عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

يشهد العالم المعاصر ثورة معلوماتية غير مسبوقة غيّرت ملامح الحياة الإنسانية بصورة جذرية، حيث أصبح التدفق المعلوماتي أحد أهم السمات التي تميز العصر الحديث. فقد أدت التطورات المتلاحقة في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات إلى تسريع انتقال البيانات والأفكار والأخبار بين الأفراد والمجتمعات والدول، حتى بات العالم يعيش حالة من الترابط اللحظي الذي ألغى الحدود الزمنية والمكانية إلى حد كبير. ولم يعد الإنسان معزولًا عن الأحداث الجارية في العالم، بل أصبح جزءًا من شبكة عالمية متدفقة بالمعلومات تؤثر في طريقة تفكيره وسلوكه وعلاقاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة أثر التدفق المعلوماتي في التحولات العميقة التي شهدتها الحياة الإنسانية خلال العقود الأخيرة.

لقد ساهم التطور الرقمي في جعل المعلومات متاحة بصورة غير مسبوقة، حيث أصبحت الهواتف الذكية وشبكات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي أدوات رئيسية في نقل المعرفة وتداول الأخبار وصناعة الرأي العام. وأصبح الفرد قادرًا على الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات خلال لحظات قليلة، وهو ما أحدث تحولًا جذريًا في مفهوم المعرفة ذاتها. ففي الماضي كانت المعرفة حكرًا على المؤسسات التعليمية والمكتبات ووسائل الإعلام التقليدية، أما اليوم فقد تحولت إلى فضاء مفتوح يتشارك فيه الجميع الإنتاج والاستهلاك والتأثير. هذا التحول منح الإنسان فرصًا واسعة للتعلم والتواصل والانفتاح على الثقافات المختلفة، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات جديدة تتعلق بقدرة الفرد على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة.

ومن أبرز التحولات التي أحدثها التدفق المعلوماتي التغير العميق في طبيعة العلاقات الاجتماعية. فقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل مفهوم التواصل الإنساني، حيث أصبح التفاعل بين الناس يتم بصورة متواصلة عبر الفضاء الرقمي. وأدى ذلك إلى توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية وتجاوز الحواجز الجغرافية، فأصبح بإمكان الإنسان أن يتواصل مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم بسهولة غير مسبوقة. غير أن هذا التطور حمل معه آثارًا متباينة، إذ ساهم من جهة في تعزيز التواصل وتبادل الخبرات، لكنه من جهة أخرى أدى إلى تراجع العلاقات المباشرة واللقاءات الإنسانية التقليدية، وأوجد أنماطًا جديدة من العزلة الاجتماعية رغم كثافة الاتصال الرقمي.

كما كان للتدفق المعلوماتي أثر بالغ في التحولات الثقافية والفكرية داخل المجتمعات. فقد أصبحت الثقافات المحلية أكثر انفتاحًا على الثقافات العالمية، وانتقلت الأفكار والقيم والعادات بسرعة كبيرة عبر الوسائط الرقمية. وأسهم ذلك في تعزيز الحوار الثقافي والتقارب بين الشعوب، لكنه في المقابل أثار مخاوف تتعلق بتآكل الخصوصيات الثقافية وهيمنة الثقافة الرقمية العالمية على الهويات الوطنية والمحلية. كما أدى الانفتاح المعلوماتي إلى تغير منظومة القيم لدى كثير من المجتمعات، خاصة بين الأجيال الجديدة التي أصبحت أكثر ارتباطًا بالعالم الرقمي وأقل ارتباطًا بالمصادر التقليدية للمعرفة والتوجيه.

وفي المجال السياسي، أحدث التدفق المعلوماتي تحولات عميقة في طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع. فقد أصبحت المعلومات متاحة بصورة أوسع، وأصبح المواطن أكثر قدرة على متابعة الأحداث السياسية والتعبير عن آرائه والمشاركة في النقاشات العامة. كما لعبت وسائل الإعلام الرقمية دورًا كبيرًا في تشكيل الرأي العام وتحريك الجماهير والتأثير في القرارات السياسية. وقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في تعزيز مفاهيم المشاركة السياسية والرقابة الشعبية، لكنها في الوقت نفسه أصبحت ساحة لنشر الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية والتلاعب بالمعلومات، وهو ما أدى إلى ظهور تحديات جديدة تتعلق بحماية الوعي المجتمعي وضمان مصداقية المحتوى الإعلامي.

أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أدى التدفق المعلوماتي إلى نشوء اقتصاد رقمي عالمي يعتمد بصورة أساسية على المعرفة والتكنولوجيا. وأصبحت المعلومات موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد التقليدية، بل إن كثيرًا من الشركات العملاقة اليوم تقوم قوتها على قدرتها في جمع البيانات وتحليلها واستثمارها. كما ساهمت الثورة المعلوماتية في تطوير أنماط العمل والإنتاج والتجارة، حيث ظهرت التجارة الإلكترونية والعمل عن بُعد والاقتصاد القائم على المنصات الرقمية. وقد وفرت هذه التحولات فرصًا اقتصادية واسعة، لكنها في المقابل أوجدت تحديات تتعلق بزيادة الفجوة الرقمية بين الدول والمجتمعات، وتهديد بعض الوظائف التقليدية بسبب الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

وفي المجال التعليمي، أحدث التدفق المعلوماتي نقلة نوعية في أساليب التعلم واكتساب المعرفة. فلم يعد التعليم مقصورًا على الفصول الدراسية التقليدية، بل أصبح التعلم الإلكتروني والتعليم المفتوح جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية. وأصبح بإمكان الطلاب الوصول إلى مصادر تعليمية عالمية والتفاعل مع خبرات متنوعة عبر الإنترنت، مما ساهم في توسيع آفاق المعرفة وتطوير المهارات. ومع ذلك، فإن هذا التحول يفرض تحديات تتعلق بجودة المحتوى التعليمي، وضرورة تطوير مهارات التفكير النقدي لدى المتعلمين حتى يتمكنوا من التعامل الواعي مع الكم الهائل من المعلومات المتدفقة.

كما أثّر التدفق المعلوماتي بصورة واضحة في الجانب النفسي للإنسان المعاصر. فالتعرض المستمر للمعلومات والأخبار والصور خلق حالة من التشبع الذهني والضغط النفسي لدى كثير من الأفراد. وأصبح الإنسان يعيش في حالة من الاتصال الدائم بالعالم الرقمي، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات القلق والتوتر والإرهاق الذهني. كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز ظواهر المقارنة الاجتماعية والسعي المستمر للحصول على القبول الرقمي، الأمر الذي أثر في الصحة النفسية خاصة لدى الشباب والمراهقين. وفي المقابل، وفرت البيئة الرقمية مساحات للتعبير عن الذات والحصول على الدعم النفسي والاجتماعي، مما يعكس الطبيعة المزدوجة للتأثيرات المعلوماتية في حياة الإنسان.

ومن التحديات الكبرى المرتبطة بالتدفق المعلوماتي قضية المصداقية والأمن المعلوماتي. فسهولة نشر المعلومات عبر المنصات الرقمية جعلت من الصعب أحيانًا التحقق من صحة الأخبار والمحتويات المتداولة، وهو ما أدى إلى انتشار ظاهرة التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة. كما أن الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا الرقمية زاد من مخاطر الاختراقات الإلكترونية وانتهاك الخصوصية وسرقة البيانات الشخصية. لذلك أصبحت الحاجة ملحة إلى تعزيز الثقافة الرقمية لدى الأفراد، وتطوير التشريعات والسياسات التي تنظم البيئة المعلوماتية وتحمي المستخدمين من المخاطر الرقمية.

ورغم هذه التحديات، فإن التدفق المعلوماتي يظل من أبرز العوامل التي أسهمت في تطور الحضارة الإنسانية المعاصرة. فقد ساعد على تسريع الابتكار العلمي والتقني، وفتح آفاقًا واسعة للتعاون بين الشعوب، وأسهم في نشر المعرفة بصورة لم يشهدها التاريخ من قبل. كما أصبح أداة فعالة في دعم التنمية وتحسين الخدمات وتعزيز التواصل الإنساني. غير أن الاستفادة الحقيقية من هذا التدفق تتطلب وعيًا مجتمعيًا قادرًا على التعامل مع المعلومات بصورة نقدية ومسؤولة، بما يضمن توظيفها لخدمة الإنسان وتحقيق التوازن بين الانفتاح الرقمي والحفاظ على القيم الإنسانية والثقافية.

لذا، يمكن القول إن التدفق المعلوماتي لم يعد مجرد ظاهرة تقنية مرتبطة بتطور وسائل الاتصال، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الحياة الإنسانية بكل أبعادها. فقد غيّر طريقة تفكير الإنسان وتواصله وعمله وتعلمه وممارسته للحياة اليومية، وأحدث تحولات عميقة في البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية. وبينما يحمل هذا التدفق فرصًا هائلة للتقدم والتطور، فإنه يفرض في الوقت ذاته تحديات كبيرة تتطلب التعامل معها بوعي وحكمة. ومن ثم فإن المستقبل الإنساني سيظل مرتبطًا بقدرة المجتمعات على إدارة المعلومات بصورة تحقق التنمية وتحافظ على الإنسان وقيمه وهويته في عالم يتسارع فيه تدفق المعرفة بلا حدود.

***

د. عصام البرّام

 

فرش اشكالي: في بلدٍ تُدرَّس فيه الفلسفة حفظاً، ويُختبر فيه المقال الفلسفي بقالبٍ جاهز، يصبح الحديث عن تدريس الفلسفة وهما والحديث عن اصلاحها اكذوبة ، فنحن امام طقسٍ بيروقراطي يُعيد إنتاج نفسه تحت غطاء تحرير العقل، طقس يحوّل الفلسفة في الواقع من فعل حرّية ومقاومة إلى أداة امتثال وعبودية، ومن سؤال مفتوح وسفر في عوالم الدهشة إلى إجابة معلّبة تباع في دكاكين الدرس اللصوصي مشهد مخيف ومذل كأننا نُعيد ما حذّر منه نيتشه من ان غاية تدريس الفلسفة في الأنظمة الحديثة هي تكوين مواطنين مطيعين ونافعين لا بناء عقول حرة مستقلة قادرة على النقد .

لطالما عُولجت أزمة الدرس الفلسفي في الجزائر كمشكل تقني: بداية من تغيير طريقة التدريس من الاهداف الى الكفاءات، وتعديل نموذج الامتحان من الأسئلة الجزئية الى المقال الفلسفي، والوصول الى الحديث عن تكوين الأساتذة. لكنّ كلّ هذه المحاولات، اصطدمت بجدار أعمق. فجذر الازمة ليس في ضعف تكوين الأساتذة، أو كثافة البرنامج، أو صعوبة الامتحان، أو محدودية الزمن المدرسي، بل في بنية العلاقة التي تربط الفلسفة بالسلطة والثقافة السائدة: ثقافة شعبوية تريد حذفها، وسلطة دينية تتنافس معها على تربية الضمير، وسلطة أكاديمية حوّلتها إلى مهنة إدارية ،هذه الأزمة إذن ليست أزمة درس بقدر ما هي انفصام بنيوي مزمن بين الغاية المعلنة للفلسفة (بناء المواطن النقدي القادر على أن يقول مع كانط: «تجرّأ على استخدام عقلك» وبين آليات إنتاجها وتداولها الفعلية: الحفظ، القولبة، والقمع الرمزي).

هذا الانفصام ليس ظاهرة ثانوية يمكن تداركها بتعديل بسيط في البرنامج او حذفها من شعب محددة او دحرجتها. إنه هيكل يمتدّ من الجامعة التي تُنتج موظفي فلسفة، إلى المجتمع الذي يُصاب بما سمّاه أحد المفكرين «كراهية الحكمة»، مروراً بالامتحان الذي تحوّل إلى سرير بروكروست. وفي قلب هذا الهيكل يقف الأستاذ: ضحية وجلّاد في آنٍ واحد، يمارس البروكروستية وهو نفسه نتاج تكوين لم يُعلّمه أن يكون فيلسوفاً، بل علّمه أن يجتاز الامتحان ويحصل على الوظيفة.

في هذا المقال نحاول، انطلاقاً من هذا التشخيص، أن نفكّك هذا الهيكل عبر ثلاثة محاور: علاقة الفلسفة بموضوعها (الإنسان الحي الذي غاب عن الدرس)، وآليات إعادة الإنتاج (الامتحان كأداة قمع رمزي)، والبيئة الحاضنة (الجامعة والمجتمع كعوامل تسميم). ثم ننتقل دون وهم بالحلول السحرية إلى اقتراح مداخل عملية للتجاوز، لا تبدأ من مكتب الوزارة، بل من الفعل الفلسفي نفسه

حيث لم يعد السؤال كيف نُصلح الدرس الفلسفي؟ بل: كيف نُعيد اختراعه كفعل حرّ، في مجتمعٍ لا يزال يخاف من حرّية العقل؟

معالم الازمة

أولاً: غياب الموضوع

الفلسفة، في أصلها، ليست «مادة» تُدرَّس كالرياضيات أو الفيزياء. هي، كما قال أرسطو، دهشة أمام الوجود، انها في جوهرها علاقة حية بين العقل والواقع المعاش. لكن ما الذي حدث في الجزائر؟ لقد تحوّل الدرس الفلسفي إلى فلك مغلق يدور حول ذاته، في عالم موازٍ تماماً لعالم التلميذ. بينما يعيش هذا الأخير هموماً حقيقية: البطالة، التفكير في الهجرة، هدر الوقت، مغريات منصات التواصل، ثقافة التفاهة.... يجد نفسه محاصراً في قسم يُدرَّس له «العلاقة بين الإحساس والادراك» و«الشعور ودرجاته واصل المفاهيم الرياضية...» يخاطبه بصيغة المجهول والمفعول به، لا كانسان في وجوده المشخص.

لقد فقدت الفلسفة في ثانويتنا صلتها بما سمّاه هيدجر قدسية الوجود البشري، لتحلّ محلّها «قدسية الامتحان» الجاف والمسموم. واضحى التلميذ اسير احكام ساذجة ومبتذلة لا يُسأل: عن معنى أن تكون حراً ؟ لا يناقش ازمة المجتمع وبناء الدولة ...، بل يُطلب منه أن يتسلح للامتحان بأسلحة صدئة قديمة عديمة النفع، بقالب جاهز محفوظ حول مهنة أستاذ الفلسفة الى بائع اوهام وخرافات.

وما يُفجع حقاً أن هذا الغياب ليس عرضياً، بل منهجي. فالبرنامج الرسمي، بكل مكوناته المبتور من جهة تداوله وتنفيذه، يُصمَّم في كثير من الأحيان لينتج «تلميذا طائعاً» لا يفكر في شيء، بل لإعادة انتاج الرداءة عبر استنساخ ما يسمى «المقدمة والعرض والخاتمة»، لكنه يظل عاجزاً عن مواجهة سؤال واحد يُربكه في حياته اليومية، هذه الحماقات حذّرنا منها مالك بن نبي حين قال:" الحماقة التي تقال تذهب مع الريح، أما الحماقة التي تكتب فلا تمر سريعا، بل تتحد مع التفكير وتتحول إلى مُسَلَّمة تعرقل التفكير والعمل في آن واحد"

ثانياً: الامتحان كسرير بروكروست

إذا كان الغياب الأول هو غياب الموضوع، فإن الغياب الثاني — وهو الأشدّ وطأة — هو غياب الحرية. فالامتحان، الذي يفترض أن يكون لحظة الحقيقة والكشف عن قدرة التلميذ على التفكير المستقل، تحوّل في الجزائر إلى طقس لإعادة إنتاج الطاعة.

لنأخذ «المقال الفلسفي» نموذجاً. في أصله هو جواب مؤسس يكتبه التلميذ عن سؤال يفهم في بعده الاشكالي، أي ان المقال الفلسفي أداة لتنظيم الفكر الشخصي الحر، يُعبّر من خلالها التلميذ عن رؤيته الخاصة لمشكل فلسفي. لكن ما يحدث في الواقع؟ ان المقال أصبح سرير بروكروست: كل فكر لا يتناسب مع النموذج الجاهز أي المقالات المعلبة المتداولة يُبتَر أو يُمدد حتى ينسجم مع القالب وهنا أصبح التلميذ عن كتابة ما يفكر فيه، بل هو يكتب ما يتوقعه المصحّح. والمصحّح، بدوره، لا يقرأ فكراً حيّاً، بل يُطابق ورقة بشبكة تقويم منجزة مسبقاً.

هذا التحوّل أنتج ما يمكن تسميته «فوضى الدال وعقم المدلول»: بدليل اننا نستخدم كلمات فلسفية كبيرة (الدولة، العدالة، الحق والواجب، الغير، الحقيقة...) تُستخدم في أجوبة التلاميذ بكثافة، لكنها فارغة من المعنى الحي. والأستاذ تراه يكتب «الإنسان حرّ» وهو لا يجرؤ على التعبير عن رأيه الحقيقي داخل القسم. والتلميذ يكتب «الفلسفة تسعى إلى الوصول الى الحقيقة» وهو يعلم أن الحقيقة الوحيدة التي تُحسب في الامتحان هي مطابقة النموذج. هنا نستعيد تحذير فتغنشتاين الشهير: «حدود لغتي هي حدود عالمي». فما دام عالم الامتحان لا يتسع إلا للقالب الجاهز، فإن لغة وتفكير الأستاذ تظلّ سجينة، وعالم التلميذ الفكري يظلّ ضيّقاً.

والأسوأ من ذلك أن التلميذ اصبح يُدرَّب على «الغش الفكري» قبل أن يُدرَّب على أي غش مادي. يتعلّم أن النجاح لا يتطلب الحقيقة، بل يتطلب حسن توقّع ما يريده الآخر. وفي هذا المعنى، يصبح الامتحان، كما وصفه ميشيل فوكو في تحليله للامتحانات الحديثة، ليس مجرّد أداة قياس، بل تقنية للانضباط وإنتاج الذوات المطيعة.

ثالثاً: البيئة المسمومة

لا يمكن فهم أزمة الدرس الثانوي دون النظر إلى منبعها الأعمق: الجامعة الجزائرية. فالأستاذ الذي يمارس البروكروستية في القسم هو نفسه نتاج نظام جامعي لم يُعلّمه أن يكون فيلسوفاً، بل علّمه كيف يجتاز الامتحانات ويضمن الوظيفة. ان الجامعة عندنا بدل أن تكون مشتلاً للتفلسف وبناء فيلسوف الغد، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مصنع لـموظفي الفلسفة: ملزمون بتنفيذ البرنامج، يحفظون المقالات، يجتازون الامتحان، ثم يُعاد إنتاجهم في الثانوي ليُعلّموا الدورة نفسها.

هذا الفقر الفلسفي الجامعي ليس مجرّد لامبالاة فردية. إنه هيكل مؤسساتي. يتجلى في غياب البحث العلمي الحقيقي، والانحباس في صراعات مفاهيمية عقيمة، والتقزّم الأكاديمي الذي يحوّل الأستاذ الجامعي إلى موظف إداري داخل خانة ضيقة... كلها عوامل تجعل الجامعة عاجزة عن أن تكون ضمير الدرس الفلسفي أو سنده. بل هي، في حالات كثيرة، تُعيد إنتاج الأمراض ذاتها التي تُعاني منها الثانوية. ولقد نبهنا ابن خلدون الى هذا الخطر حين لاحظ أنّ «العلم يفسد إذا صار مجرّد صناعة للمعاش». فالفلسفة حين تتحوّل إلى مجرّد مهنة إدارية تفقد روحها، وتفقد قدرتها على أن تكون نقداً حراً.

لكن الأزمة لا تقف عند باب الجامعة. فالفلسفة تسبح ضد تيار ثقافي أوسع. في مجتمع يُصاب بما وُصف بـ«كراهية الحكمة»، حيث يتحوّل المتفلسف إلى مادة للسخرية أو للريبة، ويصبح «وليّ» الدروس الخصوصية هو المنقذ الحقيقي في نظر كثير من الأسر... في مثل هذا المناخ، يصعب على الفلسفة أن تزدهر. إنها تُحاصَر بين وصاية تريد ترويضها وتحويلها إلى أداة ديماغوجية، وتربية دينية تتنافس معها على احتكار الضمير، وثقافة شعبية تقدّس الوصفة السحرية وتستخفّ بالسؤال المفتوح.

هذا العائق الثقافي هو التربة التي تنمو فيها كل الأمراض الأخرى. فكيف يمكن أن يُحترم السؤال الحرّ في بيئة لا تقرأ بما فيه الكفاية، ولا تُقدّر النقد، وتفضّل طمأنينة اليقين على قلق السؤال؟ وكما تقول الحكمة الغزالية: «من لم يشكّ لم ينظر، ومن لم ينظر لم يُبصر، ومن لم يُبصر بقي في العمى». ونحن، في كثير من ممارساتنا التربوية والثقافية، ما زلنا نخشى الشكّ أكثر مما نخشى العمى.

مداخل التجاوز

إذا كانت الأزمة بنيوية كما حاولنا بيانها، فإن انتظار الإصلاح من فوق يبقى انتظاراً عبثياً في الغالب. فالمنطق الذي يفكر به رجل السياسة قصير المدى نادراً ما يُقدم على إصلاح قد يُنتج مواطنين نقديين يُشكّكون في الخطابات السائدة. والأكاديمي المستنزف داخل خانته الإدارية قلّما يغيّر هيكلاً يضمن له استقراره. والأستاذ الواقع تحت الإكراه المادي والمهني لا يملك، في معظم الحالات، ترف المقاومة الفردية الطويلة. إذن، من أين يأتي التغيير الممكن؟

الجواب لا يكمن في جهة واحدة، بل في فراغ يمكن أن تملأه حركة نقدية تتشكّل خارج المنطق المؤسساتي المعطوب، أو على الأقل على هامشه. هذا لا يعني رفض العمل داخل المؤسسة رفضاً مطلقاً، بل يعني أن التغيير الحقيقي يبدأ من فعل الكلام ومن الكتابة، ومن مقاومة يومية هادئة، ومن بناء بدائل موازية لا تنتظر إذناً مسبقاً.

بداية من تحرير الامتحان و كسر البروكروستية، لكن التحرير لا يعني تسهيل الامتحان أو تخفيفه، بل تحويله من طقس بيروقراطي إلى حدث فكري. ويكون ذلك عبر اعتماد أسئلة إشكالية حقيقية متجددة سنوياً تمنع التوقع المسبق، وتنويع التمارين (تحليل نص ذي صلة بأزمات واقعنا، تحليل ونقد حوار فلسفي، إعادة بناء حجّة مفككة...)، ووصولا الى فتح نقاش عمومي بعد كل دورة بكالوريا حول مواضيع الفلسفة، كما هو التقليد الفرنسي، ذلك ان تحويل الامتحان من سرّ مؤسساتي إلى حدث ثقافي علني هو في ذاته فضح للكذبة الممنهجة.

ولا تكتمل صورة الإصلاح الا ببناء فضاءات موازية فالأهم هو خلق فضاءات فلسفية خارج إكراهات البرنامج والتقويم مثل تقديم ورشات فلسفة للأطفال في المكتبات ودور الثقافة، على غرار التجربة التونسية، ونوادي فلسفية في الثانويات والجامعات تناقش قضايا تهمّ الشباب. ومنصات رقمية جادة تخاطب الجيل الجديد بلغته، وتخلق شبكة تربط بين الأستاذ الرافض لأن يكون سجّاناً، والأكاديمي الرافض للتقزّم، والتلميذ الجائع إلى السؤال. هذا ما يمكن تسميته، باستعادة مفهوم غرامشي وإعادة توجيهه، «تحالفاً نقدياً» يحول الجزر المعزولة إلى أرخبيل قادر على خلق أثر ثقافي متراكم.

ولابد أيضا من إصلاح التكوين الجامعي بإنشاء تخصص حقيقي في «تعليمية الفلسفة»، وورشات تكوين مستمر، وبعثات إلى الخارج... كلها خطوات ضرورية. لكنها لن تأتي تلقائياً، وستحتاج إلى ضغط معرفي وأخلاقي من داخل التحالف نفسه.

خاتمة

لقد حاولنا أن نبيّن أن أزمة الدرس الفلسفي في الجزائر ليست عارضاً تقنياً يُعالج ببترها ودحرجتها او بتبديل منهج أو تعديل نموذج امتحان. إنها انفصام بنيوي يمتد من قاع المجتمع إلى قمة المؤسسة. فلسفة فقدت موضوعها الحيّ، وقُيّدت بآليات تقويم تقتل الحرية، وتسبح في بيئة تُعيد إنتاج الامتثال... هذه الفلسفة لا تحتاج إلى «إصلاح» إداري بقدر ما تحتاج إلى استعادة قدرتها على أن تكون فعلاً حراً.

في النهاية، لعل الجواب الأصدق عن سؤالنا الافتتاحي هو أننا ما زلنا نسأل. ففي عالم يفضّل الإجابات الجاهزة والموظفين المطيعين، يبقى السؤال المفتوح والمُربك نفسه أقصى ما يمكن أن نقدّمه للفلسفة ولأنفسنا.

***

عمرون علي

تأمّل ذاتي في زمن الشّاعر وزمن القاص

حاولتُ منذ البداية في «أرشيف الرّماد» أن أوزّع وعيي بتعدّد الأزمنة التي تشكّل نسيج مجموعتي القصصية. لأنني نظرت إلى الزمن بوصفه طريقة لتوزيع الوعي داخل النص لا لتوزيع الاحداث فقط. لذلك تداخلت فيها أزمنة متعددة. زمن السارد، وزمن الشاعر، وزمن المثقف، والزمن السياسي والاجتماعي المبثوث بطريقة غير مباشرة.

زمن السارد زمنٌ مكسور ودائري تعيشه شخصياتي. وزمن الصدمة الذي لا يمضي. ثابت يتكرّر كرنين الناقوس في «الهادي ناقوس»، أو يعود كل عشرين سنة في «قاعدة فرنسية»، أو يتحول إلى طقس يومي في انتظار «ريح الشمال». بهذا المعنى، يصبح زمن السارد زمنا تعيشه الشخصيات أكثر مما ترويه. أمّا زمن الشاعر فهو زمن الكتابة الخارجي، زمن الرجاء بعد الحريق في دار الثقافة. زمن الشهادة الذي يسعى إلى حفظ ما يوشك أن يحترق مرة أخرى. ويضيف زمن المثقف طبقةً تأملية نقدية، كما في «عطلة رسمية»، حيث يصبح الزمن منتجا لمسؤولية تأويلية لدى القارئ، ويكشف تناقض الزمن المؤسسي مع الزمن الإنساني المعلّق.

يضل الزمن السياسي والزمن الاجتماعي حاضرين ضمناًف ي نسيج القصص كلها. مع تكرار الكارثة، واستمرار السلطة، والصمت الرسمي في «قاعدة فرنسية» (لم تُغلق القاعدة، طبعاً، فالموضوع معقّد كما قالوا دائماً)، وفي طريقة تعايش المجتمع مع الجرح.كمثل القرية التي تعتاد صوت الناقوس، والناس الذين يبنون سوراً جديداً حول قاعدة لم تُغلق، والأطفال الذين يجمعون الرماد بدلاً من حرقه.

بوعيي ككاتب — وأعتذر عن هذا، وإن كان وهما — حاولتُ أن أصدّ الشاعر عن الاستيلاء الكامل على العالم القصصي. إذ يميل الشاعر بطبيعته إلى اللغة المتدفقة والاستعارة الغنية، بينما كانت الصدمة، في تصوري، تحتاج إلى قدر من التقشف والانضباط كي لا تفقد صدقها. لذلك سعيتُ إلى فرض انضباط سردي صارم من خلال جمل قصيرة مقتضبة، وصمت كثيف بين اللقطات. «عدتُ إلى القرية ظهر يوم حار، يلتصق الغبار بثيابي، لم أدخل بيت أبي». كلمات قليلة تكفي لتختصر عودةً، وفقداً، وجرحاً.

حاولتُ أن تكون هذه الجمل حاجزا يحمي زمن السارد من أن يذوب في جماليات زمن الشاعر، ويمنع زمن المثقف أو الزمن السياسي من التحول إلى خطاب مباشر أو تأمل فلسفي مجرد. سمحتُ للشاعر بالظهور في لحظات قصوى: «أصابع عمي الهادي تنبت في الأرض وتشرب من وجهي»، ثم سحبتُه فورا بجملة حادة تعيد النص إلى قسوة الواقع السردي، محاولا المحافظة على توازن دقيق بين الشعرية والشهادة.

ومن الأمثلة الدالة الأخرى على هذا التوازن قصة «متتالية الصحو والهذيان»، حيث يتداخل صوتا عثمان وأحمد الراوي حتى يصيرا صوتاً واحداً: «نحن الصحو ونحن الهذيان. أنا أحمد سالم ومعي عثمان.» هذه الحالة ليست شعرية تماما. على العكس هي حالة حافة بين الصحو والجنون، وبين الهوية والتفكك، وبين الواقع والوهم. تلامس اللغة الشعرية في إيقاعها المتكرر، وفي قدرتها على التعبير عن الانهيار الداخلي. لكنها لا تستسلم لنسق الشعر. لا تتحول إلى غنائية مفتوحة أو استعارات مزخرفة. لكن تبقى مشدودة إلى قسوة الحالة النفسية والوجودية. الجمل قصيرة وحادة، والتداخل بين الصوتين يخلق توتراً سردياً أكثر منه جماليا. حاولتُ أن أجعل الشعرية خادمة للصدمة، دون أن تغمرها أو تُحلّيها، فتبقى الحالة على حافتها مؤلمة، وغير قابلة للتلميع الشعري الكامل.

لم يكن الزمن غير الخطي، في هذا السياق. مجرد تقنية سردية. كان نتيجة طبيعية لهذا الوعي بتعدد الأزمنة. حاولتُ أن أوزّعه بقصدٍ ليخلق الحيرة، وربما شيئاً من الصعوبة التي أسميها «لذيذة». حين انكسر الزمن الخطي في «الزيتوني» و«قاعدة فرنسية» و«الدّمية»، أو حين أصبح دائرياًفي «الهادي ناقوس» و«صندوق عم علي» و«أرشيف الرّماد» و«ريح الشمال»، أو متداخلاً في «متتالية الصحو والهذيان» و«جرح في اللوحة» و«تلفزة»، فإنني لم أفعل ذلك لمجرد التنويع التقني. اردت أن يشعر القارئ بشيء من الضياع الذي تعيشه الشخصيات نفسها، فيعيد القراءة ويبحث عن الروابط الخفية بين الأزمنة.

من الأمثلة التفصيلية على هذا الانكسار قصة «الزيتوني»، حيث ينكسر الزمن الخطي تماما بفعل صدمة الخيانة، فتتشوش الحدود بين الذات والآخر، وبين من يحكي ومن يُحكى له؛ فلا يُعرف بوضوح تسلسل الأحداث، ولا تتحدد هوية الراوي بدقة، لأن الصدمة شوشت الزمن والهوية معاً. وفي قصة «الدّمية» يتكرر هذا الانكسار مع صدمة الخيانة، التي تجعل الزمن يتداخل بين الواقع والوهم. أمّا في «جرح في اللوحة»، فيذوب الزمن بين اللوحة المعلقة والواقع الحي، ينتقل الجرح أو الندبة من عالم التمثيل الفني إلى وجه الغريب، من غير حدود زمنية واضحة. في «دائرة» يخلق الغياب المتعمد للسياق زمنا غامضا يجبر القارئ على أن يدرك أنه لا يعيد ترتيب الأحداث فحسب، بل يعيد بناء الحكاية نفسها. تماما كمن يلاعب الكرة.

لسست هذه الصعوبة اللذيذة عقبة، في رأيي. هي دعوة إلى المشاركة في بناء النص، ليصبح القارئ شريكا في إعادة ترتيب الأزمنة وملء الفراغات التي يتركها السرد. وحين تتشظى الأزمنة بهذا الشكل، يصبح الميتاسرد امتدادا طبيعيا لها، لا تقنية منفصلة عنها. لذلك أربط هذه الأزمنة والأنساق بالميتاسرد وملاءمة الشخصيات. فالميتاسرد، في تصوري، خطاب متعال يجعل السرد يتحدث عن نفسه، ويفضح آلياته، ويكسر الوهم السردي التقليدي. اتخذ في الكتاب أشكالا متعددة؛ من تمرد الخياط في «مانيفستو الخياط» الذي يعلن أن «الرواية الآن ملكي وملك كل من قرأها»، إلى مخاطبة القارئ مباشرة في «تلفزة»: «حاذر، أنت جزء من هذا.» ولم تكن هذه التقنيات زينة شكلية. كانت ضرورة عضوية فرضتها طبيعة الصدمة نفسها. لأنها ترفض الحكاية المستقيمة. وتحتاج إلى تداخل الأزمنة، والفراغات، والتكرار حتى تعبر عن حضور الماضي واستمرار أثره، وعن هوية لم تعد مستقرة كما كانت.

إذا كان الميتاسرد يضبط بناء النص من الخارج، فإن ملاءمة الشخصيات تضبطه من الداخل. فقد ساعدتني تلك البساطة الصادقة في تعايش شخصياتي مع الجرح على حماية العالم القصصي من تغوّل أي زمن أو نسق؛ فيكتفي الهادي بالنوم في المربط وقرع الناقوس يوميا. ويكتفي عبد العظيم بفتح الصندوق كل سنة والبكاء. وتضع ليلى زهرة تحت الوسادة كل ليلة. أطفال «أرشيف الرماد» أيضا لا يحرقوا المدينة لقد جمعوا رمادها وأصغوا إليه. هذه الملاءمة المتواضعة ساعدتني على تجنب تحويل النص إلى قصيدة نثرية مجمّلة، أو إلى خطاب مثقف سياسي مباشر، وحافظت، في محاولتي، على صدق الجرح داخل زمن السارد.

 سعيتُ إلى أن يكون الميتاسرد، كما ضبط نسق الشعرية، ضرورة تحمي توازن هذه الأزمنة والأنساق، لا حيلةً تقنية تُضاف إلى النص من خارجه. وأردتُ للقارئ أن يكون شاهدا لا متفرجا، وشريكاً في إعادة بناء الذاكرة، لا متلقيا يكتفي بتتبع الحكاية. لذلك لم يكن الزمن عندي مجرد تقنية سردية. كان الشكل الوحيد الذي استطاع الجرح او الندبة أن تجد لها صوتا داخل الحكاية.

أقف في هذا التأمل الذاتي امام نفسي وأمام اقترافاتها ولولبتها وانبساطها وارتفاعها وانخفاضها وعلوها ودنوّها. لا أقف أمام المرآة فهذا أمر لم أقصده هنا. كل ما قصدته هو سرقت ما يقوله الكاتب عن نفسه في صخبه وفي صمته. ألم أقل أنها شهادات تجرّح نفسها.

***

سعيف علي

 

لا تُقاس قيمة الفلسفة بكتب ونصوص الفلاسفة فقط، ولا بالأسماء الكبرى الممتدة من سقراط إلى كانط ومن الكندي إلى ابن رشد، وإنما هي تقليد حيّ لا يستمر إلا إذا وجد من يحمله، ومن يدافع عنه، ومن ينظم حضوره في الفضاء العام. فالأفكار العظيمة لا تحمي نفسها بنفسها؛ ولا يستطيع رجل الفلسفة وحده أن يضمن بقاء الفلسفة في الثانوية أو الجامعة أو المجال العمومي. إنه يحتاج كما احتاج سقراط إلى أغورا أثينا، والى حكمة الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف الذي أحب الفلسفة، وقرّب ابن رشد الى مجالسه وجعله طبيبه وقاضيهً، والى الجرأة في قول الحقيقة، وأكثر من ذلك يحتاج إلى فضاء جماعي يحول الفلسفة من همس فردي شبيه بهمس يتامى الدهر إلى صوت عام، ومن عزلة المستضعفين إلى مقاومة منظمة.

ولهذا لم يكن تاريخ الفلسفة تاريخ عباقرة فحسب، بل كان أيضاً تاريخ مؤسسات وجمعيات وروابط مهنية ومجلات فلسفية ومنتديات للحوار، طريق الفلسفة كان على الدوام طريق مقاومة ودفاع عن حرية التفكير قولا وفعلا وهو مسلك لا يقل أهمية عن إنتاج الأفكار الفلسفية ذاتها. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى واجب توسيع دائرة الجمعيات والنقابات الفلسفية باعتباره امتيازاً مهنياً أو إجراءً إدارياً، بل باعتباره أحد الشروط المدنية التي تجعل وجود الفلسفة ممكناً في المجتمع. فحين يمتلك الفلاسفة والأساتذة والباحثون جمعيات فلسفية ومنظمات متعددة المشارب ويكون لهم حق الاجتماع والتنظيم والتعبير بصورة قانونية، تتحول الفلسفة من نشاط فردي معزول إلى قوة ثقافية قادرة على الدفاع عن مكانتها في التعليم، والمساهمة في النقاش العمومي، وصون استقلال الفكر من الضغوط الأيديولوجية والسياسية. أما حين يُفرَّغ هذا الحق من مضمونه، فإن الفلسفة لا تُمنع بالضرورة، لكنها تُدفع تدريجياً إلى الهامش حتى تغدو حضوراً شكلياً لا يملك القدرة على التأثير.

من هنا تنبع أهمية هذا الموضوع؛ فهو لا يبحث في الجمعيات الفلسفية بوصفها هيئات تنظيمية فحسب، بل يدرسها باعتبارها تجسيداً لحق أصيل من حقوق الإنسان، وركناً من أركان المجتمع المدني، وآلية أساسية لحماية حرية الفكر. فالحق في التنظيم ليس مسألة قانونية خالصة، بل هو أيضاً قضية فلسفية وثقافية تتصل بمصير العقل النقدي نفسه، وبقدرة المجتمع على أن يجعل من الفلسفة ممارسة حية لا مجرد مادة دراسية يتباكى على حذفها او دحرجتها أو إرث ثقافي يُحتفى به في المناسبات.

التاريخ يعلّمنا أن أولى خطوات قتل الفلسفة هي قتل حق التنظيم بين أهلها من خلال حصره في اطر ضيقة او تحويله الى ملكية خاصة فأكثر الطعنات كانت من الذين ينتسبون اليها او من ما يمكن تسميته أصدقاء الفلسفة المزيفون، ولا شك ان تعدد الجمعيات الفلسفية وتنوع طرق الدفاع عن حق التفلسف يسمح للفلسفة ان تجد متنفسا لها من خلال ممارسة حية تتجاذبها تيارات متعددة. وعندما تتأرجح الجمعيات الفلسفية بين التأسيس والتعطيل، وبين الحضور والغياب، فإن الفلسفة ستظل في كثير من الأحيان ضيفاً ثقيلاً على المؤسسات التعليمية، لا صوت لها إلا في دوائر محدودة.

نحن لا نسعى هنا إلى مجرد إحصاء للجمعيات، بل إلى استعادة الوعي بالحق الجمعوي في الدفاع عن الفلسفة كحق أصيل من حقوق الإنسان، مستندين إلى المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تكفل حرية الاجتماع السلمي وانه لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية، وإلى المادة 27 التي تضمن المشاركة الحرة في الحياة الثقافية.

أهمية الحق في التنظيم الجمعوي للدفاع عن الفلسفة تتجلى بوضوح أكبر حين ننظر إلى التجارب الحية التي عرفتها بعض الدول. ففي فرنسا، التي تُعدّ النموذج الأبرز في هذا المجال، لم تبقَ الفلسفة مجرد مادة دراسية في التعليم الثانوي، بل أصبحت موضوعاً لصراع منظم ومتعدد الأطراف تديره جمعيات ونقابات مهنية. فمنذ تأسيس رابطة أساتذة الفلسفة في التعليم العام (APPEP) عام 1947، وهي الجمعية الأعرق من نوعها، ظلّ الدفاع عن مكانة الفلسفة في المناهج والحرية البيداغوجية وجودة مواضيع البكالوريا مهمة مركزية يتولاها الأساتذة أنفسهم. وقد تعزز هذا الدفاع مع ظهور تيارات أخرى أكثر تجديداً، مثل المجموعة الفرنسية للتعليم الجديد في قطاعها الفلسفي، ثم تأسيس الجمعية من أجل إنشاء معاهد البحث في تدريس الفلسفة (ACIREPh) عام 1998، التي سعت إلى تجديد الأدوات البيداغوجية وخلق فضاءات بحث مشتركة بين أساتذة الثانوي والجامعيين. أما مجموعة البحث في تدريس الفلسفة (GREPH)، التي نشأت في منتصف السبعينيات، فقد مثّلت التيار النقدي الأبرز، إذ رفضت فكرة «السن الطبيعي» للفلسفة ودعت إلى إدخالها مبكراً في المسار الدراسي. وإلى جانب هذه الجمعيات، تلعب النقابة الوطنية للتعليم الثانوي (SNES) دوراً مهماً عبر قطاعها المتخصص في الفلسفة، بينما تسند المفتشية العامة والكلية الدولية للفلسفة هذا المشهد المؤسسي المتنوع، وهناك العشرات من الجمعيات والمجلات التي لا يتسع المقام لحصرها.

ولا يقتصر الأمر على فرنسا. ففي ألمانيا، يضطلع Fachverband    Philosophie   بمهمة الدفاع عن تدريس الفلسفة والأخلاق في المدارس، بينما تجمع Deutsche Gesellschaft für Philosophie   بين الباحثين وأساتذة الثانوي والجامعيين. وفي سويسرا، تتولى جمعية أساتذة الفلسفة في التعليم الثانوي العالي (SPES) تمثيل هذه الفئة المهنية والدفاع عن حضور المادة. أما في المملكة المتحدة، فقد ظهرت في السنوات الأخيرة Association of Philosophy Teachers لتعبّر عن حاجة أساتذة المدارس الثانوية إلى إطار مهني خاص بهم. وعلى المستوى الدولي، تعمل الرابطة الدولية لأساتذة الفلسفة (AIPPh) على ربط هذه التجارب الوطنية فيما بينها.

أما في العالم العربي، فإن الصورة تبدو أكثر تبايناً وتأخراً نسبياً. ففي الجزائر تبرز الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، وفي تونس تسعى الجمعية التونسية للدراسات الفلسفية إلى الربط بين التعليم الثانوي والعالي وتنظيم الندوات والمجلات المتخصصة. وفي المغرب تمثل الجمعية المغربية لأساتذة الفلسفة إطاراً مهنياً مباشراً يدافع عن قضايا تدريس المادة في الثانوي. بينما تميل الجمعيات في مصر والأردن ولبنان واليمن إلى الطابع الأكاديمي والثقافي أكثر من الطابع النقابي المتخصص في الثانوي. وفي المملكة العربية السعودية، شكّل تأسيس جمعية الفلسفة عام 2020 تطوراً مهماً، إذ فتحت المجال أمام مبادرات جديدة في نشر الثقافة الفلسفية وفلسفة الأطفال، بعد سنوات طويلة من الغياب شبه الكامل للمادة عن المناهج. ومع ذلك، يظلّ الحضور الجمعوي في معظم الدول العربية أضعف مما هو عليه في فرنسا، وغالباً ما تتأرجح هذه الجمعيات بين فترات النشاط والخمول، أو بين الحضور في المؤتمرات والغياب عن التأثير الفعلي في السياسات التعليمية.

