عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مقدمة: تشكل عملية تحويل السيرة الذاتية والتجارب الحياتية الشخصية إلى عمل فني واحدة من أعمق أشكال التعبير الإنساني. فالفن ليس مجرد تزيين للواقع، بل هو إعادة صياغة له، حيث يتحول الزمن الخاص إلى زمن عام، والألم الفردي إلى تجربة جماعية، والذكرى العابرة إلى رمز خالد. عندما يستمد الفنان من حياته الخاصة، لا يروي قصته فحسب، بل يعيد تشكيلها بطريقة تكشف عن أبعاد إنسانية أوسع، مما يجعل العمل الفني جسراً بين الذات والعالم. هذه العملية تتطلب توازناً دقيقاً بين الصدق العاطفي والتحكم الجمالي. فالسيرة الخام غالباً ما تكون فوضوية، مليئة بالتناقضات والتفاصيل غير الضرورية، بينما يحتاج العمل الفني إلى بنية وإيقاع ودلالة. التحويل إذن ليس نقلًا حرفيًا، بل إبداعًا يعتمد على الاختيار، التركيز، والرمزية. فبماذا تتم عملية التحويل الإبداعي للذات؟ وماذا يقتضي ذلك؟ وماهي النتائج المرتبة عن ذلك؟

الخطوة الأولى: الغوص في الذات والتأمل النقدي

تبدأ العملية دائمًا بالتأمل العميق. يجب على الفنان أن يعود إلى ذاكرته كما يعود المستكشف إلى أرض غير مُكتشفة. اكتب يوميات حرة دون رقابة، سجّل الأحداث الرئيسية، الإخفاقات، اللحظات المضيئة، العلاقات المؤثرة، والصدمات التي غيّرت مسارك. لا تبحث عن "القصة الكبيرة" في البداية؛ اترك الذكريات تتدفق كما هي.ثم انتقل إلى مرحلة التحليل: ما هي الأنماط المتكررة في حياتك؟ هل هناك موضوع متكرر مثل الفقدان، الهجرة، البحث عن الهوية، أو مواجهة السلطة؟ ما هي الرموز الشخصية التي تظهر في ذاكرتك (مكان معين، رائحة، أغنية، جرح)؟ هذه العناصر تصبح بذور العمل الفني. الغوص يجب أن يكون صادقاً، حتى لو كان مؤلماً؛ فالفن الحقيقي ينبع من الجرح لا من السطح.

الخطوة الثانية: اختيار الشكل الفني المناسب

ليس كل شكل فني يناسب كل سيرة. يجب أن يتناسب الشكل مع طبيعة التجربة: في الأدب: يمكن كتابة مذكرات أو رواية شبه ذاتية. في المذكرات، يبقى الصوت الشخصي مباشراً، أما في الرواية فيتحول "أنا" إلى شخصية تسمح بالمسافة النقدية والخيال. يمكن استخدام تقنيات مثل التداخل الزمني أو السرد المتعدد الأصوات لتعكس تعقيد الذاكرة.

في الفنون البصرية: تحول التجارب إلى لوحات، منحوتات، أو تركيبات. يمكن أن يصبح جرح الطفولة خطاً تشكيلياً، أو رحلة الهجرة سلسلة من الصور المتحركة. هنا يلعب اللون والملمس والفراغ دوراً في نقل العواطف غير القابلة للوصف بالكلمات.

في المسرح والأداء: يتحول الجسد إلى أداة. يستخدم الفنان جسده وصوته لإعادة تمثيل اللحظات الحاسمة، أو يخلق "مسرحاً وثائقياً" يمزج بين الحقيقي والمتخيل.

في السينما والفيديو: تسمح التقنيات السينمائية بإعادة بناء الزمن، استخدام المونتاج لربط ذكريات متباعدة، أو التصوير الرمزي للعواطف.

في الموسيقى والشعر: تحول التجارب إلى إيقاع ولحن أو صور شعرية. الإيقاع يمكن أن يعكس نبض القلب في لحظة الخوف، والكلمات المكثفة تنقل ما يصعب شرحه.

الاختيار يعتمد على القدرة التقنية والرغبة العاطفية: أي شكل يسمح لك بأن تكون أكثر صدقاً وتأثيراً؟

الخطوة الثالثة: تقنيات التحويل الإبداعي

هنا يكمن جوهر العملية. التحويل يتطلب عدة عمليات:

التقطير والتركيز: اختر لحظات مفتاحية بدلاً من سرد كل شيء. لحظة واحدة قد تكثف عقوداً من التجربة.

الرمزية والاستعارة: حوّل الواقع إلى رمز. بدلاً من وصف الفقر حرفياً، قد يصبح "غرفة مظلمة بدون نوافذ" رمزاً للكبت. الرمز يفتح الباب للتأويل العام.

المسافة النقدية: عامل "أنا" السابق كشخصية. اسأل: ما الذي كان يجهله ذلك الشخص؟ ما الذي تعلمته لاحقاً؟ هذا يضيف عمقاً درامياً.

التخييل المدروس: لا بأس بتعديل التفاصيل أو دمج شخصيات أو تغيير تسلسل الأحداث إذا خدم ذلك الحقيقة العاطفية. الفن ليس توثيقاً قضائياً، بل بحثاً عن الحقيقة الأعمق.

البنية الدرامية: أعطِ السيرة قوساً درامياً (استعراض- صراع - ذروة - انحلال). حتى لو كانت الحياة فوضوية، يحتاج العمل الفني إلى إحساس بالاتجاه.

الطبقات المتعددة: اجعل العمل يعمل على مستويات مختلفة: السطحي (القصة)، والعاطفي، والفكري، والرمزي. لكن هذه العملية تواجه تحديات عديدة.

 أولها الخوف من الكشف: كيف أفضح ضعفي؟ الحل يكمن في فهم أن الصدق هو مصدر القوة، وأن الجمهور يتعاطف مع الإنسانية المشتركة لا مع الكمال.

 التحدي الثاني هو الغرق في العواطف: قد يؤدي الاستغراق في الألم إلى عمل فوضوي. لذلك، حدد أوقاتاً للكتابة أو الإبداع، وأوقاتاً للابتعاد.

التحدي الثالث أخلاقي: خصوصية الآخرين. هنا يجب التوازن بين حقك في رواية قصتك وحق الآخرين في خصوصيتهم. غيّر الأسماء، أو ركز على تأثير العلاقة عليك بدلاً من تفاصيل الآخر.

التحدي الرابع فني: كيف تتجنب السقوط في الذاتية المفرطة التي لا تعني أحداً؟ الحل هو ربط الخاص بالعام دائماً: ما الذي في تجربتي يشبه تجارب الآخرين؟

عندما تنجح في تحويل سيرتك إلى عمل فني، تحدث عملية تحرر مزدوجة. أنت تحرر نفسك من عبء الذاكرة غير المُعالجة، وفي الوقت نفسه تقدم شهادة للعالم. يصبح عملك مرآة يرى فيها المتلقي نفسه، حتى لو اختلفت التفاصيل.

خاتمة

هذا النوع من الفن يمتلك قوة خاصة في عصرنا، حيث يبحث الناس عن أصالة وسط الزيف الرقمي. السيرة المُحوّلة فنياً تذكّرنا بأن كل حياة هي قصة فريدة تستحق أن تُروى، وأن الفن هو الوسيلة التي تحول الزمن الضائع إلى معنى دائم. في النهاية، صناعة الأثر الفني من التجارب الشخصية ليست مجرد تقنية، بل هي موقف وجودي: رفض أن تكون ضحية الزمن، وإصرار على أن تصبح خالقاً له. كلما غصت أعمق في ذاتك، كلما ارتفع عملك نحو العالمية. ابدأ اليوم، واكتب أو ارسم أو أدِ أول خطوة، فالرحلة نفسها هي التحفة الأولى. فماهي تقنيات السرد الذاتي في التجارب الفلسفية؟ وهل يمكن لفن المذكرات البصرية المعاصرة أن تتدخل في فن صناعة الذات تخيليا؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تزايدت في السنوات الأخيرة حالات الخلافات الزوجية والطلاق بين الشباب بصورة تثير القلق وتدعو إلى البحث في أسباب ذلك. ومن المؤسف أن هذه الظاهرة أصبحت واقعاً يلمسه كثير من الناس في محيطهم العائلي والمجتمعي. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال مشروع: هل تراجع الشعور بالمسؤولية إلى الحد الذي جعل بعض الناس يتعاملون مع الزواج وكأنه رحلة سياحية مؤقتة يمكن إنهاؤها عند أول خلاف أو عقبة؟

ومع ذلك، فإن الحديث عن هذه الظاهرة لا يعني التعميم على جميع الزيجات أو التقليل من شأن النماذج الأسرية الناجحة التي ما زالت تمثل الأغلبية في مجتمعنا، وإنما يهدف إلى التوقف عند ظاهرة تستحق التأمل والبحث عن أسبابها وسبل معالجتها.

لم يعد الزواج، في ظل المرحلة الانتقالية المتسارعة التي نعيشها اليوم، يحظى بالمكانة ذاتها التي كان يتمتع بها في السابق. فقد أفرزت التحولات الاجتماعية والثقافية المتلاحقة تغيرات عميقة في منظومة القيم والنظرة إلى العلاقات الأسرية. وكان الزواج في نظر الأجيال السابقة مشروع حياة يقوم على الشراكة والصبر وتحمل المسؤولية، وكان الزوجان يدركان تماماً أن الحياة المشتركة لا تخلو من التحديات والخلافات، وأن استقرار الأسرة ونجاحها يتطلبان قدراً من التنازل والتسامح والحوار. أما اليوم، فيبدو أن ثقافة الاستهلاك والسرعة قد امتدت إلى العلاقات الإنسانية أيضاً، فأصبح بعض الأزواج يتطلعون إلى حياة مثالية خالية من المنغصات، فإذا ما ظهرت خلافات أو صعوبات، ولو كانت طبيعية وعابرة، سارعوا إلى التفكير في الانفصال بدلاً من البحث عن سبل التفاهم والمعالجة. إن وزر الطلاق مشترك يتحمله الطرفان، وهو ناتج عن أخطاء أو تقصير متبادل، وإن كان كل طرف يميل إلى تبرئة نفسه وإلقاء اللوم كاملاً على الطرف الآخر، فيظهر نفسه في صورة الملاك ويصوّر شريكه في صورة الشيطان.

ومن المؤسف أن مظاهر عدم الاكتراث ببيت الزوجية قد أصبحت أكثر وضوحاً في بعض الأوساط الأسرية، حيث تراجع الاهتمام الذي كان يُبذل لبناء بيت مستقر ودافئ أمام أنماط حياة جديدة فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية على مجتمعاتنا. فنجد اليوم بعض الأزواج يقضون أوقاتاً أطول خارج المنزل، في المقاهي وأماكن الترفيه أو في أنشطة اجتماعية مختلفة، تمتد أحياناً إلى ساعات متأخرة من الليل. كما يشهد المجتمع خلال السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة في بعض العادات الاجتماعية، فبعض الممارسات التي كانت في السابق أقل شيوعاً بين النساء أصبحت اليوم أكثر انتشاراً، ومن ذلك قضاء أوقات طويلة في المقاهي أو المنتديات والتجمعات الاجتماعية، يتسامرن خلالها ويدخنّ “الشيشة”. وقد تثير هذه المتغيرات خلافات بين الزوجين عندما تختلف توقعاتهما بشأن طبيعة الحياة الزوجية والأدوار والمسؤوليات المشتركة؛ إذ يختار الشباب اليوم تفاصيل حياتهم وهم يحملون تصورات مسبقة تشكلت في بيئاتهم الأولى، وعندما يصطدمون بواقع مختلف تنشأ الخلافات. وقد يحاول أحد الطرفين تغيير سلوكيات الطرف الآخر بما يتوافق مع قناعاته وتوقعاته، في حين يتمسك الطرف الآخر بما يراه حقاً شخصياً أو جزءاً من حريته في اختيار نمط حياته، متناسياً أنه أصبح جزءاً من منظومة أسرية اختارها بنفسه وبإرادته، ولم يعد فرداً مستقلاً في قراراته كما كان قبل الزواج، الأمر الذي قد يؤدي إلى اتساع فجوة التفاهم إذا غاب الحوار والتفاهم المتبادل بينهما.

وفي سياق متصل، هيمنت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي على جزء كبير من وقت أفراد الأسرة واهتماماتهم، لدرجة أن التواصل الافتراضي بات يحل محل الحوار المباشر داخل المحيط الأسري. وبذلك تفاقمت شكاوى الأزواج من الإهمال المتبادل والانشغال الرقمي، الأمر الذي يؤدي إلى تراكم المشكلات الصغيرة وتعاظمها لتهدد في نهاية المطاف استقرار الكيان الأسري.

ومن المظاهر التي تستحق التوقف عندها، أن الأوقات التي كانت تقضيها الأسر خارج المنزل بشكل عائلي يضم جميع أفراد الأسرة مجتمعين، كزيارة الأقارب والأصدقاء أو الخروج في نزهات مشتركة، لم تعد شائعة كما كانت في السابق. فأصبح أفراد الأسرة يمارسون أنشطتهم بصورة فردية مع أصدقائهم وأقرانهم، وتغيّرت تبعاً لذلك أوقات عودتهم إلى المنزل. ففي الماضي كانت هناك حدود زمنية متعارف عليها داخل معظم العائلات، حيث يحرص الآباء والأمهات والأبناء على العودة إلى منازلهم في ساعات معقولة من المساء في الأيام الاعتيادية، مما يتيح فرصة للقاء العائلي وتبادل الحديث والاطمئنان على أحوال بعضهم بعضاً. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف في بعض الأسر أن يتأخر بعض الأزواج أو الأبناء في العودة إلى المنزل، كلٌّ على حدة، حتى ساعات الفجر الأولى، من دون وجود ضرورة حقيقية تستدعي ذلك. وبذلك تتغير ساعاتهم بحيث يصبح الليل للسهر والنهار للنوم، ويعكس هذا الواقع تراجع الالتزام بالنظام الأسري وضعف التواصل بين أفراد العائلة، الأمر الذي قد يؤدي تدريجياً إلى اتساع الفجوة بينهم وتلاشي جزء كبير من اللقاءات اليومية التي كانت تعزز الترابط الأسري.

ومن العادات الأسرية الجميلة التي تغيّرت كثيراً، والتي كانت تعزز الترابط بين أفراد العائلة، اجتماع أفراد الأسرة، ولو مرة واحدة يومياً، لتناول وجبة الطعام. ففي هذه المناسبة يلتقي أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، يتبادلون الحديث، ويتفقد بعضهم أحوال بعض. وكانت أوقات الوجبات محددة، وكان أفراد الأسرة ينتظرون عودة الأب من عمله ليجتمعوا جميعاً إلى المائدة التي كان يتصدرها بوصفه رب الأسرة.

أما اليوم، فإذا وُجدت وجبة طعام داخل المنزل أصلاً، فقد أصبح كل فرد يعيش في عالمه الخاص؛ يأكل متى يشاء، ويتناول ما يطلبه من المطاعم، وغالباً ما يكون منشغلاً بهاتفه أو شاشته الخاصة أثناء الطعام. وهكذا تضاءلت فرص الحوار والتواصل العائلي، وفقدت مائدة الطعام دورها التقليدي بوصفها مساحة يومية للقاء والتقارب بين أفراد الأسرة.

ومن أكثر المظاهر إيلاماً فقدان الاحترام المتبادل بين بعض الأزواج. فالكلمة الجارحة التي كانت تُعد تجاوزاً غير مقبول أصبحت تُقال بسهولة، وأصبح استخدام الألفاظ البذيئة أو الإهانة، التي قد تمتد أحياناً إلى عائلاتهم، حاضراً في بعض البيوت. وهنا يجب التأكيد على أن العنف الجسدي، بأي شكل كان، هو سلوك مستهجن وغير أخلاقي وغير قانوني، ولا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال. والحقيقة أن أي علاقة زوجية سليمة لا يمكن أن تستمر في ظل غياب الاحترام؛ لأن الاحترام هو الأساس الذي تقوم عليه المودة والرحمة اللتان وصفهما القرآن الكريم بأنهما جوهر العلاقة الزوجية.

ومن الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة: لماذا لم يعد الأبناء، وبخاصة الأطفال، يشكلون عاملاً رادعاً للأزواج الراغبين في الطلاق؟ فالأطفال هم أكثر المتضررين من النزاعات الزوجية، إذ تترك هذه الخلافات آثاراً نفسية واجتماعية ترافقهم طوال سنوات حياتهم. ولذلك ينبغي أن تراعى مصلحة الأبناء وأن تكون مصلحتهم حاضرة في كل محاولة للإصلاح قبل الوصول إلى قرار الانفصال. فالأطفال الذين ينشؤون في أسرة مفككة يحملون آثار تلك التجربة معهم إلى مراحل لاحقة من حياتهم، وقد تنعكس على شعورهم بالأمان والاستقرار وعلى نظرتهم إلى الزواج والحياة الأسرية. كما قد يصبح بناء أسرة متماسكة في المستقبل أكثر صعوبة بالنسبة لبعضهم بسبب ما عايشوه من خلافات واضطرابات خلال سنوات الطفولة.

ومما يثير الدهشة والاستغراب أن النساء اليوم أصبحن أكثر مبادرة إلى طلب الطلاق مقارنة بالماضي، بعد أن كانت كلمة «الطلاق» تمثل كابوساً يرهب كثيراً منهن. ولهذه الظاهرة أسباب متعددة؛ ففي الماضي كانت المرأة، خوفاً من نظرة المجتمع السلبية إلى المطلقة، أو بسبب اعتمادها الاقتصادي الكامل على الزوج تتحمل أقسى الظروف لتجنب الطلاق. أما اليوم فقد أصبحت المرأة أكثر تعليماً واستقلالاً وقدرة على اتخاذ القرار، وهو تطور إيجابي من حيث المبدأ ويعكس تقدماً في مكانة المرأة ودورها في المجتمع. غير أن هذا التطور، على اهميته وإيجابياته، يستدعي إعادة التأكيد على المسؤولية المشتركة، بحيث لا يصبح الطلاق الخيار الأول أو الحل الأسهل عند كل خلاف. فاستقلال المرأة، كما هي سلطة الرجل، يجب أن يقترن بالحكمة والشعور بالمسؤولية والحرص على استنفاد فرص الحوار والتفاهم والإصلاح قبل الوصول إلى قرار الانفصال، حفاظاً على تماسك الأسرة واستقرارها كلما كان ذلك ممكناً.

ومن الطبيعي ألا نغفل سبباً آخر يتمثل في الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تواجهها كثير من الأسر في الوقت الحاضر؛ فارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات العمل، والقلق بشأن المستقبل، كلها عوامل تشكل ضغوطا نفسية على العائلة وتدفع الكثيرين إلى البحث عن فرص عمل بعيداً عن أماكن سكنهم، مما يؤدي إلى غياب بعض الأزواج لفترات ليست بالقصيرة، وقد ينعكس ذلك سلبا على العلاقة الزوجية والتواصل والحميمية الأسرية. وتسهم هذه العوامل في زيادة التوتر داخل الأسرة وتفاقم الخلافات الزوجية. غير أن هذه التحديات، على صعوبتها، لا ينبغي أن تلغي أهمية الحوار والتفاهم والتعاون بين الزوجين في مواجهتها.

إن تدني المستوى الثقافي لبعض الشباب، وتراجع ثقافة الحوار والصبر والإصلاح، وضعف الاستعداد لتحمل المسؤولية الأسرية ومواجهة مصاعب الحياة وتحدياتها، أصبحت من أبرز المشكلات التي تواجه الحياة المشتركة. ولعل الحاجة اليوم باتت أكبر من أي وقت مضى إلى تعزيز ثقافة الأسرة، وإعداد الشباب والفتيات للحياة الزوجية قبل الزواج، وتدريبهم على مهارات الحوار وإدارة الخلافات وتحمل المسؤولية، كما تبرز الحاجة الى توفير جهات استشارية نفسية وأسرية ودينية يمكن للزوجين اللجوء إليها عند وقوع المشكلات، بدلاً من اللجوء إلى الدجالين والمشعوذين ومدّعي قراءة الطالع والسحرة الذين يؤججون الخلافات ويعجلون بالانفصال. فاستقرار الأسرة هو أساس استقرار المجتمع كله، وإذا ضعفت الأسرة ضعفت معها منظومة القيم والعلاقات التي يقوم عليها المجتمع، فالزواج ميثاق يقوم على المشاركة في السراء والضراء، وعلى بناء أسرة مستقرة تمنح أبناءها الأمان والتوازن.

وفي الختام، يبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: كيف نحافظ على مؤسسة الزواج بوصفها الركيزة الأساسية لبناء الإنسان والأسرة والمجتمع، ونحميها من أن تتحول إلى علاقة عابرة تنتهي عند أول اختبار أو خلاف؟

نسأل الله تعالى أن يحفظ شبابنا وأسرنا من كل سوء، وأن يديم على بيوتنا المودة والرحمة والتفاهم، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، وباستقرارها يستقر المستقبل.

والله ولي التوفيق

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

وجدت الشكلية في الشرائع القانونية القديمة ولازالت موجودة في أحدثها، والشكلية البدائية هي شكلية رمزية تنطوي على القيام بحركات خاصة أو التفوه بعبارات محددة يتوقف عليها تحقق الأثر القانوني، ويرى مؤرخو القانون أن هذه الشكلية كانت تعبر عن رغبة عند الإنسان القديم في إشباع غريزة حب المظاهر الخارجية البراقة التي كانت، بما تضفيه من رونق وبهاء على حياته، تقيم الحساسية مقام عقلية كانت لاتزال قاصرة.

وتختلف الشكلية الحديثة عن القديمة في أنها  معقولة ومنطقية وأكثر مرونة، وأنها لا تكفي لوحدها لترتيب الأثر القانوني بل يجب أن تقترن بالإرادة السليمة غير المشوبة بعيب من عيوب الرضا، فالإرادة هي التي يقع عليها الشكل، ولم تعد الشكليات الحديثة مجرد طقوس تمارس ممارسة عمياء، بعد أن تمكنت البشرية في تطورات لاحقة من التمييز بين مضارها ومنافعها، وعرفوا ما يترتب عليها من تعقيدات وتعطيل وجهد ضائع وعرفوا مالها من فضل في إيقاظ الانتباه والتحذير من الفخاخ التي تنصب للإرادة، وبث اليقين في إنتاج الواقعة آثارها المطلوبة وتهيئة الوسيلة لإثبات هذه الواقعة حين النزاع عليها.

معاني الشكلية ومظاهرها

للشكلية في القانون عدة معاني، وفي نطاق الصياغة القانونية تُعرف الشكلية بأنها، الصورة الخارجية التي يظهر بها مضمون القانون.

وعلى هذا النحو قد يتخذ المضمون القانوني شكل قاعدة قانونية أو معيار قانوني أو مبدأ قانوني.

وقد يراد بالشكلية عنصر خارجي يشترط القانون إضافته إلى واقعة قانونية حتى تنتج آثارها سواء كان هذا الأثر ترتيب التزام أو واجب قانوني أو انشاء حق أو مركز قانوني أو تعديله أو انقضاؤه، كاشتراط نشر القانون في الجريدة الرسمية لنفاذه في مواجهة الكافة، واشتراط الشكلية في بعض العقود لصحتها. واشتراط الكتابة أو النشر بالنسبة لبعض القرارات الإدارية حتى تنتج آثارها.

أما الشكلية الدستورية فيقصد بها مجموعة الإجراءات والأوضاع التي تطلبها الدستور وأوجب على سلطة التشريع اتباعها ومراعاتها وهي بصدد سن التشريع.

وتتطلب الدساتير عادة، أن تمر عملية سن التشريع  بسلسلة من الإجراءات الشكلية التي يتعين على سلطة التشريع مراعاتها حتى يكون التشريع دستورياً، ويترتب على عدم مراعاة قواعد الشكل الإجراءات الشكلية أن يولد التشريع باطلا بسبب أنه معيب بعيب عدم مراعاة الشكل والإجراءات، ويكون محلاً للطعن به أمام المحكمة الدستورية والتي تعرف عادة باسم (المحكمة الدستورية العليا)، إذا ما تعلق الأمر بمخالفة جوهرية لتلك القواعد والإجراءات.

ومن أمثلة الإجراءات الشكلية التي تتطلبها الدساتير المقارنة بصفة عامة، تحقق نصاب انعقاد مجلس النواب سواء بالأغلبية المطلقة أو الأغلبية البسيطة، وجهة تقديم مشاريع القوانين أو اقتراحها، وجوب إدراج مشروع القانون في جدول الأعمال قبل مناقشته، والإجراءات الواجب اتباعها لقراءة مشاريع القوانين، والنصاب اللازم للموافقة على سن التشريع وتصديق الجهة المخولة صلاحية التصديق والإصدار، وهي السلطة التنفيذية عادة، وأن يصدر التشريع بموافقة الأغلبية البرلمانية التي حددها الدستور.

غاية الشكلية الدستورية

تتعدد الأغراض أو الحكمة من الشكليات في المجال التشريعي، فقد يكون الغرض منها الإشهار بسلامة الارادة التشريعية وبأن كل شيء سار على مايرام حسب الأوضاع الدستورية، باعتبار أن الشكل هو المظهر المادي للتعبير عن الارادة، ومع ذلك فان لكل شكل من الأشكال المطلوبة حكمته، فحكمة اشتراط أن يقدم اقتراح القانون من قبل عدد من الأعضاء تبدو في التأكد من جدية وأهمية المقترح قبل اتخاذ سلسلة إجراءات تتطلب وقتاً ثميناً، منها إدراجه في جدول الأعمال ومن ثم التصويت عليه، وقد يتبين فيما بعد أن الاقتراح غير مرغوب فيه وما يترتب على ذلك من هدر وقت ثمين، وتبدو حكمة تقديم مشاريع القوانين من قبل السلطة التنفيذية هو أن القانون أداة هذه السلطة في علاقتها مع المجتمع ومؤسساته العامة والخاصة وهي الأعرف بالحاجة العملية إلى التشريع في مجال معين من عدمه من خلال علاقتها المباشرة مع حاجات المجتمع، وقد تبدو الشكلية مظهراً من مظاهر الرقابة المتبادلة بين السلطة التشريعية والتنفيذية، كما في وجوب تصديق وإصدار القانون من السلطة التنفيذية لنفاذه مما يتيح لها الاعتراض على مشروع القانون بعدم المصادقة عليه مما يرتب عدم إمكانية سنه ونفاذه بعد ذلك إلا بناء على أغلبية خاصة.

وحكمة ضرورة إدراج الأعمال التشريعية في جدول للأعمال قبل مناقشتها هو تجنب إتخاذ أعمال تشريعية جوهرية في غياب عدد مؤثر من الأعضاء بحيث لو كان لديهم علم مسبق بجدول الأعمال لحضروا جميعاً، فضلاً عن تمكين الأعضاء من التهيؤ لما تتطلبه هذه الأعمال من استشارة مسبقة من ذوي الاختصاص قبل اتخاذ موقف منها بالتصويت عليها من عدمه.

التمييز بين الأشكال والإجراءات الجوهرية وغير الجوهرية

كان للفقه والقضاء عبر التاريخ الفضل في التمييز بين ما هو مفيد وجوهري من الشكليات والتمسك به وبين ما هو ضار وغير جوهري من الشكليات ومن ثم استبعادها بطريقة أو بأخرى.

ويميز الفقه والقضاء المعاصر كذلك بين الأشكال والإجراءات الجوهرية وغير الجوهرية والغرض من هذا التمييز هو ترتيب البطلان على القرارات التي تفتقد لشكلياتها الجوهرية أما القرارات التي تفتقد للشكليات غير الجوهرية فلا تكون باطلة، وفي هذه الحالة نكون في مواجهة قرارات معيبة بعيب الشكل ولكن هذا العيب لا يؤدي إلى البطلان، وقد أورد الفقه أمثلة كثيرة من قضاء مجلس الدولة الفرنسي على الشكليات التي لم يعتبرها المجلس من الشكليات الجوهرية المؤثرة على سلامة القرار، مثل الحكم بصحة انتخاب على الرغم من عدم السماح لعدد قليل من الأفراد بالتصويت على خلاف القانون إذا كان عددهم من القلة بحيث لم يكن من شأنه أن يؤثر موضوعاً على النتيجة النهائية، أو إذا كانت الأشكال والإجراءات المقررة هدفها تحقيق مصلحة الإدارة لا الأفراد، ولكن متى تكون شكليات القرار جوهرية ومتى لا تكون جوهرية

ولكن هل يسري نفس المبدأ بالنسبة للقضاء الدستوري؟

لا يوجد معيار ثابت لتحديد ما هو جوهري أو غير جوهري من الأشكال، وإنما يعتمد تقدير ذلك على الذكاء والحدس والفهم الصحيح لطبيعة الأشياء ومنطقها والغايات المرجوة منها، إلا أنه مما لا شك فيه أن التشدد الزائد في مراعاة مختلف الشكليات والإجراءات على نحو واحد يؤدي بالنتيجة إلى ضياع الوقت وعرقلة النشاط التشريعي دون أن تكون هناك قيمة حقيقية مقابل ذلك لتلك الشكليات، والملاحظ أن قواعد الشكل والإجراءات المصاحبة لعملية التشريع قد يرد النص عليها في الدستور ذاته، كما أنها قد ترد في الأنظمة الداخلية للبرلمان. وذهب الفقه في ذلك إلى اتجاهين فذهب الإتجاه الأول إلى أن العيب الشكلي يمكن أن يتحقق عند مخالفة التشريع للقواعد الشكلية سواء قد وردت في الدستور أو في الانظمة الداخلية  للبرلمان، بينما ذهب الاتجاه الأخر بأن عيب عدم الدستورية لمخالفة الشكل لا يتحقق إلا إذا كانت الشكلية التي خولفت قد ورد النص عليها في الدستور ذاته. فالمعول عليه في الرقابة الدستورية هو ما ورد من شكليات وإجراءات في الدستور، أما ما تضمنته النصوص القانونية الأخرى الاقل مرتبة من قواعد شكلية فان مخالفتها لا تؤدي إلى عدم دستوريته.والحال أن دستور جمهورية العراق قد تضمن أشكالا متنوعة من الإجراءات الشكلية، منها ما يتعلق بتحديد زمن معين للقيام بتصرف ما، وقد يكون بعض هذه الشكليات الزمنية جوهرية أو غير جوهرية، ونرى أن تقدير أثر عدم مراعاة الشكل على دستورية التشريع أو التصرف إنما يعود تقديره للقضاء.

والمحكمة الاتحادية العليا بطبيعة الحال لا تبحث في العيوب الموضوعية إلا بعد أن تتأكد من خلو التشريع من المخالفات  الشكلية  للأوضاع والإجراءات  التي تطلبها  الدستور، ذلك أن العيوب الشكلية  تتقدم العيوب الموضوعية.

وفي هذا الصدد تقول المحكمة الاتحادية العليا في مصر في حكم لها (وحيث أن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة غايتها أن ترد إلي قواعد الدستور كافة النصوص التشريعية المطعون عليها وسبيلها إلى ذلك إن تفصل باحكامها النهائية في الطعون الموجهة اليها شكلية كانت أو موضوعية وأن يكون استيثاقها من استيفاء هذه النصوص لأوضاعها الشكلية أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في العيوب الموضوعية ذلك أن الأوضاع الشكلية للنصوص التشريعية هي من مقوماتها كقواعد قانونية لا يكتمل كيانها أصلاً في غيبة متطلباتها.... ويتعين على هذه المحكمة بالتالي أن تتحراها بلوغاً لغاية الأمر فيها إن قضاء المحكمة في هذه المخالفة والقائمة في مضمونها على طعن موضوعي يكون متضمنا على وجه القطع واللزوم تحققاً من استيفاء القرار بقانون الذي اشتمل عليها لأوضاعه الشكلية إذ لو قام لديها الدليل على تخلفها لسقط هذا القرار بقانون برمته ولامتنع الخوض في اتفاق بعض مواده أو مخالفتها لأحكام الدستور الموضوعية الأمر الذي يعتبر معه هذا الوجه من النعي على غير أساس حرياً بالالتفات عنه).

الشكلية في دستور جمهورية العراق لسنة 2005

تبنى المشرع الدستوري العراقي في دستور 2005 النافذ عدد من الإجراءات الشكلية منها ما يتعلق بنصاب انعقاد جلسات مجلس النواب وجهة تقديم مشاريع القوانين كما في المادة (59) بنصها (أولاً : يتحقق نصاب انعقاد جلسات مجلس النواب بحضور الأغلبية المطلقة لعدد أعضائه. ثانياً: تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة، بعد تحقق النصاب ما لم ينـص على خلاف ذلك) والمادة (60) بنصها ( أولاً: مشروعات القوانين تقدم من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ثانياً: مقترحات القوانين تقدم من عشرة من أعضاء مجلس النواب، أو من إحدى لجانه المختصة.)

ونصت المادة (138) بأنه ( خامسا: أ. ترسل القوانين والقرارات التي يسنها مجلس النواب إلى مجلس الرئاسة لغرض الموافقة عليها بالاجماع واصدارها خلال عشرة أيام من تاريخ وصولها إيه باستثناء ما ورد في المادتين (118) و(119) من هذا الدستور والمتعلقتين بتكوين الأقاليم. ب. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة، تعاد القوانين والقرارات إلى مجلس النواب لإعادة النظر في النواحي المعترض عليها والتصويت عليها بالأغلبية وترسل ثانية إلى مجلس الرئاسة للموافقة عليها. ج. في حالة عدم موافقة مجلس الرئاسة على القوانين والقرارات ثانية خلال عشرة أيام من تاريخ وصولها اليه تعاد إلى مجلس النواب الذي له أن يقرها بأغلبية ثلاثة أخماس عدد أعضائه، غير قابلة للاعتراض وتعد مصادقاً عليها. سادساً: يمارس مجلس الرئاسة صلاحيات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في هذا الدستور.)

والمادة (144) التي نصت على أنه ( يعد هذا الدستور نافذاً بعد موافقة الشعب عليه بالاستفتاء العام ونشره في الجريدة الرسمية وتشكيل الحكومة بموجبه.). وحسب المادة (126) من الدستور، فإنه ( أولاً: لرئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين أو لخمس (1/5) اعضاء مجلس النواب، اقتراح تعديل الدستور. ثانياً: لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناء على موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. ثالثاً: لايجوز تعديل المواد الأخرى غير المنصوص عليها في البند (ثانياً) من هذه المادة إلا بعد موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام. رابعاً: لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني وموافقة أغلبية سكانه باستفتاء عام. خامساً : أ ـ يعد التعديل مصادقا عليه من قبل رئيس الجمهورية بعد انتهاء المدة المنصوص عليها في البند (ثانياً) و ( ثالثاً) من هذه المادة في حالة عدم تصديقه. ب ـ يعد التعديل نافذاً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.)

وجاء في المادة (142) من الدستور على أنه (رابعاً ـ يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحاً بموافقة أغلبية المصوتين، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات أو أكثر. هـ ـ يستثنى ما ورد من هذه المادة من أحكام المادة (126) المتعلقة بتعديل الدستور، إلى حين الانتهاء من البت في التعديلات المنصوص عليها في هذه المادة. )

ونصت المادة (131) من الدستور على انه ( كل استفتاء وارد في هذا الدستور يكون ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين مالم ينص على خلاف ذلك.)

يتضح من النصوص المتقدمة أن المشرع الدستوري العراقي قد وضع قيود شكلية متشددة على مسألة تعديل الدستور مراعياً بذلك ما أخذت به دساتير الدول الديمقراطية وضماناً لحقوق الشعب من تحكم الأغلبية البرلمانية في أي وقت من الأوقات ومحاولة تعديلها للدستور وفقا للمصالح السياسية الآنية. (2009)

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

عندما نقرأ عن تجديد علم الكلام، نعيش لحظات استثنائية تتخللها الدهشة والإعجاب بهذا الجهد النقدي والفلسفي العميق الذي يقدّمه الدكتور عبد الجبار الرفاعي. فهو يمارس التجديد بعقل الناقد، ورؤية الفيلسوف، وشخصية المفكر الذي يغوص في أعماق الفكر الديني، محللًا ومفككًا بنياته ومفاهيمه. لا يكتفي الرفاعي بالنظر إلى الجوانب السطحية للموضوع، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تتجه رؤيته النقدية إلى البنية التحتية الكامنة في أعماق الفكر الديني، فيعيد النظر في المسلّمات والبديهيات التي اعتاد كثيرون التعامل معها على أنها مفاهيم ثابتة لا تقبل التغيير. في سياق ذلك، يعمد إلى نقد تعريفاتها، باحثًا في عوامل نشأة هذه التعريفات، والأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومختلف الإكراهات التاريخية التي أسهمت في تشكيل دلالاتها وبناء معانيها. ويعيد تعريفها في ضوء فلسفة الدين الحديثة.

بدأ الرفاعي مشروعه في تجديد الفكر الديني بإعادة تعريف الدين تعريفًا يحرّره من الاختزال العقدي والفقهي والأيديولوجي، حين عرّفه بأنه: "الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية". وانطلاقًا من هذا التفسير للدين، أعاد بناء منظومته الفكرية على أساس أن الدين يستجيب أولًا لحاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، قبل أن يكون منظومة أحكام أو مؤسسة سلطة أو هوية مغلقة. لذلك انشغل بإعادة تعريف المفاهيم المحورية في الدين، المتمثلة بـ : الإيمان، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف، سعيًا إلى اكتشاف دلالاتها الحيّة القادرة على إشباع حاجة وجود الإنسان إلى المعنى في عالم متغير.

 لم يتعامل الرفاعي مع هذه المفاهيم باعتبارها معاني نهائية مكتملة أُنجز فهمها في الماضي، وإنما نظر إليها بوصفها مفاهيم مفتوحة تتجدد قراءتها بتجدد علوم ومعارف وخبرة الإنسان وتحول شروط حياته وأسئلته. لذلك عمل على توسيع آفاقها الدلالية، وكشف ما تختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية وجمالية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تحولات العصر والاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر. هكذا انتقل بهذه المفاهيم من فضاء التكرار والاستنساخ إلى فضاء الاجتهاد المواكب للواقع، حيث يغدو الدين مصدرًا لإثراء المعنى، وتحرير الإنسان، وحماية كرامته، وإيقاظ وعيه، بدل أن يتحول إلى أداة للوصاية أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الماضي. في سياق هذه القراءة سعى الرفاعي إلى بناء فهم للدين يظل وفيًّا لجوهره الروحي، وفي الوقت نفسه منفتحًا على متطلبات الحياة الحديثة وأسئلة الإنسان المتجددة.

إن تجديد الفكر الديني يعني إعادة إحياء فاعليته الفكرية والاجتماعية والثقافية في حياة المسلم. وهذا التجديد مرهون بتجديد علم الكلام، كما أن تجديد علم الكلام مرهون ببذل جهد استثنائي وفريد، يستمد فرادته من الجرأة والقدرة على مقاربة المفاهيم الدينية الأساسية والحساسة، ونقدها، وإعادة النظر فيها، وصياغة تعريفاتها من جديد. يقتضي ذلك عدم الخضوع للرؤى الكلامية التقليدية المهيمنة على الفكر الديني الإسلامي، التي غدت رؤاها وتعريفاتها بمنزلة خطوط حمراء لا يجرؤ كثيرون على المساس بها أو الاقتراب منها.

عندما نتحدث عن علم الكلام، فهذا يعني أننا نتحدث عن "نظرية المعرفة في الإسلام" حسب رأي الرفاعي، لذلك يشدد على: "أن أية محاولة لتجديد الفكر الديني الإسلامي تتجاوز علم الكلام، فإنها تقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات". علم الكلام، الذي يبحث في أصول العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، يشكّل أساسًا للبنية التي تصوغ الرؤية للعالم في الدين الإسلامي. علم الكلام هو من يبحث عن: الله ووجوده، والقضاء والقدر، والثواب والعقاب، واليوم الآخر، والبعث والحساب. ويعرّف: النبوة والوحي، ويتجاوز ذلك إلى الشريعة والتكليف، مؤسسًا الأساس الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية المتصلة بمختلف شؤون حياة الإنسان الدينية.

علم الكلام التقليدي، الذي تطوّر مع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والإمامية وغيرهم من مؤسسي الفرق، انبثق في سياقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، تعكس الأسئلة العقائدية في عصره، والتي فرضتها مرحلة تاريخية محددة على مجتمع بعينه، مما يعني أن جميع المفاهيم الدينية، مثل: الوحي، والنبوة، ومصير الإنسان، والقضاء والقدر، والبعث، وغيرها، يتلقاها الإنسان ويفهمها ضمن أفقه المعرفي وقدراته الذهنية والثقافية. من هنا فإن طرائق فهم هذه المفاهيم والتعبير عنها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بتطور العلم والمعرفة وتبدّل السياقات التاريخية والثقافية. وفي ضوء هذا الفهم، يرى الرفاعي أن هناك حاجة ضرورية تدفعنا باستمرار إلى تجديد علم الكلام، وإعادة النظر فيه، ونقده، وإعادة بنائه.

يشرح الرفاعي الفرق بين ثلاثة مفاهيم، هي: الإحياء والإصلاح والتجديد. فالتجديد في نظره عملية ابتكار وتطوير، تتضمن تجديدًا في اللغة والمنهج والهدف والموضوع، وتسعى إلى إعادة بناء فهم الدين بما يستجيب لروح العصر ولتحولات الإنسان والعالم. أما الإصلاح فينشغل بمراجعة ما اعتراه من خلل أو انحراف في الفكر أو الممارسة الدينية، والعمل على تقويمه وتصحيحه داخل البنية القائمة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى إعادة تأسيس المفاهيم أو إنتاج رؤى جديدة. في حين أن الإحياء هو "استئناف ما كان في الماضي كما هو". أي إن الإحياء يتحول، وفق هذا الفهم، إلى توسيع لحضور الدين في مختلف مجالات الحياة وعلومها ومعارفها، وتدخله في شتى نشاطات الإنسان، على نحو يفضي إلى إهدار المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. وفي ضوء ذلك يميز الرفاعي بين الإصلاح الذي يستهدف تصحيح القائم، والتجديد الذي يبتكر آفاقًا جديدة للفهم، والإحياء الذي يسعى إلى استعادة ما كان في الماضي وإعادة حضوره.

في ضوء ذلك لا يمكن تصنيف الرفاعي في إطار الإحياء أو الإصلاح بالمعنى الشائع لهذين المفهومين، وإنما يتموضع في أفق التجديد بوصفه مشروعًا فلسفيًا ومعرفيًا يسعى إلى إعادة بناء التفكير الديني في إطار الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة. الرفاعي مجدد يمارس التجديد بوصفه فعلًا نقديًا، لا يكتفي بمراجعة الأجوبة الموروثة، وإنما يذهب إلى الأسئلة المؤسسة التي أنتجتها، ويعيد فحص منطلقاتها ومقدماتها في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها وعي الإنسان الحديث ومعارفه. وينشغل الرفاعي بمشروع متكامل للتجديد الديني، يهدف إلى إعادة اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد أن حجبتْه في كثير من الأحيان قراءات مغلقة ومقولات تراثية استُهلكت تاريخيًا. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في المفاهيم الدينية الأساسية، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تستوعب تحولات الإنسان والعلوم والمعارف، وتفتح أفقًا أرحب لفهم الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والحرية والكرامة والحب والرحمة. في سياق هذا المسعى يعمل على بناء وعي ديني أكثر قدرة على الحوار مع العصر، وأكثر استعدادًا للاستجابة للأسئلة الوجودية والروحية التي يواجهها الإنسان اليوم.

****

بهاء سوادي - كاتب عراقي  

طالب في المرحلة السادسة بكلية الطب في جامعة البصرة.

من الغريب ان يتصور البعض حاليا ان الفلسفة والعلم بعيدان عن بعضهما. ذلك يعود جزئيا لنظام التعليم المرتكز على التخصص وربما عوامل اجتماعية اخرى. لكن ذلك بالضرورة لا يعكس الحقيقة. عندما نعود وننظر الى الخلف الى أصول الفلسفة اليونانية، سنرى ان هذا التمييز لم يكن موجودا. بالنسبة لفلاسفة ما قبل سقراط (او كما نحب نسميهم الفلاسفة الأوائل)، كانت الفلسفة علما. وسواء كانت مهمة الفيلسوف فهم لغز وعظمة الكون، او كيف يعمل ذهن الانسان وجسده، فهي لم تكن تختلف عن مهمة العالِم. نحن مدينون كثيرا للفلاسفة الأوائل، حيث ان العديد من الاختراقات الفكرية الهامة انطلقت منهم. لذا سننظر الان في بعض هؤلاء المفكرين الأوائل، كيف فهموا طبيعة العالم الذي حولهم، وكيف تشابك تاريخ العلم والفلسفة مع بعضهما لوقت طويل. هذا يثبت لنا ان التصور السائد حاليا لا يعكس دائما الحقيقة.

الانفجار العظيم في الفلسفة Big Bang

بعد قراءتنا المتكررة للفلاسفة والتراجيديين والشعراء ومعلقين آخرين في العالم القديم، سنُصاب بالدهشة. حيث في كثير من الأحيان كانت الرؤى التي جاؤوا بها بشأن الفلسفة الطبيعية والتأملية، الطبيعة (وطبيعة الانسان)، مثارا للدهشة. ومن المذهل كم كانوا قريبين جدا من فهمنا الحديث للفيزياء والكون والكثير من المعرفة التي سلّمنا بها كبديهية والتي استقرت كمعطيات علمية في عالمنا الحالي.

فلاسفة ما قبل سقراط (طاليس، اناكساغوراس، بارمنديس، فيثاغوراس، هيرقليطس، امبيدوكلس)، في الحقيقة مهدوا الطريق لكل الفلسفة العظيمة والنقدية التي أتت لاحقا. يمكننا ان نسميهم "الانفجار الكبير" للفلسفة الغربية. هم لم يحوزوا على جميع الأدوات العلمية المدهشة التي نمتلكها اليوم (المجهر الالكتروني، تليسكوب هابل الفضائي) لكي يفهموا الطبيعة والكون بشكل أفضل، لكنهم بمجرد التفكير والجرأة في الأسئلة النقدية توصلوا الى رؤى مدهشة. هنا سنعرض ثلاث رؤى مختصرة لثلاثة من فلاسفة ما قبل سقراط ربما لم نسمع بهم ابدا، لكنهم مع ذلك كشفوا لنا الكثير من الحقيقة.

هيرموتيمز الكلازوميني

كان هيرموتيمز Hermotimus (القرن السادس ق.م) عضوا في الاتحاد الأيوني (اتحاد كونفدرالي من 12 مدينة يونانية) وقد عاش في سميرنا (ازمير الحدية) في الساحل الوسط الغربي لما يسمى اليوم تركيا. لسوء الحظ، كما في العديد من فلاسفة ما قبل سقراط الأكثر غموضا، لا شيء وصل الينا من أعماله الاصلية، ولهذا نعتمد على إشارات الفلاسفة والكتّاب الاخرين مثل ارسطو، لينقلوا لنا معلومات حول تفكيره.

يعود لهيرمونتيمز الفضل في كونه اول فيلسوف افترض الفكرة المذهلة بان الذهن هو الأساس في سبب الأشياء. هو ذكر ان الوجودات المادية ثابتة بينما العقل هو الذي يسبب التغيير. هذا يبدو مشابه الى احد المبادئ الهامة لميكانيكا الكم الحالية: ان ذهن الانسان هو لاعب نشط في "خلق" الواقع الذي ندركه. فمثلا، مبدأ اللايقين لهيزنبيرغ يقول من المستحيل ان نعرف بالضبط وبشكل متزامن موقع الجسيم وزخمه. أي انه كلما عرفنا اكثر "الموقع" الذي يتقرر - من منظور الانسان - كلما كنا أقل معرفة بالزخم والعكس صحيح. في مستوى الكم، الطبيعة دائما في تدفق ولا يمكن التنبؤ بها، هي فوضوية بمعنى ما. نحن البشر ومن خلال الملاحظة والمشاركة، نفرض على الطبيعة إحساسنا بالنظام، وبالتالي يصبح كونا عشوائيا مع إضفاء شيء من المعنى.

مبدأ اللايقين

الفيلسوف والفيزيائي سيكستوس امبيريكوس في القرن الثاني الميلادي، يضع هيرموتيمز وهسيود وبارمنديس وامبيبوكلس باعتبارهم ينتمون الى صنف من الفلاسفة آمنوا بالنظرية الثنائية dualistic theory في ان الشيء المادي والمبدأ النشط "العقل" يشكلان مع بعضهما أصل العالم (المحرك الذي لا يتحرك لارسطو unmoved mover)(1). وبينما لم يمتلك هيرموتيمز أي شيء في ذهنه عن ميكانيكا الكم (هو توقّع المحرك غير المتحرك لارسطو في الكون - كخالق او السبب الأول في الخلق)، لكنه بالتأكيد اكتشف شيئا.

اخمين الكروتوني

كان اخمين Aicmeon الذي ولد عام 510 ق.م معاصرا لإيمبيدوكلس واناكساغوراس. ومع ان لا شيء متوفر من أعمالة ، لكن تتوفر لدينا تعليقات من ارسطو وثيوفارستس. اعتُبر اخمين فيزيائيا لامعا في زمانه وعاش اثناء فترة التحول في الطب اليوناني. وبينما كان الطب التقليدي خاضعا للفلسفة والدين، لكنه اتخذ منعطفا دراماتيكيا في القرن السادس قبل الميلاد. كان اخمين رائدا في الطريقة التجريبية الصارمة في التشخيص، مقابل النهج الأكثر عمومية لأسلافه الذين نسبوا الامراض او المشاكل الى مخالفة الله. بدلا من ذلك، نظر اخمين في الفرد وأراد حقائق محددة: كيف تعمل الحواس في هذه الحالة؟ ولماذا يبدو المريض على هذا النحو؟ ما هو حقا الشيء الذي تخبرنا عنه الأعراض؟ هو أدخل عقيدته في توازن البدن ليحدد ويوضح الحالة الصحية في المريض. قام اخمين بتحقيقات فسيلوجية مفصلة لمختلف الحواس لكي يستطلع الأسباب الحقيقية للأحاسيس والأعراض الظاهرة.

كذلك، هو اعتقد ان جسم الانسان السليم يجب ان يكون "في توازن". أربعة مظاهر او "قوى" للبارد، الحار، الرطب، الجاف يجب ان تكون في توازن طبيعي في جسم الانسان. عندما لا يعمل أي واحد منهم بشكل صحيح ستظهر مشكلة. وبينما هذه تبدو بدائية، لكن علم "الاخلاط الأربعة" هذا استمر في القرون الوسطى ونتذكر ان الأطباء كانوا حتى قبل قرنين يقومون بعمليات فصد الدم بشكل روتيني .

ان الشيء المهم هو ان اخمين مهّد الطريق لأطباء المستقبل مع التركيز على المعلومات الحسية للمريض. تركيزه كان حول ماذا تقول تلك الاعراض؟ جهوده في التركيز على البيانات التجريبية وإبقاء ذهن المريض في توازن، كان هاما في تقدم الطب في عصره.

ديوجين الابولوني

وُلد ديوجين الابولوني عام 460 قبل الميلاد، وعادة يُعتبر آخِر فلاسفة ما قبل سقراط ويبدو انه قام بمعظم أعماله الهامة في أثينا. هو تأثر باناكساغوراس في عقيدته بالذهن، وهو مدين للرؤية الذرية بان المجيء للوجود والخروج منه نتج عن مزج او فصل عناصر من نفس النوع. متبعاً اناكسامينس، هو افترض النظرية المادية بان كل الأشياء في العالم هي تحويرات لنفس المادة الأساسية: الهواء.

ادّعاء ديوجين بان كل شيء في الكون هو تعديل لمادة أساسية واحدة تم بناءً على اعتبارين مترابطين: 1- التفاعل المادي سيكون مستحيلا اذا كان كل شيء انفرادي مختلف راديكاليا عن كل شيء آخر، و 2- التناغم غير المنظم للطبيعة سيكون لغزا اذا كان الذكاء السائد في كل مكان لا يتحكم في او يرشد أي شيء. انكار هذه الاعتبارات سيكون مساويا طبقا لديوجين لتجاهل الطريقة التي تمتزج بها الأشياء او تساعد او تؤذي بعضها، بالإضافة الى الطريقة التي تعتمد بها الأشياء على كل منها (كما في الماء للنبات او أي كائن حي يتنفس هواء). سيكون معادلا لتجاهل التوازن والقياس والبناء المفهوم الذي يصف كل مظهر للطبيعة.

ديوجين أعلن ان الهواء هو المادة الكونية الأساسية طالما انه مبدأ الحياة والذكاء لكل العالم الحي. في اعتقاده، ان الهواء هو المصدر والقوة المرشدة لكل تغيير مادي. انه المادة الأكثر تنوعا وتكيفا. قدرته على تجسيد ذاته في نطاق واسع من الاشكال المتغيرة، وتحت أي ظرف قابل للتصور – حار، بارد، رطب، بخار وجاف - هو دليل على عقلانيته وإلوهيته. بالمقدار الذي يكون فيه هواء في كل شيء حي، معناه جزء من الله هو في كل مخلوق حي.

عالِم الفيزياء الفلكية كارل ساجان أعجب كثيرا بالمفكرين اليونانيين القدماء. هو تأمل انه لو سُمح لهم في الاستمرار في التقدم، لأصبحنا نحن البشر حضارة فضائية قبل قرون من العصر الحديث. يمكن الإشارة الى ان فلاسفة ما قبل سقراط تشكلت على أيديهم الأسس التي بُنيت عليها الأفكار والتاملات العلمية والفسفية.

***

حاتم حميد محسن

......................

June 05, 2026, classical wisdom

الهوامش

(1) في الفلسفة والثيولوجيا، يشير (المحرك الذي لا يتحرك) لأرسطو الى سبب أساسي وأبدي لكل الحركة والتغيير في الكون. هو السبب الأول كونه يزيل الحاجة الى تراجع لا متناهي للأسباب. اذا كانت كل حركة نتجت عن حركة سابقة فيجب ان تكون هناك نقطة بدء. ولأنه يستحيل منطقيا ان توجد سلسلة لامتناهية من الأشياء المتحركة ، جادل ارسطو يجب ان يكون هناك كائن متعالي تام ولا يتغير، يبدأ كل حركة بدون ان يتحرك هو ذاته.

الخصائص الأساسية للمحرك الذي لا يتحرك:

1- لا يتحرك ولا يتغير: انه غير مادي وأبدي، ليس له حجم ويوجد دائما ولا يملك أي إمكانية للتغيير.

2- الجذب وليس الدفع: انه يحرك الكون ليس عن طريق دفع او سحب الأشياء ماديا وانما هو يحرك الأشياء بشكل غير مباشر عبر التصرف كهدف او رغبة او فكرة او حب – جاذبا كل الأشياء في الكون نحو كماله، وهي تتحرك استجابة له.

3- فكر محض: كامل وجوده هو الفعل النهائي للتأمل، فكما وصفه ارسطو، انه "فكر يفكر في ذاته" او (nous) فهم كوني.

4 - غير شخصي: على عكس إله الأديان السماوية، محرك ارسطو هو ذاتي كليا، غير واع بوجود الانسان ولا يهتم في الشؤون الحياتية.

ارسطو اشتق المفهوم في الأصل عند استطلاعه السببية والطبيعة في كتابه فيزياء ارسطو، بينما توما الاكويني عدّل المفهوم الى (الطريقة الأولى) من بين خمس طرق لإثبات وجود الله. نظرية السبب الأول أشعلت نقاشا مستمرا حول ما اذا كان الواقع النهائي يتطلب نقطة توقف سببية ام ان الكون يعمل بشكل مختلف على أساس الفيزياء الحديثة.

العمل الجماعي في تجربة الإمامية الأوائل

لم يكن تشكّل الذاكرة الحديثية عند الإمامية نتاج جهود فردية معزولة، بل أسهمت في بنائها شبكة واسعة من التفاعلات العلمية التي شارك فيها الرواة والمحدثون والفقهاء عبر مراحل متعددة من التدوين والتصنيف والتنظيم، وقد شكّل العمل الجماعي أحد أهم الآليات التي ضمنت حفظ التراث الروائي وتطويره، إذ أدرك علماء الإمامية الأوائل أن الاشتراك في التأليف والرواية يحقق قدراً أكبر من الضبط والدقة، ويقلل من احتمالات الخطأ والسهو، فضلاً عن توسيع دائرة الاستفادة من الخبرات العلمية المتنوعة.

وتكشف المصادر الرجالية والفهرستية عن نماذج عديدة لهذا اللون من التعاون العلمي، فمن أوائل تلك النماذج ما نجده عند جميل بن دراج النخعي، أحد كبار أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، إذ نسبت إليه كتب اشترك في تأليفها مع غيره من الرواة، فكان له كتاب بالاشتراك مع محمد بن حمران، وآخر مع مرازم بن حكيم، وتدل هذه المشاركة على أن تدوين الحديث لم يكن دائماً عملاً فردياً، بل كان في بعض الأحيان مشروعاً علمياً مشتركاً يهدف إلى جمع الروايات ومقابلتها وضبطها بصورة أدق.

كما تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في تجربة الحسن بن سعيد الأهوازي وأخيه الحسين بن سعيد، وهما من أبرز علماء مدرسة الحديث الإمامية في القرن الثالث الهجري، فقد اشتركا في تأليف مجموعة كبيرة من المصنفات بلغت ثلاثين كتاباً، حتى غدت هذه المؤلفات من أهم المصادر الحديثية والفقهية التي اعتمد عليها المتأخرون، ورغم أن الشهرة ارتبطت غالباً بالحسين بن سعيد، فإن المصادر تؤكد اشتراك الأخوين في هذا المشروع العلمي الكبير، وهو ما يعكس طبيعة العمل العلمي التعاوني في تلك المرحلة.

ومن الأمثلة الأخرى ما قام به الحكم بن سعد الأسدي الناشري، أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، حيث شارك أخاه مشمعل في تأليف كتاب في الديات، ويكشف هذا المثال عن امتداد ظاهرة التأليف المشترك إلى المجالات الفقهية التخصصية، مما يدل على رسوخ ثقافة التعاون العلمي بين المحدثين والفقهاء الإمامية.

وفي المجال الطبي المرتبط بالمرويات الواردة عن الأئمة عليهم السلام، نجد نموذجاً آخر يتمثل في الحسين بن بسطام بن سابور الزيات وأخيه أبي عتاب عبد الله، اللذين جمعا معاً كتاباً في الطب اشتهر فيما بعد بعنوان طب الأئمة، وتظهر أهمية هذا العمل في كونه ثمرة جهد مشترك هدف إلى جمع الروايات الطبية وترتيبها وحفظها ضمن مصنف مستقل، الأمر الذي ساهم في انتقال هذا اللون من التراث إلى الأجيال اللاحقة.

كما نجد صورة أخرى للتعاون العلمي في كتاب إبراهيم بن محمد الأشعري، أحد أصحاب الإمامين الكاظم والرضا عليهما السلام، حيث شارك أخاه الفضل بن محمد الأشعري في تأليف كتاب روى عنهما الحسن بن علي بن فضال، ويؤكد هذا المثال أن التعاون الأسري كان يمثل إحدى القنوات المهمة في عملية إنتاج المعرفة الحديثية وتداولها داخل الأوساط العلمية الإمامية.

غير أن العمل الجماعي لم يقتصر على مرحلة التأليف المشترك، بل امتد إلى مراحل لاحقة تتعلق بتنظيم المصنفات وترتيبها وتبويبها. فقد قام أبو سليمان داود بن كورة القمي بتبويب كتاب النوادر لأحمد بن محمد بن عيسى، كما قام بتنظيم كتاب المشيخة للحسن بن محبوب السراد وفق أبواب الفقه ومعانيه، وتمثل هذه الجهود مرحلة متقدمة من الوعي المنهجي؛ إذ لم يعد الهدف مقتصراً على جمع الروايات، بل أصبح يشمل إعادة ترتيبها بما يسهل الوصول إليها والاستفادة منها.

وفي السياق نفسه قام أحمد بن الحسين بن عبد الملك الأزدي الكوفي بجمع كتاب المشيخة وتبويبه على أسماء الشيوخ، وهي خطوة تكشف عن اهتمام المحدثين الإمامية بتطوير أدوات الفهرسة والتنظيم العلمي للمادة الحديثية، وقد أسهمت هذه الجهود في تسهيل عملية النقل والاستفادة من الروايات، كما مهدت لظهور المشاريع الفهرستية والرجالية اللاحقة.

ومن خلال هذه النماذج يتضح أن الذاكرة الحديثية الإمامية لم تُبنَ عبر جهود فردية متفرقة، وإنما تشكلت من خلال منظومة متكاملة من التعاون العلمي شملت التأليف المشترك، والمراجعة المتبادلة، وجمع المصنفات، وإعادة ترتيبها وتبويبها، وقد أتاح هذا العمل الجماعي للموروث الحديثي أن يحافظ على استمراريته وأن ينتقل عبر الأجيال بدرجة عالية من الضبط والتنظيم، مما جعله أحد أبرز عناصر القوة في التجربة العلمية للإمامية الأوائل، ولذلك يمكن القول إن صناعة الذاكرة الحديثية لم تكن مجرد عملية حفظ للروايات، بل كانت مشروعاً معرفياً جماعياً شاركت فيه أجيال متعاقبة من المحدثين والفقهاء والمفهرسين، وأسهم في ترسيخ البنية العلمية للتراث الإمامي وتطوير أدواته المعرفية.

***

علي جعفر الرماحي

لا يجيء كتابي "مستعمرات الضوء: سؤال تشكيل الوعي في زمن الشبكات" بوصفه امتدادا تقنيا أو تتمة موضوعية لكتابي السابق "في سوسيولوجيا الإعلام والرقمنة"، بقدر ما ينبثق باعتباره تحولا في أفق السؤال نفسه؛ انتقالا من مساءلة الوسائط بوصفها أدوات تواصل وإنتاج للمعنى، إلى تفكيك البنية العميقة التي تصوغ الوعي الإنساني داخل الإمبراطوريات الرقمية الجديدة، حيث لم تعد السلطة تُمارَس بالعنف الرمزي التقليدي فقط، بل عبر هندسة الإدراك، وتوجيه الانتباه، وإعادة تشكيل الرغبة والذاكرة والزمن.

إن ما أسميه بـمستعمرات الضوء ليس سوى تلك الجغرافيا اللامرئية التي تحتل الإنسان من الداخل، لا عبر الجيوش أو الحدود، بل بواسطة التدفق اللامتناهي للصور والخوارزميات والمنصات. إنها استعمار جديد للوعي، يتسلل في هيئة إشعاع ناعم، يقدّم نفسه باعتباره حرية مطلقة، بينما يعيد إنتاج أشكال أكثر تعقيدا من الانضباط والمراقبة.

ربما نستعيد ها هنا أطروحات ميشيل فوكو وراهنيتها القصوى، خصوصا في حديثه عن المجتمعات التأديبية وتقنيات الضبط، غير أن السلطة اليوم لم تعد مؤسسة مغلقة أو جهازا مرئيا، بل تحولت إلى خوارزمية تتخفى داخل الاقتراح الذكي والتفضيل الشخصي واقتصاد الانتباه.

لقد أصبح الإنسان الرقمي، كما يتبدى في هذا الكتاب، يعيش داخل ما يشبه البانوبتيكون الشبكي، حيث يراقب ذاته بنفسه، ويعيد إنتاج صورته وفق ما تقتضيه معايير القبول الرقمي. ومن هنا، فإن سؤال الوعي لم يعد سؤالا فلسفيا مجردا، بل أضحى سؤالا سياسيا وأنثروبولوجيا وأخلاقيا يتعلق بمصير الإنسان نفسه داخل حضارة الشاشة.

وفي هذا السياق، يقترب الكتاب من تشخيصات غي ديبور في مجتمع الفرجة، حيث تتحول الحياة إلى تمثيل دائم، وتصبح الصورة بديلا عن التجربة الحية. غير أن الفرجة اليوم تجاوزت بعدها الاستعراضي إلى مستوى أعمق؛ إذ لم تعد الصورة تكتفي بعرض العالم، بل صارت تعيد إنتاجه وصياغته وفق منطق المنصة. فالمنصات الرقمية لا تنقل الواقع، بل تبنيه، وتعيد ترتيب أولوياته وقيمه وأوهامه.

إن الضوء في هذا الكتاب ليس استعارة بريئة، بل هو ضوء الشبكات الذي يسطع إلى درجة العمى، ضوء يكشف الأشياء بقدر ما يخفيها، ويمنح الاتصال فيما يعمّق العزلة، ويخلق وفرة في المعلومات مقابل فقر متزايد في المعنى.

كما وتتقاطع أفكار الكتاب مع نقد جان بودريار لمجتمع المحاكاة، حيث يغدو الإنسان سجين علامات وصور تفوق الواقع ذاته كثافة وهيمنة، حتى يصبح الفرق بين الحقيقي والافتراضي مسألة متلاشية.

ومن جهة أخرى، يحاول هذا المشروع مساءلة التحولات التي مست بنية المجال العمومي في العصر الرقمي، انطلاقا من الأسئلة التي أثارها يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي والعقل التواصلي. فالمجال العمومي الشبكي، الذي وُعدنا به باعتباره فضاء للتحرر والتعدد، تحول تدريجيا إلى سوق كبرى للانفعالات، وإلى فضاء تُدار فيه الحشود بمنطق الترند لا بمنطق النقاش العقلاني، حيث تُختزل القضايا المعقدة في ردود فعل سريعة، وتُستبدل الحقيقة بقابلية التداول.

ولذلك فإن كتابي "مستعمرات الضوء" لا يشتغل فقط على نقد التكنولوجيا، بل على تفكيك الميتافيزيقا الرقمية التي جعلت الإنسان الحديث يؤمن بأن الخلاص يمر عبر الاتصال الدائم، والتدفق المستمر، والحضور الإلكتروني اللامنقطع. وهي الفكرة التي تحيلنا إلى تأملات مارتن هايدغر حول التقنية، حين اعتبر أن الخطر الحقيقي للتكنولوجيا لا يكمن في أدواتها، بل في الطريقة التي تجعل الإنسان يرى العالم باعتباره مخزونا قابلا للاستعمال.

إن القلق المعرفي الذي يحرك هذا الكتاب ينبع من إدراك أن المعركة الحقيقية في زمن الشبكات لم تعد معركة المعلومة، بل معركة الوعي ذاته؛ أي معركة الإنسان ضد تحوله إلى بيانات، وضد اختزاله في ملف رقمي قابل للتوقع والتوجيه والتسليع. فالرأسمالية الرقمية، كما أعتقد لم تعد تكتفي باستغلال العمل، بل انتقلت إلى استغلال الانتباه والعاطفة والميول النفسية، وهو ما يجعلنا قريبين من تحليلات زيغمونت باومان حول الحداثة السائلة، حيث تصبح العلاقات والهويات والقيم في حالة سيولة دائمة، فاقدة لأي يقين أو استقرار.

هذا المشروع الفكري لا ينتمي إلى سوسيولوجيا الإعلام بالمعنى التقليدي، بل ينفتح على فلسفة التقنية، ونقد الثقافة الرقمية، وأنثروبولوجيا الشبكات، بوصفها حقولا متداخلة لفهم التحولات الجذرية التي يعيشها الإنسان المعاصر. إنه محاولة لتفكيك الكيفية التي تتحول بها الشاشة إلى سلطة رمزية شاملة، وكيف تصير الخوارزميات فاعلا خفيا يعيد تشكيل الحس المشترك والخيال الاجتماعي وتمثلات العالم.

وفي العمق، يظل سؤال الكتاب سؤالا وجوديا:

كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على حريته الداخلية في زمن تُدار فيه الرغبات رقميا؟

وكيف يمكن استعادة المعنى وسط هذا الفيض الضوئي الهائل الذي يبتلع التأمل والبطء والمسافة النقدية؟

ذلك أن أخطر ما تنتجه مستعمرات الضوء ليس فائض الاتصال، بل تآكل القدرة على التفكير الحر، وانطفاء المسافة الضرورية بين الإنسان والعالم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

.........................

* كلمة ألقيتها خلال اللقاء الثقافي الذي نظمته مديرية الثقافة بمراكش، بمناسبة معرضها الجهوي في دورته ال16 ، يوم الثلاثاء 19 ماي 2026 بساحة الكتبية مراكش

هذه مراجعة لرؤية المرحوم مالك بن نبي حول الأركان الثلاثة التي تقوم عليها الحضارة، أي الإنسان والتراب والوقت، مع تعديل أراه ضرورياً، كي تستوعب تحولات الفكر في يومنا الحاضر.

أعلم أن بعض الناس يرى هذا الموضوع قليل الأهمية، وأن المسائل العملية اللصيقة بالواقع اليومي هي الجديرة بالاهتمام. لكنني أجد أيضاً أن غالبية أهل الرأي، متفقون على أن مفتاح التقدم هو تطوير الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي وتوطين التقنية. إن اهتمامهم بالمنطق الرياضي والحسابات، التي تشكل عماد التقنية المعاصرة، بدل البلاغة وبديع الكلام، دليل على إيمانهم بمحورية المعارف النظرية، التي تشكل الأرضية والإطار الضروري لتطوير التقنيات العملية.

أعتقد أن الجميع متفق على ضرورة النهضة، وعلى البدء بالإنسان الذي يحقق النهضة ويستفيد منها. لكن البعض قد يتناسى حقيقة أن النهضة ليست إجراءات أو منظومة أعمال فقط، بل هي في المقام الأول رؤية نظرية للأهداف الكبرى والوسيطة، ومعايير للتحقق من سلامة العمل، ثم الإجراءات والبرامج التي ستوصلنا إليها.

إنني أطمع أن يهتم عدد أكبر من أهل الرأي في بلدنا وحولها بقضايا النهضة، ولا سيما بتحويلها من شعارات عامة أو تمنيات، إلى مسائل قابلة للنقاش العام، وتطبيقات متصلة بالحياة اليومية للناس كافة.

لا شك أن هذه القضايا جديرة بالنقاش من جانب جمهور المواطنين، فضلاً عن أهل الرأي والمتخصصين. ويؤسفني أن غالبية العرب لا تهتم كثيراً بالجدل حول المشاريع الكبرى. ويشار عادة في تبرير هذا الإهمال، إلى انشغال الناس بلقمة العيش، التي قد تكون عسيرة في بعض البلدان. مع أن تلك المشاريع هي العلاج الفعال والتاريخي لشحة الرزق وانكشاف المجتمع.

سوف أعود لمناقشة الرؤية المبكرة التي طرحها مالك بن نبي في مقالات لاحقة. لكنني أود البدء بصياغة جديدة لمفهوم الإنسان الذي اقترحه، والذي أراه منصرفاً إلى معنيين: أولهما كون الإنسان هدفاً نهائياً للنهضة، فلا يصح أن تضم بين مشاريعها ما يضعف دوره أو يقيد مساراته. والآخر كونه الفاعل الرئيس الذي تعتمد عليه مشاريع النهضة. ومن هنا، فإن تطوير قدرات الإنسان العقلية والعلمية، أي تمكينه من إدارة التطور الذي نسميه نهضة، يُعدّ رهاناً محورياً وتمهيداً لا بديل عنه عند انطلاق المشروع وفي سياقه.

أما التراب، فقد كان الأستاذ مالك يركز على مفهوم الأرض والإنتاج الزراعي. وأرى أن الأصوب استبداله بمفهوم «الطبيعة» ككل، باعتبارها موضوعاً لعمل الإنسان. نهضة الاقتصاد والعلم، وهما جوهر مفهوم التقدم، ليست في حقيقتها سوى الاستثمار الأكفأ للموارد الطبيعية.

أما الوقت، فإنني أقترح أن نستبدل به مفهوم الزمن أو التاريخ؛ لأن التقدم ليس مشروعاً ينتهي بعد مدة. بل هو أقرب لبرنامج مفتوح، يبدأ بما تعرف، فتنفتح أمامك أبواب كانت مجهولة، فتستغني عما سبق. وهكذا، فكل عمل في مشروع النهضة هو عبور من مرحلة معروفة إلى أخرى جديدة، تؤدي بالضرورة إلى زوال قيم وبروز أخرى، وزوال مفاهيم وأحكام وأخلاقيات وبروز بدائل عنها، وهكذا. معرفة الإنسان تاريخية بطبعها، أي مؤقتة. اعتبار المعرفة تاريخية، أي مشروطة بزمنها، شرط ضروري للتعامل الناضج مع التحولات التي تجري في سياق النهضة. ولنا عودة إلى هذا الموضوع.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

في مأزق الحقيقة الراهن

يمر العالم المعاصر بإنتاجية مكثفة لأزمات وجودية ومعرفية مركبة؛ تتبدى في تقاطع تحولات سياسية واقتصادية وفلسفية حادة، تعيد صياغة وعي الإنسان بذاته، وبمحيطه، وبالزمن. إن هذا التحول الكوني ليس مجرد تبدل عابر في موازين القوى، بل هو زلزال مفاهيمي يطال بنية الوعي البشري ويقوض ركائز الحقيقة الفلسفية والسياسية التي استقرت لقرون. ويمكن قراءة هذا التحول الكوني المعقد من خلال ثلاثة محاور رئيسية متداخلة تشكل ملامح العصر الحديث:

 أولها، صعود "الظاهرة الترامبية" كنموذج لتفكيك القيم السياسية الكلاسيكية وإحياء النزعة السيادية المشخصة التي تعتمد على كسر المؤسسات واختزال الدولة في الفرد.

 وثانيها، تأسيس "التعميق الأيديولوجي للتفاهة" بالتوازي مع ميتافيزيقيا براغماتية نفعية تختزل الوجود الإنساني كله في أبعاده المادية الأداتية، محولة القيم الأخلاقية إلى أدوات استخدامية عابرة.

 وثالثها، سيادة فلسفة تجارية سلعية مفرطة تكرس نمط وجود وشعار الاستهلاك الفوري القائل: "أعيش يومي وغداً لغائب".

تتوج هذه المحاور الثلاثة بمقاربة فلسفية تاريخية تفكيكية لصراع الكذب والسياسة؛ حيث يتحول الكذب المنهجي في عصر "ما بعد الحقيقة" من مجرد انحراف أخلاقي طارئ أو خطيئة سلوكية فردية، إلى آلية أنطولوجية وجودية تعيد هندسة الواقع وصناعة الأوهام الجمعية. إن فهم هذا المشهد المتشابك يتطلب تشريحاً بنيوياً حاداً يربط بين تآكل المؤسسات الديمقراطية، وصعود الرأسمالية المتأخرة، والتحولات العميقة في أنظمة التاريخانية والوعي البشري بالزمن والحقيقة. إنه محاولة لتعرية الأنساق الخفية التي تحرك واجهة العالم المعاصر وتدفع به نحو سيولة معرفية شاملة.

 الترامبية وفلسفة السيادة المشخصة (أيقونة الكاو بوي)

تتجاوز الظاهرة الترامبية كونها مجرد حقبة رئاسية عابرة في التاريخ الأمريكي المعاصر، أو مجرد حدث سياسي ارتدادي؛ إذ تمثل في الجوهر تياراً أيديولوجياً هجيناً يمزج بين مستويات مرتفعة من الشعبوية اليمينية المحافظة والنزعة السلطوية القومية الجديدة. إنها ظاهرة فريدة تستخدم أدوات الحداثة وما بعد الحداثة معاً لتفكيك القيم السياسية الدولية المستقرة. وتعتمد الترامبية في منطقها الحركي على سياسة "الصدمة" المتتالية لإرباك التوازنات الدولية التقليدية، متجاوزة عن عمد القنوات المؤسساتية والقانون الدولي لتكريس مبدأ الصفقات الثنائية والنفوذ المباشر المبني على ميزان القوى العاري. وينعكس هذا التوجه في صراع حاد يتسرب من قمة الهرم السياسي إلى أعمق قاع في المجتمع؛ معبراً عن ارتباك دولي يعيد صياغة مفهوم تعددية الأقطاب على أنقاض العولمة الليبرالية والتحالفات التاريخية التقليدية، حيث يحل منطق "الغابة السياسية" محل التوافقات التعاقدية.

تتقاطع الترامبية بنيوياً مع الفلسفة الكامنة وراء المثل السائد "أمير ولو على حجر"؛ وهي فلسفة شعبية تجسد النزعة السيادية المتطرفة والمشخصة التي تفضل الهيمنة الفردية المطلقة، وإن تكن هذه الهيمنة ممارَسة على ركام نظام متآكل أو بيئة قاحلة مهدمة. في هذا المنظور السياسي، تصبح السلطة غاية بذاتها، منفصلة تماماً ومجردة من مسؤولياتها البنائية أو التزاماتها التعاقدية الجماعية تجاه المجتمع أو المستقبل.

إن ممارسة الحكم هنا تتمأسس على مبدأ الذاتية المطلقة ورفض أي كبح مؤسساتي أو دستوري أو قانوني؛ بحيث تصبح الدولة مختزلة بالكامل في شخص القائد الفرد، وتتحول العلاقات الدولية من فضاء دبلوماسي إلى فضاء من الصراع البدائي الخالي من القيم الإنسانية المشتركة. إن "الحجر" في هذا السياق هو التعبير الوجودي عن التخلي العمد عن بناء الفضاءات العمومية المشتركة والمؤسسات المستدامة، لصالح نرجسية سيادية تبسط نفوذها على التشظي والخراب، وتجد مشروعيتها في استمرار الأزمة لا في حلها.

الفلسفة التجارية السلعية وحتمية "الحاضرية المطلقة"

توظف الرأسمالية المتقدمة النزعة الاستهلاكية المفرطة ومذهب المتعة اللحظية كأدوات تصفية واحتواء شرسة للقوى الاجتماعية والسياسية التي قد تشكل، في حال وعيها، تهديداً لاستقرار بنيتها الاحتكارية. وتعمل الآلة الصناعية المعاصرة، وثقافة الإعلام الاستعراضي، ومراكز التسوق الكبرى والمنصات الرقمية، على إنتاج ما يمكن تسميته بـ "الإنسان المسطح"؛ ذلك الكائن الذي يستهلك ذاته في عملية الاستهلاك نفسها، ويتحول من فاعل تاريخي إلى مفعول به اقتصادي. وقد قوضت هذه النزعة الاستهلاكية الشرسة القيم الروحية والأعراف الاجتماعية للمجتمعات التقليدية؛ حيث جرى إزاحة المناسبات الروحية والاجتماعية الكبرى من حيزها الرمزي والديني العميق إلى حيز "الطقوسية الشكلية والاستعراضية" التي تغذيها الميديا الرقمية وصناعة الصورة المعولمة. هذا التسليع الشامل لكل ما هو إنساني ينعكس في حالة من الاغتراب الروحي والاضطراب المتزايد الذي يلتهم البيئة والإنسان على حد سواء؛ مكرساً حالة "الغثيان" الوجودي التي تفرزها الحياة البرجوازية القائمة على المنفعة الضيقة لا الجمال، وعلى التكرار العقيم للحاضر الاستهلاكي الخالي من الإبداع الحقيقي والتجاوز التاريخي.

في هذا الصدد، يحلل المؤرخ فرانسوا هارتوغ كيف أن المجتمعات الإنسانية تعبر عن تجاربها في أطر ثقافية متغيرة تسمى "أنظمة التاريخانية". وقد تراجع الوعي الزمني المعاصر بشكل حاد بعد سقوط جدار برلين وتفكك اليوتوبيا التقدمية الحديثة التي كانت تتطلع نحو المستقبل، ليفسح المجال لنظام "الحاضرية المطلقة"؛ حيث يصبح الحاضر كلي الوجود والسيادة، ويتلاشى التوازن التاريخي التقليدي بين فضاء الخبرة المستمدة من الماضي وأفق التوقعات المأمول في المستقبل.

يعيش الفرد في ظل هذا النظام علاقة شيزوفرنية بالزمن؛ وهي تجربة دوال مادية معزولة ومتقطعة تفشل في التلاحم لتشكيل استمرارية زمنية للهوية الشخصية أو الجماعية. إن شعار "أعيش يومي وغداً لغائب" ليس مجرد تعبير عن تفاؤل عابر، بل هو السلوك النفسي والاجتماعي المنسجم تماماً مع آليات الرأسمالية المتأخرة التي تثير شهوة الاستهلاك الفوري في لحظة "هنا والآن". وفي هذه الحالة الوجودية المأزومة، ينفصم الجدل الطبيعي بين الحاضر والمستقبل؛ إذ يغترب الحاضر كلياً ويتحول إلى "حاضر كئيب وسرمدي" مفرغ من الوعي التاريخي والآفاق الاستشرافية. ويرى الفيلسوف فريدريش نيتشه أن هذا التكريس للوعي اللحظي والنزوع الاستهلاكي يدمر جوهر الإنسانية؛ عبر حصر غايتها في المعرفة التقنية الفورية والمنفعة المادية العاجلة بدلاً من القيم الروحية العميقة التي تمنح الوجود استمراريته الأخلاقية والتاريخية الممتدة.

جينالوجيا صراع الكذب: التحولات المفهومية الكلاسيكية

يمثل صراع الحقيقة واللاحقيقة المحور الجوهري لمسار التاريخ الفلسفي كله؛ إذ دأبت الفلسفة، منذ نشأتها الأولى، على البحث عن الحقيقة عبر تعرية أضدادها من الوهم، والزيف، والأسطورة، والتضليل. وقد شهد مفهوم الكذب تحولات مفهومية كبرى عبر العصور، بدءاً من الصياغة اليونانية الكلاسيكية حيث برز الكذب في صيغة "القول الزائف"؛ وهي صيغة معقدة تمزج في الآن ذاته بين الخطأ المعرفي غير المقصود، والخداع السياسي المتعمد، والتزوير الفني والجمالي المفارق للواقع.

