضاً. إنها تستحضره بوصفه مادة للفهم والنقد والتعلم، لا بوصفه وطناً بديلاً عن الواقع.

إننا نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك في الماء؛ لا نستطيع الخروج منه ولا الإفلات من استحقاقاته. فإما أن نستجيب لتحدياته وننخرط في صناعة حاضره ومستقبله، وإما أن نتخلف عن حركته فيتجاوزنا كما يتجاوز القطار المتحرك من يقف على الرصيف متردداً.

تعلمنا نظرية المجايلة التاريخية وجيلنا الراهن يواجه وضعاً غير مسبوق في تاريخ الإنسانية كلها. إذ نقف على عتبة تحول حضاري عميق تعيد فيه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل المعرفة والعمل والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد وأنماط الحياة اليومية برمتها. لقد شهد التاريخ البشري ثورات كبرى كثيرة، من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية، غير أن ما نشهده اليوم يتميز بسرعة التغيير واتساعه على نحو يجعل الإنسان نفسه عاجزاً عن ملاحقة التحولات التي ينتجها.

في الأزمنة الماضية كانت الأفكار والمؤسسات والقيم تستمر أحياناً قروناً طويلة قبل أن تتعرض لتحديات جوهرية. أما اليوم فإن الفرد قد ينام على نظرية ويستيقظ على مراجعتها، ويتخرج الطالب من جامعته وقد أصبحت بعض معارفه بحاجة إلى تحديث جذري. لقد دخل العالم مرحلة تتغير فيها المعارف العلمية والتقنيات والمهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة تجعل الثبات استثناءً والتغير قاعدة عامة. ولم يعد السؤال المركزي: ماذا نعرف؟ بل كيف نستطيع الاستمرار في التعلم وإعادة التعلم والتكيف مع عالم يتغير أسرع من قدرتنا على استيعابه.

المستقبل لا ينتظر أحداً، ولا يولد من الأمنيات ولا يتحقق بالحنين إلى الأزمنة الغابرة. المستقبل يُصنع هنا والآن، في الحاضر المعيش، من خلال العمل والمعرفة والتنظيم والإبداع. وما لم ينجزه جيل اليوم في لحظته التاريخية قد يصبح مستحيلاً على الأجيال اللاحقة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لأي مشروع نهضوي عربي يكمن في استنهاض الطاقة الشابة وتحويلها من طاقة كامنة إلى قوة فاعلة في المجتمع.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المستقبل أمام الأجيال أم وراءها؟ بل: هل تمتلك الأجيال الشابة الشجاعة والمعرفة والإرادة الكافية للسير نحوه؟ فالماضي، مهما كان عظيماً، قد انقضى وانتهى، ولا يعود إلا بوصفه ذاكرة وخبرة وعبرة. أما المستقبل فهو المجال الوحيد المفتوح أمام الفعل الإنساني. إنه ليس خلفنا بل أمامنا دائماً، يستدعي منا أن نتجاوزه باستمرار، وأن نصنعه بأيدينا وعقولنا وأحلامنا. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والحياة لا تكافئ الواقفين على أطلال الأمس، وإنما تنحاز لأولئك الذين يملكون الجرأة على تحويل الممكن إلى واقع، والحلم إلى علم.

***

ختاماً: لعلكم سمعتم عن كتاب (الشوامل والهوامل) فقد كان البدو في الصحراء ولا زالوا يطلقون جموع الإبل في الصحراء بحثاً عن الماء والكلأ ويسمونها الهوامل، ويحتفظون بثلاث إلى سبعة من الإبل العتاق بقرب مضارب خيامهم، ويسموها الشوامل . إذ يطلقونها بعد بضعة أسابيع من غياب الهوامل لتقوم بجمع شملها والعودة بها إلى ديارها، والنخب الشابة هي شوامل اليوم ورواد مشاريع بناء المجتمع الجديد التي ستظهر نتائجها المثمرة على المدى البعيد.

***

ا. د. قاسم المحبشي 

 

إن لوحة تراجع التعليم التي تم تناولها لا تعد مجرد عدم توازن سطحي في بنية النظام التعليمي، بل تظهر حالة عميقة من الانفصال النظامي والبنيوي، ويمكن تسميتها بظاهرة "الاغتراب التعليمي" من الناحية الفلسفية. وتتجلى ظاهرة الاغتراب التعليمي (المعرفي) عندما ينفصل الطالب عن انتاج المعرفة، والمعلم عن دوره الحقيقي في عملية التعليم، وبالنتيجة ينفصل التعليم كمنظومة تربوية عن غايتها الحقيقية في بناء الانسان.

يعد الاغتراب مصطلح مهم من مصطلحات الفلسفة، وهو تعتبير عن حالة الغربة او الانفصال بين الذات البشرية وبين ما يجب ان يكون متصلا بها، وهو يشير الى حالة شعور الفرد بأنه "منفصل او غريب" عن محيطه الاجتماعي، او فقدانه السيطرة على قراراته او حياته. ويرى هيجل وماركس أن الاغتراب الفلسفي يكون عندما يغترب العامل عن منتجه لانه لا يجده في نفسه، بل يكون مجرد اداة في ماكنة المعمل. 

اما الاغتراب الاجتماعي فهو حالة شعور الانسان بالعزلة عن مجتمعه او عدم الانتماء لقوانينه وقيمه وعاداته وتقاليده، مما يسبب حالة من اللامبالاة. بينما يشير الاغتراب النفسي الى انفصال الفرد عن ذاته الحقيقية ويتصرف كما يريده الاخرون لا وفق قناعاته الشخصية، فيشعر بحالة من الخواء الداخلي.

اما الاغتراب التعليمي مفهوم حديث يشير الى حالة من الانفصال بين مكونات العملية التعليمية الاساسية والتي يفقد بها النظام التعليمي علاقته الحقيقية بالمعرفة، ويفقد المعلم والمتعلم دوره النشط والفعال في التفكير لانتاج المعرفة الجديدة.

ويعد الاغتراب التعليمي (المعرفي) من الظواهر التربوية المعاصرة ويعرف بالشكل الجديد من "اللا تفكير" والذي يعكس حالة من الانفصال بين ما يتعلمه الفرد داخل المدرسة او الجامعة وبين الواقع الحياتي الذي يعيشه، ويظهر هذا المفهوم المعاصر عندما يفقد الطالب الشعور بقيمة ما يحصل عليه من معرفة ولا يجد لها تطبيقا عمليا في حياته اليومية.

ويتكون هذا الشكل من الاغتراب في التعليم بسبب الانظمة التربوية القائمة على الاساليب التقليدية في التعليم البنكي والتي تعتمد على نقل المعلومة بطريقة مجردة دون ربطها بسياقات واقعية او مشكلات حقيقية. ونتيجة لذلك، تتحول المعرفة الى مادة جامدة ومنفصلة عن خبرة الطالب الشخصية واهتماماته واتجاهاته.

ونجد مفهوم الاغتراب المعرفي في السياق التعليمي، عندما تتحول المعرفة من وسيلة للفهم الى "حمل غريب" يفرض على المتعلم، وهو بهذا يمثل فجوة بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة او الجامعة وبين واقعه وذاته ومستقبله. ونستدل على هذا المفهوم في التعليم من خلال دلالة انفصال النص الدراسي عن الواقع الحياتي، وعندما يدرس المتعلم فرضيات ونظريات في علم النفس او علم الاجتماع او علم الاحصاء وغيرها من العلوم الانسانية او الصرفة، لكنه لا يستطيع تطبيقها او توظيفها لفهم وتحليل مشكلة ما في بيئته الاجتماعية او مجال عمله الوظيفي، وهنا تصبح المعلومة "كتلة غريبة" تسكن ذهنه لفترة محدودة ومن ثم تتلاشى.

وعندما يتعامل المتعلم مع المنهج الدراسي كعائق يجب التخلص منه مجرد انتهاء الاختبار، تصبح المعرفة سلعة لا قيمة حقيقية لها، وهنا ينفصل الطالب عن المعرفة لان هدفه من التعلم كان مجرد الحصول على الدرجة لا الفهم والتطبيق للاستفادة منها في الحياة. ونجد ايضا الاغتراب الادواتي في حالة استخدام البرامج الاحصائية او ادوات الذكاء الاصطناعي دون فهم المعنى المنطقي او الرياضي ورائها، فحينها يصبح المتعلم مشغلا للالة بدلا من كونه مفكرا ومحاورا وباحثا عن المعنى.

ويعد هذا الاغتراب في التعليم خطرا كبيرا، لانه يشكل ما يسمى بمفهوم "العقل المستقيل" وهو ذلك العقل "اللا رشيد" الذي يمتلك حشو معلوماتي لكنه خالي من الروح والمقدرة على الشك والتفكير والنقد الذاتي، وحينها يصبح الطالب منفصل معرفيا ويسهل انقياده فكريا، لانه ببساطة لم يتعلم كيف يحصل على المعرفة من خلال السؤال والتفكير والشك والنقد، بل مجرد يتعلم كيف يطيعها.

وأن ما طرحه ايمانويل كانط من فكرته حول مفهوم "قصور العقل" يطابق هذا المفهوم المعاصر عندما يكون الانسان "عاجزا عن استخدام عقله دون توجيه من الاخرين"، وفي التعليم عندما يعجز المتعلم عن تدريب عقله على الحوار والتفكير في غرفة الصف، يستقيل عقله، وحين يستقيل عقله، تنهار المعاني والافكار، وتتحول المعرفة الى كلمات محفوظة بلا معاني حقيقية. 

لكن يمكن الانتقال من حالة "اللا تفكير" او الاغتراب المعرفي الى حالة "الاتصال والتمكين" اذا غيرنا فلسفة تعليمنا وحولناها من نموذج التعليم البنكي الى الفهم والتحليل والحوار ليصبح الطالب شريكا معرفيا في بناء المعرفة لا مجرد مستهلك لها.

أن وجود حالة الاغتراب التعليمي تمثل تحديا حقيقيا امام نظام التعليم، لانه يفصل المحتوى التعليمي من مضمونه الحقيقي ويحوله الى عملية ظاهرية او شكلية، وأن اعادة تشكيل وبناء العلاقة بين حياة الانسان والمعرفة تعد مهمة اساسية لضمان مفهوم التعليم التحرري وتحقيق هذا الهدف من خلال بناء فلسفة قائمة على مشروع لتحرير العقل المدرسي.