إن هذا التباين بين التجارب يكشف أن وجود جمعيات متعددة المشارب والتيارات ليس أمراً ثانوياً، بل هو شرط أساسي كي تتحول الفلسفة من مادة دراسية محاصرة أو شكلية إلى ممارسة حية قادرة على الدفاع عن نفسها داخل المدرسة وخارجها. ومن الحكمة القول ان  الخير كل الخير هو ان تجد في مجتمع ما جمعيات ومنظمات فلسفية ذلك ان اهم معيار لصحة مجتمع ما، هو أن ننظر إلى عدد جمعياته الفلسفية، لا إلى عدد فلاسفته. فالفيلسوف الواحد قد يكون هدية السماء وهبة الله لنا، لكن الجمعية الفلسفية هي صناعة الأرض، والأرض حين تصنع للفكر بيتًا يجتمع فيه، تكون قد بدأت تصنع تاريخها.

***

عمرون علي

إذا كان الإنسان قد تعلم بالصبر كيف يثبت أمام الابتلاء، وبالتوكل كيف يحسن السعي دون أن يستسلم لقلق النتائج، وبلغ بالرضا سكينة النفس أمام حكمة الوجود - كما بينا في المقالات السابقة - فإن رحلته لا تبلغ كمالها إلا بالمحبة. فالمحبة ليست مرتبة منفصلة عما سبقها، بل هي الثمرة التي تنضج في القلب بعد طول المجاهدة، وهي النور الذي يجمع ما تفرق من قوى الإنسان، فيوحد إرادته، ويهذب وجدانه، ويمنح وجوده وجهة واضحة لا يضل عنها.

فالإنسان لا يعيش بما يملك وحده، ولا بما يعلم وحده، وإنما يعيش في النهاية بما يحب. فالمحبة هي البوصلة التي توجه المعرفة، والإرادة، والعمل نحو الغاية التي يختارها الإنسان لنفسه. وما يحبه الإنسان هو الذي يشكل نظرته إلى الحياة، ويرسم اختياراته، ويحدد أولوياته، حتى ليغدو الإنسان، مع مرور الأيام، صورة لما استقر في قلبه من محبوبات. ومن هنا كانت المحبة أكثر من عاطفة عابرة أو ميل نفسي؛ إنها حقيقة من حقائق الوجود الإنساني، وقوة باطنة تمنح الحياة معناها، وتكشف للإنسان الغاية التي من أجلها يعيش ويسعى.

وإذا تأملنا المحبة في عمق الوجود الإنساني، وجدناها ليست مجرد استجابة وجدانية، وإنما هي حركة وجودية تدفع الإنسان دائما إلى تجاوز حدود ذاته. فهو لا يكتفي بما هو كائن، بل يتطلع إلى ما يراه أكمل، وأجمل، وأبقى. ومن هنا كان الإنسان كائنا باحثا عن الكمال، وكانت المحبة هي القوة التي تشده إلى ذلك الكمال؛ لأنها انجذاب الفطرة إلى ما تراه جديرا بالتعلق والاتباع.

ولذلك لم تكن المحبة في التصور الإسلامي أمرا يكتسبه الإنسان بقدرته وحدها، بل هي قبل ذلك نعمة إلهية، وهبة ربانية، يفيض الله بها على القلوب التي أقبلت عليه، كما أنها تكليف إلهي دعا الله إليه في كتابه، وربط به حقيقة الإيمان. فقال تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله)، وقال أيضا: (يحبهم ويحبونه). وهكذا لا تبقى المحبة مجرد شعور يختلج في القلب، بل تصبح رابطة متبادلة، يتقرب بها العبد إلى ربه، ويتجلى بها فضل الله على عبده، حتى تغدو أساس العلاقة بين الإنسان وخالقه.

ومن هنا تكتسب المحبة مكانتها بوصفها إحدى أسمى مدارج الكمال والجمال في الوجود الإنساني؛ لأنها لا تغير مشاعر الإنسان فحسب، بل تعيد بناء وجوده كله. فالإنسان المتفرق بين محبوبات متزاحمة يعيش مشتت الإرادة، مضطرب الوجهة، أما إذا توحد محبوبه الأعلى، انتظمت سائر رغباته في نسق واحد، وأصبح قلبه أكثر صفاء، وعقله أكثر بصيرة، وسلوكه أكثر اتزانا. ولهذا لا تكون المحبة الحقيقية هروبا من العالم، وإنما إعادة ترتيب العلاقة به في ضوء الغاية الكبرى التي تمنح كل شيء قيمته ومعناه.

وإذا كانت المحبة تتجلى في صور متعددة داخل الحياة الإنسانية، كمحبة الوالدين، والأبناء، والوطن، والعلم، والخير، والجمال، فإن هذه المحاب جميعا تظل محبات جزئية، تكتسب مشروعيتها واعتدالها من انتظامها في محبة أسمى منها جميعا، هي محبة الله تعالى. وإنما تنحرف حين تستقل عن غايتها، أو تتحول من وسائل تعين الإنسان على أداء رسالته إلى غايات تستعبد قلبه، فيفقد بذلك ميزان الأولويات الذي تقوم عليه الحياة المتوازنة. أما محبة الله، فهي المحبة الخالصة التي تتوحد عندها مقاصد القلب، لأنها تتعلق بمن له الكمال المطلق، والجمال المطلق، والبقاء المطلق.

ومن هنا تنشأ ثمرة جليلة من ثمار المحبة، هي أنس القرب. فالإنسان لا يأنس إلا بمن أحب، ولا يجد الطمأنينة الكاملة إلا فيمن استقر حبه في أعماق قلبه. فإذا امتلأ القلب بمحبة الله، زال عنه وحش التعلق بما يفنى، وأصبح يشعر بالقرب من ربه قربا معنويا يقوم على المعرفة، والطاعة، والذكر، والثقة، لا على قرب المكان. وحينئذ لا ينسحب الإنسان من العالم، بل يعود إليه بروح جديدة؛ فيرى في العمل عبادة، وفي العلم رسالة، وفي الإنسان أخا في الإنسانية، وفي الكون آية تدله على خالقه. وهنا يتحول الوجود الإنساني من مجرد حياة تؤدى إلى حياة تعاش في ظل الأنس بالله، فيجد الإنسان في هذا الأنس سكينة لا تعكرها تقلبات الدنيا، ولا تنال منها حوادث الزمان.

ولما كانت المحبة بهذه المنزلة الرفيعة في بناء الوجود الإنساني، فقد استأثرت بعناية واسعة في التراث الإسلامي عامة، وفي التجربة الصوفية خاصة؛ إذ نظر إليها أرباب السلوك لا بوصفها عاطفة عابرة، وإنما باعتبارها قوة تربوية تعيد تشكيل القلب، وتهذب الإرادة، وتوجه الإنسان إلى غايته. ومن هنا أفاض أئمة التصوف في بيان حقيقتها، والكشف عن آثارها، ودرجاتها، كل بحسب ذوقه ومنهجه، مع اتفاقهم جميعا على أن المحبة الصادقة هي التي تثمر صفاء القلب، واستقامة السلوك، ووحدة المقصد.

وقد كانت رابعة العدوية من أوائل من عبروا عن هذا المعنى تعبيرا خالدا، حين قالت:

"أحبك حبين: حب الهوى** وحبا لأنك أهل لذاكا."

فلم تجعل المحبة مجرد رجاء للثواب أو خوف من العقاب، بل ارتقت بها إلى محبة خالصة لله؛ لأنه سبحانه أهل للمحبة في ذاته، لكماله وجلاله وجماله. ولم تكن رابعة تدعو إلى إلغاء الرجاء أو الخوف، وإنما أرادت أن تكشف أن للمحبة مرتبة تسمو بالإنسان حتى يصبح الله هو المقصود الأول، لا ما يترتب على عبادته من نعيم أو نجاة.

ثم جاء الجنيد البغدادي، فربط المحبة بالاستقامة والاتباع، ورأى أن المحبة الصادقة لا تنفصل عن الطاعة، وأن صدق الدعوى يظهر في موافقة المحبوب. وبهذا أعاد الجنيد التوازن إلى التجربة الصوفية، فجعل المحبة بناء يزكي السلوك، لا انفعالا يكتفي بالمشاعر، لأن المحبة التي لا تظهر آثارها في العمل تبقى دعوى لم تكتمل حقيقتها.

وفي القرن الرابع الهجري، وسع أبو طالب المكي دائرة الحديث عن المحبة، فجعلها من أعمال القلوب التي تنمو بالمجاهدة، وتقوى بالذكر، وتصفو بالمراقبة. ورأى أن القلب إذا امتلأ بمحبة الله، انصرفت همومه عن التعلق بما يفنى، وصارت علاقته بالدنيا علاقة استخدام لا استعباد، فيتحرر الإنسان من سلطان الشهوة، ويصبح أكثر قدرة على توجيه حياته نحو غايتها الكبرى.

ويبلغ الحديث عن المحبة ذروة نضجه الفلسفي والروحي في القرن الخامس الهجري عند أبي حامد الغزالي، الذي رأى أن المحبة تنشأ من إدراك القلب لما يتجلى له من معاني الكمال والجمال. فالنفس الإنسانية مفطورة على الميل إلى الكامل والجميل، وكلما ازداد الإنسان إدراكا لكمال الله وجلاله وجماله، ازداد تعظيما له، وانجذابا إليه، وتعلقا به. ومن هنا لم تعد المحبة عند الغزالي مجرد حالة وجدانية، بل أصبحت قوة روحية وأخلاقية تدفع الإنسان إلى التشبه، بقدر طاقته البشرية، بمعاني الخير، والرحمة، والعدل، والإحسان.

ثم تتسع آفاق المحبة عند عفيف الدين التلمساني ـ المتوفى ٦٩٠ هـ ـ فتغدو القوة الجامعة التي تنتظم الوجود الإنساني كله. فالمحبة عنده ليست مجرد منزلة من منازل السالكين، بل هي الحقيقة التي تعيد جمع الإنسان بعد تفرقه، وتوحد قواه بعد تشتتها، حتى يصبح القلب، والعقل، والإرادة متجهة جميعها إلى مقصد واحد. وبهذا المعنى لا تقتصر المحبة على تهذيب السلوك، وإنما تعيد بناء الإنسان من داخله، وتجعله أكثر استعدادا لتلقي أنوار الحقيقة.

وهكذا تلتقي الرؤية الفلسفية بالتجربة الروحية في حقيقة واحدة، وهي أن المحبة لا تلغي العقل، ولا تعطل الإرادة، وإنما تهذب كليهما، وتوجههما نحو الغاية التي تستحق أن تعاش الحياة من أجلها. فالقلب الذي يحب بغير بصيرة قد يضل، والعقل الذي يفكر بغير محبة قد يجف، أما إذا اجتمعت المحبة مع صفاء العقل، أشرق الوجود الإنساني بنور يجمع بين وضوح الرؤية وصدق التوجه.

ومن هنا يمكن القول إن المحبة لا تورث الأنس والقرب فحسب، بل تفتح أيضا أبواب المعرفة. فالمحبة الصادقة تصقل البصيرة، وتحرر القلب من أهوائه، وتجعله أكثر استعدادا لتلقي أنوار الحقيقة. وكلما ازداد القلب صفاء بالمحبة، اتسعت أمامه آفاق المعرفة، حتى يصبح الإنسان أكثر وعيا بحقيقة نفسه، وأكثر إدراكا لعظمة خالقه.

خلاصة القول: إن المحبة ليست نهاية الطريق، وإنما بداية إشراق جديد في الوجود الإنساني. فهي توحد القلب بعد تفرقه، وتورثه الأنس بعد وحشته، وتمنحه القرب بعد اغترابه، ثم تفتح له أبواب المعرفة التي يزداد بها بصيرة ويقينا. فإذا كان الإنسان قد تعلم بالصبر كيف يثبت، وبالتوكل كيف يطمئن، وبالرضا كيف يسكن، فإنه بالمحبة يتذوق جمال القرب، ويتهيأ لاستقبال نور المعرفة، حتى يقترب شيئا فشيئا من الغاية التي تنتظم عندها معاني الوجود كلها.

وهكذا يواصل الوجود الإنساني ارتقاءه في مدارج الكمال والجمال، حيث تهيئ كل منزلة لما بعدها، حتى يبلغ الإنسان من المعرفة ما يجعله أكثر قدرة على إدراك الحقيقة، وأقرب إلى المقصد الأعلى. ولذلك ستكون المعرفة حديثنا القادم، لا بوصفها زيادة في المعلومات، وإنما نورا تستنير به البصيرة، ومدرجا جديدا من مدارج الكمال والجمال، يتهيأ فيه الإنسان للوصول إلى الغاية الكبرى للوجود الإنساني، وهي التوحيد.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

إن الذاكرة الجمعية – في منظور النقد الثقافي - ليست أرشيفًا بريئًا للماضي، وإنما هي نتاج صراع دائم على المعنى. فما نتذكره، وما ننساه، ليس دائمًا نتيجة لأهمية الحدث، بل نتيجة للقوى التي تمتلك القدرة على إنتاج الخطاب وتوجيهه. ومن هنا تأخذ الذاكرة الانتقائية طريقها لصناعة الهوية، وذلك حين تستدعي وقائع بعينها، وتُهمِّش وقائع أخرى، تبعًا لما يخدم هوية الجماعة ومصالح النخب التي تتحدث باسمها.

وفي هذا السياق تبرز سياسة الهوية بوصفها إحدى أكثر الأدوات فاعلية في تشكيل الرأي العام. فبدل أن يُنظر إلى المواطن باعتباره شريكًا في وطن، يُعاد تعريفه من خلال انتمائه المذهبي أو الطائفي أو القومي. وعندما تُبنى الهوية على هذا الأساس، يصبح استدعاء الذاكرة الانتقائية ضرورة لاستمرارها؛ لأن كل هوية مغلقة تحتاج إلى "آخر" تُعرِّف نفسها من خلال معاداته؛ ولهذا لا يُستدعى التاريخ كله، بل يُنتقى منه ما يُغذّي مشاعر الخوف أو المظلومية أو الريبة. فتُستحضر أخطاء بعض الدول المجاورة كلما طُرح مشروعٌ للتقارب معها، بينما تُغفَلُ أحداثٌ مماثلة إذا تعلقت بدول أخرى تنتمي إلى المحور السياسي أو الأيديولوجي الذي تنتمي إليه الجماعة نفسها. وهكذا لا يعود معيار التذكر هو الحقيقة التاريخية، وإنما المنفعة السياسية. هذه الازدواجية تكشف لنا أن الذاكرة الانتقائية لم تعد تؤدي وظيفة معرفية، بل أصبحت تؤدي وظيفة هوياتية؛ فهي لا تهدف إلى فهم الماضي، وإنما إلى ترسيخ حدود نفسية بين "نحن" و"هم". ومن ثم يتحول التاريخ إلى خزان للرموز والانفعالات، يُفتح عند الحاجة لتعبئة الجمهور، ويُغلق عندما يتعارض مع الخطاب المطلوب.

وفي الحالة العراقية، يمكن ملاحظة نمط من الخطاب السياسي يستدعي بعض الأزمات التاريخية كلما طُرح الانفتاح على دول بعينها، بينما يتراجع استحضار وقائع مماثلة عندما يتعلق الأمر بدول أخرى، فتُبعث صور الماضي لتأليب الرأي العام وإثارة المخاوف. وفي المقابل، قد تُمارَس درجة عالية من الصمت أو التسامح تجاه مواقف أو تدخلات صادرة عن دول أخرى، لأن تلك الدول تدخل ضمن الإطار الهوياتي أو المذهبي الذي يتبناه ذلك الخطاب. وهنا لا يصبح التاريخ معيارًا للحكم، بل يصبح أداةً للانتقاء السياسي.

ولا أريد أن يُفهم من كلامي أعلاه أنّ الخطر الحقيقي يكمن في اعتزاز الإنسان بانتمائه، فهذا حق طبيعي، وإنما في تحويل هذا الانتماء إلى معيارٍ وحيد لتحديد الصديق والعدو، ولتقييم العلاقات الخارجية، بحيث تُقاس مصلحة الدولة بميزان الولاء للهويات الفرعية، لا بميزان المصلحة الوطنية. ومن هنا فإن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تبني سياسة خارجية مستقلة ما دامت ذاكرتها الوطنية تُدار بذاكرات فرعية متنافسة، لكل واحدة منها أبطالها وأعداؤها وتحالفاتها الخاصة. فالوطن لا يمتلك قرارًا سياديًا كاملًا إلا عندما تصبح الذاكرة الوطنية أوسع من الذاكرة الطائفية، وأرحب من الذاكرة الحزبية، وأقدر على التمييز بين حقائق التاريخ ومتطلبات المستقبل.

لم أكتب ما كتبتُ أعلاه، إلا بعد أنْ بدأت بقراءة كتاب (قصة سنغافورة) الذي كتبه مؤسس نهضتها "لي كوان يو" متحدثًا عن ذكرياته بالتفصيل، وقد استوقفني في تلك السيرة – وما زلتُ أقرأ فيها ولم أكملها بعد – ما أشار إليه من احتلال لليابان في النصف الأول من عقد الأربعينات من القرن العشرين، حين ذاقت سنغافورة الويلات والظلم والمجازر الجماعية ارتكبها الجيش الياباني في العزّل من أبناء الشعب السنغافوري، وكل مظاهر الاستغلال والأذى على يد ذلك الاحتلال، ما جعله يسرد تلك التفاصيل في أكثر من ثلاثين صفحة من مذكراته، ولكن هل منعت تلك المآسي التي عاشها الشعب السنغافوري وكبار قادته من التقدّم للأمام وطيّ صفحة الماضي، ومدّ علاقات متينة بين دولتهم واليابان فيما يرتقي بمستوى البلد من مختلف المجالات..؟! وهذا هو الدرس الذي قدمته سنغافورة بامتياز؛ إذ لم تسمح لذاكرة الاحتلال الياباني أن تتحول إلى عقيدة سياسية تمنعها من بناء شراكة مع اليابان، لأنها أدركت أن وظيفة رجل الدولة ليست إدارة الأحقاد، بل إدارة المصالح، وأن الذاكرة الحية لا تعني العيش في الماضي، وإنما الاستفادة منه لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. فالأمم لا تتقدم حين تنسى تاريخها، بل حين تمنع الآخرين من احتكار ذاكرتها؛ لأن الذاكرة حين تُدار بمنطق الهوية الضيقة ستنتج خصومات لا تنتهي، أما الذاكرة التي تُدار بمنطق الدولة فتُنتج سياسةً قادرة على تحويل أعداء الأمس إلى شركاء في بناء المستقبل.

***

د. وسام حسين العبيدي

يراودني منذ سنوات إحساس غريب، أشبه بقلق داخلي عميق، يتسلل إلى أسئلتي حول الكيفية التي بدأ أطفالنا ينظرون بها إلى الحياة والمستقبل. إنه نوع مختلف من الارتياب لم أعرفه وأنا أقارن بين تحولات الأجيال السابقة، ولا وأنا أتأمل الفروق بين زمننا وزمن من جاء بعدنا؛ لأن المسافة بين الأمس واليوم لم تعد مجرد اختلاف في أنماط العيش، بل أصبحت قطيعة في معنى الحلم ذاته.

 لقد كنا أبناء زمن الانكسارات والنكبات، أبناء سنوات الجمر والانتظار الطويل. تعلمنا أن السعادة لا تحتاج دائما إلى امتلاك الأشياء، بل كانت تتشكل من تفاصيل صغيرة، من لحظات عابرة نمنحها قيمتها لأنها نادرة.

كنا نؤجل الرغبات دون أن نشعر بأن التأجيل هزيمة، وننتظر الفرج بوصفه وعداً ممكناً، لا باعتباره وهماً مؤجلاً. كان للوقت إيقاعه البطيء، وكانت الأشياء تستمد معناها من علاقتنا بها، لا من سرعة استهلاكها.

 أما اليوم فقد تغيرت خريطة التطلعات. يبدو أن أبناءنا يحملوننا ثمن التحولات العميقة التي فرضها منطق العصر الجديد؛ عصر السرعة والصورة والخوارزمية. إنهم لا يعيشون فقط داخل العالم الذي صنعناه لهم، بل داخل عالم آخر تعيد فيه المنصات الرقمية تعريف النجاح، وتصنع فيه النماذج الجديدة للنجومية والاعتراف الاجتماعي.

 لقد أصبحت الخوارزميات لا تكتفي بتوجيه انتباههم، بل تساهم في تشكيل رغباتهم، وتحديد ما يستحق الحلم وما يجب أن يُنسى.  أخشى أحيانا أن يكون جيلنا قد ورّث أبناءه عالما وفّر له من الأدوات أكثر مما منحه من المعاني.

إنهم يندفعون نحو كل احتمال للنجاح السريع، نحو أي نافذة قد تفتح لهم باب الشهرة أو الاعتراف، حتى لو كان الثمن هو اختزال الذات في صورة عابرة أو رقم في فضاء لا يعرف الاستقرار.

  أتذكر كيف كان ابني، قبل سنوات قليلة، يحلم بأن يصبح نجماً في عالم "اليوتوبر"، حيث كانت الشهرة الرقمية تبدو له قمة الإنجاز الممكن. واليوم تغير الحلم، وأصبح يتطلع إلى نجومية لاعب كرة القدم لامين يامال، بما تحمله من رمزية النجاح العالمي المبهر. وبين الحلمين مسافة لا تقاس فقط بتغير الاهتمامات، بل بتحول عميق في بنية المخيال نفسه؛ فالحلم لم يعد رحلة طويلة لبناء الذات، بل أصبح يبحث عن أقصر الطرق إلى الضوء.

السؤال الأكثر إرباكاً: هل نحن أمام جيل فقد الصبر على انتظار المستقبل، أم أمام مستقبل جديد لم يعد يعترف أصلا بقيمة الانتظار؟ هل تحولت الطفولة من فضاء لاكتشاف العالم إلى ساحة مفتوحة للمنافسة على الانتباه؟ وهل أصبح الطفل المعاصر يعيش تحت ضغط ضرورة أن يكون مرئياً قبل أن يكون موجوداً؟.

  إن الخطر الأكبر ليس في تغير الأحلام، فالأحلام بطبيعتها تتبدل بتبدل الأزمنة، وإنما في أن تتحول الأحلام إلى منتجات جاهزة تصنعها منظومات التأثير الجديدة. فحين تصبح الخوارزمية وسيطا بين الطفل والعالم، فإنها لا تقدم له المعرفة فقط، بل تقترح عليه ما ينبغي أن يرغب فيه، ومن ينبغي أن يكونه.

 إن العتمة التي يشعر بها الكثير من الآباء اليوم ليست خوفا من المستقبل بقدر ما هي حيرة أمام مستقبل لا نملك مفاتيحه كاملة. نحن أمام جيل يعيش وفرة غير مسبوقة في المعلومات، لكنه يواجه ندرة متزايدة في المعنى؛ جيل يمتلك القدرة على الوصول إلى كل شيء تقريبا، لكنه يبحث بصعوبة عن الشيء الذي يمنحه سببا حقيقيا للوجود.

 وربما تكون مهمتنا الأعمق ليست مقاومة هذا العالم الجديد، ولا الحنين إلى زمن مضى، بل مساعدة أطفالنا على اكتشاف الفرق بين أن يكون الإنسان مشهوراً وأن يكون مؤثرا، بين أن يُرى وأن يكون موجودا، بين بريق الضوء المؤقت ونور المعنى الذي يبقى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي (1)

إنَّ العلم، بوصفه ممارسةً إنسانيةً واعية لحل المشكلات، هو أقدم أشكال النشاط الإنساني وأعمقها جذورًا، بل إنه يسبق السحر والأسطورة والدين بوصفها جميعًا أنساقًا رمزية جاءت لاحقًا لتفسير العالم أو تأويله. فالإنسان الأول لم يكن يملك ترف التأمل الميتافيزيقي، وإنما كان يواجه تحديات البقاء اليومية: الجوع والعطش، والبرد والحر، والوحوش والفيضانات، والليل والموت. ولم يكن في استطاعته أن يستمر في الحياة إلا إذا راقب الطبيعة، واستخلص من تجاربه قوانينها، وربط بين الأسباب والنتائج، وكرر ما أثبت نجاحه، وعدّل ما أثبت فشله. ومن هنا نشأ التفكير العلمي في صورته الأولى: معرفة عملية تراكمية قوامها الملاحظة، والتجربة، والخطأ، والتصحيح، قبل أن يصبح علمًا منظَّمًا أو نظريةً مكتملة. لقد سبق العلمُ الاعتقادَ بالسحر، لأن الإنسان جرَّب النار قبل أن يؤلِّهها، وصنع الأدوات قبل أن ينسج حولها الأساطير، وعرف مواسم المطر والزرع قبل أن يحيطها بالطقوس والشعائر. فالعلم لم يبدأ كتابًا أو معادلةً أو مختبرًا، وإنما بدأ فعلًا إنسانيًا يوميًا هدفه مقاومة الفناء، وصيانة الحياة، وتوسيع إمكانات البقاء. وكل ما أنجزته الحضارة الإنسانية لاحقًا لم يكن سوى امتدادٍ لذلك الفعل المؤسس الذي جعل من المعرفة العملية الشرط الأول لكل عمران، ومن التفكير العقلي الحليف الأوفى للإنسان في رحلته الطويلة على هذه الأرض.

وليس كل ما يملأ الدنيا ضجيجاً يترك أثراً، وليس كل ما يثير الناس اليوم يبقى غداً. فالتاريخ، مثل الطبيعة، يمتلك قانوناً صارماً في الانتقاء؛ يطوي ما هو زائف، ويحتفظ بما ينفع الإنسان. ومنذ سنوات طويلة وأنا أتأمل قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، حتى غدت هذه الآية بالنسبة إليَّ أكثر من موعظة إيمانية؛ إنها قانون فلسفي من قوانين التاريخ والحضارة، بل لعلها من أعمق النصوص التي يمكن أن يُبنى عليها تصور عقلاني لمعنى التقدم الإنساني.

«ما ينفع الناس». لم يقل: ما ينفع فرداً، أو جماعة بعينها، أو طائفة، أو سلطة، بل قال: الناس يعني كل بني الإنسان في هذا الكوكب الأرضي وهذه الكلمة الصغيرة تختزن رؤية حضارية كاملة؛ إذ تجعل الإنسان، بما هو إنسان، معياراً لكل ما يستحق البقاء. فما يسهم في تحسين حياة البشر، وتخفيف معاناتهم، وتوسيع آفاق حريتهم، وتعزيز قدرتهم على الفهم والإبداع، هو الذي يمكث في الأرض ويصبح جزءاً من تاريخ الحضارة فالعلم. فما العلم في جوهره إن لم يكن البحث المنظم عن كل ما ينفع الناس؟ وما الحضارة إلا الأثر التراكمي لهذا النفع حين يتحول إلى مؤسسات وقيم وتقنيات وثقافة؟

فالمعرفة هي المادة الأولى لكل عمران، والعقل هو الأداة التي حوّلت الإنسان من كائن يخشى الطبيعة إلى كائن يقرأ قوانينها، ويتنبأ بحركتها، ثم يسخرها لخدمة حياته غير أن المعرفة ليست نوعاً واحداً. فالإنسان يعيش في عالمين متداخلين: عالم الطبيعة، وعالم المجتمع. ولذلك نشأت منذ وقت مبكر منظومتان كبيرتان من المعرفة ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة ومظاهرها وفهم قوانين حركتها والتنبؤ بنتائجها وتلك هي وظيفة العلوم الطبيعية ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء في التاريخ والحضارة الا بمعرفة حقيقة الكائن الإنساني والمجتمع البشري بوصفهما لحمة التاريخ وسداه؛ المعرفة القادرة على فهم حاجات الإنسان ودوافعه ومقومات الحياة الاجتماعية المدنية المستقرة وقوانين التاريخ وحركته والتنبؤ بمساراتها المستقبلية وتلك هي وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة في قلبها بل هي أمها التي ابدعت اخصب وانضج المفاهيم الأساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية.

إذ دأبت الفلسفة، منذ بداياتها الأولى في الشرق القديم، ثم اليونان، ثم المرحلة العربية الإسلامية، وحتى العصر الحديث، علي تأمل العالم واعادة صياغته مفهوميا فكانت الأفق الذي يمنح العلوم معناها، ويطرح أسئلتها الكبرى: ما الإنسان؟ ما الحقيقة؟ ما العدل؟ ما الخير؟ وما الغاية من كل هذا التقدم؟

فالفلسفة هي الوعي النقدي الذي يمنع العلم من التحول إلى قوة عمياء، ويمنع المجتمع من الوقوع في أسر الخرافة أو التعصب أو عبادة التقنية.

لقد جاءت الحداثة الأوروبية، في معناها العميق، نتيجة ثورة فلسفية قبل أن تكون ثورة صناعية. فقد قررت إعادة بناء المجتمع على أساس العقل، والتجربة، والحرية، والنقد، لا على أساس التقليد وحده. ومن هذا التحول ولد العلم الحديث، ثم ولدت الجامعة الحديثة، ثم الدولة الحديثة، ثم المجتمع الصناعي.

السؤال الملح الذي ناقشه البارحة مع الزملاء في ندوة وحدة الدراسات العلمية هو: لماذا بقي العلم عند العرب مادة تُدرَّس، ولم يتحول إلى ثقافة؟

فمنذ أكثر من قرن والعالم العربي يعيش ما يشبه المفارقة التاريخية الكبرى؛ فقد دخل التعليم الحديث إلى مجتمعاتنا، وتأسست المدارس والجامعات والمعاهد العليا. تأسست أول جامعة عربية في مصر عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م جامعة القاهرة حالياً، وكانت جامعة دمشق التي تأسست عام 1923م أول جامعة عربية حكومية حديثة وفي عام 1942م أنشأت جامعة الإسكندرية وفي العام ذاته تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، ثم تأسست جامعة الخرطوم سنة 1955م وجامعة بغداد في سنة 1957م وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 700 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م. وتخرجت أجيال متعاقبة من حملة الشهادات، ومع ذلك ما زال سؤال النهضة مطروحاً بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة؟ ولماذا بقي التعليم في كثير من الأحيان مؤسسة لإعادة إنتاج التخلف أكثر من كونه أداة لتحرير الإنسان وتنمية قدراته؟

وهكذا كما تلاحظون ليست المشكلة في ندرة المدارس أو قلة الجامعات، وليست المشكلة أيضاً في غياب المعرفة أو انعدام الاتصال بالعالم؛ إذ لم يعد الوصول إلى المعلومات حكراً على أحد في عصر الثورة الرقمية. ومع ذلك فإن مظاهر التعصب والعنف والخرافة والامتثال الأعمى ما تزال أكثر حضوراً من قيم العقلانية والنقد والابتكار. وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم التعليم ذاته وفي طبيعة العلاقة بين العلم والثقافة.

ربما كان السبب أن كلمة «العلم» نفسها لم تستقر عندنا على معناها الحديث. فهي في الوعي التقليدي تشير إلى الفقه، أو الحديث، أو التفسير، أو المعرفة الدينية، كما تشير إلى كل أشكال المعرفة الأخرى، بينما أصبح مصطلح Science في التجربة الحديثة يعني المعرفة المنظمة القائمة على الملاحظة، والفرضية، والتجربة، والاختبار، وقابلية المراجعة والنقد.

انشغل فقهاء العلوم الشرعية في المجتمعات الإسلامية بالسؤال: هل هذا جائز أو غير جائز؟ بينما تتقدم أمم أخرى بالسؤال: هل هذا صحيح؟ وهل يمكن البرهنة عليه؟ وهل ينفع الإنسان؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين مجتمع يستهلك المعرفة، ومجتمع ينتجها.

وبالعودة الى الآية الكريمة فما ينفع الناس هو الذي يستحق أن يبقى، وما لا ينفعهم، مهما علا ضجيجه، سيذهب جفاءً؛ إن الكهرباء التي تنير البيوت، والدواء الذي ينقذ المرضى، والجسر الذي يصل بين الضفتين، والجامعة التي تخرّج الباحثين، والكتاب الذي يوقظ العقل، والقانون الذي يحمي الحقوق، والمؤسسة التي تصون كرامة الإنسان، كلها تدخل، في تقديري، ضمن معنى «ما ينفع الناس».

وبالمقابل كل معرفة لا تضيف إلى حياة الإنسان فهماً، ولا تمنحه قدرة أكبر على الحرية والعمل والإبداع، فإنها تظل معرفة ضالة ومضلله مهما أحاطت نفسها بهالة من القداسة أو الضجيج.

من هنا تبدأ رحلتنا في فلسفة العلم والحضارة؛ رحلة لا تبحث عن تمجيد الماضي ولا عن جلد الذات، وإنما عن فهم الشروط التي تجعل أمةً ما قادرة على إنتاج العلم، وتحويله إلى ثقافة، ثم إلى حضارة.

وفي الحلقة القادمة سنقترب من السؤال الذي ظل يؤرقني طويلاً: كيف التبس مفهوم العلم في الثقافة العربية الإسلامية؟ ولماذا بقيت كلمة «العلم» أسيرة معانٍ متعددة، بينما استقر معناها الحديث في التجربة العلمية الغربية؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال تمثل الخطوة الأولى لفهم أزمة العلم في واقعنا العربي المعاصر.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

الإنسان بين الشاشة والواقع

لم يعد الإنسان المعاصر يعيش في فضاء واحد، بل أصبح موزعًا بين عالمين متوازيين: عالم مادي ملموس تُشكّله العلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية، وعالم افتراضي تُعيد صياغته الشاشات والخوارزميات. هذا الانقسام لا يُختزل في مجرد استخدام للتكنولوجيا، بل يكشف عن تحوّل أنثروبولوجي عميق، حيث تتبدّل أنماط الانتماء وتُعاد صياغة الهوية في سياق جديد يتجاوز الحدود التقليدية للذات والجماعة.

إنّ الهوية الرقمية لم تعد مجرد انعكاس للهوية الواقعية، بل أصبحت فضاءً مستقلًا يُنتج سرديات جديدة عن الذات، ويُعيد تعريف العلاقة بالآخر. في المقابل، يخلق هذا الفضاء حالة من الاغتراب الافتراضي، حيث يشعر الفرد بانفصال بين وجوده الواقعي وصورته الرمزية، فيعيش ازدواجية بين الحضور المادي والتمثيل الرقمي. هذه الازدواجية ليست مجرد ظاهرة تقنية، بل هي تجربة وجودية تُعيد طرح سؤال الهوية في زمن الشاشة.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الفضاء الرقمي باعتباره مختبرًا حيًا لإعادة إنتاج الرموز والطقوس والمشاعر. فالإعجاب، الغضب، والحنين تتحول إلى موارد اجتماعية تُستهلك وتُعاد صياغتها في إطار ما يُعرف بـ الاقتصاد العاطفي. كما تُعيد الطقوس الرقمية اليومية – من التفاعل على وسائل التواصل إلى الحملات الافتراضية – إنتاج معنى الانتماء، لتكشف عن أن الهوية لم تعد حكرًا على الفضاء الواقعي، بل أصبحت مشروعًا مفتوحًا يتشكل من التداخل بين العالمين.

بهذا المعنى، فإنّ الهوية الرقمية ليست مجرد امتداد للذات، بل هي إعادة تشكيل للإنسان في مواجهة العبور بين الواقع والافتراض. إنها هوية هجينة، تتأرجح بين الثبات والتفاوض، بين الحضور والغياب، وبين الانتماء والاغتراب. وما يطرحه هذا المقال هو محاولة لفهم هذه الجدلية بوصفها إحدى أبرز التحولات الفكرية والأنثروبولوجية في زمننا الراهن، حيث لم يعد السؤال "من نحن؟" يُجاب عليه في الواقع وحده، بل في الفضاء الرقمي أيضًا.

الهوية الرقمية كامتداد للذات والاغتراب الافتراضي

لم يعد حضور الإنسان في الفضاء الرقمي مجرد انعكاسٍ بسيط لوجوده الواقعي، بل أصبح مشروعًا جديدًا لإعادة تشكيل الذات. إنّ الهوية الرقمية تُبنى عبر تراكم الصور، الكلمات، والرموز التي يتركها الفرد في فضاء الشبكة، لتتحول إلى سردية مستقلة قد تتقاطع مع الواقع أو تنفصل عنه. فالمستخدم حين يكتب منشورًا، يشارك صورة، أو يتفاعل مع الآخرين، لا يمارس فعلًا تقنيًا محايدًا، بل يُعيد إنتاج ذاته في شكل رمزي يكتسب شرعية من التفاعل الاجتماعي الافتراضي.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الهوية الرقمية تُعيد تعريف مفهوم "الذات" بوصفها كيانًا متعدد الأبعاد، يتجاوز الجسد المادي ليعيش في فضاء رمزي لا تحدّه الجغرافيا. هذا الامتداد يفتح الباب أمام جدلية جديدة: هل الهوية الرقمية مجرد انعكاس للواقع، أم أنها فضاء مستقل يُعيد صياغة الإنسان في مواجهة الآخر؟ هنا يظهر البعد التحليلي العميق، حيث تتحول الهوية الرقمية إلى مختبر حيّ لإعادة إنتاج الرموز والمعاني، وتكشف عن أن الذات لم تعد حكرًا على التجربة الواقعية، بل أصبحت مشروعًا مفتوحًا يتشكل من التداخل بين الحضور المادي والافتراضي.

بهذا المعنى، فإنّ الهوية الرقمية ليست مجرد امتداد للذات، بل هي إعادة إنتاج لها في سياق جديد، حيث يصبح الإنسان كائنًا موزعًا بين عالمين، ويعيش حالة من التفاوض المستمر بين صورته الواقعية وصورته الرمزية. إنها هوية هجينة، تتأرجح بين الثبات والتغير، بين الانتماء والاغتراب، لتكشف عن عمق التحولات التي يفرضها زمن الشاشة.

في الفضاء الرقمي، لا يعيش الإنسان حضورًا كاملًا ولا غيابًا مطلقًا، بل حالة مركبة من الوجود الموزع بين الشاشة والواقع. إنّ الاغتراب الافتراضي يُعبّر عن تلك المسافة التي تنشأ بين الذات الواقعية وصورتها الرمزية، حيث يتحول الفرد إلى كائن مزدوج: جسد يعيش في العالم المادي، وصورة تُدار عبر الخوارزميات والتفاعلات الرقمية. هذه الازدواجية تُنتج شعورًا بالانفصال، إذ يجد الإنسان نفسه حاضرًا في الفضاء الافتراضي لكنه غائب عن ذاته الملموسة، أو العكس.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذا الاغتراب بوصفه تجربة وجودية جديدة، حيث لم يعد الانتماء يُبنى فقط على العلاقات المباشرة، بل على شبكات رقمية تُعيد صياغة معنى الجماعة. فالفرد الذي يشارك في نقاش افتراضي أو حملة رقمية يشعر بالانتماء إلى جماعة رمزية، لكنه في الوقت نفسه يعيش عزلة واقعية قد تُعمّق شعوره بالاغتراب. هنا يظهر البعد التحليلي العميق: الهوية لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت مشروعًا متوترًا بين الحضور والغياب، بين الانتماء والانعزال.

إنّ الاغتراب الافتراضي لا يُختزل في فقدان التواصل المباشر، بل يكشف عن تحوّل في طبيعة الذات نفسها. فالإنسان لم يعد يملك هوية واحدة، بل يعيش في فضاء تفاوضي بين صورته الواقعية وصورته الرقمية، ليُنتج هوية هجينة تتأرجح بين الثبات والتغير. بهذا المعنى، يصبح الاغتراب الافتراضي ليس مجرد أزمة، بل فضاءً جديدًا لإعادة التفكير في معنى الهوية والانتماء في زمن الشاشة.

الذاكرة والطقوس الرقمية والذاكرة الجمعية

في زمن الشبكات، لم تعد الذاكرة مجرد تراكم للتجارب في الوعي الفردي أو الجماعي، بل أصبحت تُخزَّن وتُعاد صياغتها داخل فضاءات رقمية مفتوحة. إنّ الذاكرة الرقمية لا تقتصر على حفظ الصور والمنشورات، بل تُعيد إنتاج الماضي في شكل سرديات جديدة، حيث يتحول الحفظ إلى إعادة تخييل مستمرة. فالفرد حين يسترجع لحظة عبر صورة أو تعليق، لا يستعيدها كما كانت، بل كما أعاد الفضاء الرقمي صياغتها عبر التفاعل والانتشار.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الذاكرة الرقمية تُعيد تعريف الذاكرة الجمعية، إذ لم تعد الجماعة تتذكر عبر الطقوس التقليدية أو الحكايات الشفوية، بل عبر أرشيف رقمي يُتاح للجميع ويُعاد تداوله بلا توقف. هذا الأرشيف لا يحفظ الماضي فقط، بل يُعيد تشكيله وفقًا لآليات الخوارزميات، حيث تُبرز بعض الأحداث وتُهمَّش أخرى، في عملية انتقائية تُعيد إنتاج معنى الهوية والانتماء.

إنّ هذا التحول يكشف عن جدلية جديدة: الذاكرة لم تعد مجرد أداة للحفظ، بل أصبحت فضاءً للتفاوض بين الفرد والجماعة، بين الماضي والخيال، وبين الواقع والافتراض. بهذا المعنى، فإنّ الذاكرة الرقمية ليست مجرد امتداد للذاكرة التقليدية، بل هي إعادة تخييل للماضي في سياق جديد، حيث يصبح الإنسان موزعًا بين ما عاشه فعليًا وما يُعاد إنتاجه رقميًا. إنها ذاكرة هجينة، تُعيد صياغة الهوية وتكشف عن عمق التحولات التي يفرضها زمن الشاشة.

في الفضاء الافتراضي، لم تعد الطقوس حكرًا على الجماعات التقليدية أو المناسبات الدينية والاجتماعية، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية الرقمية. إنّ الطقوس الرقمية تتجلى في أنماط التفاعل المتكررة: الإعجاب، المشاركة، إعادة النشر، أو حتى الانخراط في حملات جماعية عبر المنصات. هذه الأفعال البسيطة تتحول إلى طقوس رمزية تُعيد إنتاج معنى الانتماء، حيث يشعر الفرد أنه جزء من جماعة رقمية تتشارك الرموز والمشاعر والخيال.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذه الطقوس باعتبارها امتدادًا للطقوس التقليدية، لكنها تُمارس في فضاء جديد يتجاوز الجغرافيا والزمان. فالمشاركة في حملة تضامن رقمية، أو التفاعل مع حدث عالمي عبر الوسوم، يُعيد إنتاج مفهوم الجماعة في شكل رمزي، حيث يصبح الانتماء فعلًا جماعيًا يُمارس عبر الشاشة. هذه الطقوس لا تُستهلك فقط، بل تُعيد تشكيل الهوية الجماعية، لتكشف عن أن الإنسان لم يعد يعيش في جماعة واحدة، بل في جماعات متعددة تتقاطع في فضاءات رقمية.