وفي محاورة "هيبياس الصغرى" الشهيرة لأفلاطون، يخوض سقراط نقاشاً بنيوياً عميقاً حول التمييز بين شخصيتي البطلين الملحميين: "آخيل" الصادق والمستقيم، و"أوديسيوس" المراوغ والذكي. ويقدم أفلاطون من خلال هذا السجال أطروحة إشكالية صادمة تفترض "تفوق فاعل السوء الطوعي"؛ مبيناً أن الشخص الذي يكذب أو يرتكب الخطأ طواعية وبعلم تام ووعي كامل هو أفضل تقنياً وعقلياً وفلسفياً من الشخص الذي يخطئ عن جهل أو دون قصد.

السبب في هذا التفضيل الأفلاطوني المظهر هو أن الأول يملك ناصية المعرفة والخبرة التامة بالمجال، وبالتالي يمتلك القدرة الواعية على التحكم بالحقائق وتوجيهها وصياغتها، بينما الثاني يتخبط دون وعي. هذا التمييز المبكر يضع يدنا على الجذر الجينالوجي للكذب بوصفه مهارة معرفية وتقنية يجري توظيفها لأغراض الهيمنة وصناعة الرأي.

 من الكذب الممنهج إلى فضاء "ما بعد الحقيقة"

تنتقل الفيلسوفة حنة أرندت بمفهوم الكذب إلى فضاء الفلسفة السياسية الحديثة في مقالتها الكلاسيكية "الحقيقة والسياسة" ، والتي كتبتها في أعقاب الجدل الصاخب والشرس الذي أثير حول كتابها "آيخمان في القدس"  مقدمة مقاربة واقعية وعميقة للعلاقة الصدامية بطبيعتها بين الفضاء السياسي وعالم الحقيقة. وترى أرندت أن الصدق لم يكن يوماً من الفضائل السياسية في تاريخ الممارسة العملية، بل طالما اعتُبر الكذب ونصف الحقيقة أداة ضرورية ومبررة في إدارة الدولة والتوجيه الغوغائي للجماهير. وتناقش أرندت مقولة توماس هوبز الشهيرة في كتابه "الليفايثان" بأن "الحقيقة التي لا تتعارض مع لذة أو ربح أي إنسان هي موضع ترحيب الجميع"، لتؤكد أن الحقيقة الواقعية تواجه رفضاً وغضباً سياسياً مستمراً حتى حين لا تتعارض مباشرة مع المصالح المادية؛ وذلك لأن طبيعة الحقيقة القسرية والصلبة وغير القابلة للمساومة تقيد حركة الفاعل السياسي الباحث عن إعادة تشكيل الآراء، وتزييف الوقائع، وتوجيه الجمهور وفقاً لبوصلة مصلحته الآنية.

توضح أرندت عناد الحقيقة الواقعية من خلال حكاية السياسي الفرنسي جورج كليمنصو؛ فحين سئل عما سيكتبه مؤرخو المستقبل عن مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الأولى، أجاب بثقة: "لا أعلم يقيناً ما سيكتبونه، ولكني متأكد تماماً من أنهم لن يجرؤوا على القول بأن بلجيكا هي من غزت ألمانيا في أغسطس 1914". وتظهر هذه الحادثة التاريخية الدالة أن الحقائق الملموسة تمتلك "صلابة مستفزة" وصموداً ذاتياً يعوق محاولات تزييف الواقع بالكامل أو محوه من الذاكرة البشرية.

ومع ذلك، تميز أرندت تمييزاً دقيقاً بين الكذب التقليدي القديم الذي كان يهدف إلى حماية الأسرار العسكرية أو خداع الأعداء بشكل موضعي وجزئي يترك نسيج الواقع العام سليماً، وبين "الكذب الممنهج الحديث" الذي تمارسه الحكومات المعاصرة والأنظمة الشمولية الشاملة. إن الكذب الممنهج لا يكتفي بإخفاء الوقائع أو مواراتها، بل يعمل على تدميرها كلياً من الجذر، وإحلال واقع افتراضي بديل، مصنع ومكتمل وموجّه، مكانها. ويكتسب هذا الكذب بعداً دموياً مرعباً؛ إذ يمثل الخطوة الأولى والأساسية للتصفية المادية الفعلية. فعندما تعمد سلطة شمولية إلى مسح اسم شخصية بارزة من الصور والسجلات التاريخية الرسمية، فإن هذا المحو الرمزي ليس مجرد إجراء إداري، بل هو تفكيك لوجوده يشرعن عملية اغتياله الفعلي ويسهل تقبل تدميره المادي في الوعي الجمعي دون إثارة أي شعور بالذنب.

ولمواجهة هذا التزييف المنظم، تقترح أرندت استلهام مفهوم "العقلية المتضخمة الشاملة" من فلسفة إيمانويل كانت المتعلقة بالحكم الجمالي؛ حيث يتطلب الفكر السياسي المتزن تفعيل طاقة الخيال لاستحضار مواقف الآخرين الغائبين، والتفكير من وجهات نظر متعددة ومتقاطعة لضمان تحقيق نوع من الموضوعية والتحرر من النفعية الفردية أو الحزبية الضيقة.

يواصل الفيلسوف جاك دريدا هذا التفكيك البنيوي في محاضرته التأسيسية "تاريخ الكذب: مقدمات"؛ والتي ألقاها في المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي تخليداً لذكرى ارتباط حنة أرندت بتلك المؤسسة الأكاديمية. ويحلل دريدا في هذه الأطروحة كيف يتواطأ الكذب المعاصر مع السرعة الفائقة لوسائل الإعلام الرقمية وشبكات التواصل، التي تنتج رأياً عاماً فورياً وموجهاً، وتمنع بالضرورة فترات التفكير، والتروي، والتحليل اللازمة لكشف التزييف وتعرية الأكاذيب. كما يحلل دريدا أداء "خطابات الاعتراف والاعتذار السياسي" المعاصرة بوصفها ممارسات أدائية إجرائية لغوية تهدف في حقيقتها إلى إعفاء الفاعلين السياسيين والأنظمة من المسؤولية القانونية والمادية الفعلية تجاه الضحايا، عبر تحويل الجريمة إلى مجرد حدث لغوي يجري تجاوزه بالاعتذار الشكلي.

ويبرز هذا التحليل المعرفي لدريدا في سجاله التاريخي العنيف مع المؤرخ توني جدت؛ وكان جدت قد نشر مقالاً شهيراً في صحيفة "نيويورك تايمز" عام 1995 بعنوان "قصص الحرب الفرنسية"، أثنى فيه على شجاعة الرئيس جاك شيراك في الاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية عن ترحيل اليهود في عهد حكومة فيشي المتعاونة مع النازية، ولكنه في الوقت نفسه وجه نقداً لاذعاً ومجحفاً للمثقفين الفرنسيين الكبار من أمثال سارتر، فوكو، بوفوار، ودريدا، متهماً إياهم بـ "الصمت المريب والغريب" عن جرائم حكومة فيشي لعقود طويلة بسبب تعميتهم المعرفية وارتباطهم بالأيديولوجية الماركسية.

فكك دريدا ادعاءات جدت بصرامة معرفية، كاشفاً أنها تفتقر تماماً للدقة التاريخية وتمثل ما أسماه "الحقيقة المضادة" أو "أشباه الحقائق" الناتجة عن إهمال فادح أو تعمد مبيت لعدم البحث عن الحقيقة الناصعة. وبيّن دريدا أولاً أن التزامات فوكو السياسية البارزة لم تكن ماركسية قط، بل كانت في معظمها مناهضة صريحة ومعلنة للماركسية التقليدية. وثانياً، كشف زيف تهمة الصمت بتقديمه دليلاً تاريخياً قاطعاً تمثل في العريضة التاريخية الشهيرة الموقعة في يونيو 1992 (والتي كان دريدا نفسه من أبرز مهندسيها وموقعيها مع مثقفين آخرين) والتي طالبت صراحة ولأول مرة رئيس الجمهورية آنذاك فرانسوا ميتيران بالاعتراف الرسمي بجرائم فيشي ضد الإنسانية، وهو التحرك البارز الذي غطته صحيفة "نيويورك تايمز" ذاتها في حينه. يظهر هذا السجال الفلسفي التاريخي كيف يتحول التحريف التاريخي في الصحافة والأكاديميا المعاصرة إلى أداة لإنتاج "أوهام رقمية" وتمرير روايات كاذبة مغلفة بسلطة التواقيع الأكاديمية والمنشورات الرصينة في فضاء ما بعد الحقيقة، حيث يغدو التجهيل صناعة منظمة.

 آفاق الانسداد الأنطولوجي

يفضي هذا التشريح المعرفي والسياسي العميق للمشهد العالمي الراهن إلى إدراك واضح لحجم الانسداد الأنطولوجي الوجودي الذي تفرضه الرأسمالية المتأخرة والظواهر الشعبوية المصاحبة لها. إن تقاطع الترامبية كسيادة مشخصة فوضوية ("أمير ولو على حجر") مع أيديولوجيا التفاهة المسطحة والمنفعة البراغماتية الأداتية، قد أنتج في نهاية المطاف بشراً منزوعي البعد التاريخي والروحي، غارقين في حاضر استهلاكي سرمدي لا يرى أبعد من تلبية الرغبات الفورية لليوم الواحد. وفي هذا السياق المتآكل، يغدو الكذب أسلوب حوكمة أصيلاً، ومنهجاً منظماً لتصفية الحقائق الصلبة وتمرير السياسات الإلغائية تحت غطاء الأوهام الرقمية وشعارات ما بعد الحقيقة التي تبرر كل خطيئة سياسية.

ولا يمكن مواجهة هذا النظام الشامل للتفاهة والتزييف إلا باستعادة الفلسفة الفكرية النقدية الصارمة، والجرأة التفكيكية على قول الصدق في الفضاء العام، وتعرية آليات السيطرة السلعية والإعلامية لإنقاذ الفضاء المشترك للإنسانية من الانهيار والسقوط النهائي في بئر الأكاذيب المعولمة. إن استعادة التوازن المفقود بين فضاء التجربة التاريخية وأفق التوقعات المستقبلية، ورفض استبدال الرعاية التنموية الحقيقية للدول بأجهزة المنظمات غير الحكومية التابعة للشركات العابرة للقارات، تمثل الشروط البنيوية الأساسية والوحيدة لبناء مجتمع كوني يسترد وعيه التاريخي ويصون حقيقته الواقعية بقوة وصلابة في وجه أدوات التضليل الرقمي المعاصر. إنها معركة الوعي ضد التسطيح، ومعركة الحقيقة الصلبة ضد السيولة الخادعة.

***

غالب المسعودي

لمؤشرات تقييم التعليم العالي بين الكمّ والكيف

تأتي هذه القراءة في سياق الحاجة المتزايدة إلى إعادة التفكير في فلسفة التعليم العالي، وفي طبيعة الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح قبل الشروع في أي إصلاح أو تطوير. فقد قدّم البروفيسور محمد الربيعي رؤية نقدية متزنة، لا تنحاز إلى طرفٍ دون آخر، بل تضعنا أمام مفاضلات حقيقية يعيشها التعليم العالي اليوم: بين التوسع الكمي والارتقاء النوعي، بين مجانية التعليم واستدامة تمويله، بين المركزية الصارمة والاستقلالية المسؤولة، وبين المعرفة النظرية والمهارة التطبيقية.

إن أهمية هذه الرؤية لا تكمن في الأسئلة التي طرحتها فحسب، بل في الطريقة التي صيغت بها؛ فهي أسئلة تُعيد ترتيب أولويات النقاش، وتدفع نحو بناء منظومة تعليمية واعية بذاتها، قادرة على تقييم أدائها، ومؤهلة لصياغة مستقبلها. ومن هنا تأتي هذه القراءة لتفكيك تلك المفاضلات، وتحويلها إلى مؤشرات قابلة للقياس، تُسهم في رسم صورة أوضح لموقع التعليم العالي بين الكمّ والكيف، وبين الواقع والطموح.

أولاً: مؤشرات الكمّ والنوع

تتأرجح الجامعات بين التوسع الكمي الذي يرفع أعداد الطلبة والأقسام، وبين التميز النوعي الذي يرفع مستوى الوعي والكفاءة. ولأن التوسع وحده لا يصنع جامعة، ولأن الجودة وحدها لا تكفي دون قاعدة بشرية واسعة، فإن التوازن بينهما يصبح ضرورة.

النمو الكمي يُقاس بمعدلات الزيادة السنوية في الطلبة والأقسام، بينما تُقاس الجودة النوعية بنتائج التقييمات، ورضا الطلبة، وكفاءة التدريس، وحجم الإنتاج العلمي.

هذه المفاضلة التي طرحها الربيعي ليست سؤالًا تقنيًا، بل سؤالًا فلسفيًا حول هوية الجامعة: هل هي مؤسسة جماهيرية أم نخبوية؟ أم أنها مطالبة بأن تكون الاثنتين معًا؟

ثانيًا: مؤشرات التمويل والعدالة التعليمية

بين مجانية التعليم وكلفته، تقف الجامعات أمام معادلة دقيقة: كيف تُبقي التعليم متاحًا دون أن تفقد جودته؟

وهنا يبرز مؤشر العدالة التعليمية الذي يقيس مدى وصول التعليم للجميع، مقابل مؤشر الكفاءة الاقتصادية الذي يقارن تكلفة الطالب بالعائد المهني والعلمي.

رؤية الربيعي تُذكّر بأن مجانية التعليم ليست قيمة مطلقة إذا جاءت على حساب الجودة، وأن التمويل ليس هدفًا إذا لم يُترجم إلى تعليم أفضل. إنها دعوة لإعادة التفكير في نماذج التمويل بعيدًا عن الشعارات.

ثالثًا: مؤشرات الحوكمة الجامعية

المركزية قد تضمن الانضباط، لكنها قد تخنق الإبداع. والاستقلالية قد تمنح الحرية، لكنها قد تشتت الجهود.

لذلك تُقاس الحوكمة عبر:

- مؤشر الاستقلالية: نسبة القرارات الأكاديمية المتخذة داخل الجامعة.

- مؤشر المركزية: حجم تدخل الجهات العليا في القرارات.

ما يطرحه الربيعي هنا ليس نقدًا للمركزية بقدر ما هو نقد لغياب التوازن؛ فالجامعة لا يمكن أن تنهض بلا حرية، ولا يمكن أن تستقيم بلا مسؤولية.

رابعًا: مؤشرات المخرجات التعليمية

لا قيمة لتعليم لا ينعكس على أداء الخريج في الواقع.

وهنا تبرز مفاضلة الربيعي بين المعرفة النظرية والمهارة التطبيقية. فالمعرفة تمنح الخريج عمقًا، والمهارة تمنحه قدرة، والجامعة الناجحة هي التي تجمع بينهما.

تُقاس المهارات التطبيقية باختبارات الأداء وتقييم أرباب العمل، بينما تُقاس المعرفة النظرية بجودة الامتحانات والمشاريع والنقاش العلمي.

خامسًا: مؤشرات البحث العلمي

البحث الفردي قد يلمع، لكن البحث المؤسسي هو الذي يصنع التغيير. وهنا يطرح الربيعي سؤالًا مهمًا: هل نريد باحثين أم منظومة بحثية؟

يُقاس التعاون البحثي بنسبة الأبحاث المشتركة، بينما يُقاس البرمجة البحثية بوجود خطط وطنية ممولة.

إنها دعوة للانتقال من البحث العشوائي إلى البحث الموجّه.

سادسًا: مؤشرات التأثير العالمي

لا تُقاس الجامعات فقط بما تقدمه لطلبتها، بل بما تضيفه للعالم.

ويظهر ذلك في:

- مؤشر التصدر العلمي: الحضور في التصنيفات العالمية.

- مؤشر السلام الأكاديمي: الشراكات الدولية ومشاريع التعاون العلمي.

رؤية الربيعي هنا تتجاوز حدود الجامعة المحلية لتضعها في سياق عالمي، حيث لا مكان للجامعات المنغلقة.

خاتمة

إن قراءة رؤية البروفيسور محمد الربيعي تكشف عن مشروع فكري يسعى إلى إعادة تعريف التعليم العالي من خلال مفاضلاته الكبرى.

فهو لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يقدّم إطارًا للتفكير، ويحوّل الأسئلة الفلسفية إلى مؤشرات قابلة للقياس، ويضع الجامعة أمام مسؤوليتها في أن تعرف أين تقف، وإلى أين تريد أن تصل.

بهذا المعنى، فإن ما يطرحه من رؤى ليست نقدًا للتعليم العالي بقدر ما هي دعوة لإعادة بنائه على أسس علمية، متوازنة، وواعية بذاتها.

***

الدكتور عبد الجليل البدري

 

مدخل: عناصر البحث:

1- ملخص عن البحث:

2- مدخل:

3- في المفهوم، السلفيّة السنيّة أنموذجاً:

4- مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:

5- مصادر تلقي الدين عند السلفيين كما حددها الشافعي:

6- الخاتمة:

1- ملخص البحث:

إذا كان تعريف العقل عند الإنسان هو جملة المعارف التي اكتسبها هذا الإنسان تاريخيّاً من خلال علاقته مع الطبيعة والمجتمع، فإن العقل في علاقته الحميميّة والجدليّة مع الدماغ الإنساني هو من يقوم بتخزين هذه المعارف، ومن ثم تحليلها وتركيبها، وبالتالي توظيفها وفقاً لمصالح وحاجات الإنسان الفرد والمجتمع معاً.

فالعقل وفقاً لهذا المعطى – أي وفق تحالفه مع الدماغ - هو الوسيلة الأكثر فاعليّة ليس في ضبط حركة وتوازن الجسم الإنساني فحسب، بل هو الأكثر فاعليّة أيضاً في ضبط آليّة وحركة المجتمع. فمع غياب هذا العقل يفقد الفرد والمجتمع توازنهما. وعلى هذا الأساس تأتي دعوتنا إلى إيلاء العقل دوره ومكانته في هذه الحياة، والتصدي معرفياً وبحزم لكل من يحاول النيل منه. فمثل هؤلاء الذين يحاربون العقل ويكفرون ويزندقون أصحابه ودعاته باسم النقل، هم في الحقيقة من يسيئ للنقل ذاته أيضاً، أي من يسيئ للتراث بعد أن يقوم بتقديسه وإغلاقه وجعله المرجع الوحيد للحقيقة من جهة، ثم اعتبار من اشتغل على تكوينه في مراحل تاريخيّة محددة هم أناس كل منهم (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ)، أو هم (كالنجوم الزاهرة بأي منهم نقتدي نهتدي) من جهة ثانية.

إن هذا الفهم للنقل قامت بتجسيده في حياة الأمتين العربيّة والإسلاميّة فكريّاً وسلوكيّا، قوى اجتماعيّة نعتت نفسها بالسلفيّة، وقالت بأنها هي وحدها من يمتلك حقيقة الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا ما سنجده في هذه الدراسة.

2- مدخل:

يعزف المرء أحيانا عن الخوض في بعض المواضيع ذات الطبيعة الحساسة، وخاصة الدينيّة أو السياسيّة منها خشية المتاعب التي قد يلاقيها، أو لأن المواضيع ذاتها على درجة من الغموض والإشكاليّة وأيضا التقديس، بحيث يغدو التعرض لها نوعاً من المغامرة العلميّة والأخلاقية والمعرفيّة. ولكن المرء يضطر أحياناً برأي إلى الخوض في مثل هذه المواضيع الحساسة والإشكاليّة لما لها من أهميّة في توعية الجماهير المضطهدة والمغيبة عقليّاً، وتبيان أسباب قهرها واضطهادها وتجهيلها من جهة، ثم المساهمة في تحريك الشارع موضوعيّاً وذاتيّاً وضبط آليّة علاقاته من جهة ثانية، أو لتبيان ما تتركه هذه المواضيع من آثار على جملة الحياة الاجتماعيّة والفكريّة، كما نرى من مشاهد اللامعقول التي تمارس باسم الدين ومشروع الإسلام السياسي اليوم على الساحة العربيّة والإسلاميّة من جهة ثالثة.

إن مسألة أو موضوعة السلفيّة، أو ما يسمي أيضا بأهل الحديث أو أهل السنة والجماعة، وكذلك السلفيّة في الفكر الشيعي عموماً، والخلافات الفكريّة الدائرة بين تياراتها، كالخلاف الدائر منذ زمن طويل ما بين الوهابيّة نفسها عبر مؤسستها وأحزابها الدينيّة، وبين التيارات السلفية الأخرى السابقة لها أو اللاحقة كالأشاعرة والماتريديّة والسروريّة والإخوان من جهة، أو الصراعات والخلافات الدائرة بين المذاهب السلفيّة كالمالكيّة والشافعيّة والحنبليّة والحنفيّة من جهة أخرى، وهذا الخلاف أو الصراع ينطبق أيضاً على التيار السلفي الشيعي ومفرداته المذهبيّة والطائفيّة، كالصراع الخفي عقديّاً الذي دار ولم يزل بين الاثنا عشريّة والاسماعيليّة والعلويّة وغيرهم منذ العصور الوسطى حتى اليوم. وبالتالي ما تركته هذه المذاهب والفرق بكل تجلياتها وخاصة السنيّة منها، مع المعتزلة والجهمية ومن اشتغل في علم الكلام والفلسفة في العصور الوسطى أولاً، أو مع العدو اللدود لهم سياسيّاً ومذهبيّاً وهم الشيعة بكل تياراتها أو فرقها ومذاهبها قديماً وحديثاً ثانياً. هذا إضافة إلى صراعها مع كل ما يتعلق بالفكر الوضعي السياسي منه والاجتماعي في عصرنا الحاضر وبخاصة الفكر القومي والاشتراكي في صيغتيه اليساريّة أو الليبراليّة ثالثاً.

نقول: إن هذه المسألة موضوع بحثنا – أي مسألة الخطاب السلفي السني - شكلت في الحقيقة ولم تزل تشكل أحد المواقف الإشكاليّة السياسيّة والفكريّة (العقديّة) في التاريخ العربي والإسلامي منذ وفاة الرسول حتى هذا التاريخ، وذلك لاعتبارات كثيرة، منها السياسيّة، ومنها العقديّة، ومنها الفكريّة /الفلسفيّة، ومنها الفقهيّة، ومنها الأمر الأهم الذي لم يزل قائماً ويمارس تأثيره في مجرى الحياة العربيّة والإسلاميّة بشكل واسع في حياتنا المعاصرة، وهو اعتبار دعاة وأتباع هذه المذاهب والفرق أنفسهم بأن كل منهم يعتبر "الفرقة الناجية"، وخاصة السنة الذين تبلورت دعوتهم السلفيّة تماًماً مع محنة "ابن حنبل" في الربع الأول من القرن الثالث للهجرة، حيث اعتبر من يختلف معهم في معطيات مذهبهم أو فرقتهم، كفرة وزنادقة ومن حقهم استباحة دمهم وأموالهم، في الوقت الذي يجدون فيه من يشجعهم من الحكومات والسلطات السياسيّة، التي تقدم لهم كل الدعم المادي والمعنوي من أجل نشر أيديولوجيتهم هذه وتسييدها في العالمين العربي والإسلامي، فراحت فتاوى ودراسات ومقالات مشايخهم تضع معايير الجرح والتعديل لتحدد من هو الكافر ومن هو المؤمن، ثم ما هي جزاءات كل فرقة من الفرق الضالة ومن يتبعها. بعد أن قاموا بليّ الكثير من أعناق النصوص الدينيّة المقدسة وبخاصة الآيات القرآنيّة، وما نسبوه للرسول محمد (ص) من أحاديث، بل وحتى بعض مقولات مشايخ الإسلام المعتبرين أمثال "ابن تيميّة وابن قيم الجوزيّة"، معتمدين في ذلك أيضاً على الكثير من كتب مشايخ وأئمة المذهب السلفي الدينيّة في العصور الوسطى أمثال الشيخ القاضي أبي بكر بن العربي (468-543 هـ). في كتابه الفريد (العواصم من القواصم)، وفكر من حققه وهو الشيخ (محب الدين الخطيب). هذا الكتاب الذي تناول فيه الدفاع عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومواجهة كل من يحاول التشكيك في مصداقيّة أي واحد منهم، ونعته بالكفر والزندقة. وهو الكتاب الذي لقي كل الترحيب من هيئة الأمر بالمعرف في الحجاز سابقاً. وكذلك اعتمادهم في عصرنا الحاضر على الكتاب المهم جداً بالنسبة لمسألة جهاد الكفار للدكتور (عبد الله عزام)، "الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان" وهو أحد مؤسسي تنظيم القاعدة، حيث ابتدأ هذا الكتاب بقوله تعالى: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.). (41 التوبة -). واتكأ في مضمون كتابه المتعلق بالجهاد، على معظم مشايخ تيارات السلفيّة وأئمتها ورجالاتها في العصور الوسطى، وعلى الكثير من رجالات ومشايخ وأئمة هذا المذهب وتياراته وبعض مؤسساته الدينيّة المعاصرة وبخاصة الوهابيّة، وبعض زعماء تيار "الإخوان المسلمون"

3- في المفهوم: السلفيّة السنيّة أنموذجاً:

لقد أجمع مشايخ وأئمة السلفيّة وعلى رأسهم علماء الحركة الوهابيّة بأنها: الرجوع إلى الكتاب والسنة لفهم سلف الأمّة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والسلفيّة عندهم ليست مذهباً ولا حزباً ولا جماعةً، بل هي الدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته. وهي الدعوة إلى نبذ كل شيء حدث في الدين ولم يكن منه في جميع أبوبه إن كان في العقيدة أو الشريعة أو الأخلاق. وأخيرا، السلفيّة هي الطائفة الناجية أو الفرقة المنصورة إلى قيام الساعة.(1)

أما مفهوم السلف: فقد بين علماء الدين من التيار السلفي، أن المراد بمصطلح السلف تاريخيّاً، هم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الثلاثة الأولى. وبذلك أصبحت عقيدة السلف دليلاً على ما كان عليه هؤلاء ومن تبعهم من الأئمة الأربعة (المالكيّة والشافعيّة والحنفيّة والحنبليّة) وغيرهم من الفقهاء ومشايخ وأئمة الدين المعروفين ممن يهتمون بالشأن الديني السلفي أمثال: (سفيان الثوري، وحماد بن سلمه، والاوزاعي، وعلي بن ألمديني، وأبو داوود، والنسائي، وابن ماجة، وأبو حسن الشعري، وأبو حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن القيم الجوزيّة، وابن حجر، وابن كثير، وابن عبد البر، والشاطبي، والإمام محمد بن عبد الوهاب، وفي هذا العصر ابن باز، والألباني، والشيخ البوطي، والعثيمين، والشيخ الفوزان والقرضاوي...) وغيرهم الكثير. بل وسائر أصحاب السلف الذين اتبعوا طريق الأوائل جيلاً بعد جيل. ولتأكيد رؤيتهم أو موقفهم هذه رجع بعض فقهاء السلفيّة إلى القرآن والحديث وأقوال الصحابة ليقدموا الأدلة النصيّة التي تدعم حجتهم، وتشير إلى تكريم الله لهؤلاء السلف وفضلهم على غيرهم من المسلمين. كتفسيرهم لقول الله عز وجل عن المهاجرين: (للفقراء المهاجرين الذين أ ُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). الحشر الآية (9). وكذلك تبيان أهمية دور من بايع الرسول (ص) في بيعة الرضوان، في تفسيرهم لقوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم...) . سورة الفتح من الآية (18) . وأيضاً في تأكيدهم على أهميّة من آمن قبل الفتح وبعده في تفسيرهم لقوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى.). سورة الحديد. الآية (10). كما يؤكدون مسألة أهمية السلف ومكانتهم بناءً على أحاديث للرسول الكريم، منها ما رواه مسلم والبخاري يقول فيه: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). وكذلك قول الرسول: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي - وفي رواية لمسلم -، أحدا من أصحابي - فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) . متفق عليه. أما الأكثر وضوحاً في هذا الاتجاه فهو حديث للإمام الشافعي يسند إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص): (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيئ في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.). (2).

إذن انطلاقاً من هذا الموقف الفكري الديني الوثوقي القائم على تفسير النص الديني المقدس بشأن السلف ودورهم ومكانتهم (الثابتة عبر الزمان والمكان). انبثق مصطلح السلفيّة وتبلور فيما بعد، وأخذ أيضاً سعته وحيويته كي يشمل مختلف العلماء والدعاة والمصلحين من أهل السنة والجماعة الذين يدعون بأنهم يقتدون بالسلف الصالح على مختلف مراحل وفترات التاريخ الإسلامي، بما فيها المرحلة الحاضرة ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفاً عن سلف دون من رمِيَ ببدعة أو شُهِرَ بلقب غير مرض بالنسبة لهم، مثل الخوارج والروافض والقدريّة والمرجئة والجهميّة، ومن يعتبرونهم على شاكلتهم من أهل زمننا كالقوميين والليبراليين واليساريين والعلمانيين ودعاة الديمقراطيّة.

هذا وقد قرر دعاة هذا التيار السلفي، بأن السلفيّة في صيغتها التي جئنا عليها أعلاه، هي منهج الإسلام، وعلي كل مسلم أن يلتزم نهجها، ومن يخرج عنه فهو مبتدع وضال، لذلك سموه بالمنهج السلفي.

إن إتباع منهج السلف في الإيمان والعمل والتزكية، هو أمر الله وأمر رسوله ولا يجوز الانحراف عن تلك الجادة قيد أنملة، وإن دعاة هذا المنهج أو المؤمنين به هم الفرقة الناجية بعد أن انقسم المسلمون علي ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. وهي التي حددها الرسول (ص) كما يقولون في قوله عندما سئل من قبل الصحابة عن الفرقة الناجية فقال:(هي ما أنا عليه وأصحابي- وفي رواية أخرى قال " الجماعة"). صحيح أخرجه الترمذي والحاكم وغيرهما.

وأهل السنة أيضا، هم أهل الحق، فكل من دان بهذا الحق فهو من أهل السنة، في أي زمان أو مكان وُجد... قال النووي:" ولا يلزم أن يكونوا – أي الطائفة المنصورة – مجتمعين – يعني في مكان واحد – بل قد يكونوا متفرقين في أقطار الأرض.).(3).

يُذكر أن "ابن تيمية" وشيوخ السلف الذين أخذوا بالقرآن والحديث والإجماع والقياس، كانوا يشيرون لأنفسهم بأهل السنة والجماعة لاعتقادهم أنهم الفرقة الناجية المتبعة للنهج الصحيح لأهل السنة والجماعة. ومآل أهل السنة، أي السلفيّة، أو (الفرقة الناجية) الجنة ابتداءً كما يقررون، إلا إذا زادت سيئات أحدهم علي حسناته فحينها يستحق دخول النار علي قدر زيادة السيئات، وإذا ما تساوت حسناته وسيئاته فهو في المشيئة، (أي الله وحده هو من ينظر في أمره)، ولو دخل النار فمآله في النهاية إلي الجنة ولابد.) (4)

4- مآل من يخرج عن أهل السنة والجماعة:

إن مآل من حاد عن منهج أهل السنة والجماعة واتبع فرقة من تلك الفرق الضالة الناريّة الـ (73) التي أخبر عنها الرسول في حديثه، فهو الكفر وبالتالي النار. هذا وقبل أن ندخل إلى تحديد تلك الفرق الضالة التي أشار إليها السلفيون وقالوا عنها بأنها "فرق ناريّة" دعونا نقف قليلاً عند مسألة تحديد معنى الكفر عندهم واتجاهاته:

أولاً تكفير النوع: ويعني أن العمل الفلاني فِعـْلـُهُ كفر أكبر، مثل من سجد لغير الله فقد كفر، ومن حكم بغير ما أنزل الله فقد كفر، ومن دعا إلى غير الله فقد كفر. (5)

ثانياً تكفير العين: ويعني أن فلاناً بعينه كافر لارتكابه العمل ألكفري.

وما يهمنا في جانب التكفير بعمومه هنا، هو تحديد الفرق الدينيّة غير الناجية التي كفرتها الفرقة الناجية، أي فرقة (أهل السنة والجماعة).(6)

جاء في الحديث الرسول: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتي وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا من هم يا رسول الله؟، قال: هم الجماعة.) (وقال: هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.).

لقد حُددت الفرقة الناجية، والفرق التي لا تُعد من فرق الأمّة الإسلاميّة الـ/73/ أصالة، وهي فرق كافرة نوعاً وعيناً مثل (الدروز والعلويّة والإسماعيليّة.. الخ. وهذه فرق بنظرهم "تؤله غير الله عز وجل". وهناك أيضاً فلاسفة الصوفيّة "القائلون بالوجود المُطلق أو وحدة الوجود"، وغلاة الصوفيّة "الحلوليّة والاتحاديّة"، وهناك غلاة الرافضة الذين يقولون بتحريف القرآن ونقصانه ويؤلهون الأئمة وآل البيت.) وغيرهم. وهناك من الفرق الناريّة التي أقوالها أقوالا كفريّة وأعمالها أعمالا كفريّة، فالتكفير هنا تكفير نوع لا تكفير عين ٍ، وفي تكفير تلك الفرق بعين أفرادها خلاف سائغ بين العلماء، (مثل الرافضة غير الغلاة (الذين يسبون الصحابة ويكفرون بعضهم والذين يقولون بالرجعة والإمامة والتقية وغيرها).(7). وهناك المعتزلة (القائلون بنفي الصفات مع إثبات الذات والأسماء ويقولون سميع بلا سمع وبصير بلا بصر)، وبعض فرق الصوفيّة وهي الطرقيّة (الذين يتبركون بالقبور ويتمسحون يطوفون بها وينذرون لها وغير ذلك)، فمن كان من عوام تلك الفرق متأولاً أو جاهلاً أو مُلـَبَّساً عليه فهو في مشيئة الله تعالي، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وهو مستحق للعذاب ابتداءً، وحتي لو دخل النار علي قدر مخالفته فمآله في النهاية إلي الجنة والله أعلم.

أما الْعَالِمْ من أهل تلك الفرق، الذي علم الحق ولم يظهره ، ودعا لذلك الكفر أو الشرك لأي مرض قلبي، أو لأي شهوة، فهو كافر هالك في النار. وهناك من الفرق الناريّة التي لا خلاف في عدم تكفير أهلها، ولكنهم مبتدعة ضالون، (مثل عامة الزيديّة الذين يقولون بأن أفضل الخلق بعد النبي هو علي بن أبي طالب ولكنهم يثبتون إمامة أبي بكر وعمر دون لعنهم أو سبهم. والمرجئة الذين يخرجون عمل القلب والجوارح من الإيمان) وغيرهم. (8).

إن تقويم السلفيين للكثير من الطوائف والفرق الدينيّة التي جئنا عليها أعلاه، والتي لم يزل قسم كبير منها قائماً حتى هذا التاريخ، هو التقويم ذاته بنظرهم الذي حدده "الشهرستاني" في كتابه (الملل والنحل)، أو "البغدادي" في كتابه (الفرق بين الفرق). علماً أن الزمن تغير وتطورت تلك الأقليات الدينيّة في فهمها للدين بسبب تطور العلم والمعرفة، وتلقيهم الكثير منهم الفكر الديني في زمننا المعاصر من المصادر ذاتها التي يتلقاها بقية المسلمين في المدارس والجامعات، ولكن ظلت صفة الطائفة لهذا الشخص أو ذاك لعنة عليه حتى ولو كان جاهلا أو حتى طفلا.

5- مصادر تلقي الدين عند السلفيين كما حددها الشافعي:

جاء في كتاب الرسالة للشافعي، أن السلفيين يعتمدون في تلقي الدين على المصادر التالية:

1- القرآن الكريم: وهو المصدر الرئيس عند السلفيّة ويستعينون على فهمه وتفسيره بالعلوم المساعدة على ذلك، كعلوم اللغة العربية والعلم بالناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول وبيان مكيّة ومدنية نزول الآيات، وغير ذلك من علوم تتعلق بدراسة وفهم القرآن الكريم.

2- السنّة الصحيحة: والسنّة عندهم هي كل ما نقل من أقوال وأفعال وصفات خلقيّة للرسول (ص) بعد تصحيحه والتأكد من سنده ومتنه من قبل علماء الحديث ، وفقاً لعلوم أصول الحديث.

ونتيجة لهذا العلوم يمكن الجزم بصحة نسبة الحديث المروي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو بكذبه، أو الحكم له بالحسن أو الضعف.

وفي هذا العلم يقسم الحديث إلى قسمين مقبول ومردود، فأقسام الحديث المقبول أربعة: الصحيح، والحسن، والصحيح لغيره، والحسن لغيره، ولكل واحد منها تعريف وأبحاث عديدة، ومن أهمها على سبيل المثال لا الحصر تعريف الحديث الصحيح بأنه: الحديث الذي اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً. ومصادره عديدة منها (الموطأ) للإمام "مالك" و(صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري وصحيح مسلم بن الحجاج القشيري، وصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، والمختارة لضياء الدين المقدسي، والمستدركات على الصحيحين كمستدرك الحاكم، والمستخرجات عليهما، وكتاب الخراج لأبي يوسف، وسنن الدار للقطني، ومسند ابن حنبل، وسنن الدرامي وغيرها.). (9).

وأما الحديث المردود فهو أنوع، منها الضعيف والمضعَّف والمتروك والمطروح والموضوع، وكذلك لكل منها تعريفه ومسائله. فمن ذلك أن الحديث الضعيف هو ما فقد شرطاً من شروط الحديث المقبول باختلال عدالة الراوي، أو ضبطه، أو انقطاع السند، أو شذوذ المتن، أو وجود العلة القادحة، أو عدم وجود العاضد عند الحاجة إليه.

ولا يشترطون أن يكون الحديث متواتراً، بل هم يعملون بالمتواتر والآحاد على السواء. (10) .

3 - الإجماع: هو اتفاق جميع رجال الدين المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور على حكم شرعي. وإن اتفقوا سواء في عصر الصحابة أو بعده على حكم من الأحكام الشرعيّة، كان اتفاقهم هذا إجماعا. بيد أن السلفيين لا يقرون قولاً ولا يقبلون اجتهاداً إلا بعد عرضه على تلك الأصول. أي هم يجتهدون بآرائهم على ضوء تلك المصادر أو الأصول من دون أن يخالفوها. ومرد إيمانهم بأهميّة العودة إلى الإجماع هو حديث للرسول رواه ابن عباس يقول فيه: (مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.). (11).

إن مفردة (أصحابي) التي جاءت في هذا الحديث قام الكثير من فقهاء وأئمة السلفيّة بفتح دلالاتها، حيث أقر بعضهم بأن أصحاب الرسول والمقتدون بسيرته هم كل من عاصره، وهم التابعون أيضاً وتابعوهم. يضاف لهم رأي أهل المدينة.

4- القياس: وهو حجة عندهم سواء كان جليّاً أو خفيّاً. ويعتقد السلفية بل يقرون بأن (لا خلاف بين نقل صحيح وعقل صريح.). وأن النقل مقدّم على العقل، فلا يجوز معارضة الأدلة الصحيحة من كتاب وسنة وإجماع بحجج عقليّة أو كلاميّة. وإن الأخذ بالقياس يجوز عندما لا يوجد نص في مسألة. (12) .

6- الخاتمة أو ملاك القول:

إن أهميّة خطورة التيار السلفي على حياة الفرد والمجتمع في تاريخنا المعاصر، لا تكمن في الجانب الوعظي فيه، وهو الجانب الذي يدعو الناس إلى التمسك بقيم الدين الحنيف ممثلة بالمحبة والتسامح وعدم إيذاء الآخرين واحترام الوادين والقيام بالعمل الصالح.. إلخ. وإنما تكمن الخطورة في تفسير وتأويل النص القرآني وإخراجه عن سياقه التاريخي أو ما يسمى بـ (خصوص السبب)، والتعامل مع ظاهر النص واعتباره صالحاً لكل زمان ومكان، والأكثر خطورة أنهم وضعوا أحاديث باسم الرسول والبحث عن نصوص في القرآن والعمل على ليّ عنقها عند تفسيرها أو تأويلها كي تؤيد ما يرمون إليه كما جاء في حديث للإمام الشافعي يُسند إلى أنس بن مالك عن رسول الله (ص) يقول: (إن الله اختارني واختار أصحابي فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري، وإنه سيجيئ في آخر الزمان قوم ينتقصونهم، ألا فلا تنكحوهم. ألا فلا تنكحوا لهم. ألا فلا تصلوا معهم. ألا فلا تصلوا عليهم. عليهم حلة اللعنة.). فراحوا يبحثون عن أدلة في النص القرآني يؤيد هذا الحديث، مثل قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) الحشر الآية (8.) وكذلك بالنسبة للأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).

نلاحظ هنا كيف تجاهلوا خصوص سبب النزول من جهة، وكيفية التركيز على أشخاصهم كأفراد، على اعتبارهم قدوة لكل زمان ومكان من جهة ثانية. وهم بذلك يوقفون حركة التاريخ في إنتاج رجالات قدوة من بعدهم، وكل من يريد أن يحوز على درجة القدوة لا بد أن يقتدي بهم. هكذا نرى كيف تقوم السلفية بعلمها أو بدون علمها بتحطيم العقل من خلال اعتمادهم كثيراً على النقل وإقصاء العقل أولاً، ثم تحطيم المجتمع باسم الفرقة الناجية ثانياً، وأخيراً من خلال تمسكها بقيم الماضي ورجالته الذين تحولوا إلى نجوم زاهرة بأي منهم نقتدي نهتدي ثالثاً.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.....................

الهوامش:

1- ما هي السلفية الصحيحة- موقع أنا مسلم.

2- - من تصدير كتاب "العواصم من القواصم "تقديم "محب الدين الخطيب". أيضاً يراجع في هذا الاتجاه: (أبو مريم محمد الحريتلي- من هم أهل السنة والجماعة؟ موقع الألوكة الشرعية - 18/5/2010 ميلادي.

3- محمد نبيل الشيمي. موقع الحوار المتمدن. العدد: 3723- 10/5/2012

4- محمد نبيل الشيمي – المرجع السابق.

5- منتدى الإسلام- لمحة عن الفرق الضالة - فضيلة العلامة د. صالح ن فوزان الفوزان.

6- المرجع نفسه.

7- المرجع نفسه.

8- للاستزادة في موضوع الكفر يراجع – الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفيهم - للشيخ علي الشبل- عن موقع العقيدة والحياة. ويراجع أيضاً- الفرق الضالة وموقف أهل السنة منهم – موقع ألدي في دبي العربي).

9- راجع في هذه المسألة: مقال علم الحديث الشريف – عن موقع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – الكويت.

10 – المرجع نفسه.

11- من تصدير كتاب العواصم من القواصم. بقلم محب الدين الخطيب.

12- وفي الحقيقة إن القياس هنا أقرب إلى التشبيه منه إلى كونه آليّة عمل لها أصولها العلميّة بعينها، أو عند وجود نص غير واضح الدلالة، أو غير صحيح.

إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.

 ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.

يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط. أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.

 إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني. لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.

أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.

اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:

ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.

إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.

 فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.

كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.

تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.

إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.كاتب، المغرب.

إن مفهوم النطق في الآية الكريمة "قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء" فصلت الآية يتجاوز بكثير مجرد الكلام البشري المنطوق باللسان. ففي الرؤية العرفانية عند أهل الشهود، كل ذرة في الكون تنطق بلسان حالها، وتتحدث عن خالقها بآيات بينات.

 ليس الإنسان وحده الكائن الناطق، بل الوجود بأسره كتاب مفتوح، تتجلى فيه أسماء الله وصفاته. هذا النطق الكوني ليس صوتا مسموعا بالآذان، بل هو إشارة ودلالة وبرهان، يدركه القلب البصير والعقل المتدبر.

خذ على سبيل المثال لا الحصر الجلد والبصمة والحمض النووي، أليست هي ايضا آيات النطق في الإنسان بجانب اللسان.

يتجلى هذا النطق المشفر بوضوح في أدق تفاصيل خلق الإنسان. فالجلد، الذي يغطي جسدنا، ليس مجرد غطاء واق، بل هو ناطق صامت يحمل بصمات فريدة لا تتكرر. كل بصمة إصبع هي آية كونية، شهادة على التفرد والإبداع اللامتناهي. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "بلى قَادرينَ على أَن نّسوي بنانه" (القيامة: 4)، في إشارة إلى دقة وتفرد البنان، أي أطراف الأصابع. هذه البصمة، التي أصبحت دليلا قاطعا في عالمنا المادي، هي في الحقيقة نطق صامت عن قدرة الخالق وعلمه المحيط.أما الحمض النووي دي إن آي، فهو كتاب كوني مكتوب بلغة الحياة، يحمل في طياته شفرة الوجود لكل كائن حي. كل جين، كل تسلسل، هو كلمة في هذا الكتاب الإلهي، ينطق بخصائص الكائن وتاريخه وتطوره.

 إنها لغة لا تحتاج إلى مترجم، فوجودها بحد ذاته هو نطق بالحق، ودليل على التصميم المحكم والعلم اللدني.لقد أدركت الصوفيات والمفكرات هذا العمق في خلق الإنسان. فرابعة العدوية، رائدة التصوف النسوي، وإن لم تتحدث عن دي إن آي بشكل علمي، إلا أن جوهر فكرها يدور حول تجلي الحق في كل شيء. فحبها الإلهي كان شاملا لكل مظاهر الخلق، ورأت في كل شيء دليلا على المحبوب. يمكن استشعار هذا المعنى في أقوالها التي تدعو إلى التأمل في آيات الله في النفس والآفاق.

أليس الهلال خير مثال لنطق الزمن ودلالة التجديد لدورة زمنية جديدة. هذا النطق ليس كلاماً، بل هو ظهور، تجل، يتبعه نظام كوني دقيق. حركة القمر، وتغير أطواره، هي آيات كونية تنطق بنظام محكم لا يتبدل ولا يتغير. "هو الذي جعل الشّمس ضياء وَالْقمر نورا وَقَدره منازل لِتعلموا عدد السنِين وَالْحساب" (يونس: 5). هذا التقدير الإلهي هو نطق صامت يخبرنا عن الزمن، عن الحساب، وعن دورة الحياة.

اما الحيض فهو نطق الخلقة ودورة الحياة أيضا مفهوم النطق الصامت للمخلوق. فالحيض، الذي قد يبدو للبعض مجرد عملية فسيولوجية، هو في الحقيقة نطق صامت عن دورة الخلقة، وعن الاستعداد للحياة الجديدة. إنه إشارة إلى قدرة الله تعالى على الخلق والتكوين، ودليل على الحكمة البالغة في تصميم جسد المرأة. هذا النطق البيولوجي يذكرنا بأن كل تفصيل في الوجود يحمل دلالة، وكل عملية طبيعية هي آية من آيات الله. هذا الفهم العميق للغة الوجود:

ان الفيلسوفة الألمانية هيليغارد اوف بينغن التي عاشت في القرن الثاني عشر، رأت العالم مليئاً بـ"الخضرة" المقدسة، وهي قوة الحياة الروحية التي تتجلى في كل شيء حي. فبالنسبة لها، كل كائن ينطق بهذه القوة الروحية، وكل جزء من الطبيعة هو مرآة تعكس بهاء الخالق عز وجل. تقول الكلمة حية وكينونة وروح، كلها خضرة خضراء، كلها إبداع. هذه الكلمة تتجلى في كل مخلوق.

إن الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل ترى أن العالم هو "لغة المقدس"، وأن الجمال والنظام في الكون هما تعبير عن محبة الله تعالى.

 فبالنسبة لها، الصمت والتأمل يسمحان لنا بسماع هذه اللغة الرمزية التي لا تنطق بالكلمات.

كانت معروفة بعمق بصيرتها وتوحيدها. يروى عنها أنها كانت تقول: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. هذا القول يشير إلى أن رؤية الله في كل شيء، أي مشاهدة تجلياته في الوجود، هو جوهر العرفان، وهذا يتضمن إدراك نطق الوجود بالحق.

تناولت الفيلسوفة النسوية المعاصرة لوس ايريجاراي، مفهوم لغة الجسد وصمت المرأة كشكل من أشكال التعبير الذي يتجاوز اللغة الذكورية التقليدية. يمكن أن يفهم هذا في سياق أوسع على أن الجسد نفسه، بتجلياته البيولوجية، ينطق بحقائق وجودية عميقة لا يمكن للكلمات وحدها أن تعبر عنها.

إن من أدق تفاصيل البصمة والحمض النووي، إلى دورات الهلال والحيض، تتجلى لنا لغة مشفرة صامتة، تدعونا إلى التأمل والتدبر. إن من يشهد التجليات الإلهية على لوح الاكوان هو من يدرك هذا النطق الكوني، ويسمع هذا الصدى الإلهي في كل شيء، فيتحول وجوده إلى حالة من الشهود الدائم، حيث لا يرى إلا الحق، ولا يسمع إلا صوته في كل تجليات الوجود.

***

د محمد غاني – كاتب / المغرب

 

إن التداوي بالفلسفة ممارسة قديمة، رغم أنها عادت للظهور والإنتشار من جديد في عصرنا، وإن إستخدام (الفلسفة كدواء) قديم قِدَم الفلسفة ذاتها، حيث إستخدم الحكماء والفلاسفة القدماء الفلسفة بوصفها دواءً لعلاج الروح، وأمراض العقل، وإن خير ما يمكن أن يقال في حق الفلسفة هو انها: (صيدلية) لعلاج مشكلات الإنسان اليومية، حيث تتضمن الفلسفة انواعاً متعددة من المناهج والأفكار الفلسفية التي تصلح أن تكون دواءً لمشكلات الإنسان الحياتية، والتي يمكن أن نطلق عليها مجازاً إسم( الأدوية الفكرية) لعلاج الأزمات التي يواجهها الإنسان المعاصر، والدواء الفلسفي يستطيع ان يشفي الروح من أسقامها، ويُخلص الإنسان من الألم والمعاناة الفكرية والنفسية، ويحرره من المشاعر السلبية، ويكون عوناً له في التخلص من الهموم الحياتية، وتتضمن الفلسفة العديد من المناهج الفلسفية الفعّالة التي يمكن إذا تم تطبيقها بشكل عملي أن تصبح (وصفات فلسفية) يمكن إستخدامها كدواء فلسفي لشفاء الروح والعقل، ويجب أن نشير الى أن صيدلية الفلسفة لا تقدم وصفة فلسفية واحدة لعلاج جميع مشكلات الإنسان، فلكل مشكلة علاج خاص بها، ولا يصلح لغيرها، والفيلسوف يختار لكل مشكلة مايناسبها من الصيدلية الفلسفية لعلاج المشكلات الفكرية.

ويعد مفهوم (صيدلية الفلسفة) إستعارة متكررة في التراث الفلسفي الغربي، تفيد بان الفلسفة تقدم دواءً لعلاج امراض الروح والفكر، ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في قراءتين محوريتين هما: جاك دريدا Derrida،(صيدلية أفلاطون) La Pharmacie de Platon ، وإستعارة (المطرقة) عند نيتشه Nietzsche ،حيث يُحلل "دريدا" مفهوم الفارماكون (Pharmakon) عند أفلاطون Plato، بينما يقوم "نيتشه" بتكسير الأوهام الفكرية بمطرقة الفلسفة.

 والفارماكون  Pharmakon كلمة إغريقية تحمل دلالة  ومعنى مزدوج (الدواء، والسم)، وعند أفلاطون الكتابة هي فارماكون Pharmakon، لأنها دواء للذاكرة وسم للنسيان في آنٍ واحدٍ، إذ تُضعف مَلَكة التذكر الحي، وتولّد وهم المعرفة دون فِهمٍ حقيقي، فهي دواء للنسيان، وفي نفس الوقت هي سمٌ للذاكرة الحية، فالعلاج الأفلاطوني يقوم على الحوار الحي Dialectic بوصفه (دواء أصيل)، فهو "سمٌ وترياق" في الوقت نفسه، حسب طريقة الإستخدام، فالفلسفة تكون دواءً فقط إذا تم إستخدامها بالطريقة الصحيحة، وإن فارماكون  Pharmakon أفلاطون يعطي معنى ودلالة مزدوجة فهو (دواء) وعلاج، ولكنه يمكن أن يكون سم في الوقت ذاته، وبما أن أصل كلمة صيدلة Pharmacy الإنجليزية مشتقة من الإغريقية Pharmakeia، بمعنى ( دواء، سم، تعويذه)، وهي باللاتينية Pharmacia  بمعنى (تحضير الأدوية)، و(علم الأدوية)، وبالفرنسية Pharmacie ، فإن هذا يفسر سبب إختيار "دريدا" عنوان "صيدلية أفلاطون" ليعبر عن فلسفة أفلاطون في الشفاء الفلسفي، لأن الفارماكون Pharmakon يحمل الثنائية نفسها في المعنى (العلاج، والضرر).

وفي المقابل نجد نيتشه Nietzsche ينقل مفهوم صيدلية الفلسفة الى مستوى علاجي آخر، إذ يرى نيتشه أن القيم الأخلاقية والميتافيزيقة الموروثة هي سموم اضعفت الإنسان، وإن العلاج النيتشوي يهدف الى تكسير هذه الموروثات ليفسح المجال لخلق قيم جديدة.

إن فلسفة نيتشه معروفة بأنها "فلسفة المطرقة"The Hammers Philosophy، ولُقِبَ نيتشه (بالمطرقة) لأنه كسر أوهام الإعتقاد، وإستخدم الفلسفة بوصفها (مطرقة) لتكسير الأوهام والمعتقدات الفكرية الخاطئة، فالمطرقة هنا ليست مجرد اداة بناء، بل هي اداة إختبار وتكسير، وبذلك يكون نيتشه "فيلسوف المطرقة" الذي يتعامل مع الفلسفة بوصفها "أداة العلاج النيتشوي" الذي لايقدم دواءً جاهزاً، بل يكسر القيم والإعتقادات والأوهام السائدة، ويقدم دواءً مزدوج الفاعلية، دوره التخلص من الأوهام، وبناء الإنسان القوي فكرياُ، ليفسح المجال لقيم جديدة وإنسان متفوق، فالفارماكون الأفلاطوني يبحث عن الدواء الأصيل لمشكلات الإنسان، والمطرقة النيتشويه تبحث عن المستقبل الأفضل للإنسان.

***

شيماء غازي هماوندي

سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي وراءه واحداً من أعقد الأسئلة التي واجهت الفكر الإنساني منذ أن بدأ الإنسان يتأمل معنى وجوده في الزمن. فكل جيل يقف عند مفترق طرق بين ميراث ثقيل يأتيه من الماضي، وأفق مفتوح يستدعي منه الفعل والابتكار. وبين هذين القطبين تتحدد مكانة الإنسان في التاريخ: أهو وريث لما أنجزه الأسلاف، أم صانع لما سيتركه للأحفاد؟.

وأنا أتأمل في نظرية المجايلة التاريخية وفلسفة التكوين عند المفكر العربي سيّار الجميل، بدا لي أن التاريخ لا يتحرك بوصفه مجرد تعاقب زمني للأحداث، بل بوصفه منوال لفعل للأجيال المتعاقبة بحسب فيلسوف التاريخ الأمريكي جوزيف هربرت مولر (1905–1980) الذي أكد إن التاريخ نسيخ متشابك ومعقد من افعال مليارات الناس افرادا وجماعات ومؤسسات وافكارهم وعلاقاتهم الاجتماعية اثناء ممارستهم اليومية لحياتهم في كل مكان وزمان فالأجيال ليست وحدات عمرية معزولة السياق الحيوي للمارسة الاجتماعية، وإنما هي جماعات تاريخية تحمل رؤى وقيمًا وخبرات ومصالح مختلفة، وتدخل في حوار دائم مع ما سبقها وما سيأتي بعدها.

إن تعاقب الأجيال في المجتمعات البشرية حقيقة بيولوجية واجتماعية في آن واحد. فالآباء يفسحون المجال للأبناء، والأبناء يصبحون آباءً، والأحفاد يتحولون بدورهم إلى فاعلين جدد في مسرح التاريخ. غير أن هذه الحقيقة الطبيعية لا تفسر وحدها حركة المجتمعات. فالفرد لا يعيش بوصفه كائناً بيولوجياً فقط، بل بوصفه حاملاً لجملة من الأدوار الاجتماعية التي تحدد مكانته ووظيفته وعلاقاته بالآخرين. دور الأب ودور الأم ودور الابن ودور الابنة ودور الزوج / الزوجة ودور الجد، الجدة، ودور، الطفل، ودور، الطفلة ودور التلميذ ودور، الطالب ودور الزميل ودور المدير ودور السجان ودور الجلاد ودور القاضي ..الخ)؟إذ أكدت نظرية الدور الاجتماعي بأن سلــوك الفرد وعلاقاته الاجتماعيـة انمـا تعتمد على الأدوار الاجتماعيـة التـي يشغلهــا فــي المجتمــع. فضــلاً عــن أن منزلته ومكانته تعتمد على ادواره الاجتماعية المعترف بها والمقدرة اجتماعيا خير تقديرا. فلا سلطة الا بوظيفة ولا وظيفة الا بدور اجتماعي ولا دور اجتماعي الا بفاعل اجتماعي يقوم به صاحبه في المجتمع. والدور هو نمط الأفعال أو التصرفات التي يتعلمها الأشخاص أما بشكل مقصود أو بشكل تقليدي عبر المحاكاة والتكرار للهابيتوس الثقافي بحسب بورديو وحينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. ويتوزع الرأسمال الثقافي بحسب بيير بورديو الى ثلاثة عناصر هي شكل متجسد في الهابيتوس الثقافي وتكمن وظيفته في جعل الانسان كائنا اجتماعيا ومشاركا في الفضاء العام، وشكل مموضع في مستوى ثان يتكون من منافع ثقافية وخيرات رمزية مثل الكتب والآثار الفنية والأدوات الرقمية وتتمثل مهمتها في حزن وحفظ العناصر الثقافية، وشكل مؤسساتي في مقام ثالث ويتمثل في العناوين المدرسية والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة والمسرح والسينما وتتمثل مهمته في عرضه للمنتوجات الثقافية للفرجة والتقبل والتداول التوزيع والاستعراض والاستهلاك وبالتالي تتحول هذه المؤسسات الى سوق ثقافي. وهكذا يمكن القول أن الناس هو الذين يشكلون ثقافتهم بما يبدعونه من علم وفن وأدب ثم تقوم هي بتشكيلهم بما تحتويه من معرفة وقيم وعادات وافكار وانماط الحياة فهي كل ما نفكر به أو نمتلكه ونمارسه في المجتمع وتُعدّ الثقافة، وفق تعريف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بيرستد، ذلك الكل المركب الذي يشمل ما يفكر فيه الإنسان وما يقوم به وما يمتلكه بوصفه عضواً في المجتمع.

والناس يصنعون تاريخهم بقدر ما تصنعهم ثقافتهم. فهم ينتجون المعرفة والفنون والآداب والمؤسسات، ثم تعود هذه المنتجات لتؤثر فيهم وتشكل وعيهم وسلوكهم. ولذلك فإن الثقافة ليست شيئاً ثابتاً، بل هي عملية تاريخية متجددة تتغير بتغير الأجيال وتبدل الظروف. وحيوية أي مجتمع لا تقاس بكمية ما يمتلكه من تراث فقط، بل بقدرته على إعادة تأويل هذا التراث وتجاوزه وإنتاج أشكال جديدة من الحياة والمعنى.

ومن هنا تكتسب العلاقة بين التاريخ والأجيال أهميتها الحيوية. فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث الماضية، بل هو العلم الذي يدرس العلاقة المعقدة بين الأموات والأحياء إذ إن تعاقب الأجيال المتوالدة هي الصيغة التي ابتكرتها الحياة لتتجاوز نفسها باستمرار. فالموت يفسح المجال للميلاد، والماضي يفسح المجال للمستقبل، والتاريخ يتجدد لأن الأحياء لا يكفون عن إعادة تفسير العالم وصياغته من جديد. ولهذا فإن التاريخ الحقيقي ليس تاريخ الموتى، بل تاريخ الأحياء الذين يحاولون تدبير حاضرهم وصناعة مستقبلهم في ظل شروط ورثوها من أسلافهم ولم يختاروها بأنفسهم.

وتتشكل الجماعات والمجتمعات البشرية وتنمو وتستمر وتستقر وتزدهر في سياق اجتماعي تاريخي ثقافي علائقي تفاعلي يتكون من أربعة انساق أساسية؛ (فاعل، فعل، علاقة، بنية) فضلا عن المكان والزمان بوصفهما إطارنا قبليان بحسب كانط تلك العناصر الأربعة وما ينجم عنها من مظاهر وظواهر وأشكال ورموز وقيم وتمثلات يعاد صياغتها وبناؤها باستمرار في خضم عملية ممارسة الفاعلون الاجتماعيون لحياتهم المتعينة ماديا ومعنويا واقعيا وافتراضيا بمختلف صيغ وصور وأنماط تمظهراتها العلائقية ؛ بين أنا _ أنت، ذات _ أخر _ نحن _ هم وغير ذلك من اشكال العلاقات الاجتماعية المتغيرة باستمرار والتي لا تدوم على حال من الأحوال وتجلياتها المختلفة والتي بدونها يصعب الحديث عن الظاهرة الاجتماعية بوصفها ظاهرة قابلة للرؤية والدراسة والفهم. كتب ابن خلدون "

إنّ اختلاف الأجيال في أحوالهم إنّما هو باختلاف نحلتهم من المعاش»

فلا وجود فعل اجتماعي بدون فاعل اجتماعي ولا وجود لعلاقة اجتماعية بدون تفاعل بين الفاعلين الاجتماعيين وهذا التفاعل الاجتماعي والعلاقة التي يقيمها عبر التكرار المستمر تشكل بنية مؤسسية شبه ثابت في سياقي التفاعلية الرمزية. فالتزاوج بين ذكور البشر وأناثهم ينجب بنية القرابة التي هي العائلة وعبر الاستمرار الدائم لهذه العلاقة تدوم البنية وهكذا هي سائر المؤسسات الاجتماعية فالمدرسة علاقة بين المعلم والمتعلم والجامعة علاقة بين الطالب والأستاذ فاذا كف التلاميذ عن الذهاب إلى المدرسة انتهت المؤسسة. وإذا كف الناس عن التزاوج الشرعي انتهت الأسرة وإذا كف الناس عن التقاضي في المحكمة انتهت مؤسسة العدالة واذا كف الناس عن الرقص والغناء والفرح إنتهت المؤسسات الفنية. وإذا كف الناس عن الالتزام بالدستور والقانون انتهت المؤسسة السياسية وإذا كف الناس عن اتباع قواعد المرور إنتهت المدينة والنظام المدني. وتلك هي خلاصة نظرية التفاعلية الرمزية( فاعل، فعل، علاقة، بنية) غير أن التاريخ الجديد ينظر إلى هذا المجتمع من زواية اشمل وأعمق وقد تبلورت خبرة الإنسان في التاريخ ومحاولة فهمه وتفسيرة في جملة من المنظورات الفكرية نشير إلى أهمها التيار المتمثل بالتاريخ الجديد”

المجايلة التاريخية لا يتعلق بتعاقب الأجيال فحسب، بل بطبيعة علاقتها بالزمن نفسه. فكل جيل يجد نفسه محاطاً بماضٍ لم يصنعه، لكنه مطالب بأن يحيا في حاضر ملموس وأن يفتح طريقاً نحو مستقبل لم يتشكل بعد. ومن هنا نفهم المعنى العميق لقول بنديتو كروتشه إن «كل التاريخ تاريخ معاصر»، أو أن التاريخ كله حاضر. فالتاريخ ليس ما مضى وانقضى، بل هو دائماً فاعلية الناس الأحياء الساعين إلى تدبير حاضرهم وتجاوز ماضيهم في آن واحد.

وحين يكون الحاضر مشبعاً بالحيوية والنشاط والإنجاز والفاعلية الخلاقة، يتراجع الماضي تلقائياً إلى مكانه الطبيعي بوصفه خبرة وذاكرة وعبرة، لا بوصفه ملاذاً نفسياً أو مشروعاً سياسياً أو حلماً بديلاً. فالناس لا ينشغلون كثيراً باستعادة ما مضى عندما يكون حاضرهم زاخراً بالحياة، ومفعماً بالأمل، ومفتوحاً على إمكانات التقدم والتجدد. عندئذٍ يصبح المستقبل هو مركز الجاذبية الذي يشد انتباههم، وتغدو مشاريع الغد أكثر إثارة من بطولات الأمس.

إننا نقصد بذلك تلك الحياة اليومية العادية التي تستغرق تسعة أعشار وجودنا؛ حياة العمل والدراسة والتعلم والإنتاج والاستهلاك والعلاقات الاجتماعية وتدبير شؤون العيش. إنها عالم اللحظة الحاضرة المباشرة، العالم الملموس الذي يعيش فيه الإنسان أكثر مما يعيش في كتب التاريخ أو في تصورات المستقبل. ذلك العالم الذي تتشابك فيه الحاجات والمصالح والرهانات والصراعات والتطلعات، وتتشكل فيه أنماط السلوك والعلاقات والمؤسسات التي تصنع النسيج الحقيقي للمجتمع. إنه ما سماه بعض علماء الاجتماع «الحياة بلا مزايا»، أي الحياة اليومية العادية التي تبدو بسيطة لكنها في الواقع تمثل عصب الجسد الاجتماعي ومصدر حركته الفعلية.

لكن حين يعجز هذا الحاضر عن إشباع حاجات الناس المادية والمعنوية، وحين تضيق آفاق المستقبل وتخبو إمكانات الإنجاز والتغيير، يعود الماضي إلى الواجهة من جديد. لا يعود بوصفه موضوعاً للمعرفة التاريخية، بل بوصفه بديلاً استيهامياً يعوض نقص الحاضر وعجزه. عندئذٍ يتحول التاريخ إلى مخزن هائل للأحلام المؤجلة والتبريرات النفسية والبطولات الرمزية، ويصبح الحنين إلى الماضي تعبيراً غير مباشر عن بؤس الحاضر وانسداد أفق المستقبل.

ومن هنا فإن الاعتقاد بأن تعلق الناس بالماضي ظاهرة طبيعية أو فطرية هو تبسيط شديد للمسألة. فالإنسان لا يحن إلى الماضي لأنه قديم، بل لأنه يشعر بأن حاضره أقل قدرة على منحه المعنى والأمل. ولذلك فإن المجتمعات الحية لا تنسى تاريخها، لكنها لا تعيش فيه أيضاً. إنها تستحضره بوصفه مادة للفهم والنقد والتعلم، لا بوصفه وطناً بديلاً عن الواقع.

إننا نعيش التاريخ كما تعيش الأسماك في الماء؛ لا نستطيع الخروج منه ولا الإفلات من استحقاقاته. فإما أن نستجيب لتحدياته وننخرط في صناعة حاضره ومستقبله، وإما أن نتخلف عن حركته فيتجاوزنا كما يتجاوز القطار المتحرك من يقف على الرصيف متردداً.

تعلمنا نظرية المجايلة التاريخية وجيلنا الراهن يواجه وضعاً غير مسبوق في تاريخ الإنسانية كلها. إذ نقف على عتبة تحول حضاري عميق تعيد فيه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي تشكيل المعرفة والعمل والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد وأنماط الحياة اليومية برمتها. لقد شهد التاريخ البشري ثورات كبرى كثيرة، من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية، غير أن ما نشهده اليوم يتميز بسرعة التغيير واتساعه على نحو يجعل الإنسان نفسه عاجزاً عن ملاحقة التحولات التي ينتجها.

في الأزمنة الماضية كانت الأفكار والمؤسسات والقيم تستمر أحياناً قروناً طويلة قبل أن تتعرض لتحديات جوهرية. أما اليوم فإن الفرد قد ينام على نظرية ويستيقظ على مراجعتها، ويتخرج الطالب من جامعته وقد أصبحت بعض معارفه بحاجة إلى تحديث جذري. لقد دخل العالم مرحلة تتغير فيها المعارف العلمية والتقنيات والمهارات المطلوبة بوتيرة متسارعة تجعل الثبات استثناءً والتغير قاعدة عامة. ولم يعد السؤال المركزي: ماذا نعرف؟ بل كيف نستطيع الاستمرار في التعلم وإعادة التعلم والتكيف مع عالم يتغير أسرع من قدرتنا على استيعابه.

المستقبل لا ينتظر أحداً، ولا يولد من الأمنيات ولا يتحقق بالحنين إلى الأزمنة الغابرة. المستقبل يُصنع هنا والآن، في الحاضر المعيش، من خلال العمل والمعرفة والتنظيم والإبداع. وما لم ينجزه جيل اليوم في لحظته التاريخية قد يصبح مستحيلاً على الأجيال اللاحقة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لأي مشروع نهضوي عربي يكمن في استنهاض الطاقة الشابة وتحويلها من طاقة كامنة إلى قوة فاعلة في المجتمع.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المستقبل أمام الأجيال أم وراءها؟ بل: هل تمتلك الأجيال الشابة الشجاعة والمعرفة والإرادة الكافية للسير نحوه؟ فالماضي، مهما كان عظيماً، قد انقضى وانتهى، ولا يعود إلا بوصفه ذاكرة وخبرة وعبرة. أما المستقبل فهو المجال الوحيد المفتوح أمام الفعل الإنساني. إنه ليس خلفنا بل أمامنا دائماً، يستدعي منا أن نتجاوزه باستمرار، وأن نصنعه بأيدينا وعقولنا وأحلامنا. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، والحياة لا تكافئ الواقفين على أطلال الأمس، وإنما تنحاز لأولئك الذين يملكون الجرأة على تحويل الممكن إلى واقع، والحلم إلى علم.

***

ختاماً: لعلكم سمعتم عن كتاب (الشوامل والهوامل) فقد كان البدو في الصحراء ولا زالوا يطلقون جموع الإبل في الصحراء بحثاً عن الماء والكلأ ويسمونها الهوامل، ويحتفظون بثلاث إلى سبعة من الإبل العتاق بقرب مضارب خيامهم، ويسموها الشوامل . إذ يطلقونها بعد بضعة أسابيع من غياب الهوامل لتقوم بجمع شملها والعودة بها إلى ديارها، والنخب الشابة هي شوامل اليوم ورواد مشاريع بناء المجتمع الجديد التي ستظهر نتائجها المثمرة على المدى البعيد.

***

ا. د. قاسم المحبشي 

 

إن لوحة تراجع التعليم التي تم تناولها لا تعد مجرد عدم توازن سطحي في بنية النظام التعليمي، بل تظهر حالة عميقة من الانفصال النظامي والبنيوي، ويمكن تسميتها بظاهرة "الاغتراب التعليمي" من الناحية الفلسفية. وتتجلى ظاهرة الاغتراب التعليمي (المعرفي) عندما ينفصل الطالب عن انتاج المعرفة، والمعلم عن دوره الحقيقي في عملية التعليم، وبالنتيجة ينفصل التعليم كمنظومة تربوية عن غايتها الحقيقية في بناء الانسان.

يعد الاغتراب مصطلح مهم من مصطلحات الفلسفة، وهو تعتبير عن حالة الغربة او الانفصال بين الذات البشرية وبين ما يجب ان يكون متصلا بها، وهو يشير الى حالة شعور الفرد بأنه "منفصل او غريب" عن محيطه الاجتماعي، او فقدانه السيطرة على قراراته او حياته. ويرى هيجل وماركس أن الاغتراب الفلسفي يكون عندما يغترب العامل عن منتجه لانه لا يجده في نفسه، بل يكون مجرد اداة في ماكنة المعمل. 

اما الاغتراب الاجتماعي فهو حالة شعور الانسان بالعزلة عن مجتمعه او عدم الانتماء لقوانينه وقيمه وعاداته وتقاليده، مما يسبب حالة من اللامبالاة. بينما يشير الاغتراب النفسي الى انفصال الفرد عن ذاته الحقيقية ويتصرف كما يريده الاخرون لا وفق قناعاته الشخصية، فيشعر بحالة من الخواء الداخلي.

اما الاغتراب التعليمي مفهوم حديث يشير الى حالة من الانفصال بين مكونات العملية التعليمية الاساسية والتي يفقد بها النظام التعليمي علاقته الحقيقية بالمعرفة، ويفقد المعلم والمتعلم دوره النشط والفعال في التفكير لانتاج المعرفة الجديدة.

ويعد الاغتراب التعليمي (المعرفي) من الظواهر التربوية المعاصرة ويعرف بالشكل الجديد من "اللا تفكير" والذي يعكس حالة من الانفصال بين ما يتعلمه الفرد داخل المدرسة او الجامعة وبين الواقع الحياتي الذي يعيشه، ويظهر هذا المفهوم المعاصر عندما يفقد الطالب الشعور بقيمة ما يحصل عليه من معرفة ولا يجد لها تطبيقا عمليا في حياته اليومية.

ويتكون هذا الشكل من الاغتراب في التعليم بسبب الانظمة التربوية القائمة على الاساليب التقليدية في التعليم البنكي والتي تعتمد على نقل المعلومة بطريقة مجردة دون ربطها بسياقات واقعية او مشكلات حقيقية. ونتيجة لذلك، تتحول المعرفة الى مادة جامدة ومنفصلة عن خبرة الطالب الشخصية واهتماماته واتجاهاته.

ونجد مفهوم الاغتراب المعرفي في السياق التعليمي، عندما تتحول المعرفة من وسيلة للفهم الى "حمل غريب" يفرض على المتعلم، وهو بهذا يمثل فجوة بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة او الجامعة وبين واقعه وذاته ومستقبله. ونستدل على هذا المفهوم في التعليم من خلال دلالة انفصال النص الدراسي عن الواقع الحياتي، وعندما يدرس المتعلم فرضيات ونظريات في علم النفس او علم الاجتماع او علم الاحصاء وغيرها من العلوم الانسانية او الصرفة، لكنه لا يستطيع تطبيقها او توظيفها لفهم وتحليل مشكلة ما في بيئته الاجتماعية او مجال عمله الوظيفي، وهنا تصبح المعلومة "كتلة غريبة" تسكن ذهنه لفترة محدودة ومن ثم تتلاشى.

وعندما يتعامل المتعلم مع المنهج الدراسي كعائق يجب التخلص منه مجرد انتهاء الاختبار، تصبح المعرفة سلعة لا قيمة حقيقية لها، وهنا ينفصل الطالب عن المعرفة لان هدفه من التعلم كان مجرد الحصول على الدرجة لا الفهم والتطبيق للاستفادة منها في الحياة. ونجد ايضا الاغتراب الادواتي في حالة استخدام البرامج الاحصائية او ادوات الذكاء الاصطناعي دون فهم المعنى المنطقي او الرياضي ورائها، فحينها يصبح المتعلم مشغلا للالة بدلا من كونه مفكرا ومحاورا وباحثا عن المعنى.

ويعد هذا الاغتراب في التعليم خطرا كبيرا، لانه يشكل ما يسمى بمفهوم "العقل المستقيل" وهو ذلك العقل "اللا رشيد" الذي يمتلك حشو معلوماتي لكنه خالي من الروح والمقدرة على الشك والتفكير والنقد الذاتي، وحينها يصبح الطالب منفصل معرفيا ويسهل انقياده فكريا، لانه ببساطة لم يتعلم كيف يحصل على المعرفة من خلال السؤال والتفكير والشك والنقد، بل مجرد يتعلم كيف يطيعها.

وأن ما طرحه ايمانويل كانط من فكرته حول مفهوم "قصور العقل" يطابق هذا المفهوم المعاصر عندما يكون الانسان "عاجزا عن استخدام عقله دون توجيه من الاخرين"، وفي التعليم عندما يعجز المتعلم عن تدريب عقله على الحوار والتفكير في غرفة الصف، يستقيل عقله، وحين يستقيل عقله، تنهار المعاني والافكار، وتتحول المعرفة الى كلمات محفوظة بلا معاني حقيقية. 

لكن يمكن الانتقال من حالة "اللا تفكير" او الاغتراب المعرفي الى حالة "الاتصال والتمكين" اذا غيرنا فلسفة تعليمنا وحولناها من نموذج التعليم البنكي الى الفهم والتحليل والحوار ليصبح الطالب شريكا معرفيا في بناء المعرفة لا مجرد مستهلك لها.

أن وجود حالة الاغتراب التعليمي تمثل تحديا حقيقيا امام نظام التعليم، لانه يفصل المحتوى التعليمي من مضمونه الحقيقي ويحوله الى عملية ظاهرية او شكلية، وأن اعادة تشكيل وبناء العلاقة بين حياة الانسان والمعرفة تعد مهمة اساسية لضمان مفهوم التعليم التحرري وتحقيق هذا الهدف من خلال بناء فلسفة قائمة على مشروع لتحرير العقل المدرسي.

وما يشهده التعليم من تراجع هو نتيجة منطقية لحالة الاغتراب التعليمي، وأن اي محاولة اصلاحية حقيقية يجب ان تنطلق من اعادة العلاقة بين ما انقطع بين التعليم والتفكير، وبين الحياة والمعرفة، وبين المعلم والمتعلم ودورهما الحقيقي في خلق المعرفة الجديدة. ومن هنا فأن كسر حاجز هذا الاغتراب في التعليم يبدأ من مدخل "انسنة التعليم" اي الرجوع الى الجانب الانساني والاجتماعي في عملية التعليم، لان المعرفة التي لا تطابق الواقع الحقيقي للمتعلم او لا تحل ولا تجيب على اسئلته في الحياة، حتما ستبقى معرفة مغتربة وبعيدة عن الواقع.

***

علاء جواد كاظم

في رحلة البحث عن المعرفة وتطوير المؤسسات الأكاديمية، تبرز "تصنيفات الجامعات" التي تصدرها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كحدث سنوي يترقبه رؤوساء الجامعات. ولكن، خلف بريق الأرقام والترتيبات، تتبادر إلى الذهن تساؤلات جوهرية تفرض نفسها على الساحة الأكاديمية: هل تؤدي هذه التصنيفات غرضها الحقيقي في الارتقاء بمستوى التعليم، أم أنها تحولت إلى مجرد أداة للاستعراض الإعلامي، يبهج بها الأوائل في القائمة ويغرق في ظلها الباقون؟

ان الإشكالية تبدأ من المبدأ ذاته، فالجامعات الحكومية في العراق، بحكم طبيعة نظامها، تدار مركزياً من قبل الوزارة نفسها فهي فروع لجامعة واحدة اسمها وزارة التعليم العالي. تضع الوزارة المناهج، وتحدد السياسات، وتُعين الكوادر، وتوزع الميزانيات من قبل الدولة. فكيف لنا ان نبرر وجود هذه الفروقات الشاسعة في التصنيف بين جامعة وأخرى؟ إذا كانت جميع هذه المؤسسات "تنهل من معين مركزي واحد"، فلماذا نجد هذا التباين الذي يوحي بأن بعضها في مصاف الجامعات العالمية، بينما يقبع بعضها الآخر في ذيل القائمة؟

لذا، أقترح أن نستبدل تصنيف الجامعات بـ 'تصنيف رؤساء الجامعات'، فالتصنيف الحالي يعاقب المؤسسة ويصمها بالقصور، بينما التقييم الحقيقي يجب أن يوجه لمن يملك سلطة التغيير. إن رئيس الجامعة هو المحرك الذي يمكنه تجاوز سطوة المركزية، وهو الذي يحدد بوصلة الابتكار والتميز في بيئة مؤسسته. إن تقييم أداء القيادات الأكاديمية بناءً على مخرجاتها، وقدرتها على الإنجاز وسط التحديات، سيكون أصدق في التعبير عن التسلسل الفعلي للتقدم، وأكثر إنصافاً في تحديد من يستحق الصدارة ومن يحتاج إلى المساءلة. فالمؤسسات لا ترتقي بقرارات ورقية، بل برؤى قيادية تجعل من التميز خياراً لا صدفة.

هنا، يتحول التساؤل إلى نقد حاد للمنظومة. فهل هذه التصنيفات تعبر فعلاً عن "جودة" أكاديمية ملموسة، أم أنها تعكس قدرة إدارية على تجميع البيانات وتعبئة الاستمارات المطلوبة؟ إن وضع جامعات في مؤخرة التصنيف، وتسميتها علناً، قد يحمل رسالة سلبية غير مقصودة، حيث يتم تلقين الطلبة والمجتمع بأن هذه الجامعات "أقل جودة"، مما يخلق نفوراً أكاديمياً واجتماعياً منها، ويضع خريجيها في موقع الدفاع عن شهاداتهم، بينما هم في الحقيقة خريجو مؤسسات وطنية تتبع الهيكل الإداري والتعليمي ذاته.

ان الخطر الحقيقي يكمن في تحول التصنيف من "أداة للتقويم والإصلاح" إلى "مقياس للمفاضلة التنافسية" التي لا تعترف بخصوصية كل جامعة وظروفها. إن التساؤل الملح هو: هل تقدم الوزارة الدعم اللازم للجامعات التي تذيلت القائمة لتلحق بركب الصدارة، أم أنها تكتفي بموقعها كـ "حكم" يعلن النتائج دون أن يتدخل لعلاج الخلل؟

اذا كانت هذه التصنيفات لا تؤدي إلى تحسين حقيقي في المختبرات، أو تطوير طرائق التدريس، أو تقليص الفجوة في مخرجات التعليم، فإنها تظل مجرد تمرين رقمي يخدم "الصورة الذهنية" للوزارة، أكثر مما يخدم الطالب أو سوق العمل. فبدلاً من أن نسأل: "من هو الأول ومن هو الأخير؟"، ربما كان الأجدر أن نسأل: "لماذا لم نصل جميعاً إلى معايير الجودة الشاملة في آن واحد؟".

التعليم العالي ليس سباقاً للخيل حيث يفوز من يسبق، بل هو بناء وطن، فاذا كانت الجامعات في مؤخرة الترتيب لا تحظى باهتمام إضافي، فاننا بذلك نحكم على أجيال كاملة بالبقاء في الصفوف الخلفية، دون ذنب اقترفوه، سوى أنهم التحقوا بمؤسسات تركتها الوزارة تواجه مصيرها في "قاع التصنيف" دون خطة انقاذ حقيقية.

سؤال للتأمل: في ظل المركزية التي تدار بها الجامعات العراقية، هل ترى أن المسؤولية عن تدني مستوى بعض الجامعات تقع على عاتق ادارات تلك الجامعات، ام هي انعكاس طبيعي لسياسات الوزارة في التخطيط والتوزيع؟

***

ا. د. محمد الربيعي

 

قد تبدو كلمة "التأميم" غريبة في سياق الحديث عن ملحمة أدبية عمرها آلاف السنين. فالمصطلح ارتبط في الوعي السياسي بنقل ملكية المؤسسات أو الثروات إلى الدولة. غير أن المقصود هنا معنى رمزي وثقافي مختلف؛ أي تحويل إرث إنساني مشترك إلى ملكية معنوية خاصة، وإدخاله ضمن سردية قومية أو هوياتية محددة. ومن هذا المنطلق يمكن الحديث عن "تأميم ملحمة جلجامش"، حين تصبح الملحمة موضوعاً للتنافس بين جماعات مختلفة تسعى إلى احتكار رمزيتها أو ضمها إلى تاريخها الخاص، رغم أن عالمها أقدم بكثير من الهويات القومية التي نعرفها اليوم.

منذ أن خرجت ألواح ملحمة جلجامش من تحت أنقاض المدن الرافدينية القديمة وعادت إلى الضوء في العصر الحديث، لم تعد مجرد نص أدبي ينتمي إلى الماضي السحيق، وأصبحت أيضاً موضوعاً لصراعات التأويل والهوية. فالنص الذي كُتب قبل آلاف السنين، في عالم يختلف جذرياً عن عالمنا، وجد نفسه داخل معارك فكرية وقومية لم يكن يعرفها مؤلفوه ولا أبطاله.

تكمن المفارقة في أن الملحمة التي تتناول الإنسان في مواجهته للموت والزمن تحولت إلى مادة تُستخدم لإثبات انتماءات قومية. فأصبحت شخصياتها وأحداثها وأماكنها موضوعاً للتنافس بين سرديات متعددة، يسعى كل منها إلى العثور في النص على ما يمنحه عمقاً تاريخياً أو شرعية رمزية.

إن القومية الحديثة تبحث دائماً عن جذور بعيدة. وكلما كان الماضي أقدم وأكثر مجداً ازدادت قيمته في بناء الوعي الجماعي. ولهذا كثيراً ما تُقرأ الحضارات القديمة بوصفها بدايات مفترضة لشعوب معاصرة، وتُستدعى إلى معارك الحاضر وتوتراته.

هنا تبدأ عملية الإسقاط التاريخي. فبدلاً من دراسة الماضي ضمن شروطه الخاصة، يجري إعادة تشكيله وفق احتياجات الحاضر. وتتحول الأسئلة من محاولة فهم الشخصيات في سياقها التاريخي إلى البحث عن هوياتها القومية المفترضة. وهكذا يصبح النص الأدبي ساحة للتنافس الرمزي، وتتحول الفرضيات مع مرور الوقت إلى ما يشبه الحقائق داخل الخطاب الثقافي للجماعات التي تتبناها.

والمشكلة لا تكمن في طرح الفرضيات أو اقتراح قراءات جديدة للنصوص القديمة، فذلك جزء طبيعي من أي جهد معرفي. المشكلة تظهر عندما تُقدَّم الفرضية بوصفها نتيجة نهائية. فثمة فرق واضح بين الدراسة التي تسعى إلى إقناع القارئ بقوة الدليل، والقراءة التأويلية التي تدعوه إلى تبني منظور معين. وعندما يختلط المجالان، تتحول الاحتمالات إلى يقينيات، وتصبح الرغبات الهوياتية أقرب إلى حقائق مفترضة.

ومن المفيد التمييز هنا بين القراءات الشعبية والبحث الأكاديمي المتخصص. فثمة محاولات شائعة لربط شخصيات الأدب الرافديني أو أسماء الشعوب والأماكن القديمة بلغات أو هويات معاصرة اعتماداً على التشابه الصوتي بين الكلمات أو على تقاطعات جغرافية وثقافية عامة. غير أن مثل هذه المقاربات لا تحظى عادة بقبول واسع في الدراسات التاريخية واللغوية المتخصصة، لأن التشابه اللفظي وحده لا يكفي لإثبات القرابة التاريخية أو الاستمرارية القومية.

أما الاتجاه الأكاديمي السائد فيتعامل مع شخصيات جلجامش وأنكيدو ضمن سياقها الحضاري الرافديني، وينظر إليهما بوصفهما جزءاً من البيئة السومرية والأكادية التي نشأت فيها الملحمة. ولهذا يتعامل المؤرخون وعلماء اللغات القديمة بحذر مع الادعاءات التي تنسب شخصيات أو شعوباً من عصور موغلة في القدم إلى قوميات معاصرة. فالقوميات الحديثة تشكلت في ظروف سياسية وثقافية متأخرة نسبياً، في حين أن عالم جلجامش يسبق ذلك بآلاف السنين.

وتزداد حساسية هذه المسألة في الشرق الأدنى القديم بسبب تعاقب الحضارات وتداخل الشعوب واللغات عبر فترات زمنية طويلة. فالتاريخ في هذه المنطقة لم يكن خطاً مستقيماً يمتد من شعب قديم إلى أمة حديثة، وإنما شبكة معقدة من التفاعلات والهجرات والتحولات الثقافية. ولهذا تبدو محاولات إلباس شخصيات الملحمة هويات قومية معاصرة أقرب إلى إعادة قراءة الماضي بمنطق الحاضر.

وحين تحاول جماعة ما أن تقدم نفسها بوصفها الوريث الوحيد لحضارة قديمة أو منطقة تاريخية بعينها، فإن ذلك يقود في كثير من الأحيان إلى تقليص حضور الجماعات الأخرى أو تهميش دورها في السردية التاريخية. وهنا تظهر إحدى الإشكاليات الأساسية في القراءات الهوياتية للماضي، إذ يصبح التاريخ مجالاً للاحتكار الرمزي بدلاً من أن يكون مجالاً للفهم المشترك.

وفي حالة ملحمة جلجامش تحديداً، فإن البيئة الحضارية التي خرجت منها الملحمة هي بيئة بلاد الرافدين القديمة، وهي بيئة أسهمت في تشكيلها حضارات وشعوب متعددة، من السومريين والأكديين إلى البابليين والآشوريين وغيرهم. ولذلك فإن تحويل الملحمة إلى ملكية رمزية لقومية معاصرة واحدة يثير سؤالاً مشروعاً: ماذا عن الجماعات الأخرى التي ترتبط هي أيضاً بهذه الجغرافيا وبهذا التراث التاريخي؟

ومن منظور تاريخي، يبدو أكثر دقة النظر إلى تراث بلاد الرافدين بوصفه إرثاً حضارياً مشتركاً تتقاطع معه هويات معاصرة متعددة بدرجات متفاوتة، لا بوصفه ملكية حصرية يمكن إلحاقها بجماعة واحدة أو سردية واحدة. فالحضارات الكبرى التي أسهمت في تشكيل التاريخ الإنساني تتجاوز بطبيعتها الحدود والهويات التي نشأت بعد آلاف السنين من أفولها.

كما أن السرديات القومية تميل بطبيعتها إلى البحث عن أبطال مؤسسين. وعندما يصعب العثور على شخصيات تاريخية تؤدي هذا الدور، يجري أحياناً استدعاء شخصيات أسطورية لتصبح رموزاً لهوية معاصرة. وعند هذه النقطة تتحول الأسطورة إلى وثيقة إثبات، ويتراجع الاهتمام بقيمتها الأدبية والإنسانية.

غير أن ملحمة جلجامش نفسها تقاوم هذا الاختزال. فهي لا تقدم شخصياتها بوصفها ممثلين لأمم أو قوميات، وإنما بوصفها نماذج إنسانية كبرى. جلجامش يجسد مواجهة الإنسان للسلطة والفقد والموت، وأنكيدو يجسد العلاقة المعقدة بين الطبيعة والحضارة. ومن خلال صداقتهما ورحلتهما المشتركة تتولد الأسئلة التي منحت الملحمة خلودها.

إن القيمة الحقيقية لجلجامش تكمن في عالميته. فبقاء الملحمة عبر آلاف السنين لم يكن نتيجة انتمائها إلى هوية معينة، وإنما بسبب قدرتها على التعبير عن خبرات إنسانية مشتركة تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا والانتماء. وعندما تُختزل هذه الشخصيات في هوية واحدة، تضيق مساحة المعنى التي جعلتها حية في وجدان البشر.

لهذا ربما يكون السؤال الأهم: لماذا نبحث باستمرار عن هوياتنا المعاصرة داخل نصوص كُتبت في عصور سحيقة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف الكثير عن هواجس الحاضر ورغبته في العثور على جذور ثابتة وسط عالم متغير. أما جلجامش، الذي عبر آلاف السنين ووصل إلينا من عالم بعيد، فما يزال يذكرنا بأن ما يجمع البشر في النهاية أكبر بكثير مما يفرقهم.

***

بولص آدم

 

(ليس في المذاهب أشرف من مذهبك، لتعلقك باللّه تعالى، فلا تنتم لمذهب أحد سواه، فإنه أشرف المذاهب، واستمر على حالتك، والزم الاعتدال فإنه طريق الرجال).. "كتاب مواقع النجوم لابن عربي"

يطل بين فترة واخرى نقد كبير للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي (شيخ العرفان الاسلامي (متوفي 638هجرية) تحت عناوين مختلفة مرة انه سني متعصب بل ومن النواصب ومرة اخرى انه لا يمكن لاحد ان يمدحه ويضعه في مرتبة مقاربة لأهل البيت ..وبوجه عام يضعه السنة ضمن المذهب المالكي /الاشعري ..بل وبعضهم يضعه على مذهب الظاهريّة لابن حزم !!.اما بعض الشيعة لاسيما العرفاء منهم فإنهم يعدونه شيعيا اذ وبحسب البحث الدقيق للشيخ قاسم الطهراني هو شيعي بامتياز وهذا ما اكده في كتابه: (القول المتين في تشيع الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي). وانا اريد اقدم اشارات سريعة للرد:

١: ان كتب الشيخ قد زورت وتم اضافة الاراء الكثيرة لها وهذا ما تحدث عنه عبد الوهاب الشعراني (متوفي 973هجرية) عندما قال ان نسخ كتاب الفتوحات المكية لابن عربي قد تم التلاعب بها في القاهرة.. اذ نبه لذلك في كتابيه (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر) و(لطائف المنن) بل وزاد ان الدس شمل كتاب ابن عربي الاهم (فصوص الحكم) وبذلك فهو فلم يكن يشتم الشيعة ولم يكن يغالي في اهل السنة..

٢: ان اي عارف بحسب نظر العارف الاستاذ السيد علي القاضي (رحمه الله تعالى) لايمكن له السير والسلوك في طريق التوحيد إلا عبر حب اهل البيت وموالاتهم ..

٣: ان ابن عربي الذي كتب هذه الموسوعات الفكرية العميقة والعلوم الالهية هل كان يغيب عن ذهنه المتبحر مقامات اهل البيت.. أيعقل ذلك..بل ان العرفاء والمتصوفة جميعا يرون وباتفاق كبير بينهم جميعا اهمية مقامات اهل البيت وعلومهم بل ويرجعون لها ممكن النظر في ذلك على سبيل المثال (تذكرة الاولياء لفريد الدين العطار)..

٤: اننا نتكلم عن التشيع بوصفه هنا حب اهل البيت وليس بوصفه منطق الفقهاء واجتهاداتهم ولقد ناقشنا ذلك تجوزا تحت عنوان التشيع .وبهذا الصدد يقول العارف الشيعي الشيخ محمد حسن وكيلي عن تشيع بن عربي : تشيعه باطني، وبالتالي فهو ليس تشيعا فقهيا، بل اساساً لاتعتبر الأفكار الفقهية  للاشخاص معيارا لحقيقة التشيع والخلاص في الآخرة، بل هي من لوازم التشيع والتي إذا كان احد مطلعا بملازمتها فعليه الالتزام بها .ومعظم الذين يصبحون شيعة من الباطن، لا يتمتعون بامكانية الوصول إلى الفقه الشيعي كما هو حقه ولايتوقع منهم ذلك . ولهذا فان العرفاء والمتصوفة هم خارج لعبة الخلاف الفقهي.

اذ ان المذاهب الاسلامية الأختلاف بينهم قائم على الشريعة أي على مجموعة الاحكام والاوامر والنواهي الالهية المستنبطة من النصوص الدينية (القرآن والسنة)، وليس الخلاف على التجارب الذوقية، القلبية، الباطنية، المعرفية المتحصلة جراء التواصل مع الحق سبحانه، أي ليس على (الحقيقة) فكل المذاهب  الاسلامية متفقة ان لا حقيقة بلا شريعة.

ولكن كيف غطت الشريعة على الحقيقة واستولت على معانيها ودلالاتها على وفق اسس مذهبية؟ بعبارة أخرى كيف تلون التصوف الاسلامي الذي هو سلوك اخلاقي/ ذوقي بين كافة المذاهب الاسلامية، بحسب القواعد الفقهية لهذا المذهب أو ذاك؟ أو لنقل: كيف ابتلع علماء الظاهر (الفقهاء) مسارات علماء الباطن (العرفاء) لصالح طرائق أو اجتهادات فقهية خاصة، على الرغم من اتفاقهم جميعاً هؤلاء المتصوفة أو العرفاء على ان الشريعة وسيلة للوصول إلى الغاية (الحقيقة) عبر وسائطية (الطريقة)، فكيف اصبحت الشريعة هي الغاية بدلاً عن الحقيقة ويتصارعون على تفسيراتها وأحكامها التي أقترنت بالبعد السياسي (الإمامة)؟.

ان اعتراضنا هنا بطبيعة الحال ليس على المذاهب، إذ انها تعبر عن القراءات المتعددة للتجربة الاسلامية المؤسسة (القرآن والسنة) انما اعتراضنا ان يُمذهب التصوف، بل ان تُمذهب (الحقيقة العرفانية) لصالح الوسائلية (الشريعة)، ومن ثم تغدو منطلقاً للتنابذ والتصارع والعداء وسوء الظن، بل وحتى التكفير!!؟، وهذا الامر يعني ان البوصلة قد انحرفت عن مسار (التوحيد) وعن مسار (النبي محمد) (صلى الله عليه واله وسلم) وهما مطلبان جوهريان لدى المتصوفة والعرفاء (السنة والشيعة على حدٍ سواء).

ان مرد هذه الاشكاليات بحسب اعتقادنا ترجع إلى أمرين جوهريين هما:

1) مسألة الخلافة أو الامامة التي بدأت من سقيفة بني ساعدة واستمرت إلى يومنا هذا.

2) مسألة نشأة المذاهب الاسلامية وتقعيد قواعدها واحكامها الفقهية وقراءتها الشخصانية (نسبة لمؤسسي المذاهب).

من الواضح ان هذين الامرين بكل حمولاتهما السلبية خصوصاً بعدما دخلا المعترك السياسي في ظل السلطات السياسية المتعاقبة والتي فعلت مفاعليها في تقطيع الصلات بين المسلمين الموحدين جميعهم والأدهى والأمر انها قطعت الصلات بين المتصوفة والعرفاء (السنة والشيعة) فيما بعد!؟، إذ أسهمت السلطتين الاموية والعباسية في عزل الشيعة وإقصاءهم عن المشهدية الدينية والثقافية بوصفهم خارج الجماعة الدينية مرةً وخارج النظام الاجتماعي العام لأنهم معارضون مرةً أخرى ولكن حصلت بعض الاستثناءات في القرن الثالث الهجري واستلم الشيعة بعض المناصب السياسية آبان الحكم العباسي.

لعل الجيل الثاني بعد ظهور الفقهاء الكبار والمؤسسين للمذاهب الاسلامية، أو الاصح الذين عُدت  اشتغالاتهم الفقهية بمثابة حقول نظر في الشريعة مختلفة فيما بينهم، ومن ثم عدت بوصفها مذاهب اتبعها هذا الجيل الثاني هم من انشئ القطيعة أو شبه القطيعة في كثير من الاحيان مع اهل البيت والخط الفقهي المنبثق منهم الذي بدأ يصنع لنفسه قلعة فقهية بمعزلٍ تام عن سائر المذاهب الاسلامية، على الرغم من انه قد تأثر بكثير من معالجات واستدلالات وأقيسة ابناء المذاهب الاخرى..

وعليه فان النظر بمنظار فقهي للتصوف والعرفان انما منظار خاطئ لانه منظار إسلام تاريخي تأسس تحت شروط اجتماعية وسياسية وثقافية بل وحتى اقتصادية مختلفة عن تجربة النبوة التي نعتقد ان تجارب المتصوفة والعرفاء هي وريثتها الحقيقة بل ان القول النبوي الشريف (علماء امتي ورثة الأنبياء)..او علماء امتي خير من أنبياء بني اسرائيل انما المراد بالعلماء هم العرفاء الكبار امثال بن عربي والشيخ الجنيد والشيخ الكيلاني واخرون كثر..

ان اهمية الحديث عن بن عربي لا يدركها الا من عرف ان بداية اقامة حداثة اسلامية انما تنطلق من هذا الميراث الانساني /التعددي/الرحماني/ الذي يمثله بن عربي وكبار المتصوفة والعرفاء ..

***

د. جعفر نجم نصر

اللقاء الافتراضي بالأستاذ سيار الجميل بالنسبة لي هو أكثر من متابعة ندوة فكرية عابرة. بل حوار متأخر بين جيلين؛ جيل تشكل وعيه في زمن الكتاب الورقي والمجلات الفكرية، وجيل يعيش اليوم في زمن الشاشة والاتصال الفوري. وبين الزمنين امتدت أسئلة كثيرة عن التاريخ والنهضة والوعي والمصير. وبحسب عالمة الأعصاب البريطانية سوزان غرينفيلد في كتابها المهم (تغيير العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا) نحن جيل المهاجرين الرقميين إذ صنفت الاحياء اليوم في جيلين (جيل المهاجرين الأجداد والآباء وجيل المواطنيين الابناء والاحفاد أي " الأجيال التي وُلدت ونشأت في عصر التكنولوجيا المتقدمة والإنترنت بعد عام 1990م إذ تُعد الأجهزة الذكية والمنصات الافتراضية جزءاً طبيعياً وبديهياً من مكونات حياتهم اليومية منذ الطفولة بالمقابل، يُمثل المهاجرون الرقميون لأفراد الذين وُلدوا قبل ثورة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، واضطروا للتكيف معها وتعلُّم استخدامها في مرحلة لاحقة من حياتهم والدكتور سيار الجميل ونحن منهما .

نادرة هي تلك اللحظات التي يجد فيها المرء نفسه وجهاً لوجه أمام نظرية تاريخية عربية معاصرة، لا يقرأها من خلال شروح الآخرين أو ملخصاتهم، بل يناقشها مع صاحبها ذاته. ولعل ندرة هذه اللحظات لا تعود فقط إلى ندرة المشاريع الفكرية الكبرى في ثقافتنا العربية الإسلامية، بل إلى ندرة أولئك الذين يهبون أعمارهم الطويلة للبحث والتأمل وإعادة بناء الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والزمن والتاريخ كما المسعودي وابن النديم وابن خلدون.

حينما اقترح الدكتور خضير المرشدي، رئيس المعهد العالمي للتجديد العربي فكرة الحوار مع الاستاذ سيار الجميل حول نظريته قبل أسبوعين رحبت بالفكرة بدوافع مختلفة يطول شرحها منها اطلاعي على تلك النظرية بوصفها مقررا في السنة التحضيرية للدكتوراه بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة بغداد عام 2001م. لهذا رحبتُ منذ اللحظة الأولى باقتراح الحوار مع الدكتور سيّار الجميل حول نظريته في «المجايلة التاريخية»؛ تلك النظرية التي صاغها بعد عقود من الاشتغال بالتاريخ وفلسفته، والتي حاول من خلالها أن يقدّم تفسيراً جديداً لحركة التكوين الحضاري العربي الإسلامي، الحديث والمعاصر.

وصلني كتابه الضخم «نظرية المجايلة التاريخية: فلسفة التكوين التاريخي» في طبعته الثانية المنقحة الصادرة سنة 2018. وما إن بدأت تصفحه حتى أدركت أنني لا أقف أمام كتاب تاريخي بالمعنى التقليدي، بل أمام مشروع موسوعي تتضافر فيه الفلسفة مع التاريخ، والسوسيولوجيا مع الأنثروبولوجيا، والجغرافيا مع علم النفس، والإحصاء الكمي مع التأمل النظري والنقد الثقافي مع الحس الحضاري.

وصلني الكتاب عبر الأيميل في طبعته الثانية المنقحة عن المركز الأكاديمي للأبحاث؛ العراق - تورنتو كندا عام 2018م. كتاب ضخم في 666 صفحة في خمسة فصول فضلا عن المقدمة والملحقات حاول مؤلفه أن يجيب عن سؤال بدا بسيطاً في ظاهره لكنه شديد التعقيد في جوهره: كيف يتكوّن التاريخ؟ وما الآليات العميقة التي تحكم انتقال المعرفة والقيم والأفكار من جيل إلى جيل؟ فالتاريخ عند الجميل ليس مجرد تعاقب زمني للأحداث، وليس سلسلة من الدول والسلالات والحروب والانهيارات، بل هو شبكة متداخلة من الأجيال المتعاقبة التي تتواصل فيما بينها عبر ما يسميه «التواصل الحلزوني»، حيث تنتقل الخبرات والمعارف والرؤى من جيل إلى آخر عبر جدلية معقدة من التأثير والتأثر، ومن الاستاذية والتلمذة، ومن الاستمرار والتجاوز في آن واحد.

الكتاب ضخم ويصعب قراءته وفهمه في أسبوعين لا سيما بما يحتويه من رسومات بيانية وإحصاءات كمية ومعلومات تفصيلية تدوخ بالرأس بالنسبة لمن أدمن قراءة الأفكار المجردة كمثل حالي! جذبني الكتاب بطبيعته الموسوعية إذ جمع بين التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والجغرافيا والسياسة وعلم النفس والاقتصاد ففيه وجدت اسماء معظم الفلاسفة والمفكرين الذين اعرفهم ومنهم (ابن خلدون وفولتير وهيجل وماركس وشبنجلر وتوينبي وميشال فوكو وكارل مانهايم وبيتريم سوروكين وإدرار هل وليفي شتراوس وجان بول سارتر وجيري بنتلي ومارشال هدجسون وجماعة مدرسة التاريخ الجديد ومنهم: مارك بلوخ ولوسيان فيفر وفرناند بروديل وبول فيبن وجاك لوغوف وعبدالله العروي وغيرهم .فكيف تمكن سيار الجميل من بناء هذه النظرية المهمة في دراسة التاريخ وما هي مصادره وفرضياته وما المفاهيم الأساسية التي صاغها ودلالتها ومنها(التحقيب ، الجيل، المجايلة، العصر، التكوين، الانتاج، التزامن، التزمن ، المستقبل .الخ) هذا اولا وثاني ما المداخل المنهجية التي مكنته من انجاز هذا النسق النظري الفلسفي التاريخ بهذا السعة لاسيما منهج التاريخ الكمي؟ فضلا عن مدى علاقة هذه النظرية بمدرسة التاريخ الجديد ومناهجه تهتم بدراسة كل الفعاليات البشرية وكل ما في الإنسان أو يعتمد على الإنسان أو نتيجة الانسان أو يجريه الإنسان مما له أهمية في وجود الإنسان ونشاطه وأذواقه وأزيائه" إذ أكد فرنان بروديل – وهو من أبرز رواد التاريخ الجديد – أن التاريخ يجب أن يكون شمولياً أو لايكون، "وهو يحتاج إلى العلوم الاجتماعية الأخرى، وقادر على تبني اشكال التفسير الجديدة التي تبتدعها هذه العلوم وتكييفها لأغراضه الخاصة. والتاريخ قادر بدوره على تقديم ما تفتقرإليه العلوم الأخرى، وهو البعد الزمني، الذي يمثل خصوصيته، ولايهم في نظر بروديل ان أتهم البعض التاريخ بأنه (امبريالي) يريد ابتلاع كل شيء"‏

ولعل أهم ما لفت نظري في هذا المشروع هو محاولته تجاوز الإشكال القديم المتعلق بالتحقيب التاريخي. فمنذ نشأة الكتابة التاريخية ظل المؤرخون يختلفون حول الطريقة المثلى لتقسيم الزمن وتحقيبه . هل نقسمه وفق الدول والسلالات؟ أم وفق الحقب السياسية؟ أم وفق التحولات الفكرية والحضارية؟ أم وفق الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية؟

سيّار الجميل يرى أن معظم أنظمة التحقيب التقليدية تعاني قصوراً منهجياً لأنها تركز على الظاهر السياسي وتغفل البنى العميقة التي تتحرك داخل المجتمع والثقافة. لذلك يقترح أن يكون «الجيل» هو الوحدة الأساسية لفهم الزمن التاريخي، وأن تُدرس الحضارة بوصفها سلسلة من الأجيال المترابطة لا مجرد تعاقب للسلطات السياسية.

وهنا تتجلى العلاقة الواضحة بين مشروعه وبين أعمال عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم (1893-1947) الذي اصدر كتاب مشاكل الأجيال عام 1928م . قبل كتاب مانهايم كان الجيل يُفهم غالبًا بمعناه البيولوجي، أي مجموعة من الأشخاص الذين ولدوا في فترة زمنية متقاربة. لكن مانهايم رأى أن هذا التعريف غير كافٍ اجتماعيًا. ف الجيل يتكون عندما يتعرض أفراد ينتمون إلى فئة عمرية متقاربة لأحداث تاريخية واجتماعية كبرى تترك أثرًا عميقًا في وعيهم وتصورهم للعالم فالناس الذين يولدون في سنوات متقاربة لا يشكلون جيلًا اجتماعيًا لمجرد تقارب أعمارهم، بل لأنهم يعيشون أحداثًا تاريخية وثقافية مشتركة في مرحلة تكوين وعيهم غير أن الجميل لا يكتفي بالاستفادة من مانهايم، بل حاول أن يؤسس نموذجاً خاصاً بالتاريخ العربي الإسلامي، مستفيداً في الوقت نفسه من منظورات منهجية ونظرية متعددة متعددة منها نظرية صديقه المؤرخ الأمريكي

جيري بنتلي ت 2012م إذ يرى بنتلي أن أفضل أساس لتحقيب التاريخ العالمي ليس ظهور دول معينة أو حضارات بعينها، بل أنماط التفاعل بين المجتمعات والثقافات المختلفة ويعتبر أن ثلاثة عوامل كانت المحركات الكبرى للتاريخ العالمي:

1. الهجرات البشرية واسعة النطاق.

2. التوسع الإمبراطوري.

3. التجارة بعيدة المدى والتبادل الثقافي.

كما استفاد سيّار الجميل من مدخل مارشال هودجسون (1922-1968) صاحب كتاب (مغامرة الإسلام: الضمير والتاريخ في حضارة عالمية) وتتلخص رؤيته في أن النهضة الغربية والتحديث لم ينشأا من "عبقرية أوروبية خاصة" ومنعزلة، بل هما نتاج تراكمي لشبكة تبادل عالمية كانت الحضارة الإسلامية مركزها وثقلها الأساسي لقرون طويلة. واعتبر أن صعود الغرب يعود لطفرة تقنية وتنظيمية حدثت في القرن الثامن عشر، وليس بسبب تفوق ثقافي أو ديني. إذ رفض هودجسون حصر الإسلام في شبه الجزيرة العربية أو اعتباره ديناً "بدويّاً" أو "عربياً" خالصاً. ويرى أن النظرية التاريخية للإسلام تتضح عندما ننظر إليه في المدى الجغرافي الممتد من نهر النيل حتى نهر جيحون (آسيا الوسطى). هذه المنطقة كانت مهد الحضارات الإنسانية القديمة، وجاء الإسلام ليعيد صياغة ودمج هذه الثقافات (السامية والإيرانية والهلنستية) في بوتقة حضارية عالمية واحدة.

هذا فضلا عن استفادة المولف من ابن خلدون والفارابي وتوينبي ولا اعرف لماذا تجاهل الفيلسوف الأمريكي المعاصر اولفين توفلر صاحب كتاب الموجة الحضارية الثالثة؟

ولعل أكثر ما شدّني في هذا المشروع هو محاولته الربط بين المستوى الجزئي والمستوى الكلي؛ بين الفرد والبنية، وبين السيرة الذاتية والتحول الحضاري. فهو يعتقد أن فهم التاريخ لا يتم من خلال دراسة الملوك والقادة وحدهم، بل من خلال دراسة الشبكات الاجتماعية والثقافية التي تنتج المعرفة وتعيد إنتاجها عبر الزمن.

ومن هنا جاءت أهمية ما يسميه «مكروسوسيولوجيا البايوغرافيات»، أي دراسة السير الفردية بوصفها وحدات تكشف عن حركة النظام الحضاري بأكمله. كتب " يعد التاريخ الكمي أحد أهم الوسائل النمطية المتطوّرة في دراسة التاريخ الاجتـ الجديد الذي اختلف في تطوّره الحديث عن التاريخ الاجتماعي التقليدي، وقد بدأ الـ بتحديث التاريخ الاجتماعي على أيدي بعض من المؤرّخين الاجتماعيين الجدد إبان السـ من القرن العشرين، مذ قاموا باستخدام بيانات التعداد السكاني والإحصاءات الديمعـ وإحصاءات متنوعة تخص الزيجات والوفيات، والطلاقات والولادات، وسحـ المستشفيات، وسجلات الضرائب، وسجلات الرواتب، وسجلات الأطفال، وسجـ المعونات الاجتماعية، وسجلات الأملاك والملكيّات، وسجلات المنتجعات والقـ والوقفيات والحدائق .. وإحصاء العربات والسيارات والنقل والسكك الحديدية و المسافرين وأعداد الحيوانات .. وغيرها من البيانات التي تحدّد جملة من المعاني الجديد دراسة شعوب بأكملها. وتشمل تلك الموضوعات التي تشمل القضايا السكانية معدلات النمو السكاني، ومعدّلات الولادة والوفاة والزواج والمرض، والتوزيعات المـ والتعليم والهجرة والتغيرات السكانية"

وعندما انتقل المؤلف إلى التطبيقات العملية للنظرية، حاول أن يعيد قراءة التاريخ العربي الإسلامي كله من خلال خمسين جيلاً متعاقباً تمتد بدايتها من أواخر القرن السادس الميلادي وصولاً إلى نهاية القرن الحادي والعشرين. وهنا يطرح سؤالاً مدهشاً: في أي جيل نحن؟ وفي أي عصر تاريخي نعيش؟

" نحن الآن قد انتهينا من الجيل السابع والأربعين ۱۹۷۹ - ٢٠٠٩ م، وستتلونا ثلاثة أجيال حتى عام ۲۰۹۹ م، حتّى يكتمل العصر الخامس الذي بدأ عام ١٧٩٩ م بالجيل الحادي والأربعين وهو جيل التأسيس النهضوي .. ثم تبعته حتى جيلنا الحالي الذي بدأ عام ١٩٧٩ أي على مدى ۲۲۰ سنة عاشت ستّة أجيال هي : جيل التنظيمات الإصلاحية، وجيل الحركة ٤٧٥" ينظر، سيّار الجميل، نظرية المجايلة التاريخية"

إنه سؤال يبدو بسيطاً لكنه يعكس رؤية مختلفة تماماً للزمن. فالزمن هنا ليس مجرد سنوات تتوالى على التقويم، بل بناء حضاري متحرك يتشكل من تفاعل الأجيال المتعاقبة.

ومن بين الصفحات التي توقفت عندها طويلاً تلك المخصصة للنساء المثقفات في التاريخ العربي الإسلامي. ففي وقت اعتادت فيه معظم السرديات التاريخية التقليدية أن تضع المرأة في الهامش، يحاول سيّار الجميل أن يدمجها في قلب عملية التكوين الحضاري. فهو يقدّم نماذج لعشرات العالمات والمحدثات والأديبات والمثقفات اللواتي شاركن في صناعة الثقافة العربية الإسلامية، مؤكداً أن تأثيرهن لم يكن هامشياً كما توحي بعض القراءات التقليدية، بل كان جزءاً من حركة المجايلة التاريخية نفسها.

بعنوان (دور المرأة ومجايلة النسوة المثقفات) دون عدد من اسماء النساء الشهيرات " بلغ عددهن (۱۸۹) امرأة، منهن (١٥) امرأة عشن في القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي، و (٨٥) امرأة عشن في القرن السادس للهجرة / الثاني عشر الميلادي، و (۸۰) امرأة امتدت حياتهن إلى أوائل القرن السابع للهجرة / الثالث عشر للميلاد، و (۹) منهن كن من المخضرمات بين القرنين.. مسندة خراسان زينب الشعرية، ومسندة مرو كريمة المروزية، ومسندتا بغداد تجنّي الوهبانية، وضوء الصباح عجيبة الباقدارية، ومسندة العراق الكاتبة شهدة الابري وغيرهن الكثيرات من النسوة المثقفات" (ينظر ، نظرية المجايلة التاريخية، ص 205)

غير أن الكتاب لا يتوقف عند الماضي، بل يمتد إلى المستقبل. ففي فصله الأخير الذي جاء بعنوان (عصر النهضة والمستقبليات العربية الاسلامية؛ اعادة لفهم التكوينات التاريخية في ضوء فلسفة المجايلة التاريخية) يدخل المؤلف إلى حقل المستقبليات، محاولاً استشراف مصير الأجيال القادمة في العالم العربي والإسلامي. وهو هنا لا يتحدث بلغة التنبؤ الغيبي، بل بلغة الاتجاهات الكبرى التي يمكن استنتاجها من قراءة المسارات التاريخية الطويلة.

ويذهب إلى أن الأجيال القادمة ستجد نفسها مضطرة للاعتماد على المعرفة والإنتاج والعمل، وأنها ستواجه تركة ثقيلة من الأزمات والصراعات والاختلالات التي خلفتها الأجيال السابقة. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر راهنية مما كانت عليه عندما كتبها قبل أكثر من عقدين. كتب " إن الجيل القادم والمرقم (٤٨) الذي سيعايش ثلاثة عقود زمنيّة من القرن القادم أي بین ۲۰۰۹-۲۰۳۹ والذي سينتجه الجيل الحالي (٤٧) الذي يتخضرم بين القرنين. سيتحمّل جملة مشكلات ساخنة تورثه إياها الأجيال التي عاشت في القرن العشرين، ولما سيجد الجيل القادم نفسه في قلب تطوّرات وأزمة لا يمكننا تخيلها نظراً لتعقيداتها (ينظر، نظرية المجايلة التاريخية، ص 469- 470)

لكن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في تفاصيله أو في نتائجه، بل في موقعه داخل تاريخ الفكر التاريخي نفسه. فمن يقرأ الكتاب يكتشف أنه يقف عند نقطة تقاطع بين تيارات معرفية عديدة. فهو يستلهم من ابن خلدون فكرة العمران، ومن التاريخ الجديد اهتمامه بالبنى العميقة، ومن السوسيولوجيا اهتمامها بالأجيال، ومن الأنثروبولوجيا حساسيتها تجاه الثقافة، ومن الإحصاء أدواته الكمية، ومن فلسفة التاريخ أسئلتها الكبرى.

أن ما استوقفني في نظرية المجايلة التاريخية هو ذلك الإيمان العميق بقدرة الإنسان على استئناف الفعل التاريخي مهما بلغت درجات التراجع والانكسار. فالرجل الذي قضى عمره يقرأ القرون الطويلة لا ينظر إلى التاريخ بوصفه قدراً مغلقاً، بل بوصفه مجالاً مفتوحاً للفعل الإنساني فغاية النظرية ليست مجرد تقسيم الأزمنة أو تصنيف الأجيال، بل إيقاظ الوعي التاريخي العقلاني الواقعي. إنها دعوة إلى أن يدرك كل جيل مسؤوليته الخاصة عن زمنه، وألا يعيش أسير أمجاد الماضي أو كوارثه.

إذ ادرك بحسه التاريخي المتمرس إن الأمم لا تنهض بالبكاء على الماضي، كما لا تتقدم بترديد أناشيد الأمجاد القديمة بل عندما تستأنف المبادرة والفعل و تنتج معرفة جديدة، ورؤية جديدة، ووعياً جديداً بالعالم وبذاتها والأمم التي تتوقف عن إنتاج المعرفة تتوقف تدريجياً عن إنتاج التاريخ.

وبذلك تبدو فكرة المجايلة التاريخية أقرب إلى فلسفة النهوض الحضاري منها إلى مجرد نظرية في التحقيب التاريخي . فهي تذكّرنا بأن كل جيل يرث العالم ناقصاً، ثم يغادره ناقصاً أيضاً، وأن القيمة الحقيقية لأي جيل لا تكمن في مقدار ما ورثه، بل في مقدار ما أضافه إلى الإرث الإنساني العام. وبهذا المعنى نفهم فكرة اللا اكتمال عند الدكتور خضير المرشدي رئيس المعهد العربي للتجديد العالمي إذ أكد" إن اللااكتمال ليس مجرد فلسفة، إنَّما عاصفة في قلب الغموض. إنه موقف وجودي يقول: الجهل ليس عار، بل بوابة الاكتشاف. والسؤال ليس ضعفاً، بل قوة تحطم جدران الروتين، في بيئة عربية لا تزال تتردد أمام التغيير وتتهم وتشتم مع يسعى لذلك ، وتميل إلى اليقين كملاذ آمن، يأتي اللا اكتمال كثورة فكرية، يحثنا على القفز إلى المجهول بشجاعة، وعلى بناء الأفكار من الأسئلة، كما يبني الفنان تحفته من الفراغ"

خاتما يمكننا القول: أن قيمة نظرية المجايلة التاريخية تكمن تحديداً في أنها تقف عند هذا الحد الفاصل بين الماضي والمستقبل. فهي تنتمي إلى تقاليد التاريخ الجديد من جهة، لكنها تنفتح من جهة أخرى على إمكانات التاريخ الكمي وتحليل البيانات. إنها محاولة عربية جادة لإعادة التفكير في الزمن الحضاري بوصفه بنية معقدة من العلاقات والأجيال والتكوينات المتداخلة.

ولهذا فإن الحوار مع سيّار الجميل ليس حواراً حول نظريته في سلسة الأجيال فحسب، بل حول معنى التاريخ في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وكيف نعيد بناء وعينا بالزمن في عصر تتسارع فيه التحولات إلى حد يجعل الماضي نفسه مادة لإعادة الاكتشاف في كل لحظة؟ فنحن نقف على أعتاب براديغم تاريخي جديد تُشكّله الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد التاريخ مجرد سرد أو تحليل للوثيقة، بل صار شبكة من البيانات الضخمة، تُقرأ بالخوارزميات والتعلّم العميق، ويعاد إنتاجها على ضوء تفاعل الإنسان مع الآلة. لقد أصبح المؤرخ يجاور عالم البيانات، وأضحت الذاكرة الإنسانية رقميّة، قابلة للدمج والحذف والتحليل اللحظي. وهنا يطرح السؤال الفلسفي الحادّ:هل نحن أمام ميلاد مدرسة تاريخية جديدة؟ مدرسة التاريخ الخوارزمي، حيث يُصبح ماضي الإنسان قابلًا للحوسبة؟أم أن الذكاء الاصطناعي سيُحوّل التاريخ إلى محاكاة تحجب معنى التجربة الإنسانية نفسها؟

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

من الثبات إلى التفاوض

في قلب النقاشات المعاصرة حول الإنسان والمجتمع، يبرز سؤال الهوية والاختلاف كأحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الأنثروبولوجي الحديث. فالهوية لم تعد تُفهم بوصفها جوهرًا ثابتًا أو معطىً طبيعيًا، بل باعتبارها بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتشكل عبر التفاعل المستمر بين الذات والآخر، وبين المحلي والعالمي. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه مجرد علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة، حيث يُنظر إليه كنافذة لفهم التنوع البشري بدلًا من كونه تهديدًا للوحدة أو الانسجام.

لقد أسهمت التحولات الكبرى التي شهدها العالم منذ منتصف القرن العشرين – من انهيار الاستعمار إلى صعود العولمة والرقمنة – في إعادة صياغة مقاربات الأنثروبولوجيا للهوية والاختلاف. فبينما كان التركيز في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية منصبًا على دراسة "الآخر البعيد" في المجتمعات التقليدية، أصبح الفكر الأنثروبولوجي الحديث ينظر إلى الهوية باعتبارها عملية تفاوض وتأويل مستمرة، تتأثر بالهجرة، والاندماج، والتهجين الثقافي، وبروز فضاءات جديدة مثل العالم الافتراضي.

في هذا السياق، لم يعد السؤال الأنثروبولوجي مقتصرًا على "من نحن؟" أو "من هم الآخرون؟"، بل أصبح يتجاوز ذلك إلى مساءلة آليات إنتاج الهوية، والسلطة الكامنة في تعريف الذات والآخر، والكيفية التي يُعاد بها تشكيل الاختلاف في ظل التوترات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف لم يعودا مجرد موضوعين للدراسة، بل أصبحا محورين لفهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم متغير، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

مفهوم الهوية في الفكر الأنثروبولوجي

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لم تعد الهوية تُفهم كجوهر ثابت أو كيان مغلق، بل كعملية اجتماعية وثقافية متحركة تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع السياقات التاريخية والسياسية والاقتصادية. فهي ليست بطاقة تعريف جامدة، وإنما بناء اجتماعي يتغير مع الزمن، يتأثر بالهجرة، بالعولمة، وبالتحولات الرمزية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. الأنثروبولوجيون يرون أن الهوية ليست معطى طبيعيًا يولد مع الفرد، بل هي نتاج للتفاعل مع الآخرين، تُنتج من خلال الخطاب والممارسات اليومية والرموز الثقافية، ما يجعلها عملية تفاوض وتأويل دائم بين الذات والآخر. بهذا المعنى، الهوية ليست ماهية، بل سيرورة، وليست جوهرًا بل شبكة من العلاقات التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار. العلاقة بين الفرد والجماعة هنا تأخذ طابعًا جدليًا؛ فالفرد يعرّف نفسه من خلال الجماعة، والجماعة تُعيد إنتاج هويتها عبر أفرادها، مما يجعل الهوية دائمًا في حالة إعادة تعريف بين "نحن" و"هم". ومن ثم، فإن الهوية في الأنثروبولوجيا الحديثة تُفهم كحقل للتوتر بين الثبات والتحول، بين الاستمرارية والانقطاع، وبين الذات والآخر، حيث يصبح الاختلاف جزءًا من عملية البناء نفسها لا مجرد عنصر خارجي يهددها.

الاختلاف كأداة للفهم الأنثروبولوجي

يُنظر إلى الاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، لا باعتباره مجرد علامة على التباين بين الثقافات، بل كأداة معرفية أساسية لفهم الإنسان في سياقاته المتعددة. فالاختلاف هو الذي يفتح المجال أمام الأنثروبولوجي ليقرأ المجتمع من الداخل والخارج في آن واحد، ويكشف عن أنماط التفكير والممارسة التي قد تبدو مألوفة لأصحابها لكنها تحمل دلالات عميقة عند مقارنتها بغيرها. بهذا المعنى، يصبح الاختلاف ليس تهديدًا للوحدة أو الانسجام، بل شرطًا لإنتاج المعرفة، إذ إن فهم الذات لا يكتمل إلا عبر مواجهة الآخر المختلف. ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا لا تكتفي بوصف الاختلاف، بل تسعى إلى تأويله، وتحويله إلى مدخل لفهم التنوع البشري، حيث تُقرأ الرموز والطقوس والعادات في ضوء ما تكشفه من تمايزات داخلية وخارجية.

لقد كان الاختلاف في الأنثروبولوجيا الكلاسيكية يُستخدم غالبًا لتأكيد مركزية الثقافة الغربية في مواجهة "الآخر البعيد"، لكن الفكر الأنثروبولوجي الحديث أعاد صياغة هذا المفهوم ليصبح أداة نقدية تكشف عن حدود تلك المركزية، وتعيد الاعتبار للمعرفة المحلية وللتجارب المتعددة التي تشكل العالم. فالاختلاف هنا ليس مجرد مقارنة بين "نحن" و"هم"، بل هو عملية معقدة من التفاعل والتفاوض، حيث يُعاد تعريف الهوية باستمرار في مواجهة التباينات الثقافية والاجتماعية. وهكذا، يتحول الاختلاف إلى فضاء للتأمل في معنى الإنسانية نفسها، وإلى وسيلة لفهم كيف تُبنى المجتمعات وتُعيد إنتاج ذاتها عبر التمايز والتنوع.

إن الأنثروبولوجيا الحديثة ترى أن الاختلاف ليس حالة استثنائية، بل هو القاعدة التي يقوم عليها الاجتماع البشري. فكل مجتمع يحمل داخله اختلافات طبقية، جندرية، دينية، وإثنية، وهذه الاختلافات هي التي تمنحه ديناميكيته وتجعله قابلًا للتطور. ومن ثم، فإن دراسة الاختلاف لا تعني فقط النظر إلى ما يميز ثقافة عن أخرى، بل أيضًا إلى ما يميز الأفراد داخل الثقافة الواحدة، وكيف يُعاد إنتاج السلطة والمعنى عبر هذه التمايزات. بهذا الشكل، يصبح الاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث أداة لفهم الإنسان في تعدده، ولتفكيك التصورات السائدة عن الوحدة والانسجام، ولإعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والآخر في عالم يتغير باستمرار.

الهوية والاختلاف في زمن العولمة

تتخذ الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي أبعادًا جديدة ومعقدة في زمن العولمة، حيث لم يعد الانتماء الثقافي أو الوطني قائمًا على حدود جغرافية واضحة أو على استمرارية تقليدية، بل أصبح يتشكل في فضاء مفتوح تتداخل فيه الشبكات الاقتصادية والسياسية والرقمية. الهوية هنا تتحول إلى عملية تفاوض مستمرة بين المحلي والعالمي، بين الأصالة والاندماج، وبين الانتماء الوطني والانتماء الكوني. فالعولمة لا تذيب الهويات بالضرورة، لكنها تعيد صياغتها في أشكال هجينة تجمع بين عناصر متعددة، ما يجعل الفرد يعيش في حالة من التعدد والانفتاح، وأحيانًا في حالة من التوتر والازدواجية.

الأنثروبولوجيا الحديثة تقرأ هذه التحولات بوصفها جزءًا من ديناميكيات جديدة للعلاقات الإنسانية، حيث يصبح الاختلاف ليس فقط بين الثقافات، بل أيضًا داخل الثقافة الواحدة، نتيجة لتأثيرات الهجرة، الإعلام الرقمي، وتدفق الرموز والمعاني عبر الحدود. في هذا السياق، يُعاد تعريف الهوية باستمرار، وتصبح مسألة "من نحن؟" مرتبطة بالقدرة على التفاعل مع الآخر المختلف، سواء كان هذا الآخر قريبًا أو بعيدًا، واقعيًا أو افتراضيًا. وهكذا، فإن الهوية في زمن العولمة لم تعد مجرد علامة على الانتماء، بل فضاء للتفاوض بين قوى متعددة، حيث يتقاطع الفرد مع الجماعة، والمحلي مع العالمي، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

بهذا المعنى، يصبح الاختلاف في زمن العولمة أداة لفهم كيف تُبنى الهويات الجديدة، وكيف يُعاد إنتاج السلطة والمعنى في عالم متغير. فالأنثروبولوجيا لا تكتفي بوصف هذه الظواهر، بل تسعى إلى تحليلها بوصفها جزءًا من إعادة تشكيل الإنسانية نفسها، حيث تتداخل الثقافات وتتفاعل في فضاءات جديدة، وتُعاد صياغة الهوية في مواجهة تحديات الانفتاح والاندماج والرقمنة.

المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة

في المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة، لم يعد الهدف مجرد وصف المجتمعات أو تسجيل ممارساتها اليومية، بل أصبح التركيز منصبًا على تحليل البُنى العميقة التي تنتج الهوية والاختلاف، وعلى مساءلة السلطة والمعنى الكامن وراء هذه البُنى. الأنثروبولوجيا اليوم تتحرك بين مستويات متعددة: فهي تدرس الرموز والطقوس بوصفها لغة ثقافية، وتفكك الخطابات السياسية والاجتماعية التي تُعيد إنتاج الهوية، كما تنفتح على الفضاء الرقمي لفهم كيف تُبنى الذات في عالم افتراضي يتجاوز الحدود المكانية التقليدية. هذا التحول يعكس انتقال الأنثروبولوجيا من كونها علمًا وصفيًا إلى كونها علمًا نقديًا، يسائل المركزية الغربية، ويعيد الاعتبار للمعرفة المحلية، ويكشف عن التوترات بين السلطة والمعنى في تشكيل الهوية.

المقاربة المعاصرة أيضًا تتبنى أدوات جديدة، مثل الأنثروبولوجيا الرقمية التي تدرس التفاعلات في وسائل التواصل الاجتماعي، والأنثروبولوجيا السياسية التي تركز على العلاقة بين الهوية والسلطة، والأنثروبولوجيا الرمزية التي تقرأ الطقوس والعادات بوصفها نصوصًا ثقافية. في هذا السياق، يصبح الأنثروبولوجي ليس مجرد مراقب خارجي، بل مشارك في عملية إنتاج المعرفة، حيث يُعيد التفكير في موقعه ودوره، ويعترف بأن كل قراءة للهوية والاختلاف هي أيضًا فعل تأويلي مشروط بسياق الباحث نفسه. وهكذا، فإن المقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة تضع الهوية والاختلاف في قلب النقاش حول الإنسان، وتفتح المجال أمام فهم أعمق للعلاقات الإنسانية في عالم يتغير باستمرار، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في شبكة معقدة من المعاني والدلالات.

الهوية كحقل للتفاوض والتأويل

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، تُفهم الهوية كحقل للتفاوض والتأويل أكثر من كونها معطىً جاهزًا أو حقيقة نهائية. فهي ليست مجرد انعكاس لانتماء ثابت، بل عملية معقدة تتداخل فيها السلطة والمعنى، حيث يُعاد تعريف الذات باستمرار في مواجهة الآخر المختلف. الهوية هنا تُبنى عبر الخطاب والممارسة، وتُعاد صياغتها في سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية متغيرة، ما يجعلها دائمًا مفتوحة على احتمالات جديدة. ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال حول الهوية سؤالًا حول من يملك حق تعريف الذات، وكيف تُستخدم الرموز والمعاني لتثبيت أو زعزعة هذا التعريف. فالهوية ليست فقط شأنًا فرديًا، بل هي أيضًا أداة جماعية تُوظف في الصراع على السلطة، وفي إنتاج الشرعية، وفي بناء الحدود بين "نحن" و"هم".

الاختلاف في هذا السياق لا يُفهم كتهديد، بل كجزء من عملية التفاوض نفسها، إذ يُعاد من خلاله تحديد الهوية وتوسيعها أو تضييقها. فالمجتمعات لا تعيش في انسجام مطلق، بل في توترات مستمرة بين مكوناتها، وهذه التوترات هي التي تمنح الهوية معناها وحيويتها. ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا الحديثة ترى أن الهوية ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي نص مفتوح للتأويل، يُكتب ويُعاد كتابته باستمرار عبر التفاعل بين الأفراد والجماعات، وبين المحلي والعالمي، وبين الماضي والحاضر. بهذا المعنى، تصبح الهوية فضاءً للتفاوض، حيث تُمارس السلطة ويُنتج المعنى، وحيث يُعاد تعريف الذات والآخر في شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية.

البعد المعرفي والنقدي للهوية والاختلاف

في الفكر الأنثروبولوجي الحديث، يبرز البعد المعرفي والنقدي للهوية والاختلاف بوصفه محورًا أساسيًا لفهم كيفية إنتاج المعرفة ذاتها. فالأنثروبولوجيا لا تدرس الهوية والاختلاف فقط كظواهر اجتماعية، بل أيضًا كآليات معرفية تحدد كيف يُبنى العلم وكيف تُمارس السلطة داخل الحقول الأكاديمية والثقافية. الهوية هنا تُفهم كإطار معرفي يحدد من يملك حق الكلام والتمثيل، والاختلاف يُقرأ كأداة تكشف عن حدود هذه المعرفة وتفضح انحيازاتها. ومن هذا المنطلق، يصبح التفكير في الهوية والاختلاف ليس مجرد دراسة للثقافات، بل أيضًا مساءلة للأنثروبولوجيا نفسها، وللمناهج التي استخدمتها عبر تاريخها في تمثيل الآخر.

لقد أظهرت الدراسات النقدية وما بعد الكولونيالية أن الهوية والاختلاف كثيرًا ما استُخدما في الماضي لتكريس المركزية الغربية، حيث جرى تصوير الآخر بوصفه "مختلفًا" بشكل جوهري، ما منح الغرب موقعًا مهيمنًا في إنتاج المعرفة. لكن الأنثروبولوجيا المعاصرة أعادت النظر في هذه الممارسات، وسعت إلى بناء مقاربة أكثر توازنًا، تعترف بالمعرفة المحلية، وتُعيد الاعتبار لتجارب المجتمعات التي كانت تُدرس بوصفها موضوعًا خارجيًا. بهذا الشكل، يصبح الهوية والاختلاف مجالًا لإعادة التفكير في علاقة الباحث بالمبحوث، وفي كيفية إنتاج خطاب علمي أكثر عدالة وشمولًا.

إن هذا البعد المعرفي يفتح المجال أمام الأنثروبولوجيا لتكون علمًا نقديًا يراجع نفسه باستمرار، ويكشف عن التوترات بين السلطة والمعرفة، وبين الذات والآخر، ليس فقط في المجتمعات المدروسة، بل أيضًا في الحقل الأكاديمي ذاته. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث لا يقتصران على دراسة الإنسان في سياقاته الاجتماعية، بل يتجاوزان ذلك إلى مساءلة البُنى المعرفية التي تحدد كيف نفكر في الإنسان، وكيف نعيد إنتاج معاني الانتماء والاختلاف في عالم يتغير باستمرار.

الهوية كعملية مفتوحة والاختلاف كشرط للفهم

يتضح في الختام أن الهوية والاختلاف في الفكر الأنثروبولوجي الحديث ليسا مجرد موضوعين للدراسة، بل هما إطاران لفهم الإنسان في عالم متغير ومعقد. الهوية لم تعد تُفهم كجوهر ثابت أو معطى طبيعي، بل كعملية اجتماعية وثقافية تتشكل باستمرار عبر التفاعل مع الآخر، ومع القوى السياسية والاقتصادية التي تعيد صياغة معنى الانتماء. أما الاختلاف، فقد تحول من كونه علامة على التباين إلى أداة معرفية أساسية، تُستخدم لفهم التنوع البشري، ولتفكيك التصورات السائدة عن الوحدة والانسجام، ولإعادة التفكير في العلاقة بين الذات والآخر.

العولمة والرقمنة والهجرة أعادت تشكيل الهوية في أشكال هجينة، حيث يعيش الفرد في حالة من التعدد والانفتاح، وأحيانًا في حالة من التوتر والازدواجية. والمقاربة الأنثروبولوجية المعاصرة لم تعد تكتفي بالوصف، بل أصبحت نقدية، تكشف عن السلطة والمعنى الكامن وراء بناء الهوية، وتقرأ الاختلاف بوصفه فضاءً للتفاوض والتأويل. وهكذا، فإن الهوية والاختلاف يشكلان معًا شبكة من العلاقات الإنسانية التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، حيث تتقاطع الثقافة مع السلطة، والمعرفة مع التجربة، والذات مع الآخر في فضاء مفتوح على احتمالات جديدة.

إن الدرس الأهم الذي يقدمه الفكر الأنثروبولوجي الحديث هو أن الهوية ليست حقيقة نهائية، بل نص مفتوح يُعاد كتابته باستمرار، وأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل شرطًا لفهم الإنسان في تعدده. ومن هنا، فإن التفكير في الهوية والاختلاف لا يعني فقط دراسة الماضي أو الحاضر، بل أيضًا استشراف المستقبل، حيث سيظل الإنسان في حالة تفاوض دائم مع ذاته ومع الآخر، في عالم يتغير باستمرار ويعيد صياغة معاني الانتماء والاختلاف.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

(1850- 2026)

رأينا في المقال السابق كيف أسهم النسق الإصلاحي العقلاني الذي ساد مرحلة النهضة في منح التدين قدرةً ملحوظة على التعايش مع التحولات الحديثة، كما أتاح قدرًا من التقارب بين المتفقهين والمثقفين داخل فضاء فكري واجتماعي مشترك، حيث لم تكن الحدود بين الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والسياسي قد اكتسبت بعدُ طابعها الصارم الذي عرفته المراحل اللاحقة.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا، إذ بدأت التحولات السياسية والاستعمارية تعيد تشكيل مفهوم التدين ووظيفته داخل الوعي الجمعي العربي، ليدخل في مسارات جديدة أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وفي هذا المقال ننتقل إلى دراسة المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى حتى منتصف القرن العشرين، للوقوف على أبرز التحولات التي طرأت على مفهوم التدين في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية التي شهدها العالم العربي والإسلامي آنذاك، حيث نجد أن مفهوم التدين بدأ يتحرك داخل نسق مغاير تمامًا لما كان عليه في لحظة النهضة؛ إذ لم تعد الأسئلة المركزية تدور حول الإصلاح والعمران والتحديث بقدر ما أصبحت تدور حول الهوية والبقاء والمقاومة.

فمع توغل الاستعمار في المجال العربي والإسلامي، وتهاوي ما تبقى من البنى الجامعة التقليدية، بدأ الوعي الجمعي يعيش حالة قلق حضاري حاد، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الشبيبة إلى البحث عن ملاذ رمزي يعيد إليها الشعور بالتماسك والانتماء. وهنا بالتحديد بدأ التدين يتحول من كونه مشروعًا إصلاحيًا مفتوحًا إلى كونه هوية مقاومة ومشحونة بالتوتر الحضاري.

ولعل الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه هنا أن هذا التحول لم يكن وليد التنظير الفكري وحده، بل كان ثمرة نسقية معقدة تشابكت فيها الهزائم السياسية مع التفكك الاجتماعي ومع تغوّل النموذج الغربي في التعليم والإدارة والثقافة. فقد شعر كثير من الناس آنذاك أن المجال العام يُعاد تشكيله بعيدًا عن المرجعية الإسلامية، وأن الدولة الوطنية الناشئة تتجه تدريجيًا نحو أنماط من العلمنة والإدارة الحديثة لا تمنح الدين موقعه المركزي الذي كان يحتله سابقًا. ومن ثَمّ، بدأ التدين يكتسب وظيفة دفاعية جديدة، لا بوصفه علاقة روحية وأخلاقية فحسب، بل بوصفه وسيلة لحماية الذات الحضارية من الذوبان داخل الأغيار.

وفي هذا السياق تحديدًا ظهرت الحركات التنظيمية الحديثة التي أعادت بناء مفهوم التدين على أسس أكثر حركية وانضباطًا. ولم يعد التدين مجرد تجربة فردية مرتبطة بالتزكية والعبادة، بل صار يدخل شيئًا فشيئًا في بنية التنظيم والتعبئة وإعادة تشكيل المجتمع. وهنا يبدوا التحول بالغ الأهمية؛ لأن التدين بدأ ينتقل من فضاء المسجد والكتاب والمدرسة إلى فضاء الجماعة والتنظيم والنسق الحركي المغلق أحيانًا. والأمر الذي يقودنا إلى ملاحظة فارقة أن صورة «المتدين» نفسها بدأت تتغير داخل الوعي الجمعي، فلم يعد المتدين هو ذلك الإنسان المنصرف إلى إصلاح نفسه ومجتمعه بهدوء، بل أصبح في بعض السياقات هو الإنسان المنخرط في مشروع تعبوي واسع يسعى إلى إعادة صياغة المجال العام بأكمله.

ومع تزايد الاستقطاب السياسي والفكري، بدأت بعض النهوج التنظيمية تميل إلى رسم حدود حادة بين «المتدين» و«غير المتدين»، وهي الحدود التي ستتضخم لاحقًا بصورة أكثر حدة. فقد تحوّل التدين تدريجيًا إلى غرابيل اجتماعية وثقافية يتم من خلالها تصنيف الناس والحكم على وعيهم ودرجة التزامهم. وشيئًا فشيئًا، أخذت بعض المظاهر الشكلية تحتل موقعًا متقدمًا في تعريف التدين داخل المخيال الشعبي، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المرتبطة بالأخلاق والعمران والحرية والعدالة. ومن هنا بدأت تظهر البذور الأولى لذلك الانزياح الذي سيقود لاحقًا إلى اختزال الدين في مظاهر جزئية أو شعارات مغلقة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام بعض المجترئين كي يحتكروا الحديث باسم الدين ذاته.

ناهیک عن أن التحولات الدولية آنذاك أسهمت بدورها في إعادة تشكيل التدين داخل المجال العربي والإسلامي؛ فصعود القوميات الحديثة، وانهيار الخلافة العثمانية، وتزايد الخطاب الاستعماري، كلها عوامل دفعت قطاعات من الشبيبة إلى النظر إلى التدين بوصفه آخر الحصون المتبقية في مواجهة التفكك الحضاري.

غير أن المشكلة لم تكن في هذا الشعور في ذاته، بل في الكيفية التي أُعيد بها تشكيله داخل بعض الأنساق الحركية المغلقة، بحيث تحوّل أحيانًا من قوة أخلاقية منفتحة إلى أداة للمفاصلة والاستقطاب. وهنا بالتحديد بدأ التدين يفقد شيئًا من طابعه الإصلاحي الرحب الذي ميّز لحظة النهضة، ليدخل تدريجيًا في مسارات أكثر توترًا واحتقانًا، الأمر الذي سيبلغ ذروته لاحقًا مع مرحلة الصدام الأيديولوجي والدولة الوطنية بعد منتصف القرن العشرين.

وإذا ما حاولنا الاقتراب من المرحلة الممتدة منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى ما قبل الثورات العربية، نجد أن مفهوم التدين بدأ يدخل طورًا جديدًا مختلفًا في بنيته ووظيفته معًا؛ إذ لم يعد التدين في هاتيك اللحظة خاضعًا بالكامل لسلطة المؤسسة الدينية التقليدية، ولا لسلطة التنظيمات الحركية المغلقة كما كان في العقود السابقة، بل بدأ يتحرك داخل فضاء سيّال ومفتوح أعادت تشكيله العولمة والفضائيات والثورة الاتصالية المتسارعة.

ومن هنا تحديدًا بدأت تتفكك النسقية الصلبة التي حكمت التدين طوال عقود، لتحل محلها حالة من التعدد والتشظي والانتقائية، الأمر الذي يقودنا إلى ما يمكن تسميته فعلًا بـ«المنطق المائي» للتدين المعاصر؛ حيث لا يقين مستقر، ولا مركزية معرفية واحدة، ولا سلطة قادرة على احتكار تشكيل الوعي الجمعي كما كان الأمر سابقًا. فقد شهد حاضرنا المعيش آنذاك انفجارًا هائلًا في وسائل الإعلام الديني، بدءًا من أشرطة الكاسيت التي هيمنت في الثمانينيات، وصولًا إلى القنوات الفضائية العابرة للحدود في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.

وهنا ظهر ما يمكن وصفه بـ«التدين الإعلامي»؛ إذ لم يعد المتدين يتلقى معارفه عبر حلقات العلم التقليدية أو المؤسسات التعليمية وحدها، بل صار يتشكل عبر الشاشات والبرامج الجماهيرية والخطابات السريعة التي تخاطب العاطفة أكثر مما تبني المعرفة العميقة. والأمر الذي يبدوا بالغ الدلالة أن صورة الشيخ نفسها تغيرت؛ فلم يعد الشيخ مجرد متفقه أو عالم تقليدي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى شخصية جماهيرية قادرة على التأثير في الشبيبة عبر الأداء الإعلامي والكاريزما واللغة المبسطة.

وفي هذا السياق برز نمط جديد من التدين يمكن وصفه بالتدين الانتقائي أو الفرداني؛ إذ أخذ الأفراد يُعيدون تركيب تدينهم بأنفسهم خارج الأنساق التقليدية الصارمة. فلم يعد الإنسان ملتزمًا بنهج فقهي أو حركي واحد، بل صار ينتقي من الخطابات والفتاوى والممارسات ما يتوافق مع تجربته الشخصية وواقعه الاجتماعي.

 ومن ثَمّ، أصبح التدين أكثر مرونة وسيولة، لكنه في الوقت ذاته فقد كثيرًا من تماسكه المعرفي القديم. وهنا بدأت تظهر ظواهر شديدة التعقيد؛ كتدين الاستهلاك، والتدين المناسباتي، والتدين العاطفي السريع، وهي ظواهر لم تكن مألوفة بالصورة ذاتها في المراحل السابقة. ناهیک عن أن العولمة الثقافية أعادت هي الأخرى تشكيل علاقة الشبيبة بالدين والهوية. فقد وجد كثير من الشباب أنفسهم يتحركون بين عوالم متناقضة؛ عالم محلي محافظ، وعالم رقمي عالمي مفتوح على كل الأفكار والصور وأنماط الحياة. وهذا التداخل بين الأنساق المختلفة خلق حالة من القلق الهوياتي المستمر، الأمر الذي دفع بعضهم إلى مزيد من التشدد والانغلاق، بينما دفع آخرين إلى أنماط من التدين الخفيف أو الرمزي أو حتى الانفصال التدريجي عن المجال الديني كله.

وهنا يبدوا أن الأزمة لم تعد أزمة التزام ديني فحسب، بل أزمة معنى وهوية وموقع داخل عالم متغير بصورة متسارعة. ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن التدين أصبح أكثر قابلية للتسليع والاستهلاك الإعلامي. فقد دخل السوق بقوة إلى المجال الديني، وتحول بعض الخطاب الدعوي إلى منتج جماهيري يخضع لقوانين المشاهدة والتأثير والانتشار. ومن هنا ظهرت شخصيات دعوية جديدة تخاطب الطبقات الوسطى بلغة التنمية البشرية والنجاح الفردي أكثر من مخاطبتها للأسئلة المعرفية والروحية العميقة. وبينما رأى بعض المشككين في هذه الظاهرة نوعًا من التخفف الإيجابي من الراديكالية القديمة، رأى آخرون أنها قادت إلى تفريغ التدين من مضمونه المعرفي والتحويلي، وتحويله إلى ممارسة استهلاكية ناعمة لا تمس البنى العميقة للوعي أو السلوك.

 نخلص إذن إلى أن هاتيك المرحلة لم تشهد تراجع التدين بقدر ما شهدت إعادة تشكيله داخل نسق عالمي جديد تحكمه السرعة والسيولة وتفكك المرجعيات الكبرى. حيث خرج التدين من الأطر المغلقة القديمة، لكنه لم يدخل في المقابل إلى حالة استقرار معرفي أو أخلاقي واضحة، بل أصبح يتحرك داخل فضاء متشظٍّ تتنازعه المؤسسات الرسمية، والحركات الحركية، وقادة الرأي، والإعلام، والسوق، والمنصات العابرة للحدود.

وهكذا صار التدين أكثر حضورًا في المجال العام من جهة، وأكثر هشاشة واضطرابًا من جهة أخرى، الأمر الذي سيمهد لاحقًا للانفجار الأكبر مع الثورات العربية وصعود الإعلام الرقمي والخوارزميات في العقد التالي.

وللحديث بقية؛ إذ ننتقل في المقال القادم إلى المرحلة التالية، وهي مرحلة ما بعد الثورات العربية منذ عام 2011م وحتى وقتنا الراهن، حيث يبدو أن مفهوم التدين قد دخل أكثر مراحله سيولةً واضطرابًا منذ بدايات العصر الحديث. فلم تعد التحولات تقتصر على مضامين الخطاب الديني أو أنماط الممارسة التعبدية فحسب، بل امتدت لتطال مصادر الشرعية الدينية وآليات إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي الديني ذاته، في ظل فضاء رقمي مفتوح وتحولات اجتماعية وثقافية متسارعة أعادت رسم العلاقة بين الفرد والدين والمجتمع على نحو غير مسبوق.

***

بقلم د. بدر الفيومي

 

لَيست عُزلة المثقف حادثةً عابرة في تاريخ الفكر الإنساني، بلْ هي قَدَرٌ يتكرر كُلَّما ازدادَ وعي الإنسان بذاته وبالعالَم مِن حَوله. المثقفُ، بِحُكم موقعه بين الواقع والحُلْم، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، يجد نفسه في كثير من الأحيان غريبًا عن مُحيطه، ومُحَاصَرًا بأسئلة لا تَشغل الآخرين، ومُثْقَلًا برؤية تتجاوز حدودَ اليَومي والعابر. ومِن هُنا تبدو العُزلة تجربة وجودية عميقة يعيشها أصحابُ الفكر والإبداع في مختلف الثقافات، ولَيست انقطاعًا عن المجتمع والعالَمِ.

عِند التأمل في تجربة الأديب الأردني عيسى الناعوري (1918- 1985) وتجربة الروائي الياباني ناتسومي سوسيكي (1867- 1916)، نجد أن المسافة الجغرافية والحضارية الشاسعة بينهما لَم تمنع من التقاء تجربتيهما عند نقطة جَوهرية هي عُزلة المثقف. عاشَ كُلٌّ منهما قلقَ الإنسانِ الذي يمتلك وعيًا يتجاوز عصره، ويشعر في الوقت نفسه بثقل الانتماء إلى مجتمع يتغير بِبُطء، أوْ يتغير في اتجاه لا ينسجم معَ تطلعاته الرُّوحية والفكرية.

يُشكِّل الناعوري واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية العربية في القرن العشرين، فقدْ جمع بين الأدبِ والترجمة والعمل الثقافي، وسعى إلى بناء جسور معرفية بين الثقافة العربية والثقافات العالمية، غَير أنَّ هذه الرحلة الفكرية لَم تكن خالية من الشعور بالغربة والعزلة.

كانَ الناعوري يرى الثقافةَ رسالةً تتجاوز حدودَ الترف الفكري، لذلك اصطدمَ مِرارًا بواقع لا يَمنح المعرفةَ مكانتها المستحقة. فالمثقفُ في مجتمعات كثيرة يجد نفسه مُطالَبًا بأن يكون شاهدًا على التحولات الاجتماعية والسياسية، لكنَّه في الوقت نفسه عاجزٌ عن التأثير المباشر فيها. وهكذا تتشكل عُزلة مزدوجة: عُزلة عن العامَّة الذينَ لا يدركون أهمية مشروعه الثقافي، وعُزلة عن المؤسسات التي كثيرًا ما تنظر إلى الثقافة بوصفها هامشًا لا مَركزًا.

انعكستْ هذه التجربة في كتاباته التي تفيض بإحساس عميق بالحنين، والبحثِ عن المعنى. والناعوري لَم يكن منفصلًا عن مُجتمعه، لكنَّه كان يشعر أحيانًا بأنه يسير أمام زمنه بخطوات، فيرى مَا لا يراه الآخرون، ويَحمل هُمومًا تتجاوز حدودَ اللحظة الراهنة. ومِن هُنا كانت عُزلته عزلة المفكر الذي يزداد التصاقًا بقضايا أُمَّته كلما ازدادَ شعوره بالوَحدة.

أمَّا ناتسومي سوسيكي فقدْ عاشَ واحدةً من أكثر التجارب الفكرية تعقيدًا في تاريخ اليابان الحديث. فقدْ جاء في مرحلة انتقالية شهدت انفتاحَ اليابان على الغرب بصورة غير مسبوقة، وكانَ عليه أن يُواجه السؤالَ الكبير: كيف يمكن للإنسان الياباني أن يحافظ على هُويته وسط مَوجة التحديث الجارفة؟.

عندما أُرْسِلَ سوسيكي إلى بريطانيا للدراسة، لَم تكن الرحلة مُجرَّد انتقال جُغرافي، بلْ كانت مُواجهة حادَّة مع اختلاف الحضارات. هُناك اكتشفَ أن المعرفة الغربية التي كان يسعى إليها لا تمنحه الطمأنينة التي توقَّعها. بلْ على العكس، ازدادتْ غُربته حِدَّةً، وشعر بأنه يقف بين عَالَمَيْن لا ينتمي تمامًا إلى أيٍّ مِنهما.

وتظهر هذه الأزمة بوضوح في رواياته الكُبرى، حيث تتكرر صورة الفرد المنعزل الذي يعجز عن بناء جسور حقيقية معَ الآخرين.إنَّ أبطال سوسيكي لَيسوا أشخاصًا مهزومين بالمعنى التقليدي، بلْ هُم أفراد يمتلكون حساسية فكرية وأخلاقية عالية تجعلهم أكثر وعيًا بالتناقضات التي تُحيط بهم. لذلك، فإنَّ عُزلتهم لَيست نتيجة ضعف، وإنما نتيجة وعي مفرط يَجعل التَّكَيُّفَ معَ الواقع أمرًا بالغ الصعوبة.

أدركَ سوسيكي أنَّ التقدم المادي لا يضمن بالضرورة التوازنَ الرُّوحي، وأنَّ الإنسان قد يربح العالَمَ الخارجي، ويَخسر عالَمَه الداخلي. ومِن هُنا تحوَّلت العُزلة في أعماله إلى سؤال فلسفي حَول معنى الذات والحرية والانتماء.

وعلى الرغم من اختلاف البيئة العربية التي عاشَ فيها الناعوري عن البيئة اليابانية التي عاشَ فيها سوسيكي، فإنَّ القارئ يَلمح خيطًا إنسانيًّا مشتركًا يربط بينهما. كلاهما مثقف حَمَلَ عِبْءَ الوعي في زمن التحولات الكبرى، وكلاهما حاولَ أن يصالح بين الأصالةِ والانفتاح، وبين الانتماءِ المحلي والأفق الإنساني الواسع.

لَم تكن عُزلة الناعوري مكانية فَحَسْب، ولَم تكن عُزلة سوسيكي مُجرَّد اغتراب حضاري، بلْ كانتا تعبيرَيْن مختلفَيْن عن أزمة المثقف الذي يرى الواقعَ بعين ناقدة. وكُلما اتَّسعت المعرفةُ، اتَّسعت معها مساحة الأسئلة، وكُلما تَعَمَّقَ الوَعْي، ازدادتْ صعوبة الانسجام معَ السائدِ والمألوف.

والمثقفُ الحقيقي لا يعيش في راحة كاملة، لأنَّه يظلُّ مشغولًا بمراجعة الأفكار والقِيَم والمُسلَّمات. ولهذا تبدو العُزلة أحيانًا ثمنًا للمعرفة، وضريبة للرؤية البعيدة. وبَينما ينشغل كثيرون بما هو يَوْمي وعابر، ينشغل المثقف بمصير الإنسانِ والمجتمع والتاريخ، وهي أسئلة لا تسمح لصاحبها بالاستقرار النَّفْسي الكامل.

ومِن الخطأ النظرُ إلى عُزلة المثقف باعتبارها علامة على الانسحاب أو الهزيمة. ففي كثير من الأحيان تكون هذه العُزلة مَصدرًا للإبداعِ والتجدد الفكري. لقدْ أنتجَ الناعوري أهمَّ أعماله وهو يَحمل إحساسًا عميقًا بالمسؤولية الثقافية، كما كتبَ سوسيكي أعظمَ رواياته مِن قلبِ أزمته الوجودية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تتشكل في كثير من الموروثات الثقافية شبكة واسعة من الرموز التي تمنح الأدوار الاجتماعية معاني جاهزة وتؤثر في طريقة فهم الإنسان للإنسان. ومن أكثر هذه الرموز حضورًا صورة الثعبان والأفعى، إذ ارتبطا عبر الأزمنة بدلالات متعددة تتصل بالغموض والقوة والقدرة على التأثير والمناورة. وقد انتقلت هذه الدلالات من الأسطورة إلى الأدب، ثم تسربت إلى الوعي الاجتماعي حتى أصبحت جزءًا من المخيال الجمعي الذي يوجّه الأحكام والانطباعات بصورة غير مباشرة.

في بعض البيئات الثقافية تُسند إلى المرأة صورة الأفعى بما تحمله من إيحاءات تتصل بالغموض والجاذبية والقدرة على التأثير، بينما يُمنح الرجل صورة الثعبان المرتبطة بالمراوغة والمرونة وإدارة الصراعات من وراء الستار. ومع الزمن تتحول هذه الاستعارات إلى قوالب ذهنية تمنح الأفراد صفات مسبقة قبل التعرف إلى شخصياتهم الفعلية، فتؤثر في طبيعة العلاقات الإنسانية وفي أساليب التفاعل الاجتماعي.

وقد وجدت هذه الرموز طريقها إلى الأدب بوصفها أدوات تعبيرية تمنح النص كثافة دلالية وطاقة تصويرية. فالرمز الأدبي يستخدم صورة الحيوان للدلالة على معنى مجرد كالمكر، أو الخيانة، أو الحكمة، أو الشجاعة، فيتوجه إلى الفعل أو الصفة أو الحالة النفسية، ويمنح القارئ فرصة للتأمل والفهم. ومن هنا اكتسبت الاستعارة الحيوانية مكانتها في التراث الأدبي العالمي بوصفها وسيلة لتكثيف المعنى وإثراء التجربة الجمالية.

غير أن المشكلة تظهر عندما تغادر هذه الرموز فضاءها الفني وتتحول إلى أحكام اجتماعية جاهزة. فعند هذه النقطة يبرز ما يمكن تسميته بالتوحيش؛ أي تجريد الإنسان من إنسانيته واختزاله في صورة حيوانية تُلصق به على نحو دائم. ويتحول الرمز من أداة لفهم السلوك إلى وسيلة لتصنيف الأشخاص وإطلاق الأحكام عليهم، فتتراجع الفردية الإنسانية أمام الصور الموروثة.

ويكمن الفرق بين الرمز الأدبي والتوحيش في أن الرمز يحافظ على تعقيد الإنسان وتعدده، بينما يقود التوحيش إلى اختزاله في صفة واحدة. فالأدب الرفيع يتجه إلى كشف الدوافع والصراعات الداخلية والآثار النفسية التي تصنع السلوك البشري، ويمنح الشخصيات عمقها الإنساني بكل ما تحمله من تناقضات. وقد أثبت كبار الأدباء والشعراء أن تصوير قسوة الواقع لا يحتاج إلى الشتيمة أو الإلغاء الرمزي. ففي رواية "آنا كارنينا" لم يُقدِّم تولستوي بطلته في صورة "أفعى" بعد هجرها زوجها، وإنما رسم عالمها الداخلي بما فيه من رغبة وخوف ونشوة وندم وحيرة، فظهرت شخصية إنسانية كاملة تتجاوز الأحكام السريعة. وتكمن قوة الأدب هنا في توسيع مساحة الفهم بدل تضييقها.

وتتجلى خطورة الصور النمطية في تأثيرها على الأجيال الجديدة، إذ تُرسخ تصورات مسبقة عن الرجل والمرأة وتضعهما داخل أطر جاهزة تحدد طبيعة العلاقة بينهما. وينتج عن ذلك حضور خفي للريبة والخوف وسوء الفهم، ويتراجع التقدير الفردي للشخصية الإنسانية لصالح الأحكام الموروثة. وهكذا تتداخل السلطة الاجتماعية مع السلطة الرمزية، ويتحول الرمز الثقافي إلى عنصر فاعل في تشكيل السلوك والتوقعات المتبادلة.

إن القراءة الحضارية لهذه الرموز تتيح التعامل معها بوصفها جزءًا من التراث الإنساني ومن التاريخ الطويل للخيال البشري. فالقوة والغموض والقدرة على التأثير صفات إنسانية تتوزع بين الأفراد على اختلاف أجناسهم وخلفياتهم، ولا تستقر في رمز واحد أو فئة واحدة. ويمنح الوعي النقدي المجتمع قدرة على التمييز بين المجاز والإسقاط، وبين التعبير الفني والحكم الاجتماعي، وبين جماليات الرمز وقيود الصورة النمطية.

وعندما تستعيد الرموز موقعها الطبيعي داخل الثقافة والأدب، يتحول الثعبان والأفعى إلى صورتين قابلتين للتأمل والمراجعة والفهم، وتُقرأ العلاقات الإنسانية في ضوء الكرامة الفردية والاستقلالية والوعي المتبادل. وعندئذٍ تصبح الرمزية أداة لاستكشاف تعقيد الإنسان وثرائه، وتتحرر اللغة من النزعة إلى الاختزال، ويتسع المجال أمام رؤية أكثر عمقًا وإنصافًا للإنسان بوصفه كائنًا يتجاوز كل القوالب الجاهزة.

***

بولص آدم

بعد قريتنا نحو ستة كيلومترات عن أقرب مدرسة ابتدائية تأسست سنة 1960. كنتُ ومجموعة من أقراني من المحظوظين حين أصبحنا تلامذةً في الصف الأول الابتدائي في العام الثاني لتأسيس مدرسة المتنبي الابتدائية. لولا هذه المدرسة لبقينا أسرى مهنة الرعي، الذي كان يرسم ملامح الطفولة الريفية يومئذٍ، حيث يرث الصغار نمط حياة آبائهم في زراعة الأرض وتربية الماشية. فتحت المدرسة أمامنا نافذة على عالم أوسع، وأيقظت وعيًا جديدًا بالمعرفة والحياة. كنا نقطع يوميًا اثني عشر كيلومترًا ذهابًا وإيابًا، نسير حفاةً على درب ترابي ضيق بين الحقول. لم يكن ذلك المشوار مجرد طريق إلى المدرسة، وإنما عبور من عالم الأمية إلى عالم المعرفة. مع كل خطوة كنا نبتعد عن حياة ورثناها، ونقترب من أفق يعيد تشكيل رؤيتنا للذات والعالم. هكذا تحوّل الطريق المتعب إلى رمز للانتقال من قدر يبدو محتومًا إلى مستقبل مفتوح على إمكانات لم نكن نتخيلها.

 الأمهات كنّ الأكثر إرهاقًا في حياة الريف، لتعدد المسؤوليات التي ينهضن بها. رحلة كدحهن تبدأ مع الفجر، حين تخوض الأم مياه الجداول الباردة في أيام الشتاء، حاملةً أبناءها إلى الضفة الأخرى ليواصلوا سيرهم مشيًا إلى المدرسة. ما إن تنجز هذه المهمة حتى تلتحق بأعمال الحقل إلى جانب الأب، فتشارك في الفلاحة وسائر الأعمال الزراعية الشاقة، ثم تعود لتتابع شؤون الأسرة وإعداد الطعام البسيط. الأم عماد الأسرة ومصدر تماسكها، تحمل أعباءً ثقيلة بصبر استثنائي، وتواجه قسوة الحياة بجلَد صامت، مانحةً أبناءها ما يحتاجونه من رعاية ودفء وأمان، على الرغم من المشقة التي تستنزف طاقتها. بعض الأمهات واجهن أقدارًا موجعة حين فقدن أزواجهن بالموت، أو القتل الذي لم يكن نادرًا في القرى آنذاك. وجدت الأم نفسها وحيدة في رعاية الأيتام وتأمين معيشتهم وحمايتهم من الجوع. كانت تحمل هذه الأعباء بصبر مدهش، وتواصل حياتها بقوة تستمدها من محبتها لأبنائها وشعورها بالمسؤولية تجاههم، فتغدو تجسيدًا للتضحية الصامتة التي تترك أثرها العميق في حياة الأبناء ومستقبلهم.

من الصور الكئيبة الراسخة في ذاكرتي صورة جارتنا التي قُتل زوجها وترك لها أربعة أولاد وبنتًا في سن الطفولة. لم يترك أرضًا ولا ماشيةً ولا مالًا، فقد عاش فقيرًا ورحل فقيرًا. وجدت الأم نفسها وحيدة في مواجهة أعباء الحياة وإعالة أطفالها، غير أنها لم تنكسر أمام محنتها، وإنما اهتدت بذكاء فطري وإرادة صلبة إلى ما يوفّر الحد الأدنى من قوت الأبناء ونفقاتهم اليسيرة حدّ الكفاف. تذهب هذه السيدة يوميًا إلى منطقة كثيفة الأشواك، تبعد نحو ساعة سيرًا على الأقدام، فتقضي ساعات في قطع الشوك وجمعه وإحراقه حتى يتحول إلى فحم. تراقب النار والجمر بعناية، وتحمل الماء من الجدول القريب كي لا يتحول ما جمعته إلى رماد، كي تبيعه لتؤمّن قوت أطفالها.

 لم يكن ذلك مجرد عمل شاق، وإنما كفاح امرأة وحيدة في مواجهة الفقر، تنتزع بصبرها وإرادتها من أرض قاسية ما يحفظ لأبنائها الحد الأدنى من العيش. تكابد هذه السيدة ذلك العمل المرهق بصمت، وتحوّل كدحها اليومي إلى مورد رزق يحمي أبناءها من الفاقة. بعد اكتمال تفحّم الشوك تجمعه وتحمله إلى القرية، ثم تنطلق في اليوم التالي إلى مدينة قلعة سكر، حاملةً على رأسها نحو خمسة عشر كيلوغرامًا منه، قاطعةً، سيرًا على الأقدام، ما يقارب ثلاثين كيلومترًا ذهابًا وإيابًا. تبيع الفحم لتشتري بثمنه ما يسد الرمق لأيام قليلة، ثم تعود عند المغيب لتستأنف دورة الكفاح نفسها.

 كلما استعدت صورتها أدركت كيف استطاعت أمهات فقيرات أن ينتزعن من قسوة الحياة ما يصون أبناءهن من الجوع ويجمي كرامتهم من التسوّل، بقوة الإرادة وصبر يعجز الوصف عنه. ظل مشهدها من أكثر صور الطفولة مرارة في ذاكرتي، لأنه كان يلخّص حكاية أمهات كثيرات حملن أعباء الحياة بصمت وجَلَد نادر نيابة عن الأبناء،كل ذلك من أجل أن تؤمّن لأطفالها ما يسد رمقهم. كلما استحضرت صورتها أدركت حجم التضحيات التي قدّمتها أمهات الريف بصمت، وكيف غدت إرادتهن سندًا خفيًا حمى أسرًا كثيرة من التصدع والانهيار، في زمن كانت الحياة فيه أكثر قسوة، ولا يهب العيش للإنسان شيئًا إلا بعد كفاح يومي شاق.

على الرغم من الشقاء الاستثنائي الذي عاشته هذه الأم، لم يكن الفقر أقسى ما واجهته. كان أحد أبنائها شديد العدوانية، يؤذيها بالصراخ الغاضب والضرب، ويقابل تضحياتها بالجفاء. ما زلت أذكر مشاهد موجعة شجّ فيها رأس أمه بالفأس أكثر من مرة، فتخرج مذعورة تستغيث بأخي الكبير شريف "أبو عادل". كان مؤلمًا أن ترى أمًا تستنزف عمرها من أجل أبنائها، ثم تتلقى من أحدهم أسوأ أشكال الاحتقار والعنف. حظي أبو عادل بمكانة خاصة بين أهل القرية، لما عُرف به من إيمان واستقامة ونزاهة، ولأنه علّم نفسه القراءة والكتابة في بيئة ندر فيها مَن يقرأ ويكتب. كلما استغاثت به تلك الأم المفجوعة سارع إلى نجدتها، يواسيها ويزجر ابنها ويذكّره بحق أمه.كان أبو عادل يشفق على هذه الأم المفجوعة ويهدئ من روعها، ثم يجلس إلى ابنها محاولًا أن يوقظ في ضميره الندم ويذكّره بحق أمه. كان الفتى يهدأ أيامًا، ثم يعود إلى عنفه وعنفه.كلما استغاثت به أمه هبّ لمواساتها وتجديد محاولاته في توجيهه. حين أستعيد تلك المواقف أدرك أن بعض الأمهات لم يقعن في محنة الفقر وحده، وإنما وقعن ضحايا عقوقًا يوجع القلب، واحتملن ذلك بصبر يكاد لا يعرف حدودًا.

الأمومة جعلتها تحتمل الإهانة والعنف من غير أن تتخلى عن ابنها أو تحرمه من رعايتها. ظل قلبها مفتوحًا له مهما تمادى في جحوده. كان يدهشني صبرها النادر؛ تكابد شظف العيش والعمل المرهق، وتتحمل قسوة ابنها، فيما تبقى شفقتها عليه وحنانها نحوه لا ينطفئان. كلما استعدت سيرتها أدركت أن حياتها كانت سلسلة من المحن التي لا يحتملها إلا أصحاب الإرادة الاستثنائية. لم يلفتني حجم ما عانته بقدر ما لفتني إصرارها على حماية أطفالها وصون كرامتهم في أقسى الظروف. ستبقى صورتها حيّة في ذاكرتي، لأنها تجسد أعمق ما تختزنه بعض الأمهات من طاقة على التضحية، وكيف تنتصر قوة المحبة على الفقر والألم والجحود.

حين أتأمل سلوك هذا الابن اليوم أميل إلى أنه لم يكن عاقًا بطبعه، وإنما كان يحمل جروحًا نفسية عميقة خلّفها قتل الأب والحرمان المبكر، وهذا يعني أنه كان بحاجة إلى عيادة نفسية. في ذلك الزمان لم يعرف الناس شيئًا عن العلاج النفسي، فكانوا يفسرون مثل هذا السلوك على أنه سوء تربية، أو فساد أخلاق، أو مسّ من الشيطان. لا أريد أن أبرر عنفه تجاه أمه، غير أن ذلك يفسر جانبًا من سلوكه، ويكشف عن معاناة داخلية لم يجد من يفهمها أو يساعده على تجاوزها.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

تراكمت عبر العصور مظاهر التخلف وقائع وممارسات، أدت في المحصلة الأخیرة إلى تغییب النزعة الأنسیة العمیقة التي یحتضنها الدین الاسلامي في كل قیمه ومبادئه وشخصیاته المحوریة.

فالجهل أدى إلى عدم اكتشاف هذا المخزون الانساني الهائل التي تحتویه قیم الاسلام الفردیة والاجتماعیة، مما أدى الى التعایش البغیض بین مرجعیة فكریة تعلي من شأن الانسان وحقوقه، وبین واقع سیئ یتجه إلى المزید من تغییب البعد الانساني للحیاة.

والانحرافات الفكریة والسیاسیة، التي سادت في حقب تاریخیة متفاوتة، حالت دون ابراز المضمون الانساني للاسلام والمسلمین.

وعلى كل حال نستطیع القول: أن هناك عوامل تاریخیة ومجتمعیة عدیدة، ساهمت دون ابراز النزعة الانسیة في التجربة الاسلامیة على المستویین النظري والسلوكي.. مما أدى إلى تراجع تلك الجهود العلمیة والبحثیة والنظریة، التي تعتني بشكل موضوعي إلى ابراز هذه النزعة الأصیلة في حیاة الاسلام.

وأمام التحدیات الكبرى التي تواجه عالم الاسلام الیوم، نحن بحاجة ماسة إلى العمل الجاد لابراز النزعة الأصیلة في واقعنا وحیاتنا، بحیث تكون كل شؤون حیاتنا، منسجمة في یومیاتها بمقتضیات هذه النزعة.. وذلك لأن التقدم الحقیقي لا یقاس بمستوى توفر الأشیاء المادیة والظاهریة، وإنما بمدى التزامنا افرادا وجماعات بكرامة الانسان وحقوقه الأساسیة.

لذلك نجد أن بدایة التقدم في التجارب الانسانیة هي حینما تمكنت هذه المجتمعات، من إحداث قطیعة حقیقیة مع كل قیم وأشكال وامتهان الانسان، وسعیها الحثیث نحو ارساء معالم نزعة وثقافة جدیدة، محورها الأساسي هو الانسان، فلا تنمیة حقیقیة بدون تنمیة الانسان في أبعاده المختلفة، كما انه لا استقرار مجتمعیا بدون سیادة ثقافة تحول دون التعدي على حقوق الانسان الأساسیة.

فالأدیان القدیمة الوثنیة دمرت شخصیة الانسان، وجعلت منه مجرد قربان للآلهة، أو كائن عاجز أمام قدرة الهیة مطلقة، لذلك لم تبرز في تلك التجارب البشریة النزعة الانسانیة.. ولقد عانى الأوروبیون قبل عصر النهضة من هذه الرؤیة، حیث كانت السلطة الكهنوتیة تلغي في الانسان ذاته وإرادته وحریته لتجعل منه مجرد مخلوق علیه أن یدفع ضریبة الخطیئة الأولى استعبادا وتدمیرا وتجهیلا.. وبدأت النزعة الانسانیة في التجربة الأوروبیة كرد فعل على هذا الواقع الكنسي المریر. وتمكنت هذه التجربة بعد صراعات عمیقة وطویلة من إزاحة الجبریة اللاهوتیة التي كرستها مسیحیة القرون الوسطى في أوروبا.

أما على المستوى الاسلامي، فإن الاسلام ینظر إلى اﷲ استخلف الانسان في الأرض، وانه یمتلك القدرة على الاختیار اذ قال تعالى {إنا هدیناه السبیل إما شاكراً وإما كفوراً} وهذا المعنى یتضمن أصالة الكرامة الانسانیة، وذلك لأن الحریة من خصائص الانسان وحده، وتوفر الاستعدادات والقابلیات البشریة، وغیاب العوائق والأغلال، وعلى ضوء ذلك فان نزعة الأنسنة بما یحتضن من قیم وحقوق واجراءات هي تكلیف وواجب قبل أن تكون حقا، ولكي تتضح هذه الرؤیة من الضروري ان نوضح علاقة هذه المسألة بنظام القضاء والقدر، فالقضاء الالهي هو عبارة عن حكم اﷲ القاطع في الأحداث، والقدر الالهي عبارة عن تقدیر الظواهر والأحداث، ومن الثابت على صعید علم العقیدة والكلام عدم تعلق القضاء الالهي بأي حدث مباشرة وبلا واسطة.، وإنما یوجب كل حدث عن طریق عالمه وأسبابه فقط، أي أن القضاء الالهي یحتم أن یكون نظام العالم نظام أسباب ومسببات.

وعلى هذا فإن القضاء والقدر لیسا ضد حریة الانسان واختیاره، من هنا نجد أن الدین الاسلامي على المستوى التاریخي، حارب كل المظاهر والأعراف التي تغیب حریة الانسان أو تهین كرامته بین الانسان وأخیه على قاعدة طبقیة - مادیة، وأرسى دعائم نظریة التعارف وتجاوز كل الحواجز التي تحول دون انسانیة الانسان، إذ قال تبارك وتعالى {یا أیها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اﷲ أتقاكم} وربط الاسلام هذه القیمة الكبرى بمبدأ دفع المضار وجلب المصالح.. إذ أن نزعة الأنسنة بكل مقتضیاتها لا تنجز على الصعید العملي، الا على قاعدة توفیر المصالح التي یسعد بها الانسان ویحیا حیاة كریمة، ودفع الأضرار التي تجلب الیه الشقاء والبعد عن الجادة والحیاة الكریمة.

لذلك فقد اعتنى الدین الاسلامي إیما اعتناء بهذه المسألة، وأسس الفقه الاسلامي استنادا على النص العدید من القواعد الفقهیة والقانونیة، التي تحول دون الشقاء، وتجلب للانسان الفرد والجماعة كل أسباب المصلحة والسعادة، فقد جاء في الحدیث (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام).. اذ یقف الاسلام ضد كل الأضرار النفسیة والاقتصادیة والسیاسیة والاجتماعیة والسلوكیة، التي تؤثر سلبا في حیاة الانسان الخاصة والعامة، ولا یكتفي الدین بتأصیل وتأسیس البعد السلبي من مفهوم الأنسنة (اذا جاز التعبیر)، وإنما یسند هذا التأسیس، بنظام آخر هو استدعاء وجلب كل المصالح التي تضمن الحیاة الكریمة للانسان، التي قوامها القدرة والحریة والمسؤولیة، فالانسان في المحصلة الأخیرة، هو الذي یختار بارادة حرة صفاته وممیزاته، عالما أو جاهلا، شجاعا أو جبانا، لصا أو شریفا، وبما ان الانسان مسؤول عن أفعاله فعلیه أن یتحمل نتائجها.

وأن مسؤولیة الانسان أمام اﷲ في الاسلام، لا تعني بأي حال من الأحوال، أن یفقد الانسان حریته، بل إن المسؤولیة لا وجود لها بدون الحریة.

وعلیه فان الهدف الأعلى للاسلام في هذا الاطار، هو خلق الانسان الحقیقي بارادته الحرة ووعیه المفتوح على كل الدوائر، لینشئ علاقة حمیمة وأخویة وانسانیة مع أخیه الانسان، وعلاقة تسخیر ونماء وتطویر مع الطبیعة بأشكالها المختلفة.

وعلیه فان إزالة ركام الواقع، وتطویر منهجیات النظر والرؤیة، سیوصلنا الى قیم انسانیة علیا مستمدة من المرجعیة الاسلامیة، تلبي حاجات واقعنا إلى هذه النزعة الأصیلة، وتخرجنا من حالات الخصام مع هذا البعد على مستوى الواقع والممارسة.

فالنص الاسلامي في هذ الاطار، یزخر بامكانات غنیة وحیة ومشبعة بالمعنى، ومهمتنا تتجسد في تظهیرها وخلق الحقائق المنسجمة معها، والعمل على جعل واقعنا وممارساتنا في سیاق واحد مع هذه المعاني النبیلة.

وإننا الیوم وأزاء التداعیات الخطیرة لأحداث 11سبتمبر أحوج ما نكون على مستوى الداخل العربي والاسلامي ومستوى العلاقة مع الأمم والعوالم الأخرى، إلى ابراز القیم الانسانیة لدیننا الاسلامي الحنیف...

وهذا الابراز لا یتم فقط عبر الاطار النظري وبیان فضائل الاسلام ورؤیته للعدالة والتسامح وحقوق الانسان...

وإنما ایضا عبر تقدیم نموذج وقدوة واقعیة وهذا یحملنا مسؤولیة خطیرة في هذا الاطار، اذ المطلوب ومن مواقعنا المتعددة، تجسید قیم العدالة والعفو والتسامح في حیاتنا، بحیث تكون هذه القیم، هي سمة حیاتنا ولازمة من لوازم ممارساتنا الخاصة والعامة.

وإن تحسن أوضاعنا وخلاصنا من العدید من الأمراض المجتمعیة، مرهون الى حد بعید الى قدرتنا على الالتزام بمقتضیات ومتطلبات نزعة الأنسنة التي تحتضنها مرجعیتنا الاسلامیة في كل قیمها وأنظمتها واجراءاتها، وان التطور الحضاري العالمي، أبان ایضا عن جملة من القیم والحقوق الانسانیة، التي أصبحت جزءا من الشرعة الدولیة ومواثیق الأمم المتحدة.. مما یدفعنا الى ضرورة الاحترام العمیق لهذه القیم التي هي جسر الاستقرار السیاسي والاجتماعي، وسبیلنا الى الوفاء إلى مبادئ دیننا وقیمنا العلیا.

وفي إطار ضرورة تجلیة وتظهیر هذا البعد الهام والحیوي في واقعنا ومحیطنا من الأهمیة بمكان التأكید على النقاط التالیة:

1-  إن من المفارقات الخطیرة التي یعاني منها واقعنا العربي والاسلامي وساهمت بشكل أو بآخر في تشویه هذا الواقع على الصعید الدولي.. هي اننا حینما نتحدث عن البعد الانساني والحقوقي، نستند في حدیثنا عن البعد النظري والتاریخي، فیأتي حدیثنا في سیاق تاریخي وقیمي رفیع، مع واقع ممارسات قائمة لیست لها صلة حقیقیة بهذا السیاق والقیم الأساسیة التي نتحدث عنها.. فهي مفارقة عجائبیة، حیث إن ما ینبغي ان یكون ملیئا بالیوتیبیا والقیم النبیلة، وما هو قائم ومحسوس یرتكز في التخلف والبعد الجوهري عن تلك القیم والمثل العلیا..

وستبقى هذه المفارقة، تساهم في تشویه واقعنا في الداخل والخارج.. وان الجهد ینبغي أن یتجه نحو توحید المثال والواقع وتجسیر الفجوة بین ما ینبغي أن یكون وما هو كائن... فلا یكفي أن نتحدث عن أخلاق الاسلام وتسامحه والحقوق التي یمنحها للانسان، وإنما الضرورة الدینیة والحضاریة تلزمنا بضرورة أن یكون واقعنا كله منسجما وهذه القیم الكبرى التي نطرحها باسم الاسلام، وان كفاحنا الحقیقي لابد أن یتجه صوب الالتحام بهذا المطلق والقیم الكبرى، التي نعتبرها حجر الأساس في مشروع استقرارنا وتقدمنا.

2-  إن المسؤولیة الانسانیة، هي أساس الحق والواجب، وبالتالي فان الرؤیة الاسلامیة تستدعي في اطار المسؤولیة ونیل الحقوق بحریة الارادة، بمعنى أن الطریق الذي ترسمه الرؤیة الاسلامیة لنیل الحقوق هو الالتزام بالواجب، فكلما التزم الانسان بوظائفه وواجباته تهیأت الظروف الذاتیة والموضوعیة لنیل حقوقه، وان اي خلل یصیب هذه العلاقة، سینعكس سلبا على عموم الحیاة الاجتماعیة، ولكي یمارس الانسان مسؤولیته على أكمل وجه، بحاجة أن یتحرر من كل الشهوات والأهواء التي تحاول ان تدفعه الى الحضیض، فبمقدار تمكن الانسان من التحرر من أهوائه ونزعاته الشیطانیة بذات المقدار یتمكن من الاستفادة من بركات المسؤولیة الانسانیة والاختیار الحر..

لذلك جاء في المأثور (وأكرم نفسك عن كل دنیئة وإن ساقتك الى الرغائب فانك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا) من هنا فان الحریة المعنویة (التحرر من الأهواء والشهوات) هي بوابة ممارستها في الواقع الخارجي بصورة منسجمة والمنظور الحقوقي.

3-  ضرورة الانفتاح والتواصل العمیق مع مفهوم الكرامة الانسانیة المستنبط من قوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطیبات وفضلناهم على كثیر ممن خلقنا تفضیلا} (الاسراء الآیة 70)، وذلك لأن هذا المفهوم الذي أرسى دعائمه الباري عز وجل في كتابه العزیز، یعد هو جذر الحقوق كلها.. وان المطلوب في كل العصور والأزمنة، هو الوفاء والالتزام بمقتضى ومتطلبات هذا المفهوم وآفاقه المفتوحة على القیم الربانیة ومنجزات الانسان في العصر الحدیث.

وخلاصة القول: إن تطورات العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تدفعنا في المجالین العربي والاسلامي الى ضرورة العمل على إبراز وتجسید قیم الانسان وحقوقه في مختلف مجالات حیاتنا، وذلك لأن خلق النموذج الراقي في الداخل العربي والاسلامي، هو أنجع استراتیجیة للرد على الحملات الاعلامیة الغربیة المضادة لعالمنا العربي والاسلامي.

***

أ. محمد محفوظ

 

لم تعد الرقمنة مجرد مرحلة تقنية إضافية في تاريخ التطور الإنساني، بل تحولت إلى منطق جديد يعيد ترتيب العالم من الداخل، بهدوء يشبه تحولات البنى العميقة التي لا تُرى في لحظتها، لكنها تغيّر كل شيء بعد ذلك. فما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بتطور الأدوات، وإنما بإعادة تشكيل الإنسان نفسه، وإعادة تعريف علاقته بالسلطة والمعرفة والاقتصاد والزمن والآخرين.

 لقد دخل العالم عصرا لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد وسيلة في يد الإنسان، بل أصبحت بيئة كاملة يعيش داخلها، ويتحرك وفق إيقاعها، ويعيد بناء وعيه من خلالها. 

إن التحول الرقمي لم يغيّر طريقة التواصل فقط، بل غيّر معنى الحضور الإنساني ذاته. فالفرد المعاصر لم يعد يعيش داخل المجال العمومي التقليدي الذي كانت تصنعه المدرسة والشارع والأسرة والمؤسسات، بل أصبح يعيش داخل فضاءات رقمية مفتوحة تُنتج أنماطا جديدة من الإدراك والانتماء والتأثير.

 الإنسان اليوم يعمل عبر المنصات، يستهلك عبر المنصات، يتعلم عبر المنصات، يحب عبر المنصات، ويعبّر عن غضبه وآرائه وأحلامه داخل فضاء تتحكم فيه الخوارزميات أكثر مما تتحكم فيه الإرادات الحرة.  لقد انتقل العالم من مجتمع المؤسسات إلى مجتمع المنصات؛ من سلطة القانون الترابي إلى سلطة التدفق الرقمي.

ولم تعد القوة تقاس فقط بما تمتلكه الدول من حدود وجيوش ومؤسسات، بل بما تمتلكه المنصات من بيانات وقدرة على التوجيه وإعادة تشكيل الوعي الجماعي. فالشركات الرقمية الكبرى لم تعد مجرد فاعلين اقتصاديين، بل تحولت إلى قوى فوق-وطنية تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام، وفي السوق، وفي السياسة، بل وحتى في تعريف الحقيقة نفسها.

 إن أخطر ما في هذه السلطة الجديدة أنها لا تُمارَس بالعنف المباشر، بل بالإغراء الناعم. فالخوارزمية لا تأمر، لكنها توجّه؛ لا تفرض، لكنها تقترح؛ لا تمنع، لكنها تخفي. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى للعصر الرقمي: الإنسان يعتقد أنه يمارس حريته كاملة، بينما تتحكم أنظمة غير مرئية في ما يراه، وما يستهلكه، وما يصدقه، وحتى في ما يغضبه أو يسعده.

لقد تحولت السلطة من مراقبة الأجساد إلى هندسة الانتباه، ومن ضبط السلوك بالقانون إلى تشكيل الرغبات عبر الشاشة.  ومن هنا تظهر الأزمة العميقة التي تواجه الدولة الحديثة. فالدولة التي تأسست تاريخيا على السيادة القانونية والحدود والمؤسسات، تجد نفسها اليوم أمام فضاءات رقمية لا تعترف بالحدود التقليدية. القانون الوطني يتحرك داخل جغرافيا محددة، بينما المنصة تتحرك داخل فضاء كوني عابر للقارات.

إن الدولة تبني شرعيتها على التنظيم القانوني، بينما تبني المنصات قوتها على سرعة التدفق والتحكم في البيانات. ولهذا أصبح السؤال القانوني المعاصر أكثر تعقيدا من أي وقت مضى: من يملك السلطة الحقيقية اليوم؟ هل هي المؤسسات المنتخبة، أم الخوارزميات التي تدير المجال الرقمي العالمي؟  لقد ظهرت تحديات قانونية لم تكن مطروحة في الأزمنة السابقة. فمن يملك المعطيات الشخصية للأفراد؟ ومن يحق له استثمارها اقتصاديا وسياسيا؟ وإذا ارتكب الذكاء الاصطناعي خطأ أو تسبب في ضرر، فمن يتحمل المسؤولية؟ هل يمكن للقانون التقليدي أن يواكب أنظمة تتعلم ذاتيا وتتخذ قراراتها داخل بنى خوارزمية معقدة؟ ثم كيف يمكن حماية حرية التعبير دون السقوط في فوضى الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية؟ وكيف يمكن بناء عدالة رقمية دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان؟ .

 إن المأزق الحقيقي يكمن في أن التكنولوجيا تتحرك بسرعة هائلة، بينما يتحرك القانون ببطء المؤسسات وتراكم التشريعات. ولهذا يبدو العالم الرقمي وكأنه يسبق دائما قدرة الدولة على التنظيم والمراقبة والتقنين. فكلما حاول القانون الإمساك بتحول جديد، كانت التكنولوجيا قد تجاوزته بالفعل نحو تحولات أكثر تعقيدا.

 لكن القضية لا تتعلق فقط بمستقبل القانون، بل بمستقبل الإنسان نفسه. فالرقمنة لا تعيد تشكيل المؤسسات فقط، وإنما تعيد تشكيل الإدراك الإنساني والذاكرة والعلاقات الاجتماعية. لقد أصبح الإنسان المعاصر أسير التدفق المستمر للمعلومات، سريع الاستهلاك، سريع النسيان، يعيش داخل زمن متشظّ لا يمنحه فرصة التأمل العميق. كما أصبحت العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة، لأن المنصات لا تنتج فقط وسائل للتواصل، بل تنتج أيضا أنماطا جديدة من العزلة المقنّعة. فالصداقة أصبحت افتراضية، والانتماء متقلبا، والهوية نفسها قابلة لإعادة التشكيل داخل فضاء رقمي سريع التحول.  بل إن المنصات لم تعد تؤثر فقط في السلوك، وإنما في الذوق والقيم والوعي الجماعي.

إنها تعيد ترتيب ما نراه مهما وما نراه هامشيا، وتعيد صياغة معنى الشهرة والنجاح والحقيقة. ولذلك لم يعد السؤال الفلسفي اليوم: ماذا نفعل بالتكنولوجيا؟ بل ماذا تفعل التكنولوجيا بنا؟ وكيف تعيد بناء تصورنا لأنفسنا وللعالم من حولنا؟.

  ومع ذلك، فإن التحدي لا يكمن في رفض الرقمنة أو الحنين إلى عالم ما قبل التكنولوجيا، لأن التاريخ لا يعود إلى الوراء. الرهان الحقيقي يتمثل في بناء سيادة رقمية عادلة، قادرة على التوفيق بين الابتكار وحماية الإنسان، بين الحرية والتنظيم، بين التطور التقني والكرامة الإنسانية. فالمجتمعات التي ستنجح مستقبلا ليست تلك التي تمتلك التكنولوجيا فقط، بل تلك التي تمتلك القدرة الفكرية والأخلاقية والقانونية على توجيهها. 

إن العالم يعيش اليوم لحظة انتقال كبرى تشبه، من حيث العمق، التحولات التي رافقت الثورة الصناعية، غير أن ما يتغير هذه المرة ليس أدوات الإنتاج فقط، بل بنية الوعي الإنساني ذاته. ولهذا أصبح القانون مطالبا بأن يعيد التفكير في مفاهيمه التقليدية: السيادة، الخصوصية، العدالة، الحرية، وحتى المواطنة. لأن الخطر الأكبر لا يكمن في تطور الخوارزميات، بل في أن يتحول الإنسان تدريجيا إلى مجرد معطى داخل منظومة رقمية شاسعة، تفكر عنه، وتقرر عنه، وتعيد تشكيل وجوده دون أن يشعر.

***

د. مصطفى غَلْمان

المراهنة على العقل بوصفه ثروة وطنية

تحتل تنمية الثروة العقلية واستثمارها محلّ الصدارة في جهد العلّامة نوري جعفر، أصبح هذا الهدف محور اهتمامه الفكري والعلمي طيلة انشغاله في البحث العلمي الرصين، فانصرف كلياً للكشف عن المواهب والكفاءات وتنميتها وتوجيهها ورعايتها علمياً وتربوياً ومهنياً، ذلك أنه يَعدّ العنصر البشري جزءاً لا يتجزأ من الثروة الوطنية، ولأجل ضمان تحقيق هذا الاستثمار على خير وجه على وفق منهجية علمية مبرمجة، قدّم نوري جعفر المئات من البحوث والدراسات إلى المؤسسات العلمية والهيئات التربوية، داخل العراق وخارجه، لكي تتحول تلك الأفكار إلى واقع ملموس يرنو ببصره إليه، ليتحول إلى حقيقة ماثلة أمام عينيه، ولأنه كان يعي تماماً الصعوبات الجمّة التي كانت تعترض سبل الكشف عن مصادر الإبداع وإعاقتها، بسبب العقلية المتخلفة السائدة التي تدير أو تشرف على ميدان العلم ومؤسساته، وكثيراً ما تعرّض بسبب منهجه هذا إلى المضايقات والملاحقة، أو التهميش من قبل السلطات الحاكمة، ودفع بسبب ذلك ثمناً باهظاً فاختار الغربة، أيضاً، وعاش بعيداً عن وطنه. بألم وحسرة وهو يشهد ما أحاط بالوطن من ظلمة وخواء، يقول الراحل نوري جعفر: كان أملي كبيراً بأن يصبح مشروعنا في المستقبل غير البعيد مثالاً نموذجياً رائعاً يحتذى به في أرجاء البلاد العربية والدول النامية، وأن يتحول أيضاً بصورة تدريجية إلى أكاديمية علمية، ينصرف أعضاء الهيئة التدريسية فيها وطلابها إلى إجراء أبحاث علمية أصيلة رائدة نظرية وتطبيقية، ويعني بذلك "مشروعه الوطني " في أساليب الكشف عن المواهب العلمية وطبيعتها. وكان يحلم بأن يعرض العراق في هذا المشروع منجزاته العلمية النظرية والتكنولوجية في المحافل العلمية الدولية.

تتلخص فكرة هذا المشروع بدراسة المواهب وتحديد ماهيتها، والتي يعرّفها: أنها قدرات عقلية نادرة أو فريدة يتّصف بها بعض الناس وتعبّر عن نفسها عند النضج، بالرابطة الخفية بين الموهبة والخيال.

ومثلما يشير (فاخز عاقل – الإبداع وتربيته) وهو يبحث في طبيعة العمل الإبداعي وشروطه، الذي يعرّفه بـ (الدهشة الفعّالة)، فالبحث في وظائف الدماغ أخذ الحيز الأكبر في انشغالات نوري جعفر العلمية، في ضوء علوم الدماغ الحديثة. وكانت جلّ طروحاته تنفي وجود قدرات رياضية وغير رياضية نظرية كامنة في طبيعة الفرد، أو مسجّلة على صفحة المخ، فمحتوى القدرات العقلية جميعها ينشأ بالاكتساب البيئي وأن الخصائص المخيّة لأصحاب المواهب لا تؤدي من نفسها إلى إنتاج أي شيء إلا إذا وجدت الظروف البيئية الملائمة واستثمرها صاحبها إلى حدها الأقصى في الموضوع الذي يجنح نحوه منذ سن مبكرة، مع العلم أن تلك الخصائص موجودة بشكلها العام لدى جميع الأفراد الأسوياء بدرجات متفاوتة.

إن القدرات العقلية برأيه ليست قوة فطرية مسجّلة تتحجر على صفحة المخ، بل هي تنشأ وتتطور في مجرى الحياة اليومية، والفروق الفردية في هذه القدرات لا تدلّ على شيء آخر، سوى أن الأشخاص قادرون على القيام بجميع أوجه النشاط العقلي بدرجات متفاوتة وأن كل شخص سوى أقدر من غيره (ومن نفسه أيضاً) في مجال معين منه في المجالات الأخرى، فبعض الطلاب يتخطى أقرانه في بعض الموضوعات ويتخلف عنهم في موضوعات أخرى، وبإمكانه أن يتخطّى نفسه في موضوع أو أكثر من موضوعات الدراسة، وأن يكون مبدعاً فيها، وهذا يستلزم إتاحة فرص تعليمية واجتماعية ملائمة لجميع الطلاب ليستثمر كل منهم رصيده المخّي إلى حده الأقصى في الموضوع الذي يميل إليه.

في ضوء ما تقدم، يؤكد نوري جعفر ضرورة تجهيز الطالب منذ اليوم الأول في تعليمه مادة الرياضيات - بوصفها الميدان الأكثر واقعية في الكشف عن المواهب - بمواد حسية بصرية كثيرة ومتنوعة، وجعله يتعامل معها تمهيداً لحصول الصور الذهنية، والحسية والبصرية والتعامل معها بدل الأشياء المادية. ويستلزم كذلك تدريب الطلاب على فهم معاني المصطلحات الرياضية الملائمة وتجهيزهم بثروة لغوية رياضية مناسبة وتبسيط صوغ المسائل الحسابية والعناية بدقة التعابير المستخدمة والابتعاد عن استعمال الألفاظ والعبارات الغامضة تفادياً لحصول الالتباس في أذهانهم. وهو بذلك ينبّه إلى عقم أساليب التعليم في مراحل الدراسة الابتدائية، وبخاصة في الصفوف الثلاثة الأولى، لذا كان يدعو إلى أن يغير المعلّم موقفه السلبي من الطالب إلى موقف إيجابي يتّسم بالحنان والتوجيه وبعث الثقة بالنفس لتمكينه من التغلب على صعوبات التعلم والدراسة.

يطرح نوري جعفر أساليبه المتنوعة في رعاية الموهوبين، منطلقاً بذلك من تجارب عالمية في هذا المجال، وجد في تطبيقها، أو الإفادة منها، معيناً مهماً في ابتكار أساليب جديدة تناسب الواقع المحلي، وتكاد تجمع تلك الأساليب على رعاية الموهوبين من خلال إثراء مفردات منهج الدراسة المعتاد، بإضافة موضوعات جديدة، أو التوسع في موضوعاته أو باعتماد أسلوب التعجيل (التسريع) وذلك بالسماح للطالب بالانتقال إلى صف أعلى من صفه في أثناء العام الدراسي الواحد، فضلاً عن الرعاية الخاصة بالنشاطات الّلاصفية خارج أوقات الدوام المحدد، في ضوء برامج معدة علمياً لهذا الغرض.

ويستلزم تنفيذ هذه الأساليب القيام بمسح شامل للقدرات المتميزة في كل مدارس العراق، وتسجيل الحالات الأكثر وضوحاً في تلك القدرات منها: الرغبة الواضحة في موضوع الرياضيات والفيزياء، والميل الملحوظ نحو تعلم وإتقان المهارات الأساسية، كذلك القدرة على تعميم المادة الرياضية المتعلمة، والمرونة في إجراء العمليات الرياضية وإدراك جوهرها والقدرة على ابتكار أساليب جديدة لحل المسائل الرياضية، والإلمام بالعلاقات الرياضية العامة وبأساليب التفكير الرياضي، كذلك القدرة على اختزال خطوات العمل الذهني والميل نحو إدراك العالم الخارجي إدراكاً رياضياً، أو تحليل الظواهر البيئية وعلاقاتها تحليلاً رياضياً، والقدرة على ممارسة التفكير بشكل مقلوب، أو معكوس أي السير من المجهول والرجوع به إلى المعلوم، فضلاً عن الجرأة أو الإقدام على اقتحام المجهول. مع ضرورة توفر استقلالية التفكير الرياضي والاتصاف بالمبادرات الشخصية والابتعاد عن التقليد أو المحاكاة أو التطبيق الميكانيكي على الحالات الجديدة.

إن أحد الأسباب التي دعت نوري جعفر التركيز على حقلي (الرياضيات والفيزياء) في كشوفاته العلمية، هو إيمانه المطلق بأن تقدم الشعوب، وتمكنها من بناء حضارتها لم يأتِ من فراغ أو مجهول، بل اعتمدت كلياً في برامجها وخططها العلمية على ذينك العلمين، ووضعهما في ميدان التطبيق الفعلي والعملي. وهكذا ظلت الدول المتقدمة تتسابق من أجل تحقيق أفضل الإنجازات بفضل هذين العلمين. ولابد من الإشارة إلى الرأي الذي كان يرجع سر تفوق (الاتحاد السوفيتي) آنذاك، على الولايات المتحدة في مجال غزو الفضاء، أيام الحرب الباردة، هو تفوق علمائه الرياضيين والفيزيائيين على زملائهم في الدول الأخرى، وربما تأثر نوري جعفر بالمدرسة (السوفيتية) -إذا صح التعبير- بعد أن سنحت له الفرصة بعد تموز 1958 للاطلاع مباشرة على تلك التجربة، وهو لا يخفي هذه الحقيقة حين قدّم لكتابه (طبيعة الإنسان في ضوء فلسفة بافلوف) الصادر عام 1978 إذ يقول: أتاحت لي ثورة 14 تموز فرصة الاطلاع المباشر عن طريق اللغة الإنكليزية على منجزات الفكر السوفيتي في علم النفس وفلسفة الجهاز العصبي المركزي، فكانت حصيلة ذلك هذا الجهد الفكري المتواضع.

يلمس المتتبع لسيرة حياة هذا العالم ملامح جديدة في مواقفه السياسية والاجتماعية فيها انحياز واضح لقضايا شعبه، ويتجلى هذا الانحياز في تعاطفه الكامل مع "بافلوف" حينما يستعرض حياته يقول عنه: ومع أن "بافلوف" كان رجل علم مختبري تجريبي، إلا أنه مع ذلك لم يعزل نفسه أو علمه عن الحياة الاجتماعية التي كانت تجري من حوله فارتبط بالجماهير بكل جوارحه وعواطفه النبيلة وأعدّ العمل الشريف الذي يدرّ على صاحبه الرزق الحلال أثمن شيء في الدنيا.

البعد المنهجي لمشروعه

لم يكن مشروع نوري جعفر مجرد دعوة إصلاحية عامة، بل قام على رؤية منهجية متكاملة استندت إلى علم النفس التجريبي وعلوم الدماغ والتربية الحديثة. فهو لم يكتفِ بتشخيص أزمة التعليم، بل اقترح أدوات عملية للرصد والقياس والتوجيه، ما يمنح مشروعه قيمة أكاديمية رصينة، إذ سعى إلى تغيير الواقع التعليمي لا وصفه فحسب.

مفهوم الموهبة وعلاقتها بالخيال

تتلخص فكرة مشروعه في دراسة المواهب وتحديد ماهيتها، إذ يعرّفها بأنها قدرات عقلية نادرة تتجلى في القدرة على اكتشاف علاقات خفية بين عناصر مألوفة. وترتبط الموهبة عنده ارتباطاً عضوياً بالخيال، الذي لا يعدّه نقيضاً للعقل، بل امتداده الأكثر حرية وخصوبة.

فالخيال هو القدرة على إعادة تركيب الواقع، وعلى الجمع غير المألوف بين عناصر متباعدة، بما يفضي إلى إنتاج الجديد. وكلما ازداد الخيال ابتعاداً عن المباشر، كان أكثر رقياً، سواء في الرياضيات أو الشعر. وهذه الرؤية تضعه في تقاطع مع الفلسفات الحديثة التي ترى في الخيال قوة معرفية منتجة، لا مجرد ترف جمالي.

لم يكن مشروع نوري جعفر، في جوهره، مجرد دعوة تربوية لتطوير طرائق التعليم أو الكشف عن المواهب، بل كان، على نحو أعمق، مشروعاً لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة. فقد أدرك مبكراً أن العقل لا يُبنى بالتلقين، ولا تُستثار طاقاته الكامنة عبر التكرار الآلي، وإنما عبر ما يمكن تسميته بـ"أخلاق المعرفة"، أي ذلك الوعي الذي يجعل من التفكير فعلاً حراً ومسؤولاً في آنٍ معاً.

الرياضيات والفيزياء بوصفهما اختياراً فلسفياً

إن إلحاحه على الرياضيات والفيزياء لم يكن انحيازاً تقنياً بقدر ما كان اختياراً فلسفياً، إذ رأى فيهما النموذج الأعلى للصرامة الفكرية، حيث تتجلى القدرة على الانتقال من المحسوس إلى المجرد، ومن المعطى إلى الممكن. وهذا ما يفسر تركيزه على “التفكير المعكوس” والانطلاق من المجهول نحو المعلوم، بوصفه تمريناً على كسر النسق الذهني السائد، وتحرير العقل من أسر التقاليد الموروثة.

ومن هنا، فإن مشروعه يتجاوز حدود المؤسسة التعليمية ليغدو مشروعاً حضارياً، يراهن على إعادة تشكيل الذهنية العراقية والعربية، عبر استبدال ثقافة الامتثال بثقافة السؤال، وثقافة الحفظ بثقافة الاكتشاف. فالموهبة عنده ليست امتيازاً بيولوجياً مغلقاً، بل هي إمكانية مفتوحة، تتغذى من البيئة، وتزدهر حين تجد نظاماً تعليمياً يؤمن بالاختلاف ويحتضن التفرد.

ولعل أكثر ما يمنح تجربة نوري جعفر فرادتها، هو هذا التوتر الخلّاق بين العلمي والإنساني في مشروعه؛ فهو، وإن انطلق من علوم الدماغ والنفس، لم يغفل البعد الاجتماعي والأخلاقي للمعرفة. لذلك ظلّ حريصاً على أن يبقى العالم مرتبطاً بمجتمعه، وأن يتحول العلم إلى قوة تحرير لا أداة هيمنة، وإلى وسيلة لكرامة الإنسان لا مجرد أداة إنتاج.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى نوري جعفر بوصفه واحداً من القلائل الذين حاولوا أن يؤسسوا لعقل عربي حديث، لا يكتفي باستيراد المعرفة، بل يسعى إلى إنتاجها، ولا يرضى بالاقتباس، بل يطمح إلى الابتكار. وهو طموح، وإن بدا مؤجلاً، إلا أنه يظل ممكناً ما دام هناك من يؤمن بأن النهضة تبدأ من سؤالٍ صحيح، ومن عقلٍ يتجرأ على التفكير خارج المألوف.

جدل البيئة والقدرة

ينطلق نوري جعفر من موقف علمي واضح ينفي أن تكون القدرات العقلية معطىً فطرياً ثابتاً، مؤكداً أنها تنشأ وتتطور عبر التفاعل مع البيئة. فالفروق الفردية ليست دليلاً على امتلاك قدرات نوعية مغلقة، بل على اختلاف درجات التفعيل والاستثمار لما هو مشترك بين البشر.

وهذا الطرح يحرر التفكير التربوي من النزعة القدرية، ويحمّل المؤسسة التعليمية مسؤولية اكتشاف المواهب ورعايتها، بدل الاكتفاء بفرزها أو تصنيفها.

نقد التعليم التلقيني

في ضوء ذلك، يوجّه نقداً عميقاً للنظام التعليمي التقليدي، القائم على التلقين والاستظهار، والذي يحوّل الطالب إلى متلقٍ سلبي. ويرى أن هذه البنية التعليمية تُعطّل الإمكانات الإبداعية، وتقمع المبادرة، وتزرع الخوف بدلاً من الثقة.

ومن هنا يدعو إلى إعادة تعريف العلاقة بين المعلم والطالب، بحيث تتحول من علاقة سلطوية إلى علاقة تربوية قائمة على التشجيع والتوجيه وبعث الثقة.

أساليب رعاية الموهوبين

طرح نوري جعفر مجموعة من الأساليب لرعاية الموهوبين، منها:

إثراء المناهج الدراسية

التوسع في الموضوعات

اعتماد أسلوب التسريع

تنشيط البرامج اللاصفية

كما دعا إلى إجراء مسح شامل للقدرات في المدارس، وتحديد المؤشرات الدالة على الموهبة، مثل المرونة الذهنية، والقدرة على التعميم، والتفكير الرياضي العميق، والجرأة في اقتحام المجهول.

القيمة الحضارية للثروة العقلية

إن مفهوم "الثروة العقلية" عنده يتجاوز كونه استعارة، ليغدو مفهوماً حضارياً، يجعل من العقل ركيزة أساسية في بناء الأمم. فالتقدم لا يتحقق بالموارد الطبيعية، بل بالقدرة على اكتشاف العقول وتنميتها.

بين العلم والعدالة الاجتماعية

لم يكن مشروعه نخبوياً، بل كان مشبّعاً بروح العدالة الاجتماعية، إذ آمن بأن الموهبة يمكن أن تنشأ في أي بيئة، وأن مسؤولية الدولة هي اكتشافها أينما كانت. وبذلك يصبح التعليم أداة للإنصاف، لا مجرد وسيلة للترقي الفردي.

تتجلى أهمية مشروعه اليوم في توافقه مع الاتجاهات التربوية الحديثة، مثل:

التعلم النشط

التفكير النقدي...

التعليم القائم على حل المشكلات

ما يؤكد أنه كان مفكراً استشرافياً سبق زمنه، ارتباط مشروعه أيضاً ببعد أخلاقي واضح، إذ يرى أن العلم مسؤولية اجتماعية، وأن العالم يجب أن يبقى مرتبطاً بقضايا مجتمعه، لا معزولاً عنها.

نحو إعادة قراءة معاصرة

يظل نوري جعفر، في الذاكرة العراقية، أكثر من عالم أو تربوي، إنه مشروع لم يكتمل، وإمكانية ما تزال مؤجلة في ضمير الثقافة. فالرجل الذي راهن على العقل بوصفه ثروة وطنية، لم يكن يبحث عن نجاح فردي أو مجد شخصي، بل كان يسعى إلى تأسيس بنية ذهنية جديدة، قادرة على تحويل المعرفة إلى قوة إنتاج، والتفكير إلى فعل حضاري.

وإذا كان الزمن قد خذل مشروعه في حياته، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المشاريع لا تُقاس بمدى تحققها الآني، بل بقدرتها على البقاء كفكرة ملهمة تتحدى الإهمال والنسيان. فالأمم التي تتأخر في تكريم علمائها، لا تفقد أسماءهم فحسب، بل تفقد معها فرصاً كانت كفيلة بتغيير مسارها.

إن خطوة مجلة "الثقافة الجديدة" في استعادة نوري جعفر اليوم ليست عملاً وفائياً بقدر ما هي ضرورة معرفية، لأن مشروعه ما يزال صالحاً لأن يكون منطلقاً لإصلاح تربوي عميق، يعيد الاعتبار للعقل، ويضع الموهبة في سياقها الصحيح، بوصفها طاقة وطنية ينبغي اكتشافها ورعايتها.

إن سيرة حياة نوري جعفر، ومنجزه الفكري والعلمي، تمثل حالة فريدة من العطاء والأصالة، ومنهلاً ثراً للباحثين والدارسين وللثقافة العراقية على وجه الخصوص. فنوري جعفر إنسان ومبدع وإرث علمي بحاجة إلى اليد التي تعيد له مكانته المتميزة، وتردّ له اعتباره فحسناً لو فعلت وزارات التعليم العالي والتربية والثقافة بإعادة طبع مؤلفاته ووضعت أفكاره في مناهج التعليم موضع التطبيق، أو على الأقل لو أطلق اسمه على إحدى الجامعات أو القاعات التدريسية أو خصص يوم للاحتفاء به أو تكريمه، وتلك إجراءات لا نعتقد أنها عسيرة التحقيق لو توفّرت النوايا الطيبة لدى (أولي الأمر) في رعاية العلماء، فالبلد الذي لا يستذكر رموزه وعلماءه، أمثال: نوري جعفر ومصطفى جواد وجواد علي وعبد الجبار عبد الله ومهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر، والقائمة تطول… فإنه سيكون والله بلد عاق.

إن إعادة قراءة مشروعه اليوم ينبغي أن تتجاوز التوثيق إلى التفعيل، عبر إدماجه في إصلاح التعليم المعاصر، وبناء برامج حديثة تستلهم أفكاره.

يظل نوري جعفر أكثر من عالم أو تربوي، إنه مشروع لم يكتمل، وإمكانية مؤجلة في ضمير الثقافة. لقد راهن على العقل بوصفه ثروة وطنية، لا لتحقيق مجد شخصي، بل لبناء مستقبل جماعي.

وإذا كان الزمن قد خذل مشروعه، فإن قيمته الحقيقية تكمن في بقائه فكرة ملهمة. فالأمم التي لا تستذكر علمائها، تفقد فرصها في التقدم.

إن استعادة نوري جعفر اليوم ليست وفاءً فحسب، بل ضرورة معرفية، لأن مشروعه ما يزال قادراً على أن يكون منطلقاً لإصلاح تربوي عميق.

وما بين حلمه الذي لم يكتمل، وواقعنا الذي ما يزال يبحث عن طريقه، تبقى دعوته قائمة: أن نمنح العقل فرصته، وأن نؤمن بأن المستقبل لا يُبنى إلا بعقول تفكر.

***

جمال العتّابي

بين التشكيك والتقييم

مقدمة: طرح سؤال «ما الحاجة إلى تدريس الفلسفة اليوم؟» نفسه بإلحاح في عصر الثورة الرقمية، وهيمنة العلوم التطبيقية، وسيادة المنطق الاقتصادي-التقني على السياسات التعليمية. لم يعد هذا السؤال استفساراً بريئاً عن قيمة مادة دراسية، بل هو تعبير عن أزمة حضارية أعمق تتعلق بطبيعة الإنسان، غايات التعليم، ومستقبل الوعي البشري. يحمل السؤال في طياته توتراً جدلياً بين التشكيك (الذي يرى الفلسفة ترفاً غير ضروري أو حتى معيقاً) والتقييم (الذي يؤكد على ضرورة الفلسفة كشرط لتكوين الإنسان الكامل والمواطن النقدي). تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف مبررات طرح هذا السؤال، وتحليل أبعاده المتعددة، مع الغوص في الجدل بين الشكوك المعاصرة والحجج المؤيدة لتدريس الفلسفة، سعياً إلى فهم أعمق لمكانتها في التعليم المعاصر. فما منزلة تدريس الفلسفة في التعليم؟ ولماذا يزداد عدد الكارهين لها؟ وهل تحتاج الى مراجعة أم تثمين؟ وما مستقبل تدريسها؟ وألا يجدر بنا تعميمها وتوسيع نطاقها؟

أولاً: مبررات طرح السؤال – السياق الحضاري والتعليم

يبرر طرح السؤال عدة تحولات جذرية:

هيمنة المنطق الاقتصادي-التقني: أصبح التعليم في كثير من الدول أداة لإنتاج قوى عاملة ماهرة في مجالات العلوم، التكنولوجيا، الهندسة والرياضيات. في هذا السياق، تبدو الفلسفة غير منتجة اقتصادياً، فهي لا تقدم مهارات مباشرة قابلة للتوظيف مثل البرمجة أو التسويق.

عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي: مع توفر المعرفة الفورية عبر الإنترنت، وظهور الذكاء الاصطناعي القادر على معالجة المعلومات وتوليد نصوص، يتساءل البعض: لماذا نحتاج إلى تدريس التفكير الفلسفي إذا كانت الآلات تستطيع القيام بجزء كبير منه؟

الأزمات التربوية العالمية: تراجع مستويات التحصيل في العلوم الإنسانية، انتشار الثقافة الاستهلاكية، وتفشي الاستقطاب الإيديولوجي، كلها تدفع إلى إعادة النظر في أولويات المناهج.

السياق العربي-الإسلامي: في بيئات تعاني من توتر بين التراث والحداثة، أو بين الدين والعقل، يصبح السؤال مشحوناً بمخاوف من «الفلسفة كفتنة» أو «كأداة استعمارية ثقافية».

هذه العوامل مجتمعة تحول السؤال من مجرد نقاش تربوي إلى استفهام وجودي عن دور الإنسان في عالم يتجه نحو الآلة والكفاءة.

ثانياً: التشكيك في الحاجة إلى تدريس الفلسفة

يستند التشكيك إلى حجج قوية ومتنوعة:

الجانب العملي-الاقتصادي: في سوق عمل تنافسي، يُنظر إلى الفلسفة كمادة لا تمنح مهارات ملموسة. خريجوها قد يواجهون صعوبة في الاندماج المهني مقارنة بمهندس أو طبيب. هذا التشكيك يرى أن الوقت المخصص للفلسفة يمكن استثماره في مواد «أكثر نفعاً».

الجانب المعرفي: مع تقدم العلوم التجريبية، يبدو بعض الفلاسفة التقليديين «متجاوزين». لماذا ندرس أفلاطون أو كانط إذا كانت العلوم المعاصرة تقدم إجابات أدق حول الطبيعة والمجتمع والمعرفة والاخلاق؟

الجانب الاجتماعي-السياسي: يخشى البعض أن تدريس الفلسفة يشجع على الشك والتمرد، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي أو القيم الدينية والوطنية. في بعض السياقات، يُنظر إليها كبذرة للإلحاد أو التغريب الثقافي.

الجانب التربوي: يرى المتشككون أن الفلسفة صعبة ومجردة، وقد تسبب إحباطاً لدى الطلاب، خاصة في مراحل التعليم الأساسي. كما أن نقص الكفاءات المؤهلة لتدريسها يجعلها عرضة للتحوير أو التسطيح.

هذا التشكيك ليس سطحياً؛ إنه تعبير عن تحول حضاري يفضل «المعرفة المفيدة» على «المعرفة الحكيمة».

ثالثاً: التقييم الإيجابي – الحاجة الملحة إلى تدريس الفلسفة

في مقابل التشكيك، يقدم التقييم حججاً عميقة تؤكد أن الفلسفة ضرورة وجودية وتربوية:

تنمية التفكير النقدي والإشكالي: الفلسفة تعلم الطالب كيف يسأل، يشك، يحلل، ويبني حججاً. في عصر «ما بعد الحقيقة» والأخبار الكاذبة، تصبح هذه القدرة حصانة ضد التضليل والتلاعب.

تشكيل الهوية والوعي الذاتي: تساعد الفلسفة الفرد على فهم «من أنا؟» و«ما معنى حياتي؟» و«ما هي قيمي؟». هذا أساسي لبناء شخصية متكاملة في عالم يهدد بالتفتت والاغتراب.

التربية الأخلاقية والمواطنية: في زمن الأزمات البيئية، والذكاء الاصطناعي، والصراعات الثقافية، تحتاج المجتمعات إلى أفراد قادرين على التفكير الأخلاقي. الفلسفة توفر أدوات لمناقشة قضايا مثل العدالة، الحرية، الخصوصية، والمسؤولية تجاه الأجيال القادمة.

الربط بين المعارف: الفلسفة هي «العلوم بالعلوم»؛ إنها تجمع بين التخصصات وتعطيها معنى. بدونها، يصبح التعليم مجرد تراكم معلومات دون رؤية كلية.

الدور الحضاري: في السياق العربي الاسلامي، تمثل الفلسفة جسراً بين التراث والحداثة. إنها تسمح بإعادة قراءة نقدية للتراث، ومواجهة التحديات المعاصرة بوعي أصيل، لا تابع.

الفائدة النفسية والوجودية: تساعد الفلسفة على مواجهة القلق الوجودي، وتعزز المرونة الفكرية، وتقلل من التطرف والتعصب.

رابعاً: الجدل بين التشكيك والتقييم – نحو توازن نقدي

يظهر الجدل أن التشكيك والتقييم ليسا متناقضين تماماً، بل يمكن أن يكملا بعضهما. التشكيك يدفع إلى تجديد مناهج الفلسفة وجعلها أكثر ارتباطاً بالواقع والعلوم المعاصرة (فلسفة العلوم، فلسفة التكنولوجيا، أخلاقيات الذكاء الاصطناعي). أما التقييم فيحمي من اختزال التعليم إلى مجرد تدريب مهني، محافظاً على البعد الإنساني.

التوفيق الممكن يكمن في الفلسفة التطبيقية والإشكالية: مناهج تجعل الفلسفة أداة لفهم الواقع لا مجرد حفظ نصوص. يجب أن تكون الفلسفة حاضرة في كل مراحل التعليم، بطرق ملائمة لكل مرحلة: قصص فلسفية للأطفال، نقاشات إشكالية للمراهقين، وتحليل عميق للجامعيين.

خاتمة

يظل سؤال «ما الحاجة إلى تدريس الفلسفة اليوم؟» مشروعاً وضرورياً، لأنه يعيدنا إلى جوهر التعليم: هل نريد خريجين اكفاءً تقنياً فقط، أم نريد بشراً واعين قادرين على التفكير الحر والفعل الأخلاقي؟

التشكيك ينبهنا إلى مخاطر الفصل بين الفلسفة والواقع، بينما يؤكد التقييم أن الفلسفة ليست رفاهية بل شرط للبقاء الإنساني في عالم يتجه نحو الآلية والتسطيح. إن الحاجة إلى الفلسفة اليوم أكبر من أي وقت مضى، لأنها الضمانة الأخيرة للحرية الفكرية، والحكمة العملية، وبناء حضارة إنسانية متوازنة. تجاهل هذه الحاجة ليس مجرد قرار تربوي، بل خيار حضاري له عواقبه الخطيرة على مستقبل الوعي البشري. فمتى تصبح الفلسفة السلاح الثوري والقاطرة التنويرية التي تحمل المجتمعات الى بر الأمان؟.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

الفكرة التي اغتالها الخوف ولم تنتصر عليها الرصاصة

ما أثقل الذكرى حين تعود لا بوصفها حنينا، بل بوصفها محكمة.. تحاكم صمتنا، جبننا، ورضوخنا التاريخي بأن يدفن الضوء حيا

في مثل هذا اليوم، لم يغتال رجل فحسب بل اغتيل العقل عندما بدأ يستفيق. واغتيل السؤال حين حاول أن يمد يده نحو الحقيقة. واغتيل الأمل، لأن أمثاله لم يكونوا رجالا فقط، بل كانوا بدايات محتمله لعصر مختلف.

المأساة الحقيقية في اغتيال فرج فودة لا تكمن في الرصاصة التي اخترقت جسده، بل في المناخ الذي سبقها ومهد لها واحتفى بها أو صمت عنها. فالاغتيال لا يبدأ من فوهة البندقية، بل يبدأ من لحظة يتحول فيها السؤال إلى جريمة، والاختلاف إلى خيانة، والفكر إلى تهمة تستوجب العقاب.

حين قتل فرج فودة، لم تسكت بندقية جسدا فقط، بل سحق ما هو أعمق: ضميرا كان يكتب في زمن كان الضمير يباع في سوق المناصب والفتاوى

خسارته لم تكن خسارة مثقف أو كاتب، بل كانت خسارة نادرة لشخص امتلك الجرأة أن يفكر بصوت عالي.

في بيئة تقدس التلقين وتجرم السؤال لقد كان عقلا يمشي على الأرض، لا يريد أن يحكم، بل أن يفتح أعين المحكومين. لا يريد سلطة، بل مساحة للتفكير. ولكن ما أشد فقر الأمم حين تصبح هذه المطالب تهما يعاقب عليها القانون أو ينهيها السلاح كان خطرا، لا لأنه كان عدوا للدين كما ادعوا. بل لأنه فضح تدينهم الزائف. كان خطرا، لا لأنه حارب الإسلام، بل لأنه كشف كيف يستغل الدين ليخدر الناس، ويجرهم من نور النهار إلى كهف الطاعة العمياء

كان خطرا لأنه قال: إن أخطر ما في الفكر الظلامي ليس أنه يقتل المفكرين، بل أنه يحول الأحياء إلى موتى يخافون الكلام. وقد فهم خصومه هذا جيدا، فاختاروا قتله لا مجادلته، لأن القاتل يعرف دوما أن الهزيمة تبدأ حين يتكلم العقل

في مؤلفاته  من "الحقيقة الغائبة" إلى "الارهاب" كان يكتب وكأنه يمشي فوق حقل من الألغام، لكنه لم يتراجع. لم يختبئ خلف المجاملات، ولم يساوم على قناعاته، ولم يحاول أن يشتري السلامة بالصمت. كان مؤمنا بأن وظيفة المثقف ليست أن يردد ما يريده الجمهور، بل أن يقول ما يحتاج الجمهور إلى سماعه، حتى لو كان مؤلما.

لم يكن فرج فودة يهاجم، بل كان ينقب في عمق الموروث، يفككه بجرأة الطبيب لا بغضب الهادم. ويكتب لا ليربح جمهورا، بل ليوقظ القلة التي لا تزال تقرأ كي تفهم لا كي تسلم.

لقد أرادنا مواطنين لا رعايا، مفكرين لا مكررين، مؤمنين لا مستأجرين للإيمان

لقد خسرنا..

خسرنا مثقفا حرا في زمن صار المثقفون فيه إما أبواقا أو صامتين. خسرنا لغة العقل، واستبدلناها بلغة التخوين والتكفير والتكبير على القبور لا على الحياة. خسرنا التنوير لا ككلمة جميلة، بل كمشروع بدأه مجموعه مثقفين، وكان فرج فودة أحدهم، بل أشدهم صدقا، وأغزرهم جرأة. خسرنا درسا كبيرا، وما زلنا نكرره:

نقتل النور حين يولد، ثم نشكو من الظلام، ومع كل ذلك، لم يمت فرج فودة. لأن الذين يكتبون بصدق، يخلدون بالمعنى لا بالجسد. ولأن كل حرف من كلماته، يوقظ اليوم من لم يدركه الأمس.

فرج فودة لم يكن معصوما من الخطأ، ولم يكن نبيا يحمل وحيا مقدسا، لكنه كان يمتلك فضيلة نادرة: الشجاعة الفكرية. والشجاعة الفكرية هي أعلى مراتب الشجاعة الإنسانية، لأنها تعني أن يقف الإنسان وحيدا في مواجهة قطيع كامل، وأن يتمسك بصوته الداخلي رغم ضجيج الاتهامات والتهديدات.

ولهذا فإن ذكرى فرج فودة ليست مناسبة للبكاء، بل مناسبة للتأمل. ليست مناسبة لاستدعاء الماضي فقط، بل لمساءلة الحاضر. فالسؤال الذي تركه لنا لا يزال قائما: هل تعلمنا شيئا؟ هل أصبح العقل أكثر أمنا؟ هل صار الاختلاف حقا مكفولا؟ أم أننا ما زلنا نكرر الأخطاء ذاتها بأسماء جديدة ووجوه مختلفة؟

في ذكرى استشهاد فرج فوده نحن لا نبكي، بل نستدعيه... نستدعيه في حوار صادق فقدناه، في جامعة خافت من مناقشة التاريخ. في تلميذ يريد أن يسأل، لكن يخاف أن يسمى "مشبوها". في أم تريد أن تعلم ابنها المحبة قبل العقيدة، والحرية قبل الطاعة.

لقد فشل قاتلوه في وأد فكره، لأن النور لا يحبس في قنينة، ولا يسكت بفتوى، ولا يحاصر بالرصاصة. ها هو حي في عقول الشجعان وفي صفحات الوعي والتنوير. وفي كل سؤال صغير يطرح في حضرة فكر كبير. لم يكن نبيا، لكنه كان ضروريا.

في زمن كانت الضرورة القصوى أن نعيد اكتشاف إنسانيتنا، أن صوت العقل، وإن أخرس بالرصاص، يظل يهمس في جوف التاريخ

شكرا لك أيها المثقف القدير فرج فوده لأنك مت كما كنت: واقفا، مبتسما، متمسكا بالعقل حتى الرصاصة الأخيرة. وشكرا لأنك علمتنا أن الصمت جريمة، وأن الفكرة لا تقتل، بل تتكاثر إن أريق دمها. شكرا، استاذي لأنك منحتنا المعنى حين أرادوا أن نعيش بلا معنى. ولأنك مت واقفا، في زمن اختار الناس فيه أن يعيشوا راكعين.

سلاما على كل من دفع ثمن الكلمة الحره.. وسلاما على كل عقل قاوم الظلام، وسلاما على فرج فودة الذي أثبت، وهو يسقط برصاص التعصب، أن الجسد يمكن أن يغيب، أما الفكرة الصادقة فتبقى واقفة في وجه الزمن.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تَنْتَعِشُ الكتاَبةُ وتَحْيَاْ فِي العزلة ِ، ولكن شتَّانَ مَاْ بينَ عُزلتينِ: عزلة المكان وعزلة أنساق التَّأليف السَّائدة، إذْ تتيحُ عُزلةُ المكانِ للمؤلف وفرةً من الوقت والهدوء ومساحةً من التَّأمل فيعكف على إتمام مشاريعه، فأبو تمَّام 231هـ لَمْ تسعفْهُ الظّروفُ الجويَّة القاسية بالعودة إلى بلاده بعد تساقط الثَّلج فمكثَ فيْ خرسان وألَّفَ اختياراتِهِ الشّعريَّة التي أسماها بـ (ديوان الحماسة)، وتشاءُ الأقدارُ أنْ يقعَ الأزهريّ اللغويّ 370هـ أسيراً فيْ أيدي البدو فبعد عودته من الحج وفي الطَّريق أسرته القرامطةُ وفي أسْرِهِ انشغلَ بجمع المادة اللغويَّة ومشافهة الأَعراب مما مكَّنه من وضع معجمه (تهذيب اللغة) كما يُصرّحُ هو في مقدمته، وربما تفعلُ الظّروفُ النَّفسيَّة فعلها فتدفعُ المؤلفَ نحو عزلة الآخرين فيستثمرُ عزلتَهُ بنتاجٍ فكريّ ما، فجلالُ الدين الرّوميّ 672هـ بعد غياب ملهمه وشيخه شمس التَّبريزيّ بحادثٍ غامضٍ ومفاجئ بسبب ضيق المحيطين بوجود شمس بالقرب منه يمر باغترابٍ روحيّ فيعتزلُ المحيطين به فيبدعُ أهمَّ نتاجاته الرّوحيَّة وهو كتاب (المثنوي) في اعتكافه وخلوته. وكثيرٌ من الأدباء والفلاسفة لم تكن الكتابةُ تمثل لهم دخلاً مادياً يسعفهم في العيش على الرّغم من غزارة نتاجهم الفكريّ والأدبيّ فاضطروا لامتهان أعمالٍ تضمنُ لهم العزلة وإتاحة الوقت، فالجاحظ 255هـ كانَ يكتري دكاكين الورَّاقين للقراءة ويشتغل بنسخ الكُتب ويقوم بحراستها ليلاً، والفيلسوف الفارابيّ 339هـ على الرغم من صلاته القوية بسيف الدولة الحمدانيّ وصلة الأخير له بالعطايا والمنح إلا أنَّ ذلك كان شيئاً محدوداً لا ينهضُ بتسديد حاجاته، فكان يعمل ناطوراً للبساتين مما يتيحُ لَهُ التَّأملَ والعزلةَ والوقتَ. وابن خلدون ت 808هـ الذيْ كَانَ مُنْخَرِطَاً بالجو السّياسيّ فيْ عصره من خلال المشورة والقضاء وارتباطه بالأمراء فبعد اضطراب الأحداث ونشوب الفتن وبرمه وضيقه من الدَّسائس اعتزلَ في قلعة ابن سلامة في الجزائر بما يناهز الخمس سنوات وتوفرَ له من أسباب الهدوء فابتعد عن صخب الأحداث وعكفَ على تأليف كتابه في التَّاريخ (العبر) ووضع له مقدمتَهُ المهمةَ فِيْ علم الاجتماع (المقدمة).

وأمَّا عزلة أَنساق التَّأليف السَّائدة فترتبط بالخلق والإبداع وتجاوز السَّائد وقد تلاقي تلك المحاولاتُ جفوةً من التَّلقي العام وتتمخض عن مواقف شخصيَّة ذاتيَّة سلبيَّة من الكاتب فيضيق القُرَّاءُ بألوان مختلفة من الكتابة تخالف السَّائد وتصدم مع التَّقليْد، وإزاء هذا قد يحبطُ الكاتبُ فيرمي قلمَهُ ويطوي أوراقه أَسفاً وبذلك تُؤَدُ الأفكارُ وتنقطع الكتابة، أو قد يواجه الكاتبُ التَّحدي مفترضاً قارئاً ضمنياً مثالياً فيواصل الكتابة، ففي الفترة المظلة من التَّاريخ العربيّ الإسلاميّ وبانحطاطها الفكريّ وزهد النَّاس في علوم اللغة يعكفُ ابنُ منظورٍ الافريقيّ 711هـ الذي كان يستوطنُ القاهرةَ على تأليف معجمه (لسان العرب) بإصرارٍ وتحدٍّ عجيبٍ، فهو يذكر فيْ مقدمته: (أنه قد شرع بتأليف هذا المعجم وحاله كنوح إذ يصنع الفُلكَ وقومُهُ منه يسخرون). و(تشومسكي) اضطر إلى نشر فصولٍ من اطروحته في الدكتوراه تحت اسم (البنى النَّحويَّة) فِيْ هولندا عام 1957لأنَّ مواطنيه من النَّاشرين الأمريكان رفضوا نشر الكتاب؛ لانَّ طروحاته تخالفُ السَّائدَ فِي التَّفكير اللسانيّ الأمريكيّ بل حتى مجلة (وورد) الأمريكيَّة رَفَضَتْ أنْ تنشرَ لَهُ بَحْثاً عَنْ نظريته التَّوليديَّة ولكنه بعد حين تمكن من النَّشر داخل أمريكا ويحوز على الاعتراف بنظريته ليحقق للسانيات الأمريكيَّة فتوحاً معرفيَّة تضاهي الثَّورة اللسانيَّة الأوربيَّة في النَّظر البنيويّ في الكشوف العلميَّة. بينما أحجم من قبلُ (دي سوسير) عن نشر أفكارِهِ اللسانيَّة فبقيتْ ملاحظاتٍ تضمنتها دروسُهُ في اللسانيات وقد جمعها تلاميذُه ُبعد وفاته بثلاث سنوات وفاءً لفكر أستاذهم وخرجتْ إلى النّور عام 1916 لتحدث ثورةً في ميدان العلوم اللغويَّة وتشكّل ميلادَ اللسانيات. ونجيبُ محفوظ الذي ما فتئ يكتب طوال حياته ودون انقطاعٍ حتى في حادثة طعنه كتب بعدها ـ متحدياً إصابته ـ روايتَهُ (أحلام فترة النَّقاهة) ولم يعتزلْ الكتابة، لكنه بعد ثورة يوليو 1952 في مصر انقطع نجيب محفوظ عن الكتابة لخمس سنواتٍ وكان قبلها قد كتبَ أهم أعماله الرّوائيَّة الخالدة (الثّلاثيَّة)، فقد كانت التَّطورات والتَّحولات الاجتماعيَّة السَّريعة بعد التَّغيرات التي أطاحت بالنّظام الملكيّ المصريّ تملي عليه التَّفكير في رُؤيةٍ سرديَّةٍ تفسرُ تلك التحولاتِ إلى جنب أنَّ الأعمال الكبيرة والمتميزة مثل (الثلاثيَّة) تجعلُ الأديبَ يحجمُ ويفكر قبل الكتابة بعملٍ يضاهي عمله السَّابق ولا يقل عنه مستوى ولا يُجازفُ بعملٍ لا يحظى باهتمامٍ نقديّ، وهذا ما تحقق له في سلسلةٍ من الروايات الفكريَّة الفلسفيَّة التي كتبها بعد تلك العزلة كرواية (الطَّريق) و(الشَّحاذ) و(اللص والكلاب) في منحاها الرَّمزيّ التي تشتبك مع أسئلة الوجود في هموم وقضايا الإنسان بنحو عامٍ وضمنها قضايا الإنسان المصريّ وتسلط الضوء على جدليَّة تلك التَّحولات ولكن بطريقةٍ تبتعدُ عَنْ أسلوب الواقعيَّة. وربما سوء التَّأويل في تلقي الأعمال الأدبيَّة يكون وراء إحجام الأديب في العناية بعملٍ من أعماله المهمة ويعزف عن متابعة طباعته في بلاده تحاشيا للغط المغرض، فرواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ التي كانتْ تُنْشَرُ في حلقاتٍ يومية في جريدة الأهرام أُثِيْرَت حولها مجموعة من التَّأويلات والقراءات الرَّمزيَّة النَّقديَّة للدين البعيدة عن قصديَّة المؤلف فاضطر لطباعتها في بيروت ولم تُطبعْ في مصر إلا بعد نيله لجائزة نوبل، وكان محفوظ لا يتحمسُ كثيراً للحديث عنها إذا ذُكِرَتْ أَمامه. وقد تفعل الصَّدمة النَّفسيَّة فعلها من نفس الكاتب أو المبدع فيحجم عن نشر ما كتب ويعزف عن طباعته وإخراجه للقُرَّاء بل إنَّ غيرَ واحدٍ من المبدعين أوقد النارَ فيْ كتبه وحرقَ أوراقه كأبي حيَّان التَّوحيديّ 414هـ بسبب إحباطه وشعوره بالاغتراب والخذلان، وكان قبله أبو العلاء المعريّ 449هـ قد عمد إلى دفن كتبه وأوراقه لجرأة أفكاره التي تصدم مع التلقيات السَّائدة ولما واجهه من إتهامٍ بالكفر والزَّندقة، والكثير من الأوراق غير المنشورة طواها النّسيانُ وأصبحتْ فيْ ذمة العدم المطلق بعد أنْ تَلَفَتْ وأُهْمِلَتْ بعدَ رحيلِ مبدعيها بسبب قلة ذات اليد التي لم تمكنهم من نشرها أو لعدم رغبتهم بنشرها لضيق المحيطين بهم وزهدهم في المعرفة فَطُويتْ صفحاتٌ متميزة ٌمن الإبداع لو قُدِّرَ لها أَنْ تظهرَ لغيَّرتْ مساراتٍ فكريةً وشكلتْ منعطفاتٍ مفصليَّة مهمة في تاريخ الأفكار. ويضطر الكثيرُ من المؤلفين الى الكتابة بغير لغتم الأم بسبب خوضهم في دائرة (اللامفكر فيه) الذي يشكّل محظوراً ثقافياً ويصدم بالتابوات الاجتماعيَّة فربما لا يوجد جهاز اصطلاحيّ يُمَكِّنُ المختصَ في حقل معرفيّ من الكتابة والتَّعبير عن أشياء متطورة في هذا الحقل العلميّ فيضطر إلى الكتابة بلغة ثانيةٍ غير لغته الأم بسبب وفرة المصطلحات في تلك اللغات. ولعلَّ أقسى أنواع العزلة وأكثرها إيلاماً هو أن يعتزلَ الكاتبُ لغتَهُ الأم فيكتبُ بلغةٍ ثانيةٍ، ومن أمثلة ذلك أنَّ الكاتبة (حنا آرنت) الناطقة باللغة الألمانيَّة قررت أنْ تتعلم الإنكليزيَّة بعد الخامسة والثَّلاثين من عمرها فتفضلها على لغتها الألمانيَّة في الكتابة على الرغم من تضمن معجم اللغة الألمانيَّة على جهاز مفاهيمي اصطلاحيّ أكثر وفرة من اللغة الإنكليزيَّة سبب خيبة أمل الكاتبة من وسطها الثَّقافيّ الألمانيّ وخذلانها من رموز فكريَّة كانت تربطها معهم علاقات تجاوزت علاقة التَّلقي والتَّلمذة إلى علاقات إنسانيَّة وعاطفيَّة من بينهم أستاذها الفيلسوف (هايدغر) ولكنهم تخلو عنها جميعاً. فاللغة الأم ليست مجرد سيلة تواصل ووسيط مادي شكلي وأداة رمزية محايدة لنقل الأفكار بل هي من تشكّلُ شخصيَّةَ الانسانِ وتبلورُ رؤاه وفكرَهُ ومشاعرَهُ وطريقةَ تفكيرِهِ، وأنْ تتخلى عنها الكاتبة (حنا آرنت) فتكتب بالإنكليزيَّة لهو أمرٌ يشفُّ عن مستوى الخذلان الذي مُنيت به ويشفُّ عن ثورتها وبرمها بالمشهد الثَّقافيّ المحيط بها.

وقد تتيح العزلة للكاتب إبداع نصوص تأسيسيَّة مفارقة في الثَّقافة، فطه حسين بعد نشره لكتاب (في الشّعر الجاهليّ) ومحاكمته وإبعاده عن الجامعة وفي سفره خارج مصر عكف على كتابة سيرته الذاتيَّة (الأيَّام) التي هي أول سيرة أدبيَّة عربيَّة فكانتْ متنفساً نقديَّاً في تفكيك معوقات التَّنوير والتَّعليم الحديث في المؤسسات التعليميَّة الدينيَّة المحافظة في تزمتها وجهلها ونفعيتها الضيقة في أسلوب ساخر يتعقبُ التفاصيلَ التي تشف عن الصراع بين الشيوخ الذي يستغل الدينَ ويسيء إليه وإلى العلم في الوقت نفسه.

وثمة فرق بين العزلة والانعزال في الكتابة، فالانعزالُ هو خيارٌ أسلوبيّ في اختيار الموضوع وفي تعيين المُخَاطَبِ وتضييق دائرة التَّلقيّ، فالمفكرُ والأديب قد ينشغلُ بقضايا قد ترتبط بالتَّرف الفكريّ ويبتعد عن هموم مجتمعه وقضاياه، أو قد يمارسُ الكاتبُ ـ مما يُؤسفُ له ـ شيئاً من الشَّعوذة العلميَّة في أسلوبه باعتماد الغموض في اللفظ وفي الأفكار ليموّه على المتلقي البسيط خواءَهُ الفكريّ وفراغه المعرفيّ وقصرَ باعِهِ ويخلقُ حسَّ الانبهار الذي يريدُ لفتَ النَّظر إلى نفسه لا إلى الأفكار التي يسطّرها قلمه طلباً للشّهرة أو تكسُّباً وطمعاً. ومن أمثلة هذا ما يُنسبُ إلى النَّحويّ الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة 215هـ حين شكا إليه الكثيرونَ غموضَ ما يكتبُ وصعوبةَ فهمِهِ فأجابَ إنه تعمَّد أنْ يصنعَ ذلك لئلا يكتفي المتعلمُ بما يقرأ من كتابه ولا يعوده إليه في تفسيره وشرحه، فهو قد تكلَّف الغموضَ حتى ينتفع هو ويتكسَّب بعودة المتعلمين له في شرح ما غَمُضَ عليهم من عبارات عصيَّة على الفهم.

وغالباً ما يرتبطُ الانعزالُ بخيارٍ فكريّ حداثويّ منشؤه القطيعة المفاهيميَّة بين أفكار تقليديَّة موروثة وبالية وأفكار تتسم بالجدّة والنّخبويَّة لا يتهيأ لها جهاز مفاهيميّ اصطلاحيّ متداول ليتيح لها التَّعبير، فهناك فجوة مُعجميَّة اصطلاحيَّة فيضطر المؤلفُ لنحت واستعمال مصطلحاتٍ غيرِ معهودةٍ وتحتاجُ جهداً تأويلياً يصطدم بالسَّائد. وتتفاقمُ المشكلة الأخيرة إذا تجاهلَ المشهدُ النقديّ تلكَ النّتاجاتِ الإبداعيَّة وأغفلَ تسليطَ الضوء عليها وتقريبها للقارئ فيكرّس هو الآخر عزلتَها. وتبقى العزلةُ مهما كانتْ قاسيةً وتضمنتْ جفوةً في التَّلقي تبقى قدراً يحتضنه الكاتبُ بسموٍ وإصرار، فصدمة التَّلقي وجفوتُهُ تلجئ الكاتبَ إلى أنْ يشرعَ نوافذَهُ على بَاحَة المُراجعة وإعادة النَّظرِ في الأسلوب وجدوى الأفكار ونقدها، ولا يمكنُ للكتابة الفاعلة أنْ تحيا وتتطور وترتادُ آفاقاً جديدةً إلا من خلال مراجعةِ الأفكارِ ونقدها وتجاوز الأسلوب.

***

د. كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد.

في المثقف اليوم