وما يشهده التعليم من تراجع هو نتيجة منطقية لحالة الاغتراب التعليمي، وأن اي محاولة اصلاحية حقيقية يجب ان تنطلق من اعادة العلاقة بين ما انقطع بين التعليم والتفكير، وبين الحياة والمعرفة، وبين المعلم والمتعلم ودورهما الحقيقي في خلق المعرفة الجديدة. ومن هنا فأن كسر حاجز هذا الاغتراب في التعليم يبدأ من مدخل "انسنة التعليم" اي الرجوع الى الجانب الانساني والاجتماعي في عملية التعليم، لان المعرفة التي لا تطابق الواقع الحقيقي للمتعلم او لا تحل ولا تجيب على اسئلته في الحياة، حتما ستبقى معرفة مغتربة وبعيدة عن الواقع.

***

علاء جواد كاظم

في رحلة البحث عن المعرفة وتطوير المؤسسات الأكاديمية، تبرز "تصنيفات الجامعات" التي تصدرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كحدث سنوي يترقبه رؤوساء الجامعات. ولكن، خلف بريق الأرقام والترتيبات، تتبادر إلى الذهن تساؤلات جوهرية تفرض نفسها على الساحة الأكاديمية: هل تؤدي هذه التصنيفات غرضها الحقيقي في الارتقاء بمستوى التعليم، أم أنها تحولت إلى مجرد أداة للاستعراض الإعلامي، يبهج بها الأوائل في القائمة ويغرق في ظلها الباقون؟

ان الإشكالية تبدأ من المبدأ ذاته، فالجامعات الحكومية في العراق، بحكم طبيعة نظامها، تدار مركزياً من قبل الوزارة نفسها فهي فروع لجامعة واحدة اسمها وزارة التعليم العالي. تضع الوزارة المناهج، وتحدد السياسات، وتُعين الكوادر، وتوزع الميزانيات من قبل الدولة. فكيف لنا ان نبرر وجود هذه الفروقات الشاسعة في التصنيف بين جامعة وأخرى؟ إذا كانت جميع هذه المؤسسات "تنهل من معين مركزي واحد"، فلماذا نجد هذا التباين الذي يوحي بأن بعضها في مصاف الجامعات العالمية، بينما يقبع بعضها الآخر في ذيل القائمة؟

لذا، أقترح أن نستبدل تصنيف الجامعات بـ 'تصنيف رؤساء الجامعات'، فالتصنيف الحالي يعاقب المؤسسة ويصمها بالقصور، بينما التقييم الحقيقي يجب أن يوجه لمن يملك سلطة التغيير. إن رئيس الجامعة هو المحرك الذي يمكنه تجاوز سطوة المركزية، وهو الذي يحدد بوصلة الابتكار والتميز في بيئة مؤسسته. إن تقييم أداء القيادات الأكاديمية بناءً على مخرجاتها، وقدرتها على الإنجاز وسط التحديات، سيكون أصدق في التعبير عن التسلسل الفعلي للتقدم، وأكثر إنصافاً في تحديد من يستحق الصدارة ومن يحتاج إلى المساءلة. فالمؤسسات لا ترتقي بقرارات ورقية، بل برؤى قيادية تجعل من التميز خياراً لا صدفة.

هنا، يتحول التساؤل إلى نقد حاد للمنظومة. فهل هذه التصنيفات تعبر فعلاً عن "جودة" أكاديمية ملموسة، أم أنها تعكس قدرة إدارية على تجميع البيانات وتعبئة الاستمارات المطلوبة؟ إن وضع جامعات في مؤخرة التصنيف، وتسميتها علناً، قد يحمل رسالة سلبية غير مقصودة، حيث يتم تلقين الطلبة والمجتمع بأن هذه الجامعات "أقل جودة"، مما يخلق نفوراً أكاديمياً واجتماعياً منها، ويضع خريجيها في موقع الدفاع عن شهاداتهم، بينما هم في الحقيقة خريجو مؤسسات وطنية تتبع الهيكل الإداري والتعليمي ذاته.

ان الخطر الحقيقي يكمن في تحول التصنيف من "أداة للتقويم والإصلاح" إلى "مقياس للمفاضلة التنافسية" التي لا تعترف بخصوصية كل جامعة وظروفها. إن التساؤل الملح هو: هل تقدم الوزارة الدعم اللازم للجامعات التي تذيلت القائمة لتلحق بركب الصدارة، أم أنها تكتفي بموقعها كـ "حكم" يعلن النتائج دون أن يتدخل لعلاج الخلل؟

اذا كانت هذه التصنيفات لا تؤدي إلى تحسين حقيقي في المختبرات، أو تطوير طرائق التدريس، أو تقليص الفجوة في مخرجات التعليم، فإنها تظل مجرد تمرين رقمي يخدم "الصورة الذهنية" للوزارة، أكثر مما يخدم الطالب أو سوق العمل. فبدلاً من أن نسأل: "من هو الأول ومن هو الأخير؟"، ربما كان الأجدر أن نسأل: "لماذا لم نصل جميعاً إلى معايير الجودة الشاملة في آن واحد؟".

التعليم العالي ليس سباقاً للخيل حيث يفوز من يسبق، بل هو بناء وطن، فاذا كانت الجامعات في مؤخرة الترتيب لا تحظى باهتمام إضافي، فاننا بذلك نحكم على أجيال كاملة بالبقاء في الصفوف الخلفية، دون ذنب اقترفوه، سوى أنهم التحقوا بمؤسسات تركتها الوزارة تواجه مصيرها في "قاع التصنيف" دون خطة انقاذ حقيقية.

سؤال للتأمل: في ظل المركزية التي تدار بها الجامعات العراقية، هل ترى أن المسؤولية عن تدني مستوى بعض الجامعات تقع على عاتق ادارات تلك الجامعات، ام هي انعكاس طبيعي لسياسات الوزارة في التخطيط والتوزيع؟

***

ا. د. محمد الربيعي

 

قد تبدو كلمة "التأميم" غريبة في سياق الحديث عن ملحمة أدبية عمرها آلاف السنين. فالمصطلح ارتبط في الوعي السياسي بنقل ملكية المؤسسات أو الثروات إلى الدولة. غير أن المقصود هنا معنى رمزي وثقافي مختلف؛ أي تحويل إرث إنساني مشترك إلى ملكية معنوية خاصة، وإدخاله ضمن سردية قومية أو هوياتية محددة. ومن هذا المنطلق يمكن الحديث عن "تأميم ملحمة جلجامش"، حين تصبح الملحمة موضوعاً للتنافس بين جماعات مختلفة تسعى إلى احتكار رمزيتها أو ضمها إلى تاريخها الخاص، رغم أن عالمها أقدم بكثير من الهويات القومية التي نعرفها اليوم.

منذ أن خرجت ألواح ملحمة جلجامش من تحت أنقاض المدن الرافدينية القديمة وعادت إلى الضوء في العصر الحديث، لم تعد مجرد نص أدبي ينتمي إلى الماضي السحيق، وأصبحت أيضاً موضوعاً لصراعات التأويل والهوية. فالنص الذي كُتب قبل آلاف السنين، في عالم يختلف جذرياً عن عالمنا، وجد نفسه داخل معارك فكرية وقومية لم يكن يعرفها مؤلفوه ولا أبطاله.

تكمن المفارقة في أن الملحمة التي تتناول الإنسان في مواجهته للموت والزمن تحولت إلى مادة تُستخدم لإثبات انتماءات قومية. فأصبحت شخصياتها وأحداثها وأماكنها موضوعاً للتنافس بين سرديات متعددة، يسعى كل منها إلى العثور في النص على ما يمنحه عمقاً تاريخياً أو شرعية رمزية.

إن القومية الحديثة تبحث دائماً عن جذور بعيدة. وكلما كان الماضي أقدم وأكثر مجداً ازدادت قيمته في بناء الوعي الجماعي. ولهذا كثيراً ما تُقرأ الحضارات القديمة بوصفها بدايات مفترضة لشعوب معاصرة، وتُستدعى إلى معارك الحاضر وتوتراته.

هنا تبدأ عملية الإسقاط التاريخي. فبدلاً من دراسة الماضي ضمن شروطه الخاصة، يجري إعادة تشكيله وفق احتياجات الحاضر. وتتحول الأسئلة من محاولة فهم الشخصيات في سياقها التاريخي إلى البحث عن هوياتها القومية المفترضة. وهكذا يصبح النص الأدبي ساحة للتنافس الرمزي، وتتحول الفرضيات مع مرور الوقت إلى ما يشبه الحقائق داخل الخطاب الثقافي للجماعات التي تتبناها.

والمشكلة لا تكمن في طرح الفرضيات أو اقتراح قراءات جديدة للنصوص القديمة، فذلك جزء طبيعي من أي جهد معرفي. المشكلة تظهر عندما تُقدَّم الفرضية بوصفها نتيجة نهائية. فثمة فرق واضح بين الدراسة التي تسعى إلى إقناع القارئ بقوة الدليل، والقراءة التأويلية التي تدعوه إلى تبني منظور معين. وعندما يختلط المجالان، تتحول الاحتمالات إلى يقينيات، وتصبح الرغبات الهوياتية أقرب إلى حقائق مفترضة.

ومن المفيد التمييز هنا بين القراءات الشعبية والبحث الأكاديمي المتخصص. فثمة محاولات شائعة لربط شخصيات الأدب الرافديني أو أسماء الشعوب والأماكن القديمة بلغات أو هويات معاصرة اعتماداً على التشابه الصوتي بين الكلمات أو على تقاطعات جغرافية وثقافية عامة. غير أن مثل هذه المقاربات لا تحظى عادة بقبول واسع في الدراسات التاريخية واللغوية المتخصصة، لأن التشابه اللفظي وحده لا يكفي لإثبات القرابة التاريخية أو الاستمرارية القومية.

أما الاتجاه الأكاديمي السائد فيتعامل مع شخصيات جلجامش وأنكيدو ضمن سياقها الحضاري الرافديني، وينظر إليهما بوصفهما جزءاً من البيئة السومرية والأكادية التي نشأت فيها الملحمة. ولهذا يتعامل المؤرخون وعلماء اللغات القديمة بحذر مع الادعاءات التي تنسب شخصيات أو شعوباً من عصور موغلة في القدم إلى قوميات معاصرة. فالقوميات الحديثة تشكلت في ظروف سياسية وثقافية متأخرة نسبياً، في حين أن عالم جلجامش يسبق ذلك بآلاف السنين.

وتزداد حساسية هذه المسألة في الشرق الأدنى القديم بسبب تعاقب الحضارات وتداخل الشعوب واللغات عبر فترات زمنية طويلة. فالتاريخ في هذه المنطقة لم يكن خطاً مستقيماً يمتد من شعب قديم إلى أمة حديثة، وإنما شبكة معقدة من التفاعلات والهجرات والتحولات الثقافية. ولهذا تبدو محاولات إلباس شخصيات الملحمة هويات قومية معاصرة أقرب إلى إعادة قراءة الماضي بمنطق الحاضر.

وحين تحاول جماعة ما أن تقدم نفسها بوصفها الوريث الوحيد لحضارة قديمة أو منطقة تاريخية بعينها، فإن ذلك يقود في كثير من الأحيان إلى تقليص حضور الجماعات الأخرى أو تهميش دورها في السردية التاريخية. وهنا تظهر إحدى الإشكاليات الأساسية في القراءات الهوياتية للماضي، إذ يصبح التاريخ مجالاً للاحتكار الرمزي بدلاً من أن يكون مجالاً للفهم المشترك.

وفي حالة ملحمة جلجامش تحديداً، فإن البيئة الحضارية التي خرجت منها الملحمة هي بيئة بلاد الرافدين القديمة، وهي بيئة أسهمت في تشكيلها حضارات وشعوب متعددة، من السومريين والأكديين إلى البابليين والآشوريين وغيرهم. ولذلك فإن تحويل الملحمة إلى ملكية رمزية لقومية معاصرة واحدة يثير سؤالاً مشروعاً: ماذا عن الجماعات الأخرى التي ترتبط هي أيضاً بهذه الجغرافيا وبهذا التراث التاريخي؟

ومن منظور تاريخي، يبدو أكثر دقة النظر إلى تراث بلاد الرافدين بوصفه إرثاً حضارياً مشتركاً تتقاطع معه هويات معاصرة متعددة بدرجات متفاوتة، لا بوصفه ملكية حصرية يمكن إلحاقها بجماعة واحدة أو سردية واحدة. فالحضارات الكبرى التي أسهمت في تشكيل التاريخ الإنساني تتجاوز بطبيعتها الحدود والهويات التي نشأت بعد آلاف السنين من أفولها.

كما أن السرديات القومية تميل بطبيعتها إلى البحث عن أبطال مؤسسين. وعندما يصعب العثور على شخصيات تاريخية تؤدي هذا الدور، يجري أحياناً استدعاء شخصيات أسطورية لتصبح رموزاً لهوية معاصرة. وعند هذه النقطة تتحول الأسطورة إلى وثيقة إثبات، ويتراجع الاهتمام بقيمتها الأدبية والإنسانية.

غير أن ملحمة جلجامش نفسها تقاوم هذا الاختزال. فهي لا تقدم شخصياتها بوصفها ممثلين لأمم أو قوميات، وإنما بوصفها نماذج إنسانية كبرى. جلجامش يجسد مواجهة الإنسان للسلطة والفقد والموت، وأنكيدو يجسد العلاقة المعقدة بين الطبيعة والحضارة. ومن خلال صداقتهما ورحلتهما المشتركة تتولد الأسئلة التي منحت الملحمة خلودها.

إن القيمة الحقيقية لجلجامش تكمن في عالميته. فبقاء الملحمة عبر آلاف السنين لم يكن نتيجة انتمائها إلى هوية معينة، وإنما بسبب قدرتها على التعبير عن خبرات إنسانية مشتركة تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا والانتماء. وعندما تُختزل هذه الشخصيات في هوية واحدة، تضيق مساحة المعنى التي جعلتها حية في وجدان البشر.

لهذا ربما يكون السؤال الأهم: لماذا نبحث باستمرار عن هوياتنا المعاصرة داخل نصوص كُتبت في عصور سحيقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير عن هواجس الحاضر ورغبته في العثور على جذور ثابتة وسط عالم متغير. أما جلجامش، الذي عبر آلاف السنين ووصل إلينا من عالم بعيد، فما يزال يذكرنا بأن ما يجمع البشر في النهاية أكبر بكثير مما يفرقهم.

***

بولص آدم

 

(ليس في المذاهب أشرف من مذهبك، لتعلقك باللّه تعالى، فلا تنتم لمذهب أحد سواه، فإنه أشرف المذاهب، واستمر على حالتك، والزم الاعتدال فإنه طريق الرجال).. "كتاب مواقع النجوم لابن عربي"

يطل بين فترة واخرى نقد كبير للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي (شيخ العرفان الاسلامي (متوفي 638هجرية) تحت عناوين مختلفة مرة انه سني متعصب بل ومن النواصب ومرة اخرى انه لا يمكن لاحد ان يمدحه ويضعه في مرتبة مقاربة لأهل البيت ..وبوجه عام يضعه السنة ضمن المذهب المالكي /الاشعري ..بل وبعضهم يضعه على مذهب الظاهريّة لابن حزم !!.اما بعض الشيعة لاسيما العرفاء منهم فإنهم يعدونه شيعيا اذ وبحسب البحث الدقيق للشيخ قاسم الطهراني هو شيعي بامتياز وهذا ما اكده في كتابه: (القول المتين في تشيع الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي). وانا اريد اقدم اشارات سريعة للرد:

١: ان كتب الشيخ قد زورت وتم اضافة الاراء الكثيرة لها وهذا ما تحدث عنه عبد الوهاب الشعراني (متوفي 973هجرية) عندما قال ان نسخ كتاب الفتوحات المكية لابن عربي قد تم التلاعب بها في القاهرة.. اذ نبه لذلك في كتابيه (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر) و(لطائف المنن) بل وزاد ان الدس شمل كتاب ابن عربي الاهم (فصوص الحكم) وبذلك فهو فلم يكن يشتم الشيعة ولم يكن يغالي في اهل السنة..

٢: ان اي عارف بحسب نظر العارف الاستاذ السيد علي القاضي (رحمه الله تعالى) لايمكن له السير والسلوك في طريق التوحيد إلا عبر حب اهل البيت وموالاتهم ..

٣: ان ابن عربي الذي كتب هذه الموسوعات الفكرية العميقة والعلوم الالهية هل كان يغيب عن ذهنه المتبحر مقامات اهل البيت.. أيعقل ذلك..بل ان العرفاء والمتصوفة جميعا يرون وباتفاق كبير بينهم جميعا اهمية مقامات اهل البيت وعلومهم بل ويرجعون لها ممكن النظر في ذلك على سبيل المثال (تذكرة الاولياء لفريد الدين العطار)..

٤: اننا نتكلم عن التشيع بوصفه هنا حب اهل البيت وليس بوصفه منطق الفقهاء واجتهاداتهم ولقد ناقشنا ذلك تجوزا تحت عنوان التشيع .وبهذا الصدد يقول العارف الشيعي الشيخ محمد حسن وكيلي عن تشيع بن عربي : تشيعه باطني، وبالتالي فهو ليس تشيعا فقهيا، بل اساساً لاتعتبر الأفكار الفقهية  للاشخاص معيارا لحقيقة التشيع والخلاص في الآخرة، بل هي من لوازم التشيع والتي إذا كان احد مطلعا بملازمتها فعليه الالتزام بها .ومعظم الذين يصبحون شيعة من الباطن، لا يتمتعون بامكانية الوصول إلى الفقه الشيعي كما هو حقه ولايتوقع منهم ذلك . ولهذا فان العرفاء والمتصوفة هم خارج لعبة الخلاف الفقهي.

اذ ان المذاهب الاسلامية الأختلاف بينهم قائم على الشريعة أي على مجموعة الاحكام والاوامر والنواهي الالهية المستنبطة من النصوص الدينية (القرآن والسنة)، وليس الخلاف على التجارب الذوقية، القلبية، الباطنية، المعرفية المتحصلة جراء التواصل مع الحق سبحانه، أي ليس على (الحقيقة) فكل المذاهب  الاسلامية متفقة ان لا حقيقة بلا شريعة.

ولكن كيف غطت الشريعة على الحقيقة واستولت على معانيها ودلالاتها على وفق اسس مذهبية؟ بعبارة أخرى كيف تلون التصوف الاسلامي الذي هو سلوك اخلاقي/ ذوقي بين كافة المذاهب الاسلامية، بحسب القواعد الفقهية لهذا المذهب أو ذاك؟ أو لنقل: كيف ابتلع علماء الظاهر (الفقهاء) مسارات علماء الباطن (العرفاء) لصالح طرائق أو اجتهادات فقهية خاصة، على الرغم من اتفاقهم جميعاً هؤلاء المتصوفة أو العرفاء على ان الشريعة وسيلة للوصول إلى الغاية (الحقيقة) عبر وسائطية (الطريقة)، فكيف اصبحت الشريعة هي الغاية بدلاً عن الحقيقة ويتصارعون على تفسيراتها وأحكامها التي أقترنت بالبعد السياسي (الإمامة)؟.

ان اعتراضنا هنا بطبيعة الحال ليس على المذاهب، إذ انها تعبر عن القراءات المتعددة للتجربة الاسلامية المؤسسة (القرآن والسنة) انما اعتراضنا ان يُمذهب التصوف، بل ان تُمذهب (الحقيقة العرفانية) لصالح الوسائلية (الشريعة)، ومن ثم تغدو منطلقاً للتنابذ والتصارع والعداء وسوء الظن، بل وحتى التكفير!!؟، وهذا الامر يعني ان البوصلة قد انحرفت عن مسار (التوحيد) وعن مسار (النبي محمد) (صلى الله عليه واله وسلم) وهما مطلبان جوهريان لدى المتصوفة والعرفاء (السنة والشيعة على حدٍ سواء).

ان مرد هذه الاشكاليات بحسب اعتقادنا ترجع إلى أمرين جوهريين هما:

1) مسألة الخلافة أو الامامة التي بدأت من سقيفة بني ساعدة واستمرت إلى يومنا هذا.

2) مسألة نشأة المذاهب الاسلامية وتقعيد قواعدها واحكامها الفقهية وقراءتها الشخصانية (نسبة لمؤسسي المذاهب).

من الواضح ان هذين الامرين بكل حمولاتهما السلبية خصوصاً بعدما دخلا المعترك السياسي في ظل السلطات السياسية المتعاقبة والتي فعلت مفاعليها في تقطيع الصلات بين المسلمين الموحدين جميعهم والأدهى والأمر انها قطعت الصلات بين المتصوفة والعرفاء (السنة والشيعة) فيما بعد!؟، إذ أسهمت السلطتين الاموية والعباسية في عزل الشيعة وإقصاءهم عن المشهدية الدينية والثقافية بوصفهم خارج الجماعة الدينية مرةً وخارج النظام الاجتماعي العام لأنهم معارضون مرةً أخرى ولكن حصلت بعض الاستثناءات في القرن الثالث الهجري واستلم الشيعة بعض المناصب السياسية آبان الحكم العباسي.

لعل الجيل الثاني بعد ظهور الفقهاء الكبار والمؤسسين للمذاهب الاسلامية، أو الاصح الذين عُدت  اشتغالاتهم الفقهية بمثابة حقول نظر في الشريعة مختلفة فيما بينهم، ومن ثم عدت بوصفها مذاهب اتبعها هذا الجيل الثاني هم من انشئ القطيعة أو شبه القطيعة في كثير من الاحيان مع اهل البيت والخط الفقهي المنبثق منهم الذي بدأ يصنع لنفسه قلعة فقهية بمعزلٍ تام عن سائر المذاهب الاسلامية، على الرغم من انه قد تأثر بكثير من معالجات واستدلالات وأقيسة ابناء المذاهب الاخرى..

وعليه فان النظر بمنظار فقهي للتصوف والعرفان انما منظار خاطئ لانه منظار إسلام تاريخي تأسس تحت شروط اجتماعية وسياسية وثقافية بل وحتى اقتصادية مختلفة عن تجربة النبوة التي نعتقد ان تجارب المتصوفة والعرفاء هي وريثتها الحقيقة بل ان القول النبوي الشريف (علماء امتي ورثة الأنبياء)..او علماء امتي خير من أنبياء بني اسرائيل انما المراد بالعلماء هم العرفاء الكبار امثال بن عربي والشيخ الجنيد والشيخ الكيلاني واخرون كثر..

ان اهمية الحديث عن بن عربي لا يدركها الا من عرف ان بداية اقامة حداثة اسلامية انما تنطلق من هذا الميراث الانساني /التعددي/الرحماني/ الذي يمثله بن عربي وكبار المتصوفة والعرفاء ..

***

د. جعفر نجم نصر

اللقاء الافتراضي بالأستاذ سيار الجميل بالنسبة لي هو أكثر من متابعة ندوة فكرية عابرة. بل حوار متأخر بين جيلين؛ جيل تشكل وعيه في زمن الكتاب الورقي والمجلات الفكرية، وجيل يعيش اليوم في زمن الشاشة والاتصال الفوري. وبين الزمنين امتدت أسئلة كثيرة عن التاريخ والنهضة والوعي والمصير. وبحسب عالمة الأعصاب البريطانية سوزان غرينفيلد في كتابها المهم (تغيير العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا) نحن جيل المهاجرين الرقميين إذ صنفت الاحياء اليوم في جيلين (جيل المهاجرين الأجداد والآباء وجيل المواطنيين الابناء والاحفاد أي " الأجيال التي وُلدت ونشأت في عصر التكنولوجيا المتقدمة والإنترنت بعد عام 1990م إذ تُعد الأجهزة الذكية والمنصات الافتراضية جزءاً طبيعياً وبديهياً من مكونات حياتهم اليومية منذ الطفولة بالمقابل، يُمثل المهاجرون الرقميون لأفراد الذين وُلدوا قبل ثورة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، واضطروا للتكيف معها وتعلُّم استخدامها في مرحلة لاحقة من حياتهم والدكتور سيار الجميل ونحن منهما .

نادرة هي تلك اللحظات التي يجد فيها المرء نفسه وجهاً لوجه أمام نظرية تاريخية عربية معاصرة، لا يقرأها من خلال شروح الآخرين أو ملخصاتهم، بل يناقشها مع صاحبها ذاته. ولعل ندرة هذه اللحظات لا تعود فقط إلى ندرة المشاريع الفكرية الكبرى في ثقافتنا العربية الإسلامية، بل إلى ندرة أولئك الذين يهبون أعمارهم الطويلة للبحث والتأمل وإعادة بناء الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والزمن والتاريخ كما المسعودي وابن النديم وابن خلدون.

حينما اقترح الدكتور خضير المرشدي، رئيس المعهد العالمي للتجديد العربي فكرة الحوار مع الاستاذ سيار الجميل حول نظريته قبل أسبوعين رحبت بالفكرة بدوافع مختلفة يطول شرحها منها اطلاعي على تلك النظرية بوصفها مقررا في السنة التحضيرية للدكتوراه بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة بغداد عام 2001م. لهذا رحبتُ منذ اللحظة الأولى باقتراح الحوار مع الدكتور سيّار الجميل حول نظريته في «المجايلة التاريخية»؛ تلك النظرية التي صاغها بعد عقود من الاشتغال بالتاريخ وفلسفته، والتي حاول من خلالها أن يقدّم تفسيراً جديداً لحركة التكوين الحضاري العربي الإسلامي، الحديث والمعاصر.

وصلني كتابه الضخم «نظرية المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي» في طبعته الثانية المنقحة الصادرة سنة 2018. وما إن بدأت تصفحه حتى أدركت أنني لا أقف أمام كتاب تاريخي بالمعنى التقليدي، بل أمام مشروع موسوعي تتضافر فيه الفلسفة مع التاريخ، والسوسيولوجيا مع الأنثروبولوجيا، والجغرافيا مع علم النفس، والإحصاء الكمي مع التأمل النظري والنقد الثقافي مع الحس الحضاري.

وصلني الكتاب عبر الأيميل في طبعته الثانية المنقحة عن المركز الأكاديمي للأبحاث؛ العراق - تورنتو كندا عام 2018م. كتاب ضخم في 666 صفحة في خمسة فصول فضلا عن المقدمة والملحقات حاول مؤلفه أن يجيب عن سؤال بدا بسيطاً في ظاهره لكنه شديد التعقيد في جوهره: كيف يتكوّن التاريخ؟ وما الآليات العميقة التي تحكم انتقال المعرفة والقيم والأفكار من جيل إلى جيل؟ فالتاريخ عند الجميل ليس مجرد تعاقب زمني للأحداث، وليس سلسلة من الدول والسلالات والحروب والانهيارات، بل هو شبكة متداخلة من الأجيال المتعاقبة التي تتواصل فيما بينها عبر ما يسميه «التواصل الحلزوني»، حيث تنتقل الخبرات والمعارف والرؤى من جيل إلى آخر عبر جدلية معقدة من التأثير والتأثر، ومن الاستاذية والتلمذة، ومن الاستمرار والتجاوز في آن واحد.

الكتاب ضخم ويصعب قراءته وفهمه في أسبوعين لا سيما بما يحتويه من رسومات بيانية وإحصاءات كمية ومعلومات تفصيلية تدوخ بالرأس بالنسبة لمن أدمن قراءة الأفكار المجردة كمثل حالي! جذبني الكتاب بطبيعته الموسوعية إذ جمع بين التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والجغرافيا والسياسة وعلم النفس والاقتصاد ففيه وجدت اسماء معظم الفلاسفة والمفكرين الذين اعرفهم ومنهم (ابن خلدون وفولتير وهيجل وماركس وشبنجلر وتوينبي وميشال فوكو وكارل مانهايم وبيتريم سوروكين وإدرار هل وليفي شتراوس وجان بول سارتر وجيري بنتلي ومارشال هدجسون وجماعة مدرسة التاريخ الجديد ومنهم: مارك بلوخ ولوسيان فيفر وفرناند بروديل وبول فيبن وجاك لوغوف وعبدالله العروي وغيرهم .فكيف تمكن سيار الجميل من بناء هذه النظرية المهمة في دراسة التاريخ وما هي مصادره وفرضياته وما المفاهيم الأساسية التي صاغها ودلالتها ومنها(التحقيب ، الجيل، المجايلة، العصر، التكوين، الانتاج، التزامن، التزمن ، المستقبل .الخ) هذا اولا وثاني ما المداخل المنهجية التي مكنته من انجاز هذا النسق النظري الفلسفي التاريخ بهذا السعة لاسيما منهج التاريخ الكمي؟ فضلا عن مدى علاقة هذه النظرية بمدرسة التاريخ الجديد ومناهجه تهتم بدراسة كل الفعاليات البشرية وكل ما في الإنسان أو يعتمد على الإنسان أو نتيجة الانسان أو يجريه الإنسان مما له أهمية في وجود الإنسان ونشاطه وأذواقه وأزيائه" إذ أكد فرنان بروديل – وهو من أبرز رواد التاريخ الجديد – أن التاريخ يجب أن يكون شمولياً أو لايكون، "وهو يحتاج إلى العلوم الاجتماعية الأخرى، وقادر على تبني اشكال التفسير الجديدة التي تبتدعها هذه العلوم وتكييفها لأغراضه الخاصة. والتاريخ قادر بدوره على تقديم ما تفتقرإليه العلوم الأخرى، وهو البعد الزمني، الذي يمثل خصوصيته، ولايهم في نظر بروديل ان أتهم البعض التاريخ بأنه (امبريالي) يريد ابتلاع كل شيء"‏

ولعل أهم ما لفت نظري في هذا المشروع هو محاولته تجاوز الإشكال القديم المتعلق بالتحقيب التاريخي. فمنذ نشأة الكتابة التاريخية ظل المؤرخون يختلفون حول الطريقة المثلى لتقسيم الزمن وتحقيبه . هل نقسمه وفق الدول والسلالات؟ أم وفق الحقب السياسية؟ أم وفق التحولات الفكرية والحضارية؟ أم وفق الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية؟

سيّار الجميل يرى أن معظم أنظمة التحقيب التقليدية تعاني قصوراً منهجياً لأنها تركز على الظاهر السياسي وتغفل البنى العميقة التي تتحرك داخل المجتمع والثقافة. لذلك يقترح أن يكون «الجيل» هو الوحدة الأساسية لفهم الزمن التاريخي، وأن تُدرس الحضارة بوصفها سلسلة من الأجيال المترابطة لا مجرد تعاقب للسلطات السياسية.

وهنا تتجلى العلاقة الواضحة بين مشروعه وبين أعمال عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم (1893-1947) الذي اصدر كتاب مشاكل الأجيال عام 1928م . قبل كتاب مانهايم كان الجيل يُفهم غالبًا بمعناه البيولوجي، أي مجموعة من الأشخاص الذين ولدوا في فترة زمنية متقاربة. لكن مانهايم رأى أن هذا التعريف غير كافٍ اجتماعيًا. ف الجيل يتكون عندما يتعرض أفراد ينتمون إلى فئة عمرية متقاربة لأحداث تاريخية واجتماعية كبرى تترك أثرًا عميقًا في وعيهم وتصورهم للعالم فالناس الذين يولدون في سنوات متقاربة لا يشكلون جيلًا اجتماعيًا لمجرد تقارب أعمارهم، بل لأنهم يعيشون أحداثًا تاريخية وثقافية مشتركة في مرحلة تكوين وعيهم غير أن الجميل لا يكتفي بالاستفادة من مانهايم، بل حاول أن يؤسس نموذجاً خاصاً بالتاريخ العربي الإسلامي، مستفيداً في الوقت نفسه من منظورات منهجية ونظرية متعددة متعددة منها نظرية صديقه المؤرخ الأمريكي

جيري بنتلي ت 2012م إذ يرى بنتلي أن أفضل أساس لتحقيب التاريخ العالمي ليس ظهور دول معينة أو حضارات بعينها، بل أنماط التفاعل بين المجتمعات والثقافات المختلفة ويعتبر أن ثلاثة عوامل كانت المحركات الكبرى للتاريخ العالمي:

1. الهجرات البشرية واسعة النطاق.

2. التوسع الإمبراطوري.

3. التجارة بعيدة المدى والتبادل الثقافي.

كما استفاد سيّار الجميل من مدخل مارشال هودجسون (1922-1968) صاحب كتاب (مغامرة الإسلام: الضمير والتاريخ في حضارة عالمية) وتتلخص رؤيته في أن النهضة الغربية والتحديث لم ينشأا من "عبقرية أوروبية خاصة" ومنعزلة، بل هما نتاج تراكمي لشبكة تبادل عالمية كانت الحضارة الإسلامية مركزها وثقلها الأساسي لقرون طويلة. واعتبر أن صعود الغرب يعود لطفرة تقنية وتنظيمية حدثت في القرن الثامن عشر، وليس بسبب تفوق ثقافي أو ديني. إذ رفض هودجسون حصر الإسلام في شبه الجزيرة العربية أو اعتباره ديناً "بدويّاً" أو "عربياً" خالصاً. ويرى أن النظرية التاريخية للإسلام تتضح عندما ننظر إليه في المدى الجغرافي الممتد من نهر النيل حتى نهر جيحون (آسيا الوسطى). هذه المنطقة كانت مهد الحضارات الإنسانية القديمة، وجاء الإسلام ليعيد صياغة ودمج هذه الثقافات (السامية والإيرانية والهلنستية) في بوتقة حضارية عالمية واحدة.

هذا فضلا عن استفادة المولف من ابن خلدون والفارابي وتوينبي ولا اعرف لماذا تجاهل الفيلسوف الأمريكي المعاصر اولفين توفلر صاحب كتاب الموجة الحضارية الثالثة؟

ولعل أكثر ما شدّني في هذا المشروع هو محاولته الربط بين المستوى الجزئي والمستوى الكلي؛ بين الفرد والبنية، وبين السيرة الذاتية والتحول الحضاري. فهو يعتقد أن فهم التاريخ لا يتم من خلال دراسة الملوك والقادة وحدهم، بل من خلال دراسة الشبكات الاجتماعية والثقافية التي تنتج المعرفة وتعيد إنتاجها عبر الزمن.

ومن هنا جاءت أهمية ما يسميه «مكروسوسيولوجيا البايوغرافيات»، أي دراسة السير الفردية بوصفها وحدات تكشف عن حركة النظام الحضاري بأكمله. كتب " يعد التاريخ الكمي أحد أهم الوسائل النمطية المتطوّرة في دراسة التاريخ الاجتـ الجديد الذي اختلف في تطوّره الحديث عن التاريخ الاجتماعي التقليدي، وقد بدأ الـ بتحديث التاريخ الاجتماعي على أيدي بعض من المؤرّخين الاجتماعيين الجدد إبان السـ من القرن العشرين، مذ قاموا باستخدام بيانات التعداد السكاني والإحصاءات الديمعـ وإحصاءات متنوعة تخص الزيجات والوفيات، والطلاقات والولادات، وسحـ المستشفيات، وسجلات الضرائب، وسجلات الرواتب، وسجلات الأطفال، وسجـ المعونات الاجتماعية، وسجلات الأملاك والملكيّات، وسجلات المنتجعات والقـ والوقفيات والحدائق .. وإحصاء العربات والسيارات والنقل والسكك الحديدية و المسافرين وأعداد الحيوانات .. وغيرها من البيانات التي تحدّد جملة من المعاني الجديد دراسة شعوب بأكملها. وتشمل تلك الموضوعات التي تشمل القضايا السكانية معدلات النمو السكاني، ومعدّلات الولادة والوفاة والزواج والمرض، والتوزيعات المـ والتعليم والهجرة والتغيرات السكانية"

وعندما انتقل المؤلف إلى التطبيقات العملية للنظرية، حاول أن يعيد قراءة التاريخ العربي الإسلامي كله من خلال خمسين جيلاً متعاقباً تمتد بدايتها من أواخر القرن السادس الميلادي وصولاً إلى نهاية القرن الحادي والعشرين. وهنا يطرح سؤالاً مدهشاً: في أي جيل نحن؟ وفي أي عصر تاريخي نعيش؟

" نحن الآن قد انتهينا من الجيل السابع والأربعين ۱۹۷۹ - ٢٠٠٩ م، وستتلونا ثلاثة أجيال حتى عام ۲۰۹۹ م، حتّى يكتمل العصر الخامس الذي بدأ عام ١٧٩٩ م بالجيل الحادي والأربعين وهو جيل التأسيس النهضوي .. ثم تبعته حتى جيلنا الحالي الذي بدأ عام ١٩٧٩ أي على مدى ۲۲۰ سنة عاشت ستّة أجيال هي : جيل التنظيمات الإصلاحية، وجيل الحركة ٤٧٥" ينظر، سيّار الجميل، نظرية المجايلة التاريخية"

إنه سؤال يبدو بسيطاً لكنه يعكس رؤية مختلفة تماماً للزمن. فالزمن هنا ليس مجرد سنوات تتوالى على التقويم، بل بناء حضاري متحرك يتشكل من تفاعل الأجيال المتعاقبة.

ومن بين الصفحات التي توقفت عندها طويلاً تلك المخصصة للنساء المثقفات في التاريخ العربي الإسلامي. ففي وقت اعتادت فيه معظم السرديات التاريخية التقليدية أن تضع المرأة في الهامش، يحاول سيّار الجميل أن يدمجها في قلب عملية التكوين الحضاري. فهو يقدّم نماذج لعشرات العالمات والمحدثات والأديبات والمثقفات اللواتي شاركن في صناعة الثقافة العربية الإسلامية، مؤكداً أن تأثيرهن لم يكن هامشياً كما توحي بعض القراءات التقليدية، بل كان جزءاً من حركة المجايلة التاريخية نفسها.

بعنوان (دور المرأة ومجايلة النسوة المثقفات) دون عدد من اسماء النساء الشهيرات " بلغ عددهن (۱۸۹) امرأة، منهن (١٥) امرأة عشن في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، و (٨٥) امرأة عشن في القرن السادس للهجرة / الثاني عشر الميلادي، و (۸۰) امرأة امتدت حياتهن إلى أوائل القرن السابع للهجرة / الثالث عشر للميلاد، و (۹) منهن كن من المخضرمات بين القرنين.. مسندة خراسان زينب الشعرية، ومسندة مرو كريمة المروزية، ومسندتا بغداد تجنّي الوهبانية، وضوء الصباح عجيبة الباقدارية، ومسندة العراق الكاتبة شهدة الابري وغيرهن الكثيرات من النسوة المثقفات" (ينظر ، نظرية المجايلة التاريخية، ص 205)

غير أن الكتاب لا يتوقف عند الماضي، بل يمتد إلى المستقبل. ففي فصله الأخير الذي جاء بعنوان (عصر النهضة والمستقبليات العربية الاسلامية؛ اعادة لفهم التكوينات التاريخية في ضوء فلسفة المجايلة التاريخية) يدخل المؤلف إلى حقل المستقبليات، محاولاً استشراف مصير الأجيال القادمة في العالم العربي والإسلامي. وهو هنا لا يتحدث بلغة التنبؤ الغيبي، بل بلغة الاتجاهات الكبرى التي يمكن استنتاجها من قراءة المسارات التاريخية الطويلة.

ويذهب إلى أن الأجيال القادمة ستجد نفسها مضطرة للاعتماد على المعرفة والإنتاج والعمل، وأنها ستواجه تركة ثقيلة من الأزمات والصراعات والاختلالات التي خلفتها الأجيال السابقة. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر راهنية مما كانت عليه عندما كتبها قبل أكثر من عقدين. كتب " إن الجيل القادم والمرقم (٤٨) الذي سيعايش ثلاثة عقود زمنيّة من القرن القادم أي بین ۲۰۰۹-۲۰۳۹ والذي سينتجه الجيل الحالي (٤٧) الذي يتخضرم بين القرنين. سيتحمّل جملة مشكلات ساخنة تورثه إياها الأجيال التي عاشت في القرن العشرين، ولما سيجد الجيل القادم نفسه في قلب تطوّرات وأزمة لا يمكننا تخيلها نظراً لتعقيداتها (ينظر، نظرية المجايلة التاريخية، ص 469- 470)

لكن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في تفاصيله أو في نتائجه، بل في موقعه داخل تاريخ الفكر التاريخي نفسه. فمن يقرأ الكتاب يكتشف أنه يقف عند نقطة تقاطع بين تيارات معرفية عديدة. فهو يستلهم من ابن خلدون فكرة العمران، ومن التاريخ الجديد اهتمامه بالبنى العميقة، ومن السوسيولوجيا اهتمامها بالأجيال، ومن الأنثروبولوجيا حساسيتها تجاه الثقافة، ومن الإحصاء أدواته الكمية، ومن فلسفة التاريخ أسئلتها الكبرى.

أن ما استوقفني في نظرية المجايلة التاريخية هو ذلك الإيمان العميق بقدرة الإنسان على استئناف الفعل التاريخي مهما بلغت درجات التراجع والانكسار. فالرجل الذي قضى عمره يقرأ القرون الطويلة لا ينظر إلى التاريخ بوصفه قدراً مغلقاً، بل بوصفه مجالاً مفتوحاً للفعل الإنساني فغاية النظرية ليست مجرد تقسيم الأزمنة أو تصنيف الأجيال، بل إيقاظ الوعي التاريخي العقلاني الواقعي. إنها دعوة إلى أن يدرك كل جيل مسؤوليته الخاصة عن زمنه، وألا يعيش أسير أمجاد الماضي أو كوارثه.

إذ ادرك بحسه التاريخي المتمرس إن الأمم لا تنهض بالبكاء على الماضي، كما لا تتقدم بترديد أناشيد الأمجاد القديمة بل عندما تستأنف المبادرة والفعل و تنتج معرفة جديدة، ورؤية جديدة، ووعياً جديداً بالعالم وبذاتها والأمم التي تتوقف عن إنتاج المعرفة تتوقف تدريجياً عن إنتاج التاريخ.

وبذلك تبدو فكرة المجايلة التاريخية أقرب إلى فلسفة النهوض الحضاري منها إلى مجرد نظرية في التحقيب التاريخي . فهي تذكّرنا بأن كل جيل يرث العالم ناقصاً، ثم يغادره ناقصاً أيضاً، وأن القيمة الحقيقية لأي جيل لا تكمن في مقدار ما ورثه، بل في مقدار ما أضافه إلى الإرث الإنساني العام. وبهذا المعنى نفهم فكرة اللا اكتمال عند الدكتور خضير المرشدي رئيس المعهد العربي للتجديد العالمي إذ أكد" إن اللااكتمال ليس مجرد فلسفة، إنَّما عاصفة في قلب الغموض. إنه موقف وجودي يقول: الجهل ليس عار، بل بوابة الاكتشاف. والسؤال ليس ضعفاً، بل قوة تحطم جدران الروتين، في بيئة عربية لا تزال تتردد أمام التغيير وتتهم وتشتم مع يسعى لذلك ، وتميل إلى اليقين كملاذ آمن، يأتي اللا اكتمال كثورة فكرية، يحثنا على القفز إلى المجهول بشجاعة، وعلى بناء الأفكار من الأسئلة، كما يبني الفنان تحفته من الفراغ"

خاتما يمكننا القول: أن قيمة نظرية المجايلة التاريخية تكمن تحديداً في أنها تقف عند هذا الحد الفاصل بين الماضي والمستقبل. فهي تنتمي إلى تقاليد التاريخ الجديد من جهة، لكنها تنفتح من جهة أخرى على إمكانات التاريخ الكمي وتحليل البيانات. إنها محاولة عربية جادة لإعادة التفكير في الزمن الحضاري بوصفه بنية معقدة من العلاقات والأجيال والتكوينات المتداخلة.

ولهذا فإن الحوار مع سيّار الجميل ليس حواراً حول نظريته في سلسة الأجيال فحسب، بل حول معنى التاريخ في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وكيف نعيد بناء وعينا بالزمن في عصر تتسارع فيه التحولات إلى حد يجعل الماضي نفسه مادة لإعادة الاكتشاف في كل لحظة؟ فنحن نقف على أعتاب براديغم تاريخي جديد تُشكّله الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد التاريخ مجرد سرد أو تحليل للوثيقة، بل صار شبكة من البيانات الضخمة، تُقرأ بالخوارزميات والتعلّم العميق، ويعاد إنتاجها على ضوء تفاعل الإنسان مع الآلة. لقد أصبح المؤرخ يجاور عالم البيانات، وأضحت الذاكرة الإنسانية رقميّة، قابلة للدمج والحذف والتحليل اللحظي. وهنا يطرح السؤال الفلسفي الحادّ:هل نحن أمام ميلاد مدرسة تاريخية جديدة؟ مدرسة التاريخ الخوارزمي، حيث يُصبح ماضي الإنسان قابلًا للحوسبة؟أم أن الذكاء الاصطناعي سيُحوّل التاريخ إلى محاكاة تحجب معنى التجربة الإنسانية نفسها؟

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

من الثبات إلى التفاوض

في قلب النقاشات المعاصرة حول الإنسان والمجتمع، يبرز سؤال الهوية والاختلاف كأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الأنثروبولوجي الحديث. فالهوية لم تعد تُفهم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو معطىً طبيعيًا، بل باعتبارها بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وبين المحلي والعالمي. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه مجرد علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة، حيث يُنظر إليه كنافذة لفهم التنوع البشري بدلًا من كونه تهديدًا للوحدة أو الانسجام.

لقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين – من انهيار الاستعمار إلى صعود العولمة والرقمنة – في إعادة صياغة مقاربات الأنثروبولوجيا للهوية والاختلاف. فبينما كان التركيز في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية منصبًا على دراسة "الآخر البعيد" في المجتمعات التقليدية، أصبح الفكر الأنثروبولوجي الحديث ينظر إلى الهوية باعتبارها عملية تفاوض وتأويل مستمرة، تتأثر بالهجرة، والاندماج، والتهجين الثقافي، وبروز فضاءات جديدة مثل العالم الافتراضي.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الأنثروبولوجي مقتصرًا على "من نحن؟" أو "من هم الآخرون؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى مساءلة آليات إنتاج الهوية، والسلطة الكامنة في تعريف الذات والآخر، والكيفية التي يُعاد بها تشكيل الاختلاف في ظل التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف لم يعودا مجرد موضوعين للدراسة، بل أصبحا محورين لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم متغير، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

مفهوم الهوية في الفكر الأنثروبولوجي

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لم تعد الهوية تُفهم كجوهر ثابت أو كيان مغلق، بل كعملية اجتماعية وثقافية متحركة تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فهي ليست بطاقة تعريف جامدة، وإنما بناء اجتماعي يتغير مع الزمن، يتأثر بالهجرة، بالعولمة، وبالتحولات الرمزية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. الأنثروبولوجيون يرون أن الهوية ليست معطى طبيعيًا يولد مع الفرد، بل هي نتاج للتفاعل مع الآخرين، تُنتج من خلال الخطاب والممارسات اليومية والرموز الثقافية، ما يجعلها عملية تفاوض وتأويل دائم بين الذات والآخر. بهذا المعنى، الهوية ليست ماهية، بل سيرورة، وليست جوهرًا بل شبكة من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. العلاقة بين الفرد والجماعة هنا تأخذ طابعًا جدليًا؛ فالفرد يعرّف نفسه من خلال الجماعة، والجماعة تُعيد إنتاج هويتها عبر أفرادها، مما يجعل الهوية دائمًا في حالة إعادة تعريف بين "نحن" و"هم". ومن ثم، فإن الهوية في الأنثروبولوجيا الحديثة تُفهم كحقل للتوتر بين الثبات والتحول، بين الاستمرارية والانقطاع، وبين الذات والآخر، حيث يصبح الاختلاف جزءًا من عملية البناء نفسها لا مجرد عنصر خارجي يهددها.

الاختلاف كأداة للفهم الأنثروبولوجي

يُنظر إلى الاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لا باعتباره مجرد علامة على التباين بين الثقافات، بل كأداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة. فالاختلاف هو الذي يفتح المجال أمام الأنثروبولوجي ليقرأ المجتمع من الداخل والخارج في آن واحد، ويكشف عن أنماط التفكير والممارسة التي قد تبدو مألوفة لأصحابها لكنها تحمل دلالات عميقة عند مقارنتها بغيرها. بهذا المعنى، يصبح الاختلاف ليس تهديدًا للوحدة أو الانسجام، بل شرطًا لإنتاج المعرفة، إذ إن فهم الذات لا يكتمل إلا عبر مواجهة الآخر المختلف. ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا لا تكتفي بوصف الاختلاف، بل تسعى إلى تأويله، وتحويله إلى مدخل لفهم التنوع البشري، حيث تُقرأ الرموز والطقوس والعادات في ضوء ما تكشفه من تمايزات داخلية وخارجية.

لقد كان الاختلاف في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية يُستخدم غالبًا لتأكيد مركزية الثقافة الغربية في مواجهة "الآخر البعيد"، لكن الفكر الأنثروبولوجي الحديث أعاد صياغة هذا المفهوم ليصبح أداة نقدية تكشف عن حدود تلك المركزية، وتعيد الاعتبار للمعرفة المحلية وللتجارب المتعددة التي تشكل العالم. فالاختلاف هنا ليس مجرد مقارنة بين "نحن" و"هم"، بل هو عملية معقدة من التفاعل والتفاوض، حيث يُعاد تعريف الهوية باستمرار في مواجهة التباينات الثقافية والاجتماعية. وهكذا، يتحول الاختلاف إلى فضاء للتأمل في معنى الإنسانية نفسها، وإلى وسيلة لفهم كيف تُبنى المجتمعات وتُعيد إنتاج ذاتها عبر التمايز والتنوع.

إن الأنثروبولوجيا الحديثة ترى أن الاختلاف ليس حالة استثنائية، بل هو القاعدة التي يقوم عليها الاجتماع البشري. فكل مجتمع يحمل داخله اختلافات طبقية، جندرية، دينية، وإثنية، وهذه الاختلافات هي التي تمنحه ديناميكيته وتجعله قابلًا للتطور. ومن ثم، فإن دراسة الاختلاف لا تعني فقط النظر إلى ما يميز ثقافة عن أخرى، بل أيضًا إلى ما يميز الأفراد داخل الثقافة الواحدة، وكيف يُعاد إنتاج السلطة والمعنى عبر هذه التمايزات. بهذا الشكل، يصبح الاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث أداة لفهم الإنسان في تعدده، ولتفكيك التصورات السائدة عن الوحدة والانسجام، ولإعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والآخر في عالم يتغير باستمرار.

الهوية والاختلاف في زمن العولمة

تتخذ الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي أبعادًا جديدة ومعقدة في زمن العولمة، حيث لم يعد الانتماء الثقافي أو الوطني قائمًا على حدود جغرافية واضحة أو على استمرارية تقليدية، بل أصبح يتشكل في فضاء مفتوح تتداخل فيه الشبكات الاقتصادية والسياسية والرقمية. الهوية هنا تتحول إلى عملية تفاوض مستمرة بين المحلي والعالمي، بين الأصالة والاندماج، وبين الانتماء الوطني والانتماء الكوني. فالعولمة لا تذيب الهويات بالضرورة، لكنها تعيد صياغتها في أشكال هجينة تجمع بين عناصر متعددة، ما يجعل الفرد يعيش في حالة من التعدد والانفتاح، وأحيانًا في حالة من التوتر والازدواجية.

الأنثروبولوجيا الحديثة تقرأ هذه التحولات بوصفها جزءًا من ديناميكيات جديدة للعلاقات الإنسانية، حيث يصبح الاختلاف ليس فقط بين الثقافات، بل أيضًا داخل الثقافة الواحدة، نتيجة لتأثيرات الهجرة، الإعلام الرقمي، وتدفق الرموز والمعاني عبر الحدود. في هذا السياق، يُعاد تعريف الهوية باستمرار، وتصبح مسألة "من نحن؟" مرتبطة بالقدرة على التفاعل مع الآخر المختلف، سواء كان هذا الآخر قريبًا أو بعيدًا، واقعيًا أو افتراضيًا. وهكذا، فإن الهوية في زمن العولمة لم تعد مجرد علامة على الانتماء، بل فضاء للتفاوض بين قوى متعددة، حيث يتقاطع الفرد مع الجماعة، والمحلي مع العالمي، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

بهذا المعنى، يصبح الاختلاف في زمن العولمة أداة لفهم كيف تُبنى الهويات الجديدة، وكيف يُعاد إنتاج السلطة والمعنى في عالم متغير. فالأنثروبولوجيا لا تكتفي بوصف هذه الظواهر، بل تسعى إلى تحليلها بوصفها جزءًا من إعادة تشكيل الإنسانية نفسها، حيث تتداخل الثقافات وتتفاعل في فضاءات جديدة، وتُعاد صياغة الهوية في مواجهة تحديات الانفتاح والاندماج والرقمنة.

المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة

في المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة، لم يعد الهدف مجرد وصف المجتمعات أو تسجيل ممارساتها اليومية، بل أصبح التركيز منصبًا على تحليل البُنى العميقة التي تنتج الهوية والاختلاف، وعلى مساءلة السلطة والمعنى الكامن وراء هذه البُنى. الأنثروبولوجيا اليوم تتحرك بين مستويات متعددة: فهي تدرس الرموز والطقوس بوصفها لغة ثقافية، وتفكك الخطابات السياسية والاجتماعية التي تُعيد إنتاج الهوية، كما تنفتح على الفضاء الرقمي لفهم كيف تُبنى الذات في عالم افتراضي يتجاوز الحدود المكانية التقليدية. هذا التحول يعكس انتقال الأنثروبولوجيا من كونها علمًا وصفيًا إلى كونها علمًا نقديًا، يسائل المركزية الغربية، ويعيد الاعتبار للمعرفة المحلية، ويكشف عن التوترات بين السلطة والمعنى في تشكيل الهوية.

المقاربة المعاصرة أيضًا تتبنى أدوات جديدة، مثل الأنثروبولوجيا الرقمية التي تدرس التفاعلات في وسائل التواصل الاجتماعي، والأنثروبولوجيا السياسية التي تركز على العلاقة بين الهوية والسلطة، والأنثروبولوجيا الرمزية التي تقرأ الطقوس والعادات بوصفها نصوصًا ثقافية. في هذا السياق، يصبح الأنثروبولوجي ليس مجرد مراقب خارجي، بل مشارك في عملية إنتاج المعرفة، حيث يُعيد التفكير في موقعه ودوره، ويعترف بأن كل قراءة للهوية والاختلاف هي أيضًا فعل تأويلي مشروط بسياق الباحث نفسه. وهكذا، فإن المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة تضع الهوية والاختلاف في قلب النقاش حول الإنسان، وتفتح المجال أمام فهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم يتغير باستمرار، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

الهوية كحقل للتفاوض والتأويل

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، تُفهم الهوية كحقل للتفاوض والتأويل أكثر من كونها معطىً جاهزًا أو حقيقة نهائية. فهي ليست مجرد انعكاس لانتماء ثابت، بل عملية معقدة تتداخل فيها السلطة والمعنى، حيث يُعاد تعريف الذات باستمرار في مواجهة الآخر المختلف. الهوية هنا تُبنى عبر الخطاب والممارسة، وتُعاد صياغتها في سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية متغيرة، ما يجعلها دائمًا مفتوحة على احتمالات جديدة. ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال حول الهوية سؤالًا حول من يملك حق تعريف الذات، وكيف تُستخدم الرموز والمعاني لتثبيت أو زعزعة هذا التعريف. فالهوية ليست فقط شأنًا فرديًا، بل هي أيضًا أداة جماعية تُوظف في الصراع على السلطة، وفي إنتاج الشرعية، وفي بناء الحدود بين "نحن" و"هم".

الاختلاف في هذا السياق لا يُفهم كتهديد، بل كجزء من عملية التفاوض نفسها، إذ يُعاد من خلاله تحديد الهوية وتوسيعها أو تضييقها. فالمجتمعات لا تعيش في انسجام مطلق، بل في توترات مستمرة بين مكوناتها، وهذه التوترات هي التي تمنح الهوية معناها وحيويتها. ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا الحديثة ترى أن الهوية ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي نص مفتوح للتأويل، يُكتب ويُعاد كتابته باستمرار عبر التفاعل بين الأفراد والجماعات، وبين المحلي والعالمي، وبين الماضي والحاضر. بهذا المعنى، تصبح الهوية فضاءً للتفاوض، حيث تُمارس السلطة ويُنتج المعنى، وحيث يُعاد تعريف الذات والآخر في شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية.

البعد المعرفي والنقدي للهوية والاختلاف

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، يبرز البعد المعرفي والنقدي للهوية والاختلاف بوصفه محورًا أساسيًا لفهم كيفية إنتاج المعرفة ذاتها. فالأنثروبولوجيا لا تدرس الهوية والاختلاف فقط كظواهر اجتماعية، بل أيضًا كآليات معرفية تحدد كيف يُبنى العلم وكيف تُمارس السلطة داخل الحقول الأكاديمية والثقافية. الهوية هنا تُفهم كإطار معرفي يحدد من يملك حق الكلام والتمثيل، والاختلاف يُقرأ كأداة تكشف عن حدود هذه المعرفة وتفضح انحيازاتها. ومن هذا المنطلق، يصبح التفكير في الهوية والاختلاف ليس مجرد دراسة للثقافات، بل أيضًا مساءلة للأنثروبولوجيا نفسها، وللمناهج التي استخدمتها عبر تاريخها في تمثيل الآخر.

لقد أظهرت الدراسات النقدية وما بعد الكولونيالية أن الهوية والاختلاف كثيرًا ما استُخدما في الماضي لتكريس المركزية الغربية، حيث جرى تصوير الآخر بوصفه "مختلفًا" بشكل جوهري، ما منح الغرب موقعًا مهيمنًا في إنتاج المعرفة. لكن الأنثروبولوجيا المعاصرة أعادت النظر في هذه الممارسات، وسعت إلى بناء مقاربة أكثر توازنًا، تعترف بالمعرفة المحلية، وتُعيد الاعتبار لتجارب المجتمعات التي كانت تُدرس بوصفها موضوعًا خارجيًا. بهذا الشكل، يصبح الهوية والاختلاف مجالًا لإعادة التفكير في علاقة الباحث بالمبحوث، وفي كيفية إنتاج خطاب علمي أكثر عدالة وشمولًا.

إن هذا البعد المعرفي يفتح المجال أمام الأنثروبولوجيا لتكون علمًا نقديًا يراجع نفسه باستمرار، ويكشف عن التوترات بين السلطة والمعرفة، وبين الذات والآخر، ليس فقط في المجتمعات المدروسة، بل أيضًا في الحقل الأكاديمي ذاته. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث لا يقتصران على دراسة الإنسان في سياقاته الاجتماعية، بل يتجاوزان ذلك إلى مساءلة البُنى المعرفية التي تحدد كيف نفكر في الإنسان، وكيف نعيد إنتاج معاني الانتماء والاختلاف في عالم يتغير باستمرار.

الهوية كعملية مفتوحة والاختلاف كشرط للفهم

يتضح في الختام أن الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث ليسا مجرد موضوعين للدراسة، بل هما إطاران لفهم الإنسان في عالم متغير ومعقد. الهوية لم تعد تُفهم كجوهر ثابت أو معطى طبيعي، بل كعملية اجتماعية وثقافية تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع الآخر، ومع القوى السياسية والاقتصادية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية، تُستخدم لفهم التنوع البشري، ولتفكيك التصورات السائدة عن الوحدة والانسجام، ولإعادة التفكير في العلاقة بين الذات والآخر.

العولمة والرقمنة والهجرة أعادت تشكيل الهوية في أشكال هجينة، حيث يعيش الفرد في حالة من التعدد والانفتاح، وأحيانًا في حالة من التوتر والازدواجية. والمقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة لم تعد تكتفي بالوصف، بل أصبحت نقدية، تكشف عن السلطة والمعنى الكامن وراء بناء الهوية، وتقرأ الاختلاف بوصفه فضاءً للتفاوض والتأويل. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف يشكلان معًا شبكة من العلاقات الإنسانية التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في فضاء مفتوح على احتمالات جديدة.

إن الدرس الأهم الذي يقدمه الفكر الأنثروبولوجي الحديث هو أن الهوية ليست حقيقة نهائية، بل نص مفتوح يُعاد كتابته باستمرار، وأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل شرطًا لفهم الإنسان في تعدده. ومن هنا، فإن التفكير في الهوية والاختلاف لا يعني فقط دراسة الماضي أو الحاضر، بل أيضًا استشراف المستقبل، حيث سيظل الإنسان في حالة تفاوض دائم مع ذاته ومع الآخر، في عالم يتغير باستمرار ويعيد صياغة معاني الانتماء والاختلاف.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

(1850- 2026)

رأينا في المقال السابق كيف أسهم النسق الإصلاحي العقلاني الذي ساد مرحلة النهضة في منح التدين قدرةً ملحوظة على التعايش مع التحولات الحديثة، كما أتاح قدرًا من التقارب بين المتفقهين والمثقفين داخل فضاء فكري واجتماعي مشترك، حيث لم تكن الحدود بين الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والسياسي قد اكتسبت بعدُ طابعها الصارم الذي عرفته المراحل اللاحقة.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا، إذ بدأت التحولات السياسية والاستعمارية تعيد تشكيل مفهوم التدين ووظيفته داخل الوعي الجمعي العربي، ليدخل في مسارات جديدة أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وفي هذا المقال ننتقل إلى دراسة المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى منتصف القرن العشرين، للوقوف على أبرز التحولات التي طرأت على مفهوم التدين في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية التي شهدها العالم العربي والإسلامي آنذاك، حيث نجد أن مفهوم التدين بدأ يتحرك داخل نسق مغاير تمامًا لما كان عليه في لحظة النهضة؛ إذ لم تعد الأسئلة المركزية تدور حول الإصلاح والعمران والتحديث بقدر ما أصبحت تدور حول الهوية والبقاء والمقاومة.

فمع توغل الاستعمار في المجال العربي والإسلامي، وتهاوي ما تبقى من البنى الجامعة التقليدية، بدأ الوعي الجمعي يعيش حالة قلق حضاري حاد، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الشبيبة إلى البحث عن ملاذ رمزي يعيد إليها الشعور بالتماسك والانتماء. وهنا بالتحديد بدأ التدين يتحول من كونه مشروعًا إصلاحيًا مفتوحًا إلى كونه هوية مقاومة ومشحونة بالتوتر الحضاري.

ولعل الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه هنا أن هذا التحول لم يكن وليد التنظير الفكري وحده، بل كان ثمرة نسقية معقدة تشابكت فيها الهزائم السياسية مع التفكك الاجتماعي ومع تغوّل النموذج الغربي في التعليم والإدارة والثقافة. فقد شعر كثير من الناس آنذاك أن المجال العام يُعاد تشكيله بعيدًا عن المرجعية الإسلامية، وأن الدولة الوطنية الناشئة تتجه تدريجيًا نحو أنماط من العلمنة والإدارة الحديثة لا تمنح الدين موقعه المركزي الذي كان يحتله سابقًا. ومن ثَمّ، بدأ التدين يكتسب وظيفة دفاعية جديدة، لا بوصفه علاقة روحية وأخلاقية فحسب، بل بوصفه وسيلة لحماية الذات الحضارية من الذوبان داخل الأغيار.

وفي هذا السياق تحديدًا ظهرت الحركات التنظيمية الحديثة التي أعادت بناء مفهوم التدين على أسس أكثر حركية وانضباطًا. ولم يعد التدين مجرد تجربة فردية مرتبطة بالتزكية والعبادة، بل صار يدخل شيئًا فشيئًا في بنية التنظيم والتعبئة وإعادة تشكيل المجتمع. وهنا يبدوا التحول بالغ الأهمية؛ لأن التدين بدأ ينتقل من فضاء المسجد والكتاب والمدرسة إلى فضاء الجماعة والتنظيم والنسق الحركي المغلق أحيانًا. والأمر الذي يقودنا إلى ملاحظة فارقة أن صورة «المتدين» نفسها بدأت تتغير داخل الوعي الجمعي، فلم يعد المتدين هو ذلك الإنسان المنصرف إلى إصلاح نفسه ومجتمعه بهدوء، بل أصبح في بعض السياقات هو الإنسان المنخرط في مشروع تعبوي واسع يسعى إلى إعادة صياغة المجال العام بأكمله.

ومع تزايد الاستقطاب السياسي والفكري، بدأت بعض النهوج التنظيمية تميل إلى رسم حدود حادة بين «المتدين» و«غير المتدين»، وهي الحدود التي ستتضخم لاحقًا بصورة أكثر حدة. فقد تحوّل التدين تدريجيًا إلى غرابيل اجتماعية وثقافية يتم من خلالها تصنيف الناس والحكم على وعيهم ودرجة التزامهم. وشيئًا فشيئًا، أخذت بعض المظاهر الشكلية تحتل موقعًا متقدمًا في تعريف التدين داخل المخيال الشعبي، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المرتبطة بالأخلاق والعمران والحرية والعدالة. ومن هنا بدأت تظهر البذور الأولى لذلك الانزياح الذي سيقود لاحقًا إلى اختزال الدين في مظاهر جزئية أو شعارات مغلقة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام بعض المجترئين كي يحتكروا الحديث باسم الدين ذاته.

ناهیک عن أن التحولات الدولية آنذاك أسهمت بدورها في إعادة تشكيل التدين داخل المجال العربي والإسلامي؛ فصعود القوميات الحديثة، وانهيار الخلافة العثمانية، وتزايد الخطاب الاستعماري، كلها عوامل دفعت قطاعات من الشبيبة إلى النظر إلى التدين بوصفه آخر الحصون المتبقية في مواجهة التفكك الحضاري.

غير أن المشكلة لم تكن في هذا الشعور في ذاته، بل في الكيفية التي أُعيد بها تشكيله داخل بعض الأنساق الحركية المغلقة، بحيث تحوّل أحيانًا من قوة أخلاقية منفتحة إلى أداة للمفاصلة والاستقطاب. وهنا بالتحديد بدأ التدين يفقد شيئًا من طابعه الإصلاحي الرحب الذي ميّز لحظة النهضة، ليدخل تدريجيًا في مسارات أكثر توترًا واحتقانًا، الأمر الذي سيبلغ ذروته لاحقًا مع مرحلة الصدام الأيديولوجي والدولة الوطنية بعد منتصف القرن العشرين.

وإذا ما حاولنا الاقتراب من المرحلة الممتدة منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى ما قبل الثورات العربية، نجد أن مفهوم التدين بدأ يدخل طورًا جديدًا مختلفًا في بنيته ووظيفته معًا؛ إذ لم يعد التدين في هاتيك اللحظة خاضعًا بالكامل لسلطة المؤسسة الدينية التقليدية، ولا لسلطة التنظيمات الحركية المغلقة كما كان في العقود السابقة، بل بدأ يتحرك داخل فضاء سيّال ومفتوح أعادت تشكيله العولمة والفضائيات والثورة الاتصالية المتسارعة.

ومن هنا تحديدًا بدأت تتفكك النسقية الصلبة التي حكمت التدين طوال عقود، لتحل محلها حالة من التعدد والتشظي والانتقائية، الأمر الذي يقودنا إلى ما يمكن تسميته فعلًا بـ«المنطق المائي» للتدين المعاصر؛ حيث لا يقين مستقر، ولا مركزية معرفية واحدة، ولا سلطة قادرة على احتكار تشكيل الوعي الجمعي كما كان الأمر سابقًا. فقد شهد حاضرنا المعيش آنذاك انفجارًا هائلًا في وسائل الإعلام الديني، بدءًا من أشرطة الكاسيت التي هيمنت في الثمانينيات، وصولًا إلى القنوات الفضائية العابرة للحدود في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.

وهنا ظهر ما يمكن وصفه بـ«التدين الإعلامي»؛ إذ لم يعد المتدين يتلقى معارفه عبر حلقات العلم التقليدية أو المؤسسات التعليمية وحدها، بل صار يتشكل عبر الشاشات والبرامج الجماهيرية والخطابات السريعة التي تخاطب العاطفة أكثر مما تبني المعرفة العميقة. والأمر الذي يبدوا بالغ الدلالة أن صورة الشيخ نفسها تغيرت؛ فلم يعد الشيخ مجرد متفقه أو عالم تقليدي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى شخصية جماهيرية قادرة على التأثير في الشبيبة عبر الأداء الإعلامي والكاريزما واللغة المبسطة.

وفي هذا السياق برز نمط جديد من التدين يمكن وصفه بالتدين الانتقائي أو الفرداني؛ إذ أخذ الأفراد يُعيدون تركيب تدينهم بأنفسهم خارج الأنساق التقليدية الصارمة. فلم يعد الإنسان ملتزمًا بنهج فقهي أو حركي واحد، بل صار ينتقي من الخطابات والفتاوى والممارسات ما يتوافق مع تجربته الشخصية وواقعه الاجتماعي.

 ومن ثَمّ، أصبح التدين أكثر مرونة وسيولة، لكنه في الوقت ذاته فقد كثيرًا من تماسكه المعرفي القديم. وهنا بدأت تظهر ظواهر شديدة التعقيد؛ كتدين الاستهلاك، والتدين المناسباتي، والتدين العاطفي السريع، وهي ظواهر لم تكن مألوفة بالصورة ذاتها في المراحل السابقة. ناهیک عن أن العولمة الثقافية أعادت هي الأخرى تشكيل علاقة الشبيبة بالدين والهوية. فقد وجد كثير من الشباب أنفسهم يتحركون بين عوالم متناقضة؛ عالم محلي محافظ، وعالم رقمي عالمي مفتوح على كل الأفكار والصور وأنماط الحياة. وهذا التداخل بين الأنساق المختلفة خلق حالة من القلق الهوياتي المستمر، الأمر الذي دفع بعضهم إلى مزيد من التشدد والانغلاق، بينما دفع آخرين إلى أنماط من التدين الخفيف أو الرمزي أو حتى الانفصال التدريجي عن المجال الديني كله.

وهنا يبدوا أن الأزمة لم تعد أزمة التزام ديني فحسب، بل أزمة معنى وهوية وموقع داخل عالم متغير بصورة متسارعة. ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن التدين أصبح أكثر قابلية للتسليع والاستهلاك الإعلامي. فقد دخل السوق بقوة إلى المجال الديني، وتحول بعض الخطاب الدعوي إلى منتج جماهيري يخضع لقوانين المشاهدة والتأثير والانتشار. ومن هنا ظهرت شخصيات دعوية جديدة تخاطب الطبقات الوسطى بلغة التنمية البشرية والنجاح الفردي أكثر من مخاطبتها للأسئلة المعرفية والروحية العميقة. وبينما رأى بعض المشككين في هذه الظاهرة نوعًا من التخفف الإيجابي من الراديكالية القديمة، رأى آخرون أنها قادت إلى تفريغ التدين من مضمونه المعرفي والتحويلي، وتحويله إلى ممارسة استهلاكية ناعمة لا تمس البنى العميقة للوعي أو السلوك.

 نخلص إذن إلى أن هاتيك المرحلة لم تشهد تراجع التدين بقدر ما شهدت إعادة تشكيله داخل نسق عالمي جديد تحكمه السرعة والسيولة وتفكك المرجعيات الكبرى. حيث خرج التدين من الأطر المغلقة القديمة، لكنه لم يدخل في المقابل إلى حالة استقرار معرفي أو أخلاقي واضحة، بل أصبح يتحرك داخل فضاء متشظٍّ تتنازعه المؤسسات الرسمية، والحركات الحركية، وقادة الرأي، والإعلام، والسوق، والمنصات العابرة للحدود.

وهكذا صار التدين أكثر حضورًا في المجال العام من جهة، وأكثر هشاشة واضطرابًا من جهة أخرى، الأمر الذي سيمهد لاحقًا للانفجار الأكبر مع الثورات العربية وصعود الإعلام الرقمي والخوارزميات في العقد التالي.

وللحديث بقية؛ إذ ننتقل في المقال القادم إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة ما بعد الثورات العربية منذ عام 2011م وحتى وقتنا الراهن، حيث يبدو أن مفهوم التدين قد دخل أكثر مراحله سيولةً واضطرابًا منذ بدايات العصر الحديث. فلم تعد التحولات تقتصر على مضامين الخطاب الديني أو أنماط الممارسة التعبدية فحسب، بل امتدت لتطال مصادر الشرعية الدينية وآليات إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي الديني ذاته، في ظل فضاء رقمي مفتوح وتحولات اجتماعية وثقافية متسارعة أعادت رسم العلاقة بين الفرد والدين والمجتمع على نحو غير مسبوق.

***

بقلم د. بدر الفيومي

 

في المثقف اليوم