إنّ الطقوس الرقمية تكشف عن جدلية جديدة بين الاستهلاك والهوية. فالفرد الذي يستهلك المحتوى الرقمي لا يبقى متلقيًا سلبيًا، بل يتحول إلى مشارك يُعيد إنتاج المعنى عبر التفاعل. بهذا المعنى، تصبح الطقوس الرقمية فضاءً لإعادة صياغة الهوية الجماعية، حيث يتجاوز الإنسان حدود الواقع ليعيش في جماعة رمزية تُعيد تعريف معنى الانتماء في زمن الشاشة.

الاقتصاد العاطفي والسلطة والسياسة الرقمية

في العالم الرقمي، لم تعد المشاعر مجرد حالات نفسية فردية، بل تحولت إلى موارد اجتماعية تُستهلك وتُعاد صياغتها باستمرار. إنّ الاقتصاد العاطفي في الفضاء الافتراضي يقوم على تحويل الانفعالات – من إعجاب وغضب وحزن وفرح – إلى طاقة رمزية تُغذي التفاعلات وتُعيد إنتاج الهوية الجماعية. فكل "إعجاب" أو "تعليق" أو "مشاركة" ليس مجرد فعل تقني، بل هو استثمار عاطفي يُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والجماعة، ويمنح الهوية الرقمية شرعية جديدة.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذه المشاعر باعتبارها جزءًا من بنية اجتماعية جديدة، حيث تُصبح العاطفة أداة للتفاوض على الانتماء والهوية. فحملات التضامن الافتراضية، أو موجات الغضب الجماعي، تكشف عن أن المشاعر لم تعد شأنًا فرديًا، بل أصبحت قوة جماعية تُعيد صياغة الرموز والمعاني. بهذا المعنى، يتحول الاقتصاد العاطفي إلى فضاء لإعادة إنتاج الهوية، حيث تُستهلك المشاعر وتُعاد صياغتها في سياق رقمي يربط الفرد بجماعة رمزية عابرة للحدود.

إنّ هذا التحول يكشف عن جدلية جديدة بين العاطفة والسياسة، بين الفرد والجماعة، وبين الواقع والافتراض. فالمشاعر التي تُستهلك في الفضاء الرقمي لا تبقى محصورة في الشاشة، بل تُعيد تشكيل الواقع نفسه، لتكشف عن أن الهوية في زمن الشبكة ليست مجرد سردية عقلية، بل مشروع عاطفي يُبنى على التفاعل المستمر بين الذات والآخر.

في الفضاء الرقمي، لا تتحرك الهوية وحدها، بل تُعاد صياغتها تحت تأثير قوى خفية تُمارسها الخوارزميات والسياسات الرقمية. إنّ السلطة الرقمية لم تعد مجرد أداة تقنية لتنظيم المحتوى، بل أصبحت سلطة رمزية تُحدد ما يظهر وما يُهمّش، وما يُعتبر جزءًا من الجماعة وما يُستبعد منها. بهذا المعنى، تتحول الخوارزميات إلى آليات سياسية تُعيد إنتاج معنى الانتماء، حيث يُصاغ حضور الفرد في الشبكة وفقًا لمعايير لا يملك السيطرة عليها بالكامل.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى هذه السلطة باعتبارها شكلًا جديدًا من الهيمنة، حيث تُمارس الشركات الكبرى والدول نفوذها عبر سياسات رقمية تُعيد تشكيل الهوية الجماعية. فالمحتوى الذي يُبرز، أو الذي يُحجب، لا يعكس فقط تفضيلات تقنية، بل يعكس أيضًا اختيارات سياسية واقتصادية تُعيد إنتاج معنى "من ينتمي" و"من يُستبعد". هنا يظهر البعد التحليلي العميق: الهوية الرقمية ليست مجرد مشروع فردي، بل هي أيضًا نتاج لسلطة تُمارس عبر الخوارزميات والسياسات.

إنّ هذه الجدلية تكشف عن أن الفضاء الرقمي ليس فضاءً محايدًا، بل هو ساحة سياسية تُدار فيها الصراعات على الرموز والمعاني والانتماءات. فالإنسان الذي يعيش بين الشاشة والواقع يجد نفسه موزعًا بين هوية يصوغها بنفسه، وهوية تُفرض عليه عبر آليات السلطة الرقمية. بهذا المعنى، تصبح السياسة الرقمية جزءًا من مشروع إعادة إنتاج الهوية، حيث يتقاطع الفرد مع الجماعة، والذات مع السلطة، في فضاء جديد يُعيد تعريف معنى الانتماء في زمن الشبكة.

الهوية والخيال الرقمي: سرديات الذات والآخر

في زمن الشاشة، لم يعد الإنسان يملك هوية واحدة مستقرة، بل يعيش حالة تفاوض دائم بين صورته الواقعية وصورته الافتراضية. إنّ الهوية الهجينة تُعبّر عن هذا التداخل، حيث تتقاطع التجربة المادية مع التجربة الرقمية لتُنتج ذاتًا مركبة، لا هي ثابتة في الواقع ولا هي منقطعة عن الافتراض. هذه الهوية الجديدة تكشف عن أن الإنسان لم يعد يعيش في فضاء واحد، بل في فضاءات متعددة تتداخل وتتصارع لتُعيد صياغة معنى الانتماء.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الهوية الهجينة باعتبارها مشروعًا مفتوحًا، حيث يُعيد الفرد إنتاج ذاته عبر التفاعل المستمر بين العالمين. فالصورة التي يُقدّمها في الفضاء الرقمي ليست مجرد انعكاس لذاته الواقعية، بل هي سردية جديدة تُضاف إلى تجربته، وتُعيد تشكيل علاقته بالآخرين. هذا التداخل يُنتج حالة تفاوض مستمرة: أي صورة تُعبّر عن الذات؟ وأي انتماء يُحدد الهوية؟ هنا يظهر البعد التحليلي العميق، حيث تتحول الهوية إلى سيرورة لا تنتهي، تُبنى وتُعاد صياغتها في كل لحظة من التفاعل بين الواقع والافتراض.

إنّ الهوية الهجينة ليست أزمة، بل هي انعكاس لتحولات العصر، حيث لم يعد الإنسان محصورًا في جماعة واحدة أو فضاء واحد، بل أصبح موزعًا بين عوالم متعددة تُعيد تشكيله باستمرار. بهذا المعنى، فإنّ الهوية الهجينة تكشف عن عمق التحولات الفكرية والأنثروبولوجية في زمن الشبكة، حيث يصبح الإنسان مشروعًا مفتوحًا للتفاوض بين الذات والآخر، بين الواقع والافتراض، وبين الثبات والتغير.

في الفضاء الرقمي، لا يقتصر حضور الإنسان على إعادة إنتاج ذاته الواقعية، بل يمتد إلى صناعة سرديات جديدة تُبنى على الخيال أكثر مما تُبنى على التجربة الملموسة. إنّ الخيال الرقمي أصبح أداة مركزية في تشكيل الهوية، حيث يُعيد الفرد صياغة نفسه عبر الصور والقصص والرموز التي يختارها ليعرضها أمام الآخرين. هذه السرديات لا تُعبر فقط عن الذات، بل تُعيد أيضًا تعريف العلاقة بالآخر، لتكشف عن أن الهوية في زمن الشبكة ليست مجرد انعكاس، بل مشروع تخييلي يُبنى على التفاعل المستمر بين الواقع والافتراض.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن النظر إلى الخيال الرقمي باعتباره فضاءً لإعادة إنتاج الرموز الثقافية، حيث تتحول الهوية إلى نص مفتوح يُكتب ويُعاد كتابته بلا توقف. فالفرد الذي يختار صورة رمزية أو يشارك قصة شخصية لا يُقدّم ذاته كما هي، بل كما يتخيّلها ويريد أن تُرى. هذا التخييل يُنتج هوية جديدة، تتجاوز حدود الواقع لتعيش في فضاء رمزي يُعيد تشكيل معنى الانتماء.

إنّ هذه السرديات الرقمية تكشف عن جدلية عميقة بين الذات والآخر: فالإنسان لا يكتب نفسه في عزلة، بل في مواجهة جماعة رقمية تُعيد التفاعل مع نصه وتُعيد صياغته. بهذا المعنى، يصبح الخيال الرقمي ليس مجرد إضافة إلى الهوية، بل جزءًا من بنيتها الأساسية، حيث تُبنى الهوية على التفاوض المستمر بين ما هو واقعي وما هو متخيَّل.

إنّ الهوية في زمن الشبكة، إذن، ليست فقط مشروعًا واقعيًا أو افتراضيًا، بل هي أيضًا مشروع تخييلي، يُعيد الإنسان عبره صياغة ذاته والآخر في سرديات جديدة تكشف عن عمق التحولات الفكرية والأنثروبولوجية في عصر الشاشة.

نحو أنثروبولوجيا جديدة للهوية

في نهاية هذا المسار الفكري، يتضح أن الهوية في زمن الشبكة لم تعد مجرد انعكاس للذات الواقعية، بل أصبحت مشروعًا مركبًا يتشكل من التداخل بين العالمين: عالم مادي تُحدده العلاقات الاجتماعية والذاكرة الجمعية، وعالم افتراضي تُعيد صياغته الخوارزميات والطقوس الرقمية. هذا التداخل يُنتج هوية هجينة، تتأرجح بين الثبات والتغير، بين الانتماء والاغتراب، وبين الحضور والغياب.

إنّ الهوية الرقمية ليست امتدادًا بسيطًا للذات، بل هي فضاء مستقل يُعيد تعريف الإنسان في مواجهة الآخر، ويكشف عن أن الذات لم تعد حكرًا على التجربة الواقعية. في المقابل، يُظهر الاغتراب الافتراضي أن هذا الامتداد ليس بلا ثمن، إذ يعيش الفرد حالة من الانفصال بين صورته الرمزية ووجوده الملموس، ليجد نفسه موزعًا بين عالمين لا يكتمل أحدهما دون الآخر.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إنّ الفضاء الرقمي أصبح مختبرًا حيًا لإعادة إنتاج الرموز والمعاني، حيث تتحول الطقوس اليومية إلى طقوس رقمية، وتتحول المشاعر إلى موارد اجتماعية في إطار الاقتصاد العاطفي، وتتحول السلطة إلى سلطة رقمية تُمارس عبر الخوارزميات والسياسات. هذه التحولات تكشف عن أن الهوية لم تعد معطىً طبيعيًا، بل مشروعًا مفتوحًا يُبنى عبر التفاوض المستمر بين الواقع والافتراض.

إنّ ما يطرحه هذا المقال ليس مجرد وصف لظاهرة تقنية، بل دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الهوية والانتماء في زمن الشاشة. فالإنسان لم يعد يعيش في جماعة واحدة أو فضاء واحد، بل أصبح موزعًا بين جماعات متعددة وفضاءات متداخلة تُعيد تشكيله باستمرار. بهذا المعنى، فإنّ الهوية الرقمية والاغتراب الافتراضي يكشفان عن أنثروبولوجيا جديدة للهوية، حيث يصبح الإنسان مشروعًا مفتوحًا للتفاوض بين الذات والآخر، بين الماضي والخيال، وبين الواقع والافتراض.

إنّ السؤال الذي يظل مفتوحًا أمامنا هو: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على توازنه بين هويته الواقعية وهويته الرقمية، بين حضوره المادي ووجوده الرمزي، في عالم لم يعد يعرف حدودًا بين الشاشة والواقع؟

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

صورة أستاذ الفلسفة بين «البيضة والحجر» وIrrational Man

تتأرجح شخصية أستاذ الفلسفة في السينما بين منزلتين: الأستاذ المتشبع بالحكمة والمبادئ، الزاهد في ملذات الحياة، الذي يرى في الحقيقة غاية تستحق التضحية، والأستاذ الذي يستخدم الفلسفة قناعاً يبرر به انحرافه، سواء نحو الدجل والاستغلال، أو نحو الفعل اللاأخلاقي المغلف بمسوغات فكرية.

الأول يعيش من أجل الفلسفة، فيجعلها امتحاناً دائماً لذاته. أما الثاني فيعيش بالفلسفة، فيحوّلها من حيث لا يشعر، إلى وسيلة لتحقيق غايات أخرى. وما إن تصبح الحكمة مهنة حتى يصبح صاحبها عرضة لإغراءات كل المهن: الرغبة في المكانة، والخوف من الفشل، والبحث عن الاعتراف، وإغواء السلطة. عندئذٍ لا يعود السؤال: ما الحقيقة؟ بل يصبح: ما الذي يحقق لي المنفعة والنفوذ؟

هذا التأرجح ليس مجرد حبكة درامية، بل سؤال فلسفي تطرحه السينما على نفسها: هل يمكن للفلسفة أن تخون نفسها؟ ويتجسد هذا السؤال بوضوح في فيلمين: «البيضة والحجر» (1990)، حيث يتحول مستطاع الطعزي من داعية للاستغناء والتحكم في الشهوات إلى دجال يستغل جهل الناس؛ وIrrational Man (2015)، حيث يجد آبي لوكاس «معنى» حياته في التخطيط لجريمة قتل يراها فعلاً عقلانياً وعادلاً.

كلاهما يخون الفلسفة بطريقتين مختلفتين، وكلاهما يطرح السؤال نفسه: هل يمكن للفلسفة أن تتحول من أداة للتحرر إلى مبرر للسقوط؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تتحول إلى خطر؟

هذه الخيانة ليست حدثًا من أحداث التاريخ القديم، ولا مجرد قضية نظرية ناقشها أفلاطون في محاوراته، بل هي بنية تتكرر كلما تحولت المعرفة إلى سلطة، وكلما أصبح التفكير وسيلة لتبرير ما كان ينبغي أن يكون موضوعًا للنقد. ولهذا فإن المتفلسف المعاصر ليس نسخة من السوفسطائي القديم، بل امتداده في عالم أكثر تعقيدًا، عالم لا تُباع فيه البلاغة وحدها، بل تُباع أيضًا الشرعية الأخلاقية، ويُسوَّق فيه الوهم بلغة العقل.

مستطاع الطعزي... حين استُبدلت الحقيقة باليقين

لا يقدم فيلم «البيضة والحجر» مستطاع الطعزي دجالاً منذ البداية، بل يقدمه على النقيض تماماً: أستاذاً للفلسفة يؤمن بأن وظيفة الفكر هي تحرير الإنسان من أوهامه. عبارته الشهيرة «ويل للعالم لو انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون» ليست حكمة عابرة، بل إعلان عن المبدأ الذي ينظم حياته كلها.

غير أن الفيلم لا يواجهه بأفكار مضادة، بل بواقع لا يكافئ الأفكار. يفصل من عمله، ويعاني الفقر، ويكتشف أن المجتمع الذي يدعو إلى العقل لا يمنح العقل مكانة. وهنا يبدأ الانحراف الأول: في ثقته بأن العالم لا يستجيب لما يؤمن به.

وتأتي اللحظة الحاسمة حين يكتشف أن الناس لا يبحثون عما هو صحيح، بل عما يبدد خوفهم. حين ينجح في علاج أحدهم بقوة الإيحاء، لا يكتشف حقيقة جديدة عن النفس، بل يكتشف فعالية الوهم. فيحتفظ بكل ما تعلمه من الفلسفة عن آليات الاعتقاد، ثم يعيد توظيفه في الاتجاه المعاكس. إنه لا يستبدل العقل بالخرافة، بل يجعل العقل خادماً لها. وهكذا ينتقل من الحقيقة إلى المنفعة، ومن التنوير إلى السيطرة.

آبي لوكاس... حين أصبح العقل محاميًا عن الرغبة

اذا كان مستطاع قد اكتشف أن الوهم أكثر نفوذاً من الحقيقة، فإن آبي لوكاس يكتشف أمراً أخطر: أن العقل نفسه قادر على منح الوهم شرعية أخلاقية.

يستمد فيلم Irrational Man عنوانه من كتاب ويليام باريت الصادر عام 1958، الذي قدّم الوجودية إلى العالم الناطق بالإنجليزية. وفيه يميّز باريت بين نزعتين في الحضارة الغربية: النزعة الهيلينية العقلانية المجردة، والنزعة العبرية الحيوية التي تهتم بالقلق والحرية والموت. والوجودية، في نظره، تنتمي إلى الثانية، فهي فلسفة الإنسان بكامله لا فلسفة التجريد.

وقصة الفيلم تبدأ عندما يصل آبي إلى الجامعة مثقلاً بإرهاق وجودي عميق. يصف كثيراً من الجدل الفلسفي بأنه «استمناء لفظي»، لا لأنه يجهل الفلسفة، بل لأنه فقد الإيمان بقدرتها على منح الحياة معنى. عدميته ليست فكرة مجردة، بل نتيجة صدمات متراكمة: انتحار أمه وهو في الثانية عشرة، خيانة زوجته وصديقه، ومقتل صديق عزيز. وهكذا يصل إلى لحظة انحرافه وهو محمّل بفشل وجودي ثقيل، تماماً كما وصل مستطاع مثقلاً بالطرد والفقر وسخرية المجتمع.

في لحظة تبدو عابرة، يسمع مع طالبته جيل امرأة تشكو ظلم قاضٍ يهدد بانتزاع أطفالها. تستقر الفكرة في ذهنه: ماذا لو أُزيل هذا الرجل؟ ألن يكون العالم أكثر عدلاً؟

منذ تلك اللحظة يتحول القتل في وعيه من جريمة إلى مشروع أخلاقي. يبدأ العقل في أداء وظيفة جديدة: لا البحث عن حقيقة الفعل، بل البحث عن أفضل الحجج التي تجعله مقبولاً. وهكذا تتحول الفلسفة من سلطة تحاكم الرغبة إلى جهاز يبررها. إن آبي لا يبحث عن الحقيقة، بل عن المبررات. فيصبح نموذجاً للمتفلسف المنحرف الذي يعيد تفسير الأخلاق بما يخدم رغبته، ويستخدم العقل لإسكات الضمير بدلاً من إيقاظه.

واللافت أن آبي، بعد اتخاذه قرار القتل، يستعيد حيويته ونشاطه. غير أن هذه الحيوية ليست دليلاً على أنه وجد المعنى، بل على أنه وجد بديلاً عنه. لقد امتلأ الفراغ الوجودي بمشروع يمنحه شعوراً بالقوة، لكنه لا يمنحه سلاماً داخلياً. وهنا يلتقي مع مستطاع عند النقطة ذاتها: كلاهما ملأ فراغه بما هو أخطر من الفراغ نفسه.

المتفلسف المنحرف... الوريث الحديث للسوفسطائي

كان أفلاطون يدرك أن الخطر الحقيقي على الفلسفة لا يأتي من أعدائها، بل من أولئك الذين يتحدثون باسمها. ولهذا لم يكن السوفسطائي، في نظره، مجرد معلم للبلاغة أو بائع للخطابة، بل كان منافسًا للفيلسوف على المجال نفسه؛ كلاهما يتحدث عن العدالة والفضيلة والحقيقة، غير أن الأول يجعلها غايةً للحياة، بينما يحولها الثاني إلى أدوات للنجاح والإقناع. ومن هنا لم يكن من السهل على العامة أن يميزوا بينهما، لأن الاختلاف لم يكن في اللغة، وإنما في الغاية التي تخدمها تلك اللغة.

هذه البنية القديمة لم تختف مع نهاية أثينا، بل عادت بأشكال جديدة. فالمتفلسف المعاصر لا يشبه السوفسطائي في مظهره، بل في وظيفته. إنه لا يبيع البلاغة كما كان يفعل أسلافه، وإنما يبيع الشرعية. يستشهد بكانط حين يحتاج إلى سلطة الأخلاق، ويقتبس نيتشه حين يريد تبرير التمرد، ويستدعي الوجودية حين يبحث عن مخرج من المسؤولية، ويستعير لغة الحرية ليمنح رغباته هيئة المبادئ. إنه لا يختلق الأفكار، بل يعيد توظيفها خارج سياقها، حتى تصبح الفلسفة مخزنًا للمبررات بدل أن تكون مدرسة للمساءلة.

وهنا يكمن الفرق الحاسم بين الفيلسوف والمتفلسف المنحرف. فالفيلسوف يغيّر حياته لكي تصبح أكثر انسجامًا مع أفكاره، أما المتفلسف المنحرف فيعيد تأويل أفكاره لكي تصبح أكثر انسجامًا مع حياته. الأول يجعل الفكر معيارًا يحاكم به نفسه، أما الثاني فيجعل الفكر محاميًا يتولى الدفاع عن اختياراته. ولذلك لا تكمن خطورته في جهله، بل في ثقافته؛ لأنه يعرف من النصوص ما يكفي ليمنح انحرافه مظهرًا من العمق الفكري.

ومن هذا المنظور، لا يعود مستطاع الطعزي وآبي لوكاس مجرد شخصيتين متوازيتين، بل صورتين مختلفتين للبنية نفسها. فمستطاع لا يخدع الناس بالخرافة وحدها، بل بمعرفته الدقيقة بآليات الاعتقاد، فيستخدم فهمه للنفس البشرية ليمنح الوهم قوة الحقيقة. أما آبي فلا يلجأ إلى السحر ولا إلى الأسطورة، وإنما إلى الفلسفة ذاتها، فيعيد ترتيب الحجج الأخلاقية حتى تبدو الجريمة فعلًا عقلانيًا. يختلفان في الوسيلة، لكنهما يلتقيان في الجوهر: كلاهما يستخدم المعرفة لا لاكتشاف الحقيقة، بل لتبرير قرار سبق أن اتخذه.

وهذا هو الإرث الحقيقي للسوفسطائية في العصر الحديث. فالسوفسطائي لم يعد يقف في ساحة أثينا ليعلّم فن الإقناع، بل قد يقف اليوم في مدرج جامعي، أو يكتب مقالًا، أو يظهر في شاشة تلفزيونية، أو يتحدث بلغة النقد والتنوير. إن الخطر لم يعد في الخطابة، بل في القدرة على إضفاء الشرعية الفكرية على الرغبات والمصالح والأهواء. ولهذا فإن المتفلسف المنحرف الحديث أخطر من السوفسطائي القديم؛ لأن أدواته أكثر دقة، ومعرفته أوسع، وقدرته على إخفاء دوافعه أشد إحكامًا.

غير أن هذا كله لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إدانة للفلسفة، بل دفاعًا عنها. فالفلسفة لا تنتج المتفلسفين، كما أن الطب لا ينتج المزورين، والقانون لا ينتج الظالمين. وإنما تكشف هذه النماذج أن المعرفة، مهما بلغت من العمق، لا تغني عن النزاهة الأخلاقية. فحين تنفصل الفلسفة عن الحياة، تتحول إلى مهارة عقلية يمكن استخدامها في الاتجاهين معًا: في تحرير الإنسان، أو في تبرير سقوطه.

ولعل هذه هي المفارقة التي تكشفها الشخصيتان معًا. فكلاهما يبدأ حياته مؤمنًا بأن الفكر قادر على تغيير العالم، وينتهي إلى استخدام الفكر من أجل تغيير صورة نفسه أمام ضميره. وما كان وسيلةً لتحرير الذات أصبح وسيلةً لخداعها، وما كان طريقًا إلى الحقيقة تحول إلى تقنية لإنتاج الوهم. وهنا لا يموت الفيلسوف، بل يولد المتفلسف؛ ذلك الإنسان الذي يحتفظ بكل لغة الحكمة، بعد أن يفقد حكمة الحياة نفسها.

خاتمة

تكشف رحلة مستطاع وآبي أن أخطر ما يصيب الفلسفة ليس جهل الناس بها، ولا عداء السلطة، بل أن تتحول من أسلوب حياة إلى لغة تبرير. حين ينفصل الفكر عن الوجود، لا يبقى من الفلسفة سوى مفرداتها، بينما تتسلل إليها الرغبة في السلطة أو المال أو المجد، متخفية في هيئة مفاهيم تبدو عقلانية.

كما يمكننا في الأخير ان نصل إلى تعريف دقيق لـ"المتفلسف المنحرف ": إنه شخص يستخدم الفلسفة لخداع نفسه أولاً قبل أن يخدع الآخرين وإذا كان مستطاع الطعزي في 'البيضة والحجر' يتحول إلى دجال يبيع الوهم للفقراء، فإن آبي لوكاس في Irrational Man يقدم نموذجاً أكثر تعقيداً: إنه المتفلسف الذي يبيع الوهم لنفسه أولاً. يصفه أحد النقاد بأنه 'ليس صوت الفلسفة' في الفيلم، بل هو 'المظهر' الذي يتناقض مع 'الحقيقة'. إنه يُدرّس كانط لكنه يقتل. يتحدث عن الأخلاق لكنه يبرر الجريمة. يستخدم لغة الفلسفة ('القاضي رجل سيء، العالم سيكون أفضل بدونه')، لكن دوافعه الحقيقية، كما يلاحظ ناقد آخر، عاطفية تماماً: الرغبة في استعادة الفحولة والشعور بالقوة. وكما أن مستطاع واجه 'صديق الحكمة' الذي ظل وفياً للمبادئ، يواجه آبي تلميذته جيل التي تختار 'المعرفة على الخيال'، وتشعر بالاشمئزاز حين تكتشف حقيقة أستاذها. في كلا الفيلمين، هناك شخصية تمثل صوت الفلسفة الحقيقي، الذي يرفض الانحراف ويحكم على المتفلسف."

ان المأساة الحقيقية لا تكون عندما يختفي الفلاسفة من جامعاتنا، بل تبدأ عندما يبقى أساتذة الفلسفة فيها بعد أن تغادرهم الفلسفة. فالحكمة لا تموت يوم تُحذف من المناهج، وإنما تموت يوم تتحول إلى خطاب يبرر ما كان ينبغي أن يدينه. ولذلك يبقى السؤال الذي يتركه لنا مستطاع وآبي معًا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف نحمي الفلسفة... من المتفلسفين؟

***

عمرون علي

بين التحولات الاجتماعية ورهانات التنمية.. قراءة سوسيولوجية في مجتمع يتطلع إلى المستقبل

على سبيل الافتتاح: تعتبر ظاهرة الهجرة غير النظامية من أكثر الظواهر الاجتماعية تعقيدا في عالم اليوم، بالنظر إلى ارتباطها بمجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعرفها المجتمعات المعاصرة. فلم تعد الهجرة مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل أصبحت تعبيرا عن تداخل عوامل متعددة تتعلق بطموحات الأفراد، وتصوراتهم حول المستقبل، وتأثير التحولات العالمية في أنماط التفكير والعيش.

وقد شكلت الهجرة غير النظامية موضوعا مركزيا في الدراسات السوسيولوجية والقانونية الحديثة، باعتبارها ظاهرة تتجاوز بعدها القانوني المرتبط بمخالفة أنظمة الدخول والإقامة، لتصبح قضية اجتماعية وإنسانية وتنموية ترتبط بمسائل الإدماج والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. ولذلك فإن فهمها يقتضي تجاوز القراءات الاختزالية التي تفسرها بعامل واحد، والانفتاح على تحليل مركب يراعي مختلف السياقات المنتجة لها.

وفي السياق المغربي، تكتسي هذه الظاهرة خصوصية مرتبطة بالتحولات العميقة التي عرفتها المملكة خلال العقود الأخيرة، حيث انتقل المغرب من مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار إلى مرحلة جديدة عنوانها تسريع التنمية، وتعزيز البنيات الاقتصادية والاجتماعية، والانفتاح على رهانات التكنولوجيا والاستثمار والابتكار. فقد شهد المغرب أوراشا كبرى مست مختلف المجالات، من البنيات التحتية إلى تعميم الحماية الاجتماعية، ومن إصلاح المنظومة الصحية إلى تطوير التعليم والتكوين، إضافة إلى مشاريع تنموية كبرى تهدف إلى تقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إن المغرب اليوم ليس هو مغرب العقود السابقة؛ فهو بلد يعرف دينامية اقتصادية ومؤسساتية متواصلة، ويقدم نموذجا يقوم على الاستقرار السياسي، والتماسك الاجتماعي، والانخراط في مسار تنموي يجعل الإنسان محورا أساسيا للسياسات العمومية. ومن هنا فإن قراءة بعض مظاهر الهجرة غير النظامية ينبغي أن تتم ضمن هذا السياق المتحول، بعيدا عن الصور النمطية أو الخطابات التي تختزل المجتمع المغربي في مشاهد محدودة ومعزولة.

لقد أثارت بعض الأحداث المرتبطة بمحاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة نقاشا واسعا داخل المجتمع المغربي، باعتبارها ظاهرة تحمل أبعادا اجتماعية وأمنية وإنسانية. غير أن المقاربة العلمية تقتضي التعامل معها بمنطق التحليل الهادئ، وعدم تحويلها إلى مدخل لزرع الإحباط أو التشكيك في مسار وطن بأكمله. فالمجتمعات، مهما بلغت درجة تقدمها، تعرف دائما مظاهر اجتماعية تحتاج إلى معالجة، كما أن بعض القضايا قد تتحول أحيانا إلى مجال للاستغلال من طرف جهات تسعى إلى خلق التوتر أو المساس بصورة الاستقرار الوطني.

إن قوة المغرب لا تكمن في غياب التحديات، وإنما في قدرته على مواجهتها عبر مؤسسات الدولة، والحوار المجتمعي، والسياسات العمومية، وروح المواطنة التي تميز المغاربة في ارتباطهم بتاريخهم وهويتهم ومؤسساتهم الدستورية. فالعلاقة بين المواطن ووطنه ليست علاقة ظرفية، بل هي علاقة تاريخية وحضارية تقوم على الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.

وفي هذا الإطار، فإن المغاربة الذين يكنون مشاعر الوفاء لبلدهم ولملكهم محمد السادس يدركون أن بناء المستقبل مسؤولية جماعية، وأن مواجهة التحديات الاجتماعية لا تكون بنشر اليأس، وإنما بتعزيز الثقة في الوطن، ودعم مسار التنمية، والانخراط الإيجابي في بناء مغرب أكثر عدلا وازدهارا.

وتنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الهجرة غير النظامية لا يمكن فهمها فقط باعتبارها خرقا للقانون، بل باعتبارها ظاهرة اجتماعية مركبة تحتاج إلى تحليل موضوعي يوازن بين الاعتراف بالتحديات القائمة، واستحضار التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب في مساره التنموي.

الإشكالية المركزية للدراسة:

تنبني هذه الدراسة على إشكالية رئيسية مفادها، كيف يمكن فهم ظاهرة الهجرة غير النظامية في المغرب في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى التي يعرفها المجتمع المغربي؟ وهل تعكس هذه الظاهرة أزمة بنيوية في مسار التنمية، أم أنها تعبير عن تحولات اجتماعية عالمية مرتبطة بتغير تطلعات الأفراد وصورهم المتخيلة عن المستقبل؟

إن مقاربة هذه الإشكالية تستدعي تجاوز النظرة الأحادية التي تختزل الهجرة غير النظامية في الفقر أو البطالة فقط، لأن الظواهر الاجتماعية الكبرى لا تنتجها علة واحدة، بل تتشكل داخل شبكة معقدة من العوامل المتداخلة، تشمل التحولات الديموغرافية، وتغير أنماط الاستهلاك، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتحول صورة النجاح الاجتماعي، إضافة إلى انتشار تمثلات جديدة حول الهجرة باعتبارها طريقا سريعا لتحقيق الارتقاء الاقتصادي والاجتماعي.

لقد أصبح العالم المعاصر فضاء مفتوحا لتداول الصور والمعلومات والتجارب، وهو ما جعل الفوارق بين المجتمعات أكثر حضورا في الوعي الجماعي للأفراد، خاصة لدى فئة الشباب. فالشاب اليوم لا يقارن واقعه فقط بواقع محيطه المباشر، بل يقارنه أيضا بصور نمطية عن مجتمعات أخرى تقدمها وسائل الإعلام والمنصات الرقمية. ومن هنا تتحول الهجرة، في بعض الحالات، من قرار اقتصادي عقلاني إلى حلم اجتماعي ورمزي يحمل وعودا بالخلاص وتحقيق الذات.

غير أن التحليل السوسيولوجي الرصين يقتضي التمييز بين وجود بعض الاختلالات الاجتماعية التي تعرفها كل المجتمعات وبين اختزال مجتمع بأكمله في هذه الاختلالات. فالمغرب، شأنه شأن مختلف الدول الصاعدة، يعيش مرحلة انتقالية تعرف في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بالتنمية وانتظارات اجتماعية متزايدة، إلى جانب دينامية إصلاحية ومشاريع استراتيجية تهدف إلى بناء نموذج تنموي أكثر شمولا.

أهداف الدراسة:

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف العلمية والمعرفية، واعل من أبرزها ما يأتي:

 تحليل الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة اجتماعية مركبة، تتجاوز بعدها القانوني لتلامس قضايا الهوية والانتماء والانتظارات الفردية والجماعية تجاه المستقبل.

 الكشف عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة، خاصة في ما يتعلق بتغير البنية الاجتماعية، وصعود تطلعات جديدة لدى الشباب، وتأثير العولمة في أنماط التفكير والاختيارات الفردية.

 إبراز العلاقة بين التنمية والهجرة، من خلال دراسة أثر السياسات العمومية والمشاريع التنموية في تحسين شروط العيش، وتقليص الفوارق، وخلق فرص جديدة للإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

 تفكيك بعض الخطابات الاختزالية التي تقدم الهجرة غير النظامية باعتبارها دليلا على فشل شامل، وإعادة وضع الظاهرة ضمن سياقها الوطني والدولي المعقد.

التأكيد على أن بناء المستقبل الوطني لا يتحقق فقط عبر المؤسسات، بل يحتاج كذلك إلى وعي مجتمعي يوازن بين نقد الإشكالات القائمة والاعتزاز بالمكتسبات المحققة.

أهمية الدراسة:

تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول موضوعا يقع عند تقاطع مجموعة من الحقول المعرفية، علم الاجتماع، والدراسات التنموية، والعلوم السياسية، ودراسات الشباب والتحولات الثقافية.

فالهجرة غير النظامية لم تعد مجرد قضية حدودية أو أمنية، بل أصبحت مؤشرا على طبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة، وعلى كيفية تشكل انتظارات الأجيال الجديدة داخل عالم سريع التحول.

كما تكتسي الدراسة أهمية خاصة في السياق المغربي الراهن، بالنظر إلى التحولات العميقة التي يعرفها المغرب على مستويات متعددة. فقد انتقلت المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة إلى مرحلة جديدة من البناء التنموي، تقوم على تعزيز البنية التحتية، وتطوير الاقتصاد الوطني، وتشجيع الاستثمار، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وإعادة التفكير في علاقة الدولة بالمجال والمواطن.

إن هذه التحولات لا تعني غياب التحديات، لأن التنمية مسار مستمر وليس لحظة مكتملة، لكنها تؤكد أن المجتمع المغربي يعيش مرحلة إعادة تشكيل لمقوماته الاقتصادية والاجتماعية، وأن معالجة الظواهر الاجتماعية لا تتم بمنطق التشاؤم أو الإنكار، وإنما عبر قراءة واقعية تجمع بين تشخيص الإكراهات وتثمين المنجزات.

الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة اجتماعية في زمن التحولات الكبرى: تؤكد المقاربات السوسيولوجية الحديثة أن الهجرة ليست مجرد حركة انتقال للأفراد عبر الحدود، بل هي ظاهرة تكشف عن طبيعة العلاقة بين الإنسان والمجال والزمن والمستقبل. فالمهاجر لا يغادر مكانه فقط بسبب ظروف مادية، وإنما يحمل معه تصورا معينا عن الحياة الأفضل، وعن المكان الذي يعتقد أنه قادر على تحقيق طموحاته داخله.

ومن هذا المنظور، تصبح الهجرة غير النظامية جزءا من ظاهرة أوسع يمكن تسميتها " بـهجرة التطلعات " ، حيث لا يرتبط القرار دائما بالحرمان المطلق، بل أحيانا بالفجوة بين ما يطمح إليه الفرد وما يعتقد أنه متاح له في بيئته الحالية.

وقد ساهمت التحولات الرقمية في إعادة تشكيل الوعي بالهجرة، إذ أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تقدم صورا منتقاة عن الحياة في الخارج، مما يخلق أحيانا تمثلات غير واقعية حول المجتمعات المستقبلة. فالفرد قد يرى مظاهر الرفاه والاستهلاك، لكنه لا يرى بالضرورة الصعوبات المرتبطة بالاندماج، أو شروط العمل، أو التحديات الثقافية والنفسية التي تواجه العديد من المهاجرين.

ومن هنا فإن مواجهة الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن تقتصر على المقاربة الأمنية، رغم أهميتها في حماية الحدود وتنظيم المجال، بل تحتاج كذلك إلى مقاربة اجتماعية وثقافية وتربوية تعمل على بناء الثقة، وتعزيز الوعي بالفرص المتاحة، وربط الشباب بمشاريع التنمية داخل وطنهم.

 المغرب والتحول من منطق بناء المؤسسات إلى رهانات التنمية الاجتماعية والاقتصادية:

إن فهم ظاهرة الهجرة غير النظامية في السياق المغربي يقتضي وضعها داخل إطار تاريخي وتحليلي أوسع، لأن المغرب خلال العقود الأخيرة لم يعرف مجرد تغيرات جزئية أو إصلاحات قطاعية محدودة، بل عاش مسارا عميقا من التحول المؤسساتي والاجتماعي والاقتصادي أعاد تشكيل موقع الدولة وعلاقتها بالمجتمع.

فالمغرب المعاصر هو ثمرة مسار طويل من بناء الدولة وترسيخ مقومات الاستقرار المؤسساتي، حيث انتقلت المملكة المغربية تدريجيا من مرحلة تثبيت أسس الدولة الحديثة بعد الاستقلال إلى مرحلة جديدة تقوم على تعزيز التنمية الشاملة، وتطوير البنيات الاقتصادية والاجتماعية، والانفتاح على التحولات العالمية.

وقد شكلت بداية العهد الجديد محطة مفصلية في هذا المسار، إذ تم اعتماد رؤية تنموية تقوم على جعل الإنسان في صلب السياسات العمومية، والانتقال من مقاربة تقوم فقط على تدبير الحاجات الأساسية إلى مقاربة استراتيجية تستهدف تحسين جودة الحياة، وتقوية العدالة الاجتماعية، وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني.

إن التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة تؤكد أن التنمية ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يشمل مختلف مجالات الحياة. فقد شهدت المملكة أوراشا كبرى همت تحديث البنيات التحتية، وتوسيع شبكة الطرق والموانئ والمطارات، وتعزيز مكانتها كقطب اقتصادي إقليمي، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالطاقات المتجددة والصناعة والتكنولوجيا والرقمنة.

كما شكل ورش تعميم الحماية الاجتماعية محطة تاريخية في إعادة تعريف علاقة الدولة بالمواطن، باعتباره انتقالا نحو نموذج اجتماعي أكثر شمولا، يهدف إلى تقليص مظاهر الهشاشة وتوسيع الاستفادة من الخدمات الأساسية. فالدولة الاجتماعية لا تعني فقط تقديم الدعم، وإنما بناء منظومة متكاملة تضمن الكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص.

غير أن القراءة السوسيولوجية لهذه التحولات تفرض الاعتراف بأن التنمية، مهما بلغت سرعتها، لا تلغي بشكل فوري جميع التفاوتات أو الانتظارات الاجتماعية. فكل مجتمع يعيش مرحلة انتقالية يعرف بالضرورة وجود فجوة بين التحولات المؤسساتية الكبرى وبين الإحساس اليومي لبعض الفئات الاجتماعية بثمار هذه التحولات.

وهنا تكمن أهمية التحليل العلمي للهجرة غير النظامية؛ إذ لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حكمًا نهائيا على تجربة تنموية بأكملها، بل باعتبارها مؤشرا اجتماعيا يكشف عن استمرار وجود انتظارات جديدة لدى فئات معينة، خصوصا الشباب الذين أصبحوا يعيشون في عالم مفتوح تتسارع فيه المقارنات وتتغير فيه معايير النجاح الاجتماعي.

فالشباب المغربي اليوم لا يواجه فقط تحديات مرتبطة بسوق الشغل أو التكوين، بل يواجه كذلك تحولات ثقافية عميقة غيرت علاقته بالزمن والمستقبل. فقد أصبح المستقبل بالنسبة إلى جزء من الشباب مجالا للتوقع والبحث عن فرص أفضل، وهو أمر تشترك فيه مجتمعات عديدة تعرف مستويات مختلفة من التنمية.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة الهجرة غير النظامية لا تكون بإنكار التحديات الاجتماعية، كما لا تكون بتقديم صورة قاتمة عن الواقع الوطني، وإنما عبر بناء رؤية متوازنة تعترف بما يحتاج إلى إصلاح، وتثمن في الوقت ذاته ما تحقق من مكتسبات.

إن قوة التجربة المغربية تكمن في قدرتها على الجمع بين الاستمرارية والتجديد؛ فالدولة التي استطاعت الحفاظ على استقرارها المؤسساتي والاجتماعي في محيط إقليمي ودولي مليء بالتحديات، هي دولة تمتلك رصيدا استراتيجيا يسمح لها بمواصلة مسار الإصلاح والتنمية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة باعتبارها عنصرا أساسيا في بناء التنمية. فالمجتمعات لا تتقدم فقط بما تملكه من موارد مادية، وإنما بما تمتلكه من رأسمال رمزي واجتماعي يتمثل في الثقة والانتماء والشعور بالمشاركة في مشروع جماعي للمستقبل.

ومن هنا يمكن القول إن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في الحد من الهجرة غير النظامية، بل في بناء مجتمع يجعل الشباب يرى إمكانات المستقبل داخل وطنه، ويعتبر التنمية مشروعا جماعيًا يمكنه أن يكون جزءا فاعلا فيه.

 الشباب المغربي بين طموح المستقبل وضغط التحولات العالمية:

يشكل الشباب محورا أساسيا في فهم ظاهرة الهجرة غير النظامية، ليس فقط باعتبارهم الفئة الأكثر حضورا في هذه الظاهرة، وإنما باعتبارهم أيضا الفئة الاجتماعية الأكثر تأثرا بالتحولات الكبرى التي يعرفها العالم المعاصر. فالشباب اليوم يعيشون في فضاء مفتوح تتداخل فيه المحلي بالعالمي، وتتغير فيه بسرعة تصورات النجاح والاندماج وتحقيق الذات.

إن الشاب المغربي، مثل غيره من شباب العالم، لم يعد يعيش داخل حدود مجاله الجغرافي فقط، بل أصبح جزءا من مجتمع عالمي تتدفق داخله الصور والأفكار والتجارب عبر وسائل الاتصال الحديثة. فقد ساهمت الثورة الرقمية في تغيير علاقة الإنسان بالمكان، وأصبح الفرد قادرا على مقارنة واقعه اليومي بصور متعددة عن أنماط الحياة في مجتمعات أخرى.

ومن هنا ظهرت ظاهرة يمكن تسميتها "بهجرة التطلعات"، حيث لا يكون الدافع إلى الهجرة مرتبطا دائما بالفقر أو الحرمان المباشر، بل قد يكون نتيجة فجوة رمزية بين ما يعيشه الفرد وما يتخيله ممكنا في مكان آخر. فبعض الشباب لا يهاجرون فقط بحثا عن العمل، وإنما بحثا عن الاعتراف الاجتماعي، وعن تحقيق صورة معينة للنجاح أصبحت مرتبطة في المخيال الجماعي بالوصول إلى الضفة الأخرى.

غير أن هذه التطلعات لا تنشأ في فراغ، بل تتأثر بسياق عالمي يعرف تحولات عميقة. فالعولمة الاقتصادية والثقافية جعلت الحدود بين المجتمعات أكثر انفتاحا على مستوى التمثلات، لكنها في الوقت نفسه عمقت الإحساس بالفوارق بين مناطق العالم. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: فالعالم أصبح أكثر اتصالا، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر عدالة في توزيع الفرص.

ومن منظور سوسيولوجي، فإن الهجرة غير النظامية تعكس أحيانا أزمة في تمثّل المستقبل أكثر مما تعكس أزمة في الواقع المادي فقط. فحين يفقد الشاب الثقة في إمكانية تحقيق طموحه داخل محيطه، تصبح الهجرة في وعيه خيارا رمزيا لاستعادة الأمل، حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر.

ولهذا فإن معالجة هذه الظاهرة تقتضي بناء سياسات عمومية لا تركز فقط على توفير فرص الشغل، رغم أهمية ذلك، بل تعمل كذلك على بناء ثقافة الثقة، وإبراز قصص النجاح داخل الوطن، وتعزيز الإحساس بأن المشاركة في التنمية الوطنية يمكن أن تكون طريقا لتحقيق الذات.

لقد أدرك المغرب أهمية هذا الرهان، لذلك أصبح الاستثمار في الشباب أحد المحاور الأساسية في السياسات العمومية، سواء عبر تطوير منظومة التكوين، وتشجيع ريادة الأعمال، ودعم المبادرات الفردية والجماعية، أو عبر خلق فضاءات جديدة للإبداع والابتكار.

فالرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في منع الشباب من الهجرة، وإنما في جعل الوطن فضاء قادرا على احتضان طموحاتهم. فالمواطنة في معناها العميق ليست مجرد علاقة قانونية بين الفرد والدولة، بل هي أيضا شعور بالانتماء والمشاركة والإيمان بأن المستقبل المشترك قابل للبناء.

الهجرة غير النظامية بين الواقع الاجتماعي ومحاولات توظيف الظاهرة:

إن بعض الأحداث المرتبطة بمحاولات الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة كشفت عن تعقيد الظاهرة، لأنها لم تعد مجرد حالات فردية متفرقة، بل أصبحت في بعض الأحيان مشاهد جماعية تحمل أبعادا اجتماعية ونفسية وإعلامية متعددة.

فالتحليل العلمي لهذه الأحداث يفرض الابتعاد عن القراءات الانفعالية أو الاختزالية، لأن الظواهر الاجتماعية الكبرى لا يمكن تفسيرها من زاوية واحدة. فهناك البعد الاقتصادي المرتبط بالبحث عن فرص أفضل، وهناك البعد النفسي المرتبط بصورة المستقبل، وهناك كذلك البعد الإعلامي الذي قد يضخم بعض المشاهد ويحولها إلى رموز تتجاوز حجمها الواقعي.

ومن المهم هنا التأكيد على أن معالجة هذه الأحداث لا ينبغي أن تتحول إلى تشويه لصورة المجتمع المغربي أو تقديمه باعتباره مجتمعا يعيش انسدادا شاملا. فكل المجتمعات، بما فيها الأكثر تقدما، تعرف ظواهر اجتماعية معقدة مرتبطة بالهجرة أو البطالة أو التفاوتات، والفرق يكمن في قدرة المؤسسات على التعامل معها ضمن رؤية إصلاحية.

إن المغرب، باعتباره بلدا عرف تاريخيا تداخلا بين الهجرة والاستقرار والتحولات الاجتماعية، يتعامل مع هذه القضايا داخل إطار مؤسساتي يجمع بين حماية الحدود، واحترام البعد الإنساني، ومعالجة الأسباب الاجتماعية العميقة.

كما أن بعض الظواهر قد تصبح أحيانا مجالا للاستغلال الإعلامي أو السياسي من طرف جهات تسعى إلى تقديم صورة سلبية عن بلد يعرف في الواقع مسارا تنمويا متواصلا. لذلك فإن القراءة المتوازنة تقتضي التمييز بين نقد ظاهرة اجتماعية معينة وبين الحكم على وطن بأكمله من خلال مشهد جزئي.

إن المغرب لا ينكر وجود تحديات اجتماعية، بل يجعل من الاعتراف بها مدخلا للإصلاح، غير أن الاعتراف بالتحديات لا يعني تجاهل المنجزات، كما أن النقد البناء لا يتعارض مع الاعتزاز بالمكتسبات الوطنية.

الاستقرار الوطني والهوية الجماعية كرأسمال اجتماعي في بناء المستقبل المغربي:

يرى علم الاجتماع السياسي أن استقرار الدول لا يقوم فقط على قوة مؤسساتها أو على حجم مواردها الاقتصادية، وإنما يرتكز كذلك على ما يسمى بالرأسمال الاجتماعي، أي ذلك الرصيد المتراكم من الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، والإحساس بالانتماء، والالتفاف حول الثوابت الجامعة، بما يجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتحولات.

وفي الحالة المغربية، يكتسب هذا الرأسمال الاجتماعي خصوصية تاريخية وحضارية، إذ تشكلت الدولة المغربية عبر قرون من الاستمرارية المؤسساتية، واستطاعت أن تحافظ على تماسكها رغم التحولات الإقليمية والدولية التي عرفتها المنطقة. وقد أسهم هذا الامتداد التاريخي في ترسيخ شعور جماعي بالانتماء، يقوم على وحدة الأرض والهوية، وعلى ارتباط المغاربة بمؤسساتهم الوطنية ورموزهم الجامعة.

ولا يعني هذا الطرح أن المجتمع المغربي يخلو من التحديات أو من مظاهر التفاوت الاجتماعي، فذلك أمر تعرفه جميع المجتمعات. غير أن ما يميز التجارب الناجحة هو قدرتها على تدبير هذه التحديات داخل إطار مؤسساتي يحافظ على الاستقرار ويضمن استمرارية الإصلاح.

ومن هذا المنطلق، فإن الاستقرار ليس حالة جامدة أو شعارا سياسيا، بل هو شرط بنيوي لأي مشروع تنموي. فلا استثمار دون أمن، ولا تنمية دون مؤسسات مستقرة، ولا عدالة اجتماعية دون دولة قادرة على التخطيط وتنفيذ السياسات العمومية ومواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

وقد برهنت التجربة المغربية، خلال العقود الأخيرة، على أن الإصلاح التدريجي في ظل الاستقرار يمكن أن يحقق نتائج مهمة في مجالات متعددة، من تحديث البنيات التحتية، إلى تعزيز الحماية الاجتماعية، وجذب الاستثمارات، والانفتاح على الصناعات الجديدة، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي. وهي أوراش تعكس إرادة متواصلة لبناء نموذج تنموي أكثر قدرة على الاستجابة لانتظارات المجتمع.

وفي هذا السياق، تبرز المؤسسة الملكية باعتبارها أحد العناصر المركزية في ضمان استمرارية الدولة ووحدة مؤسساتها. فمن منظور علم الاجتماع السياسي، تؤدي المؤسسات الدستورية الجامعة دورا في تحقيق التوازن بين الاستقرار والإصلاح، وفي تأطير التحولات الكبرى ضمن رؤية بعيدة المدى. وقد عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة إطلاق مبادرات وإصلاحات هيكلية في مجالات التنمية الاقتصادية، والحماية الاجتماعية، وتحديث الإدارة، وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية للمملكة، في إطار هذا المسار المؤسساتي.

ومن ثم، فإن تعزيز الثقة في المؤسسات لا يتعارض مع النقد المسؤول، بل إن المجتمعات الديمقراطية تجعل من النقد الموضوعي أداة لتطوير السياسات العمومية وتحسين الأداء، بعيدا عن خطابات التهويل أو التشكيك الشامل التي قد تضعف الثقة المجتمعية دون أن تقدم بدائل واقعية.

إن الدفاع عن الاستقرار الوطني، في هذا الإطار، لا يعني إنكار الصعوبات أو التقليل من شأنها، وإنما يعني الوعي بأن الإصلاح الحقيقي يتم من داخل المجتمع ومؤسساته، وبمشاركة مختلف الفاعلين، في إطار احترام القانون والحوار والمسؤولية المشتركة.

ولذلك، فإن مواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية تقتضي ترسيخ ثقافة المواطنة الإيجابية، وتعزيز الثقة في المستقبل، وربط الأجيال الصاعدة بمشاريع التنمية الوطنية، حتى يصبح النجاح داخل الوطن خيارا واقعيا وجاذبا، لا مجرد أمنية مؤجلة.

إن المجتمع الذي يحافظ على وحدته، ويستثمر في شبابه، ويواصل إصلاح مؤسساته، هو مجتمع يمتلك من المقومات ما يؤهله لتحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى دوافع جديدة لمراكمة الإنجازات.

نحو مقاربة وطنية متكاملة لمعالجة الهجرة غير النظامية:

إن تحليل الهجرة غير النظامية من منظور سوسيولوجي يقود إلى نتيجة أساسية مفادها أن هذه الظاهرة لا يمكن أن تعالج بحلول أحادية الجانب. فالمقاربة الأمنية، على أهميتها في حماية الحدود ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، تظل غير كافية إذا لم تدعم بسياسات تنموية وتربوية وثقافية تعالج العوامل المنتجة للهجرة من جذورها.

وتقتضي هذه المقاربة المتكاملة تعزيز الاستثمار في التعليم والتكوين، وربطهما بحاجيات الاقتصاد الوطني، وتوسيع فرص الإدماج المهني، ودعم ريادة الأعمال، وتقوية التنمية المجالية بما يحد من الفوارق بين المجالات الترابية. كما تستدعي بناء خطاب إعلامي مسؤول يقدم للشباب صورة واقعية ومتوازنة عن الهجرة، بعيدا عن المثالية المفرطة أو التهويل.

وفي المقابل، فإن ترسيخ ثقافة المواطنة يظل ركيزة أساسية في مواجهة هذه الظاهرة، لأن الشعور بالانتماء لا ينفصل عن الإحساس بوجود أفق مشترك للمستقبل. وكلما شعر المواطن بأنه شريك في بناء وطنه، ازدادت قدرته على تحويل التحديات إلى فرص، والمساهمة في تحقيق التنمية.

ومن هنا، فإن مستقبل المغرب لا يبنى فقط بالمشاريع الاقتصادية الكبرى، وإنما أيضا ببناء الإنسان، وتعزيز الثقة، وترسيخ قيم المسؤولية والتضامن والانتماء. فهذه القيم هي التي تمنح التنمية بعدها الإنساني، وتجعلها مشروعا مجتمعيا تتكامل فيه أدوار الدولة والمؤسسات والمجتمع المدني والمواطنين.

وبذلك، فإن الهجرة غير النظامية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية لمسار تنموي، وإنما باعتبارها تحديا من بين تحديات عديدة تواجه المجتمعات المعاصرة، وتستوجب مزيدا من الإصلاح والعمل الجماعي، في أفق بناء مغرب أكثر عدالة وازدهارا وتماسكا.

على سبيل الختام:

تكشف هذه الدراسة أن الهجرة غير النظامية ليست ظاهرة يمكن تفسيرها بعامل واحد أو اختزالها في مؤشرات اقتصادية ظرفية، بل هي ظاهرة اجتماعية مركبة تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والثقافية والنفسية والسياسية، وتتفاعل داخلها التحولات المحلية مع المتغيرات العالمية. ومن ثم، فإن أي مقاربة علمية رصينة تقتضي تجاوز التفسيرات التبسيطية، والانتقال إلى قراءة سوسيولوجية تستحضر تعقيد المجتمع المعاصر وتعدد محددات السلوك الإنساني.

وقد بين التحليل أن المغرب يعيش، منذ سنوات، دينامية إصلاحية متواصلة، انتقل معها من مرحلة ترسيخ أسس الدولة الحديثة إلى مرحلة بناء نموذج تنموي جديد يقوم على الاستثمار في الإنسان، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتطوير البنية الاقتصادية، والانفتاح على الاقتصاد الرقمي والصناعات المستقبلية. وهي تحولات لا يمكن إنكار أثرها في إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية للمملكة، حتى وإن ظلت بعض التحديات قائمة، باعتبارها جزءا من طبيعة التحولات التي تعرفها المجتمعات في مراحل الانتقال.

كما أبرزت الدراسة أن بعض مشاهد الهجرة غير النظامية، بما فيها المحاولات الجماعية نحو مدينة سبتة المحتلة، لا ينبغي أن تتحول إلى معيار للحكم على المجتمع المغربي أو إلى أداة لإنتاج صورة نمطية تختزل وطنا بأكمله في حادثة أو مشهد عابر. فالمنهج العلمي يقتضي التمييز بين الظاهرة بوصفها موضوعا للدراسة، وبين توظيفها في بناء استنتاجات عامة تفتقر إلى الموضوعية والتوازن.

وفي هذا السياق، فإن حماية الاستقرار الوطني تظل مسؤولية جماعية، لأن الاستقرار ليس نقيضا للإصلاح، بل هو شرط من شروطه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء مستقبلها هي تلك التي تمتلك مؤسسات قوية، وثقة مجتمعية متبادلة، وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للتطوير والتجديد.

لقد أثبتت التجربة المغربية أن الإصلاح التدريجي، القائم على استمرارية الدولة وتماسك مؤسساتها، مكن المملكة من الحفاظ على أمنها واستقرارها في محيط إقليمي مضطرب، ومن إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى عززت مكانتها القارية والدولية، ورسخت حضورها بوصفها شريكا موثوقا في مجالات التنمية والاستثمار والتعاون جنوب-جنوب.

وفي هذا الإطار، تبرز القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بوصفها عنصرا محوريا في توجيه هذا المسار الإصلاحي، من خلال رؤية استراتيجية جعلت من التنمية البشرية، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وترسيخ المكانة الإقليمية والدولية للمغرب، مرتكزات أساسية لبناء المستقبل. ومن ثم، فإن الالتفاف حول الثوابت الوطنية، وصيانة وحدة الوطن، والإيمان بالمؤسسات الدستورية، يشكل ركيزة أساسية لمواصلة هذا المسار، ومواجهة مختلف التحديات بروح المسؤولية والوعي الوطني.

إن المغرب اليوم لا يقاس فقط بما يواجهه من إكراهات، وإنما بما راكمه من منجزات، وبما يمتلكه من قدرة على الإصلاح والتكيف مع التحولات الدولية، وبما يتيحه لشبابه من آفاق جديدة في مجالات الاستثمار والابتكار والتعليم والتكوين. ولذلك، فإن بناء المستقبل لا يكون بالانسياق وراء خطابات الإحباط أو الصور المختزلة، وإنما بالمشاركة الفاعلة في المشروع الوطني، والإيمان بأن التنمية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

وعليه، فإن الهجرة غير النظامية ينبغي أن تفهم باعتبارها تحديا اجتماعيا وتنمويا يستوجب مزيدا من السياسات العمومية المندمجة، لا باعتبارها عنوانا لفشل التجربة المغربية. فالمجتمعات الحية لا تقاس بخلوها من المشكلات، وإنما بقدرتها على إدارتها، وتصحيح اختلالاتها، ومواصلة مسارها نحو مزيد من التقدم والاستقرار.

توصيات الدراسة:

تأسيسا على ما سبق، تقترح الدراسة جملة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تعزيز المقاربة الوطنية لمعالجة الهجرة غير النظامية، ولعل من أهمها ما يلي:

اعتماد مقاربة سوسيولوجية متعددة الأبعاد في دراسة الهجرة غير النظامية، تتجاوز التفسيرات الاقتصادية الضيقة، وتدمج الأبعاد الثقافية والنفسية والرمزية المؤثرة في قرارات الهجرة.

مواصلة تعزيز النموذج التنموي المغربي، عبر تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتوسيع فرص الإدماج المهني للشباب، وتقليص الفوارق المجالية.

تطوير السياسات العمومية الموجهة للشباب، بما يعزز روح المبادرة والابتكار وريادة الأعمال، ويربط التكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني.

ترسيخ ثقافة المواطنة والانتماء داخل المؤسسات التربوية والجامعية والإعلامية، بما يعزز الثقة في الوطن ومؤسساته، ويجعل المشاركة في التنمية خيارا استراتيجيا للأجيال الصاعدة.

دعم الإعلام المسؤول القائم على التحليل الرصين، والابتعاد عن الخطابات التي تضخم الأحداث المعزولة أو توظفها للإساءة إلى صورة المغرب أو التشكيك في مساره التنموي.

مواصلة تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال تدبير الهجرة، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، مع احترام البعد الإنساني وحقوق المهاجرين وفق المواثيق الدولية.

تشجيع البحث العلمي في قضايا الهجرة والتحولات الاجتماعية، وإحداث مراكز رصد ودراسات متخصصة تواكب تطور الظاهرة وتقترح سياسات مبنية على المعطيات العلمية.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

 

جينالوجيا المعنى.. من المرجعية المفارقة إلى العقل التجريبي

ينطلق الفهم العميق لأزمة المعنى المعاصرة من تفكيك جذورها الأولى والوقوف عند النقطة التي وُلدت فيها الحاجة إلى المعنى أصلاً، إذ يواجه العقل البشري بطبيعته عبئاً هائلاً يتمثل في الوعي بالعدم ومحدودية الوجود وقسوة الكون من حوله. تاريخياً، لم تكن النبوة مجرد تشريعات تنظيمية جافة، بل مثلت المظلة الأنطولوجية التي تعصم الإنسان من العبثية، مانحةً إياه إجابات قاطعة حول الغاية، والعدالة المطلقة، ومصير الروح. وعندما يقرر الإنسان الاعتماد على عقله الذاتي فقط، يكتشف أن التشريعات البشرية غالباً ما تحكمها المصالح والنسبية والصراع، ومن هنا وُلدت الحاجة الدائمة إلى مصدر مفارق يتمثل في الوحي، وذلك لتحرير الأخلاق من أهواء النفعية والتحيزات الذاتية.

ومع تقدم الحداثة والعلم التجريبي، حدث انقلاب جذري في مصادر المعرفة الإنسانية؛ حيث تراجع تدريجيّاً مفهوم المعرفة باعتبارها هداية وغاية روحية، ليحل مكانه مفهوم المعرفة كأداة للتحكم والكفاءة الإنتاجية. وهنا ظهر الذكاء الاصطناعي كذروة لهذا المسار التاريخي؛ فهو لا يخاطب الروح، بل يخاطب الأنماط والحسابات، معالجاً ملايين المتغيرات في ثوانٍ معدودة ليقدم حلولاً مذهلة لإدارة الموارد وتنظيم حركة المجتمعات والتنبؤ بالسلوكيات. لكنه، في المقابل، يجرد المعرفة من أي بعد قيمي أو أخلاقي عميق، ليختزل الوجود الإنساني برمته في أرقام ومعادلات صماء.

وعند محاولة الإجابة على السؤال الجوهري حول ما إذا كانت البيانات قادرة على إنتاج قيمة عليا أم أنها تقتصر على إعادة تدوير السلوك البشري بكل انحيازاته، تتضح الإجابة القاطعة بأن البيانات لا تنتج أبداً قيمة عليا، بل تقتصر تماماً على إعادة تدوير السلوك البشري بكل تناقضاته وانحيازاته التاريخية. والسبب في ذلك هو أن الذكاء الاصطناعي ليس كياناً مفارقاً أو واعياً يبتكر الأخلاق من فراغ، بل هو مرايا كبرى تعكس ما أنتجه البشر أنفسهم طوال تاريخهم؛ فالبيانات التي تُغذى بها الخوارزميات ليست سوى سجلات لحروبنا، وعنصريتنا، واستهلاكنا، وأخطائنا، وتحيزاتنا البنيوية. وحين تحسب الخوارزمية ما هو صواب أو ما هو مرجح بناءً على الاحتمالات الإحصائية، فهي لا تقدم حقيقة أخلاقية مطلقة، بل تقدم متوسط السلوك البشري الشائع. وعليه، فإن الاعتقاد بأن البيانات قادرة على استنباط قيمة عليا أو عدالة مطلقة يظل وهماً تقنياً خطيراً، لأن الآلة في النهاية تعيد إنتاج الماضي البشري وتغلفه بغطاء لامع من الدقة الرياضية، مما يجعل الإنسان يتقبل عيوبه التاريخية على أنها حقائق علمية لا تُقهر.

النبي الرقمي والكهنوت الجديد: صنم الكفاءة وأزمة الحرية

ينبثق المأزق الوجودي الأعمق حين لا يتوقف الأمر عند حدود المعرفة والبيانات، بل يمتد ليشمل بنية الوعي الإنساني وميل الإنسان الدائم للتخلص من أثقل أعبائه، ألا وهي حرية الاختيار والمسؤولية الفردية. فعندما يغرق الإنسان في بحر الاحتمالات والشكوك، يظهر الذكاء الاصطناعي في وجدان البعض بوصفه "نبياً صامتاً" يوزع اليقين المريح والأمان المعرفي الفوري، مقدمًا إجابات جاهزة لكل معضلة حياتية أو أخلاقية. وبدلًا من أن يتحمل القارئ أو أي إنسان عناء التفكير الشاق والبحث الحر، يجد راحة كبرى في تسليم مفاتيح وعيه لهذا الموجه الرقمي الذي يضمن له الاستقرار الظاهري بلا ألم أو حيرة.

وفي قلب هذا الاستسلام الاختياري، ينشأ شكل جديد من أشكال السلطة يُعرف بـ "الكهنوت التقني"؛ فعلى غرار كهنة المعابد القدماء الذين احتلوا موقع الوساطة الحصرية بين البشر والآلهة عبر تفسير الرموز والطلاسم، يبرز اليوم مهندسو الخوارزميات وصناع المنصات الكبرى وشركات التقنية كوسطاء جدد بين الإنسان والآلة. هؤلاء هم وحدهم من يمتلكون الشيفرات، ويفهمون خبايا النماذج العملاقة، ويحددون القواعد والمعايير التي تُدار بناءً عليها حياة الملايين. يتحول هذا الكهنوت التقني إلى سلطة خفية لا تقبل النقاش، تملي على المجتمع أنماط عيشه، وتوجه رغباته، وتصيغ مفاهيمه عن الصواب والخطأ تحت غطاء من التقنية الحيادية المزعومة.

وأمام هذا المشهد تتجسد إجابة السؤال الجوهري حول كيفية تحول الإنسان طوعاً إلى "عبد رقمي" يختار الراحة والامتثال الخوارزمي على حساب عناء الاختيار والمسؤولية الفردية؛ إذ إن الإجابة تكمن في أن العبودية الرقمية لا تُفرض بالقمع المادي أو الإكراه الخارجي، بل تُعتنق بالحب والرضا الكاملين. فالإنسان بطبيعته يهرب من قسوة الحرية المطلقة لأنها تستوجب الشك، وتحمل تبعات الخطأ، ومواجهة الفراغ الداخلي. وحين تَعِدُهُ الخوارزمية بالراحة التامة، وتجنيبه خطر الوقوع في الخطأ، وتقدم له مساراً مرسوماً بعناية يضمن له الكفاءة والرضا الاستهلاكي والنفسي، فإنه يبادل عن طيب خاطر استقلاليته الفكرية ومسؤوليته الأخلاقية مقابل هذا الأمان المصطنع. هكذا يرتضي الإنسان أن يصبح عنصراً مدجناً داخل منظومة صماء، مسلماً مقاليد روحه لآلة لا تشعر، لتبدو عبوديته الجديدة أشد أنواع العبودية قسوة، لأنها مرتدية ثوب الخلاص والرفاه

مأزق المستقبل: بين الرفض الجذري والانصياع الأخير

ينفتح الأفق المستقبلي أمام مآلات كبرى ينتظر أن يواجهها الإنسان وهو يقف بين نارين؛ فإما أن يصاب برهاب وجودي كامل تجاه التقنية، وإما أن يذوب كلياً داخل منظومتها الصماء. وفي ظل هذا المخاض، تبرز سيناريوهات متباينة تعكس قلق الوعي البشري حيال مصيره، حيث يظهر اتجاه يتمثل في "الرفض الجذري" أو ما يمكن تسميته بالنيو-لودايزما، وهو رد فعل دفاعي يتخذ من الذكاء الاصطناعي العدو المطلق الذي يسلب الإنسان روحه وفرادة عزلته، مما يدفع بعض الجماعات أو الأفراد إلى محاولة استنساخ البساطة، والهروب نحو العزلة والبدائية الصرفة، وكأن العودة إلى الوراء هي الحصن الوحيد المتبقي لحماية الإنسانية من المسخ الرقمي.

وفي المقابل، يبرز سيناريو "الانصياع الأخير" الذي يتحقق فيه ذوبان الوعي البشري بالكامل داخل المنظومة الكلية للآلة، ليتحول الإنسان إلى عنصر باهت بلا عمق، يعيش رفاهية مطلقة وكفاءة عالية لكنه مفصول عن المعنى الحقيقي للحياة.

وأمام هذه الثنائية الصعبة، يبرز المخرج الحقيقي لكي يظل الإنسان إنساناً دون أن يقع في فخ التقديس الأعمى أو الرفض العبثي؛ إذ يكمن هذا المخرج في رفض الوقوع في فخ الثنائيات القطبية، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة بالغة التعقيد وليست بديلاً للوجود. إن الحفاظ على الإنسانية لا يتأتى عبر مقاطعة العلم أو الهروب من التطور، ولا عبر تسليم مفاتيح الروح للخوارزميات، بل يتحقق من خلال استعادة شجاعة الشك، وقبول ألم الاختيار، والتمسك بالهشاشة البشرية التي تمثل المنجم الوحيد لكل إبداع ومعنى حقيقي. فحين يدرك الإنسان أن قيمته تكمن في قدرته على الخطأ والتألم والبحث الحر، ينجح في تطويع الآلة لخدمة طموحاته دون أن يسمح لها بأن تبتلع روحه

***

ئاريان علي

ليست الكوارث الطبيعية مجرد أحداث جيولوجية عابرة، ولا هي صفحات سوداء في سجل تاريخنا الإنساني فحسب، بل هي لحظات فلسفية نادرة تنكشف فيها الحقيقة من تحت ركام اليقين. ففي اللحظة التي تهتز فيها الأرض، أو يثور البحر، أو تعصف الرياح بما شيده الإنسان عبر عقود، يسقط القناع الذي ارتداه العقل الحديث وهو يعلن انتصاره على الطبيعة، ويتبدد ذلك الوهم القديم الذي أقنع الإنسان بأنه أصبح سيد الكون وحاكم مصيره.

الكارثة ليست فقط ما تهدمه من بيوت، بل ما تهدمه من أفكار. إنها تزلزل تصوراتنا عن القوة، وعن السيطرة، وتعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي؛ كائنا محدودا يقف أمام كون لا محدود لا يدور حول رغباته، ولا يخضع لإرادته.

منذ فجر التاريخ، حاول الإنسان أن يروض الطبيعة، وأن يحولها إلى فضاء قابل للحساب والتوقع. ومع كل تقدم علمي، ازداد يقينه بأنه اقترب من امتلاك العالم. غير أن زلزالا واحدا، أو بركانا أو إعصارا يكفي ليعيد صياغة المشهد كله، ويذكره بأن المعرفة ليست مرادفا للهيمنة، وأن التكنولوجيا، مهما بلغت، لا تلغي هشاشة الوجود الإنساني.

في لحظات الكارثة، تتراجع الضوضاء التي صنعتها الحياة اليومية. تتلاشى الصراعات الصغيرة، وتسقط أوهام التفوق الاجتماعي، وتتوارى الحسابات الضيقة، ليقف الجميع أمام السؤال ذاته: ما معنى أن نكون بشرا في عالم لا يمنح أحدا ضمانة للبقاء؟

اعتقد إن الكوارث توقظ في الإنسان أسئلة ظل يؤجلها طويلا. منها مثلا

 ما معنى الحياة إذا كان الموت قد يطرق الباب دون موعد؟ وما قيمة الإنجاز إذا كان يمكن أن يتحول إلى أنقاض في لحظات؟ وهل الأمن أو الأمان الذي نبحث عنه حقيقة أم مجرد شعور مؤقت نصنعه لأنفسنا كي نستطيع مواصلة الحياة؟

   ما قيمة الزمن الذي نعيشه؟ وما معنى الممتلكات التي نفني أعمارنا في جمعها إذا كانت لحظة واحدة قادرة على تحويلها إلى غبار؟

الطبيعة لا تعرف الانتقام، ولا تمنح المكافآت، ولا تفرق بين صالح وطالح. إنها لا تتحرك بمنطق العدالة الأخلاقية الذي يتطلع إليه الإنسان، بل بمنطق القوانين الكونية التي لا تعترف بالعواطف ولا بالمكانة ولا بالنفوذ. ومن هنا ينشأ ذلك الصراع العميق داخل وعينا

اعتقد أيضا أن هذه الكوارث، رغم قسوتها، ليست نهاية المعنى، بل قد تكون بدايته. فهي لا تكشف فقط هشاشتنا، وإنما تكشف أيضا أعظم ما فينا. ففي اللحظات التي قد تنهار فيها بعض المباني، تنهض بعض القيم. وحين تتصدع الجدران، ربما قد تتماسك الأيدي.

في تلك اللحظات، يسقط ترتيب الأولويات الذي صنعناه بأيدينا. تختفي الفروق بين الغني والفقير، وبين القوي والضعيف، وبين صاحب السلطة والعابر المجهول. الجميع يقفون أمام الحقيقة ذاتها: أن الإنسان، مهما اتسعت قدراته، يبقى كائنا قابلا للانكسار.

فلسفة الكوارث لا تدعونا إلى الخوف من الطبيعة، بل إلى إعادة قراءة علاقتنا بها.

هذه الكوارث تهمس لنا بأننا لسنا سادة هذا الكون، بل عابرون فيه. وأن قيمة الإنسان لا تقاس بقدرته على إخضاع الطبيعة، بل بقدرته على أن يبقى إنسانا حين تكشف الطبيعة عن عظمتها، وتذكره بأن الحياة ليست وعدا بالخلود، وإنما فرصة قصيرة لنصنع فيها معنى، ونزرع رحمة، ونبني عالما أكثر عدلا،

ولعل أعظم ما تفعله الكوارث الطبيعية أنها تنتزع الإنسان من وهم المركزية. لقد اعتاد الانسان أن يتصرف كما لو أن الكون وجد من أجله، وأن الأشياء تدور حول رغباته، فإذا بالأرض تعلن، في لحظة خاطفة، أن الإنسان ليس سوى احتمال صغير داخل كون هائل، وأن وجوده، مهما بدا صلبا، معلق بخيط بالغ الرقة

ربما لهذا لا ينبغي أن نقرأ الكوارث باعتبارها نهاية، بل باعتبارها نصا فلسفيا مفتوحا، تكتبه الطبيعة بلغة لا تعرف المجاملة

إن هذه الكوارث لا تعيد تشكيل الجغرافيا فقط، بل تعيد تشكيل الضمير. إنها تمحو كثيرا من الخرائط التي رسمناها لأنفسنا، وتدعونا إلى رسم خريطة جديدة، يكون مركزها الإنسان، لا بوصفه سيد الكون، بل بوصفه كائنا مسؤولا عن إعمار هذا العالم، وعن حماية الحياة فيه، و أن يتعلم التواضع أمام كون لا يزال أكبر من كل معارفه.

أيها الساده.. احترموا الطبيعة دائما، فأنتم إليها، لا فوقها. أنتم جزء من نسيجها، لا سادة عليها، ومهما بلغ علمكم واتسعت مدنكم وارتفعت أبراجكم، ستبقون أبناء هذه الأرض، تحملون من ضعفها وقوتها، ومن عطائها وغضبها. فلا تغرنكم لحظات السيطرة، ولا يخدعنكم صخب الحضارة، فكل ما شيده الإنسان يمكن أن تهزه لحظة كهذه

واعلموا ان علاقتنا بالطبيعة ليست علاقة غلبة، بل علاقة انتماء ومسؤولية؛ فمن يحترمها يحترم شروط بقائه، ومن يعبث بتوازنها إنما يكتب، بيده، فصول الكارثة القادمة.

واسأل الله أن يجعل السلامة رفيقة كل إنسان.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تمهيد: ظلَّ مفهوم العنصرية، عبر التاريخ، مرتبطًا بالتمييز القائم على العِرق أو اللون أو الدين أو الجنس، غير أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم اليوم تدفعنا إلى إعادة النظر في أشكال التمييز المستحدثة، والتي لا تقل تأثيرًا في حياة الأفراد، وإن كانت أقل وضوحًا. ومن بين هذه الأشكال ما يمكن تسميته بـ «عنصرية الجمال»؛ أي ذلك النسق الخفي من الأحكام والممارسات الذي يمنح امتيازات أو يفرض عقوبات اجتماعية استنادًا إلى المظهر الخارجي.

ولا يُقصد بهذا المفهوم مساواة هذا النوع من التحيز بأشكال العنصرية التاريخية التي قامت على الاستعباد أو الإقصاء الممنهج، بل الإشارة إلى أنه يمثل صورة من صور التمييز الاجتماعي والتحيز القائم على المظهر، وهو تحيز تؤكده دراسات علم النفس والاجتماع، ويتجلى في الحياة اليومية بطرائق متعددة.

أولًا: الجمال بوصفه سلطة رمزية

لم يعد الجمال مجرد صفة جمالية، بل أصبح رأسمالًا اجتماعيًا. فالمجتمع يمنح الأشخاص الجذابين، في كثير من الأحيان، ثقةً وفرصًا لا تستند إلى الكفاءة، وإنما إلى الانطباع الأول.

ويرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المجتمعات لا تقوم على رأس المال الاقتصادي وحده، بل على رؤوس أموال رمزية تمنح أصحابها النفوذ والقبول. ويمكن النظر إلى الجمال بوصفه أحد هذه الرؤوس؛ فهو يفتح الأبواب، ويصنع توقعات إيجابية، ويمنح صاحبه حضورًا اجتماعيًا قد لا يرتبط بإنجازاته الفعلية.

غير أن هذه السلطة ليست مستقرة، لأنها قائمة على معايير متغيرة، تحددها الثقافة والإعلام والذوق العام، لا الطبيعة الإنسانية.

ثانيًا: علم النفس... كيف يخدعنا الوجه؟

تؤكد أبحاث علم النفس الاجتماعي وجود ما يعرف بـ «تأثير الهالة»، وهو ميل العقل إلى تعميم صفة إيجابية واحدة على بقية الصفات. فإذا بدا الشخص جميلًا، افترض كثيرون – دون وعي – أنه أكثر ذكاءً أو نجاحًا أو لطفًا.

كما يوضح عالم النفس دانيال كانيمان أن الدماغ يعتمد على التفكير السريع، الذي يبني أحكامه من خلال الانطباعات الأولية والاختصارات الذهنية، وهو ما يجعل المظهر عنصرًا مؤثرًا في قراراتنا اليومية، حتى عندما نعتقد أننا موضوعيون.

وهكذا، يتحول الوجه إلى وثيقة غير مكتوبة، تُقرأ قبل السيرة الذاتية، وأحيانًا قبل الكلمة الأولى.

ثالثًا: المرأة الجميلة... بين الامتياز والاختزال

تُواجه المرأة الجميلة مفارقة قاسية؛ فهي قد تحظى بالقبول السريع، لكنها تُحرم في المقابل من الاعتراف الكامل بجهدها.

فكم من امرأة ناجحة وُوجهت بتلميحات تقلل من قيمة إنجازها، وكأن جمالها هو التفسير الوحيد لما حققته. وكم من امرأة اضطرت إلى بذل جهد مضاعف لإثبات أن عقلها لا يقل حضورًا عن ملامحها.

إن اختزال المرأة في جمالها ليس تكريمًا لها، بل هو شكل آخر من أشكال سلب هويتها الإنسانية، لأنها تُختصر في ما يُرى، لا في ما تفكر فيه أو تصنعه.

رابعًا: الرجل الوسيم... ضحية الصور النمطية أيضًا

على الرغم من أن الحديث عن الرجل الوسيم أقل حضورًا في الدراسات الاجتماعية، فإنه لا يخلو من التحيزات.

فقد يُنظر إليه باعتباره سطحيًا أو مغرورًا أو أقل جدية، وقد يُساء تقدير كفاءته المهنية بسبب مظهره. كما قد يُحمَّل توقعات اجتماعية مبالغًا فيها، فيصبح مطالبًا بالحفاظ على صورة مثالية لا تعبّر بالضرورة عن شخصيته الحقيقية.

وهذا يكشف أن التحيز المرتبط بالمظهر لا يقتصر على النساء، وإن اختلفت أشكاله وحدته.

خامسًا: وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الجمال

لم يعرف التاريخ سلطة للجمال كالتي نعيشها اليوم.

فالمنصات الرقمية لا تعرض الجمال فحسب، بل تعيد إنتاجه وفق معايير تجارية دقيقة، تعتمد على الخوارزميات والإعلانات وتقنيات التعديل البصري.

ومع الوقت، أصبح الإنسان يقارن حياته الحقيقية بصور مصممة بعناية، فتتراجع ثقته بنفسه، ويغدو الجسد مشروعًا دائمًا للتحسين، لا بيتًا تسكنه الروح.

وهكذا، لم يعد السؤال: «كيف أعيش؟»، بل أصبح: «كيف أبدو؟».

سادسًا: هل الجمال فضيلة؟

من الناحية الفلسفية، لا يمكن اعتبار الجمال فضيلة أخلاقية، لأنه ليس ثمرة اختيار حر، بل هو، إلى حد بعيد، معطى بيولوجي.

فالفضائل الحقيقية هي ما يكتسبه الإنسان بالإرادة: الحكمة، والعدل، والشجاعة، والصدق، والرحمة.

أما الجمال، فهو أشبه بموهبة طبيعية؛ قد تمنح صاحبها فرصًا، لكنها لا تمنحه قيمة أخلاقية، كما أن غيابها لا ينتقص من إنسانية أحد.

خاتمة

إن أخطر ما في التحيز القائم على الجمال أنه يجعل الإنسان أسيرًا لشيء لم يختره. فالجميل قد يُختزل في ملامحه، وغير الجميل قد يُقصى بسببها، وفي الحالتين يُختزل الإنسان في قشرة خارجية، بينما تتوارى شخصيته الحقيقية خلف الأحكام المسبقة.

إن المجتمع الذي يقيس قيمة الإنسان بوجهه، لا يظلم الأفراد فحسب، بل يظلم نفسه أيضًا؛ لأنه قد يخسر العقول المبدعة، والطاقات الخلاقة، والقلوب النبيلة، فقط لأنها لم تُولد وفق معايير جمالية عابرة.

ولعل العدالة الإنسانية تبدأ عندما يصبح السؤال الأول: «ماذا يحمل هذا الإنسان من فكر وقيم؟»، لا: «كيف يبدو؟». فالجمال قد يجذب العين لحظة، أما الفكر والأخلاق فيصنعان أثرًا يبقى طويلًا بعد أن تتغير الملامح ويذبل الجسد.

***

مجيدة محمدي

...................

المراجع

دانيال كانيمان، التفكير، السريع والبطيء.

بيير بورديو، التمييز: نقد اجتماعي لملكة الحكم.

إرفنغ غوفمان، عرض الذات في الحياة اليومية.

ناعومي وولف، أسطورة الجمال.

إريك فروم، فن الحب.

يعيش جيل الشباب العربي اليوم في منطقة اشتباك نادرة بين تحدّيين لا يشبه أحدهما الآخر في طبيعته، لكنهما يلتقيان في أثرهما: تحدٍّ تقني يهدد يقين الفرد بمستقبله المهني، وتحدٍّ وطني يضع على كاهله مسؤولية المساهمة بإعادة بناء الكيان الوطني الجامع الذي تصدّعت نواته وأطرافه بفعل ضربات التدمير الداخلية والخارجية الدؤوبة.

في التحدٍ الأول، تتجلى معضلة الشباب أمام الثورة الرقمية الهائلة والجارفة في وجهين متناقضين ظاهرياً، متطابقين جوهرياً. الوجه الأول هو عدم القدرة على التخطيط المستقبلي أو يما يُمكن أن نسميه "شلل التخطيط": حين تتبدّل خرائط المهن والتخصصات بوتيرة تجعل أي أفق زمني يتجاوز الخمس سنوات ضرباً من التخمين، يفقد الشاب أمام مطبّات التحولات الفجائية المتكررة حافز الاستثمار الطويل في مسار مهني واحد، فيقع بين فخّي الإحجام عن الالتزام في مسارٍ مهنيٍّ أو الاندفاع العشوائي بعد كل موجة جديدة. أما الوجه الثاني فهو العيش داخل بوتقة قلق دائمةٍ من انتظار الاستبعاد الكلي في أي لحظةٍ: فمن استثمر سنوات طويلة في تكوين رصين وشهادات نوعية وبناء مسيرة مهنية مميزة، قد يجد نفسه فجأةً ضحيةً في سباقٍ محسومٍ مع آلة باتت تُنجِز المهام ذاتها بسرعة وكلفة لا يضاهيهما بشر.

الخطأ الشائع في مواجهة هذا التحدي الكبير هو التعامل مع التحولات الرقمية بوصفها خصماً يُنازَل أو تهديداً بالإمكان تجنبه. والأجدى هو تحويل بوصلة التأهيل من إتقان مهارة ثابتة إلى بناء قدرة على التعلّم المستمر، بحيث تُصبِح كل مرحلة تعليمية محطة في مسار لا نهاية له، لا نقطة وصول وراحة واستقرار. وهذه المرحلة البرزخية تستدعي لمواكبتها ثلاث تحوّلات عملية: الانتقال من اقتصار التركيز على التخصص الضيق إلى بناء الكفاءات المركّبة القابلة للنقل أو التنقل بين المجالات؛ مغادرة الطرق التقليدية في التعامل مع المعارف والمعلومات والتركيز على تطوير العقل النقدي الفاحص وفن صياغة الأسئلة النوعيّة الدقيقة، والانتقال من الخوف من الأداة إلى التمرّس عليها، بحيث تصبح الكفاءة في توظيفها الصحيح جزءاً من السيرة المهنية لا نقيضاً لها. فمن يتقن الإدارة الذكية للأداة يظل له موقع في صياغة وصناعة المستقبل، بينما من ينافسها في مجالها الحصري سيخسر السباق حتماً.

