عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مشهدية العنف العاري وفحش السلطة

من السيادة القانونية إلى العرض المستمر; يشهد العالم المعاصر تحولاً جذرياً ومقلقاً في طبيعة ممارسة السلطة وتجليات القوة الدولية. لقد غادر جوهر القوة مربعه التقليدي القائم على منطق "السيادة"؛ ذلك المنطق الذي كان يستند إلى وضوح القانون، وهيبة المؤسسات، والقرار السياسي المرتبط بنتائج مادية ملموسة على أرض الواقع. اليوم، نحن نعيش في عصر "المشهدية الطاغية"، حيث تُعاد صياغة الواقع السياسي والاجتماعي كعرض مسرحي أو سينمائي مستمر لا ينقطع، مما أدى إلى تآكل الفوارق الجوهرية بين الحقيقة الصلبة وتمثيلها الصوري.

إن التوصيف الفلسفي لما يدور في الساحة العالمية اليوم باعتباره "عرضاً عارياً وفجاً" ليس مجرد مجاز لغوي أو استعارة بلاغية لتجميل النص، بل هو تشخيص دقيق لحالة "الواقع المفرط" الذي استلب إرادة المجتمعات. في هذا الفضاء، يُصبح العنف المكشوف والمصور وسيلة استراتيجية لإخفاء آليات القوة البنيوية العميقة التي تتحكم في مصائر الشعوب. هنا، يُدفع بـ "الممثلين السياسيين" إلى الواجهة وهم يحملون أسلحة حقيقية ويديرون صراعات دامية، لا لغرض الحسم العسكري الذي ينهي النزاع فحسب، بل لتأكيد "صدقية" السيناريو المشهدي أمام جمهور عالمي يقبع خلف الشاشات، معزولاً تماماً عن مراكز القرار الحقيقية، ومكتفياً بدور المتفرج المستلب.

الميتافيزيقا السياسية للمشهد واستعمار الحيز العام

تنبثق الجذور المعرفية لهذه الحالة من النقد العميق الذي وجهه الفلاسفة لمجتمع الاستعراض. فالنظام العالمي في مراحله المتقدمة لم يعد يكتفي بإنتاج السلع المادية واستهلاكها، بل انتقل إلى مرحلة "إنتاج الصور" التي أصبحت هي الوسيط الوحيد للعلاقات الاجتماعية والبشرية. في هذا النظام، لم يعد الواقع يُعاش بشكل مباشر أو عفوي، بل يتم استبداله بتمثيلات صورية مبرمجة تُقدم للجمهور بوصفها النسخة الأفضل والأكثر لمعاناً من الحقيقة.

إن "المشهد" بهذا المعنى هو المرحلة التاريخية التي تنجح فيها الصورة في استعمار الحياة الاجتماعية بالكامل. هذا الاستعمار يؤدي إلى نشوء "عالم مسطح" محاصر بالوسائط البصرية، حيث يُنفي وعي الإنسان خلف جدران التمثيل الصوري. المواطن في هذا العالم لم يعد فاعلاً سياسياً يمتلك القدرة على التغيير، بل تحول إلى مستهلك للمادة السياسية المعروضة، تماماً كما يستهلك السلع التجارية. إنها عملية "تسطيح" للوعي البشري تجعل من المستحيل النفاذ إلى ما وراء الصورة لفهم المحركات الحقيقية للقوة.

تحولات القوة: من هيبة القانون إلى تصميم الحركات الجمالية

تاريخياً، كانت السلطة تُمارس عبر آليات واضحة للعيان؛ فالقوانين والمراسم الرسمية والقوة البدنية المباشرة كانت تستخدم لفرض النظام وحماية حدود الدولة. أما في العصر الراهن، فإن السلطة تحكم من خلال الإيماءات، والرموز، واللعب اللامتناهي بالتمثيلات الرقمية. لقد تحولت الحوكمة من تدبير شؤون الناس إلى ما يمكن وصفه بـ "التصميم الحركي" الجمالي الذي يهدف في المقام الأول إلى أسر الانتباه العام والسيطرة على مساحات الوعي الجمعي.

في هذا السياق، نجد أن وضع القائد العسكري أو السياسي في الصورة، وطريقة هندسة المؤتمرات الصحفية، واختيار زوايا التصوير، وترتيب السجاجيد والشعارات، أصبحت تفوق في أهميتها النتائج الفعلية للسياسات المنفذة على الأرض. إن هذا الانتقال نحو "الواقعية الأدائية" يمثل تخلياً صريحاً عن التماسك النظري للواقعية السياسية الكلاسيكية التي كانت تؤكد على الحذر، والتحليل السياقي، والدبلوماسية الهادئة. لقد استُبدل ذلك كله بأفعال مرئية صاخبة وخطاب يبسط التعقيدات العالمية بشكل مخل بالمعنى. يُعامل التعقيد اليوم كعائق أمام تدفق المشهد، ويتم تطبيع استخدام القوة العسكرية الفتاكة ليس لجدواها الاستراتيجية، بل لأنها توفر لغة بصرية واضحة ومباشرة لجمهور فقد الثقة في المؤسسات والخبرات التقليدية ويبحث عن "اليقين" في قوة الانفجار وسطوة الصورة العارية.

العنف العاري وفحش السلطة الدولية

عندما نتحدث عن "العنف العاري" في سياق القوة العالمية، فإننا نشير إلى حالة من "الرؤية الكلية" التي تلغي كل خصوصية أو ستر لصالح العرض الفج. الفحش السياسي هنا لا يعني الأخلاقيات بالمعنى الضيق، بل يعني بالمعنى الفلسفي "الانكشاف المطلق" الذي يلغي كل مسافة تأملية، ويضع حداً للتمثيل من خلال جعل كل شيء شفافاً ومطروحاً على السطح بقسوة منفرة.

عندما تصبح السلطة "فاحشة" بهذا المعنى، فإنها لا تعود تهتم بـ "مسرح القسوة" الذي كان يهدف قديماً لكشف حقائق يرفض الجمهور رؤيتها. بدلاً من ذلك، نحن أمام "مشهد مكشوف للعدم"، حيث يتميز الفعل السياسي باللاجدوى والارتهان الكامل للواقع المفرط. إن السلطة لم تعد تخفي سوءاتها، بل أصبحت تستعرض قسوتها كدليل على تمكنها، مما يخلق حالة من الذهول والانبهار الذي يشل القدرة على النقد الأخلاقي أو السياسي.

 العنف البنيوي والنزعة التلصصية في الإعلام الحديث

يُعد "عرض العنف الفج" تجلياً مرعباً لهذه الأوبسينية السياسية. فمن خلال التركيز المفرط على الجوانب الفيزيائية والرسومية للأذى (مثل صور الأشلاء، لقطات التعذيب المسربة، وبث عمليات القصف الحي)، يتم إخفاء الظروف البنيوية الأوسع للظلم والمعاناة النظامية. هذا التصوير التلصصي للمعاناة يحول فعل "الشهادة على المأساة" إلى تمرين بارد ومحايد يفرغ الاستجابة الأخلاقية من معناها الإنساني.

من خلال التركيز الحصري على الفعل الجسدي العنيف، ينجح المشهد في جعل "العنف اليومي الصامت" غير مرئي؛ فالفقر الممنهج، والجوع الناتج عن السياسات الاقتصادية، والإقصاء الاجتماعي، كلها أنواع من العنف البنيوي التي تقتل بصمت بعيداً عن صخب الكاميرات. هنا تتداخل المفاهيم مع "السلطة الحيوية"، حيث تُمارس الأنظمة المعاصرة قدرتها على التحكم في الحياة والموت عبر آليات تقنية وإدارية غير مرئية، ولكنها مميتة. تعمل مشهدية العنف كأداة تشتيت كبرى؛ فالوضوح الصارخ للفعل الحربي يمنع المشاهد من إدراك العمليات العميقة التي تنتج الهشاشة والموت ببطء في ثنايا النظام العالمي.

إنها "سياسة الموت" التي تنظم الفناء البشري حول نمط إدراك جنائزي، حيث يُختزل البشر إلى أرقام في إحصائيات أو صور عابرة في شريط الأخبار، مما يكشف عن مفارقة وجودية مريرة؛ حيث يُعامل الجسد البشري كشيء قابل للاستهلاك والممارسة الاجتماعية تماماً كأي مادة إعلانية.

الأسلحة الحقيقية في مسرح الواقع المصطنع

تؤكد مقولة "الممثلون يحملون أسلحة حقيقية" على الاندماج المرعب بين "المحاكاة" والعنف المادي الملموس. فالحروب الحديثة لم تعد نزاعات تقليدية تهدف إلى تحقيق مكاسب جغرافية فحسب، بل أصبحت أحداثاً "فائقة الواقعية". وبينما يكون التدمير المادي وفقدان الأرواح حقيقياً وموجعاً لأصحابه، فإن "الحرب" كحدث سياسي وتاريخي تُطمس معالمها تحت وطأة وجودها كبناء إعلامي مصمم سلفاً للتحكم في الرأي العام العالمي.

لقد امتدت هذه الحالة إلى الفضاء الرقمي والشبكي، حيث تُعامل "الأسلحة الفضائية والشبكية" كأدوات لعب أو تُخلط بالأسلحة التقليدية. هذه الأسلحة يمكنها أن تسبب دماراً فيزيائياً ووظيفياً هائلاً، لكنها تعمل ضمن مجال يفتقر إلى تعريفات دولية واضحة. في الصراعات الكبرى المعاصرة، يجد البشر أنفسهم يقاتلون في "حرب محاكاة مستمرة" تجري رحاها في خلاصات الأخبار وتطبيقات التواصل، مما يخلق حالة من الانفصال عن الواقع المادي للحرب وتداعياتها الإنسانية، لصالح الانغماس في الدراما الرقمية للصراع.

المسرح المغلق: ما بعد الديمقراطية وإقصاء الشعوب

يصف مجاز "المسرح المغلق" بيئة سياسية تظل فيها المؤسسات الديمقراطية (مثل مجالس النواب وصناديق الاقتراع) قائمة من حيث الشكل، ولكنها تفرغ تماماً من طاقتها الإبداعية وقدرتها الحقيقية على صنع القرار. هذه الحالة، التي يمكن تسميتها بمرحلة "ما بعد الديمقراطية"، تمثل الاندماج الكامل بين سلطة الشركات الكبرى والنخب المالية مع الأجهزة الحكومية.

في هذا النظام، تُنتج السياسة داخل دوائر نخبوية مغلقة تقوم على دورات مالية معقدة، بينما يُقدم للجمهور "واجهة استعراضية" من الانتخابات والمناظرات التي لا تغير من جوهر السياسات شيئاً. المواطن في هذا "المسرح المغلق" يلعب دوراً سلبياً بامتياز، حيث يكتفي بالاستجابة للإشارات والرسائل التي يبثها المتخصصون في فنون الإقناع والتوجيه الإعلامي. إن إقصاء الجمهور لا يتم عبر الصمت أو المنع القمعي كما في الاستبداد القديم، بل يتم عبر "التخمة المعلوماتية"؛ حيث يغرق المعنى في فيضان مستمر من الضجيج والبيانات التافهة، مما يخلق "رقابة جديدة" تجعل الحقيقة غير ذات صلة لأنها تبدو مطابقة تماماً للوهم المصطنع.

الديمقراطية المُدارة وحالة الاستثناء الدائمة

لقد تدهورت الأشكال السياسية الحديثة إلى ما يُعرف بـ "الديمقراطية المُدارة"، وهي شكل متطور من حكم القلة (الأوليغارشية) يستبدل "إرادة الشعب" بالإيمان المطلق بمديرين "كفؤين" يدعون فهم تعقيدات النظام العالمي. هؤلاء الأشخاص "الاستثنائيون" يُؤتمنون على إدارة ما يسمى بـ "حالات الاستثناء"، حيث يطغى منطق الضرورة الأمنية أو الاقتصادية على صنع القرار الديمقراطي.

يوفر الجمهور في هذه الحالة "وهم الموافقة" من خلال المشاركة في طقوس انتخابية مبرمجة، مصممة بعناية لإنتاج لحظات من الإثارة الدرامية العالية عبر وسائل الإعلام، بينما تُخفي وراءها التضاؤل المستمر لقوة الناخب وتأثيره. يخلق هذا النظام عالماً "ما بعد سياسي"، حيث لا يتم قمع البدائل للنظام القائم فحسب، بل يتم استبعاد فكرة وجود بديل أصلاً من المخيلة الجمعية. تتوقف السياسة كفعل بشري واعٍ لصنع المستقبل، وتتحول إلى آلية تقنية تحكم نفسها بنفسها بأقل قدر من التدخل البشري المباشر.

استبداد الصورة وفحش الحياة المُدارة

إن استبداد القوة في العصر الحديث مرتبط ارتباطاً عضوياً بـ "استبداد الصورة"؛ فالظهور الإعلامي هو الذي يحدد حدود ما يُعتبر حقيقياً أو موجوداً. كل فعل تتخذه الدولة أو المؤسسات الكبرى يتبع "منطق الرؤية"، حيث تُستخدم المنصات الرقمية للحفاظ على "وهم الحضور". السلطة اليوم تتصرف "كما لو أنها تحكم"، وهذا التظاهر كافٍ لاستمرارية النظام لأن المشهد يتطلب التدفق لا الجوهر.

في هذا العالم المكشوف والشفاف بقسوة، يصبح الفرد مجرد "شاشة" لامتصاص تأثيرات الشبكة العالمية. يتجاوز انتشار المعلومات والأشياء قدرة البشر على التصور أو السيطرة، مما يؤدي إلى حالة من الارتباك الشديد وتآكل القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف. والنتيجة هي مجتمع تُعتبر فيه القسوة "قوة"، ويُعد الإقصاء الجماعي برنامجاً نظامياً مقبولاً. لقد تم تطبيع القيم الحربية والعدائية لا كجنون، بل كـ "منطق سليم" تفرضه ضرورة العيش في عالم متصارع.

رفض المشهد واستعادة كرامة الواقع

إن "مسرح القوة العالمي" هو الآلية التي تحول الحياة البشرية إلى مجرد مادة صورية، مما يجعل الأصالة والصدق فعلاً ثورياً بامتياز. هذا النظام لا يستند إلى كذبة يصدقها الناس، بل إلى اتفاق جماعي غير معلن لرفض الحقيقة لصالح المصطنع المريح. "الأسلحة الحقيقية" والعرض "الفج" هما الأداتان اللتان يحافظ بهما هذا المسرح على هيمنته، مما يضمن بقاء الجمهور منخرطاً كـ "أسير طوعي" للخشبة.

لكسر هذه الحلقة المفرغة، يتطلب الأمر رفضاً فلسفياً وسياسياً جذرياً. هذا الرفض لا يوجد بالضرورة في الاحتجاجات التي يمكن للمشهد امتصاصها بسهولة وتحويلها إلى "أداء" إضافي، بل يوجد في "عدم المشاركة" الواعية: الصمت، إيقاف اللعب، وترك المشهد دون جمهور. إن الطريقة الوحيدة لتحدي استبداد الواقع المفرط هي "استعادة" أدوات الممارسة الاجتماعية من يد العرض المسرحي وإعادتها للاستخدام الحر للبشرية. وحتى يحدث هذا التحول، سيبقى العالم مسرحاً مغلقاً حيث يلوح الممثلون بأسلحة حقيقية في مسرحية الرؤية الكلية والإقصاء الشامل، بانتظار لحظة يستعيد فيها الإنسان قدرته على الرؤية وراء الستار.

***

غالب المسعودي

................................

هوامش ومرجعيات

ديبور، غي. مجتمع الاستعراض. (تحليل كلاسيكي لتحول الحياة إلى صور في ظل الرأسمالية المتأخرة).

بودريار، جان. المحاكاة والاصطناع. (دراسة مفهوم الواقع المفرط وكيف تسبق الصورة الواقع الأصلي).

فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة. (حول تحولات السلطة وآليات السيطرة على الأجساد).

كراوتش، كولين. ما بعد الديمقراطية. (حول تآكل الدور الشعبي في الأنظمة الليبرالية المعاصرة).

أغامبين، جورجيو. حالة الاستثناء. (حول تعليق القانون لصالح السلطة السيادية في الأزمات).

مبيمبي، أشيل. سياسة الموت. (حول كيفية إدارة السيادة للحق في القتل والعيش في الصراعات الحديثة).

آرنت، حنة. في العنف. (دراسة التمايز بين القوة والعنف والسلطة في الحيز العام).

باومان، زيجمونت. الحداثة السائلة. (حول تآكل الروابط الاجتماعية والثبات في عصر الاستهلاك المستمر).

 

نعيش في زمن يتسارع فيه كل شيء، وجبات أكل سريعة تدافع سريع للتقنية والمعلومات حتى وصل الأمر إلى الوجبات النفسية السريعة في قوائم تطوير الذات. يكفي أن تمرر إصبعك على شاشة هاتفك لتجد قوائم جاهزة تعدك بنسخة أفضل من نفسك: “عشر عادات للشخص المتوازن”، “سبع خطوات للثقة بالنفس”، “افعل ولا تفعل”. نقرأ ونفهم ونشعر بشيء يشبه الارتقاء اللحظي، ثم نعود بعد أيام إلى أنماطنا القديمة وكأن شيئًا لم يحدث. هنا تظهر مشكلة لا تتعلق بالقوائم بحد ذاتها، وإنما بطريقة فهمنا لطبيعة الوعي والتغيير.

المشكلة الأساسية هي افتراض ضمني أن الإنسان يتغير كما يتغير جهاز الكمبيوتر حيث تُدخل له معلومات صحيحة، فيُنتج سلوكًا صحيحًا. ولكن هذا لا يحدث في حالة الإنسان. فالمعرفة ليست دائمًا قوة، هي قوة عندما تستخدمها فقط. وما عدا ذلك، ربما تكون مجرد وهم بالقوة. إن فهم مبدأ لا يعني القدرة على تطبيقه تحت الضغط. هناك فرق جوهري بين أن تعرف شيئًا، وأن تكون قادرًا على تطبيقه والعيش وفقه.

العقل البشري يعمل كمنظومة متداخلة من التجارب والانفعالات والتوقعات. ويمكن تشبيه هذه المنظومة بالعجين الذي يتشكل عبر سنوات طويلة من المخاوف القديمة والخبرات المؤلمة ولحظات النجاح وأنماط تفسير العالم. وبعد هذا الامتزاج العميق، كما أننا لا نستطيع أن نقول هنا طحين وهنا ماء داخل العجين، لا نستطيع أيضًا أن نفصل في العقل بين ما هو تفكير وما هو شعور وكأن كل واحد منهما عنصر مستقل. فكل ما يصدر عن الإنسان يكون مزيجًا متداخلًا من الاثنين معًا، حتى في أكثر لحظاتنا التي نظنها عقلانية. لذلك، ما نسميه تفكيرًا عقلانيًا يكون في كثير من الأحيان مشبعًا ببنية عاطفية عميقة تعمل في الخلفية دون أن ننتبه إليها.

من هنا، تصبح قوائم تطوير الذات أدوات محدودة الوظيفة. هي تعمل في أفضل حالاتها كوسيلة تذكير أو توجيه. فائدتها تظهر لدى من يمتلك أصلًا بنية داخلية قريبة من تلك السلوكيات؛ أي أنها تصف ما هو موجود أكثر مما تصنع ما هو مفقود. أما تحويل السلوك بشكل مستقر، فهو يتطلب تدخلًا أعمق من مجرد التذكير. وهذا ما دعانا إلى كتابة هذا المقال.

 ذلك لا يعني أن القوائم بلا قيمة. ففي بعض الحالات، يمكن للسلوك أن يسبق الإدراك، ويحقق التغيير المطلوب وهي فكرة معروفة في العلاج المعرفي السلوكي، حيث يُستخدم التكرار المقصود للسلوك لإحداث تعديل تدريجي في البنية الداخلية. غير أن نجاح هذا المسار مشروط بعوامل محددة: الاستمرارية، الارتباط العاطفي، والسياق الذي يُمارس فيه السلوك. بدون هذه الشروط، يتحول التطبيق إلى أداء شكلي سرعان ما ينهار عند أول اختبار حقيقي.

إذًا، الإشكال ليس في القوائم، بل في المبالغة في تقدير قدرتها. حين نتعامل معها كأدوات تحويل جذري، نقع في وهم معرفي: نخلط بين إدراك الفكرة وامتلاكها. أما حين نراها كبوصلة تشير إلى اتجاه مرغوب، فإنها تستعيد قيمتها الحقيقية.

حين ننتقل من السلوك إلى التطبيق، يتغير السؤال من ماذا أفعل؟ إلى كيف أرى؟، وهنا تبدأ المسافة الحقيقية بين القوائم والتغيير الفعلي. فالسلوك االمطلوب هو المحطة الأخيرة لسلسلة طويلة من العمليات الداخلية التي تعمل بصمت، وتعيد إنتاج نفسها مع كل موقف مشابه. يمكن وصف هذه السلسلة بأنها عدسة إدراكية تتكون من تراكمات الذاكرة والانفعال والتوقع، وهي التي تحدد زاوية التقاطنا للواقع قبل أن نقرر كيف نتصرف حياله. وعندما تكون هذه العدسة مشبعة بإحساس خفي بالتهديد أو المقارنة أو النقص، فإن أي سلوك يُبنى فوقها يحمل هذا الأثر، حتى وإن بدا متزنًا في شكله الخارجي.

في هذا المستوى يصبح الحديث عن الجذور والثمار أكثر وضوحًا. فمحاولة تغيير السلوك دون فهم الطريقة التي يتشكل بها تشبه محاولة تعديل نتيجة دون النظر إلى السبب الذي أنتجها. ومع مرور الوقت يظهر فرق بين ما نحاول أن نظهره للآخرين وما نشعر به في الداخل، ويزداد هذا الفرق في لحظات الضغط، حيث تعود ردود الفعل القديمة للظهور بشكل تلقائي. لذلك، يبقى الحديث عن تطوير الذات غير مكتمل إذا لم يتجه إلى طريقة فهمنا للأحداث، وكيف نعطي معنى لما يحدث لنا.

 هذا يقودنا إلى إعادة فهم السلوك لا إلى إنكار دوره ضمن منظومة أوسع. فالتكرار يمكن أن يترك أثرًا مرغوبًا، خاصة حين يكون مصحوبًا بانتباه صادق وتجربة شعورية وعاطفية حاضرة، وعندها يتحول الفعل من محاولة تطبيق خارجي إلى عملية إعادة ترميز تدريجية، حيث تبدأ العدسة نفسها في التحول ببطء.   وهي عملية تحتاج زمنًا كافيًا يسمح بإعادة ترتيب العلاقات الداخلية دون استعجال النتائج.

التغيير الحقيقي، أو ما أسميه تنظيف العدسة الإدراكية، يبدأ من معالجة توزيع الضوء داخلنا. عندما نفهم لماذا نشعر بالتهديد من تميز الآخرين، يبدأ العجين النفسي في التحلل وإعادة التشكل من جديد. إن مدح الآخرين، إضافة إلى كونه مهارة اجتماعية، هو أيضًا فيض طبيعي يحدث عندما يستوعب العقل فكرة الوفرة؛ أي عندما يدرك أن ضوء الآخرين لا ينقص من ضوئك شيئًا، بل يضيف إلى العالم مزيدًا من الإنارة.

ضمن هذا الفهم، تستعيد قوائم تطوير الذات مكانها الواقعي كإشارات اتجاه، تذكّر بما يمكن أن يكون عليه السلوك عندما تنضبط الرؤية الداخلية، وتفتح باب المراجعة دون أن تدّعي القدرة على إعادة البناء.

الاتزان النفسي لا يأتي من إضافة سلوكيات جديدة، بل من تغيير الطريقة التي يتشكل بها السلوك من الداخل. وعندما يحدث هذا التغيير، تبدأ الصفات الجيدة بالظهور بشكل طبيعي ودون جهد كبير، بدل أن تكون مجرد محاولة لإظهار صورة معينة أمام الآخرين.

***

الكاتب: نبيل عيدو

المفكر والمثقف يبدوان للوهلة الأولى متشابهين، لكن بينهما فروق في الوظيفة وطريقة التعامل مع المعرفة والواقع. المفكر، حسب اعتقادي، هو ذلك الرجل الذي يتمتع بمواهب لا تنكر، وطلاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض على الجميع أن يكون أحد الأسماء المهمة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية التي يضعها بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون، وألا يكون مجرد مفكر يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعًا بمبادئ الحق والخير والجمال، بل لا بد أن يكون إنسانًا في تفلسفه، وفيلسوفًا في إنسانيته.

 علاوة على ذلك، فإن المفكر في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخرى، منها: أن يكون مغامرًا لا يحده خوف، ومناضلًا لا تتعبه خيبة، ومقاومًا لا تكسره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمل ما يكفي من معاناة أزهرت فيما بعد كتبًا لم تكن في الحسبان، بحيث يكون سلاحه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متقد انتهج النقد سبيلًا، والتجديد أسلوبًا، والكشف عن المنسي هدفًا، وألا يرضى بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يسن قلمه وينهض بنفسه في حراك لا يهدأ، سفرًا وبحثًا وإنتاجًا، وأن تكون له حركة هادرة لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة على الدوران في المعنى، والاستنطاق المستدام الذي لا يعرف السكون، وأن يكون جيشًا من الفاعلين، وأن يكون مبدعًا في أكثر من مجال، وكأنه مركز أبحاث أو خلية نحل.

  بينما نجد المثقف يتميز بعدة ميزات من أهمها :

1- المثقف شخص يكوّن عبر سنوات عمره مخزونًا معلوماتيًا يحوي بيانات ومعلومات وأفكار المفكرين والمتخصصين والفلاسفة وغيرهم. فهو شخص يحمل العلم، لكنه لا يصنعه أو يصوغه أو يخلقه أو يبدعه.

2- المثقف وسيط بين المعرفة والمجتمع، يقرأ ويطلع على الفلسفة والأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية، ثم يعيد صياغة هذه المعارف في شكل خطاب موجه إلى الجمهور، مثل المقالات والمحاضرات والدروس المميزة والبرامج الإعلامية والمحاضرات الثقافية وغيرها.

3- المثقف ينشر الوعي ويدخل الأفكار في الفضاء العام، ويحول النقاش النظري إلى قضية رأي عام. قد يكون المثقف مبدعًا في أسلوبه ومناقضًا للواقع، لكنه غالبًا ما يعتمد على رصيد فكري أنتجه آخرون، ثم يعيده في ثوب سياق اجتماعي محدد.

مع ذلك، فالعلاقة بين المثقف والمفكر ليست علاقة قطيعة تامة. في أحسن الأحوال يتداخل الدوران، وذلك حين يخرج المثقف من برجه النظري ليخاطب المجتمع، ويكون المثقف مفكرًا عندما يتجاوز مجرد التعليق على الأحداث إلى إنتاج أسئلة جديدة وهدم بنى فكرية راسخة. لكن التمييز بين المفهومين يبقى مهمًا لكي نفهم أن امتلاك رصيد معرفي واسع، أو الظهور في الإعلام، لا يعني بالضرورة أن صاحبه مفكر، وأن العمل الفكري لا يقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة الفكرة على إعادة تشكيل طريقة فهمنا للعالم.

   في اعتقادي أن عبد الجبار الرفاعي (مع حفظ الألقاب) مفكر من طراز فريد، ووريثًا لسلسلة من المفكرين العراقيين النوابغ، أمثال: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد رضا المظفر، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم من الذين آثروا الخروج بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يغلب في خطابه العقلي الفلسفي على النقل. وذلك من حيث مناشدته في كل كتاباته التي كتبها لفكرة التغير الجذري الرامية إلى إحداث خلخلة الثوابت الجامدة، وزعزعة الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الإبستمولوجي بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلًا الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على الفكر، نفيًا لتقاليد الأتباع، وتأسيسًا لقيم الابتداع.

    لقد كان عبد الجبار الرفاعي بارعًا في ذلك، سيما أنه نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ العربي في عبارات أدبية مشرقة، وفكَّ أصعب مسائل قضايا العقيدة، وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليومية. واستطاع بكتاباته أن يخرج علم الكلام الجديد من بطون الكتب وأروقة المعاهد والجامعات، ليؤدي دوره في حياتنا الفكرية المعاصرة، وذلك من خلال سعيه إلى تقديم قراءة تأويلية إنسانية للنصوص، بعيدة عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي، تهدف إلى استعادة البعد الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وذلك ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية، تكره الخضوع لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس والمدنس.

لذلك تميز المشروع العقدي عند عبد الجبار الرفاعي، كما قال كاظم عبد النبي لعيبي وعلي عبد الهادي المرهج، برؤية نقدية تتناول جذور الأزمات الفكرية التي أنتجت خطاب العنف، مع تأكيده على ضرورة تجديد آليات التفكير الديني لتكون أكثر انسجامًا مع المتغيرات الحضارية والإنسانية.كما يعد من الأصوات القليلة التي سعت إلى تفكيك العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، محذرًا من مخاطر التوظيف السياسي للنصوص في إذكاء الصراعات. ويبرز في فكره اهتمام خاص بالبعد الإنساني للدين، إذ يرى أن الأديان جاءت في جوهرها لترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان. ومن هنا تكتسب دراسة مشروعه أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية في التصدي للفكر المتطرف.

   عبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، ولد عام 1954 في محافظة ذي قار بجنوب العراق. يُعنى بقضايا تجديد علم الكلام والفكر الديني، ويُعرف بدعوته إلى أنسنة الدين وتطوير الفكر الديني ليكون أكثر انفتاحًا على قيم الرحمة والحرية والعقلانية. نشأ في بيئة دينية ريفية، ودرس العلوم الدينية في الحوزة العلمية والجامعات، وله مؤلفات عديدة في الفكر الديني وفلسفة الدين.

والسؤال الآن: ما مبرراتي وإصراري على جعل عبد الجبار الرفاعي مفكرًا من الطراز الأول؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، من أهمها:

أولا: أن عبد الجبار الرفاعي من المفكرين الذين جعلوا من إنتاج الأفكار مهمتهم الأولى، وذلك حين انطلق في مشروعه في فلسفة الدين بأجزائه المتعددة من أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والمعنى، ويشتغل على بناء مفاهيم جديدة أو تفكيك مفاهيم سائدة، مستخدمًا أدوات الفلسفة والنقد والتحليل المنهجي.

ثانيًا: أن ما يميز عبد الجبار الرفاعي أنه لا يكتفي بنقل المعرفة أو تلخيصها، بل يحاول إعادة بناء الإطار النظري نفسه، حيث يبتكر ويشكك ويعيد الصياغة ويقترح رؤى بديلة. لذلك كثيرًا ما نجده في صراع مع السائد واللغة اليومية، ومع البنى الراسخة في الثقافة والدين والسياسة.

ثالثًا: أن عبد الجبار الرفاعي منتج للمعنى، وليس ناقلًا ومنظمًا ومفسرًا له؛ لذلك فهو يهتم بالبنية العميقة للفكرة والأسئلة الأولى مثل: ما الحرية؟ وما الحقيقة؟ وما العدالة؟ ما الدين؟ ما الإنسان؟ وغيرها. لم يهتم بترجمة هذه الأسئلة إلى مواقف وممارسات، مثل: كيف ندافع عن الحرية في هذا البلد، أو كيف نصلح التعليم، أو كيف نواجه الاستبداد والفساد.

رابعًا: أن عبد الجبار الرفاعي غالبًا ما يظهر في كتاباته ومقالاته على المستوى النظري التجريدي، لا العمومي العملي؛ لذلك كثيرًا ما أجد لديه حديثًا عن علاقة بالسلطة والجمهور. الرفاعي غالبًا ما يكون معزولًا، يعمل في صمت، ويكتب نصوصًا قد يصعب على الجمهور الواسع قراءتها، لأنها تفكك المسلمات، وتستعمل لغة مفهومية دقيقة.

خامسًا: إن عبد الجبار الرفاعي يصر دائمًا على أن يجعل دوره كمفكر متصلًا بحركة الحياة، وهداية المجتمع، وتغيير الإنسان وإنضاجه أو تحسين حاله. وفي الوقت نفسه، أراه يتقمص وظيفة المثقف والعالم، الرامية إلى إدارة الحياة، ودفع المجتمع إلى التقدم، وتحصيل القوة والمنفعة والرفاهية، وتحسين أوضاع الإنسان.

سادسًا: أن وظيفة المفكر تتصل بحركة الحياة، وكأن عبد الجبار الرفاعي كان مصرًا على تأكيد قول علي شريعتي في كتابه "العودة إلى الذات" (2006)، بأن السمة البارزة فيه هي معرفة مجتمعه معرفة حقيقية ومباشرة، ويحسن التفاهم مع قومه، ويتقن معرفة عصره، ويعيش الإحساس بآلام العصر، ويدرك في أي مرحلة من التاريخ يعيش مجتمعه، ويكون واعيًا بزمانه الاجتماعي.

سابعًا: إن أهم ما يميز فكر عبد الجبار الرفاعي أيضًا هو ما أسماه علي حرب في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف" (1996م) بـ"جبهة الممتنع"، ويقصد به ما يتصل بعالم الفكر والتفكير. لذلك يهتم الرفاعي بتفكيك العوائق الذاتية للفكر، كما تتمثل في عادات الذهن، وقوالب الفهم، وأنظمة المعرفة، وآليات الخطاب، وكأنه في النهاية مفكر صانع أفكار، أو مبتكر مفاهيم، أو خالق بيئات مفهومية. لذلك لم أكن مبالغًا حين نعتُه بأنه: "نحّات المفاهيم الجديدة".

ثامنًا: من الأمور التي جعلتني أصف عبد الجبار الرفاعي بأنه مفكر من الطراز الأول نقدُه لأدلجة الدين، من خلال قضية ترحيل الدين من مجاله الأنطولوجي العميق إلى سياقات وظيفية ضيقة يُستلب فيها ويُسخَّر لخدمة أهداف محدودة، ما يميت رحمانيته ورحابته الأنطولوجية، ويجعله أكثر عنفًا وانغلاقًا ونبذًا للآخر. ومن هنا جاء نقده لـ علي شريعتي تحت عنوان: "المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا". ونفس الشيء يُقال عن حسن حنفي حين اختزل الدين في الأيديولوجيا.

تاسعًا: كذلك لا ننسى براعة عبد الجبار الرفاعي في تأسيس فهمه للدين على: إعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي والنبوة، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادة تحديد وظيفته في الحياة، والكشف عما يمكن أن يقدمه الدين للإنسان من احتياجات روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسان من عواطف ورفق، وما يمنحه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة. في ضوء ذلك يعيد الرفاعي تعريفه الخاص للدين، بوصفه شفقة ورحمة تمنحها الأديان للحياة، فيراه في كتاباته: "حياة في أفق المعنى" استجابة لحاجة الإنسان إلى المعنى.

عاشرًا: وأخيرًا وليس آخرًا، أرفع القبعة لـ عبد الجبار الرفاعي في جمال دعوته نحو تعريف منظور حداثي للدين، حيث انتقل فيه الرفاعي من كون الدين منظومة مغلقة من الأحكام والطقوس إلى كونه تجربة وجودية مفتوحة تستجيب لحاجات الإنسان في أبعاده العميقة. فحين يعرف الدين بأنه "حياة في أفق المعنى"، فهو يعيد ربطه بالأسئلة الكبرى للوجود، ويخرجه من أسر الصراعات الأيديولوجية أو التفسيرات الجامدة إلى فضاء أرحب يلتقي فيه الروحي مع الجمالي والخلقي مع الإنسان... وللحديث بقية..

***

أ. د. محمود محمد علي

مفكر مصري

القبيلة إطار اجتماعي، والدولة إطار سياسي. عبارة تبدو في ظاهرها توصيفا بسيطا، لكنها في العمق تكشف عن بنية مأزومة، حيث تختلط الحدود بين ما هو تقليدي وما هو حديث، بين ما يفترض أنه مجال للانتماء الثقافي، وما يفترض أنه مجال لتنظيم السلطة. في المجتمعات المستقرة، يظل هذا الفصل واضحا نسبيا: القبيلة تحتفظ بوظيفتها الرمزية والاجتماعية، بينما تحتكر الدولة المجال السياسي والقانوني. أما في المجتمعات التي تعاني من هشاشة بنيوية، فإن هذا الفصل يتآكل تدريجيا، حتى يصل إلى مرحلة التداخل الكامل، حيث لا تعود القبيلة مجرد إطار اجتماعي، ولا الدولة مجرد إطار سياسي، بل يتحول كل منهما إلى امتداد مشوه للآخر.

الأزمة السياسية التي تتصاعد وتزداد تعقيدا ليست مجرد نتيجة لصراع على السلطة، بل هي انعكاس لفشل عميق في تعريف من يملك الحق في إدارة الشأن العام، وبأي أدوات، وعلى أي أساس. حين تكون مساهمة أطراف الصراع في إدارة الملف السياسي محدودة أو معدومة، فإن ذلك لا يعني غياب الفعل السياسي، بل يعني احتكاره من قبل قوى ضيقة، غالبا ما تستند إلى الولاءات الأولية، وفي مقدمتها القبيلة. وهنا تبدأ السياسة في الانحدار من فضاء التفاوض العقلاني إلى فضاء الاصطفاف الهوياتي، حيث لا تحسم القضايا وفق منطق المصلحة العامة، بل وفق ميزان القوة والانتماء.

تتحول القبيلة من بنية اجتماعية إلى فاعل سياسي مركزي. لم تعد مجرد إطار يوفر الحماية المعنوية أو التكافل الاجتماعي، بل أصبحت أداة تعبئة، ومنصة للشرعية، وقناة للوصول إلى الموارد والسلطة. ومع هذا التحول، يعاد تعريف مفاهيم أساسية مثل الحق والتمثيل والعدالة. فالحق لم يعد مرتبطا بالمواطنة، بل بالانتماء؛ والتمثيل لم يعد قائما على البرامج أو الكفاءة، بل على القدرة على حشد الجماعة؛ أما العدالة، فتفقد طابعها المؤسسي لتتحول إلى تسوية عرفية تدار داخل حدود القبيلة أو بين القبائل.

الدولة، في المقابل، لا تختفي، لكنها تفقد مضمونها. تبقى مؤسساتها قائمة شكليا، وتستمر القوانين في الوجود كنصوص، لكن الفاعلية الحقيقية تنتقل إلى خارجها. يصبح القانون انتقائيا، يطبق حين يخدم موازين القوة، ويعطل حين يتعارض معها. وتتحول المؤسسات إلى واجهات، تستخدم لإضفاء شرعية شكلية على قرارات تتخذ في أماكن أخرى، غالبا خارج الإطار الرسمي. هكذا، تتحول الدولة إلى كيان هجين: لا هي دولة قانون حقيقية، ولا هي بنية تقليدية خالصة، بل مساحة رمادية يسودها الالتباس.

هذا الوضع لا ينشأ من فراغ، بل من تاريخ طويل من الإخفاقات. فالدولة، منذ نشأتها، قد تكون فشلت في بناء عقد اجتماعي جامع، أو في تحقيق حد أدنى من العدالة في توزيع الموارد، أو في خلق شعور عام بالانتماء الوطني يتجاوز الانتماءات الضيقة. وفي غياب هذه الشروط، لم يجد الأفراد سببا كافيا للثقة في الدولة، فعادوا إلى ما هو أقرب وأكثر موثوقية: القبيلة. لكن هذا الرجوع ليس بريئا، لأنه لا يتم في فراغ، بل في سياق صراع على السلطة، مما يجعل القبيلة نفسها عرضة للتسييس، وبالتالي للتشويه. المفارقة أن هذا التداخل بين القبيلة والدولة لا ينظر إليه دائما بوصفه أزمة، بل يعاد إنتاجه وتبريره. تستخدم مفاهيم مثل الخصوصية الثقافية أو الواقع الاجتماعي لتبرير استمرار الهيمنة القبلية على المجال السياسي. لكن هذه التبريرات تتجاهل أن ما يحدث ليس مجرد تعبير عن الثقافة، بل هو توظيف سياسي لهذه الثقافة. فالقبيلة، في حد ذاتها، ليست مشكلة؛ المشكلة تكمن في تحويلها إلى أداة للسلطة، وفي استخدامها كبديل عن مؤسسات يفترض أن تكون أكثر شمولا وحيادا.

النخب السياسية تلعب دورا محوريا في تكريس هذا الوضع. بدل أن تعمل على بناء دولة تتجاوز الانقسامات، فإنها غالبا ما تستثمر فيها. تعتمد على القبيلة كقاعدة دعم، وتعيد إنتاج خطاب يعزز الانتماءات الضيقة، لأنها تدرك أن بقاءها في السلطة مرتبط بقدرتها على التحكم في هذه الشبكات. وهكذا، تتحول النخبة من فاعل إصلاحي محتمل إلى جزء من المشكلة، بل إلى أحد أهم أسباب استمرارها. هذا التواطؤ بين النخبة والبنية القبلية يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها. فكلما ضعفت الدولة، ازدادت قوة القبيلة؛ وكلما ازدادت قوة القبيلة، تراجعت فرص بناء دولة قوية. وفي ظل هذا التوازن المختل، يصبح أي مشروع إصلاحي مهددا بالفشل، لأنه يصطدم ببنية مصالح متجذرة، لا ترى في الإصلاح إلا تهديدا مباشرا لنفوذها. أن هذا الوضع يعيد تعريف الصراع نفسه. لم يعد صراعا سياسيا يمكن حله عبر التفاوض أو التسوية، بل يتحول إلى صراع هوياتي، حيث تختزل القضايا في ثنائيات حادة: نحن مقابل هم. وفي هذا النوع من الصراعات، تصبح التسويات أكثر صعوبة، لأن التنازل لا ينظر إليه كخيار سياسي، بل كخيانة للانتماء. وهنا، تدخل المجتمعات في دوامة من العنف الرمزي والمادي، يصعب الخروج منها.

كما أن سيطرة المنطق القبلي على المجال السياسي تؤدي إلى تشويه الاقتصاد نفسه. فبدل أن توزع الموارد وفق معايير الكفاءة أو الحاجة، يتم توزيعها وفق اعتبارات الولاء والانتماء. تتحول الوظائف العامة إلى أدوات للمحاصصة، وتستخدم المشاريع التنموية كوسائل لكسب الدعم، لا كخطط لتحقيق التنمية. وفي ظل هذا الوضع، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويصبح الفساد ليس استثناء، بل قاعدة. لكن، رغم هذا التشخيص القاتم، فإن الحل لا يكمن في إعلان حرب على القبيلة، ولا في محاولة اقتلاعها من جذورها. القبيلة، في نهاية المطاف، جزء من النسيج الاجتماعي، ولها وظائف لا يمكن إنكارها، خاصة في مجتمعات تعاني من ضعف الدولة. المطلوب ليس إلغاءها، بل تحييدها سياسيا، وإعادة وضعها في إطارها الطبيعي كحامل للهوية والثقافة، لا كأداة للسلطة.

تحقيق ذلك يتطلب إعادة بناء الدولة من الأساس، ليس فقط كمؤسسات، بل كفكرة. يجب أن تقوم على عقد اجتماعي جديد، يضمن المساواة أمام القانون، ويوفر حدا أدنى من العدالة في توزيع الموارد، ويخلق شعورا حقيقيا بالانتماء. كما يتطلب إصلاح النظام السياسي بحيث يتيح مشاركة فعلية لمختلف الأطراف، بدل إقصائها أو تهميشها، لأن الإقصاء هو أحد أهم الأسباب التي تدفع الجماعات إلى الاحتماء بالقبيلة. إلى جانب ذلك، لا بد من إعادة تعريف دور النخبة. يجب أن تتحول من وسيط قبلي إلى فاعل وطني، من مستثمر في الانقسام إلى منتج للتوافق. وهذا لن يحدث بسهولة، لأنه يتطلب تغييرا في بنية الحوافز نفسها، بحيث يصبح البقاء في السلطة مرتبطا بالأداء، لا بالولاء.كما أن المجتمع نفسه له دور لا يقل أهمية. فالتغيير لا يمكن أن يفرض من الأعلى فقط، بل يحتاج إلى تحول في الوعي، إلى إدراك أن الاعتماد على القبيلة كبديل للدولة هو حل قصير المدى، يحمل في داخله بذور أزمات مستقبلية أكبر. هذا الوعي يمكن أن يتشكل عبر التعليم، والإعلام، والنقاش العام، لكنه يحتاج أيضا إلى نماذج ناجحة تثبت أن الدولة يمكن أن تكون بديلا حقيقيا.

الأزمة ليست في وجود القبيلة، ولا في فكرة الدولة بحد ذاتها، بل في العلاقة المختلة بينهما. حين تفشل الدولة في أن تكون إطارا جامعا، تتقدم القبيلة لملء الفراغ؛ وحين تسيّس القبيلة، تفقد الدولة قدرتها على الاستقلال. وبين هذا وذاك، تضيع السياسة، ويتحول الصراع إلى معركة مفتوحة بلا أفق.إعادة التوازن بين الإطارين ليست مهمة تقنية، بل مشروع تاريخي معقد، يتطلب إرادة سياسية، ووعيا مجتمعيا، وصبرا طويلا. لكنه، رغم صعوبته، يظل الخيار الوحيد للخروج من الدائرة المغلقة، وبناء دولة لا تكون مجرد اسم، بل حقيقة قادرة على احتواء الجميع، دون أن تلغي أحدا، ودون أن تختزل في جماعة أو قبيلة.

***

زكريا نمر

 

في عالم يستهلك المعرفة بسرعة، ويقدس المظهر اكثر من الجوهر، اصبح من السهل تمييز المثقف الحقيقي عن مثقف المظاهر. فالمجتمع اليوم يخلط بين من يمتلك شهادات، او كتب، او حضور اعلامي، وبين من يمتلك القدرة على التفكير النقدي واثارة الاسئلة التي تحرك الفكر. كثير من الذين يسمون بالمثقفين يعيشون في فقاعة ظاهرية، يكررون الافكار الجاهزة، ويكرسون الوقت للجدل العقيم بدل مساءلة الواقع. ويظهر الفرق الجوهري المثقف الحقيقي هو من يصنع الاسئلة، بينما المثقف المزيف يكتفي بتكرار الاجوبة الجاهزة.

صناعة السؤال ليست مجرد مهارة ذهنية، بل موقف وجداني وفكري. انها شجاعة مزدوجة: شجاعة تجاه الذات، للاعتراف بالجهل والتواضع امام المجهول، وشجاعة تجاه المجتمع، لمواجهة المألوف وكسر الثوابت الاجتماعية والفكرية. المثقف الحقيقي يعرف ان السؤال احيانا اقوى من الجواب، لان الجواب يقف عند حدود المعرفة، بينما السؤال يفتح افقا جديدا للتفكير، يهدد الثوابت، ويحرر الفكر من القيود المفروضة عليه. المثقف المزيف غالبا ما يظهر في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، يكرر شعارات جاهزة عن الحرية والعلم والفكر، لكنه يتجنب مواجهة الواقع الحقيقي. يتحدث عن العدالة لكنه يخاف مساءلة السلطة، يتحدث عن التغيير لكنه يخاف التحدي. دوره يقتصر على نقل الاسئلة القديمة والاجوبة المتكررة، بينما العالم يتغير من حوله، وتتسرب الفرص للتفكير الحر من بين يديه.

المثقف الحقيقي لا يكتفي بالاسئلة التقليدية، بل يخلق اسئلة جديدة، يزعج بها المجتمع، ويكشف التناقضات التي يفضل الناس تجاهلها. يسأل لماذا يستمر التعليم في تكريس افكار قديمة، لماذا السياسة تدور في حلقة مفرغة، ولماذا يقبل المجتمع بقيود على الفكر وكأنها قوانين طبيعية. السؤال بالنسبة له ليس تمرينا عقليا، بل اداة للمواجهة، وللتغيير، ولتحريك الفكر من الجمود. صناعة السؤال ايضا تعني مواجهة المخاطر. كل سؤال جريء قد يزعج جماعة، قد يحرج السلطة، وقد يفضح المظاهر الزائفة للمجتمع. المثقف الحقيقي يختار الطريق الصعب، ويستمر في طرح اسئلته رغم كل التهديدات، لان الصمت او تكرار الاجوبة الجاهزة هو الموت الحقيقي للفكر. بينما المثقف المزيف يبحث عن الامان الاجتماعي، ويتجنب اي سؤال قد يجرح صورته او مكانته.

اليوم، كثير من المثقفين الزائفين يروجون لفكر سطحي، يتحدثون عن حقوق الانسان والحرية والعلم، لكنهم لا يجرؤون على طرح اسئلة عن الفساد، التمييز الاجتماعي، او دورهم في مواجهة القهر. اسئلتهم دائما مأمونة، اسئلتهم تخدم الشهرة اكثر من الحقيقة. اما المثقف الحقيقي، فكل سؤال يطرحه يهدف الى كشف الحقيقة، دفع المجتمع للتفكير النقدي، واحداث اثر مستدام.

المثقف الحقيقي هو من يترك اثر طويل المدى. اسئلته لا تختفي مع رحيله، بل تستمر في ايقاظ العقول، تحفيز النقاشات، واجبار الاخرين على البحث والمساءلة. السؤال بالنسبة له اداة للحرية، للفكر، وللتحرر من القيود الفكرية والاجتماعية. في النهاية، المثقف الحقيقي ليس من يعرف كل شيء، ولا من يمتلك اجوبة لكل استفسار، بل من يجرؤ على طرح اسئلة لم يجرؤ احد على طرحها، ويستمر في ذلك رغم كل الصعاب، لان تقدم الفكر يعتمد على الجرأة في السؤال والمثابرة في البحث.

***

زكريا نمر

 

اطَّلعت هذه الأيام على كتابين، يقدم كل منهما رؤية خاصة لتاريخ الاقتصاد، ومن ثم نظرية اقتصادية متمايزة عن الآخر. الكتاب الأول «مقالة في طبيعة علم الاقتصاد وأهميته» أصدره ليونيل روبنز في 1932، وكرَّسه للبرهنة على أن موضوع الاقتصاد هو سلوك الأفراد حين يواجهون محدودية الموارد التي يحتاجون إليها لتحقيق غاياتهم. كمثال: تحتاج للطعام كي تبقى على قيد الحياة. توفير الطعام يتطلب المال لشرائه أو العمل لإنتاجه. وكلاهما (المال والعمل) كميته محدودة. أما حين تتوفر الموارد/ الوسائل بما يغطي الحاجة، فلا موضوع للاقتصاد. طالع مثلاً الماء والهواء: الماء متوفر لكنه محدود، فكلما صرفت شيئاً توجَّب أن تدفع ثمنه، مما يدفعك للاقتصاد فيه؛ خصوصاً لو كنت تريد استعمال المال لغايات أخرى، كالسفر أو العلاج أو غيرهما. أما الهواء فمتاح مجاناً وبكميات لا متناهية، لذا نستطيع استهلاكه قدر ما نشاء.

ندرة الموارد تملي على الإنسان أن يختار بين الغايات المختلفة، كي ينفق أقل قدر من موارده، لتحصيل أكبر قدر من غاياته. وتطابق هذه الرؤية نظرية مشهورة، هي نظرية «الاختيار العقلاني». وخلاصتها أن الإنسان –بطبعه– يسعى لزيادة مكاسبه في أي معاملة. جوهر العقلانية أن تسعى للاستفادة القصوى من تبادلاتك مع الآخرين، وليس تقبُّل الخسارة.

أثارت رؤية روبنز جدلاً كثيراً في وقتها. ثم ترسخت بمرور الزمان كأساس لمبدأ السوق الحرة، أو السوق الذاتية التنظيم، الذي تقوم على أرضيته معظم اقتصادات العالم المعاصر.

أما الكتاب الثاني فهو «التحول الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر» للمفكر النمساوي- المجري كارل بولانيي (1886- 1964). ومساره معاكس تماماً للكتاب السابق. ولهذا اعتبره باحثون كثيرون أهم المقاربات النقدية لاقتصاد السوق ومنطلقاته الفلسفية.

كان روبنز قد افترض أن مشكلة الندرة جزء من طبيعة الحياة، وليست مسألة عارضة ولا مؤقتة، ولا حل لها غير تبادل الموارد بين من يحتاج ومن لا يحتاج، أو الاختيار بين الغايات بأخذ بعضها وترك الآخر. وقال إن هذه العناصر تشكل الموضوع الجوهري للمسألة الاقتصادية.

أما بولانيي فقرر أن هذه الرؤية تحول المجتمع من نظام لحياة البشر إلى جزء من الماكينة التي تتولى توزيع المال والسلع، أي إلى ملحق بالسوق وتابع لحركتها. والصحيح أن اقتصاد المجتمع جزء من صلب حياته، فلا يمكن فهمه بمعزل عن العالم المفهومي والثقافي للجماعة.

كل مؤسسة أو نشاط، اقتصاداً كان أو غيره، لا يُفهم خارج التجربة التاريخية التي شهدت تطوير المجتمع لنظام حياته وامتداداتها المؤسسية.

عالم الإنسان لا يدور حول تبادل المال. غالبية المجتمعات البشرية -أو ربما جميعها- تتضامن للحفاظ على حياة أفرادها وأملاكها وثقافتها وأعرافها، وتنفق على هذه المهمة كثيراً من المال، حتى لو كان عائدها المادي ضئيلاً أو معدوماً.

يجادل بولانيي بأن نظرية الاختيار العقلاني واقتصاد السوق، تفترض أن الأفراد يتخذون قراراتهم المعيشية أو التجارية في عزلة تامة عن قواعد المجتمع وهمومه. حين يكون الإنسان في السوق، فلا شيء يهمه سوى تعظيم منافعه المادية. هذا التفكير يؤثر بعمق في تنظيم السلوك الفردي وتحديد ما يعد مصلحة أو العكس. فإذا هيمن هذا المنطق، فإن المجتمع سيخسر دوره كنظام للحياة الطيبة، ويتحول إلى مجرد احتشاد للأفراد المشغولين بمصارعة بعضهم لبعض من أجل المال.

يقول بولانيي أن اقتصاد السوق واحد من النماذج الاقتصادية التي عرفها التاريخ، وليس أفضلها، وأن الندرة ليست حتمية، فهي مفهوم يجري تعريفه على ضوء ثقافة المجتمع وهمومه. ما يعد مورداً نادراً في مكان، قد يكون مهملاً في مكان آخر أو زمان آخر. وهو يخص بالذكر الأرض التي باتت سلعة في ظل اقتصاد السوق، وكان ينبغي أن تبقى موضوعاً للعمل كأي جزء من أجزاء الطبيعة، من دون تملُّك أو احتكار على النحو الذي نعرفه اليوم

***

د. توفيق السيف

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الخميس - 21 شوّال 1447 هـ - 9 أبريل 2026 م

 

نتفاجأ يوميًا في مجتمعنا العراقي، في الداخل والخارج، بحالات طلاق لأزواج، وبخاصة من الشباب، كنا نظن أنهم يعيشون حياة مستقرة وسعيدة. وغالبًا ما كان يُعتقد أن زواجهم قائم على “علاقة حب!”، بما يُفترض معه أن يكون أكثر قدرة على الاستمرار. إلا أن الواقع يكشف، مع الأسف، عن انهيار سريع في بعض هذه الحالات، دون الالتفات الكافي إلى انعكاسات الطلاق على الأطفال وما قد يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى.

أصبحت ظاهرة الطلاق في العراق من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تدعو إلى القلق، والتي ينبغي أن تحظى باهتمام جاد من الدولة والمجتمع. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى إلى أن الطلاق أصبح من القضايا الاجتماعية البارزة خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ عدد حالات الطلاق في عام 2024 نحو 66,000–72,000 حالة، مقابل حوالي 291,000 حالة زواج في العام نفسه، أي أن نسبة الطلاق تقارب حالة واحدة لكل 4 إلى 5 زيجات (بنسبة 20%–25%). ويُقدَّر أن العراق يسجل نحو 8–9 حالات طلاق في الساعة، فيما تتصدر بغداد غالبًا أعلى نسب الطلاق مقارنة ببقية المحافظات.

كما تشير بيانات شهرية حديثة إلى استمرار هذه المعدلات المرتفعة؛ ففي شباط 2025 بلغت حالات الزواج 21,411 حالة، مقابل 6,962 حالة طلاق. وفي شباط 2026 سُجلت 28,479 حالة زواج مقابل 6,151 حالة طلاق (وفقًا لإحصائيات مجلس القضاء الأعلى المنشورة مؤخرًا). ومن الجدير بالإشارة أننا نلاحظ وجود زيادة في الإقبال على الزواج بين 2025 و2026، وهو مؤشر إيجابي يعكس استمرار الرغبة في بناء الأسرة رغم التحديات.

يحتل العراق مرتبة متوسطة بين الدول العربية (نحو المرتبة 7–8 عربيًا)، أي أنه ليس من بين الأعلى، لكنه أيضًا ليس منخفضًا، بل يقع ضمن المستوى “المتوسط المرتفع”. ومن المفارقات أن بعض الدول ذات الدخل المرتفع تسجل نسب طلاق أعلى، ما يدل على أن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل ترتبط أيضًا بعوامل اجتماعية وثقافية وتكنولوجية.

تشكل الأسباب الاقتصادية ما يقارب 50% من حالات الطلاق في العراق، وتشمل البطالة، وضعف الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة توفير السكن. ومن الواضح وجود ارتباط وثيق بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الطلاق.

أدّت الطفرات المالية التي شهدها العراق مؤخرًا، والتي استفاد منها بعض الأفراد، إلى بروز حالات ثراء سريع لدى فئات كانت تنتمي إلى طبقات فقيرة أو محدودة الدخل، في حين بقي المحيط الاجتماعي لهؤلاء الأفراد من أقارب وأصدقاء عند مستوياته المعيشية السابقة أو تحسن بشكل محدود. وقد أسهم هذا التفاوت في نشوء مشاعر المقارنة والغيرة والحسد، وما يرافقها من ضغوط نفسية، مما قد يفضي إلى حالة من الإحباط تنعكس سلبًا على الاستقرار الأسري والعلاقات الاجتماعية، لتصل في بعض الحالات إلى الطلاق.

وتأتي الأسباب الاجتماعية في المرتبة الثانية، ومن أبرزها تدخل الأهل والأقارب في الحياة الزوجية، والعادات والتقاليد التي تحد من استقلالية الزوجين، إضافة إلى الزيجات القائمة على الإكراه أو الترتيبات العائلية دون قناعة الطرفين. كما يُعد الزواج المبكر (زواج القاصرين) من العوامل المهمة، نظرًا لغياب النضج الفكري والعاطفي وضعف القدرة على تحمل المسؤولية.

ومن الأسباب الأخرى: عدم التوافق بين الزوجين نتيجة اختلاف المستوى التعليمي والثقافي والفكري، فضلًا عن مشكلات العنف الأسري، والخيانة الزوجية، وضعف الحوار والتفاهم، نتيجة محدودية الوعي الأسري والديني، وعدم الاستعداد الكافي للحياة الزوجية، وغياب ثقافة إدارة الخلافات.

ولا يمكن إغفال تأثير التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أسهمت في زيادة الشك والخلافات، وتعزيز المقارنات الاجتماعية، وتسهيل إقامة علاقات خارج إطار الزواج (الخيانة الإلكترونية).

في الماضي، كانت بعض الفتيات يتأثرن بما تعرضه الأفلام العاطفية من صور مثالية وغير واقعية للحياة الزوجية، فيتشكل لديهن تصور مبالغ فيه عن طبيعة العلاقات. أما اليوم، فقد أصبح تأثير منصات التواصل الاجتماعي أكثر حضورًا، حيث تُعرض عبرها أنماط حياة مثالية ومبالغ فيها، وأحيانًا غير دقيقة، مما يسهم في تكوين توقعات مرتفعة قد لا تنسجم مع الواقع. وعند الاصطدام بالحياة الحقيقية، ينشأ شعور بالإحباط وخيبة الأمل، ينعكس أحيانًا على تقييم العلاقة الزوجية.

لقد وفّرت الجامعات بيئة واسعة للتفاعل بين الطلبة في مرحلة عمرية حساسة، مما قد يؤدي في بعض الحالات إلى نشوء علاقات غير ناضجة. وفي الوقت نفسه، يعتقد بعض الشباب أنهم يعيشون “علاقة حب!”، بينما تكون في حقيقتها استجابة لاحتياجات عاطفية أو شعور بالحرمان. وحتى عندما تنتهي بعض هذه العلاقات بالزواج، فإنها قد تكون غير مستقرة، وغالبًا ما تنتهي بالطلاق. ولا يقتصر هذا النمط على البيئة الجامعية، بل قد يتكرر أيضًا في بيئات العمل.

يلجأ بعض الطلبة أو صغار الموظفين إلى إظهار صورة من الثراء غير الحقيقي؛ إذ يعمد البعض إلى إظهار مستوى مادي غير واقعي. ففي ظل انخفاض تكلفة الملابس، أصبح من الممكن الظهور بمظهر لائق لا يختلف كثيرًا عن مظهر أبناء الميسورين. كما يلجأ البعض، وخاصة من الفتيات، إلى استعارة الحلي أو الإكسسوارات، بل وحتى الملابس، للظهور بمستوى معيشي أعلى من الواقع. ويُستغل هذا المظهر أحيانًا لاستقطاب أشخاص ينجذبون إلى المظاهر المادية، مما قد يوقع الطرفين في علاقات غير متوازنة تكون عواقبها سلبية على المدى البعيد.

ولمعالجة ظاهرة الطلاق المتزايدة، لا بد من تبني مجموعة من الإجراءات المتكاملة، من أبرزها:

- تعزيز الاستقرار الاقتصادي للشباب من خلال توفير فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتقديم قروض ميسرة، والمساعدة في توفير السكن.

- إلزام المقبلين على الزواج بدورات تأهيلية تشمل التوعية بحقوق وواجبات الزوجين، ومهارات التواصل، وإدارة الخلافات، والتخطيط المالي.

- الحد من الزواج المبكر عبر تشديد تطبيق القوانين ورفع الوعي المجتمعي بمخاطره.

- تقليل تدخل الأهل في الحياة الزوجية من خلال حملات توعوية تعزز استقلالية الأسرة الجديدة.

- إنشاء مراكز إرشاد أسري فعّالة لتقديم الاستشارات قبل الزواج وبعده، والمساهمة في حل النزاعات.

- مواجهة العنف الأسري قانونيًا ومجتمعيًا عبر تفعيل القوانين ونشر ثقافة الاحترام المتبادل.

- ترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من خلال برامج توعوية تعزز الاستخدام الواعي.

- تعزيز دور الإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية في نشر ثقافة الزواج الواعي وقيم المسؤولية والتفاهم.

ختامًا، يمكن القول إن الطلاق في العراق ظاهرة متزايدة ومقلقة اجتماعيًا، ترتبط بشكل وثيق بالأوضاع الاقتصادية والتحولات الاجتماعية، فضلًا عن ضعف الاستعداد للحياة الزوجية. وهي ليست نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تداخل عوامل متعددة، مما يتطلب معالجة شاملة ومستمرة من جميع مؤسسات الدولة والمجتمع.

ومن المؤلم حقًا أن تكون أشد انعكاسات الطلاق قسوةً هو تأثيره على الأطفال، فهم الأكثر تضررًا نفسيًا وعاطفيًا من الانفصال. لذا، يتوجب على الأبوين الانتباه بعناية لهذا الجانب، والعمل على حمايتهم ودعمهم، لضمان استمرار شعورهم بالأمان والاستقرار رغم تغير ظروف الأسرة. وما زال بالإمكان احتواء هذه الظاهرة إذا توفرت الإرادة والتعاون بين جميع الأطراف.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

شهد العالم خلال العقدين الماضيين تحولاً رقمياً متسارعاً غير طبيعة العلاقات الاجتماعية وأنماط التعبير عن الذات، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ركناً أساسياً من الحياة اليومية للأفراد، ومنصة رئيسة لبناء الصورة الشخصية والتفاعل الاجتماعي والمهني. ولم تعد الهوية الفردية مرتبطة فقط بالواقع المباشر، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي الذي يتيح للأفراد تقديم أنفسهم بصورة انتقائية ومنمقة تعكس ما يرغبون ويتمنون أن يكونوا عليه بعيداً عنا يلاقونه ويتعرضون له في حياتهم من صعوبات أو تحديات تهدد نجاحاتهم وتحقيق ذواتهم بشكل ملائم ومناسب. وهكذا ظهرت الهوية الرقمية بوصفها تمثيلاً افتراضياً للذات يتشكل من خلال المحتوى المنشور، وطبيعة التفاعلات معه، والصورة الذهنية التي يبنيها الفرد يود أن يعيش أبعادها وأطرافها عبر المنصات الرقمية.

تتكون الهوية الرقمية من مجموعة العناصر التي يقدمها الفرد عبر حساباته عبر وسائل التوصال الاجتماعي المختلفة مثل فيس بوك، انستجرام، تويتر، لينكد إن، تيك توك وغيرها، مثل الصور الشخصية، والمنشورات، والفيديوهات، والتعليقات، وطبيعة اللغة المستخدمة، وأنماط التفاعل مع الآخرين. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه العناصر لتشكل تصوراً عاماً لدى المتابعين حول شخصية الفرد، واهتماماته، وقيمه، ومكانته الاجتماعية أو المهنية. ومن هنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي أداة لإدارة الانطباع الشخصي والاجتماعي والوظيفي المهني، حيث يسعى الأفراد إلى تقديم صورة إيجابية تعزز القبول الاجتماعي والانتماء لدى الآخرين.

وقد أسهمت طبيعة المنصات الرقمية في تعزيز هذا التوجه، إذ توفر أدوات متعددة للتحكم في طريقة عرض الذات، مثل اختيار الصور الأكثر جاذبية، وإبراز اللحظات الإيجابية والسعيدة من حياتهم، ونشر النشاطات والإنجازات الشخصية أو الاجتماعية والمهنية. في المقابل، يميل كثير من المستخدمين إلى إخفاء الجوانب السلبية أو التحديات اليومية والصعوبات التي تواجههم، مما يؤدي إلى بناء صورة رقمية مثالية تختلف بدرجات متفاوتة عن الواقع الفعلي المعاش. ومع تكرار هذه الممارسات، تبدأ الهوية الرقمية في التحول إلى نسخة محسنة ومعدلة من الذات، تعكس التوجهات والطموحات والرغبات والتوقعات الاجتماعية أكثر مما تعكس التجربة الواقعية التي يعيشها الأفراد حقيقة.

تلعب التفاعلات الرقمية دوراً مهماً في تعزيز هذه الهوية، حيث يحصل المستخدم على تغذية راجعة فورية من خلال الإعجابات والتعليقات والمشاركات من قبل المشاركين والأصدقاء عبر منصته. ويؤدي هذا التعزيز الاجتماعي إلى تشجيع الأفراد على الاستمرار في تقديم المحتوى الذي يحظى بقبول أكبر وثناء ومديح من الآخرين، ما يدفعهم إلى إعادة تشكيل حضورهم الرقمي باستمرار. ومع الوقت، قد يصبح الفرد أكثر اهتماماً بكيفية ظهوره أمام غيره، مقارنة بتركيزه على تجربته الواقعية، الأمر الذي يعزز ظاهرة إدارة الانطباع الاجتماعي في البيئة الرقمية.

كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للمقارنة الشخصية والاجتماعية أو المهنية، حيث يتعرض الأفراد يومياً لصور النجاح والسعادة والإنجاز لدى الآخرين. هذه المقارنات قد تؤدي إلى شعور بعض المستخدمين بأن حياتهم أقل جودة أو أقل نجاحاً  وأقل سعادة منهم، رغم أن المحتوى الرقمي غالباً ما يكون انتقائياً ويعكس الجانب الإيجابي فقط دون أن يسلط الضوء على سلبياتهم والأخطاء التي يقعون فيها. ونتيجة لذلك، يسعى بعض الأفراد إلى تحسين صورتهم الرقمية لمجاراة الآخرين ونيل الأعجاب والقبول منهم، مما يعزز دائرة بناء الهوية الافتراضية المثالية التي تسعى نحو الكمال، ويزيد من الفجوة الكبيرة بين الواقع الوجاهي والصورة الرقمية الأفتراضية.

من جهة أخرى، توفر المنصات الرقمية مساحة للتعبير عن الذات بصورة أكثر حرية مقارنة بالتفاعلات الواقعية المباشرة، الأمر الذي يدفع بعض المستخدمين إلى تبني هويات رقمية تختلف عن شخصياتهم الواقعية. فقد يظهر الفرد أكثر جرأة في التعبير عن آرائه وأفكاره ومشاعره، أو أكثر انفتاحاً وحرية في تفاعلاته، أو أكثر نجاحاً في عرض إنجازاته ونشاطاته اليت يقوم بها. هذه الهويات الرقمية قد تمنح المستخدم شعوراً بالتمكين والثقة والشعور بالراحة، لكنها قد تخلق أيضاً حالة من الازدواجية بين الذات الحقيقية والذات الرقمية المطروحة.

ورغم التحديات المرتبطة ببناء الهوية الرقمية المثالية، فإن لهذه الظاهرة جوانب إيجابية مهمة. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد فرصة التعبير عن أنفسهم، وبناء شبكات علاقات واسعة، وعرض مهاراتهم وخبراتهم، وتعزيز حضورهم المهني والاجتماعي والشخصي. كما ساعدت في تمكين الأفراد من مشاركة تجاربهم، والتفاعل مع مجتمعات افتراضية تشترك في الاهتمامات والقيم نفسها. إلا أن الاستخدام غير المتوازن لهذه المنصات قد يؤدي إلى التركيز على الصورة والمظهر أكثر من الجوهر، وعلى الانطباع أكثر من الواقع.

إن التوازن بين الهوية الرقمية والهوية الواقعية أصبح قضية مهمة في ظل الاعتماد المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي في الحياة اليومية. فكلما زادت الفجوة بين ما يقدمه الفرد رقمياً وما يعيشه فعلياً، زادت احتمالية الشعور بالضغط والتوتر النفسي أو التناقض الداخلي. في المقابل، يسهم الاتساق بين الهوية الرقمية والواقعية في تعزيز الشعور بالأصالة، وبناء علاقات اجتماعية أكثر مصداقية، وتحقيق رضا شخصي أعلى.

في النهاية، لم تعد الهوية الرقمية مجرد امتداد للهوية الواقعية، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في تشكيلها. ويجد الأفراد أنفسهم اليوم في مساحة بين الواقع والشاشة، يعيدون من خلالها تعريف ذواتهم وبناء حضور اجتماعي يعكس طموحاتهم وتصوراتهم. ويبقى التحدي الأساسي في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتعبير الصادق عن الذات، دون الوقوع في فخ المثالية الرقمية، بحيث تعكس الهوية الرقمية حقيقة الفرد، لا صورة مثالية بعيدة عن الواقع.

***

د. أكرم عثمان

8-4-2026

متاهة الهوية والتوظيف السياسي للتاريخ - مقاربة فلسفية

الوجود المفتوح وصيرورة المكان

تُعد منطقة الشرق الأوسط، في جوهرها الوجودي، فضاءً مفتوحاً على صيرورة لا تنتهي من التدفقات البشرية والتحركات العسكرية التي شكلت ما يمكن وصفه بـ "المتاهة العرقية". هذه المتاهة استعصت تاريخياً على محاولات الحصر والتقنين القومي الحديث التي حاولت قولبة التعدد في أطر ضيقة. إن هذا الفضاء الجغرافي ليس مجرد مسرح للأحداث، بل هو بنية معقدة من المسارات التي تداخلت فيها الهويات والمصالح المرتبطة بالجغرافيا السياسية عبر آلاف السنين. إن الفهم الفلسفي لهذه المتاهة يقتضي تفكيك العلاقة الجدلية بين السلطة والأرشيف، وبين الذاكرة الجمعية والمشاريع السياسية التي تسعى لفرض سرديات متجانسة على واقع يتسم بالسيولة والتعدد الجذري.

التشكيل الإنساني للمتاهة: نقد النقاء المتوهم

تضرب جذور المتاهة العرقية في الشرق الأوسط في أعماق العصور القديمة، حيث كانت مسارات الهجرة والفتح تشكل أنماطاً سكانية لا تخضع لتصنيفات "العرق" أو "القومية" بالمعنى المعاصر. في عصر فجر السلالات ببلاد ما بين النهرين، كانت التحركات البشرية بين الشمال والجنوب، وبين بابل وآشور، تعكس تداخلاً ثقافياً جعل من الصعب الجزم بوجود حدود عرقية فاصلة. إن الاختلافات في النحت أو الفن، التي حاول بعض المؤرخين المتأثرين بالنزعات القومية تفسيرها كفوارق عرقية صلبة، تُفهم اليوم فلسفياً كاختلافات في المدارس الفنية المحلية والبيئات الجغرافية، أكثر من كونها انعكاساً لنقاء سلالي متوهم.

تطور هذا التداخل مع صعود الإمبراطوريات الكبرى، حيث أصبحت المنطقة ممراً إلزامياً للجيوش والقوافل، مما أدى إلى نشوء هويات "وظيفية" عابرة للروابط الجينية. في العصور الإسلامية، لم يكن الانتماء السياسي قائماً على "التصنيف العرقي"، بل على الولاء العقدي أو الدور الوظيفي داخل جهاز الدولة. فعلى سبيل المثال، ظلت الهوية "التركية" لقرون طويلة مرادفة لطبقة الحكم والإدارة العسكرية، بصرف النظر عن الأصول السلالية الدقيقة للأفراد، وهو ما خلق نموذجاً يربط السلطة بالدور لا بالدم.

آليات محو الأرشيف والعنف الرمزي

عندما نصف الشرق الأوسط بأنه "متاهة غير مؤرشفة"، فإننا نشير إلى عملية سياسية نشطة ومستمرة من "إلغاء الأرشفة". فالأرشيف في المنظور الفلسفي ليس مستودعاً محايداً للوثائق، بل هو أداة سلطوية تختار ما يستحق البقاء في الذاكرة وما يجب نفيه إلى النسيان. إن بناء الدولة القومية في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى استند إلى ممارسة "عنف أرشيفي" منظم، تم من خلاله إقصاء الهويات التي لا تتناسب مع النموذج القومي السائد.

تطرح الدراسات الإنسانية المعاصرة مفهوم "التاريخ غير المؤرشف" للإشارة إلى تلك السير والذكريات التي تُصنفها السلطة كـ "هامشية" أو "غير عقلانية “، نجد أن محاولات الاستعمار ثم بعض القوى اللاحقة طمس التعدد الثقافي واللغوي لصالح هوية أحادية كان يهدف إلى السيطرة على "المستقبل" عبر التحكم في "الماضي". إن هذا المحو المتعمد يخلق فجوات في الذاكرة الجماعية، مما يجعل المجتمع يعيش حالة من الاغتراب تجاه تاريخه الحقيقي المتمثل في المتاهة.

التوظيف السياسي لمسارات الفتح في الصراعات المعاصرة

لا تُعد مسارات الفتح القديمة مجرد ذكريات غابرة، بل هي "بنية تحتية ذهنية" تُستحضر لإعادة رسم خرائط النفوذ وتبرير التدخلات العسكرية والسياسية. إن القوى الإقليمية الكبرى تعيد اليوم "تمثيل" التاريخ لاستحضار شرعية مفقودة؛ فكل تحرك عسكري معاصر يُلبس رداءً تاريخياً قديماً، وكأن الجغرافيا السياسية الحالية هي استكمال لفتوحات مضى عليها ألف عام. هذا التوظيف يحول التاريخ من مجال للعبرة إلى سلاح للتحريض.

تفكيك "النزعة الثقافوية" والجوهر الثابت

يقدم المفكر عزيز العظمة نقداً جذرياً لما يسميه "النزعة الثقافوية" في دراسة المنطقة. يرى العظمة أن هناك ميلاً أيديولوجياً لجمع الظواهر التاريخية المشتتة في "كتلة واحدة" صلبة تسمى "الشرق"، ومن ثم افتراض وجود "جوهر" ثابت وعابر للزمن يحدد سلوك هذه المنطقة.

إن تصوير مسارات الفتح كاندفاعات لعناصر عرقية أو دينية صافية هو تزييف للواقع "المتاهي". يجادل العظمة بأن الخطاب المعاصر يسعى لـ "نمذجة" التاريخ لخدمة أغراض سياسية، حيث يتم تحويل الدين من تجربة روحية واجتماعية متنوعة إلى أيديولوجيا إقصائية تسعى لفرض النقاء الثقافي. إن تصوير الصراع بين "الشرق" و"الغرب" كصراع وجودي نابع من طبائع ثابتة هو إنكار للظروف المادية والاقتصادية (مثل السيطرة على طرق التجارة ومنابع الطاقة) التي كانت المحرك الفعلي للفتوحات تاريخياً.

 الزمنية الذاتية مقابل التسلسل الزمني الغربي

تنبني أرشفة التاريخ في منطقتنا غالباً على "تسلسل زمني أوروبي" يفرض تقسيمات (قديم، وسيط، حديث) قد لا تتوافق مع التحولات الذاتية للمنطقة. هذا الفرض القسري للقوالب الزمنية يساهم في تغريب الهوية المحلية، ويجعلها تبدو في حالة "تخلف" دائم عن الركب العالمي، مما يمنح القوى المهيمنة شرعية التدخل تحت دعاوى "التحديث". إن الفلسفة التاريخية تتطلب منا البحث عن "زمننا الخاص" الذي يعترف بفترات الازدهار والركود بناءً على معطياتنا الحضارية لا بناءً على مسطرة الآخر.

الذاكرة المضادة: المقاومة من قلب المهمش

في مواجهة محاولات الأرشفة القسرية، تبرز "الذاكرة المضادة" كفعل مقاومة. يستلهم هذا المفهوم من أفكار ميشيل فوكو، حيث يتم البحث في "المنسي" و"المهمش" لتقويض السرديات الكبرى. إن حكايات الأقليات، وأغاني القوافل، وذكريات المدن الحدودية التي دمرتها الحروب، كلها تشكل ذاكرة مضادة ترفض الاختزال في هوية قومية واحدة.

 الصراعات العرقية: ثمن الأرشفة القسرية

إن المتاهة العرقية لم تتحول إلى "أزمة" إلا عندما حاولت القوى الحديثة تصنيفها قسرياً. إن الفشل في تعريف هوية وطنية جامعة يعود إلى إرث "الحدود المصطنعة" (اتفاقيات سايكس بيكو) التي تجاهلت السيولة التاريخية للمنطقة. لقد تم تجميع مكونات متنوعة داخل حدود ضيقة، مع فرض هوية "من الأعلى" عبر أنظمة شمولية، مما أدى إلى انفجار الهويات "غير المؤرشفة" عند أول اهتزاز سياسي.

نحو أفق جديد: قبول المتاهة

إن المقاربة الفلسفية لطريق الفتح تقودنا إلى ضرورة إعادة التفكير في علاقتنا بالماضي. المتاهة ليست مشكلة تتطلب حلاً، بل هي غنى ثقافي يجب قبوله. لبناء دول مستقرة، يجب أن تشمل السرديات الوطنية تجارب المهمشين، والاعتراف بأن "صمت الأرشيف" هو بحد ذاته دليل على عنف ممارس.

يجب التوقف عن استحضار التاريخ لتبرير الهيمنة، والتحول نحو "عقد اجتماعي إقليمي" يحترم التعدد. إن طريق الفتح، بدلاً من أن يكون مساراً للسيطرة، يمكن أن يصبح طريقاً للفهم الحضاري إذا قرأناه كقصة مستمرة من اللقاء الإنساني. إن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المتاهة من ساحة للصراع إلى فضاء للتعايش، حيث تُحترم كل الذكريات وتُحفظ كل الهويات.

***

غالب المسعوي

.......................

مرجعيات

- عزيز العظمة: "العلمانية من منظور مختلف" و"دنيا الدين في غرب أفريقيا". (لبحث مفاهيم الثقافوية والجوهرانية).

- ميشيل فوكو: "حفريات المعرفة". (لفهم آليات الأرشيف والذاكرة المضادة).

- إدوارد سعيد: "الاستشراق". (حول تمثيلات الشرق في الذهنية الغربية).

- وجيه كوثراني: "الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل". (حول تشكل الهويات في المشرق العربي).

- محمد أركون: "المسكوت عنه في الفكر الإسلامي". (لبحث الفجوات في الأرشيف الديني والسياسي).

لم تكن مسألة الإبداع وليدة العصر الحديث، بل شغلت عقول الفلاسفة والعلماء منذ أقدم الأزمنة، فتباينت حولها التفسيرات بين من رآها انحرافاً بيولوجياً، ومن اعتبرها طاقة نفسية طبيعية، وآخرين أرجعوها إلى بنية الدماغ ووظائفه العليا. وفي هذا السياق، اقدم قراءة تعيد وصل الفكر العربي التراثي، ممثلاً بإخوان الصفا، مع معطيات علم النفس والأعصاب الحديثة.

ارى أن الإبداع ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين البنية الدماغية من جهة، والمحيط الاجتماعي والثقافي من جهة أخرى. فالدماغ، بما يحويه من مراكز ووظائف، يشكل الأساس المادي للإبداع، لكن مضمونه يتحدد عبر التجربة واللغة والتنشئة.

هذا التصور يتقاطع بشكل لافت مع ما طرحه إخوان الصفا قبل قرون طويلة، كما ورد في رسائلهم (الجزء الثالث من 244- 245) النص حين تحدثوا عن (قوى النفس) بوصفها منظومة متكاملة تعمل داخل الجسد، تتوزع بين الحس والتخيل والتفكير والحفظ والنطق، في صورة قريبة جداً مما يعرف اليوم بـ(الوظائف العقلية العليا).

في رسائلهم، شبه إخوان الصفا الدماغ بدولة يقودها "الملك" (القوة المفكرة)، وتعاونه قوى أخرى كالتخيل والحفظ والنطق والصناعة. هذا التصور الرمزي لا يبتعد كثيراً عن الفهم العلمي الحديث الذي يرى الدماغ جهازاً موحداً يعمل عبر مراكز متخصصة، لكنها مترابطة وظيفياً.

فالقوة المتخيلة، مثلاً، تقابل في المفهوم المعاصر عمليات معالجة الصور الذهنية، بينما تمثل القوة الحافظة الذاكرة، والقوة الناطقة الوظيفة اللغوية، أما القوة الصانعة فتشير إلى المراكز الحركية الدقيقة المرتبطة باليدين والأصابع.

تتجلى عبقرية إخوان الصفا أيضاً في تحليلهم لتدرج المعرفة الإنسانية. فقد ميزوا بين مراحل تبدأ بالإحساس، ثم الإدراك الحسي، وصولاً إلى الإدراك العقلي المجرد. وهذا ما أثبته لاحقاً علماء النفس المعاصرون مثل جان بياجيه (1856م)، الذين أكدوا أن المعرفة تنمو تدريجياً من التجربة الحسية إلى التفكير المجرد. فالإنسان، في بداياته، يدرك العالم عبر الحواس، ثم يبدأ بتمييز الأشياء وربطها بالأسماء، إلى أن يصل إلى مرحلة التجريد والتعميم، حيث تصبح اللغة أداة التفكير الأساسية.

تناول إخوان الصفا قضية العلاقة بين اللغة والفكر بعمق لافت، معتبرين أن الألفاظ هي (أجساد) والمعاني (أرواحها). وهذا التصور ينسجم مع ما ذهب إليه لاحقاً علماء مثل ليف فيغوتسكي (1896– 1934م)، الذي رأى أن الكلمة وحدة تجمع بين الصوت والمعنى، وأن الفكر واللغة متداخلان دون أن يذوب أحدهما في الآخر. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لتشكيل الفكر نفسه، والإبداع لا يمكن أن ينفصل عن هذه العلاقة العضوية بينهما.

يشير النص الثالث من رسائلهم إلى أن الفروق بين الأفراد في القدرات الإبداعية ليست ناتجة أساساً عن اختلافات جوهرية في الدماغ، بل عن تفاوت الظروف البيئية والثقافية. فالإمكانات متقاربة، لكن استثمارها يختلف باختلاف فرص التعليم، ومستوى الوعي، وطبيعة البيئة الاجتماعية. وهذا يضع مسؤولية كبيرة على المؤسسات التربوية والثقافية، إذ إن تنمية الإبداع ليست شأناً فردياً فقط، بل مشروعاً مجتمعياً يرتبط بالعدالة التعليمية وتكافؤ الفرص.

ما يلفت في أطروحات إخوان الصفا هو دقتها العلمية رغم بساطة المصطلح، إذ لو استبدلت كلمات مثل (النفس) و(القوى) بمفاهيم حديثة كـ(الدماغ) و(المراكز العصبية)، لبدت هذه الأفكار وكأنها تنتمي إلى علم الأعصاب المعاصر. بل إن بعض ملاحظاتهم، تفوق في دقتها ما ذهب إليه فلاسفة لاحقون مثل ديكارت (1596- 1650م)، ما يدل على عمق التجربة الفكرية العربية وقدرتها على استباق كثير من النظريات الحديثة.

يخلص هذا الطرح إلى أن الإبداع، في جوهره، ليس لغزاً غامضاً ولا حالة استثنائية منفصلة، بل هو نتيجة تفاعل حي بين الدماغ والبيئة، بين الفطرة والتجربة، وبين اللغة والفكر.

وما قدمه إخوان الصفا قبل ألف عام، يثبت أن التراث العربي لم يكن بعيداً عن روح العلم، بل كان، في كثير من جوانبه، سابقاً لعصره… ينتظر فقط من يعيد اكتشافه بلغة العصر.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

تكشف التجربة العلمية في فضاء المغرب الإسلامي عن حقيقة حضارية عميقة، مفادها أن تشكّل المدرسة اللغوية لم يكن انعكاسًا لانقسام إثني أو تنازع لغوي، بل كان تجلّيًا لجدلٍ معرفي خصب، تفاعلت فيه روافد متعددة داخل أفق حضاري موحّد.

لقد انتصرت اللغة العربية، في هذا السياق، لا بوصفها لسان جماعة بعينها، بل باعتبارها أفقًا جامعًا للمعرفة والشرع والتدوين، أو ما يمكن تسميته، استلهامًا من تصور ابن خلدون، بـ"العصبية الرمزية" التي توحّد المختلفين داخل بنية ثقافية واحدة. فالعلماء، عربًا وأمازيغ، لم يتعاملوا مع اللغة كمعطى جاهز، بل ككائن حيّ قابل للتهذيب والتقعيد والتأويل.

في هذا الإطار، برزت إسهامات العلماء الأمازيغ في ترسيخ البعد التعليمي والصوتي والكتابي للغة العربية، حيث تحوّلت اللغة من أداة تواصل إلى نظام تربوي متكامل. فقد شكّلت "الآجرومية" مدخلًا بيداغوجيًا بالغ الأثر، لم يكتفِ بتيسير النحو، بل أعاد ترتيب العلاقة بين المتعلّم والبنية اللغوية، في أفق ما يشبه "اقتصاد المعرفة" الذي يختزل التعقيد دون أن يُفرغه من مضمونه. كما مثّلت "ألفية ابن معطي" علامة على نضج النحو في الغرب الإسلامي، حيث انتقل من طور التلقي إلى طور الإبداع.

 أما في مجال القراءات، فقد أسهم ورش النفزاوي في تثبيت قراءة نافع، ضمن تقليد صوتي صارم، يُذكّر بما يسميه فرديناند دي سوسير "نظام العلامات"، حيث لا تُفهم اللغة إلا في بنيتها الصوتية الدقيقة. وبموازاة ذلك، تطوّر الخط المغربي على أيدي نساخ مهرة، منحوا الحرف بُعدًا بصريًا مميزًا، جعل الكتابة نفسها تتحوّل إلى شكل من أشكال التفكير المرئي.

في المقابل، انخرط العلماء العرب في المغرب الإسلامي في بلورة مدرسة لغوية تحليلية، نقلت النحو من حدود التقعيد إلى آفاق الفهم والتأويل. فقد أعاد الشلوبين قراءة التراث النحوي المشرقي قراءة نقدية، تربط البنية بالمعنى، فيما يشبه انتقالًا من "نحو العبارة" إلى "نحو الدلالة". أما السهيلي، فقد مزج بين النحو والبلاغة والتفسير، محوّلًا اللغة إلى أداة لاكتشاف المقاصد، لا مجرد وسيلة لضبط الألفاظ. وهو مسار يلتقي، في عمقه، مع ما ذهب إليه بول ريكور حين اعتبر أن اللغة ليست وعاءً للمعنى، بل أفقًا لتوليده وتأويله.

ومن هذا التفاعل المركّب، تشكّلت مدرسة مغاربية ذات خصوصية معرفية، حيث تآلف التعليم بالتحليل، والصوت بالمعنى، والحرف بالفكرة. ولم تكن هذه المدرسة قائمة على منطق الإقصاء أو المفاضلة، بل على مبدأ التكامل الخلّاق، الذي يجعل من الاختلاف شرطًا للإبداع، لا عائقًا أمامه. وهنا يمكن استحضار قول ابن رشد إن "الحكمة صاحبة الشريعة"، في إشارة إلى أن المعرفة لا تتجزأ، بل تتكامل في أفق واحد.

ولم تبقَ هذه الإسهامات حبيسة المجال الجغرافي للمغرب الإسلامي، بل امتد أثرها إلى المشرق، عبر مسارات هادئة وعميقة، بعيدة عن الصخب والصدام. فقد أسّس أبو عمرو الداني منهجًا صارمًا في ضبط الرسم والقراءات، جمع بين الدقة النصية والوعي التاريخي بالمصحف، وهو ما جعل مؤلفاته مرجعًا في حلقات القرّاء بالمشرق، وأسهم في توحيد معايير الضبط والكتابة القرآنية. كما مثّل السهيلي حلقة وصل بين النحو والبلاغة والتفسير، ووجدت مقاربته صدى في بعض التيارات المشرقية التي تجاوزت الشرح المدرسي إلى مساءلة العلل والمعاني.

ويمكن تتبّع انتقال هذه المعارف عبر ثلاث قنوات كبرى:

حركة المخطوطات التي حملت نصوص الغرب الإسلامي إلى المشرق، والرحلة العلمية التي جسّدت ما يسميه الجاحظ "تداول المعاني بين الأمم"، ثم التفاعل المؤسسي داخل مدارس القراءات في الحرمين ومصر، حيث التقت تقاليد متعددة في أفق علمي مشترك. وهكذا، لم يكن الغرب الإسلامي هامشًا تابعًا، بل شريكًا فاعلًا في إعادة تشكيل أفق الدرس اللغوي الإسلامي، بما يعكس وحدة حضارية تتجاوز الحدود الجغرافية.

إن اللغة، في جوهرها، ليست مجرد نظام من القواعد أو أداة للتواصل، بل هي ذاكرة حيّة للتجارب الإنسانية، ومرآة للتحولات العميقة التي تعبر بها الحضارات. وكلما ظنّ الإنسان أنه يمتلكها، اكتشف أنها هي التي تعيد تشكيله في الخفاء. وربما كان سرّ خلود التجارب الكبرى، كالتجربة اللغوية في المغرب الإسلامي، أنها لم تبحث عن الهيمنة، بل عن الانسجام؛ ولم تؤسس لسلطة المعنى، بل لانفتاحه. ففي صمت الحروف، تنمو أكثر الأفكار صخبًا، وفي تواضع اللغة، يتجلّى أفق لا نهائي من المعنى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

الموت هو أحد أقدم الأسئلة التي واجهتها البشرية وأكثرها إثارة للقلق والتأمل، ويقدم هذا المقال التفسيرات الفلسفية والدينية والعلميه للموت، وهي المناهج الأساسية التي اعتمدت عليها البشرية في سعيها للفهم والمعرفة.

التفسير الفلسفي

يمتد التفسير الفلسفي للموت من العصر الاغريقي إلى العصر الحديث، ويشمل أفكار ديكارت والفلاسفة المثاليين، والوجوديين والماديين.

في العصر الاغريقي اعتقد اغلب الفلاسفه أن الموت ليس شراً، بل هو انتقال الروح إلى عالم أعلى، حيث توجد الحقيقة المطلقة والمعرفة الكاملة. على النقيض من ذلك، لم يكن أرسطو مهتماً بما يأتي بعد الموت، وركز على الحياة الفاضلة، واعتبر الموت النهاية الطبيعية للكائن الحي.

اعتقد فلاسفة العصور الوسطى (من القرن 5 إلى القرن 15 ميلادي) أن الموت انتقالًا وليس فناءً، و​​أن الروح جوهر مستقل عن الجسد، وركزوا على سعادة الروح بعد الموت.

في العصر الحديث (من القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن العشرين)، اعتبر ديكارت أن الروح لا تموت لأنها جوهر مستقل، وأوضح سبينوزا أن الإنسان الحر يفكر في الحياة وليس الموت. اعتقد كانط أن الموت ضروري لفكرة الأخلاق، وأن الإيمان بالخلود يضمن إمكانية تحقيق العدالة المطلقة.

في المدرسه الفلسفية الالمانيه، دعا لودفيغ فويرباخ إلى الليبرالية والإلحاد والمادية، والتصالح مع إنسانيتنا، وإدراك أن المشكلة ليست في الموت نفسه، بل في التقليل من قيمة الحياة. أما نيتشه، فقد نظر الي الموت على أنه أمرٌ يجب مواجهته بشجاعة، معتبرًا إياه جزءًا من البنية المأساوية للحياة، وانتقد الأنظمة الأخلاقية المبنية على الخوف من الموت لأنها تُضعف الروح الإنسانية. تعمق مارتن هايدجر في تحليل الموت،، مُجادلًا بأن البشر كائنات واعية تُدرك حتميته، وأن هذا الوعي يمنحهم إمكانية العيش بصدق.

في فرنسا، اعتبر سارتر والفلاسفة الوجوديون الموت شيئًا عبثيا يأتي من الخارج لتدمير مشاريع الإنسان، ولكنه جزء من الوجود.

اعتقد الفيلسوف البريطاني برتراند راسل أن الموت هو النهاية الطبيعية للوعي، وأنه لا توجد حياة بعد الموت، وأنه ينبغي خلق المعنى في الحياة نفسها، لا البحث عنه خارجها.

وهكذا، اختلف الفلاسفة في موقفهم من الموت، لكنه يبقى مرآة تعكس الطبيعة البشرية وحدودها.

التفسير الديني

من وجهة نظر الأديان، الموت ليس مجرد حدث بيولوجي، بل هو انتقال بين عالمين، ولذلك قدّمت الأديان آراءً متنوعة حول معنى الموت، وما يحدث بعده، وكيفية الاستعداد له. ورغم اختلاف التفاصيل، تتفق معظم الأديان على أن الموت ليس نهاية مطلقة، بل بداية وجود جديد.

ينظر الدين اليهودي إلى الموت على أنه انتقال الروح إلى عالم آخر، مع التركيز على اهميه الحياة الصالحة في الدنيا.

اما في الزرادشتيه، فالموت هو انفصال الروح عن الجسد لتعبر فوق جسرا واسعًا الي الجنه إذا كانت أعمال الشخص صالحة، ولكن اذا كانت أعماله سيئة، يضيق الجسر وتسقط الروح في عالم الظلام. تؤمن الزرادشتية بأن الشر هو سبب الموت والمعاناة، ولكن في نهاية الزمن، تُطهَّر كل الأرواح وتعود إلى الله.

تؤمن المسيحية بخلود الروح ومحاسبتها بعد الموت، وأن المؤمنين ينالون الحياة الأبدية.

ينظر الإسلام إلى الموت على أنه انتقال من دار الفناء إلى دار الخلود، ويبدأ الحساب بعد الموت ويبلغ ذروته يوم القيامة، حيث يُحدد الجزاء في الجنة أو النار بحسب أعمال المرء ونواياه.

في الديانات الشرقيه، ترى الهندوسية الموت كجزء من دورة كونية، حيث تنتقل الروح من جسد إلى آخر. ويعتمد نوع التناسخ على أعمال الشخص قبل الموت، والهدف النهائي هو التحرر من دورة الولادة والموت. بالمثل، ترى البوذيه ان الموت كجزء من دورة الحياة، وأن التحرر من الخوف يأتي عبر التحرر من التعلّق، لأن التعلّق هو مصدر المعاناة. أما الطاوية، فتعتبر الموت عودة إلى الانسجام الكوني، لا كنهاية، بل كتحوّل طبيعي. ولا ينبغي مقاومته، بل فهمه كجزء لا يتجزأ من الطبيعة.

التفسير العلمي

يري العلم ان جسم الإنسان يتكون من ذرات يتم استبدالها طوال حياة الشخص دون اي تغير في سلوكها، فهي خالده ولا يمكن تدميرها. تتكون جميع الذرات في النجوم من اندماج ذرات الهيدروجين والهيليوم لتكوين ذرات جميع عناصر المادة. بعد الموت، تختلط ذرات الإنسان بالتربة والنباتات والحيوانات والهواء على الأرض، وتنتشر في نهاية المطاف في أرجاء الكون لتبقى إلى الأبد.

وهكذا، الموت وفقا لعلماء الفيزياء هو انطلاق ذرات الجسم من نظام يسمح بالأنشطة البيولوجيه، الي حاله من الفوضي في الكون الجامح وفقا لقانون الانتروبيا في الديناميكا الحراريه. ومن غير المرجح أن تعود الذرات إلى مصدرها الأصلي، لكنها قد تشارك في النظام البيولوجي لكائن حي آخر.

بعد تفسير الموت من منظور علم الفيزياء، نعرض التعريف الطبي له وهو التوقف الكامل وغير القابل للعكس لجميع وظائف المخ بما في ذلك وظائف جذع المخ. تبدأ رحلة الموت البيولوجي عندما يتوقف القلب عن ضخ الدم، مما يؤدي إلى فقدان الوعي في غضون 10 ثوانٍ نتيجة نقص الأكسجين في المخ. ثم يتوقف النشاط الكهربائي في غضون 30 ثانية، لكن الخلايا العصبية لا تموت فورًا. يبدأ الضرر الذي لا رجعة فيه في خلال 5 دقائق، ويموت المخ بعد 10 دقائق من توقف القلب بسبب نقص الأكسجين الشديد.

اذا تم بنجاح اعاده عمل القلب بعد توقفه واسترجاع مستوي الاكسجين في المخ، فإن الوعي يعود تدريجيا، وبعض الاشخاص يتعرضون لتجربه الاقتراب من الموت ”Near‑Death Experience“، التي قد تتضمن رؤية ضوء ساطع أو المرور عبر نفق، ورؤية مشاهد من الماضي، وبعض التجارب قد تكون مخيفة. يرى الناس “النفق” في تجارب الاقتراب من الموت بشكل متكرر، والتفسير العلمي لذلك هو انه مع نقص الأكسجين في المخ، تتعطل المناطق المسؤولة عن الرؤية المحيطية التي تصور الاطراف، بينما يبقى عمل الرؤية المركزية لثوانٍ أطول، مما يجعل الشخص يرى الوسط مضيئاً والأطراف مظلمة، ويفسرالمخ هذاالاحساس البصري بانه نفق.

ختاما، استعرض هذا المقال التفسير الفلسفي والديني والعلمي للموت، المقال القادم سيتناول ما يحدث بعد الموت لا سيما من منظور فيزياء الكم.

***

د. سامح مرقس

 

مقدمة: توجد ظاهرة نفسية شائعة غالبا ما تتكرر أمامنا، وهي أن الكثير من الأشخاص يقعون في الأخطاء ذاتها مرة بعد أخرى، وكأنهم لا يتعلمون من أخطائهم أبداً، فنندهش ونتساءل: هل هذا غباء؟ أم ماذا؟!

في الحقيقة يا صديقي القارئ، الموضوع أعقد بكثير من كونه غباءً، فهذه الظاهرة لها أسباب عديدة ومتداخلة، بعضها جاء من الماضي وبعضها الآخر يتعلق بالحاضر، ولكن قبل البدء بشرح أسبابها ومعالجاتها، دعنا أولا نلقي نظرة على بعض مظاهرها لنلفت انتباهك إليها وتصبح قادرا على تشخيصها في مواقف مختلفة:

- في التعليم مثلا، قد نرى معلما شابا، أفضل في تعليم التلاميذ والتعامل معهم والسيطرة على سلوكياتهم من معلم آخر لديه 10 سنوات من الخبرة أو أكثر. وقس على ذلك المهن الأخرى (الطب – المحاماة – الخياطة – الفن - ...الخ)

- في العلاقات الاجتماعية، قد نجد شابا في بدايات عمره لديه قدرة كبيرة على مد جسور المحبة، وحسن التعامل مع الآخرين وكسب ما يريده منهم، بينما قد نجدا شخصا آخر، أكبر منه سنا لكنه لا يجيد التعامل مع الناس ويكرر الأخطاء نفسها معهم. رغم اختلاطه بالناس أكثر من ذلك الشاب ولفترة أطول. وقس على ذلك بقية العلاقات (العاطفية – الزوجية – علاقات العمل والدراسة - ...)

طبعا، يبقى العكس صحيحا أيضا، حيث يمكن جدا أن نجد شابا أقلَّ كفاءةً بكثير من شخص كبير في العمر، ولكننا نتحدث هنا عن تلك الفئة من الناس التي تبدو وكأنها لا تتعلم من أخطائها؟. لماذا يكررون الأخطاء نفسها في جانب ما من حياتهم أو أكثر من جانب؟

لماذا نجد مهندسا بارعا يتعلم من أخطائه في الهندسة بسهولة؟ بينما يكرر أخطاءه في مجال العلاقات العاطفية؟ والعلاقات الاجتماعية؟ ولماذا تاجر ناجح يتطور في التجارة ويتعلم من أخطائه؟ لكنه فاشل في توطيد العلاقة مع أبنائه ويعيد تكرار الأخطاء نفسها في تربيتهم؟. لماذا طبيبٌ يتعلم من أخطائه وتتطور خبرته بسرعة؟ بينما طبيب آخر لا يتعلم ويكرر أخطاءه الطبية نفسها؟ وأسئلة أخرى كثيرة جدا.

الإجابة على هذه الأسئلة التي تبدأ بـ "لماذا" ستكون من إحدى عشر نقطة:

أولا: فخ الانحياز التأكيدي: حيث أن عقولنا لا تبحث دائما عن الحقيقة، وإنما تبحث عما يؤكد معتقداتنا الحالية عن أنفسنا والحياة والآخرين، فإذا كان الشخص يعتقد داخليا أنه مثلا "غير محظوظ" فإن عقله سيتجاهل الحادثة تماما ولن يعيد تحليلها وإنما ينسب الحادثة إلى "سوء الحظ" فقط، وبالتالي لا يتعلم شيئا من الحادثة. والذي لديه معتقد أنه "فاشل" ويتم رفضه في وظيفة ما مثلا، فإنه لن يعيد تحليل هذا الرفض بشكل منطقي ويبحث عن الأسباب التي أدت إلى رفضه كالارتباك في المقابلة أو قلة مهاراته أو قدراته مقارنةً بالمتقدمين الآخرين... الخ، وإنما سيعيد الحادثة كلها إلى أنه "فاشل" لا أكثر ولا أقل... وهكذا.

ثانيا: كيمياء الدماغ ومكافئة الخطأ: يعمل الدماغ أحياناً كآلة "تآمر" ضد مصلحتنا الشخصية بسبب نظام المكافأة الذي يعطي الأولوية للإثارة اللحظية على الأمان بعيد المدى، خاصة حين تضعف كفاءة القشرة الحزامية الأمامية (الرادار المسؤول عن رصد الأخطاء وتعديل السلوك)، مما يحول الخطأ المتكرر إلى مسار عصبي مريح يصعب تجاوزه. ففي حالة الإدمان مثلا، تقوم المواد المخدرة بإفراز كميات هائلة من الدوبامين تجعل المدمن يفضل لذة كيميائية مدمرة على واقع صحي مجهول وصعب، بينما في العلاقات السامة يقع الشخص في فخ "التعزيز المتقطع" حيث يفرز الدماغ مزيجاً من الأوكسيتوسين والدوبامين بعد كل صلح مؤقت يلي الإهانة، مما يجعل العقل يدمن "نشوة النجاة" ويفضل هذا الجحيم المألوف على وحدة مجهولة. أما في المقامرة أو التداول العشوائي، فإن الدماغ يفرز الدوبامين حتى عند "الخسارة الوشيكة" فيما يُعرف بتأثير الربح القريب، مما يخدع العقل ويحفزه على تكرار رهان المال الخاسر لأن الجهاز العصبي يرى الفشل القريب كإشارة للاستمرار وليس للتوقف، وبذلك يصبح تكرار الخطأ نتيجة لبرمجة كيميائية تجعل الدماغ يرى في "المعروف السيئ" مكافأة مضمونة، بينما يخشى بذل الجهد الذهني اللازم للتغيير واكتشاف المجهول الجيد.

ثالثا: الهروب من الألم: مواجهة الخطأ والاعتراف به تؤدي إلى مشاعر سلبية لدى الانسان (عار – حزن – غضب – دونية -... الخ) وبالتالي يلجأ بعض الناس لعدم محاكمة الخطأ وتحليل السلوك الشخصي، تجنبا لعيش هذه المشاعر، ويفضلون بدلا من ذلك إلقاء اللوم على أمور أخرى (الحظ – التوقيت – الآخرين – الماضي - ... الخ)، وهنا نحرم عقولنا فرصة التعلم من التجارب التي تمر بنا.

رابعا: قوة العادات: الدماغ البشري يميل لتوفير الطاقة، لذا يحول الأفعال المتكررة إلى عادات تلقائية. فبمجرد أن يترسخ نمط سلوكي معين (مثل الغضب السريع عند مواجهة ضغط)، يصبح من الصعب جداً كسره حتى لو كانت نتائجه كارثية. فالشخص هنا لا يقرر ارتكاب الخطأ، بل "ينزلق" إليه لأن مساراته العصبية مبرمجة على ذلك. الموضوع يشبه قيادة السيارة مثلا، ففي بداية تعلمك لها تحسب حساب كل خطوة، ولكن مع الوقت والممارسة المستمرة، تصبح في وضع آلي، بحيث تقضي مشاويرك الاعتيادية بالسيارة دون أن تتذكر كيف مررت بالطرق أصلا.

خامسا: عدم الاهتمام للتعلم: التعلم من التجربة ليس عملية تلقائية تحدث بمجرد مرور الوقت أو التعرض لتجارب حياتية، بل هي عملية نشطة تتطلب اهتماما، فالأشخاص الذين لا يخصصون وقتاً للتأمل وتحليل ما حدث (لماذا فعلت ذلك؟ وماذا كانت النتيجة؟ وكيف أتجنبه؟) يبقون محبوسين في تجاربهم دون استخلاص "الحكمة" منها. التجربة بلا تأمل هي مجرد حدث عابر، أما التجربة مع التأمل فهي "خبرة".

سادسا: الاعتقاد بأن الصفات ثابتة: يعتقد العديد من الأشخاص، بأن صفاتهم وقدراتهم ثابتة ولا تتغير، ولا جدوى من محاولة تغييرها، وهذا يمنعهم حتى من محاولة تحليل الأحداث والتجارب التي تمر بهم. وبالتالي لا يتعلمون من أخطائهم. فهو مثلا يدرك أنه عصبي، أو أن لديه عقدة نفسية ما، ولكنه يعتقد بأن هذا لن يتغير أبدا.

سابعا: العجز المكتسب: عندما يحاول الإنسان تغيير نفسه أو تغيير علاقته بماضيه أو محيطه، أو تصحيح أخطائه، ويفشل مرات متكررة نتيجة طريقة التغيير الخطأ أو نتيجة ظروف أكبر منه، سيقول مع نفسه (لا فائدة، لن يتغير شيء مهما حاولتُ) وبالتالي يتوقف عن محاولة التغيير حتى لو تغيرت الظروف أو حصل على توجيه مناسب من شخص ما.

ثامنا: ضيق الأفق بسبب التوتر المزمن: عندما يعيش الإنسان تحت ضغط مادي أو نفسي مستمر، يدخل الدماغ في حالة يمكن أن نسميها "نفق التفكير". فالتوتر يقلل من قدرة القشرة الجبهية (مسؤولة عن المنطق) ويجعل الإنسان يتخذ قرارات مبنية على "البقاء" القصير المدى. فالفقير مثلا قد يتخذ قرارات مالية خطأ تزيد فقره، والمضغوط عاطفياً قد يتخذ قرارات تزيد مشاكله، ليس لنقص في الذكاء، بل لأن الإجهاد استنزف قدرات عقله.

تاسعا: التكرار القهري: يميل الإنسان أحياناً لتكرار تجربة مؤلمة مر بها، مثلا في الطفولة (مثل علاقة مع أب مهمل) من خلال البحث عن شركاء مهملين في الكبر. والهدف اللاواعي: هو محاولة "إصلاح" الماضي عبر تكراره في الحاضر للسيطرة عليه هذه المرة. فهو إذن يكرر الخطأ آملاً في "نهاية مختلفة"، لكنه يظل عالقاً في الدائرة نفسها لأنه يختار الأدوات نفسها.

عاشرا: نقص المهارات ما وراء المعرفية: بعض الناس ليس لديهم القدرة على مراقبة أفكارهم وسلوكياتهم وفهمها وتحليلها واستنتاج الأخطاء منها، وبالتالي فهو مهما حاول الاستفادة من أخطائه لن يستطيع.

أحد عشر: التطبع بالبيئة المحيطة: الانسان كائن اجتماعي يتأثر شعوريا ولا شعوريا بمن حوله، وبالتالي عندما يكون الإنسان في بيئة اجتماعية (عائلة – أصدقاء – زملاء - ...الخ) يعملون تلك الأخطاء وبشكل متكرر ولا يرونها أخطاء أصلا، فإنه يعيد تكرار الأخطاء نفسها وفي أحيان كثيرة دون أن يكون واعيا بها، ومن أمثلة ذلك، في بعض الثقافات المؤسسية، يُعتبر "التسويف" أو "سوء الإدارة" نمط حياة؛ هنا، الشخص لا يتعلم ليس لخلل فيه، بل لأن "المعيار" حوله منخفض جداً بحيث لا يحفزه على رصد أخطائه. وكذلك الذي يمضي وقته مع عاطلين العمل، أو مع منحرفين جنسيا، وهكذا.

الحل:

أستطيع أن أكتب لك قائمة كبيرة بالحلول التي يمكن اتباعها للتخلص من مشكلة "عدم التعلم من الأخطاء" ولكن، هل تعتقد ان عقلك الذي يمرضك بشكل مستمر، يمكن أن يساعدك على الشفاء، أبدا، ولذلك فالحل الوحيد هو أن تستشير متخصصا محترفا بتقديم خدمات الإرشاد أو العلاج النفسي، كي يساعدك باكتشاف أسباب مشكلتك ووضع الحلول المناسبة لها.

أنصحك أيضا بقراءة الكتب التالية وتطبيق محتواهم بما يناسب حالتك قدر الإمكان، لو كانت هناك عوائق تمنع وصولك إلى الخدمات النفسية الاحترافية، علما أن قراءة الملخصات لن تكون مفيدة:

- أعد ابتكار حياتك – جيفري يونغ وجانيت كلوسكو.

- تفكير الصندوق الأسود – ماثيو سيد

- العادات الذرية – جيمس كلير

- فكرة مرةً أخرى – آدم غرانت

- عقدك النفسية سجنك الأبدي – اعرف وجهك الآخر – قوانين التحرر من الصراعات النفسية – د. يوسف الحسني

***

وعد عباس

 

حين تتحوّل الترجمة إلى قدرٍ روحي وإعادة خلق للمعنى

يشكّل سامي الدروبي ظاهرة فريدة في تاريخ الترجمة العربية الحديثة، إذ لا يمكن مقاربته بوصفه مجرد وسيط لغوي بين نصٍّ أصلي وقارئٍ جديد، بل باعتباره فاعلًا ثقافيًا أسهم في إعادة تشكيل الوعي العربي من خلال مشروع ترجمي يتجاوز النقل إلى مستوى الخلق والتأويل، وتتجلّى هذه الخصوصية بوضوح في علاقته العميقة بأعمال فيودور دوستويفسكي، حيث لم تكن هذه العلاقة علاقة اختيار عابر لنصوص عالمية، بل كانت استجابة داخلية لأسئلة وجودية مشتركة، جعلت من الترجمة فعلًا روحيًا يتجاوز حدود اللغة إلى فضاء التجربة الإنسانية الكونية، فقد تكوّن الدروبي في بيئة معرفية متعددة الأبعاد جمعت بين الفلسفة والسياسة والأدب، وكان لهذا التكوين أثر بالغ في طبيعة اشتغاله على النصوص، إذ تعامل مع أعمال دوستويفسكي بوصفها نصوصًا فلسفية بقدر ما هي سردية، فكان يقرأها من داخل أسئلتها الكبرى المرتبطة بالحرية والألم والإيمان والشر، وهي الأسئلة ذاتها التي شغلت فكره بوصفه مثقفًا عربيًا عاش تحولات تاريخية عميقة، ومن هنا نشأت علاقة يمكن وصفها بالتماهي الوجودي، حيث لم يعد النص الروسي غريبًا عنه، بل غدا مرآة لقلقه الداخلي، الأمر الذي جعل الترجمة عنده تتخذ شكل إعادة خلق للنص داخل اللغة العربية، لا بوصفها نقلًا حرفيًا أو تقنيًا، بل بوصفها إعادة كتابة مشبعة بالوعي الفلسفي والذائقة اللغوية الرفيعة، ولذلك تبدو ترجماته لأعمال مثل الجريمة والعقاب والإخوة كارامازوف نصوصًا عربية مكتملة، تمتلك إيقاعها الخاص ونَفَسها الداخلي، حتى ليشعر القارئ أن دوستويفسكي يكتب بالعربية، لا لأنه فقد هويته الأصلية، بل لأن الدروبي نجح في نقل روحه إلى فضاء لغوي جديد دون أن يفقدها عمقها، وقد اعتمد في ذلك على ما يمكن تسميته بالأمانة الوجودية للنص، حيث ركّز على نقل الحالة النفسية والتوتر الداخلي بدل الاكتفاء بمطابقة الكلمات، وهو ما جعله يميل إلى استخدام جمل طويلة متدفقة، ذات بناء تركيبي متماسك، وإلى اختيار مفردات عربية فصيحة مشحونة بالدلالة، الأمر الذي أضفى على نصوصه طابعًا كلاسيكيًا رفيعًا، غير أن هذا الاختيار الأسلوبي لم يكن خاليًا من الإشكال، إذ أدى في بعض الأحيان إلى تلطيف خشونة النص الدوستويفسكي، الذي يقوم في أصله على التقطّع والتوتر والانكسار، وهنا يظهر الفرق بينه وبين مترجمين آخرين مثل غائب طعمة فرمان الذي سعى إلى الحفاظ على البنية الأصلية للنص الروسي بكل ما فيها من خشونة وقلق، فبدت ترجمته أكثر التصاقًا بروح الأصل من حيث الشكل، لكنها أقل سلاسة من حيث التلقي العربي، في حين يمثل صالح علماني نموذجًا مختلفًا في الترجمة الأدبية، يقوم على تبسيط اللغة وتحديثها دون الإخلال بجوهر النص، وهو ما يجعل المقارنة بين هذه النماذج الثلاثة كاشفة عن تعددية مقاربات الترجمة في الثقافة العربية، فبينما يتجه فرمان نحو الأمانة البنيوية، ويتجه علماني نحو الأمانة التواصلية، ينحاز الدروبي إلى الأمانة الفلسفية التي تعيد إنتاج النص داخل أفق ثقافي جديد، ومن هنا تبرز إشكالية مركزية تتعلق بصوت المترجم، إذ يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان القارئ العربي يقرأ دوستويفسكي كما هو، أم كما أعاد الدروبي تشكيله، غير أن هذا السؤال، بدل أن يُفهم بوصفه نقدًا، يمكن اعتباره مدخلًا لفهم طبيعة الترجمة بوصفها فعلًا إبداعيًا لا يقل عن الكتابة الأصلية، لأن كل ترجمة كبرى تحمل بالضرورة بصمة صاحبها، وتعيد تشكيل النص وفق حساسيته الثقافية والجمالية، وهو ما تحقق في تجربة الدروبي بامتياز، حيث لم يكتف بنقل الأدب الروسي إلى العربية، بل أسهم في تأسيس ذائقة جديدة لدى القارئ العربي، قائمة على التفاعل مع العمق النفسي والفلسفي للنص، كما أسهم في ترسيخ فكرة أن الترجمة ليست مجرد جسر بين لغتين، بل هي فعل حضاري يعيد توزيع المعنى بين الثقافات، وعلى هذا الأساس يمكن القول إن العلاقة بين الدروبي ودوستويفسكي لم تكن علاقة مترجم بنص، بل علاقة شراكة خفية في إنتاج الدلالة، حيث يلتقي صوتان في نص واحد، أحدهما يكتب، والآخر يعيد الكتابة، دون أن يلغيه، بل يمنحه حياة أخرى في لغة جديدة، وفي سياق ثقافي مختلف، وهو ما يجعل تجربة الدروبي مثالًا حيًا على أن الترجمة، حين تبلغ ذروتها، تتحول من تقنية إلى قدر، ومن مهنة إلى مصير، ومن نقلٍ للنص إلى إعادة خلق للإنسان نفسه من خلال اللغة.

***

مجيدة محمدي

فلسفة تستجلي ظاهرة الرعب الخفي في مؤسّساتنا

لم يكن المشهد الذي رأيته عابرا. "إسلام" ابن أختي، طفل في سنته الأولى من التعليم الابتدائي، تقف أمّه أمامه في صباح عادي بعد عطلة ربيعية قصيرة، ترتّب حقيبته وتدعوه برفق للعودة إلى المدرسة، بينما هو ينهار بالبكاء، يرفض، يتشبث بالبيت كأنّه يهرب من خطر يتوعّده لا يُرى. كان بكاؤه صادقا، لا يحمل دلعا طفوليا عابرا، بل يحمل شيئا أعمق، رفضا غامضا، وخوفا لا يعرف كيف يشرحه. عندها فقط، بدأت أسأل نفسي، كيف يمكن لطفل ذكي ونشيط ومحبّ للحياة مثل إسلام أن يرى في المدرسة هذا الوجه المظلم الذي يدفعه إلى الانكسار؟ أرعبني بكاء هذا الطفل البريء، أهي المدارس مرعبة إلى هذا الحد؟ هل صارت المدارس تنتج طفولة مكسورة؟

هذا السؤال البسيط ظاهريا يقودنا إلى أزمة أعمق بكثير من حالة فردية. نحن لا نتحدّث عن طفل واحد، بل عن نمط يتكرّر في مدارس الجزائر، كما في كثير من مدارس العالم العربي، حيث يتحوّل الدخول إلى المدرسة من "افتتاح للمعرفة" إلى نوع من العبور القلق، وكأنّ الطفل يُدفع من فضاء الدفء والحرية إلى فضاء آخر أكثر صرامة وبرودة، لا يفهمه جسده الصغير ولا روحه المفتوحة على اللّعب والاكتشاف.

منذ قرون رأى "جان جاك روسو " أن الطفل يولد على الفطرة، محبّا للمعرفة بطبيعته، وأن العنف الحقيقي ليس في الجهل، بل في الطريقة التي نفرض بها التعلم. وحين ننظر إلى المدرسة التقليدية، نجدها في كثير من الأحيان تفصل الطفل عن هذه الفطرة، وتستبدل الفضول بالواجب، والاكتشاف بالحفظ، واللّعب بالجلوس الطويل والصمت المفروض. هنا تبدأ الطفولة في التشقّق بصمت، لا دفعة واحدة، بل تدريجيا، مع كلّ جرس، وكلّ اختبار، وكلّ نظرة تقييم.

وفي عمق هذا التشكل القاسي، يتوافق تحليل "ميشيل فوكو" مع وضع تعيشه مدارسنا، حيث كشف في مؤلّفه "المراقبة والمعاقبة" كيف تتحوّل المؤسسات الحديثة إلى أجهزة دقيقة لإنتاج الطاعة. فالمدرسة، في هذا التصور، ليست مجرد مكان للتعلّم، بل فضاء يُعاد فيه تشكيل الجسد والسلوك، الجلوس في صفوف، رفع اليد قبل الكلام، ضبط الوقت بدقّة صارمة، مراقبة مستمرة، وتقييم دائم. لا حاجة للعنف الصريح، فالمراقبة نفسها كافية لصناعة سلوك منضبط، لكنّه في كثير من الأحيان مثقل بالخوف الداخلي.

أدركت حينها أنّ بكاء "إسلام" صار مفهوما بشكل مختلف. إنّه ليس رفضا للمعرفة، بل رفضٌ لشكلها. ليس هروبا من التعلّم، بل من الطريقة التي يُقدَّم بها التعلّم. فالطفل لا يملك مفاهيم فلسفية عن السلطة، لكنّه يشعر بها. يشعر أن هناك شيئا يضغط على حركته الطبيعية، يطلب منه أن يكون أقلّ عفوية، أقلّ ضجيجا، بل أقلّ طفولة.

وقد حاول "جون ديوي" أن يعيد تعريف المدرسة باعتبارها حياة لا استعدادا للحياة، حيث يتعلّم الطفل من التجربة لا من التلقين، ومن الفعل لا من الصمت. وفي ذات السياق دافعت "ماريا مونتيسوري" عن فكرة أنّ الطفل يتعلّم أفضل حين يُترك في بيئة حرّة منظمة، تسمح له بالتحرك والاكتشاف وفق إيقاعه الخاص، لا وفق إيقاع مفروض من الخارج.

لكن المسافة بين هذه التصورات والواقع في كثير من مدارسنا لا تزال واسعة. في الجزائر والعالم العربي عموما، ما تزال المدرسة محكومة بثقل المناهج، وكثافة الأقسام، وضغط التقييم، مما يجعلها أحيانا أقرب إلى مؤسسة لضبط السلوك منها إلى فضاء لبناء الإنسان. وهكذا، دون أن تقصد، تتحوّل إلى تجربة تُرهق الطفل عاطفيا، وتدفع بعضه إلى ما يشبه الرفض المبكر للعالم المدرسي.

إن أخطر ما في الأمر أن هذا الانكسار لا يظهر دائما كصرخة واضحة، بل كدموع صغيرة عند الباب، كصمت داخل القسم، كنفور صباحي متكرر. ومع مرور الوقت، قد يتحوّل إلى علاقة مضطربة مع التعلم نفسه، حيث ينفصل الطفل عن الفكرة الأولى للمعرفة بوصفها متعة، ويبدأ في رؤيتها بوصفها عبئا.

إن ما رأيته مع "إسلام" ليس حادثة شخصية، بقدر ما هو علامة على ضرورة إعادة التفكير في معنى المدرسة نفسها، هل هي فضاء لصناعة الطاعة أم لصناعة الإنسان؟ هل نريد طفولة كاملة تنمو بالدهشة، أم طفولة مكسورة تتعلم مبكّرا كيف تخاف من المعرفة؟ أو أماكن تلقّي المعرفة؟

ربما لا تحتاج المدارس إلى أن تُلغى، بل أن تُستعاد روحها الأولى، أن تكون أقرب إلى اللّعب، إلى الحياة، إلى الطفل كما هو، لا كما نريده أن يكون. حينها فقط قد تتوقّف الطفولة عن الانكسار على عتبة القسم، ويعود باب المدرسة بابا للدهشة لا للخوف.

***

ليلى تبّاني ـــ الجزائر

بدءًا علينا أن نقرَّ ببدهية تقول بمقتضى الحال لا المقال، أنه لا شيء بقي على وضعه، فكل ظاهرة اجتماعية أو غيرها من المجالات التي تنتمي إليها هذه الظاهرة أو تلك، لا تبقى على حالها، فالتعليم أو التسويق أو غير ذلك من عادات وتقاليد وممارسات، تطرأ عليها كثير من المتغيرات، سواء في طريقة الطرح، أو في بعض التفاصيل التي تشكّلها، أو غير ذلك، بمعنى أنه لا يمكن بحال أن ننظر إلى ظاهرةٍ ما يمكن أن توجد في عصريه مختلفين، بمستوىً واحد من الطرح وكيفية واحدة ، إذ لا بد أن نشهد اختلافات في الظاهرة الواحدة بالنسبة لخصوصية كل زمن من الأزمان الذي انطلقت من رحمه تلك الظاهرة/ العادة/ التقليد ..الخ

وهنا إذا أردنا الحديث بخصوص المشهد السياسي، فقد تجد تمثلاته بخصوص هذا التحوّل أو التبدّل واضحاً للعيان من دون بذل مزيد من التأمل، فما عليك وانت تطالع عن سيرة رجال السياسة قبل خمسين سنة أو أقل، وتقارن بينهم وبين المتصدّين منهم حاليا للشأن السياسي، ستجد نفسك إزاء فروقات كبيرة يتصل بعضها بالمؤهلات التي توفّرت لذلك السياسي حتى صار يتبوّأ هذا المنصب أو تلك السلطة، ويتصل بعضها بالكارزما الشخصية التي يحظى بها ذلك السياسي ويفتقر إليها كل الافتقار هذا السياسي الذي صار – بقدرة قادر – سياسيا يجوب القنوات الفضائية أو غير ذلك من وسائل الإعلام، وغير ذلك من أمور كثيرة..

هذا التحوّل وإن كان خفيًّا – أو غير ملفت - لكنه عميق الأثر، إذ أخذ يتسلل إلى بنية الخطاب السياسي المعاصر، حتى كاد يبدّل معناه ووظيفته معًا. فلم يعد السياسي - في بعض صوره - ذلك الذي ينشغل ببناء الرؤية وصياغة المشروع، بل غدا أقرب إلى “صانع المحتوى” اليومي، يقيس حضوره بمدى التفاعل، ويستمد قيمته من سرعة الانتشار. وهنا، لا يكون القول موجّهًا إلى العقل بقدر ما يُلقي أهميةً إلى الانفعال، ولا تُبنى الفكرة بقدر ما تُستثار الغريزة.

إن من يرصد ممثلي هذه الظاهرة، سيلحظ في خطاب هذه الفئة من السياسيين، أنه يقوم على ثلاثية مقلقة: تبسيط مُخلّ، واستثارة مقصودة، وإدامة للتوتر. فاللغة تُختزل حتى تفقد دقتها، لتغدو أقرب إلى شعارات سريعة الاستهلاك، والخصومة تُضخّم حتى تتحول إلى مادة جاهزة للتعبئة، والجمهور يُستبقى في حالة يقظة انفعالية لا تهدأ. وكأن الخطاب لم يعد يسعى إلى الإقناع، بل إلى التحشيد؛ ولا يهدف إلى التبصير، بل إلى الاصطفاف.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه يُعيد تشكيل العلاقة بين السياسي وجمهوره. ففي النموذج الكلاسيكي، كان السياسي يُفترض أن يرتفع بالوعي العام، أو- على الأقل - يسعى إلى ترشيده. أما اليوم، فإن بعضهم ينحدر إلى مستوى المزاج السائد، لا ليعالجه، بل ليستثمر فيه. يقرأ ما يريده الجمهور، ثم يعيد إنتاجه بجرعة أعلى من الإثارة، فيدخل الطرفان في حلقة مفرغة: جمهور يطلب المزيد من الانفعال، وسياسي يقدّمه دون تردّد.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على بيئة بعينها؛ ففي الغرب، يمكن أن نجد نماذج لسياسيين أتقنوا توظيف المنصات الرقمية لإثارة الجدل واستدامة الحضور، كما في تجربة Donald Trump، حيث يغدو الخطاب أداةً للاستفزاز المنتج للتفاعل، وتتحول العبارة السياسية إلى حدثٍ إعلامي قائم بذاته. وفي المقابل، لا تخلو الساحة العربية – والعراقية في ضمنها - من ممارسات مشابهة، وإن اختلفت السياقات، إذ يتحول الخطاب السياسي إلى وسيلة يومية لشحن الجمهور، بدل أن يكون أداة لتهدئة المجال العام وترشيده.

وهنا يتبدل معيار النجاح: لا تُقاس قيمة الخطاب بعمق فكرته، ولا بقدرته على تقديم حلول، بل بعدد الإعجابات – أو اللايكات - وسرعة الانتشار، وحجم الجدل الذي يثيره. ومع الزمن، تتآكل هيبة المعنى، ويغدو القول - مهما اشتدّ صخبه - أقرب إلى ضجيج عابر، يعلو سريعًا ثم يخبو، دون أن يترك أثرًا حقيقيًا في الواقع.

إن هذا النمط لا يكتفي بعكس الانقسام الاجتماعي، بل يسهم في تعميقه وتوسعته. فكل منشور مشحون بشتى النكهات: طائفية على قومية على عرقية، مع عبارة مستفزة، بما يُضيف طبقة جديدة إلى جدار الكراهية، حتى يصبح الخلاف - وهو أمر طبيعي - انقسامًا وجوديًا لا يقبل الجسر أو المراجعة. وبهذا، يتحول الفضاء العام إلى ساحة توتر دائم، تُستنزف فيها الطاقات، ويُغيَّب فيها التفكير الهادئ، أو المراجعة النقدية.

وليس من المبالغة القول إننا أمام انزياح من “السياسة بوصفها تدبيرًا” إلى “السياسة بوصفها استعراضًا”. ففي الأولى، يكون الفعل موجّهًا نحو الواقع، يسعى إلى تغييره أو تحسينه. أما في الثانية، فيكون موجّهًا نحو الجمهور، يهدف إلى التأثير فيه آنًا، ولو على حساب الحقيقة أو المصلحة العامة.

حقيقةً دائما ما أردد في نفسي سؤالا مفاده: لو عاد رجال السياسة من أجانب ومن عرب، ممن كان لهم شأنٌ قبل خمسين سنة أو اكثر، ورأوا هؤلاء الذين يمثلون السياسة في هذا العصر، ماذا ستكون ردة فعلهم، فمثلا لو عاد إلى الحياة كل من "هاري ترومان" أو "أيزنهاور" أو غيرهما من رؤساء الولايات المتحدة، وشاهدوا المعتوه "ترامب" وسياسته الرعناء ماذا سيقولون..؟! وهكذا الحال لو أعدنا هذا الافتراض في المشهد السياسي في غير امريكا من دول العالم الغربي، والعربي..!

غير أن المسؤولية في ذلك لا تقع على عاتق السياسي وحده. فالجمهور شريكٌ في صناعة هذا النموذج، حين يكافئ الخطاب الاستفزازي الباحث عن "الترند"، ويتغافل عن الخطاب الرصين الباحث عن الحلول للمشاكل لا إثارتها فحسب. فحيثما يكون التفاعل، يكون الإنتاج. وإذا ظلّ ميزان التلقي مختلًا، فلن يكون مستغربًا أن يستمر هذا النمط الهابط في التمدد، مستندًا إلى طلبٍ لا ينقطع.

ويبقى السؤال: هل العالم متّجه إلى خطاب سياسي سطحي يمثله من لا حصانة لهم ولا دراسة بالشأن السياسي، بل كل مؤهلاتهم ما يملكونه من أموال تجلب لهم السلطة، وجمهور يقتات على خطاب شعبوي غارق بالأنانية الحزبية أو التعنصر المذهبي أو القومي الذي لا يحقق عشر معشار ما يدعيه من وعود يمرِّرها على ذلك الجمهور..

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال، أحد ممثلي هذه الظاهرة، ممن سكن وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنه إعلامي أو ناشط أو "بلوگر" مشهور على الفيسبوك، لا تفتح الفيسبوك إلا وتجده أمامك، وكأنه لا شغل ولا عمل لديه في البرلمان العراقي الذي ترشّح لأجل أن يكون ممثلا عن جمهوره، ولكن مع ذلك أقول: ليس العتب عليه، بل على جمهوره، إذ الجمهور الواعي له أثره في اختيار النائب الواعي لدوره، والجمهور غير الواعي وإن أتيح له ممارسة ديمقراطية مثل الانتخابات، فهو لا يستفيد منها باختيار الافضل من بين الخيارات المطروحة، بل ينعكس اختياره لما يمثل مستواه الفكري المتواضع. وبتعبير أبي الطيب المتنبي حين علّل هذه الظاهرة بما له علاقة بالشأن الأدبي، ممن لم ينبهر بالشعر الجيد في معناه ومبناه، بقدر انبهاره بالرديء منه أو النمطي التقليدي في أفضل أحواله، بقوله:

وَكَم مِن عائِبٍ قَولاً صَحيحاً

وَآفَتُهُ مِنَ الفَهمِ السَقيمِ

*

وَلَكِن تَأخُذُ الآذانُ مِنهُ

عَلى قَدرِ القَرائِحِ وَالعُلومِ

***

د. وسام حسين العبيدي

دراسة مقارنة بين الأنظمة الشمولية والسياسات الاستعمارية

تشريح بنى السلطة في الفضاء النفسي: يُمثل التداخل بين الفلسفة السياسية وعلم النفس النقدي أحد أخصب الحقول المعرفية لتفكيك بنى السلطة في العصر الحديث. فعند تأمل أساليب إدارة الحكم في الأنظمة الشمولية وفي سياسات الاستبداد الاستعمارية، يتضح أن القاسم المشترك الأكثر عمقاً وجوهرية يتجاوز مجرد القهر المادي أو الهيمنة الاقتصادية المباشرة؛ إنه يتجسد في استخدام "السياسة النفسية" بوصفها أداة حكم غير مرئية تستهدف استعمار الحيز الوجداني للأفراد والجماعات. إن هذه السياسة، التي تتخذ أشكالاً متباينة بين التوجيه الخفي والبرمجة الفكرية الشاملة، تهدف بالدرجة الأولى إلى إنتاج رعايا مستلبين يتماهون طوعاً مع سرديات السلطة القمعية. وفي المقابل، يبرز السؤال الملح حول كيفية صياغة استراتيجيات مقاومة فعالة لا تسقط في فخ إعادة إنتاج آليات السيطرة ذاتها. هنا، تتبدى "ما وراء الواقعية" وتفعيل "وعي اللاوعي" كأدوات نقدية وجمالية بالغة الأهمية لتجاوز الاستلاب النفسي.

 من ترويض الأجساد إلى استعمار النفوس

تعتبر السياسة النفسية التحول الجذري الأبرز في آليات السيطرة السلطوية المعاصرة والتقليدية على حد سواء. فبينما كانت الأنظمة الانضباطية القديمة تركز على الأجساد وتطويعها في الفضاءات المادية، مثل السجون والمدارس والمصانع، اكتشفت السلطة الحديثة القوة الإنتاجية للنفس البشرية. لقد انتقلت الهيمنة من مستوى "السياسة الحيوية" التي تضبط الأجساد وتراقب المؤشرات الحيوية للسكان، إلى مستوى "السياسة النفسية" التي تحكم الوعي وتدير الرغبات.

في ظل الأنظمة الشمولية، تصبح السلطة أكثر نفاذاً وتأثيراً كلما عملت في صمت ودون جلبة. إن "السلطة الذكية" لا تلجأ بالضرورة إلى الإكراه الخشن، بل تتودد إلى النفس وتدفع الأفراد باستمرار إلى الإفصاح والمشاركة ومشاركة أسرارهم وتفضيلاتهم تحت مسميات "الحرية" و"التواصل". هذا النمط من السلطة يقلب مفهوم الحرية رأساً على عقب؛ حيث تصبح الحرية ذاتها أداة لتحقيق أهداف الهيمنة، ويتحول الفرد إلى مراقب ذاتي لنفسه، فيصبح سيداً وعبداً في آن واحد، في عملية استغلال ذاتي متواصلة تؤدي إلى الانهيار النفسي والاغتراب الكامل.

المقاربة الفانونية والتحليل النفسي للظاهرة الاستعمارية

على الجانب الآخر من معادلة السياسة النفسية، تبرز إسهامات فرانز فانون كأحد أهم المرجعيات في كشف الأبعاد النفسية للاستعمار. فانون، الذي انطلق من خلفيته كطبيب نفسي ومناضل ثوري، بيّن أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري أو نهب اقتصادي، بل هو بنية ممرضة نفسياً تستهدف تدمير الكيان المعنوي للشعوب. لقد أوضح كيف تنتج بنى الاستعمار ذواتاً ممتثلة من خلال زرع "عقد النقص" التي تبدأ كحاجة اقتصادية ثم تتحول إلى شعور بالدونية العرقية والوجودية.

إن النظام الاستعماري يمارس نوعاً مبكراً من السياسة النفسية عبر إجبار الإنسان المستعمر على تبني نظرة المستعمر الدونية إليه. وفي هذا السياق، انتقد فانون بشدة الطب النفسي التقليدي الذي يحاول تكييف المريض مع بيئته المريضة، معتبراً أن الشفاء الحقيقي يقتضي تدمير البنية الاستعمارية ذاتها. فالتحرر عند فانون يتطلب نضالاً مزدوجاً: نضال مادي ضد المستعمر، ونضال داخلي في "لاوعي" الإنسان المستعمر للتخلص من الأنماط الوجودية المفروضة عليه.

تأصيل الوعي النفقي وتأثير "الأعشاش القبلية"

هنا نصل إلى مفهوم "الأعشاش القبلية" وتشكيل "الوعي النفقي". تمثل دراسة التشكيلات الرمزية والمكانية مدخلاً لفهم الكيفية التي يتموضع من خلالها الكائن البشري في الوجود. إن سعي الإنسان لتأثيث حضوره ومقاومة قوى التلاشي يدفعه إلى بناء ملاذات مادية ومعنوية. الوعي النفقي هو حالة تنشأ عندما تتعرض هذه "الأعشاش" لضغط خارجي هائل، مما يدفع الذات الجماعية إلى الانكفاء من "ثغور" المبادرة والاشتباك المعرفي، إلى "جحور" الانغلاق والتحصن السلبي.

في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، نلاحظ أن الفشل في بناء دولة وطنية جامعة أدى إلى ارتداد الأفراد نحو "أعشاشهم" الأولى. هذا الارتداد لم يكن عودةً للطبيعة، بل كان حفراً في بنية الوعي لإنتاج مسارات "نفقية" لا تَرى من الحقيقة إلا ما يسمح به قطر النفق القبلي أو الطائفي. إن الانتقال من "الثغور" إلى "الجحور" يمثل استراتيجية انكسار للوعي؛ حيث تتحول المقاومة من فعل "تثغير" إلى فعل "تجهير" الغوص في باطن الانغلاق. في الوعي النفقي، يفقد الكائن قدرته على الإبصار الشمولي، ويصبح أسير الرؤية الأحادية، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الهوية بشكل مشوه وقائم على الخوف من الفضاء المشترك.

سيكولوجية الإنفاق وتحطيم جدران النفق

إذا كانت الأنفاق تؤمن للذات حضوراً متمركزاً حول الحفظ، فإن حركة الإنفاق والتبديد تأتي كفعل انفجاري ضروري لكسر هذا الانغلاق. هنا تبرز إسهامات جورج باتاي الذي قلب موازين الفهم الاقتصادي التقليدي من خلال تقديمه لمفهوم الاقتصاد العام ونظرية الإنفاق غير المنتج. يرى باتاي أن الكائنات الحية تحوز بطبيعتها على مصادر طاقة تتعدى حاجتها للبقاء، وهذا الفائض لا يمكن استخدامه باستمرار في النمو بسبب الحدود الفيزيائية.

بناءً على ذلك، يصبح التبديد أو البذخ أو الإتلاف حاجة ملحة للتخلص من هذا الفائض. في سياق الوعي النفقي، يمثل الإنفاق المحاولة المستميتة للذات للخروج من "جحرها" عبر فعل التضحية أو البذخ الروحي والقيمي، لاستعادة سيادتها الضائعة في حسابات الربح والخسارة التي فرضها العقل الأداتي الحديث. إن كسر "القصور الذاتي" للكتل النفسية المترسبة يتطلب بذل جهد واعٍ ومستمر يتناسب مع حجم الصدمات والبرمجيات القديمة.

مدرسة أمريكا اللاتينية وآليات الإصلاح الفكري الشمولي

ما أسسته مدرسة "علم نفس التحرر" في أمريكا اللاتينية، خاصة أطروحات إغناسيو مارتين-بارو الذي طالب بأن يكون علم النفس خدمة فعالة للأغلبيات المقهورة. وفي قلب هذا المشروع يبرز مفهوم "التوعية النقدية" لباولو فريري، وهو السيرورة التي يصبح من خلالها الأفراد أكثر وعياً بكيفية تشكيل الواقع الاجتماعي لاضطهادهم.

لكي ندرك حجم التحدي، يجدر بنا استعراض الآليات الدقيقة التي تستخدمها الأنظمة الشمولية في عمليات "غسيل الأدمغة". حدد الطبيب النفسي روبرت جاي ليفتون معايير لإعادة صياغة الشخصية، منها السيطرة على البيئة، والتلاعب الغامض بالمشاعر، والمطالبة بالنقاء المطلق، وتقديم العقيدة فوق الذات. هذه السيطرة النفسية المطلقة تجد تجلياتها الأدبية في رواية "1984" لجورج أورويل؛ حيث تسيطر مبادئ النظام على أدق تفاصيل الحياة. إن مقاومة هذا الاستبداد تتطلب وعياً بأن التنويم المغناطيسي للجماهير هو نتيجة لعزلة الفرد وقلقه؛ لذا فإن بناء فضاءات للتأمل والتفكير المستقل هو الحصن الأول لاستعادة الحرية.

إستراتيجيات الحضور وميتافيزيقا التفكيك

في سياق مقاربة هذه الأنماط فلسفياً، نجد أن المنهج التفكيكي لجاك دريدا يفسر هذه الحركات ببراعة. لقد نقد دريدا "ميتافيزيقا الحضور" التي تسعى لتثبيت المعنى والوصول إلى يقين مطلق. تتقاطع هذه الإستراتيجيات بقوة مع أطروحاتنا؛ فالأعشاش القبلية هي محاولة لتثبيت حضور الهوية، والإنفاق يمثل الخرق الضروري الذي يهدد هذا الحضور المكتمل ويفجره من الداخل لمنع التراكم القاتل.

نحو أفق تحرري شامل

إن السياسة النفسية، بوصفها القاسم المشترك بين الشمولية والاستبداد، تمثل التحدي الأكبر لكرامة الإنسان لأنها تزرع القيود في عمق الوجدان. ولمواجهة هذا الغزو النفسي المنظم، تتبدى "ما وراء الواقعية" كممارسة جمالية ترفض الاستسلام لواقع مشوه، وتطرح بدلاً من ذلك هندسة نفسية تستثمر وعي اللاوعي لإعادة بناء الذات. يبقى تعزيز الوعي النقدي عبر سيرورات التحرر النفسي هو البوابة الحقيقية التي يعبر منها الفرد من رتبة "التابع المستلب" إلى رتبة "الفاعل التاريخي". إن رهن التغيير المادي بالتحرر النفسي والروحي هو الرؤية الأكثر شمولاً التي تركتها لنا مدارس التحرر لنهتدي بها في مواجهة قوى الاستبداد الشامل.

***

غالب المسعودي

...........................

مرجعيات مقترحة

فانون، فرانز. (1961). معذبو الأرض. ترجمة سامي الدروبي. بيروت: دار القلم.

فوكو، ميشيل. (1975). المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة علي مقلد. بيروت: مركز الإنماء القومي.

هان، بيونغ تشول. (2017). السياسة النفسية: النيوليبرالية وتقنيات السلطة الجديدة. (مرجع لمفاهيم السلطة الذكية).

باتاي، جورج. (1949). الحصة الملعونة: رسالة في الاقتصاد العام. (مرجع لسيكولوجية الإنفاق).

مارتين-بارو، إغناسيو. (1994). كتابات من أجل علم نفس التحرر. تحرير أدريان نيل وآخرون.

فريري، باولو. (1970). تعليم المقهورين. ترجمة يوسف نور عوض. بيروت: دار القلم.

ليفتون، روبرت جاي. (1961). الإصلاح الفكري وسيكولوجية الشمولية: دراسة في غسيل الأدمغة في الصين.

أورويل، جورج. (1949). 1984. (رواية - مرجع أدبي للشمولية).

دريدا، جاك. (1967). الكتابة والاختلاف. (مرجع لميتافيزيقا الحضور والتفكيك).

المسعودي، غالب. (2024). تأثير الأعشاش القبلية في تشكيل الوعي النفقي. (دراسات ميدانية ومقالات فلسفية).

مقدمة: عديدة هي الدوافع والمعطيات التي تدفعنا إلى القول: أن هناك ضرورات ذاتية وموضوعية قصوى لتنمية ثقافة سياسية ـ ديمقراطية جديدة في المجالين العربي والإسلامي، تتجاوز كل عناصر التخلف والانحطاط والاستبداد العالقة في الثقافة السياسية السائدة.

وذلك لأنه لا يمكن الخروج من مآزق الراهن والتفاعل الإيجابي مع مكاسب الحضارة، بدون ممارسة قطيعة معرفية وسياسية مع ثقافة وتقاليد التخلف والاستبداد. وذلك لأنها هي المسئولة عن عرقلة الكثير من مشروعات التقدم والحرية في الأمة.

فالاستبداد السياسي الجاثم على صدر الأمة، هو الذي يعرقل انطلاقتها الحضارية الجديدة، وهو الذي يكبل الأمة بالمزيد من الكوابح التي تحول دون التقدم والتطور السياسي والحقوقي والحضاري. من هنا تتشكل الحاجة الماسة إلى تفكيك ثقافة الاستبداد والديكتاتورية في الفضاء الثقافي والسياسي العربي، وبناء فكر وثقافة سياسية جديدة، قوامها الديمقراطية وسيادة القانون واحترام وصيانة حقوق الإنسان.

الاستبداد جذر الأزمة:

ولعلنا لا نبالغ حين القول: أن المسئول الأول عن إخفاقات الأمة المتتالي في كل حقول الحياة، هو الاستبداد والاستئثار بالرأي والقرار والاستفراد بالسلطة.

وذلك لأن الاستبداد بمتوالياته العديدة والخطيرة، هو الذي يؤسس للفشل والإخفاق، ويشرع للهزيمة والانكسار. فحيثما كان هناك استبداد سياسي. توفرت كل موجبات الإخفاق والهزيمة. بل لا يكتفي فعل الاستبداد بذلك، بل يحاول إسقاط كل عناصر القوة في الأمة، وذلك من أجل ضمان ديمومة استبداده واستمرار ديكتاتوريته.

لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع التقدم والتطور في المجالين العربي والإسلامي، هو نبذ الاستبداد وتفكيك ثقافية وموجباته، ودحر مبرراته، ومقاومة رجاله ومؤسساته. وبدون إزالة الاستبداد السياسي، ستبقى كل التطلعات مجردة، وكل الأعمال والأنشطة بدون أفق حقيقي.

من هنا ينبغي أن تتجه كل الجهود والطاقات لمقاومة الاستبداد، وإرساء معالم وحقائق سياسية ـ اجتماعية جديدة تستند على قيم الديمقراطية والشورى والتداول السلمي للسلطة. وهذا بطبيعة الحال، بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تتجه إلى صياغة العقول وبناء الحقائق على هدى هذه الأسس والمرتكزات.

فالاستبداد هو أم الرذائل كلها، ولا خيار أمامنا إذا أردنا الأمن والتنمية والاستقرار، إلا التحول نحو الديمقراطية وبناء أنظمتنا السياسية والتربوية والثقافية على أسس الديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان.

فالاستبداد بمتوالياته وتأثيراته المتواصلة، هو الذي أوصل العديد من المناطق والدول في المجالين العربي والإسلامي إلى دوامة العنف والقتل المجاني. وذلك لأنه (الاستبداد) هو الذي يغذي مصادر العنف وينشط حركة الصراع السلبي في المجتمع، وهو الذي يشرع في كل الأحوال إلى ممارسة القهر والقوة في العلاقات الإنسانية والاجتماعية والسياسية. فالاستقرار لا يتحقق بالإرغام والإكراه المتعسف، بل بالرضا والمشاركة والتوزيع العادل للثروات وتكافؤ الفرص.

 " والاستبداد أو الطغيان (Tyranny) يمكن تعريفه على أنه ذلك الإكراه الذي تمارسه سلطة ليس لها الحق في استعمال القوة، أو حتى سلطة شرعية تتجاوز القيود والحدود في استعمالها. والإرغام (أو الإكراه) الذي (قد) تمارسه السلطة المستبدة هو عادة إرغام يمكن تجنبه (أو تجنب القسط الكبير منه) من ناحية، ويتعذر التنبؤ به (في أغلب الأحيان) من ناحية أخرى. أما ضحيته الأولى فواضحة وجلية: الفرد وحريته. ومن الشرور البارزة لهذا الإكراه الاستبدادي أنه يلغي الفرد كشخص مفكر ومقيم ويجعله مجرد أداة لتحقيق أهداف الآخرين. فهو مرغم على التصرف وفق خطه حياة ليست له. وعلى خدمة أهداف لا تخصه. والاستبداد، دون أدنى شك، من الممارسات الملازمة لأي نظام ديكتاتوري أو قل، لأي نظام حكم مطلق "".. (1)

 والاستبداد كثقافة وممارسة لا تتوقف فقط عند طبيعة وآليات صنع القرار السياسي وتسيير شؤون الدولة الكبرى، بل هي تتسرب إلى كل الحياة والتفاصيل. بحيث يكون الطابع الاستبدادي هو المسيطر على مختلف شؤون المجتمع وقضايا الوطن. وحاجتنا الطبيعية والإنسانية إلى الانضباط والنظام والوحدة، ينبــــغي أن لا تقودنا إلى مـــمارسة الكبت والاستبداد.

 وذلك لأن هذه الممارسات لا تؤدي إلى الغاية المنشودة، بل على العكس من ذلك تماما. حيث أن الكبت لا يصنع انضباطا، والاستبداد لا يخلق وحدة، بل تشتتا وتداعيا مستمرا. فالاستبداد ليس هو الحل العبقري والحضاري لتلبية حاجات الإنسان المتعددة. بل هو حل العاجزين والجاهلين لسنن الاجتماع الإنساني.

و " إن الدول الاستبدادية التي تبدو قوية للمراقبين في الخارج، كما بدا الاتحاد السوفيتي، وكما تبدو الصين نسبيا حتى الآن، هي في واقع الأمر دول ضعيفة من الداخل لا تجرؤ على الخيار الديمقراطي وعلى حمل جنين الديمقراطية في جوفها الضعيف والمريض. أما الدول القوية، فعلى ما نسمع عنها من مشكلات داخلية، فهي التي تواصل المسار الديمقراطي على رغم تلك المشكلات الداخلية، بل تحلها بالديمقراطية " (2).

حاجتنا إلى ثقافة سياسية جديدة:

من المهم القول: أن عملية تأسيس وبناء ثقافة سياسية جديدة، تتجاوز رواسب الانحطاط وموروثات الاستبداد السياسي، ترتبط بطبيعة الهدف أو الأهداف المتوخاة من هذه العملية. وعليه فإن الغاية المتوخاة من الثقافة السياسية الجديدة، هي إشاعة النمط الديمقراطي في الحياة العامة للعرب والمسلمين. بحيث تكون الديمقراطية كثقافة وآليات ووسائل ونظم، هي السائدة في الحياة السياسية وإدارة شؤون الدولة والسلطة، كما هي جزءا حيويا في النسيج الاجتماعي والثقافي.

فالثقافة السياسية الجديدة التي ننشدها ونتطلع إليها، هي تلك الثقافة التي تعزز التطور الديمقراطي والحقوقي في مجتمعاتنا، وتحول دون بروز السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية المفضية والمؤسسة إلى الديكتاتورية والاستبداد.

إننا بحاجة إلى ثقافة سياسية تعزز الخيار الديمقراطي في صفوف المجتمع، وتعمل على تهيئة المناخ لرفض كل محاولات تكميم الأفواه والعودة بالمجتمع إلى الأنظمة الشمولية التي تلغي الإنسان وحقوقه، وتحارب كل محاولاته للتحرر والانعتاق من ربقة الاضطهاد والقهر السياسي والاجتماعي.

ومحاولات الأنظمة الشمولية في رفع شعارات تقدمية لتعبئة المجتمع باتجاهها، دون خطوات عملية تترجم هذه المحاولات، أضحت عملية مكشوفة، ولا تثمر إلا المزيد من التوتر والاحتقان. لذلك فإن حاجتنا إلى ثقافة سياسية جديدة، تتكثف في النقاط التالية:

1.  بناء الوعي الاجتماعي والسياسي على أسس العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وتجاوز كل أشكال الوعي الاجتماعي والسياسي المشوه. الذي يبرر استخدام القهر ويسوغ ممارسة الاستبداد ويقبل بتأجيل مشروع حقوق الإنسان وامتهان كرامته.

إننا لا نبالغ حين القول: إن الذي ساعد بشكل مباشر في تغوّل الأنظمة الاستبدادية ـ الشمولية في العديد من دولنا ومجتمعاتنا، هو الوعي الاجتماعي والسياسي المشوه، الذي لم يتعامل بفعالية وصدق مع مشروع الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 إن هذا الوعي الممسوخ الذي يرحب بالاستبداد السياسي ما دامت السلطة في يده، ويتجاوز عن الكثير من الانتهاكات التي تتعرض لها الحريات السياسية وحقوق الإنسان، هو أحد المسئولين المباشرين عن تردي أوضاعنا وتدهور استقرارنا السياسي.

وحاجتنا إلى الثقافة السياسية الجديدة، تنبع من حاجتنا إلى بناء وعي اجتماعي وسياسي جديد، يمارس القطيعة بكل مستوياتها مع الديكتاتورية والاستبداد وكل مسوغات تعطيل مشروع الحريات السياسية والديمقراطية الشاملة. ويبني هذا الوعي الجديد حقائق العدالة والمساواة وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة واحترام حق التعبير والاختلاف، وصياغة واقعنا كله وفق مقتضيات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

2.  إن الديمقراطية كبنية وآلية وممارسة، ترتكز على مفهوم المشاركة السياسية. إذ لا يمكن أن تبنى الديمقراطية في أي بيئة اجتماعية، بدون مشاركة سياسية ـ مجتمعية فاعلة.

إذ أن مستوى المشاركة هو الذي يحدد مستوى الديمقراطية، كما أن توسع دائرة المشاركة السياسية في الفضاء الاجتماعي، هو أحد التعبيرات المهمة على الوعي الديمقراطي في المجتمع.

لذلك كله فإننا بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تدفع وتحفز المجتمع بكل فئاته وشرائحه وأجياله إلى المشاركة السياسية وشؤون إدارة الشأن العام. من هنا فإن حاجتنا إلى الثقافة السياسية الجديدة، بمستوى حاجتنا إلى الديمقراطية والحريات السياسية. وذلك لأنه لا يمكـــن إنـجاز ديمقراطية في بنائنا الاجتمـــاعي والسياسي مـــن دون مشاركة الناس.

 ووسيلتنا الحضارية لتحفيز الناس للمشاركة في هذا المضمار، هو خلق ثقافة سياسية جديدة، تدفعهم بشكل ذاتي ـ دينامي إلى تحمل المسؤولية العامة والمشاركة بحيوية وفعالية في الشأن السياسي العام..

و " الثقافة السياسية الجديـــدة الــتي تفترضها إستراتيجية الانتقـــال الديمقراطي هي ـ باختصار ـ الثقافة التي تحل النزعة النسبية في وعي السياسية والمجال السياسي محل النزعة الشمولية (أي التوتاليتارية)، وتحل التوافق، والتراضي، والتعاقد، والتنازل المتبادل، محل قواعد التسلط، والاحتكار، والإلغاء....الخ، فتفتح المجال السياسي ـ بذلك ـ أمام المشاركة الطبيعية للجميع. وتفتح معه السلطة أمام إرادة التداول السلمي عليها. هذا يعني أن في قاع هذه الثقافة السياسية النظري مفهوما مركزيا تأسيسيا للسياسة والسلطة: إنهما ـ معا بحسبها ـ ملكية عمومية للمجتمع برمته يلتقي معها أي سلم معياري تتوزع بموجبه أقساط ومستحقات السياسية والسلطة على قواعد الامتياز أو الأفضلية أو ما في معناها من أسباب السطو على الرأسمال الجماعي السياسي.

 وغني عن البيان أن مفهوم السياسة والسلطة، بهذا المعنى، يعيد تعريف الشرعية السياسية بوصفها تلك التي تتحصل برضا الشعب وحرية اختياره، من حيث هو مصدر السلطة والتشريع في النظام المدني الحديث، وليس بوصفها حاصل امتياز ما: عرقي، أو فئوي، أو ثيولوجي، أو أيدلوجي....الخ "..(3).

3.  إن الكثير من التناقضات والتوترات السياسية والاجتماعية الداخلية، لا يمكن معالجتها بدون ثقافة سياسية جديدة، تؤسس لنمط جديد من العلاقة والتواصل بين مكونات وقوى المجتمع قوامها التسامح والحرية وسيادة القانون وقيم حقوق الإنسان. فالكثير من مشكلات الداخل في المجالين العربي والإسلامي، بحاجة إلى رؤية وحلول جديدة، تتجاوز النمط التقليدي في معالجة هذه المشاكل.  فأزمات السلطة وعلاقتها بالمجتمع وتعبيراته المتعددة وطبيعة الموقف من التعدد والتنوع المذهبي والقومي والعرقي المتوفر في العديد من المجتمعات، بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تعيد صياغة العلاقة وعلى أسس جديدة بين السلطة والمجتمع، كما أنه لا يمكن تجاوز معضلات التمييز الطائفي والعرقي والقومي، بدون ثقافة سياسية، تعيد الاعتبار إلى التنوع ومتطلباته، وترسي دعائم المواطنة وأسس الوحدة وفق رؤية وثقافة لا تلغي الخصوصيات الثقافية لكل فئة أو شريحة في المجتمع والوطن، دون أن تشرع إلى الانكفاء والانحباس في الذات.

من هنا فإن إعادة بناء أسس الثقافة السياسية في المجالين العربي والإسلامي، وبناء أنماط جديدة للعلاقة بين مختلف مكونات المجتمع والوطن على أسس الحرية والعدالة من المداخل والروافد الأساسية لبناء واقع ديمقراطي وسياسي جديد.

فالثقافة السياسية الجديدة هي الإطار الضروري لتمكين أفراد المجتمع من ممارسة وظائفهم العامة والقيام بمسؤولياتهم السياسية. وتنظيم العلاقات بين تنوعات المجتمع تنظيما حضاريا وبعيدا عن الصراعات والحروب المفتوحة.

4.  إن الإصلاح السياسي الذي تتطلع إليه الشعوب العربية والإسلامية اليوم، بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة، تبلور تطلعات الإصلاح السياسي، وتنضج المضامين السياسية والمجتمعية لعملية الإصلاح السياسي. وبالتالي فإن الثقافة السياسية المنشودة هي التي تساهم في إنضاج الشروط الاجتماعية والثقافية والسياسية للانخراط في مشروع الإصلاح السياسي.

 فالقطع المعرفي والعملي مع حقائق التسلط والهيمنة وموجبات احتكار السلطة والقرار والرأي وانتهاك حقوق وإرادة المواطنين، بحاجة إلى رؤية سياسية جديدة وثقافة مجتمعية ودستورية، تأخذ على عاتقها بلورة برنامج وطني متكامل للإنعتاق من كل أشكال وموجبات الاستبداد السياسي، والانخراط الفعلي في بناء حياة سياسية جديدة للمجالين العربي والإسلامي على قاعدة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إننا في العالم العربي والإسلامي اليوم، بحاجة إلى ثقافة سياسية تعيد تنظيم أولوياتنا السياسية وتصيغ علاقات مكوناتنا مع بعضها البعض على أسس الحرية والعدالة، وتولي اهتماما خاصا وحيويا لمسائل التنمية والتعايش الأهلي والمواطنة الدستورية. وتدعم سياق التحديث السياسي القيمي والمؤسسي الذي يتطلب القبول القانوني بالتعددية وتشكيل الأحزاب السياسية والمؤسسات المدنية والتشكيلات النقابية وضمان المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.

وبكلمة: إننا بحاجة إلى ثقافة سياسية تنسجم ومتطلبات الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية وقيم الحوار والتسامح وحقوق الإنسان.

 إننا بهذه العناصر والقيم الأساسية، نتمكن من تجديد حياتنا السياسية وتجاوز تحديات المرحلة والانطلاق من إمكانات الواقع وممكناته لبناء واقعنا الوطني على هدى هذه القيم ومقتضياتها الثقافية والمؤسسية.

أوليات الثقافة السياسية الجديدة:

والثقافة السياسية التي نتطلع أن تسود فضائنا الوطني والقومي والإسلامي، لها أجندة وأولويات، تسعى إلى التركيز عليها وإعطاءها الأولوية على مستوى المعرفة والموقف.

وهذه الأولويات هي التالي:

1.  الحريات السياسية: لقد أبانت تطورات المنطقة وتحولاتها المتلاحقة، أن الداء العضال الذي يعاني منه جسم الأمة، ويساهم في تدهور أوضاعها وانحطاط أحوالها. هو داء الاستبداد والاستفراد بالحكم والسلطة. إذ أن العديد من الإخفاقات والتوترات التي تعيشها المنطقة اليوم وفي مختلف المجالات، هي جراء سياسات وتأثيرات أنظمة شمولية – استبدادية، تمارس القهر والإقصاء تجاه شعبها، وتحول بكل الوسائل لمنعه من ممارسة حريته ونيل حقوقه.

إن هذه الأنظمة بسياساتها وخياراتها الداخلية والخارجية، هي المسئول الأول عن تردي أوضاعنا وتدهور أحوالنا في مختلف المجالات. وإن الخطوة الأولى في مشروع التحرر من هذه الظروف والأحوال السيئة، هو بناء ثقافة وواقع سياسي جديد، يعتبر الحريات السياسية للمواطنين بصرف النظر عن أصولهم القومية أو العرقية أو منابتهم الدينية والمذهبية من أوليات الأعمال التي ينبغي أن تتوجه جميع الجهود إلى بلورة الإطار النظري الذي يؤكد على هذه الحقيقة، ويعمل على إنضاج الشروط المجتمعية التي تدفع باتجاه تبني خيار الحريات السياسية أولا ودائما.

إن المجال العربي والإسلامي اليوم، بحاجة إلى ثقافة سياسية، تؤسس لقيم الحرية والشورى والديمقراطية، وتعطي الأولوية لبناء واقع اجتماعي وسياسي يقبل الالتزام بكل مقتضيات ومتطلبات الحريات السياسية في الواقع الاجتماعي.

فبمقدار ديمقراطية ثقافتنا السياسية وإصرارها على الحريات الأساسية للفرد والمجتمع، نتمكن من معالجة العديد من مآزق راهننا وتوترات مجتمعنا. وذلك لأن هذا المضمون الديمقراطي لثقافتنا، سيمارس دوره في صناعة رؤية جديدة لمعالجة أزمات الواقع، وسيعيد تنظيم العلاقة بين مختلف القوى والتعبيرات على أسس العدل والإنصاف والمساواة. وذلك لأنه " تفرض ديمقراطية الثقافة السياسية تحقيق المساواة وإتاحة المشاركة في العملية السياسية أمام أفراد المجتمع بغض النظر عن الاختلافات العقائدية أو الدينية أو اللغوية أو السلالية بين هؤلاء الأفراد. والديمقراطية تفرض المساواة بحكم التعريف. وإسباغ الطابع الديمقراطي على الثقافة السياسية المحلية قد يتم في سياق ضغوط عملية التحديث، وما تفرضه من تأكيد لدور العقل والعمل الفعال للإنسان وكثيرا ما تثار التحفظات في هذا الشأن على أساس أن هذا قد يؤدي إلى النيل من القيم الروحيــة والتراث الثقافي للمجتمع النامي وأن القيم الروحية لهذه المجتمعات يجب أن تكون هي المنطلق لتحقيق الديمقراطية ". (4).. فمن الأولويات القصوى التي ينبغي أن تتجه الثقافة السياسية إليها في مجالنا العربي والإسلامي، هي الحريات السياسية. وذلك من أجل أن تتشكل الإرادة المجتمعية المطالبة بها والمدافعة عن متطلباتها.

2.  حقوق الإنسان: حين التحليل العميق والتأمل المتواصل في أسباب الاستقرار السياسي وعوامل الانسجام الاجتماعي الذي لا يلغي الفعالية والدينامية. نكتشف أن توفر قيم حقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي من العوامل الرئيسية لعملية الاستقرار السياسي والانسجام الاجتماعي. حيث أن المجتمع الذي تتوفر فيه حقائق ومتطلبات حقوق الإنسان وتصان فيه كرامة الإنسان، هو المجتمع الذي يتمتع باستقرار متين وانسجام صلب. أما المجتمع الذي تهان فيه كرامة الإنسان، ويمارس النظام السياسي فيه كل ألوان وأشكال التجاوز لحقوق الإنسان، فإن هذا المجتمع يعيش الإضراب وتتوفر في فضاء ه كل عوامل وأسباب الفوضى على الصعد كافة. لذلك فإن من الطرق الأساسية لتعزيز خيار الاستقرار السياسي والاجتماعي في فضائنا الوطني والقومي، هو العمل على صيانة حقوق الإنسان بكل مستوياتها، وتوفير كل ما من شأنه احترام هذه الحقوق، التي هي بمثابة الضرورات في حياة الإنسان الفرد والمجتمع.

من هنا فإن الثقافة السياسية، من الأهمية، أن تتجه إلى الإعلاء من شأن هذه القيم / الحقوق، وتسعى نحو تربية أبناء المجتمع على مقتضياتها. فكلما تعزز هذا الواقع في فضائنا، توفرت عوامل الاستقرار وأسباب الانسجام. وهذا بطبيعة الحال، بحاجة إلى نبذ كل الموروث الثقافي والسياسي والاجتماعي المضاد والمناقض لحقوق الإنسان وقيمه الأساسية. فكل رؤية تستهين بحقوق الإنسان أو تسوغ امتهانها، هي رؤية تزيد من الإرباك السياسي، وتساهم بشكل أو بآخر في عملية الاختراق الأمني والوطني. إنه آن الأوان بالنسبة لنا جميعا ومن مختلف مواقعنا العمل على تعزيز قيم حقوق الإنسان في فضائنا السياسي والثقافي والاجتماعي، ومقاومة كل توجه أو إرادة تمتهن هذه الحقوق أو تستخف بمتطلباتها وشروطها. وإن استقرارنا السياسي وأمننا الاجتماعي والوطني اليوم، يتوقف إلى حد بعيد على قدرة الأنظمة السياسية في مجالنا العربي والإسلامي على إجتراح واقع سياسي جديد، يعلي من شأن حقوق الإنسان، ويتجاوز كل حقائق ومحاولات الامتهان الذي يتعرض لها الإنسان في ظل أنظمة شمولية ـ استبدادية ساهمت بسياساتها وخياراتها الداخلية في القضاء على الكثير من حقائق وقيم حقوق الإنسان. لذلك فإن من الأولويات الأساسية لثقافتنا السياسية المطلوبة، هي العمل على تعميق وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان، ودفع قوى المجتمع وتعبيراته الحية إلى احترام وصيانة هذه الحقوق.

3.  بناء القوة الحضارية: ثمة حقيقة أساسية يكشفها المشهد السياسي المعاصر، وهي: أن الشعارات واليافطات الكبرى المجردة، لا تصنع واقعا جديدا، ولا تغير واقعا سيئا. وإن استرسالنا في إطلاق الشعارات ورفع اليافطات، لا يغير من أوضاعنا شيئا. لذلك فإن العمل الحيوي والهام، هو الذي يتجه إلى بناء القوة الحضارية للمجالين العربي والإسلامي. القوة التي لا تنحصر في جانب واحد، بل هي قوة شاملة وتستوعب القدرات العملية والقوة الاقتصادية والمادية والتطور السياسي والاجتماعي.

من هنا فإن الثقافة السياسية المطلوبة، ليست هي الثقافة التي ترفع شعارات فضفاضة أو تحمل يافطات كبرى، وإنما هي الثقافة التي تنصب بوعي وحكمة لأسئلة الواقع وتتفاعل على نحو إيجابي مع إمكاناته وقدراته، وتسعى نحو خلق الحقائق والوقائع البديلة، في سياق العمل على بناء القوة الحضارية للعالمين العربي والإسلامي.

 فالتحولات الكبرى والحقيقية، لا تنجز بالشعارات المجردة، بل بالكفاح المتواصل في بناء الحقائق وتشييد القوة وتوطيدها في الواقع الاجتماعي والسياسي.

ويخطأ من يتصور أن التغيير الاجتماعي، ينجز بالشعارات واليافطات. صحيح أن لهذه الشعارات الدور الأساسي في تعبئة المجتمع وتحشيد طاقاته، ولكن التحولات لا تتحقق بالتعبئة العاطفية بل بالعمل الذي يستلهم من القيم الكبرى والأهداف العليا برنامج عمل وطني، يستهدف بناء القوة الحضارية والحقيقية للمجتمع. حيث أن القوة الحضارية وحدها، هي القادرة على إخراجنا من دهاليز الضعف والتردي.

ولا ريب أن انخراط قوى المجتمع الحية في مشروع المطالبة بالديمقراطية وتعزيزها في الفضاء السياسي والاجتماعي، سيساهم بشكل كبير في رفد هذه الحركة بقوة إضافية حقيقية على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية.

 وذلك لأنه " دفع الإسلاميون غرامات باهضة من حرياتهم، وحقوقهم، وكرامتهم، في سجون النظام العربي أسوة بغيرهم. ولذلك، من الطبيعي أن يعرفوا جيدا قيمة الحرية، وأن يحرصوا عليها ضد الكبت والقمع والطغيان. لكن الأهم أنهم إذ اختاروا أن يضووا في مجرى الكفاح الديمقراطي الواسع، أدخلوا إلى ساحة هذا المعترك قوة جماهيرية ضخمة ذات ثقل في ميزان القوة، و ـ بالتالي ـ فقد عززوا من رصيد هذا النضال، وحسنوا من حالة التوازن التي كانت دائما مختلة لصالح النخب الماسكة بالسلطة " (5)..

وفي تقديرنا أن هذا الانخراط، سيضيف للواقع السياسي في الدائرتين الوطنية والإسلامية، العديد من عناصر القوة التي هي في المحصلة النهائية ذات أثر إيجابي وحيوي في مشروع التحول السياسي ـ الديمقراطي.

ولقد أثبتت أحداث المنطقة وتطوراتها، أنه لا يمكن مقايضة الديمقراطية وحقوق الإنسان بأهداف وتطلعات أخرى. وذلك لأنه لا يمكن إنجاز تطلعات المجتمع والأمة إلا على قاعدة الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لذلك نقول وبشكل جازم، أن الديمقراطية بكل ما تحتضن من قيم الحرية وسيادة القانون والتداول السلمي للسلطة، هي حجر الأساس في مشروع التقدم والتطور السياسي والاجتماعي. وكل محاولات التقدم بعيدا عن الديمقراطية ومقتضياتها، فإن مآلها الأخير هو المزيد من تراكم الأخطاء والإخفاقات.

فالإصلاح السياسي والحد من مظاهر الاستفراد بالقرار والسلطة، هو حجر الزاوية في مشروع الخروج من مآزق الراهن وتوتراته الصعبة.

***

محمد محفوظ

......................

الهوامش:

1- مجموعة من المؤلفين، المسألة الديمقراطية في الوطن العربي، ص 58، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 2000 م.

2- المصدر السابق، ص 111.

3- المصدر السابق، ص 137.

4- مجلة منبر الحوار، العدد 34، ص 67، السنة التاسعة، خريف1994م.

5- عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة – دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي، ص 22، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 2001م.

 

يقولون إن الإبداع لا يعترف بالقواعد، وإن العبقرية ترفض القيود، وإن الكتابة الحق تنزل كالوحي لا كصنعة تتقن. لكنني أتساءل هل يعقل أن نبني قصراً على رمال متحركة؟ هل نرضى لجراحنا المبتدئين أن يمارسوا العمليات دون دراسة التشريح؟ ثم لماذا نستخف بالكتابة إلى هذا الحد؟

لطالما لفت نظري ذلك التناقض العجيب في سلوك كثير من الكتاب الشباب. تري أحدهم يمضي الليالي ساهراً يكد في جمع أفكاره، يلتقط صوراً للحياة من زواياها الخفية، يحمل بين جوانحه فكرة قد تغير مسار قارئ أو تنير له طريقاً. فإذا جلس ليكتب، ألقي بذلك الكنز كله في قالب مشوه، بلغة ركيكة، وبنية غير متماسكة، وكأنه يصر على أن يظل سجين جهله بأبجديات فنه.

إنها -بلا شك- أزمة وعي. فأكثر من يمسكون القلم اليوم لم يقرؤوا الكتابة حرفة قبل أن يمارسوها هواية. بدؤوا كمن يهبط على قمم الجبال بطائرة، لم يعرفوا مشقة الصعود درجة درجة، ولم يتذوقوا طعم التسلق حجراً حجراً. فالكتابة عندهم وحي ينزل من السماء، لا مهارة تبنى على الأرض.

وهنا يكمن الخطر المدمر. فالذي يجهل أصول الكتابة يظن أن كل ما يكتبه جيدا لأنه كتب. لا يفرق بين السليم والسقيم، لا يميز بين المتين والواهن، لا يدري أن القارئ ليس وعاء فارغاً نصب فيه ما نشاء، بل كيان واعي له ذائقة نقدية وحاسة جمالية.

والأدهى أن هذه الفوضى تصير أحياناً علامة تميز! يفتخر أحدهم بأنه يكتب من قلبه دون تعقيدات أكاديمية أو قواعد جامدة، وكأن القواعد صنم يجب تحطيمه، وكأن المتقن لصنعته أقل إبداعاً من الفوضوي. وهذا وهم كبير.

هل تعلمون لماذا كان كبار الكتاب "طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم" يبدعون؟ ببساطة لأنهم لم يكونوا يجهلون القواعد، بل كانوا يتقنونها ثم يتجاوزونها. كانوا يعرفون متى يلتزمون بها ومتى يحيدون عنها عن عمد ووعي، لا عن جهل وعجز. الفرق شاسع بين من يخالف القاعدة لأنه يعرفها ويختار تجاوزها لغاية فنية، وبين من يخالفها لأنه لا يعرفها أصلاً.

والعجيب أن هذا النفور من تعلم الأصول لم يقتصر على الكتابة وحدها. لو قال لك أحدهم: سأبني بيتاً دون أن أتعلم الهندسة لضحكت منه. أو: سألحن سيمفونية دون معرفة النوتة الموسيقية لاستغربت أمره. لكنه حين يقول: سأكتب رواية دون دراسة فن الكتابة تجده يتحدث بكل ثقة وافتخار!

نحن نخلط بين "الموهبة" و"الصنعة". فالموهبة هي الشرارة الأولى، العين الثاقبة، الحس المرهف، القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون. أما الصنعة فهي الآلة التي تحول هذه الموهبة الخام إلى منتج نهائي متقن. الموهبة وحدها كبذرة جميلة، لكنها دون تربة مناسبة وماء وعناية، لن تثمر إلا شجرة قزمة أو لا تثمر شيئاً. وكثيراً ما نصادف كتاباً موهوبين حقاً، لكن موهبتهم تذوب في بحر من العيوب الفنية. الفكرة رائعة، لكن صياغتها ضعيفة. الحبكة مبتكرة، لكن تنفيذها مهلهل. الشخصيات نابضة بالحياة في مخيلة الكاتب، لكنها تخرج على الورق كدمى خشبية. كل هذا لأنهم أهملوا الجانب التقني، وظنوا أن الموهبة تكفي وحدها.

أما القارئ –وهو سيد الموقف في معادلة الكتابة- فهو ليس غبياً كما يتوهم بعض الكتاب. القارئ اليوم أكثر وعياً وثقافة من أي وقت مضى. يقرأ كثيراً، يقارن، يحلل، يتذوق الفن. وقد يكون هو نفسه كاتباً أو ناقداً. فكيف نرضى أن نقدم له عملاً ناقصاً، ثم نبرر ذلك بأننا نكتب من القلب؟

القارئ يريد القلب والعقل معاً. يريد العاطفة المتأججة والصياغة المتقنة. يريد الفكرة العميقة والقالب الجميل. وهنا يأتي دور النقد الذاتي، الذي هو أقسى أنواع النقد وأكثرها إنصافاً. فالكاتب الواعي هو الذي يستطيع أن ينظر إلى نصه كما لو كان لغيره، فيرى عيوبه قبل أن يراها النقاد. وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة المعايير الفنية التي على أساسها يُحكم على العمل. وإلا كيف تنقد ما لا تفهم أسسه؟

لا أريد أن يفهم كلامي على أنني أدعو إلى كتابة أكاديمية جافة، أو تقليد أعمى لنماذج سابقة. كلا ثم كلا. أنا أدعو إلى الوعي أولاً. الوعي بأن الكتابة فن كسائر الفنون، له أدواته وتقنياته وأسسه. وأن تعلم هذه الأسس لا يقتل الإبداع كما يظن البعض، بل على العكس، يحرره ويمنحه أجنحة. فأنت حين تتقن العزف على آلتك الموسيقية، تكون أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرك، لا أقل.

وأذكر هنا ما قاله الدكتور جابر عصفور: "القواعد ليست سجناً للإبداع، بل هي حديقة يمارس فيها الإبداع رياضته". فالموسيقار العظيم يحتاج إلى معرفة النوتة والمقامات والإيقاعات، ليس ليقيدوه، بل ليمنحوه مفردات يعبر بها عما في داخله. وكذلك الكاتب.

مشكلتنا ليست في قلة الموهبة، إنما في الكسل الفكري الذي يدفعنا إلى تبرير جهلنا بالادعاء بأننا "نكتب بطبيعتنا" و "لا نؤمن بالتنظير". نعم، قد تأتي جملة جميلة بالصدفة، وقد يبهرنا نص بكامله رغم جهل كاتبه بالأصول. لكن هذا استثناء، والقاعدة أن الإتقان يحتاج إلى علم وتدريب.

وأكثر ما يؤسفني أن تضيع الفكرة الجميلة في قالب رديء، كالجوهرة الثمينة توضع في علبة بالية. والفكرة -أيها السادة- هي روح العمل الأدبي. وهي أغلى ما يملك الكاتب. فكيف نبخل عليها بقالب يليق بها؟ كيف نرضى لها أن تخرج إلى الناس بثياب مهلهلة رثة؟ لو كان كل كاتب يدرك قيمة ما يحمله من أفكار، لسعى إلى صقل أدواته حتى يكون أهلاً لحمل هذه الأمانة. فليست الكتابة مجرد تسلية أو قضاء وقت، إنها رسالة وتأثير. وقد تكون سبباً في تغيير حياة إنسان أو مجرى تاريخ.

وختاماً، لا أدعو إلى تعقيد الأمور أو إلى جعل الكتابة علماً منفراً. كلا، بل أدعو إلى التوازن. اكتب كما تشاء، لكن تعلم أولاً. ابدأ كهواية، لكن لا تبقَ عند الهواية. طور نفسك، اقرأ كثيراً، حلل ما تقرأ، تعلم من أخطائك، واقبل النقد برحابة صدر.

فالكتابة ليست امتلاك قلم، الكتابة هي امتلاك رؤية، وإتقان صنعة، وإخلاص لفكرة، واحترام لقارئ. ومن يظن غير ذلك، فليعد النظر في علاقته مع الكلمات التي يخطها، وليسأل نفسه بصدق: هل يستحق ما يكتب أن يقرأه غيره؟

***

عبد السلام فاروق

نقاش مع مقال هال براندز

يكتسب مقال هال براندز (Hal Brands) "ثلاث سيناريوهات لعالم ما بعد ترامب (Three Scenarios for a Post-Trump World) الذي نشرته الفورين بوليسي بتاريخ ٢٣ مارس ٢٠٢٦ (رابطه في نهاية المقال، وترجمته إلى العربي في التعليقات) أهميةً بالغة لا تنبع من جرأة طرحه وحده، بل من توقيته في لحظةٍ يقف فيها النظام الدولي على مفترق طرقٍ حقيقيٍّ. فأستاذ العلاقات الدولية يُقدِّم خريطةً تحليلية ومفاهيمية تتجاوز التحليل التقليدي أو الآني إلى استشراف كل ملامح ومنعرجات العقد القادم، مُحتضِناً في متن المقال ثلاثة مستويات من التحليل: التاريخ بوصفه مرجعاً، والنظرية بوصفها أداةً، والسياسة بوصفها ميداناً. وما يجعل شموليته ذات قيمة بالغة هو أنه لا يُفكِّر في مآلات القوة الأمريكية منفصلةً عن سياقها البنيوي العالمي، بل يُدرجها في شبكة من العلاقات التي تربط الحلفاء بالمنافسين والمؤسسات بالمصالح والأيديولوجيا بالاستراتيجيات. وبغض النظر عن الاختلاف حول بعض النقاط، والقبول الحذر لبعضها الآخر، فثمة في المقال ما يستحق الاهتمام الجاد، ولا سيما تحذيراته من وتيرة التآكل العالية للنظام الدولي الذي أُرسيت دعائمه عقب الحرب العالمية الثانية، وما قد ينطوي من مخاطر كبيرة أثناء عملية الانتقال. غير أن المقال، على ما يتسم به من رصانة تحليلية، يرزح تحت عبء افتراض أساسي جدير بالمساءلة: هل ما يتداعى اليوم كان في جوهر تصميمه نظاماً حقيقياً، لا هيكلاً أو غطاءً بالغ الأناقة للهيمنة، صُِيغ في لغته الكونية وأُُسْبِغَت عليه ثياب الشرعية الدولية؟ فضلا عن الإشكاليات في افتراضاته الأساسية أو الجوهرية وغلبة اللغة التحذيرية/التوجسية وعدم الجرأة في التفكير بما يجب أن يكون وراء السيناريوهات الثلاثة، أي نحو أسئلة أكثر جذرية عن طبيعة النظام والعدالة والسلطة التي يُفترض أن تكون في عالمٍ شديدٍ التعولم والتقوقع في الآن ذاته، وينوء بمخاطر عالية، ويجاهد، بعد عقود من الأحادية والاستنزاف السياسي والاقتصادي والنفسي، كي يُعيد اكتشاف معنى لـ"تعدد" لم تتبلور هو الآخر ملامحه بعد.

لنبدأ من حيث بدأ براندز- من الادعاء بأن منظومة ما بعد عام 1945 كانت صنيعةً أمريكية أفضت إلى "سلام غير مسبوق وازدهار وحرية". وهذا ليس خاطئاً كلياً من الناحية التاريخية، لكنه ناقص في دلالته ونتائجه. فقد شُيِّد ذلك النظام لا لإرساء السلام في المقام الأول، بل لإرساء سلام بعينه - سلام يُعرِّف نفسه بالأولوية الدائمة لمؤسسيه. إذ جسَّد ميثاق الأمم المتحدة هذه المعادلة بدقة: فحق النقض (الفيتو) الممنوح للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لم يكن تجسيداً للمساواة الدولية، بل كان نفياً محسوباً لها، آليةً قانونية لضمان ألا يُوجَّه سلاح الأمن الجماعي ذات يوم نحو من صنعوه. بمعنى أن القوى المتناقضة المنتصرة عام 1945 قد "صاغت نظاماً أساسياً لتثبيت سلطتها على الدوام". وفي هذا السياق، وجدنا أنفسنا كما كتب ذات مرّة الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: "من كثرة التفنن بخرق ميثاق حقوق الإنسان والاعتداء عليه، أصبح وكأنه وُضع أساساً لكي يتم خرقه"، أو كما تندر أحدهم بأنه صار إذا احتكمت دولتان صغيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة، ضاعت الدولتان الصغيرتان معا أما إذا احتكمت دولتان كبيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الأمم المتحدة نفسها!

ويُفسَّر هذا التناقض الجذري بين نظام عالمي يُفترض به أن يُحقِق الأمن والاستقرار ويُعزِز مرتكزات العدالة في السياق الدولي وبين تحوله إلى آلية تقنية لإدارة مصالح الكبار أحد الظواهر التي يعاملها براندز باعتبارها انحرافاً طارئاً: أعني سرعة تحوُّل الحلفاء إلى خصوم. لكن في الحقيقة، لو تمعنّا جيداً في بنية هذا النظام، فإن الحرب الباردة لم تكن خيانةً للنظام الذي أعقب الحرب، بل كانت امتداده الطبيعي والمنطقي. فأي نظام يُصمَّم لتركيز السلطة يُفضي حتماً إلى تنافس بين حامليها. والتنافس السوفيتي-الأمريكي الذي استنزف النصف الثاني من القرن العشرين لم يكن وليد الصدفة الأيديولوجية، بل كان تعبيراً عن الديناميكيات البنيوية لأي ترتيب أحادي القطبية أو شبه هيمنوي اُريد منه إدارة عالم متنافس باستمرار، ومتعدد الأقطاب على الدوام.

وما أعقب نهاية الحرب الباردة زاد هذا التناقض الداخلي حدةً حتى بلغ ذروته في أزمته الراهنة. فمنذ عام 1991، وقد خلا الميدان من أي ثقل استراتيجي موازن، انزلقت الولايات المتحدة إلى ما سمّاه الفيلسوف النمساوي هانز كوشلر ((Hans Köchler) في مقالته العميقة "القوة والنظام الدولي" (Macht und Weltordnung)  بـ"إنكار مبدأ الواقع" (Realitätsverweigerung )  أو" فقدان الصلة بالواقع" (Realitätsverlust) إذ باتت ترى نفسها، على حد تعبير مادلين أولبرايت الشهير: "الأمة التي لا غنى عنها في كل مكان"، التي ترى أبعد من سواها وتقف أرفع شأناً. يرى كوخلر بأن هذا التصور المُسبق بضرورة الحضور في كل مكان لحماية المصالح وفي ظل طبيعة النظام الدولي الحالي جعل السياسة الأمريكية تسترشد على نحوٍ دائمٍ بـ"منطق القوة" (Logik der Macht) مما جعلها تقع في فخٍ لا فكاك منه: فهي تسعى إلى غاية تُناقض شرط إمكانها، إذ تجعل من الهيمنة الدائمة هدفاً نهائياً، في حين أن الهيمنة بطبيعتها الجدلية تحمل في رحمها بذور نفيها الذاتي. فكلما امتد الادعاء بالمطلق واتسعت دائرة السيطرة، تكاثرت جبهات المقاومة وتضاعفت، في حركة تاريخية لا تخطئها العين؛ حتى ليبدو المُهيمِن، في لحظة بلوغه ذروة قوته، كمن يحفر قبره بيده. ذلك أن إطلاق الادعاء بالمطلق يُلزم صاحبه بما يعجز عنه أي كيان محدود: أن يكون في آنٍ واحد حاضراً في كل مكان، حارساً لكل حدود، ومانعاً لكل بديل؛ وهو ما يُحيل قوته تدريجياً إلى عبء يثقل كاهله لا إلى رصيد يعزز مكانته، خصوصاً وأن الآخرين (الخصوم) سيستخدمون النموذج ذاته لمواجهة الهيمنة والتمدد، وتعزيز تمددهم الخاص وهيمنتهم من الجانب الآخر. وليس من باب الصدفة أو المفارقة أن يجد الرئيس ترامب الذي عارض التواجد الأمريكي في العالم نفسه في نهاية المطاف أو بدايته منغمساً فيه إلى أبعد حد. ولهذا الغرض ابتكر الاستراتيجيون الأمريكيون مصطلح "الارتداد" أو "التداعيات العكسية" (blowback) للإحالة إلى حالة المقاومة أو الإعاقة الشديدة أثناء محاولة التحرك في العالم، كما قام تشالمرز جونسون في كتابه الارتداد: تكاليف الإمبراطورية الأمريكية وعواقبها (The Costs and Consequences of American Empire, 2000) تحليل تبعات هذا الحضور على المستوى الدولي بعمقٍ، مستجلياً كيف يُنتِج التمدد الإمبريالي المفرط (imperial overextension) في كل مرة التهديدات التي يسعى إلى إخمادها، في حلقة تصاعدية تنخر الهيمنة من الداخل.

وعند هذه النقطة بالذات ينبغي أن تُقرأ سيناريوهات براندز الثلاثة - الحرب الباردة الجديدة، وتشرذم مناطق النفوذ، والفوضى العالمية (غابة سياسية خاصة بكل دولة) – من منظورٍ نقديٍّ متيقظٍ. فما خلص إليه من أن حرباً باردة جديدة باتت تمثل "خير ما يمكن الأمل به" إفصاحٌ صريحٌ يستحق التوقف. غير أنه يكشف أيضاً عن القيد الجوهري للمقال: إذ يعامل الفوضى الراهنة باعتبارها انحرافاً عن خطٍ أساسيٍّ مستقرٍ ومشروعٍ/مقبولٍ، لا نتيجةً متوقعة لمنطقه الداخلي. فـ"خير ما يمكن الأمل به" من حربٍ باردةٍ جديدةٍ ليس استعادةً للنظام - بل هو تأسيس لمسار جديد من التوجس الدولي المتبادل عالي الوتيرة بين الدول الكبرى، وهي بالضبط الديناميكية التي يصفها كوخلر بالدوامة الخطيرة من انعدام الثقة والإفراط التي أوصلت البشرية إلى "توازن الرعب" النووي.

وثمة تحفظ آخر ينبغي التنبيه إليه، وهو الحديث عن انهيار النظام الدولي وكأنه سيقع وشيكاً، وبين ليلةٍ وضحاها. وتحذيراته بكل تأكيد ليست في غير محلها، ويجب أخذها بجدية كبيرة، لكن يقع المقال في مبالغة مزدوجة: مبالغة في تصوير اتساق ما كان قائماً، ومبالغة في تصوير سرعة تفككه. فالأنظمة الدولية لا تنهار بين عشية وضحاها، بل تتآكل على مدى عقود من الزمن، وكثيراً ما تظل واجهاتها المؤسسية قائمة. وليس ثمة مؤشرات موثوقة على أن المشهد الراهن سيُفضي إلى ما يشبه الانهيار المباغت للاتحاد السوفيتي؛ ذاك الانقطاع الشامل السريع والدراماتيكي. وما يمرَّ به العالم حالياً قد لن يكون سوى إعادة توازن وتكيّف مطوَّلة ومؤلمة، فحتى الخصوم والقوى الصاعدة باتت تستفيد من النظام الدولي القائم، وتستثمر فيه بكل ما تملك.

يُصيب براندز في ملاحظته بأن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بثقل قرار استثنائي فيما يخلف النظام الذي صنعته. لكن المفارقة الأعمق، التي لا يواجهها المقال بالكامل، تكمن في أن الخيارات ذاتها التي أفضت إلى السيادة الأمريكية - رفض قبول التكافؤ الاستراتيجي، وربط الهيمنة بالأمن، وازدراء المعاملة بالمثل - هي بعينها الخيارات التي أوصلت النظام إلى حالته الراهنة. إن ما نحتاج إليه ليس تحليل السيناريوهات بحثاً عن أي أشكال التنافس أقل وطأة/خطراً في الإدارة، بل مواجهة الإخفاق الأخلاقي والبنيوي لنظام دولي لم يتجاوز قط منطق القوة الذي ادّعى أو انتدب نفسه في مهمة مقدسة لترويضها.

اقترح كوخلر فكرة أن النظام العالمي المستقر لا يمكن بنائه إلا على أساس توازن حقيقي بين الدول ذات السيادة، مقترناً بالشراكة الفعلية التي تحفظ الأمن والاستقرار، وتحافظ على مصالح الجميع – ما أمكن – وفي حدود المشروعية القانونية والأخلاقية. فالواقعية (المدّعاة) دون ذلك الضبط الضروري لن تُنتج استقراراً - بل تُنتج الكوارث التي تسعى إلى درئها. والسؤال الذي يطرحه براندز: "أيُّ سيناريو ينتظر العالم على الضفة الأخرى من المرحلة الانتقالية" هو سؤالٌ مشروعٌ للغاية، لكن السؤال السابق عليه، أو الذي ينبغي طرحه ولا يقل إلحاحاً، وقد تحاشاه كلياً، هو: "أيُّ نظامٍ يستحق البناء، وهل سيمتلك مصمِّموه أخيراً الحكمة اللازمة لمقاومة إغراء الهيمنة الدائمة؛ ذلك الإغراء الذي أثبت التاريخ في كل عصر أنه أوثق الطرق إلى الزوال؟".

***

أمين اليافعي

إعادة قراءة تجربة جماعة التقريب من خلال زكي الميلاد.. التحديات والرّهانات

أوَّلًا: تقديم العمل: ناقش الباحث اللبناني الفرنسي الأب توماس جيز (Thomas GÈZE) مذكرة في الإجازة الكنسية (ماجستير) في الدراسات العربية والكنسية بعنوان: «التقريب والبحث عن الوحدة بين المسلمين: إعادة قراءة تجربة جماعة التقريب من خلال زكي الميلاد.. التحديات والرّهانات». وقد أنجزت هذه المذكرة باللغة الفرنسية، ونوقشت في رحاب المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما، في أكتوبر سنة 2024م، وأشرف عليها الأكاديمي التونسي الدكتور عدنان المقراني، واحتوت 162 صفحة من القطع الكبير.

قسّم الباحث المذكرّة ثلاثة أقسام، استهلّها بمقدّمة وذيّلها بخاتمة ومجموعة فهارس وقائمة في المصادر والمراجع. خُصّص القسم الأوّل للحديث عن السياقات التاريخية والثقافية التي احتضنت فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وفي هذا السياق تحدّث الباحث عن تجربة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وتطرَّق إلى تجارب أخرى ارتبطت بها منذ العصور الوسطى إلى العصر السائد. وركَّز صاحب الرسالة أساسًا على أفكار زكي الميلاد التقريبية وما تعلّق منها بالرّاهن بما يعكسه من تقارب أو تباعد.

أمّا القسم الثاني، فعرّف فيه الباحث بزكي الميلاد وكتابه موضوع الرّسالة الموسوم بعنوان: «التقريب والأمة.. كيف نواجه معضلة التقريب بين المذاهب؟» الصادر سنة 2019م، واضطلع توماس جيز بترجمة نصّوص من هذا الكتاب مع التعليق عليها.

وارتأى الباحث أن يختم مذكرته بالحديث عن «ما وراء الاختلافات: إعادة التفكير في الوحدة من خلال التقريب»، وفي هذا السياق قدّم الباحث قراءة نقدية في كتاب زكي الميلاد. ودرس طبيعة الاختلاف بين المسلمين (أساسية أم ثانوية)، وتناول مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال تجديد الفكر كما تجلّى عند زكي الميلاد. وختم الباحث القسم الثالث بالحديث عن التقريب من خلال الاعتراف بالآخر.

ذيّل الباحث توماس جيز رسالته بأربعة فهارس، خصَّصها للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأعلام، والمصطلحات الفنية. وعرض بعدها قائمة من المصادر والمراجع استفاد فيها من أدبيات متنوِّعة في لسانها وخلفياتها المعرفية.

نعتقد أنّ هذا العمل مهمّ، وذلك لعدّة اعتبارات. فقد أُنجز العمل من خارج دائرة الانتماء الإسلامي. وهذا يعني أنّنا سنجد قراءة مختلفة لمسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية تتميَّز عن الدراسات التي عهدناها سواء الرافضة لمسألة لتقريب أو الداعية لها. كذلك استفاد الباحث من أدبيات غربية كثيرة ممّا سيثري العمل ويجعله مرجعًا مهما في الدراسات الاستشراقية المتعلّقة بمسألة التقريب وقضاياها.

أعدّ الباحث العمل وناقشه في إطار اهتمامات المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، وهي مؤسسة دينية كاثوليكية رسمية تتَّخذ من روما مقرًّا لها. ونفهم من ذلك أنّ الكنيسة الكاثوليكية أصبحت بدورها تهتمّ أكثر بقضايا الحوار الإسلامي - الإسلامي، كما اهتمت سابقًا وطيلة قرن بقضايا الحوار المسيحي - المسيحي. ويعكس ذلك رغبة في معرفة قواعد الاختلاف بين جماعات الديانة الواحدة، وهذا ما رصدناه بوضوح في ثنايا هذه المذكرة البحثية.

اجتهد الباحث في هذا العمل في التعريف بزكي الميلاد وكتابه المذكور، واعتبره من الشخصيات القليلة التي جمعت بين التنظير والممارسة في مجال التقريب، ويتجلّى ذلك في مساره الفكري الخاص، وقد نبّه إلى جرأته في نقد الحضارة الإسلامية، وتعرّض إلى مجموعة من مؤلفاته، وتوقَّف عند كتابه حول «عصر النهضة»، إذ تحدّث فيه زكي الميلاد عن انبثاق وإخفاق الحركة التجديدية في العالم العربي الإسلامي، كما أحال الباحث على مقالة «لماذا لا توجد لدينا نظرية في حوار الحضارات» من دون ذكر الصفحة، وربط هذا الإخفاق -استئناسًا- بنصوص زكي الميلاد بتراجع مفهوم الحضارة في العالم العربي. وفي هذا السياق ثمّن الباحث اهتمام زكي الميلاد بالمقارنات بين أعلام النهضة الأوروبية ورواد الإصلاح في العالم الإسلامي والعربي، كما في مقالته التي تحدَّث فيها عن محمد إقبال وعلاقته بالفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (bergsonien)، وهكذا في مقالات أخرى.

استثمر الباحث ما كتبه زكي الميلاد ليطرح مسألة المصطلحات وما يتعلّق بها من خلفيات معرفية، ودفعه هذا الأمر إلى مراجعة مجموعة من الكلمات المفتاحية مثل: (الحوار، والمعرفة، والإصلاح، والمصالحة، والتسامح، والتجديد...).

ولم يكتفِ الباحث بوصف المصطلحات وتدقيقها، بل نظر في خلفياتها، ومن ثمّة في خلفيات زكي الميلاد الفكرية. متوقِّفًا عند نظريته حول تعارف الحضارات المستنبطة أساسًا من القرآن، وتحديدًا من آية التعارف، وكيف قارن الميلاد هذه النظرية بنظرية الفعل التواصلي للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Habermas) الذي ركَّز على أهمية التواصل والتفاهم المتبادل (compréhension mutuelle). ويُضاف إلى ذلك الحديث عن التاريخ والثقافة الإسلامية التي تثمّن الحوار من خلال تجارب معيَّنة درسها زكي الميلاد.

ثانيًا: التعريف بزكي الميلاد وكتابه (المدوّنة)

عرّف الباحث بزكي الميلاد، فحدَّثنا عن حياته، وبيئته الدينية والفكرية، ودراسته في المملكة العربية السعودية وخارجها، وتحدّث عن كثرة قراءته الكتب حتّى لُقّب في فترة الدراسة بـ«حمامة المكتبة»، كذلك تحدَّث عن رحلاته إلى دمشق ولبنان حيث أسس مجلة «الكلمة» سنة 1993م. وركّز الباحث في إطار ترجمته لزكي الميلاد وتقديم كتابه الذي اشتغل عليه والموسوم بعنوان: «التقريب والأمة.. كيف نواجه معضلة التقريب بين المذاهب؟»، وقد اضطلع الباحث بترجمة فصول منه بعد عرض فهرس مواضيع الكتاب وأقسامه.

والكتاب مقسَّم إلى ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول «فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية.. التجربة والتطوُّر والمعنى»، وحمل الفصل الثاني عنوان: «المسلمون الشيعة ومسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وتساءل المؤلف في الفصل الثالث: «هل الأمة الواحدة أمر ممكن؟»، ونبّه الباحث أنّ زكي الميلاد وضع عنوانًا للخاتمة وسمه بـ«مبدأ الأخوة الإسلامية».

وفي هذا الإطار التعريفي التحليلي عرض الباحث فصول الكتاب ومباحثه بإيجاز، كذلك عرض الخيارات التي اشتغل عليها في الترجمة، وبرّر اختيارها، وتناول أساسًا إشكالية ترجمة مصطلح «تقريب»، إذ ارتأت الأدبيات الغربية المختصّة ترجمة التقريب بمصطلح «œcuménisme»، ورأى أنّ هذا المصطلح لا يعكس عمق دلالة التقريب، واقترح مصطلحات أخرى من قبيل (rapprochement approximation/ proximité).

وفي هذا السياق رصد الباحث دلالة كلمة التقريب من خلال ضديدها: تباعد، وتفارق، وفرقة، وتقسيم، وانقسام، وانغلاق، وقطيعة، وتخاصم، وتعصّب.... ، فقد تُعرف الأشياء بأضدادها، وليس من السهل ترجمة المصطلحات الحضارية نظرًا إلى خصوصياتها، وهذا ما دفع الباحث إلى التحرّي فيما يتعلّق بترجمة مصطلحي «التقريب» و«المذاهب» إلى اللغة الفرنسية، واختار أن يترجم مصطلح «المذاهب» بالمدارس القانونية استئناسًا بما ذهب إليه أغلب المستشرقين.

جدير بالذّكر أنّ الباحث استفاد من خبرة أستاذه المشرف والخبير اللاهوتي عدنان المقراني الذي أظهر في كتاباته المتعدّدة كفاءة في الإلمام بالتقليدين المسيحي والإسلامي، ممّا حفّز الباحث على المقارنة بين النسقين الدينيين.

ثالثًا: قضايا التقريب والوحدة في فكر زكي الميلاد

الطريف أنّ صاحب المذكرة استهلّ رسالته بمقولة لغاندي، نصّها: «إنّ قدرتنا على تحقيق الوحدة من خلال التنوُّع ستكون جمالاً واختباراً لحضارتنا». واضطلع هذا الاستهلال بوظيفة تمهيدية توجيهية، أكّد من خلالها الباحث استئناسًا بآراء زكي الميلاد أنّ التنوّع لا يفسد الوحدة بل يزيدها جمالًا وإشراقًا، ولا تخصّ هذه القيمة ديانة أو حضارة من دون سواها بل تخصّ الإنسان في تجاربه المختلفة، ولعلّ هذا يؤكّد البعد الإنساني في كتابات زكي الميلاد التقريبية.

ولا غرابة أن نجد الباحث يتطرّق في مقدمة عمله إلى أهمية فكرة التوحيد في الديانات الإبراهيمية اليهودية والمسيحية والإسلامية، وكأنّ هذا المشغل يهمّ الديانات جميعًا. فكلّما تكاثرت الملل والنحل وتصارعت من أجل احتكار الخلاص والحقيقة، ظهرت أفكار لاهوتية تحاول التقريب بين من تباعدوا من حيث العقيدة والأفكار.

في هذا الإطار التعدّدي درس الباحث في الباب الأول من عمله الفكر التقريبي الإسلامي، وخصّص الفصل الأول للحديث عن جماعة التقريب باعتبارها تجربة تهدف إلى تحقيق الوحدة بين المسلمين. واعتبر جماعة التقريب منظمة (Association)، فتحدّث عن مجلتها «رسالة الإسلام» وعرّف بأعلامها وكتاباتها. ولم يكتفِ الباحث بتجربة الريادة بل تطرّق إلى الحديث عن المجمع العالمي للتقريب بطهران ومؤتمراته التي شارك زكي الميلاد في العديد منها، وكتب في مجلّتها «رسالة التقريب»، واعتبر الباحث المجمع تواصلًا لتجربة جماعة التقريب، ولقد بيَّنَّا في أطروحتنا وجهة نظر تغاير ذلك، إذ توصلنا إلى استنتاج مفاده أنّ تجربة المجمع انزاحت عن مسار التجربة المصرية.

وبالإضافة إلى التجربتين تحدَّث الباحث عن تجارب تقريبية أخرى، وحاول من خلالها، واستئناسًا بما كتب زكي الميلاد أن يفهم الصراع السني الشيعي أو صراع الألفية كما يُسمِّيه الباحث استئناسًا بقويدار (M. Guidère). ولقد حاول صاحب الرسالة رصد هذا الصراع منذ العصور الإسلامية الأولى إلى العصر الحديث بمحطّاته المختلفة.

رابعًا: إشكالية الاختلاف في فكر زكي الميلاد

نلاحظ من خلال قراءة الباحث في نصوص زكي الميلاد اهتمامه بمسألة الاختلاف في أبعادها المتباينة، فقد اهتمّ المسلمون قديمًا وحديثًا بهذه المسألة، ودرسوها من زوايا متباينة، وقد ارتأى الباحث أن يلج إلى هذا الموضوع من خلال ثنائية الاختلافات الجوهرية والاختلافات الثانوية، وركّز أساسًا على الخلافات السنية - الشيعية، وهي خلافات معقَّدة طرحت عبر العصور عدّة إشكاليات، وفي هذا السياق طرح الباحث سؤالًا مهمًّا نصّه: هل الاختلافات بين السنة والشيعة جوهرية أم ثانوية؟ أو بمعنى آخر: هل هي اختلافات في الأصول أم في الفروع؟. وفي إطار الإجابة عن هذا السؤال، حاول الباحث -استئناسًا بأدبيات زكي الميلاد- أن يعرض دور جماعة التقريب في التمييز بين الاختلاف والخلاف، فالاختلاف ظاهرة محمودة، تُؤسِّس لثقافة الحوار والعيش المشترك، بينما ينسف الخلاف جسور التواصل والإبداع.

استأنس الباحث بأدبيات زكي الميلاد حتى يدرس اهتمام جماعة التقريب بالاختلاف المذهبي والتعدُّد الفكري، فقد حاولت هذه الجماعة إدارة الاختلافات بين السنة والشيعة، وتوضيح حقيقة الخلافات، وفي هذا السياق تعرّض الباحث إلى العالم اللبناني الشيخ محمد جواد مغنية وحديثة عن التقية، إذ ربطها بمرحلة تاريخية ولّت، ونفى أن تكون من أساسيات الدين أو العقيدة، كذلك تحدّث عن العالم الإيراني الشيخ محمد تقي القمّي وتمييزه بين أصول الدين وأصول المذاهب. فقد ميّز التقريبيون الروّاد بين فروع الدين وأصوله، وفي هذا السياق تناول قضايا التحريف والإمامة والخلافة وغيرها من القضايا التي أخذت بُعدًا عقديًّا رغم أنّها لا تنتمي إلى مجال العقائد. وقد استند الباحث إلى كتابات حيدر حب الله ليؤكّد مشروعية الاختلاف، إذ ليس من حق المسلمين إلغاء الاختلافات سواء في الأصول أو في الفروع، ومن الخطير أيضًا تحويل إلى الاختلاف إلى خلاف وصدام.

حاول الباحث رصد أسباب هذا التحوّل، وخلفيات ثقافة الصدام التي هيمنت على الثقافة الإسلامية عائدًا إلى العصور الإسلامية، وتحدَّث عن فتنة مقتل عثمان، وما نتج عنها من حرب بين علي ومعاوية، كذلك وقف عند الفتنة الثانية بعد موت معاوية وحكم ابنه يزيد وقتل الحسين بن علي في كربلاء، وكلتا الفتنتين عزَّزتا الانقسام بين السنة والشيعة.

وفي هذا الإطار نزّل الباحث دعوة جماعة التقريب وكذا دعوة الباحث اللبناني حيدر حب الله إلى تجاوز الماضي والاهتمام بالحاضر، وهذا الأمر أكّد عليه زكي الميلاد، إذ دعا إلى تخطِّي الماضي وضرورة التحرُّر مما يشدنا إليه الزمن الغابر. وقد رصد الباحث هذا المنزع التحرّري أيضًا عند الباحث المصري جمال البنّا الذي أكَّد أنّ الميل إلى الماضي يتناقض مع الإسلام، ويتوافق ذلك مع ما ذهب إليه مالك بن نبي الذي اعتبر الحنين إلى الماضي عائقًا يحول دون فهم الحاضر وتحدياته.

كما استأنس صاحب البحث بزكي الميلاد لعرض أفكار ثلّة من المفكرين المهتمّين بمسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية. وفي ضوء ذلك اجتهد الباحث في بيان إسهام زكي الميلاد في دراسة مسألة الاختلاف وتقديم حلول عملية لها. ويمكن تلخيص هذه الإسهامات في النقاط التالية:

1- تجديد الفكر الديني عند زكي الميلاد

طرح الباحث الأفهام المختلفة لمسألة التجديد، إذ نظر إليها البعض باعتبارها إلغاء القديم واستبداله بالكامل بالجديد، أو باعتبارها عودة إلى الأصول والتطهّر من كلّ ما هو غريب، أو باعتبارها فكرًا يفتح آفاقاً جديدة في الفقه، مع مراعاة احتياجات العصر الحديث.

2- ضرورة التمييز بين الدين والفكر الديني

أكَّد الباحث -مستشهدًا برأي الباحث العراقي مصطفى خضير- «أنّ زكي الميلاد اهتمّ بتجديد الفكر الإسلامي وليس الدين»، فالخطابات الدينية ليست الدين، وهي عند زكي الميلاد بعضها خطابات قديمة لم تعد منسجمة مع العالم اليوم

3- التقريب من خلال تجديد الفكر

عنون الباحث أحد مباحثه بهذه العبارة، ونفهم من خلالها أهمية تجديد الفكر في تحقيق الحوار التقريبي، وفي هذا الإطار تحدَّث عن اهتمام زكي الميلاد بعلم الكلام الجديد، وأشار الباحث في هذا إلى آراء بعض الباحثين مثل الباحث العراقي عبد الجبار الرفاعي، والباحث الإيراني محمد مجتهد شبستري ودوره في تطوير الكلام السياسي وبخاصة مسألة الديمقراطية، وفي السياق نفسه تحدّث عن أهمية المدرسة الإيرانية المعاصرة والراهنة في مجال تجديد الفكر

4- إلغاء كل المقارنات السلبية القائمة على فكرة التفوق

طرح الباحث إشكالية الآخر وتعقيداته كما تجلّت في كتب زكي الميلاد، الذي أكَّد على حق الاجتهاد والاختلاف في نطاق الفكر الديني، والترفع عن ذهنية الفرقة الناجية، فكل واحد منا هو آخر بالنسبة إلى غيره، ولذلك لا بدّ أن يقبل به.

5- مراجعة المصطلحات

فقد اهتمّ زكي الميلاد بالمصطلحات المجاورة لمصطلح التقريب من قبيل: الإصلاح والتحديث والتغيير... كذلك اهتم بتدقيق عدّة مصطلحات أخرى.

خاتمة

قدّم الباحث بعض الملاحظات النقدية على كتاب «التقريب والأمة» لزكي الميلاد، ودقّق في مصطلح «تقريب»، ولاحظ غيابه في الفصل الثالث من الكتاب ومن الخاتمة، رغم أهميته وكثرة تواتره في بقية أجزاء الكتاب، ومردّ ذلك عنده يعود إلى أنّ أغلب أجزاء الكتاب وحتى المقدمة، قد نشرها المؤلف سلفًا، وفي هذا الإطار عرض رسالة لزكي الميلاد موضِّحًا فيها هذا الأمر. بالإضافة إلى ذلك وجّه الباحث نقدًا لما جاء في المقدمة من ربط بين التقريب والإصلاح، وتساءل: «هل أهل الإصلاح متّفقون ومنسجمون فيما بينهم وهل نظرتهم للإسلام موحدة؟».

حاول الباحث في هذه الرسالة أن يعرض فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال ما كتبه زكي الميلاد. والطريف أنّ الباحث قارن بين فكرة التقريب كما ظهرت في بيئتها الإسلامية المعاصرة، وأفكار مشابهة لها ظهرت في البيئة المسيحية، حيث ظهرت الحركات المسكونية، فقارن الوضع العربي الإسلامي بالوضع الأوروبي، وتحدَّث عن مجهودات (Robert Schuman) التوحيدية التي قرّبت بين دولتين عدوّتين هما: فرنسا وألمانيا، وبذلك يكون الباحث قد فتح باب الدراسات المقارنة بين المسيحية والإسلام في مجال الأفكار التوحيدية والمشاريع التقريبية.

وممّا لا شكّ فيه سيُسهم هذا العمل في التعريف بحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية في العصر الحديث والزمن الراهن، ولعلّ ذلك سيحفّز باحثين آخرين مختصِّين في اللاهوت المسيحي على دراسة أفكار إسلامية مهمّة وما أكثرها.

***

الدكتور علي بن مبارك

جامعة قرطاج، تونس

مُنذ عُقود، يتكرَّر السؤال في الأوساط الثقافية العربية: لماذا لم يحصل أدونيس (وُلد 1930) على جائزة نوبل للآداب رغم حضوره العالمي وترجماته الواسعة؟. ويكاد هذا السؤالُ يتحوَّل إلى مُسلَّمة ضِمنية تفترض أنَّه يستحق الجائزةَ، وأنَّ عدم منحه إيَّاها هو تقصير أوْ تحيُّز. غَيْرَ أنَّ مُقارَبة هذا السؤال بجدية تستدعي مراجعة نقدية عميقة لتجربته، بعيدًا عن الهالة التي أحاطتْ باسمه، والنظر في أعماله بوصفها نصوصًا قابلة للفحص لا أصنامًا ثقافية.

يُقَدَّم أدونيس غالبًا كشاعر حداثي كبير، لكنَّ جُزءًا كبيرًا من إنتاجه يُعاني من غُموض مُفرِط لا يَنتج عن كتافة دَلالية بِقَدْرِ ما يَعكس انفصالًا عن التجربة الإنسانية المُباشرة. الكثيرُ مِن نُصوصه تبدو مشغولة باللغة ذاتها أكثر من انشغالها بالمعنى، وكأنَّها تُمارس نوعًا من " الكتابة عن الكتابة ". هذا النمط قد يُثير الإعجابَ في إطار نُخبوي محدود، لكنَّه يفقد قُدرته على التأثير الواسع الذي يُعَدُّ أحد معايير التقدير العالمي. والأدبُ العظيم - حتى في أكثر تجلياته حداثةً - يحتفظ بخيط تواصل مع الإنسان العادي. أمَّا في تجربة أدونيس فنجد ميلًا واضحًا إلى الانغلاق داخل شبكة من الرموز والإحالات الثقافية المُعقَّدة التي تتطلَّب قارئًا متخصصًا لفكِّ شيفراتها. هذا لا يُعَدُّ ميزة، بَلْ يُفَسَّر على أنَّه عَجْز عن بناء خطاب إنساني شامل، وهو ما يَجعل أعماله أقل قُدرة على اختراق الثقافات المختلفة مُقارَنةً بأدباء عالميين آخَرين.

لا يُمكن فصل شِعر أدونيس عن مواقفه الفكرية التي أثارتْ جدلًا واسعًا، فقد تبنَّى خطابًا نقديًّا حادًّا تجاه التراث العربي والإسلامي، لكنَّه في الوقت نَفْسِه لَمْ يُقَدِّمْ بديلًا فكريًّا متماسكًا. هذا التناقضُ جعل مشروعه قائمًا على الهدم لا البناء، وهو ما يُضعِف مِن قيمة " المشروع الأدبي المتكامل " الذي تَبحث عنه لجان الجوائز الكُبرى. ورغم ترجمة أعماله إلى لغات عديدة، فإنَّ تأثير أدونيس في الأدب العالمي ضعيف ومحدود. والحُضورُ الأكاديمي أو الاحتفاء النقدي لا يكفيان، إذْ إنَّ الجائزة غالبًا ما تذهب إلى مَنْ يَترك أثرًا عميقًا في الوعي الإنساني العام، لا في دوائر نقدية ضيقة فقط. وهُنا يَظهر الفرقُ بين الانتشار الشكلي والتأثير الحقيقي.

إنَّ أدونيس شاعر نُخبوي بامتياز، وهذه النُّخبوية تحوَّلت إلى حاجز يفصل نصوصَه عن جمهور واسع. والأدبُ الذي ينحصر في طبقة محدودة يفقد أحد أهم شروط الخُلود، وهو القُدرة على التجدُّد عبر القُرَّاء المُختلفين، وهذا يُفَسِّر عدم حصوله على تقدير عالمي بحجم نوبل.

يُؤْخَذ على أدونيس أنَّ كثيرًا من نصوصه تبدو وكأنَّها عميقة، لكنَّها في الواقع غارقة في التجريد والالتباس إلى حَد يُفْقِد المَعنى. والغُموضُ هُنا ليس نتيجة كثافة فكرية، بَلْ هو سِتار لُغوي يُخْفي فراغًا دَلاليًّا، والقارئُ يَخرج بانطباع أنَّه أمام نَص كبير، لكنَّه يعجز عن الإمساك بفكرة مُحدَّدة. وأدونيس - رغم ادِّعائه التجديد والتحديث - قد قطع الصلةَ مع التراث دون أن ينجح في بناء بديل مُقْنِع. وشِعْرُه لا يُحفَظ، ولا يُتداوَل شفهيًّا، ولا يعيش في الذاكرة الجَمَاعِيَّة. وهذا يُعتبَر مُؤشِّرًا على أنَّ مشروعه نُخبوي أكثر مِمَّا هو شِعْري حَي. كما أنَّ مشروعه يبتعد عن الذاكرة الشِّعْرية العربية الجَمَاعِيَّة، وهو لَمْ يَكتب نُصوصًا تُحْفَظ وتُرَدَّد، بَلْ كتبَ للنُّخبة المُثقَّفة فقط، والجُمهورُ لا يَجد في نُصوصه صَدًى أوْ حياةً. وخِطابُه النقدي ومواقفه الفكرية أعطت انطباعًا لدى البعض أنَّه يُقَدِّم نَفْسَه كمشروع حضاري كامل لا كشاعر فقط، وهذا التضخم انعكسَ على شِعْره، حيث يَظهر كأنَّه يكتب أفكارًا فلسفية بلباس شِعْري أكثر مِنْ كَونه يَصنع تجربة شِعرية نابضة.

ورغم مسيرته الطويلة، فإنَّ أدونيس يُكرِّر نَفْسَ الثيمات (الهدم، الثورة، الأُسطورة)، ويُعيد تدويرَ الرموز نَفْسِها، دُون تطوُّر حقيقي في الأدوات أو الرؤية، وكأنَّ الشاعر عالقٌ في دَوَّامة واحدة لَمْ يجدْ مَخرجًا لها، مِمَّا يَجعل تجربته الشِّعْرية محدودة وغَير مُتجددة، ويَجعل مشروعَه يَدور في حَلْقة مُغلَقة.

وقدْ تعرَّضَ لانتقادات حادَّة بسبب مواقفه السياسية والثقافية والاجتماعية، فهو مُراقِب مِنْ بعيد، ومُنفصل عن مُعاناة الواقع، وَمُتردِّد في مواقف مِفْصَلية. وهذا أضعفَ صورته كشاعر" ثَوْري "، إذْ بدتْ ثَوريته لُغوية أكثر مِنها واقعية. وبعبارة أُخرى، إنَّ الثَّورية عِنده شِعارات لُغوية أكثر مِنها فِعْلية أوْ مَلموسة، وهذا أضعفَ صُورةَ الشِّعْرِ الذي يُفْتَرَض أنْ يَكُون مُعبِّرًا عَنْ هُمومِ العصر، ومُعاناةِ الشُّعوب، وآلامِ الأوطان.

يُمكن تفسير عدم فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب (مِن زاوية نقدية) بِعِدَّة أسباب:

1 - شِعْرُه صعب الترجمة والتلقي عالميًّا بسبب كثافته الرمزية المُرتبطة بالسياق العربي، وهذا الرَّمزية مُغلَقة تصل إلى حَد الإبهام والإخفاء والغُموض وعدم الوضوح. وبسبب صُعوبة الترجمة، وغُموضِ الرُّموز، يُصبح مِن الصعب على لجنة عالميَّة تَقْييمه مُقارَنةً بشعراء تَركوا أثرًا عالميًّا ملموسًا.

2 - الانفصال عن الواقعِ والجُمهور.

3 - تأثيره العالمي ضعيف ومحدود مُقارنة بأسماء أحدثتْ تحوُّلًا كَونيًّا واضحًا في الأدب.

4 - الجدل حَول شخصه ومواقفه جَعَلَ صُورته إشكالية ثقافيًّا.

5 - مشروعه لَمْ يَنجح في إحداث نقلة نَوعية حاسمة في الشِّعْر العالمي.

6 - التناقض بين ادِّعاءِ الحداثة وادِّعاءِ التمسُّك بالتُّراث.

7 - المَيل إلى المثالية النظرية على حساب التواصل الإنساني.

8 - الانحياز الفِكري الذي يَحُدُّ مِن الشُّمولية وتقديمِ رُؤية مُتكاملة.

أدونيس شاعر يُجيد صناعة الهالة أكثر مِمَّا يُجيد صناعة الدهشة الحقيقية. ونُصوصه تَبدو كبيرة من الخارج، لكنَّها عِند التحليل كثيرًا ما تَكشف عَن تفكُّك، وتَكرار، وغُموض بلا ضرورة.

وهو يميل إلى لُغة مُعقَّدة ومُحمَّلة بالرموز المُستعصية، تَجعل القارئَ يَشعر بالارتباك أكثر مِن الإلهام. والشاعرُ الحقيقي يترك أثرًا في النَّفْس، أمَّا أدونيس فيترك القارئَ تائهًا بين الأساطير القديمة والفلسفةِ المُستعصية، دُون أنْ تُقَدِّم نُصُوصُه شُعورًا حقيقيًّا، أوْ تجربة إنسانية ملموسة.

أدونيس شاعرٌ يتوهَّج اسْمُه أكثر مِنْ نَصِّه. الهالة التي أحاطَ بها نَفْسَه أبهرت البعضَ، لكنَّها لا تُخفي حقيقة أنَّ شِعْرَه مَحصور في دائرة ضَيِّقة. وَمِنَ المُستحيل أنْ يَفوز بجائزة نوبل للآداب، لأنَّ جائزة نوبل تَبحث عن الشِّعْرِ العالمي، وهو الذي يَقُوم على تجربة إنسانيَّة حقيقية، لا مُجرَّد فِكرة فلسفية مَلفوفة بالكلمات الكبيرة.

يُعتبَر أدونيس أحد أبرز الرموز الشِّعْرية العربية الحديثة، لكنَّ هذه المكانة لَمْ تمنعه مِن الوقوع في تناقضات داخلية واضحة في نُصوصه وأفكاره، تَحُدُّ مِن قِيمته كأديب عالمي، وتضع علامات استفهام حَول مُنطلقاته النَّقْدية في الشِّعْرِ والفِكر. وقِراءةُ شِعْرِه بِعَيْن ناقدة تَكشف ضعفًا جَوهريًّا في بُنيته الفَنِّية، وفلسفته النَّقْدية، وتناقضًا صارخًا بين طُموحه التَّجديدي وقُدرته على التواصل الإنساني العميق. وهكذا تتحوَّل اللغةُ إلى جِدار أمام القارئ، بدل أنْ تَكُون جِسرًا للعاطفة، أو التجرِبة الإنسانية المُشتركة، لذلك فإنَّ نُصوص أدونيس مُغْلَقَة على نَفْسِها، ومَحرومة مِن التواصل المُباشر مع القارئ العادي. وهُنا يَظهر ضعفُ أدونيس، فقدْ تَمَكَّنَ مِن بناء لُغة فلسفية مُبْهِرة، لكنَّه فشلَ في جَعْلها لُغة يعيشها الناس.

أحد أكثر التناقضات وُضوحًا في شِعْر أدونيس هو مُحاولته الجمع بين الحداثة والتجريب مِنْ جِهة، وبين التمسُّك بالرموز الأُسطورية مِنْ جِهة أُخرى. وهو يُعلِن ضرورةَ التحرُّر مِن التُّراث، والبحثِ عن هُوِيَّة جديدة للشِّعْر العربي، لكنَّه في الوقتِ ذاته يَحِنُّ إلى الأساطير القديمة، ويتشبَّث بِصُوَر رمزية يَصعُب على القارئ الغَرْبي أوْ حتى العَرَبي استيعابَها دُون دِراسة عميقة. وهذا التناقضُ بَين التحرُّر مِن القديمِ والانغماسِ فيه، يَصنع شُعورًا بعدم الاتِّساق، ويَجعل المَشروعَ الشِّعْري أكثرَ تعقيدًا بِلا آفاق ولا رُوح ولا حياة.

أدونيس يَميل إلى المثالية المُطْلقة في تصوُّراته عن الشِّعْرِ والحُرية والإنسان، ويَكتب عن تحطيم التقاليد والفِكرِ البائس، إلا أنَّ نُصوصه تَكشف ضعفًا في مُلامسةِ الواقع الإنساني، فهو لا يُقَدِّم حُلولًا أوْ رُؤى واقعية، بَلْ يَبقى مَحصورًا في الشُّعورِ بالتَّحَسُّرِ والتمرُّدِ النظري. وهُنا يَظهر التناقض: شاعر يَسعى إلى التغيير والتحرُّر، لكنَّه في شِعْره يَكتفي بالإدانةِ دُون تقديم حُلول عملية، مِمَّا يُقَلِّل مِنْ أثره الإنساني في النُّصوص، ويَجعلها صَعبةَ التقدير على مُستوى عالمي.

وأهمُّ نقطة ضعف في أدونيس هي نظرته النقدية الحادَّة التي تتجاوز الشِّعْرَ لِتَدخل في الفلسفةِ والسِّياسةِ والدِّين، وهذا يُفْسِد التوازنَ الفَنِّي للنَّص، فهو يُهاجم الأديانَ والتقاليدَ والشُّعوبَ أحيانًا بشكل عام، مِمَّا يَضع شِعْرَه في مُواجهة القارئ بدلًا مِنْ أنْ يكون مساحة للحِوار الإنساني، والتفاعل الأخلاقي، والتسامح الأخوي، وهذا مَنَعَه مِنْ أنْ يكون شاعرًا عالميًّا مَقبولًا. ونُصُوصُ أدونيس تفتقر إلى الإيقاع الموسيقي الشِّعْري الذي يَجعل الشِّعْرَ تجربة حَيَّة للمُتلقي. فهو يُركِّز على الرمزية والفلسفة أكثر مِن المُوسيقى الداخلية للكلمة، وهذا يُضْعِف الجانبَ الحِسِّي للشِّعْر، ويَجعل نُصُوصَه أقرب إلى مقال فلسفي مِنْه إلى قصيدة تُؤَثِّر في القلبِ قبل العقل. وغِيابُ الإيقاعِ العاطفي في شِعْرِه حالَ دُون اعتباره شاعرًا عالميًّا ذا بَصمة كَوْنِيَّة.

عدمُ فَوز أدونيس بجائزة نوبل للآداب لَيس نتيجة مؤامرة أوْ ظُلْم، بَلْ هو انعكاس طبيعي لحدود تجربته. ورغم مكانته الأدبية في العالَم العربي، فهو لَيس فوق النقد، وأعمالُه لَيستْ بِمَنأى عن المُساءلة. وإعادةُ تقييم تجربته بإنصاف ومَوضوعية تكشف أنَّ حُضوره الكبير في الثقافة العربية لا يُوازي تأثيرًا عالميًّا عميقًا، وأنَّ الغُموض، والنُّخبوية، والتناقض الفِكري، كُلها عوامل ساهمتْ في عدم فَوزه بالجائزة. وَتبدو تجربة أدونيس مُثْقَلَة بتناقضات حادَّة ومواقف مُلتبسة، كشفتْ هَشاشةَ خِطابه، وعَرَّت ادِّعاءاته الفِكرية، رغم مَا يُحيط بِه مِنْ هالة ثقافية. وهذا الاضطرابُ الصارخ في رُؤيته ومواقفه كانَ سببًا في تَهميشه مِنْ قِبَل جائزة نوبل للآداب وعدم الاعتراف بِه كشاعرٍ عالمي صاحب مشروع أخلاقي وإبداعي وفِكري.

رُبَّما يكون السُّؤال الأجدر لَيْسَ: لماذا لَمْ يَفُزْ أدونيس بجائزة نوبل للآداب ؟، بَلْ: هَلْ كانتْ تَجربته مُؤهَّلة فِعْلًا لتجاوز حدود الإعجاب المَحَلِّي إلى مُستوى العالميَّة الحقيقية؟.

***

 إبراهيم أبو عواد

ليس الجهل أن نقول لا أعرف بل الغرور أن نزعم أننا نعرف كل شيء. فعبارة لا أعرف ليست فراغا في الوعي، بل قمته، وليست اعترافا بالعجز بل انحناءة العقل أمام اتساع ما لا يمكن الإحاطة به. منذ أن بدأ الإنسان رحلته في مساءلة الوجود، وهو يتأرجح بين وهم اليقين وصدق الحيرة، بين إجابات جاهزة تمنحه طمأنينة مؤقتة، وأسئلة مفتوحة تقلقه بقدر ما تنضجه.

إن الوعي الحقيقي لا يكتمل بالإجابات، بل يتسع بالأسئلة، وكلما ازداد الإنسان معرفة، أدرك أن ما يجهله أوسع بكثير مما ظن يوما أنه امتلكه. وهنا لا تصبح لا أعرف نهاية الطريق، بل بدايته، لا علامة نقص، بل إعلان دخول إلى أفق التأمل.

إن الإيمان بأن الإجابة النهائية هي لا أعرف هو ارتقاء نحو فهم أعمق، فهم يدرك أن الحقيقة ليست كيانا ثابتا يمتلك، بل أفقا متجددا يقترب منه ولا يستنفد.

فالإنسان، في لحظات وعيه الأعلى، لا يتحدث بلهجة اليقين المغلق، بل بنبرة الباحث الذي يدرك أن كل رأي هو ثمرة تأمل، وأن كل قناعة قابلة للمراجعة كلما تبدلت زوايا النظر.

إن ما نسميه معرفة ليس إلا تأويلا مؤقتا للعالم، محاولة ذهنية لإدراك ما يتجاوز قدرتنا على الإحاطة الكاملة. لذلك يصبح التواضع المعرفي ضرورة وجودية، لا مجرد فضيلة أخلاقية، لأنه يحرر العقل من الجمود، ويفتحه على احتمالات لا نهائية من الفهم.

ومع اتساع الوعي، لا يعلو صوت الإنسان، بل يخفت، لا لأن فكره تراجع، بل لأن يقينه انحنى أمام تعقيد الوجود. فيدرك أن الحقيقة لا تفرض بالصوت المرتفع، بل تكتشف بالإنصات، وأن التأمل ليس طريقا إلى إجابة نهائية، بل أسلوب وجود داخل السؤال نفسه.

فقد جعل سقراط من قوله الشهير "أنا أعرف أني لا أعرف" نقطة انطلاق للفلسفة، لا تعبيرا عن جهل، بل عن وعي نقدي يرفض الادعاء ويؤسس للبحث

 وعلى امتداد هذا المسار يأتي ديكارت ليجعل الشك المنهجي أداة للوصول إلى اليقين، مؤكدا أن المعرفة لا تبدأ إلا حين نهدم ما نظنه مسلما به. ثم يعمق كانط هذا الوعي حين يقرر أن العقل الإنساني محدود بحدود التجربة، وأن ما وراءها يظل عصيا على الإدراك الكامل. وفي أفق آخر، يرى كارل بوبر أن المعرفة الحقيقية ليست يقينا نهائيا، بل فرضيات قابلة للدحض وأن التقدم لا يتحقق بإثبات الصواب، بل بقدرتنا على اكتشاف الخطأ. وهكذا، يتلاقى هؤلاء المفكرون، رغم اختلاف عصورهم، عند فكرة مركزية مفادها أن الاعتراف بعدم الاكتمال ليس نقصا في المعرفة، بل شرطا ضروريا لاستمرارها.

في النهاية، لا تقف لا أعرف على هامش المعرفة، بل تقف في مركزها كأكثر أشكالها صدقا ونزاهة. فهي ليست اعترافا بالفراغ، بل اعتراف باتساع لا نهائي يعلو على كل امتلاك.

إن الإنسان لا ينضج حين تتكاثر إجاباته، بل حين تتسع أسئلته، وحين يدرك أن كل يقين يبلغه ليس إلا محطة عابرة في رحلة لا تنتهي.

وهكذا، يصبح الجهل المدرك أعلى من المعرفة المتوهمة، وتغدو الحيرة الواعية أرقى من الطمأنينة الزائفة.

لسنا مطالبين بأن نصل إلى الحقيقة كاملة، بل أن نظل أوفياء لرحلتها، أن نحسن الإصغاء لما يتجاوزنا، وأن نقيم داخل السؤال دون أن نختزله في إجابة.

فربما كانت الحكمة كلها كامنة في هذا الاعتراف البسيط والعميق معا:

أن نعرف حدودنا، وأن نترك للغموض حقه، وأن نواصل السير... لا بحثا عن نهاية، بل وعيا بأن الطريق ذاته هو المعنى.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في حدود المشروعية وإمكانات الفهم والحوار

نعيش اليوم في زمنٍ لم يعد فيه السؤال المركزي ما الحقيقة؟. بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو: من يستطيع أن يقنع الناس أكثر؟.

لقد تحوّل الإقناع في العالم المعاصر إلى صناعة متكاملة تمارسها السياسة والإعلام والخطابات الأيديولوجية والدينية، حتى أصبح العقل الإنساني ساحة مفتوحة للتنافس بين تقنيات التأثير لا بين الحجج المعرفية، وكأن السلطة أصبحت بشكلٍ عام هي مصدر المعرفة.

هذه الظاهرة ليست مجرد تفصيل في الثقافة الحديثة، بل هي علامة على انزياح خطير في مفهوم الحقيقة وماهيتها. قبل أن تكون الحقيقة موضوعًا للفهم والبحث والنقد، أصبحت في كثير من الأحيان مجرد نتيجة للخطاب الأكثر قدرة على الإقناع.

إن الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في الإقناع بحد ذاته، بل في تحوّله إلى بديل عن التفكير. فعندما يصبح الهدف هو إقناع الآخر لا فهمه، يتحول الخطاب إلى أداة للهيمنة الرمزية بدل أن يكون فضاءً لتبادل المعرفة والوعي.

الإقناع ليس هو فلسفة لغوية بريئة في التداول الفكري، بل هو غالباً أداة خفيّة بيد السلطة، لتمارس تأثيرها على عقول الناس باِسمِ الحقيقة زوراً وبهتاناً، إنّ الإقناع وعبر التاريخ لم يكن إلاّ أداة لفرض الرأي، وتوجيه الوعي، وصناعة وصياغة مفهوم الامتثال.

ومن هنا تنشأ الإشكالية الأساسية:

هل الإقناع ضرورة معرفية تساعد على كشف الحقيقة، أم أنه تقنية خطابية تهدد الحرية المعرفية عبر توجيه العقول بدل تحريرها؟.

يُقدَّم الإقناع في الخطاب الثقافي التقليدي بوصفه وسيلة للتعليم والتوضيح. فالمعرفة – كما يُقال – تحتاج إلى عرضٍ عقلاني وحجج مقنعة لكي تصل إلى الآخرين. وفي هذا المنحى يبدو الإقناع أداة ضرورية لنقل الأفكار وتوسيع أفق الفهم.

لكن هذه الصورة المثالية تخفي حقيقة أكثر تعقيدًا. حيث أنّ الإقناع ليس مجرد عرض للحجج، بل هو في كثير من الأحيان تقنية للتأثير النفسي والاجتماعي.

فالخطاب الإقناعي لا يعمل فقط على مستوى العقل، بل يتلاعب أيضًا بالعاطفة والرموز والهويات.

وإذا تعمّقنا في واقعنا المعاصر نجد أن معظم الخطابات السياسية والدينية لا تهدف أساساً إلى البحث عن الحقيقة، بل إلى إنتاج قناعة جماعية، بمعنى أن الهدف ليس هو معرفة الواقع، بل إدارة الاعتقاد، وهنا يتّضح أمامنا بأن العقل لا يُدعى إلى الحوار والتفكير، بل للإنضمام إلى رأيٍ مُسبق الصنع.

وهنا يبدأ الانزلاق، فبدل أن يسعى الخطاب إلى كشف الحقيقة، يبدأ بالسعي إلى صناعة القناعة. والفرق بين الأمرين جوهري. فالحقيقة تتطلب الحوار النقد والشك والتجربة، أما القناعة فقد تُصنع بوسائل خطابية بارعة حتى لو كانت منفصلة عن الواقع.

لقد أدرك بعض الفلاسفة مبكرًا هذا الخطر، حين حذروا من أن البلاغة في اللغة قد تجعل الباطل يبدو مقنعًا إذا امتلك الخطاب مهارة التأثير. ومع تطور وسائل الإعلام الحديثة، تضاعفت هذه القدرة إلى حد غير مسبوق.

ومن هنا يظهر خطر آخر، يتجسّد عندما تتحوّل الحقيقة إلى مسألة تصويتٍ شعبي تُمارسه السلطة، أي عندما تُقاس صدق الفكرة، بمدى قدرتها على الانتشار القسري.

ولذلك فإن السؤال لم يعد فلسفيًا فقط، بل أصبح سياسيًا وثقافيًا:

هل ما نعيشه هو عصر المعرفة، أم عصر إدارة العقول، ومصادرة الرأي الآخر؟.

إحدى أكبر المغالطات في الثقافة المعاصرة هي الاعتقاد الضمني بأن الفكرة الأكثر انتشارًا هي الأقرب إلى الحقيقة، لكن التاريخ يكشف العكس تمامًا.

فكم من أفكار أقنعت شعوبًا كاملة ثم تبيّن لاحقًا أنها مجرد أوهامٍ جماعية، وكم من حقائق علمية واجهت الرفض والسخرية قبل أن يعترف بها العالم، ومن ثُمّ انتشرت.

إن ربط الحقيقة بالإقناع هو في حد ذاته خلط بين معيارين مختلفين:

الإقناع يتعلق بقوة الخطاب ومصدره، أما الحقيقة فتتعلق بصدق الواقع.

وفي كثير من الأحيان تكون الأفكار الأكثر إقناعًا هي تلك التي تخاطب العاطفة أو الهوية لا العقل النقدي، ولهذا تنتشر بسهولة لأنها تمنح الناس شعورًا باليقين، حتى لو كان هذا اليقين مجرد وهمٍ ليس إلاّ.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي يجب أن يُدركها الجميع، بأن الإقناع قد ينجح في إخفاء الحقيقة بدل كشفها.

يحبّ الخطاب الإقناعي أن يقدّم نفسه على الدوام بوصفه محايدًا وعقلانيًا، ويبتغي المصلحة العامة، لكن الواقع مختلف، فكل خطاب إقناعي ينطلق من موقع معرفي وثقافي محدد، ويحمل في داخله افتراضات مسبقة عن العالم والإنسان والمجتمع.

بل إن كثيرًا من تقنيات الإقناع الحديثة تعتمد أساسًا على التأثير غير العقلاني مثل: إثارة الخوف، استدعاء الهوية الجماعية، أو اللعب على المشاعر، بمزيدٍ من العاطفة.

وفي هذه الحالة لا يعود الخطاب موجّهًا إلى العقل، بل إلى اللاوعي الجمعي.

إن الإقناع يعمل داخل شبكة معقدة من القوى " السلطة السياسية، الإعلام، المؤسسات الثقافية والتربوية، وحتى اللغة نفسها "، ومن دون إدراك هذه الشبكة يصبح الحديث عن حياد الإقناع نوعًا من السذاجة المعرفية.

ولهذا فإن الإقناع قد يتحول بسهولة إلى أداة للهيمنة الفكرية، " بل هو يهدف إلى الهيمنة بالأساس " خصوصًا عندما يُستخدم لتبرير أفكار جاهزة أو لإغلاق باب النقد، والرأي الآخر.

يبدو الإقناع والحوار متشابهين ظاهريًا، لكنهما في الحقيقة ينتميان إلى منطقين مختلفين.

الإقناع يقوم على فكرة بسيطة، " هناك رأي صحيح، وعلى الآخرين أن يقتنعوا به ".

أما الحوار فينطلق من فكرة أكثر تواضعًا وعمقًا، " ربما لا يمتلك أي طرف الحقيقة كاملة ".

الحوار الحقيقي لا يسعى إلى الانتصار في النقاش، بل إلى توسيع أفق الفهم والإدراك.

ولهذا فإن الإقناع يميل إلى اتجاه واحد، بينما الحوار يقوم على تفاعل متبادل بين العقول، للوصول إلى الهدف المطلوب.

في الإقناع يسعى المتكلم إلى الانتصار في النقاش، بينما في الحوار فالمطلوب هو توسيع أفق الفهم والإدراك.

ولهذا فإن الحوار أكثر قدرة على إنتاج المعنى، لأنه يسمح بتعدد وجهات النظر ويعترف بأن الحقيقة ليست ملكًا خاصّاً لطرف واحد.

إنّ الحقيقة في المجال الإنساني ليست مُحتكرة لطرفٍ دون سواه، بل هي عملية مستمرة من الاكتشاف والنقد والتصحيح.

إنّ الحوار يروم إلى الهدف الأسمى، وهو الوصول معاً إلى فهمٍ أعمق لواقعنا ومجتمعنا والعالم.

في النموذج السلطوي للحقيقة، يصبح الإقناع أداة لفرض الرأي، أي أن الخطاب المُبرمج يسعى إلى جعل الآخرين يُسلّمون بما يراه المتكلّم كحقيقةٍ نهائية.

إذا كان الإقناع يحمل في داخله نزعة خفية نحو السيطرة، فإن الحوار يمثل نموذجًا معرفيًا مختلفًا تمامًا، لأن الحوار لا يسعى إلى إخضاع الآخر، بل إلى فهمه، وهو لا يفترض أن الحقيقة جاهزة ومكتملة، بل يرى أنها تتشكل تدريجيًا عبر التفاعل بين العقول، وعلينا أن نكتشفها.

في هذا الإطار تصبح الحقيقة عملية انكشاف لا عملية إلزام، أي أنها تظهر عبر النقاش والنقد والتجربة، لا عبر الخطاب السلطوي الأكثر تأثيرًا.

إن الدفاع عن الحوار ليس موقفًا أخلاقيًا فقط، بل هو أيضًا موقف معرفي، فالمعرفة لا تتطور عبر الخطابات المغلقة والمُغلّفة، بل عبر النقاش الحر والشك المنهجي.

ولهذا يمكن القول إن أزمة الفكر المعاصر لا تكمن في غياب الإقناع، بل بطوفان الإقناع وبشكلٍ فائض، فالعالم مليء بالخطابات التي تريد أن تقنعنا، لكنه فقير بالخطابات التي تريد أن تتحاور معنا وتفهمنا.

إن إشكالية الإقناع تكشف عن صراع عميق بين منطق السلطة ومنطق المعرفة، فحين يتحول الإقناع إلى هدف بحد ذاته، تصبح الحقيقة مجرد ضحية جانبية في معركة الخطابات الموجّهة.

وعندما يتحوّل الإقناع إلى صناعة، تصبح الحقيقة مجر هيكلٍ كرتوني هش، لأن الأفكار لا تُختبر بعمقها المعرفي، بل بقدرتها على التأثير ومصادرة الرأي الآخر.

ولذلك فإن الدفاع عن الحرية المعرفية يقتضي إعادة الاعتبار للحوار بوصفه الفضاء الحقيقي لولادة المعنى، فالحقيقة لا تولد من الخطاب الأكثرضجيجاً من خلال المهارة في التأثير، بل من العقول الأكثر قدرة على النقد البنّاء والإصغاء والتفكير المشترك.

وفي زمنٍ تتضخم فيه تقنيات التأثير الجماهيري، يصبح الموقف والسؤال الفلسفي الأكثر إلحاحًا ليس كيف نقنع الناس؟

بل: كيف نحمي العقل من الإقناع عندما يتحول إلى سلطة قمعيّة؟.

***

د. أنور ساطع أصفري

هل توجد هناك حقا أكوان متعددة؟ كيف تبدو هذه الأكوان وكيف يمكن الوصول اليها دون التأثير على الزمن؟ ان فكرة الأكوان المتعددة هي احدى القصص التي يسعى الخيال العلمي الى استكشافها. لكن هل هناك وجود حقيقي لهذه الأكوان المتعددة؟ لكي نجيب على سؤال ما اذا كان تعدد الكون واقعيا، يجب علينا أولا الاتفاق على ما تعنيه كلمة واقعي. يذكر زاكاري سليبيان Zachary Slepian عالِم الفيزياء الفلكية (1) الذي درس الكوزمولوجي وفلسفة الفيزياء، انه فكّر بهذا السؤال مرات عديدة أثناء عمله المهني.

التعريف المباشر لمفردة "واقعي" هو كل ما نستطيع رؤيته او لمسه. غدائي واقعي لأني أستطيع تذوقه وانت تستطيع الاستماع لي وانا أمضغ الطعام. لذا فان كلمة "واقعي" يمكن تعريفها كشيء تستطيع انت تصوره على الأقل بواحدة من حواسك الخمس. لكن ذلك يستبعد الكثير من الأشياء التي هي أيضا واقعية. أفران المايكروويف التي تسخن الطعام هي واقعية، لكنك لا تستطيع تصورها بشكل مباشر – انت تدرك فقط تأثيرها في تسخين الطعام.

وهكذا فان بعض الأشياء الواقعية نستطيع رؤيتها مباشرة فقط عبر الدليل الذي تتركه خلفها. وجود الديناصورات هو مثال آخر – لا يمكنك رؤية سوى متحجرات الديناصور. اذن، انت تستطيع ان تطرح صيغتين للسؤال حول ما اذا كانت الأكوان المتعددة موجودة ام لا. الصيغة الأولى: هل تستطيع رؤية، او سمع، او لمس، او شم هذه الأكوان او تذوقها؟ الصيغة الثانية: حتى لو كنت لا تستطيع ذلك، هل هناك أي دليل لتأثيرها؟

ميكانيكا كم الأكوان المتعددة

الجواب الذي يقدمه أغلب الباحثين للسؤال حول ما اذا كنا نستطيع تصور العوالم المتعددة بحواسنا الخمس هو النفي. لكن هناك الكثير من الأشياء الواقعية التي هي ليست واقعية بهذا المعنى، مثل المايكروويف. اذن هل نستطيع رؤية أي دليل غير مباشر لتعدد الاكوان، مثل تأثيراتها على العالم المُلاحظ؟

الجواب المختصر هو عن طريق فهم سلوك الأشياء الصغيرة جدا، مثل الذرات وجسيمات ما دون الذرة. العلماء يسمون القواعد التي تحكم هذه الأشياء الصغيرة جدا بميكانيكا الكم. في ميكانيكا الكم، من غير المؤكد ابدا ما ستكون عليه نتيجة التجربة. انت تستطيع فقط كتابة الحظ – بمعنى، احتمال حدوث شيء ما.

انها تشبه عملية رمي النرد: نحن لا يمكن ان نتأكد أي رقم سوف نحصل عليه، لكن يمكننا القول اننا نمتلك حظا متساويا في الحصول على رقم 1،2،3،4،5،6 على سطح النرد. مع ذلك، لو عرفنا ما يكفي من المعلومات حول النرد – مثل شكله بالضبط وكتلته، او أشكال الهواء التي تحيط به والطريقة التي نستخدمها لرميه – يمكننا التنبؤ بالضبط على أي جانب سيقع. ربما نحتاج الى محاكاة حاسوب لتحليل الأرقام، وكل ذلك ممكن.

الآن لو تخيّلنا نردا صغيرا جدا. حتى لو كان لدينا كومبيوتر قوي جدا، سوف لن نكون قادرين على التنبؤ بالجانب الذي يسقط عليه هذا النرد المتناهي في الصغر. هذا بسبب انه محكوم بميكانيكا الكم، حيث لا نستطيع التنبؤ بالمحصلات بيقين تام. اننا يمكننا التنبؤ باحتمال فقط.

عدة عوالم والكون المتعدد

ميكانيكا الكم هي عشوائية الى حد ما - ليس كل شيء له حظ متساوي بالحدوث. نحن نستطيع ان نتنبأ بحظ كل سيناريو بالحدوث، ولكن ليس النتيجة الحقيقية. في حالة النرد الكمي، كل ما نستطيع معرفته حوله هو ان هناك واحد من ستة احتمالات في السقوط على أي وجه من وجوه النرد. احدى الطرق التي فسر بها العلماء الخصائص الغريبة لميكانيكا الكم هي ان كل سيناريو محتمل انما يحدث حقا. لكن عندما يحدث، يخلق كونا آخر. هذا يُسمى رؤية العوالم المتعددة لميكانيكا الكم.

في هذه الحالة من النرد الكمي لدينا، تقول رؤية العوالم المتعددة ان هناك 1 في 6 حظوظ من رمي كل رقم لأن ستة عوالم تُخلق في كل مرة نرمي بها النرد. رغم اننا نبقى في واحد منها – لنقل ان العالم الذي يظهر فيه النرد هو 3 – فان عوالم خمسة أخرى أيضا تُخلق حيث يظهر النرد كواحد من الأرقام الأخرى. في هذه الصورة من ميكانيكا الكم، يتفرع الكون مع كل سيناريو. بالطبع نحن لا نستطيع حقا عمل نرد ميكانيك كمي ونرميه – لأن التفاعل مع النرد سوف يحطم طبيعته الكمية. هل هذا يعني ان ميكانيكا الكم هي دليل على ان الأكوان المتعددة واقعية؟ يقول الأستاذ زاكاري كلاّ. مع انها طريقة ساحرة لتصور ميكانيكا الكم، لكنها فقط تفسير واحد، ليس دليلا لا يمكن انكاره للكون المتعدد. اذا كان من المحتمل وجود الأكوان المتعددة لكنك غير قادر على تصور أي واحد منها، فهل هي حقا موجودة؟

الكون المتعدد ونظرية الأوتار

مظهر آخر ملائم للكون المتعدد هو دوره في نظرية الاوتار. نظرية الاوتار ترى ان الجسيمات الأساسية التي تكوّن المادة هي ذاتها مصنوعة من خيوط اهتزازية من الطاقة. تخيّل شريط مطاطي يهتز داخل كل جسيم. نظرية الاوتار أيضا ترى ان الكون له اكثر من ثلاثة ابعاد. مختلف نظريات الاوتار تتنبأ بمختلف الأرقام لأبعاد إضافية. هذا يعني ان الثوابت الفيزيائية مثل سرعة الضوء وشحنة الالكترونات يمكن ان تكون لها قيم مختلفة. ونفس الشيء يمكن ان يحصل لكمية الشيء في الكون، مثل المادة. هذا يشير لمسرح لمختلف الاكوان الممكنة كل واحد له ظروف مختلفة – متعدد الاكوان.

حتى الان، لا وجود لدليل محدد لكون متعدد مرتكز على نظرية الاوتار. هذه الاكوان يُحتمل ان لا ترتبط ببعضها، والاّ لما اعتُبرت عوالم منفصلة.

اذن حتى لو كانت تلك الأكوان موجودة حقا نحن قد لا نحصل على دليل مباشر لوجودها. مع ذلك، يمكن ان يكون هناك دليل غير مباشر على وجود اكوان متعددة. فمثلا، نظرية الاوتار يمكن ان تساعد العلماء في التنبؤ بنتائج كل تجربة عالية الطاقة في الكون الخاص بنا. انه يمكن أيضا عمل تنبؤات للكيفية التي تتصرف بها المادة في نطاق صغير جدا. اذا تبيّن ان هذه التنبؤات صحيحة، ذلك سيكون دليلا على نظرية الاوتار. واذا كان من المحتمل ان تكون نظرية الاوتار واقعية في كوننا، هذا يعني بشكل غير مباشر ان الكون المتعدد هو أيضا واقعي. وعلى الرغم من عدم وجود دليل قاطع في كوننا على نظرية الاوتار، فمنْ يدري ما قد يحمله المستقبل؟

***

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) أستاذ مشارك في علم الفلك، جامعة فلوريدا.

قوة المجتمعات تتجلى في تجذر الانتماء إلى هويتها الوطنية، وقدرتها على إثراء ميراثها القيمي والثقافي والرمزي، وادخار ثرواتها المادية والمعنوية وتنميتها. وتتجلى قوة الوطن في تشبث المواطن بأرضه، وفي إخلاصه له ووفائه لهويته الوطنية، وحرصه على حمايته وصيانة إرثه الحضاري. هذا شأن سائر المجتمعات التي صاغت هويتها بمراكمة منجزاتها المادية والمعنوية عبر التاريخ، وتكريس ذاكرتها، وولاء إنسانها لوطنه.

لم يتجذر الانتماء لدى العراقي لأرضه ووطنه، إذ ما زال يعيش اضطرابًا وهشاشة في هويته، لعدم شعوره بأنه يمتلك هذه الأرض، أو أنه يحكمها بإرادته، ولا يعيش فيها بوصفه شريكًا في صناعة مصيرها. غياب الشعور بأن هذه الأرض ملكه، وإحساسه بأن مَن يحكمها غيره، يفضي إلى اغتراب المواطن عن أرضه، وينتج وجعًا دفينًا بأن هذا الوطن ليس له. ذلك ما نراه في عدم إحساس كثير من العراقيين بالفخر بالانتماء إلى هذه الأرض وتاريخها وميراثها الحضاري العريق. لم يترسخ في اللاشعور السياسي الجمعي للعراقي الانتماء لأرضه بوصفها أرضًا ذات تاريخ حضاري وقيم ورموز وثقافة ثمينة. الذاكرة الجمعية للعراقي مضطربة، أحيانًا تستبدل بذاكرة طائفية أو قومية مستعارة من خارج أرضه، أو تتشوه وتتمزق بفعل الانقسامات والصراعات الطائفية والقومية.

مَن لا يُمنح الحق في المواطنة الكاملة، لا ينغرس في ضميره الانتماء الحقيقي للوطن، ولا يتولد لديه الشعور بالمسؤولية تجاه أرضه وتاريخها ومصيرها. الذاكرة الحضارية وذاكرة الدولة رصيد الهوية الوطنية، ومرآة حضورها العميق في الوعي الفردي والجمعي. العراقي، مقارنة ببعض المجتمعات، لا يكترث كثيرًا بذاكرة وطنه، ولا يهتم بما تراكم فيها عبر التاريخ من مكاسب، ولا يتأمل ما مر به الوطن من استبداد لحكام مفروضين على أهله، وأهوال ونكبات ما زالت آثارها تعيق نهوضه. اللامبالاة بالذاكرة تعني القطيعة والانفصال عن الذات، والحرمان من بناء هوية وطنية مشتركة تتجذر في المكان. ضعف الانتماء للوطن وعدم تجذر الهوية العراقية الجامعة يفرض علينا إعادة بناء هذه الذاكرة، باستحضار رموزها الدينية والقيمية والثقافية، وإيقاظ ما هو مستودع في لاشعور العراقي من ميراث حضاراته، خاصة في العصر الإسلامي، وما أنجزته الكوفة والبصرة وبغداد من إبداع وابتكار في علوم الدين المتنوعة، والفلسفة والعلوم العقلية، والمعرفة اللغوية والأدبية والفنية. كما نحتاج إلى استعادة اللحظات المضيئة في العصر الإسلامي، وما شهده من إسهامات عراقية رائدة في العلوم والمعارف والفنون والآداب، والعمل على صهر هذه العناصر المتناثرة في ذاكرة تعيد ربط العراقي بأرضه، وتوقظ شعوره الوطني. إعادة بناء الذاكرة ضرورة وطنية، وشرط لازم لتشكل الهوية، وتكريس شعور الإنسان بالانتماء إلى العراق وأرضه وتاريخه وحاضره ومستقبله.

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ:

بلاد الرافدين خذلتها الجغرافيا قبل أن يخذلها التاريخ. المكان ليس إطارًا محايدًا للأحداث، وإنما قوة فاعلة تشارك في صياغة مصير الشعوب، لأن طبيعة الأرض والموقع والمناخ والموارد تحدد إلى حد كبير إمكانات العمران وأنماط الاقتصاد وأشكال السلطة وتشكل الثقافة والتدين. موقع بلاد الرافدين الجغرافي غير محصن بأسيجة طبيعية، لذلك وقع ضحية تاريخ يضج بالاحتلالات. أرض بلاد الرافدين سهلية، غير مسيجة بحواجز طبيعية، وهي غنية بثرواتها المتنوعة، وهذا ما جعلها هدفًا في مختلف العصور لأطماع الغزاة. لم يعش إنسان هذه الأرض تراكمًا طويلًا لدولة تعبر عن إرادته وأرضه وهويته، فلبث ترابه مستباحًا قديمًا وحديثًا لسلسلة من الاحتلالات. الدول المحمية بسلاسل جبلية، وتحيط بها بحار ومحيطات، أو تفصلها عن غيرها صحارى قاحلة، وتفتقر إلى الموارد والثروات الطبيعية، لا تثير شهية الغزاة غالبًا، ولا يغامر المحتلون باجتياحها.

أما بلاد الرافدين فكانت دومًا مطمعًا للغزاة، لما تنفرد به أرضها من خصوبة، ووفرة مياه، وغنى بالثروات، وافتقار إلى أسوار طبيعية تصد المحتلين. تمتد أرض الرافدين السهلية من الشمال إلى الجنوب، ويخترق سهولها نهران عظيمان، دجلة والفرات، فيمنحانها شروط الري ويوفران المياه بغزارة، وهي الشرط الضروري للزراعة ولأشكال الحياة المتنوعة. هذا الانفتاح الجغرافي لبلاد الرافدين جعلها هدفًا دائمًا للقوى الطامعة بثروتها الزراعية وغيرها وموقعها التجاري. منذ سقوط بابل تعاقبت على احتلالها إمبراطوريات وقوى خارجية متعددة، الأمر الذي أدى إلى انقطاعات متكررة في مسار التجربة التاريخية لإنسان هذه الأرض، فعطّل التراكم الاقتصادي والمعرفي والرمزي، وأضعف شروط تشكّل الدولة، وأخّر انبثاق وعي سياسي وطني وتجذره. هكذا أصبحت الجغرافيا التي أنجبت حضارات عظيمة في وادي دجلة والفرات هي نفسها التي جعلت هذه الأرض مكشوفة أمام الغزاة، فكان تاريخها سلسلة متواصلة من الصعود الحضاري تتخلله انقطاعات موجعة بسبب الغزو الخارجي.

لم تكن بلاد الرافدين الأكثر تعرضًا للاحتلال، ولا الأعنف في وقائع الغزو وتنوع أشكال الهيمنة الأجنبية، منذ أن سقطت بابل بيد الأَخمينيين عام 539 قبل الميلاد، لكنها كانت من أطول البلدان خضوعًا للاحتلال الأجنبي. مكث العراق نحو 1840 سنة غير محكوم من أهله بشكل كامل، منها حوالي 1176 سنة قبل الإسلام (من 539 ق.م إلى 637 م)، ونحو 664 سنة بعد احتلال هولاكو لبغداد عام 1258، منذ 1258 إلى 1921، باستثناء فترات الحكم المحلي، كان العراقي خلالها أسيرًا للهيمنة الأجنبية، من دون أن يحكم أرضه بنفسه. تخللتها فترات قصيرة لحكم محلي هش، لم يفلح في بناء دولة تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة سكانها، ولا في صياغة كيان سياسي ينبثق من صلب ثقافتها وهويتها ونسيج مجتمعها.

لم يرَ العراقي في السلطات المتعاقبة بأزمنة الاحتلالات سوى امتدادات خارجية مفروضة، لم تتجذر في أرضه وتاريخه، ولا في نسيجه الاجتماعي. وجد نفسه في فراغ سياسي، بلا مرجعية وطنية، ولا ذاكرة عراقية جامعة. هذا الفراغ رسخ اغتراب الإنسان العراقي عن أرضه، واغترابه عن مفهوم الدولة، بنحو أمست الدولة كيانًا مغتربًا في العراق. كان هذا الاغتراب نتيجة طبيعية لنفور العراقي من سلطة لا تنتمي إليه، ولا تعبر عن هويته، وغذّى لديه شعورًا مزمنًا بغربة السلطة عن المجتمع وغربة المجتمع عن السلطة، وأعاق تبلور مفهوم الدولة بوصفها تعكس الإرادة المشتركة للمواطنين، وإطارًا جامعًا للمواطنة، يكون فيها القانون هو السيد، والحقوق مصانة، دولة تنبثق من إرادة مَن يعيش على أرضه، وتعبر عن حاجاتهم، وتؤسس لشراكة متساوية بينهم في مصيرهم الواحد.

الدولة كيان سياسي يتجسد فيه العقل العمومي، وتنبثق منه القيم التي تؤسس للعيش المشترك، وتصون التعدد، وتحمي السلم الأهلي. الدولة مرجعية جامعة، لا مجرد سلطة مفروضة، السلطة حين تستعار من الخارج وتفرض بالإكراه تفتقر إلى الشرعية، وتخفق في أن تنتج شعورًا بالانتماء، ولا تنجح في صناعة ذاكرة جمعية تؤسس للهوية الوطنية. تحولت الدولة في الوعي العراقي من أفق للتحرر وضامنة للحقوق والحريات والعيش الكريم إلى كيان مغترب، لا تتمثل فيه السلطة إلا في قوة قاهرة، لا في مشروع عراقي نابـع من الأرض ويعمل لأجل صناعة حياة جيدة لإنسانها. لم يكن هذا الاغتراب وليد الحاضر وحده، بل هو نتاج تاريخ تواصل قرونًا عديدة لغياب الدولة الوطنية، وتدهور المدينة، وتعطيل السياسة بوصفها أداة لبناء المصير المشترك، وحضور السيادة بمعناها الوطني والإنساني والأخلاقي والقانوني. لا تولد الدولة إلا حين تتوفر بيئة حاضنة تتيح التراكم، وتوفر شروطًا تغرس الوعي بالعيش المشترك وتطوره، وترسخ الانتماء إلى وطن ومصير واحد.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

في اشتباك الغريزة بالتاريخ

تتشابك في دراسة الاجتماع البشري أبعاد متعددة تصهر علم النفس الجمعي بمسارات التاريخ الكبرى، لتنتج في النهاية تلك الترتيبات الاجتماعية والسياسية التي تحكم صناعة السلطة وتداولها. وفي سياق الشرق الأوسط، يكتسب هذا التشابك عمقاً استثنائياً؛ إذ إن التطور التاريخي للمنطقة لم يشهد قطيعة معرفية أو بنيوية حقيقية مع الماضي، بل قام بإعادة إنتاج المفاهيم التقليدية كالقبيلة والعصبية والطائفة داخل أرحام الدولة الحديثة. إن الفهم الرصين لهذه الحركية يستوجب تجاوز السرد الوصفي الذي يكتفي برصد الوقائع، والغوص العميق في تفكيك "البنى السردية" التي تصيغ الوعي العام وتحدد أطر الممارسة السياسية؛ فنحن أمام تساؤل جوهري: كيف تقاطعت "غريزة الامتثال" مع التحولات الجغرافية لإنتاج سرديات سلطوية تمنح الشرعية للقطيع على حساب الفرد؟ وكيف أجهضت هذه السرديات مفهوم المواطنة الحداثي؟

المنظور الفلسفي والسيكولوجي للنزعة القطيعية

يحتل مفهوم "عقلية القطيع" موقعاً مركزياً في الفلسفة الحديثة وعلم النفس الاجتماعي على حد سواء. وإذا كان المفهوم في أصله البيولوجي يمثل آلية تطورية لضمان البقاء عبر المحاكاة والتحوط الجماعي لمواجهة الأخطار البيئية، فإن انتقاله إلى الفضاء القيمي والاجتماعي البشري كشف عن أبعاد أكثر تعقيداً ترتبط بتغييب الوعي الفردي وإخضاع الإرادة الحرة لمنطق المجموع.

في هذا الفضاء، يفقد الفرد سماته العقلانية النقدية بمجرد انصهاره في الوسط الجماهيري. وكما ذهب "غوستاف لوبون"، فإن الجمهور لا يعقل، بل يشعر، وهو يتحرك بدافع من العواطف الجياشة والعدوى النفسية التي تلغي المسافة بين الذات والآخر. هذا "الذوبان للأنا" الذي ناقشه "سيغموند فرويد" يفسر كيف يتنازل الأفراد عن معاييرهم الأخلاقية المستقلة لصالح "الفكرة المهيمنة" أو "الرمز القائد"، مما يحول المجتمع إلى كتلة صماء تستجيب للإيحاء والتحريض أكثر من استجابتها للمنطق البرهاني. إن عقلية القطيع هنا ليست مجرد سلوك عابر، بل هي حالة نكوصية يهرب فيها الإنسان من ثقل المسؤولية الفردية إلى دفء الجماعة الموهوم.

المطرقة النيتشوية وأخلاق التبعية

يعد الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" الشارح الأكبر لهذه الظاهرة عبر صياغته لمصطلح "أخلاق القطيع". لا يشير نيتشه هنا إلى حالة قانونية من الرق، بل إلى بنية سيكولوجية وتكوين أخلاقي يتسم بالخوف من المجهول والنزوع الدائم نحو الامتثال والتماثل. يرى نيتشه أن المنظومات القيمية السائدة تعمل كمخدر يمنع الإنسان من الارتقاء والوصول إلى أقصى درجات القوة والبهاء الممكنة له؛ فهي تعلي من شأن "التواضع، والطاعة، والصبر السلبي، والمساواة النمطية" ليس لكونها فضائل في ذاتها، بل لأنها تخدم مصالح الضعفاء وتضمن بقاءهم عبر كبح جماح الأفراد المتميزين الذين يملكون "إرادة القوة."

إن هذا التنميط يفضي بالضرورة إلى شيوع حالة من "الاستياء المستمر" والحسد تجاه كل من يجرؤ على الخروج عن نمط المجموع. في المجتمعات التي تسودها أخلاق القطيع، يُصنف المتميز أو المستقل فكرياً بوصفه "مارقاً" أو "شريراً"، بينما يُحتفى بالوديع الممتثل بوصفه "الرجل الصالح"، وهو ما يغتال طاقة العظمى التي تنشأ بالضرورة من المعاناة والمشقة والتفكير المنفرد. بالنسبة لنيتشه، فإن سيادة هذه الأخلاق تقود إلى تدهور الجنس البشري لأنها تحافظ على المتوسط وتكبح الاستثنائي.

العصبية الخلدونية والقبيلة كمحدد سياسي

بالإسقاط على واقع الشرق الأوسط، لا يمكن فهم بنية السلطة دون استحضار مفهوم "العصبية" لدى "ابن خلدون" وربطه بالنزعة القطيعية. فالعصبية هي الوقود السيكولوجي والاجتماعي الذي يحرك القبائل من تشتت الصحراء إلى استقرار الأمصار. تاريخياً، قامت مسارات الفتوحات الكبرى بنقل القبائل إلى مراكز الدولة الناشئة، لكنها لم تفكك بنيتها الاجتماعية العميقة؛ بل جمدتها وسيّستها داخل بنية الدولة.

لقد أدى هذا التحول إلى بقاء "العصبية" كمحدد أساسي للولاء والاستحقاق، عجزت التحولات اللاحقة عن تفكيكه. فالدولة في المخيال الجمعي لم تكن يوماً "عقداً اجتماعياً" بين مواطنين متساوين، بل كانت "غنيمة" أو "دار إمارة" تسعى كل عصبية للاستحواذ عليها. هذا الربط الوثيق بين الانتماء العشائري والاستحقاق الاقتصادي كرس لاوعياً سياسياً ينظر إلى الدولة كأداة للمغالبة واقتسام الريع، مما جعل "القبيلة السياسية" هي الفاعل الحقيقي تحت قشرة المؤسسات الدستورية والبرلمانية الحديثة. إن العصبية هنا هي الوجه الاجتماعي لعقلية القطيع؛ حيث الولاء للجماعة يسبق الولاء للحقيقة أو القانون.

 مأزق المواطنة.. الفرد بين مطرقة "الرعية" وسندان "الهوية الجمعية"

 إن الانتقال من "القطيع" إلى "المجتمع" يتطلب تحولاً جذرياً في تعريف الكائن السياسي؛ أي الانتقال من مفهوم "الرعية" الذي يستمد وجوده من طاعة الراعي، إلى مفهوم "المواطن" الذي يستمد وجوده من حقوقه الطبيعية والقانونية المستقلة. إلا أن الحداثة السياسية في منطقتنا تعثرت في هذه العتبة تحديداً؛ حيث تم استيراد هيكل الدولة كقشرة قانونية صلبة بينما ظلت "الرعوية" هي المحرك السلوكي العميق داخل النفوس والمؤسسات.

اغتيال الفردانية باسم "الإجماع":

 تعتبر الحداثة الفلسفية أن "الفرد" هو الوحدة الأساسية لبناء الدولة والقانون. أما في البنية السردية السائدة، فإن الفرد لا يكتسب شرعيته الوجودية أو السياسية إلا عبر انتمائه ل (طائفة، عشيرة، أو تكتل أيديولوجي مغلق). هنا، تُمارس "ديكتاتورية الجماعة" نوعاً من الرقابة المسبقة على التفكير؛ فالمواطنة الحقيقية تتطلب "استقلالاً نقدياً"، بينما تفرض البنى التقليدية "امتثالاً عقدياً". إن الفرد الذي يحاول ممارسة مواطنته خارج السرب يُنظر إليه كخائن للملح أو مارق عن الأصل، مما يجعل تكلفة "الفردانية" باهظة نفسياً واجتماعياً، ويدفع الجميع للعودة إلى حظيرة الامتثال تجنباً للعزلة.

 المواطنة كـ "منحة" لا كـ "حق":

 في الدولة الحديثة، المواطنة عقد تبادلي بين الفرد والمؤسسة. أما في الأنظمة التي يسيطر عليها منطق القطيع، فتتحول المواطنة إلى "مكرمة" أو "منحة" تمنحها السلطة للأتباع المخلصين والموالين. هذا "الزبائنية السياسية" تعيد إنتاج علاقة الشيخ بالمريد؛ فالدولة لا تعود مؤسسة لإنفاذ القانون، بل تصبح "راعي قطيع" يوزع العطايا والمناصب مقابل الولاء الصامت. هذا الفهم أجهض مفهوم "المصلحة العامة"، وحل محله "حصص الجماعات"، فصار الصراع السياسي ليس على جودة السياسات العامة، بل على من يملك حق تمثيل الجماعة الأكبر في اقتسام الغنائم.

وهم "الهويات الصغرى" وتآكل العقد الاجتماعي:

 إن تشبث الفرد بهويته الطائفية أو القبلية كبديل عن الهوية الوطنية هو إعلان صريح عن فشل "العقد الاجتماعي" وتآكل شرعية الدولة. فحين تصبح الدولة أداة في يد عصبية معينة، يرتد الآخرون نحو "قطعانهم" الخاصة طلباً للحماية والأمان. هذا الارتداد يخلق "مواطنات مجزأة" تصطدم ببعضها البعض في فضاء عام مأزوم، مما يحول المجتمع إلى ساحة صراع بين "ذوات جمعية" متورمة، لا تلتقي إلا في لحظات الصدام أو التوافق الهش على تقاسم النفوذ. إن "المواطنة" هنا تذوب في "العصبية"، ويصبح القانون مجرد أداة بيد الجماعة الأقوى لفرض إرادتها.

الحداثة المشوهة وتكريس "الوعي الزائف"

لقد وظفت النخب الحاكمة في الشرق الأوسط أدوات الحداثة (الإعلام، التعليم، البيروقراطية) لا لتحرير الفرد وصناعة المواطن، بل لترويض القطيع وتحديث أدوات السيطرة عليه. صار التعليم في كثير من الأحيان وسيلة للتلقين وتكريس التبعية لا للنقد والتحليل، وصار الإعلام بوقاً لتمجيد "الرمز" الذي يختزل الدولة والشعب في شخصه.

إن هذه "الحداثة الصورية" هي أخطر أنواع التجهيل، لأنها تمنح القطيع شعوراً واهماً بالانتماء للعصر عبر استخدام التقنيات الحديثة، بينما هو لا يزال يتحرك بغرائز العصبية والمظلومية التاريخية المتخيلة. إن تحرير مفهوم المواطنة يتطلب بالضرورة "خلخلة" هذه السرديات التاريخية المغلقة، وتفكيك المركزيات السياسية والدينية التي تقتات على تغييب العقل الفردي المستقل لصالح سطوة المجموع.

نحو "إرادة قوة" وطنية

إن عقلية القطيع في أبعادها الفلسفية والسيكولوجية تمثل سلوكاً تكيفياً ونفسياً عميقاً يهرب فيه الإنسان من قلق التفكير المستقل. وفي مجتمعاتنا، وجد هذا السلوك سياقاً خصباً في الأطر القبلية والطائفية التي تفرض الامتثال الصارم للزعامات التقليدية. إن الخروج من هذا التيه لن يكون عبر استبدال زعيم بآخر، بل عبر استبدال "ثقافة الامتثال" بـ "ثقافة المساءلة"، وعبر بناء مؤسسات دولاتية حقيقية قادرة على إدارة التنوع وحماية الأفراد بصفتهم "مواطنين" لا بصفتهم "أتباعاً."

إن التحدي الفلسفي والسياسي الأكبر يكمن في استعادة "إرادة القوة" التي تحدث عنها نيتشه، ليس للسيطرة على الآخرين، بل للسيطرة على المصير الفردي والتحرر من أغلال "الوعي الجمعي" الزائف. إن بناء دولة المواطنة يبدأ حين يتوقف الفرد عن كونه "رقماً" في قطيع، ويصبح "ذاتاً" حرة تساهم في صياغة عقد اجتماعي جديد، يحترم التعددية ويقدس الحرية الفردية بوصفها الضمانة الوحيدة ضد تغول الجماعة واغتيال الدولة.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

نيتشه، فريدريك. إرادة القوة. ترجمة د. محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2011.

نيتشه، فريدريك. هكذا تكلم زرادشت. ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، بغداد-بيروت، 2007.

لوبون، غوستاف. سيكولوجية الجماهير. ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة العاشرة، 2013.

ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. تحقيق د. علي عبد الواحد وافي، نهضة مصر، القاهرة، 2006.

غليون، برهان. نقد السياسة: الدولة والدين. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007.

غليون، برهان. المأزق العربي: الدولة ضد المجتمع. دار الساقي، بيروت، 1994.

أركون، محمد. نزعة الأنسنة في الفكر العربي. ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 1997.

تارد، غابرييل. قوانين التقليد. (دراسة كلاسيكية في السلوك الجمعي والمحاكاة).

هابرماس، يورغن. التحول البنائي للمجال العام. (مرجع أساسي لتحليل دور الفرد في الفضاء العام).

عبد اللطيف، كمال. في تشريح أصول الاستبداد: قراءة في الملحوظات السياسية عند ابن خلدون. دار الطليعة، بيروت، 1999.

فرويد، سيغموند. علم نفس الجماعة وتحليل الأنا. ترجمة كامل كحالة، دار مكتبة الحياة، بيروت

 

أقرأ لعبدالجبار الرفاعي منذ سبعة أعوام، وأنا من أشد المتأثرين به. تلك الإثارة الأولى التي انبثقت في حياتي مع الإلهام العميق لقراءاتي في الدين وقضاياه، ما كانت لتبلغ غايتها في اكتشاف المعنى، لولا ما أتاحته كتابات الرفاعي من أفق رحب، وما فتحته رؤيته الأخّاذة للدين من دروب تقود إلى تجربة أعمق في الفهم والعيش. الرفاعي سفيرٌ معنويٌّ لحياةٍ روحيةٍ، أخلاقيةٍ، جمالية. وأقصد بـ"السفير المعنوي" أنه ينهض بدورٍ يتجاوز التنظير الأكاديمي، إذ يمنح العالم رؤية تفتح أفقًا يُعيد فيه الدين اكتشاف معناه، بوصفه طاقة حب وجمال وأخلاق، بعد أن أثقلته صور التهويل والتخويف. هذه الثلاثية: الروحية، والجمالية، والأخلاقية، تشكّل الأعمدة التي يرتكز عليها مشروعه في إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، ليغادر به المجال الأيديولوجي إلى الأفق الأنطولوجي، وينتقل من القوالب الشكلانية إلى المعنى الجوهري، ومن التنظير السطحي إلى رؤية نقدية عميقة تُنصت إلى حاجة الإنسان للمعنى.

تتردد كلمات: روح، أخلاق، جمال، معنى، ومعنى المعنى، بكثافة في مؤلفات الرفاعي، كأنها المفاتيح التي يفتح بها أفق رؤيته للدين والإنسان. الإنسان عنده تعبير عما يختزنه في داخله، لذلك يمنح الآخرين الجمال والمعنى بوصف ذلك انفتاحًا لروحه، التي لا تحتمل الاكتظاظ بما امتلأت به، فتفيض به حضورًا في العالم. سألتُه مرة عن هذا الحضور الكثيف لمفردة "المعنى" في كتاباته، فقال: "الدين حياة في أفق المعنى، الدين والحب كلاهما محاولات لإنتاج معنى لحياة الإنسان. لا يستطيع الإنسان العيش من دون معنى لحياته الفردية والمجتمعية."

 يحدثنا عبد الجبار الرفاعي بطريقة يأمل معها أن يُعاد الدين من حقله الأيديولوجي إلى حقله الأنطولوجي، ليُروى بهذه النقلة ظمأ الإنسان إلى المقدس، وتمتلئ روحه بالحب والإيمان والجمال. يقول الرفاعي: "يمكن أن يكون الدين منبعًا للمعاني الجميلة عندما يعود الإنسان إلى البعد الأنطولوجي للدين"، ويرى أيضًا أن "إدراك البعد الأنطولوجي للدين من شأنه أن يضع الدين في حقله الذي يكفل بناء حياة روحية وأخلاقية وجمالية في حياة الفرد والمجتمع". تتسع آفاق هذه الرؤية حين ننظر إلى الظاهرة الدينية بوصفها تركيبة متنوعة الأبعاد، أساسها لغة الدين بوصفها نواة يتولد منها المعنى، وتتفرع عنها تجليات متعددة للغة الدينية في الواقع؛ فهذه اللغة تتشكل وفق الأرضية النفسية، والوضع الاجتماعي، وأفق انتظار المتلقين الذي يتبدل من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ومن واقع إلى أخر. عندما نؤمن بتعدد هذه التجليات، تنفتح أمامنا رؤية جديدة للدين والإنسان والعالم، رؤية تدرك أن التعدد أفق كل معرفة وتجربة، في هذا الأفق تتجدد الحياة الدينية بوصفها إشراقة للمعنى، تعيد لكل شيء دلالته، وتفتح القلب لتقبّل الآخر كما هو، بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى لا خصمًا في الاعتقاد.

يعيش الإنسان في فضولٍ معرفي لا يخفت، يتوق به إلى الكشف عن الدلالات الملتبسة التي تتسلل إلى حياته عبر مؤثرات العالم، فتوقظ في أعماقه أسئلة لا تهدأ، أشبه بمشاكساتٍ دفينة تقلق سكونه، وتدفعه إلى البحث عن أجوبة تمنحه معنى لوجوده، وتعيد ترتيب علاقته بنفسه والعالم. هذه الأسئلة لا تنشأ على هامش الحياة، بل تنبثق من صميم التجربة الإنسانية، حين يواجه الإنسان قلق المعنى وغربة الوجود، يندفع نحو ما يروي عطشه إلى الفهم والسكينة. هكذا يغدو الإنسان، كما يقول عبد الجبار الرفاعي، "في توق مستمر للكشف عن معنى المعنى"، إذ لا يكتفي بالمعاني الجاهزة، بل يظل يبحث عن أفق أعمق يهب حياته دلالة تتجاوز العابر والمؤقت.

يعيش الإنسان حياته كأنها رحلة مؤقتة، تتصارع فيها الأضداد وتتعاقب فيها الأحوال؛ طريقها طويل وقصير، سريع وبطيء، هادئ وصاخب، مبهج ومثقل، جميل ومؤلم. في هذا التوتر الدائم بين الأضداد تتشكل حركة الإنسان في العالم، وتتجلى صيرورته التي تنمو من احتكاك التجربة وتفاعلها مع تناقضات الواقع. في قلب هذه الرحلة المفعمة بالصراع والقلق، يندفع الإنسان بقوة نحو كل ما يمنحه الطمأنينة ويعيد إليه توازنه، فيتأمل ويشتاق إلى ما يفيض بالمعنى، وما يشبع عقله وروحه وقلبه من أفق يتلمس فيه أثر الخلود وإيحاءات السلام العميق.

يستكشف الإنسان العالم في هذه الرحلة بحثًا عن مبتغاه، فيخوض في الفنون والأدب والشعر والعلوم الإنسانية والدين، كما يتأمل في المعرفة والعلوم الطبيعية، وينخرط في الواقع المادي الذي يتجلى اليوم في الخوارزميات والبزنس والتطورات الرقمية المعاصرة. في كل واحد من هذه الحقول يلمس الإنسان جانبًا من ذاته، ويجد تعبيرًا عن انشغالاته وأسئلته؛ ففي الفن يتذوق الجمال، وفي الشعر يختبر طاقة الإبداع، وفي العلوم يكتسب خبرة تتطلب التأني والدقة، وفي الدين يستشعر أفق الخلود ومعنى النجاة. وعندما ينغمس في العالم الرقمي بما يحمله من حركة وتدفق وفرص، يتلمس شكلًا من البهجة والاستقرار والأمان، كأن كل حقل من هذه الحقول يمنحه جزءًا من المعنى الذي يظل يسعى إلى اكتماله.

 ليس كل إنسان قادرًا على الإحاطة بجميع هذه الحقول والخوض في تفاصيلها، الإنسان يولد بسيطًا هشًا، ضعيفًا جاهلًا، محدود التوهج روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا، ثم يرتقي في مدارج التكامل ليغدو كائنًا أكثر تعقيدًا ووعيًا وقدرة. وفي أثناء شق طريقه في العالم، يواجه تضاريس قاسية، ويدخل في صراعات لا تخلو من عنف وهيجان وحروب واضطهاد وعصبيات واستبداد فكري، حيث يضيق أفق المعنى تحت وطأة ما يسميه عبدالجبار الرفاعي "نظام احتكار المعنى"، حين يُرحَّل الدين من حقله الأنطولوجي إلى حقل الأيديولوجيا، فيفقد طاقته على إرواء الظمأ الروحي، ويغدو أداة في صراعات السلطة والثروة. في هذا الأفق، تستوقفني عبارة محمد أركون: "لقد قتلت الأيديولوجيا العرب"، وهي عبارة بدت لي يومًا صادمة وغامضة حين كنت أفهم الأيديولوجيا فهمًا ساذجًا، غير أن معناها انكشف في ضوء قراءة الرفاعي، الذي يرى أن "الأيديولوجيا ليست مجرد أفكار، بل هي نظام لتوليد المعنى ينتج وعيًا زائفًا بالواقع، ويصوغ شبكة سلطة متشعبة تنبثق من أحلام مشبعة بعالم طوباوي متخيل، فتحتكر إنتاج المعنى، وتعيد تشكيل الواقع في صورة تختزل تعقيده وتطمس أبعاده، وتفرض على الإنسان فهمًا مغلقًا للعالم، يحرمه من رؤية غناه وتعدده".

 إذن نحن، في خضم هذا الصراع، ننازل غولًا ضخمًا اسمه الأيديولوجيا، أمسك بالدين وقيده بأغلال ثقيلة تتمثل في وعي زائف، ورؤية مظلمة للعالم، وأسئلة جامدة تتكرر بلا أفق، واحتكار للحقيقة، وإخماد لذلك الاستفهام المتقد الذي يسلكه المعنى في عقل الإنسان، فيضيق أفقه، وينحسر حضوره، ويتحول الدين من طاقة تحرر إلى أداة تسلط واستعباد. لقد "قتلت الأيديولوجيا العرب" فعلًا، ويمكن القول، من منظور ديني، إن الأيديولوجيا قتلت الدين أيضًا. إنها جريمة كبرى تستدعي يقظة كل المنهمكين في حقول الدين، من فقهٍ وأصولٍ وكلامٍ وعرفان، لأن إقحام الدين في الحقل الأيديولوجي يعني إدخال العقل الديني في نفق ضيق معتم، أفقه مغلق، وحركته مغلولة. في هذا النفق يضيق أفق العقل، ويتباطأ فعله، ويبدأ بالتآكل تدريجيًا تحت وطأة ما تراكم فيه من أوهام وسموم فكرية، حتى يفقد الدين قدرته على إنعاش الروح وإيقاظ المعنى، ويتحول إلى منظومة خانقة تُطفئ الحيوية بدل أن تُشعلها.

 بتسلط الأيديولوجيا لا نستطيع أن نُدين فاعلًا بعينه، لأن المجتمعات الدينية في عالمنا العربي تتشرب الأيديولوجيا على نحو لا شعوري، إذ يحتل اللاشعور مساحة واسعة في البنية النفسية للإنسان، فتتشكل هذه المجتمعات داخل جهاز مفاهيمي مغلق، تظن أنه الأقدر وحده على الكشف عن الحقيقة والمعنى اللذين يتوق إليهما الإنسان، في حين أن هذا المعنى وهذه الحقيقة يتبدّيان بوصفهما بناءً زائفًا يتولد داخل هذا النسق المغلق. ومع ذلك، يمكن الانتصار في هذا الصراع لا عبر الإدانة، بل عبر فتح أفق آخر للعيش والفهم، أفق لحياة عقلانية مشبعة بالروح والأخلاق والجمال، كما يدعو إلى ذلك عبد الجبار الرفاعي، الذي الخبير بفلسة الدين وعلومه، الذي غاص في أعماقه لأكثر من أربعة عقود، فصار يدعو إلى استعادة الدين بوصفه تجربة تُنير الوجود، لا أيديولوجيا تُغلق أفق المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

***

طالب في كلية طب جامعة البصرة

..................

* في الصورة غلاف ترجمة كتاب: الدين والظمأ الأنطولوجي للغة البوسنية

Religija i ontološka žeđ

تأليف: عبد الجبار الرفاعي

, autor: Abdul-Jabbar al -Rifa'i

ترجمه للغة البوسنية: عدنان مصطفى مشانوفيتش

 

ما الذي يربط بين الاقتصاد الحقيقي، ذاك النسيج اليومي الذي تُنسَج فيه حياة الناس وأعمالهم وأجورهم، وبين عالم المالية الذي يبدو أحيانًا ككونٍ موازٍ لا يعترف بالجاذبية ذاتها؟ وأين يقف كارل ماركس من هذا الشرخ العميق الذي يفصل الإنتاج عن المضاربة، والعمل عن الأرقام؟

ماركس ليس مجرد اسم في كتاب قديم، بل عدسة حادة ما زلنا ننظر عبرها إلى العالم، حتى حين نزعم أننا تجاوزناه. مفكرٌ أراد أن يمسك بكل شيء: بالاقتصاد، والسياسة، والفلسفة، وبالإنسان ذاته في اغترابه. انتقد عصره بلا هوادة، ولم يكتفِ بوصف العالم، بل حاول أن يعرّي منطقه الداخلي. ورغم أن كثيرًا من أطروحاته الاقتصادية وُجهت باتهامات بعدم الواقعية أو المبالغة الأيديولوجية، فإن أفكاره، على نحو عكسي، تسللت إلى قلب السياسة نفسها، وأعادت تشكيل التاريخ باسمها.

ماركس اليوم أيقونة ثقيلة الظل. مرّ قرنان على ولادته، لكن اسمه ما زال يستدعي لدى أنصاره وعدًا باليقين والعدالة. لحيته تحولت إلى شعار، وصورته إلى سلعة. ولو كان للرموز حقوق ملكية، لربما تفوّق رصيده على عمالقة وادي السيليكون.

في المقابل، تقف المالية كعالم بارد، صامت، لا وقت لديه للتأمل. عالمٌ لا يعترف بالفلسفة إلا بقدر ما تتحول إلى «سردية» قابلة للبيع. قد نُقنع أنفسنا أن الأسواق لا تمس حياتنا اليومية، لكن الأرقام تفضح الوهم: حين ترتفع البورصات إلى قممها التاريخية، لا تتحرك الأجور إلا بالكاد، وحين تنهار، يسقط الاقتصاد الحقيقي معها كما في زلزال 2008. علاقة غير متكافئة، أشبه بعقدٍ لا يربح فيه إلا طرف واحد.

هذا الرابط المنحرف حيّر الاقتصاديين طويلاً. جون ماينارد كينز، على سبيل المثال، رأى أن قيمة الشركات لا تُقاس بما تنتجه فعليًا، بل بالقصة التي تنجح في روايتها عن نفسها. الصورة، العلامة، والقبول الاجتماعي تصبح أهم من الميزانيات والنمو الحقيقي. وحين تتحول القصة إلى أسطورة، تولد الفقاعة، ويأتي الانهيار كصحوة قاسية. حدث ذلك مع فقاعة التكنولوجيا عام 2000، ويتكرر بأشكال جديدة مع العملات الرقمية، كواقعٌ مالي يطفو بعيدًا عن الأرض.

أما ميلتون فريدمان، فقد حسم الأمر ببرودة السوق: الشركة ملكٌ للمساهم، لا للعامل ولا حتى للمدير. كل شيء يُختزل في حركة بيع وشراء لا تتوقف، مليارات المعاملات التي تعبر العالم بسرعة الضوء، من نيويورك إلى شنغهاي، دون أن تسأل عمّن يصنع القيمة فعليًا.

الآلية، في جوهرها، تبدو بسيطة: طرح عام أولي، مستثمرون يؤمنون، رأسمال يتدفق، وظائف تُخلق. لكن السحر ينكسر حين تتحول الأسهم إلى غاية في ذاتها، وحين تبدأ الأسعار في العيش حياة مستقلة عن أي هدف إنتاجي. عندها يصبح التاريخ سلسلة من الفقاعات والانفجارات.

هنا، يعود ماركس من القرن التاسع عشر ليهمس في آذان القرن الحادي والعشرين. قد نلومه على نبوءة لم تتحقق بالكامل، على حديثه عن انهيار حتمي للرأسمالية، أو على رؤيته الراديكالية للمجتمع. لكن كلماته عن المالية تبدو اليوم، على نحو مقلق، واقعية. ففي «رأس المال» كتب عن ولادة أرستقراطية مالية جديدة، طبقة طفيلية تعيش على إصدار الأسهم وتداولها، على الاحتيال المنظم الذي يتخفى في هيئة نظام.

كان يرى تحولًا عميقًا: من مجتمع صناعي إلى مجتمع مالي، من ثروة تُنتَج إلى ثروة تُستخرج بالمضاربة، من العمل إلى الدخل المجرد. طبقة وسطى تتآكل، وملكية تتكدس، وصناعة تفقد معناها لصالح أرقام بلا جذور.

المفارقة أن ماركس، الذي هاجم الرأسماليين بلا رحمة، تنبأ في الوقت ذاته بتفككهم، وكأن النظام يحمل بذور انهياره في داخله. الرأسمالية، في نظره، لا تسير في خط مستقيم، بل في دوامة من الأزمات والانتعاشات. من فقاعة التوليب في القرن السابع عشر إلى أزمات القرن العشرين، وصولًا إلى أزماتنا الراهنة، تتكرر الدائرة دون أن تنكسر.

ولعل أكثر ما يربك صورة ماركس هو حياته نفسها. عاش في لندن، قلب الرأسمالية الناشئة، وكتب أعنف نقد لها من داخلها. سعى، رغم فقره، إلى حياة برجوازية، دفع لبناته دروس الرقص، ولم يكن بمنأى عن إغراء المضاربة في البورصة. كأن الواقع الذي أدانه التهمه جزئيًا، أو كأنه أدرك، بمرارة، أن الإنسان لا يعيش دائمًا وفق أفكاره.

هنا، ربما، تكمن الرسالة الأعمق. ماركس لا يقول لنا إن العالم فاسد فحسب، بل إن الإنسان متناقض. نعرف الطريق القويم، لكننا نسلك غيره. نطالب بتحرير العمل، بينما نغرق في اغترابه. نفضح النفاق، ثم نمارسه حين يخدم احتياجاتنا. وربما كان غضّ الطرف أحيانًا وسيلتنا الوحيدة للتعايش مع هذا التوتر الداخلي.

هكذا يبقى ماركس شاهدًا لا على فشل نظام فقط، بل على هشاشة الإنسان نفسه: كائنٌ يحلم بالعدالة، ويعيش بالتناقض، ويتأرجح دائمًا بين النقد والوقوع في ما ينتقده.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

بين الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الغيبي للحياة البشرية

مقدمة: في الفكر الإسلامي المعاصر، يبرز مرتضى مطهري كمفكر مجدد يسعى إلى إحياء الدين لا بالانغلاق على النصوص القديمة أو الاستسلام للتقليد الجامد، بل بإعادة صياغة الوعي الديني بما يتناسب مع عمق الإنسان وتحديات وجوده في عالم يتسارع نحو المادية واليأس. تجديد الفكر الديني عنده ليس مجرد إصلاح سطحي أو تكييف شكلي، بل هو عملية جذرية تعيد الدين إلى حيويته كرؤية شاملة للكون والحياة، تجعل منه قوة دافعة للإنسان نحو الكمال. هذا التجديد يتجلى بوضوح في التوازن الدقيق الذي يقيمه مطهري بين رؤيتين متكاملتين: الرؤية التوحيدية الكونية التي تكشف عن وحدة الوجود وانسجامه تحت إرادة إلهية واحدة، والمدد الإلهي الذي يمنح الحياة البشرية العون الغيبي في مواجهة واقعها اليومي. ويأتي الربط بينهما عبر مقاربة تيوديسية عميقة، تجيب على إشكالية الشر والمعاناة دون أن تنفي عدل الله أو توحيده، بل تكشف كيف أن الشرور ذاتها جزء من نظام كوني أفضل يدعم نمو الإنسان ويفتح له أبواب المدد الإلهي. كيف يدافع مطهري عن العدل الالهي في ظل وجود الشر في العالم؟

الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الغيبي للحياة

يبدأ تجديد مطهري للفكر الديني من الوعي بأن الدين، في أصله، ليس مجموعة من الطقوس الميتة أو المعتقدات النظرية المعزولة عن الواقع، بل هو حياة كاملة تمنح الإنسان معنى وهدفاً ومسؤولية. في عصر يواجه فيه الإسلام تحديات المادية الغربية والتشاؤم الفلسفي، يرى مطهري أن التجديد يقتضي إعادة اكتشاف الدين كقوة عقلانية فلسفية قادرة على مواجهة الإشكالات المعاصرة. هذا التجديد يرفض الجمود الذي يحول الدين إلى تراث ماضوي، ويرفض كذلك الانهيار أمام الثقافات الوافدة التي تنكر الغيب والروح. بدلاً من ذلك، يقدم مطهري الدين كمشروع حيوي يعتمد على العقل والبرهان، ويربط بين الاعتقاد والعمل، بين النظرية والتطبيق. التجديد هنا يعني إحياء الإيمان بجعله قادراً على تفسير الكون والإنسان والتاريخ، ومنحه القدرة على تحريك الإنسان نحو بناء مجتمع يعكس القيم الإلهية. وفي هذا السياق، يصبح التجديد جسراً بين الرؤية الكونية الشاملة التي تكشف وحدة الوجود، والعون الإلهي الذي يدعم الإنسان في رحلته اليومية، حيث تتحول الإشكالات الوجودية – كالشر والمعاناة – إلى فرص للنمو لا إلى مبررات للشك. لذلك تُشكل الرؤية التوحيدية الكونية عند مطهري الأساس النظري لهذا التجديد، إذ تتجاوز التوحيد مجرد عقيدة لفظية أو إيمان قلبي سطحي، لتصبح رؤية شاملة للوجود كله. في هذه الرؤية، ليس الكون مجموعة من الكائنات المنفصلة أو الفوضى العشوائية، بل نظام متكامل مترابط يسير تحت تدبير إلهي واحد، حيث يعكس كل موجود – من الذرة إلى المجرة – صفات الواحد الأحد. التوحيد هنا ذاتي وصفاتي وفعلي وعبادي: الله واحد في ذاته، صفاته عين ذاته لا زائدة عليها، أفعاله لا شريك لها، وعبادته خالصة دون شرك. هذه الرؤية تكشف عن محدودية المخلوقات ونسبيتها وحاجتها، مما يدل بالضرورة على الواقع المطلق الغني عن كل شيء. الكون، في هذا التصور، ليس مجرد مسرح للأحداث العابرة، بل مدرسة إلهية للإمتحان والتطور، حيث يُجازى الإنسان على نيته وجهده، وتكتسب الأهداف الإنسانية قداسة لأنها مرتبطة بالهدف الكوني الأسمى. هذه الرؤية الكونية تجدد الفكر الديني بمنحه عمقاً فلسفياً يجعله قادراً على مواجهة الرؤى المادية التي تحصر الوجود في المحسوس. إنها تمنح الإنسان إحساساً بالانسجام والغاية، فالحياة ليست عبثاً، والوجود ليس صدفة، بل مسار محكم يسير نحو الكمال. التوحيد الكوني يرفض الثنائية بين الخير والشر كأصلين متساويين، ويؤكد أن الوجود كله خير في جوهره، وأن النظام المتحقق هو أحسن النظم. هكذا، تصبح الرؤية التوحيدية ليست مجرد اعتقاد، بل قوة تحريكية تحول الوعي البشري من التشاؤم إلى الطموح، ومن اليأس إلى المسؤولية. في سياق التجديد، تكشف هذه الرؤية كيف أن الدين يمكنه أن يعيد صياغة الإنسان المعاصر ككائن مسؤول أمام كون مترابط، لا كائن منعزل في فراغ مادي. غير أن هذه الرؤية الكونية الشاملة، مهما كانت عظيمة، تحتاج إلى ترجمتها إلى واقع الحياة البشرية اليومية، وهنا يأتي دور المدد الإلهي أو الغيبي كبعد عملي يربط السماء بالأرض. المدد الغيبي، عند مطهري، هو العون والدعم الذي يأتي للإنسان والمجتمع من عالم ما وراء الحواس، من الغيب الذي يتجاوز الإدراك المادي. ليس هذا المدد اعتباطياً أو سحرياً، بل هو نتيجة للجهد الإنساني المخلص والإخلاص والسعي، وهو امتداد طبيعي للتوحيد: فالله الواحد الغني يفيض برحمته الرحمانية على الكل، ورحمته الرحيمية الخاصة على المؤمنين الذين يسعون إليه. يتجلى هذا المدد في صور متعددة: الإلهام والإشراق الذي يفتح آفاق العلم والمعرفة للمفكرين، والتهيئة الظرفية التي تفتح أبواب التوفيق، والهداية التي تيقظ القلوب، وصولاً إلى البعد الاجتماعي الكبير كما في فكرة المهدي المنتظر، التي تمثل الأمل الغيبي في نهاية الظلم وملء الأرض عدلاً.

في الحياة البشرية، يواجه الإنسان صعوبات ومحن وشروراً تبدو أحياناً كأنها تنفي العدل الإلهي أو تجعل التوحيد مجرد نظرية بعيدة. هنا يبرز المدد الإلهي كقوة دافعة تحول هذه الصعاب إلى فرص. إنه يمنح الإنسان الاطمئنان والأمل، ويمنعه من الاستسلام للمادية التي تنكر أي تأثير روحي أو غيبي. المدد يربط الإنسان بالعالم الأعلى، فيجعله يرى في كفاحه اليومي امتداداً للنظام الكوني التوحيدي. هكذا، يصبح التجديد الديني عملياً: الدين ليس فقط رؤية كونية تتأمل الكون من بعيد، بل مدداً يدعم الإنسان في صراعه مع الواقع، يعطيه قوة داخلية لمواجهة اليأس والفوضى. والآن، تظهر المقاربة التيوديسية عند مطهري كالجسر الحاسم الذي يربط بين الرؤية التوحيدية الكونية والمدد الإلهي للحياة البشرية.

التيوديسيا – أي الدفاع عن عدل الله أمام وجود الشر – ليست عند مطهري مجرد حل نظري لإشكال فلسفي قديم، بل هي قلب التجديد الديني نفسه. في مواجهة تساؤلات الإنسان عن الألم والمعاناة والظلم الذي يبدو في الكون، يقدم مطهري تفسيراً عميقاً ينطلق من التوحيد نفسه. الشر، في هذه المقاربة، ليس وجوداً مستقلاً أو أصلاً متعادلاً مع الخير، بل هو عدمي في جوهره: نقص أو فراغ أو عدم كمال، كالظل الذي ليس إلا غياب النور، أو المرض الذي هو فقدان الصحة. الشر نسبي أيضاً؛ فما هو شر بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً في سياق النظام الكلي، كسم الحية الذي يحميها لكنه يضر الإنسان.

هذا التفسير ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية: الكون نظام واحد محكم، طولي (مراتب العلة والمعلول) وعرضي (الشروط المادية)، وهو أحسن النظم لأنه يعطي كل موجود ما يستحقه حسب قابليته واستعداده. الاختلافات والنقائص ليست ظلماً، بل لازمة للكمال الكلي؛ فبدون النقص لما برز الكمال، وبدون الشرور الظاهرية لما تحقق الجمال والانسجام. العدل الإلهي هنا ليس معياراً خارجياً يحاكم الله، بل هو صفة ذاتية لأفعاله: الله يفيض الوجود حسب الحكمة، ولا يظلم أحداً لأنه لا شريك له. أما حرية الإنسان – الاختيار بين الخير والقبيح – فهي التي تجعل الشرور الناتجة عن الأفعال البشرية جزءاً من المسؤولية، لا تنفياً للعدل الإلهي.

في هذه المقاربة التيوديسية، يصبح الشر جسراً نحو المدد الإلهي. المحن والشدائد ليست عقاباً عشوائياً، بل تربية وصقل للنفس، تفتح أبواب الإلهام والعون الغيبي لمن يسعى ويخلص. التوحيد الكوني يؤكد أن كل شيء من الله وإليه، والعدل يضمن أن هذا "كل شيء" يخدم الكمال الإنساني.

هكذا، يجدد التيوديسيا الفكر الديني بجعله قادراً على احتواء التناقضات الظاهرية: الإنسان يعاني في حياته اليومية، لكنه مدعوم غيبياً، والكون موحد ومنسجم رغم الشرور التي هي في الحقيقة غيابات تكمل الصورة الكلية. التجديد يتحقق إذن في هذا التوازن: الرؤية الكونية تعطي الإطار الشامل، والمدد الإلهي يمنح القوة اليومية، والتيوديسيا تذيب الشكوك وتحول المعاناة إلى طريق نحو الله.

المقاربة التيوديسية

في تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري، تبرز المقاربة التيوديسية كعنصر محوري يعيد صياغة الإيمان بطريقة تجعله قادراً على مواجهة أعمق إشكالات الوجود البشري: لماذا يوجد الشر والألم والمعاناة في عالم يحكمه إله واحد قدير حكيم؟ لا تكتفي هذه المقاربة بالدفاع السلبي عن عدل الله، بل تحولها إلى رؤية إيجابية تحول الشرور ذاتها إلى محركات للكمال الإنساني، وتفتح أبواب المدد الإلهي في الحياة اليومية. إنها ليست مجرد حل فلسفي لمشكلة قديمة، بل هي تجديد جذري يربط الرؤية التوحيدية الكونية – التي ترى الكون نظاماً واحداً مترابطاً – بالعون الغيبي الذي يدعم الإنسان في رحلته الوجودية. بهذا، يصبح التيوديسيا عند مطهري ليس دفاعاً عن الله أمام الشر، بل إعلاناً عن حكمته في نظام يجعل كل نقص وكل ألم جسراً نحو الارتقاء والفيض الإلهي. يقوم مطهري مقاربته التيوديسية بإعادة تعريف العدل الإلهي نفسه، بعيداً عن المفاهيم الاجتماعية البشرية الضيقة. العدل عنده ليس مجرد مساواة أو إعطاء كل ذي حق حقه بمعنى قانوني سطحي، بل هو رعاية الاستحقاق والأهلية في إفاضة الوجود والكمال حسب قابلية كل موجود. الله، بوصفه المالك المطلق للكون، لا يمكن أن يظلم أحداً لأن كل شيء منه وله؛ فالظلم يفترض ملكية مستقلة للمظلوم، وهذا غير وارد في التوحيد الكوني. هذا التعريف يجعل العدل صفة ذاتية لأفعال الله، لا معياراً خارجياً يحاكمه. فالكون ليس موزوناً بالتساوي بين الخلائق، بل بالتناسب مع مراتبها واستعداداتها في سلسلة الوجود. التمييز في الخلق – كالذكاء أو الصحة أو الثراء – ليس ظلماً، بل هو تعبير عن الحكمة الإلهية التي تفيض حسب الاستعداد، كما أن الشمس لا تُلام على أنها لا تضيء كل مكان بنفس القدر. أما جوهر المقاربة التيوديسية، فيكمن في تحليل ماهية الشر نفسه. يرى مطهري أن الشر ليس وجوداً إيجابياً مستقلاً يقف في مقابل الخير كقطب ثانٍ، كما في الثنويات القديمة أو الماديات الحديثة. الشر أمر عدمي في أصله: هو نقص أو غياب أو عدم كمال، كالظلام الذي ليس إلا غياب النور، أو الجهل الذي هو عدم العلم. هذا الفهم ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية، حيث الوجود كله خير وفيض إلهي، والنقائص إنما تظهر في المراتب الدنيا من سلسلة العلة والمعلول. فالكون نظام مترابط طولياً (من الله إلى أدنى المخلوقات) وعرضياً (الشروط والعلاقات بين الموجودات)، وهو "أحسن النظم" لأنه يحقق الكمال الكلي رغم النقائص الجزئية. بدون هذه النقائص، لما برز الجمال والتنوع والارتقاء؛ فالشرور الظاهرية ضرورية لإبراز الكمال، كما أن الظل ضروري لإبراز النور. كما يؤكد مطهري على نسبية الشر: ما هو شر بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً بالنسبة لمخلوق آخر أو في سياق الكلي. العقرب، مثلاً، ليس شراً في ذاته؛ فسمها يحميها ويحفظ توازنها البيئي، لكنه شر بالنسبة للإنسان. هكذا، يرفض مطهري النظرة الجزئية التي تحكم على الكون من منظور إنساني ضيق، ويدعو إلى النظرة الكلية: الكون كله خير في جوهره، والشرور مجرد جوانب نسبية في نظام يخدم الغاية الأسمى. هذا يحل إشكالية الشرور الطبيعية (كالزلازل والأمراض) بجعلها لازمة للنظام الكوني، وليست اعتباطية أو مخالفة للعدل. أما الشرور الأخلاقية (الظلم البشري)، فتنبع من حرية الإنسان – الاختيار الحقيقي بين الخير والقبيح – التي هي شرط للكمال الإنساني والمسؤولية. الله لا يجبر على الشر، بل يمنح الإنسان القدرة على الاختيار، ويترك له نتائجه، مع أن العدل الإلهي يضمن الجزاء العادل في النهاية.

غير أن مطهري لا يكتفي بهذا التفسير النظري؛ بل يربط الشر بالغاية التربوية والتكاملية للحياة البشرية. الشرور والمحن ليست عقاباً عشوائياً أو دليلاً على غياب العدل، بل هي مدرسة إلهية لصقل النفس وتنمية الروح. الألم يوقظ الوعي، والشدة تبني الصبر والإخلاص، والنقص يدفع نحو السعي والجهاد. هنا يظهر الربط العميق بين التيوديسيا والمدد الإلهي: المعاناة ليست نهاية، بل باب مفتوح للعون الغيبي. فمن يواجه الشر بإخلاص وجهد يتلقى الإلهام والتوفيق والتهيئة الظرفية؛ الله يفيض رحمته الخاصة على من يسعى، فيجعل الشر نفسه وسيلة للمدد. هكذا، يتحول اليأس إلى أمل، والمعاناة إلى فرصة للارتقاء نحو مراتب أعلى في الوجود. في سياق التجديد الديني، تجعل هذه المقاربة التيوديسية الدين قادراً على مواجهة التشاؤم المعاصر والمادية التي ترى العالم فوضى أو صدفة. إنها تؤكد أن الكون موحد ومنسجم رغم الظاهر، وأن الإنسان ليس ضحية بل شريكاً في بناء مصيره تحت رعاية إلهية حكيمة. التوحيد الكوني يعطي الإطار الشامل – الكون نظام واحد يسير نحو الكمال – والتيوديسيا تذيب الشكوك حول العدل، والمدد الإلهي يمنح القوة العملية في الحياة اليومية. بهذا التوازن، يجدد مطهري الفكر الديني: لم يعد الدين مجرد اعتقاد نظري، بل رؤية تحول الشر إلى خير، والمعاناة إلى نمو، والإيمان إلى قوة دافعة للإنسان المعاصر.

الشر كعدم

في مقاربة مرتضى مطهري التيوديسية، يُعد مفهوم «الشر كعدم» أحد أعمق الأسس الفلسفية التي تربط بين التوحيد الكوني والعدل الإلهي، وتفتح الطريق أمام فهم المدد الغيبي كاستجابة حكيمة للنقص البشري. لا يرى مطهري الشر وجوداً إيجابياً مستقلاً يوازي الخير أو ينافسه، كما في بعض الرؤى الثنوية أو المادية التي تتصور الشر قوة كونية معادية. بل هو، في أصله، أمر عدمي: نقص محض، غياب للكمال، فراغ في الوجود، أو عدم تحقق لما ينبغي أن يكون. هذا الفهم ليس مجرد تحليل منطقي، بل هو تعبير عن رؤية توحيدية شاملة ترى أن الوجود كله فيض إلهي خالص، والشر إنما يظهر حيث ينقص هذا الفيض أو يُحجب بسبب محدودية المخلوق. يحرص مطهري على التمييز الدقيق بين الوجود والعدم. الوجود الحقيقي هو ما يفيض به الله تعالى، وهو خير محض لأنه صادر عن الخير المطلق. أما العدم فهو ليس شيئاً موجوداً بذاته، بل هو مجرد غياب الوجود. فالظلام، مثلاً، ليس جوهراً قائماً بذاته يحارب النور؛ إنه ببساطة عدم النور. كذلك المرض ليس وجوداً إيجابياً، بل هو غياب الصحة أو نقص في التوازن الحيوي. والجهل ليس علماً معكوساً، بل غياب العلم. والظلم ليس عدلاً مقلوباً، بل غياب العدل أو عدم تحققه في الفعل البشري. بهذا المعنى، الشر ليس مخلوقاً مستقلاً، ولا هو فعلاً إلهياً مباشراً، بل هو نتيجة حتمية للمراتب المحدودة والناقصة في سلسلة الوجود.هذا التصور ينسجم تماماً مع الرؤية التوحيدية الكونية عند مطهري. فالكون ليس مجموعة من الأشياء المنفصلة، بل نظام واحد مترابط طولياً (من الله كعلة أولى إلى أدنى المخلوقات) وعرضياً (بالعلاقات والشروط بين الموجودات). في هذا النظام، يفيض الوجود على كل شيء بحسب قابليته واستعداده. فالذرة تتلقى وجودها المحدود، والإنسان يتلقى وجوداً أرقى يشمل العقل والإرادة، والملائكة تتلقى وجوداً أنقى. حيث تكون القابلية محدودة، يظهر النقص بالضرورة. هذا النقص ليس ظلماً إلهياً، بل هو لازمة وجودية لتحقق التنوع والمراتب والكمال الكلي. لو كان كل موجود كاملاً مطلقاً، لما كان هناك كون متعدد المراتب، ولما برز الجمال في التنوع، ولما كان هناك مجال للارتقاء والسعي.ويُبرز مطهري نسبية الشر في هذا السياق. فالشر ليس مطلقاً، بل هو نسبي تماماً للمخلوق وللمنظور. ما يُعد شراً بالنسبة لإنسان قد يكون خيراً بالنسبة لمخلوق آخر أو في النظرة الكلية. سم العقرب، على سبيل المثال، شر بالنسبة للإنسان الذي يتعرض له، لكنه خير بالنسبة للعقرب نفسه لأنه يحميها ويحفظ بقاءها. كذلك، الزلزال الذي يدمر مدينة قد يكون شراً جزئياً، لكنه جزء من النظام الجيولوجي الذي يحفظ توازن الأرض ويجدد خصوبتها على المدى الطويل. هذه النسبية تكشف أن الشر ليس مخالفة للنظام الكوني، بل هو جانب من جوانب هذا النظام نفسه حين ننظر إليه من زاوية محدودة. النظرة الكلية – التي تكشفها الرؤية التوحيدية – ترى أن الكون «أحسن النظم» رغم هذه النقائص الجزئية، لأن النظام الكلي يحقق أكبر قدر ممكن من الخير والكمال بالنظر إلى طبيعة المخلوقات.

أما فيما يتعلق بالشرور الأخلاقية (كالكذب والظلم والعدوان)، فيؤكد مطهري أنها أيضاً عدمية في جوهرها. الظلم ليس وجوداً إيجابياً، بل هو غياب العدل في الفعل البشري، أي عدم تحقق العدل الذي ينبغي أن يكون. وهذا الغياب يعود إلى حرية الإنسان وقدرته على الاختيار. الله منح الإنسان الإرادة الحرة ليكون مسؤولاً، وليكون كماله اختيارياً لا جبرياً. لو أجبر الله الإنسان على الخير فقط، لما كان الإنسان إنساناً بل آلة. لذا، أتاح الله مجالاً للنقص والخطأ، لكن هذا النقص ليس من فعل الله المباشر، بل من فعل الإنسان نفسه الذي يختار العدم (الشر) بدلاً من الوجود (الخير). ومع ذلك، فإن العدل الإلهي يضمن أن كل فعل يلقى جزاءه، سواء في الدنيا أو في الآخرة، مما يعيد التوازن إلى النظام الكوني.هذا الفهم للشر كعدم يفتح الباب واسعاً أمام المدد الإلهي في الحياة البشرية. فحيث يوجد النقص (الشر)، تظهر الحاجة إلى الفيض الإلهي. المعاناة والألم والجهل ليست نهايات، بل هي نداء داخلي يدفع الإنسان إلى السعي والإخلاص والجهاد الأكبر. والله، بمقتضى رحمته الرحمانية العامة ورحمته الرحيمية الخاصة، يفيض المدد والعون والإلهام على من يسعى ويطلب. هكذا، يتحول الشر (كغياب) إلى فرصة لتحقق الوجود الأرقى. النقص يصبح محركاً للكمال، والألم يصبح طريقاً للصبر واليقين، والجهل يصبح باباً للعلم والمعرفة. المدد الغيبي إذن ليس تعويضاً عن شر إيجابي، بل هو استجابة حكيمة للنقص الذي يحتاج إلى ملء.

في سياق التجديد الديني، يجعل مفهوم الشر كعدم الفكر الديني قادراً على مواجهة التحديات المعاصرة بثقة عميقة. ففي عصر يرى فيه كثيرون العالم فوضى مليئة بالشرور المطلقة، يقدم مطهري رؤية توحيدية تكشف أن الكون ليس فوضى، وأن الشر ليس قوة مستقلة، بل غياب مؤقت أو نسبي يخدم في النهاية الكمال الكلي. هذا الفهم يحمي الإيمان من الانهيار أمام المآسي، ويحوله إلى قوة إيجابية تحول المعاناة إلى نمو، والنقص إلى سعي، والغياب إلى فيض. بهذا، يصبح الشر كعدم ليس مشكلة تُحل بالدفاع فقط، بل سراً كونياً يكشف عن حكمة الله: أن يسمح بالنقص ليفتح مجالاً للاختيار والارتقاء، وأن يجعل هذا النقص نفسه باباً للمدد الإلهي الذي يملأ الفراغ ويرفع الإنسان نحو مراتب أعلى. هكذا تكتمل الرؤية التوحيدية: الوجود كله من الله وإليه، والعدم (الشر) مجرد لحظة في رحلة العودة إليه، والمدد الغيبي هو اليد الإلهية التي تمد للإنسان في كل نقص لتعيده إلى الكمال.

خاتمة

يمثل تجديد الفكر الديني عند مرتضى مطهري نموذجاً متكاملاً للإحياء الإسلامي المعاصر. إنه لا يفصل بين النظر الكوني والعمل الإنساني، بل يجعلهما متداخلين عبر المدد الإلهي الذي يربط الغيب بالشهادة. والمقاربة التيوديسية ليست دفاعاً سلبياً عن الله، بل إعلاناً إيجابياً عن حكمته وعدله في نظام يدعم الإنسان ويرفعه. هذا التجديد يدعو الإنسان المعاصر إلى أن يرى في كونه جزءاً من كون توحيدي، وفي معاناته فرصة لمدد إلهي، وفي إيمانه قوة تحول الشر إلى خير واليأس إلى أمل. بهذا، يعود الدين حياً، قادراً على مواجهة العصر بكل تحدياته، ومؤكداً أن التوحيد ليس مجرد كلمة، بل رؤية ومدداً وعدلاً يحيي الحياة البشرية كلها. في النهاية، مقاربة مطهري التيوديسية ليست مجرد فلسفة دفاعية، بل دعوة إلى إعادة اكتشاف الإيمان كحياة كاملة. إنها تجعل الإنسان يرى في كونه جزءاً من كون توحيدي أفضل، وفي ألمه فرصة لمدد إلهي يرفعه، وفي جهده مسؤولية تكمل النظام الكوني. هكذا يعود الدين حياً، قادراً على احتواء تناقضات العصر وتحويلها إلى طاقة بناء، مؤكداً أن العدل الإلهي ليس غياب الشر، بل حكمة تحول الشر إلى طريق نحو الله.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم