عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

القهر المستبطن للنساء

كثيرًا ما تتداول النساء المقولة الشهيرة: "المرأة عدوة المرأة"، وهي مقولة طالما رفضتها؛ لأنها تبدو لي اختزالًا مخلًا لعلاقة إنسانية بالغة التعقيد. فهل نحن أمام نزعة فطرية تحكم التنافس البشري؟ أم أن ما نشهده أحيانًا من قسوة امرأة على أخرى هو نتاج عوامل بيئية وثقافية ونفسية وتاريخية تراكمت عبر الزمن؟

ما لمسته في تجاربي المتواضعة أثار دهشتي، ودفعني أحيانًا إلى استنكار بعض المواقف التي تصدر عن النساء أنفسهن. أتذكر، مثلًا، اتصال امرأة بنا لتكيل الاتهامات إلى نادٍ يضم شابات كن يناقشن قضية رفع الوصاية الذكورية عن المرأة؛ لأن مثل هذه النقاشات، في رأيها، قد تدفع الفتاة إلى الخروج عن طاعة أخيها أو عمها.

وكذلك حين استمعنا إلى خطيب مسجد يندد بالرجال الذين يسمحون لزوجاتهم أو بناتهم بالخروج من دون إذنهم، مستشهدًا بقوله تعالى: "قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة" (التحريم: 6)، وجدت المستمعات يتلقين هذا الخطاب بالرضا؛ فلم تعترض واحدة منهن أو تشعر بالإهانة، وإنما قابلنه بالابتسام والاطمئنان، وكأن هذا الوضع هو الأمر الطبيعي الذي لا ينبغي مساءلته.

هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:

 لماذا تبدو المرأة أحيانًا أكثر قسوة على امرأة أخرى؟ ومتى يحدث ذلك؟ ومن المستفيد من استمرار هذه الصورة؟ والأهم من ذلك: ما الذي مرت به المرأة عبر تاريخها حتى أصبحت بعض النساء يعِدن إنتاج القيود المفروضة عليهن، مع أنهن عانين منها؟

ربما تساعدنا بعض أفكار علم النفس والاجتماع والفلسفة على الاقتراب من فهم هذه الظاهرة. ذكّرني هذا السؤال بما قرأته في علم النفس والاجتماع عن علاقة المقهور بالقاهر، وبحالات تاريخية كان فيها بعض العبيد، وإن لم يكن ذلك قاعدة عامة، يخشون التحرر أو يعجزون عن تخيله. يقدم مارتن سليغمان، في نظرية "العجز المتعلم"، تفسيرًا نفسيًا مهمًا؛ فعندما يتعرض الإنسان طويلًا لأوضاع مؤلمة لا يستطيع التحكم فيها، قد يتعلم تدريجيًا أن أفعاله لن تغير شيئًا. وحين تتغير الظروف لاحقًا، ويصبح التغيير ممكنًا، قد لا يحاول؛ لأنه اعتاد الاعتقاد بأن المحاولة بلا جدوى، وأن عجزه قدر لا يمكن تجاوزه.

 وهنا أتذكر الحكاية الشائعة عن الفيل الذي يربط منذ صغره بحبل صغير، فيتعلم أن مقاومته لا جدوى منها، ثم يظل، بعد أن يكبر ويصبح قادرًا على قطع الحبل، أسيرًا لحدود لم تعد موجودة إلا في وعيه. أحيانًا لا تبقى القيود خارج الإنسان، وإنما تنتقل إلى داخله.

عاشت المرأة، عبر تاريخ طويل، في مجتمعات وحضارات مختلفة، ضمن تصورات تحدد لها أدوارها وترسم حدودها، وتحصرها في الإنجاب والمنزل والطاعة والرعاية والامتثال لما يقرره الآخرون لها. لم يقتصر ذلك على الثقافة العربية أو الإسلامية، فقد ظهرت تصورات مماثلة في حضارات ومجتمعات كثيرة. في الفلسفة اليونانية القديمة، مثلًا، نجد لدى أرسطو تصورًا هرميًا للعلاقة بين الذكر والأنثى؛ إذ عد الرجل صاحب سلطة طبيعية، ووضع المرأة في منزلة الخضوع له. لم تكن المسألة مجرد قوانين تكتب، وإنما كانت منظومة متكاملة تصوغ صورة المرأة عن نفسها.

 فهل كانت المرأة قادرة على أن تضع اسمها تحت قصيدتها بالجرأة نفسها التي يضع بها الرجل اسمه؟ أم أن كثيرًا من النساء اضطررن إلى الاختباء خلف اسم رجل، أو قريب، أو اسم مستعار، حتى يسمح لصوتهن بأن يسمع؟

إذا نشأت المرأة في بيئة تردد على مسامعها باستمرار: "هذا ليس لك"، و"لا ترفعي سقف طموحك"، و"لا تكوني جريئة"، و"ماذا سيقول الناس؟"، و"هذه حدود المرأة"، فقد تتعلم تدريجيًا أن تجاوز هذه الحدود غير ممكن أو غير آمن. وعندما تأتي امرأة أخرى وتحاول تجاوزها، قد لا يكون رد فعلها نابعًا من كراهية شخصية، بقدر ما يكون دفاعًا عن العالم الذي اعتادت العيش داخله: "لماذا تتجاوزين الحدود التي التزمنا بها جميعًا؟".

القهر المستمر، كما تشير نظرية "العجز المتعلم"، يفقد الإنسان ثقته بقدرته على التغيير، ويزرع فيه الخوف من المحاولة وتحمل المسؤولية ومواجهة المجهول. من اعتاد أن تكون قراراته بيد شخص آخر قد يخشى امتلاك قراره، فتقول المرأة التي استبطنت القيود المفروضة عليها: "لقد عشت هكذا، فلماذا لا تعيشين مثلي؟". وهنا تكتسب أفكار باولو فريري في كتابه "بيداغوجيا المقهورين" أهمية خاصة؛ فالمقهور قد يستبطن صورة القاهر وقيمه، فلا يكتفي بقبول النظام الذي قهره، وقد يعيد إنتاجه ويفرضه على الآخرين. وإلا فما الذي يدفع امرأة عانت من هيمنة النظام الذكوري في المنزل والعمل، ومن التهميش في مختلف مجالات الحياة، إلى ممارسة القهر ذاته على زميلاتها حين تتولى منصبًا ما؟

لا يعني هذا أن كل امرأة مقهورة ستصبح قاهرة، أو أن المرأة مسؤولة عن النظام الذي قيدها، لكنه يفسر كيف يستمر القهر بعد غياب القاهر المباشر، وكيف يمكن أن يتحول السجين إلى سجان. المرأة التي عاشت داخل منظومة تحدد قيمتها وفق معايير صنعها المجتمع، قد تتحول مع مرور الوقت إلى حارسة لهذه المعايير، فتكيل الاتهامات إلى امرأة أخرى لأنها أكثر استقلالًا وجرأة، أو مختلفة في مظهرها، أو اختارت طريقًا غير مألوف، أو رفضت الدور التقليدي، أو قالت "لا" حين اعتادت نساء كثيرات قول "نعم".

 هنا يصبح القهر أعمق من القيد الخارجي؛ لأنه ينتقل إلى وعي الإنسان، فيغدو ما فرض عليه جزءًا من تعريفه لما هو طبيعي وصحيح، ولما ينبغي أن تكون عليه الحياة. لماذا تخاف امرأة من حرية امرأة أخرى؟ والسؤال الأعمق: لماذا تدافع امرأة دفاعًا مستميتًا عن قيود اجتماعية استطاعت امرأة أخرى تجاوزها؟ ربما لأن المرأة الحرة تضع أمامها سؤالًا لم تكن تريد مواجهته: "إذا استطاعت هي، فلماذا لم أستطع أنا؟".

المرأة التي تختار طريقًا مختلفًا لا تعيش حياتها فقط، وإنما قد تصبح، من دون أن تقصد، مرآة تكشف لنساء أخريات إمكانات لحياة لم يجرؤن على التفكير فيها. ويمكن هنا الاستعانة بـ "نظرية تبرير النظام" التي ارتبطت باسم عالم النفس الاجتماعي جون جوست؛ إذ تشير إلى أن البشر قد يميلون إلى تبرير النظام الاجتماعي القائم، حتى حين لا يكون في صالحهم؛ لأن الاعتقاد بأن العالم منظم، وأن ما يجري فيه يستند إلى مبررات، يمنحهم قدرًا من الاستقرار النفسي، ويخفف شعورهم بالفوضى والعجز.

ولهذا قد تصبح المرأة التي تكسر القاعدة مصدر إزعاج، لا لأنها آذت أحدًا، وإنما لأنها تزلزل اليقين الذي عاش عليه الآخرون، فوجودها يقول، من دون أن تتكلم: "كان يمكن أن تكون حياتنا مختلفة". وهذا الاحتمال وحده قد يكون مخيفًا. فهل يمكن أن تكون الحرية مخيفة إلى حد يجعل المرأة تفقد ثقتها بنفسها، وتتشوه صورتها في نظر ذاتها، وتظل أسيرة السعي إلى رضا زوج ذي سلوك نرجسي، رافضة الاستقلال والخروج من العلاقة المؤذية؟

 هنا أجد نفسي أعود إلى إريك فروم في كتابه "الخوف من الحرية"، فالإنسان حين يتحرر من القيود الخارجية لا يصبح بالضرورة أكثر سعادة؛ لأن الحرية تعني أيضًا المسؤولية والاختيار والقلق واحتمال الخطأ وتحمل نتائج القرار. لهذا قد يهرب الإنسان أحيانًا من الحرية إلى التبعية؛ لأنها تمنحه شعورًا بالأمان والانتماء، حتى إن كان ثمن ذلك استقلاله. وهذا يفسر، جزئيًا، لماذا قد تتمسك امرأة بعلاقة مؤذية. إذا تعلمت منذ طفولتها أن قيمتها مرهونة برضا الآخرين عنها، فقد لا يكون التحرر بالنسبة إليها مجرد باب يفتح، وإنما مواجهة عالم كامل لم تتعلم كيف تعيش فيه.

حين تصبح المعايير الاجتماعية جزءًا من تعريفها لذاتها القيمية، ولما يعني أن تكون "امرأة محترمة"، و"امرأة جيدة"، و"امرأة مقبولة"، و"امرأة صابرة"، و"امرأة مضحية"، تظهر أهمية مفهوم "العنف الرمزي" لدى بيير بورديو؛ فالعنف لا يمارس دائمًا بالقوة المباشرة، وقد تصبح علاقات القوة مألوفة إلى حد يتعامل معها الناس على أنها طبيعية، ويعيدون إنتاجها من دون حاجة إلى إكراه ظاهر.

 هكذا قد تتحول المرأة من ضحية للمعايير إلى حارسة لها، ومن متلقية للقواعد إلى من تفرضها على بناتها. الأم التي عانت من أب ذكوري قاسٍ حرمها كثيرًا من حقوقها، قد تصبح أكثر قسوة على ابنتها، لا لأنها تكرهها بالضرورة، وإنما لأنها تعتقد أنها تحميها. فهل تكفي إزالة القيود كي نصبح أحرارًا؟ ربما تقودنا هذه الأسئلة إلى "جدلية السيد والعبد" عند هيغل. العلاقة عند هيغل ليست مجرد علاقة بين شخصين؛ فهي علاقة بالاعتراف والوعي بالذات والاعتماد المتبادل أيضًا.

من هنا يمكن فهم أن الانتقال من التبعية إلى الحرية لا يتحقق بمجرد إزالة القيد الخارجي؛ فالإنسان يحتاج إلى إعادة بناء وعيه بذاته، واكتشاف قدرته على الاختيار. وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: هل يكفي أن تمنح الإنسان الحرية حتى يصبح حرًا؟ قد تفتح له الباب، لكن هل يستطيع الخروج؟ وقد تزيل القيد، لكن هل يستطيع تصديق أنه لم يعد موجودًا؟ قد تقول للمرأة: "أنت حرة"، لكن ماذا لو أصبح صوت المجتمع جزءًا من صوتها الداخلي؟

هنا أتذكر إيمانويل كانط ومقالته الشهيرة "ما التنوير؟"، حين ربط الخروج من حالة الوصاية بامتلاك الشجاعة لاستخدام العقل بصورة مستقلة. الوصاية ليست دائمًا شخصًا يقف فوق رأس الإنسان ويأمره؛ إذ قد تتحول إلى صوت يسكن داخله. وهكذا يغدو التحرر أكثر تعقيدًا من فتح باب أو تغيير قانون؛ لأن الإنسان يحتاج إلى إعادة بناء صورته عن ذاته، واكتشاف أنه قادر على الاختيار، وأن ما اعتاده ليس بالضرورة ما ينبغي أن يستمر. فهل المرأة عدوة المرأة؟ ربما آن الأوان أن نتوقف عن استخدام هذه العبارة كأنها تفسير جاهز. المرأة ليست عدوة المرأة بطبيعتها، كما أن الرجل ليس بالضرورة عدوًا لها، غير أن المرأة قد تتحول، في بعض الظروف، إلى أداة في يد النظام الذي يقيدها، وقد تفعل ذلك وهي تظن أنها تحمي القيم أو الأسرة أو ابنتها أو حتى نفسها.

 لهذا لا تكفي محاسبة المرأة وحدها على إعادة إنتاج القهر. علينا أن نسأل: من علمها أن هذه القيود ضرورية؟ من أقنعها بأنها طبيعية؟ من أضفى عليها طابعًا بيولوجيًا، مع أنها نتاج اجتماعي؟ من ربط الشرف بجسدها؟ من جعل الطاعة فضيلة مطلقة، والتضحية معيارًا للحكم على صلاح المرأة؟ ومن أقنعها بأن المرأة "المحترمة" هي التي تصمت وتصبر وتطيع وتتنازل وتتحمل؟ وربما كان السؤال الأهم: ماذا يحدث حين تقتنع المرأة بأن القيد الذي فرضه المجتمع عليها جزء من طبيعتها، فتدافع عنه كأنها تدافع عن ذاتها؟

***

منى الصالح - كاتبة سعودية

ابدأ هذا المقال بسؤال.. لماذا أصبحنا نسمع عن جرائم هذه الأيام أكثر قسوة، وأكثر وحشية من ذي قبل؟؟.. وهل نحن أمام مجرد ارتفاع في معدلات الجريمة، أم أمام شيء أخطر: تآكل تدريجي في المناعة الأخلاقية للمجتمع؟

للأسف لقد انشغلنا طويلا بتعليم الإنسان كيف ينجح، وكيف ينافس، وكيف يحصل على المال والشهادة والمكانة، لكننا لم ننشغل بالقدر نفسه بتعليمه كيف يكون إنسانا.

علمناه كيف يستخدم التكنولوجيا، ولم نعلمه دائما كيف يستخدم عقله. علمناه كيف يحفظ المعلومات، ولم نعلمه كيف يشكك فيها. علمناه كيف ينتصر في الجدال، ولم نعلمه كيف يصغي. علمناه كيف يطالب بحقه، ولم نعلمه كيف يحترم حق الآخر. ثم نتساءل بدهشة: لماذا يزداد العنف وتتضاعف معدلات الجريمه؟

في وجهه نظري الجريمة ليست دائما ابنة اللحظة التي ارتكبت فيها، ولا وليدة الغضب الذي سبقها، ولا مجرد انحراف فردي يمكن أن نغلق عليه ملفا قضائيا ثم نمضي. فبعض الجرائم تبدأ قبل أن تقع بسنوات؛ تبدأ حين يتشوه وعي الإنسان بذاته وبالآخر، وحين تضيق مساحة الحوار حتى يصبح الاختلاف استفزازا، والتسامح ضعفا، والآخر عدوا لمجرد أنه لا يشبهنا. ولهذا، فإن السؤال عن ازدياد معدلات الجريمة لا ينبغي أن يتوقف عند: من ارتكب الجريمة؟

 بل عليه أن يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقا وإزعاجا: أي بيئة فكرية وأخلاقية أنتجت إنسانا قادرا على أن يسلب إنسانا آخر حقه في الحياة أو الكرامة أو الأمان؟

في الآونة الأخيرة، بدا المشهد الجنائي في مصر أكثر قسوة ووحشية، وأصبحت بعض الجرائم التي نسمع عنها تثير سؤالا يتجاوز حدود الواقعة ذاتها إلى السؤال عن الإنسان الذي ارتكبها والمجتمع الذي نشأ فيه.

فإن ما يلفت النظر هو حضور العنف في المجال العام والأسري بصورة تثير القلق، وهو ما تناولته تقارير ودراسات ربطت بين الجريمة وعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية متعددة.  لكنني أظن أن ثمة سببا أعمق كثيرا لا يحظى بما يستحقه من اهتمام: غياب العقل الفلسفي عن تكوين الإنسان. فحين يتراجع التفكير، لا يختفي العقل تماما، وإنما قد يتحول إلى أداة لتبرير الغضب والتعصب والانتقام

 وحين يغيب السؤال، يصبح الإنسان أكثر استعدادا لتصديق انفعاله، وحين ينعدم الحوار يصبح العنف لغته البديلة

اعتدنا أن ننظر إلى الفلسفة باعتبارها ترفا ماده علميه تخص الأكاديميين والمتخصصين، بينما الحقيقة أن الفلسفة في جوهرها تدريب للإنسان على أن يفكر قبل أن يحكم، وأن يسأل قبل أن يرفض، وأن يفهم قبل أن يدين.

ومن هنا فإن غياب الفلسفة ليس غياب مادة دراسية من المناهج فحسب، وإنما هو غياب ثقافة كاملة قوامها التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والقدرة على إدارة الصراع بالحوار لا بالقوة.

الإنسان الذي يتعلم التفكير الفلسفي لا يتلقى الأفكار باعتبارها حقائق نهائية، ولا ينظر إلى المختلف باعتباره عدوا لمجرد أنه مختلف. إنه يتعلم أن الحقيقة أكبر من زاوية واحدة، وأن الإنسان يمكن أن يخطئ دون أن يفقد إنسانيته، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة الصراع.

وهذا النوع من التفكير يصنع واحدة من أهم المناعات الأخلاقية ضد العنف: القدرة على الاعتراف بإنسانية الآخر.

 وربما لهذا ينبغي ألا تكون مواجهة الجريمة مواجهة أمنية وقانونية فقط، بل مواجهة فكرية وتربوية أيضا

فالتسامح ليس مجرد فضيلة أخلاقية نطالب الناس بها في الخطب والمواعظ، وإنما هو في جانب كبير منه ثمرة لنضج العقل. وكلما اتسعت قدرة الإنسان على التفكير، ضاقت حاجته إلى العنف لإثبات ذاته أو فرض رؤيته

جزء كبير من العنف الذي نراه في مجتمعاتنا يبدأ من فكرة صغيرة: "من ليس معي فهو ضدي".

وحين تتراجع ثقافة الحوار، يصبح المختلف خصما، ثم يتحول الخصم إلى عدو، ثم يصبح التخلص منه رمزيا أو اجتماعيا أو جسديا أمرا يمكن تبريره داخل عقل مغلق.

هنا لا تعود المشكلة في السلوك وحده، وإنما في البنية الفكرية التي أنتجت السلوك. ولعل علينا أن نذهب أبعد من ذلك، إلى المنطقة التي لا نحب الاقتراب منها كثيرا: إلى الطريقة التي قدمنا بها تاريخنا وتراثنا لأجيال متعاقبة. فمن المؤسف أن كثيرا من نصوصنا وحكاياتنا التاريخية التي تصل إلى الطفل والناشئ لا تقدم الماضي بوصفه تجربة إنسانية تحتاج إلى النقد والتأمل، وإنما بوصفه سجلا للبطولات والانتصارات، حتى عندما تكون تلك البطولات قد تشكلت فوق جماجم الآخرين. في بعض الروايات التاريخية، يصبح القتل بطولة، وسفك الدماء شجاعة، والانتقام مجدا، وإقصاء المختلف انتصارا للعقيدة أو للجماعة

السؤالُ.. لماذا ظلت بعض هذه الصور الدموية تعبر القرون إلينا في هيئة بطولة ومجد؟

لا يمكن بالطبع مواجهة الجريمة من دون قانون حازم وعدالة ناجزة. لكن العقوبة تعالج الفعل بعد وقوعه، بينما الوقاية الحقيقية تبدأ من تكوين الإنسان قبل أن يتحول إلى خطر على نفسه وعلى الآخرين.

نحن بحاجة إلى أن نسأل: ماذا يتعلم الطفل في المدرسة عن الاختلاف؟ ماذا يتعلم عن الحوار؟ ماذا يتعلم عن قيمة الإنسان؟ هل يتعلم أن الآخر يمكن أن يكون مختلفا عنه دون أن يكون عدوا له؟

نحن بحاجة إلى تعليم لا يكتفي بحشو الذاكرة بالمعلومات، وإنما يبني عقلا قادرا على التفكير والنقد والمراجعة.

نحتاج إلى إعادة الفلسفة إلى المدرسة والجامعة والحياة العامة، لا باعتبارها تاريخا لأسماء الفلاسفة ومذاهبهم، وإنما باعتبارها تربية على التفكير.

مواجهة الجريمة ليست مسؤولية الشرطة والقضاء وحدهما، وإنما مسؤولية مجتمع بأكمله.

نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، حيث يتعلم الطفل احترام الآخر، وتمتد إلى المدرسة التي تعلمه التفكير لا التلقين، وإلى الجامعة التي تمنحه القدرة على النقد والحوار، وإلى الإعلام الذي لا يحول العنف إلى مادة للفرجة، وإلى الخطاب الديني والثقافي الذي يعزز الرحمة والكرامة الإنسانية، وإلى مؤسسات الدولة التي تضمن العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون

والأهم من ذلك كله أن نعيد الاعتبار إلى الإنسان بوصفه قيمة في ذاته

نحتاج إلى طفل يتعلم أن السؤال ليس عيبا،وليس محرما

 نحتاج إلى خطاب ثقافي وديني يضع الإنسان في قلب اهتمامه، فيرسخ قيمة الرحمة والكرامة.. نعم نحتاج إلى مجتمع يعيد اكتشاف معنى الإنسان.

ربما لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تمنع جريمة، لكنها تستطيع أن تمنع شيئا أعمق: أن يصبح العنف طريقة تفكير. فغياب التفكير النقدي لا يترك العقل فارغا، وإنما يتركه فريسة سهلة للتعصب والانفعال والكراهية.

ولعلنا الآن نحتاج إلى استعادة سؤال غاب طويلا عن النقاش العام: أين الفلسفة من حياتنا؟

لقد جرى اختزال الفلسفة في كتب جامدة، ومصطلحات أكاديمية، وأسماء فلاسفة تحفظها الذاكرة ثم تنساها، بينما الفلسفة في جوهرها ليست تاريخا للأفكار بقدر ما هي تدريب للإنسان على أن يكون إنسانا أكثر وعيا بذاته وبالعالم.

نحتاج إلى أن نعيد الفلسفة إلى المجال العام، لا باعتبارها مادة دراسية هامشية، وإنما باعتبارها ثقافة للحياة. نحتاج إلى أن نعلم أبناءنا أن الإنسان لا يصبح قويا بإسكات الآخرين، وأن الرجولة ليست في البطش، وأن القوة ليست في القدرة على الإيذاء

ربما لا تستطيع الفلسفة أن تقف في كل لحظة أمام يد تحمل سلاحا، لكنها تستطيع أن تفعل ما هو أعمق: أن تعمل على بناء عقل لا يرى في الآخر هدفا للكراهية، وأن تزرع في الإنسان السؤال قبل الحكم، والحوار قبل الصدام، والفهم قبل الإدانة.

الفلسفة لا تمنع اليد من حمل السكين مباشرة، لكنها تستطيع أن تمنع العقل من تحويل الإنسان إلى شيء يستحق الطعن

وعندما يفقد الإنسان القدرة على رؤية إنسانية الآخر، تصبح الجريمة مجرد خطوة تالية في طريق طويل بدأ منذ اللحظة التي مات فيها الحوار.. وحين يتحول الاختلاف إلى تهديد، يبدأ العنف في اتخاذ مكانه

واخيرا إذا كنا نريد أن نحاصر الجريمة حقا، فعلينا ألا نطارد الجريمة بعد ولادتها فقط، بل أن نذهب إلى الرحم الذي ولدت فيه: إلى العقل، وإلى التربية، وإلى الثقافة، وإلى منظومة القيم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

عوامل الانهيار الداخلي والخارجي

هل تسقط الحضارات بفعل الهجمات الخارجية فقط، أم أن عوامل التفكك تبدأ من داخلها قبل أن تتجسّد في صورة انهيار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي وعسكري؟.

إنّ حضارة الأمم لا تموت فجأة، ولا تنهار الأمم في لحظة عابرة من الزمن، بل تمرّ بمسار طويل من التآكل الداخلي يسبق السقوط الظاهر.

التاريخ الإنساني، منذ حضارات بلاد الرافدين ووادي النيل وصولاً إلى الإمبراطوريات الحديثة، يكشف أن الانهيار ليس حدثاً طارئاً بل نتيجة تراكمات فكرية وأخلاقية واقتصادية وسياسية تنخر جسد الأمة تدريجياً.

لقد شغلت مسألة سقوط الحضارات كبار المفكرين، من ابن خلدون إلى أرنولد توينبي وأوزفالد شبنغلر، الذين رأوا أن الحضارات تحمل في داخلها بذور ازدهارها وبذور فنائها في آن واحد.

إنّ الحضارات تبدأ بالانهيار عندما تفقد منظومتها الأخلاقية قدرتها على توجيه السلوك الفردي والجماعي.

ومن أبرز هذه المظاهر:

انتشار الفساد.

غياب النزاهة.

تراجع الشعور بالمسؤولية العامة.

تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية.

تفكك الروابط الاجتماعية.

يرى ابن خلدون أن العصبية الجامعة هي أساس قيام الدول، وعندما تتحول إلى أنانية وفئوية تبدأ مرحلة الشيخوخة الحضارية.

فإذا لم نكن ندري فحوى المشكلات التي تواجهنا، فإننا نبدأ بالانزلاق في سلوكياتٍ غير مقبولة.

لذا إنّ الوعي والمعرفة هي الأساس في مواجهة هذه التحديات، ويجب أن نعيد صياغة منظومتنا التعليمية والتربوية والأخلاقية، ونعمل على تطوير خطاباتنا لتواكب التغييرات السريعة في مجال السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والثقافة والأخلاق.

حيث لا يمكننا ولا بأي شكلٍ من الأشكال التحكّم في المجتمع إلاّ من خلال العلم والوعي والمعرفة.

إنّ السلوكيات والعلاقات الجيدة تتطلّب أساساً قوياً من القيم والمعرفة، وتسليح أنفسنا بالعلم والمعرفة والوعي هو المفتاح الأساسي لخروجنا من الأزمات.

كما لا يمكن لأي أمّة أن تستمر في الإبداع وهي تحارب حرية التفكير.

حيث تقوم هذه الأمّة ب:

قمع الرأي الآخر.

تهميش المثقفين والعلماء.

احتكار الحقيقة.

تحويل المواطن إلى تابع لا شريك.

فعندما يغيب النقد تتضخم الأخطاء، وعندما يُصادر العقل تتوقف القدرة على التجديد.

بالرغم من مظاهر الحداثة في العالم العربي، إلا أنها تخفي انحداراً وسقوطاً فكرياً وثقافياً واقتصادياً مرعباً ومدوّياً، لأن التقنيات التي يستخدمها المواطن العربي، هي أداة وظيفية منفصلة تماماً عن عقل المستخدم، لذلك هذا التفاعل لم يؤسس لتقدم حقيقي ولا إبداع ذاتي، وتحول الوطن العربي إلى أقوام مستهلكة لإنتاج الآخر.

السؤال الكبير الذي ينبثق هنا والذي طالما نردده، لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب؟.

ما زال الفكر العربي الحديث غارق في مستنقع أزمته، بالرغم من المحاولات الجادة البحثية والنقدية والتأصيلية التي قام بها بعض المفكرين العرب، لعل أبرزهم من وجهة نظري، المشروع التحديثي النقدي الذي قاده المفكر المغربي “ محمد عابد الجابري ”، الذي حاول إعادة الاعتبار والمكانة للعقل العربي بعد أن هيمنت عليه الأيديولوجيات في القرن العشرين.

إن التخلف والتصلب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم، أبرزها قضايا بناء الدولة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، والمشاركة في الحكم والتعددية، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم، وغياب النقد وعدم وضوح الرؤى المستقبلية، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنمية المستدامة، (جميعها إضافة إلى عوامل أخرى) أدت إلى فشل مشروع النهوض العربي، وشكلت سداً منيعاً أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدم حتى لو من الأبواب الجانبية أو الخلفية.

كل حضارة عظيمة قامت على المعرفة. وعندما يصبح التعليم تلقيناً لا تفكيراً، حفظاً لا إبداعاً، شهادات لا كفاءات، تبدأ الأمة بفقدان قدرتها على المنافسة.

إن تراجع البحث العلمي ليس مجرد مشكلة تعليمية، بل مؤشر على تراجع القدرة الحضارية ذاتها.

لا يختلف اليوم اثنان حول حقيقة أن مستوى التعليم في بلادنا قد تدنّى بشكل خطيرٍ خلال العقود الماضية، وفي جميع المستويات:

الأساسي والثانوي والجامعي.

فاليوم ليس نادرا أن يكتشف ولي الأمر أن ابنه الذي أكمل المستوى السادس لا يعرف ماذا يقرأ وماذا يكتب !.

وكثيرا ما نسمع أن مستوى خريج الثانوية في خمسينيات القرن الماضي يفوق مستوى خريج الجامعة اليوم.

لذلك علينا التسليم بأن هناك خللاً كبيراً في التعليم في بلادنا. وهناك عوامل عدة لهذه الظاهرة، منها ما يرتبط بتخفيض الميزانية ونقص التمويل المخصص للتعليم، وهو أمر فرضه اقتصاد العولمة الذي يحد من الإنفاق على التعليم المجاني.

وقد أدى غياب تمويل التعليم إلى نفور الطلبة الجيدين من اختيار الالتحاق بكليات التربية والالتحاق بسلك التدريس، وكذلك بروز ضعف كبير في تأهيل المعلمين القادرين على استخدام طرق تدريس الحديثة في هذا العالم، الذي شهد تطوراً كبيراً في المناهج ووسائل الاتصال الرقمية.

ومن المؤكد أن المناهج الدراسية لم تعد مناسبة أو غير محدّثة، ولا تلبي احتياجات الطلاب، إضافة إلى ضعف في البنية التحتية، ونقص في التجهيزات.

ومن ناحية أخرى فاقمت الأزمات والحروب التي شهدتها بلادنا، الظروف المادية لمعظم الأسر التي لم تعد قادرة على توفير متطلبات التعليم المتعددة، ملابس، أجهزة، مواصلات، كتب.. الخ.

وكذلك المتابعة اللازمة لأولادها الذين أصبحوا ضحية إدمان الإنترنت وألعاب الفيديو، والقنوات الفضائية. وقد أدى طغيان ثقافة الصورة إلى إبعاد الكبار والصغار عن الكتاب والقراءة والكتابة والمعرفة.

كما تعدّ ظاهرة تفشي الغش من العوامل التي ساعدت على تدني المستوى التعليمي في بلادنا، وهي ظاهرة تحتاج إلى اعتماد سياسات جديدة في تقييم التلاميذ والطلبة. ربما يكون أفضلها اعتماد النتائج التراكمية للمستويين الأساسي والثانوي لدخول الجامعات، واعتماد النتائج التراكمية فقط في الجامعة.

ومن أهم التحديات التي تواجه التعليم اليوم، طغيان السطحية وثقافة القشور، وهي ظاهرة تفاقمت بسبب ظهور الكثير من المؤسسات التعليمية الافتراضية التي تمنح شهادات علمية مختلفة بمقابل، وجزء كبير منها لا يقدم للطالب غير رؤوس أقلام حول التخصص، وفي الحقيقة أن كثيراً من الكليات والجامعات في بلادنا، تمارس نهج التسطيح، وتشجع المدرسين على اعتماد ملازم المناهج بأي طريقة وفي أسابيع محدودة.

في عصرنا الحديث لم تعد السيطرة تتم بالسلاح فقط، بل بالتحكم بالعقول، كما تظهر ملامح الإنحدار عبر:

نشر المعلومات المضللة.

صناعة الرأي العام وفق مصالح النخب، ومراكز القرار.

تسطيح الثقافة.

تحويل المواطن إلى مستهلك للصور والشعارات.

وهنا تصبح الأمة ضائعة وعاجزة عن إدراك أزماتها الحقيقية.

 أن التضليل والتزييف في الإعلام أصبح من أكثر المشكلات الضاغطة على المستوى الدولي والإقليمي، وذلك بسبب تأثيراتها السلبية في نشر المعلومات الزائفة الهادفة إلى التلاعب في الرأي العام، وتزييف الحقائق، والمواقف خدمة لأجندات أصحابها، ولما تحدثه من تأثيرات في الصراعات السياسية، والاجتماعية، وتشويه حقيقة الأمور، ونشر الشائعات لسهولة صناعتها ونشرها، بعد الثورة الهائلة في وسائل الاتصال الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الصناعي.

إنّ الإعلام يواجه اليوم أزمة “ مصداقية ” كبيرة في ظل فوضى النشر والموجات التي لا تنقطع من المعلومات المزيفة والملفقة والمحرّفة والمضللة، التي باتت تشكل تهديداً هائلاً كونها تدمّر ما يشكّل حجر الأساس في المعرفة والعمل الإعلامي.

هذه الآفة المستشرية، على وقع الانحياز الخبيث والتشويه المتعمد للحقائق في منصات اعلامية كثيرة، تترك آثاراً مدمرة في العلاقة بين الإعلام والجمهور، فهي تؤدي الى تآكل الثقة والتشكيك الافتراضي بكل ما يُنشر، بكل الانعكاسات السلبية.

تبدأ المشكلة من ازدواجية المعايير في التغطية الإخبارية، حيث يتم تناول ذات الأحداث وتوصيفها بشكل متناقض كلياً حسب هوية الفاعل. فما يُسمى “ مقاومة ” في حالةٍ معينة، يصبح “ إرهاباً ” في حالة أخرى، والعكس صحيح. والفصائل المسلحة تشبه جيشاً وطنياً، وفي مكان آخر يصبح الجيش فصيلاً أو جماعةً، وفق توصيفات المنصات المُكبّلة بسياسات مصادر تمويلها.

بل إن الأمر غالباً يتجاوز ذلك، إلى التلاعب باللغة ذاتها، حيث تُستخدم كلمات ناعمة لوصف أعمال عنيفة عندما يقوم بها الحلفاء، مثل “ أضرار جانبية ” و” عملية عسكرية ”، بينما تُستخدم كلمات قاسية لوصف أعمال أقل عنفاً عندما يقوم بها الخصوم، مثل “ مذبحة ” و”إرهاب ”. اللغة هنا تتحول إلى سلاح إعلامي يُشكّل وعي المتلقي ويوجّه مشاعره ويحدد مواقفه.

هذه الممارسات منتشرة بكثرة في المؤسسات الإعلامية والصحفية في منطقتنا، وهي توضح بجلاء أن لها ميولاً سياسية وحزبية وقومية ومذهبية وطائفية. هذا الواقع هو نتيجة طبيعية لطبيعة الملكية والتمويل في القطاع الإعلامي، فأغلب القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية تملكها أو تموّلها حكومات أو أحزاب أو رجال أعمال مرتبطون بالسلطة أو بالتبعية، مما يجعل استقلاليتها محدودة للغاية أو مفقودة، خاصة إن أحزاب السلطة تلك تستطيع التهرب من قواعد التغطية المهنية والأسس الاخلاقية طالما هي من تضع قواعد المساءلة.

لذلك نرى أن هناك مؤسسات إعلامية تصرخ بأعلى صوتها منددة بالمخالفات والفساد والانتهاكات التي ترتكبها الجهات المعارضة لأصحاب تلك المؤسسات أو للجهة السياسية التي تديرها، بينما تتحدث بحياءٍ شديد أو تصمت تماماً عن الأفعال ذاتها عندما يكون مرتكبوها من دائرة المقربين.

و عندما تتراجع الهوية الوطنية الجامعة، تتقدم الهويات الفرعية.

ومن أبرز هذه المؤشرات:

التعصب الديني أو الطائفي.

الانقسام العرقي.

الصراعات المناطقية.

انتشار خطاب الكراهية.

وبكلِ تأكيد حين يصبح الانتماء للجماعة الصغيرة أقوى من الإنتماء للوطن وللأرض، تدخل الأمة مرحلة التفكك لا محالة.

ففي مجتمعٍ مُثْقلٍ بسنواتٍ من الحروب والصراعات السياسيَّة، لا تنشأ الانقسامات دائماً من العنف المباشر، بل كثيراً ما تبدأ من الكلمة، فالخطاب الطائفيُّ بات يُعيد اليوم إنتاج هذه الانقسامات ويُهدِّد رأس المال الاجتماعيّ من خلال تآكل الثقة بين الأفراد وبالمؤسَّسات.

يقصد بانهيار الدولة تعطل أجهزتها وتفككها وضعف سلطتها وعجزها على القيام بمهامها تجاه مواطنيها، ويكون الانهيار إمّا جزئياً مثل فقدان السيطرة على إقليم من الأقاليم أو انهياراً كلياً مع عجز أحد الأطراف المتصارعة على فرض سلطته كما هو الحال فى بعض الدول العربية. وأرى أنه من نتائج الصراعات الإثنية والطائفية ذوبان الهوية الوطنية والرباط الاجتماعي، مما ينتج عنه محاولة تدويل القضايا الداخلية، وهو ما يستغله المتربصون، ممّا يترتب عليه إشعال نار القطيعة والفتنة، واستدعاء البعد الديني والاعتبارات الدينية، ممّا ينتج عنه تمزق الدولة فى الداخل وقد يؤدى إلى حروب أهلية.

 يُعزز البناء الطائفي للدولة من تدخل المراكز الإقليمية مثل: إيران، تركيا، إسرائيل، وبعض الدول العربية، في الشؤون الداخلية لهذه الدولة، وباتت دبلوماسية تلك الدول وأجهزتها المخابراتية تتدخل في الحياة السياسية أيضاً من خلال امتداداتها داخل الكتل السياسية المتنفّذة في الدولة. وهذا يؤدّي إلى بروز العامل الطائفي وتحكّمه في بناء الدولة، وهذا يؤدّي بالتالي إلى سيادة الفكر الطائفي وما ينتج عنه من تراجع الفكر السياسي القومي والوطني الديمقراطي.

 كما أنّ الأمم لا تنهار بسبب الفقر وحده، بل بسبب الظلم الاقتصادي أيضاً، وتشمل مظاهره:

احتكار الثروة.

ضعف العدالة الاجتماعية.

تفشي البطالة.

استغلال النفوذ.

تركز الموارد في يد أقلّية محدودة.

 حينها يفقد المواطن الإحساس بالعدالة، وتتآكل شرعية المؤسسات.

إنّ ضعف التوجيه والتربية وعدم ترشيد وسائل الإعلام، في مجالات التوجيه والإرشاد والتربية على الوجه المطلوب، ساهمت في هدم القيم والمبادئ.

كما أنّ البطالة، وعدم تنظيم سوق العمل، وقلة الأمانة والإخلاص، وعدم إعطاء العامل أو الموظّف أجره بما يكافئ الجهد، والاختلاس والتزوير، وإنتشار الكذب والخيانة بين الناس، والحرص على المصالح، وارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب، وما يشكله ذلك من ضغط على الدخل والأجور وسلوك الأفراد في المجتمع.

إنّ التفاوت الكبير في الأجور بين كبار الموظفين والعامة منهم، في الدولة والمؤسسات المختلفة، يُشكّلُ الحنق والغضب لدى البسطاء.

 سياسة الخصخصة وتحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص وما يرافق تلك العملية من مجاملات ومحاولات للحصول على أكبر قدر من المكاسب.

كما أنّ ضعف السلطتين القضائية والتشريعية وخضوعها للسلطة التنفيذية،

وضعف الحريات، بل فقدانها، وتطبيق نظم وقوانين لا تتواءم وحاجات المجتمع، وتشبث الطبقة التي تحكم بالسلطة، وانتشار الفساد بشكل أفقي في المؤسسات العامة والخاصة، واستخدام المال السياسي في العمليات الانتخابية، وقوة تلاحم وتكاتف الفاسدين والمفسدين، ودقة التنظيم لديهم واتساع نطاقهم في المؤسسات كافة وضعف المجتمع المدني وتهميش دور مؤسساته في التصدي ومواجهة الفساد، حينها تبدأ الأوطان والأمم بالانهيار.

إنّ الأمم الحية تمتلك رؤية للمستقبل، كما تملك مشروعها الحضاري، أما الأمم المتراجعة فتعيش على أمجاد الماضي، وتفتقد مشروعها الحضاري من خلال:

الاجترار المستمر للتاريخ، والعودة إلى التراث.

العجز عن إنتاج أفكار جديدة.

غياب التخطيط الاستراتيجي.

الاكتفاء بردود الأفعال.

إنّ أي حضارة عندما تتوقف عن فكرها وعن حلمها، تبدأ بالسقوط.

بعض المجتمعات تنقطع عن تراثها فتفقد جذورها، وأخرى تنغلق عليه فتعجز عن الانفتاح على العصر. كلا الموقفين يعيق القدرة على بناء مشروع حضاري متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

إنّ الاستبداد السياسي يشكل أكبر معوّق للنهضة. فحين تُصادر الحريات، يُقمع الإبداع، وتُجهض المبادرات، تفقد المجتمعات القدرة على التقدم.

كما أنّ انتشار الفساد يُهدر الموارد، ويزرع اليأس في النفوس، ويحول دون توجيه الإمكانيات إلى مشاريع نهضوية حقيقية.

كثير من الدول ترتهن قراراتها السياسية والاقتصادية لإرادة قوى أجنبية، مما يجعلها عاجزة عن رسم مسار نهضوي مستقل، من خلال التبعية التي تمكّنت منها.

و المؤسسات السياسية الهشّة غير القادرة على صنع القرار أو مراقبة تنفيذه تترك فراغاً يعرقل النهوض، ويتيح المجال لانتشار الفوضى والمحسوبيات، بشكلٍ حتمي.

إنّ اعتماد الاقتصادات على استيراد السلع الأساسية والمنتجات التقنية يجعلها عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي، ويضعف قدرتها على النمو الذاتي.

الكفاءات العلمية التي تهاجر بسبب غياب البيئة الداعمة، تحرم الأوطان من أهم مواردها " الإنسان المبدع ".

 الطائفية، القبلية، أو العرقية كلّها تمزّق المجتمعات، وتعيق تكوين هوية وطنية جامعة، وغياب ثقافة المبادرة والتطوع يقلّل من طاقة المجتمع في دعم المشاريع النهضوية.

إنّ التفاعل مع الثقافات الأخرى ضرورة حضارية، لكن التقليد الأعمى يؤدي إلى فقدان الهوية أيضاً.

ويظهر ذلك من خلال:

احتقار الذات الحضارية.

استيراد النماذج دون نقد.

ضعف الإنتاج الثقافي المحلي.

الاغتراب الفكري.

فتتحول الأمة من منتجة للمعرفة إلى مجرد مستهلكة لها.

غير أنَّ آخرين يعتبرون أنَّ التحرُّر من التَّبعيَّة الثَّقافيّة يبدأ من بوّابة التحرُّر الاقتصاديّ بالدَّرجة الأولى، لأنَّها توفِّر الأسس الماديَّة لبناء منظومة ثقافيّة قادرة على حماية الموروث الثَّقافيّ وإنتاج حالة ثقافيّة واجتماعيّة متطوّرة، وتطوير مؤسَّسات بحثيَّة وإبداعيَّة قادرة على مواجهة الغزو الثَّقافيّ الذي تتعرَّض له بلادنا.

 إنَّ بناء الاقتصاد المتين الإنتاجيّ، يَمُرُّ عبر إطلاق الحُرّيّات السِّياسيّة وفتح الطريق أمام تطوير النُّظم وقواعد الإنتاج، دون التقوقع ضمن بنى اقتصاديّة قديمة ومتهالكة، وهذا يفترض الوصول إلى حالةسياسيّة ديمقراطيَّة، تتجاوز السناريوهات المرسومة، والتي تَحُدُّ قُدرة الفرد على الإبداع والتَّطوير، ما تشكِّلُ سدّاً منيعاً أمام أيّ غزو ثقافيّ لبلادنا.

وللتحرّر من التَّبعيَّة الثَّقافيّة يتطلّب أوَّلاً بناء حضارة علميّة من خلال:

“ صناعة وصياغة الذهنيَّة العلميَّة المعرفيَّة، ونشر حيثياتها في قطّاعات المجتمع كافَّة، ليصير العلم والمعرفة من سمات المجتمع ومن أوصافه، ومن مواصفات الفئات المجتمعيّة، وإن كانت بدرجات متفاوتة ”.

إنَّ قضيَّة التَّبعيَّة الثَّقافيّة غدت في عصرنا الحديث، قضيَّة متشعّبة ومعقَّدة تواجهها شعوب منطقة الشَّرق الأوسط، في ظِلِّ سيادة ثقافة الهيمنة الثَّقافيّة عبر الأثير، وغدا من الصعوبة بمكان إبداء أيّ نوع من المقاومة

الثَّقافيّة بالأدوات والأساليب السّابقة، بل يجب على الشُّعوب التي أصبحت ترزح تحت تأثير الكمِّ الهائل من المعلومات والثَّقافات المتناقلة بسرعات خياليّة، أن تطوِّرَ خياراتها وطرائق دفاعها عن هُويّاتها الثَّقافيّة، ولا تَركُن إلى الأساليب البدائيَّة، وتنبري لمحاربة كُلّ أنواع الغزو الثَّقافيّ، عبر تطوير بنى ومؤسَّسات ثقافيّة إبداعيَّة، قادرة على خلق بدائل متطوّرة، غير مستَلَبة الإرادة، أو خاضعة لسلطات الرَّقيب والحسيب، عليها بالدَّرجة الأولى الانطلاق من المحلّيّ نحو العالميّ، بأن تُحرِّرَ نفسها من القيود التي تُكبّلها، وترسم سياقات إستراتيجيَّة لها، تُشكِّلُ في النِّهاية قوَّةً ثقافيّة لها حضورها في السّاحة الثَّقافيّة العالميّة أيضاً.

رغم أهمية العوامل الخارجية، إلا أن التاريخ يبين أن القوى الخارجية تنجح غالباً عندما تجد أمةً منهكة من الداخل.

لذلك فإن:

الاحتلال،

العقوبات،

الحروب،

الضغوط الاقتصادية،

تكون في كثير من الأحيان عوامل مُسرّعة للانهيار لا أسباباً أصليّة له.

الحضارات لا تُهزم أولاً في ميادين القتال، بل تُهزم في ميادين الفكر والقيم والمعرفة. فالسقوط العسكري غالباً ما يكون الإعلان الرسمي عن انهيار بدأ قبل ذلك بسنوات أو عقود داخل العقل الجمعي للأمة.

إن أخطر ما يواجه أي حضارة ليس العدو الخارجي، بل فقدانها القدرة على نقد ذاتها وتجديد نفسها. فالحضارة التي تتوقف عن إنتاج المعنى، وتستبدل الحقيقة بالدعاية، والمعرفة بالتلقين، والمواطنة بالعصبية، تكون قد بدأت بالفعل رحلة الأفول.

يمكن القول إن هدم الحضارات لا يحدث بفعل عامل واحد، بل نتيجة تفاعل شبكة معقدة من الأزمات الأخلاقية والسياسية والثقافية والاقتصادية. فالفساد يضعف الدولة، والاستبداد يقتل الإبداع، والجهل يعيق التقدم، والانقسام يمزق المجتمع، والتبعية تسلب الإرادة.

والدرس الأكبر الذي يقدمه التاريخ هو أن الحضارات لا تسقط عندما تفتقر إلى الموارد، بل عندما تفقد القدرة على تجديد ذاتها.

لذلك فإن حماية أي أمة لا تبدأ من تحصين الحدود فقط، بل من بناء الإنسان الحر والواعي، القادر على التفكير والنقد والإبداع، لأن الحضارة في جوهرها ليست حجارةً ومؤسسات، بل وعيٌ حيّ يمتلك القدرة على الاستمرار والتجدد.

لا تقوم الأمم على الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل تقوم أيضاً على منظومة من الرموز والقدوات والشخصيات المؤسسة، التي تمنح المجتمع شعوراً بالاستمرارية والانتماء. فالعلماء والمفكرون والمصلحون والقادة التاريخيين يشكلون جزءاً من الوعي الجمعي للأمة، ومن خلالها تتحدد معايير النجاح والقيم العليا التي يسعى الناس إلى الاقتداء بها.

وعندما تبدأ عملية منهجية أو عفوية لتشويه الرموز والطعن في المنجزات التاريخية وإفراغ الشخصيات الوطنية أو الحضارية من قيمتها المعنوية، تنشأ حالة من الفراغ الرمزي، ويؤدي هذا الفراغ إلى فقدان الأجيال الجديدة لنماذج الإلهام والاقتداء، فتضعف الثقة بالذات الحضارية، ويتراجع الشعور بالانتماء.

غير أن المسألة تحتاج إلى قدر من التوازن الفكري، فالنقد العلمي للرموز ليس هدماً للحضارة، بل قد يكون ضرورة لتصحيح الرواية التاريخية. أما الخطر الحقيقي يكمن في الانتقال من النقد الموضوعي إلى التشويه المتعمد، ومن المراجعة العلمية إلى السخرية والازدراء، ومن دراسة الأخطاء إلى نفي كل إنجاز أو قيم.

لقد أدرك العديد من المفكرين أن الأمم التي تفقد احترامها لعلمائها ومبدعيها وتاريخها تتحول تدريجياً إلى مجتمعات بلا مرجعيات أخلاقية أو ثقافية. وعندما يغيب النموذج الملهم، تبرز نماذج بديلة قد تكون قائمة على الشهرة العابرة أو القوة أو المال وحدها، فتختلّ منظومة القيم الاجتماعية من خلال:

التقليل من شأن العلماء والمفكرين والمبدعين.

تشويه الشخصيات التاريخية دون منهجية علمية.

إقصاء الرموز الوطنية والثقافية من الوعي العام.

تقديم نماذج سطحية بوصفها قدوات للأجيال.

القطيعة مع التراث الفكري والحضاري للأمة.

نشر ثقافة السخرية من كل ما هو تاريخي أو وطني أو معرفي.

إن الأمة التي تفقد القدوة والروّاد لا تفقد أفراداً فقط، بل تفقد جزءاً من بوصلتها الأخلاقية والثقافية. فالرموز ليست أشخاصاً فحسب، وإنما هي تجسيد للقيم التي قامت عليها الحضارة.

ليست قوة الأمم فيما تمتلكه من ثروات فحسب، بل فيما تحتفظ به من معانٍ ورموز، فحين يُهدم الرمز تُصاب الذاكرة الجماعية بالتصدع، وحين تُمحى القدوة يضيع المعيار الذي يقيس به المجتمع فضائله وإنجازاته.

 لذلك فإن أخطر أشكال الهدم الحضاري ليس تدمير الأبنية أو المؤسسات، بل تدمير الثقة بالذات التاريخية للأمة حتى تنظر إلى ماضيها بازدراء، وحاضرها بعجز، ومستقبلها بيأس.

في العصر الرقمي، أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية قادرة على صناعة القدوة أو إسقاطها في وقت قصير، مما يفتح باباً فلسفياً واسعاً حول العلاقة بين السلطة والذاكرة والهوية الحضارية.

لم تعرف الحضارات المزدهرة مكانة أعلى من مكانة المعلم، فهو الواسطة التي تنتقل عبرها المعرفة والقيم والخبرة من جيل إلى آخر. ولذلك كان احترام المعلم في مختلف الحضارات مؤشراً على احترام العلم نفسه.

غير أن من علامات التراجع الحضاري انحدار المكانة المعنوية للمعلم، وتحوله من شخصية مرجعية تحظى بالتقدير إلى موظف هامشي أو مادة للسخرية والاستهزاء. وعندما يفقد المعلم هيبته الاجتماعية، يفقد التعليم جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير والتربية.

إن الأمة التي تضع نجوم الترفيه أو أصحاب الشهرة العابرة في قمة السلم الاجتماعي، بينما تهمّش المعلم والباحث والمفكر، ترسل رسالة ضمنية إلى الأجيال مفادها أن المعرفة لم تعد قيمة عليا في المجتمع، وهذا يظهر حينما نتابع ونرى:

ضعف التقدير الاجتماعي للمعلمين.

تراجع المكانة الاقتصادية للمهنة التعليمية.

تصوير المعلم في بعض الخطابات الإعلامية بصورة سلبية أو ساخرة.

تحميل المعلم وحده مسؤولية أزمات التعليم.

تراجع هيبة المدرسة كمؤسسة تربوية.

عزوف الكفاءات المتميزة عن مهنة التعليم.

والأخطر من ذلك أن احتقار المعلم لا ينعكس على شخصه فقط، بل يمتد أثره إلى الطلاب أنفسهم. فالطالب الذي يرى معلمه موضع استهزاء سيفقد تدريجياً احترام المعرفة والانضباط والتعلّم الجاد.

لقد ارتبطت النهضات الكبرى تاريخياً بتعظيم دور المعلم، في عصور الازدهار كانت مكانة العلماء والمعلمين تقترب من مكانة القادة وصناع القرار، لأن الجميع كان يدرك أن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة.

إن الحضارات لا تُبنى في القصور ولا في الثكنات العسكرية وحدها، بل تُبنى أولاً في الصفوف الدراسية. والمعلم ليس ناقلاً للمعلومات فحسب، بل هو مهندس الوعي وصانع المستقبل. لذلك فإن الأمة التي تهين معلّمها إنما تضعف أحد أهم أسس بقائها وتجدّدها.

فإذا كان هدم الجسور يقطع الطرق بين المدن، فإن هدم مكانة المعلم يقطع الطريق بين الأجيال والمعرفة، ولهذا يمكن اعتبار تهميش المعلم أحد المؤشرات المبكرة على دخول المجتمع في أزمة ثقافية وحضارية عميقة، لأن احترام المعلم ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل شرط من شروط استمرار الحضارة نفسها.

فالأمم التي تكرّم معلميها تستثمر في مستقبلها، أما الأمم التي تسمح بازدرائهم فإنها تُضعف، من حيث تدري أو لا تدري، الركيزة التي تقوم عليها نهضتها القادمة.

إن الحضارات لا تُهدم أولاً من الخارج، بل تبدأ عملية الهدم عندما تفقد الأمة احترام العلم، وتستخف بالمعلم، وتشوه قدواتها، وتستبدل المعرفة بالدعاية، والنقد بالبغضاء، والانتماء بالانقسام. وعندها يصبح السقوط الخارجي مجرد النتيجة الأخيرة لمسار طويل من التآكل الداخلي.

حيث أن هدم حضارة أي أمّة يبدأ من الإنسان وينتهي بالدولة وبالحضارة.

إن أخطر أشكال هدم الأمم ليس تدمير المدن ولا إسقاط الحكومات، بل تدمير الإنسان في وعيه وقيمه وثقته بذاته.

 فحين يُهان المعلم، ويُغيَّب المفكر، ويُشوَّه الرمز، ويُحتقر العلم، وتُزرع الفرقة بين أبناء المجتمع، تكون معاول الهدم قد بدأت عملها بالفعل.

أمّا الحضارة الحية فهي التي تحمي ذاكرتها، وتصون قدواتها، وتكرّم علمائها، وتمنح الأجيال أسباب الإيمان بالمستقبل.

فالأمم لا تعيش بما تملك من ثروات فقط، بل بما تملك من وعيٍ وقدرةٍ دائمة على التجدد والنهوض.

***

د. أنور ساطع أصفري

تُعد التربية من أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات في بناء الإنسان وتنمية قدراته الفكرية والأخلاقية والاجتماعية، فهي عملية مستمرة تهدف إلى إعداد الأفراد للحياة وتمكينهم من التفاعل الإيجابي مع بيئتهم ومجتمعهم. ولم تعد التربية في العصر الحديث تقتصر على نقل المعلومات والمعارف من المعلم إلى المتعلم، بل أصبحت عملية شاملة تستهدف بناء الشخصية المتكاملة وتنمية الوعي الثقافي وتعزيز التفكير النقدي والإبداعي. فالمجتمعات المعاصرة تواجه تحديات متسارعة نتيجة التطورات العلمية والتكنولوجية والانفتاح الثقافي والعولمة، الأمر الذي جعل التربية مطالبة بإعداد أفراد يمتلكون المعرفة والقدرة على تحليلها وتوظيفها بصورة واعية ومسؤولة. ومن هنا برزت أهمية الجمع بين نقل المعرفة وبناء الوعي الثقافي، لأن المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بفهم عميق للقيم والثقافة والهوية والانتماء، كما أن الوعي الثقافي لا يمكن أن ينمو بعيدًا عن قاعدة معرفية راسخة. ولذلك أصبحت التربية الحديثة تسعى إلى تحقيق التوازن بين هذين البعدين، بما يسهم في إعداد مواطن قادر على التعلم المستمر والمشاركة الفاعلة في تنمية المجتمع والمحافظة على هويته الثقافية.

التربية ودورها في نقل المعرفة

يُعد نقل المعرفة من الوظائف الأساسية للتربية منذ نشأة المؤسسات التعليمية، حيث تهدف المدرسة إلى تزويد المتعلمين بالمعارف والمهارات التي تمكنهم من فهم العالم والتعامل مع متطلبات الحياة. وتشمل هذه المعرفة العلوم الطبيعية والإنسانية واللغات والرياضيات والتقنيات الحديثة، إضافة إلى المهارات العملية التي يحتاجها الفرد في حياته اليومية والمهنية. وقد تطورت وسائل نقل المعرفة عبر الزمن، فبعد أن كانت تعتمد على التلقين والحفظ، أصبحت اليوم ترتكز على التعلم النشط، والمناقشة، والبحث، والتجريب، والتعلم التعاوني، بما يساعد المتعلم على المشاركة في بناء المعرفة بدلًا من الاكتفاء باستقبالها.

كما أن الثورة الرقمية أسهمت في إحداث تغير كبير في مفهوم المعرفة وطرق الحصول عليها، حيث أصبحت المعلومات متاحة عبر مصادر متعددة، ولم يعد المعلم المصدر الوحيد للتعلم. ولذلك تغير دوره ليصبح موجهًا ومرشدًا يساعد الطلاب على اختيار المعلومات الصحيحة وتحليلها وتوظيفها بصورة علمية. وأصبحت المناهج التعليمية تركز على تنمية مهارات التفكير، والبحث، وحل المشكلات، والقدرة على التعلم الذاتي، وهي مهارات ضرورية في عالم سريع التغير.

ولا تقتصر عملية نقل المعرفة على الجوانب الأكاديمية، بل تشمل أيضًا نقل الخبرات الإنسانية والقيم الأخلاقية والمبادئ الاجتماعية التي تسهم في بناء شخصية الفرد. فالمدرسة، إلى جانب الأسرة، تؤدي دورًا مهمًا في تعليم الطلاب أساليب التواصل، واحترام النظام، وتحمل المسؤولية، والعمل بروح الفريق، وهي معارف حياتية لا تقل أهمية عن المعرفة العلمية. وعندما يتم تقديم المعرفة بصورة مترابطة مع واقع المتعلم واحتياجات مجتمعه، تصبح أكثر قدرة على إحداث أثر إيجابي في سلوكه وفكره.

بناء الوعي الثقافي وأهميته في التربية

يمثل الوعي الثقافي أحد الأهداف الرئيسة للتربية الحديثة، لأنه يساعد الفرد على فهم ثقافته الوطنية والإنسانية، وإدراك القيم التي يقوم عليها مجتمعه، مع احترام الثقافات الأخرى والتفاعل معها بصورة إيجابية. ويُقصد بالوعي الثقافي قدرة الفرد على فهم التراث الثقافي والهوية الوطنية، وتحليل الظواهر الاجتماعية والفكرية، والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وتكوين مواقف قائمة على التفكير الواعي لا على التقليد أو التعصب.

وتؤدي التربية دورًا محوريًا في بناء هذا الوعي من خلال المناهج الدراسية، والأنشطة الثقافية، والبرامج التربوية التي تعزز قيم الحوار والتسامح والانتماء والمواطنة. كما تسهم دراسة التاريخ والأدب واللغة والفنون في تعريف المتعلم بجذوره الحضارية، وتنمية شعوره بالفخر بهويته، مع الانفتاح على الإنجازات الإنسانية المختلفة. وهذا التوازن بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على الآخر يُعد من أهم مقومات التربية في العصر الحديث.

وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت الحاجة إلى بناء الوعي الثقافي أكثر إلحاحًا، لأن الفرد يتعرض يوميًا لكم هائل من المعلومات والأفكار المتنوعة. ومن دون امتلاك مهارات التفكير النقدي والوعي الثقافي، قد يصعب عليه التمييز بين الحقيقة والشائعة، أو بين المعرفة الموثوقة والمعلومات المضللة. ولذلك تسعى التربية إلى تنمية قدرة المتعلم على التحليل والمناقشة والاستنتاج، بما يجعله أكثر وعيًا بالقضايا التي تؤثر في مجتمعه والعالم.

كما أن الوعي الثقافي يعزز احترام التنوع والتعددية، ويشجع على قبول الاختلاف والحوار البناء، وهو ما يسهم في الحد من التعصب والانغلاق الفكري. فالمجتمعات التي تمتلك أفرادًا واعين بثقافتهم وقادرين على فهم الثقافات الأخرى تكون أكثر قدرة على التعايش وتحقيق التنمية والاستقرار، لأن الثقافة تصبح وسيلة للتواصل والتفاهم، لا سببًا للصراع والانقسام.

التكامل بين المعرفة والوعي الثقافي في التربية المعاصرة

لا يمكن تحقيق أهداف التربية الحديثة من خلال التركيز على نقل المعرفة وحدها أو بناء الوعي الثقافي بمعزل عن المعرفة، بل إن النجاح الحقيقي يتحقق عندما يتكامل الجانبان في العملية التعليمية. فالمعرفة تمنح الإنسان القدرة على الفهم والتحليل، بينما يمنحه الوعي الثقافي القدرة على توظيف هذه المعرفة في خدمة المجتمع، واتخاذ القرارات بصورة أخلاقية ومسؤولة. ولهذا أصبحت المؤسسات التعليمية تعمل على تطوير مناهج تجمع بين المحتوى العلمي والقيم الثقافية والإنسانية، بما يسهم في إعداد أجيال تمتلك العلم والوعي معًا.

ويؤدي المعلم دورًا أساسيًا في تحقيق هذا التكامل، فهو لا ينقل المعلومات فقط، بل يغرس قيم الحوار والاحترام والتفكير النقدي، ويشجع الطلاب على طرح الأسئلة والمناقشة والبحث عن الأدلة. كما أن الأنشطة المدرسية، مثل الندوات الثقافية، والمسابقات الأدبية، والعمل التطوعي، والرحلات التعليمية، تسهم في ربط المعرفة النظرية بالتجربة العملية، وتنمية شعور الطلاب بالمسؤولية تجاه مجتمعهم.

ومن جهة أخرى، أصبحت الأسرة شريكًا مهمًا في العملية التربوية، لأنها تسهم في ترسيخ ما يتعلمه الأبناء داخل المدرسة، وتوفر لهم بيئة تشجع على القراءة والحوار واحترام القيم الثقافية. كما أن مؤسسات المجتمع المختلفة، مثل المكتبات والمراكز الثقافية ووسائل الإعلام، تؤدي دورًا داعمًا في نشر الثقافة وتعزيز الوعي، مما يجعل التربية مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والمجتمع.

وتفرض التحولات العالمية المتسارعة على التربية أن تواكب متطلبات المستقبل، من خلال إعداد أفراد يمتلكون القدرة على التعلم مدى الحياة، والتكيف مع التغيرات، والإبداع في مواجهة المشكلات. وهذا لا يتحقق إلا إذا جمعت التربية بين المعرفة العلمية والوعي الثقافي، بحيث يصبح المتعلم قادرًا على الاستفادة من منجزات العصر مع المحافظة على هويته وقيمه. فالتعليم الذي يركز على الحفظ وحده قد ينتج أفرادًا يمتلكون معلومات كثيرة، لكنه قد يعجز عن إعداد مواطنين قادرين على التفكير المستقل والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع.

لذلك، تمثل التربية عملية متكاملة تجمع بين نقل المعرفة وبناء الوعي الثقافي، وهما جانبان متلازمان لا يمكن الفصل بينهما في إعداد الإنسان المعاصر. فالمعرفة تزود الفرد بالأدوات العلمية والفكرية التي يحتاجها لفهم العالم، بينما يمنحه الوعي الثقافي القدرة على توظيف هذه المعرفة بما يخدم مجتمعه ويحافظ على هويته وقيمه. ومع التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، تزداد أهمية تطوير النظم التربوية لتصبح أكثر قدرة على تنمية التفكير النقدي والإبداعي، وتعزيز ثقافة الحوار والانفتاح والمسؤولية. ومن خلال هذا التكامل تستطيع التربية أن تؤدي رسالتها في إعداد أجيال واعية ومثقفة، قادرة على الإسهام في تحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع متماسك يوازن بين الأصالة والمعاصرة، ويواجه تحديات المستقبل بثقة وكفاءة.

***

د. عصام البرام

في سبيل النهوض بالمؤسسة الأكاديمية العربية

كانت ندوة وحدة الدراسات الثقافية في المعهد العالمي للتجديد العربي، التي انعقدت يوم الاثنين 10 أغسطس 2026م، بعنوان: «الجامعات العربية وسبل الارتقاء بها نحو المستقبل»، مناسبة فكرية استثنائية بالنسبة لي؛ ليس فقط لأن موضوع الجامعة يلامس واحدًا من أكثر الأسئلة التي رافقت تجربتي الأكاديمية منذ سنوات طويلة، وإنما لأن المحاضر، الأستاذ الدكتور سيّار الجميل، جاء إلى الندوة محمّلًا بتجربة أكاديمية واسعة ونادرة، أتاحتها له فرصة العمل والتدريس والزيارة والمشاركة في عدد كبير من الجامعات والمؤسسات العلمية في بلدان وثقافات مختلفة. فقد عمل محاضرًا وأستاذًا في جامعات وهران بالجزائر، وتونس الأولى، والموصل بالعراق، واليرموك وآل البيت بالأردن، وجامعة الإمارات العربية المتحدة، كما عمل أستاذًا زائرًا في جامعة كيل بألمانيا منذ عام 1987، وفي لوفان وإنديانا، وزار جامعات ريدنغ وأكسفورد وكامبريدج والسوربون وإدنبرة ودندي وهامبورغ ومونبلييه وتورنتو وفكتوريا وبنسلفانيا وفاس والجزائر والزقازيق وبغداد والمستنصرية والجامعة الأمريكية في بيروت والشارقة وغيرها، فضلًا عن مشاركته في مؤتمرات وندوات علمية دولية عديدة.

وقد أدار الندوة الأستاذ الدكتور خضير المرشدي، رئيس المعهد، وشارك فيها الدكتور خالد كموني، رئيس وحدة «هندسة المفاهيم» الجديدة، كما عقبت الدكتورة ريم دندشي. غير أن ما استوقفني بصورة خاصة هو انتقال الدكتور سيّار الجميل من السؤال التقليدي عن جودة الجامعة إلى سؤال أكثر عمقًا: ما الذي يجعل الجامعة مؤسسة حيّة وفاعلة؟

وهذا هو اسماه «مؤشر الحيوية الجامعية» (UVI)، بوصفه محاولة للخروج من أسر مؤشرات التصنيف الجامعي التقليدية. فالتصنيفات العالمية تسأل عادة: كم نشرت الجامعة؟ كم عدد الاستشهادات؟ ما موقعها في سلم التصنيف؟ كم تملك من المختبرات والبرامج والدرجات العلمية؟ أما السؤال الذي يقترحه مؤشر الحيوية الجامعية فهو أكثر جذرية: ماذا أضافت الجامعة إلى مستقبل الأمة؟

فإذا كان المثل الأعلى لروضة الأطفال يتمثل في تمكين الطفل من النطق بالحروف والأرقام والتعرف إلى أبجديات المعرفة، وإذا كان المثل الأعلى للمدرسة يتمثل في إكساب التلاميذ والتلميذات المعارف والمهارات الأساسية في مختلف العلوم والتخصصات، فإن المثل الأعلى للجامعة ينبغي أن يتجاوز مجرد نقل المعرفة وتكديس المعلومات إلى تمكين الطالب والطالبة من فهم ما تعلموه في المراحل السابقة، وإعادة تركيبه ونقده وتوظيفه وتحويله من مجرد معرفة مكتسبة إلى قدرة إنسانية فاعلة، ومن معرفة الأولاد والبنات إلى قدرة الرجال والنساء المفترضة في بناء المجتمعات وتنمية الأوطان وصناعة المستقبل. فالجامعة، بهذا المعنى، ليست نهاية السلم التعليمي، وإنما هي المرحلة التي تتحول فيها المعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة، والقدرة إلى فعل اجتماعي وحضاري نهضوي ومستقبلي.

استمعت إلى محاضرة الدكتور سيّار باهتمام نابع من تجربتي الشخصية مع الجامعة، ومن موقع ما راكمته من أسئلة وذكريات وخيبات وآمال خلال ما يقارب عقدين من العمل والتدريس والبحث الأكاديمي. ولذلك قد يكون معنى الجامعة بالنسبة إليّ مختلفًا تمامًا عن معناها بالنسبة إلى زميل آخر. وهذه ليست مشكلة؛ بل هي طبيعة المعنى نفسه. فالمفاهيم لا تعيش خارج التجربة الإنسانية، وإنما تتشكل داخلها فمنذ التحاقي بمهنة التدريس الجامعي، ظل سؤال الجامعة يرافقني بوصفه سؤالًا في المعنى قبل أن يكون سؤالًا في الإدارة. وقد قادني ذلك إلى عدد من المؤتمرات والدراسات والأبحاث التي تناولت الاعتماد الأكاديمي، والجودة، وإدارة الأداء، والتعليم العالي، والعلوم الإنسانية، ودور الجامعة في خدمة المجتمع، كما نشرت منذ عام 2005 دراسات ومقالات عن الجامعات العربية ومعايير الجودة، وعن الجامعة والنقابة، وجامعة عدن بين التقييم والتكريم، وفي معنى كلية الآداب، وغيرها.

وخلال هذه الرحلة راكمت مجموعة من المراجع والدراسات التي تناولت نشأة الجامعات، وتاريخ العلم، وإدارة الجودة في التعليم العالي، وضمان الجودة، ومعنى اكاديمية ووظيفة الأكاديمي والجامعة والثقافة ، والجامعات العربية والبحث العلمي، والتميز والقيادة، وسوسيولوجيا العلوم، وما بعد الحداثة، وتحديث الإدارة الجامعية، والجودة الشاملة، والاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي في اليمن، وغير ذلك لكنني اكتشفت، بعد كل هذه السنوات، أن سؤال الجامعة أكبر من كل هذه العناوين.

إذ اتفق هنا مع الدكتور سيّار الجميل بالنظر إلى المؤسسة الأكاديمية الحية بوصفها المؤسسة الوحيدة التي تسعى إلى تجاوز ذاتها وتنمية وتأهيل مجتمعها والأرقى به لا تبرير ايديولوجيته كما يعتقد البعض للأسف الشديد وقد كان الفتح الجديد الذي أوجد حرية البحث العلمي هو من اخطر الثورات الفكرية والاجتماعية في تاريخ البشرية، ولقد أعطى العلم بصفته الشكل النموذجي للبحث الحر، مهمة وضع مجالات الفكر كلها في الوضع الصحيح لذا فإن العلم هو العدو الطبيعي للمصالح القائمة كلها سواء منها الاجتماعية أو السياسية أو الدينية بما فيها مصالح المؤسسة العلمية ذاتها، ذلك أن الحرية ترفض التسليم ببقاء الأشياء على حالها. والشك المنظم الذي تتصف به الطبيعة العلمية أمر دائم الحضور ودائم التشكك بأخر الاقتناعات الفكرية، بما فيها تلك التي طال أمد التسليم بها. وكما يقول توبي أ. هف » بما أن العلم قد أعطى هذه المهمة الفكرية لفحص صور الوجود وأشكاله كلها فانه غدا العدو الطبيعي للنظم التسلطية بشكل خاص وهذه النظم لا تستطيع أن توجد حقاً إلا إذا كبتت أشكال البحث العلمي التي تظهر الطبيعة الحقيقية للنتائج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الخطيرة والمدمرة لتسلطها وحكمها. ولما كانت الجامعة هي المؤسسة التي تنهض برعاية العلم وتنميته وتقدمه وازدهاره، فلابد لها من أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة، إذ أن الحرية هي الشرط الجوهري لوجود العلم والفكر العلمي، كما يقول كروبر "إن حاجة العلم إلى الحرية، مثل حاجة النباتات التي تنمو في البيوت الزجاجية إلى الشمس والأكسجين، أما إذا طليت النوافذ بالسواد كما في الحروب، فلا تنمو إلا الأعشاب الطفيلية الضارة، والإبداع العلمي يتيبس في البيئات الاستبدادية والتسلطية"10، وتلعب الحرية الأكاديمية دوراً حاسماً في تنمية المجتمع وتغييره وتقدمة وازدهاره. وهذا ما أوضحه امارتيا صن في كتابه (التنمية حرية) (مؤسسات حرة و إنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر) بقوله"أن الحرية هي الغاية والهدف الأسمى لكل تنمية ذلك أن الحرية تعني المقدرة على الفعل والاختيار و التفكير والإبداع " وبدون أن تأمن الجامعة بيئة مناسبة للأساتذة والطلبة في ممارسة نشاطهم التعليمي والعلمي، فلا يمكن لها النمو والتطور والازدهار. هكذا نلاحظ أن حرية الجامعة واستقلاليتها المالية والإدارية والأكاديمية ليست من الأمور التكميلية والثانوية، بل هي أس الأسس ولب المسألة برمتها.لكن كيف يمكن للجامعة أن تكون مؤسسة حرة ومستقلة؟!

وهكذا فهمت معنى مفهوم (الحيوية الجامعية UVI) بوصفه مؤشرًا لقياس جودة المؤسسة الأكاديمية. فالحيوية ليست مجرد رقم جديد يضاف إلى عشرات مؤشرات التصنيف، وإنما ينبغي أن تكون محاولة لإعادة تعريف معنى الجامعة نفسها. نحن لا نحتاج فقط إلى جامعة أكثر إنتاجًا، بل إلى جامعة أكثر حياة؛ جامعة تجعل المجتمع أكثر قدرة على التفكير، والدولة أكثر عقلانية، والإنسان أكثر حرية، والمعرفة أكثر حضورًا في الحياة اليومية.

وهكذا تعين السؤال الملح الذي وضعه سيّار الجميل ليس سؤالًا عن الجامعة وحدها، بل عن المجتمع الذي تنتجه الجامعة وتعيد إنتاجه في الوقت ذاته فالحيوية الأكاديمية أكثر من مجرد نشاط علمي داخل قاعات الدرس أو المختبرات ومراكز البحث؛ إنها قدرة الجامعة على إنتاج بيئة حية للتفكير والنقد والحوار والاختلاف والابتكار، وعلى تحويل المعرفة إلى طاقة اجتماعية وحضارية. فالأستاذ الجامعي لا يؤدي وظيفته الحقيقية حين ينقل ما في الكتاب إلى الطالب، وإنما حين يساعده على أن يتجاوز الكتاب إلى السؤال، والمعلومة إلى الفكرة، والفكرة إلى النقد، والنقد إلى الإبداع. والطالب لا يصبح جامعيًا بالمعنى الحقيقي حين يحفظ ما قيل له، وإنما حين يمتلك القدرة على أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن يكون الأمر على نحو آخر؟

هنا تتحدد القيمة الحقيقية للجامعة؛ فهي لا تُقاس بعدد خريجيها، ولا بفخامة مبانيها، ولا بترتيبها في التصنيفات الدولية، وإنما بنوعية الإنسان الذي تصنعه، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى قدرة، والقدرة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل حضاري. فمعيار الجودة الأكاديمية الأعمق ليس فقط: كم تنتج الجامعة من بحوث وشهادات؟ بل: أي نوع من العقول والإنسان والمجتمع تنتج؟ إن الجامعة الحية هي التي لا تكتفي بتلقين المعرفة أو إعادة إنتاج الأفكار السائدة، بل تفتح للعقل آفاق السؤال والنقد والابتكار، وتمنح الطالب القدرة على فهم عالمه والمشاركة في تغييره. أما الجامعة التي تعيد إنتاج الماضي كما هو، فتظل، مهما امتلكت من مبانٍ ومناهج وتصنيفات، عاجزة عن أداء رسالتها التاريخية. فالحيوية الأكاديمية في جوهرها ليست كثرة النشاط، وإنما قدرة الجامعة على صناعة إنسان قادر على التفكير الحر، والعمل المسؤول، والإسهام الواعي في بناء مجتمع أكثر معرفةً وعدلًا وقدرةً على صناعة المستقبل.

***

قاسم المحبشي

 

يناقش المقال العلاقة بين الطبقة البرجوازية والدين في اوروبا والعالم العربي مع اعطاء مساحة خاصة لتاثير الدين علي الطبقة البرجوازية المصرية التي ينتمي اليها كاتب المقال.

ظهرت الطبقة البرجوازية في اوروبا نتيجة للتحولات في البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية منذ أواخر العصور الوسطى، مع انهيار النظام الإقطاعي وبروز المدن، والتجارة، ثم الصناعة.

تسيطر البرجوازية على وسائل الإنتاج، وتستمد قوتها من رأس المال، وتشكل القوة الدافعة للاقتصاد الحديث. ولذلك، اعتبرها كارل ماركس الطبقة الحاكمة اقتصادياً، التي تستغل الطبقة العاملة لتحقيق الربح.

تميل الطبقة البرجوازية إلى دين يشجع على الطاعة واحترام القانون وتقدير العمل ونبذ الفوضى وحماية الملكية. كما يوفر الدين الاستقرار الاجتماعي، وهو أمر ضروري لازدهار التجارة والصناعة. ولذلك، دعمت الطبقة البرجوازية في القرون الماضية المؤسسات الدينية لترسيخ سلطتها السياسية، واستخدمت الدين كخطاب أخلاقي لتبرير النظام الاقتصادي.

تحولت البرجوازية الأوروبية تدريجياً إلى العلمانية عندما أصبحت قوية ولم تعد بحاجة إلى الشرعية الدينية، لكن الدين استمر في الوجود خارج المجالات السياسية والاقتصادية.

تختلف البرجوازية العربية عن البرجوازية الأوروبية لكونها طبقة تشكلت في ظل دولة ريعية، واقتصاد غير صناعي. وهي طبقة هجينة تجمع بين رأس المال التجاري والريعي أكثر من رأس المال الصناعي، وتتمتع بعلاقات سياسية قوية ومناصب إدارية رفيعة. تحصل البرجوازية العربية على امتيازاتها من خلال السلطة، وتعتمد على قربها من النخب السياسية؛ لذا فهي برجوازية تابعة سياسياً، وليست مستقلة اقتصادياً.

تتعايش الطبقة البرجوازية في العالم العربي مع الدين، مستخدمةً إياه كمصدر للشرعية الاجتماعية والسياسية، خاصةً ان طبيعة هذه الطبقة تستلزم خطابًا دينيًا محافظًا يضمن الاستقرار والطاعة واحترام السلطة، ويبرر الفوارق الطبقية. لذا، لا يوجد صراع بين البرجوازية العربية والدين، بل تحالف وظيفي؛ فالدين ينظم المجتمع، والبرجوازية تستفيد من الاستقرار، وتشجع خطاباً دينياً يحمي حقوق الملكية، ويرفض الفوضى، ويشجع العمل دون المطالبة بأجور عادلة أو مساواة اقتصادية.

قد يصبح الوضع متوتراً إذا دعت الأديان إلى تغيير جذري اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي، مثل حركة "لاهوت التحرير" في أمريكا اللاتينية، التي أعادت تعريف دور الدين في المجتمع، وجعلت الدين قوة سياسية وأخلاقية لتحرير الناس من الظلم، وقدمت قراءة جديدة للكتاب المقدس كنص منحاز للفقراء ومشروع للعدالة الاجتماعية.

تتميز البرجوازية المصرية بتاريخها العريق الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وبتنوعها الكبير الذي يجمع بين الصناعة والتجارة ورأس المال الحديث، إلى جانب جهاز إداري قوي. بعد ثورة يوليو 1952، تضاءل نفوذ البرجوازية التقليدية، وبرزت برجوازية بيروقراطية مؤلفة من موظفي الدولة والعسكريين. ثم جاء عهد التحرير الاقتصادي في ظل حكم السادات، وبرزت طبقة برجوازية من رجال الأعمال والتجار وأصحاب الشركات الخاصة. واستمر هذا الوضع دون تحولات جذرية خلال عهد مبارك.

تميل الطبقة البرجوازية المصرية إلى دين محافظ يضمن الاستقرار الاجتماعي. وهي طبقة ليست علمانية تماماً ولا متدينة تماماً. تستخدم الدين عندما يخدم مصالحها، وتتجاهله عندما يقيد السوق أو يهدد السلطة.

يمثل ظهور جماعة الإخوان المسلمين علاقة معقدة بين الدين والطبقة البرجوازية المصرية. فقد تمكنوا من بناء شبكتهم البرجوازية الخاصة داخل الاقتصاد المصري، والتي نمت بشكل ملحوظ بفضل التبرعات المالية المنتظمة من أعضاء الجماعة ومن مصادر خارجية، وخاصة من دول الخليج، بالإضافة إلى أنشطتهم التجارية، مما جعلهم قوة اقتصادية كبيره.

اعتمدت جماعة الإخوان قوتها الاقتصادية لنشر أفكارها، التي تبنت القيم الاجتماعية المحافظة، والالتزام بالدين، ورفض القيم الحديثة، وأكدت على الانضباط والطاعة.

استخدمت جماعة الإخوان المسلمين التعليم المدرسي والجامعي للتأثير على المجتمع، ونجحت في التغلغل في نظام التعليم الحكومي وإنشاء مدارسها الخاصة التي تقدم التعليم بأسعار منخفضة. لم يهتم تعليم الإخوان بالإبداع والتفكير النقدي والعلوم الحديثة والفنون والفلسفة، بل ركز بدلاً من ذلك على تفسير العلوم تفسيراً دينياً، ودمج الدين في جميع المواد الدراسية، وعرض التاريخ من منظور ديني، وتعزيز الهوية الإسلامية على حساب الهوية الوطنية.

نجحت جماعة الإخوان المسلمين ايضا في استخدام الجامعات لإنشاء كوادر سياسية واجتماعية منذ سبعينيات القرن الماضي من خلال السيطرة على اتحادات الطلاب، وتقديم الندوات الدينية، والخدمات التعليمية مثل مجموعات الدروس الخصوصية، والكتب المخفضة، والدعم المالي للطلاب المحتاجين، مع الترويج لخطاب يربط الدين بالسياسة ويقدم الدولة ككيان يجب إصلاحه بالدين.

تراجع هذا التأثير بعد عام 2013، لكنه ترك بصمة طويلة الأمد على وعي الطبقة الوسطى.

كان هدف الإخوان المسلمين هو إقامة دولة ذات أساس ديني وفرض نظام يستمد قوانينه من الشريعة الإسلامية، من خلال بناء قاعدة اجتماعية واسعة، والسيطرة على النقابات والجمعيات والتعليم، مع توفير الخدمات الاجتماعية لبناء شبكات الدعم في الطبقة الوسطي.

وللتوضيح، يعتبر المؤلف "الطبقة الوسطى"، التي تعتمد على دخل ثابت من الوظائف المهنية والتعليم وتشكل قاعدة الدولة الحديثة، جزءًا من "البرجوازية المصرية"، على الرغم من الاختلاف الاقتصادي بينهما واعتماد البرجوازية على ملكية رأس المال وامتلاك النفوذ الاقتصادي والسياسي.

واجه مشروع جماعة الإخوان المسلمين تناقضات سياسية واجتماعية بسبب إنكارهم لقواعد الدولة الحديثة، التي تقوم على فصل الدين عن السياسة، بالإضافة إلى فشلهم في تقديم رؤية واضحة لشكل الدولة، والنظام الاقتصادي، ودور المرأة، والحريات الفردية، وطبيعة المواطنة في مجتمع متنوع.

يمكن تلخيص فشل حكم جماعة الإخوان المسلمين في تمسكها بأيديولوجية تتنافى مع مبادئ الدولة الحديثة، القائمة على المواطنة، وسيادة القانون، والمؤسسات القوية، وفصل السلطات، والحريات الفردية. يرتكز مشروع الجماعة على السلطة الدينية والولاء التنظيمي، ويتسم بالغموض الفكري، والازدواجية التنظيمية، وتجاهل التجارب السياسية والاقتصادية للعالم المتقدم. وقد أثبتت هذه التجارب أن الازدهار الوطني مرتبط ببناء المؤسسات، وتراكم المعرفة، وحرية الفكر، وسيادة القانون. فالدولة ليست مسؤولة عن خلق الفضيلة، أو مراقبة الضمائر، أو الانشغال بالهوية الدينية للأفراد.

كذلك، يرتكب الخطاب الديني السياسي خطأ فلسفيا عندما يتجاهل أن السياسة قابلة للمراجعة والتصحيح، وأن كل سلطة تخضع للنقد، وأن كل حاكم قابل للاستبدال، وأنه لا توجد حصانة دينية أو حماية للسلطة باسم المقدس.

أثرت المسيحية في الطبقة البرجوازية المصرية من خلال تشجيع التعليم والقضاء على الأمية، مما رفع مستوى تعليم الأقباط ويسّر صعودهم إلى الطبقة العليا. كما برع الأقباط في مجالات الإدارة والمالية منذ عهد محمد علي، مما جعلهم جزءًا مهمًا من الطبقتين الوسطى والعليا.

قبل عام ، 1952 كانت الطبقة البرجوازية القبطية جزءًا من النخبة المدنية والسياسية في مصر، ومثّلت ثورة 1919 ذروة الاندماج الوطني مع رفع شعار الهلال مع الصليب.

وللتوضيح، يُستخدم مصطلح الأقباط لوصف المجتمع المسيحي الأرثوذكسي، الذي يشكل غالبية المسيحيين في مصر. 

في الختام، تكشف العلاقة بين الدين والطبقة البرجوازية عن أنماط مختلفة. ففي كل مكان، تستخدم البرجوازية الدين عندما يخدم مصالحها، وتتجاهله عندما تقتضي مصالحها ذلك. وهذا ما يجعل فهم هذه العلاقة ضروريا لفهم تحولات السلطة والقيم في العالم المعاصر.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

في إطار العمل على تغيير ملامح الشرق الأوسط، وفي لحظات حبك خيوط الديانة الجديدة كبوابة أصيلة في ترسيخ عقيدة التمدد الامبريالي والهيمنة، يتبادر في الذهن سؤال مفصلي وضروري، يتمثل في البحث عن الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء الإصرار على اسم النبي (إبراهيم) في تمثيله كرأس الهرم للديانة الإبراهيمية الجديدة. فلماذا (إبـراهيم) تحديداً، دون سائر الأنبياء؟

إنّ اختيار إبـراهيم ليس اختياراً لاهوتياً بريئاً، بل هو قرار سياسي محسوب، فالإدارة الأمريكية تستخدم مصطلح (الإبـراهيمية) للإشارة إلى الديانات السماوية الثلاث، وتعيد تسميتها بوصفها الديانة الإبـراهيمية، نسبة إلى إبـراهيم، لما يتمتع به من مكانة روحية وقدسية جامعة في وعي أتباع هذه الديانات. وبهذا، يُقدَّم إبـراهيم بوصفه الرمز الأعلى القادر على إذابة الخلافات بين (لأبناء) وإعادة البناء على التراث المشترك والتشابهات اللاهوتية، تمهيداً لإنتاج ما يُسمّى (سلاماً دينياً عالمياً) قائماً على الضمير الجمعي.

وتتكرر في هذا السياق عبارات من قبيل، نحن جميعاً عائلة إبـراهيمية واحدة، أو نحن أسرة روحية واحدة، تجمعنا أخوّة إنسانية... غير أنّ هذه اللغة العاطفية، حين تُنزَع من سياقها الإيماني، وتُزرَع في تربة السياسة، تتحول إلى أداة إلغاء لا إلى أداة وحدة، إذ تُسقِط الفوارق العقدية، وتُفرغ الدين من حدوده، وتُعيد تعريفه كقيمة أخلاقية عامة بلا جذور.

واللافت أنّ معظم هذه الإشارات إلى إبـراهيم تعود في أصلها إلى اجتهادات بروتستانتية غربية واستشراقية، قامت بابتكار مصطلح (الديانات الإبـراهيمية)، ثم نُسب هذا المصطلح، خطأً، إلى الثـقافة الإسلامية، فبينما يحتل إبـراهيم مكانة مركزية في العقيدة الإسلامية بوصفه نبياً موحِّداً، فإن مفهوم (الديانات الإبـراهيمية) غريب عن الـوعي الإسلامي، وغير متداول في اللغتين العربية أو العبرية، إلا بوصفه ترجمة حرفية عن الإنجليزية، وهذا وحده كافٍ للكشف عن طبيعته المستوردة ووظيفته الأيديولوجية. وإنّ الهدف الحقيقي من استحضار اسم إبـراهيم في هذا السياق هو المغالطة الرمزية، تقديم الحركة الصهيونية، وهي في جوهرها حركة استعمارية أوروبية، بوصفها حركة دينية يهودية، وإخفاء بعدها الاستيطاني خلف قناع لاهوتي. فبهذا التلاعب، يجري تحويل غزو فلسطين من فعل استعمار إلى عودة دينية، ومن مشروع إحلالي إلى (تحقيق وعد تاريخي).

وفي هذا الإطار، يعمل المخطط الإبـراهيمي على ربط القادة الدينيين بالسياسيين، وإعادة تعريف أسباب الصراع لا بوصفها احتلالاً واستعماراً، بل بوصفها خللاً في الاعتراف المتبادل، ويُطرح حلّ الصراع عبر إعادة المصالح الدينية للسكان الأصليين إلى خريطة التفاوض، دون تحديد واضح لهوية هؤلاء السكان، لتُترك المسألة مفتوحة أمام التوافقات السياسية بين رجال الدين وصنّاع القرار. وهكذا، يُفرَّغ مفهوم (الشعوب الأصلية) من معناه الحقيقي، ويُعاد شحنه بما يخدم الطرف الأقوى.

ومن أبرز تجليات الديانة الإبـراهيمية الجديدة، زيارة البابا (فرنسيس) إلى العـراق، التي قُدّمت بوصفها حدثاً إنسانياً وروحياً يعزّز التعددية الدينية والتعايش والسلم المجتمعي، وقد قوبلت الزيارة بترحيب شعبي ورسمي واسع، بلغ حدّ إعلان الحكومة العـراقية يوم الزيارة عطلة رسمية في جميع مفاصل الدولة، احتفاءً بالحدث. غير أنّ هذا القبول، على أهميته الرمزية في سياق التعايش، يكشف في الوقت ذاته عن نجاح الخطاب الإبـراهيمي في اختراق الـوعي الجمعي، وتقديم نفسه بوصفه مشروع سلام، دون مساءلة خلفياته السياسية ولا رهاناته البعيدة.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

يمر العالم المعاصر بمرحلة تاريخية حرجة، يُعاد فيها تشكيل الفضاء العمومي وصياغة وعي المجتمعات وفق مقتضيات السوق ومصالح الرأسمالية العولمية. وفي هذا السياق المأزوم، لم تعد المعرفة تطلب لذاتها كأداة للتحرر وتوسيع آفاق الوعي البشري، بل جري تسييقها وتشييئها لتتحول إلى سلعة تضبطها قوانين العرض والطلب. ولعل أبرز تجليات هذا الانزلاق البنيوى هو صعود نجم ما يُعرف بمراكز البحوث والدراسات، التي غدت ذراعا أيديولوجيا وثقافيا للهيمنة النيوليبرالية، تنهض بمهمة مأسسة نموذج من الرداءة الفكرية. حيث يتراجع الفكر النقدى الأصيل أمام زحف معايير النمطية والتبسيط والابتذال الوظيفي. إن قراءة هذا التحول المعرفي تفرض علينا تفكيك المفاهيم التي يتأسس عليها هذا النظام الجديد، وعلى رأسها مفهوم "الخبير أو البروفيسور" الذي حل محل المثقف النقدى والملتزم أو أصحاب الفكر الرصين المهتم بقضايا مجتمعه. فإذا كان المثقف يسعى بطبيعته إلى الكشف عن المسكوت عنه، ومساءلة الشرعيات السياسية والاقتصادية القائمة، فإن الخبير أو البروفيسور في مراكز البحوث في هذا العصر هو محض تقني في معبد السوق. لا يمتلك تساؤلات وجودية أو مجتمعية، بل تقتصر وظيفته على تقديم حلول إجرائية للمشكلات التي يفرزها النظام نفسه، دون أن يجرؤ يوما على التشكيك في بنيته أو عدالته. إن المعرفة التي ينتجها هؤلاء الخبراء هي "معرفة غائية بالطلب"، تمولها الاحتكارات الكبري والمنظمات المالية الدولية، لتصوغ قرارات السياسة العامة في قالب علمي زائف يوحي بالحياد والموضوعية، بينما هو في حقيقته انحياز سافر لمصالح الأقليات المالية أو الشركات التجارية والتسويقية الكبري على حساب الأغلبيات الشعبية. تخدم هذه المراكز، في جوهر بنيتها التمويلية والسياسية، التحالف العولمي القائم بين الشركات العابرة للحدود والنخب السياسية الحاكمة التي تخلت عن دورها الاجتماعي والرعائي. أما أجندتها العميقة فتتمثل في نزع الطابع السياسي عن الفضاء العام وتحويل القضايا المجتمعية الكبرى إلى مسائل إجرائية محضة. إن الفقر والتهميش، وتمركز الثروة، لم تعد في أدبيات هذه المراكز نتائج حتمية للاستغلال البنيوى، بل غدت عثرات تقنية تعالج من خلال ما يروج له باسم الحوكمة والإدارة الرشيدة. يكمن الخطر هنا في أن هذه المفاهيم، المستعارة أساساً من معجم الشركات ومجالس الإدارة، تعمل على إلغاء السياسة بمعناها النبيل كفعل ديمقراطي جماعي، محولة الدولة إلى مجرد مجلس إدارة يرعى شؤون السوق، والمواطنين إلى زبائن ومستهلكين مسلوبي الإرادة. من جهة أخرى، تعمل هذه المراكز كحارس بوابات للوعي الجمعي، إذ تسعى جاهدة لفرض سقف معرفي محدد لا يمكن تجاوزه. ومن خلال الضخ المعرفي المستمر، والتقارير الإحصائية المعقدة، واللقاءات الإعلامية اللامعة، تصنع توافقاا عاما زائفا يوهم الجماهير بأنه لا خيار آخر سوى الاندماج في المسار النيوليبرالي القائم. إن أى تفكير يسعى للبحث عن بدائل اقتصادية واجتماعية أكثر إنسانية يصنف فورا ضمن خانة عدم الواقعية أو الشعبوية المعطلة للتنمية. وبهذا المعنى، فإن هذه المؤسسات تمارس رقابة ناعمة وخفية لا تعتمد المنع المباشر، بل تستخدم آليات التهميش المعرفي والإقصاء التمويلي لكل فكر يغرد خارج السرب، مما يجبر النخب الأكاديمية على الانصياع لشروط السوق وتدجين عقولهم لتتلاءم مع متطلبات النمطية السائدة. إن مراكز البحوث في العصر النيوليبرالي ليست سوي معامل لتزييف الوعي وإنتاج المسوغات الأيديولوجية للاستبداد المالي ومأسسة الرداءة المعرفية. إنها الأداة التي تحوّل الفكر الإنساني من قوة محركة للتاريخ وقادرة على التغيير، إلى تروس صامتة في آلة الإنتاج الرأسمالي الكبير. ولمواجهة هذه الهيمنة، يغدو لزاماً على العقل النقدى المعاصر التحرر من سلطة هؤلاء الخبراء الموجهين، والعودة إلى ينابيع المعرفة المستقلة التي تضع كرامة الإنسان وعدالته الاجتماعية فوق حسابات الربح والخسارة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في أواخر يوليو/تموز 2026، بلغ سعر صرف الين حوالي 164 ينًا للدولار. وفي 31 يوليو/تموز، قامت الحكومتان الأمريكية واليابانية بتدخل منسق، وهو أول تدخل من واشنطن لدعم الين منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1998.أنفقت وزارة المالية اليابانية ما يُقدّر بـ 75 مليار دولار لشراء الين، بينما ساهمت وزارة الخزانة الأمريكية بمبلغ أقل، يُقدّر بـ 5-10 مليارات دولار. انخفض الدولار من حوالي 164 ينًا إلى حوالي 155-156 ينًا مباشرة بعد الإعلان. في وقت مبكر من صباح الاثنين، بعد الإعلان الرسمي عن التدخل، انخفض الدولار بنحو 1% إلى 156.34 ينًا. التدخل الأمريكي حاله حال تدخل أمريكا السابق لصالح العملة الأرجنتينية والاماراتية فاجأ الأسواق.

يعانى الين الياباني من ضعف منذ سنوات عديدة. فقد بدأ انخفاض قيمة الين في عام 2021 تقريبًا، وتسارع بشكل كبير بعد عام 2022. وكان السبب المباشر هو التباين الكبير في أسعار الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة. بينما رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة بقوة من الصفر تقريبًا إلى 5.5% لمكافحة التضخم الذي أعقب الجائحة، أبقى بنك اليابان سعر الفائدة عند الصفر أو دونه لمدة ثماني سنوات، ولم يبدأ في تشديد السياسة النقدية إلا تدريجيًا في عام 2024.  من جهة أخرى، رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة. مما زاد الفارق في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان إلى 5%.

أدى هذا الفارق إلى ازدهار تجارة الفائدة(Yen Carry Trade:) حيث اقترض المستثمرون بالين بأسعار فائدة منخفضة لشراء أصول بالدولار ذات عائد أعلى، مما خلق ضغط بيع متواصل على العملة اليابانية. وبحلول منتصف عام 2024، وصل سعر صرف الين إلى 160 ينًا للدولار، وهو مستوى لم يُشهد منذ نحو 40 عامًا. في أبريل 2024، انخفض الين الياباني إلى أدنى مستوى تاريخي له عند 160 ينًا للدولار. واستمر هذا الضعف في عامي 2025 و2026، حيث لامس الين ما يقرب من 164 ينًا في يوليو 2026 قبل التدخل الأخير. وقبل أواخر الأسبوع الماضي، كان الدولار يتداول فوق 163 ينًا، مسجلًا أعلى مستوياته في 40 عامًا.

طبعا، لا يقتصر ضعف الين على الفارق في أسعار الفائدة فحسب، بل يعكس اختلالات هيكلية عميقة في الاقتصاد الياباني. حيث يتجاوز الدين الحكومي الياباني 200  ٪ م من الناتج المحلي الإجمالي وهو يعتبر الأعلى في الدول الغنية. ولمنع هذا الدين من ان يصبح خارج السيطرة، يضطر بنك اليابان الى وضع حد اقصى لعوائد السندات الحكومية طويلة الاجل من خلال عمليات شراء ضخمة للسندات، حيث يمتلك نصف اجمالي السندات الحكومية. هذا الحد الأقصى للعائدات يمنع بنك اليابان من رفع أسعار الفائدة، مما يبقى الين ضعيفا. ان اليابان في الواقع نقلت مشكلة ديونها من سوق السندات الى سوق العملات .

لقد  أدى فرض سقف للعائد على السندات الى نقل تداعيات ضعف ديناميكيات الدين من سوق السندات الى ضعف العملة.

اليابان تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة من الخارج، فان  ضعف الين يؤدي الى ارتفاع أسعار الواردات. وقد أدى الى تضخم في الفترة الأخيرة وخاصة ان الأجور الحقيقية قد انخفضت لمدة 26 شهرا متتالية حتى منتصف 2024 مما أدى الى تراجع حاد في استهلاك الاسر، في مايو، انخفض الاجر الحقيقي بنسبة 1.4 ٪ مقارنة بالعام السابق.

اليابان تواجه تباطؤ في نمو الإنتاجية، واستثمار الشركات حذر، وقوى عاملة متقدمة في السن ومتقلصة، واتجاها متزايدا لدى الشركات اليابانية لإعادة استثمار ارباحها في الخارج بدلا من تحويلها الي الين. كل هذه الأسباب أدت الى ضعف الين. ويرى معظم المراقبين ان الين لن ينتعش من تلقاء نفسه عندما تخف الضغوط الخارجية فقد اصبح الضعف هيكليا.

كان قرار واشنطن التدخل في سوق الصرف يخدم أسباب عديدة، فحسب بعض المصادر فان الخزانة الامريكية باعت اليورو الاوروبي لتشتري الين. ومن ناحية أخرى قرار التدخل جاء ليمنع اليابان من بيع اذونات الخزانة الامريكية والمعروف ان اليابان هي الدولة الأولى في الاستثمار في سندات الخزانة الامريكية. واذا باعت اليابان كميات كبيرة من هذه السندات فان على الخزانة الامزيكية جذب مستثمرين جدد وذلك برفع أسعار الفائدة الامريكية طويلة الاجل، مما سيزيد من تكاليف خدمة الدين الأمريكي. كما ان الإدارة الامريكية تتخوف ان انخفاض الين بشكل غير منتظم سيزيد الضغط علي العملات الاسيوية، بما في ذلك اليوان الصيني، وهذا قد يؤدي الى تقلبات أوسع في الأسواق الاسيوية. وهذا الانخفاض في العملات الاسيوية بالضرورة سيؤدي الى اتساع العجز التجاري الأمريكي. كما ان ضعف هذه العملات سيلغي تماما مفعول التعرفة الجمركية التي فرضها ترامب. طبعا هناك جانب سياسي، الإدارة الامريكية تعتبر هذا التدخل هو لصالح اصدقاء أمريكا فهو يعتبر ردا للجميل او هكذا يزعم الرئيس ترامب . 

فحسب مقال الاقتصادي اسوار برساد في النيويورك تايمز، بتاريخ 6 اغسطس، فان  اقتصاد أمريكا واقتصاد اليابان  في وضعين مختلفين، لكن يجمعهما مشكلة واحدة كبيرة: مستويات الدين الحكومي المرتفعة بشكل غير مستدام. يُعدّ تدخل طوكيو وواشنطن في سوق العملات محاولة يائسة لتجاهل التحذيرات الصاخبة من الأسواق المالية. في نهاية المطاف، من غير المرجح أن تتمكن أي من الحكومتين من تجاوز انضباط قوى السوق في الحد من تراكم الديون غير المقيد. ربما حان الوقت لكي يتعلم البلدان درسًا من الأرجنتين.   

***

علي الرئيسي

باحث في قضايا الاقتصاد والتنمية

تتغير صورة المرأة في العمل الفني تبعًا للوسيط الذي تنتقل عبره، فالمرأة التي يرسمها النص الأدبي بالكلمات قد لا تكون هي ذاتها التي تتشكل في فضاء الغناء والموسيقى والأداء. وبين النص المكتوب والصوت واللحن وحضور المؤدي أمام الجمهور، تتعدد الدلالات وتتغير زوايا النظر إلى الأنثى ودورها ووظيفتها داخل العمل الفني. ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين «صورة المرأة في النص» و«صورتها في الأداء»، باعتبارها علاقة لا تكتفي بنقل المعنى، بل تعيد إنتاجه وتأويله. وتقدم تجربة كاظم الساهر نموذجًا غنيًا لهذه التحولات، لما تتيحه أغانيه من تفاعل واضح بين الشعر والغناء والموسيقى والأداء، وما تنتجه هذه العناصر مجتمعة من صور متعددة للمرأة.

وتُمثّل تجربة الساهر واحدة من أثرى وأعقد المحاولات الغنائية في تاريخ الموسيقى العربية المعاصرة، حيث لم تكمن قيمتها الاستثنائية فقط في نجاحه بفك العزلة عن الشعر الفصيح ونقله من بطون الكتب وصالونات النخبة المغلقة إلى الفضاء المفتوح للشغف الجماهيري، بل تعدت ذلك إلى قدرته الفائقة على إعادة رسم صورة الحب والأنثى والذات في أذهان المتخيل العربي.

 وفي هذا العالم الغنائي الفسيح لا تأتي المرأة كعنوان أخير ومفرد لجميع الأغاني، فتجربة الساهر تتقاطع وتتشابك دائماً مع قضايا كبرى أخرى كالوطن، والحرب، والنزوح، والذاكرة، لكن المرأة تظل، بلا شك، البطل الأكثر حضوراً، وتأثيراً، وإثارة للجدل في مشروعه الموسيقي، ولفهم هذه الصورة بشكل دقيق لا يكفي أن نقف عند حدود الكلمات المكتوبة في دواوين الشعر، فالمرأة عند كاظم الساهر لا تُولد متكاملة المعالم في لحظة كتابة القصيدة فقط، بل تمر برحلة ممتدة من إعادة الصياغة والإنتاج الدلالي تبدأ من الشاعر (سواء كان نزار قباني، أو كريم العراقي، أو غيرهما)، مروراً بالنص الأدبي المكتوب، ثم المعالجة اللحنية والتوزيع الموسيقي الأوركسترالي، وصولاً إلى صوت الساهر وأدائه الجسدي على المسرح أمام الجمهور، وفي كل خطوة من هذه السلسلة تتغير زوايا الرؤية، وتظهر "امرأة الأغنية" مختلفة في بنيتها ووظيفتها عن "امرأة القصيدة"، حيث تظهر الفكرة الأبرز في هذه الرحلة عند المقارنة بين سلطة النص المكتوب وسلطة الغناء والموسيقى، إذ إن القصيدة المكتوبة – خصوصاً في الإرث الشعري لنزار قباني – تحمل في كثير من الأحيان نبرة خطابية حادة وتُمارس استعلاءً لغوياً أو رغبة ضامرة في الهيمنة والاستحواذ الذكوري، غير أن الساهر بمجرد أن يحول هذه الكلمات إلى ألحان وأداء حسي يقلب موازين القوى داخل الخطاب العاطفي، فنبرة صوته المحملة بالرجاء الشجي والانكسار مدعومة بالتوزيع الموسيقي المركّب الذي يجمع بين الوتريات الحادة وآلات النفخ التعبيرية تعمل على تفريغ النص من نبرته الذكورية المباشرة، لليتحول التحدي أو الغضب أو التعالي اللفظي الموجود على الورق على خشبة المسرح إلى اعتراف حار وصادق بضعف العاشق وهشاشته الإنسانية.

 لكن هذا التحول الموسيقي يطرح في الوقت ذاته سؤالاً نقدياً مهماً ينتمي إلى فهم أدوار النوع الاجتماعي؛ فهل نحن في أغاني الساهر أمام امرأة قوية تملك قرارها وفاعليتها بذاتها، أم أننا أمام صورة متخيلة صنعها الرجل بنفسه داخل خطابه الخاص؟

 يقودنا التحليل العميق للأغاني إلى ملاحظة أساسية؛ فعندما يصرخ المغني بكلمات مثل «المستبدة» أو يعلن خضوعه واستسلامه أمام «سلطة الأنثى»، تبدو المرأة ظاهرياً هي القوية والمسيطرة وصاحبة القرار، لكنها في الحقيقة تظل صامتة خارج هذا الخطاب، فالرجل هو وحده من يمتلك أدوات التحدث والتسمية والوصف وتوزيع الأدوار، هو من يمنحها صفة الاستبداد، وهو من يحدد أبعاد قوتها أو قسوتها بناءً على موقعه هو كمتلقٍ لهذه الأفعال، وبالتالي فإن قوة المرأة هنا ليست قوة نابعة من صوتها الخاص أو موقفها المستقل، بل هي قوة مشتقة بالكامل من ضعف الرجل وعجزه أمام الصورة التي رسمها لها في عقله ومخيلته، ومن هنا يمكن القول إن الساهر لم يطرح المرأة كشخصية حرة ومستقلة تماماً بالمعنى الحداثي بقدر ما أعاد تقديم الصورة الرومانسية التقليدية للأنثى بأسلوب أحدث وأكثر تعقيداً وجاذبية، فقوة المرأة هنا تُقاس دائماً بمدى أثرها في نفس الرجل وانكساره أمامها لا بوجودها المنفصل عنه، ولتوضيح هذه الديناميكية المزدوجة بين النص واللحن يمكن تقسيم صور الأنثى في تجربة الساهر إلى أربع حالات رئيسية تتشكل منها أغلب أعماله؛ الأولى هي «المرأة المثالية» ففي أغانٍ شائعة مثل «أشهد أن لا امرأة إلا أنتِ» و«هل عندك شك؟» يرفع الغناء والكلمات المرأة إلى مكانة فريدة تجعلها أشبه بأيقونة مقدسة لا تطال، غير أن هذا التمجيد المفرط يعمل بطريقة غير مباشرة على تجريد المرأة من طبيعتها البشرية العادية وعالمها الواقعي فتصبح رمزاً مطلقاً للجمال المصنوع بفرشاة " العاشق" حيث لا نراها إلا من خلال ما تقدمه للرجل من امتلاء روحي.

 والحالة الثانية هي «المرأة المستبدة» وتظهر في أعمال مثل «المستبدة» و«أتحداكِ» و «المتمردة» كشخصية قاهرة ومسيطرة تُربك الراوي وتتحكم بمصيره، لكن عمق المفارقة يكمن في أن هذه القوة تُبنى وتُروى بالكامل من وجهة نظر الرجل نفسه، فقسوتها وطغيانها الغرامي ليسا إلا مرآة تعكس حجم التوسل والاحتياج العاطفي والضعف الذي يريد الساهر إبرازه في أدائه ليكون انكساره هو الحدث الدرامي الأهم، وتأتي الحالة الثالثة في «المرأة الغائبة» كما في الملاحم العاطفية الخالدة مثل «أنا وليلى» و«مدرسة الحب» حيث تحضر المرأة من خلال غيابها التام والنهائي، فهي غير موجودة كجسد أو كشريك متكلم بل تحضر كأثر مؤلم وفراغ ضاغط يمنحها سلطة هائلة محركة تدفع الرجل إلى الصراخ والشكوى وتصقل تجربته الفنية وتجعله يعيد تشكيل هويته وتاريخه لتتحول المرأة الغائبة إلى السبب الأول والأخير الذي من أجله يتشكل النص واللحن والمعنى.

 أما الحالة الرابعة فهي «المرأة المرغوبة» وتظهر في اعمال مثل واني احبكِ ، او قولي احبكَ، وفيها تتجاوز الأنثى حيز كونها مجرد موضوع للرغبة الحسية العابرة لتصبح مركز ثقل يعيد الرجل من خلاله اكتشاف نفسه، فالميل والتجاذب نحوها لا يكونان من أجل الهيمنة أو الاستملاك بل يكونان عملية استسلام تدفع الذات الذكورية إلى التخلي عن كبريائها التقليدي والتسليم بهشاشتها والاعتراف بأن هذا الرجل بكل قوته وكبريائه لا يمكنه الاكتمال إلا بوجود الآخر، لتصل هذه التحولات والمفارقات جميعها إلى ذروة تجليها على مسرح الغناء، فالأداء الحي لكاظم الساهر يتحول في كل حفلة إلى ما يشبه العرض المسرحي والدرامي المتكامل، حيث لا يعرض الساهر على المسرح المرأة كشخصية واقعية أو كذات متحدثة وموجودة بالفعل، بل يعرض الرجل وهو يتصارع ويتوسل ويستسلم للصلة المعقدة التي تربطه بصورة المرأة التي أنتجها النص وجسدها اللحن، فالجمهور الحاضر والمستمع لا يرى الأنثى الحقيقية بملامحها الواقعية، بل يرى انعكاسها المباشر في نبرة صوت المغني وجسده المتوتر وإيماءات يديه وحركاته التي تتصاعد وتهدأ مع حركة الأوركسترا. وهكذا تظل المرأة حاضرة بكثافة في تجربة كاظم الساهر، لا لأنها تُعبر عن نفسها بصوتها المستقل أو تملي شروطها الخاصة، بل لأنها المرآة الجمالية الكبرى التي يرى الرجل فيها أشواقه، وأزماته، ورغباته، وانكساراته أمام الفن والحياة. ومهما تنوعت القراءات حول تمثيل الأنثى في أعماله، يبقى قيصر الغناء العربي علامة فارقة واستثنائية؛ عبقري استطاع بصوته وإحساسه الرفيع وألحانه الساحرة أن يخلّد الشغف العاطفي في أبهى صوره، ليصنع أرشيفاً غنائياً آخذاً بالقلوب، تجتمع على جماله وجلاله أجيال المتعاطفين مع الفن الأصيل والموسيقى العابرة للزمن.

***

إبراهيم السعدي / باريس

تمثل الكفاية التواصلية جانباً من القدرات المعرفية واللغوية التي تتأسس عليها العملية التعليمية التعلمية من أجل خلق توافق معرفي بين الأستاذ والمتعلم، وتسعى الفلسفة التربوية التدبيرية الحديثة إلى ترسيخ هذا التوافق مع استحضار دور كل الهيئات والفاعلين التربويين بمنظومة التربية والتعليم. وفي ظل التكامل بين هؤلاء الفاعلين، والتكامل بين المناهج الدراسية والعلوم المعرفية واللغوية يكثر الحديث في سياق بزوغ المكون الحجاجي عن عدم جدوى البلاغة التعليمية وكونها بلاغة تقنية تكرس مفهوما واحدا للبلاغة يسميها محمد مشبال ب "المعرفة التقنية المجردة". ضمن هذا الرأي المتداول عند من يصفون أنفسهم بالبلاغيين الجدد نتساءل كيف تنمي البلاغة مفهوم التواصل في الفضاء المدرسي وتعزز من قيمته؟ ثم كيف يسهم الدرس البلاغي في إحداث الأثر التربوي في سلوك المتعلمين؟ كيف تعمل المدرسة على تحقيق خطاب تربوي يستمد مقوماته من أخلاقيات التواصل؟ كيف تسعى المدرسة إلى تبني خطاب يقوم على العدل والمواطنة؟ كيف تتحول البلاغة من مكون تعليمي إلى وسيلة لصناعة خطاب تربوي يحمل قيما معرفية؟

إن تطور الدرس البلاغي بالتزامن مع تطور الشعر العربي الجاهلي وهيمنته على مجال الأدب ظلت البلاغة تحاكم النصوص من منطلق جمالي إمتاعي فقط مبني على الذوق ومدى تحقيق الأثر النفسي، إلى أن تبلورت نظرية حديثة تدعو إلى توسع مجال البلاغة للنظر في مجمل الخطابات الإنسانية من منطلقات إقناعية وهذا ما سمي بنظرية الحجاج. وإن كان سؤالا كبيرا شغل الناقد التونسي "شكري المبخوت" يلغي مكون الإقناع في الأدب العربي القديم وهو أين يبرز مبحث الحجاج في مدونة الثقافة العربية القديمة؟ حيث قاده هذا السؤال إلى «قراءة مدونات البلاغيين قراءة استدلالية لا تقوم على أي تعسف أو إسقاط وإنما هي نابعة من صلب تصور البلاغيين لموضوع علمهم وأسلوب مقاربة الظواهر التي يهتمون بها». هذا السؤال يحمل في مدلوله غياب مكون الإقناع في التراث العربي القديم، علما أن الإقناع لا ينفصل عن الذوق والتقبل. فعندما حكمت "أم جندب" بكون علقمة بن عبدة أشعر من امرئ القيس فقد اهتدت إلى حكمها النقدي بكونها اقتنعت بتناسق اللفظ وجمال العبارة وحسن توظيف وصف الفرس الذي ينسجم مع معايير الفروسية العربية. لذلك فالإقناع والاقتناع لا ينفصلان عن النظر الجمالي والإمتاعي للنصوص.

لاينكر أحد أن الدرس البلاغي العربي نشأ في حضن القرآن الكريم وترعرع في سياقه من حيث دراسة أوجه إعجازه لفظا، لذلك يمكن القول إن عماد السؤال البلاغي العربي هو ثنائية اللفظ والمعنى وليس ثنائية التخييل والحجاج كما يذهب إلى ذلك "محمد العمري" وثلة من البلاغيين الجدد سواء في الغرب أو الوطن العربي، لكن هذا الرأي الذي يدعمه "محسن الزكري" في كتابة " أصول التأويل في البلاغة العربية" يظل قاصرا عن إدراك جوهر البلاغة في تعالقها مع النصوص والخطابات الإنسانية التي تستمد قوتها من الحجاج والتخييل وأهمها الخطاب التربوي. من هنا تظل البلاغة في أفقها العام توظف الإمتاع وتجعل الإقناع أداتها الكبرى.

بين الإمتاع والإقناع يدور موضوع البلاغة ولا يمكن لنا أن نتجاوز الوظيفية الجمالية لها على حساب وظيفتها الإقناعية ومن ثمة لا يعدو أن يكون الإقناع مكونا جماليا. لهذا فالبلاغة من خلال الخطاب التربوي تنمي الحس الجمالي التأملي في المتعلم كما أنها تعلمه تذوق النصوص. وإذا كانت البلاغة عند القدامى "مطابقة الكلام لمقتضى الحال" فإن الوضعية التدريسية أو التقويمية من خلال التعلمات الصفية لا تنفصل عن هذا المفهوم؛ من أجل ذلك تعد البلاغة شرطا أساسا لتحقيق التواصل بين الأستاذ والمتعلم، «حيث إن المعنى المدروس في البلاغة هو مراد المتكلم لا المعنى مطلقا سواء أراده المتكلم أم لم يرده» [شكري المبخوت، الاستدلال البلاغي ص: 24]. إن البلاغة هنا وسيلة ديداكتيكية ينطلق منها الأستاذ في بناء التعلمات  لذلك نعتبر أنه من شأنها تحقيق الانسجام والتوافق وتخليق الخطاب التربوي عبر الممارسة المهنية التعلمية حيث تستمد مقوماتها من العلاقة الأفقية الصفية التي تراعي بيداغوجيا الأخطاء والتفاوتات الذهنية والنفسية والمعرفية؛ من هنا تكون البلاغة جديرة بنقل الخطاب التربوي من حدود الفصول الدراسية إلى خارجها عبر توسيع نطاق القيم التربوية. لكن أمام هذا الرأي تعترضنا إكراهات كثيرة وإشكالات عميقة تتمظهر على مستوى مواظبة المتعلمين، التربية الوالدية، الحافزية، الإحباط المدرسي والمهني، وكذلك الانتقال بالبلاغة من مفهومها القيمي إلى مستوى تمويهي تضليلي حيث تقترن البلاغة بالمصلحة الشخصية فتتساوى مع الخطاب الإنساني الذي يراهن على الكذب والخداع والمراوغة خصوصا السياسي والاجتماعي، لأجل ذلك لا تحقق البلاغة الكفاية التواصلية في ظل تراجع أداء التعلمات نتيجة لضعف الإلمام والإعداد من طرف الأستاذ وعدم الجاهزية والاهتمام من طرف المتعلم وغياب دور الأسرة والإدارة التربوية التي سمينها سابقا بالإكراهات، إذ تظل المدرسة فضاء للنجاح والعمل بغض النظر عن الوسيلة حيث لم تعد تبحث في صناعة متعلم قادر على تعبئة موارده ومعارفه من أجل وضعية مشكلة لكنها أصبحت مؤرقة بسؤال: كيف ننقد موسما دراسيا بدون تهديدات حقيقية؟ وتبحث في حل المشكلات النفسية والاجتماعية للمتعلمين أكثر من بحثها عن حلول لمشاكل تعليمية صفية، وهذا ناتج عن تقليص دور الأسرة كما أنه ناتج عن السياسية العامة للإصلاحات التربوية التي تؤكد على عدم نجاعتها وفاعليتها كما تم التخطيط لها وقد أشار إلى ذلك تقرير المجلس الأعلى للتعليم بالمغرب 2024. «لقد أضحى من البديهي أنه بدون تحول عميق للنظام التربوي لا يمكن بلوغ أي هدف من الأهداف التنموية للمغرب على مستوى ازدهار المواطنين، والتماسك الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، والإدماج الترابي»" ص: 18.

إن فئة كبيرة من المتعلمين لم تعد مهتمة بالدرس والتحصيل بقدر ما تهتم للنجاح أو العبور للمرحلة الموالية إن صح هذا التعبير، وهنا يبرز شبح الغش كآلية مضللة للنجاح تستثمر ذكاءات المتعلم في اختراع أساليب كثيرة، وفي علاقته بالبلاغة يمكن القول إنه يحول  الجد إلى الاتكالية أي تحويل الصدق إلى الكذب وقد كان مفهوم البلاغة عند القدامى مرتبطا بهذا المعنى في إحدى تعريفاتها، يقول " ابن المقفع": «البلاغة كشف ما غمض من الحق وتصوير الحق في صورة الباطل»، لذلك فالبلاغة ترتدي رداءات مختلفة وينبغي تحريريها من هذا العبء كما يذهب إلى ذلك "صلاح حاوي" في كتابه "تحرير البلاغة، بحث في الذاكرة".

في عرف مفاهيم الحيل والذكاء والمكر يقترن الغش بالبلاغة المضللة التي تظهر الباطل في صورة الحق، لكننا نحسب أن الغش لا يقترن بالبلاغة ولكن يقترن بضعف شخصية الغاش التي نجد نظيرا لها عند القائد والسياسي والمثقف الذين يستعنون بالكذب والخداع والتملق لتسلق المناصب. وقد وظفت وزارة التربية والتعليم الأولي والرياضة بالمغرب هذا الموسم تقنية جديدة متطورة في تتبع حالات الغش في امتحانات البكالوريا؛ وإذ تنبأنا بجدواها وأهميتها حينها لكننا لم نلغ فرضية الغش لأن المتعلم يمارس دهاء ومكرا يفوق الآلة.

من هذا المنطلق نطمح في البلاغة المدرسية أن تبني الثقة في التلميذ وتشجع فيه التفكير النقدي وتزوده بآليات دقيقة للفهم والتحليل والتعامل مع الوضعيات المشكلة. كان هذا مبتغانا من هذا المقال وهو كيف تنتج المدرسة خطابا بلاغيا يقوم على البناء القيمي لشخصية المتعلم لا أن تستلهم المدرسة النموذج البلاغي القائم على الدهاء الذي يتبناه الكثير في مجتمعنا الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي.

***

د. عبد المجيب رحمون

المقال الأول: العدمية، حين تصمت السماء

في منتصف القرن التاسع عشر، كتب نيتشه جملته التي لم يتعافَ منها الفكر الغربي حتى اليوم: "الله مات ونحن قتلناه". لم يكن يعلن نبأ لاهوتيا، ولا بشّر بنصر الإلحاد على الإيمان. كان يصف انهيارا في البنية الكاملة للمعنى، في تلك الشبكة الخفية من القيم والمعتقدات واليقينيات التي جعلت الحياة الأوروبية تبدو على مدى قرون وكأن لها اتجاها ووجهة وعقلا مدبّرا. فحين يسقط المطلق أيا كان اسمه أو توصيفه، إلها أو عقلا أو تاريخا أو تقدما، لا يبقى شيء يملأ مكانه ولا يُستعاض عنه بشيء. يبقى الفراغ فراغا. وهذا هو قلب العدمية النابض بالصمت.

قبل نيتشه، كان شوبنهاور يمهّد الأرض لهذا الفهم بطريقته الخاصة الثقيلة. كان يرى أن الكون لا يحكمه عقل ولا حكمة ولا عناية، بل تحركه "إرادة" عمياء مجنونة، قوة جرفاء لا تعرف هدفا ولا ترحم ضعفا. كل كائن حي هو تجلٍّ لهذه الإرادة العمياء: يجوع فيطلب الطعام، يشتهي فيطلب الاقتران، ويبني فيطلب الديمومة، وفي كل مرة يبلغ مطلبه، لا يجد فيه ما توهّمه، فيعود الجوع والاشتهاء من جديد. هذه الدوامة بلا منتهى ليست قدرا طارئا يمكن إصلاحه، بل هي طبيعة الوجود ذاته. الحياة في جوهرها معاناة، لا كمصطلح أخلاقي بل كحقيقة بنيوية. والمعرفة في أقصى مآلاتها، لا تُنتج سوى مشاهدة أوضح لهذا الإفلاس. لهذا أُعجب شوبنهاور بالبوذية، ووجد في الزهد الاختياري وإطفاء الإرادة طريقا نحو نوع من الخلاص السلبي: التخلي بدل بالتحقق.

قلب نيتشه الطاولة على هذا الحل البارد. في كتبه "إنساني، إنساني جداً" ثم في "هكذا تكلم زرادشت" و"ما وراء الخير والشر" و"في نسب الأخلاق"، شنّ نيتشه حربا فلسفية لم يوفّر فيها شيئا: لا الدين، ولا الأخلاق الموروثة، ولا الديمقراطية، ولا حتى العلم حين يتوهم أنه خلف شرعي للميتافيزيقا. وفي قلب هذه الحرب كان السؤال المؤلم: إذا أسقطنا كل ما كنا نؤمن به، فما الذي يتبقى؟ وكيف نعيش في الفراغ الذي أوجدناه بأيدينا؟

كان نيتشه يميز بين عدميتين، الأولى يسميها العدمية السلبية، وهي تلك التي تستسلم لموت المعنى وتقبع في حفرة اليأس، تنعى مطلقا ضاع ولا تجد من يعوّضه، وتنتهي بنفوس مرهقة تؤمن بلا شيء وتعجز عن الإبداع. هذا النوع كان نيرى فيه مرضا، لا نهاية المطاف. والثانية يسميها العدمية الفاعلة، وهي تدمير للقيم القديمة لا كغاية في ذاتها بل كتمهيد لخلق قيم جديدة من مادة الإنسان نفسه. الإنسان الأعلى (Übermensch) الذي يُطلقه نيتشه في فضاء أفكاره ليس طاغية خارقا ولا بطلا أسطوريا، بل هو من يتحمّل العدم دون أن ينهار، ومن يُقرّ بغياب المعنى الموروث ثم يُصرّ على صنع معناه الخاص من الإرادة والإبداع والشجاعة. هو إنسان يعيش ثقل اللامعنى ولا يُسقطه على الآخرين، ولا يهرب منه إلى الأوهام الجماعية. ثمة في فلسفة نيتشه فكرة أشد فتكا من "موت الله": فكرة "العود الأبدي". تقول هذه الفكرة إن كل لحظة من حياتك، بكل آلامها وأفراحها وخسائرها وانتصاراتها الصغيرة، ستعود إلى الوجود مرات لا تُحصى، بلا تغيير ولا رحمة. لا بداية ولا نهاية ولا تقدم ولا خلاص، فقط تكرار أبدي لنفس اللحظات نفسها. طرح نيتشه هذه الفكرة ليس بوصفها حقيقة ميتافيزيقية مؤكدة، بل كاختبار وجودي: لو علمت أن حياتك ستتكرر إلى الأبد بهذه الصورة بالذات، فهل تريدها؟ هل تقبلها؟ الإنسان الذي يجيب بنعم، الذي يقول للحياة "عُودي" رغم معرفته الكاملة بثقلها وأوجاعها، هذا هو الإنسان الذي تجاوز العدمية فعلا لا قولا.

في القرن العشرين، حمل مارتن هايدغر هذا الموروث ووضعه في سياق وجودي أعمق وأكثر تقنية، رأى أن الأزمة الحديثة لا تبدأ من الإجابات الخاطئة، بل من نسيان السؤال الصحيح، سؤال الوجود ذاته. الإنسان الحديث يمضي في حياته دون أن يسأل يوما: ما الذي يعنيه "أن يكون" شيء ما؟ ما الذي يجعل الموجودات موجودة بدل أن تكون لاشيء؟ هذا النسيان ليس جهلا عارضا يُعالَج بالتعليم؛ هو طريقة وجود أصيلة تسكن الحداثة في جوهرها. الإنسان يعيش "مُلقىً" في العالم دون أن يختار هذا الإلقاء، ثم يندمج في ال"هُم" الاجتماعية: ما يشغل الجميع، ما يقوله الجميع، ما يريده الجميع، هربا من مواجهة وجوده الخاص. الموت هو الإمكانية الوحيدة التي لا يستطيع أحد أن يتقاسمها مع الإنسان أو يحمل عنه عبأها، وحين يواجه الإنسان موته بوضوح، باعتبار نهايته الحتمية الشخصية اللاقابلة للنقل إلى سواه، تنكشف له العدمية لا كنظرية فلسفية بل كحقيقة نابضة تحت جلده في كل لحظة.

"المسكين" نيتشه انتهى إلى انهيار عقلي في تورين عام 1889، قضى على إثره السنوات العشر الأخيرة من حياته في صمت شبه كامل حتى وفاته عام 1900. التشخيص الطبي الدقيق لا يزال محل جدل بين المؤرخين. ما الذي نصنع بهذه النهاية؟ ليس من الإنصاف أن نُقيّد فكرة بقدر صاحبها البيولوجي، فالحياة الشخصية ليست دليلا على صحة الفكر أو بطلانه. لكن ثمة شيئا موجعا في هذه المشهدية لا يمكن إغفاله: أن الفيلسوف الذي أراد للإنسان أن يُبدع معناه بإرادته الخاصة انتهى في صمت لا إرادة فيه ولا إبداع. ربما لأن من يواجه الهاوية بلا هوادة لا تكفيه الفلسفة وحدها سلاحا.

ما يجعل العدمية فكرة يصعب رفضها بسهولة أنها لا تطلب منك أن تؤمن بشيء، بل تطلب منك الدليل على أن للحياة معنى، لا الدليل الديني ولا الأيديولوجي ولا العلمي، بل الدليل الحقيقي الذي لا تسنده سلطة خارجية ولا عادة موروثة. وحين يجلس الإنسان مع هذا السؤال في صدق تام دون أن يستعجل الإجابة، يجد أن معظم ما اعتقده معنى طوال حياته لم يكن أكثر من خوف مُقنَّع، أو انتماء جماعي مريح، أو وهم أقنعه إياه من سبقوه لأنهم هم أيضا كانوا يحتاجون الإقناع. العدمية مزعجة لأنها صادقة في تشخيصها. وهي مقيمة بيننا منذ أمد بعيد، تحت أسماء كثيرة وأوجه متعددة، في الاكتئاب الحضاري  العميق، وفي الشعور العابر بأن كل شيء لا يهم حقا، وفي تلك اللحظات التي تسقط فيها الأقنعة ويجد الإنسان نفسه وحيدا في مواجهة سؤال لا يعرف أين يذهب به.

***

عبد الرحيم الجرودي

يترددُ أحيانًا على لسان بعضِهِم، أن مسائلَ عِلْمِ الكلام قد عفا عليها الزمنُ، وأنه ما الجدوى من الكلام الآن في خلافاتٍ تَمَّتْ قبل مئات السنين، فلنتحدث عن قضايا تمس واقعنا.

هذا فحوى الكلام الذي يفْتأ بعضهم يردده زاعمًا بذلك أنه يَعملُ على تطوير وتجديد الفكرِ الإسلامي، والقضية، في نظري، تحتاجُ إلى تفكيكٍ لهذا الاعتراض المُركَّبِ.

فمِن ناحية أننا لابد أن نتناولَ قضايا لها عَلاقةٌ بواقعنا، فهذا أمر لا شك فيه، وبالفعل لابد منه، وهو صحيح، هذه نقطة نتفق عليها بدايةً.

أما مكمن الخلل في الاعتراض المُركَّب، فيتمثل في أنه ينطوي، سواء بشكلٍ ضمني أو صريح، على أن القضايا الكلاميةَ التي وقعَ فيها الاختلافُ منذ مئات السنين، لم يَعُد لها جدوى في واقعنا، وأن تناولها غير مؤثر، وغير مفيد للحاضر الذي نحياه، وهنا يكمن لُب المشكلة والخلل في هذا الطَّرْح.

فالواقع الذي نحياه، والاصطفاف المذهبي، والتناحر الطائفي، لم يكن إلا على هذه القضايا في الأساس، فانقسام المسلمين إلى سُنَّةٍ وشيعةٍ، وغير ذلك من المذاهب والطوائف، كان قائمًا على هذه القضايا، بالإضافة إلى العامل السياسي التاريخي الذي دعَّم هذا الانقسام.

ومِن ثَمَّ تُصبح الدعوةُ إلى ترْكِ السبب والقضايا الرئيسة في انقسام الأمة شيئًا من العبث الفكري؛ فهذه القضايا، وإن زُعِمَ أنها في ظاهرها لا تمس الواقع، إلا أن الانقسام الدائرَ حولها هو سبب رئيس في حالة الضعف والتردي القائم، والذي تعاني منه الأمةُ أشد المعاناة.

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي هو مواجهة هذه القضايا وليس الهروب منها، ولا أقصدُ بمواجهتها أن نطرحها من باب أن ينتصرَ كلُّ فريقٍ لنفسه ويُقْصي غيرَه، لا، وإلا فنحن بذلك لم نغيِّر شيئًا، وسنزيد الواقعَ سوءًا، ولكن الهدف والمقصد من مواجهة تلك القضايا، هو إقامة حوار بشأنها، وتغيير منهجيةِ التناول ولغته، فمثلًا: الخطابُ الكلامي القديم، في كثيرٍ من جوانبه واتجاهاته، يقوم على «الإقصاء» للآخَر وتبديعه أحيانًا، وتفسيقه أحيانًا، وتكفيره أحيانًا أخرى، بل والسخرية من الخصم والشماتة فيه وسَبِّه(١)، وهذا ما نحتاج بالضبط إلى معالجته، فنتناول هذا بآلية وخطوات واضحة، كالتالي:

أولًا: نعيدُ بحْث كثير من القضايا وننظر فيها، فلربما كان جزء من الخلاف من قبيل «الخلاف اللفظي»، وحينها يهون الأمر كثيرًا ونَعلَمُ أن المضمون واحدٌ وإن اختلفت العبارة.

ثانيًا: ننظر في مدى قطعية هذه الاختلافات، وفي ظني أن هذه الاختلافات مِن قبيل الظني الذي لا نستطيع أن نقطع من كل وجه على صحته، وإذا كان الأمر كذلك وعلى هذا النحو، فهل يصبح من العقل أن نتطاحن على قضايا ليست بالقطعية من الأساس؟!

ثالثًا: منهجية الخطاب، وكما تقدَّم، كانت المنهجيةُ الكلاميةُ القديمةُ -أغلبها- قائمة على الإقصاء في جوانب عديدة، والتجديد لا يكون بالإهمال والتَّرْك لكل شيء كما هو عليه؛ وإنما بتوضيح هذه القضايا وإقامة النقاش حولها، سعيًا إلى تغيير منهجية «الإقصاء» إلى «التعايش» مع الآخَر وتَقَبُّله.

ولربما قال قائل: لن تجدي هذه المحاولات شيئًا، فكلٌّ سيبقى على ما هو عليه.

لتأتي الإجابة وأقولُ: إذا كان تناول هذه القضايا ومحاولة إيجاد أرضية مشتركة لن يجدي، فهل التَّرْك لهذه المسائل يجدي؟! فعلى أقل تقدير، تناول هذه القضايا بمنهجية عقلانية غير إقصائية، مِن شأنه أن يقوم بعمل حراك فكري، ثمرتُه تأتي عاجلًا أو آجلًا، وما الثورة الفكرية في أوروبا على العصور المظلمة ببعيدة، فلم تَصِل أوروبا إلى ما هي فيه من يومٍ وليلةٍ، وإنما من محاولاتٍ دؤوبةٍ في طريق تمهيد الطريق للإصلاح والتجديد والتأسيس، وراح في سبيل ذلك ضحايا، ودَفَعَ آخرون ضريبةً باهظةً جرَّاء هذا التجديد، فأوروبا لم تصل إلى حالها هذا فجأة، ولم تهبط عليها الحضارةُ هديةً من السماء(٢)، هذه ثمرةٌ مرجوةٌ مِن تناول هذه القضايا.

أما على الجانب الآخَرِ، فإن إغلاق هذه القضايا بزَعْم أنها لا جدوى منها، ما ثمرته؟ ثمرته أن كل شيء سيصبح كما هو عليه، التناحر المذهبي ظاهر وواقع، وجزء منه كامنٌ، وعلى استعداد أن يلتهمَ سعي الأمة ويدحض محاولة نهضتها.

كما أنه من غير المنطقي أن تكون هناك قضايا شائكة تمس جوهرَ الواقع، كالفِكْر الجبري والتواكلي والمُشَرْعِن لكثير من الخطايا، ثم نقول بعد ذلك: هذه خلافات تاريخية ما دخْلنا بها! فتكون هذه الدعوة بذلك قد خدَمَتِ اتجاهاتٍ بعينها، مستفيدة من إبقاء الوضع كما هو عليه، ومن رَوَاجِ فكرها، وسيطرتها الكاملة على العقل الجمعي، واستخدام ذلك في التنكيل بغيرهم، هذه أبعاد قد تكون غير مرئية وراء هذه الاختلافات، وهي أبعاد اجتماعية بالغة الخطر، ومِن ثَمَّ تصبح مواجهة هذا الحَشْد ضرورة فكرية ودينية واجتماعية، وإلا، فمَن يتمسكُ بغلْق هذه القضايا ويزعم عدم جدواها، فهو بذلك يُكرِّس للخطاب السائد، والذي هو المستفيد الأكبر من بقاء الأوضاع كما هي عليها.

وهذا كله لا ينفي التفاعلَ مع المستجدات الفكرية، فنتفاعل معها، ولكن ليس على حساب خطاب كامن شَكَّلَ العقلَ الجمعي، ثم بعد ذلك ندعو إلى إغلاقِ كل شيء وبقاء الأوضاع كما هي عليه.

وهذا التناول، بهذه المنهجية، لهذه القضايا جزء من تجديد عِلْم الكلام، فتجديد عِلْم الكلام لا يكون فقط بطرْح قضايا جديدة بالكلية لا علاقة لها بالتراث، هذا تعريف بعضهم لتجديد عِلْم الكلام، وبناء عليه يصبح تناول أية قضايا تراثية لا لندرج تحت عِلْم الكلام الجديد، وفي نظري هذا قصورٌ في النظر إلى تجديد عِلْمِ الكلام؛ فتجديد عِلْم الكلام لا يكون، فقط، بتناول قضايا جديدة؛ وإنما -أيضًا- بإعادة طرْح قضايا قديمة ولكن بتغيير منهجيةِ التناول.

ومن الاعتراضات المطروحة أيضًا على عِلم الكلام: اتهامُه بأنه سبب الفرقة بين المسلمين! فهل بالفعل يتحملُ عِلمُ الكلام -من حيث كونه عِلمًا- الانشقاق الذي حدث بين الأمة؟ بمعنى آخر: هل عِلم الكلام هو الذي «أنشأ» هذا الخلاف والانشقاق؟

إذا نظرنا إلى نشأة علم الكلام؛ نجدُ أنه نشأ في فترةٍ مبكرةٍ من التاريخ الإسلامي، بسببِ عدد من العوامل الداخلية، وعلى رأس هذه القضايا: قضية الإمامة(٣). وإذا عَلِمنا أن الجذور الأولى لبذوغ قضية الإمامة كان بُعَيْد وفاة الرسول، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، فكيف يكون عِلم الكلام هو الذي أنشأ الخلاف؟ ومَن السابق؟ بمعنى: هل كان قبل بذوغ الاختلاف حول الإمامة يوجد تنظير وعلماء كلامٍ ثم جاء الاختلافُ حول الإمامة متأثرًا بهذا التنظير ومستجيبًا له؟ أو أن العكس هو الحاصل، وأن عِلم الكلام جاء ليصوغ أمرًا قد وقعَ وحدثَ بالفعل قبل التنظيرات الكلامية؟ الواضح هو أن السؤال الأخير هو الأدق، فقد أثبتنا وجود ونشأة البذور الأولى العِلم الكلام، متمثلًا -في البداية- في قضية الإمامة، والتي كان ظهورها قبل أي تأليفٍ وتنظيرٍ كلامي، ومِن ثَمَّ، كيف يتأتَّى لنا بعد ذلك أن نقول إن عِلم الكلام هو سبب الاختلاف بين المسلمين؟ الواقع أن نقيض هذا الطَّرْح هو الصحيح كما أثبتنا.

***

بِقَلَم: محمد خليفة ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

...................

الهوامش:

(1) عبد القاهر البغدادي، «الفَرْق بين الفِرَق». تحقيق: د. محمد عثمان الخشت، (ط١، القاهرة، مكتبة ابن سينا، د.ن)، ص ١١: ١٢.

(2) د. هاشم صالح، «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا». (ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٠م)، ص ٧.

(3) د. عبد الجبار الرفاعي، «عِلم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العِلم والدين». (ط١، تونس، دار التنوير، ٢٠١٦م)، ص ٧.

أنا من المتحمسين لإمكانات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وأثمن بثقة الإنجازات الهائلة التي يحققها في مجالات الطب والهندسة واللوجستيات والإدارة. بل أقر بأن هذه الثورة الرقمية تحمل وعوداً حقيقية بتجاوز العوائق العملية التي طالما أثقلت كاهل التطور والتنمية. غير أن المشكلة ليست في الأدوات ذاتها، بل في السياق الذي نوظفها فيه والجهاز المعرفي الذي نستقبلها به، فبقدر ما تشكل هذه التقنية قفزة نوعية للبشرية، بقدر ما قد تتحول في واقعنا العربي غير المكتمل الجاهزية إلى حجر عثرة يوسع الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم، لا سيما في المجالات الجوهرية: التعليم، والتعلم، والابتكار.

1- وهم المعرفة وضياع التمايز المعرفي

المعضلة الجوهرية ان الذكاء الاصطناعي، في غياب المناخ النقدي، لا يوسع هامش الفكر الحر بقدر ما يمحو التمايز الضروري بين المفكر والجاهل. فمن خلال اتاحة المقالات الجاهزة والاجابات المنمقة التي تجيب عن كل شيء ولا شيء، يوهم المثقف انه يجيد التركيب ويوهم القارئ العادي انه يمتلك المعنى ذاته الذي يمتلكه الفيلسوف. والاخطر انه ينتج خطابا يحاور نفسه بنفسه، حيث تولد الخوارزميات الاسئلة والاجوبة والمناقشات في حلقة مغلقة لا يظهر فيها اثر للذات المفكرة. تتحول المعرفة هنا إلى صدى رقمي بلا بصمة انسانية، مما يجهز الارضية لاستقبال اعمى لكل ما تمليه الالة ويجعل من التفكير مجرد رفاهية لا ضرورة لها.

وهنا تتجلى المفارقة في قول المؤرخ الشهير يوفال هراري، الذي يحذر من ان الذكاء الاصطناعي "ليس اداة بل فاعل"، مضيفا: "اللحظة التي نتوقف فيها عن التفكير النقدي نصبح مجرد بيانات". فاذا كان العقل العربي قد اعتاد في كثير من محطاته على استيراد الحلول الجاهزة، فان هذه التقنية تاتي لتُعمق هذه العادة لا لتعالجها.

2- البنية النقدية الغائبة.. حين يقدس النص ولا يناقش

غير ان هذه الافة لا تقف عند حدود مخرجات الالة، بل تمتد لتكشف عن خلل اعمق في بنية تلقينا الثقافي. ففي المشهد الفكري العربي، نادرا ما تقابل المقالات الجادة والمثيرة للتفكير بنقاش معمق يقوم على التحليل والتفكيك والاعتراض البناء. بل ان ردود الفعل السائدة عليها لا تتعدى في الغالب الاعم الموافقة السريعة والاستحسان الخطابي والتبجيل المفرط لعقل الكاتب، وكان النص قد صار وثيقة مقدسة لا تقرا بقدر ما تبجل. وهذه الظاهرة ليست عارضة، بل هي دليل قاطع على غياب البنية النقدية في تشكيل وعينا الجمعي. وحتى الحفظ والتلقين الذي اعتدنا عليه كالية للتربية، بدا يضمحل امام قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدالهما تماما بالنسخ واللصق، فتنهار اخر جسور المواجهة مع النص الاصيل ويُقتل العقل النقدي الذي بدا في النمو حديثا عندنا.

في هذا السياق، يحذر الدكتور ياسر ابوبكر في صحيفة "القدس" من ان "اخطر ما يهدد التعليم العربي اليوم ليس ضعف المناهج او نقص الموارد فقط، بل التحول إلى مستعمرات خوارزمية تستهلك ادوات الاخرين دون وعي بطبيعة قيمها ومضامينها وانحيازاتها". ويضيف ان "الذكاء الاصطناعي ليس جهازا بلا روح، انه يحمل ثقافة من صنعوه وقيمهم واهدافهم. وحين نستخدمه دون فهم، فاننا نسمح باعادة تشكيل وعينا العربي وفق منطق خارجي لا يشبهنا". وهذا يؤكد ان غياب النقد ليس مجرد تقصير اكاديمي، بل هو استسلام معرفي يفتح الباب امام هيمنة ثقافية جديدة.

3- فخ التعليم.. اختصار الوقت ام اختصار التفكير؟

وهنا يتجلى الخطر الاكبر ليس على الثقافة العامة فحسب، بل على مستقبل الابتكار في الامة العربية. فالغرب يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته اداة لاختصار الوقت في المراحل الدنيا من التفكير (كجمع المعلومات وتنظيمها)، لينصرف بعدها العقل البشري إلى مستويات اسمى من التاليف والتحليل النقدي والابداع الفكري. اما في مؤسساتنا التعليمية التي لم تؤسس بعد ثقافة نقدية عميقة تقوم على الجدل والفحص، فان اختصار الوقت هذا يتحول إلى اختصار للتفكير ذاته والغاء له.

تخيل المشهد: طالب عربي يطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة بحثه الجامعي في دقائق، فينهي واجبه دون ان يمر بمشقة القراءة والموازنة بين المصادر، بينما يستخدمه طالب في جامعة غربية لتوليد فرضيات جديدة واختبارها نقديا تحت اشراف ذاتي واع. النتيجة ليست مجرد فجوة في الدرجات، بل فجوة منهجية في تكوين العقل. الاول يدرب الالة على الاجابة والثاني يدرب عقله على الاسئلة. وهذا هو جوهر الابتكار: ليس في استهلاك المعلومات بل في اعادة تركيبها نقديا، وهو ما يعجز عنه المستخدم السلبي.

وتؤكد الدراسات الحديثة هذه المخاوف، إذ وجدت دراسة اجرتها شركة مايكروسوفت بالتعاون مع جامعة كارنيغي ميلون ان "كلما اعتمد البشر على ادوات الذكاء الاصطناعي لاتمام مهامهم قل التفكير النقدي لديهم وقل اعتمادهم على انفسهم". كما كشفت دراسة اخرى ان "الطلاب الذين استخدموا ادوات الذكاء الاصطناعي بكثرة اظهروا قدرات تفكير نقدي متدنية مقارنة باؤلئك الذين لم يستخدموها بكثرة". بل ان الافراط في استخدام برنامج "شات جي بي تي" قد يؤدي وفق دراسة حديثة إلى "ضعف الذاكرة وتراجع التحصيل الدراسي". وهذه النتائج ليست مجرد ارقام، بل انذار مبكر لمستقبل عربي قد يفقد فيه الجيل القادم القدرة على التحليل والاستنتاج.

4- تخدير العقل الجمعي وتوسيع الهوة الحضارية

اذا سألتني بصدق وتجريد عن الحبر الاعظم لهذه التقنية في واقعنا الشرقي، فلن اقول لك انها تستخدم في التصنيع او الزراعة، بل ساقول لك: استخدامها الاكبر والاخطر هو "تخدير" العقل الجمعي. انها ليست دواء للجهل بل مسكنا يداريه، تشعر المتلقي بانه مثقف واع، بينما هو في الحقيقة مستقبل سلبي يكتفي باستهلاك النتيجة النهائية دون ان يكابد عناء البناء الفكري. هذا التخدير المعرفي يخلق جيلا واثقا من معارفه لكنه هش امام اول سؤال ناقد، لانه لم يعتد على انتاج الاجابة من داخله بل استوردها جاهزة.

وفي هذا الصدد، يحذر الدكتور عبد الله حمد المريخي في جامعة قطر، من ان الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى "اتكالية الطالب عليه في كل اموره وانه سيحل الواجبات والتكليفات وسيجري البحوث نيابة عنه". ويدعو إلى "مراجعة وتطوير اساليب التدريس والتقييم" لتتناسب مع المستحدثات، مؤكدا ان الذكاء الاصطناعي "اداة تكنولوجية ومساعدة وليست بديلا عن التفاعل البشري بين المعلم والمتعلم".

وهنا تكمن المفارقة الماساوية: بدلا من ان تضيق هذه الثورة الفجوة بيننا وبين الدول المتطورة، فانها ستعمل على توسيعها بسرعة فائقة. فالذكاء الاصطناعي في سياقنا يصبح اداة استعمارية معرفية جديدة بامتياز، لانه يقدم حلولا جاهزة لمشاكلنا المركبة، فيتبدد طاقتنا الفكرية في هامش النصوص المكررة وتبقي مجتمعاتنا في دائرة الاستهلاك المعرفي المحض، عاجزة عن المنافسة في انتاج التقنيات نفسها التي تستهلكها. نحن لا نطور الخوارزميات بل نستورد تطبيقاتها، ولا نبتكر المناهج بل نقلد نتائجها. وبهذا تتحول التكنولوجيا التي كان من المفترض ان تكون جسرا للعبور إلى المستقبل، إلى سد يمنعنا من رؤية تعقيدات طريقنا.

5- العيب ليس في الالة بل في عدم جهوزيتنا

ان الخطر الحقيقي لا يتمثل في ان ياتي الذكاء الاصطناعي ليجيب عن اسئلتنا، بل في ان ينسينا كيف نطرح الاسئلة اصلا، وان يسرق منا لحظة المواجهة الوحيدة مع تعقيد الواقع. واذا اردنا الا تتحول هذه الثورة إلى كارثة معرفية، فعلينا ان نبدا اليوم لا بمنع التقنية بل باعادة بناء البنية النقدية في مدارسنا وجامعاتنا، وتعليم الاجيال ان يستخدموا الالة لتوسيع مداركهم لا الغائها. والا، فان الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة لن تتسع في الانتاج التقني فحسب، بل في القدرة على التفكير ذاتها، وسنظل نردد اصداء الاخرين بينما يصنع الاخرون مستقبلهم بايديهم، منهزمين ليس امام الالة بل امام غيابنا عن وعي ذاتنا الناقد.

ختاما، لا يخفى على القارئ ان ما سطرته في هذه المقالة لا ينبع من موقف متشائم من الذكاء الاصطناعي او رفض مطلق له، بل من حرص شديد على مستقبل التعليم في عالمنا العربي، وعلى ضرورة ان نكون مستعدين لهذه التقنية لا مكتفين باستهلاكها. فأنا مؤمن تمام الايمان بان الذكاء الاصطناعي يمكن ان يكون اداة هائلة لحل المشكلات المعقدة وتسريع عجلة التنمية، شريطة ان نستخدمه بوعي ونبني اولا عقولا ناقدة قادرة على توجيهه لا الانجراف وراءه. واذا بدا في عباراتي شيء من القسوة او التشاؤم، فهو فقط مرآة لخوفي من ان تفوتنا هذه الفرصة الذهبية، لا رغبة في التخلي عنها. فالتحدي الحقيقي ليس في التقنية نفسها، بل في كيفية تعاملنا معها، وفي قرارنا الجماعي بأن نكون صناع ادواتنا لا مجرد مستهلكين لنتائجها.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس، جامعة دبلن

"النظافة لا دين لها" علاء مشذوب/ حمام اليهودي

في رواية (حمام اليودي) للمرحوم الروائي علاء مشذوب يتم طرح سؤال الاخلاق بطريقة إشكالية، عبر تناوله لطبيعة النزاع حول "يجوز او لا يجوز" ليهودي ان يكون راعيا لنظافة اجساد المسلمين. فيحتدم الجدل مما يؤدي الى ان تواجه النظافة ذاتها اشكالية تتعلق بما حولها لا بها، فتنتكس النظافة. لاحظوا هذه "العلاقة الصراعية" بين (النظافة) كمفهوم اخلاقي، و(يجوز او لا يجوز) كمفهوم اجرائي، فنخسر النظافة. لأن الاخلاق حسنة بذاتها لا بمتعلقاتها.

لقد شهدنا خلال الايام الماضية حوادث كثيرة بل مصائب وازمات، اشدها ايلاما (حوادث الفساد التي تزكم الانوف) وحرائق وضحايا، ولكن ما يثير الاشمئزاز حقا، ما نشهده من غياب القيم الاخلاقية في تناول هذا الامر. فتم الادعاء مثلاً بان الحريق مفتعل لغرض صرف الانظار عن حريق في وزارة، وان النائب المدان ليس هاربا فيخرج لنا بتبرير ساذج، ان الفساد اولى من الفوضى. اعتراضي هنا لا يتعلق بدقة المعلومة، ولكن ان يتم تناول الفاجعة بكونها حدثا ثانوياً لحدث اكثر اهمية هو الخوف من الآخر كفاعل مشؤوم. التبرير هنا اكثر مأساوية من الحدث ذاته، فتكون سلامة الورقة، اكثر اهمية من سلامة الانسان، وسمعة الجهة المنتمي لها الفاسد اهم من فعل السرقة، والحفاظ على الواقع اهم من كل قيمة اخلاقية. هنا اقول قد نجد في ما ذهب اليه المرحوم علاء مشذوب في تسليط نقده عل العلاقة الجدلية بين (الاخلاق والاجراء) تفسيرا لازماتنا التي لا تنتهي.

فلو استعرنا ايضا مفهوم (سلافو جيجك) استطيع ان اقول ان رمزية الفساد لدينا يتأتى من فرط واقعيته التي لا تصدق، لتتحول الى مادة للتفكير بضرورة إيجاد حل، هذا التفكير هو الذي يجعلنا نختبر واقعيته على انه "كيان افتراضي" وتلك هي المفارقة. ان تتحول الواقعية المفرطة في كل مناحي حياتنا (مثل نقص الادوية) في معالجة المرضى، الى رمزية تتمثل في ان انقاذ الحياة تتطلب ايجاد حل عاجل "بالتبرع" من قبل المستثمرين كما طالب وزير الصحة، اي ان يتم تحويل نقص الخدمات الصحية في مستشفى الى (افتراض) فاعل مشؤوم. وان محاربة الفساد تصب في صالح العدو المفترض سواء كان داعشيا، اسرائيليا، بريطانيا، او امريكياً، بعثيا. او نتيجة صراع حزبي، كل ذلك يجعل من (محاربة الفساد او حياة الانسان) امر لا قيمة اخلاقية له، مقابل اجراء كشف الفاعل المشؤوم.

ان تحول مظاهر الفساد الى "كيان افتراضي" تخرجه من كونه معضلة سوء الادارة في مرسسات الدولة ودوائرها الى حل بالتبرع من اجل ترميم مستشفى. او الاشارة الى فاعل "رمزي" فتنتقل المسؤولية من واجب الموسسة، الى واجب المجتمع، من التخطيط والتنمية المستدامة، الى التبرع من اجل الدواء او ادامة المستشفيات ليتم التنازل عن دور الدولة في الضمان الصحي والاجتماعي بالاستعاضة عنها بالتكافل الاجتماعي. وقس ذلك على الكهرباء وكل مناحي حياتنا، فيقال لنا ان من يمنع تبليط شارع او بناء منظومة تصريف صحي، او اعمار مدينة منكوبة، او تقديم ماء صالح للشرب، هو بفعل فاعل مشؤؤم. فأزمة الكهرباء المستدامة، تُقدم لنا لا بكونها مشكلة واقعية تحتاج حلا واقعيا، بل بكونها تحمل من الرمزية الشيء الكثير. رمزيتها تتأتى من فرط واقعيتها التي لا تصدق، لتتحول الى مادة للتفكير بضرورة إيجاد حل، هذا التفكير هو الذي يجعلنا نختبر واقعية انقطاع الكهرباء على انه "كيان افتراضي"، بفعل فاعل مشؤوم. فنتعرض في الواقع الى ضغط غياب الكهرباء والحاح الحر المفرط في واقعيته، وبين افتراض ان الحل ممكن ولكن ليس بيدنا (بل لأن الفاعل المشؤوم لا يريد). يساق هذا الامر (كصراع بين الواقع والافتراض) من قبل الكثير من المنعزلين ويحيون حياة مفعمة بالحرية في مساحة (كيبورد) لا تمت للواقع بصلة، ولكن نتيجة الخبرة الكامنة لديهم، والتي يظهر فيها الواقع على شكل تحليل يكرس الذاتي لا الموضوعي، فيرفض التعرف على الفساد بنتيجته، ليقول لنا انها تعبير عن رمزية الشر الكامنة في الاخر.

لا يكتفي هذا المنعزل عن الواقع الذي نخبره من حولنا بمصائبه ونكباته واحزانه التي لا تنتهي، بل ويرغب ان يحررنا من وهمنا، ليقنعنا ان الفساد المفرط في واقعيته ما هو الا مظهر لشيء اكبر، لكننا لا نراه. ليقول لنا ان ما نراه كحقيقي (الفساد) هو الوهم الذي يقدم لنا على انه حقيقي (الفساد خير من الفوضى). هنا تقدم الدعوة لنصدق اننا نحيا في كون مصنوع بفعل فاعل بشع يهددنا طوال الوقت، ليعكس الجدل، في ان اي نقد للفساد هو تبرئة لفعل الفاعل المشؤوم. هي دعوة صريحة من قبل المنعزل لرفض التفسير الاجتماعي لفساد المفسدين، باعتباره تبريرا خفيا للفاعل المشؤوم.انها ثقافة تصرف النظر عن الواقع وتبرير لعدم تحمل مسؤولية الفساد من قبل المفسدين ذاتهم.

ان المشكلة الحقيقة تكمن في منظومة العمل ذاتها، وان نعزوا هذا الفساد الى فاعل خارجي، هو تبرئة لهذه المنظومة. فالصراع بين الفساد ونقضيه صراع داخلي محض، لذا علينا تغيير قواعد العمل الظاهرة لهذه المنظومة الداخلية. الفساد والشر لا يحتاج ان يرتكبه الشياطين، بل يرتكبه الحمقى والاغبياء كما تقول حنا ارندت، والانهيار الاخلاقي الذي يسببه فساد السلطة، والعجز عن التفكير او التفكير من وجهة نظر آخر (التفكير من خلال فكر تاج الراس).

كيف يمكن للوضع المساؤي ان يتحول الى وضع فلسفي (على قول باديو)، يقال عندما تحدث المفارقة، او عندما يفتقد المعيار المناسب بين حالتين المفروض ان تكون متشابهتين، لتتحول الى نقيضها. اخترع الانسان المشافي من اجل الشفاء، من اجل استعادة الصحة، لكن ان تتحول هذه المشافي الى محارق وقبور وموت مجاني وبالجملة تلك هي المفارقة المبكية المضحكة. واوجد الانسان الدولة من اجل تحقيق العدالة ونشر القيم الأخلاقية لتحفظ للمجتمع امنه وسلامته، لا للتمتع بمغانم السلطة، ونشر الفساد، وقتل كل القيم الاخلاقية والانسانية.

ان الطبيعة المتخفية للفساد يكمن في داخل نظام مغلق، تديرة مجموعة من المجرمين المرضى ويهدف الى نزع الشخصية الانسانية عن ضحاياه، عبر تصدير الفهم على انهم مجرد ضحايا لسوء الادراة، او نتيجة للعنف، اي عبر تحويل واقعية الموت المجاني المفرط في واقعيته على قول (جيجك)، الى رمزية "المسؤولية" لتتحول المسؤولية الاخلاقية لرجال السلطة الى سوء ادارة مثل"التفريط بشروط السلامة المهنية" فيتم تبرئة الفساد والمفدسين.

الاخلاق وحدها يمكن ان يكون جذرية، اما الفساد فلا يمكنه ذلك إلا ان يكون متطرفا (جورجير اغامبين)، لذا يتولد الفساد من فشل في التفكير، فهو يتحدى التفكير، فحين يتصدى الفكر له ويتقصى المقدمات واصولها، يصاب بالارباك حين لا يجد شيئا سوى ان المسبب "فاعل مشؤوم" مفارقة مبكية مضحكة. السؤال الجوهري حول ما نواجهه من كوارث يتلخص في؛ ما الذي يجعل اي قرار او خيار يتخذ على مستوى عام يؤدي الى اخطاء كارثية لدينا، سواء على مستوى السياسة والاقتصاد والثقافة ومنازلة الفساد. يقول الأمام علي (ع) رجال العلم على أربع:

1. رجل يعلم ويعلم أنه يعلم فذاك عالم فاتبعوه.

2. ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم فذاك نائم فأنبهوه.

3. ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم فذاك جاهل فعلموه.

4. ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فذاك أحمق فاجتنبوه.

في التهديد الوجودي الذي واجهناه في ايام جائحة كورونا، لعبت معرفتنا دورا كبيرا في ما آلت اليه احوالنا. لقد زعزعت الجائحة الكثير من المسلمات فحدث شواش:

- حول المعرفة ذاتها.

- حول الاكراه على العزلة.

- والعيش بلا يقين.

المفارقة تكمن في المعرفة التي نحوزها، فقد واجه العالم الجائحة "بعلمه انه لا يعلم"، بينما نواجهها نحن، "بجهلنا أننا لا نعلم". فالمواجهة التي حصلت معرفيا حول الجائحة في العراق كانت بين نمطين من المعرفة:

- الاول الذي يعرف انه لا يعرف، فيحاول التعلم من اجل النجاة، وهم القلة.

- والثاني الذي لا يعرف انه لا يعرف، وهم الكثرة ولهم الغلبة.

المشكلة لا تكمن بعدم المعرفة بما يحدث حولنا. بل جهلنا التام بعدم المعرفة حول ما يحدث. هذا الجهل يوجب علينا التعامل معه كواقعة مجتمعية يتساوى فيها الاستاذ الجامعة مع الامي (الذي لا يقرأ)، يسوقهم عدم القلق لأنهم يستندون الى عدم تحمل المسؤولية نتيجة بعض الاعتقادات الراسخة، التي تعطيهم ضمانة موهومة ضد الخطر.

الغلبة هنا لهذا الصنف الثاني، فهم يملكون مفاتيح السياسة والاقتصاد والثقافة، القابضين على السلطة واما التابعين لهم فيملئون الارض عويلا وصراخا عن الحق المضيع، والمذهب المهدد، والطائفة التي في خطر...الخ، وسبب كوارثنا تكمن في العدو الماثل امام العين، لا في قرارتنا وخياراتنا، لانها تؤخذ تحت قهر وقسر معتقدنا باننا مظلومين، بل حتى فساد النفوس بسبب العدو لا غير. فلا مسؤولية يتحملها الحمقى والتابعين والمطبلين. لذا جل الحوادث تتحول الى كوارث لانها تقع تحت طائلة قرار او خيار يخرج من دائرة الحمق هذه.

علينا ان نعرف ان "المعرفة لا تعرض ذاتها" كما يقول الحكماء. فلا يمكن اعتبار تجاربنا الذاتية وهي مشتبكة بالشأن العام حدثا شخصياً، بل هي في احتدامها جزء من التجربة الاخلاقية والقيمية للمجتمع الذي ننتمي اليه. اي انني في اشتباكي بالشأن العالم ارسي قواعد اخلاقية وقيمية لمن هم معي وحولي ومن انا مشتبك معهم توافقا او تنافراً. ان عملية تشكيل الذات كما تذهب بتلر، لا تقع كلها في متناول الذات وبرغبتها، بل هي تقع تحت تأثير عوامل محكومة بالعلائقية ومعتمدة على معايير الاخر (المجتمع) بشكل رئيسي، وفي هذه الفجوة بين رؤيتنا لذاتنا، وتأثير الاخر في تشكيلها نقع في مطب التوازن بين رؤيتنا لذواتنا ورؤية الاخر لنا.

وكذلك في جدلية الصراع بين الطموح والواقع، تدخل ذواتنا محنة المفارقة بين ما نريد وما يمكن تحقيقه، فنصاب بالخيبة من سعة الفجوة، لذا تحاول ذواتنا ان تعيد ترتيب اولوياتها من جديد، معتقدة بقدرتها على النجاح، ولكنها (تخادع نفسها) لانها تفشل من جديد في ايصال الواقع الى ما تطمح اليه. فمحنة الذات المتوهجة انها لا تعترف بخداعها لنفسها، ولكنها بدلاً عن ذلك تتعالى على تجربتها باكتسبها فهما جديداً عبر هذا الخداع (قدرتها على الى ايصال الواقع لما تطمح اليه).

يكمن التعالي في العلاقة بين "الرغبة" الجارفة للذات المتوهجة بتغيير الواقع و"القوة"التي تحتاجها لتشكيل الواقع الذي تعيش فيه وتعتقد بانه "الغريب" عنها الى واقع تعتقد انها تعرفه وهو الذي لم يتحقق بعد "الحلم". في هذه الجدلية، الذات المأزومة بالتوهج، التي لا تعترف بالعجز عن التغيير التام، فهي اما ان تخسر الواقع الذي تحلم به بتصالحها مع ذاتها، واما ان تخسر نفسها بتوجهها للواقع الذي تحلم به. اي تسعى لتشكيل واقعها (الحلم) لتتشارك به مع الاخرين، فتدرك نفسها بوصفها اكثر غزارة مما كانت من قبل(بتلر).

تلك هي محنة الذات المتوهجة بالتغيير، تعاني الخوف من فقدان (الحلم)، والنشوة التي تشعر بها وهي ترى نفسها وقد حلت في آخر، الذي تشعر به امتداد لها "فتستملكه"، لذا فهي غير قادرة على تحمل فقدان هذا الاخر الذي استملكته. وللخروج من هذه المحنة تسعى الذات الى ممارسة الغطرسة ضد الاخر ما ان تشعر انه يسعى للاستقلال عنها. ان العنف الذي يمارس ضدنا، يعني انكشافنا امام الاخر وضعفنا وهشاشتنا المعرفية. (بتلر).

***

د. سليم حوهر

لكل دعوةٍ أهدافُها وغاياتُها، ولكي تبلغ تلك الغايات لا بدّ لها من آليات ومرتكزات تُمهِّد الطريق أمام تحققها، وفي هذا الإطار، تسعى "الديانة الإبـراهيمية الجديدة" إلى البحث عن البيئة الملائمة التي تضمن لها النمو والانتشار، فتتوسل بالمشتركات الظاهرة بين الديانات السماوية الثلاث، بوصفها أرضية جاهزة للتقارب والاندماج؛ من وحيٍ منزّل، ونبيٍّ مرسل، وكتابٍ مقدّس، ومعجزةٍ خارقة للعادة، غير أنّ ما يُروَّج له من أنّ هذه الدعوة انطلقت من رحم المؤتمرات الفـكرية، أو وُلدت في فضاءات المقالات الأكاديمية والمراكز البحثية، لا يخلو من قدرٍ كبير من التمويه؛ إذ إنّ جذورها الفعلية، كما تكشف الوقائع، انبثقت من أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، لا من ساحات الحوار الديني الحر.

نحن، إذن، أمام مشروعٍ متسلسل الحلقات، تتداخل فيه المصطلحات وتُعاد صياغتها بعناية، بحيث تغدو السياسة هي الحاكم الفعلي، فيما يُستدعى الدين بوصفه المظهر الخارجي لبوتقتها، وتُرفع شعارات السلام والتسامح والتعايش كواجهة أخلاقية لمضامين مغايرة. غير أنّ المحطات التي تمرّ عبرها هذه الدعوة، والبوابات التي تُفتح أمامها، لا توحي إلا باتجاهٍ واحد: تكريس النفوذ الغربي في الوطن العربي والإسلامي، أو ما يُسمّى سياسياً بالشرق الأوسط، عبر ترسيخ مفاهيم جديدة تتلاءم مع تحولات الثـقافة المعاصرة، وتُقدَّم بثوبٍ حداثي ناعم، بوصفها مبرراً لإزالة الحواجز بين الديانات الثلاث. وقد أسهم هذا المسار في توليد شعورٍ متنامٍ بأن وراء هذه الدعوة أيادي خفيّة، تتمثل على نحوٍ خاص في الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة، التي تراهن، بالتكامل مع حلفائها، على خلق مناخٍ يسمح بتطبيق المشروع الأمريكي–الصهيوني ذي البعد السياسي، تحت غطاء ديني–إنساني.

إنّ تسارع الأحداث في الشرق الأوسط، وتأجيج الصراعات الطائفية والعرقية والدينية، لا يمكن فصله عن عملية إعادة ترتيب أوراق النفوذ المُعدّة سلفاً، ففي هذا السياق، تُقدَّم الديانة الإبـراهيمية بوصفها الدعامة المعنوية والمادية والإعلامية لتوسيع الهيمنة، لا بالسلاح العسكري، بل بالأسلحة الفـكرية والرمزية، وباستهداف الحركة الأصولية الإسلامية التي يُنظر إليها باعتبارها الخطر الأكبر، غير أنّ المفارقة الأكثر خطورة تكمن في تجاهل الأصولية اليهودية–المسيحية، التي لم، ولن، تتخلى عن قراءتها الحرفية للكتاب المقدّس، ولا عن عقائد عصمة العهدين، وما يرتبط بها من نبوءات تتعلق بأحداث مستقبلية ومصيرية، مثل فكرة "الشعب المختار".

ومنذ لحظة الاحتلال عام 1948، وولادة الصراع العربي–الصهيوني على أرض فلسطين، جرى توظيف هذه النبوءات لتبرير مشروعٍ استيطاني يروم تجسيد ما ورد في النصوص المقدّسة، من موقع معبد الله إلى حدود مملكة بني إسرائيل المزعومة. وهكذا، نجد أنفسنا أمام إشكالية عميقة: دعوةٌ مُعلنة إلى التسامح والتعايش والسلام العالمي، تقابلها في العمق مخططات للسيطرة، واقتحام الدين من داخله، وإعادة تفكيك الأديان، لا لتقريبها، بل لتفريغها من معناها المقاوم، وتحويلها إلى أدواتٍ في مشروع الهيمنة.

إنّ الحديث المتزايد عن "القواسم المشتركة بين الأديان" لا يمكن فصله عن كونه مدخلاً تمهيدياً لإعادة هندسة الـوعي الجمعي، لا عبر الصدام، بل عبر التذويب، فهذه القواسم تُقدَّم بوصفها قيَماً سماوية عليا، مقبولة لدى الجميع، لا تثير حساسية أتباع الديانات المختلفة، لتتحول، في الخطاب السياسي، إلى أرضية ناعمة يُبنى عليها مشروع "حلّ الصراع العربي–الإسرائيلي"، غير أنّ هذا الخطاب، في عمقه، لا يستهدف العدالة، بل إعادة تعريف الحق.

ولهذا، يحذّر المنظّرون الداعمون لهذا المسار من خطورة الحديث عن "إعطاء الحق للشعوب الأصلية" بصيغته النـقدية، لأنّ هذا المفهوم، كما يُعاد تأويله سياسياً، ينقلب عملياً إلى تبرير استيلاء إسرائيل الكامل على القدس، فالمفاوض الإسرائيلي والغربي لا يتوقف عن الترويج، بوسائل متعددة، لما يسمّى "الحقوق التاريخيّة لليهود" في المدينة، عبر استدعاء سرديات زائفة من قبيل "مملكة داوود" بوصفها كياناً سياسياً تاريخياً، والادعاء بأن اليهود هم سكان كنعان الأصليون، وأن اليهودية سبقت المسيحية والإسلام، بما يمنحها، وفق هذا المنطق، أسبقية الحق. وهذه المفاهيم، التي يجري ضخّها ثقافياً وإعلامياً، لا تمهّد إلا لتنفيذ ما يُعرف بـ"الدولة الإبـراهيمية"، القائمة على مبدأ إعادة الحق إلى أصحابه الأوائل… أي اليهود، بحسب الزعم الصهيوني.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

كيف يستطيع الإنسان أن يجعل آلاف المتابعين يعتقدون أنهم أمام عقل استثنائي، وعبقرية نادرة، وشخصية تستحق الإعجاب والتقليد؟ وكيف يتحول الفرد العادي إلى "نموذج" يتبعه الآخرون، لا بسبب عمق أفكاره أو قيمة ما ينتجه، بل بسبب قدرته على صناعة صورة براقة عن ذاته داخل فضاء لا يعترف دائما بالمعرفة، وإنما يكافئ الحضور والاستعراض؟ .

يبد أن السؤال الأكثر إلحاحا الآن، ليس كيف يصنع المؤثر جمهوره، بل كيف يصنع جمهوره نسخة متخيلة منه؟، وكيف تتحول الشخصية الرقمية الهلامية إلى هوية بديلة يتقمصها الآخرون، فيقلدون طريقة كلامها وحركاتها واختياراتها، وحتى أوهامها، إلى درجة يصبح فيها التقليد بديلا عن التفكير، والانبهار بديلا عن النقد؟

  إننا أمام ظاهرة تتجاوز حدود مواقع التواصل الاجتماعي، لتكشف تحولا عميقا في بنية الوعي المعاصر. فالفضاء الرقمي لم يعد مجرد أداة للتواصل، بل أصبح مختبرا اجتماعيا لإنتاج الرموز وصناعة النجوم وإعادة تعريف مفاهيم النجاح والقيمة والذكاء.

 لقد انتقل الإنسان من عصر كانت فيه المكانة تُكتسب عبر المعرفة والخبرة والإنجاز، إلى عصر أصبحت فيه القدرة على جذب الانتباه في حد ذاتها نوعا من السلطة.  وفي ذلك ينبها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى خطورة تحول المجال العمومي إلى فضاء تتحكم فيه المصالح والأدوات التقنية، حيث يمكن أن يصبح النقاش العام خاضعا لمنطق التأثير بدل منطق الحجاج والعقلانية.

 واليوم تبدو المنصات الرقمية وكأنها نقلت هذا التحول إلى مستوى أكثر تعقيدا؛ إذ لم تعد الحقيقة هي ما يملك قوة البرهان، بل ما يملك قدرة الانتشار.  ومن زاوية أخرى، يمكن استحضار تحليل بيير بورديو لمفهوم "الرأسمال الرمزي"، حيث لا تقوم السلطة فقط على المال أو القوة المادية، بل على الاعتراف الاجتماعي الذي يمنحه الآخرون للفرد. فالمؤثر الرقمي يبني رأسماله الرمزي من خلال أرقام المتابعين والإعجابات والمشاهدات، حتى تصبح الكمية بديلا عن القيمة، ويصبح الانتشار دليلا زائفا على الأهمية.

 المفارقة الكبرى أن بعض الشخصيات الرقمية لا تقدم معرفة حقيقية ولا تجربة إنسانية عميقة، لكنها تنجح في بناء صورة مثالية عن الذات. إنها تمارس نوعا من "هندسة الانبهار"، حيث يتم تحويل الحياة اليومية إلى عرض مستمر، والذات إلى علامة تجارية، والخصوصية إلى مادة للاستهلاك الجماعي. ونستحضر هنا أفكار الفيلسوف الفرنسي غي ديبور، الذي يرى أن المجتمعات الحديثة تتحول تدريجيا إلى مجتمعات فرجة، حيث لا يعود الإنسان يعيش التجربة بقدر ما يعيش تمثيلها وصورتها. فالصورة لا تعكس الواقع فقط، بل تصبح واقعا قائما بذاته. وفي العالم الرقمي، يصبح الفرد أسيرا للصورة التي يصنعها عن نفسه، حتى يفقد المسافة النقدية بين الذات الحقيقية والذات المعروضة.

ويصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان المجتمعات المعاصرة بأنها تعيش حالة من "السيولة"، حيث أصبحت الهويات قابلة للتشكيل والتبديل بسرعة. وهذا ما يفسر انتشار الشخصيات الافتراضية التي لا تقوم على عمق داخلي، بل على القدرة على التكيف مع مزاج الجمهور والخوارزميات. لكن السؤال الأكثر إزعاجا يتعلق بالجمهور نفسه: لماذا ينجذب البعض إلى نماذج تفتقر إلى المعرفة أو العمق؟. لماذا تصبح التفاهة قابلة للانتشار أكثر من الفكر؟.

  ربما تكمن الإجابة في ما وصفه فريدريك نيتشه بصراع القيم، حيث لا تنتصر دائما الأفكار الأكثر عمقا، بل قد تنتصر القوى الأكثر قدرة على فرض حضورها. وفي البيئة الرقمية، تمتلك الخوارزميات قدرة هائلة على تضخيم المحتوى الذي يثير الانفعال، سواء كان غضبا أو دهشة أو فضولا، وليس بالضرورة المحتوى الذي يحمل قيمة معرفية. 

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المؤثرين، فالتأثير ظاهرة إنسانية قديمة، وإنما في انتقال التأثير من مجال المعرفة والخبرة إلى مجال الاستعراض الفارغ. فحين يصبح عدد المتابعين معيارا للحقيقة، وحين تتحول الشهرة إلى شهادة كفاءة، يصبح المجتمع أمام انقلاب في سلم القيم، يصبح المظهر أكثر أهمية من الجوهر، والصورة أكثر حضورا من الإنسان، والقدرة على جذب الانتباه أهم من القدرة على إنتاج المعنى.

 إن العالم الرقمي لا يعاني فقط من فائض المعلومات، بل من أزمة معنى. فوسط هذا التدفق الهائل من الصور والأصوات، يصبح الإنسان مهددا بفقدان ملكة التمييز بين ما يستحق المتابعة وما يستحق النسيان.

 ولهذا فإن السؤال الأخلاقي الأكبر لا يكمن في، كيف نصنع مؤثرين أكثر نجاحا؟ بل في، كيف نصنع جمهورا أكثر وعيا، قادرا على مقاومة الإغراء السهل للصورة، وعلى التمييز بين من يضيء الطريق ومن يبيع الوهم؟.  فالمشكلة تنساق إلى منتحلي وصانعي أقنعة رقمية، وممن أصبحوا مستعدين للعيش داخل تلك الأقنعة. وفي اللحظة التي يصبح فيها الوهم أكثر جاذبية من الحقيقة، لا يكون الخطر في كذب المؤثر وحده، بل في استعداد الجماعة لتصديق الكذبة وتحويلها إلى واقع اجتماعي.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

فرش اشكالي: ما نسميه بداية العالم ليس في جوهره إلا بداية الكتابة. فالعالم قبل الكتابة كان عالماً بلا ذاكرة جماعية، عالماً تذوب فيه الأحداث كما تذوب آثار الأقدام على رمال الشاطئ مع أول موجة. كان صوتاً عابراً، يولد ويموت في اللحظة ذاتها، لا يترك وراءه إلا صدىً يتلاشى في الهواء.

لكن الإنسان منذ نحو ستة آلاف عام، قرر أن يحدث تحولا في نسيج الوجود، حيث أنشأ عالما من الخطوط والرموز والعلامات، متماسكاً ومستداماً، يوازي العالم المادي ويحاوره، ويبقى بعد أن يفنى صاحبه.

هذا التحول لم يكن مجرد اختراع تقني، بل حدث أنطولوجي فمنذ خمسمئة ألف سنة كان الإنسان يملك أسلحة وأدوات، لكنه لم يبدأ الكتابة إلا في لحظة متأخرة نسبياً من تاريخه واليوم، بينما تُنشر خمسة مليارات كتاب كل عام، لا يزال ملايين البشر لا يعرفون الكتابة. هذا التأخّر وهذا التفاوت يكشفان أن الكتابة ليست امتداداً طبيعياً لليد، بل حدثاً يبني الإنسان في وحدته البيولوجية والتاريخية التي لا تنفصم.

في هذا المقال سنتأمل الكتابة لا كأداة، ولا كمهارة ثانوية، بل كـشرط لإمكانية الإنسان نفسه. نسأل: ما الذي يجعل الكتابة ممكنة؟ وما الذي تجعله هي ممكنة؟ كيف تحوّلت اليد من عضو جسدي إلى كائن يفكّر؟ وكيف يصير الأثر ذلك الغياب المادي حضوراً يخاطبنا عبر الأزمنة؟

اليد التي تفكّر

يقول أرسطو: "ليس لأنّ للإنسان يداً هو أذكى الكائنات، بل لأنّه أذكى الكائنات أنّ له يداً". هذه الجملة تقلب العلاقة التقليدية بين العقل والجسد رأساً على عقب. اليد ليست أداة عضوية تخدم الدماغ؛ بل هي دليل على الذكاء وشرط من شروطه، فالإنسان لا يملك يداً لأنه ذكي فحسب؛ بل هو ذكي لأنه يملك يداً قادرة على أن تتجاوز مجرّد الإمساك.

لكن مارتن هايدغر يذهب أبعد من ذلك، اليد عنده ليست مجرد آلة تُصنع الأدوات، بل عضو متجسد في الكائن البشري، يمكّنه من "تناول" الأشياء. لكنها لا تكتفي بأن تتناول وتأخذ. "اليد تقدّم العون، كما أنها تهدّد وتصون وتحفظ ، اليد تخط علامات، إنها تدلّ وتشير، اليد تتكلم، اليد تنطق". في درسه عن بارمنيدس، يقول هايدغر: "بها تُقام الصلاة، وترتكب الجريمة، وبها تعطى التحية، ويعبّر عن الامتنان، بها يتمّ القسم، والهدي إلى الطريق".

هذا يعني أن اليد ليست وجهاً بلا عيون فحسب كما قد نتصوّر بل هي عضو الإنسان الناطق، وحده الكائن الذي يتكلّم أي يفكّر يمكن أن تكون له يد. ولهذا ينفي هايدغر أن تكون للحيوان أيدٍ: "القرد يملك أعضاء يتناول بها الأشياء، لكنه لا يملك يداً". الحيوان يملك قوائم، والقوائم لا تشير ولا تدلّ ولا تتكلم... لأن التفكير عمل اليد.

لكن جاك دريدا المحاذر دائماً يُذكّرنا: "إذا كان هناك فكر لليد، فليس بمعنى الإدراك العقلي". عنصر الفكر حاضر في حركة اليد، لكنه لا يُسقط عليها كما يُسقط المرء نظريته على الأداة. اليد تفكر بحركتها لا بعقلها. وهذا هو السر: أن الكتابة ليست "ترجمة" للفكر إلى الورق، بل ولادة للفكر في لحظة حركة اليد.

لكن اليد وحدها لا تكفي. الكتابة تتطلّب أيضاً نظرة ترى هذا الشيء المرئي-اللامرئي الذي يُكتب. هكذا يتحقق توازن يدوي-بصري متأخر، معقّد، رائع. اليد التي تخطّ والعين التي تقرأ ليستا عضوين منفصلين؛ إنهما طرفا حركة واحدة تؤسّس عالماً ثانياً متماسكاً ومستديماً.

بهذا الفهم تتضح حقيقة أساسية: الكتابة ليست مجرّد تسجيل لما نفكّر فيه. إنها الطريقة التي يصبح بها الفكر مرئياً، والغياب حضوراً، والإنسان قادراً على أن يترك أثراً لا يفنى بفنائه.

اليد بين العطاء والقبض

لكن اليد في التقليد العربي تحمل معنى أعمق من "الأداة" و"الفكر". يقول ابن عربي: "القدرة روح اليد". واليد في القرآن ليست مجرّد عضو؛ هي موقف. {ولا تجعلْ يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعدَ ملوماً محسوراً} ذلك ان اليد المغلولة بخل، و اليد المبسوطة كل البسط إسراف. والكتابة الحقيقية كما اليد الحقيقية تقف في الوسط فهي تعطي دون أن تُفلس، تُبدي دون أن تُبذّر.

ويقول صاحب الفتوحات المكية: "اليد لها العطاء ولها القبض". اليد العليا — المنفقة — خير من اليد السفلى — السائلة. وفي اللسان “سميت يداً لأنها إنما تكون بالإعطاء". هنا، الكتابة تقترب من الهبة. الكاتب لا يُنتج "سلعة"؛ يُهدي نفسه عبر الحرف.

الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر نفسه يصل إلى هذا المعنى حين يقول: "اليد تُهدي وتتلقى، ليس الأشياء وحدها، لأنها تهدي حتى نفسها". فالكتابة اليدوية بخط الكاتب هي هذا العطاء فانا أُعطيك نفسي في شكل حرف لا يمكن أن يُنسَخ تماماً. وكتب هايدغر: "مددت له يدي" — إلا أن ذلك الذي مددت له يدي قد "لا يتقبّلها". هكذا الكتابة: هبة قد تُرفض، غياب قد لا يُلتفت إليه، لكنها رغم ذلك تبقى هبة.

بل إن ابن عربي يذهب إلى أن حركة اليدين نفسها تحمل دلالة وجودية. رفع اليدين في التكبير مثلاً “يؤذن بالافتقار في كل حال من أحوال التكبير، يقول ما بأيدينا شيء، هذه قد رفعناها إليك في كل حال ليس فيها شيء". والتكتيف وضع اليد على الأخرى "صفة الأذلاء". من هنا، الكتابة الحقيقية هي رفع اليدين: إقرار بالافتقار، وإعلان بأن ما نُعطيه ليس من فضلنا بل من فضل الحرف نفسه.

من الحجر إلى الورق: حين تصير العمارة كتابةً والزمان مساحة

يقول فيكتور هيغو: " الفكرة الرئيسية لكل جيل لن تُكتب بنفس المادة وبنفس الطريقة. كتاب الحجر سيفسح المجال لكتاب الورق، الأقوى والأدوم ". حين شعرت ذاكرة الأجناس الأولى بأنها مثقلة، نُقلت التقاليد إلى الأرض. نُصب الحجر قائماً فكان حرفاً، ورُكّب الحجر على الحجر فصارت كلمات. ركام كارناك الهائل هناك في فرنسا لم يكن مجرّد حجارة؛ كان جملة مكتوبة في الصخر. هكذا بدأت العمارة: ككتابة، كأبجدية أولى.

المبنى كتاب أصلب وأدوم. لتدمير الكلمة المكتوبة على الورق يكفي شعلة نار، أما لهدم الكلمة المبنية فتحتاج إلى ثورة. لكنّ ثمن هذا البقاء كان ثقيلاً: فالفكر حين يريد أن يصير حجراً يحتاج إلى جبال وعمال وذهب. أما الفكر الذي يصير كتاباً فلا يحتاج إلا إلى ورق وحبر وقلم. عندئذٍ لا نعجب أن يغادر الذكاء البشري العمارة إلى الطباعة. الجنس البشري يملك كتابين: إنجيل الحجر وإنجيل الورق. وبرج بابل الثاني برج الكتب المطبوعةهو ملاذ الذكاء ضد غمر الهمجية.

تحت شكل الطباعة صار الفكر متطايراً غير قابل للتدمير، انتقل من الثقل إلى الخفّة، ومن الجمود المكاني إلى السيولة الزمنية. والكتابة لا تحتل الفضاء فحسب؛ إنها تحتل الزمان. تمنح التمزّق الدائم للوقت استمرارية المكان، وتحوّل الزمان المتدفّق إلى مكان مشترك يمكن العودة إليه.

من حجر معبد الكرنك في مصر الفرعونية إلى ورق الكتاب، احتفظت الكتابة بجوهرها: قدرتها على تثبيت ما يفلت من الصوت. لكنّ هذا التثبيت نفسه يفتح باباً أعمق: باب الغياب الذي يصير علاقة.

الكتابة كعلاقة غياب

الأثر بصمة تُترك لحظاتٍ أو بشكل دائم. الكتابة غياب يتحوّل إلى حضور، وحضور يحمل في داخله أثر الغياب، الكاتب قد يكون ميتاً منذ قرون، لكن خطّه حاضر يخاطبنا. الآثار الطبيعية كانت النموذج الأول: آثار الأقدام على الثلج، المسارات التي لا تؤدي إلى مكان. الإنسان رأى الأرض كتاباً طبيعياً، فبدأ يحاكيها ثم حوّلها إلى قصد اصطناعي.

لكنّ الكتابة ليست تقنية محايدة. فعاليتها تعتمد على فعالية السحر، مثل تعويذة لا تعمل إلا إذا آمنت بها. هي تستحضر الكلمة من مسافة بعيدة في المكان والزمان، تجعل الصوت العابر باقياً، والفكر السرّي مرئياً. الشيء المكتوب لم يعد شيئاً تماماً؛ النص ليس منتجاً صناعياً، بل حضور من نوع مختلف يعتمد على الإيمان به ليظلّ فعّالاً.

في قلب هذا الفهم تظهر رسالة المنفى ورسالة السجن... رسائل تكشف البنية الوجودية للكتابة. غياب المخاطَب وغياب المتكلّم يجعلان العلاقة تُحدَّد بالغياب نفسه. في الصمت يستمرّ شيء يُقال، ويُقال أكثر. الغائب حين يُكتب إليه يصير أحياناً أكثر حضوراً من الحاضر.

وكما قال هيراقليطس عن وحي دلفي : "الكتابة لا تكشف ولا تخفي، بل تشير". وهذه الإشارة هي سرّها.

الكتابة والسلطة

إرادة الكتابة متجذّرة في إرادة التشريع. القانون هو ما يستحق أن يُقال ويُعاد دون أن يُناقَض. كتابة القانون تمنحه ضمان السلطة العامة، وتعلن أننا لن نمنح أنفسنا استثناءً. يصير التطبيق أكثر يقيناً، والتنفيذ أشد حزماً، والتفسير أقل حرية. لكنّ هذا الجمود يحرّر أيضاً، الناس أكثر حرية إزاء القواعد المدوّنة القابلة للنقد وإعادة الكتابة منهم إزاء عادات تملك قوة اللاوعي.

بين الكتابة والمال تضامن في الأصل: كلاهما يقوم على التجريد الذي يجعل التراكم ممكناً. العقود والمعاهدات تستمدّ قوتها من كونها مكتوبة. قوة المؤسسات تأتي من الكتابة. وحين كُتب أن :" الناس يولدون ويظلّون أحراراً ومتساوين أمام القانون" ، صارت الجملة تخاطب الجميع ولا أحد في آنٍ واحد. هذه القدرة على مخاطبة الغائب والمستقبل هي مصدر سلطتها.

لكن السلطة التي تخلقها الكتابة هي نفسها التي تجعل مقاومتها ممكنة. فهي تُنتج النظام وتُنتج إمكانية تجاوزه.

من يملك حق الكتابة؟

ليس كل إنسان يكتب، وليس كل من يكتب يُقرأ. تاريخ الكتابة هو أيضاً تاريخ منع الكتابة. فالكتابة في مصر القديمة كانت حكراً على الكهنة. وفي العصور الوسطى الأوروبية، كان أمية الشعوب شرطاً لسلطة الكنيسة التي احتكرت الكتاب المقدس. وحين اخترع غوتنبرغ الطباعة، لم يكن الابتكار التقني هو المخيف؛ بل كان تفكيك احتكار الكلمة ما أرعب السلطات.

وفي عالمنا العربي، لا تزال الكتابة — رغم تعدد وسائلها — حكراً على من يملك الوقت والمكان واللغة. فالفلاح الذي يعمل أربع عشرة ساعة لا يكتب. واللاجئ في المخيم لا يملك "رفاً" يضع عليه كتاباً. والمرأة في مجتمعات تقليدية كثيرة تُمنع من أن تُسمع صوتها قبل أن تُمنع من الكتابة.

الكتابة إذن ليست فعلاً فردياً محايداً. هي فعل سياسي يتطلب شروطاً مادية واجتماعية. وحين نسأل "هل انتهت حضارة الكتاب؟"، يجب أن نسأل أيضاً: "هل انتهى حق الجميع في الكتابة؟"

الحرف العربي بين النقش والروح

إذا كانت الكتابة في الغرب بحسب أفلاطون "تهدد الحضور"، فإن التقليد العربي-الإسلامي يقدّم رؤية مغايرة. القرآن نفسه يُسمّى "الكتاب" و"الفرقان" ، وهو في آنٍ واحد: كتابة (محفوظة في اللوح) وصوت (تلاوة). لا تنافر بين الحرف والروح، بل توازن، والنبيّ محمد ﷺ الأميّ لم يكتب، لكنه أُوحي إليه كتابة، فصار الكتابة في الإسلام فضلاً إلهياً يُناله من لا يكتب.

أما الخط العربي خاصة خط الرقعة والثلث والنسخ فقد تحول إلى فن روحاني. الخطاط لا يكتب فحسب؛ يتقرب إلى الله بحرفه. حروف القرآن تصير "أجساداً نورانية" على الورق هنا، الكتابة ليست غياباً يحلّ محل الحضور، بل حضوراً إضافياً: حضور الله في الحرف.

وهذا يكشف أن ثنائية "الصوت والحرف" لا تتوزع جغرافياً (غرب/شرق) بل تتوزع وجودياً ولكن هل نرى في الكتابة بديلاً عن الحضور، أم امتداداً له؟

هل انتهت حضارة الكتاب؟

موت غوتنبرغ ليس نهاية حضارة الكتاب، لكنّ الذين يرفضون الطريقة الأدبية يتحدثون عن كتابة سينمائية وتصويرية وراقصة، يعيدون ما ينتزعونه، يصعب التفكير في اختفاء الكتابة حقاً، فنحن نعيش وضعاً ملتبساً .

لكن السؤال اليوم أعمق: هل ما زالت الكتابة قادرة على أداء وظيفتها الأنطولوجية؟

في العالم الرقمي، النص لم يعد "ثابتاً". يمكن تعديله بحرف واحد دون أن يترك أثراً. يمكن نسخه آلاف المرات دون أن يفقد شيئاً ودون أن يكتسب شيئاً، يمكن حذفه بضغطة زر. هنا، الغياب يفقد كثافته، فالكتابة الورقية رغم هشاشتها تحمل "أثراً" لا يمكن محوه بسهولة، فهناك بقعة حبر، ثنية في الورق، رائحة الزمن. أما الكتابة الرقمية فهي "نقاء" مطلق يعني عدم وجود.

وهنا يتجلى سرّ هايدغر حين يقول إن "الناس جميعهم يتشابهون في الكتابة الآلية". فالآلة واليوم الحاسوب والشاشة تُخفي الخطّ اليدوي، تُخفي ما تسميه الفرنسية le caractère: الحرف والطبع معاً. في الكتابة الآلية يغدو اللفظ مجرد "أداة"، وتختفي الطباعة، بل يختفي الجسد. أما اليد فهي بحسب هايدغر صانعة النسخ الفريدة، لان كل عمل يدوي هو عمل متفرّد لا شبيه له. ليس وحدة إنتاجية، ولا رقماً في سلسلة.

والأخطر هو الذكاء الاصطناعي الذي يكتب، فحين يكتب الروبوت قصيدة أو مقالاً، هل يُنتج "غياباً"؟ أم أن "الغياب" يتطلب "موتاً"؟ الروبوت لا يموت، ولا يغيب، ولا يشتاق. كتابته هي محاكاة للغياب دون أن تكون غياباً. وهذا يعني أنها محاكاة للكتابة دون أن تكون كتابة.

الفكرة الرئيسية لكل جيل لن تُكتب بنفس المادة. انتقلت من الحجر إلى الورق، وها هي تنتقل إلى الشاشات. لكنّ تغيّر المادة لا يعني نهاية الجوهر. الجوهر هو القدرة على تثبيت الغياب وجعل العلاقة تتجاوز الحضور المباشر، والتاريخ يعلّمنا أنها تغيّرت مراراً دون أن تموت. كل مرة أُعلنت نهايتها كانت تعيد اختراع نفسها.

خاتمة: أنا كنت هنا

من حجر المعابد إلى حرف الألف، من رسالة سجين إلى إعلان حقوق الإنسان، من يد أرسطو إلى يد هايدغر، من بسط اليدين في الدعاء إلى قبضهما على القلم، تظلّ الكتابة الحدث الذي يجعل الإنسان قادراً على أن يكون أكثر من حضوره الجسدي.

ليست أداة في يده؛ إنها الشرط الذي يجعله ممكناً ككائن تاريخي. تمنح التمزّق الدائم للزمان استمرارية المكان، وتحوّل الغياب إلى علاقة أعمق من الحضور، وتجعل السلطة ممكنة والمقاومة ممكنة. هي مشكوك فيها ومقدّسة، خطيرة ومنقذة، هبة قد تُرفض وغياب قد يُلتفت إليه.

كما قال هيراقليطس عن وحي دلفي:" الكتابة لا تكشف ولا تخفي، بل تشير " وهذه الإشارة بين الكشف والإخفاء، بين الحضور والغياب — سرّها الأبدي.

في زمن العلامات الرقمية، يعود السؤال: هل ما زلنا قادرين على إنتاج آثار تحتفظ بكثافة الغياب؟ هل ما زالت يدنا تفكّر وهي تكتب؟ هل ما زلنا نعطي أنفسنا في الحرف، أم أصبحنا نكتب بآلات تشابهنا جميعاً؟ وهل سيظلّ هناك قارئ مجهول يحصد ما نزرعه اليوم بعد أن نكون قد غبنا؟

الكتابة، في أعماقها، هي المحاولة الإنسانية اليائسة والجبّارة لقول: أنا كنتُ هنا. ولأنّ هذا القول يخاطب من لن يلتقيه الكاتب أبداً، فهو دعوة إلى ذلك التوازن اليدوي البصري الذي يجعلنا نرى في الغياب حضوراً، وفي الموت حياة، وفي الحرف ربما روحاً.

***

عمرون علي

وعنفها الحاضر في فاجعة كولومبيا

الجذور الفلسفية والروحية لعلاقة الإنسان بالأرض

منذ أقدم العصور، لم تكن علاقة الإنسان بالأرض مجرد ارتباط نفعي أو بيولوجي قائم على استهلاك الموارد من أجل البقاء، بل كانت علاقة وجودية عميقة تحمل أبعاداً روحية وفلسفية خالصة. فالأنسان لم يُخلق ككائن غريب هبط على هذا الكوكب بالصدفة، بل وُجد ليكون جزءاً من نسيجه الكوني، يتقاسم معه نبض الحياة وقسوة الوجود.

وفي تعبير بليغ عن هذه العلاقة، يرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر أن الوجود البشري الحقيقي يقوم على مفهوم "السكن على الأرض". فالإنسان ليس سيداً مطلقاً ومسيطراً على الطبيعة، بل هو "حارس وراعي" لهذه البيئة العميقة. ووفقاً لهذا التفسير، فإن الكوارث الجيولوجية والتقلبات العاتية التي يشهدها كوكبنا ليست سوى تذكير دائم بصلابة الأرض وجوهرها المستقل، وهو ما يكسر أوهام الغرور البشري، ويعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي القائم على التواضع أمام قوانين الوجود الأزلية

طبيعة الأرض. بين وهْم الجنَّة وقسوة التكوين

يطرح التأمل في كوكب الأرض تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان هذا الكوكب جنة ممهدة لراحة الإنسان وسعادته المطلقة، أم أنه بيئة قاسية فرضت على الكائن صراعاً مستمراً من أجل البقاء.

فعلى الصعيد العلمي والفيزيائي، لا تبدو الأرض مجرد صخرة صماء، بل تشكل نظاماً ديناميكياً فريداً يوفر مقومات الحياة الأساسية من مياه سائلة وغلاف جوي متوازن ومجال مغناطيسي واقي، مما جعلها واحة استثنائية مقارنة بالكواكب المجاورة الميتة أو القاحلة التي تعج بالبراكين والعواصف العاتية. وفي المقابل، يكشف السجل الجيولوجي عن تاريخ حافل بالأزمات والانقراضات والتقلبات العنيفة، مما يؤكد أن الأرض لم تكن يوماً مهدًا جاهزًا ومريحًا بالمطلق.

ومن هنا، يتضح أن صلاحية الأرض للعيش ليست هبة مجانية مريحة، بل هي بيئة ممكنة ومتاحة بشروط صارمة وقوانين صلبة، مما أجبر الإنسان منذ بداياته على الكفاح والتكيف المستمر وسط طبيعة عاتية ومتقلبة في شتى أنحاء العوالم المتحرك

من أزلية الطبيعة إلى فاجعة كولومبيا. سجلّ ممتد من الهلاك البشري

على امتداد التاريخ البشري، لم تكن الكوارث الطبيعية سوى حلقات في سلسلة متصلة تعكس قوى الأرض الجيولوجية والمناخية الجامحة. ولعل الذاكرة البشرية توقفت طويلاً أمام ذلك الزلزال الفضيع في القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1755 (زلزال لشبونة الشهير)؛ حيث ضرب هازّاً إمبراطوريات بأكملها بقوة هائلة قاربت 8.5 درجات متبوعاً بتسونامي عارم وحرائق أكلت الأخضر واليابس، مخلفاً ما بين 40,000 إلى 50,000 قتيل، ومحدثاً صدمة كبرى هزت حتى أفكار فلسفة عصور التنوير حول طبيعة الوجود.

ولا تتوقف قسوة الطبيعة عند الزلازل الكبرى، بل تتجلى في حرائق المدن الضخمة التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر، مثل حريق هامبورغ الكبير عام 1842؛ والذي اندلع نتيجة الجفاف والرياح العاتية في شوارع ذات مبانٍ خشبية متلاصقة، ليأتي على ربع مساحة المدينة ويدمر آلاف المنازل ويشرد عشرات الآلاف.

كما تمتد هذه السلسلة لتشمل أمواج التسونامي المدمرة، ككارثة المحيط الهندي عام 2004 التي ضربت سواحل عدة دول آسيوية وأفريقية وخلفت أكثر من 220,000 قتيل في بضع ساعات، والزلازل العابرة للحدود مثل زلزال تركيا وسوريا المدمر عام 2023 الذي حصد أرواح أكثر من 50,000 قتيل وخلف دماراً هائلاً، إضافة إلى زلزال مصر عام 1992 الذي أحدث دماراً واسعاً ومئات الضحايا نتيجة هشاشة المباني وقرب مركزه من التجمعات السكانية الكثيفة.

ولا تقتصر الفواجع على الأرض وحدها، بل تشمل الكوارث الناجمة عن تفاعل الطبيعة مع عجز البنى التحتية البشرية، مثل انهيار سدي درنة في ليبيا عام 2023 نتيجة العاصفة المتوسطية المدمرة (دانيال) وغياب الصيانة، مما أسفر عن جرف أحياء كاملة ومقتل وفقدان الآلاف، وصولاً إلى الأعاصير العنيفة التي تضرب السواحل الأمريكية متسببة بمآسي واسعة وخسائر بمليارات الدولارات، وأحدثها فاجعة زلزال كولومبيا الأخير بقوة 7.4 درجات والذي أودى بحياة المئات وشرّد الآلاف.

تؤكد هذه المحطات الممتدة من لشبونة التاريخية وحرائق القرن التاسع عشر إلى فواجع التسونامي، والزلازل، وانهيار السدود، والأعاصير المعاصرة أن السجل الكارثي للأرض مفتوح بلا توقف، وأن الطبيعة حين تتحرك بقوانينها الصارمة، لا تترك خلفها سوى دليل جديد على أن بقاء الإنسان على هذا الكوكب مرهون دائماً باحترام أسراره واستيعاب خطوطه الحمراء بين حتمية البقاء وأفق التواضع. فلسفة الكوارث بين نبض الأرض وغرور الإنسان

يقودنا هذا السجل الهائل من الفواجع إلى السؤال الفلسفي الأعمق: هل هذه الظواهر المدمرة هي دليل على تداعي الكوكب ونهايته، أم أنها الصمام الخفي الذي يبقي الأرض حية؟

من المنظور الجيولوجي البحت، لا تُعد القوى العنيفة للزلازل والبراكين علامات احتضار، بل هي "نبض الحياة" والآلية الديناميكية الكبرى التي تضمن استمرار كوكبنا؛ فحركة باطن الأرض وتكتونية الصفائح هي التي تجدد غلافه وتخلق مجاله المغناطيسي الواقي، وكأن الكوارث في جوهرها الفيزيائي هي "ضريبة البقاء" التي يدفعها الكوكب ليبقى نابضاً بالحياة. أما على الصعيد الإنساني، فتکشف الكوارث عن أزمة أعمق تتعلق بما يُعرف بـ "غرور السسيطرة التقنية". فعلى مرّ العصور، ظن الإنسان أنه قادر على إخضاع الطبيعة وترويض حدودها، متخذاً من التقدم العلمي درعاً وهمياً يحميه من صرامة المكان. لكن الهزات، والأعاصير، والفيضانات تأتي دائماً لتُسقط هذا الوهم، وتُذكّر الكائن البشري بهشاشته المطلقة أمام قانون كوني لا يحابي أحداً.ومن هنا، فإن التجاوز الحقيقي لهذه المأساة لا يكمن في محاولة قسر الأرض على طاعة الرغبات البشرية، بل في بلوغ منزلة "التواضع المعرفي"؛ أي إعادة اكتشاف فن العيش المشترك مع الطبيعة، واحترام إيقاعها الأبدي، وإدراك أن بقاء الإنسان على هذه الواحة العتيقة مرهون بمدى قدرته على الانصياع لحكمة المكان، لا بفرض الهيمنة على من هنا ان أفق العلاقة المستقبلية. نحو التواضع المعرفي يتحدد مصير هذه الشراكة الكونية بقدرة الإنسان على تجاوز وهم السيطرة والغرور التقني، والانتقال إلى وعي جديد يقوم على "التواضع المعرفي". فبدلاً من قسر الأرض على طاعة الرغبات، يكمن التحدي في احترام إيقاع المكان والالتزام بخطوط الخطر، لتتحول الكوارث من مآسي مدمرة إلى مُدرّب صارم يعيد صياغة تناغمنا الأصيل مع كوكب عتيق يمنحنا الحياة رغم كل شي

***

ئاريان علي

اعتقد اليونانيون القدماء ان الفراغ امر مستحيل، وان هذه الفكرة أرعبتهم لأنها هددت فهمهم الكامل للواقع. ما الذي يخيف الانسان اكثر هل هو الوحش ام العدم المطلق؟ اليونانيون القدماء انزعجوا من فكرة الفضاء الفارغ. كان عليهم الاعتقاد ان الكون بالكامل كان منظما وهادفا وهيكليا. الفراغ التام بدا مخيفا بشكل لا يصدق واكثر مما يخشونه من الفيزياء. انه وضع الاخلاق، إحساس الفرد بالهوية، الهدف واستقرار الوجود أمام التساؤل. اذا كان "اللاشيء" موجودا حقا، عندئذ سيكون الواقع في نهاية المطاف غير محكوم بالعقل والانسجام.

لماذا اعتقد اليونانيون ان "اللاشيء" غير موجود؟

لكي نبدأ، يجب ان نرى الخلفية لسبب عدم وجود الفراغ ذاته. بالنسبة لمعظم فلاسفة اليونان، "اللاشيء" يستحيل تصوره بشكل عقلاني. بارمنديس تبنّى هذه الحجة عندما قال ان "ما ليس كائنا" لا يمكن ان يوجد بأي شكل من الاشكال. حتى التفكير في اللاشيء ذاته اعتبره مضادا لرؤيته. كيف يمكننا التفكير بشيء غير موجود؟

اعتقد بارمنديس ان الوجود والفكر مرتبطان بعمق. اذا كان الانسان يستطيع التفكير بشيء ما، عندئذ، وبطريقة ما، سيكون ذلك الشيء "هناك" سلفا. هذا يعني ان حالة الفراغ المطلق ستكون مستحيلة. الواقع لابد ان يكون كاملا، مستمرا، ومنظما. هذه الفكرة طبعت اليونانيين. هم كانوا يساوون بين الوجود والنظام والعقل والفهم. الكون يُتوقع ان يكون عقلانيا. من جهة أخرى، الفراغ يمثل الفوضى واللاعقلانية. الخوف لم يكن فقط فيزيائيا، انما كان أيضا نفسيا.

اذا كان اللاشيء موجودا، فان الواقع سيكون بلا بناء او غاية. تلك الفكرة بحد ذاتها ازعجت المفكرين اليونانيين، طالما ان فلسفتهم كانت دائما تبحث عن الانسجام والمعنى الكوني. الناس حاليا لايزالون يشعرون بنفس الخوف. العديد من الافراد يكافحون ضد مشاعر الفراغ الوجودي او فكرة ان الحياة قد لا تحتوي على معنى. الناس بالطبع ينظرون الى النماذج، التوضيحات، والبناء لأن اللايقين الثقيل يسبب لهم الفزع.

شعر اليونانيون بهذا القلق في وقت مبكر. بالنسبة لهم، الفراغ ليس فقط فضاءً فارغا. انه يرمز الى الاحتمال المرعب بان الواقع قد لا يكون له أساسا قويا ابدا.

ارسطو والخوف من الفضاء الفارغ

رفض ارسطو بقوة فكرة الفضاء الفارغ في كتابه الفيزياء، الجزء الرابع. طبقا لارسطو، الكون بطبيعته قاوم حالة الفراغ. هو اعتقد ان الحركة تحتاج الى شيء ما. الأشياء تسافر من خلال الهواء، الماء، او أي شيء مادي. الفضاء الفارغ سيكون مستحيلا لأنه لا شيء يمكنه التأثير في العدم المطلق او النفاذ من خلاله. يرى ارسطو ان الكون كان تاما، مترابطا، وهادفا. كل شيء له مكان ووظيفة. النجوم تحركت بشكل منظم. الطبيعة تميل نحو التوازن والمعنى. الفراغ يشكل تهديدا للرؤية الكاملة للعالم. الفضاء الفارغ يعني الاضطراب والعشوائية. انه يشير الى وجود مناطق من الوجود منفصلة عن الهدف والبناء. ارسطو وجد من الصعب جدا الاعتقاد بهذه الفكرة.

عالم اليونان عكس هذا الخوف بقوة. الكون جرى تصوره كنظام متناغم فيه كل عنصر احادي مترابط طبيعيا ومنطقيا. فكرة الفراغ غير الهادف اعتُبرت غير طبيعية وبغيضة.

مع ذلك، العلم الحديث كان محتوما عليه في يوم ما ان يتحدى رؤية ارسطو. الفيزيائيون لاحقا كانوا قادرين بانفسهم على اكتشاف الفراغ وما نراه في الفضاء الخارجي. حتى الان، الفضاء الفارغ في الحقيقة ليس "فراغا". فيزياء الكوانتم تبين لنا فعالية مستمرة، جسيمات، وتغيرات في الطاقة تحدث دائما ضمن ما يبدو فراغا.

العلوم الحديثة عادت نوعا ما الى ذلك الشعور من اليونان القديمة، حول اللاشيء. الناس لايزالون يكافحون لتصور الفراغ المطلق لأن الذهن يبحث اوتوماتيكيا عن النظام والحضور. ارسطو تصور هذا التصرف النفسي قبل الاف السنين. بالنسبة لليونانيين، الكون الفارغ لايبدو فقط خاطئا علميا وانما الشعور به أمر لا يطاق.

الفوضى الكونية: خوف اليونانيين من الاضطراب

لو نظرنا في الميثولوجيا اليونانية، نراها تبدأ بفكرة مدهشة للغاية وهي انه قبل ان يوجد النظام، كانت هناك فوضى. هذه لم تكن في فهمنا الحديث، فقط فوضى محضة تتمثل في الاضطراب. الفوضى صُورت كفجوة غير واضحة وبلا حدود توجد قبل التكوين وظهور المعنى والشكل، اليونانيون كانوا يشعرون بخوف عميق من هذا.

حضارة اليونان حاولت باستمرار فرض نظام على الواقع. هندستهم المعمارية بيّنت اهتماما في كل من التماثل والتناسب. فلسفتهم باستمرار سعت الى أنظمة عقلانية. سياستهم سعت دائما الى بناء مجتمعات محكومة بالقانون بدلا من الفوضى. الفراغ نُظر اليه كمضاد لكل شيء اعتقدوا انه ثمين. الفراغ المطلق دل على عدم استقرار تام وعدم تنبؤ كامل. بدون تكوين، هويتك تصبح غير واضحة. بدون نظام، سيبدو الواقع يستحيل فهمه او ادارته. هذا الخوف يظهر دائما في التراجيديا اليونانية. الشخصيات يحاولون دائما الهروب من اللانظام او المصير، فقط ليقعوا في فخ قوى اكبر من انفسهم.

ان انهيار البناء يحمل تهديدا كبيرا. المجتمعات الحديثة أيضا تستمر في مواجهة هذه المخاوف. انهيار اقتصادي، عدم استقرار سياسي، وتفكك المجتمع يرسخ الخوف لأن الناس يعتمدون على أنظمة منظمة ليشعروا باليقين.

اليونانيون تعلموا هذا نفسيا. الناس مطلوب منهم عادة وضع أشياء روتينية، أفكار متخيلة مسبقا، عادات مؤسسة، ومؤسسات لأن النقص المطلق للمعلومات ينتج قلقا وجوديا. الفوضى تثير ليس فقط مخاطرة عالية في البقاء وانما أيضا في معنى الوجود. هذا هو السبب لماذا فلاسفة اليونان اصبحوا مسحورين بالانسجام والتوازن والنظام الكوني النهائي لدرجة لا فكاك منها . ان الفراغ اصبح رمزا لكل الأشياء غير المستقرة والخارجة عن السيطرة كليا. وربما ذلك الخوف لم يتوقف ابدا في ان يكون جزءا من كامل الحضارة البشرية.

ديموقريطس، الذرات، والقبول الراديكالي للفراغ

ماذا لو لم يكن الكون منظما بدقة في كل الاوقات؟ ماذا لو ان كل ما يحيط بنا هو مجرد ذرات بسيطة عائمة في فراغ تام؟ بينما العديد من اليونانيين كانوا خائفين من اللاشيء، ديموقريطس قبل بذلك تماما. هو ومعه الذريين ادخلوا احدى اهم الأفكار الراديكالية في الفلسفة القديمة: وهي ان الواقع يتألف من ذرات صغيرة جدا غير مرئية تتحرك في فضاء فارغ. العديد من اليونانيين اعتبروا هذا امرا مخيفا.

خلافا لارسطو، ديمقريطس اعتقد ان الفراغ كان مطلوبا للحركة. بدو فضاء فارغ، الذرات لن تتحرك ابدا، او تصطدم، او تخلق كل العالم المرئي من حولنا. في هذه الفلسفة، الفراغ في الحقيقة يشكل جزءا من الوجود بدلا من ان يكون نقيضا له. تلك الفكرة غيرت كل شيء. الواقع لم يعد يعتمد على نظام الهي او عقل كوني. بدلا من ذلك، الكون نشأ من هذه الجسيمات غير المرئية، المتحركة باستمرار خلال الفراغ.

العلم الحديث في الحقيقة اقترب كثيرا من هذه النظرية القديمة. الفيزياء الذرية، ميكانيكا الكم، وعلم الكون كلها تصف البنى المختبئة التي تشكل الواقع ذاته تحت تجربتنا اليومية . ديموقريطس سبق عصره كثيرا. مع ذلك، العديد من اليونانيين عارضوا الذرية لأنها هددت الأفكار التقليدية للمعنى والنظام. اذا كان الوجود ينتج من ذرات تتحرك عشوائيا في فراغ تام، عندئذ ربما لا يمتلك الكون هدفا مقررا سلفا ابدا. تلك الامكانية يجب ان تكون مقلقة جدا. الذريون جعلوا الفلسفة تواجه اسئلة نحن انفسنا لانزال نسألها اليوم: هل ينطوي الواقع ذاته على معنى متأصل، او هل نحن نصنع معنى لأنفسنا ضمن كون غير مختلف؟ ديموقريطس قبل باللايقين بطريقة لم يكن العديد من المفكرين القدماء قادرين على القيام بها. ولهذا السبب تُعتبر فلسفته حديثة جدا حتى اليوم.

لماذا هدد الفراغ أفكار الهوية والمعنى اليونانية

بالنسبة لليونانيين، الفراغ مثّل تهديدا اكبر من الفيزياء. انه هدد المعنى. الفلسفة اليونانية ربطت دائما الاخلاق وهدف الانسان بالنظام الكوني. الكون نُظر اليه كمنظم وعقلاني ومليء بالمعنى. الناس وجدوا موقعهم ضمن التناغم الاوسع. لكن الفراغ أشار الى شيء ما مخيف: ماذا لو لم يأتي الوجود مع اتجاه مصمم سلفا؟ هذا الخوف يبدو واضح جدا في الفلسفة الوجودية اللاحقة أيضا. جين بول سارتر جادل بان الناس يُقذفون الى الوجود بدون معنى محدد مسبقا. فردريك نيتشه حذر بان المجتمع الحديث ربما يصارع بعد فقدان الايمان في النظام الكوني والقيم الموضوعية. بهذه الطرق المتعددة، هذا القلق الحالي كان موجودا سلفا في اليونان القديمة. الفراغ كان رمزا لانهيار اليقين. بدون بناء، الاخلاق ستبدو غير مستقرة ابدا. الذات ستكون غير مؤكدة. حياة الانسان ستبدو مؤقتة وبلا اتجاه كنتيجة لذلك. سايكولوجياً، الناس يقاومون هذا الشعور بانفسهم.

الناس ينظرون دائما لنماذج وتوضيحات وأنظمة لأن الفضاء الفارغ يسبب لهم القلق. الأديان، الفلسفات، العادات والأنظمة السياسية دائما مستعدة لتقديم مهرب من الخوف من اللاوجود. هذه الامكانية بقيت تؤرق اليونان القديمة والفلسفة الهيلينستية لقرون تلت. ولا تزال تؤرق الحياة اليومية.

لماذا لايزال خوف اليونانيين من الفراغ موجودا اليوم؟

لم يختف خوف اليونانيين من الفراغ. اليوم يستمر اللاشيء في إخافة الناس عاطفيا وسايكولوجيا، حتى انه يتخذ اشكالا مختلفة. "الفراغ" الحديث عادة يُنظر اليه كوحدة، ضجر، قلق وجودي او صمت غير مريح يظهر عندما تختفي مشتتات الانتباه. مجتمعنا الحديث يكافح دائما لملأ هذا الفراغ. أجهزة الموبايل، التواصل الاجتماعي، منصات البث، والضوضاء اللامتناهية كل ذلك يساعد الناس على تجنب الجلوس بمفردهم مع أفكارهم، فالكثيرون يخشون السكون لدرجة انهم يفضلون إبقاء انفسهم في حالة انشغال دائم بدلا من مواجهة المجهول وجها لوجه.

اليونانيون لاحظوا هذا السلوك. بالنسبة لهم، الفراغ ليس فقط فضاءً فارغا. انه رمز لفكرة مخيفة: ان الوجود ربما يفتقر الى معنى مؤكد او نظام. ذلك القلق من فقدان الحياة أو ان تصبح الحياة فارغة يؤثر علينا في كل مكان. فالناس يسعون وراء الإنتاجية بلا توقف، ويصيغون هوياتهم عبر الانترنيت، ويملأون جداول أعمالهم جزئيا لأنهم يحاولون الهروب من ذلك الفراغ.  

***

حاتم حميد محسن

 

قراءة نقدية أكاديمية لمقالة البروفسور محمد الربيعي

تقدّم مقالة البروفسور محمد الربيعي واحدًا من أهم الطروحات الفكرية في النقاش العربي حول الذكاء الاصطناعي، إذ لا تكتفي بوصف التقنية أو التحذير منها، بل تربطها بالبنية الثقافية العربية وبمستقبل التعليم والابتكار، وتكشف بجرأة عن هشاشة البنية النقدية التي تستقبل هذه الثورة الرقمية. فالمقالة تنطلق من تشخيص دقيق لظاهرة “وهم المعرفة”، حيث يذوب التمايز بين من يفكّر ومن يستهلك المعرفة، ويصبح الذكاء الاصطناعي أداة تمنح الجميع مظهرًا موحدًا للمعرفة دون أن يمتلكوا جوهرها. هذا التشخيص ينسجم مع الأدبيات الحديثة في فلسفة التقنية التي تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يرفع مستوى الجميع، بل يرفع من يعرف كيف يستخدمه ويضعف من يعتمد عليه دون وعي.

ويمضي الربيعي في تحليل العلاقة بين التقنية والسياق العربي، فيربط الذكاء الاصطناعي ببنية ثقافية تميل إلى تقديس النص وضعف الجدل النقدي والاستهلاك المعرفي بدل الإنتاج. هذا الربط يضع الذكاء الاصطناعي في سياقه الاجتماعي الحقيقي، لا في فراغ تقني، ويكشف أن المشكلة ليست في الأداة، بل في البيئة التي تتلقاها. ومن هنا يبرز الفرق الجوهري بين استخدام الذكاء الاصطناعي في الغرب بوصفه وسيلة لتسريع التفكير، وبين استخدامه في العالم العربي بوصفه بديلًا عن التفكير نفسه. هذا الفارق لا يخلق فجوة معرفية فحسب، بل فجوة في تكوين العقل ذاته.

وتتعمق المقالة في توصيف أثر الذكاء الاصطناعي بوصفه “مسكّنًا للجهل”، إذ يمنح المتلقي شعورًا زائفًا بالمعرفة بينما يحرمه من القدرة على إنتاج سؤال نقدي واحد. ومع ذلك، يحافظ الربيعي على موقف متوازن، فلا يقع في فخ الرفض أو التهويل، بل يؤكد أن الذكاء الاصطناعي أداة عظيمة إذا استخدمت بوعي، وأن الخطر الحقيقي يكمن في غياب هذا الوعي.

ورغم قوة المقالة في تشخيص المشكلة، إلا أنها تحتاج إلى توضيح أعمق للتمايز بين العقل الاصطناعي والعقل البشري. فالعقل الاصطناعي نظام احتمالي تنبؤي لا يمتلك وعيًا أو قصدًا أو خبرة وجودية، بينما العقل البشري بنية واعية قادرة على المعنى، والحدس، والإبداع والشك. هذا التمايز ليس تفصيلًا نظريًا، بل هو الأساس الذي يحدد حدود التقنية ويفسر لماذا لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يهدم العقل العربي، بل يمكن أن يهدد وظائفه إذا غابت البنية النقدية.

كما يغيب عن المقالة مفهوم “المتعقل” أو القدرة على مراقبة التفكير، وهي قدرة أساسية في بناء العقل النقدي، وقد يضعفها الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي. كذلك تحتاج المقالة إلى تحليل أعمق لآليات بناء الوعي النقدي، مثل إصلاح المناهج، تدريب المعلمين، وتعليم الطلاب كيفية تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، وهي عناصر ضرورية لتجاوز “فخ السهولة”.

وتبقى نقطة مهمة كان يمكن للمقالة أن تبرزها أكثر، وهي التفريق بين الاستخدام السلبي للتقنية والاستخدام الإبداعي لها. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة للنسخ واللصق، بل يمكن أن يكون محفزًا للابتكار، ومنصة لتوليد الفرضيات العلمية وتسريع البحث والتجريب الذهني، إذا أحسنّا توجيهه.

ومع ذلك، تبقى المقالة نصًا فكريًا مهمًا في النقاش العربي حول الذكاء الاصطناعي، لأنها تربط التقنية بالبنية الثقافية العربية وبمستقبل التعليم والابتكار، وتقدّم نقدًا علميًا صحيحًا بأن الذكاء الاصطناعي قد يقتل التفكير النقدي في بيئة غير جاهزة. هذا النقد يستحق أن يُبنى عليه في السياسات التعليمية العربية، لأنه يضعنا أمام سؤال جوهري: هل نملك البنية النقدية التي تسمح لنا باستخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للتحرر المعرفي، أم سنتركه يتحول إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج هشاشتنا؟

مع خالص التقدير

***

 بقلم الدكتور عبد الجليل البدري

نعيش في زمن أتقن فيه الإنسان إصلاح كل شيء تقريبا خارج ذاته، لكنه عجز عن إصلاح ذاته.. المؤلم أن كثيرا من البشر يعيشون في عناية دائمة بمظهرهم، بينما يتركون دواخلهم بلا صيانة؛ حتى يصبح الإنسان من الخارج أكثر أناقة، ومن الداخل أكثر خرابا

كم أتمنى أن يكون في محلات بيع النظارات عدسات للعناية بالبصائر المظلمة، تعيد إلى العين قدرتها على رؤية الإنسان قبل أن ترى ملامحه، والجوهر قبل المظهر، والحقيقة قبل أن تغويها الأقنعة.

كم أتمنى أن يكون في محلات التجميل مستحضرات للاهتمام بالأرواح المشوهة، تعيد إليها شيئا من نقائها الذي أفسدته القسوة، وشيئا من جمالها الذي أطفأته الأنانية.

كم أتمنى أن يكون في محلات التنظيف مواد لتنظيف وتطهير العقول الصدئة، تزيل عنها غبار الموروث، ورواسب التعصب، وبقايا الأفكار التي ماتت منذ زمن وما زالت تسكن رؤوسا ترفض أن تدفنها.

كم أتمنى أن تكون هناك صيدليات تبيع دواء للقلوب التي أدمنت الكراهية، وحقنا للضمائر التي فقدت الإحساس، وعقاقير للنفوس التي أصابها تضخم الأنا حتى لم تعد ترى في الكون إلا صورتها.

كم أتمنى أن نجد في المكتبات فرشاة لتنظيف الذاكرة، نمسح بها آثار الإهانات القديمة، ومرارة الخيبات، وأسماء الذين عبروا حياتنا وتركوا فيها ندوبا أكثر مما تركوا من حب وجمال

كم أتمنى أن يكون هناك ميزان لقياس إنسانيتنا، لا يقيس الوزن ولا الطول، بل مقدار الرحمة فينا، وقدرتنا على الاختلاف دون كراهية، وعلى القوة دون استعلاء، وعلى امتلاك الحقيقة دون أن نتحول إلى أوصياء عليها.

كم أتمنى أن توجد مرايا لا تعكس وجوهنا، بل تكشف لنا ما أخفته الوجوه طويلا: كم من القسوة يسكن ملامحنا، وكم من الزيف نرتديه كل صباح، وكم مرة ظلمنا إنسانا ثم أقنعنا أنفسنا أننا كنا على حق.

كم أتمنى أن يكون هناك مركز لإعادة تأهيل الأرواح، نستطيع أن نودع فيه نفوسنا المنهكة لبعض الوقت، فتخرج منه أقل غضبا، وأكثر تسامحا، وأشد قدرة على الحب وتقبل الآخر المختلف

لكنني كلما بحثت عن هذه الأشياء، اكتشفت أنها لا تباع في الأسواق، ولا تصنعها المصانع، ولا توصف في الوصفات الطبية.

فالبصيرة لا تحتاج إلى عدسة بقدر ما تحتاج إلى وعي، والروح لا تحتاج إلى مستحضر تجميل بقدر ما تحتاج إلى صدق، والعقل لا يحتاج إلى منظف بقدر ما يحتاج إلى شجاعة السؤال،

والقلب لا يحتاج إلى دواء بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلم ألا يؤذي.

ربما كان أعظم ما ينقص الإنسان في هذا العصر ليس ما يملكه، وإنما ما لم يتعلم كيف يراه في نفسه.

نحن ننفق الكثير على تجميل الجسد، والقليل على تهذيب الروح. نعتني بنظافة البيوت، ونترك عقولنا تمتلئ بالغبار. نخشى تجاعيد الوجه، ولا نخشى تجاعيد الضمير. نبحث عن عيون جميلة، ولا نسأل إن كانت ترى بعدل ونخاف أن يفسد مظهرنا أمام الآخرين، بينما لا يؤرقنا كثيرا أن يفسد جوهرنا أمام أنفسنا.

ولعل المأساة الحقيقية ليست أن يكون للإنسان وجه قبيح، وإنما أن يصبح القبح أخلاقا، وأن يتحول الجهل إلى يقين، والتعصب إلى فضيلة، والقسوة إلى قوة، والوصاية إلى حق، والكراهية إلى عقيدة.

فما أحوجنا إلى ثورة لا تبدأ من الشوارع، بل من الداخل؛ ثورة على كل فكرة ورثناها دون أن نفكر، وكل حكم أصدرناه دون أن نعرف، وكل كراهية تعلمناها قبل أن نلتقي بالآخر.

 ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من مستحضرات التجميل، بقدر ما يحتاج إلى شيء يعيد للإنسان إنسانيته، فالإنسان لا يصبح جميلا حين يتغير وجهه، بل حين تصبح روحه أكثر رحمة، وعقله أكثر تواضعا، وقلبه أكثر اتساعا، وضميره أكثر يقظة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

من الجسر المعرفي إلى معيار الشرعية

فرش اشكالي: في مطلع القرن العشرين، كانت أهم أطروحة في الفيزياء ونقصد بها نظرية النسبية قد كتبت بالألمانية، وقبلها في القرن الثامن عشر، كتب القانون الثالث للحركة لنيوتن باللاتينية. وقبلهما بقرون، كانت أعظم كتب الطب والرياضيات والفلك من "القانون في الطب" لابن سينا إلى "الجبر والمقابلة" للخوارزمي تدرس بالعربية في جامعات أوروبا، فتاريخيا لغة العلم لم تكن دائماً الإنجليزية، فكيف تحولت الإنجليزية إلى اللغة الطبيعية للعلم، وكيف صار من البديهي أن نعتقد أن العلم لا يمكن أن يكون إلا بالإنجليزية؟

الإنجليزية لم تصبح لغة العلم لأنها أكثر دقة أو أكثر قدرة على التعبير عن المفاهيم العلمية من العربية أو الألمانية بل القوة هي التي جعلتها كذلك، فالإمبراطورية البريطانية أولاً، ثم الهيمنة الأمريكية ثانياً، فرضتا الإنجليزية كلغة للقوة الاقتصادية والعسكرية فتبعها العلم.

لكن السؤال الذي يهمنا هنا في مقالنا ليس تاريخياً بحتاً بل ماذا يحدث حين نصدق أن الإنجليزية هي لغة العلم بشكل طبيعي وبديهي؟ ماذا يحدث حين ننسى أنها لغة لحظة، ونعتقد أنها لغة الأبد؟

هنا ولا شك يبدأ الاستلاب، ففي نقاشات التعليم في العالم العربي، ثمّة جملة تتكرّر كتعويذة: "المستقبل هو الإنجليزية عبارة تقال في قاعات الوزراء ومجالس الآباء ونشرات الأخبار. تُقال كحقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان. وحين تُتخذ قرارات سياسية كفرض الإنجليزية في المراحل المبكرة، أو ربط الترقيات الأكاديمية بالنشر بالإنجليزية يُحتفى بها كـ"إصلاحات شجاعة ونصر على التخلف وعلى الاستعمار، لكن هل حقاً اللغة الانجليزية هي ما ينقصنا؟

صحيح أن الإنجليزية يمكن أن تكون جسراً نعبر به إلى المعرفة. لكنها قد تصبح أيضاً بوابة تتحكم في شروط الاعتراف بالمعرفة. يمكن أن تكون أداة للتحرر من العزلة، لكنها قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية. والسؤال إذن ليس: هل الإنجليزية لغة استعمارية أم لغة تحرر؟ بل سؤال أكثر تركيباً:

متى تتحول اللغة العالمية من وسيلة للانفتاح إلى معيار للشرعية، ومن أداة للتحرر إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية؟

غرضنا من هذا المقال ليس محاكمة الإنجليزية، ولا الدفاع عن اللغات الوطنية بدافع الحنين. فتعلم لغة أخرى لا يعني خيانة اللغة الأولى، والانفتاح على المعرفة العالمية لا يعني فقدان الذات. المشكلة تبدأ في اللحظة التي لا تعود فيها اللغة وسيلة للوصول إلى المعرفة، بل تصبح هي نفسها شرطاً للاعتراف بأن ما ننتجه معرفة، عند هذه النقطة ينبغي أن نغادر سؤال اللغة بمعناه الضيق، لندخل إلى سؤال أوسع:

من يضع المعايير التي نقيس بها أنفسنا؟

من قوة الغالب إلى سلطة المعيار

لاحظ ابن خلدون، في تحليله لعلاقة المغلوب بالغالب، أن المغلوب يميل إلى الاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وعاداته وأحواله، لأن النفس ترى في الغالب صورة للكمال الذي تفتقده ، وهذه الملاحظة لا تكمن أهميها في أنها تفسر كل أشكال التقليد، وإنما في أنها تكشف آلية تتجاوز الإكراه المباشر، حيث هيبة القوة تستطيع أن تجعل نموذج الغالب مرغوبًا لدى المغلوب نفسه، وهنا تبدأ الهيمنة في الانتقال من الخارج إلى الداخل، وهذا ما يجعل مفهوم «القابلية للاستعمار» عند مالك بن نبي قابلًا للاستثمار في سياقنا، بشرط ألا نفهمه بوصفه اتهامًا للمجتمع المستعمَر، ولا بوصفه إعفاءً للمستعمِر من مسؤوليته التاريخية، وإنما باعتباره سؤالًا عن الشروط الداخلية التي تسمح لعلاقة الهيمنة بأن تستمر بعد زوال صورتها المباشرة. فالاستعمار يستطيع أن يرحل عن الأرض، لكن بعض شروطه قد تبقى في طريقة النظر إلى الذات وإلى الآخر. وقد يتحول المحتل من شخص يحتل المكان إلى نموذج يحتل في مخيلتنا ولا شعورنا معيار التقدم، و هنا يبدأ الاستعمار الجديد في اتخاذ صورة أكثر تعقيدًا حيث لم يعد المطلوب أن تحتل الأرض، بل أن يصبح معيارك هو المعيار الذي يقيس به الآخر نفسه.

هنا يساعدنا أنطونيو غرامشي على فهم شيء بالغ الأهمية: السلطة لا تستمر بالقوة وحدها. فهي تصبح أكثر استقرارًا عندما تتحول إلى هيمنة ثقافية، أي عندما تنجح في جعل تصور معين للعالم يبدو طبيعيًا وبديهيًا، بحيث لا يحتاج إلى فرض نفسه بالقسر المستمر. وهذا يغير طبيعة السؤال. لو قيل للباحث: " استخدم الإنجليزية لأنني أفرضها عليك" لكان الأمر واضحًا بوصفه إكراهًا. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الاعتقاد السائد هو أن الباحث الجاد يجب أن ينشر بالإنجليزية، وأن المجلة المرموقة هي المجلة التي تنتمي إلى منظومة نشر دولية معينة، وأن البحث الذي لا يدخل هذه المنظومة يظل في مرتبة أدنى مهما كانت قيمته؟ هنا لا تظهر السلطة في صورة أمر مباشر. إنها تظهر في صورة بديهة، ولا يعود الباحث بحاجة إلى أن يُجبر على اختيار المعيار؛ فهو يتعلم أن يختاره بنفسه. وهنا تكمن إحدى أكثر صور الهيمنة تعقيدًا: أن يختفي الفاعل الذي يفرض المعيار، ويبقى المعيار نفسه.

من الضروري هنا ان نفتح زاوية أخرى للتفكر وهي اللغة بوصفها رأس رمزي، هنا يصبح مفهوم " الرأسمال اللغوي" عند بيير بورديو مفيدًا لفهم البعد الاجتماعي للمسألة،  فاللغة ليست مجرد مجموعة من الكلمات والقواعد بل هي تمثل رصيدا  داخل الحقول الاجتماعية المختلفة، حيث تمتلك بعض طرق الكلام قيمة أكبر من غيرها. وقد يتحول إتقان لغة معينة إلى مورد يفتح أبواب التعليم والعمل والبحث والنشر والاعتراف. وهذا يعني أن انتشار الإنجليزية في المجال الأكاديمي لا ينتج أثرًا معرفيًا فقط؛ بل يمكن أن ينتج أيضًا تفاوتًا اجتماعيًا،  فالقدرة على تعلم الإنجليزية بمستوى عالٍ ليست موزعة بالتساوي، فهناك من يولد في بيئة مدرسية وثقافية واقتصادية تمنحه وصولًا مبكرًا إلى اللغة، وهناك من لا يحصل على هذا الرصيد إلا بعد جهد مضاعف، وربما لا يحصل عليه أصلًا. وعندما تصبح اللغة شرطًا متزايد الأهمية للترقي والاعتراف، فإن ما يبدو في الظاهر معيارًا محايدًا قد يخفي وراءه تفاوتًا في الموارد. هنا تظهر مفارقة أخرى: اللغة التي يفترض أنها تفتح العالم أمام الجميع قد تصبح، إذا تحولت إلى شرط حصري للمرور، أداة لإعادة توزيع فرص الوصول إلى العالم بصورة غير متساوية. ولا يعني ذلك أن الإنجليزية هي التي تنتج التفاوت من العدم، وإنما يعني أن النظام المؤسسي يمكن أن يحول الكفاءة اللغوية إلى رأس مال اجتماعي، وأن يجعل امتلاك هذا الرأس المال شرطًا للوصول إلى مواقع معينة.

من لغة التواصل إلى لغة الشرعية

هنا نصل إلى النقطة المركزية في الإشكالية التي نشتغل عليها، وهي ان هناك فرق هائل بين أن أحتاج الإنجليزية لكي أصل إلى المعرفة، وبين أن أحتاجها لكي يعترف بأن ما أنتجه معرفة ذات قيمة، في الحالة الأولى تكون اللغة وسيلة، وفي الثانية تصبح معيارًا.

يمكن للباحث أن يتعلم الإنجليزية لكي يقرأ أحدث الأبحاث، ويتواصل مع زملائه في العالم، وينشر أفكاره خارج مجتمعه، كل ذلك يدخل في معنى الانفتاح المعرفي، لكن الوضع يتغير حين تصبح العلاقة على النحو الآتي (الإنجليزية جسر للنشر الدولي ،وشرط الاعتراف الأكاديمي وسبب مهم للترقية والحصول على التمويل ومن ثمة  المكانة، وهنا لا تصبح اللغة مجرد أداة اتصال؛ لقد أصبحت جزءًا من بنية الشرعية، لذلك ينبغي أن نميز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: العالمية بوصفها انتشارًا، والعالمية بوصفها قيمة، وكون لغة ما منتشرة عالميًا لا يعني في ذاته أن كل ما ينتج خارجها أقل قيمة. وكون مجلة ما واسعة الانتشار لا يعني تلقائيًا أن كل بحث منشور خارجها فاقد للقيمة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتشار إلى معيار للقيمة، وحين يصبح الاعتراف الخارجي شرطًا شبه حصري للاعتراف الداخلي. وهنا يمكن أن نصوغ لحظة التحول في جملة واحدة: لا تبدأ الهيمنة حين نتعلم لغة الآخر، بل حين يصبح الاعتراف بنا مشروطًا بأن نتكلم وفق معاييره.

من يملك حق تعريف المعرفة؟

المسألة لا تتوقف عند اللغة، فاللغة لا تعمل منفردة، إنها تدخل في شبكة من المؤسسات التي تحدد ما الذي يُنشر، وما الذي يُفهرس، وما الذي يُدرّس، وما الذي يُمول، وما الذي يمنح صاحبه مكانة علمية، وهنا يصبح سؤال ميشيل فوكو عن العلاقة بين المعرفة والسلطة ذا صلة مباشرة بمشكلتنا، فالسؤال ليس فقط: من يتكلم؟ بل من يملك المؤسسات التي تحدد شروط سماع الكلام بوصفه معرفة؟ فالجامعة، المجلة العلمية، هيئة التقييم، قاعدة البيانات، التصنيف، لجنة التحكيم، المؤسسة المانحة... جميعها ليست مجرد قنوات محايدة لنقل المعرفة؛ فهي تشارك في تحديد ما الذي يظهر في المجال المعرفي، وما الذي يبقى خارجه، ومن هنا فإن السيطرة الأكثر تعقيدًا ليست السيطرة على الأفكار نفسها، وإنما السيطرة على شروط ظهور الأفكار واعتراف المؤسسات بها، و إذا كان الباحث يستطيع أن يكتب ما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى المجال الذي تُمنح فيه الشرعية إلا إذا استجاب لمعايير محددة، فإن السؤال عن حرية الكلام وحدها يصبح ناقصًا. فالحرية لا تتعلق فقط بإمكانية أن تقول شيئًا، بل أيضًا بإمكانية أن يجد ما تقوله مجالًا للاعتراف والنقاش.

هنا يأخذ إدوارد سعيد المسألة إلى مستوى آخر، ففي نقده للاستشراق، لم تكن القضية مجرد أن الغرب كتب عن الشرق، بل أن إنتاج المعرفة عن الشرق ارتبط تاريخيًا بعلاقات قوة وتمثيلات ومؤسسات جعلت الشرق موضوعًا للمعرفة من موقع يملك سلطة تعريفه. وهذا يفتح أمامنا سؤالًا يتجاوز اللغة: هل نملك فقط حق الكلام عن أنفسنا، أم نملك أيضًا القدرة على تحديد المفاهيم التي نصف بها أنفسنا؟

قد يكتب الباحث عن مجتمعه بلغة أجنبية، وهذا في ذاته ليس مشكلة. لكن السؤال يصبح أكثر عمقًا عندما يجد نفسه مضطرًا إلى ترجمة واقعه إلى المفاهيم التي يحددها مركز معرفي خارجي قبل أن يصبح هذا الواقع مرئيًا أو قابلًا للاعتراف، وهنا لا تكون التبعية في اللغة وحدها. إنها في إطار النظر، فقد ننتقل من استعارة لغة الآخر إلى استعارة أسئلته، ثم إلى استعارة مفاهيمه، ثم إلى استعارة أولوياته، حتى نبدأ في النظر إلى واقعنا بعين ليست عيننا. وهذا هو المستوى الأعمق من الاستلاب المعرفي.

ماذا يحدث للذات حين تصبح لغة القوة معيارًا للقيمة؟

إذا كان سعيد قد كشف علاقة المعرفة بالتمثيل، فإن فرانز فانون يتيح لنا الاقتراب من التجربة النفسية للغة، فاللغة يمكن أن تكون أكثر من وسيلة للتواصل؛ يمكن أن تكون وسيلة للارتقاء الاجتماعي، ولطلب الاعتراف، وللاقتراب من عالم القوة، وهنا يظهر السؤال: ماذا يحدث للإنسان حين يشعر أن لغته الأصلية لا تمنحه المكانة نفسها التي تمنحه إياها لغة القوة؟

لا تكمن المشكلة في أن يتعلم لغة أخرى، بل في أن يبدأ الإنسان في النظر إلى لغته الأولى بوصفها علامة نقص، وإلى لغة الآخر بوصفها علامة اكتمال. عند هذه النقطة ينتقل الأمر من التعلم إلى الاستبطان، حيث لم يعد الآخر هو الذي يقول لي إن لغتي أقل قيمة. فأنا الذي بدأت أقول ذلك عن نفسي، وهنا تبلغ الهيمنة مرحلة شديدة العمق، حين يصبح صوت السلطة جزءًا من صوت الفرد عن نفسه، وهنا يمكن أن نصل إلى روبرت فيليبسون ومفهوم الإمبريالية اللغوية، أهمية هذا المفهوم أنه ينقل النقاش من الحكم الأخلاقي على لغة بعينها إلى تحليل الظروف التاريخية والمؤسسية التي تجعل لغة ما أكثر قدرة على التوسع من غيرها، وعلى الحصول على موارد ومواقع ومؤسسات تدعم انتشارها. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن نتعامل مع انتشار الإنجليزية كظاهرة بسيطة يمكن تفسيرها بسبب واحد. فهي ترتبط بتاريخ الاستعمار، وبالقوة الاقتصادية، وبالمؤسسات الدولية، وبالتكنولوجيا، وبالمجال العلمي، وبشبكات الاتصال العالمية، و لكن يجب في الوقت نفسه ألا نقع في اختزال معاكس ، فليس كل استخدام للإنجليزية إمبريالية لغوية،  فالطالب الذي يتعلم الإنجليزية للوصول إلى كتاب أو محاضرة، والباحث الذي يستخدمها للتواصل مع زملائه، والمجتمع الذي يترجم إليها إنتاجه، لا يمارس بالضرورة علاقة تبعية، المشكلة تبدأ عندما تصبح اللغة شرطًا حصريًا أو شبه حصري للاعتراف، وعندما يؤدي هذا الشرط إلى إضعاف القدرة على إنتاج المعرفة في اللغات الأخرى. هنا تنتقل الإنجليزية من كونها أداة اتصال إلى كونها بنية للشرعية.

من الجسر إلى البوابة

وهنا يمكننا أن نعيد صياغة المسألة كلها في صورة استعارة واحدة. اللغة العالمية يمكن أن تكون جسرًا، والجسر يتيح لي أن أعبر من عالمي إلى عالم آخر، ثم أعود إلى عالمي بخبرة جديدة. لكن الجسر يمكن أن يتحول إلى بوابة، والبوابة لا تكتفي بتسهيل العبور؛ إنها تحدد من يدخل، وبأي شروط، وبأي لغة، وبأي معايير، هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الانفتاح إلى هيمنة. فاللغة لا تصبح مشكلة لأنها عالمية، بل لأنها تصبح حارسة على العالمية، ولا تكمن المشكلة في أن تكون الإنجليزية لغة مشتركة للعلم، بل في أن يتحول هذا الواقع إلى اعتقاد بأن العلم الذي لا يتكلم الإنجليزية أقل علمية، أو أن المعرفة التي لا تحصل على اعتراف مؤسساتها أقل قيمة. وهنا يتضح الفرق بين: اللغة بوصفها وسيلة، واللغة بوصفها معيارًا.

إذا كان الأمر كذلك، فهل يكون التحرر المعرفي في رفض الإنجليزية والعودة إلى اللغة الوطنية؟ سيكون هذا الاستنتاج سهلًا، لكنه خاطئ، فاللغة الوطنية التي لا تستطيع استيعاب العلوم الحديثة ولا إنتاج مصطلحاتها ولا ترجمة المعارف إليها قد تتحول هي نفسها إلى حاجز. والانغلاق على لغة واحدة يمكن أن يكون شكلًا آخر من أشكال العزلة. لذلك لا ينبغي أن يكون البديل هو استبدال لغة مهيمنة بلغة منغلقة، وإنما بناء علاقة مختلفة باللغات، ان المطلوب ليس الإنجليزية بدل الفرنسية، ولا العربية ضد الفرنسية، فاللغة الأجنبية ينبغي أن تكون نافذة لا جدارًا، وجسرًا لا بوابة، وأداة للوصول إلى المعرفة لا معيارًا وحيدًا لقيمتها. وهنا تصبح الترجمة مشروعًا معرفيًا لا نشاطًا ثانويًا. فالمجتمع الذي يستقبل المعرفة فقط يظل مستهلكًا لها، أما المجتمع الذي يترجم ويعيد إنتاجها بلغته ثم يترجم إنتاجه إلى الآخرين، فإنه يدخل في الدورة العالمية للمعرفة بوصفه فاعلًا.

يمكن لغادامير أن يمنحنا مخرجًا فلسفيًا من الثنائية الزائفة بين الانغلاق والانفتاح. فالإنسان لا يقف خارج اللغة لكي يختارها كما يختار أداة محايدة؛ اللغة هي أحد الأوساط التي يفهم من خلالها العالم. لكن هذا لا يعني أن الإنسان محكوم بلغة واحدة أو أفق واحد. فالحوار مع لغة أخرى يمكن أن يوسع أفق الفهم، وأن يجعل الإنسان يرى في لغته الخاصة إمكانات لم يكن يراها قبل الاحتكاك بالآخر. وهنا يصبح تعلم الإنجليزية، أو أي لغة أخرى، فعلًا تحرريًا بالمعنى العميق إذا أدى إلى توسيع الأفق لا إلى إلغاء الأفق الأصلي. فالتحرر اللغوي لا يعني أن نتوقف عن استخدام لغة الآخر. بل يعني أن نستطيع استخدامها دون أن نضطر إلى فقدان حقنا في الكلام من موقعنا الخاص.

الاستقلال المعرفي خرافة، والاكتفاء الذاتي الكامل وهم في عالم تتشابك فيه المعارف، لا توجد أمة تعرف كل شيء، ولا لغة تستوعب وحدها كل ما ينتجه العقل البشري، ان الاستقلال الحقيقي هو امتلاك القدرة على الاستقبال دون التبعية، والتعلم دون المحاكاة، والترجمة دون الذوبان، والإنتاج دون الانغلاق، والحوار دون فقدان الصوت الخاص. وهذا يعني أن السؤال عن الإنجليزية لا ينبغي أن يكون هل نستخدمها أم لا؟ بل ما موقعها داخل مشروعنا المعرفي؟ هل نستخدمها لكي نصل إلى العالم؟ أم لكي نستبدل أنفسنا بالعالم؟ هل نكتب بها لكي يسمعنا الآخر؟ أم لأننا لم نعد نعتقد أن ما نكتبه بلغتنا يستحق أن يُسمع؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الانفتاح والتبعية.

خاتمة

أن نتكلم بلغة العالم دون أن نصبح صدى له ليست المشكلة في أن يتعلم الإنسان لغة الآخر، بل في أن يفقد القدرة على الكلام بلغته الخاصة. وليست المشكلة في أن ينشر الباحث بالإنجليزية، بل في أن يصبح النشر بالإنجليزية الطريق الوحيد الذي يمر عبره الاعتراف بقيمة ما ينتجه. اللغة العالمية تصبح أداة للتحرر عندما توسع قدرتنا على المعرفة والتواصل، وتتحول إلى أداة للهيمنة عندما تصبح معيارًا وحيدًا أو شبه وحيد لتحديد من يملك حق الدخول إلى مجال المعرفة. لهذا لا يبدأ الاستلاب حين نتكلم بلغة الآخر، بل حين نبدأ في قياس أنفسنا بالمعيار الذي جاءت به لغته، فالهيمنة الأكثر اكتمالًا ليست أن يمنعك الآخر من الكلام، وإنما أن يجعلك تعتقد أن الكلام لا قيمة له إلا إذا صيغ بالطريقة التي يعترف بها هو. لكن التحرر لا يكون برفض اللغة العالمية، كما لا يكون بالاستسلام لها. إنه في امتلاكها. أن نتعلم الإنجليزية لكي نقرأ العالم، لا لكي ننسى كيف نقرأ أنفسنا. أن نستخدمها لكي نُسمع صوتنا، لا لكي نستبدل صوتنا بصوتها. أن نجعلها جسرًا نعبر عليه، لا بوابة تقرر لنا من نحن. فالمجتمع المستقل معرفيًا ليس هو المجتمع الذي لا يحتاج إلى الآخر، وإنما الذي لا يحتاج إلى أن يتخلى عن نفسه لكي يدخل العالم. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل الإنجليزية لغة التحرر أم لغة الهيمنة؟ بل هل نستطيع أن نتكلم بلغة العالم دون أن نصبح صدى له؟

***

عمرون علي

 

منتوجات الحب عندما تنسلخ الروح إلى ما هو غير معلن

"نحن لا نكره أبدًا من نحب، إلا إذا تحول الحب إلى رغبة في السيطرة، وحينها يصبح التملك وجهًا آخر للعبودية."... باروخ سبينوزا

***

إن رحلة الحب البشري منذ بداياتها وحتى يومنا هذا تحمل في طياتها تناقضات عميقة؛ فهي تبدأ من غريزة البقاء لتتطور عبر التاريخ والفلسفة إلى أسمى معاني الارتقاء، لكنها في المقابل قد تسقط في فخ التملك والتشوه النفسي إذا غاب عنها الوعي والنضج.

نشأة الحب وتطوره بين البيولوجيا والفردانية

لم يكن الحب في بداياته الأولى فكرة فلسفية مجردة ولا شعورًا رومانسيًا حالئًا، بل ولد من رحم الضرورة البيولوجية والاجتماعية القصوى لضمان بقاء النوع البشري في مواجهة قسوة الطبيعة والمفترسات فكانت غرائز الحماية والرعاية الوالدية والتعاون الجماعي داخل القبائل البديلة هي الشكل الأولي لهذا التعلق ومع تطور الإنسان عقليًا ولغويًا بدأت هذه الروابط تتخذ أبعادًا رمزية تترجم في طقوس وأساطير تعبر عن الانتماء والتعلق بالآخر ومع الثورة الزراعية واستقرار الإنسان ظهرت الملكية الخاصة وتنظيم النسل والأسرة النووية فتحول الارتباط من مصلحة جماعية للقبيلة إلى تنظيم اجتماعي واقتصادي ثنائي محدد الملامح ومع بزوغ الحضارات الكبرى واكتشاف الإنسان لذاته المستقلة ظهرت أولى النصوص والأساطير المعبرة عن لوعة العشق الفردي مثل ملحمة جلجامش وأساطير عشتار وتموز لتتوج هذه المسيرة لاحقًا في العصور الوسطى الأوروبية عبر شعراء التروبادور ومفهوم الحب المهذب أو الرومانسي الذي رفعت من شأن المرأة وجعل التضحية من أجلها قيمة كبرى وصولًا إلى العصر الحديث حيث فرضت الفردانية نفسها ليصبح الحب والارتباط العاطفي اختيارًا شخصيًا مستقلاً ومبنيًا على التوافق الروحي والنفسي البحت بعيدًا عن الإكراهات الاقتصادية والقبلية.

الحب والوجودية في مواجهة عبثية الوجود

تنظر الفلسفة الوجودية عند أعلامها مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو إلى الحب والجمال باعتبارهما الجناحين اللذين يرتفع بهما الإنسان لمواجهة عبثية الوجود ولا معقوليته فالجمال الوجودي لا يقف عند حدود الزخرفة الشكلية بل يمثل المواجهة الأصيلة للواقع المادي والكوني حيث يمنح الفن والإدراك الجمالي للإنسان شعورًا بالمعنى والتحرر من وطأة العدمية المطلقة أما الحب فيتموضع في قلب الفكر الوجودي كأزمة وكحل في آن واحد فعلى الرغم من أن سارتر يرى في نظرة الآخر تهديدًا محتملًا لحرية الذات إلا أن الحب الحقيقي يظل المحاولة الأذرع والأعمق لكسر العزلة الوجودية المطلقة والاعتراف المتبادل بحرية الكائن الآخر وهشاشته ليتحول الحب من مجرد حاجة عاطفية إلى فعل وجودي واعي يتقاسم فيه طرفان حران عبء الوجود وصمت الكون.

الوجه المزدوج للحب بين الارتقاء الحضاري والعنف المدمر

حمل الحب منذ نشأته طاقة مزدوجة ومتناقضة جعلت منه القوة الدافعة الكبرى للارتقاء الإنساني وفي الوقت ذاته الصاعق المفجر لأعنف غرائز التدمير فعلى صعيد الارتقاء كان الحب الوالدي والتعاطف الاجتماعي الركيزة الأساسية في بقاء وتطور الكائنات البشرية وتكوين مجتمعات متعاونة كما كان الملهم الأكبر لكل الفنون الخالدة من شعر وموسيقى وعمارة وساهم بفعالية في توسيع دائرة الأخلاق والرحمة الإنسانية لتتجاوز الأسرة الضيقة نحو قيم عالمية مشتركة وفي المقابل كان هذا الشغف الجارف نفسه وقودًا لدمار هائل عندما تحول إلى رغبة مرضية في التملك المطلق والغيرة العميقة مؤديًا إلى حروب وصراعات فردية وجماعية باسم العصبية والهوية والتعصب المقيت مما يثبت أن الحب مرآة حقيقية لتناقضات النفس البشرية بين السمو الإنساني والتوحش الغريزي.

الوجه المظلم للحب وتجليات من الحب ما قتل

المثل العربي الشهير من الحب ما قتل يختزل ببراعة ذلك الانحراف الخفي الذي تدخله العاطفة عندما تنسلخ الروح عن نقائها وتتحول من فضاء التحرير والارتقاء إلى سجن مظلم من الهوس والسيطرة فالحب في جوهره يمنح الحرية والاتساع لكنه عندما يقترن بخوف مرضي من الفقد أو برغبة عارمة في الاستحواذ المطلق على الشريك يفقد معناه السامي ويتحول إلى طاقة هدامة تسيطر على العقل وتغيبه وحين يتعرض هذا التعلق العاصف لصدمة عاطفية قوية كالخيانة أو الرفض أو الفراق يعجز الإنسان عن استيعاب الواقع بسبب فرط الاحتراق النفسي وارتفاع مستويات التعلق العصبي مما يدفعه تحت وطأة الانهيار التام إلى ارتكاب أفعال عنيفة أو مدمرة تثبت أن الوجه المظلم للحب ليس نتاج الحب ذاته بل هو نتاج سقوط الإنسان في فخ الأنانية والاعتمادية المريضة.

جوهر الحب الحقيقي بوصفه خيارًا أخلاقيًا للتحرر

إذا كانت كل تلك التشوهات والاصطدامات العنيفة تمثل الجانب المظلم للتعلق فإن جوهر الحب الحقيقي والنقي يظل مرتكزًا على مفاهيم جذرية تعيد للعاطفة براءتها وسموها فالإنسان في الحب الواعي لا يبتلع شريكه ولا يعتبره ملكية خاصة بل يمنحه الحق المطلق في أن يكون حرًا ومستقلًا بذاته لأن الحب الحقيقي لا يقوم على محو الآخر بل على الاحتفاء بوجوده وتفرده كما أن العلاقة السليمة تبنى على التكامل الروحي والتبادل الواعي بعيدًا عن الاعتمادية المرضية التي تبحث عن نصف آخر يكمل النقص بتهور وهنا ينتقل الحب من كونه مجرد غريزة عمياء أو تفاعل عاطفي عابر إلى خيار أخلاقي وإنساني مستدام يستند إلى الرحمة والاحترام المتبادل ليغدو الوسيلة الأسمى لتحقيق السلام الداخلي والتحرر الروحي الكامل.

***

ئاريان علي

يَنْفِي المفكر اللبناني الدكتور أسعد السحمراني* أستاذ العقائد والأديان المقارنة بجامعة الإمام الأوزاعي بيروت لبنان أن يكون المفكر الجزائري مالك بن نبي أوّل من وضع سؤال "النهضة"، إذ يقول: إن سؤال النهضة قد طُرِحَ قبل أن يَخُطَّ مالك بن نبي رؤاه تحت عنوان "مشكلات الحضارة"، ومن أثار السؤال عالِمٌ أزهريٌّ كان في مهمة دعويّة في جاوة بأندونيسيا وهو الشيخ محمد بسيوني عمران وهو واحد من أبرز قراء القرآن الكريم في مصر والعالم الإسلامي، وقد وجّه هذا الأخير رسالة إلى الإمام محمد رشيد رضا صاحب مجلة " المنار" في القاهرة في ربيع الأول 1328هجرية ( 1929م) .

و جاء في سؤاله مايلي: ما الأسباب التي ارتقى بها الأوروبيون والأمريكيون واليابانيون ارتقاءً هائلا، وهل يمكن أن يصير المسلمون أمثالهم في هذا الإرتقاء إذا اتبعوهم في أسبابه مع المحافظة على دينهم الإسلام أم لا؟ وطلب السائل أن يجيب صاحب المجلة على صفحات المنار على سؤال الأمير شكيب أرسلان، وكانت الإجابة في مجموعة مقالات جمعتها المنار في كتاب عنوانه: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ صدر عام 1930 وتبعتها طبعات جديدة عن دار النفائس ببيروت.

يضيف الدكتور أسعد السحمراني بالقول: إن ما خطه قلم مالك بن نبي تمحور حول التأسيس للمشروع النهضوي الحضاري وقد أصّل لمشروعه من مرجعية ثقافة الأمّة والإسلام أساسا فيها، هذه الثقافة التي من فضلها تتكون شخصية الإنسان الذي هو بحاجة إلى تحرير نفسه من القابلية للإستعمار، لقد كان في مشروع مالك بن نبي النهضوي الإستثمار في التربية، لذلك ركز مالك بن نبي على دور المدرسة والمناهج والمقررات وهذه مع الفكر النهضوي مقرونة بالأخلاق والذوق الجمالي.

 يقول السحمراني إن آفة الإسلام في الفئة الجامدة التي ترفض ايّ تغيير، فقد اضاع الإسلام جامد وجاحد، وأما الجاحد هو الذي يريد أن يُفَرْنِجَ المسلمين ويبعدهم عن قيمهم وعن ثقافته الأصيلة، لقد دخلت النهضة العربية في طور جديد منذ ثورة يوليو/ جويلية سنة 1952 في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، ولهذا بات من الضروري أن توضع مشكلة الإنسان في المرتبة الأولى، لأنه هو الذي يوجِّهُ الأشياء ويصنع الحضارة، ربما ا هذا هو التنبيه الذي أطلقه مالك بن نبي في كتابه "تأملات" طالبا الإنسان على صورة آدمية مسلمة بالعقل باعتباره مستخلف في الأرض

و الدكتور أسعد السحمراني ارتكزت دراساته حول قضايا عديدة منه الإسلام بين المذاهب والأديان، والأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة وكتاب آخر بعنوان : ايها المسلمون اتحدوا وغيرها من الأعمال الفكرية والدينية ، والأهم من ذلك كله هو أن الدكتور أسعد السحمراني عضو في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي غاب عنها مالك بن نبي، بحيث لم يكن فيها عضوا وكان قد صرّح بنفسه في كتاباته بأنه عمل وخدم الحركة الإصلاحية، وتحدث في معاهدها دون أن ينضم رسميا كعضو فيها، في حين وُجدت بينه وبين بعض رموزها اختلافات في وجهات النظر الفكرية والمنهجية، فقد

اعتمد خلاف مالك بن نبي مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على مفهوم رئيسي، وهو أنه لا بد أن تولد الجزائر الجديدة على الهوية النهضوية الإسلامية، التي اختلف في تحريرها مع "العلماء" ، خاصة ما تعلق بمشاركتها في المؤتمر الإسلامي عام 1936 وحضور بن جلول وفرحات عباس وهو يمثل زعيم الإندماجيين وقال فرنسا أنا وأنا فرنسا وكانت إشارات مالك بن نبي واضحة بأن هناك كتلة اجتماعية منفصلة عن روح الإسلام، مستلبة فكرياً لباريس يقودها التيار الاندماجي في الجزائر وأن الجمعية غفلت عن التفطن لهذا المخطط الإستعماري، مما عجّل في اغتيال مالك بن نمبي فكريا.

***

علجية عيش

..................

* السحمراني كان عضوا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

من الاكتفاء بالاتباع والترجمة إلى احداث القطيعة والابداع

مقدمة: تشكل الفلسفة العربية الإسلامية واحدة من أبرز التجليات الفكرية في تاريخ الحضارة الإنسانية، لا باعتبارها مجرد امتداد للفلسفة اليونانية أو انعكاساً سلبياً لها، بل بوصفها تجربة حضارية مركبة نشأت في سياق ثقافي وديني واجتماعي خاص، وتحولت تدريجياً من مرحلة الاستقبال والترجمة والاتباع إلى مرحلة الإبداع والاستقلال النسبي والقطيعة الجزئية مع النموذج اليوناني. هذه التحولات لم تكن مجرد تطورات داخلية في حقل المعرفة الفلسفية، بل كانت تعبيراً عن ديناميكية حضارية أوسع، ارتبطت بتكوين الهوية الثقافية الإسلامية، وتفاعلها مع التراث العالمي، وصراعها مع التحديات اللاهوتية والسياسية والعلمية.

إن المقاربة الحضارية لهذه المسيرة تقتضي النظر إلى الفلسفة لا كمنتج نظري معزول، بل كجزء من منظومة حضارية شاملة تشمل الدين والعلم والسياسة واللغة والسلطة. فقد نشأت الفلسفة العربية الإسلامية في ظل حضارة توسعت جغرافياً وثقافياً، واستوعبت تراث الأمم السابقة، ثم أعادت صياغته وفق مقتضيات رؤيتها الكونية. ومن هنا يمكن تقسيم مسارها إلى مراحل متداخلة: مرحلة الاكتفاء بالترجمة والاتباع، ثم مرحلة التكيف والتأويل، وصولاً إلى مرحلة الإبداع والقطيعة النسبية التي أفرزت أنظمة فلسفية أصيلة. فعلى ماذا يقوم تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية؟ هل اكتفى بتقليد واتباع التراث الفلسفي الوافد عليه من الاغريق والفرس والسريان والهند؟ بأي معنى أحدث قطيعة وعرف فترات من الابداع؟

السياق الحضاري لنشأة الترجمة والاستقبال

ظهرت الحاجة إلى الفلسفة في العالم الإسلامي مع اتساع رقعة الدولة العباسية، حيث واجهت الحضارة الإسلامية تحديات معرفية وعقدية جديدة. لم يكن الإسلام في بداياته ديناً فلسفياً بالمعنى اليوناني، بل كان رسالة توحيدية تركز على الوحي والشريعة والأخلاق العملية. غير أن الاحتكاك بالحضارات الفارسية واليونانية والسريانية والهندية، خاصة بعد الفتوحات، طرح أسئلة حول طبيعة الوجود، والعلاقة بين العقل والنقل، ووجود الله وصفاته، وخلق العالم، وطبيعة النفس، والسياسة المثلى. في هذا السياق برزت حركة الترجمة الكبرى في القرنين الثاني والثالث الهجريين، مدعومة من الخلفاء العباسيين، لا سيما المأمون. لم تكن هذه الحركة مجرد نقل نصوص، بل كانت مشروعاً حضارياً يهدف إلى تملك المعرفة العالمية وتوظيفها في خدمة الدولة والمجتمع. تُرجمت أعمال أرسطو وأفلاطون وأفلوطين وجالينوس وإقليدس وبطليموس، وكثيراً ما نُقلت عبر وسطاء سريان، مع شروح وتعليقات. وكان "بيت الحكمة" رمزاً لهذه المرحلة، حيث جُمعت المخطوطات ونُقلت وصُنفت. غير أن الترجمة لم تكن محايدة. فقد اختيرت النصوص وفق حاجات المجتمع الإسلامي، وأُعيدت صياغتها أحياناً بلغة عربية تحمل حمولة دينية وثقافية. وهكذا بدأت الفلسفة تدخل المجال الإسلامي بوصفها "حكمة" يمكن أن تتوافق مع الوحي أو تخدمه. وكان الكندي من أوائل من حاولوا هذا التوفيق، معتبراً الفلسفة والدين طريقين متكاملين إلى الحقيقة. في هذه المرحلة المبكرة ساد الاتباع إلى حد كبير. كان الفيلسوف يقرأ النصوص اليونانية، يشرحها، ويسعى إلى مواءمتها مع العقيدة الإسلامية. لكن حتى هذا الاتباع لم يكن سلبياً تماماً؛ إذ إن اختيار المفاهيم وترجمتها وتأويلها كان ينطوي على فعل إبداعي أولي. فالترجمة ذاتها كانت إعادة إنتاج للمعنى في سياق حضاري مختلف، حيث تحوّل "اللوغوس" اليوناني إلى "عقل"، و"العلة الأولى" إلى مفاهيم تقترب من التوحيد الإسلامي.

مرحلة التكيف والتأويل: بناء النظام الفلسفي الإسلامي

مع تقدم القرون، انتقلت الفلسفة من مجرد استقبال إلى بناء أنظمة متماسكة. برز الفارابي بوصفه المؤسس الحقيقي للفلسفة السياسية والإلهية في الإسلام. لم يكتفِ بنقل أرسطو وأفلاطون، بل أعاد ترتيبهما في نسق جديد يجمع بين المنطق والميتافيزيقا والسياسة. رأى في المدينة الفاضلة تجسيداً للعقل الكلي، وجعل النبوة أعلى درجات المعرفة الحدسية، مما مكّنه من دمج الوحي في البنية الفلسفية. هنا بدأت القطيعة الجزئية تظهر: لم يعد أفلاطون أو أرسطو مرجعاً مطلقاً، بل أصبحا مادة يُعاد صياغتها وفق رؤية حضارية ترى في النبوة والشريعة أساساً للتنظيم الاجتماعي. ثم جاء ابن سينا ليحقق قفزة نوعية. لم يكن مجرد شارح، بل بنى منظومة ميتافيزيقية متكاملة حول واجب الوجود، والماهية والوجود، والنفس، والعقول العشرة. استند إلى التراث الأرسطي والأفلوطيني، لكنه تجاوزهما في مسائل جوهرية، مثل تمييزه بين الوجود والماهية، وهو تمييز أصبح حجر الزاوية في الفكر الإسلامي اللاحق. كما طور نظرية النبوة والخيال، وجعل الفلسفة أداة لفهم الكون والإنسان في إطار توحيدي. كانت فلسفته تعبيراً عن حضارة وصلت إلى ذروة قوتها العلمية والسياسية، حيث تداخلت الفلسفة مع الطب والفلك والرياضيات. في هذه المرحلة لم تنفصل الفلسفة عن اللاهوت الكلامي أو التصوف. فالمتكلمون، رغم نقدهم للفلاسفة أحياناً، استفادوا من أدواتهم المنطقية. والصوفية وجدوا في المفاهيم الفلسفية لغة للتعبير عن تجاربهم. وهكذا أصبحت الفلسفة جزءاً من النسيج الحضاري الأوسع، لا غريبة عنه.

القطيعة والإبداع: تجاوز النموذج اليوناني

بلغت القطيعة ذروتها مع مفكرين أعادوا النظر جذرياً في علاقة العقل بالنقل، وفي طبيعة المعرفة نفسها. يُعد الغزالي نقطة تحول حاسمة. في "تهافت الفلاسفة" نقد ابن سينا والفارابي في مسائل ثلاث رئيسية: قدم العالم، وعلم الله بالجزئيات، والبعث الجسماني. لم يكن نقده رفضاً للعقل، بل دفاعاً عن حدود العقل أمام الوحي، وإعادة ترتيب العلاقة بينهما. أدى هذا النقد إلى تراجع الفلسفة المشائية في المشرق، لكنه فتح الباب أمام تيارات أخرى أكثر إبداعاً. في الأندلس، جاء ابن رشد ليدافع عن الفلسفة ضد الغزالي، مؤكداً أن الحقيقة واحدة، وأن الفلسفة والشريعة متوافقتان إذا فُهمتا فهماً صحيحاً. لكنه لم يعد مجرد تابع لأرسطو؛ بل قدم قراءة نقدية للتراث، وطور نظرية في التأويل تسمح للعقل بالعمل بحرية ضمن إطار الدين. كانت فلسفته تعبيراً عن حضارة أندلسية منفتحة، لكنها واجهت تحديات سياسية أدت إلى تراجعها.

أما الإبداع الحقيقي فيتجلى في تيارات أخرى. ففي المشرق برزت فلسفة الإشراق مع السهروردي، الذي قطع مع المشائية الأرسطية إلى حد كبير، مستلهماً التراث الإيراني القديم والأفلاطونية المحدثة والتصوف. جعل النور مبدأ الوجود، وبنى ميتافيزيقا رمزية وحدسية تتجاوز المنطق الصوري. وفي مدرسة أصفهان لاحقاً، ومع الملا صدرا، بلغت الفلسفة الإسلامية ذروة تركيبية جديدة: جمعت بين المشائية والإشراق والتصوف، وأبدعت نظرية في أصالة الوجود والحركة الجوهرية، مما شكل قطيعة جذرية مع التصورات اليونانية التقليدية للوجود الثابت. لم يكن الإبداع مقتصراً على الميتافيزيقا. في المنطق طور المناطقة المسلمون نظريات في القياس والحد والمغالطات تتجاوز أرسطو. وفي الأخلاق والسياسة قدموا تصورات عن السعادة والمدينة والعدل مستمدة من الشريعة والتجربة التاريخية الإسلامية. وفي نظرية المعرفة أبدعوا في مسائل العقل الفعال والاتصال والحدس.

الأبعاد الحضارية للتحول

من منظور حضاري، لم تكن هذه المسيرة مجرد تطور فكري، بل انعكاساً لتفاعل الحضارة الإسلامية مع ذاتها ومع العالم. فالترجمة كانت تعبيراً عن ثقة حضارية وقدرة على الاستيعاب. والاتباع كان مرحلة ضرورية لامتلاك الأدوات. أما القطيعة والإبداع فهما نتيجة نضج داخلي، حيث أصبح العقل الإسلامي قادراً على نقد التراث العالمي وإعادة بنائه وفق رؤيته الخاصة.

ارتبط هذا التحول بعوامل عدة: ازدهار العلوم التجريبية الذي غذى التساؤل الفلسفي، وتنوع المدارس الكلامية والصوفية التي فرضت حواراً مستمراً، والصراعات السياسية التي جعلت الفلسفة أداة لتبرير السلطة أو نقدها، واللغة العربية التي أصبحت وعاءً قادراً على التعبير عن أدق المفاهيم المجردة. كما لعبت الترجمة العكسية لاحقاً، عبر اللاتينية والعبرية، دوراً في نقل هذا التراث إلى أوروبا، مما يؤكد الطابع الحضاري العالمي للفلسفة الإسلامية. غير أن هذه المسيرة لم تخلُ من توترات. فالتوتر بين العقل والنقل، وبين الفلسفة والسلطة الدينية، وبين الإبداع والمحافظة، ظل حاضراً. وفي مراحل لاحقة، مع تراجع المؤسسات العلمية وتغير موازين القوى الحضارية، ضعفت الفلسفة كمشروع مستقل، واندمجت أكثر في التصوف أو الكلام أو العلوم التقليدية. لكن الإرث الذي خلفته ظل حياً، يشهد على قدرة حضارة على التحول من متلقٍ إلى مبدع.

خاتمة

إن تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية، من الاكتفاء بالاتباع والترجمة إلى إحداث القطيعة والإبداع، هو تاريخ حضارة واجهت الآخر واستوعبته ثم تجاوزته. لم تكن القطيعة مطلقة أو عدائية، بل كانت قطعاً انتقائياً يسمح بالاحتفاظ بما ينفع وإعادة صياغة ما يتعارض مع الرؤية التوحيدية والوجودية الإسلامية. ومن خلال هذا المسار برزت إسهامات أصيلة في فهم الوجود والمعرفة والإنسان والمجتمع، إسهامات لا تزال تشكل جزءاً من التراث الإنساني المشترك. على هذا النحو تبقى هذه التجربة شاهداً على أن الإبداع الفلسفي لا ينشأ من فراغ، بل من حوار عميق مع التراث، ومن شجاعة في تجاوزه عندما تتطلب الضرورة الحضارية ذلك. وفي عالم اليوم، حيث تتجدد أسئلة الهوية والعقل والدين، يظل هذا التاريخ مصدراً للتأمل في كيفية بناء معرفة أصيلة في سياق حضاري متجدد. لماذا وقع تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية في التهفيت الداخلي لمقالاته الأنطولوجية؟ وكيف مارس تأثيرا كبيرا على الفكر الأوروبي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

لم تَعرف الثقافة العَرَبيَّة قديمًا مصطلح (ثقافة)، لكنَّها كانت تتنفس المسمَّى نفسه، (الثقافة). ولهذا كان بعض الكُتَّاب العَرَب في القرن الماضي، قبل أن يولد مصطلح (ثقافة)، يستعملون كلمة (كلتور Culture).(1) وبذا فإنَّ عصرنا عصر الكلمات والمصطلحات البرَّاقة، أمَّا الفعل، فإنْ لم يكن كابيًا، ربما كان بعكس التسميات، إلَّا ما ندر. هكذا ابتدر مجلسنا (ذو القُروح)، دون بسملة. فقلت له:

- أُحِبُّ ضَرْب الأمثلة!

- وأنا أُحِبُّ ضَرْبك ضربًا مبرحًا! خذ مثلًا من البلاغة! لقد كانت تسري في دماء العَرَب، العوامِّ منهم قبل الخواص. حتَّى تعلَّم الناس، عِلْمًا فارغًا، أو قُل: (عِلْمًا في حَكَرَة)، كما نقول بلهجات (فَيْفاء)؛ فأصبحوا يحلِّلون ويحرِّمون، ويُفتون في ما يعلمون وما لا يعلمون. وأشرقت على البسيطة شمس (قُل، ولا تقُل!). فمن بدائعهم قولهم مثلًا: لا تقُل «كلُّ عامٍ وأنتم بخَير»، بل قُل: «كلُّ عامٍ.. أنتم بخَير!» والعامِّي يضحك من هذا التصحيح، وإنْ لم يعلم كيف يَرُد، غير أنَّه يَشعُر بفِطرته أنَّ العبارة الأُولى هي الصحيحة، وفيها بلاغة الخطاب المنشود، والعبارة الأخرى عرجاء بليدة. ذلك أنَّه بدارجته يقول أيضًا، إذا حُيِّيَ بمثل تلك التحيَّة: «وأنت بخير»، أو «وأنت بصحَّة وسلامة»، ويكتفي بذلك، فتصل رسالة التحيَّة خير وصول.

- شيءٌ ما أَهَرَّ ذا ناب!

- نعم أَهَرَّه، وأَهَرَّ أباه أيضًا!  بل أَنْبَتَ له نابًا ثمَّ أَهَرَّه!

- ما الذي فَهِمَه العوامُّ ولم يفهمه المتعلِّمون؟

- فَهِمُوا ما يُسمَّى (بلاغة الحذف).

- كيف؟

- المتعلِّم المسكين اليوم لا يفهم اللُّغة إلَّا على أنها الكلمات المرسومة أمام عينيه. لا يفهم أنَّ لُغة الخطاب شبكةٌ معقَّدةٌ من العلاقات والمقامات، فيها علاقات حضورٍ في علاقات غياب.

- دع التفلسف، وقُل لي: ما تلك الواو بين «كُلّ عام»، و«أنتم بخَير»؟

- هي واو الحال. ففي العبارة بلاغة غياب، وتقديرها: (لِيَحِلَّ عليكم كلُّ عامٍ وأنتم بخَير حال).

- يا سلام!

- والعامِّي- البلاغيُّ الحقيقي، والمثقَّف بالفِطرة- حينما يقول لك: «وأنت بخير» يعني: لتعُد عليك هذه المناسبة وأنت بخير. لأنَّه يُعَوِّل على أنَّك إنسان، تفهم ما يُقال، وأنَّ لدَى السامع من الذكاء اللُّغوي ما يكفيه ويُغنيه عن الإطالة والشَّرح.

- يفهمها وهي طائرة!

- نعم. وتلك هي البلاغة.

- لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! وماذا بعد؟

- خذ نموذجًا آخر!

- هات، يا حبيبي!

- مصطلح الترجمة نموذجًا. يملأ الحيطان اليوم، «ومحصولنا على بَقَرٍ»...

- على بَقَرٍ؟

- أقصد، لا تُفهَم الترجمة، ولا تنجو العقول من التلوُّث الترجمي الحاصل، حتَّى نشأت أجيالٌ تكتب وكأنها تترجِم!

- واليوم لديك الذكاء الاصطناعي. استمع إليه في الكتب المسموعة المُعَدَّة بالذكاء الاصطناعي، لتسمع مضحكات الثكالى في نطق الكلمات!

- وسينشأ جيل عَرَبي بعد سنوات يتحدَّث مثل الذكاء الاصطناعي! 

- دعنا مع الترجمة أوَّلًا، التي لم تستكمل حكايتها في المساق الماضي!

- كنا قد قلنا إنَّ إشكالات التَّرجمة إلى العَرَبيَّة اليوم إشكالاتٌ واسعة! ولا تدري، لماذا يشتغل أحدهم بالترجمة، وهو لا يعدو في عمله، وضع كلمة عَرَبيَّة معجميَّة مقابل كلمة غير عَرَبيَّة؟! على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبِعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». وأُشِيرَ إلى أنها «الطبعة الأُولى»؛ بما يوهم أنَّه لم يُطبَع منها شيءٌ من قبل! وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضبط بالشَّكل. وقد ضربنا على ذلك، في المساق السابق- بعض الأمثلة. وكان الصَّواب غالبًا من نصيب طبعة (القاهرة).  ففي (جبل العُرِّ)- أحد جبال (بني مُنَبِّه) المجاورة لمنطقة (جازان)-: لمَّا لم تظهر الشَّدَّة على الرَّاء واضحة في الطبعة المِصْريَّة، ظنَّوها في طبعة (الشَّارقة) فتحة، فصار اسم الجبل «العُرَ»! وكذا لمَّا لم تظهر الضمَّة واضحة على حرف العين من كلمة «عُقوم»، ظنَّوها في طبعة الشَّارقة فتحة! غير أنَّ الطبعتين تشتركان في الأخطاء في ثلاث حالات: ضبط اسم (المُوَسَّم)، وعبارة: «في أبي عريش»، وعبارة «بلغ جنوبًا إلى المخاء، بل احتل تعزّ»، كما أوضحنا في المقال السابق.

- يبدو في هذا الذي وقعَ في الطبعة الأخيرة إخلالٌ بالأمانة العِلميَّة في نقل ما كان ضبطَه المؤلِّف أوَّلًا- حتَّى بالإنجليزيَّة- وما كان ضبطَه المترجِم ثانيًا، وَفق الطبعة المِصْريَّة، وإخلالٌ، إلى ذلك، بعِلميَّة المادَّة المقدَّمة إلى القارئ.

- على أنها تجتمع في نَصِّ الطبعتَين كلتيهما ثلاثة عوامل، تجعله غير مفهوم، فضلًا عن القصور في الدِّقَّة العِلميَّة:

1- المعلومة المضطربة لدَى المؤلِّف أصلًا.

2- رداءة الترجمة.

3- الإملاء الشاذُّ في رسم بعض الأحرف العَرَبيَّة.

ولذا ترى أنَّ هذه الترجمة، بطبعتَيها، من أردأ ما يمكن أن تقرأه من الترجمات. ومن ملامح ذلك، أن تقرأ النصَّ الآتي:

«(جَيْزان): اسم واد [كذا! والصَّواب: وادٍ] وثغر ومقاطعة على البحر الأحمر في جنوب غرب العربية السعودية، والصيغة القديمة «جازان» لا تزال تستعمل كثيرًا وخاصة على يد الكتاب المنتمين إلى هذه المقاطعة نفسها. وثمة روايات مختلفة في نطق جيزان هي: جى بين الفتحة والكسرة، وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة (بين قبيلة ال-مَسارِحَة) أما الصيغة قيزان التي ترد في كثير من الخرائط، فباطلة. ويقال إنها جمع قَوْز (تل رملي) على حين أن الجمع فعلا هو أقواز.»(1)

فأوَّلًا- زعمَ المؤلِّف: أنَّ (جازان) «صيغة قديمة». والصحيح أنَّ (جازان) هي الصيغة العَرَبيَّة الصحيحة منذ القِدَم، أمَّا «جيزان»، فلا تعدو صيغة عامِّيَّة. ولقد جُعِل مدخل هذه المادَّة في «دائرة المعارف الإسلاميَّة» عامِّيًّا، هكذا: (جيزان)، لا عَرَبيًّا صحيحًا: (جازان)، واستمرَّ استعمال هذه الصيغة في سائر ما وردَ عن جازان. ولعلَّ هذا ما يسوِّغ لقارئٍ أنْ يظنَّ الصواب (جيزان)؛ أ لم يَرِد الاسم هكذا في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، على يد (الخواجة رنتز G. Rentz)، وهو من هو؟!

أمَّا القول: «الروايات المختلفة في نطق جيزان هي: جى بين الفتحة والكسرة، وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة»، فطلاسم، تستدعي محاولة فكِّها في المساق المقبل، بعون الله!

***

مرفأ:

بَـنَـيْتُ الشِّعْـرَ بَـيْـتًـا شَـعَّ بَـيْـتًـا

فبَـاتَ مَـدِيْـنــةً لِلـحُـبِّ حَـالا

تَـضُمُّ عُرُوْقَ غَرْبِ الأرضِ شَرْقًا

وتَـسْـقِيْ فَـيْـضَ جَذْوَتِها الثَّكَالَى

تُـعَـنْـقِـدُ في ضَمائِـرِهَا شُـمُـوْسًا

وأَقْـمَـارًا وتَـهْصِـرُها اشْـتِعَـالا

إِذا نَـادَى الـمُنَـادِيْ: يَـا لَبَـعْـثٍ!

رَأَيْتَ الـنَّـارَ تَلْـتَـهِـمُ الكُـسَالَى!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

............................

(1) يُنظر مثلًا: العقَّاد والمازني، (د.ت)، الديوان في الأدب والنقد، (القاهرة: الشعب)، 121.

(2) تُقارَن: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري ، 1998)، 11: 3292.    

مقاربة نقدية بين الجزائر وتونس والمغرب

"الفلسفة في صلبها الضد الرافض للتعود...

الفلسفة لا تكون بدون الفكر الحر والفعل الحر"

محمد مصطفى القباج

***

فرش اشكالي

تعيش الفلسفة في المدرسة المغاربية حالةً من البؤس المزدوج: بؤس التنظير وبؤس الممارسة. فمن جهة، تتشابه البلدان الثلاثة – الجزائر وتونس والمغرب – في رهانها على الفلسفة كأداةٍ للتحرر الفكري والارتقاء بالوعي، وتتفق مناهجها على وعودٍ باهرةٍ بالتفكير النقدي والإبداعي. ومن جهةٍ أخرى، تتباين مساراتها المنهاجية في تفاصيلها، لتتفاقم أوجه قصورها جميعاً بشكلٍ يكشف عن أزمةٍ بنيويةٍ لا تقتصر على منهاجٍ بعينه أو بلدٍ بذاته، بل تمتد لتطال جوهر العلاقة بين الفلسفة والمدرسة، فواقعيا الفلسفة تكابد في مجتمعاتنا العربية  ألواناً شتى من العذاب الفكري. إنها تُدرَّس في مجتمعاتٍ مسكونةٍ بالازدواجية: تمجد الهوية قولاً وتنسلخ عن ذاتها فعلا، تسترهب النقد الذاتي وتتعالى على الآخر في ازدراءٍ مقيتٍ للغيرية. وفي ظل هذا السياق، تحوّل الدرس الفلسفي – الذي يُفترض أنه «مدرسة الحرية» على حد تعبير اليونسكو – إلى رهينةٍ لتناقضٍ مؤلمٍ بين وعود المناهج وواقع الممارسة.

هذه الأزمة ليست مصيراً محتوماً. ومن هنا يتناول هذا المقال مقاربة نقدية مقارنة لتجارب تدريس الفلسفة في سنواتها الأولى بالبلدان الثلاثة، انطلاقاً من تشخيصٍ دقيقٍ للواقع الجزائري كحالةٍ نموذجيةٍ للأزمة، ثم تفكيكاً للأسباب الجذرية في التجربتين التونسية والمغربية، وصولاً إلى طرح بدائل بيداغوجية من شأنها إعادة الاعتبار للفلسفة، لا كمادة مدرسية عقيمة، بل كممارسة حية للتفكير الحر. ولعل المفارقة الكبرى أن الفلسفة، وهي الخطاب الذي نشأ لتحرير العقل من الوصاية، أصبحت داخل المدرسة العربية واحدة من أكثر المواد خضوعًا لمنطق الوصاية والامتحان. ومن هنا تنشأ الإشكالية التي يسعى هذا المقال إلى مناقشتها: هل يعود تعثر تدريس الفلسفة إلى اختيارات المناهج، أم إلى شروط تنزيلها، أم إلى أزمة أعمق تمس علاقة المدرسة العربية بالتفكير ذاته؟

الإطار النظري: الفلسفة عنصر غريب في الجسم العربي

بالنسبة للوطن العربي عموما، يوجه تفكيرنا إطار من الأوليات: أن الفلسفة إبداع إغريقي، وأن العرب اتصلوا بالفلسفة بعد أن أغلق جوستنيان سنة 527م مدرسة الإسكندرية، فاتجه أساتذتها إلى الشرق العربي. الفلسفة إذن عنصر غريب في الجسم العربي، وليس عنصراً متأصلاً يمكن قبوله أو رفضه بانتقائية تختار ما يفي بالغرض وتنحي ما يخل بالكيان.

بعد انحسار المد الحضاري العربي، أخذ ذلك الوضع المتوتر – الذي كان خلافاً نسبياً – نمطية قارة. فتقرر في الجامعات الإسلامية (الأزهر، القرويين، الزيتونة...) تدريس جزء من الفلسفة هو المنطق الصوري في صلبه الأرسطي شرحا، وأهمل سقراط وأفلاطون إهمالاً تاماً. وإذا تجاوز تدريس الفلسفة نطاق «الدرس المنطقي» واستعمل في قضايا لها علاقة بالمعتقد الديني، فإن هذا التجاوز يعتبر مروقاً وزندقة.

ومن الأحداث الدالة: صدور فتوى تحرم تعاطي الفلسفة في مصر سنة 1870 كان من نتائجها إقصاء درس المنطق والفلسفة عن مقررات جامعة الأزهر. وقريب من هذا، المرسوم القاضي بتحريم تدريس الفلسفة الذي أصدره الحاجب المنصور في العصر الموحدي بالمغرب، إذ أصدر أمراً بألا يترك أي كتاب من كتب الفلسفة تحت التداول، ونفذه بإبادة وإحراق كتب الفلسفة. وفي عهد السلطان محمد بن عبد الله سنة 1780، أُصدر «ظهيرٌ» يحدد بدقة المواد الممنوعة: «من أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلسفة... فليتعاطى ذلك في داره مع أصحابه... ومن تعاطى ما ذكرنا في الجوامع ونالته عقوبته فلا يلومن إلا نفسه».

مع حلول ظاهرة الاستعمار، اخترق الغرب المجال المعرفي والتربوي العربي. فأدمج الدرس الفلسفي في التعليم الثانوي ببعض البلدان في الثلاثينات (لبنان، سوريا، العراق، المغرب...). لكن الحقيقة المرة التي لا بد من الإقرار بها: أن الدرس الفلسفي في الوطن العربي ما زال واقعاً تحت تأثير «المدرسة الاستعمارية». ولم يوفق أي بلد عربي لحد الآن في صياغة درس فلسفي مطابق لفكر العرب وواقعهم، لدرجة العجز عن التوفيق الأدنى بين الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية.

المنهاج بين الطموح والعجز

يراهن منهاج الفلسفة الجزائري للسنة الثانية ثانوي (شعبة آداب وفلسفة) على كفاءتين ختاميتين: التحكم الفعلي في آليات الفكر النسقي، وخوض تجارب فعلية في طرح القضايا الفلسفية وفهمها ومحاولة حلها. ويوزّع الحجم الساعي تقريباً بالتساوي بين الدروس النظرية (55 ساعة) والأعمال التطبيقية (53 ساعة). غير أن هذه الكفايات، على طموحها، أقرب إلى مطالبٍ أخلاقية كانطية منها إلى أهدافٍ قابلةٍ للتحقق في ظل غياب لغة تفكير مشتركة قوية، وضعف التأطير، وانعدام ثقافة احترام الآخر والتواصل.

وفي المغرب، يُعرَّف التلميذ في الجذوع المشتركة على الفلسفة كنمطٍ فكريٍّ متميز عبر نشأتها ولحظات تاريخها ومعالمها. ويُركّز المنهاج على الأشكلة انطلاقاً من وضعيةٍ مشكلة، وصياغة أسئلةٍ منظمة، والقراءة الفلسفية، والتفكير المنطقي والمحاججة.

أما في تونس، فيبدأ تدريس الفلسفة في السنة الثالثة (أول سنة) بعنوانٍ فريد: «مطلب التفكير: من اليومي إلى الفلسفي»، يتفرع إلى الوعي بالمغالطات، والإجرائيات (التأسيس، الأشكلة، التعريف، الحجاج، الفحص)، وإيتيقا التفكير (التعقل بدلاً من الانفعال، الحوار بدلاً من الإرغام).

أولاً: الجزائر

يشهد الدرس الفلسفي في التعليم الثانوي الجزائري حالة من البؤس من حيث الممارسة، ومن جهة التنظير البيداغوجي يعاني من الهزال والفقر. إنه يمر بأزمة عميقة تظهر أعراضها في القلق والاكتئاب والتمزق لدى الأستاذ والتلميذ معاً. حيث ينظر أغلب التلاميذ إلى الفلسفة نظرة استخفافٍ وتعالٍ، لأن القدرة على حفظ المقال الفلسفي واستظهاره تُعتبر في مخيالهم العلامة الحقيقية على جودة التفكير. وتحت ضغط الامتحانات الرسمية، تحوّل الدرس إلى هجينٍ تلفيقيٍّ يغلب الكم المعرفي على الكيف. وهنا يتأرجح موقف التلميذ بين الخوف والحقد (بالنسبة للشعب العلمية)، والتهكم والسخرية (لدى تلامذة الشعب الأدبية).

وفي ظل هشاشة تكوين الأساتذة، يراهن كثيرٌ منهم على تخوفات التلميذ وغرائزه. فيتحول الدرس غالباً إلى ما يشبه الكوميديا تحقيقاً لمطلب الفرجة (إتقان فن الإلقاء ووجوب الإنصات)، أو إلى دراما عندما يعلن المتعلم انزعاجه وعدم رغبته في دراسة الفلسفة، لكثافة مواردها المعرفية والتفكير في طلب الخلاص عبر الغش أو الهروب نحو الدرس الخصوصي.

العوائق العشرة

يمكن رصد أهم العوائق فيما يلي:

أ) طريقة تدريس تقليدية سكونية تغلب الكم على الكيف، تعتمد الترغيب ببعض المقالات المتوقعة داخل الدرس الخصوصي والترهيب من طرف أستاذ المادة. طريقةٌ متناقضةٌ يحذّر فيها الأستاذ تلامذته من الأحكام المسبقة ثم يزوّدهم بمجموعةٍ من المطبوعات المستنسخة، ويمتدح المواقف الحرة ثم يحطّ من أهمية موقف التلميذ. مما ولد لدى التلميذ عزوفاً نفسياً وعقلياً.

ب) ضعف التأهيل والتكوين: حيث يُوجَّه أفضل التلاميذ إلى الشعب العلمية، وتستقطب الفلسفة الأضعف تكويناً. وتأتي المادة متأخرة (السنة الثانية أداب)، مثل «بومة مينيرفا» الهيغلية. وقد أكّد المرحوم محمود يعقوبي أن الإشكالية ليست في المنهجية بقدر ما هي في ضعف المستوى المعرفي للمدرسين والطلبة الموجهين إلى التخصص.

ج) العائق الأيديولوجي: خضوع المنظومة التربوية للقرارات السياسية الكبرى (ديمقراطية التعليم، الجزائرَة، التعريب، الأسلمة) وجد هذا التدخل مجاله التطبيقي الأول في حقل الفلسفة

د) غياب التفكير النقدي والمرونة اللغوية والرياضية: إذ تتطلب الفلسفة، كما كان أفلاطون يذكّر، إتقان اللغة والرياضيات، وغياب هذا المدخل يضعف القدرة على التجريد.

هـ) مركزية المقال الفلسفي واختزاله في أشكالٍ معلّبةٍ وأسئلة نمطية مستهلكة تسرّع من وقوع المتعلم في الملل.

و) العائق الثقافي: الصعوبات ليست مؤسساتية أو ديداكتيكية فحسب، بل ثقافية أيضاً؛ فالتدريس لا يتم في فراغٍ أيديولوجي.

ز) غياب الحرية: حيث لا يزدهر الدرس الفلسفي إلا في وطنٍ يقدّس الحرية.

ح) الانغلاق والعزلة عن التطورات العالمية في ميدان الأفكار، مما يقود إلى موت الفكر المبدع.

ط) غياب التخطيط وتهافت المشروع التربوي: تنمية تربوية هشة، فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، ارتفاع التكلفة مع انخفاض المردود، تهافت المحتوى، وغياب التخطيط المستقبلي.

ي) توزيع الحصص (55 ساعة نظرية مقابل 53 ساعة تطبيقية) يوحي بتوازنٍ زمني، لكن الواقع يقول إن الحصص التطبيقية تظل رهينة ضعف التأطير وغياب البنى التحتية، ما يحوّلها إلى مجرد أرقامٍ على الورق.

ثانياً: تونس

تختلف التجربة التونسية اختلافاً جوهرياً، إذ تبدأ الفلسفة في السنة الثالثة (أول سنة لتدريسها) بعنوانٍ فريد: «مطلب التفكير: من اليومي إلى الفلسفي». وهو عنوانٌ يحمل في طياته فلسفةً تربويةً عميقة تقوم على ردم الهوة بين الحياة والتفكير.

يتفرع هذا المطلب إلى ثلاثة عناصر: الوعي بالمغالطات، والإجرائيات (التأسيس، الأشكلة، التعريف، الحجاج، الفحص)، وإيتيقا التفكير. كما تُدرج تجربة الالتزام الفكري من خلال شخصيات فكرية تربط بين الفكر والممارسة، وهو ما يمنح التجربة التونسية بعداً إنسانياً ووجودياً ناقصاً في التجربتين الجزائرية والمغربية. ذلك ان المنهاج التونسي يتميز باعتماد «القراءة التأليفية»، وهي الدرس كما يتصوره الأستاذ وينجزه فعلياً في الفصل، فيدمج بين التمشي المعرفي والإشكالي. وهي «قراءة شمولية، تأويلية تستحضر الكل في الجزء (روح التفكير الفلسفي) وتربط الأهداف الخصوصية بالأهداف العامة». وتمثل النصوص ثلثي الكتاب المدرسي.

لكن التجربة التونسية – كما يسجل حمادي بن جاب الله – لم تبتئس يوماً قدر ما ابتأست يوم اشتدت العناية بها. فقد شهدت خلالها توسعاً كمياً وانحساراً كيفياً انتهيا بها إلى ما يشبه الوأد. فتوسع مجال تداول القول الفلسفي لم يزده إلا وهناً، كما تشهد بذلك مقالات امتحانات الباكالوريا ومستوى الطلبة الوافدين على كلية الآداب.

وقد تعزى هذه الظاهرة إلى سوء التبليغ أو عسر الهضم أو ضحالة الغذاء أو إلى هذه العوامل الثلاثة مجتمعة. فأما سوء التبليغ، فلا يقتصر على انعدام الإعداد البيداغوجي، بل يتعداه إلى عدم التحكم في أداة التبليغ، إما بسبب ما يعانيه المعلم من اختلاف بين لغة الدرس (الفرنسية) ولغة التدريس الحالية (العربية)، وإما بسبب ازدواج لغة التكوين ازدواجاً فجاً لم ينتج إلا نوعاً من حاملي الشهادات العليا لغتهم أقرب ما تكون إلى اللغة الهجينة.

وأما محتوى البرامج، فهو يبدو لأول وهلة ثرياً ثراءً يشهد له حجم البرامج المقررة نفسه (حوالي 1000 صفحة موزعة على ثلاث مجلدات). لكنه في حقيقته «ركام من المعلومات السطحية المحتوى والمتنافرة التركيب»، يحكمها مساواة فاسدة بين العلماء وغير العلماء، وخلط شنيع بين الحدوسات والرؤى التخيلية والمفاهيم والنظريات العلمية. وهكذا يسود الاعتقاد أن اكتشاف اليوم ليس إلا حلقة أخيرة من مضمار سباق خطى تتنامى فيه المعارف وتتراكم، وهو ما يوجب اجتثاث النصوص من مناخها الفكري

ولعل حضور البعد السياسي في صلب القول الفلسفي هو الذي يفسر إلى حد بعيد تردي الفلسفة عندنا. فقد شهدت أواخر الستينات وأوائل السبعينات انتشار المواقف اليسارية، فحاولت معالجة الوضع عن طريق إدخال تحويريات كانت مصحوبة بما يشبه القنبلة الإيديولوجية تدور على معنى «الجلاء الثقافي» و«الأصالة» و«العروبة» والأسلمة. وانتهى كل ذلك إلى شيء يشبه الوصاية العامة على العقل والوجدان والضمير. وقد انعكست هذه السلفية السياسية على الفلسفة تعليماً وإنتاجاً، فكان الاتجاه إلى ضرب من «التواصلية الإبستيمولوجية» تمحو الفوارق النوعية بين مختلف مراحل صيرورة المعارف.

رغم الطموح، يتحول التلميذ التونسي إلى رهينةٍ لنظامٍ مدرسيٍّ عاجز عن توفير قاعة عرضٍ لفيلمٍ فلسفي أو خشبة مسرحٍ لتجسيد إشكالٍ فلسفي. وغلبة النصوص (ثلثي الكتاب) قد تُضيّق أفق التلميذ وتُبعده عن الجذور التاريخية للتفكير. ناهيك عن إكراهات الدرس الخصوصي التي تقتل الروح الفلسفية في مهدها.

ثالثاً: المغرب

في المغرب، يلتقي التلميذ بالفلسفة لأول مرة في الجذوع المشتركة (الأولى ثانوي)، حيث يُعرَّف عليها كنمطٍ فكريٍّ متميز عبر نشأتها ولحظات تاريخها ومعالمها. ويُركّز المنهاج على الأشكلة انطلاقاً من وضعيةٍ مشكلة، وصياغة أسئلةٍ منظمة، والقراءة الفلسفية، والتفكير المنطقي والمحاججة.

2. تاريخ التدريس: ثلاث مراحل

يمكن استعراض تاريخ التعليم الفلسفي بالثانوي في المغرب في ثلاث مراحل متلاحقة:

المرحلة الأولى (1940-1970): يعود إدخال الفلسفة في التعليم الثانوي إلى الأربعينات، حيث كانت الشهادة منظمة في مرحلتين، كانت الثانية منهما تضم تعليماً فلسفياً يدرس باللغة الفرنسية مستلَماً من البرامج التقليدية الفرنسية. وعند خلق الباكالوريا المغربية سنة 1960، انطلق مسلسل التعريب.

المرحلة الثانية (1971-1974): تتميز بحركة التعريب التي عربت الفلسفة بشكل كامل سنة 1971، مما أتاح إعادة اكتشاف الفلسفة العربية الإسلامية. وقد عرفت هذه المرحلة إقرار برنامج جديد (1971) كان يضم في الواقع برنامجين منفصلين: أحدهما للفلسفة والآخر للفكر الإسلامي.

المرحلة الثالثة (1975-اليوم): أبرز سماتها النزوع إلى التجديد، منها إقرار برنامج جديد (سبتمبر 1976) الذي جرى تعديله لاحقاً. ولعل أهم عنصر يميز هذا المقرر هو دمج الفلسفة والفكر الإسلامي اللذين كانا منفصلين في مقررات سابقة. وتخضع تعليم الفلسفة في تنظيمه للمذكرة رقم 179 المؤرخة في 28 سبتمبر 1976، التي تضع أربع مبادئ توجيهية: الموضوعية في التقديم، ربط التدريس بالواقع الوطني والتراث العربي الإسلامي، الانفتاح على الواقع المعاصر، وبناء المواد على أساس إشكالات محددة بوضوح.

بين النشأة والاستشكال

يُطلب من المدرس أن يُشغّل التلميذ على قضية نشأة الفلسفة، لا كإخبارٍ تاريخيٍّ جاف (ظهرت عند اليونان في القرن السادس قبل الميلاد وانتهى الأمر)، بل كإشكاليةٍ فلسفيةٍ تدور رحاها بين ثنائية المركز والهامش (النزعة المركزية الأوروبية مقابل نقدها والاعتراف بجدية الشرق). وهو ما يقتضي استثمار نصوص فلسفية وتاريخية وأنثروبولوجية، ليكون التعرف على الفلسفة ممارسةً لفعل التفلسف لا نقلاً للمعرفة.

الاكتظاظ كقاتلٍ للفلسفة

غير أن هذا الطموح يصطدم بواقعٍ مرير: الاكتظاظ الهائل في الفصول، وعدم تلاؤم الغلاف الزمني مع حجم المقررات، ما يدفع بالمدرس إلى تعليم الفلسفة لا التفلسف. أي إلى نقل معارفَ يحفظها التلميذ ليستظهرها في الامتحان، ثم يتخلص منها عند «التحرر من قيود الامتحان». وبعض المدرسين يتعاملون مع النصوص الفلسفية كغاياتٍ في حد ذاتها لا وسائلَ لتعلم التفلسف.

إقصاء الفلسفة

وقد عبّرت الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة عن رفضها لقرار إقصاء الفلسفة تدريساً وامتحاناً من مستويات الأولى والثانية باكالوريا (2017)، رأت فيه تجسيداً للارتجالية والمزاجية التي تحكم النظام التربوي المغربي، وانعدام الإرادة السياسية للانتقال من «مدرسة الحفظ» إلى «مدرسة التفكير».

نحو تجاوز العوائق – مقترحات إصلاحية

الحل لا يكمن في مزيد من الشعارات، بل في اقتحام مباحث علم التدريس (الديداكتيك) بشكلٍ علميٍّ. ويمكن اقتراح مداخلٍ تشترك فيها البلدان:

1. تدرج تدريس الفلسفة: البدء بتدريسها من السنة الأولى ثانوي بشكلٍ متدرج (مفاهيم، ثم مدارس، ثم إشكاليات)، بدلاً من إلقائها على التلميذ دفعةً واحدة.

2. تنويع التمارين: العمل على التعاريف، مجموعات صغيرة (2-5 تلاميذ) لمناقشة الحجج، منتديات حوارية، استضافة مختصين من خارج المدرسة.

3. التكامل بين المواد: الاشتغال على ترجمة النصوص (في شعب اللغات)، وتحقيق التكامل بين مدرس الفلسفة وأستاذ الأدب العربي وأستاذ اللغات الأجنبية حول قضايا المواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية والمراهقة.

4. تجديد المشكلات: الاشتغال على قضايا روح العصر مثل الذكاء الاصطناعي والآثار الفلسفية للتكنولوجيات الجديدة.

5. إعادة بناء الامتحانات: لا يجب أن تُعلَّم التيارات الفلسفية على شكل معارف مخزّنة، بل بطريقة تمكّن من فهم التسلسل التاريخي للفكر ومجابهة نسبية الآراء.

6. شعبة «علوم وفلسفة»: التفكير في إنشاء شعبة جديدة تربط بين العلوم والفلسفة، استجابةً لطبيعة الفلسفة «بنت العلوم» لا «أمها».

7. فك العزلة: التوثيق، واستضافة المؤطرين المبدعين، وتنظيم تدريبات، واستغلال منح التعاون الدولي.

8. إعادة اعتبار تكوين المدرس: ليس تكويناً معرفياً فحسب، بل تكويناً في فن الحوار الصفي وإدارة النصوص وتشجيع الإنتاج الفلسفي.

9. تخفيف المحتوى: التخمة المعرفية تقتل التفكير. يجب أن يكون «الأقل هو الأكثر» في تدريس الفلسفة.

10. تحرير الفلسفة من الامتحان: جعل الامتحان أداةً لتقييم التفكير لا حفظ المعارف.

11. تأسيس مجلس عربي لتدريس الفلسفة: على غرار المجالس الدولية المتخصصة، يضع معايير موحدة وينظم أوراش عملٍ مشتركةً، ويصدر مجلةً متخصصةً في ديداكتيك الفلسفة.

خاتمة

الفلسفة مادة كونية وإنسانية. عزلها يقود إلى موت الفكر المبدع. والارتقاء بها يتطلب أكثر من تعديل برامج: فهو يتطلب إعادة اعتبار لزمن القسم، وتكوين المدرس، والارتقاء بالفضاء المدرسي، وغرس ثقافة التقييم التي تكافئ التفكير لا الاستظهار.

ان هذا المقال لا يدّعي الشمولية. بل هو دعوة إلى مواصلة الرصد الميداني، وإلى حوارٍ بين مدرسي الفلسفة في البلدان الثلاثة حول ما ينجح فعلاً داخل القسم، لا فقط ما يُكتب في الوثائق الرسمية. فالانتقال من الديماغوجيا إلى البيداغوجيا ليس شعاراً، بل شرط إمكانية أن تصبح الفلسفة، مرةً أخرى، تجربةً حقيقيةً في التفكير.

***

عمرون علي

................

المراجع

- محمد مصطفى القباج، «إشكالية الممارسة الفلسفية تدريساً وإنتاجاً (حالة الوطن العربي)»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).

- اليونسكو، الفلسفة مدرسة الحرية: تعليم الفلسفة وتعلم التفلسف، تقرير 2009.

- وزارة التربية الوطنية الجزائرية، منهاج الفلسفة – السنة الثانية ثانوي، شعبة آداب وفلسفة.

- وزارة التربية الوطنية المغربية، برنامج الجذوع المشتركة – الفلسفة.

- وزارة التربية التونسية، برنامج الفلسفة – السنة الثالثة ثانوي.

- عبد الرحمن بدوي، «تعليم الفلسفة في الجامعة»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).

- المؤلف، «محنة الدرس الفلسفي في الجزائر: من الديماغوجيا إلى البيداغوجيا».

- محسن سعيد السيد، بيداغوجيا تعليم الفلسفة.

- محمود يعقوبي، مداخلة في افتتاح الملتقى الوطني «تدريس الفلسفة في الجزائر: واقع وآفاق»، المدرسة العليا للأساتذة بقسنطينة.

- زواوي بغورة، نقد تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي والجامعي.

- ضياء الدين زاهر، دراسات في التعليم العربي.

- عمر الفقيه حسن، «القراءة التأليفية»، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد 23، ص 113.

- حامد بن جاب الله، «وضع الفلسفة في تونس تعليماً وبحثاً»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).

- إسماعيل فائز، «الدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب: رؤية نقدية».

- الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، بيان بخصوص قرار وزير التربية الوطنية رقم 3295.17، 6 ديسمبر 2017.

- أبو الوفا التفتازاني، «الفلسفة في مصر: تدريساً وبحثاً»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).

- المرجعية العامة للمناهج الجزائرية، ص 44.

- القباج، مرجع سابق.

الخوف من السياسة

في التاريخ العربي/ الإسلامي هناك مفارقة غريبة وغريبة جدا، و هي أن السياسة كانت هي الحاضر الأكبر كممارسة على مستوى بناء الدول والممالك والأمبراطوريات والوصول إلى السلطة وفي المعاملة مع الرعية من موقع السلطان والإستناد في أصول الحكم على الشرعية الدينية وشرعية القوة، و مع ذلك كانت السياسة والممارسة السياسية هي الغائب الأكبر على مستوى الرعية والناس والأمة، أي بلغة العصر غابت المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الدولة وغاب الجمهور عن الشأن العام، إذ سادت ظاهرة غريبة هي العزوف ليس فقط التعوذ من فعل ساس ويسوس وسياسة، كما فعل الشيخ محمد عبده بعد فشل الثورة العرابية في مصر، ولكن حتى عدم مخالطة الساسة والإبتعاد عن السلطة وعدم الكلام في السياسة وعن المشاركة في شؤون الحكم، بل حتى الإمتناع عن التفكير في الشأن العام والتوقف عن إنتاج الأفكار ذات الصلة بالسياسة وحتى في مناقشة مفاهيم هي من صميم السياسة والعمل السياسي، بإعتبار السياسة، هي فكر وفعل وممارسة، أقصد التفكير ومناقشة قضايا ومفاهيم السلطة والدولة والخلافة والحكم . ومن هنا لا نستغرب أن يغيب الفكر السياسي بالمعنى العميق، أقول الفكر السياسي وليس الفقه السياسي ولا السياسة الشرعية، و أن لا يتجاوز عدد المفكرين السياسيين في الحضارة العربية – الإسلامية، أصابع اليد الواحدة، مقارنة بعدد الفقهاء وعلماء اللاهوت، كما لا نندهش عندما لا نجدأثرا لفلاسفة السياسة في الإسلام، خلاَّ فيلسوف واحد هو محمد أبو نصر الفارابي في كتابه" أراء أهل المدينة الفاضلة " أو بعض النصوص المتناثرة هنا وهناك في مقدمة العلامة عبد الرحمن بن خلدون وكتاب " الضروري في السياسة " للوليد بن رشد.

والغريب في الأمر أن الأمة العربية، في المشرق وفي المغرب، والتي أبدعت في كل شيء، في الأداب والفنون وفي العلوم والفكر وفي الفقه والقانون، قد أصيبت ليس فقط بعُقم في مجال التنظير السياسي وفي حقل إنتاج الأفكار السياسية، بل وفي تطوير المفاهيم والمقولات ذات الصلة بالسياسية، و هي كثيرة، مفاهيم وكلمات تراثية/دينية، من قبيل الشورى وأهل الحل والعقد والبيعة والإختيار والوصية .

و لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا، أن غياب الكلام في السياسة وغياب النقاش السياسي في تلك الحقبة من التاريخ العربي -الإسلامي، له أسبابه وله مبرراته ودوافعه أو بلغة علماء أصول الفقه له أسباب نزول، و لكن ما نبغي الإشارة إليه أن غياب الكلام وغياب النقاش والنقص الفادح في التنظير السياسي هي أعراض للمرض الحقيقي، الذي يتجلى بوضوح في الإستبداد السياسي أي الحكم المطلق أو كما سمَّاه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو بالإستبداد الشرقي، الضاربة جذوره في أعماق التاريخ. وما يلفت الإنتباه أن مساحة الحرية كانت واسعة في العلوم النقلية أي علوم القرآن والحديث والفقه ودليل الإثبات هو إختلاف المذاهب الفقهية وتعدد تفاسير القرآن وكثرة كتب الصِحَّاح والأسانيد في الحديث النبوي، بل حتى حرية أن الكلام في الذات الإلهية كانت متاحة، وأبرز شاهد على ذلك هو علم الكلام الذي كان يناقش قضايا الجبر والإختيار والعدل الإلهي والصفات الإلهية والمحكم والمتشابه في القرآن، بل حتى أن قضايا الإلحاد والكفر والشرك بالله، كان الخلفاء والملوك والأمراء في بعض الأحيان يغضون الطرف عنها وتعتبر ذلك أمورا شخصية، لكن..و هذه أكبر لكن .. ما كان ممنوعا هو الإقتراب من الذات السلطانية، وما كان مرفوضا هو معارضة السلطة الحاكمة، لأن الناس في واقع الأمر تخاف من السلطان ولا تخاف من الله،، بالإضافة إلى الصدمة النفسية الكبيرة التي ولدتها أحداث الحرب الأهلية القاسية أو كما سمّاها طه حسين بالفتنة الكبرى، و ما تركته في نفوس ووجدان وعقول الأفراد والجماعات عند السنة وعند الشيعة وعند الخوارج سواء بسواء، فنار الفتنة تلتهم الجميع وتقضي على كل ما تجده في طريقها، وبالتالي فإن أحداث هذه الفتنة وتطوراتها الدراماتيكية، بقيت راسّخة في الذاكرة الجماعية للأمة العربية- الإسلامية، حيث مشهد النهايات الدامية لكبار الصحابة والإغتيال السياسي الذي طال ثلاثة من الخلفاء الراشدين، إذ اكتوى بنار العنف السياسي كما أشرنا سابقا عدداً كبيراً من الأفراد والجماعات ولم تسلم من العنف السياسي حتى النخب الفكرية والعلمية ورجال الدين، و كما أن الثورة تقتل أبناءها فقد تعرض للقتل قادة وزعماء، من بينهم صحابة كبار وشخصيّات كانت فاعلة في تاريخ الإسلام قبل الهجرة وبعد الهجرة، البعض من هذه الشخصيات يعتبر من أبرز الأبطال في تاريخ الإسلام بل منهم من كان على رأس قائمة المبشرين بالجنة، كما تجلى العنف السياسي وبوضوح في حروب الردة التي أعلنها الخليفة الأول أبي بكر الصديق ضد المتمردين في بعض مناطق الجزيرة وخاصة في اليمن وعمان والبحرين، والحقيقة أن هذه الحروب التي لم تكن حروبا دينية بل حروباً سياسية ضد أولئك الذين رفضوا دفع الزكاة، و بلغة العصر كانت حروبا ضد التهرَّب الضريبي، و ضد التمرد على السلطة المركزية.

الخوف من السلطان

ويمكن القول بأن ما كان يسمى في التاريخ الإسلامي بالصحابة، و هم بمصطلحات العلوم السياسية المعاصرة ب "رجال الرئيس "، كانت تُشكّل ما يسمى اليوم بالطبقة السياسية، أو بالمعنى الأرسطي الأليغارشية الحاكمة في عهد النبوة والطبقة الحاكمة في عهد الخلفاء الأربعة الذين تولوا مسؤولية إدارة شؤون الدولة الوليدة، بعد وفاة النبي مباشرة، وبعد صراع كلامي ونقاش حاد بين الأنصار والمهاجرين في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، حيث حُسِّم الأمر لصالح قبيلة قريش، وهنا نستطيع أن نقول أن القبيلة " انتصرت " على العقيدة. والجدير بالذكر أن من بين رجالات الطبقة السياسية في عهد النبوة الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء أي وصلوا إلى السلطة وتربعوا على سدة الحكم، نذكر منهم ثلاثة خلفاء/حكام، كُلُّهم من قبيلة قريش، والغريب في الأمر أنهم كُلُّهم ماتوا غيلة، وبعبارة أدق تعرضوا للإغتيال السياسي. والحقيقة التي لا نقاش فيها أن إغتيال أعلى رأس في سلطة الدولة يمثل ذروة العنف السياسي ويؤشر على وجود خلل ما في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، نستنج من ذلك أنه عندما قَضى ثلاثة خلفاء وبطريقة دراماتيكية، و هم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فهذا دليل إثبات على أن هناك خلل في النظام السياسي القائم وهناك مشكلة كبرى في الحكم، لأن هؤلاء الذين اغتيلوا غدراً وماتوا غيلة، كانوا قادة وكانوا في الصف الأول من الصحابة، أي كانوا في مركز صنع القرار، وبعبارة أخرى كانوا يشكلون الطبقة السياسية الحاكمة في يثرب/المدينة في زمن النبوة، و إذا شئنا الدقة نقول، أنهم كانوا في السلطة الحاكمة عندما اشتعلت نار الحرب الأهلية وتحركت آلة القتل في كل إتجاه ودارت عجلة العنف والعنف المضاد، العنف الغَّاشم من طرف السلطات الحاكمة والعنف المُفرّط والمُنفلّت من كل عقال من طرف المعارضة سواء بسواء. ومن هنا لا نندهش عندما يخاف الناس ويتوجُّس الجمهور خِيّفة طوال التاريخ الإسلامي من كل ما يصدر عن السلطة ومن كل ما يأتي به السلطان ومن كل ما يصدر عن الدولة السلطانية وكل ما تقدمه السلطات للناس من خدمات القمع والقهر والتسلُّط من ناحية، ومن ناحية أخرى كان خوف الناس وتوجّس الشعوب خيّفة أشّد من إيقاظ الفتنة ومن نشوب الحرب الأهلية من جديد ومن عودة الإقتتال الداخلي وتكرار مشاهد قطع الرؤس.

الخوف من الفتنة

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأنه قد سادت في الفقه السياسي والسياسة الشرعية وفي الفكر الإسلامي والفكر السياسي الإسلامي عموما والخطاب الديني الوسيط خصوصا مقولات ورفعت شعارات ونُحِتت عبارات تحذر من الفتنة وشرورها ومن إشعال جذوة الحرب الأهلية، من هذه المقولات والشعارات نذكر " سلطة جائرة ولا فتنة دائمة " أي تفضيل بقاء الإستبداد السياسي على الحرب الأهلية الداخلية وهناك شعار يقول " ملك غشّوم ولا فتنة تدوم " ومعناه حاكم قوي خير من الإقتتال الداخلي وكذلك عبارة " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " ويقصد بها أن رماد الحرب الأهلية في حالة كمون، فلا توفر الأسباب التي تؤدي إلى اشتعاله، وفي نفس الإتجاه وكما ورد في نصوص الفقهاء وفقهاء السياسة الشرعية أمثال أبي الحسن الماوردي وأحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية وابن عبد ربه وابن جماعة تم تمرير مقولات تُمجد السلطان، حتى وإن كان هذا السلطان ظالم وقامع للحقوق والحريات، و تقدس الحاكم المستبد من قبيل عبارة شهيرة ابن جماعة والتي تدعو للإمثتال للحاكم القوي الذي استولى على السلطة بالقوة وعدم الخروج على ولايته " من اشتدت وطأته ..وجبت طاعته "و هناك عبارت تربط بين اللله والسلطان وتعتبر الثاني امتداد للأول مثل عبارة تقول أن السلطان هو " حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده " وبأن عبارة أخرى ترى أن " الحاكم ظل الله على الأرض " ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل هناك مقولات تركز على الربط في القداسة بين الحاكم والله، فالسلطان هو ممثل الله في الأرض، وبالتالي طاعة الحاكم/ولي الأمر/الإمام من طاعة الله، وفي هذا السياق ظهرت هذه العبارة التي تقول أن " طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله " وهناك مقولات تبرر الظلم وتجيز التسلُّط وتدعو الرعية لتحمل الظلم والصبر، بل وتطلب وفي نفس الوقت منهم شكر السلطان على عدله – إذا عدل ؟- كأن يقال " إذا كان الإمام عادلاً، فله الأجر وعليك الشكر، و إذا كان الإمام جائرًا فله الوزر وعليك الصبر " . ونبغي التأكيد عليه هاهنا، أن فقهاء السلطان، وقد كانوا بمثابة وزراء الإعلام والدعاية والإرشاد في حكومات الملوك والسلاطين، قد بذلوا مجهوداً ضخما في صياغة هكذا عبارات ومقولات تؤكد على ضرورة وجود الحاكم حتى ولو كان جائرا، و وجود حاكم ظالم خير من عدم وجوده وفي هذا المعنى قالوا " إن الحاكم الظالم خير من انعدامه أصلا " وأن الطاعة واجبة ..خوفا من انقسام الأمة ..و اضطراب الأمور " و" أن الحاكم ولو كان ظالما، لخير من الفتنة وانحلال الأمة " وأن على الرعايا/الشعب طاعة الحكام، فذلك من حقوق الحكام المشروعة، أما حقوق الشعب فهي مؤجلة إلى يوم تقوم الساة أي إلى يوم الحساب، ولأجل ذلك قالوا العبارة التالية... "أدوا إليهم حقهم.. واسألوا الله حقكم " ونحن نعتقد أن الدعوة إلى الطاعة هي الوجه الأخر للخوف من الفتنة، وكلا الوجهين له علاقة بالصراع على السلطة، وبالتالي له علاقة بما حدث في عهد ولاية عثمان بن عفان وخاصة في الست سنوات الإخيرة. وزيادة في التوضيح نقول، أن ما يسمى في التاريخ العربي /الإسلامي بالفتنة الكبرى والتي تمثلت خاصة في مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان هي في حقيقة الأمر شكل من أشكال الإنتفاضة الشعبية وهي أيضا ترمز للصراع الضاري على السلطة بين أجنحة الطبقة السياسية التي توزعت بين المدن الثلاث المدينة والكوفة ودمشق، كما كانت هذه الفتنة وإن جاز التعبير أول ثورة إجتماعية في الإسلام من ناحية أولى، و ثورة على الفرز الطبقي وعلى سوء توزيع الثروة من ناحية ثانية، و تعبيراً مكثفا عن التطاحن السياسي على الكرسي أي على السلطة والحكم والملك عقب شغور منصب القائد السياسي والرمز الروحي، المتمثل في النبي محمد بن عبد الله (ص). ومن المعروف أن الفتنة الكبرى وبعبارة العصر تلك الحرب الأهلية الدامية قد مرت بثلاث جولات، الجولة الأولى من هذا الصراع المحموم على السلطة، كانت قد بدأت وقائعها في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، عندما تقابل الأنصار مع المهاجرين وجها لوجه وعلى طاولة حوار جدول أعمالها في نقطة واحدة هو من يكون خليفة الرسول وبعبارة أدق من يحكم المسلمين بعد أن أصبح كُرسيّ النبوة / الرئاسة شاغرا، أقصد كُرسي السلطة والحكم بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله (ص)، وقد تم حسم مسألة الخلافة لصالح قبيلة قريش، كما أشرنا سابقاً، رغم أن مقترح الأنصار بتقاسم السلطة وفق مقولة "منا أمير ومنكم أمير "، حيث تم تعييّن أبي بكر بن قحافة . ثم كانت الجولة الثانية من الصراع، إذ مرَّت الأحداث الدرامية عاصفةً، عندما حاصر " الثوار " و" المتمردون " الخليفة الثالث عثمان بن عفان لمدة أربعين يوما، وانتهت بمقتله، أما الجولة الثالثة والأخيرة في سياق الحرب الأهلية، فقد كانت أكثر درامية وأكثر قسوة بل وأكثر دموية، إذ شَهِدت حربًا ضروسًا بين أبناء العم أي صراع داخل البيت القبلي /القرشي، بين بني هاشم من وبني أمية، و هي الحرب التي وصلت الذروة بإغتيال الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب وتصفية الهاشميين فيما بعد في مذبحة كربلاء في مشهد يشيب له الولدان، وبالتالي إزاحة " آل البيت " من المشهد السياسي تماما وعلى إثر هذا الحدث الدراماتيكي أُسدِل الستَّار على حقبة الخلفاء الراشدين وهي من أكثر الحقب مثالية في المخيال الإجتماعي للمسلمين والأكثر تهييجا للمشاعر لكنها كانت في حقيقة الأمر الأكثر اضطرابًا من الناحية السياسية.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي - الجزائر

يعود الناس من العطلات بأشياء كثيرة. فمنهم من يحمل حقيبةً ممتلئة بالهدايا، ومنهم من يعود بصورٍ تحفظ ذكريات الأماكن التي زارها، وآخرون يحملون وعودًا مؤجلة بأن تكون حياتهم بعد الصيف مختلفة عما كانت قبله. لكن قليلين هم الذين يعودون من رحلةٍ بفكرةٍ قادرة على أن تغيّر طريقة نظرهم إلى الحياة، وأندر منهم من يعود بفكرةٍ تغيّر تاريخ الفلسفة بأسره.

هكذا كان صيف الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه. فلم تكن رحلاته إلى جبال الألب السويسرية مجرد استراحة من عناء العمل أو هروبًا من صخب المدن، بل كانت رحلةً للبحث عن هدوءٍ افتقده جسده، وعن صفاءٍ احتاج إليه عقله. وهناك، بين الجبال والبحيرات، لم يعثر على إجابة جاهزة، بل اصطدم بسؤالٍ ظل يرافق الفكر الإنساني حتى اليوم: "هل نستطيع أن نحب حياتنا إلى الحد الذي يجعلنا نقبل أن نعيشها مرةً أخرى، بكل تفاصيلها، إلى الأبد؟"

ولذلك لم يكن المشي عند نيتشه مجرد رياضةٍ يومية، بل كان أسلوبًا في التفكير. كان يؤمن بأن الأفكار لا تولد في الغرف المغلقة بقدر ما تولد في الطرقات المفتوحة، حيث يتحرر العقل من ضجيج الالتزامات، ويبدأ في الإصغاء إلى الأسئلة التي يطمرها إيقاع الحياة اليومية. فالجسد المتحرك يوقظ العقل، والخطوات المنتظمة تمنح الفكر إيقاعًا مختلفًا، وكأن الطريق لا يقود إلى مكانٍ بعينه، بل يقود إلى أعماق النفس.

ولعل هذا ما يفسر العلاقة القديمة بين الفلسفة والمشي. فقد كان أرسطو يدرّس تلاميذه وهو يسير بينهم، ولهذا عُرف أتباعه بالمشائين. وكان جان جاك روسو يجد في التجوال مصدرًا لإلهامه، بينما جعل هنري ديفيد ثورو من الطبيعة مختبرًا للتأمل في معنى الحرية. ولم يكن هؤلاء يبحثون عن أفكارٍ في الأشجار أو الجبال، وإنما كانوا يبحثون عن أنفسهم بعيدًا عن ضوضاء المجتمع.

فالطبيعة لا تمنح الإنسان الحكمة جاهزة، لكنها تمنحه شيئًا أكثر أهمية: الإيقاع. إنها تعلمه أن لكل شيء زمنًا، وأن النمو لا يحدث بالقفزات، بل بالتدرج. فالجبال لا تستعجل تكوينها، والأنهار لا تتوقف لأنها لم تصل إلى البحر بعد، والأشجار لا تقيس عمرها بسرعة نموها، بل بقدرتها على الاستمرار. ومن يتأمل الطبيعة يدرك أن السرعة ليست دائمًا مرادفًا للتقدم، وأن التمهل قد يكون أحيانًا أكثر إنتاجًا من العجلة.

ولذلك فإن أعظم ما تمنحه الإجازات ليس الراحة الجسدية، بل استعادة الزمن الذي فقدناه. ففي حياتنا المعاصرة أصبح الوقت سلعةً نادرة، وأصبحت السرعة فضيلةً لا ينافسها شيء. نقرأ بسرعة، ونتحدث بسرعة، ونسافر بسرعة، بل ونرتاح بسرعة أيضًا. حتى أوقات الفراغ امتلأت بقوائم طويلة من الأنشطة التي ينبغي إنجازها، وكأن الإنسان يخشى أن يضيع منه وقتٌ لا يفعل فيه شيئًا.

لكن التفكير لا يحب العجلة. فالأفكار الكبرى لا تظهر عادةً تحت ضغط المواعيد النهائية، ولا تولد وسط سيل الإشعارات الذي يرافقنا في كل لحظة. إنها تحتاج إلى فراغٍ يسمح للعقل بأن يتجول كما يتجول الجسد في طريقٍ جبلي هادئ. ولهذا كان الفلاسفة ينظرون إلى أوقات الفراغ بوصفها شرطًا للمعرفة، لا ترفًا زائدًا عنها. ولم يكن من قبيل المصادفة أن الكلمة اليونانية التي اشتُقت منها كلمة "مدرسة" كانت تعني في أصلها وقت الفراغ المخصص للتأمل والتعلم.

لقد تغيرت علاقتنا بالزمن تغيرًا جذريًا. فنحن لم نعد نمنح أنفسنا فرصة التوقف، بل أصبحنا نقيس قيمة اليوم بعدد المهام التي أنجزناها، وعدد الصور التي التقطناها، وعدد الأماكن التي زرناها. حتى العطلة تحولت في كثير من الأحيان إلى مشروعٍ ينبغي إنجازه بكفاءة، لا إلى مساحة نستعيد فيها هدوءنا الداخلي.

ولو عاد نيتشه إلى عالمنا اليوم، لربما لم يندهش من تطور التكنولوجيا بقدر اندهاشه من اختفاء القدرة على السير بلا هدف. فقد أصبح الطريق مجرد وسيلة للوصول، بينما كان يراه هو فرصةً لاكتشاف الذات. وأصبح الهاتف رفيق كل خطوة، بينما كان الصمت بالنسبة إليه جزءًا من الحوار مع العالم.

ولعل الدرس الأعمق الذي يقدمه لنا نيتشه لا يتعلق بفكرة "العود الأبدي" وحدها، بل بطريقة العيش التي تجعل هذا السؤال ممكنًا. فالفيلسوف لم يطلب من الإنسان أن يتنبأ بالمستقبل، وإنما دعاه إلى أن يعيش الحاضر بصدقٍ يجعله جديرًا بالتكرار. فالحياة التي نخجل من تكرارها هي حياة لم نعشها كما ينبغي، أما الحياة التي نستطيع أن نقول لها "نعم" بكل ما فيها، فهي وحدها التي تمنح الوجود معناه الحقيقي.

إن الصيف، في جوهره، ليس فصلًا من فصول السنة، بل فرصة نادرة لإبطاء إيقاع الحياة. إنه يذكرنا بأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يذهب بعيدًا كي يكتشف شيئًا جديدًا، وإنما يحتاج أحيانًا إلى أن يسير ببطء، وأن ينصت إلى الأسئلة التي تؤجلها ضوضاء الأيام.

وربما لهذا السبب لم تولد الأفكار التي غيرت التاريخ دائمًا في القصور أو الجامعات أو المختبرات، بل ولدت أحيانًا على طريقٍ جبلي، أو تحت ظل شجرة، أو على ضفاف بحيرة، حين كان إنسان يمشي دون أن يعرف أن كل خطوة تقوده إلى فكرة ستظل تسير مع البشرية بعده بقرون.

فما نحتاج إليه اليوم ليس عطلة أطول، ولا أماكن أكثر جمالًا، بل لحظات أقل ضجيجًا وأكثر حضورًا. ففي عالم يزداد سرعة كل يوم، قد يكون أعمق أشكال الحكمة هو أن نتعلم من جديد فن التمهل. وعندها فقط قد نكتشف أن بعض الأسئلة التي نبحث عنها في الكتب أو خلف الشاشات كانت تنتظرنا منذ البداية على الطريق الذي نسير فيه.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

في المثقف اليوم