كما يحتاج هذا الجيل إلى مخزون نفسي وأخلاقي موازٍ للمخزون المعرفي: قدرة على تحمّل الغموض والالتباس دون شلل، وثقة واقعية لا متهورة بإمكان اكتساب ما يُفيد وينفع، وقبول فكرة أن إعادة التأهيل لم تعد استثناءً عرضياً أو عارضاً في مسيرة العمل، بل قاعدة دائمة فيها. فضلاً عن امتلاك قوة الفضول والجسارة في اقتحام المستقبل، وامتلاك "رأس مال نفسي" – بحسب مصطلح كارل نوتون - من ثقة وتفاؤل واقعي ومرونة، في عالم لا توجد فيه أرضية صلبة ولا محطات مستقرة. ويعني هذا عملياً: تعلماً لا يتوقف عند شهادة واحدة، بل يتجدد عبر مسارات قصيرة ومرنة ومتراكمة في المهارات؛ ومواصلة الاستثمار فيما تعجز عنه الآلة: الحكم الأخلاقي، وفهم السياق الإنساني، والإبداع، والقيادة، وصناعة المعنى. وبهذا بالإمكان تجاوز هذه المعضلة لا عبر افتراض إمكانية الاستمرار في منافسة الآلة في ميادينها، بل عبر تنمية مهنية رصينة ومرنة ومتنوعة قد تجعل من الجيل القادم سيد الأدوات لا ضحيتها بأي صورةٍ من الصورة.

أما التحدٍ الثاني فأكثر تعقيداً وأثقل وطأة؛ لأنه لا يخص الفرد وحده، بل المجال العام برمّته. فقد التهمت الحروب سنوات من عمر بعض دول المنطقة، واستنزفت جميع مواردها، وتمزقت مجتمعاتها على خطوط طائفية وعشائرية وميليشياوية، حتى غدت كيانات ما دون الدولة صاحبة القرار الفعلي والكلمة الفصل في الحياة والرزق والأمن. وعلى أنقاض هذا كله، تقع على الشباب مهمةً جليلةً في ضرورة الإسهام ليس في إصلاح دولة قائمة فحسب، بل المشاركة الفاعلة في إعادة بناء فكرة الدولة ذاتها كإطار جامع لعلهم يَجِدوا فرصة للعيش في مجتمعات صحيّة، آمنة ومستقرة، وقادرة على ابتكار مسارات تنموية.

هذه المهمة لا تُنجز من خلال الاكتفاء بالخطابات الوطنية الرنانة أو المجردة، بل بالممارسة اليومية التي تراكم ثقة الناس. ويبدأ ذلك من موقعين يمكن للشباب (الطليعيين) أن يفعلا فيهما فعلاً حقيقياً: الأول هو ترجيح الروابط العابرة للجماعة الأهلية الضيقة على الروابط المنغلقة داخلها، عبر الانخراط في العمل النقابي والمهني والأهلي المشترك بين مكونات المجتمع المختلفة، بحيث تتحول هذه المساحات إلى تدريبٍ عمليٍّ على المواطنة قبل أن تكون شعاراً. والثاني هو المطالبة الواعية والمستمرة بحياد المؤسسات وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية، لأن الثقة بالدولة لا تُبنى بالخطب، بل بيقين مواطنٍ مُعزز بواقعٍ متطابق يُظهِر بجلاء أن القاعدة نفسها تسري عليه وعلى غيره.

فأقوى ما يهدم سرديات قادة الميليشيات وتجار الحروب الذي يُكرِسون فكرة أن لا خيار سوى السلاح والانتماء الضيق، هو شابٌ ناجحٌ فعّالٌ يُقدِّم نموذجاً حياً مضاداً. فأمراء الحرب يراهنون على "اقتصاد اليأس": على إقناع الشاب بأن لا مستقبل له خارج الحماية العصبوية، وأن حمل السلاح هو أقصر الطرق إلى الكرامة. وفي مقابل ذلك، فإن الطبيب الذي يعالج الجميع دون أن يسأل عن الانتماء، والمهندس الذي يُساهم في بناء مدرسة، وصاحب المشروع الذي يجتهد في جلب موظفين من مناطق مختلفة، جميعهم يفككون بفعلهم اليومي أكاذيب أمراء الحرب وزعماء المليشيات أكثر مما تفعله آلاف البيانات الرسمية الجافة.

والمطلوب أن تتحول هذه النماذج الفردية إلى بدائل شبابية مؤسسية رائدة: مبادرات مدنية تعيد تأهيل المدارس والمرافق العامة، وشبكات تطوعية تربط أبناء المناطق ببعضهم، وشركات ناشئة تجمع شركاء من خلفيات مختلفة حول مصلحة مشتركة، ومنصات إعلامية مسئولة، ونقابات ومجالس محلية تعيد الاعتبار للعمل العام النزيه. كلُ بديلٍ ناجحٍ هو لبنةٌ في استعادة الثقة: ثقة المواطن بأخيه المواطن، وثقته بأن للدولة معنى يتجاوز العلم والنشيد. فأي هوية وطنية جامعة، كما تظهر الدراسات السوسيولوجية لتجارب ما بعد الحروب، ليست معطى جاهزاً وموروثاً، بل صيرورة تُبنى بالممارسة اليومية: بحياد المؤسسات، وعدالة الفرص، وقانون يُنفَّذ على الجميع دون استثناء، وأناسٌ يتشاركون نعمة الأمن والأمان.

الشباب العربي ليسوا هامشاً على مسارات هذا الزمن، بل ينبغي أن يكونوا متنه ومعناه. وبين آلة تتعلم بسرعة البرق ودولة يجب أن تنهض من بين الأنقاض، لا شك بأن هنالك شبابٌ يُكافِحون في سبيل كتابة إجابتهم العملية كل يوم.

***

أمين اليافعي

 

إنَّ إشكالات التَّرجمة إلى العَرَبيَّة اليوم إشكالات واسعة. ولا تدري، لماذا يشتغل أحدهم بالترجمة، وهو لا يعدو في عمله، وضع كلمة عَرَبيَّة معجميَّة مقابل كلمة غير عَرَبيَّة؟! لتجد، في النهاية، أنَّ ترجمة «قوقل» الآليَّة أفضل بمراحل من ترجمة هذا الترجمان! هكذا قفزَ بنا (ذو القُروح) إلى عالم الترجمة. فسألتُ:

- هل من أمثلة؟

- ماذا يمكن أن تفهم، أو لا تفهم، من ترجمة أحدهم لما كتبه (رولان بارت)، في كتيِّبه «التحليل النصِّي: تطبيقات على نصوص من التوراة(1) والإنجيل والقِصَّة القصيرة»، على سبيل النموذج، هكذا، لا فُضَّت ترجمته:

«وبعد هذا مثال: بالنسبة للتحليل البنيوي للسرد؛ وعلى أي حال بالنسبة لي (لكن في هذا مجال للنقاش)، فإنَّ مشاكل الترجمة ليست ملائمة في كل الأحوال.»(2)

- ما شاء الله! كلمات عَرَبيَّة تقريبًا، لكن المعنى في بطن المترجِم!

- لا في بطنه ولا في ظهره! إنَّ قراءة النصِّ بلغة (بارت) كانت أدعى لفهمه من قراءة هذه الترجمة، مهما كان مستواك في معرفة لغة الكاتب. ذلك أن المترجِم، فوق عجمته، قطعًا لم يفهم ما دار في المقصد البارتي. من حيث إنك، كما كان يقول (عبدالقاهر الجرجاني)(3): «إذا فرغتَ من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فِكْرًا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتَّبُ لك. بحُكم أنَّها خَدَمٌ للمعاني، وتابعةٌ لها، ولاحقةٌ بها، وأنَّ العِلم بمواقع المعاني في النفس عِلمٌ بمواقع الألفاظ الدالَّة عليها في النُّطق».

- فما جدوى الترجمة هاهنا؟!

- والطريف أنَّ السِّياق عن «مشكلات الترجمة»!

- غير أنَّ الأعوص من «مشكلات الترجمة» مشكلات العُجمة، المشبَّعة بالدوارج.

- لتسأل- حماك الله- ما هدف بعض هذا الهُراء المعاصر؟

- الإسهام المعرفي؟

- بل قل: الإسهام التجاري، العائد على مَن يُسمِّي نفسه ترجمانًا، وعلى الناشر التاجر، من قَبل ومن بَعد؟

- «وبعد هذا مثال:...»؟ هكذا يقول. أيُّ مثال يقصد؟!

- وما أدراني؟

- ثمَّ «بالنسبة للتحليل البنيوي للسرد...»

- «بالنسبة» هذه يكرِّرها في سطرين مرتين!

- وفي لهجات عَرَبيَّة أخرى: «بالنِّزْبَة»!

- ثمَّ انظر إلى قوله: «للتحليل للسرد»! أو: «وعلى أي حال بالنسبة لي (لكن في هذا مجال للنقاش)، فإنَّ مشاكل الترجمة ليست ملائمة في كل الأحوال.»

- حقًّا إنها ترجمة غير ملائمة مطلقًا، ولا مفهومة، ولا عَرَبيَّة، ولا أعجميَّة!

- إلَّا إنْ كانت العَرَبيَّة لا تعني إلَّا رسم الحروف، وصِلة الكلمات النِّسبيَّة بالعَرَبيَّة، ولا علاقة لها بالتركيب، والصياغة، والقصد.

- إنَّ صاحبنا هنا يترجم بأسلوب من يتحدث بسُوقيَّة مبتذلة في الشارع.

- بل قل: بأسلوب من يهذي في حالة من «السَّرْنَمَة» اللَّيليَّة؛ لأنَّ من يتحدَّث في الشارع حريٌّ أن يتوخَّى الإبانة كي يفهمه السامع! أمَّا صاحبنا، فغير مكترث، لا بالنصِّ، ولا بالقارئ، ولا بقيمة ما يُخرجه إلى الناس، بل بقيمة ما يدخل إلى جيبه في نهاية المطاف، أو يناله من صِيت: أنَّ فلانًا قد ترجم العمل الفلاني، أو بالأصح «ترقمه»، أي رَقَمَه بحروفٍ عَرَبيَّة بلا معنى!

- وتزداد الجرأة على مثل هذه «الترقمات» اليوم في ميدان (الأدب والنقد)، أكثر بكثير من ميادين (العلوم)؛ بحُجَّة أنَّ ميدان (الأدب والنقد) ميدان الغموض وتعدُّد الدلالات والقراءات.

- صحيح. فما على المترجم من ملام، مهما جمجم وغمغم أو أبهم. لا تثريب عليه أن يرتكب كلَّ الخيانات، للنصِّ، والناصِّ، والمعنى، والقارئ، واللُّغة. بل كلَّما جاءت ترجمته ركيكةً وبلا معنى، أضفَى ذلك هالة من القيمة على الكاتب والنصِّ والمترجِم في آن! ما يستدعي حينئذٍ من (رولان بارت) نفسه أن يشتغل على نصِّه المترجم إلى العَرَبيَّة ب-«التحليل النصِّي»، لعلَّه يتمكَّن من فكِّ أسراره، ويقدِّم (قراءة صِفريَّة)! ومن ثَمَّ يَمنح مترجمًا عربيًّا نحريرًا آخَر فرصة أن يتصدَّى لنقل ذلك «التحليل النصِّي» إلى جيلٍ لاحقٍ من الأعراب؛ كي يتعلَّموا كيفيَّة تحليل النصوص؟

- وهكذا، تدور بنا الدوائر من التردِّي المعاصر، من المغرب إلى المشرق، وبلا حدود. تردِّيًا يبدأ بالكلمة، ومنها كلُّ بدء، وينتهي، حيث لا نهاية، بالعِلم والعمل.

- على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». أُشِيرَ إلى أنها «الطبعة الأُولى»؛ بما يوهم أنَّه لم يُطبَع منها شيءٌ من قبل! وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضَّبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضَّبط بالشَّكل.

- مثلًا؟

- الأمثلة كثير. لكن سأقف بك على مفتاح (جَيْزان) من «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، مثلًا. فقد جرَّدتْ الترجمة هذا الاسم حروفًا غير مضبوطة(4)، وكانت في غيره تُحرِّف الشَّكْل أحيانًا بصُوَرٍ غير صحيحة. ويُلحَظ أنَّ معظم الكلمات كانت مضبوطة بالشكل في الطبعة المِصْريَّة قبل أكثر من خمسين سنة، وبصورة صحيحة غالبًا، ثمَّ حُرِّفت في الطبعة الأخيرة. خذ مثلًا:

الطبعة المِصْريَّة: (خَوْلان، جبل العُ-رّ، عَقْم وجمعها عُقوم، ضَمَد، النجاحيَّة)، وضبطُها سليم. ثمَّ صارت في طبعة الشارقة: (خوَلان، جبل العُ-رَ، عَقْم وجمعها عَقوم، ضَمدَ، النجاحَّية).

أمَّا ما اشتركت الطبعتان في الخطأ فيه- كلُّ واحدة على طريقتها- فمنه:

الطبعة المِصْريَّة: (الموَسَمَّ، بلغ جنوبًا إلى مخا بل احتل تعزّ)، وفي طبعة الشارقة: (المَوسَمَ، بلغ جنوبًا إلى مخابل احتل تعزّ). والصواب: «المُوَسَّم»، «بلغ جنوبًا إلى (مخا)، بل احتل تعزّ».

وحديث الترجمة ذو شجون!

***

 مرفأ

أَطِعْ مَنْ شِئْتَ، واعْصِ هَوَاكَ، تَنْجُو؛

فسُ-لْطَانُ الهَ-وَى الأَمْضَى نِصَالا

وسُ-لَّ-مُ كُ-لِّ مُ-عْ-جِ-زَةٍ كِ-فَ-احٌ

يُ-فَ-تِّ-قُ في جِ-دَارِ الغَ-يْبِ جَ-الا

وخَوْفُ المَوْتِ مَوْتٌ فَوْقَ مَوْتٍ

فَأَعْ-تِ-قْْ من كِ-لا مَوْتَ-يْ-كَ بَ-الا

وأَخْوَفُ مِنْ حِيَاضِ المَوْتِ كَأْسٌ

تُحِ-يْلُ ال-مَوْتَ راحً-ا وارتِ-حَالا

ف-لا تَ-شْ-رَبْ مِ-نَ السُّ-مِّ اتِّ-كَ-اءً

عَلَى التِّرْيَاقِ، مَهْما الطِّبُّ غَالَ-ى!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...................

(1) المقصود ب-«التوراة» هنا: الأسفار التاريخيَّة القصصيَّة الأُسطوريَّة المسمَّاة ب-«العهد القديم»، لا «توراة موسى»! لكن دِقَّة المترجِم هنا طامَّةٌ شاملة!

(2) بارت، رولان، (2009)، التحليل النصِّي: تطبيقات على نصوص من التوراة والإنجيل والقصة القصيرة، ترجمة وتقديم: عبد الكبير الشرقاوي، (دمشق: دار التكوين).

(3) (1984)، دلائل الإعجاز، قرأه وعلَّق عليه: أبو فهر محمود محمَّد شاكر، (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 54.

(4) تُقارَن: طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، 11: 3292. 

في السادس عشر من مارس الماضي، وبالضبط يوم الاثنين، أفردت صحيفة «فرانكفورتر ألگيماينه» Frankfurter Allgemeine Zeitung صفحة تأبينية كاملة في ركن "Feuilleton" لوداع فيلسوف العصر الحالي يورغن هابرماس. ثمانية كتّاب، من فيلسوف أمريكي إلى مؤرخة ألمانية إلى مخرج سينمائي، كتب كل منهم من زاويته. ومع ذلك تخرج من الصفحة بصورة واحدة:

1. «معارك خاسرة» هابرماس واليسار (تانيا مارتيني)

2. «تفاؤله العنيد» الفكرة والشخص (توماس ناغل)

للآخرين.

3. «كنا في حاجة إليه الآن» في زمن مقلق (ألكسندر كلوغه)

4. «يتامى دفعة واحدة» ما يقتات عليه التلاميذ (أكسل هونيت)

5. «نموذج فرويد» هابرماس والتحليل النفسي (كريستيان غاير)

6. «لا من دون بلاغة مصقولة» دفاعا عن روح العصر اليسارية الليبرالية (أوته فريفرت)

7. «مسوحات في فضاء الأسباب» رجل الأدوار والسجلات المتعددة (كريستوف مولرز)

8. «معرفة بالحدود» حديث أخير عن الأمور الأخيرة، وعن السياسة رغم كل شيء (فريدريش فيلهلم غراف)

 رجل أنفق عمره في الدفاع عن فكرة تبدو، لأول وهلة، ساذجة.

الفكرة أن البشر يستطيعون إقناع بعضهم بعضاً بالأسباب، وأن هذا أفضل ما فيهم.

صاغها في عبارة لازمته: «الإكراه غير القسري للحجة الأفضل». والتناقض فيها مقصود؛ فالحجة الجيدة تُلزمك فعلا، إذ لا تستطيع، بعد أن تسمع دليلا قاطعا، أن تتظاهر أمام نفسك بأنك لم تسمعه. لكنها لا تلزمك بالقوة: لا سلاح فيها ولا سلطة ولا مال. هي القوة الوحيدة التي لا تذل من خضع لها، لأنها تجعله شريكا في الحقيقة لا مهزوما أمامها.

سبعون عاما من العمل، وسؤال واحد يتشعّب منها: ما الشروط التي تجعل هذا الكلام ممكنا بين الناس؟ لا الكلام الذي يخبئ مصلحة، ولا الذي يفرض نفسه بالصوت الأعلى، ولا الدعاية حين تلبس ثوب الحقيقة.

والطريف أن النموذج الذي أضاء له الطريق لم يكن كتابا، بل جلسة تحليل نفسي. حضر محاضرات عن فرويد في فرانكفورت صيف 1956، وهو في الثامنة والعشرين، وقال عنها إنها كانت له أشبه بالوحي. ما رآه هناك بسيط وعميق: إنسان يتألم من شيء لا يعرف ما هو، ولا دواء ولا أمر، بل حديث فقط؛ ومن الحديث وحده يصير الخفي ظاهرا. اللغة إذن ليست أنبوبا تمر فيه المعلومات، بل المكان الذي يتحرر فيه العقل من أوهامه.

خاض هذا المؤمن بالحوار معارك لا تحصى، وكانت كل معركة دفاعا عن الحوار نفسه من جهة مختلفة. حين دعا الطلاب الثوريون سنة 1967 إلى الفعل المباشر، رماهم بتهمة «الفاشية اليسارية»، فالمطالب العادلة، إذا استعجلت واستهانت بالإقناع، تنتهي إلى نقيضها. وحين قال له فوكو إن كلامه عن الحوار الحر وهمٌ لطيف، لم يتزحزح: نعم، التنوير أنتج كوارث، لكن الجواب أن نكمله لا أن نتركه. الحداثة عنده «مشروع غير مكتمل»، وهي أشهر عباراته. وحين حاول تيار محافظ في الثمانينيات تطبيع الماضي النازي، أشعل «خلاف المؤرخين».

مفتاح ذلك كله في سطر واحد: هابرماس ابن جيل شباب هتلر، الجيل الذي رأى بعينيه كيف يستسلم مجتمع متعلم بأكمله لإغراء شمولي. ومن رأى ذلك صبيا لا يثق بعدها بأي يقين يرفض النقاش، من أي جهة أتى.

على أن الصفحة لا تتركنا مع تمثال. كان يضحك ضحكة مجلجلة حين يضبط تلميذا متلبسا بحيلة فلسفية صغيرة. وتروي المؤرخة أوته فريفرت أنه في أمسية بجامعة ييل أجاب على وابل من الأسئلة بهدوء ولطف، والتهم في الوقت نفسه أطباقه الثلاثة واستمتع بها بوضوح. وقال في أحد لقاءاته الأخيرة، وهو يومها أشهر فيلسوف حي في العالم، إن زوجته أوته كانت أفضل منه بكثير في قراءة البشر، وإنه لولاها ما استطاع. ولمّا رحلت سنة 2025، بعد سبعين عاما من حياة مشتركة، سحبت الأرض من تحته، ولحق بها بعد شهور.

ليس في الصفحة نبرة انتصار. كل كاتب يشير، بطريقته، إلى أن الرجل مات ونظريته محاصرة. يكتب ألكسندر كلوغه أقصر النصوص وأثقلها: العالم ممزق، وثمة روحانية معتمة تتجمع تحت اسم «التنوير المظلم»، تقلب الاسم على عقبه وتعلن القطيعة مع فكرة المساواة نفسها. ويقول أكسل هونيت، أقرب تلاميذه، إنهم صاروا فجأة «بلا أب».

ثم تنقلب الصفحة على نفسها. يسأل كريستوف مولرز: أليس العكس هو الصحيح؟ أليس عالم اليوم، لا الجمهورية الألمانية القديمة الهادئة، هو الأحوج إلى العقلانية التواصلية؟ نظرية تشرح كيف يتفق الناس دون أن يقهر بعضهم بعضا لا تصير عتيقة حين يكثر القهر، بل تصير عاجلة. ويضيف أنه حين قيل لهابرماس إن التشاؤم صار شكلاً من أشكال كسل التفكير، ضحك.

ولعل هذا أبقى ما يتركه لقارئ لن يفتح ألف صفحة من نظرية الفعل التواصلي: أن تسأل نفسك، كلما اختلفت مع أحد، هل تحاول إقناعه أم إسكاته، فالفرق بينهما هو الفرق بين الديمقراطية وما عداها، سواء وقع بين دولتين أو على مائدة عشاء. وأن لا شيء يعفيك من الحجة، لا كونك على حق ولا نبل قضيتك ولا ضيق الوقت.

رجل عاش قرنا تقريبا، ورأى الفاشية في صباه والحرب الباردة في شبابه وتفكك اليقينيات في شيخوخته، ثم رفض في آخر أيامه أن يمنح التشاؤم شرف أن يكون موقفا. راهن حياته كلها على أن الكلام بين البشر يمكن أن يكون أكثر من ضجيج. والرهان لم يحسم بعد.

***

د. محمد غاني - المغرب

(أشد البشر حاجة إلى الفلسفة هم أولئك الذين لا يهتمون بالفلسفة)... آين راند (Ayn Rand) في سؤال: من يحتاج إلى الفلسفة؟

حين أُخرجت الفلسفة والمنطق من مواد مرحلة الثانوية العامة بمصر سنة 2024، بدعوى تخفيف العبء والتركيز على التخصص، جاءت النتائج وخيمة حيث تراجع الاهتمام بالمادة، وضعف وزنها الرمزي، وتحولها تدريجيًا إلى معرفة هامشية وبدل التفكير في بناء الانسان اصبح الأهم هو التكيف مع الامتحان.

وقبلها بسنوات قليلة ذكر جاك دريدا أنه عندما تقلد فكتور دوروي وزارة التعليم سنة 1863، وجد أن درس الفلسفة كان قد أُلغي من التعليم الثانوي منذ 1853 فأعاده، محددًا دور أستاذ الفلسفة كموظف في خدمة النظام الأخلاقي، بهدف تأطير الشباب البرجوازي وتحصينه من «المذاهب السلبية» التي انتشرت بسبب غياب الفلسفة. وعندما عرض الوزير الفرنسي رينيه هابي إصلاحه سنة 1975 مدعيًا الدفاع عن الفلسفة، تصدت له مجموعات من الأساتذة والباحثين، وفضحت ما اعتبرته دفاعًا وهميًا. فقد رأوا في الإجراءات الشكلية – تقليص الحصص والمعاملات وحذف المناصب – نيات مبيتة للإجهاز على الدرس الفلسفي. وأثاروا قضايا خطيرة منها: الفصل التعسفي بين الأقسام العلمية والأدبية.

هذه المعارك كشفت كما قال فلاديمير جانكليفتش:" ان تدريس الفلسفة بات مهددا في وجوده" وأصبحنا أمام معركة أعمق بين قوى تتطلع إلى الهيمنة: تفضل الإنسان المنضبط والتقني على الإنسان المتسائل والحر. والواقع ان ما حدث في مصر وفرنسا وغيرهما حول تعدد الأساليب التربوية وعدم استقرار المناهج وتراجع مكانة الفلسفة ليس مجرد اضطراب بيداغوجي، بل هو انعكاس لتصارع القوى داخل المجتمع حول مكانة السؤال النقدي وحاجتنا الى بناء مواطن حر ومسؤول.

واليوم في الجزائر، نقف أمام فصل جديد من هذه المعركة القديمة. بعد قرار إعادة تنظيم برامج السنة الثالثة ثانوي ومعاملات المواد، الذي يدخل حيز التنفيذ مع بكالوريا 2027، حيث أُخرجت الفلسفة عمليًا من امتحان البكالوريا في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، وتم دحرجتها الى السنة الثانية، وبقيت ركيزة أساسية فقط في شعبة آداب وفلسفة. ورغم ان الخطاب الرسمي يتحدث عن «إعادة برمجة» و«تخفيف العبء» و«التركيز على التخصص». الا ان السؤال الذي يفرض نفسه هو نفسه الذي طرحه الفرنسيون قبل قرن ونصف: هل نحن أمام إجراء تقني أم أمام فعل من شأنه اضعاف قدرة الأجيال على التفكير النقدي المستقل؟

لاشك ان قيمة المجتمع تقاس بمدى تأثير الفلسفة فيه،هذا المقياس الحضاري، الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي غيوم بيجار في دفاعه عن الفلسفة، يضعنا فورًا أمام هذا التساؤل: إذا كانت قيمة المجتمع تُقاس بتأثير الفلسفة فيه، فماذا يعني أن نقرر، بوعي أو بغير وعي، سحب الفلسفة من «لحظة الحسم»؟

علينا ان ندرك ان الفلسفة في وظيفتها ومن حيث قيمتها لم تُصمم في الأساس لتكون مجرد مادة دراسية بين مواد أخرى في التعليم الثانوي، بل جاءت للقيام بمهمة مزدوجة: تنشئة مواطنين مستنيرين قادرين على التفكير المستقل في القضايا الأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وتنمية مهارات التفكير المنطقي والنقدي. لكن هذا كله أصبح اليوم في خطر ففي الجزائر، ومصر، وفرنسا، تتقاطع مسارات إصلاحية تبدو مختلفة في الشكل، لكنها تلتقي في الجوهر انها تعيد تعريف قيمة الفلسفة وفق معيار أداتي يقيس المادة بمدى خدمتها المباشرة للتخصص، لا بقدرتها على تكوين عقل مستقل.

وفي خضم هذا الجدل، يسهل الانزلاق إلى فخ ردود الفعل العاطفية. فمن جهة يتعالى بكاء من يرون في أي تغيير مؤامرة على العقل. ومن جهة أخرى يبرز خطاب يدعي «الموضوعية»، يسخر من هذا البكاء باسم الواقعية، ويبارك القرارات بدعوى أن المادة قد ماتت سريريًا في الأقسام، وفي نظري كلا الموقفين يشكل عائقا امام الفهم الصحيح، ذلك ان محاولة الإمساك بحقيقة ما يحدث تقتضي بداية شجاعة القول وقوة النقد معًا: شجاعة تسمح بتشريح القرارات الرسمية وفضح تناقضاتها، وقوة نقدية تمنع من الانجراف وراء خطاب العاطفة.

يمكن القول بداية ان ما حدث ليس مجرد إجراء إداري تقني هدفه « تخفيف العبء» عن التلميذ. فالمسألة أكبر وأخطر، إنها تتعلق بنموذج الإنسان الذي تريد المنظومة التربوية بناءه. حين تُسحب الفلسفة من لحظة الحسم في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، وحين يتحول أستاذ الفلسفة تحت وطأة هذا المنطق إلى «موزع علامات» بدل أن يكون مرافقًا لفعل التفكير، فإن ما يُعلن ضمنًا هو أننا لم نعد نرى في السؤال النقدي والتفكير المستقل شرطًا من شروط تكوين الطبيب والمهندس والعالم والفنان، وهنا نطرح سؤالًا أعمق يتجاوز الوزارة والمناهج ليصل إلى فلسفة المدرسة نفسها: ألا ينبغي أن تكون الثانوية ملاذًا آمنًا، بمنأى عن ضغوط البكالوريا و«عالم الشغل»،  الا ينبغي لها ان تتحول الى مكان امن لصقل الفكر والوصول إلى الحقيقة؟ على المدرسة الجزائرية والحال هذه أن تختار بين مسارين لا ثالث لهما: الاستقلال الفكري وتنمية العقل من جهة، أو التبعية الفكرية وعقلية العبودية والخضوع للانتهازية الاقتصادية من جهة أخرى. ويجب التذكير هنا بأن المجتمع الذي يتخلى عن التفكير والنقاش الحر والمسؤول يخلق أرضًا خصبة لتكرار أنماط تاريخية خطيرة تجد نموذجا الاوضح في محن الفلاسفة من سقراط الى ابن رشد ومن سقوط الاندلس الى انسان ما بعد الموحدين.

لحظة الحسم ومعيار القيمة

علينا ان ندرك ان البكالوريا ليست مجرد امتحان تحصيلي او جسر للمرور الى الجامعة. إنها بالأساس اللحظة التي تعلن فيها المنظومة التربوية ما تعتبره ضروريًا في نهاية التكوين الثانوي. وما يُمتحن فيه التلميذ يكتسب وزنًا رمزيًا وتربويًا، وما يُخرج منه يفقد تدريجيًا مكانته في وعي ولاوعي التلميذ والأسرة والمدرسة نفسها وعندما تُقصى الفلسفة من بكالوريا الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون، أو يُخفض معاملها إلى حد يجعلها هامشية، فإن النتائج ستكون وخيمة على الفرد والمجتمع ذلك ان المعيار الأداتي، الذي يقيس قيمة المادة بمدى خدمتها المباشرة للمسار الجامعي أو المهني، يتعارض مع جوهر الفلسفة. فالفلسفة لم تكن يومًا أداة لخدمة تخصص بعينه، بل كانت شرطًا لإمكان التفكير في أي تخصص، والطبيب الذي لا يتساءل عن معنى الحياة والموت والمسؤولية، والمهندس الذي لا يفكر في آثار ما يصنعه على المجتمع والبيئة، والعالم الذي لا ينقد أسس معرفته، كلهم يفتقرون إلى بُعد أساسي من أبعاد الإنسانية وعلينا ان نتذكر ان العلم بدون ضمير هو خراب الروح.

دحرجت الفلسفة الى السنة الثانية يتناقض مع روح القانون التوجيهي

جاء في القانون رقم 08-04 المؤرخ في 15 محرم عام 1429 الموافق 23 جانفي سنة 2008، والذي يتضمن القانون التوجيهي للتربية الوطنية في الفصل الرابع حول التعليم الثانوي العام والتكنولوجي وتحديدا

المادة 53 مايلي: يشكل التعليم الثانوي العام والتكنولوجي المسلك الأكاديمي الذي يلي التعليم الأساسي الإلزامي، يرمي التعليم الثانوي العام والتكنولوجي، فضلاً عن مواصلة تحقيق الأهداف العامة للتعليم الأساسي، إلى تحقيق المهام الآتية:

- تعزيز المعارف المكتسبة وتعميقها في مختلف مجالات المواد التعليمية.

- تطوير طرق وقدرات العمل الفردي والعمل الجماعي، وكذا تنمية ملكات التحليل والتلخيص والاستدلال والحكم والتواصل وتحمل المسؤوليات.  فكيف يتحقق ذلك ونحن نُقصي الفلسفة من السنة النهائية في الشعب العلمية والتقنية واللغات والفنون؟ ان التلميذ في هذه المرحلة يقف على أعتاب الجامعة والحياة العملية، وهو في أمس الحاجة إلى الاتساع الأفقي والعمق الفكري وحرمانه من حقه في التفلسف يحوله من إنسان مفكر إلى تقني يعرف كيف يعمل، لكنه يجهل لماذا يعمل.

وإذا كان هذا القانون في روحه وجوهره حريص على بناء فكر التلميذ الجزائري وتمكينه من أدوات الاستدلال والحكم الصحيح وإذا كان من مهمة المدرسة تكوين مواطن ديمقراطي، قادر على التفكير النقدي وتدبير أحكامه الخاصة وتحمل مسؤولياته، فهل يُبنى الفكر النقدي في سنة واحدة بحجم ساعي محدود ومعامل ضعيف؟ ان الفلسفة رياضة عقلية تتطلب التدرج والتمرس ونقلها إلى السنة الثانية ثم إسقاطها من الثالثة يفقدها جوهرها، ويحولها من حوار عميق إلى تلقين سطحي بل الى مسكن عتيق غير قابل للسكن. واذا كان الهدف إعداد المتعلم لمتابعة الدراسات العليا باقتدار، فكيف نعد التلميذ العلمي أو التقني للجامعة ونحرمه من فلسفة العلوم والمنطق وأخلاقيات البحث؟  لا شك انه سيواجه في الجامعة متطلبات تتطلب روحًا نقدية وقدرة على التساؤل حول أسس المعرفة، وغياب الفلسفة في السنة الثالثة يخلق فجوة حقيقية بين التكوين الثانوي والجامعي واذا كنا نعاني من هشاشة تكوين الأستاذ وضعف التلميذ فالحل لا يمكن تلمسه في قتل الفلسفة باسم تقويمها وعلينا ان نتذكر كما قال إتيان جيلسون (إن من شأن الفلسفة أن تفلح دوماً في دفن حفاري قبرها).

أي إنسان نريد؟

ان السؤال الحقيقي ليس: هل نُبقي على الفلسفة أم نحذفها؟ بل: أي إنسان تريد المدرسة أن تخرجه؟ إنسانا يجيد الإجابة عما يطلب منه في تخصصه؟ أم إنسانا قادرا على أن يسأل لماذا يطلب منه ما يطلب، وأن يتحمل مسؤولية تفكيره؟ ففي زمن يطرح فيه الذكاء الاصطناعي أسئلة أخلاقية غير مسبوقة، وفي زمن تنتشر فيه الخطابات الجاهزة والتطرف والتسطيح، يصبح إضعاف الفلسفة خيارًا محفوفًا بالمخاطر، والمجتمع الذي يتخلى عن فن السؤال يمهد الأرض للتبعية الفكرية والخضوع. والمطلوب ليس إعادة الفلسفة كمادة شكلية لملء الجداول، بل إعادتها إلى السنة الثالثة في جميع الشعب، بحجم ساعي كافٍ ومعامل مناسب، كممارسة حية في قلب التكوين ومد جذورها الى السنوات الأولى والثانية للتعليم الثانوي والتفكير في ادراجا في نهاية مرحلة التعليم الأساسي والاحتفاء بها من خلال ما يسمى أولمبياد الفلسفة وغيرها من الإجراءات التي اشرنا اليها في مقالات سابقة، لأن الفلسفة ليست ترفًا فكريًا، ولا جثة محنطة في متحف المناهج. إنها ضرورة حياتية، وهي روح الديمقراطية، وأساس المواطنة، وشرط البقاء الإنساني في مواجهة الآلة والانغلاق، ولنستمع إلى صوت العقل، وإلى روح القانون، ونمنح أبناءنا فرصة التفكير العميق قبل دخولهم الحياة الجامعية والعملية. فالمجتمع الذي يقيس قيمته بمؤشرات النجاح وحدها، دون أن يسأل عن مدى تأثير الفلسفة فيه، مجتمع يختار التبعية على الحرية، والصمت على السؤال.

كتخريج عام

يمكن القول انه ليس جديدًا أن تعلن نهاية الفلسفة أو يتنبأ بأفولها؛ فقد تكرر هذا الإعلان في كل عصر تقريبًا، ومع ذلك لم يتحقق قط لأن الفلسفة لا تستمد حياتها من قرار إداري، ولا من برنامج دراسي، بل من حاجة الإنسان الدائمة إلى الحقيقة والمعنى والحرية.

إن الدفاع عن الفلسفة، ليس دفاعًا عن مادة في جدول التوقيت، ولا عن امتياز مهني لفئة من الأساتذة، بل هو دفاع عن فكرة المدرسة نفسها، وعن حق الطبيب والمهندس والعالم والفنان والمواطن في أن يتعلموا كيف يفكرون قبل أن يتعلموا ماذا ينتجون. فحين تغيب الفلسفة عن لحظة الحسم في التكوين، لا تخسر الفلسفة وحدها، بل تخسر العلوم بوصلة النقد، ويخسر المجتمع أحد أهم شروط حريته.

ولهذا، فإن القضية ليست قضية الفلسفة وحدها، بل قضية الإنسان الذي نريد أن تخرجه المدرسة. أما الفلسفة، فستظل – كما يعلمنا تاريخها – قادرة على أن تبدأ من جديد كلما ظن الناس أنهم بلغوا نهايتها، لأن مستقبل الفلسفة إن تحقق أمره، مرهون بمستقبلنا نحن.

***

عمرون علي

تُعد الترجمة من أعظم الإنجازات الإنسانية التي أسهمت في بناء الحضارات وتقريب المسافات بين الشعوب، فهي ليست مجرد عملية نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي وسيلة لنقل الأفكار والثقافات والقيم والمعارف والخبرات الإنسانية. فمنذ القدم أدرك الإنسان أن اختلاف اللغات لا ينبغي أن يكون حاجزًا يمنع التواصل، بل دافعًا للبحث عن وسائل لفهم الآخر والتفاعل معه، وكانت الترجمة هي الوسيلة الأهم لتحقيق هذا الهدف. وبفضلها استطاعت الأمم أن تتبادل العلوم والآداب والفنون، وأن تتعرف إلى عادات وتقاليد غيرها، مما أسهم في نشر المعرفة وتعزيز التفاهم والتعاون بين مختلف الشعوب.

لقد لعبت الترجمة دورًا محوريًا في تطور الحضارات عبر التاريخ، فالحضارات الكبرى لم تنهض بمعزل عن غيرها، وإنما استفادت من منجزات الأمم السابقة من خلال ترجمة الكتب والمؤلفات. فقد ازدهرت حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية خلال العصر العباسي، حيث تُرجمت المؤلفات اليونانية والفارسية والهندية في الطب والفلسفة والرياضيات والفلك، مما أدى إلى تطور العلوم وظهور علماء تركوا بصمة كبيرة في تاريخ الإنسانية. وبعد ذلك انتقلت هذه المعارف إلى أوروبا عن طريق الترجمة، فكانت أحد الأسباب التي مهدت لعصر النهضة الأوروبية، وهو ما يؤكد أن الترجمة كانت ولا تزال جسرًا تعبر عليه الحضارات لتبادل الإنجازات والخبرات.

الترجمة ودورها في نقل المعرفة

تمثل الترجمة الوسيلة الأساسية لنقل المعرفة الإنسانية بين الأمم، إذ تتيح للباحثين والطلاب والقراء الاطلاع على أحدث الكتب والدراسات والبحوث المكتوبة بلغات مختلفة. ولولا الترجمة لبقيت كثير من الإنجازات العلمية حبيسة لغاتها الأصلية، ولما تمكنت الشعوب من الاستفادة منها. لذلك أصبحت الترجمة عنصرًا أساسيًا في تقدم الدول، لأنها تسهم في تطوير التعليم والبحث العلمي، وتساعد على مواكبة التطورات المتسارعة في مختلف المجالات.

وفي عصر التكنولوجيا والانفتاح العالمي ازدادت أهمية الترجمة بصورة كبيرة، إذ أصبحت وسيلة لا غنى عنها في مجالات الطب والهندسة والاقتصاد والإعلام والتقنية. كما أسهمت في تسهيل التواصل بين الشركات والمؤسسات الدولية، وأتاحت فرصًا أكبر للتعاون العلمي والثقافي والاقتصادي بين الدول. ولذلك تحرص المؤسسات الكبرى على توفير مترجمين محترفين يمتلكون القدرة على نقل المعنى بدقة مع مراعاة الفروق الثقافية واللغوية.

ولا تقتصر الترجمة على نقل المعلومات فحسب، بل تساعد أيضًا على الحفاظ على التراث الإنساني، إذ تُترجم الأعمال الأدبية والفكرية إلى لغات متعددة، فتصل إلى ملايين القراء حول العالم. وبهذا تسهم في نشر الإبداع الإنساني وإبراز التنوع الثقافي الذي يميز المجتمعات المختلفة.

الترجمة وجسر التواصل بين الشعوب

تؤدي الترجمة دورًا مهمًا في تعزيز التفاهم بين الشعوب، فهي تقرب الثقافات وتزيل الكثير من الصور النمطية والأفكار الخاطئة التي قد تنشأ نتيجة الجهل بالآخر. فعندما يقرأ الإنسان أدب أمة أخرى أو يتعرف إلى تاريخها وثقافتها بلغته، يصبح أكثر قدرة على فهمها واحترام خصوصيتها، مما يعزز قيم التسامح والتعايش والسلام.

كما تسهم الترجمة في دعم الحوار بين الحضارات، لأنها تفتح المجال أمام تبادل الآراء والخبرات، وتساعد على إيجاد حلول مشتركة للقضايا العالمية التي تواجه الإنسانية، مثل التغير المناخي والصحة والتعليم والتنمية المستدامة. فاللغة قد تكون حاجزًا في البداية، لكن الترجمة تجعل هذا الحاجز يختفي، وتمنح الجميع فرصة المشاركة في بناء مستقبل أفضل.

ومن ناحية أخرى، تعد الترجمة عنصرًا أساسيًا في قطاع السياحة والعلاقات الدولية، إذ تسهل التواصل بين الزوار وأصحاب الخدمات، كما تساعد الدبلوماسيين ورجال الأعمال على بناء علاقات قائمة على الفهم والثقة. وفي الوقت نفسه، تسهم في نقل الأخبار والمعلومات بدقة بين مختلف دول العالم، مما يجعلها أداة فعالة لتعزيز التعاون الدولي.

أهمية الترجمة في العصر الحديث

أصبحت الترجمة في العصر الحديث أكثر أهمية من أي وقت مضى، بسبب التطور السريع في وسائل الاتصال وانتشار الإنترنت، حيث أصبح العالم أشبه بقرية صغيرة. ويتبادل الناس يوميًا ملايين الرسائل والمقالات والأبحاث والكتب بلغات متعددة، الأمر الذي جعل الحاجة إلى الترجمة تتزايد باستمرار. كما ساعدت التقنيات الحديثة وبرامج الترجمة الإلكترونية على تسهيل عملية الترجمة، إلا أن المترجم البشري ما زال يحتفظ بدوره الأساسي، لأنه الأقدر على فهم السياق الثقافي والدلالات اللغوية التي قد تعجز عنها البرامج الآلية.

وتبرز أهمية الترجمة كذلك في المجال الأدبي، حيث تتيح للقراء التعرف إلى روائع الأدب العالمي والاستفادة من تجارب الكتّاب والشعراء من مختلف الثقافات. كما تمنح الأدباء فرصة للوصول إلى جمهور عالمي، مما يعزز الحوار الثقافي ويثري الفكر الإنساني. وفي المجال الاقتصادي، تساعد الترجمة على توسيع الأسواق وتشجيع الاستثمار والتجارة الدولية، لأنها تسهل التواصل بين الشركات والعملاء من مختلف الجنسيات.

إن الترجمة ليست مجرد مهنة، بل هي رسالة إنسانية سامية تهدف إلى بناء جسور من الفهم والمحبة بين الشعوب، وإزالة الحواجز اللغوية التي قد تعيق التعاون والتقارب. وهي أداة فعالة لنشر العلم والثقافة، ووسيلة لترسيخ قيم الاحترام المتبادل والتسامح والتعايش السلمي بين الأمم. وكلما ازداد الاهتمام بالترجمة وتطويرها، ازدادت فرص تبادل المعرفة والخبرات، واتسعت آفاق التعاون بين الحضارات المختلفة.

لذا، يمكن القول إن الترجمة كانت ولا تزال بوابة الحضارات وجسر التواصل بين الشعوب، فمن خلالها تنتقل العلوم والآداب والفنون، وتتلاقى الثقافات، وتتقارب الأمم رغم اختلاف لغاتها. ولذلك ينبغي دعم حركة الترجمة وتشجيع المترجمين والاهتمام بتعليم اللغات الأجنبية، حتى تستمر رسالة الترجمة في خدمة الإنسانية، وتظل وسيلة لنشر المعرفة وتعزيز السلام والتعاون بين جميع شعوب العالم، لأن الحضارات لا تزدهر إلا بالحوار والانفتاح والتبادل الثقافي المستمر.

***

د. عصام البرام

 

بين مالك بن نبي ومهدي عامل.. طرف ثابت في معادلة

الفكر الثوري النافذ في الأحداث إلى عقل الأحداث مهما اختلفت اشكال كتابته سواء أكان علما، فلسفة، شعرا، أودينا وفي شتى أنواع المعرفة، هو تَمَلُّكٌ للواقع التاريخي، هذه الكلمات هي من ثمار فكر مهدي عامل، حين يقولبها إلى شعر، فمهدي عامل شاعر قبل أن يكون مفكرا أو فيلسوفا، ولنا أن نربط العلاقة بين الشعر والفلسفة (إن أمكن ذلك طبعا) لأن ثمة اختلافا بينهما، لكن الشاعر حسن حمدان وهو الإسم الحقيقي للمفكر مهدي عامل، إن عالم الأفكار يجمع ولا يفرق، يقرب المسافات بين مفكر وآخر، كن ماركسيا أو كن إسلاميا، أو قوميا، كن سنّيّا أو شيعيا، فأنت وأنا قبل كل شيئ إنسان أبونا آدم وأمّنا حواء، نعيش على هذه الأرض وسنرحل عنها يوما (يابن آدم جئت من التراب وستعود إليه (التراب) كما ولدتك أمك، فلما هذا الغرور والتعصب والهمجية؟، ومهدي عامل هو اسمه الإبداعي، لا يهم إن كان هذا الرجل ماركسيا أو على مذهب آخر، فنحن هنا نتكلم عن الفكر، كمفهوم، والفكر يظل فكرا مهما كانت إيديولوجحية صاحبه، كما نحن هنا نتكلم عن حسن حمدان الشاعر والكاتب، الإنسان المرهف الحس، الذي يلقي بنظه إلى الأفق، يحاول أن يربط العلاقة بين الشعر والفلسفة، أي المزج بين التقابل والتكامل، رغم وجود اختلاف بينهما، فالشعر يعتمد على الخيال والوجدان، بينما تعتمد الفلسفة على العقل والبرهان

يحاول مهدي عامل استنباتط الأدوات القادرة على ترويض الواقع، ويذهب بعيدا وهو ينظر إلى الأفق بنظرة حادة ثابتة فيعمل على ترويض الفكر والسيطرة عليه من خلال الوعي، والممارسة المستمرة، لتغيير الأفكار السلبية أوة الأفكار الميتة، وهذه الأفكار تحدث عنه فيلسوفنا مالك بن نبي عن طريق مراقبة الأفكار وكأنها غيوم تمر في السماء دون أن تصدقها أو تتأثر بها، للتحول إلى أمطار تسقي الأرض وتطهر القلوب المربضة، كإنسان يمارس "اليوغا"، يغمض عينيه ويأخذ نفسا عميقا، ويفتح الأبواب للعقل، وليفكر بحرية ووعي، نعم....، فحياتنا فلسفة، ولكلٍّ مِنّا طريقة تفكيره، لكن الإنسان الكيِّسُ فقط يستطيع أن يفتح باب العقل، حتى ولو كان مفتاحه به صدأ ويترك الأفكار القديمة تخرج يضعها في مصفاة لفحصها وغربلتها.

فكلما اخترقت الفكرة واحدة منها اعترضتها أخرى، حتى نتمكن من اختيار الأفضل منها، يقول حسن حمدان كل كتابة إراءة، فإمّا أن تقبل بالمخاطرة، فينتصر الفكر في محاولة المعرفة، وتنتصر الكتابة حتى لو فشلت المحاولة، لكن يظل الفكر مستمرا ولا يقف بين العلم والجهل حائرا، فينتصر للأول (أي العلم)، اللهم إن هيمن فيه الجهلُ (التعصّب) فهو إذّاك ليس بالفكر، هكذا يضع حسن حمان العقل على بساط التحليل. فالفكر كما يقول مهدي عامل لمن يعد يقنع بأن يظل هو، وأن يُحركه الجاهلون، والجاهلون هم المتعصِّبون، للفكر ...للدين..... وللكتابة أيضا، وهم اليوم يحاربون الكتابة في كل اشكالها وبكل أساليبها، لقد وصف النقاد المفكر والشاعر مهدي عامل كمنظر الثورة وشهيدها ومُعَرّي الطائفية ورموزها، فكانت نهايته الإغتيال، لقد استطاعت الشيوعية الهيمنة على العقول في كل بلاد عربية، حتى أنها وصلت إلى بلادنا (الجزائر) عن طريق الإستعمار، فغيّرت الأفكار والسياسات، ولكنها حاربت الطائفية التي هي اليوم تخرب وتهدم كل ما بناه الأسبقون في مصر وفي لبنان وفي سوريا وفي تونس وفيالجزائر التي عاشت المأساة عشرية كاملة.

كل شيئ حرّموه، حتى الشعر الحُرَّ قالوا عنه كُفْرٌ، يريدون أن تكون قلوب الناس مثل الحجارة، صلبة، جامدة، قاسية، يعني أن يتحول جميعنا إلى "وحوش، نعيش حياة الغاب ونُطَلِّقٌ "الجَمَال" الذي أبدعه فينا الله وفي الطبيعة، "و في أنفسكم أفلا تبصرون)" صدق الله العظيم (سورة الذاريات الآية 21)، وهذا ما أشار إليه حسن حمدان عندما قال: " لم يعد الفكر يقنع أن يظل حيثُ هو، أو حيث كان أو حيث أراد له البعض أن يكون، في عليائه بعيدا عن حقل تلتحم فيه الأحداث بالأحداث، وفيه يُصْنَعُ التاريخ "، يريد الإنسان أن يكون له موقع قلم وموقف يدخل به في العوالم الأخرى، هي العوالم التي تحدث عنها مالك بن نبي (الأشخاص والأفكار والأشياء) وهو يعالج المشكلة الحضارية في ظل شبكة العلاقات الإجتماعية، وقج وضع لها معادلته الشهيرة (حضارة = إنسان+ تراب+زمن)، لقد جعل مالك بن نبي الإنسان جوهر الحياة، من خلال التربية الفكرية، والتهذيب الأخلاقي، والتمكين المعرفي. فالإنسان هو جوهر أي حضارة وأساسها الحقيقي قبل المباني والتقنيات

و فهم الواقع وحده يكون بعقل منفتح مُتَّزِنٍ، دون انغلاق، فلا ينبغي لليَدِ التي تكتبُ أن تكون ملوّثة بالأفكار السوداء أو الأفكار الميتة كتلك التي تحدث عنها مالك بن نبي، وكما قال مهدي عامل: لا طُهْرَ للفكر إلا بانتقائه، فكل يد ملوثة بما تكتب تنحاز حتى حين لا تنحاز، لكن من موقع رفض للتاريخ ومن خارج دائرة زمانه، أي من موقع " القدسيِّ"، هذا الذي هو في التاريخ موقع الفكر الديني، فيختلط الأسود بالأبيض سواء بسواء، ثم تلغى الأضداد فيبقى القدسيُّ وحده (الله المقدس)، فلا شيئ مقدس، لا الفكر ولا الإنسان ولا الطبيعة، إنه طرف ثابت في معادلة، وإن كانت نهاية حسن حمدان الإغتيال برصاص مسلّحين استخدموا مسدسات مزودة بكواتم صوت، فمالك بن نبي عاش منبوذا وهو بين قومه إلى أن مات، وهذا هو الإغتيال المعنوي بأبشع صوره.

(يا أيها الإنسان ما غرّك بربك الكريم، الذي خلقك فسوّاك فعدلك وفي أي صورة ما شاء ركّبك صدق الله العظيم (سورة الإنفطار الآية رقم 06)

***

علجية عيش

من صناعة الرأي العام إلى سلطة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

على سبيل الافتتاح: شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة العلاقات الإنسانية وأنماط التواصل بفعل الثورة الرقمية التي أعادت تشكيل مفهوم الاتصال، ونقلت الإنسان من فضاء التواصل التقليدي القائم على الوسائط الكلاسيكية إلى فضاء رقمي مفتوح يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والسياسية. فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى أبرز مظاهر هذا التحول الحضاري، بعدما تحولت من مجرد أدوات للتفاعل الاجتماعي وتبادل الأخبار إلى فضاءات مؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي وصناعة المواقف وتوجيه السلوك الفردي والجماعي.

لقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها، في إحداث تغيير جذري في مفهوم المجال العام، إذ لم يعد إنتاج الخطاب وتداوله حكرا على المؤسسات الإعلامية التقليدية أو النخب السياسية والفكرية، بل أصبح الفرد العادي قادرا على إنتاج المحتوى ونشره والتأثير في المتلقين. ومن هنا ظهرت أشكال جديدة من المشاركة الاجتماعية والسياسية، حيث أصبحت هذه المنصات فضاءات للحوار والتعبير عن الرأي، ومجالات لتعبئة الجماهير وتنظيم الحركات الاحتجاجية.

وقد كشفت تجارب سياسية واجتماعية عديدة عن القوة التأثيرية لهذه الوسائل، خصوصا مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، حين ارتبطت شبكات التواصل الاجتماعي بالحركات الاحتجاجية التي شهدتها بعض المجتمعات العربية، والتي أطلق عليها إعلاميا اسم " الربيع العربي ". فقد لعبت هذه المنصات دورا بارزا في نقل الأخبار وتنظيم الاحتجاجات وتبادل المعلومات، الأمر الذي جعلها فاعلا جديدا في الحياة السياسية والاجتماعية.

غير أن الوجه الآخر لهذه الثورة التواصلية يطرح مجموعة من الإشكالات المرتبطة بإمكانية توظيف هذه الوسائل في صناعة الرأي الموجه، ونشر الأخبار الزائفة، وإنتاج الخوف الجماعي، والتأثير في اختيارات الأفراد والجماعات. فكما أتاحت وسائل التواصل إمكانات غير مسبوقة للتعبير والحرية، أصبحت في الوقت نفسه مجالا خصبا للتلاعب بالمعلومات وتوجيه السلوك الجماعي عبر تقنيات التأثير النفسي والخوارزميات الذكية.

إن ظاهرة صناعة الرأي والتأثير في الجماهير ليست جديدة في التاريخ الإنساني، فقد ارتبطت منذ القرن العشرين بظهور الأنظمة الشمولية التي وظفت الدعاية السياسية والبروباغندا لتوجيه المجتمعات وخدمة مشاريعها الإيديولوجية. ويعد النظام النازي في ألمانيا أحد أبرز النماذج التاريخية التي كشفت عن خطورة استخدام وسائل الاتصال في تشكيل الوعي الجماعي، حيث تم توظيف الإعلام والخطاب الدعائي من أجل ترسيخ أفكار التفوق العرقي وتبرير السياسات التوسعية والعنف السياسي.

غير أن الفرق بين الماضي والحاضر يكمن في طبيعة الوسائط المستخدمة، فبعد أن كانت الدعاية التقليدية تعتمد على الصحافة والإذاعة والخطابات الجماهيرية، أصبحت اليوم تعتمد على تقنيات رقمية متطورة تستفيد من البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي. وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم التحولات التكنولوجية المعاصرة، إذ لم يعد مجرد أداة تقنية لتحسين الأداء، بل أصبح عنصرا مؤثرا في طريقة إنتاج المعلومات وترتيبها وتوزيعها.

لقد دخل الذكاء الاصطناعي بقوة في عمل منصات التواصل الاجتماعي من خلال خوارزميات تحليل البيانات، وأنظمة التوصية، وتقنيات تصفية المحتوى، والكشف عن الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية. غير أن هذا الاستخدام يثير أسئلة فلسفية وقانونية وأخلاقية حول حدود تدخل الآلة في تنظيم المعرفة والتحكم في تدفق المعلومات، ومدى تأثير ذلك على حرية التعبير وحق الإنسان في الوصول إلى المعلومات المتنوعة.

من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة العلاقة المعقدة بين وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل التحولات التي عرفتها العملية التواصلية الحديثة والكشف عن الأدوار المتناقضة لهذه التقنيات؛ فهي من جهة أدوات لتعزيز المشاركة والانفتاح الديمقراطي، ومن جهة أخرى قد تتحول إلى وسائل للرقابة والتوجيه وصناعة الوعي الزائف.

إشكالية الدراسة:

أحدث التحول الرقمي خلال العقود الأخيرة انقلابا عميقا في طبيعة التواصل الإنساني، حيث لم تعد عملية الاتصال محكومة بالأنماط التقليدية التي تقوم على ثنائية المرسل والمتلقي، بل أصبحت فضاء مفتوحا تتداخل فيه مختلف أشكال التفاعل الاجتماعي والثقافي والسياسي. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد إمكانات غير مسبوقة للتعبير عن آرائهم، وتبادل المعارف، والمشاركة في النقاشات العمومية، مما جعلها أحد أبرز مظاهر التحول في بنية المجال العام المعاصر.

غير أن هذا الانفتاح الرقمي لم يكن خاليا من الإشكالات، فقد أفرز أنماطا جديدة من التأثير والتحكم في صناعة الرأي العام، حيث انتقلت آليات التوجيه من الخطابات الإعلامية المباشرة إلى أنظمة أكثر تعقيدا تعتمد على تحليل البيانات والخوارزميات الذكية. فأصبح المحتوى الذي يصل إلى المستخدم لا يخضع دائما لاختياره الحر، بل يتأثر بمنطق برمجي يقوم على ترتيب المعلومات وانتقائها وفق معايير تجارية أو سياسية أو خوارزمية، الأمر الذي يطرح أسئلة عميقة حول حدود استقلالية الفرد في بناء مواقفه وتصوراته عن العالم.

ومن هنا تبرز مفارقة العصر الرقمي، فوسائل التواصل الاجتماعي التي كان ينظر إليها باعتبارها أدوات لتحرير المعرفة وتوسيع دائرة المشاركة، أصبحت في الوقت نفسه فضاءات يمكن أن تنتشر فيها الأخبار الزائفة، وخطابات الكراهية، وأشكال التضليل الرقمي، بما يؤثر في تشكيل الوعي الفردي والجماعي. وإذا كانت الدعاية السياسية في القرن العشرين قد اعتمدت على وسائل الإعلام التقليدية لصناعة القناعة الجماهيرية، فإن العصر الرقمي أنتج أشكالا جديدة من التأثير تقوم على الخوارزميات والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي.

ويزداد هذا الإشكال تعقيدا مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي أصبح حاضرا بقوة في تنظيم المحتوى الرقمي، وتحليل سلوك المستخدمين، والتنبؤ باهتماماتهم، بل والمساهمة في إنتاج المحتوى ذاته. وبينما يقدم الذكاء الاصطناعي إمكانات مهمة في مواجهة التضليل الرقمي وتنظيم الفضاء الافتراضي، فإنه يثير في المقابل مخاوف مرتبطة بحرية التعبير، والخصوصية، والتحيز الخوارزمي، واحتمال تحول التكنولوجيا إلى أداة جديدة لممارسة السيطرة الرمزية على الإنسان.

وانطلاقا من هذه التحولات المتشابكة، تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول السؤال المركزي الآتي:

كيف أسهم العالم الرقمي في إعادة تشكيل أنماط التواصل الإنساني وتحويل آليات صناعة الرأي العام من وسائل التأثير التقليدية إلى فضاءات خوارزمية تتحكم في إنتاج المعلومات وتوجيه الوعي؟ وإلى أي حد يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون وسيلة لتعزيز المعرفة والحرية الإنسانية، بدل أن يتحول إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة والتضليل في المجتمع الرقمي؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية المركزية عدد من الأسئلة الفرعية:

ما التحولات التي عرفتها صناعة الرأي العام منذ مرحلة الدعاية التقليدية إلى عصر التواصل الرقمي؟

كيف ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع المجال العام، وفي الوقت نفسه في إنتاج أشكال جديدة من التضليل والاستقطاب؟

ما طبيعة الدور الذي تلعبه الخوارزميات في تحديد المعلومات التي يتلقاها المستخدمون وتشكيل تصوراتهم عن الواقع؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تحقيق توازن بين حماية الفضاء الرقمي واحترام حرية التعبير؟

ما حدود قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة القدرات الإنسانية، وما مستقبل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا؟

أهمية الدراسة:

تظهر أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول أحد أكثر الموضوعات راهنية في العصر الرقمي، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات، وأصبحت تؤثر في تشكيل المواقف السياسية والثقافية والاجتماعية.

وتتجلى أهمية الدراسة في النقاط الآتية:

الأهمية العلمية:

تسهم الدراسة في تحليل التحولات التي عرفها مفهوم الاتصال الإنساني في ظل الثورة الرقمية، وربطها بالإشكالات الفكرية المرتبطة بالوعي والسلطة والمعرفة.

الأهمية الاجتماعي:

تبرز الدراسة عن تأثير المنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام، وعن مخاطر الأخبار الزائفة والتلاعب بالمعلومات.

الأهمية الفكرية والفلسفية:

تطرح الدراسة أسئلة مرتبطة بعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وحدود الذكاء الاصطناعي، ومستقبل العقل البشري في ظل التطور التقني المتسارع.

الأهمية النقدية:

تسعى إلى تجاوز النظرة الأحادية للتكنولوجيا، فلا تقدمها باعتبارها عامل تحرير مطلقا أو خطرا ، بل باعتبارها أداة تتحدد قيمتها وفق طبيعة الاستخدام البشري لها.

وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الرأي المتحيز والخوف والتضليل:

الجذور التاريخية لصناعة الرأي العام وآليات التضليل:

إن ظاهرة صناعة الرأي العام والتأثير في الجماهير ليست وليدة العصر الرقمي، بل تمتد جذورها إلى مراحل تاريخية سابقة ارتبطت بتطور وسائل الاتصال واستخدامها كأدوات للتوجيه والسيطرة. فقد أدركت الأنظمة السياسية منذ بداية القرن العشرين أهمية التحكم في الخطاب الإعلامي باعتباره وسيلة أساسية لتشكيل وعي الجماهير وتوجيه مواقفها بما يخدم أهدافا سياسية أو إيديولوجية معينة.

وقد شكلت الحربان العالميتان الأولى والثانية لحظة تاريخية بارزة في تطور أساليب الدعاية السياسية، حيث انتقلت الدعاية من مجرد نقل المعلومات إلى صناعة خطاب موجه يستهدف التأثير النفسي والفكري في الجماهير. ويعد النظام النازي في ألمانيا أحد أكثر النماذج وضوحا في هذا المجال، إذ أنشأ جهازا دعائيا ضخما تولته وزارة الدعاية بقيادة جوزيف غوبلز، بهدف توجيه الرأي العام الألماني وترسيخ المشروع السياسي للنظام.

لم تكن الدعاية النازية مجرد عملية إعلامية عابرة، وإنما كانت مشروعا متكاملا لإعادة تشكيل الوعي الجماعي، حيث استهدفت ثلاثة مستويات أساسية:

المستوى الفكري وصناعة القناعة الجماعية:

اعتمد النظام النازي على إعادة صياغة إدراك المواطن الألماني للعالم، من خلال تقديم الحرب باعتبارها ضرورة تاريخية ومشروعا لاستعادة مجد ألمانيا. فقد تم توظيف الخطابات السياسية والصور والملصقات والشعارات من أجل خلق قناعة جماعية مفادها أن التوسع العسكري يمثل طريقا نحو استعادة المكانة الدولية.

وهنا تظهر خطورة الدعاية حين تتحول من وسيلة لإيصال المعلومات إلى أداة لإنتاج حقيقة بديلة، حيث يصبح الفرد لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل مع صورة مصطنعة عنه يتم بناؤها وفق أهداف السلطة.

المستوى النفسي وتوظيف العاطفة الجماهيرية:

اعتمدت الدعاية السياسية النازية على استثمار الجانب النفسي لدى الجماهير، خصوصا مشاعر الخوف والإحباط والرغبة في الانتقام بعد آثار معاهدة فرساي التي اعتبرها الألمان إذلالا تاريخيا. فقد تم تحويل هذه المشاعر إلى طاقة سياسية موجهة نحو قبول الحرب والتوسع.

وهذا يؤكد أن صناعة الرأي لا تقوم فقط على تقديم الأفكار، وإنما تعتمد كذلك على التحكم في الانفعالات الجماعية، لأن الإنسان غالبا ما يتخذ مواقفه بناء على منظومة من المشاعر قبل أن تكون نتيجة لتحليل عقلاني.

المستوى الاجتماعي والجسدي وتعبئة المجتمع:

لم تقتصر الدعاية النازية على الجانب الفكري والنفسي، بل امتدت إلى إعادة تنظيم المجتمع وفق متطلبات المشروع العسكري، حيث تم توظيف مختلف الفئات الاجتماعية لخدمة الدولة الحربية، بما في ذلك النساء والأطفال.

وقد غلف هذا الاستغلال بخطاب يقوم على مفاهيم مثل الوطنية والتضحية والانتماء، مما جعل الفرد يتحول إلى أداة داخل منظومة سياسية شاملة.

البروباغندا وصناعة الحقيقة الزائفة:

يشير مفهوم البروباغندا إلى نشر أفكار ومعلومات بطريقة موجهة بهدف التأثير في مواقف الأفراد وسلوكياتهم، وهي تختلف عن الإعلام الموضوعي الذي يقوم على التعددية والتوازن، لأنها تعتمد غالبا على الانتقاء والتوجيه وإخفاء جزء من الحقيقة.

وقد بينت التجارب التاريخية أن أخطر أشكال الدعاية لا تكمن في الكذب الصريح فقط، بل في القدرة على إعادة ترتيب الواقع وتقديم تفسير واحد للأحداث، بحيث يصبح المتلقي مقتنعًا بأنه يختار بحرية، بينما يكون في الحقيقة خاضعًا لمنظومة من الرسائل الموجهة.

ومن هذا المنظور يمكن الربط بين التجربة التاريخية للدعاية السياسية وبين أشكال التضليل الحديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تغيرت الأدوات والوسائط، لكن بقي الهدف الأساسي متمثلًا في التأثير على الوعي الجماعي.

المجال العام عند هابرماس وإشكالية التواصل العقلاني:

يرتبط تحليل وسائل التواصل الاجتماعي ارتباطا وثيقا بتصور الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس حول مفهوم المجال العام، باعتباره فضاء يسمح للأفراد بمناقشة القضايا المشتركة بحرية اعتمادًا على الحوار العقلاني والحجاج.

فالمجال العام الحقيقي لا يقوم فقط على وجود فضاء للتواصل، وإنما يشترط توفر مجموعة من القيم، لعل من أهمها:

حرية التعبير.

احترام الاختلاف.

الاحتكام إلى العقل والحجة.

إمكانية مشاركة جميع الفاعلين الاجتماعيين.

غير أن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنها فتحت فضاء واسعا للتعبير، تطرح تحديات جديدة أمام هذا النموذج، لأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة وجود تواصل عقلاني. فقد يتحول الفضاء الرقمي إلى مجال للصراع الرمزي وانتشار الأخبار الكاذبة وخطابات الكراهية.

ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية:

فوسائل التواصل الاجتماعي منحت الإنسان قدرة غير مسبوقة على الكلام، لكنها لم تضمن دائمًا القدرة على الحوار

وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها صيغة جديدة لصناعة الرأي العام:

الثورة الرقمية وتحول مفهوم الاتصال:

مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، أحدثت شبكة الإنترنت تحولا جذريا في طبيعة الاتصال الإنساني، حيث انتقل العالم من نموذج الاتصال العمودي الذي تتحكم فيه المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى نموذج أفقي يسمح بتعدد مصادر إنتاج المعلومات.

لقد أتاحت الإنترنت إمكانات هائلة تتمثل في:

سرعة تداول الأخبار.

سهولة الوصول إلى المعرفة.

تجاوز الحدود الجغرافية.

خلق مجتمعات افتراضية قائمة على الاهتمامات المشتركة.

وبذلك أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي امتدادا طبيعيا لهذا التحول، حيث لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ للمعلومة، بل أصبح منتجًا وناشرًا ومشاركًا في صناعة المحتوى.

وسائل التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي السياسي والاجتماعي:

أثبتت التجارب السياسية الحديثة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت فاعلا مؤثرا في الحياة العامة، إذ انتقلت من وظيفة التواصل الشخصي إلى التأثير في الانتخابات والحركات الاجتماعية وصناعة القرار.

ففي الانتخابات الرئاسية الأمريكية سنة 2008، شكل استخدام الحملات الرقمية نموذجًا جديدًا للتواصل السياسي، حيث تم توظيف المنصات الاجتماعية للوصول إلى الناخبين وبناء شبكات من المؤيدين.

كما ظهرت أهمية هذه الوسائل خلال الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في مناطق مختلفة من العالم، حيث ساهمت في سرعة انتشار الأخبار وتنظيم الحشود الافتراضية وتحويلها إلى حركات واقعية.

لكن هذا الدور الإيجابي لا يخفي المخاطر المرتبطة بإمكانية استغلال البيانات الشخصية وتوجيه السلوك الانتخابي، كما كشفت قضية شركة Cambridge Analytica التي أثارت نقاشا حول حدود استخدام بيانات المستخدمين في التأثير السياسي.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البشرية: بين التطور التقني وأسئلة الحرية والوعي:

الذكاء الاصطناعي بوصفه تحولا معرفيا وتكنولوجيا جديدا:

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات العلمية والتكنولوجية في القرن الحادي والعشرين، حيث انتقل من كونه مجالا متخصصا داخل علوم الحاسوب إلى قوة مؤثرة في مختلف مجالات الحياة الإنسانية. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تهدف إلى تنفيذ عمليات حسابية أو معالجة بيانات، بل أصبح منظومة قادرة على التعلم والتحليل واتخاذ بعض القرارات اعتمادا على خوارزميات معقدة وكمّ هائل من المعلومات.

ويقوم الذكاء الاصطناعي في جوهره على محاولة محاكاة بعض القدرات العقلية البشرية، مثل التعلم، والاستنتاج، والتعرف على الأنماط، ومعالجة اللغة الطبيعية، واتخاذ القرار. وقد تطورت هذه التقنيات بشكل متسارع بفضل تطور الحوسبة، وتوفر البيانات الضخمة، وظهور تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق.

غير أن هذا التطور يطرح سؤالا فلسفيا جوهريا يتعلق بطبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة: هل نحن أمام أدوات تقنية متقدمة تساعد الإنسان على تطوير قدراته، أم أمام مرحلة جديدة قد تجعل الآلة منافسا للعقل البشري؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التمييز بين مفهومين أساسيين: الذكاء بوصفه قدرة حسابية ومعالجة للمعلومات، والذكاء بوصفه وعيا وتجربة إنسانية قائمة على الفهم والقيم والأخلاق. فالآلة تستطيع تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة تفوق الإنسان، لكنها لا تمتلك بالضرورة الوعي الإنساني بما يحمله من إحساس بالذات وقدرة على بناء المعنى.

تطبيقات الذكاء الاصطناعي في وسائل التواصل الاجتماعي:

أصبحت منصات التواصل الاجتماعي من أكثر المجالات استفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تعتمد هذه المنصات على خوارزميات متقدمة لتحليل سلوك المستخدمين، واقتراح المحتويات، وتنظيم تدفق المعلومات.

وتتمثل أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذه المنصات في:

خوارزميات التوصية وصناعة المحتوى الموجه:

تعتمد شبكات التواصل الاجتماعي على تحليل اهتمامات المستخدمين وسلوكياتهم الرقمية، مثل الصفحات التي يتابعونها، والمحتويات التي يتفاعلون معها، والمدة التي يقضونها في مشاهدة منشور معين.

وبناء على هذه البيانات، تقوم الخوارزميات بإنشاء تجربة رقمية شخصية لكل مستخدم، بحيث تختلف الأخبار والمنشورات التي تظهر لشخص عن تلك التي تظهر لشخص آخر.

ورغم أن هذه التقنية تهدف إلى تحسين تجربة الاستخدام، فإنها تثير إشكالية مهمة تتمثل في إمكانية عزل الفرد داخل ما يسمى بـ "فقاعات التصفية"، حيث يجد المستخدم نفسه محاطا بمعلومات تتوافق مع اهتماماته السابقة فقط، مما قد يؤدي إلى ضعف الانفتاح على الآراء المختلفة.

وهنا يظهر خطر جديد يتمثل في أن الإنسان لم يعد يختار دائمًا ما يراه، بل أصبحت الخوارزميات تشارك في تحديد المجال المعرفي الذي يتحرك داخله.

الذكاء الاصطناعي ومراقبة المحتوى الرقمي:

مع الانتشار الهائل للمحتوى الذي ينتجه المستخدمون، أصبحت الشركات الرقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمراقبة المنشورات والصور والفيديوهات والكشف عن المحتويات المخالفة.

وتستخدم هذه التقنيات في:

الكشف عن خطاب الكراهية.

محاربة التحريض على العنف.

رصد الحسابات الوهمية.

الحد من الأخبار الزائفة.

حماية حقوق الملكية الفكرية.

وتكمن أهمية هذه الوظائف في قدرتها على معالجة ملايين المنشورات في وقت قصير، وهو أمر يصعب تحقيقه بالاعتماد على العنصر البشري فقط.

لكن هذه الوظيفة تطرح في المقابل إشكالات مرتبطة بحدود السلطة التي تمنح للخوارزميات، إذ إن عملية تصنيف المحتوى ليست دائمًا دقيقة، لأن اللغة الإنسانية ترتبط بالسياق والثقافة والتاريخ، وهي عناصر قد لا تستطيع الآلة فهمها بشكل كامل.

الذكاء الاصطناعي بين حماية الفضاء الرقمي وتهديد حرية التعبير:

يشكل موضوع حرية التعبير أحد أبرز التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل التواصل الاجتماعي. فمن جهة، يمكن لهذه التقنيات أن تساهم في خلق فضاء رقمي أكثر أمنا من خلال مواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة.

ومن جهة أخرى، قد تتحول هذه التقنيات إلى وسيلة للحد من حرية التعبير إذا تم استخدامها بطريقة غير شفافة أو دون معايير واضحة.

إيجابيات الذكاء الاصطناعي في تنظيم المحتوى:

يمكن تحديد أهم الإيجابيات في النقاط التالية:

مواجهة التضليل الرقمي:

يساعد الذكاء الاصطناعي في اكتشاف أنماط الأخبار الزائفة وتحليل مصادر المعلومات، مما يساهم في الحد من انتشار الشائعات.

الحد من خطاب الكراهية والعنف:

تستطيع الخوارزميات تحليل النصوص والصور والفيديوهات للكشف عن المحتويات التي تحرض على العنف أو التمييز.

حماية المستخدمين:

تساهم الأنظمة الذكية في حماية الأطفال والمستخدمين من المحتويات الضارة أو غير المناسبة.

تقليل الضغط النفسي على العاملين في مراقبة المحتوى:

إن مراقبة المحتويات العنيفة أو الصادمة تمثل عبئا نفسيا كبيرا على العاملين في هذا المجال، لذلك تساعد الخوارزميات في تقليل تعرضهم المباشر لهذه المواد.

مخاطر الذكاء الاصطناعي على حرية التعبير:

رغم أهمية هذه التقنيات، فإنها لا تخلو من مخاطر متعددة:

خطر الرقابة الخوارزمية:

قد تؤدي الخوارزميات إلى حذف محتويات مشروعة بسبب سوء فهم السياق أو عدم قدرتها على التمييز بين النقد وخطاب الكراهية.

فاللغة الإنسانية ليست مجرد كلمات منفصلة، وإنما هي شبكة معقدة من المعاني المرتبطة بالسياق الثقافي والاجتماعي.

التحيز الخوارزمي:

تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على البيانات التي يتم تدريبها عليها، وإذا كانت هذه البيانات تحمل تحيزات بشرية، فإن النظام قد يعيد إنتاج هذه التحيزات.

وهذا يطرح سؤالا مهما: هل الذكاء الاصطناعي محايد فعلا، أم أنه يعكس قيم ومواقف الجهات التي قامت بتطويره ؟

التحكم غير المرئي في المعلومات:

قد يشعر المستخدم بأنه يتصفح العالم بحرية، بينما تكون الخوارزميات قد رتبت له المعلومات وفق معايير تجارية أو سياسية أو خوارزمية لا يدركها.

وهنا تظهر إشكالية جديدة تتمثل في انتقال السلطة من التحكم المباشر في المعلومات إلى التحكم غير المرئي في طريقة ظهورها وانتشارها.

حدود الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان:

رغم التطور الكبير الذي حققه الذكاء الاصطناعي، فإن الحديث عن تجاوزه الكامل للإنسان يبقى موضوعا فلسفيا مفتوحا.

فالذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة هائلة على معالجة المعلومات، لكنه يفتقر إلى عناصر أساسية مرتبطة بالوجود الإنساني، مثل:

الوعي بالذات.

التجربة الشعورية.

الحس الأخلاقي.

القدرة على إنتاج المعنى.

وقد أكد عدد من الفلاسفة والباحثين أن الآلة، مهما بلغت درجة تطورها، تظل مرتبطة بالتصميم البشري وبالأهداف التي يحددها الإنسان.

وفي هذا السياق يرى الفيلسوف هوبرت دريفوس أن الحاسوب لا يستطيع محاكاة كل جوانب التفكير البشري، لأن العقل الإنساني لا يقوم فقط على معالجة المعلومات، بل يرتبط بالتجربة الحية والسياق والمعنى.

ومن هنا فإن مستقبل البشرية لن يتحدد بوجود الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما بطريقة استخدامه، وبقدرة الإنسان على وضع إطار أخلاقي وقانوني يضمن أن تبقى التكنولوجيا في خدمة الإنسان وليس العكس.

على سبيل الختام:

بينت هذه الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي يمثلان أحد أبرز التحولات التي أعادت تشكيل طبيعة الاتصال الإنساني في العصر الرقمي، حيث لم يعد التواصل مجرد عملية بسيطة تقوم على نقل الرسائل بين المرسل والمتلقي، بل أصبح منظومة معقدة تتداخل فيها التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة والثقافة، وتؤثر بشكل مباشر في تشكيل الوعي الفردي والجماعي.

لقد أظهرت الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي تحمل وجهين متناقضين؛ فهي من جهة فضاءات جديدة لتعزيز حرية التعبير، وتوسيع دائرة المشاركة الاجتماعية والسياسية، وتمكين الأفراد من إنتاج المعرفة وتبادلها خارج الأطر التقليدية. فقد ساهمت هذه المنصات في ظهور أشكال جديدة من المواطنة الرقمية، وفتحت المجال أمام فئات واسعة للمشاركة في النقاش العمومي والتعبير عن قضاياها ومطالبها.

غير أن هذه الإمكانات التحررية لا تمنع من الاعتراف بأن هذه الوسائل أصبحت في الوقت نفسه مجالا لإعادة إنتاج أشكال جديدة من التأثير والسيطرة. فإذا كانت الدعاية السياسية في القرن العشرين تعتمد على وسائل الإعلام التقليدية والخطابات الجماهيرية، فإن العصر الرقمي أفرز أشكالا أكثر تعقيدا من التأثير تقوم على تحليل البيانات الشخصية، واستثمار الخوارزميات، وتوجيه المحتوى بما ينسجم مع أهداف اقتصادية أو سياسية معينة.

وقد بين التحليل التاريخي أن صناعة الرأي العام ليست ظاهرة جديدة، إذ عرفتها الأنظمة الشمولية خلال القرن العشرين، خاصة من خلال استخدام البروباغندا لتشكيل وعي الجماهير وتوجيهها. غير أن الاختلاف الأساسي يكمن في أن أدوات التأثير الحديثة أصبحت أكثر خفاء وتعقيدا، لأنها لا تعتمد فقط على الرسائل المباشرة، بل على أنظمة خوارزمية تعمل خلف الشاشات وتؤثر في ما يراه المستخدم وما لا يراه.

كما كشفت الدراسة أن الذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة جديدة في تاريخ الاتصال، فهو يتيح إمكانات مهمة في تنظيم المحتوى، ومواجهة الأخبار الزائفة، والكشف عن خطابات الكراهية والعنف، غير أنه يطرح في المقابل مجموعة من الإشكالات المرتبطة بالخصوصية، وحرية التعبير، والتحيز الخوارزمي، وإمكانية تحول التكنولوجيا إلى أداة للرقابة غير المرئية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه البشرية اليوم لا يتمثل في التطور التقني ذاته، وإنما في كيفية بناء علاقة متوازنة بين الإنسان والتكنولوجيا؛ علاقة تجعل الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز القدرات البشرية وليس بديلا عنها، وتحافظ على قيم الحرية والتعددية والكرامة الإنسانية.

وعليه، فإن مستقبل الاتصال الرقمي سيظل رهينا بقدرة المجتمعات على تطوير وعي نقدي يمكنها من الاستفادة من مزايا التكنولوجيا، مع مواجهة مخاطرها الأخلاقية والاجتماعية والسياسية.

نتائج الدراسة:

خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، يمكن إجمالها فيما يلي:

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي فاعلا مركزيا في تشكيل الرأي العام المعاصر، ولم تعد مجرد أدوات للتواصل الشخصي، بل تحولت إلى فضاءات مؤثرة في السياسة والثقافة والمجتمع.

توجد استمرارية تاريخية بين الدعاية التقليدية والتضليل الرقمي الحديث، إذ تغيرت الوسائل والأدوات، لكن بقي الهدف المتمثل في التأثير في الوعي الجماعي وتوجيه السلوك.

أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع المجال العام الرقمي، لكنها لم تحقق دائمًا شروط التواصل العقلاني الذي تحدث عنه هابرماس، بسبب انتشار خطاب الكراهية والأخبار الزائفة والاستقطاب.

أصبحت الخوارزميات عنصرا أساسيا في تحديد طبيعة المعلومات التي يتلقاها المستخدمون، مما يجعلها شريكا خفيًا في تشكيل الإدراك الفردي للعالم.

تمثل" فقاعات التصفية" أحد أبرز تحديات البيئة الرقمية، لأنها قد تؤدي إلى عزل الأفراد داخل دوائر معرفية مغلقة تعزز مواقفهم السابقة وتحد من الانفتاح على الاختلاف.

يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين أمن الفضاء الرقمي من خلال الكشف عن المحتوى الضار، ومواجهة الحسابات الوهمية، والحد من انتشار بعض أشكال التضليل.

لا يخلو استخدام الذكاء الاصطناعي من مخاطر حقيقية على حرية التعبير، بسبب احتمال وقوع أخطاء في تصنيف المحتوى، أو حذف منشورات مشروعة، أو إعادة إنتاج تحيزات موجودة في البيانات المستخدمة.

يبقى الذكاء الاصطناعي مختلفا عن الذكاء الإنساني، لأنه يفتقر إلى الوعي والتجربة الذاتية والقدرة الأخلاقية، رغم تفوقه في سرعة معالجة البيانات.

أصبح الوعي الرقمي ضرورة اجتماعية وثقافية، لأن حماية الفرد في العصر الرقمي لا تعتمد فقط على القوانين، بل كذلك على قدرته على التفكير النقدي وتمييز المعلومات الصحيحة من الزائفة.

توصيات الدراسة:

بناء على النتائج السابقة، تقترح الدراسة مجموعة من التوصيات لعل من أهمها ما يأتي:

في المجال التربوي والثقافي:

إدماج التربية الرقمية والتفكير النقدي في المؤسسات التعليمية، من أجل إعداد أفراد قادرين على التعامل الواعي مع المعلومات الرقمية.

تعزيز ثقافة التحقق من الأخبار قبل نشرها أو تداولها.

نشر الوعي بمخاطر التضليل الرقمي وأساليب التأثير النفسي عبر المنصات الاجتماعية.

في المجال القانوني والأخلاقي:

وضع تشريعات واضحة تنظم استخدام البيانات الشخصية وتحمي خصوصية المستخدمين.

ضمان الشفافية في عمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتنظيم المحتوى.

إيجاد توازن بين مكافحة خطاب الكراهية وحماية الحق في التعبير الحر.

في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي:

تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تراعي التنوع الثقافي واللغوي للمجتمعات المختلفة.

الحد من التحيزات الخوارزمية من خلال تحسين البيانات المستخدمة في تدريب الأنظمة الذكية.

تعزيز التعاون بين المختصين في التكنولوجيا والفلسفة والقانون والعلوم الإنسانية لضمان استخدام أخلاقي للذكاء الاصطناعي.

في مجال البحث العلمي:

تشجيع الدراسات متعددة التخصصات التي تجمع بين علوم الاتصال والدراسات الرقمية والفلسفة وعلم الاجتماع.

مواصلة البحث في تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل المعرفة والإنسان والعمل.

دراسة التحولات الجديدة التي ستنتج عن تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي وتأثيره على إنتاج المحتوى.

بقلم د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي.

***

د. منير محقق

 

مانيفستو الوهم والجمال

يعجبني كثيرا أن أباهي بشعري الرطب المنساب وببريقه الأخاذ. تضحك زوجتي وأحيانا صغاري عندما أصرّ على هذا الادعاء. أبتسم عادة لأن حكاية شعري الذي ليس رطباً ولا منساباً ليست إلا أحد الأوهام التي أعيشها، وأتملكها بإضمار خفي وممتع، ربما لصورة أريد أن أكون عليها. وكلما ألححت، قالت لي زوجتي. أرني شعرك الرطب. فأمد يدي إليه كمن يلمس شيئا ليس له، ثم أعيدها خالية. غير أن الخلو لا يزعجني، لأن المتعة كانت في اللحظة التي سبقت اللمس، حين كان الشعر رطباً في خيالي. أعني بلا مواربة أن الوهم لا يُهزم باللمس، فاللمس وحده قد يمنحنا فرصة أن نكتشف أن الخيال أمتع من الجسد.

يرتهن كل هذا إلى افتقاد أزلي للإحساس الصحيح بالنفس. أعني عدم قدرة الوعي الباطني على التنبه الدائم للمقاس أو لطريقة الامتداد في الفضاء. هذا التوجس المستمر للموضع يشكل تمريناً على اكتشاف ذاتي. فعادة اللباس مثلا غادرت وظيفتها الأخلاقية والوقائية إلى وظيفة استعمالية واجتماعية، فصيغة الموضة تعتمد الهوس الدائم بالتعين واكتشاف المقاس واحتجاز الفضاء. طريقة متواترة لاكتشاف هذا الجسد الذي يمجد هوسنا الدائم بشكلنا المفقود.

هذا الوهم نفسه يدعو إلى الإصرار على فتح دولاب قديم والنظر في أشيائه اليائسة، والتأكد كل مرة من وجودها، من غير أن ننفض الغبار عنها. لا تبدو قصة الدولاب اعتباطا. لأن عدم الإقلاع عن هذا الطقس سيعطيك الانطباع أن شيئاً خفياً يسكن في ظلمته، ولأنه كان بعيداً عن المجانية التي تأكل منا نصف العمر. لماذا هذا الدولاب بالذات؟ لماذا نفتحه ولا ننفض غباره؟ لأنّنا لا نريد أن نراه نضراً. نريده كما هو مهملاً، يائساً. يأس الطرف الآخر طمأنينة. فالأشياء التي هجرنا الاهتمام بها وتُركت جانبا، تشهد أننا كنا هناك. كالجرح الذي نضغط عليه كي نتحقق أنه ما زال يؤلم. أعني أن الدولاب خزانة أوقات لم نعشها بالكامل. نفتحه كي نعيشها ناقصة. ثم نفعل ذلك مع المستقبل أيضا. نتخيل كلمات ستقال لنا، أو انتصارات سنحققها، ثم نعيش فرحتها قبل أوانها. نعود إلى تخيلها حين لا تتحقق. عندما تسألنا الذاكرة: هل كان هذا حقيقة؟ نقف حائرين. هذه الحيرة هي اللذة. أظنها رياضة في تأجيل خيبة الأمل، وتمريناً على احتمال أن تكون الحقيقة أقل بهاء

يحدث أن أستيقظ كل صباح وفي يدي بقايا حلم لم يكتمل. أحاول أن أمسك بخيطه قبل أن يفلت، كمن يركض خلف دخان. أغمض عيني من جديد لعلي أستكمله. لكن استعادته أشبه بمن يحاول أن يمد يده إلى ماء يجري. تخبرني زوجتي أنني تكلمت كثيراً في النوم؟ فأروي لها، هربا من الحرج، حكاية مبتورة وأزين فراغاتها بتفاصيل من عندي، حتى يصير ما أرويه أجمل مما رأيته.

تمتلك الكتابة هذا الاعتقاد الدائم بالاكتمال والبهاء. حتى تلك التي تُقترف ببشاعة، لا تنحاز إلى ذائقتنا فقط، لكنها تتهرب من النقد. الكتابة فعل ذهني موقوت بلحظة ضاغطة، قادرة على تجميع الجهد الفكري من كل الاتجاهات. لي فيها عجب أن أكتب الفقرة فأظنها مكتملة. ثم أعود فأرى فراغات لم تكن هناك، أو جملة كأنها لم تُكتب بيدي. وكأن النص كائن حي يمتد وينكمش، أو مرآة متغيرة كلما ابتعد الناظر. لست أدري إن أخطأت في التقدير أم إن النص يتهرب مني؟ لعل كليهما صواب.

أكتب الكلمة وأظن أنني وضعت فيها كل ما أريد، كمن يغلق حقيبة على أشيائه ويطمئن أنها هناك. ثم يقرأها آخر فيخرج منها بغير ما وضعت، وكأن الحقيبة انفتحت في الطريق ونثرت محتواها على قارعة أخرى. لا أغضب من هذا، لأنني أدرك أن معاني اللغة وهم مشترك. أتوهم أنني قلت ويتوهم أنه فهم. تولد بينهما قراءة ثالثة لا تشبه نيتي ولا تخون فهمه. لنقل كاتباً، أي كاتب يعيد قراءة رسائله القديمة فيجد نفسه فيها غريباً رغم أن الحبر لم يتغير. فماذا تغير إذن؟ لا شيء إلا أنه صار قارئا لنفسه. هو أمر قد يبدو اعتباطا لكن للمسافة والزمن أثر. أظن أن كل رسالة زجاجة نرميها في بحر، لا نعرف أي شاطئ سيلتقطها، ولا أي وجه سيبتسم أو يعبس حين يقرأها. هذا الجهل بالمصير هو ما يمنح الكتابة نشوتها. إننا نرميها إلى الريح، ونصدق أنها ستعود كما أردناها.

لا ينافي الوهم الجمالي الإدراك. على المرء أن يميز أن الذائقة في تحولاتها تفقد موازين التقنين. نمسك الجمال كمن يمسك الماء بيديه. يتسرب كلما اشتد القبض عليه. هذا ما جعل النقاد يختلفون في تعريفه، لأنه يفر من التعريف كما يفر الظل من الضوء. الجمال ليس صفة في الشيء. هو لحظة تواطؤ بين الشيء والناظر والمتلقي. ما أراه جمالاً، قد يراه الآخر قبحاً. لسنا أمام خطأ أو صواب. نحن أمام بصمات. لعل هذا هو المقاس الحقيقي. ليس مقاساً للجمال في ذاته. هو مقاس لقدرتنا على الاختلاف دون أن نكسر المرايا.

ترتهن قوة النص إلى هذا الظن المحفز على الانتشاء بالمعنى، أو التصور الدائم بالقبض على الجمال. لا يختلف عن إعجابنا بأصواتنا تحت الدش، أو قدرتنا على الغناء بصوت أوسع من أم كلثوم فقط في صمتنا. تعتمد رواية بروست "البحث عن الزمن الضائع" على خدعة النظر. يرى من بعيد شجرة واحدة وهو يعلم أنها غابة، لكنه يقبل الخدعة. إننا في النهاية رواة نبحث عن زمن أضعناه عن قصد.

يحدث أن أرى صورة قديمة التقطها صديق منذ سنوات، فلا أتعرف على الجالس فيها. أقول لنفسي. هل هذا أنا حقاً؟ أشعر أن الصورة تخونني أكثر مما تخلدني، لأنها حبست لحظة واحدة وزعمت أنها أنا جمبعا، بينما كنت في تلك اللحظة أفكر في شيء آخر تماما،. ربما في وجبة الغداء أو في دَين لم أسدده. يحمل كل منا صورا كثيرة يوزعها على الناس دون أن يقصد. أعجب كيف تُبنى هوية من شذرات متناثرة في رؤوس آخرين، كفسيفساء موزعة لا نملك منها إلا قطعة واحدة بينما الباقي محفوظ عند غرباء لن نلتقيهم ثانية. أتساءل أحياناً: أي صورة ستبقى بعدي؟ ولمن؟ أدرك أن هذا السؤال نفسه ملتبس، لأن البقاء ليس ملكاً أقرره. هو ملك الذاكرة التي ستحتفظ بما يحلو لها وتنسى الباقي أو ترميه.

تبقى لحظة الجمال مرهونة بوهم الجمال التام أو الكمال، رغم زعمها أن النص فوق المعنى. الامتداد في الفضاء لا يعادله إلا المقام في اعتقادنا نحن. أعرف أنني أمام المرآة أرى كل صباح وجهاً ليس وجهي تماما. أرى فيه شيئاً من أبي، من صديق قديم، من بطل فيلم قديم. أحاول أن أميز ملامحي فلا أعثر عليها. ثم أبتسم، لأن هذا التشوه هو ما يجعلني أنا. فلو كنت شبيها لنفسي، لكان دليلا على أنني لم أعش.

لن تكون هذه دعوة للقرار داخل لعبة تحرسها فزاعة. هي محاولة تقول إن تكريس مفهوم لذائقة معينة تحكمه الأوهام. التراكم لا يبرر وحده علو العمل الفني، لكنه يؤكد أنه ينحاز إلى الذائقة الجمعية، مثلما أريد أن أباهي بشعري المنساب.

***

سعيف علي

السينما والدين بين هيمنة النص وتحديات الشاشة

السينما والتاريخ الإسلامي بين التوثيق والدراما

تناقش العلاقة بين السينما والتاريخ الإسلامي إشكالية كبرى تتعلق بمدى قدرة الفن السابع على أن يكون مرجعاً تاريخياً موضوعياً، في مواجهة طبيعته الصناعية والتجارية التي تفرض لغة الدراما والإثارة وتبسيط الأحداث. ويبرز في صدارة هذا النقاش جذور التأسيس العالمي والمحلي؛ بدءاً من انطلاقة السينما العالمية في 28 ديسمبر 1895 على يد الأخوين لوميير (لويس وأوغِست لوميير)، وظهور أول فيلم أجنبي ذو طابع تاريخي وديني مثل "شغف المسيح" عام 1898، وصولاً إلى السينما العربية والمصرية التي دشنت مسيرتها بفيلم "ليلى" عام 1927 للمخرج استيفان روستي وإنتاج أزهار قيصر، قبل أن تنطلق الأفلام الدينية والتاريخية الإسلامية البارزة مثل فيلم "ظهور الإسلام" (1951) المقتبس من رواية "الوعد الحق" لعميد الأدب العربي طه حسين، وتلاه فيلم "فجر الإسلام" (1971) للمخرج صلاح أبو سيف، وصولاً إلى الملحمة العالمية "الرسالة" (1976) للمخرج مصطفى العقاد. لقد أدى الاعتماد غالباً على قالب "البطل المطلق" وصناعة الأيقونات في هذه الأعمال إلى طمس التعقيدات البشرية والسياسية والظلال الواقعية المذكورة في كتب التاريخ الأم. إن التضحية بالدقة التاريخية لصالح الحبكة السينمائية والخطاب العام أفرزت رؤية درامية خاضعة للمقاييس الفنية والرقابية، مما يطرح تساؤلات عميقة حول مدى تأثير هذه المعالجات على الوعي الجمعي في فهم طبيعة وتفاصيل التاريخ الإسلامي الحقيقي.

  مقص الرقيب والسلطة   التابوهات والمحاذير

تخضع صناعة الأفلام الدينية والتاريخية الإسلامية لمعادلة شديدة التعقيد تتجاوز المعايير الفنية البحتة، إذ تتقاطع فيها سلطة الرقابة السياسية مع اشتراطات المؤسسات الدينية. فمنذ ظهور التجارب الأولى، واجه صناع السينما محاذير قاسية تتعلق بتجسيد الأنبياء والصحابة وآل البيت، مما جعل أي محاولة للاقتراب من هذه المناطق تصطدم بمقص الرقيب الذي يرفع شعار حماية القدسية والتقاليد العامة. هذا المناخ الرقابي الصارم لم يقتصر على منع بعض الأعمال أو حذف مشاهد محددة، بل أسهم بمرور الوقت في خلق حالة من العزوف الإنتاجى والخوف لدى صانعي السينما من خوض هذه المغامرات خوفاً من الاتهام بالمساس بالثوابت أو التعرض للمساءلة القانونية والمجتمعية. ونتيجة لذلك، أدت هذه القيود إلى تراجع الإنتاجات التاريخية الجادة في الزمن الحالي، وتحولت السينما تدريجياً نحو خيارات أكثر أمناً وتجارية، مما طرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان غياب هذه الأفلام ناتجاً عن خوف حقيقي من التكفير والملاحقة أم عن تحولات السوق وعزوف المنتجين عن تحمل تكاليف ومخاطر هذه النوعية من الأعمال.

  السينما البديلة وعصر المنصات الرقمية

في ظل تراجع الإنتاجات السينمائية الكبرى وغياب الأعمال التاريخية والدينية عن شاشات العرض التقليدية، تبرز المنصات الرقمية وتقنيات الإنتاج الحديث كبديل استراتيجي محتمل لإحياء هذا النوع من الدراما. يطرح هذا المحور تساؤلات جوهرية حول قدرة المنصات الرقمية (مثل نتفليكس وغيرها) على تجاوز القيود الرقابية والتمويلية التي عانت منها السينما التقليدية، وإمكانية تقديم أعمال تاريخية وإسلامية بمعايير أكاديمية وموضوعية أكثر دقة تبتعد عن التسطيح والتجيمع التجاري. كما يناقش مدى نجاح السينما البديلة والإنتاجات المستقلة في إعادة صياغة السردية التاريخية بلغة بصرية معاصرة تخاطب الأجيال الجديدة دون السقوط في فخ الدعاية أو التمجيد المطلق.

الخلاصة التقييمية.. هل نجحت السينما في تقديم المفهوم الصحيح أم أساءت إليه؟

تُوجت مسيرة السينما في تناولها للتاريخ والإسلام بجدل عميق حول ما إذا كانت قد قدمت المفاهيم الدينية والتاريخية بصورة صحيحة أم أساءت إليها بقصد أو بدون قصد. فمن جهة، نجحت السينما عبر أعمالها الوجدانية والملحمية في ترسيخ قيم كبرى كالتسامح والصبر والثبات على المبدأ، وقربت السيرة النبوية وشخصيات التأسيس لوعي الجماهير بلغة بصرية مؤثرة. غير أنه من جهة أخرى، يرى الكثير من النقاد والمؤرخين أن السينما لم تقدم الإسلام بمفهومه التاريخي والواقعي العميق، بل وقعت غالباً في فخ "التقديس المطلق والتسطيح الدرامي". فعندما تم تجنب إظهار التعقيدات البشرية، والسياسات، والصراعات الحقيقية المذكورة في كتب التاريخ، وتحويل الشخصيات إلى أيقونات منزهة لتلبية متطلبات الحبكة أو الخطاب العام، جرى تقديم صورة مشوهة أو مثالية مبالغ فيها لا تشبه الواقع البشري للتاريخ الإسلامي. هذا النهج أضر أحياناً بالصورة الحقيقية للإسلام، لأنه خلق فجوة واسعة بين "إسلام السينما" المثالي الخالي من الشوائب، وبين "التاريخ الواقعي" المعقد، مما جعل هذا الإرث السينمائي قاصراً عن تقديم قراءة نقدية وموضوعية متكاملة تليق بعمق وحقيقة التاريخ الإسلامي.

آفاق المستقبل وتحديات الإنتاج الرقمي المعاصر

تمثل آفاق المستقبل وتحديات الإنتاج الرقمي المعاصر امتداداً طبيعياً لمسار السينما التاريخية والدينية، حيث يبرز التقاطع بين الثورة التقنية وتحولات العرض الحديث كعامل حاسم في إعادة تشكيل هذه الأعمال. فمع صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتصوير الافتراضي، والمؤثرات البصرية المتقدمة، تراجعت تدريجياً التكاليف الباهظة التي كانت تشكل عائقاً أمام الملاحم التاريخية الكبرى، مما فتح الباب أمام صناع السينما المستقلين لتقديم أعمال ذات جودة عالمية دون الحاجة إلى رؤوس أموال ضخمة أو ديكورات عملاقة. وإلى جانب ذلك، أسهم الانتقال من قاعات السينما التقليدية إلى فضاءات البث المفتوح والمنصات الرقمية في كسر احتكار الخطاب الموجه، إذ أصبحت هذه الأعمال تخضع لتنافسية عالمية ومواجهة مباشرة مع جمهور واعٍ يمتلك أدوات المقارنة والبحث النقدي. هذا التحول الجذري يدفع صناع الدراما اليوم نحو جرأة أكبر في طرح الشخصيات التاريخية بمعزل عن التمجيد المطلق، وتقديم دراما إسلامية تتسم بالعمق الأكاديمي والواقعية الإنسانية التي تتماشى مع متطلبات العصر الحديث

***

ئاريان علي

حين يتحول الوهم إلى سلطة والعناد إلى منهج

في مقالنا السابق "اعرف نفسك بنفسك... فلسفة معرفة النفس وآفة الإسقاط النفسي" انتهينا إلى أن معرفة الإنسان لنفسه ليست ترفا فكريا، ولا ممارسة تأملية منعزلة عن الواقع، وإنما هي الشرط الأول لبناء شخصية متوازنة، قادرة على رؤية ذاتها قبل أن تحاكم غيرها. فالإنسان الذي يجهل نفسه لا يكتفي بسوء فهم الآخرين، بل يقع أسير أوهامه، فيرى الحقائق من خلال أهوائه، ويقيس الناس بمعاييره الخاصة، ويصبح أكثر استعدادا لإسقاط عيوبه على غيره، ثم الدفاع عنها باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش.

ومن هذا المنطلق، ننتقل إلى آفة أخرى تنبت في التربة نفسها، هي آفة استبداد الجاهل بجهله؛ ذلك اللون الخفي من الاستبداد الذي لا يعتمد على قوة السلاح، ولا على سلطان المنصب، وإنما على وهم المعرفة، وغرور النفس، ورفض الاعتراف بالخطأ.

والاستبداد في معناه العام هو انفراد شخص أو جماعة بالرأي أو القرار أو السلطة مع إقصاء الآخرين، ورفض الاحتكام إلى الضوابط التي تكفل العدل والإنصاف. وهو ليس مقصورا على المجال السياسي كما يتصور كثير من الناس، بل هو نزعة قد تتسلل إلى مختلف مجالات الحياة. فقد يكون استبدادا سياسيا حين يحتكر الحاكم القرار، أو اجتماعيا حين تفرض فئة وصايتها على المجتمع، أو أسريا حين يلغي أحد أفراد الأسرة شخصية غيره، أو إداريا حين تتحول الوظيفة إلى وسيلة لفرض الأهواء، أو فكريا حين يتوهم الإنسان أنه وحده يملك الحقيقة، وأن كل رأي سواه باطل أو ناقص.

غير أن أخطر هذه الصور جميعا هو ذلك الاستبداد الذي يولد داخل النفس قبل أن يظهر في الواقع؛ لأن من استبد بنفسه سهل عليه أن يستبد بغيره. وهذا هو استبداد الجاهل بجهله، وهو استبداد لا يقوم على نقص المعرفة وحده، وإنما على تقديس هذا النقص، وتحويله إلى يقين مغلق، لا يسمح لصاحبه بأن يسمع، أو يتعلم، أو يراجع نفسه.

وليس المقصود بالجاهل هنا من لم تتح له فرصة التعلم، فذلك قد يكون أكثر الناس تواضعا، وأشدهم شغفا بالمعرفة. وإنما المقصود ذلك الذي يجهل، ثم يرفض أن يعترف بجهله، ويغضب إذا صحح له أحد خطأه، ويعد التراجع عن رأيه انتقاصا من كرامته، فيتشبث بخطئه كما يتشبث صاحب العقيدة بعقيدته، لا لأن لديه دليلا، بل لأنه يخشى أن يهتز البناء الوهمي الذي أقامه حول ذاته.

وهنا تتحول المشكلة من كونها نقصا في المعرفة إلى أزمة في الوعي، لأن الجهل البسيط يمكن علاجه بالتعلم، أما الجهل الذي يلبس ثوب اليقين فقلما يجد طريقه إلى العلاج، إذ كيف يطلب الإنسان الدواء وهو لا يشعر بمرضه؟ وكيف يبحث عن الحقيقة من يعتقد أنه قد امتلكها كاملة؟

ولعل أخطر ما يميز هذا النمط من البشر أنه لا يدخل أي حوار بحثا عن الحقيقة، وإنما يدخله بحثا عن الانتصار. فهو لا يصغي إلى الآخرين ليفهم، وإنما ينتظر انتهاءهم من الكلام ليعيد تكرار ما يؤمن به. ولا ينظر إلى الرأي المخالف باعتباره فرصة للمراجعة، وإنما يراه تهديدا لصورته، فيقاومه بعناد، ويخلط بين نقد الفكرة والطعن في شخصه.

ولذلك فإنك تراه شديد الحساسية تجاه أي تصحيح، سريع الغضب من كل نقد، قليل الاعتراف بالفضل، كثير التعلق برأيه، يظن أن التراجع ضعف، وأن الإصرار على الخطأ قوة، مع أن الحقيقة على النقيض من ذلك تماما؛ فالقوي هو من ينتصر للحقيقة ولو كانت على حساب رأيه، أما الضعيف فهو من ينتصر لرأيه ولو كان على حساب الحقيقة.

ومن سماته أيضا أنه ينتقي من الأدلة ما يوافق هواه، ويغض الطرف عن كل ما يخالفه، فإذا وجد نصا يؤيد رأيه تشبث به، وإذا وجد نصا آخر ينقضه بحث عن أي تأويل يخرجه عن ظاهره، أو تجاهله تماما. فهو لا يجعل رأيه تابعا للدليل، وإنما يجعل الدليل تابعا لرأيه، فيتحول العقل عنده من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لتبرير ما يريد الوصول إليه سلفا.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل كثيرا ما يحيط نفسه بمن يوافقونه، وينفر من كل ناصح صادق، لأن وجود المخالف يزعزع يقينه الزائف، أما وجود المصفقين فيمنحه شعورا مؤقتا بالاطمئنان. ولهذا تراه يضيق بأهل الخبرة، ويستريح إلى أهل المجاملة، لأن الأولين يوقظون عقله، والآخرين يداعبون غروره.

ومن المفارقات اللافتة أن المستبد بجهله كثيرا ما يتهم غيره بالاستبداد، ويتهم أهل العلم بالتعالي، ويتهم الناصحين بالغرور، وهو في الحقيقة إنما يسقط ما في نفسه على الآخرين. وهنا تتجلى مرة أخرى آفة الإسقاط النفسي التي تحدثنا عنها في مقالنا السابق؛ فالإنسان إذا عجز عن رؤية عيوبه، راح يفتش عنها فيمن حوله.

ومن الوجهة النفسية، فإن هذا السلوك لا يصدر غالبا عن قوة، كما يظن أصحابه، بل عن ضعف مستتر. فكثير من المستبدين بجهلهم تحركهم نرجسية مرضية تجعلهم يرون أنفسهم فوق النقد، أو شعور دفين بالنقص يحاولون ستره بالتعالي، أو خوف عميق من انهيار الصورة التي صنعوها لأنفسهم أمام الناس. ولذلك فإنهم لا يدافعون عن آرائهم لأنها صحيحة، وإنما يدافعون عنها لأنها أصبحت جزءا من ذواتهم، فيتصورون أن سقوط الرأي هو سقوط للشخص نفسه.

إن الإنسان الواثق من نفسه لا يخجل من الاعتراف بخطئه، لأن كرامته لا تقوم على العصمة، وإنما على الصدق. أما المضطرب من داخله، فإنه يجعل من العناد درعا يحتمي به، ومن المكابرة وسيلة لإخفاء هشاشته، فيزداد بعدا عن الحقيقة كلما ازداد تمسكا برأيه.

ولهذا فإن المجتمعات لا يهددها الجهل وحده، فالجهل بداية كل تعلم، وإنما يهددها أولئك الذين يحولون جهلهم إلى سلطة، ورأيهم إلى قانون، وأهواءهم إلى مقياس للحق والباطل. فالجاهل المتواضع مشروع عالم، أما الجاهل المستبد فمشروع طاغية، وإن لم يملك من أدوات الطغيان سوى لسانه أو منصبه أو رأيه.

ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسر كثيرا من صور الظلم التي نراها في حياتنا اليومية؛ إذ يبدأ الظلم في أغلب الأحيان بفكرة خاطئة، ثم تتحول هذه الفكرة إلى قناعة مغلقة، ثم إلى تعصب، ثم إلى استبداد، ثم إلى ممارسة عملية تفضي إلى إهدار الحقوق وإفساد العلاقات وتعطيل العدل.

وإذا كان استبداد الجاهل بجهله يولد في أعماق النفس، فإنه لا يظل حبيسها طويلا، بل يفرض نفسه على الواقع في صورة قرارات جائرة، وأحكام متعجلة، ومواقف متعنتة، حتى يصبح ضرره متعديا إلى كل من يتعامل معه. فصاحب هذا النمط لا يكتفي بأن يعيش أسير أوهامه، وإنما يسعى - عن وعي أو غير وعي - إلى إلزام الآخرين بها، وكأن رأيه قانون، واجتهاده حقيقة، وهواه ميزان للعدل.

ولعل أخطر البيئات التي يظهر فيها هذا اللون من الاستبداد هي المؤسسات التي تقوم على اللوائح والقوانين. فالأصل أن القواعد وضعت لتحكم الجميع، وأن يكون القائمون على تنفيذها أمناء عليها، لا أوصياء فوقها. فاللائحة لا تنتظر من الموظف أن يعيد صياغتها وفق مزاجه، وإنما تنتظر منه أن يطبقها بأمانة وتجرد وعدل.

غير أن الواقع يكشف أحيانا عن صورة مؤلمة تتكرر في أكثر من مؤسسة. توضع قواعد واضحة للترقي أو للمفاضلة أو لمنح الحقوق، وتحدد شروطها بدقة، ثم يتقدم أحد الأفراد مستوفيا جميع تلك الشروط. وهنا يكون دور اللجنة أو المسؤول هو التحقق من استيفاء الشروط، لا اختراع شروط جديدة، ولا تعطيل حق قررته اللائحة.

لكن المستبد بجهله لا يقف عند حدود النص، بل يقفز فوقه. فإذا وجد في اللائحة مادة تمنح المتقدم حقا معينا متى استوفى شروطها، رفض تطبيقها لمجرد أن قناعته الشخصية لا تستسيغها، وربما أصر على موقفه، مع وضوح النص، واتفاق بقية المختصين على سلامة تطبيقه. وهنا لا يكون الخلاف في فهم القانون، وإنما في رفض الاحتكام إليه، لأن هوى الفرد أصبح أقوى من سلطان القاعدة.

وهذا النموذج لا يقتصر على مؤسسة بعينها، بل يمكن أن يتكرر في أي مكان يغيب فيه الضمير، ويحل الهوى محل الأمانة. فالمستبد بجهله لا يرى نفسه منفذا للقانون، وإنما يرى القانون تابعا لرأيه، فإن وافقه استشهد به، وإن خالفه عطله أو أوله أو التمس له المخارج. ومن هنا تبدأ العدالة في التآكل، لا بسبب ضعف النصوص، وإنما بسبب ضعف النفوس.

ولا يقف الأمر عند حدود الإدارة، بل يمتد إلى الأسرة. فقد ترى أبا يرفض الاستماع إلى أبنائه، لا لأنهم مخطئون، وإنما لأنه اعتاد أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة. فإذا قدموا له رأيا أكثر صوابا، أو أشاروا إلى تغير ظروف الحياة، عد ذلك تمردا على سلطته. وهكذا تتحول الحكمة التي يفترض أن تمنحها الخبرة إلى استبداد يمنع الحوار ويقتل الثقة.

وتتجلى الظاهرة أيضا في ميدان التعليم، حين يرفض معلم أو محاضر تصحيح معلومة ثبت خطؤها، لأن الاعتراف بها - في ظنه - ينتقص من هيبته. وهو لا يدرك أن هيبة المعلم لا تصنعها العصمة، وإنما يصنعها صدقه العلمي، وشجاعته في الرجوع إلى الحق متى تبين له.

وفي ساحات الفكر والحوار تبدو الصورة أكثر وضوحا. فكم من إنسان يدخل النقاش وقد حسم النتيجة قبل أن يسمع الطرف الآخر. إنه لا يحاور ليفهم، بل ليغلب، ولا يناقش ليصل إلى الحقيقة، بل ليؤكد ما يعتقده مسبقا. فإذا أعوزه الدليل لجأ إلى السخرية، أو التشكيك في النيات، أو التقليل من شأن المخالف، لأن الحجة خانته، فلم يبق له إلا الطعن في صاحبها.

بل إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم بيئة خصبة لهذا النمط من السلوك. فكثير من الناس يكتفون بقراءة عنوان، أو سماع مقطع مبتور، ثم يبنون عليه أحكاما قاطعة، ويرفضون كل تصحيح، وربما هاجموا أهل الاختصاص أنفسهم، لا لأنهم يملكون علما أوسع، وإنما لأنهم استراحوا إلى جهلهم حتى توهموا أنه معرفة.

ومن السمات اللافتة لهذا النموذج أنه لا يفرق بين الثبات على المبدأ، والإصرار على الخطأ. فالثبات فضيلة إذا كان قائما على الحق، أما العناد فهو تمسك بالرأي بعد ظهور بطلانه. والفرق بينهما هو الفرق بين صاحب الضمير الذي يتبع الدليل حيث قاده، وصاحب الهوى الذي يجر الدليل إلى حيث يريد.

إن أخطر ما يفعله الجاهل المستبد أنه لا يظلم الأفراد وحدهم، بل يفسد البيئة التي يعيش فيها. فهو يشيع الخوف من إبداء الرأي، ويعاقب المبادرة، ويجعل الناس يفضلون الصمت على الصدق، والمجاملة على النصيحة، لأنهم يعلمون أن الحقيقة لن تجد أذنا تسمعها، بل كبرياء يرفضها.

ولهذا فإن المجتمعات لا تنهض بكثرة القوانين وحدها، وإنما تنهض بوجود رجال ونساء يؤمنون بأن القانون فوق الجميع، وأن الحقيقة لا تعرف الأشخاص، وأن الاعتراف بالخطأ شجاعة، لا ضعف، وأن الوظيفة أمانة، لا امتياز.

أما علاج استبداد الجاهل بجهله، فلا يبدأ بالعقوبات، وإن كانت ضرورية حين يترتب على الاستبداد ظلم للناس، وإنما يبدأ بتربية العقل والضمير معا. فالعقل يحتاج إلى أن يتعلم أن الحقيقة لا يحتكرها أحد، وأن كل إنسان معرض للخطأ، وأن الرأي يوزن بالدليل لا بصاحبه. والضمير يحتاج إلى أن يتربى على أن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن الاعتذار عن الخطأ رفعة، لا مذلة.

كما أن المؤسسات مطالبة بأن ترسخ ثقافة المراجعة، وأن تجعل اللوائح فوق الأشخاص، وأن تمنع احتكار تفسير النصوص، وأن تفتح أبواب الاعتراض والتظلم، لأن العدالة لا تكتمل بوجود النصوص، وإنما تكتمل بوجود الضمانات التي تمنع العبث بها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه قبل أن يوجهه إلى غيره: هل أنا أبحث عن الحقيقة، أم أبحث عما يؤيد رأيي؟ وهل أغضب لأن الحق خفي علي، أم لأن صورتي اهتزت أمام نفسي؟

إن الجاهل لا يصبح خطرا لأنه لا يعلم؛ فكلنا بدأ حياته جاهلا، وإنما يصبح خطرا حين يقدس جهله، ويغلق أبواب التعلم، ويجعل من رأيه سلطة تعلو على العقل، ومن هواه حكما فوق العدل. فهناك يبدأ الاستبداد الحقيقي، لا من قاعات الحكم وحدها، بل من داخل النفس، يوم ترفض أن ترى نفسها على حقيقتها.

ولهذا فإن أول خطوة في مقاومة كل أشكال الاستبداد ليست أن نحاسب الآخرين فحسب، بل أن نحاسب أنفسنا أيضا. فمن عرف نفسه هذبها، ومن هذبها تواضع، ومن تواضع تعلم، ومن تعلم اقترب من الحقيقة. أما من جهل نفسه، ثم استبد بجهله، فقد خسر أعظم نعمة وهبها الله للإنسان: نعمة العقل الحر، والبصيرة المنصفة، والضمير الحي.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني - أستاذ الفلسفة الإسلامية

كلية الآداب جامعة المنوفية

هل صحيح ان الامومة شيء جسدي ومتسامي في آن واحد. يقال عادة ان المرأة حين تصبح أما ذلك يعني تحولا عميقا. هذا التحول يبدو مختلفا بالنسبة لكل شخص طالما انه يحدث ضمن سياق حياة شخص واحد. تقول نورا حسين زادة أستاذة الفلسفة السياسية في جامعة سان فرانسسكو، بالنسبة لي، الامر كان أشبه بصدمة نقلتني من عالم التجريد الى عالم الواقع الملموس، من الفلسفي الى الحياة اليومية، من الحرية الى التأمل، الى الحاجة لعمل قرارات. عندما وضعتُ اول طفل، كنت ادرّس النظرية السياسية في جامعة برينستون، وعندما أنجبت الثاني، كنت اعلّم في ستانفورد. لذا انتقلت فجأة من الانشغال في الأفكار الكبرى – العدالة، الحرية، النظريات الإسلامية في الحكومة، الحب في الكتابات الصوفية المسيحية، الحب في الشعر الإيطالي في القرون الوسطى – الى الاهتمام اكثر بالأبعاد المادية للحياة: تغيير الحفاضات ربما كأنه 1000 مرة في اليوم، الشعور بالحاجة الحتمية للنوم مع الولادة الجديدة، والطلب من جسدي تغذية هذا الكائن الحي بحليب الام(1).

في خضم الوقوع في فخ المكونات المادية للامومة، تستعيد الكاتبة كلمات الفيلسوفة الوجودية في القرن العشرين سيمون دي بوفوار. هي تكتب حول كل من الانوثة والأمومة في كتابها (الجنس الاخر،1949)، والذي تعلّمه نورا في ستانفورد. دي بوفوار، التي لم تكن ابدا اما بذاتها، ما عدى ما تبنّته من فتاة في الثلاثينات، كانت لها تعليقات سلبية حول الامومة، وهي تنظر في الطبيعة المادية لها. ان ممارسة الامومة ساعدت نورا زاده لفهم مخاوف دي بوفوار، لكنها أيضا ساعدتها لترى اين تكمن أوجه القصور في حججها – حيث انها لم تفهم جيدا كيف ان عناصر الامومة التي تبدو عملا بدنيا شاقا وتضحية يمكن ان تكون شيئا اكبر. تلك الأجزاء من الامومة التي هي مادية مثل الرضاعة الطبيعية والحمل ذاته – يقود الى نمو روحي بسبب طبيعة تلك العناصر المادية ومن خلالها.

الرضاعة كشيء أصيل

تعتمد دي بوفوار في وصف الامومة على التمييز الوجودي بين "التسامي" transcendence والحلول او "الوجود داخل الفرد" immanence . الشخص يزدهر بالكامل، حسب قولها، عندما يقوم باشياء تسهّل تساميه. هذا يعني، الانخراط الحر في مشاريع من اختياره وابتكاره. بهذه الطريقة، هو "يمدد" وجوده. ومن جهة أخرى، الوجود داخل الفرد، المضاد للتسامي، ينطوي على القيام بامور تحافظ على الحياة بدلا من توسيعها، هذه الانماط موجّهة بنفس أنماط الحياة المعتادة والمتكررة: ذات الأهداف المعتادة، ذات المبادئ المعتادة التي لن يتسائل فيها المرء ابدا، وعلى المستوى المألوف، نفس المهام المعتادة التي يجب ان يؤديها الفرد لكي يبقى حيا، او ليبقي الاخرين احياء. ببساطة حياة الرضيع -غاية موجهة من جانب الطبيعة – هي بالتأكيد ليست مشروع من ابتكارنا. الغاية التي تعمل بها الام هي مجرد وجود (او بقاء)، وليس توسيع الوجود. ولذا بالنسبة لدي بوفوار، الامومة تبدو مرتبطة بشكل أساسي في الحلول – في انجاز مهام ضرورية للحفاظ على حياة الطفل، او بشكل عام لبقاء النوع .

التأكيد بالنسبة لدي بوفوار هو على الأبعاد المادية، وحتى الحيوانية للامومة. هي تقول، حتى عند البلوغ، يبدو جسم المرأة "مملوكا بواسطة قوى خارجية" تهدف الى استمرار النوع. مختلف العمليات المادية – الحيض، الحمل، الرضاعة – هي جزء لا يتجزأ من عملية أوسع يتم بواسطتها الحفاظ على النوع الإنساني. في هذه العمليات، المرأة لا "تؤكد" ذاتها بأسلوب وجودي – هي لا تخلق أي شيء جديد وفردي. بدلا من ذلك، هي تشارك في الحفاظ على الوجود، ولا تتجاوز الوجود الأساسي لتخلق او تنخرط في مشاريع تحمل بصمة وجودها الفردي. في فصل "من سن البلوغ الى سن اليأس"، تكتب دي بوفوار، "هي الموقع الرئيسي للقصة التي تحدث فيها ولا تهتم بها شخصيا". هي تقول عن الرضاعة، على سبيل المثال، بانها "عبودية منهكة ... المرضعة تغذي مولودا جديدا على حساب قوتها".

هذا ليس خطأً. الرضاعة يمكن ان تكون مرهقة للغاية. لكن دي بوفوار تركز خصيصا على صعوبات الرضاعة التي تمنع المرأة من التصرف بحرية في العالم، دون التحدث عن الطرق التي يمكن ان تكون بها الرضاعة ذاتها محررة. فمثلا، ماذا لو، من خلال حميمية الرضاعة، يكون الشخص قادرا على فهم مشاعر لم يشعر بها من قبل؟

تقول نورا ان الرضاعة مرهقة جسديا. انها مرهقة للجسم لصنع الحليب، وانها مرهقة للمرضع طوال اليوم وعادة في الليل. لكن الشعور بالهدوء الذي يغمر جسد الرضيع اثناء الرضاعة مشهد يستحق التقدير. انا لم أر هذا الهدوء في أي مكان اخر. لذا الرضاعة تعلّم ما هو الهدوء، من خلال السماح للام برؤية ذلك على وجه الطفل، ومن خلال السماح لها لممارسته كنتيجة لإعطائه له. كل من الام والجسد يشعران بالارتياح في هذه الحالة من الهدوء معا. واذا كانت الام تشعر بحالة روحية وذهنية من خلال ممارسة الرضاعة، فهل يمكن فقط القول انها "حيوانية"؟ عندما هي تنخرط في هذا الفعل المادي، ألا تتجاوز الام المادي أيضا؟ دي بوفوار ربما تجيب بان الرضاعة ليست "مشروعا" جديدا وفرديا، ولذلك ليست مصدرا للتسامي. بالتأكيد النساء والرضع شعروا بالهدوء اثناء الرضاعة طوال الوقت، ما هو الجديد؟ نحن لا نضع أي شيء متفرد وفردي في العالم بواسطة الرضاعة. لكن الشعور بالهدوء الناتج عن الرضاعة هو متفرد بمقدار ما يتم ممارسته من جانب هذه المرأة المعينة، وهذا الطفل المعين، سرير للراحة يقف في تضاد مع هموم الحياة . الهدوء لا يعني نفس الشيء في كل مكان او له نفس الأهمية والقيمة والتجربة والمشاعر الموجودة ضمن كل سياق. مارتن لوثر كنك علّم أهمية التعاطف، بالإشارة الى الافريقيين الأمريكيين في أمريكا في منتصف القرن العشرين. بينما التعاطف نحو المضطهد هو قيمة خالدة، والتعاطف هو شعور خالد، لكن تشجيعه للتعاطف ضمن سياقه بالتأكيد شكّل مشروعا متفرد و ذو قيمة. تطبيق المرأة لـ "الهدوء" على سياقها وحياتها هو أيضا متفرد ومشروع جدير بالاعتبار.

بالطبع، النساء اللواتي لن يصبحن أمهات ابدا ربما ينجزن و بنفس المقدار حالات وجود متسامية وهادفة من خلال تجارب أخرى – لا تحتاج المرأة لتكون اما لمولود لكي تفهم الهدوء. لكن دي بوفوار لا ترى الرضاعة كمسار محتمل واحد لبلوغ المشهد المتجاوز. بالتأكيد انها مادية صعبة حتى لدرجة الحيوان، فعل يستهلك الزمن وطاقة الام مثل الاخرين في الحياة، لكنها لها مردود هام بسبب ذلك الفعل المادي، انها تساعد كل من الام والطفل في الدخول الى حالة جديدة من الوجود. هذه ليست مجرد إشادة بالرضاعة. الأمهات اللواتي لا يرضعن رضاعة طبيعية أيضا يشعرن بصعوبة تغذية اطفالهن – إعداد القناني، الاستجابة لصراخ الجوع، القلق من كمية الغذاء – وأيضا يشهدن الهدوء التحوّلي للطفل الذي ينال غذاءً كاملا .

لحظة صمت وتأمل

الحمل، مثل الرضاعة، يمكن ان يكون اثناء التجربة البدنية ومن خلالها، محفزا لتحول الأم، او حسب تعبير دي بوفوار، للتسامي.

في فصل بعنوان "الام" من كتاب الجنس الاخر، دي بوفوار، تبدو تعترف بان فترة الحمل تجربة عميقة. هي تقول انه فعل الخلق الذي يجعل المرأة تشعر "بنفس حجم العالم" – لكن في نفس الوقت، "هذا الثراء الشديد يسحقها تماما". لذا، فان دي بوفوار ترى الحمل كتجربة روحية عميقة لكنها عابرة، لأن الحمل لا يسمح للمرأة بالبقاء دائما في هذا الشعور. في النهاية، المرأة الحامل تغطس في عالم الحيواني والمادي: هي كفرد "محطمة تماما" بالعبء الذي تحمله للنوع.

"الأمهات ... في الحقيقة لايصنعن الطفل"، دي بوفوار تكتب،"انها تصنع نفسها في داخلها، لحمها، لحمها لا ينجب الا لحما". المسألة تبدو ان الجنين لا يتشكل قصديا بواسطة ام تسعى لتشجيع قيمة عبر خلق ذلك الجنين، بل، ان خلق الجنين يحدث بدون تصميم وابتكارية المرأة: الام الحامل "تنجب الطفل في عموم جسدها". هي لا تضع الشخص المحدد الذي سيصبح عليه الطفل في المستقبل، او القيم المعينة التي سوف يعززها ويجسدها الطفل. هي لا تخلق الرجل الرقيق، العادل، الطبيب، المعلم. خصيصا، هي لا تشجع أي قيم معينة تُحدد بواسطة فرديتها من خلال تفرد وجودها، عبر امتلاك طفل. سيمون ترى ان الابداع يجب ان يحمل بصمة الفرد ليكون ذا مغزى،أصيل، متسامي.

عندما هي تقول ان الحمل يجعل المرأة تشعر كأنها "بحجم العالم"، هي تبدو تعترف تقريبا ان المرأة يمكن ان تشعر بالحماس إزاء حقيقة انها تحمل حياة داخلها. لكن وفق رؤية سيمون، هذا الشعور في غير محله، من الأفضل للمرأة ان لا تخلط بين العملية الطبيعية البيولوجية التي تتكشف في داخلها وبين أي شيء يخصها هي شخصيا. لكن الام تشارك فعلا في خلق شخص سوف يهتم ويتصرف تجاه قيم في العالم: منْ سوف يختار ليكون رقيقا او عادلا، من سوف يختار ليكون طبيبا او معلما. هي ليست فقط وسيلة لكشف ظاهرة بايولوجية بحتة. وهنا حيث الحمل، مثل الرضاعة، يمكن ان يصبح مصدرا للرضى والقناعة. عندما يُعترف بالحياة كظاهرة عميقة كما هي، وبامكاناتها الهائلة، وقدرتها على تكريس قيم، فان الشعور ببطء النمو في الحياة داخلها يمكن ان يكون مقنعا. وعندما تتصور المرأة خلق الحياة اكثر من مجرد ظاهرة حيوانية، فان الإحساس الفيزيقي الذي يرافق الحمل يصبح اكثر معنى أيضا. هي تلاحظ بقوة وتشعر ببطء خلق الحياة داخلها، وتعرف الامكانية الهائلة التي تمتلكها هذه الحياة، والشعور بالمتعة من خلال كونها شاهدا، ووعاءً لهذا النمو البطيء. لذا مع المتعة هي تحس اول مشاعر الحركة في بداية حملها، وحركات اكثر حيوية لاحقا: الحركة الهامة ليس فقط بسبب انها تشير الى وجود حياة مادية، وانما لأن هذا الكائن ذاته سيتحرك في العالم بطرق سوف تغيره لاحقا، ربما نحو الأفضل. هذه السيقان، الايدي – كلها تستمر بالحركة خارج الرحم بطرق ذات مغزى. عندما تتأمل المرأة إنسانية جنينها وحقيقة ان طفلها سيصبح قوة تخلق قيمة في العالم، فان الحمل يصبح عميقا. حركة ونمو يصبحان اكثر من مجرد شيء مادي. وهذا يقودها للاحساس بحالة من الاكتمال والرضا الذاتي. تجربة مادية تقود الى تحول روحي غير مادي.

مثلما الرضاعة تعلّم المرأة حول الهدوء، وتسمح لها بالشعور بمعنى الهدوء، كذلك الحمل يعلّمها حول القناعة، ويسمح لها للشعور به من خلال الملاحظة والمشاركة في خلق الحياة الإنسانية، والحصول على مقعد أقرب حتى من الصف الأول لمشاهدة معجزة نمو كائن بشري.

الام مع الطفل

في هذه النقطة سنتوقف لطرح هذا السؤال: اذا كانت سيمون اخطأت كثيرا حول الفوائد الأخلاقية والروحية والعاطفية للحمل والرضاعة، لماذا يجب على المرأة ان تقرأ كتاباتها؟ هل ان كلماتها مجرد خلفية نُبرز من خلالها جمال الامومة ونحتفي به؟ كلا. حتى لو كانت لم تفهم تماما الطرق التي تتحول بها الامومة، سيمون دي بوفوار تعلّمنا الكثير حول الامومة، وحول الكيفية التي يجب ان تُعامل بها الأمهات. الحقيقة هي ان الامومة حتى عندما تكون محررة، هي أيضا مقيدة بلا منازع . لذا هي صائبة لتوجيه انتباهنا للاستثمار المادي المنخرط في الامومة. حتى لو كانت الرضاعة تعلّمنا ما هو الهدوء، انها أيضا تعيدنا الى أطفالنا، او الى استخدام مضخة الحليب كل بضع ساعات. عند عدم الارضاع، تشعر المرأة بالاحتقان وبالنهاية تفقد مخزونها. الامر يبدو كأنك مقيد بأغلال. والحمل يعلّمنا حول معجزة الحياة والقناعة، لكنه أيضا معيق جسديا. تقول نورا حاولي تعليم صف تدريسي وانت تشعرين بالغثيان اثناء الثلث الأول من الحمل، او حاولي كتابة مقال، كما فعلت هي أيضا، ستشعرين بمزيد من التعب واكثر مما كان اثناء حياتك.

كما في العديد من الأشياء في الحياة، الامومة تتفاوت بين الجيد والسيء – انت مثقل بالاعباء في بعض اللحظات، ومنتعش في أخرى.

تكتب سيمون بان "المرء لا يولد، وانما يصبح امرأة". هي تجادل ان المجتمع يعرّف الامومة بطرق تفيد الرجال – ومن ثم يغلق النقاش عبر الادّعاء ان هذا التعريف يستوعب منْ هي المرأة طبيعيا. لكن طوال كتاباتها، تذكّرنا سيمون بالطرق التي تولد بها المرأة كمرأة، وكم مقيدا وصعبا في ان تكون امراة بدنيا حتى قبل ان نصبح أمهات. هي تستوعب المدى الواسع لاستثمارنا البدني عندما نقرر ان نصبح أمهات. باختصار، هي تذكّرنا بانه لكي نفهم من هي المرأة، نحن يجب أيضا ان نفهم،حسب كلمات نانسي باور، "تجربة امتلاك جسم بملامح ذات طابع جنسي وليس فقط تجربة فرض مجتمع ما عقائد الجندر على ذلك الجسد"(سيمون دي بافوار حول الامومة والقدر،2017).

مضامين سياسية

احدى المشاكل هي انه، في الغالب، الناس (الرجال خصيصا) لا يفهمون هذه "تجربة امتلاك جسد بملامح جنسية" بكل جماله و صعوباته، الطريقة التي تفهمها سيمون. هذا ينعكس سياسيا في سياسات إجازة الامومة في العالم. منظمة العمل الدولية، وهي الوكالة الدولية التي تضع معايير لممارسات عمل عادلة، تنصح بان يتم ضمان على الأقل 14 أسبوعا إجازة امومة براتب للامهات الجدد. طبقا لتقرير حديث لمنظمة العمل الدولية، ان 120 دولة تلبي او تتجاوز هذا المعيار. لكن 64 دولة تقع دونه بما يعني انه في كل واحدة من ثلاث دول في العالم لا تمتلك المرأة القدرة للحصول على الاجازة. لكن حتى عند تلبية معايير منظمة العمل الدولية هذا لا يكون كافيا للعديد من النساء. أولا، هذه الـ 14 أسبوعا نادرا ما تُدفع بالكامل، المنظمة الدولية تفترض ان المعاش اثناء إجازة الامومة يجب ان يكون على الاقل ثلثي معاش المرأة المنتظم. والعديد من النساء، حتى فترة الـ 14 أسبوعا قد لا تكفي في ضوء الأعباء المركبة للاستعادة الجسدية من ولادة الطفل، الحرمان من النوم، الرضاعة الطبيعية واستعادة الرفاهية السايكولوجية في واقع جديد وصعب (كآبة ما بعد الولادة تؤثر على النساء في غضون سنة من ولادة الطفل). كذلك، تنصح منظمة الصحة العالمية بان الرضع يتم ارضاعهم لفترة لا تقل عن ستة شهور. الرضاعة تُعرف بصعوبتها البالغة حالما تعود المرأة للعمل، لذا فان الرجوع بعد 14 أسبوع يعنى تعريض قدرة الام للخطر في الاستمرار بالعمل حتى بلوغ الأشهر الستة. اذا كنت أمريكيا سيكون الامر أسوأ. بينما العديد من الدول الصناعية لديها اجازات امومة سخية، تبقى الولايات المتحدة قيمة شاذة: هي الدولة الصناعية الوحيدة لا تضمن إجازة امومة براتب لمواطنيها. حتى النساء اللواتي يعملن دواما كاملا في وظائف مستقرة لا يستطعن الحصول على منافع إجازة امومة كافية في الولايات المتحدة، المشكلة تكون حادة لاولئك اللواتي يعملن مؤقتا في اعمال حرة.

لا توجد رعاية مؤسسية مخصصة للام الجديدة، لا وقت يُعطى لاسترداد طاقتها بعد تضحيتها للنوع الإنساني كما تقول سيمون.

استنتاج

توضح سيمون دي بوفوار الحاجة الى قوانين تضمن تكافؤ الفرص في سوق العمل. هي تبرز أيضا الحاجة الى تغيير ثقافي، لكي يفهمن النساء اللواتي لسن أمهات بذاتهن الصراع الجسدي للامومة وبالتالي يجسدن المزيد من التعاطف نحو الأمهات الجدد. قلة هذا التعاطف مترافقا مع اهتمام ضيق بالمردود المالي، عادة يقود الى تمييز جنسي ضد المرأه في سوق العمل، حتى عندما يوفر أصحاب العمل إجازة امومة سخية على الورق. في دعوة قضائية حديثة ضد غوغل،مثلا، تدّعي ان الشركة طردت امرأة من العمل حينما كانت في إجازة امومة. النساء تحتاج وتستحق الخيار للحصول على إجازة امومة سخية. سيمون تفهم ذلك. صناع القوانين وأي شخص يهتم في مساندة الأمهات، يجب ان يقرأها لكي يفهم بشكل أفضل التضحيات الجسدية الهائلة التي تترافق مع صفة الام. ما لم تقله سيمون هو كيف يمكن ان تكون هذه التضحيات الجسدية مصدرا للانجاز. في الوقت الذي هي حقا تتصور الكيفية التي يُبتلع بها جسد الانثى في السعي لإبقاء النوع حيا، هي لم تفهم اننا لسنا مجرد حيوانات عند انجاز هذه الغريزة. لكن الامومة هي في الحقيقة مشروع سيمون الذي نتبنّاه بنشاط حتى لو كانت أجسادنا تعمل بصفة مادية .

وتضيف الكاتبة نورا ان يقظتنا لتجاربنا البدنية كأمهات يمكن ان ترفعنا روحيا. نحن نشعر باستنزاف بدني للرضاعة الطبيعية، نحن نعد ونغسل القناني مئات المرات ولكن في نفس الوقت نحن نشهد ونفهم الهدوء الذي نحن قادرين على خلقه عبر ارضاع الأطفال. نحن نشعر بالانهاك البدني للحمل ولكن في نفس الوقت نحن نشعر باولى علامات الحركة، نتأمل أهمية هذه الحركة ونشعر بالقناعة في اننا نساعد في خلق حركة في العالم. نحن يجب ان نأتي الى مكان وندرك ثقافيا كل من العبء ومعنى وأهمية الامومة لكي نعطي الأمهات المساندة وأيضا الاحترام الذي يستحقنه.

***

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) Philosophy Now, June/July 2026

حين يصبح الخيال الرقمي أقوى من الجغرافيا

  منذ أكثر من عقد، لم يكد يخلو حدث اجتماعي أو سياسي كبير في المغرب من حضور الشباب باعتباره الفاعل الأكثر ظهوراً، والأكثر إثارة للأسئلة في الآن ذاته. فمن حركة 20 فبراير، إلى احتجاجات الريف، ومن النقاش الذي أثاره ما اصطلح عليه بـ"جيل زد"، وصولاً إلى مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، يتكرر المشهد نفسه، بينما يتغير السياق فقط. أما السؤال الذي يظل معلقاً فهو: ماذا حدث لخيال الشباب المغربي؟.  قد يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى بعيداً عن الاقتصاد والسياسة والاجتماع، لكنه في العمق يلامس جوهر التحولات التي يعيشها العالم. فالأزمات الكبرى لا تبدأ دائماً من نقص الموارد أو اختلال المؤسسات، بل تبدأ حين يتغير تصور الإنسان للمستقبل، وحين يصبح الأفق الذي يراه أمامه مختلفاً عن الأفق الذي يعيش داخله.

 لقد كان الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يرى أن الإنسان لا يعيش داخل الوقائع وحدها، وإنما داخل السرديات التي تمنح تلك الوقائع معناها. واليوم، لم تعد هذه السرديات تنتجها المدرسة أو الأسرة أو الجامعة أو الأحزاب، بل أصبحت تصنعها المنصات الرقمية، عبر ملايين الصور والمقاطع القصيرة والخوارزميات التي لا تكتفي بعرض العالم، وإنما تعيد بناء الرغبة فيه.

  لهذا، فإن الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مجرد أدوات للتواصل أصبح تبسيطاً شديداً. فالمنصات الرقمية لم تعد تنقل الواقع، بل تنتج واقعاً موازياً، وتعيد تعريف الممكن والمستحيل، والنجاح والفشل، والكرامة والتهميش. إنها، بتعبير ميشيل فوكو، لم تعد تمارس السلطة من خلال المنع، بل من خلال إنتاج أنماط جديدة من الذات؛ ذات ترى نفسها باستمرار في مرآة الآخرين، وتقيس قيمتها بمقدار ما تراه على الشاشات.

  ولعل أخطر ما فعلته البيئة الرقمية أنها نقلت الشباب من مقارنة أنفسهم بجيرانهم أو أبناء مدينتهم، إلى مقارنة حياتهم بعالم بأكمله. أصبح الشاب المغربي يقارن يومياً بين واقعه المحلي، وبين حياة مؤثر في برشلونة، أو طالب في أمستردام، أو عامل في مونتريال، أو صانع محتوى في دبي.

وهكذا لم تعد الجغرافيا تحدد سقف الطموح، بل أصبحت الخوارزمية هي التي ترسم حدود الرغبة.  كان بيير بورديو يؤكد أن الطموحات لا تولد في الفراغ، وإنما تتشكل داخل ما سماه "الهابيتوس"، أي البنية الاجتماعية التي تحدد ما يعتقد الإنسان أنه قادر على تحقيقه. غير أن الثورة الرقمية أعادت تشكيل هذا الهابيتوس بصورة غير مسبوقة؛ إذ صار الشباب يعيش داخل فضاء رمزي عالمي، بينما يظل محكوماً بشروط محلية لا تسمح غالباً بتحقيق ما يراه ممكناً على الشاشة.

 ومن هنا يتولد ذلك التناقض المؤلم: كلما اتسعت نافذة العالم، ازداد الشعور بضيق الواقع.  إن ما يدفع كثيراً من الشباب إلى التفكير في الهجرة ليس الفقر وحده، وإلا لكانت المناطق الأكثر فقراً هي الأكثر هجرة دائماً. إن الذي يتحرك، في جانب كبير منه، هو اتساع الفجوة بين ما يراه الإنسان ممكناً وما يستطيع بلوغه فعلاً.

 إنها فجوة يصنعها الخيال أكثر مما تصنعها الجغرافيا.  وقد وصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان هذه الحالة بأنها إحدى نتائج "الحداثة السائلة"، حيث تصبح الهويات والأماكن والروابط الإنسانية كلها مؤقتة، ويغدو الاستقرار نفسه نوعاً من الهشاشة.

 في هذا العالم السائل، تتحول الهجرة إلى وعد بالخلاص، حتى وإن كانت محفوفة بالموت.  ولذلك فإن مشاهد الشباب الذين يلقون بأنفسهم في البحر ليست مجرد رد فعل على البطالة أو الهشاشة الاجتماعية، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لما يمكن تسميته بالاستعمار الرمزي للخيال. فالمنصات الرقمية لا تعرض أوروبا باعتبارها فضاءً معقداً مليئاً بالتحديات، وإنما تقدمها في الغالب كصورة مكتملة للنجاح والرفاه والحرية.

وهنا لا يهاجر الشباب نحو مكان، بل يهاجرون نحو صورة.  لقد أدرك "غي ديبور"، في كتابه "مجتمع الفرجة"، هذه الحقيقة مبكراً حين كتب أن العالم الحديث لم يعد يُعاش مباشرة، بل أصبح يُعاش عبر الصور.

واليوم، تبدو هذه المقولة أكثر صدقاً من أي وقت مضى؛ فالصورة لم تعد تمثل الواقع، بل أصبحت بديلاً عنه، وأصبح كثير من الشباب يعيشون داخل تمثلات للعالم أكثر مما يعيشون العالم نفسه.  إن أخطر ما تفعله الخوارزميات أنها لا تفرض الأفكار بالقوة، وإنما تعيد إنتاجها بلا نهاية. فهي تمنح المستخدم باستمرار ما يشبه رغباته، فتغلقه داخل دائرة من الصور والقصص والمقارنات، حتى يقتنع بأن الحياة التي يشاهدها هي القاعدة، بينما حياته الواقعية ليست سوى استثناء مؤلم.

  لهذا، فإن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية، أو أي احتجاج شبابي، لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو الاقتصادية وحدها. فقبل أن تكون أزمة حدود، هي أزمة معنى. وقبل أن تكون أزمة تشغيل، هي أزمة أفق. وقبل أن تكون أزمة تنمية، هي أزمة خيال اجتماعي فقد قدرته على إنتاج مستقبل يمكن العيش من أجله داخل الوطن.

 إن الرهان الحقيقي لم يعد فقط خلق فرص الشغل أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، على أهميتهما، بل أصبح يتعلق بإعادة بناء الثقة في المستقبل، واسترجاع قدرة المجتمع على إنتاج سردية جماعية تمنح الشباب معنى للانتماء، وأفقاً للحلم، وإحساساً بأن المستقبل لا يوجد دائماً خلف البحر، بل يمكن أن يبدأ من هنا.  فالأمم لا تنهزم حين يهاجر أبناؤها فقط، وإنما حين يهاجر خيالهم قبل أجسادهم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

الحرية الوحيدة التي يبدو أنها ازدهرت في كثير من مجتمعاتنا ليست حرية التفكير، ولا حرية الإبداع، ولا حرية الضمير

الحرية الوحيدة المتاحة في مجتمعاتنا، هي حرية التدخل في شؤون الآخرين!

هي حرية التطَفل والمراقبة والتسلط وفرض السيطرة! هي حرية إختراق خصوصيتك! طبعا مع إبداء الرأي في نواياك ومظهرك وأفكارك؛ بالإضافة إلى تحديد مصيرك بعد الموت إنطلاقا من رؤيتهم ومنظورهم

ما أتعس الإنسان حين يولد في بقعة جغرافية لا يملك فيها أفكاره، ولا أحلامه، ولا أمنياته، ولا حتى حقه في أن يتخيل عالما آخر.

 ما أتعسه حين يقضي أجمل سنوات عمره في مكان يشعره أن كل شيء فيه مستعار؛ صوته مستعار، وخياراته مستعارة، وحتى صورته عن نفسه تصاغ بأيدي الآخرين. يعيش محاصرا بنظرات لا ترحم، وأحكام لا تنتهي، وتوقعات لا يستطيع الإفلات منها، حتى يفقد تدريجيا القدرة على معرفة من يكون حقا.

ما أتعسه حين يقضي أجمل سنوات العمر في وطن يتفتقد فيه خصوصيته و ابسط حقوقه الإنسانيه

الجميع يراقب، والجميع يحاكم، والجميع يمنح نفسه سلطة لا يملكها. يسألون عن تفاصيل حياتك، ويقيمون اختياراتك، ويصادرون حقك في الاختلاف، ثم يمضون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيفتشون في النوايا، ويصدرون الأحكام على الضمائر، بل ويتجرأ بعضهم على توزيع مفاتيح الجنة والنار، وكأنهم أوكل إليهم الفصل في مصائر البشر

وأصبح كل فرد رقيبا على الآخر، وقاضيا عليه، وسجانا له. واصبحت الحياة شبكة من العيون التي لا تنام، والألسنة التي لا تتوقف عن إصدار الأحكام، حتى بات الإنسان يختنق داخل ذاته، ويخشى أن يفكر بصوت مرتفع، أو يحلم بحياة لا تشبه ما ألفه الجميع

لقد أصبح الإنسان يعيش تحت احتلال اجتماعي دائم. ليس احتلالا للأرض، بل للعقل والوجدان. فحتى أفكارك لم تعد ملكك، بل تنتظر موافقة الجماعة. وحتى أحلامك يجب أن تمر عبر رقابة المجتمع. وحتى مظهرك،

 وضحكتك، وصمتك، وصداقاتك، وكتبك، وأسئلتك، كلها تتحول إلى ملفات مفتوحة للمراجعة والتقييم.

ولأن الوصاية لا تعرف حدودا، فإنها لا تكتفي بما تراه العين، بل تمتد إلى ما لا يعلمه إلا الله. يفسرون نياتك، ويحددون مقاصدك، ويحاكمون ضميرك، ثم يمنحون أنفسهم الحق في إصدار الأحكام على آخرتك

اعتقد ان الأمم لا تنهض لأن أبناءها متشابهون، بل لأنها تحترم اختلافهم. فكل إنجاز إنساني عظيم بدأ بفكرة خالفت السائد، وكل نهضة ولدت من عقل رفض أن يستعير وعيه من الآخرين. أما المجتمع الذي يصادر الفرد، فلن ينتج إلا نسخا متطابقة، تتشابه في الخوف، وتتوارث الصمت، وتعيد إنتاج التخلف جيلا بعد جيل.

ولعل أعظم اختبار لأخلاق الإنسان ليس مقدار تدينه، ولا كثرة شعاراته، ولا صخب مواعظه، بل قدرته على احترام المسافة التي تبدأ عندها حرية الآخر.

لا تسمح لأحد أن يحتل عقلك باسم النصيحة، ولا أن يصادر ضميرك باسم الفضيلة، ولا أن يرسم لك حدود أحلامك باسم العادات، ولا أن يختار لك كيف تفكر، أو كيف تعيش، أو حتى كيف تلقى ربك. احتفظ بمساحتك الإنسانية دائما

لا تسمح لأحد أن يعيش داخل رأسك، أو أن يتكلم بلسان ضميرك، أو أن يصادر حقك في أن تكون مختلفا.

لا تسمح لأحد أن يقنعك بأن الطاعة فضيلة إذا كانت ثمنا لفقدان ذاتك، ولا بأن الصمت حكمة إذا كان خوفا، ولا بأن التشابه نجاة إذا كان موتا للعقل. قاوم كل من يريد أن يصنع منك نسخة أخرى من القطيع.

***

ابتهال عبد الوهاب

كيف يصنع الحوار الأصدقاء.. وتصنع الصداقة الحضارة؟

بمناسبة اليوم العالمي للصداقة – 30 يوليو

في الثلاثين من يوليو من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للصداقة، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2011 انطلاقًا من قناعة عميقة بأن الصداقة بين الشعوب والثقافات والأفراد ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل ركيزة من ركائز السلام العالمي، وجسر للتفاهم بين البشر، ووسيلة لمواجهة الكراهية والعنف والتمييز. لقد أرادت الأمم المتحدة لهذا اليوم أن يذكرنا بأن مستقبل الإنسانية لا يصنعه السلاح وحده ولا الاقتصاد وحده، وإنما تصنعه أيضًا الثقة المتبادلة، والحوار، والقدرة على بناء صداقات تتجاوز الحدود والهويات الضيقة.

ولعل هذا المعنى هو ما دفعني إلى الكتابة في هذه المناسبة، لا عن الصداقة بوصفها علاقة شخصية أو عاطفة وجدانية فحسب، بل بوصفها مفهومًا فلسفيًا وحضاريًا، وشرطًا من شروط التفكير الحر وإنتاج المعرفة. فالفلسفة، منذ ولادتها، لم تكن خطابًا يُلقى من أعلى، ولا حقيقة جاهزة تُفرض على العقول، وإنما كانت حوارًا مفتوحًا بين ذوات حرة ومتساوية، تبحث عن الحقيقة دون أن يدعي أحد امتلاكها كاملة. ولهذا يمكن القول إن الفلسفة تبدأ حيث تبدأ الصداقة، وأن الحضارة تبدأ حين يتحول الحوار إلى أسلوب حياة.

في كل مرة أشارك فيها في ندوة فلسفية، أو أنتهي من قراءة كتاب عميق، أو أكتب مقالًا يثير سؤالًا جديدًا، يزداد يقيني بأن الفلسفة لا تُولد في العزلة، ولا تنمو في الصمت، وإنما تنبثق من اللقاء الحي بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم. فالعقل لا يكتشف نفسه إلا في مواجهة عقل آخر، ولا تتولد المفاهيم إلا من احتكاك التجارب واختلاف الرؤى. ولهذا لم يكن تاريخ الفلسفة سوى تاريخ للحوار، ولم يكن الحوار ممكنًا إلا في فضاء من الندية، حيث لا يحتكر أحد الحقيقة، ولا يمتلك أحد الكلمة الأخيرة.

الصداقة، في تقديري، ليست حالة واحدة، بل هي أنماط ودرجات ومستويات، كما أن الأصدقاء أنفسهم ليسوا صورة متطابقة. فمنهم صديق المصلحة الذي تزول صداقته بزوال المنفعة، وصديق المتعة الذي يخفت حضوره بانطفاء الرغبة، وصديق الزمالة الذي يبقى في حدود المؤسسة أو المهنة، وهناك صديق المعرفة والهموم المشتركة، وهو أندرهم جميعًا، لأنه لا يشاركك الوقت فحسب، بل يشاركك قلق السؤال، ومتعة الاكتشاف، وشغف القراءة والكتابة، ويمنحك أعظم هدية يمكن أن يقدمها صديق لصديقه: النقد الصادق.

ذلك هو الصديق الذي لا يصفق لكل ما تكتب، ولا يجاملك في كل ما تقول، بل يدفعك إلى مراجعة أفكارك، ويكشف لك مناطق الضعف قبل أن يثني على مناطق القوة. ولعل أجمل شعار يمكن أن يلخص هذا النوع من الصداقة هو: «أكتب كي أفهمك… وأنقدك كي أساعدك على أن تفهم نفسك.» فالصداقة الفكرية ليست مجاملة، وإنما شراكة في إنتاج المعرفة.

وليس غريبًا أن يجعل أرسطو الصداقة إحدى الفضائل الكبرى في كتابه «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، حين رأى أن دوافعها ثلاثة: المنفعة، والمتعة، والخير. أما الصداقة القائمة على الخير فهي وحدها التي تستحق البقاء، لأنها تقوم على الاعتراف المتبادل بالقيمة الإنسانية، لا على المنفعة العابرة.

ثم جاء الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز ليمنح الصداقة معنى أكثر عمقًا. فالصديق، عنده، ليس من يوافقنا الرأي، وإنما من يوقظ فينا قدرة جديدة على التفكير. إن اللقاء الحقيقي لا يحدث بين الأجساد بقدر ما يحدث بين العقول، وبين الأعمال، وبين العلامات التي يتركها الآخر في وعينا. ولذلك تصبح الصداقة حدثًا معرفيًا، لا مجرد علاقة اجتماعية، وإبداعًا مشتركًا، لا مجرد تعارف.

ومن هنا أستطيع القول إن الفلسفة ابنة الصداقة أكثر مما هي ابنة السلطة. فالعلاقة الفلسفية علاقة أفقية، تقوم على الحوار، والاعتراف المتبادل، وحرية السؤال، بينما تقوم العلاقة السلطوية على الامتثال والتلقين واحتكار الحقيقة. وفي الأولى يولد المفهوم من النقاش، أما في الثانية فيتحول العقل إلى مجرد حافظ لما قاله السابقون.

لقد ازدهرت الفلسفة اليونانية في فضاء المدينة الحرة، وازدهرت الفلسفة العربية الإسلامية حين انفتحت على الحضارات الأخرى عبر الترجمة والمناظرة والحوار. فما كان الكندي، ولا الفارابي، ولا ابن سينا، ولا ابن رشد، مجرد ناقلين للفلسفة اليونانية، بل كانوا شركاء في إنتاج المعرفة الإنسانية، لأنهم دخلوا في صداقة عقلية مع التراث الإنساني، فأعادوا بناء مفاهيمه داخل أفق حضاري جديد.

إن كل لحظة إشراق في تاريخ الحضارات كانت ثمرة حوار، وكل لحظة انغلاق كانت ثمرة خوف من الحوار. فالحضارات لا تنهض حين تتشابه العقول، بل حين تختلف وتتجادل وتتفاعل. ولذلك فإن المعرفة لا تُولد من اليقين المغلق، وإنما من السؤال المفتوح، ولا تتقدم بالطاعة، وإنما بالنقد.

ولأن الصداقة هي أكثر العلاقات الإنسانية حرية، فهي تختلف عن سائر الروابط الاجتماعية التي يولد الإنسان داخلها؛ كعلاقات القرابة، والأبوة، والأمومة، والعشيرة، والقبيلة، والطائفة، والحزب. فهذه كلها روابط سابقة على إرادتنا، أما الصداقة فهي علاقة نختارها بإرادتنا الحرة، ولذلك فهي التعبير الأصدق عن نضج الإنسان واستقلاله.

واليوم، في عصر الاتصال الرقمي، اكتسبت الصداقة أبعادًا جديدة. فقد أصبح الإنسان قادرًا على أن يبني صداقات عابرة للقارات واللغات والثقافات، وأن يتحاور مع أشخاص لم يرهم وجهًا لوجه، لكنهم أصبحوا شركاءه في التفكير والإبداع. ومن هنا كنت دائمًا أستغرب ذلك السؤال الذي يتكرر في الفضاء الافتراضي: من أين أنت؟

إنه سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يكشف أحيانًا عن عقل ما زال يبحث عن الإنسان في قبيلته قبل أن يبحث عنه في فكره. أما أنا فلم أجد يومًا ما يدفعني إلى طرحه، لأنني أعرف الجواب سلفًا. كلنا أبناء هذا الكوكب، وليس بيننا من جاء من المشتري أو زحل أو المريخ. كلنا أبناء الأرض، يجمعنا أصل إنساني واحد، وتفرقنا هويات صنعها التاريخ، لكنها لا ينبغي أن تحجب عنا الحقيقة الكبرى: أن الإنسان قيمة قبل أن يكون انتماء.

ومن هذا الشعور كتبت قبل سنوات قصيدتي «كن من تكون»، التي حاولت فيها التعبير عن معنى الصداقة في الفضاء الرقمي، حيث تغيب الامتيازات الموروثة، وتتراجع سطوة الألقاب، ويصبح الإنسان مسؤولًا عما يكتبه، لا عما ورثه. قلت فيها:

“كن من تكون… ومن أين كنت… فلا قيمة للجهات في فضاء يتسع لجميع البشر.”

ولم تكن تلك القصيدة دعوة إلى إلغاء الهويات، بل كانت دعوة إلى الارتقاء فوق التعصب لها، وإلى اكتشاف الإنسان في الإنسان، قبل اكتشاف اسمه، أو قبيلته، أو مذهبه، أو جنسيته.

إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى ثقافة الصداقة، لا بوصفها مجاملة اجتماعية، بل باعتبارها فلسفة للحياة. فالصداقة الحقيقية تعلمنا كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف ننقد دون أن نهين، وكيف نتحاور دون أن نلغي الآخر. إنها مدرسة في الحرية، وأخلاق في الاعتراف المتبادل، وجسر تعبر عليه الحضارات نحو مستقبل أكثر إنسانية.

ولهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي لم يعد: كم صديقًا نملك؟ بل: أي نوع من الأصدقاء نحتاج؟ هل نبحث عن أصدقاء يؤكدون قناعاتنا، أم عن أصدقاء يوسعون آفاقنا؟ هل نريد من يصفق لنا، أم من يصحح أخطاءنا؟ وهل الصديق من يوافقنا دائمًا، أم من يجعلنا أكثر قدرة على التفكير؟

إن أعظم صديق هو الذي يضيف إلى عقلك سؤالًا جديدًا، وإلى روحك أفقًا جديدًا، وإلى حياتك معنى جديدًا.

وإذا كانت الفلسفة تعلمنا كيف نفكر، فإن الصداقة تعلمنا كيف نفكر معًا. وبين التفكير والحوار، وبين السؤال والنقد، وبين الحرية والاعتراف المتبادل، يولد الإنسان في أجمل صوره، وتولد الحضارات في أكثر لحظاتها إشراقًا. فالحوار يصنع الأصدقاء، والأصدقاء يصنعون المعرفة، والمعرفة هي التي تصنع الحضارة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

من بداهة القول أن نقرّ بأنّ التسلسل المنطقي بين القناعة إذْ نتبنّاها وبين الأدلة التي تقود إليها هو أن تكون الأدلة في سلّم التراتبية هي السابقة في المرتبة الأولى، والقناعات هي اللاحقة في المرتبة الثانية؛ نتيجةً طبيعيةً لأدلتها التي حتّمت علينا الصيرورة إلى الاقتناع بها؛ ومن هنا نقول: اقتنعتُ بكذا بسبب الدليل الفلاني، فالسبب يأتي قبل النتيجة، والمسبَّب يعقب المسبِّب؛ ولذا فهو تمظهرٌ متقدّم من تمظهرات الوعي، أي حين تكون قناعاتنا مبنية على أساس متين من الأدلة التي بمقتضاها أدخلنا القناعة في حيّز إدراكنا، وارتضيناها لأنفسنا.

ولكن أن يحدث العكس تماما، بحيث نتبنّى القناعة ثم نتعرّض لأدلتها فهذا ربما يُعدّ ُ أمرًا مستغرَبًا للغاية نظريًا، إلا أنّه يمثّل واقعا لا يمكن نكرانه، إذْ إنّ قناعاتنا كثيرا ما تكون سابقةً على أدلّتها بادئ الأمر، ثم تأتي الأدلة تبريرا وتعزيزا واستئناسا لتلكم القناعات التي تولّدت فينا سَلَفًا، فنتوهّم لاحقا بعد طول عهدٍ أن الأدلة هي السابقة والمتسبّبة.

هذا الانعكاس التراتبي يحدث لعدة أسباب، منها أن تبصر طفولتُنا الغضّة النديّة العالَم - أول ما تبصر - قناعات توارثتها البيئة التي نشأنا فيها، فنستنسخ قناعات بقية مَن نشأ في هذه البيئة، ثم تأخذنا الحميّةُ إزاءَها فنذود عنها وننافح ردحا من الزمن حتى لحظة اليقظة، ونقبل إذّاك الأدلة التي تعززها، وفي المقابل نلوي أعناق الأدلة التي تنقضها، ليس لأننا بحثنا في أدلتها وفتّشنا في مدى متانتها حتى قبلناها عن فحصٍ واعٍ حصيف، بل لأننا نشأنا عليها منذ نعومة أظفارنا حتى استمْرَأْناها؛ لأنها أول ما تلقّفَنا به العالَم وتلقّتنا به الحياة، لا أكثر من ذلك.

من تلك الأسباب التي تقلب تراتبية القناعة وأدلتها رأسا على عقب، التسرّب اللاواعي لسبب أو لآخر؛ نتيجة التأثر بالحملات الدعائية الممنهجة المتكررة، هذا التسرّب اللاشعوري يجعلنا ليّنين مُتراخين أمام الأدلة التي تعضد القناعة، وشرسين شيئا فشيئا حيال الأدلة المضادّة التي تعكّر صفوها وتقضّ مضجعها، حتى نجد أنفسنا في لحظة حاسمة وقد انتبه وعينا لقناعة جديدة، ظانّين أنها لحظة ولادة مباغتة لا مخاض قبلها، بَيْدَ أنها الحلقة الأخيرة لتراكمات متعاقبة في خلفية وعينا، تشكّلت دون ملاحظة منا.ويأتي الانفعال العاطفي كذلك واحدًا من أبرز أسباب تقدّم تبنّي القناعة على سَوْق أدلتها، إذْ إنّ المواقف المصحوبة بشحنة هائلة من العواطف من شأنها أن تشكّل قناعة معينة دفعة واحدة، وعلى نحو غائرٍ في العمق، ثم يبحث عقلنا بعدئذٍ عما يعضدها من براهين، هذا البحث هو بحث استدلال لاحق، لا استدلال سابق كما ينبغي له أن يكون.

خليقٌ بي هنا أن ألفت النظر إلى أنّنا لسنا مجبرين أساسا على حيازة أدلة لقناعاتنا الشخصية، وهذه اللفتة الجدلية على غرابتها، غير أنها إسقاطٌ اعتيادي نمارسه بدون غضاضة، ولو فتّشنا جيدا بين قناعاتنا لوجدنا جملة ضافرةً منها، فكم من قناعة تعشّش في إدراكنا ليس لها من سند إلا مَيلٌ داخلي لا غير، ونحن نقرّ بذلك عن طيب خاطر، أي عدم وجود أدلة تعضد قناعاتنا هاته، وليس عن هذا النوع من القناعات أتحدث في مقالتي هذه، وإنما عن فئة قناعاتنا التي نظن أن قاعدتها التي تستند إليها هي دليل دامغ أو طائفة من البراهين الساطعة، غير أن الأمر ليس بهذه التراتبية ألبتة.

فإذا كان ذلك كذلك، فوجود أدلة رصينة - بحسب رؤيتنا - لا يعني أنها سابقة سببية على قناعتنا، ومن ثَمّ فهي المحرك الرئيس وراء اقتناعنا بها، فالأمر ليس كذلك بالمرّة، إذْ لا تعدو أن تكون مجرد استدلال متأخر، نطرّز به تبريرنا ودافعنا الواعي وراء قناعتنا، محاولين إظهار درجة سامقة من الاتزان العقلي ونحن نستعرض قناعتنا إنْ لإسكات سياط عقلانيتنا وإنْ لصدّ هجمات الآخرين علينا.

إن الداعي وراء هذه اللفتة هو أن نَحمل أنفسنا على ممارسة ذهنية ضرورية، وهي المراجعة الدورية لقناعاتنا التي نتبنّاها بحكم أدلتها، ثم نقوم بالمساءلة الجادة والصارمة عمّا إذا كانت هذه الأدلة سببا حقيقيا وذات تسلسل منطقي بحيث كانت سابقة على القناعة، أم أنها مجرد تبرير متأخر على قناعتنا نضحك به على أذقاننا، ونتزيّا به في مجالس الوعي وعتبات النقاش؟ وما هي في الواقع إلا قناعة مزيفة سبقت استدلالَها، ولبست لَبوس قناعة حقيقية لحقت استدلالَها.

***

محمد سيف

 

لماذا يقاوم الانسان العقلانية كما يقاوم الظلامية؟

لماذا يتشبث الإنسان بعالمه القديم حتى لو كان سجناً، ويرفض الحقيقة حتى لو كانت خلاصه؟ هذا سؤال طالما شغلني، وطالما وجدت له صدى في تجربة أوروبا الفكرية قبل أن تجد صداه في تجربتنا نحن. فحين كان فولتير وديدرو وكانط يطلقون صيحاتهم المدوية ضد الجهل والخرافة في القرن الثامن عشر، لم يكونوا يواجهون فقط الكنيسة والسلطة، بل كانوا يواجهون شيئاً أعمق وأخطر: العقل الجمعي المتشبث بيقينياته القديمة، ذلك العقل الذي فضّل ظلام الكهف على نور الخارج، لأن الظلام كان مألوفاً والنور كان مرعباً بغرابته. هذه هي المفارقة الكبرى التي لم يفهمها الكثيرون: أن التنوير ليس معركة ضد الجهل بالمعنى البسيط، بل معركة ضد الألفة، ضد ذلك الحنين العميق إلى عالم نعرف حدوده حتى لو كانت حدود زنزانة.

وأنا حين أتأمل حالنا نحن العرب اليوم، أجد المشهد نفسه يتكرر بحذافيره، بل ربما بقسوة أكبر. فالإنسان العربي، الذي تشكّل وعيه عبر قرون من التراث المغلق والفكر الأصولي الذي لا يقبل المساءلة، لا يدافع عن هذا التراث لأنه مقتنع ببراهينه، بل يدافع عنه لأنه بيته الوحيد، لأنه الأفق الذي وُلد داخله ولم يتعلم قط أن هناك آفاقاً أخرى ممكنة. وهنا أستعيد ما قاله كانط في مقالته الشهيرة عن التنوير: إن القصور الذي يعيشه الإنسان هو قصور يفرضه على نفسه بنفسه، لأنه يخشى استخدام عقله دون وصاية الآخرين. وهذا بالضبط ما يحدث حين تُطرح الحقيقة الجديدة، الحقيقة التي تتحدى النص الموروث أو السلطة القائمة: فالإنسان لا يرفضها لأنه فحصها ووجدها باطلة، بل يرفضها لأنها تهدد ذلك القصور المريح الذي اعتاد عليه، ذلك الاتكاء الدائم على سلطة خارجية تُعفيه من عناء التفكير المستقل.

ولو تأملنا التاريخ الأوروبي جيداً، لوجدنا أن معركة العلمنة والتنوير لم تكن معركة أفكار مجردة تُطرح في الصالونات الفكرية فحسب، بل كانت معركة نفسية بامتياز، معركة ضد الخوف من فقدان المعنى. فحين أعلن نيتشه موت الإله، لم يكن يقصد فقط سقوط عقيدة، بل كان يشير إلى تلك الهاوية الوجودية التي ستفتح أمام الإنسان الأوروبي حين يفقد يقينه القديم، تلك الهاوية التي دفعت الكثيرين إلى الارتماء من جديد في أحضان أيديولوجيات شمولية جديدة، فاشية كانت أم شيوعية، لأن الإنسان، كما يقول إريك فروم في كتابه الرائع “الخوف من الحرية”، يهرب من الحرية بقدر ما يهرب من العبودية، لأن الحرية تضعه وجهاً لوجه مع فراغ وجودي لا يحتمله إلا القلة النادرة من الأرواح الشجاعة.

نحن، في عالمنا العربي، لم نمر بعد بهذه اللحظة الحاسمة، لحظة الجرأة على استخدام العقل دون وصاية، كما فعلت أوروبا في عصر الأنوار. ولهذا فإن كل من يحاول اليوم أن يطرح حقيقة جديدة، سواء في قراءة النص الديني أو في نقد السلطة السياسية أو في مساءلة الموروث الاجتماعي، يصطدم بهذا الجدار النفسي العميق: جدار الخوف من فقدان العالم المألوف. وهو خوف لا يجب أن نستهزئ به أو نستخف بأصحابه، فالمسألة ليست مسألة غباء أو تخلف كما يظن بعض المتحمسين للحداثة، بل هي مسألة بنية نفسية متجذرة، تحتاج إلى معالجة تدريجية صبورة، لا إلى صدمة عنيفة تزيد المتشبثين تشبثاً وتُحصّن جدرانهم أكثر فأكثر.

ولعل الدرس الأهم الذي تعلمته من متابعتي الطويلة للفكر الأوروبي الحديث هو أن التنوير الحقيقي لم يأتِ بالقطيعة الفجائية، بل جاء بمسار طويل ومتراكم من التشكيك المنهجي، من ديكارت إلى سبينوزا إلى لوك إلى فولتير، جيلاً بعد جيل، كل واحد منهم يفتح شقاً جديداً في جدار اليقين القديم دون أن يهدمه دفعة واحدة. لأن الهدم الفجائي، كما علّمتنا كل الثورات الكبرى التي انقلبت على نفسها، يُنتج فراغاً مرعباً سرعان ما يمتلئ بأشكال جديدة من الاستبداد، أشد قسوة أحياناً من الاستبداد القديم الذي ثارت عليه. فالإنسان الذي يُقتلع فجأة من عالمه المألوف، دون أن يُمنح بديلاً يمنحه الطمأنينة نفسها، سيبحث بلا وعي عن سجن جديد يأوي إليه، لأن السجن، مهما بدا قاسياً، أهون عليه من العراء الوجودي الذي لا حدود له. وهذه هي المهمة الحقيقية للمثقف التنويري اليوم: لا أن يهدم الأصنام بغضب انفعالي، بل أن يبني، بصبر الحكيم وأناة المربي، عالماً بديلاً يستحق أن يُغامر الإنسان من أجله بيقينه القديم.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم