عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

تُعدّ اللغة من أعظم الظواهر الإنسانية تعقيداً وعمقاً، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني وتبادل الأفكار، بل تتجاوز ذلك إلى تشكيل الوعي وبناء التصوّرات وصياغة العلاقة بين الإنسان والعالم. فاللغة ليست أصواتاً تُنطق فحسب، وإنما نظامٌ رمزيٌّ خفيّ تتحرّك داخله الدلالات، وتتشابك فيه البنى النحوية والصوتية والدلالية، بحيث يغدو الحضور والغياب، والقول والصمت، عناصرَ متكاملة في إنتاج المعنى. ومن هنا برزت أهمية البحث في ما يُعرف حديثاً بمفهوم “الصفر اللغوي” أو “العلامة الصفرية”، بوصفه مفهوماً يكشف أنّ غياب العلامة قد يكون علامةً قائمة بذاتها تؤدي وظيفة دلالية داخل النسق اللغوي.

ولئن بدا هذا المفهوم حديثاً في الاصطلاح اللساني، فإنّ جذوره الفكرية تمتدّ عميقاً في التراث اللغوي العربي؛ فقد أدرك فقهاء اللغة العربية والنحاة الأوائل أنّ الحذف والإضمار والصمت ليست فراغاتٍ عدميّة، بل وسائل بلاغية ونحوية تؤدي وظائف دقيقة في بناء المعنى. ولذلك اعتبروا أنّ “المحذوف” يُقدَّر بقدر الحاجة إليه، وأنّ السكوت عن الذكر قد يكون أبلغ من التصريح، لأنّ البلاغة الحقيقية لا تقوم على كثرة الألفاظ، بل على اقتصاد اللغة وقدرتها على الإيحاء.

وقد اختلفت مناهج النحاة في تناول هذه الظواهر بين المدرستين البصرية والكوفية. فالنحاة البصريون، وفي مقدّمتهم سيبويه والمبرّد، اتّجهوا إلى بناء نظامٍ لغوي صارم يقوم على القياس العقلي والدقة المنهجية، ففسّروا الحذف والإضمار ضمن بنية نحوية منضبطة، ورأوا أنّ العنصر المحذوف لا بدّ أن يكون مقدّراً في الذهن حفاظاً على انتظام التركيب. أمّا الكوفيون، ومن أبرزهم الكسائي والفرّاء، فقد كانوا أكثر مرونةً واتّساعاً في قبول الظواهر اللغوية، وأكثر اعتماداً على السماع وتنوّع الاستعمال العربي، مما أتاح لهم فهماً أرحب للفراغات الدلالية والتراكيب غير الظاهرة.

كما أنّ فقهاء اللغة، مثل ابن جني، تنبّهوا إلى العلاقة العميقة بين اللفظ والمعنى، وإلى أنّ اللغة لا تُبنى على الأصوات وحدها، بل على ما توحي به من علاقات ذهنية ونفسية وثقافية. ولذلك رأى ابن جني أنّ كثيراً من جمال العربية يكمن في قدرتها على الإيجاز والحذف والإشارة، وهي خصائص تقترب في جوهرها من مفهوم “الصفر اللغوي” في الدراسات اللسانية الحديثة.

وانطلاقاً من ذلك، تأتي هذه الدراسة لتبحث في النظام الخفيّ للغة وعلاقته بمفهوم الصفر اللغوي، من خلال قراءةٍ تجمع بين التراث النحوي العربي والرؤى اللسانية الحديثة، بغية الكشف عن الكيفية التي يتحوّل فيها الغياب إلى حضور دلالي، والصمت إلى بنيةٍ منتجة للمعنى داخل الخطاب اللغوي والفكري.لذا حينها يصبح الفراغُ مولِّداً للمعنى.

ليست اللغة مجرّد أصواتٍ تتعاقب أو علاماتٍ تُستعمل للتفاهم اليومي، بل هي نظامٌ رمزيٌّ بالغُ التعقيد، يعمل في الخفاء بقدر ما يظهر في الكلام. فخلف كلِّ لفظةٍ شبكةٌ من العلاقات الثقافية والتاريخية والنفسية، وخلف كلِّ تركيبٍ رؤيةٌ للعالم وطريقةٌ في إدراك الوجود. ولهذا لم تكن اللغة حياديةً قط؛ إنها تُشكّل وعينا بقدر ما نستخدمها للتعبير عن وعينا.

إنّ النظام الخفيّ للغة يتمثّل في تلك البنية العميقة التي تنظّم العلاقات بين الكلمات والمعاني، بين الحضور والغياب، بين ما يُقال وما يُضمر. فالإنسان لا يفكّر باللغة فقط، بل يفكّر عبر حدودها وإمكاناتها. وكلّما اتّسعت طاقة اللغة الرمزية، اتّسعت معها قدرة العقل على التجريد والتأويل وإنتاج المعرفة.

ومن هنا تبرز أهمية ما يُعرف في اللسانيات والفلسفة الحديثة بمفهوم «الصفر اللغوي» أو «العلامة الصفرية»؛ وهو مفهومٌ دقيق يشير إلى أنّ الغياب ذاته قد يحمل معنىً لغوياً لا يقلّ أهميةً عن الحضور. فالصمت أحياناً ليس فراغاً، بل علامة؛ والحذف ليس نقصاً دائماً، بل وظيفة دلالية واعية داخل النظام اللغوي.

وقد برز هذا المفهوم بصورة واضحة في اللسانيات البنيوية، ولا سيّما عند اللغوي الروسي رومان ياكوبسون، ثم في أعمال مدرسة براغ اللسانية، حيث اعتُبر “الصفر” عنصراً بنيوياً يؤدي وظيفة معنوية رغم غياب الشكل الصوتي الظاهر. فحين نقول في العربية مثلاً إنّ الفعل “كتبَ” يدلّ على المفرد المذكر دون إضافة لاحقة، فإنّ غياب العلامة هنا ليس عدماً، بل يحمل دلالة نحوية قائمة بذاتها؛ أي إنّ “اللاعلامة” نفسها أصبحت علامة.

وفي البلاغة العربية القديمة نجد جذوراً عميقة لهذا التصوّر، وإن لم يُصَغ بالمصطلح الحديث ذاته. فقد أدرك البلاغيون أن الحذف قد يكون أبلغ من الذكر، وأنّ الصمت أحياناً أوسع دلالةً من الإفصاح. ولهذا قيل: “خير الكلام ما دلّ ولم يُطِل”، لأنّ المعنى لا يُبنى بالألفاظ وحدها، بل أيضاً بالفراغات التي تتركها اللغة لذكاء المتلقّي وخياله.

إنّ نظرية الصفر اللغوي تكشف أنّ اللغة ليست تراكماً ميكانيكياً للكلمات، بل اقتصادٌ رمزيٌّ بالغ الدقة؛ فكما أنّ الضوء لا يُفهم إلا بوجود الظلّ، كذلك المعنى لا يكتمل إلا عبر ما تغفله اللغة عمداً أو تؤجّله أو تصمت عنه. لذلك فإنّ البياض في النصّ، والتوقّف، والإضمار، والحذف، وحتى التردّد، كلّها عناصر مشاركة في إنتاج الدلالة.

ومن الناحية الفلسفية، يقودنا هذا المفهوم إلى إدراك أنّ الإنسان يعيش داخل شبكةٍ من العلامات المرئية والخفية معاً. فما لا يُقال في الخطاب السياسي قد يكون أخطر ممّا يُقال، وما يُحذف من التاريخ قد يفضح السلطة أكثر ممّا تفضحه الوثائق، وما يصمت عنه الإنسان أحياناً يكون التعبير الأعمق عن خوفه أو حكمته أو انكساره.

لهذا فإنّ اللغة الحقيقية ليست فقط ما نسمعه، بل أيضاً ما نستشعره بين السطور. إنها ذلك التوتّر الدقيق بين الحضور والغياب، بين القول والصمت، بين الامتلاء والفراغ. ومن هنا تتجلّى عبقرية اللغة بوصفها نظاماً خفيّاً لا يُنتج المعنى بالكلمات وحدها، بل كذلك بما تتركه الكلمات وراءها من ظلالٍ وإشاراتٍ واحتمالات لا تنتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مؤتمر 1978 كمشروع تحرري

في نوفمبر من عام 1978، لم يكن العالم العربي يراوح مكانه فحسب، بل كان يترنح تحت وطأة انكسارات كبرى وتيه فكري عميق، غارقًا في دوامة من العنف والأزمات التي هددت كيانه. ففي عام 1973، جاءت حرب أكتوبر لتؤكد أن الصراع مع إسرائيل هو قدر المنطقة، وأن سلاح النفط الذي هز أركان الاقتصاد العالمي لن يكون كافيًا لتحرير الأرض وبناء الداخل. وفي شهر أفريل سنة 1975 اشتعلت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية التي مزقت نسيج بلد كان يُعدّ رمزًا للثقافة والتعايش والحريات. ثم انفجر الوضع من الداخل في مصر، قلب العروبة النابض، بسبب ما سُمّي آنذاك انتفاضة الخبز.

في خضم هذه العواصف، وتحت وطأة الانكسارات السياسية والأزمات الاقتصادية والتيه الفكري، لم تختر الجزائر أن تقيم مهرجانًا ثقافيًا عابرًا، ولا أن تنظم ندوة أكاديمية شكلية تُضاف إلى رفوف النسيان. ما حدث في نوفمبر 1978 كان فعلاً ثوريًا من طراز رفيع؛ إذ تم استدعاء فيلسوف من أعماق التاريخ، لا ليُعلَّق كصورة جميلة على جدار واقع متخلّف، ولا ليُتحف به كتمثال برونزي في متحف الأفكار الميتة، بل ليُنزَل إلى الخندق.

لقد استُدعي أبو الوليد محمد بن رشد إلى الجزائر المستقلة حديثًا كمحارب حكيم ومقاوم عنيد ورفيق سلاح في معركة التحرر التي لم تكن قد انتهت بعد. لم تكن معركة 1978 تدور بالبنادق كما كانت قبل ربع قرن، بل كانت تدور بالأفكار. كان العدو هذه المرة هو الخمول الفكري والاستسلام الحضاري والتملّق للماضي بدل استثماره، والانبهار بالآخر بدل محاورته .

في اليوم الأول من الأيام الستة للمؤتمر، أعلن المفكر مصطفى الأشرف، وزير التربية والتعليم، في كلمته الافتتاحية التي كانت أقرب إلى بيان سياسي-فلسفي منها إلى خطاب بروتوكولي: «لا يجوز أن يتخذ مهرجانكم مظهرًا شكليًا وأكاديميًا، وإنما يجب علينا أن نعطيه جميع الأبعاد التي يمكن أن تستخلص من تجربة ابن رشد وصراعه الطويل في سبيل الحقيقة الموضوعية كمنهج ودليل ينير طريقنا». أراد لهذا المؤتمر أن يتحول إلى ورشة لإعادة بناء العقل العربي على أسس صارمة: الحقيقة الموضوعية منهجًا، والعمل الواعي دليلاً، والنقد الصريح أداة. فلم تكن الجزائر تحتفل بابن رشد، بل كانت تستهدف فتح أفق واسع وباب للتحرر؛ ذلك أن استعادة العقل الرشدي ليست ترفًا فلسفيًا، بل محاولة جادة لاستئناف أسئلته الحارقة ومشروعه الثوري.

خطاب مصطفى الأشرف: حينما يتكلم السياسي بلغة الفيلسوف

جرت العادة في مثل هذه المؤتمرات أن يلقي الوزير المسؤول كلمة بروتوكولية يغلب عليها الثناء والتمجيد. كان بوسع الأستاذ أن يفعل ذلك بسهولة، خصوصًا وهو يقف أمام نخبة من أبرز المفكرين العرب والمستشرقين العالميين. لكن ما فعله المفكر مصطفى الأشرف كان صادمًا في خروجه عن النمط الكلاسيكي، وثوريًا في عمقه. لقد حوّل كلمة الافتتاح من فضاء احتفالي إلى مشرحة فكرية للأزمة العربية، متسلحًا بجملة افتتاحية موجزة اختصرت المأساة: «لقد كان بودنا أن يعقد هذا المهرجان في ظروف عربية مرضية، وهذا ما دعانا إلى تأجيله عدة مرات». كاشفًا عن جرح مفتوح، مذكّرًا أن مؤتمر ابن رشد لا يُعقد في فراغ، بل في قلب عاصفة الانكسارات العربية والتخلف والانقسام. وقيّم التراث العربي بين «تراث ما قبل الانحطاط» و«تراث ما بعده»، وتحدث عن «جراثيم الانحطاط» التي تسربت إلى ربوع البلاد العربية. هذا التعبير العضوي الخطير يعني أن المرض لم يعد خارجيًا، بل أصبح كائنًا حيًا يتكاثر في الداخل. في هذه اللحظة، ينتقل ابن رشد من كونه فيلسوفًا يُحتفى به إلى كونه الترياق المضاد لتلك الجراثيم، داعيًا إلى مقاييس صارمة جبارة لاسترجاع التراث الصحيح ، ومعددًا هذه المقاييس كأنه يصوغ بيانًا تأسيسيًا لمدرسة فكرية جديدة: «التواضع والتقويم السديد والجهود الخلاقة، والرؤية العميقة والنقد الصريح والمنهاجية المحكمة المنتظمة على الحقيقة، والنفور من كل ما هو مبهم ومزيف». كل كلمة هنا موجهة ضد آفة معينة: التواضع ضد الغرور، النقد الصريح ضد المجاملة، النفور من المبهم ضد الخطاب الإنشائي الذي يملأ الدنيا ضجيجًا ولا يقدم معرفة. فالمفارقة التاريخية تكمن في أن ابن رشد ورثه عنا غيرنا في الغرب وتجاهلناه إلى عهد قريب.

خطاب إبراهيم بيومي مدكور والتأسيس العلمي لاستعادة العقل

إذا كان خطاب الأشرف هو «البيان السياسي-الفلسفي» الذي حدد الهدف، فإن كلمة الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، رئيس اللجنة التحضيرية، كانت الوثيقة العلمية التأسيسية التي وضعت الإطار المعرفي لهذا الهدف. جاء خطابه ليجيب عن سؤال أساسي: من هو ابن رشد الذي نستدعيه إلى الخندق؟ وما هي أبعاده التي تجعله جديرًا بهذا الاستدعاء؟

بدأ مدكور من الخاص إلى العام، من المحلي إلى الكوني: «ابن رشد، فيلسوف المغرب غير منازع، نشأ في الأندلس، وشب فيها وترعرع». بهذا قطع الطريق على أي محاولة لاختطاف ابن رشد من سياقه الحضاري. إنه «مغربي مولدًا ووطنًا، تعليمًا وتثقيفًا، حياة وإقامة». لكنه في اللحظة نفسها انتقل إلى البعد العالمي: «أما ابن رشد في تاريخ الفكر الإنساني فحقبة من القول وعلم من الأعلام؛ فهو الخاص الذي صار كونيًا، والمحلي الذي صار إنسانيًا»

قدم مدكور ابن رشد كعقل موسوعي "هو في الفقه مشرع وإمام"، مستشهداً بكتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد". وتتبعه كطبيب: "أطب للناس وعالج، وكان طبيب الخليفة يوماً"، منوهاً بكتابه "الكليات". وتتبعه كسياسي ومجتمعي، مشيراً إلى رأيه السابق لعصره في حقوق المرأة: "يرى... أن من حقها أن تشارك في أعباء الحياة داخل البيت وخارجه، وهذا ما لم تصل إليه بعد تماماً امرأة القرن العشرين". كان مدكور يرسم ابن رشد في صورة المثقف العضوي الذي يغمس يديه في كل شأن من شؤون مجتمعه.

لم يكتفِ مفكرنا بالقول إن الغرب "ورثه عنا"، بل قدم تفصيلاً علمياً دقيقاً: "ترجمت كتبه إلى اللاتينية ولما يمض نصف قرن على وفاته... ويبلغ عددها نحو 38 شرحاً". وتحدث عن أثره في الفلسفة المدرسية، وفي الفكر اليهودي، وفي جامعات شمال إيطاليا حيث "تعتبر جامعة بادوا القلعة الكبرى التي عمر فيها المذهب الرشدي حتى القرن السابع عشر". بل ذهب أبعد إلى أثره في الفن: "لابن رشد أثر واضح في فن التصوير الإيطالي في القرن الرابع عشر والخامس عشر، وفي متاحف أوربا وكنائسها صور معبرة أوحى بها الفيلسوف الإسلامي".

بهذا السرد العلمي الرصين، حوّل مدكور "الفاجعة" التي شخصها الأشرف إلى شهادة ميلاد عالمية. لم يعد الأمر مجرد حسرة على ضياع التراث، بل صار اعترافاً بقيمته الاستثنائية التي أدركها الآخر قبلنا. وختم بدعوة عملية ما زالت تنتظر الاستجابة: "ابن رشد جدير بأن تكون لجنة باسمه لإخراج ما لم يسبق إخراجه من مؤلفاته".

خريطة المعركة الفكرية الأبحاث الخمس والثلاثون

البحوث الـ35 التي قُدمت في ذلك الملتقى تكشف عن الخطة العملياتية لتحقيق هذا الهدف. لم تكن هذه الأبحاث إضافات أكاديمية إلى "المكتبة الرشدية"، بل كانت أشبه بـ ورشة عمل فكرية ضخمة، توزعت فيها المهام على خمس جبهات قتالية متكاملة.

الجبهة الأولى: تفعيل المنهج. حمل لوائها باحثون رأوا في ابن رشد صانع منهج لا مجرد صاحب آراء. قدم الدكتور محمد عاطف العراقي بحثاً استراتيجياً بعنوان "المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد". وتوزعت جهود ماجد فخري ومحمد كامل عياد بين "فلسفة ابن رشد الأخلاقية" و"تأثير ابن رشد على مر العصور". فيما ذهب عبد الحميد صبرة إلى قلب العلم الرشدي ببحثه "ابن رشد وموقفه من فلك بطليموس"، مبرزاً أنه لم يكن ناقلاً بل ناقداً ومصححاً.

الجبهة الثانية: فك الاشتباك بين العقل والدين. كانت هذه هي المعركة الأم. حمل الدكتور محمد أمان بن علي العنوان المباشر: "العقل والنقل عند ابن رشد". واشتبك البير نصري نادر مع "مذهب الحقيقتين عند ابن رشد". وتقاسم الدكتور جلال محمد موسى والأستاذ أحمد محمد جلي السؤال نفسه: العلاقة بين الدين والفلسفة. وكان وجود باحثين من خلفيات عقدية مختلفة على المنصة نفسها تطبيقاً عملياً لـ"المنهاجية المحكمة" التي دعا إليها الأشرف.

الجبهة الثالثة: الالتصاق بالواقع. هي التي استجابت مباشرة لنداء "النزول إلى الخندق". قدم الدكتور عمار طالبي بحثاً استراتيجياً هو "النظرية السياسية عند ابن رشد". وقدم الدكتور غانم الهنا "المجتمع في نظر ابن رشد". وفي لحظة جزائرية خالصة، ربط الدكتور السعيد شيبان الماضي بالحاضر في بحثه: "من طب ابن رشد إلى طب عبد الرزاق ابن حمدوش الجزائري".

الجبهة الرابعة: استعادة المكانة في الفكر العالمي. هي الرد العلمي على مقولة "ورثه عنا غيرنا". سأل الفرنسي لويس جاردييه سؤال الأصالة في "أصالة ابن رشد"، وتبعه مواطنه جون جوليفيه بـ "أصالة ابن رشد بالنسبة لأرسطو". فيما قدمت الإيطالية فرنشيسكا لوكيتا بحثها "الرشدية البادوانية" ناقلة المعركة إلى قلب أوروبا.

الجبهة الخامسة: ترسيخ القيم والمعرفة. لبناء الإنسان الجديد، قدم الدكتور عبد الرحمن بيصار "وحدة الكون العقلية في الإطار العام لفلسفة ابن رشد". وبحث الدكتور الربيع ميمون عن "القيم السائدة في فكر ابن رشد". واختُتمت هذه الجبهة بعنوان لافت لممثل فلسطين: "ابن رشد ذروة تطور حضاري وفلسفي"، ليؤكد أن استعادة العقل جزء من معركة التحرر.

هندسة الأيام وآلة الزمن الفكرية

إذا كانت الأبحاث هي الذخيرة، فإن البرنامج الزمني (4-9 نوفمبر) كان هندسة تنفيذية صُممت لتحويل الأفكار إلى فعل. لا شيء تُرك للصدفة.

اليوم الأول: البدء من القاعدة. بعد الافتتاحيات، انطلق العمل بجلسة عن "حياة ابن رشد ومؤلفاته". كان هذا تأسيساً ضرورياً: قبل أن نسأل ماذا تعني أفكاره، يجب أن نعرف من هو الرجل وماذا ترك لنا.

اليومان الثاني والثالث (5-6 نوفمبر): "ابن رشد الفيلسوف". هنا استُخرجت الأدوات. في يوم واحد، اجتمع العقل العلمي الناقد (صبرة)، والعقل الفلسفي المجرد (جومث)، والعقل السياسي الواقعي (طالبي). ثم في اليوم التالي، استُكملت الجبهة بأبحاث عن الجدل (بترورث)، والأخلاق (فخري)، والمجتمع (الهنا).

مساء 6 نوفمبر: الانعطافة الكبرى. في أخطر لحظات البرنامج، عُقدت "ندوة عامة عن حاضر الفلسفة في العالم العربي". كانت هذه هي الجسر الذي منع المؤتمر من أن يصبح نادياً لمحبي التراث. بعد أن شُحن الحضور بطاقة ابن رشد، طُلب منهم توجيه هذه الطاقة إلى تشخيص واقعهم الراهن. إنها الترجمة العملية لصرخة الأشرف.

اليوم الرابع (7 نوفمبر): "الفلسفة والدين". بعد الندوة، أصبح الجمع جاهزاً لدخول المنطقة الأكثر حساسية. اجتمع باحثون من تونس والجزائر وإسبانيا وسوريا لتغطية الإشكال الأعقد من زواياه كافة: المعتزلة (بوعمران)، علوم الشريعة (مزيان)، مفهوم الثنائية (هرنانديث)، الطب (حمارنة وشيبان). لقد أثبت المؤتمر عملياً أن الحديث عن الدين والفلسفة معاً ممكن إذا توفرت "المنهاجية المحكمة".

اليوم الخامس (8 نوفمبر): "ابن رشد في الفكر الإنساني". فُتح الأفق على العالمية. انتقل المؤتمر من قرطبة إلى بادوفا إلى باريس، عبر أبحاث محمد كامل عياد (التأثير عبر العصور)، والعالمَين الأوروبيين أوتراي ونادر (تحقيق النصوص والرشديين اللاتين)، والفنوشي (ابن رشد وابن سينا وديكارت).

اليوم السادس (9 نوفمبر): الجلسة الختامية. صدر "التقرير النهائي والتوصيات". لم تكن هذه نهاية بيروقراطية، بل اعترافاً رسمياً بأن مهمة المؤتمر لم تنته، بل بدأت. التوصيات هي الوعد الذي قطعه المجتمعون بتحويل الكلمات إلى أفعال.

مؤتمر 1978 واستعادة إمكانية أن نكون

لم تستعد الجزائر في نوفمبر 1978 ابن رشد. لقد استعادت شيئاً أكبر: إمكانية أن يكون الفكر العربي فاعلاً في تاريخه، لا مجرد متعلق بأمجاد ماضيه أو تابع لإنتاج غيره.

الدرس الأعظم الذي يخرج به القارئ العربي اليوم من ذلك المؤتمر ليس أن ابن رشد كان عظيماً، فهذا يعرفه الجميع. وليس أن الجزائر نظمت حدثاً جميلاً، فهذا تاريخ يُروى. الدرس هو أن مؤتمر 1978 برهن على إمكانية الفعل. برهن على أن استعادة العقل ليست شعاراً للخطب، بل هي مشروع يمكن تخطيطه، وهندسته، وتنفيذه. لقد أثبتت الجزائر، في تلك اللحظة التاريخية، أنه حين تتوفر الإرادة السياسية الصادقة (الأشرف)، وحين يُستدعى العالم الموسوعي (مدكور)، وحين تُجند النخبة الحقيقية (الباحثون الخمسة والثلاثون)، وحين يُصمم البرنامج كآلة لإنتاج المعنى لا لاستهلاكه، يمكن للعقل أن يخرج من المتحف وأن ينزل إلى الخندق.

في زمننا هذا، الذي يعج بالتشويش والاستقطاب والانكسار، لا نحتاج إلى "مؤتمر آخر عن ابن رشد". نحتاج إلى سياسة ثقافية رشدية. نحتاج إلى من يجرؤ على أن يفعل ما فعله الأشرف: أن يقف أمام النخبة ويقول لهم بصراحة: واقعنا غير مَرَضي، ومهمتكم ليست مدح الأموات، بل إنقاذ الأحياء. نحتاج إلى من يحول المؤتمرات من مناسبات إلى مشاريع، ومن احتفاءات إلى ورشات.

***

الأستاذ: عمرون علي

في عالَمٍ يتسارع إيقاعه على نحو غير مسبوق، لَم يعد الإنسانُ يواجه تحديات تقليدية يمكن التنبؤ بها، بل أصبح في قلب تحولات عميقة تضرب جُذورَ الوعي والهُوِيَّة والمعنى.

هذه الحالةُ التي يمكن وصفها بـ " صدمة المُستقبَل" لَيست مُجرَّد مُصطلح عابر، بل هي تجربة إنسانية مُركَّبة، تَنَبَّهَ إلَيها الأدباء بِطُرُق مختلفة، مِن بَينهم الروائي الموريتاني موسى ولد إبنو (وُلد 1956 م)، والروائي الإنجليزي ألدوس هكسلي (1894 م - 1963 م).

وعلى الرغم من اختلاف السياقات الثقافية والفكرية لكلٍّ منهما، إلا أنَّ كِلَيهما التقطَ بِعُمقٍ ملامحَ هذا الاضطراب الحضاري الذي يُهدِّد توازنَ الإنسان.

يُشير مفهومُ " صَدمة المُستقبَل " إلى تلك الحالة التي يعجز فيها الإنسانُ عن التكيُّف معَ التغيراتِ المُتسارعة في التكنولوجيا، والقيم، وأنماط الحياة.

يَطرح ولد إبنو رؤيةً نقدية لعالَم فَقَدَ مرجعياته، حيث لَم تعد المعايير واضحة، ولا الثوابت مُستقرة. الإنسانُ هُنا يعيش في حالة تيه مَعرفي، تتفكك فيها البُوصلة الأخلاقية أمام سَيل من المعلومات والاختيارات.

أمَّا هكسلي، فقد رسم ملامح مُجتمع مستقبلي يبدو في ظاهره مثاليًّا، لكنَّه في حقيقته يَسلب الإنسانَ إنسانيته. وبدلًا من القهر المباشر، يتمُّ إخضاع الإنسان عبر اللذة، والتكييفِ النَّفْسي، والاستهلاكِ المُفْرِط. هُنا، تُصبح الصدمة أكثر خطورة، لأنها لا تُدرَك بسهولة.

يَرى ولد إبنو أن التكنولوجيا لَيست مُحايدة، بلْ تَحمل في طَيَّاتها أنماطًا جديدة من الهَيمنة، فهي تعيد تشكيلَ الإنسان وفق منطق السرعة والإنتاج والاستهلاك، مِمَّا يؤدي إلى تآكل العُمق الإنساني . الإنسانُ المُعاصر لَم يعد يفكر بِبُطء، ولَم يعد يتأمَّل، بل أصبحَ يعيش على سطح الأحداث. هكسلي بِدَوره قدَّم تصوُّرًا أكثر راديكالية، حيث تُصبح التكنولوجيا أداة لضبط المجتمع بالكامل. يتمُّ التحكُّم بالبشر مُنذ ولادتهم، ويُبَرْمَجُون لِيَقْبلوا أدوارَهم دُون اعتراض. والناسُ سُعَداء بوضعهم، أو هكذا يُخيَّل إلَيهم.

أحدُ أخطر أوجه صَدمة المُستقبَل هو فِقدان المعنى. يُشير ولد إبنو إلى أن الإنسان العربي، على وجه الخُصوص، يعيش صِراعًا مُزْدَوَجًا، بَيْن ماضٍ لَم يعد قادرًا على الإجابة، وحاضرٍ مُسْتَوْرَد لا ينتمي إلَيه بالكامل. هذه الازدواجية تُولِّد حالةً من الاغتراب العميق.

أمَّا هكسلي، فيرى أنَّ فِقدان المعنى لَيس نتيجة الصراع، بلْ نتيجة الرضا الزائف. حِينَ يتمُّ إغراق الإنسان في المُتع السطحية، يفقد قُدرته على طرح الأسئلة الكُبرى، ولا يعود يبحث عن الحقيقة، لأنه مشغول باللذة.

لا يُقَدِّم الكاتبان حُلولًا سهلة. لكنَّهما يُلمِّحان إلى ضرورة استعادة الإنسان لِوَعْيه النقدي. ولد إبنو يدعو إلى إعادة بناء المرجعيات الفكرية، والانفتاحِ الواعي على الحداثة دون الذوبان فيها. وهكسلي يُحذِّر من الاستسلام للراحة المُطْلقة، ويدعو _ بشكل ضِمني _ إلى الدفاع عن الحرية، حتى لَوْ كانت مؤلمة.

صدمةُ المُستقبَل لَيست واقعًا حتميًّا، لكنَّها نتيجة خيارات بشرية. بين رؤية ولد إبنو النقدية، وتحذيراتِ هكسلي الاستشرافية، يجد الإنسانُ نَفْسَه أمام مِرآة تعكس الواقعَ بوضوح مؤلم. السؤالُ الحقيقي لَيس: ماذا سيحدث في المستقبل؟، بل: هلْ نحن مُستعدون لفهمه، ومواجهته، دُون أن نفقد هُويتنا وإنسانيتنا؟.

تتجلى المُفَارَقة الصارخة بين ولد إبنو وهكسلي في طبيعة السجن الذي ينتظر البشريةَ. ولد إبنو في" مدينة الرياح" (1996) قَدَّمَ سِجنًا رهيبًا قِوامه التيه والذاكرة المفقودة، حيث يغدو المُستقبَل رمالًا متحركة تبتلع الهُوِيَّةَ والأمسَ.بَينما شَيَّدَ هكسلي في"عالَم جديد شجاع" (1932) سِجنًا مِن المادَّة واللذة، حيث يُسيطر العِلْمُ على البشر، وتختفي المشاعر، ويقوم النظامُ بالسيطرة على الناس من خلال المُخَدِّرَات، والسيطرةِ على التكاثر من خِلال إنتاج أطفال مُحَدَّدِي الوظائف والرغبات، في مُجتمع الكُلُّ فيه سعيد، لكنَّه معدوم الحرية.

المُقارَنةُ بَيْنَ الكاتبَيْن تكشف عن وجهَيْن لِعُملة واحدة لـ " صَدمة المُستقبَل". ولد إبنو يُحذِّر من مُستقبَل فارغ حَد العدمية، يتلاشى فيها الحد الفاصل بين الواقع والخيال. وهكسلي يُحذِّر من مُستقبَل ممتلئ حد الاختناق بالاستهلاكِ والآلِيَّة.

إنَّ صَدمة المُستقبَل لَيست مُجرَّد مفهوم يرتبط بتسارع الزمن التقني، بلْ هي حالة وجودية ومعرفية تُعيد تشكيلَ الإنسان من الداخل، وتدفعه إلى مُراجعة علاقته بالقِيَم والهُوِيَّةِ والمعنى. وإذا كان هكسلي قد صاغَ في رؤيته الكابوسية عَالَمًا تُهيمن عليه التقنية والاستهلاك، وتذوب فيه الإرادةُ الفردية تحت سُلطة النظام، فإنَّ ولد إبنو قَدْ قَدَّمَ من داخل السياق العربي تَصَوُّرًا نقديًّا لا يقلُّ عُمقًا، حيث تتحوَّل الحداثةُ المُتسارعة إلى قوة ضاغطة تُهدِّد التوازنَ الرُّوحي والثقافي للإنسان.

كِلاهُما يُنبِّه إلى خطر الانفصال بين التقدُّم المادي والنُّضْجِ الإنساني، ويُشير إلى أنَّ المُستقبَل حِينَ يُبْنَى على العقلِ الأداتي وحده يُفْضي إلى اغترابِ الإنسان عن ذاته وقِيَمِه.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تحولات الفكر اللساني بين التراث والحداثة

لم يكن تطوّرُ اللسانيات الحديثة حدثًا معزولاً عن التراث اللغوي الإنساني، بل جاء نتيجةَ تراكماتٍ معرفيةٍ طويلة بدأت منذ التأملات الأولى في اللغة، وبلغت ذروتها في التحولات الإبستمولوجية الكبرى التي شهدها القرن العشرون. وإذا كان النحو التوليدي التحويلي قد أعاد الاعتبار إلى العقل بوصفه منشأ اللغة ومركزها، فإنّ هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن علومٍ تأسيسيةٍ كعلم الأصوات، وفقه اللغة، والدرس النحوي العربي القديم، الذي سبق كثيرًا من التصورات الحديثة في دقّته ومنهجيته.

لقد أدرك العربُ مبكراً أن اللغة ليست ألفاظاً متجاورة، بل كيانٌ حيّ تتداخل فيه الأصوات والبنى والدلالات والسياقات النفسية والاجتماعية. ولذلك نشأت علومٌ متكاملة لخدمة العربية، لم تكن مجرد أدواتٍ تعليمية، بل مشاريع فكرية كبرى هدفت إلى فهم طبيعة اللغة وآليات اشتغالها.

علم الأصوات: الموسيقى الخفية للغة:

يُعدّ علم الأصوات من أعمق فروع اللسانيات؛ لأنه يتعامل مع المادة الأولى للكلام: الصوت. فاللغة قبل أن تُكتب كانت تُسمع، وقبل أن تتحوّل إلى قواعد كانت ذبذباتٍ ونبراتٍ ومخارجَ وإيقاعات.

وقد بلغ علماء العربية في هذا المجال منزلةً رفيعة سبقت كثيراً من الدراسات الغربية الحديثة. فقد قدّم الخليل بن أحمد الفراهيدي رؤيةً صوتية دقيقة حين رتّب الحروف وفق مخارجها في «معجم العين»، مبتدئًا بحرف العين لكونه أعمق الحروف مخرجاً. ولم يكن هذا الترتيب اعتباطيّاً، بل قائماً على وعيٍ فيزيائي وصوتي مذهل لطبيعة الجهاز النطقي.

ثم جاء سيبويه ليفصّل الحديث عن صفات الأصوات ومخارجها وصفاً علميّاً دقيقاً، حتى عدّه بعض الباحثين المعاصرين مؤسساً مبكراً للفونيتيك العربي. فقد تحدّث عن الجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والإطباق والانفتاح، وهي مفاهيم ما تزال مركزية في علم الأصوات الحديث.

أما ابن جني فقد ارتقى بعلم الأصوات من الوصف الفيزيائي إلى التأمل الفلسفي، حين رأى أن هناك علاقةً خفيّة بين الصوت والمعنى، وأن الأصوات ليست محايدة بالكامل، بل تحمل طاقةً إيحائية. ولذلك قال عبارته الشهيرة: «تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني»، في إشارة إلى التناسب بين البنية الصوتية والدلالة النفسية.

ومن هنا، لم يعد الصوت عنصراً شكليّاً، بل أصبح حاملاً للإيقاع والانفعال والدلالة، وهو ما سيستثمره لاحقاً علم اللسانيات الحديث، ولا سيما في الدراسات الفونولوجية والبنيوية.

فقه اللغة: اللغة بوصفها ذاكرة الحضارة

إذا كان علم الأصوات يبحث في المادة السمعية للغة، فإن فقه اللغة يتجاوز ذلك إلى دراسة تاريخ الألفاظ، وتحول الدلالات، والعلاقات الحضارية والثقافية التي تُنتج اللغة وتعيد تشكيلها.

وقد أدرك فقهاء العربية أن اللغة ليست معجماً جامداً، بل كائنٌ تاريخيّ ينمو ويتغيّر ويتفاعل مع المجتمع والفكر والدين والسياسة. ولذلك جاءت مؤلفات مثل «الخصائص» لابن جني، و«الصاحبي» لـ ابن فارس، و«فقه اللغة» لـ الثعالبي لتؤسس رؤيةً عميقةً لطبيعة العربية وعبقريتها التعبيرية.

وقد رأى ابن فارس أن للعربية «مقاييس» وأصولاً تنتظم فيها الكلمات، وأن الاشتقاق ليس مجرد توليد صرفي، بل نظام فكري يكشف ترابط المعاني. أمّا الثعالبي فقد أبرز ثراء العربية المذهل في التعبير عن الفروق الدقيقة بين الأشياء، حتى بدت اللغة عنده مرآةً دقيقةً للحياة العربية ووعيها الثقافي.

وهنا تتجلّى أهمية فقه اللغة في اللسانيات الحديثة؛ إذ إنه يربط اللغة بالسياق الحضاري والإنساني، فلا يدرس البنية معزولةً عن التاريخ والثقافة والوعي الجمعي.

المدرسة البصرية: صرامة العقل وبناء القياس

مثّلت المدرسة البصرية أعظم مشروع عقلي في تاريخ النحو العربي، وقد قامت على الدقّة المنهجية والاحتكام إلى القياس العقلي الصارم. وكان روّادها يسعون إلى بناء نظام نحوي متماسك يُفسّر الظواهر اللغوية ضمن قواعد عامة.

ويأتي في مقدمة هؤلاء سيبويه، الذي لم يكن مجرد نحوي، بل فيلسوف لغة بالمعنى العميق. فقد نظر إلى اللغة باعتبارها نظاماً تحكمه العلاقات والعوامل، وربط بين الوظيفة النحوية والمعنى الدلالي.

كما أسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي في تأسيس المنهج الاستقرائي، حين جمع اللغة من أفواه العرب، ثم استنبط منها القواعد والأوزان. وقد كان الخليل سابقاً لعصره في نظرته الرياضية إلى اللغة، ويكفي أنه أسّس علم العروض وفق نظام إيقاعي بالغ الدقة.

لقد آمن البصريون بأن اللغة نظامٌ منطقيّ، وأن الشاذ لا يُقاس عليه، ولذلك غلب على منهجهم الطابع العقلي التحليلي.

المدرسة الكوفية: مرونة السماع واتساع اللغة

في مقابل الصرامة البصرية، جاءت المدرسة الكوفية أكثر مرونةً وانفتاحاً على الاستعمال اللغوي. فقد اعتمد الكوفيون على السماع، وقبلوا كثيراً من الظواهر التي رفضها البصريون بدعوى الشذوذ.

وكان من أعلامهم الكسائي والفراء، اللذان وسّعا دائرة الاحتجاج اللغوي، وأدخلا القراءات القرآنية واللهجات العربية في صلب التحليل النحوي.

وقد أدرك الكوفيون أن اللغة أوسع من أن تُختزل في منطقٍ صارم، وأن الاستعمال الحيّ جزءٌ من شرعية القاعدة. ومن هنا جاءت مرونتهم في التأويل والإعراب.

بين التراث واللسانيات الحديثة

إنّ التأمل العميق في التراث اللغوي العربي يكشف أن كثيراً من القضايا التي ناقشتها اللسانيات الحديثة كانت مطروحةً بشكلٍ أو بآخر عند علماء العربية. فقد بحثوا في العلاقة بين اللفظ والمعنى، والصوت والدلالة، والبنية والاستعمال، والعقل واللغة.

وحين جاء النحو التوليدي التحويلي مع نعوم تشومسكي، أعاد طرح سؤال الكفاءة اللغوية والبنية العميقة، وهو سؤال يلتقي — من حيث الجوهر — مع اهتمام النحاة العرب بالعامل، والتقدير، والعلاقات الخفية داخل الجملة.

لكن الفرق الجوهري أن اللسانيات الحديثة استعانت بالرياضيات والمنطق والعلوم المعرفية، بينما ظلّ التراث العربي يتحرك ضمن أفقٍ فلسفي وبلاغي ولغوي خاص.

خاتمة:

إنّ التحولات الإبستمولوجية في اللسانيات لم تكن قطيعةً كاملة مع الماضي، بل إعادةَ بناءٍ متواصلة لفهم اللغة والإنسان. فاللغة ليست أصواتاً فقط، ولا قواعد فقط، ولا بنيةً ذهنية فقط؛ إنها الوعاء الذي تتشكّل فيه الرؤية إلى العالم.

ولذلك ظلّ علم الأصوات يكشف موسيقى اللغة الخفية، وظلّ فقه اللغة يربط الألفاظ بتاريخ الحضارات، بينما واصل النحو  قديمه وحديثه، البحثَ في القوانين التي تنظّم العلاقة بين الفكر والتعبير. وهكذا تتجلّى العربية، في تراثها اللساني العريق، لا بوصفها لغةً فحسب، بل مشروعاً معرفيّاً وإنسانيّاً بالغ العمق والثراء.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

 

الخطاب والعنف

الشيء المؤكد اليوم، أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام 1928 في مدينة الإسماعيلية في مصر. هي البداية الحقيقة لما يعرف اليوم باسم الإسلام السياسي. أي بداية القول في العصر الحديث، وعند "أهل السنة والجماعة " أن الدولة ركن من أركان الدين، وبالتالي فإن الدولة والسلطة والإمامة هي من الأصول وليس من الفروع، بينما من المعروف أن هذا المبدأ هو من المبادئ المركزية عند الشيّعة. كما تجدر الإشارة إلى أنه من رحم هذه الجماعة- الأم، ولدت كل جماعات وحركات الإسلام السياسي في القرن العشرين، ومن كهف الإسلام السياسي خرجت كل التنظيمات المسلحة التي أطلقت الرصاص على الجميع، تنظيمات مثل التنظيم المعروف إعلاميًا باسم "التكفير والهجرة " بزعامة شكري مصطفى وتنظيم الفنية العسكرية بقيادة الفلسطيني صالح سرية وتنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية وغيرها وغيرها من الجماعات والتنظيمات، هذه الجماعات التكفيرية والتي أعلنت عن نفسها بعمليات استعراضية في السبعينيات والثمانينيات، رافعة راية الجهاد ليس فيدار الحرب هذه المرة، بل في دار الإسلام، بدعوى " جاهلية القرن العشرين " وفي مواجهة الحكام " الطاغوت ". وما يلاحظ أنه مع مرور الوقت، ارتفع منسوب القتل ضد كل الشرائح والفئات والطبقات، بالتوازي مع ارتفاع منسوب التطرف، وفي نفس الوقت مع إزدياد معدلات الفقر والارتفاع المفزع لنسب الأمية في المجتمعات العربية وانهيار النظام التعليمي، مع الإشارة إلى أن كل ذلك، كان يجري في مناخ سياسي قامع للحريات وفي ظل دولة سلطية، دولة المستبد غير العادل. ومن نافلة القول، أن العنف هو نتاج إيديولوجية متطرفة، والإرهاب تعبير عن هذه الإيديولوجية، وخطاب العنف يعكس فكر يعتقد بإمتلاك الحقيقة المطلقة. ولهذا لم تتوانى جماعات الإسلام السياسي وكافة التيارات السياسية/الدينية في الإنتقال من مرحلة الدعوة الى مرحلة أعلى هي الإرهاب، والدخول في صراع قاتل مع القوى السياسة الوطنية. كما وضعت نفسها في مواجهة غير مبررة مع العصر، ليس هذا فحسب، بل وسوَّغت لنفسها ممارسة العنف المُنفَلت من كل عُقال، وذلك بتوظيف ألفاظاً قرآنية، مثل الجهاد والقتال والغزو والطاغوت. ولقد كان العنف والعنف المضاد، بين التنظيمات المسلحة والأجهزة الأمنية، السبب الرئيس في وقوع تحولات سياسية، وفي ظهور تشققات إجتماعية عميقة، وتمزقات ثقافية شديدة الخطورة في جسم الدولة والمجتمع. وغني عن البيان القول أن ظهور الإسلام السياسي، قد شكَّل بالفعل وبالقوة تهديدًا للسلم الاجتماعي، وكان ومايزال خطرا على وحدة الأوطان وعلى النسيج الإجتماعي للمجتمعات. والجدير بالذكر، فإن الإسلام السياسي –فكرا وتنظيمًا - قد تكون في عشرينيات القرن الماضي، وتشكَّل في مرحلة ما بين الحربين. أي أنه ولد ونشأ وترعرع في حقبة حافلة بالتحولات السياسة والإجتماعية في العالم العربي، هذه التحولات رسمت خريطة الإيديولوجية العربية المعاصرة. ولسنا في حاجة للقول بأن العامل الخارجي قد لعب دورا كبيرا في نشأة الإسلام السياسي بسبب إزدياد شدة الإختراق الاستعماري/الإمبريالي، وما أحدثه هذا الاختراق من تفكك للبنى الاجتماعية / الثقافية. ومما لا شك فيه أن قرار إلغاء الخلافة كان بمثابة الرجة التي أفقدت النخب العربية/ الإسلامية توازنها، البعض رحب بالقرار وصفق للدولة الوطنية البازغة، والبعض الأخر لم يرحب بالقرار بل وعارض نظام الدولة الوطنية. وما يرتبط بها من مبادئ مثل الدستور والعقد الاجتماعي وما يتفرع عنهما من مرتكزات الفلسفة السياسية الحديثة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وكل ما يتعلق بالدولة الحديثة من نظم ومؤسسات سياسية وإدارية وأمنية.

و من أبرز من صدمهم قرار إلغاء الخلافة الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة" المنار "، وكان كتابه "الخلافة والإمامة العظمى" دليل قاطع على صدمة بدايات إنفصال السلطان عن القرآن، ومفارقة الخلافة للسلطنة. وعلى النقيض من ذلك، رحبت النخبة الليبرالية بالقرار، وكان منهم الشيخ علي عبد الرازق الذي أصدر كتاب " الإسلام وأصول الحكم" وقد شكل صداعا لدعاة عودة الخلافة كما أصاب في مقتل مقولة الإسلام دين ودولة. والحقيقة أن هذا الكتاب/ الحدث زعزع الكثير من اليقينيات والمعتقدات والقناعات التي كانت قد تحولت عند الكثيرين، ومع مرور الوقت إلى مسلمات غير قابلة للنقاش.

و لا يختلف إثنان على أن كتاب " الإسلام وأصول الحكم"، تميز بحس نقدي غير مسبوق، وبجرأة لم يسبق لها مثيل في الفكر العربي الحديث، إذ أعلن بوضوح أن دولة الخلافة هي دولة سلطانية تقوم على أساس القوة والغلبة، وليس على الرضا والقبول، كما كشف الطبيعة السياسية للسلطة والحكم في الإسلام، كما قدم براهين وأدلة شرعية على أن الدين الإسلامي يرفض هذا النظام السياسي السلطاني. ولا أحد يجادل بأن نشأة الإسلام السياسي، هو أحد مُخرجات إلغاء الخلافة العثمانية السنية، فقد أصيبت النخبة التقليدية بالصدمة وشعرت بالضياع بعد سقوط الخلافة، وكما ذكرنا سابقًا شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أحداثا عاصفة غيرت تماما ليس فقط الخريطة الجيو –السياسية، بل غيرت الخريطة الثقافية- الفكرية وأعادت ترتيب موازين القوى لصالح القوى الاجتماعية الجديدة. كانت الهزة الأكبر، أو إن صح التعبير مركز الزلزال هو السقوط المدوي للإمبراطورية العثمانية، بعد الهزيمة القاسية التي تعرضت لها في الحرب الكونية الأولى، والتي على إثرها قَضم الحلفاء الكثير من أراضي الدولة التركية، بل ووصل الأمر إلى حد دخول عاصمة الخلافة السنية، كما تم الإستيلاء على الولايات العربية التابعة لها على يد القوى الإستعمارية الكبرى آنذاك، بأسماء بها قدر كبير من المكر والخديعة، من قبيل الحماية والإنتداب، طبقًا لسياسات القوى الاستعمارية، وطبقا لإتفاقية سايكس/ بيكو عام 1916. والحقيقة التي لا نقاش فيها، أن علامات الإنهيار والسقوط كانت بادية منذ منتصف القرن التاسع، كما أن ملامح وسمات التفكك كانت لا تخطئها عين، كما لا ننسى أن أعراض المرض قد بدأت في الظهور منذ نهاية القرن الثامن عشر.

نهاية نظام الخلافة

وبعبارة أخرى، ما يسمى بالخلافة الإسلامية أو الإطار السياسي الجامع للمسلمين السنة، كانت في الهزيع الأخير من عمرها، مجرد هيكل بلا روح، وبتعبير مجازي أصح كانت عبارة عن جثة هامدة. وبالتالي كان هذا النوع من أنظمة الحكم المسمى بالخلافة، قد وصل إلى حالة متقدمة من التفكك والتفسخ والهزال، كان هذا الشكل للدولة المبنية على حكم العسكري والمتربعة على المساحة الجغرافية الواسعة، وبتركيبة ديموغرافية متنوعة تضم عشرات القوميات والطوائف والمذاهب، هذا النوع من النظام السياسي إنتهت مدة صلاحيته، ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا النظام السياسي كان في حكم الميت، بعد أن تجاوزته الأحداث، ولم يعد يتماشى مع العصر ولا يستطيع مجاراة نموذج الدولة الحديثة، أي الدولة- الأمة. وبعد الهزيمة القاسية في الحرب العالمية الأولى، كان لا بد على السلطة العسكرية الجديدة من إتخاذ قرارات تناسب التطورات السياسية. وأهم هذه القرارات التي مهدت الطريق للدولة الوطنية التركية العلمانية، القرار الصادر يوم 4 نوفمبر 1922 عن الجمعية الوطنية التركية القاضي بفصل السلطنة عن الخلافة. ولا مراء في أن هذا القرار هو قرار تاريخي جريء بكل المقاييس، كان بمثابة الضربة القاضية لما يسمى بالخلافة، وذلك بعد ثلاثة عشر قرنًا من وجود هذا النظام السياسي/السلطاني الذي تشكل في سقيفة بني ساعدة، وكان يجمع بين السلطان والقرآن، بين المصحف والسيف، وبعبارة أوضح، بين الدين والدولة. وثمة ملاحظة في هذه الصدد وهي أن السلطان في عهد الخلفاء الراشدين كان في خدمة الدين، لكن منذ انقلاب الخلافة إلى ملك وراثي عَضُّوض، صار القرآن في خدمة السلطان، أي صار في خدمة الملوك والسلاطين والأمراء. منذ قيام الدولة الأموية. وإذا شئنا الدقة نقول، أن هذا قرار الفصل من حيث اللغة والأسلوب والديباجة، جاء ليس فقط ليبرر خطوة الفصل بين السلطنة والخلافة ولكن ليقدم المُبررات الدينية/الشرعية للخطوة الأكبر والقرار الأهم وهو إلغاء الخلافة تمامًا ونهائيًا. وبالفعل صَدر القرار التاريخي الثاني وهو إلغاء الخلافة في اليوم الثاني عشر من شهر مارس عام 1924، وبذلك أُسدل الستار، على مرحلة تاريخية بأكملها. مرحلة النظام الإمبراطوري، تزامنت مع بداية نشأة نظام الدولة الوطنية في المنطقة العربية.

 وكان من الطبيعي أن يخلف قرار إلغاء الخلافة، ردود فعل متباينة بين السخط الشديد والترحيب الكبير، في العالم الإسلامي عامة وفي الوطن العربي خاصة، لكن من المؤكد أن الصدمة كانت قوية، إلى درجة أن البعض من ملوك العرب أنذاك، أراد استغلال الفرصة للترشح لمنصب الخلافة. ثم كان القرار التاريخي الثالث، المتمثل في إعلان قيام الجمهورية التركية الوطنية العلمانية الحديثة. 

ولكن وفي المقابل، ومن الأثار الإيجابية- إن صح هذا التعبير- لهذا القرارات، هي عودة السجَّالات الفكرية في قضية طالما شغلت الفكر الإسلامي في العصر الوسيط، وهو العلاقة بين الفقيه والسلطان، كما اشتعلت جذوة الجدال من جديد واستمر النقاش بين تيارات الإيديولوجيا العربية المعاصرة، حول دور الدين ووظيفته في الدولة الوطنية الناشئة، كما عاد السجّال إلى نقطة الصفر في قضايا الإسلام والغرب والتاريخ والتراث، ومسائل الفقه والاجتهاد والتجديد.

 وما يذكره التاريخ أن جذوة المناقشات إشتعل أوارها وإزدادت حدة النقاش مباشرة بعد القرارات الثلاث، والتي كانت صادمة للعقل الإسلامي، قرار الفصل بين الخلافة والسلطنة، وقرار إلغاء الخلافة، وقرار إعلان الجمهورية.

 وقد أنفق الفكر العربي/الإسلامي الكثير من الوقت والجهد في محاولة إستعادة الخلافة سواء بصيغتها القديمة أو بصيغتها المعدلة أو بأي صيغة أخر، ومن هذه المحاولات التي تنسب للإسلام الحزبي، محاولة حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني في القدس عام 1952 قائم على تحقيق هدف استراتيجي هو عودة الخلافة الإسلامية بأي شكل وبأية صيغة.

و مما يلفت الانتباه، أن قطاع واسع من الإسلاميين، من مازال يعتقد إعتقادًا راسخا بأن عودة الخلافة ضرورة حتمية، وما إعلان أبو بكر البغدادي من على منبر أحد مساجد الموصل عن قيام الدولة الإسلامية في الشام والعراق(داعش) عام، 2014 إلا دليل إثبات على ذلك.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي - الجزائر

 

«كل المثقفين هكذا.. يتفلسفون في كل مسألة، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟.. تأثيرهم صفر..». هكذا علق أحد القراء الأعزاء على مقالة الأسبوع الماضي، التي – لسوء الحظ – انتقدت التعميم، ولا سيما السلبي منه. والتعميم - كما أشرت - هو أن تأخذ انطباعاً عن شخص أو عدد من الأشخاص، ينتمون إلى فئة محددة، ثم تصدر حكماً على جميع أفراد تلك الفئة. مثال ذلك، أن ترى كاتباً أو بضعة كتاب يتفلسفون، أو يطيلون القول في مسائل بعينها، فتحكم بأن الكتَّاب كافة يفعلون الشيء نفسه، وأن هذا الفعل سيئ.

حسناً... هل يمكننا الخلاص من ظاهرة التعميم أو التنميط المتحيز، خصوصاً الذي ينطوي على محتوى سلبي أو معادٍ لفئات بأكملها؟

أشار مقال الأسبوع الماضي إلى شهادة الأديب الإنجليزي شارلز لامب الذي يقول: «أنا كتلة من التحيزات، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة». والحق، أن هذا هو وأنا وأنت. إنها سمة راسخة عند أغلب الناس، وربما جميعهم.

يبدأ التحيز بطريقة تنسيق المعلومات في ذهنك. مثلاً: حينما ترى سيارتين، ألمانية وصينية، فسوف تستدعي حكماً ذهنياً سبق تخزينه في ذاكرتك عن التكنولوجيا الألمانية والصينية، وسوف تنظر للأولى بوصفها أعلى وأقوى من الأخرى. تُرى... كيف عرفت أن السيارة التي أمامك تحمل الصفات المخزونة نفسها في ذاكرتك؟ لعل التي قدَّرت أنها أفضل، أقل من نظيرتها في الواقع.

هذا معروف لنا جميعاً. لكننا – مع ذلك – لا نلتفت للأحكام التي نصدرها على الناس والأشياء التي نصادفها كل يوم تقريباً، أعني أحكامنا المستمدة من قوالب في الذهن، وليس من ملاحظة عينية مباشرة للشخص أو الشيء الذي أمامنا.

التصنيف الذهني للمعلومات والأحكام نشاط عفوي، لا يمكن تفاديه. لكنه قابل للمراجعة والتحكم. وهكذا يمكن تصفيته بين حين وآخر، على ضوء ما نتوصل إليه من معلومات أو آراء جديدة، شرط أن يرغب الإنسان في المراجعة والتصحيح.

يصنف العقل ما يصله في قوالب (أو أدراج). فكلما وصلته معلومة مقاربة، أضافها إلى ذلك الدرج وختمها بطابعه.

وأذكر حادثة تشير إلى التنميط العفوي، حين ذهبت قبل سنوات إلى مدينة «حولّي» في الكويت، لزيارة صديق. فلم أعثر على مكانه، فعرضت العنوان على صاحب دكان هناك، فقال لي إن كان الذي تبحث عنه كويتياً، فلن تجده هنا مطلقاً. الكويتيون لا يسكنون هنا. وحين عثرت على الصديق في نهاية المطاف، قال لي إن هذا هو الانطباع العام فعلاً، مع أنه غير دقيق.

يتجسد التنميط في الحياة الاجتماعية، على شكل مَيلِ عام لدى الناس للتقارب مع من يشترك معهم في الثقافة أو الانتماء العرقي أو الديني، وكذلك الذين لديهم ذاكرة مشتركة، مثل زمالة دراسية أو مهنية... الخ. وحسب ملاحظة البروفسور غوردون البورت الذي أشرت في الأسبوع الماضي إلى كتابه «طبيعة التحيز»، فإن السلوك العام للبشر، هو انضمام الفرد إلى الجماعة التي يجمعه بها عدد أكبر من المشتركات الثقافية أو البيولوجية. في كل بقاع الأرض، يجتمع الناس مع أشباههم «يتزاوجون، يأكلون ويلعبون ويسكنون في تجمعات متجانسة». يميل الناس إلى أشباههم كي يستغنوا عن الجهد الضروري لصناعة علاقاتهم، وإعادة التفكير في سلوكهم، أو التصرف بتحفظ، لو كان المحيط من الغرباء.

هذا الميل الطبيعي يؤكد أن الإنسان يميل للاتجاه الذي يعرفه سابقاً، أو الذي قام بتعريفه سابقاً. وينطبق هذا على نظرته للناس والأشياء الذين يصادفهم للمرة الأولى.

إنْ وافقتني على هذا التحليل، فلا بد أنك تتساءل: ما دام التنميط سلوكاً طبيعياً عند البشر، فلماذا نشعر بالقلق، ولماذا نتحدث عنه كأمر غريب؟

الجواب هو الذي نعرفه جميعاً: ما نخشاه هو التنميط السلبي، الذي يجعلنا نصدر أحكاماً تنطوي على كراهية للآخرين، وتجعلنا نقف في صف أهل الكراهية، بدل أن نقف مع أهل المحبة، أليس كذلك؟

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

حتى لا نتوه في الديباجة، فالماضي الذي أرمي له هو بشقّيه، القريب وهو طفولتنا، والبعيد وتمثّله جيناتنا التي ورثناها من سلسلة أجدادنا المكثّفة.

ولربما الإجابة البديهية تبدو أن كليهما له دور فاعل لا يمكن نكرانه في تشكيل شخصياتنا، وتاليًا حيواتنا، وحينئذٍ نكون إزاء سؤال التفاصيل في استكْناه كلٍ منهما، لا غير، إلا أنّ هناك سؤالا أجلّ، ويقفز على نمط التفكير الثنائي بجرأة بالغة، ويمكن صَوغُ هذا السؤال على النحو الآتي: إذا كان ثمة مسؤول آخر عن تفاعلاتنا مع الحياة وطريقة استجابتنا من غير طفولتنا وجيناتنا، فماذا سيكون؟

قبل أن نلِج في خضمّ هذا السؤال المتمرد، خليقٌ بنا أن نسبر أغوار دورَي الطفولة والجينات في تشكيلنا، ولعل القاسم المشترك الكبير بينهما أنه لا دخل لنا البتة فيهما، إذْ إنّهما يمثلان عاملان خارجيان مستقلان عن إرادتنا، ويعبثان بنا كما يشاءان، فالجينات التي ورثناها لم تكن بمحض إرادةٍ منا أو اختيار، وإنما نحن نمثل حلقة متجسدة من تراكم الجينات ضمن حلقات سلسلة آبائنا، بامتيازاتها وقصورها، والطفولة وإن كانت في درجة أعلى قليلا من الوعي مقارنة بوراثة الجينات، غير أن هذا الوعي من الضآلة والمحدودية بحيث إنه لا يُلتفت إليه، فالطفولة القاسية والطفولة المدللة ليسا سيّان، والطفولة الملأى بالتقدير والدعم لا تشبه بأي حال من الأحوال طفولة خانقة تكسر مجاديف أي بوادر رائعة، وكلا العاملَين، الجينات والطفولة، شيءٌ مُنحنا إياها من غير قرار شخصي، وهي لا تنفكّ تهندس طريقة نظرتنا للحياة واستجابتنا لمختلف مواقفها.

فالجينات - تلك الشفرات المخبوءة في جوانحنا - تبرمج فينا أكثر من مجرد شكل أجسامنا وألواننا ومختلف تفاصيلنا الفسيولوجية، لتنسحب على استعدادنا الفطري للنزعة الهجومية والرغبة الحميمية، والعصبية الهوجاء، وحتى الإجرام الوحشي أو السماحة الساذجة، إلى آخر تلك الاستعدادات ما حسُن منها وماقبُح، فضلا عن تلك الجينات غير المفعّلة فينا، والتي تنتظر المثير الخارجي حتى يُدخلها في حيّز التنفيذ، وهذا يعني بكل جلاء أننا لا نولد على درجة واحدة من الاستعداد التكويني في قدراتنا وميولاتنا ورغباتنا، فنحن متفاوتون حدّ النخاع في اتجاهات أدمغتنا التي تمثل امتدادًا لموروث جيناتنا؛ ونتيجة لذلك فإنه من الطبيعي جدا أن تختلف استجابتنا للحياة، وبالتالي مآلات هذه الاستجابة، التي نبَعت في المقام الأول من إكراهات جبرية تكوينًا، لسنا مسؤولين عنها، ويشبه إلى حد ما نموذج ذكاء اصطناعي غُذّي ببرمجة محددة لا يخرج عنها، أقول هذا تقريبا للصورة ولا أعني المطابقة إطلاقا.

وإذا ما جئنا للطفولة، فنحن ندرك تمام الإدراك ما يردّده المختصون في خطورة ما نتعرّض له في مراحل حياتنا المبكّرة، من حيث إنه يطبع فينا عميقا ما يؤثر على بقية حياتنا، ولعلّ أقرب تمثيل ييسّر علينا تصوّر هذه الخطورة الجسيمة هو معجون الطين الطري الذي يسهل تشكيله ما دام مبتلا في بداياته، وما إن يمر عليه وقت حتى يَيْبس، فيزيد صلابة بتقادم الزمن، وحينئذٍ يصعب تغييره إلا بكسره! هذه الحساسية البالغة فيما تمثّله الطفولة من عامل كبير التأثير، والتي لا يتجاوز عددها في أوْج فاعليتها سنيننا الست الأولى! تنعكس ظلالُها على عقود حياتنا اللاحقة، ولك أن تتخيل نسبة ست سنوات فيمن عمره ستون سنة، في نظير ما تمثله من قوة قاهرة تُبرمِج سنينَ طوالًا نحو طريقة استجابة محددة، وعلى نحو دقيق يمكن القول إن الطفولة هي بداية تكرار لنمط استجابة مع مجريات الحياة، وكل تكرار لاحق يؤثر على ما يأتي بعده، وتزداد تغوّلا فينا، وهكذا دوالَيك.

لنأتِ الآن إلى محاولة وضع مقاربة معقولة لسؤالنا المحوري في هذا المقال الذي اصطفيناه في توطئة هذا المقال: إذا كان ثمة مسؤول آخر عن تفاعلاتنا مع الحياة وطريقة استجابتنا من غير طفولتنا وجيناتنا، فماذا سيكون؟ قبل أن أجيب دعوني بادئ ذي بدء أحدد موقع البحث عن هذا المسؤول الآخر! فإذا كانت الجينات والطفولة - كما أسلفتُ - تقبع في منطقة العوامل الخارجية التي ليس لنا فيها حرية إرادة إطلاقا، فماذا لو كان المسؤول الآخر المتمرّد على نمط التفكير الثنائي - هذا أو ذاك - لا ينتمي للعائلة نفسها! بل من سلالة مختلفة، سلالة إرادتنا الحرّة - مع تحفّظي على المعنى المطلق لمفهومي الإرادة والحرة - أقول: ماذا لو؟ إنه الإنسان الآخر!

الاحتكاك الاختياري بدوائر إنسانية مختارة، والارتماء في أحضان بيئات تفاعلية مصطفاة بعناية وسط بيئاتنا الكبيرة أو خارج أُطُرِها، وهو وإن كان عاملا خارجيا غير أنه يمثل قرارا شخصيا حرا، وهو بدوره يعيد إنتاجنا! وما هي إلا مسألة وقت حتى نجدنا أمام نسخة مختلفةٍ منا خارج امتداد ماضينا القريب منه والبعيد، تكسر سلسلة التكرار التي ولّدتها جيناتنا وطفولتنا.

إن التفاعل الإنساني مع الآخر المختار بمواصفات محددة تصقل طباعنا، وتهذّب طبيعتنا، وكما أن الحديد لا يفُلّ إلا الحديد، هكذا الإنسان، لا يكسر سطوة إكراهات جيناته وطفولته إلا تفاعله مع بيئات إنسانية مختارة بوعي، تعيد تشكيله وتنشئته وتبعثه خَلقًا جديدا.

ومع ذلك، يبقى الصراع حقيقة لا يمكن غضّ الطرف عنها بالمرّة، أعني الصراع بين العوامل التي ليس لنا يد فيها: الجينات والطفولة، وبين عامل الدوائر الإنسانية المختارة لنمارس معها تفاصيل حياتنا أو ما تبقى منها! ولكن على الأقل هي خطوة حازمة تتبعها خطوات في سبيل التحرر من أُسُر الماضي وأغلاله، وإن شئت فقل: إن خير مغيّر للإنسان هو إنسانٌ من بني جنسه، إنسانٌ مختار بمعايير توقظ فينا ما هو جميل، وتجتثّ منا ما هو رديء، يضيف لنا قيمة تستحق، ويجنبنا ما لا يليق بنسختنا الثائرة على موروث جيناتنا ومرحلة طفولتنا، لنلقي بنسختنا القديمة قربانا في مَذبح نسختنا المنشودة.

إنّ السردية التي لا تفتأُ تخبر بها نفسك، وتُمنّيها بأفضل نسخة منك تبدأ باتخاذ قرار واعٍ، وبحجم هذا القرار يتحدد مصيرك، ولأننا موجَّهون بعوامل خارجية منفلتة ومتفلّتة عن اختياراتنا؛ فمن الضرورة بمكان أن نتخذ لأنفسنا نهجا قوي الشكيمة، يخترق نفوذ تلكم العوامل، أحدها أو في صدارتها هو الإنسان الآخر الذي نختاره، فردا كان أم مجتمعا، ولكن من تجميعنا نحن واختيارنا نحن!

نعم، أنا وأنت ونحن لسنا إلا نتاج طفراتنا الجينية وامتدادات طفولتنا، ولكن حتى يأتي اليوم الذي نتخذ فيه قرارا واعيا بالتفكير مَليا فيمن نشاطره المرحلة القادمة من حياتنا؛ ومِن هنا تدرك أن مختلف العوامل المؤثّرة - مهما تضافرَت - لا تصلح أن تكون شمّاعة لإخفاقاتك ونسختك الحالية من نفسك التي لم تعد تريد أن تكونها.

***

محمـــد سيـــف - كاتب وباحث من سلطنة عمان

بين سكون الوعي وعنف الأسئلة المؤجّلة

في زمنٍ تُقاس فيه الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة لا استهلاكها، يغدو السؤال عن طبيعة الوعي العربي سؤالاً وجودياً لا ترفاً فكرياً. فبين تراكمٍ شكلي للمعارف وعجزٍ عن تفعيلها، تتكشّف أوهامٌ تُخفي فراغاً عميقاً في بنية العقل، وتؤجّل لحظة المواجهة مع الذات والتاريخ.

تبدو المعرفة، في سياقها الإنساني العميق، أكثر من مجرد تراكم معلومات أو استظهار نظريات؛ إنها، في جوهرها، فعل اقتحام للعالم، وتمزيق لحجب المألوف، وإعادة تركيب للوجود وفق منطق السؤال لا منطق الطمأنينة. ومن هنا، فإن أي حديث عن التفوق الحضاري لا يمكن فصله عن تلك الثنائية الحاسمة التي صاغها فرنسيس بيكون حين قرن المعرفة بالقوة، لا بوصفها ترفاً ذهنياً، بل باعتبارها أداة للهيمنة، ووسيلة لإعادة تشكيل العالم.

لقد أدرك الغرب، منذ انبثاق عصر النهضة، أن المعرفة ليست انعكاساً سلبياً للواقع، بل مشروعاً نشطاً للسيطرة عليه. ولم يكن انتقاله من الظلام السكولائي إلى أفق عصر التنوير مجرد تحوّل فكري، بل انقلاباً أنطولوجياً أعاد تعريف الإنسان بوصفه مركزاً للكون، لا تابعاً له. وهنا، تتبدّى أهمية التحولات التي دشّنها رينيه ديكارت حين زعزع يقين الحواس، وأعاد بناء المعرفة على أساس الشك المنهجي، فاتحاً بذلك الباب أمام عقلانية نقدية لا تقبل المسلّمات.

في المقابل، لم تكن المعرفة الغربية معزولة عن سياقها السياسي؛ بل ارتبطت عضوياً بتشكّل الدولة الحديثة، كما نظّر لذلك كارل شميت، حيث تماهت السيادة مع القدرة على إنتاج المعرفة وتنظيمها. ولم يغفل يورغن هابرماس هذا الترابط حين حلّل موقع الدين في المجال العام، مبرزاً أن الحداثة لم تلغِ المقدّس بقدر ما أعادت تأطيره ضمن بنية عقلانية تداولية.

إن الغرب، في بنيته المعرفية، لم يكتفِ بتفكيك الأسطورة، بل حوّل العالم إلى موضوع للفحص الدقيق: جغرافياً، لغوياً، أنثروبولوجياً. ومن هنا، نشأت تقاليد البحث، وأرشيفات المعرفة، ومراكز الدراسات التي لا تكتفي بوصف الآخر، بل تعمل على نمذجته، وإدخاله ضمن نسق قابل للفهم والتوظيف. المعرفة هنا ليست بريئة؛ إنها مشروع سلطة، لكنها سلطة مؤسسة على تراكم نقدي، وقدرة دائمة على مراجعة الذات.

أما في الفضاء العربي، فإن المشهد يبدو مختلفاً على نحو يثير القلق لا الدهشة. فالمعرفة، في كثير من تجلياتها، لم تتجاوز طور الاستهلاك أو الاستعادة، وبقيت أسيرة نمطين: ماضٍ مُقدّس لا يُمسّ، أو حاضر مستورد لا يُفهم. وهكذا، تشكّلت بنية معرفية هجينة، تفتقر إلى روح التساؤل، وتعاني من عجز بنيوي في إنتاج المعنى.

إن الأزمة لا تكمن في غياب المعلومات، بل في غياب الفعل المعرفي ذاته: أي القدرة على تحويل المعطى إلى سؤال، والموروث إلى موضوع نقد، والمستورد إلى مادة للفحص لا للتقليد. فالمؤسسات الأكاديمية، في كثير من الأحيان، تحوّلت إلى فضاءات لإعادة إنتاج المعرفة لا لخلقها، وإلى معامل لتفريخ الشهادات لا لتوليد الأفكار. إنها بيروقراطية العقل، حيث تُختزل المعرفة إلى وظيفة، والبحث إلى واجب شكلي.

والأخطر من ذلك، أن هذه البنية المعرفية تعيش وهم الاكتمال؛ إذ يُنظر إلى كثير من القضايا بوصفها محسومة، لا تحتمل الجدل أو المراجعة. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: في الوقت الذي انشغل فيه الغرب بنقد أسس معرفته، ما زال العقل العربي متردداً في مساءلة ما تلقّاه، كأن المعرفة يقين نهائي لا سيرورة مفتوحة.

لقد كانت الحضارة العربية، في لحظات ازدهارها، أكثر جرأة في طرح الأسئلة مما هي عليه اليوم. فقد شهدت عصورها الوسطى صراعات فكرية خصبة، أسهمت في إنتاج معرفة ديناميكية، منفتحة على الشك والتأويل. غير أن هذا الأفق انغلق تدريجياً، لتحلّ محلّه أنساق مغلقة، تُعيد إنتاج ذاتها دون قدرة على التجاوز.

ومن هنا، فإن وصف المعرفة العربية بأنها "مياه راكدة" ليس حكماً أخلاقياً بقدر ما هو توصيف لوضعية معرفية فقدت روافدها النقدية. فهي معرفة لا تتدفق، لأنها لا تتغذى على السؤال؛ ولا تتجدد، لأنها تخشى التفكيك؛ ولا تنتج، لأنها أسيرة بنيات اجتماعية وثقافية تعيق حركتها، من القبيلة إلى البيروقراطية، ومن النخبوية المغلقة إلى السلطوية المقنّعة.

إن الخروج من هذا المأزق لا يتحقق عبر استيراد نماذج جاهزة، ولا عبر الاكتفاء بترجمة متأخرة لما ينتجه الآخر، بل يقتضي إعادة تأسيس جذرية لفلسفة المعرفة ذاتها. فالمعرفة ليست ما نعرفه، بل كيف نعرفه، ولماذا نعرفه، ولأي غاية ننتجه.

وهنا، يصبح الشك—لا اليقين—هو نقطة البداية، ويغدو النقد—لا التلقين—هو المنهج. كما تغدو الحرية شرطاً معرفياً لا سياسياً فحسب؛ إذ لا يمكن لعقل مقيّد أن ينتج معرفة حرة، ولا لمجتمع يخشى السؤال أن يبني مشروعاً حضارياً.

إن المعرفة، في نهاية المطاف، ليست ترفاً فكرياً، بل قدر حضاري. ومن لا يمتلك جرأة مساءلة ذاته، سيبقى أسير أوهامه، يدور في فلك ما لم يعد موجوداً، أو يقلّد ما لم يفهمه بعد. وبين هذا وذاك، تتبدّد الإمكانات، وتُهدر الطاقات، ويظل السؤال المؤجّل معلقاً: متى تتحول المعرفة العربية من وهمٍ ساكن إلى قوة فاعلة؟.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

شهدت أرضُ الرافدين ولادات متعاقبةً لحضارات كبرى، انبثقت فيها بدايات الوعي الإنساني، وهو يخطو نحو تنظيم العالم وبناء المدن والدول. ابتدأت هذه المسيرة بحضارة سومر في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، حيث ابتكر الإنسان الرافديني الكتابة المسمارية، وأسس أولى المدن المنظمة، وأرسى ملامح القانون، وفتح آفاق المعرفة في الري والزراعة، والعمارة، والرياضيات، والفلك. كانت سومر لحظةً تأسيسية في تاريخ الإنسان، تجلت فيها قدرة العقل على تحويل الطبيعة إلى عمران حي، وإدارة نمط متناغم من الأرض والمياه للإنتاج وتدبير العيش. تلتها الحضارة الأكدية مع صعود سرجون الأكدي (2334–2279 ق.م)، الذي وحّد مدن سومر وأكد تحت سلطة واحدة، وأقام أول إمبراطورية في التاريخ، امتدت من الخليج إلى تخوم سوريا وإيران، فانتقل الإنسان من دولة المدينة إلى الدولة المركزية الكبيرة، ومن تشتت الكيانات إلى وحدة سياسية تتجاوز الحدود الجغرافية. في هذا الامتداد، تواصلت روح الإبداع الرافديني، وتجذّر حضور بلاد الرافدين بوصفها فضاءً يتكوّن فيه التاريخ، وتنبثق فيه أشكال جديدة للسلطة والمعرفة والعمران، في سعي دائم إلى بناء عالم أكثر انتظامًا واتساعًا لتراكم رأس المال المادي والرمزي.

ثم ولدت حضارة بابل، وتواصلت في التاريخ نحو 1894 ق.م حتى سقوطها سنة 539 ق.م، في طور متقدم لتطور الوعي الرافديني. ففي بابل الأولى مع حمورابي (1792–1750 ق.م) يتجلى أحد أبرز المنعطفات في تاريخ الإنسان، حين جرى تدوين "شريعة حمورابي" كمحاولة مبكرة لتأسيس القانون على قواعد مكتوبة تنظم حياة الناس وتحدد الحقوق والواجبات، وتمنح السلطة معنى يتصل بحماية المجتمع، فارتبط الحكم بفكرة العدالة، وتحول القانون إلى لغة تضبط العلاقات، وتسيطر على فوضى القوة. وفي حضارة بابل الثانية مع نبوخذ نصر (605–562 ق.م) بلغت الحضارة البابلية أوجها العمراني والرمزي، فكانت المدينة فضاءً يجمع القوة والجمال، وتجلى ذلك في أسوارها الشاهقة وبواباتها المهيبة وحدائقها المعلقة التي غدت رمزًا لالتقاء الطبيعة بالخيال الإنساني. في هذه المرحلة صارت الدولة تعبر عن روح حضارية ترى في الجمال امتدادًا للسلطة، وفي العمران لغة تجسد هوية الجماعة وذاكرتها. هكذا تواصلت بابل في مرحلتيها التاريخيتين كتجربة إنسانية يلتقي فيها القانون والعلوم بالعمران والجمال، في أفق يعكس سعي الإنسان إلى بناء عالم أكثر انتظامًا وأقرب إلى معنى التناغم والانسجام.

كذلك نشأت حضارة آشور في شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، واتخذت من مدينة آشور مركزًا لها منذ الألف الثالث قبل الميلاد. بدأت كقوة تجارية في مطلع الألف الثاني ق.م، ثم تحولت إلى دولة إقليمية في العصر الآشوري الوسيط، قبل أن تبلغ ذروة اتساعها في العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م) حين امتدت من الخليج إلى حدود مصر. تميزت آشور ببناء دولة مركزية تقوم على إدارة منظمة وتقسيم إداري للأقاليم، وتطوير جيش محترف متقدم في تقنيات القتال والحصار في ذلك العصر، كما شيدت مدنًا كبرى مثل نينوى ونمرود، واهتمت بالمعرفة والثقافة، فأنشأت مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث جُمعت آلاف الألواح المسمارية التي حفظت تراثًا رافدينيًا معرفيًا وأدبيًا واسعًا، وبذلك أسهمت في ترسيخ نظام حكم عسكري، وفي حماية تراث بلاد الرافدين ونقله إلى العصور اللاحقة.

قدّمت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور إسهامات تأسيسية في بناء الحضارات الإنسانية. ففي سومر ظهرت الكتابة المسمارية نحو 3200 ق.م، فكانت أول طريقة تدوين منظمة، استُخدمت على ألواح الطين لتوثيق شؤون الاقتصاد والقانون والأدب، وانتشر الخط المسماري في الكتابة في بلاد ما بين النهرين وما جاورها، واستمر استعماله أكثر من ثلاثة آلاف عام، إذ تواصل حضوره في التدوين حتى القرن الأول الميلادي. وفي الألف الرابع ق.م نشأت المدن السومرية، مثل أور وأوروك، واخترعت العجلة نحو 3500 ق.م، وتم تطوير أنظمة الري قرابة 3000 ق.م، وجرى تدوين ملحمة كلكامش في الألف الثالث ق.م، بموازاة اختراع القيثارة وابداعات مبكرة في الفنون السمعية والبصرية. وفي أكد أسس سرجون الأكدي أول إمبراطورية مركزية نحو 2334 ق.م، مما رسّخ مفهوم الدولة الموحدة والإدارة المنظمة واللغة السياسية. أما في بابل فقد بلغت التشريعات ذروتها مع شريعة حمورابي نحو 1754 ق.م، وتقدمت الرياضيات بابتكار النظام الستيني في الألف الثاني ق.م، وتطورت علوم الفلك ورصد الكواكب بين القرنين الثامن والسادس ق.م، فأسهم ذلك في ضبط الزمن والتقويم. وفي آشور، ولاسيما بين القرنين التاسع والسابع ق.م، برز التنظيم العسكري والإداري، وجُمعت المعارف في مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث حُفظت نصوص اسطورية وأدبية وعلمية متنوعة. وهكذا أسهمت هذه الحضارات مجتمعة في ترسيخ أسس الكتابة والدولة والقانون والمعرفة.

وأخيرًا ولدت حضارة الإسلام في الكوفة والبصرة وبغداد، حيث تأسست علوم اللغة والفقه والكلام، ومدارس التفكير التي صاغت ملامح العقل الإسلامي في أطواره الأولى، ثم ازدهرت في بغداد حين غدت مركزًا للمعرفة والترجمة والعمران، وملتقى للثقافات، فانتقل فيها العقل من التلقي إلى الإبداع، ومن الشرح إلى التأسيس، وبلغت هذه الحضارة أوجها في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، حين ازدهرت علوم الدين واللغة والأدب، والفلسفة والطب والرياضيات والفلك،  وتجلّى فيها تلاقي العقل والنص في إنتاج المعرفة الدينية، قبل أن تتعرض لانكسارها الكبير باحتلال هولاكو لبغداد سنة 1258م، ذلك الحدث الذي أحدث جرحًا في ذاكرة العراق الحضارية، وتدميرًا متوحشًا للعمران والثقافة والفنون والآداب، ترك أثره العميق في مسار العراق المستقبلي.

منذ أن سقطت بابل بيد الأخمينيين سنة 539 ق.م، بدأ ليل طويل من الاحتلالات في تاريخ بلاد الرافدين، غابت فيه الدولة التي تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة أهلها ومصالحهم. وتوالت عليه سلطات أجنبية متعاقبة، نقلت إليه أنظمتها وأديانها وعقائدها ومفاهيمها وثقافاتها، وأخضعته لحكم مركزي غريب عن نسيجه الاجتماعي والثقافي والقيمي والرمزي. أضحت بلاد الرافدين هامشًا لمراكز قوى خارجية، ترسم حدودها، وتحدد وظائفها، وتفرض عليها ما هو غريب عن استمراريتها الحضارية. حكم هذه البلاد الأخمينيون (539 ق.م – 331 ق.م) بعد أن احتل كورش مدينة بابل سنة 539 قبل الميلاد، منهيًا حكم الدولة البابلية الحديثة، وجاعلًا بلاد الرافدين إقليمًا تابعًا. استمر الحكم الأخميني قرابة قرنين، حتى جاءت معركة غوغميلا سنة 331 ق.م، حين هزم الإسكندر المقدوني الملك الفارسي داريوش الثالث، ودخل مدينة بابل، منهيًا الحكم الأخميني، ومحتلًا لبلاد الرافدين واخضاعها للإمبراطوريته الهلنستية، فاتحًا فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة تحت هيمنة الثقافة الإغريقية. بعد وفاة الإسكندر سنة 323 ق.م في بابل، تقاسم قواده إمبراطوريته، فكانت بلاد الرافدين من نصيب سلوقس الأول نيقاطور أو سلقيس الأول (358-281 ق. م)، مؤسس الدولة السلوقية. خضعت بلاد الرافدين في هذه المرحلة لحكم يوناني غريب عن ثقافتها وقيمها ومجتمعها، سعت السلطة السلوقية لفرض الهيلينية كثقافة ورؤية للعالم، غير أن هذا الفرض لم يجد جذورًا في أرض الرافدين، وبقي مفروضًا من علٍ، بلا تفاعل حي مع البيئة المحلية.

 وتوالت الاحتلالات على هذه الأرض، وكان أطولها الاحتلال العثماني الذي بدأ سنة 1534 حين دخل السلطان سليمان القانوني بغداد، وامتد حتى سنة 1917 مع انسحاب العثمانيين منها، فاستغرق قرابة أربعة قرون، ظل خلالها العراق ساحةً لسلطةٍ تتبدل وجوهها وتتشابه آثارها، إلى أن تهيأت الشروط لولادة الدولة العراقية الحديثة سنة 1921.

بعد أفول هذه الحضارات، وتبدد ميراثها ورموزها، وانفصال الحاضر عن الماضي، تراجعت صلة الإنسان العراقي بإرثه الحضاري، ولم يتدرب حتى اليوم على التدبير، ولا على الادخار، ولا على إدارة الثروات والمهارات والخبرات والزمن، بوصفها مكونات أساسية لبناء الدولة. ما زال سلوك العراقي في مناسباته الاجتماعية والدينية حتى اليوم يعكس غياب ثقافة الادخار والتراكم، فهو يهدر الطاقات والثروات والمهارات والخبرات بلا وعي بالمستقبل، وكأنه لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة فاقدًا لبوصلة الغد. نرى الأموال تنفق بسخاء في الولائم الاجتماعية والمناسبات الدينية، من دون أن تتحول إلى رصيد منتج يعود بالنفع على الدولة والمجتمع، أو يسهم في بناء مشاريع تنموية. هذا النمط من الهدر المجاني يعكس بقايا نمط العيش البدوي، الذي كان يجد معناه في بيئة صحراوية لا تعرف الاستقرار ولا الادخار.

تقوم الدولة الحديثة على تدبير عقلاني للموارد، تحصي فيه الحكومة كل شيء بدقة، وتدير الإنسان وخبراته ومهاراته وزمنه وثرواته وأمواله ضمن رؤية علمية تعيد استثمار الإمكانات وتنميتها. في هذا الأفق تتحول السياحة الدينية إلى مورد وطني فاعل، يغدو اقتصادًا منتجًا يرفد التنمية ويعزز موارد المجتمع والدولة، كما تكشف تجارب بلدان متعددة أن مواسم الحج والعمرة والزيارات تمتلك قدرة حقيقية على توليد قوة اقتصادية مؤثرة. إذ تتصدّر المملكة العربية السعودية عالميًا بعائدات الحج والعمرة التي تتراوح بين 12 و15 مليار دولار سنويًا، وقد ترتفع إلى 20–30 مليارًا مع احتساب إنفاق الخدمات والتسوق، ما يجعلها من أبرز مصادر الدخل غير النفطي. في المقابل يستقبل العراق قرابة ثلاثين مليون زائر إلى مراقده المقدسة، وذلك يكشف عن طاقة اقتصادية كبيرة لم تُستثمر بالكفاءة المطلوبة، ما يجعل العراق والسعودية معًا أكبر مركزين للسياحة الدينية من حيث الأعداد والتأثير الاقتصادي في العالم الإسلامي.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

 

ترجمة واعداد د. فالح الحمراني

عن الاعمال الكاملة لماركس وانجلز بالروسية

***

لقد كان دافعي وراء ترجمة هذا القسم من مقالة إنجلز المهمة، هو لفت انتباه المهتمين بفكر ماركس من العرب إلى مدى دقة ترجمة أعماله الصادرة باللغة العربية، والتساؤل عمّا إذا كان هناك شخص -أو الأفضل فريق- قد نهض بمهمة مراجعة تلك الترجمات وتطبيقها مع النسخ الاصلية، ونحت او استحداث المصطلحات الدقيقة والمكافئة التي تعبّر عن فكر ماركس، وترتقي إلى إسلوبه الذي وصفه إنجلز في مقالته، وهل يتمتع مترجمو ماركس حقا بالمستوى المطلوب وفقاً للمعايير التي وضعها إنجلز؟ إن هذا الموضوع مطروح للنقاش الجاد والواسع.

وكان من الضروري معالجة مشكلة قراءة وترجمة المصطلحات الأساسية لماركس بشكل كافٍ. ولا بد أن يؤدي حلها إلى مراجعة جذرية للمصطلحات الفلسفية الماركسية كما هي سائدة في الدراسات الماركسية العربية والأجنبية. لم يعد من الممكن اليوم قراءة ماركس من خلال التصنيفات والقوالب الجامدة التي لا تمت بصلة إلى ماركس نفسه. ومع ذلك، تُستخدم هذه التصنيفات والقوالب النمطية الراسخة بصدق ليس فقط من قبل نقاد الماركسية، بل أيضاً من قبل الماركسيين أنفسهم، دون إدراك أن هذا ليس من الماركسية. نلاحظ أنه في بعض الحالات، لا يمكن ترجمة بعض مفاهيم ماركس، حتى عند وضعها في سياق اقتصادي، إلى كلمات ذات دلالات صناعية تقنية واضحة، لأن ذلك سيحجب المعنى الفلسفي والأنثروبولوجي، بل وحتى الوجودي في بعض النواحي، لمصطلحات ماركس. في ضوء كل هذا، يبدو لنا أن ثمة حاجة ملحة اليوم ليس فقط لترجمات جديدة لأعمال المفكر الألماني الرئيسية، بل أيضًا لإعادة نظر جذرية في فلسفته برمتها.

أود أن اكرر السؤال الذي طرحه فريدريك إنجلز تحديدًا في ختام مقالته، فيما يتعلق بترجمات نصوص ماركس: "لنا الحق في أن نسأل:

هل تفهم ما تقرأ؟".

كيف لا يجوز ترجمة ماركس؟

يُعدّ المجلد الأول من كتاب "رأس المال" ملكيةً عامة فيما يخصّ ترجمته إلى اللغات الأجنبية. لذا، وعلى الرغم من معرفة الأوساط الاشتراكية الإنجليزية بإعداد ترجمة رسمية تحت إشراف القائمين على أعمال ماركس الأدبية، فإنه لا يحق لأحد الاعتراض حال صدور ترجمة أخرى دقيقة قبلها.

لقد نُشرت الصفحات الأولى من ترجمة جون برود هاوس في عدد أكتوبر من مجلة "توداي"، وأؤكد جازماً أنها بعيدة كل البعد عن الأمانة في نقل النص؛ إذ يفتقر السيد برود هاوس إلى المؤهلات المطلوبة لترجمة أعمال ماركس.

 لترجمة كتاب كهذا، لا تكفي معرفة جيدة باللغة الألمانية الأدبية. يستخدم ماركس بحرية تعابير من الحياة اليومية وعبارات اللهجات المحلية؛ وقد صاغ كلمات جديدة، واستعار أمثلته من جميع مجالات العلوم،

ومن مراجعه من آداب عشرات اللغات؛ لفهمه، يجب إتقان اللغة الألمانية إتقانًا تامًا، تحدثًا وكتابةً، بالإضافة إلى معرفة شيء عن الحياة الألمانية. مثال على ذلك: عندما كان عدد من طلاب السنة النهائية في جامعة أكسفورد يجدفون في قارب بأربعة مجاديف عبر مضيق دوفر، ذكرت تقارير صحفية أن أحدهم " catch a crab". مراسل صحيفة "كولنيش" في لندن (يعني حرفياً «اصطياد السلطعون»، وبالمعنى المجازي — «غمس المجداف في الماء بعمق شديد»).

لقد أخذ هذه الكلمات حرفياً، وأبلغ صحيفته بضمير حيّ بأن "سرطاناً علق بمجداف أحد المجدفين". وإذا كان رجلٌ عاش في لندن لسنوات طويلة يرتكب مثل هذا الخطأ الفادح والمضحك عند مصادفته مصطلحات تقنية خارج نطاق تخصصه، فما الذي نتوقعه من شخصٍ يمتلك معرفة متواضعة بالألمانية ويُقدم على ترجمة أحد أصعب كتّاب النثر الألمان؟ سنرى بالفعل أن السيد برودهاوس بارع في "التلاعب بالألفاظ". غير أن المترجم في هذه الحالة يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك؛ فماركس من بين الكتّاب المعاصرين الذين يتميزون بأسلوب حيوي وموجز، ونقل هذا الأسلوب بدقة يتطلب معرفة تامة ليس بالألمانية فحسب، بل بالإنجليزية أيضاً.

ورغم أن السيد برودهاوس يبدو صحفياً كفؤاً، إلا أن إلمامه بالإنجليزية لا يتجاوز المعايير الأدبية العادية؛ فهو يتقنها لأغراضه الخاصة، لكنها ليست الإنجليزية المطلوبة لترجمة "رأس المال". تتطلب ترجمة الألمانية إلى الإنجليزية أسلوباً معبراً يستغل أفضل موارد اللغة، ويستدعي ابتكار مصطلحات إنجليزية مقابلة للمصطلحات الألمانية المستحدثة. ولكن عندما يواجه السيد برودهاوس هذه التحديات، فإنه لا يفتقر إلى الموارد فحسب، بل يفتقر أيضاً إلى الجرأة. إذ يُرعبه أدنى توسع في مخزونه المحدود من التعابير المبتذلة، أو أي ابتكار يتجاوز اللغة الإنجليزية المألوفة للأدب اليومي؛ وبدلاً من المجازفة، يترجم الكلمات الصعبة بمصطلحات غامضة لا تُزعجه لكنها تحجب معنى المؤلف، أو الأسوأ من ذلك، أنه يترجمها -في حال تكرارها- بسلسلة من المصطلحات المختلفة، متناسياً أن المصطلح التقني يجب أن يُترجم دائماً بمكافئ ثابت. وهكذا، يترجم في عنوان القسم الأول "Wertgrosse" إلى "مدى القيمة"، متجاهلاً أن "Grosse" مصطلح رياضي محدد يعادل "المقدار" أو "الكمية"، بينما تحمل كلمة "مدى" دلالات أخرى كثيرة. وهكذا يضيع حتى ابتكار بسيط مثل "وقت العمل".

يواجه مصطلح "وقت العمل" (Labor-time) -كمقابل لـ "Arbeitszeit"- صعوبات في الترجمة؛ إذ تُرجم إلى: 1) "العمل الزمني" (timelabor)، وهو مصطلح قد يعني العمل المأجور بالساعة أو العمل القسري (الأشغال الشاقة)، 2) "وقت العمل" (time of working)، 3) "وقت العمل" (labor-time)، و4) "فترة العمل" (Arbeitsperiode) - وهو مصطلح يستخدمه ماركس في المجلد الثاني بمعنى مختلف تماماً. وبما أن "فئة" وقت العمل تُعد من أهم الفئات في الكتاب بأكمله، فإن تشتيت ترجمتها بين أربعة مصطلحات مختلفة في أقل من عشر صفحات أمرٌ لا يُغتفر. يبدأ ماركس بتحليل السلعة، باعتبارها في المقام الأول شيئاً نافعاً يمكن النظر إليه من منظور نوعي أو كمي. فكل سلعة هي مزيج من خصائص متعددة تجعلها مفيدة من جوانب مختلفة، واكتشاف هذه الجوانب وطرق استخدام الأشياء هو مسألة تطور تاريخي، وكذلك الأمر بالنسبة للبحث عن مقاييس اجتماعية للجانب الكمي من تلك الأشياء. وتُحدد الاختلافات في مقاييس السلع جزئياً بطبيعة الأشياء نفسها، وجزئياً بشكل اعتباطي. ويوضح السيد برودهاوس ذلك قائلاً: "إن اكتشاف هذه الجوانب المختلفة، والأشكال المتنوعة لمنفعة الشيء، هو مسألة وقت. ولذلك، فإن البحث عن مقياس اجتماعي للجانب الكمي للأشياء المفيدة هو مسألة وقت أيضاً، بينما يُحدد الاختلاف في كتلة السلع جزئياً بطبيعتها المختلفة"...الخ

***

حين يتحول الشعور بالاستحقاق إلى هيمنة واستحواذ على جهود الآخرين

لا تكمن الخطورة -سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات- في الفشل أو الضعف فحسب، بل في ذلك الشعور المتضخم بالعظمة والتعالي الذي يدفع البعض للاعتقاد بأنهم وحدهم الأحق بالنجاح والمكاسب والفرص، انطلاقاً من نرجسية الصورة الذهنية المصطنعة تجعلهم يقيسون الأمور بميزان مصالحهم الضيقة وحساباتهم الذاتية دون النظر لحقوق ومصلحة الآخرين؛ فهم لا يجدون طمأنينتهم إلا في الهيمنة والسيطرة والاستحواذ على كل شيء.

ولا يقتصر هذا النمط على السعي الطبيعي للتميز، بل يتحول إلى هوس دائم يبرر تهميش الآخرين وإضعافهم أو الاستيلاء على جهودهم بطرق قد تبدو في ظاهرها شرعية ومنظمة، بينما هي في جوهرها قائمة على التدليس والغش وتجيير الإنجازات، مع ادعاء زائف بالتمسك بالقيم والمبادئ.

إنها حالة نفسية معقدة توصف بـ« بارانويا العظمة »، حيث يعيش صاحبها قناعة راسخة بأنه الأذكى والأحق بكل شيء، وأن الآخرين مجرد أدوات في مسيرة صعوده؛ مما يجعله لا يحتمل نجاح غيره، ويدفعه إلى محاولة إقصاء والتشكيك في كل من يمتلك حضوراً أو كفاءة تهدد صورته المتخيلة عن ذاته.

فقد تتجلى الخطورة في أن هذه العقلية لا ترى في العلاقات الإنسانية قيمة بحد ذاتها، بل تختزلها في زاوية المنفعة والمكسب والسيطرة؛ فهي تسعى للاستحواذ على الآخرين وتدمير المنافسين عبر الاستيلاء على مقدراتهم ومواردهم المتميزة. فالناس في نظرها إما خاضعون أو تابعون أو منافسون لا يحق لهم بلوغ النجاح أو التفوق الذي تسعى هي لنيله وتحقيقه. وإذا عجزت عن احتواء الآخرين، عملت على إنهاكهم أو إضعافهم أو تجريدهم من التأثير والقدرات التي تمنحهم فرصة النجاح والتفوق.

لذا، يحيط أصحاب هذا النمط أنفسهم بمؤيدين يناصرونهم ويصفقون لهم، لا بمن يواجههم بالحقيقة المرة؛ لأنهم يرون في النقد تهديداً، وفي الاستقلالية تمرداً، وفي النجاح الجماعي انتقاصاً من عظمتهم المزعومة ومكاسبهم الملتوية. وفي المؤسسات، تتعقد المشكلة حين تتحول هذه العقلية المقيتة والمرضية إلى ثقافة تنظيمية، حيث تترسخ قناعة بأن المؤسسة هي "المركز" الذي يجب أن يدور الجميع في مساره وفلكه؛ فتتعامل مع الشراكات بمنطق الهيمنة بدلاً من التعاون، ومع الكفاءات بمنطق الاحتواء والسرقة بدلاً من التمكين، ومع الإنجازات بمنطق الاحتكار بدلاً من التشارك. ومع مرور الوقت، تتآكل القيم المهنية والأخلاقية لصالح عقلية المكسب المزعوم والانتصار المستمر، ولو جاء ذلك على حساب العدالة والنزاهة والعلاقات الإنسانية والأخلاقية.

غالباً ما ترتبط هذه الحالة بما يعرف في علم النفس التنظيمي بـ "الميكافيلية"، وهو نمط فكري يتبنى مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث يتقدم النجاح على المبادئ. ورغم ادعاء أصحاب هذا الفكر تمسكهم بقيم أصيلة، إلا أنهم يغلبون السيطرة والاستحواذ بكل الطرق على العلاقات الإنسانية. وبناءً على ذلك، لا يشعر هؤلاء بتأنيب ضمير أو حاجة لمراجعة الذات عند استغلال الآخرين، أو الالتفاف على حقوقهم، أو سرقة أفكارهم تحت غطاء قانوني شكلي؛ فهم يعتقدون أن النتيجة النهائية تمنحهم شرعية كاملة لأفعالهم.

غير أن الحقيقة التي يغفلون عنها هي أن الهيمنة قد تمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنها لا تبني احتراماً حقيقياً، كما أن الاستحواذ على جهود الآخرين قد يحقق نجاحاً سريعاً، لكنه يعجز عن بناء ثقة طويلة الأمد. فالعلاقات الصحية والمؤسسات الرصينة لا تقوم على الخوف أو الإقصاء، بل على التقدير المتبادل والشراكة والاعتراف بقيمة الآخر. وحين يواجه هؤلاء المتلاعبون بمنافسين يتمتعون بالنزاهة والشفافية، تنكشف هشاشتهم وتظهر زيف قدرتهم المعتمدة على التدليس.

تكمن خطورة "بارانويا العظمة" في أنها تدخل الفرد أو المؤسسة في صراع دائم مع الجميع، إذ ينظر للنجاح باعتباره "لعبة صفرية"؛ إما الفوز المنفرد أو هزيمة الآخرين بلا رحمة أو شفقة. وهذا الفكر يحرم صاحبه من متعة الإنجاز المشترك، أو الاحتفاء بتميز الغير، أو بناء بيئة عمل تكاملية.

ختاماً، يكمن النضج الحقيقي في القدرة على تمكين الآخرين لا السيطرة عليهم، وفي خلق مساحات للنجاح الجماعي بدلاً من الاستحواذ على الأضواء. فالعظمة الحقيقية لا تكمن في تجاوز الآخرين بوسائل ملتوية، بل في الارتقاء معهم مع منحهم الحقوق ذاتها التي تطلبها لنفسك وتنافسهم وفق رؤية شفافة وواضحة وفيها المصداقية والعدالة والإنصاف للجميع.

***

د. أكرم عثمان

7-5-2026

تُسهم الثقافة الشعبية، ولا سيما السينما الهوليودية، في تشكيل تصورات مثالية ومبالغ فيها عن الحياة والموت على حد سواء. فبعيدًا عن الصورة النمطية للحظة الاحتضار كما تقدمها الأفلام، ثمة مشهد آخر يتكرر باستمرار: لحظة “المراجعة النهائية” للحياة، حيث تمر الذكريات في مونتاج سريع مصحوب بموسيقى عاطفية، وكأن الحياة لا تكتسب مشروعيتها إلا إذا أمكن اختزالها في سردية درامية ذات مغزى. ويفترض هذا التصور ضمنيًا أن كل حياة يجب أن تحتوي على حدث استثنائي أو إنجاز كبير يمنحها قيمة خاصة في تلك اللحظة الختامية.

غير أن الواقع الإنساني غالبًا ما يختلف عن هذه الحبكة السينمائية. فكثير من الناس لا يعيشون “اللحظة العظيمة” التي تبرر حياتهم وفق المعايير الثقافية السائدة، وربما لا يحتاجون إليها أصلًا. فالحياة اليومية، بطبيعتها، ليست مصممة لتقديم أحداث ملحمية أو تحولات درامية مستمرة، وهذا ليس عيبًا فيها. لكل حياة قيمتها الخاصة، ولكل فرد سيرته الذاتية، حتى وإن لم تكن مادة مناسبة لمسلسل قصير أو فيلم سينمائي. غير أن الإشكالية تكمن في خوف الإنسان من أن تكون حياته “عادية” أو “مملة”، وأن يفتقر إلى ما يميزه عن الآخرين. إن إدراك احتمال العيش في إطار العادية قد يكون مصدرًا لقلق وجودي عميق.

في هذا السياق، يمكن فهم ما يُعرف بـ”أزمة منتصف العمر”، أو ما يُتداول شعبيًا باسم “أزمة الأربعين”، بوصفها تعبيرًا عن هذا الخوف من عدم الأهمية. وبغض النظر عن الجدل القائم حول مدى علمية هذا المفهوم، فإن كثرة الأدبيات النفسية والاجتماعية التي تناولته تشير إلى أنه يمثل تجربة شعورية شائعة. ويتمثل جوهر هذه الأزمة في الإحساس بأن الإنسان لم يحقق ما كان يتوقعه من ذاته، أو أنه لم ينجز “الأشياء الكبرى” التي تخيلها في شبابه، وأنه وصل إلى منتصف الطريق في الحياة دون قصة استثنائية أو إنجاز فارق. إنها لحظة مواجهة مع فكرة أن المسار الشخصي قد يكون “مسارًا جماهيريًا” لا يختلف كثيرًا عن الآخرين.

وتدعم بعض النماذج النفسية هذا التصور، مثل منحنى السعادة على شكل حرف (U)، الذي يشير إلى أن مستويات الرضا عن الحياة تنخفض في منتصف العمر قبل أن تعود إلى الارتفاع لاحقًا. ففي هذه المرحلة، يشعر كثيرون بأن الفرص تضيق، وأن بعض الأحلام أصبحت بعيدة المنال أو غير قابلة للتحقق. ويظهر هذا الشعور بوضوح في مجالات متعددة: الرغبة في الإنجاب في سن متأخرة، عدم الرضا عن المسار المهني مع الإحساس بصعوبة تغييره، أو الحنين إلى أنماط حياة وممارسات شبابية لم تعد ممكنة أو ملائمة.

ويرتبط هذا الإحساس أيضًا بما يُعرف بالأزمات المرتبطة بالأعمار التي تنتهي بالرقم تسعة، مثل 29 و39 و49، إذ تُعدّ هذه الأعمار في المخيال النفسي والاجتماعي محطات للمراجعة الذاتية وإعادة التقييم. ففي هذه اللحظات، يعيد الأفراد النظر في إنجازاتهم، وعلاقاتهم، وخياراتهم، بل وحتى في هويتهم الشخصية.

ولا يمكن عزل هذه الأزمات الفردية عن السياق العام الذي يعيش فيه الإنسان. فالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تؤثر بعمق في إدراك الفرد لمعنى حياته ومستوى رضاه عنها. ففي عالم يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمات السكن، والضغوط الاقتصادية، وتصاعد الاستقطاب السياسي، يصبح من الصعب على كثيرين أن يشعروا بأنهم “يعيشون” فعلًا، فضلًا عن أن يحققوا أحلامهم الكبرى. وفي مثل هذا السياق، قد يبدو السعي نحو حياة استثنائية ترفًا غير واقعي، بينما ينحصر جهد الإنسان في “البقاء” ومواجهة الحاضر.

وقد وصفت بعض التحليلات المعاصرة هذه الحالة بأنها أشبه بالعيش في “غرفة انتظار”؛ حالة من التعليق الوجودي، حيث يمر الزمن بينما ينتظر الإنسان ظروفًا أفضل لم تأتِ بعد. يشعر كثيرون بأنهم عالقون بين حاضر مرهق ومستقبل غامض، فيتولد لديهم شعور بالعجز أو بالإرهاق المزمن، وتتراجع قدرتهم على تصور الحياة بوصفها مشروعًا قابلاً للتحقق أو قصة تستحق أن تُروى.

من هنا، فإن الخوف من عدم الأهمية ليس مجرد وهم نفسي فردي، بل هو انعكاس لتفاعل معقد بين التوقعات الثقافية، والضغوط الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، والبنية النفسية للإنسان المعاصر. وقد يكون تجاوز هذا الخوف مرهونًا بإعادة تعريف معنى النجاح والمعنى الشخصي بعيدًا عن الصور النمطية التي تفرضها الثقافة الجماهيرية. فالحياة لا تُقاس فقط باللحظات الكبرى أو الإنجازات الاستثنائية، بل أيضًا بالمعاني الصغيرة، والعلاقات الإنسانية، والقدرة على التكيف، وصناعة الرضا في سياقات غير مثالية.

وربما تكون الخطوة الأولى للخروج من هذا القلق الوجودي هي تطوير معرفة أعمق بالذات، وفهم أكثر واقعية للمكان الذي نقف فيه، وللظروف التي شكّلت مساراتنا. فحين يدرك الإنسان أن القيمة لا تكمن دائمًا في “العظمة” الظاهرة، بل في المعنى الذي يمنحه لحياته، يمكن أن يتحرر من وهم التفوق، ويبدأ في بناء سردية شخصية أكثر صدقًا واتزانًا.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

مهما كان الإنسان صغيرًا أو كبيرًا فإنه يحتاج إلى الحب والدعم العاطفي. الخلطة السحرية في التربية والتعليم يغذّيها القلب والعواطف قبل العقل، لأن العاطفة أعمق أثرًا في بناء الإنسان وتكريس شخصيته. إذا أراد المعلم التأثير الفعال في أذهان تلامذته فعليه أن يبدأ بعواطفهم، لأن العاطفة توقظ القابلية على التعلم، وتفتح العقل لتلقي المعرفة. كلما ازدادت العواطف الصادقة ازداد تحفيز المواهب، واستيقظ الوعي، واغتنت المهارات. الاعتراف بمنجز التلميذ، والإعجاب بجهوده، وتشجيعه، من أكثر ما يبعث الثقة في نفسه، ويمنحه الشجاعة على اكتشاف طاقاته الكامنة. التاريخ صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، التفكير يتجاذبه سلطان العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقل والتفكير النقدي من جهة أخرى، لذلك تتجلى قيمة الفلسفة والعلوم في قدرتها على إيقاظ العقل وتمكينه من النظر الحر الذي يراجع المسلمات ويختبر الأفكار خارج اندفاع العاطفة وانغلاق الهوية.

القلب مرآة يضيئها الحب، القلب الذي يعيش الحب لا تدركه الشيخوخة، الحب يغيّر ما دام متوهجًا، في الحب يتجلى أجمل ما في الإنسان، وتنبعث منابع الخير المودعة في أعماقه. في التربية والتعليم الحب يغيّر؛ يوقظ العقل، ويروي المواهب، ويطور المهارات، ويفجر الطاقات الكامنة. في العلاقات الإنسانية الحب يغيّر؛ الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي. عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحب، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسان الحب، وأنفس طور وجودي للإنسان الحب، وأثمن وجود للإنسان الحب، وأزكى وجود للإنسان الحب، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحب. في بعض الحالات يتسامى الحب ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالم، وذلك ما يجعل وجود هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يشعر الإنسان بمتعة وجوده في العالم كالحب. الحب يتكفل بحماية الإنسان من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدث لغة الحب تصمت لغة الشر.

كل مجتمع يتوطنه الحب، والفن، والتدين العقلاني الأخلاقي، تتوطنه قيم احترام المختلف في المعتقد، والعيش المشترك في إطار الاختلاف والتنوع، وإن كان مثل هذا المجتمع يظل حلمًا أكثر من تحققه في الواقع. الدين والحب والفن يغذي كل منها الآخر ويتغذى منه. الرؤية الجمالية لله والعالم تتوالد من التفاعل الإيجابي الخلاق لهذه العناصر الثلاثة. تظل المحبة الرصيد الأسمى للعلاقات الإنسانية، ومن يوقف حياته للاستثمار في المحبة يراها دواء للقلوب، ولكل داء في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبة رافد غزير يغذي الصلة بالله ويكرسها. العرفان في الأديان يوقظ في الأرواح لغة الحب والجمال.

الحب كيمياء تصهر عناصر متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفة كأنها إكسير يحول كل شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمة عندما تنطقها لغة القلب المشفقة، فالرحمة تعيد ترميم كل شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. غير أن الحب ولا الرحمة لا يكونان بديلًا للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشر الكامن في الإنسان.

العقل والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشر الكامن في باطنه. الإيمان والمحبة والأخلاق هي ما يخفف وطأة الشر الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقي الخالص والإنسان الكامل يتنكر له الواقع، لأنه لا يشبه طبيعة الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناء نادر. لا يمكن الاستغناء عن العدالة بالرحمة، فالرحمة ليست بديلًا عن العدالة في بناء أي جماعة بشرية أو بناء أي دولة. الظلم مقيم في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرضان عليه الكدح والتنافس والصراع، لذلك تمنع العدالة أن ينتهي سعي الإنسان إلى تأمين مصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.

لا مجتمع في الأرض يخلو من الشر الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، ولا مجتمع يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسس المجتمعات والدول على الحب وحده، أو الرحمة وحدها، أو الشفقة وحدها، أو العطاء وحده. لا تعني الدعوة للحب إلغاء النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا القوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على التداول السلمي للسلطة والأسس العلمية الحديثة. ولا تعني الدعوة للرحمة إلغاء القوانين الجنائية والجزائية العادلة، كما لا تعني الدعوة للإنفاق والعطاء إلغاء الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوة للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاء النظام الإداري الحديث. الدعوة إلى شيء لا تعني إلغاء ما سواه.

إن افتراض بناء مجتمع على الرحمة وحدها افتراض غير واقعي، لأن مثل هذا المجتمع لا يمكن أن يتحقق ما دام الإنسان إنسانًا. غير أن الرحمة تظل قيمة إنسانية رفيعة تسمو بحياة الفرد والجماعة، إذ تنفي بعض العقوبات عفوًا، أو تخفف من قسوة بعض العقوبات الأخرى، كما تغدو هدفًا نبيلًا ينشده الدين ليوقظ به ضمير الإنسان، ويرتقي به إلى أجمل حالة إنسانية يمكن أن تتحلى بها شخصيته.

الرحمة تنتج ما لا تنتجه العدالة، فمن الرحمة يتوالد الغفران والعفو والعطف والرفق واللين والشفقة، لذلك يستطيع من يعيش الرحمة حالة في أعماقه أن يتحمل الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيع العفو عنها. الرحيم يتحمل ما لا يتحمله غيره، ويعفو عما لا يعفو عنه سواه من البشر. والكائن البشري لا يتصف بالرحمة بطبعه، إذ ينزع في كثير من الأحيان إلى التسلط على الآخرين والاستحواذ على ما في حياتهم، ولعل في ذلك سر تركيز القرآن الكريم على الرحمة وكثافة حضورها فيه، وجعلها إطارًا مرجعيًا وبوصلة دلالية ترشد إلى ما تشير إليه آياته وسوره. الرحمة حالة يمكن أن يعيشها الإنسان، غير أن التحقق بها ليس يسيرًا، ولا يتمثلها أكثر الناس بسهولة، لأنها شاقة على النفس، إذ تحول نزعات العدوان المترسبة في أعماق الإنسان دون امتلاكها على الدوام.

الإنسان كائن يتغلب في حياته أحيانًا الشر على الخير، والتوحش على الرحمة، ولولا الأخلاق والدين والقانون لما كانت الحياة ممكنة. لقد أسهمت الأخلاق والأديان والقوانين في خفض جانب كبير من الطاقة التدميرية للتوحش في الأرض، فغدت الحياة قابلة للاستمرار. ولا يتأنسن الإنسان إلا بالرحمة، ومن دونها يتساوى هذا الكائن مع أي وحش مفترس. والكائن البشري ليس خيرًا بطبعه، وإنما يمتلك استعدادًا لأن يكون خيرًا أو شريرًا، ونادرًا ما ينجو الإنسان في نشأته من آثار العوامل التي تكوّن نواة السلوك العدواني في شخصيته، ولو تحرر منها أكثر الناس لكانوا أكثر رحمة. لذلك يتطلب الحد من تأثير هذه العوامل أن ينشأ الإنسان في بيئة تربوية صحية، وتنمو شخصيته في فضاء من التربية الأخلاقية والحياة الروحية الملهمة والثقافة الحيوية المتنوعة، كي تترسخ فيه النزعات الخيرة، وتتولد في روحه بذرة المحبة وتنمو باستمرار، فتغدو طاقة تلهم أجمل معاني الحياة، وتكرس الرحمة وما يتولد عنها من قيم العفو والغفران والشفقة على الخلق، وما يحمي الإنسان من الاغتراب الوجودي.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

الذكاء الاصطناعي يسقط ورقة التوت عن التلقين

في مقالنا السابق "وهم المناهج العالمية"، وضعنا الاصبع على الجرح حين اكدنا ان وحدة المعرفة العلمية وتشابه العناوين بين جامعاتنا وجامعة اوكسفورد لا يعني بالضرورة تماثل المخرج التعليمي، فالفارق الجوهري يكمن في فلسفة التعليم لا في كمية المعلومات. وقد جاء تعقيب الدكتور تحسين الشيخلي ليعمق هذا الطرح ويضعه في سياقه المعاصر والاكثر خطورة، مشيرا الى ان عصر OpenAI ونماذج الذكاء الاصطناعي جعل الاعتماد على الحفظ والتلقين "اكثر هشاشة من اي وقت مضى".

اليوم، لم يعد النقاش حول "كيف ندرس" مجرد ترف فكري، بل اصبح معركة بقاء اكاديمي، فالذكاء الاصطناعي لم يأت لينافسنا في المعلومات، بل جاء ليكشف عورة نظام تعليمي حصر نفسه في "فخ الاختزال" والاستظهار.

1. سقوط "خزان المعلومات" امام سطوة الالة

لقد استند الدفاع عن المناهج التقليدية طويلا الى فكرة "تزويد الطالب بالخريطة المعرفية". لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، اصبحت هذه الخريطة متاحة ومجانية وفورية. اذا كان الطالب يقاس بما يحفظ فان الالة اليوم هي "الطالب المثالي" فهي تسترجع المعلومات وتلخصها وتصيغها بسرعة البرق. هذا الواقع اثبت ان "الوعاء المعرفي" الذي سعينا لملئه لسنوات قد انكسر، فالمعلومة فقدت قيمتها كسلعة احتكارية للجامعة، وبقيت القيمة الحقيقية في كيفية ادارتها.

2. فلسفة التفكيرهي الرهان الرابح في عصر الابتكار

كما اشار الدكتور الشيخلي، فأن الجامعات التي ستبقى مؤثرة هي تلك التي تعلم الطلبة "كيف يفكرون". ان الانتقال من "ماذا ندرس" الى "كيف نفكر" هو الجسر الوحيد لربط الجامعات بالابتكار والواقع المعاصر:

- ثقافة السؤال بدلا من الاجابة الجاهزة: في عالم الـ ChatGPT، لم يعد الذكاء في اعطاء الجواب، بل في صياغة "السؤال الذكي" (Prompting). هذا يتطلب عقلية نقدية لا تقبل المخرجات كمسلمات، بل تحللها وتفحصها.

- التعلم القائم على المشكلات: اذا كانت الالة قادرة على حل المعادلات، فان الانسان هو الوحيد القادر على "تحديد المشكلة" وربطها بسياقها المجتمعي والصناعي. هذا هو جوهر الابتكار الذي يفتقده خريجنا المبرمج على تنفيذ المهام.

3. تحويل الجامعة من محطة تفريغ الى مختبر ابتكار

لقد حذرنا سابقا من تحويل القاعات الدراسية الى محطات لتفريغ المعلومات، واليوم يأتي الذكاء الاصطناعي ليجعل هذا النوع من التعليم منتهي الصلاحية. الربط بالواقع المعاصر يتطلب:

- تجاوز المنهج الورقي: الفارق المفصلي لا يصنعه المنهج المكتوب، بل المساحة الذهنية التي تمنح للطالب ليخطئ ويجرب ويستخدم ادوات الذكاء الاصطناعي كشريك فكري وليس كاداة للغش.

- الاستاذ كميسر للابتكار: لم يعد دور الاستاذ ناقلا للمعلومة (فهي متاحة عالميا)، بل اصبح دوره، كما وصفه الدكتور الشيخلي، في ترسيخ بيئة البحث وثقافة النقد.

4. الرهان على الانسان المفكر

ان الذكاء الاصطناعي كشف ان "عورة التلقين" كانت تكمن في محاولتنا تحويل البشر الى الات استرجاع. واليوم، ونحن بصدد مواجهة "وهم المناهج"، نجد انفسنا امام حقيقة صادمة: المعلومات اصبحت مشاعا، والرهان الوحيد المتبقي للجامعات هو على فلسفة التفكير.

لقد انتهى الزمن الذي كانت فيه الجامعة تترك طالبها تائها فوق حدود الورق، فأما ان نعلمه كيف يخطو بثبات في وعورة طريق الابتكار مستخدما ادوات عصره، او اننا سنستمر في تخريج اجيال تملك عناوين اوكسفورد لكنها تفتقر الى عقل المبتكر الذي يواجه تحديات الواقع.

الخلاصة: المعرفة متاحة، لكن الحكمة في توظيفها هي الميزة البشرية الاخيرة. والجامعة التي لا تتحول الى حاضنة للتفكير النقدي والابتكار، ستجد نفسها خارج التاريخ في عصر لا يعترف الا بمن يصنع الحلول، لا بمن يحفظها.

***

د. محمد الربيعي

بروفيسور متمرس، جامعة دبلن

يرد لفظ "قاموا" في القرآن الكريم ثلاث مرات وفي كل موضع يختلف معناه وسياقه، «وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُوا۟ فَقَالُوا۟ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ اتِ وَٱلۡأَرۡضِ» [سورة الكهف 14]، «وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ» [سورةالنساء: 142] وفي الآية التي نتأمل دلالتها وأنساقها اللغوية «كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا» [ سورة البقرة 20]  جاء لفظ "قاموا" ليعبر عن وضع التوقف ثم مواصلة السير، وقد يرتبط هذا اللفظ من حيت الجناس اللغوي بلفظ استقاموا. فهذا الفعل المزيد بثلاث أحرف ارتبط بالإقامة في قوله وأقاموا الصلاة والاستقامة في قوله تعالى: إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ، ونقرأ في الشعر العربي بيتا مشهورا لأحمد شوقي:

قم للمعلم وفه التبجيل

كاد المعلم أن يكون رسولا

يتضح إذن أن فعل "قاموا" في قوله تعالى يدل على الوقوف، أي الثبات في مكانهم حتى يتبيّن نور البرق. ونتساءل: لماذا لم يقل عز وجل "جلسوا" أو "قعدوا"؟ لعل في ذلك إشارة إلى معنى الهيبة والخضوع؛ إذ أن القيام هنا دالّ على التقدير والخشوع. يقول "البغوي" في تفسيره: «أي وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري لا يمكنه المشي فيها». والقيام هنا دال على التقدير والخشوع. إن التعمق في تأويل الصورة كما يسميها النقاد بالصورة الفنية أو الذهنية يفضي بنا القول إلى أن القوم المخاطبين في الآية يجلسون لما تظلم عليهم الطريق خوفا وترقبا، ويقومون لما تضيء لهم. وبين الظلمة والنور جاء قوله تعالى «الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» [البقرة 257 ]. وبين هذين المعنيين تدور الحلقة الكونية، فنقول واقع مظلم فهو حالك أسود قاتم، وبيت مضيء فهو بهيج مريح، ووجه مضيء فهو صبوح يغشاه نور، قال تعالى: «فأما الذين ابيضت وجوههم...» [آل عمران 107]. قد يوحي الظلام والظلمة بالسواد، بينما يدل الضياء والبياض على النور.

وعودة إلى الآية الكريمة وفي سياق التقابل الدلالي نقرأ في موضع آخر «هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال» [ الرعد12]، لقد أجمعت التفاسير على اعتبار البرق قد يحدث صاعقة وهنا يقع معنى الخوف، وقد يتبعه مطر وغيث وهنا يقع معنى الطمع بعد القنوط من الجفاف فيرسل السحاب المحملة بالأمطار. عبر هذه الثنائية يمكن أن ننتقل إلى معنى آخر يتجلى في الخصائص الأسلوبية للفظ " قاموا"، فالقيام ارتبط في كل الآيات القرآنية المشار إليها سابقا بمعناه اللغوي المباشر أي "الوقوف" لكن في ارتباطها بهذا التأمل والتحليل تدل على الخضوع والتقدير. إن ضوء البرق لا يمكن أن يعتمد عليه سالك الطريق ليلاً؛ لأن المدة الفاصلة بين ظهوره واحتجابه تُقاس بالثواني، لذلك فإن السير في ضوئه لا يحقق غاية السالك. فَلِمَ حضرت الآية في هذا السياق؟ يحيلنا هذا السؤال إلى كون القرآن الكريم يعتمد على مفهوم المشابهة لتقريب المعنى؛ إذ تمثل المشابهة نظاماً من العلاقات اللغوية والدلالية التي تسهم في بناء صورة ذهنية تتيح للمتلقي استكشاف أبعادها. ومن ثم جاءت الألفاظ: أضاء، أظلم، قاموا، مشوا، لتشكّل صورة دلالية متكاملة، مفادها أن الإنسان كلما لاح له نور الأمل قصده وسعى إليه، وكلما أظلمت الدنيا في وجهه تردد وتوقف. فهو بين إقدام وإحجام، بين نور يهديه وظلمة تربكه.

***

د. عبد المجيب رحمون

وضرورة التعايش بين الأديان والثقافات

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسماء والصفات والهويات واللافتات التي نعلّقها على ذواتنا الفردية والجماعية، حتى تكاد تحجب عنا حقيقتنا الأولى، يبدو السؤال عن “الإنسان” سابقًا على كل سؤال آخر: من نحن قبل أن نصبح ما نحن عليه؟ قبل الدين، وقبل القومية، وقبل اللغة، وقبل كل ما نظنه تعريفًا نهائيًا لأنفسنا. هناك، في تلك النقطة البعيدة القريبة، حيث يولد الإنسان عاريًا من كل التصنيفات، تبدأ الحكاية الحقيقية.

فإذا تخيلنا الكائن البشري في الوضع الأصلي قبل اللغة والنار وتصنيع الأدوات لما وجدنا شيئا غير الطبيعة الفجة في حالتها البيولوجية الأولى. وسواء آخذنا بالوحي الإلهي أو التفسير الاختباري العلمي؛ يظل الإنسان هو المعني بالتحول والتغيير والتعقل والتفكير والتأمل فهو من علمه الله الأسماء كلها وجعله خليفته في الأرض. والإنسان العاقل (باللاتينية: Homo Sapiens) هو الاسم العلمي للنوع الوحيد الغير منقرض من جنس الأناسي والمعروف بهومو (باللاتينية: Homo)، الذي يحتوي أيضاً على نياندرتال وأنواع أخرى من القردة العليا. صاغ كارولوس لينيوس الاسم الثنائي للإنسان العاقل (Homo Sapiens) في عام 1758، وهو اسم لاتيني؛ الجزء الأول منه homō بمعنى الإنسان، بينما تكون كلمة sapiēns صفة بمعنى المتميز، الحكيم، أو العاقل. الكائن الوحيد الذي يمتلك القدرة على تعقل العالم ومنحه المعنى. فمن الإنسان لا من غيره انطلقت مسيرة الفكر البشري منذ أقدم العصور وقد كان جسد الكائن وعقله وحواسه وحدسه هي أدواته المتاحة للتعرف على عالمه وفهمه وتدبير العيش فيه ومازال كذلك إلى يوم الدين إذ لم يولد الإنسان مكتمل الهوية كما تولد الكائنات الأخرى محكومة بماهياتها. فالشجرة شجرة، لا تسأل نفسها لماذا هي كذلك، ولا تحلم بأن تكون شيئًا آخر. أما الإنسان، فهو الكائن الوحيد الذي وُجد أولًا، ثم طُلب منه أن يصير. وجوده يسبق ماهيته، وحياته كلها محاولة دؤوبة لكتابة تعريفه الخاص. إنه مشروع مفتوح، لا يكتمل إلا بانطفائه، ولا يستقر إلا في لحظة نهايته. لذلك كانت الهوية عند الإنسان قلقًا دائمًا، وسؤالًا لا يُحسم، وتجربة لا تنتهي.

من المهم أن نفهم، بان كل الهويات التي نتشبث بها—الدينية، والقومية، والطائفية، والعشائرية—ليست سوى اسماء وصفات هوياتية وإضافات تاريخية وثقافية، لا ينبغي أن تُختزل فيها إنسانيتنا. فحين يُسأل الإنسان في مطارٍ بعيد عن هويته، فإنه لا يستدعي كل تلك التفاصيل، بل يختصر نفسه في اسم دولة، في إطار قانوني يمنحه الاعتراف والعبور. كأن العالم، رغم كل تعقيده، لا يعترف إلا بالحد الأدنى من الهوية، بينما نحن نغرق في تضخيم دوائرها حتى تمزقنا.

بيد إن المشكلة لا تكمن في وجود هذه الهويات، بل في تحويلها إلى جدران فاصلة بدل أن تكون جسورًا للتعارف. فحين ينسى الإنسان أنه يشبه الآخر في جوهره البيولوجي والنفسي والعاطفي، يبدأ في تضخيم اختلافاته، ويحوّلها إلى مبررات للصراع. مع أن الحقيقة البسيطة تقول إننا جميعًا نمشي على قدمين ولدينا ذات الحاجات الحيوية التي بدونها تستحيل الحياة كما حددها إبراهام ماسلو إذ نضحك ونبكي، نخاف ونأمل، نحب ونكره، نحلم ونتألم، ونسعى، كل بطريقته، إلى معنى يبرر هذا الوجود.

فكل الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء بما في ذلك الرسل والأنبياء والمستوى الكيمائي فكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياوية بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات والمستوى البيولوجي فكل الكائنات الحية الأرضية تنطبق على قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين كل الاحياء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:

1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.

3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.

(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.

(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.

4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.

وهكذا هو الكائن الوحيد الذي يقول (أنا)

أنت إي لإنسان تجده يشترك مع غيره من الناس في كثير من الأفعال. ويشترك معهم بكل شيء ويختلف عنه بكثير من الأشياء. الحالة الأولى هي موضوع العلوم الاجتماعية والثقافية والحالة الثانية هي موضوع علم الأحياء والعلوم المتاخمة والحالة الثالثة هو موضوع علم النفس والعلوم النفسية وكل فعل يتضمن فاعلين اجتماعية، ويسمى الفعل اجتماعيًا حينما يحدث بين فاعلين أو أكثر هي: ميكروسوسيولوجية وماكروسوسيولوجية صغيرة وكبيرة. وكل فعل اجتماعي يتضمن علاقة اجتماعية، وحينما تتكرر تلك العلاقة تتشكل في بنية أو أطار أو مؤسسية. وحينما تزاوج آدام وحواء لأول مرة تكونت الأسرة النووية وبتكرار التزاوج بين الفاعلين الاجتماعيين عبر الألف السنين واستمرارها تكونت البنى الاجتماعية؛ بنية الأسرة والقرابة والعشيرة والقبيلة والقومية والأمة والإنسانية الأممية اليوم. وبنية المؤسسة التعليمية إذ تحول فعل الدراسة والتدريس إلى علاقة ببن الطالب والمعلم وبتكرار تلك العلاقة تحولت إلى مؤسسة؛ الروضة والمدرسة والجامعة وكل مؤسسات التعليم والتربية التي لا يمكن لها أن تستمر وتدوم إلا باستمرار الفاعلين والعلاقة. والدين مؤسسة تكونت عبر فعل العبادة بين العابد والمعبود بكل اشكالها وأنماطها وبتكرر ذلك الفعل كل يوم وعبر الأجيال منذ الألف السنين بقيت واستمرت المؤسسات الدينية حول العالم . خذ أي ظاهرة أجتماعية وانظر اليه من زاوية نظر منهجية تكاملية ستجدها لا تخرج عن ذلك السياق العام. وبما أن المجتمع حالة متغيرة ومتحولة من حال إلى حال ولا تدوم في نقطة متجمدة فقد ميز علماء الاجتماع وأولهم أوغست كونت بين حالتين للظاهرة الاجتماعية؛ الحالة الديناميكية الحركية والحالة الاستاتيكية الثابتة نسبيًا.

لقد علمتنا الحياة أن الآخر ليس تهديدًا، بل مرآة. فمن خلاله نرى أنفسنا بوضوح أكبر. لكن هذه الرؤية لا تأتي بسهولة، بل تحتاج إلى احتكاك وتجربة وتواضع معرفي. فالإنسان، إذا تُرك داخل حدوده الضيقة، قد يتوهم أنه مركز الكون، وأن طريقته في الفهم هي الحقيقة الوحيدة. أما حين ينفتح على العالم، فإنه يكتشف تعدد الرؤى، ويبدأ في إدراك نسبية ما كان يظنه مطلقً إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها وهنا تتجلى إحدى أهم إشكاليات عصرنا: إذا كان العالم واحدًا في معطياته الحسية، فلماذا يختلف الناس في تفسيره إلى هذا الحد؟ الإجابة تكمن في أن الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما يفهمه. والمعنى لا يسكن الأشياء، بل يُبنى داخل وعينا. لذلك، فإن المعتقدات—الدينية منها والأيديولوجية—ليست مجرد أفكار، بل أنظمة كاملة تحدد كيف نرى العالم ونتفاعل معه ومن يعتقد ويؤمن بشيء، لا يراه احتمالًا، بل يقينًا. وهذا ما يجعل الحوار بين المختلفين صعبًا، لأنه ليس مجرد تبادل آراء، بل مواجهة بين عوالم داخلية متكاملة. ومع ذلك، فإن الفرق الجوهري بين المعرفة العلمية والاعتقاد الأيديولوجي يكمن في قابلية الأولى للاختبار والنقض، مقابل تمسك الثاني بذاته حتى في غياب الدليل وهذا ما يميز العلم عن الرأي فالعلم بوصفه مجال للاختبار والتكذيب والصح والخطأ هو فب جوهره، لغة مشتركة بين البشر. لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى تعصب، لأنه قائم على البرهان. أما الأيديولوجيات، فغالبًا ما ترتفع أصواتها بقدر ما تفتقر إلى الحجج. وهنا يظهر التناقض العجيب في عالمنا: اتفاق شبه كامل على قوانين الطبيعة، يقابله اختلاف حاد في تفسير المعنى والغاية.

وتكمن إنسانية العلم وحياديته في ذلك الاتفاق المدهش بين الجميع من مختلف الشعوب والحضارات واللغات والثقافات والأديان بشأن وحدته المنهجية والنظرية شكلا ومضمونا إذ أن 1+1=2، ومجموع زوايا المثلث 180 درجة. والخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين. والماء يتكون من ذرتي هيدجين وذرة أكسجين. ولَكل فعل رد فعل مساوي له بالقوة ومضاد له بالاتجاه ، ولا شيء يحدث بدون سبب من الأسباب ، ولا تشتغل السيارة الا بالوقود والكهرباء وقس على ذلك حقائق العلوم الوضعية التي تتميز بالموضوعية والشمولية والوحدة في الصين أو في امريكا أو في اسرائيل أو في العراق ,الجميع يدرسون ذات العلوم والنظريات والقوانين العلمية بذات الطرق والاساليب ,بينما يكمن الخلاف والاختلاف والتنافر والتباعد بشأن الاراء والمعتقدات والايديولوجيات بما فيها من ديانات واعتقادات ومقدسات وتشريعات سماوية ووضعية وعادات وتحيزات ثقافية ,وسياسية هنا بالذات سوف نجد أن الخطابات تعلو وتنخفض والاصوات تحتدم وتهدى حينما يتم التعبير عنها ,وكلما كان المرء غير واثق من الاشياء التي يتحدث عنها كلما زادت نبرة صوته ارتفاعا ,وكلما افتقد المرء للبراهين والحجج المقنعة ,كلما زاد صراخه في تأكيد آراءه ومعتقداته الأيديولوجية بينما لايحتاج عالم الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء الى الصراخ والاصوات العالىة للتعبير عن حقائقه وقوانينه العلمية. فالصمت هو سيد العلم الحقيقي والضجيج هو سيد الاعتقادات الايديولوجية. ولكن ليس هناك إلا طريقتان لتوصيل افكارنا الى الأخرين :أما أن نجبرهم على قبولها بالتهديد والتخويف والوعد والوعيد وأما أن نجعلهم يقتنعون بها بقوة البرهان والاقناع المتولد من أرادتهم الحرة بدون جبر أو اكراه من أي نوع كان.

وفي خضم هذا التداخل والتفاعل والصراع، جاءت العولمة لتضع الإنسان أمام نفسه بصورة لم يسبق لها مثيل. لقد تقلصت المسافات، وتسارعت الاتصالات، وأصبح العالم، بكل تنوعه، حاضرًا في حياتنا اليومية. لم نعد نعيش في عزلة ثقافية، بل في احتكاك دائم مع الآخر. وهذا الاحتكاك، رغم ما يحمله من فرص للتعلم، يكشف أيضًا عن فجوات هائلة في القيم والمعايير، مما يولد توترات واضطرابات فحين يرى الإنسان فجأة كيف يعيش الآخرون، وكيف يفكرون، وكيف ينظمون حياتهم، فإنه يُجبر على إعادة النظر في ذاته. وقد يؤدي ذلك إلى انفتاح وتطور، أو إلى انغلاق وعدوان. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على خصوصيتنا دون أن نحولها إلى سجن؟ وكيف ننفتح على العالم دون أن نفقد ذواتنا؟

إن التعايش اليوم، لم يعد خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وجودية. فالعالم لم يعد يحتمل صراعات الهويات الضيقة، لأن آثارها لم تعد محلية، بل تمتد إلى الجميع. ومن هنا، فإن الحاجة إلى قيم التسامح والحوار لم تعد ترفًا فكريًا، بل شرطًا لبقاء الإنسان غير أن التسامح، في معناه العميق، ليس مجرد تحمل للآخر، بل اعتراف بحقه في الاختلاف. هو إدراك أن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، وأن التنوع ليس خللًا يجب إصلاحه، بل ثراء يجب استثماره. وهو، قبل ذلك كله، قدرة على رؤية الإنسان في الآخر، قبل أن نرى انتماءه وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول الأديان—بدل أن تكون مصدرًا للصراع—إلى فضاء للتلاقي. فالمشترك الإنساني بينها أوسع بكثير مما يُتصور. كلها، في جوهرها، تدعو إلى الخير، والعدل، والرحمة، والصدق، والتسامح. وكلها تسعى، بطريقتها، إلى منح الإنسان معنى لوجوده، وأملًا في مواجهة قلقه.

لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الرسائل إلى أدوات للهيمنة، أو إلى هويات مغلقة. وهنا تبرز فكرة “تضافر الأديان” كبديل أعمق من مجرد التعايش. فالتعايش قد يكون اضطراريًا، أما التضافر فهو اختيار واعٍ للتعاون. هو انتقال من مجرد قبول الآخر إلى العمل معه من أجل غاية مشتركة: كرامة الإنسان وفي عالم يواجه تحديات كبرى—من الحروب إلى الأزمات البيئية، ومن الفقر إلى الأمراض—لم يعد ممكنًا لأي جماعة أن تنجو وحدها. إن مصيرنا أصبح مترابطًا، وأي خلل في جزء من العالم ينعكس على الكل. لذلك، فإن التعاون بين الأديان والثقافات لم يعد مسألة نظرية، بل ضرورة عملية.

ختاما يمكن القول إن بين كل الرموز التي يمكن أن تلهم هذا التوجه، يبرز معنى “القيامة” بوصفه فكرة إنسانية عابرة للأديان. فهي ليست مجرد حدث ديني، بل تجربة وجودية تتكرر في حياة كل إنسان: أن يسقط ثم ينهض، أن ينكسر ثم يرمم نفسه، أن يختار الأمل رغم الألم. إنها القدرة على إعادة خلق الذات، وعلى قول “نعم” للحياة، حتى في أكثر لحظاتها قسوة. ذلك هو الرمز والمعنى أن ننهض من تحت ركام الكراهية، وأن نعيد بناء إنسانيتنا على أسس أوسع من كل الانقسامات. أن نرى في الآخر امتدادًا لذاتنا، لا نقيضًا لها. أن ندرك أن أعظم ما فينا ليس ما نؤمن به فقط، بل ما نصنعه من هذا الإيمان في علاقتنا بالآخر فالإنسان، حين يصدق مع نفسه، لا يحتاج إلى معجزة خارجية إذ يكفيه أن يختار الخير، وأن يتمسك بالعدل، وأن يمنح الحب، ليصبح هو معجزته الخاصة. وفي عالم تتنازعه الأصوات العالية، ربما يكون الصمت العميق—صمت الفهم والتأمل—هو الطريق الوحيد لسماع الحقيقة.

وفي النهاية، لا يبقى من كل هذه التعقيدات إلا ذلك الوميض البسيط: إننا، رغم كل شيء، بشر. وهذه الحقيقة، إذا أُخذت بجدية، كفيلة بأن تغير كل شيء.

***

ا. د. قاسم المحبشي

مظاهرها وتأثيراتها على تشكيل الوعي المجتمعي

العبودية أيّاً كان توجّهها، وفي أي مجال، هي ثقافة ونظام يتمّ من خلاله إجبار الناس على العمل بعيداً عن الحرية، وعن التفكير، وعن المطالبة بالحقوق، في الوقت الذي يستفيد فيه الآخرون مادّياً ويتسلقون، هذه الثقافة معمول بها عبر التاريخ، حيث إتخذت العبودية نماذج وأشكال مختلفة، ويبقى القاسم المشترك بين هذه النماذج هو بتر حرية الأفراد، وحرمانهم من أي حقوق سياسية أو إجتماعية أو قانونية، وهكذا انتقلت العبودية من الآباء إلى الأبناء مروراً بأجيالٍ متتابعة، إلى أن توقّف العمل بها عام 1948، حيث حُظرت عملاً بإعلان الأمم المتحدة لحقوقِ الإنسان.

إن العبودية بالمنظور الأوسع هي مؤسّسة قمعية، وهي نتاج علاقاتٍ إنسانية مُعقّدة، وتتلخّص على إجبار الطبقة الأضعف على الرضوخ والمعاناة بسببِ رغبةِ الأقوياء في المجتمع، للسعي وراء الشهرة والسلطة والنفوذ على الآخرين، بدافع الجشع والرغبة في السيطرة.

إنّ مسألة العبودية هي دائمة، وقائمة، حيث أنّ العبودية في كلّ عصر تتّخذ ركيزة أساسية لها.

إنّ العبودية الفكرية هي التحكّم في المعلومات، ومرتبطة بالعبودية الفلسفية، من خلال السعي الأكاديمي.

قولاً واحداً، نحن لسنا أحراراً، لأنّ المكان هو عشوائي و مليء بالتجارب على أدمغتنا وأفكارنا، والعبودية الفكرية المتخفّية تلتهم المواطن من الداخل.

إنّ العبودية الفكرية هي ورمٌ خبيث ينتشر في أدمغة البشر، ويُلوّث نسيجها الثقافي والاجتماعي ، آخذين بعين الاعتبار بأنّ العبودية الفكرية هي أشدّ وجعاً وأفتك خطراً على الشعوب من العبودية الجسدية.

وكلّ ما يحتاجه المستبد هو فكرة شريرة يدغدغ بها مشاعر الناس، ويخاطب بها عواطف البلهاء، أو قضية مقنّعة يُعيد من خلالها تشكيل الواقع كما يشاء.

ومن يبحث في صفحات التاريخ بغض النظر إن كان قديماً أو حديثاً، سوف يرى العلل المميتة لإرادة الشعوب، وكيف استطاعت الشعارات البرّاقة امتلاك إرادة وعقول الناس، والسيطرة عليها، واستغلال سذاجتها واستعبادها، من هنا نستطيع أن نحدد حجم وخطورة العبودية الفكرية.

من يُتابعون الواقع يُدركون تماماً، أنّ الإعلام يلعب دوراً محوريّاً في صقل وتشكيل الرأي العام، حيث تُعتبر الصحافة أبرز الأدوات الإعلامية وتلعب دوراً يؤثّر على السياسة والمجتمع، من خلال تقديم المعلومات وتحليل وقراءة الأحداث.

إنّ الإعلام هو سلطة تملك قدرات تأثيرية جليّة على تحديد مسار الرأي العام والتأثير السياسي.

ولكن للأسف ما نلمسه من الواقع المُعاش هو ليس سلطة الإعلام، بل إعلام السلطة، الذي تُمارسه الأنظمة العربية على إمتداد الساحة العربية المترامية الأطراف، بهدف تعزيز سلطتها، وتوجيه الرأي العام وفق مصالحها وأجنداتها، وتوجيه الرأي العام نحو الأهداف والشعارات الخاصّة بالسلطة الحاكمة وبمراكز القرار. وبالتالي السيطرة على الرأي العام وتوجيهه، والتلاعب بالعقول وبفكر الأجيال.

حيث لم يعد الإعلام مُجرّد وسيط لنقل الأحداث، بل تحوّل إلأى أخطر الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيه مسيرة الرأي والإدراك العام. فهو لا يتوقّف عند عكس الواقع، بل يُعيد إنتاجه وفق منظومة مصالح وقوى متحكّمة.

ومن خلال هذا الواقع تتشكّل لدينا وتبرز إشكالية " العبودية الفكرية " بوصفها ظاهرة مُتحكّمة داخل المؤسّسة الإعلامية، ليس باعتبارها انحرافاً عارضاً، بل كحالةٍ مُزمنة من الارتهان المعرفي والوظيفي.

إن العبودية الفكرية في الحقل الإعلامي تعني بصريح العبارة أن يتحوّل هذا الحقل من مساحةٍ للحرية والتعددية، إلى فضاءٍ مُغلق يُعيد تدوير نفس الخطاب والشعارات، ويُقصي كلّ ما يُهدد النسق المُسيطر والمُهيمن.

إنّها حالةٌ يفقد فيها الإعلامي استقلاليته، وتفقد فيها الوؤسّسة الإعلامية رسالتها وأهدافها، ويُختزل دور الجمهور ليتحوّل إلى مُتلقٍ سلبي، يُعاد تشكيل وعيه وفق ماهو مخطط، و وفق ما يُراد له أن يرى ويفهم.

لذلك نرى أن العلاقة بين الإعلام وبين الأنظمة السياسية، هي علاقة تبعية وانصياع، وهنا تتجلّى العبودية الفكرية بصورها الجليّة، حيث تبدو السلطة هنا بصورة المهيمن الذي يتعمّد إلى إظهار السلطة بأنها تخدم المستضعفين من أبناء الشعب، بينما هي تخدم فئة واحدة من الأعوان والتابعين والمتسلّقين.

العبودية الفكرية هنا ليست مجرّد تبعية تلقائية، بل هي نمط من " الاستبطان القسري " الذي يجعل الأفراد أو المؤسسات يتبنّون خطاباً مُعيّناً دون وعيٍ كاملٍ بالإكراه، إنها حالةٌ من التكيّف مع منظومة فكرية في مطلق الهيمنة، بحيث يصبح الخروج عن عباءتها صعباً أو مستحيلاً.

ويتضح هذا الواقع داخل المجال الإعلامي، حيث تتخذ هذه الظاهرة أبعاداً معقّدة، ففي المجال المعرفي، يتم تضييق أفق التفكير، ويتم حصر التحليل إلاّ ضمن قوالب جاهزة، وهذا يؤدّي إلى شحّ الخطاب الإعلامي وتحويله إلى تكرارٍ روتيني بنمطٍ وحيد.

وفي المجال النفسي، يتشكّل عند الإعلامي خوفٌ ضمني من تجاوز " الخطوط الحمراء " ممّا يُعزّز الرقابة الذاتية.

وفي المجال الإجتماعي، يُعاد إنتاج نفس القيم والتصوّرات التي تخدم بنية الهيمنة، بما يُعمّق الفجوة بين الوعي بحقيقته والوعي مسبق الصنع.

إن هذه العبودية الفكرية لا تُفرض دائماً بالقوة، بل تتسلّل عبر الاعتياد والتطبيع والتلقين، حتّى تصبح جزءاً أساسياً من طبيعة المهنة ذاتها.

هكذا هي العبودية الفكرية، تتجلّى حينما يتم تقييد العقل ضمن حزمةٍ من الأفكار والمعتقدات، التي تعرّقل حرية الإبداع والتفكير الحر والنقد، وتحوّل الإنسان وتجعله جزءاً أساسيّاً من عملية استعباده لنفسه.

إنّ الإعلام ليس كياناً مستقلاً في الفراغ، بل هو ضمن شبكةٍ مُعقّدة من العلاقات مع السلطة السياسية والاقتصادية، وهذه العلاقات لا تكون حيادية في كثيرٍ من الأوقات، بل تؤسّس لمنظومة من التبعية، التي قد تكون متبادلة أحياناً.

حيث أن السلطة السياسية لا تحتاج دائماً إلى القمع المباشر، ويكفي بالنسبة لها أن تتحكّم في تدفق المعلومات، أو تمنح الامتيازات، أو تفرض إطاراً عاماً للنقاش، بهدف ضمان انضباط الخطاب الإعلامي.

كما أن السلطة الاقتصادية تُمارس نفوذها عبر التمويل والإعلانات، ما يجعل الإعلام خاضعاً لمنطق الربح، حتّى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.

كلّ هذه الأمور ينتج عنها إعلاماً " وظيفياً " لا يعنيه البحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى الحفاظ على التوازنات القائمة بشكلٍ هرمي.

 بهذه الحال تتحوّل العبودية الفكرية إلى خيارٍ ضمني إمّا " الامتثال والبقاء " أو " المواجهة والإقصاء ".

بكلّ تأكيد تتجلّى العبودية الفكرية في المقام الإعلامي عبر ممارسات متعددة، بعضها أصبح مألوفاً إلى درجة أنه لم يعد يُنظر إليه بمثابة إشكال.

حيث يتم تقديم الوقائع ضمن سياق مُحدّد يخدم تفسيراً مُعيّناً.

وإعادةِ نفس الروايات حتّى تتحوّل إلى " حقائق " في وعي المتلقي أو الجمهور.

وتجاهل الأصوات الصاعدة المُخالفة بدلاً من مواجهتها.

والتماهي مع الخطاب الرسمي دون مُساءلةٍ حقيقية أو تفكيك نقدي.

وتجاهل القضايا المُعقّدة وتحويلها إلى مُحتوى سريع الاستهلاك ليس إلاّ.

وصناعة الإجماع الوهمي من خلال إيهام الجمهور أن رأياً مُعيّناً هو السائد أو الوحيد.

طبعاً هذه المظاهر لا تُعبّر فقط عن خللٍ مهني، بل عن بُنيةٍ عميقة تُعيد إنتاج العبودية الفكرية بشكلٍ يومي ومنهجي.

من خلال هذا النسق تستند العبودية الفكرية إلى إستعباد العقل والقلب والرؤى والأفكار، وتجعل من الإنسان فرداً خاضعاً، ويتم توجيهه بسلاسة دون الحاجة لإستخدام أي عنف.

فحينما يخضع الإعلام لهذه البنية، عندها تفقد الرسالة الإعلامية بريق جوهرها:

حيث تتحوّل الحقيقة إلى سرديات بعيداً عن أي معيار، كما يصبح الخبر أداة توجيه وليس وسيلة معرفة، ويُعاد تشكيل الواقع فقط وفق ما يُلبي مصالح وأجندات مُعيّنة، وليس وفق ما هو قائم وملموس.

وعلى صعيد الرأي العام تكون النتائج أكثر خطورة: حيث يتم تفريغ وعي الرأي العام من طابعه النقدي، وتحويله بشكلٍ أو بآخر إلى وعيٍ استهلاكي. وبالتالي إنتاج جمهور منقاد، لا يمتلك أدوات التحليل أو المساءلة، وتطبيع ونشر الهيمنة، بحيث يتم قبولها كأمرٍ طبيعي لا يُناقش. وبهذا الشكل لا يعود الإعلام مُجرد ناقلٍ للأفكار، بل يُصبح مصنعاً لإعادة تشكيل العقول في اتجاهٍ واحدٍ وفريدٍ غالباً.

ولمواجهة هذه الظاهرة والحدّ من العبودية الفكرية وتعزيز استقلالية الإعلام، يتطلّب مقاربة وعلى مستوياتٍ مختلفة:

حيث لا بُدّ من تحرير البنية التمويلية للإعلام من خلال دعم نماذج مستقلّة لا تخضع لهيمنة المُعلنين أو السلطة أو مراكز القرار.

وبالتالي إعادة بناء وصياغة التكوين الإعلامي، بحيث يُركّز على التفكير النقدي، وليس على المهارات التقنية فقط. وتعزيز موضوع المُساءلة والشفافية داخل الحقل الإعلامي. ودعم التعددية الإعلامية لضمان توفّر تنوّع الأصوات والأفكار والرؤى. وتمكين الجمهور معرفياً كي يملك القدرة على التفكيك والنقد، و ليس مُجرد مُتلقّي.

إنّ التحرر من العبودية الفكرية ليس قراراً يُتخذ، بل هو مسار ثقافي متشعّب وطويل، يبدأ من نقطة إعادة تعريف ما هيّة دور الإعلام.

إنّ التحرّر الفكري لا يتحقّق ولا بأي شكلٍ من الأشكال من خلال الإنفصال عن المحيط أو العالم، بل يتحقّق بالتحرر من احتكار المعنى، لتحريره من الانغلاق.

إنّ أنسنة الرؤى ليست مُجرّد إصلاح تربوي وثقافي، بل هي ممارسة جماعية للوعي النقدي، ليمنح الأجيال القدرة على مساءلة المنهج الذي شكّل وعينا وفهمنا للعدالة وللحياة، بدلاً من الاكتفاء بالإملاء والإلتزام بالإكراه.

نحن لا نستطيع إصلاح العبودية الفكرية في المؤسسات الإعلامية من خلال بعض التوصيات، لأن هذه العبودية مُتجذّرة وتدار بعناية، لأنّها تخدم مصالح لا تريد أن يطفو الإعلام الحرّ، لأن الإعلام المستقل يُشكّل خطراً عليهم، ويفضح ويُزعزع السرديات الجاهزة.

الحقيقة التي تصدمنا، هي أن الكتلة الكبرى من الإعلام اليوم لا يسعى إلى تحرير الوعي، بل إلى ترويضه، ولا يعمل على توسيع أفق التفكير، بل يعمل جاهداً على تضييقه، وهذا المسار لا ينتج عنه مواطناً ناقداً، بل مُستهلكاً ومُطيعاً.

إنّ التحرّر من العبودية الفكرية هو موقف وجودي، إمّا إعلامٌ حرّ يُقلق السلطة ويوقظ الجميع، أو إعلامٌ يُخدّر العقول والرؤى ويُعيد إنتاج القطيع، وليس هناك أي مجالٍ لمنطقةٍ رماديةٍ بينهما.

***

د. أنور ساطع أصفري

مع (ذي القُروح) يحلو النقاش. وحول شؤون الكتاب العَرَبي، سألته، امتدادًا لنقاشي معه في المساقات الماضية:

- تَرَى إقبالًا تاريخيًّا على معارض الكُتب، لكن هل يعكس ذلك وعي القارئ؟ أم هو نتيجة لحالة من النشاط التجاري؟

- تسمع بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أن تراه! من الصعب التعميم في هذا المجال. غير أنَّ الملحوظ أنَّ معارض الكُتب أصبح يطغى عليها دافعان: الدَّافع التجاري، ودافع المفاخرة بعدد الكُتب المقتناة، وحجمها، وتزيين المجالس والمكاتب بها. ولهذا فإنَّ الإقبال على معارض الكُتب لا يعكس دائمًا وعيًا، أو حتى حبًّا للقراءة. ونحن نعرف أنَّ كثيرًا ممَّن يقتنون الكُتب لا يقرؤونها؛ ولو كان ذلك الإقبال على معارض الكُتب يعني قراءة عَرَبيَّة جادَّة، لاختلف الحال.

- وتتصدَّر كُتب التنمية والروايات سوق الكُتب، فهل لهذا دلالة؟

- الناس يميلون إلى السهل والمسلِّي. حتى في الروايات، تجد أنَّ السوق الرائج هو سوق تلك الروايات الشعبيَّة، أو الهابطة، فنيًّا وربما أخلاقيَّا أيضًا. وهذا بالطبع له دلالة ثقافيَّة وقرائيَّة وتجاريَّة في الوقت نفسه. وهو يؤكِّد ما قلناه، من أنَّ معارض الكُتب ليست دائمًا صورة عن الثقافة والقراءة والاهتمام بالكتاب الاهتمام الحقيقي، لكنَّ هناك مآرب أخرى للناشر وللقارئ من الاهتمام ببعض الكُتب المتصدِّرة واجهات المعارض.

- هل تراكم المؤلَّفات اليوم غدا فائضًا لا حاجة إليه؟

- يظلُّ الكتاب مهمًّا، وإنْ لم يكن جيِّدًا في محتواه، فهو يعطي صورة ثقافيَّة واجتماعيَّة وحضاريَّة، لو لم تخرج إلى العلن لما استطعنا التقييم، ولما استطعنا أن نناقش مثل هذا النقاش، ولما استطعنا أن نؤلِّف كتابًا في النقد الثقافي، على سبيل المثال. فالتراكم، مهما كان سلبيًّا في بعض صوره، مفيدٌ لكشف الواقع والثقافة والعلاقة بين الكتاب والقارئ. عندما تطرح سؤالًا: لماذا يتصدَّر المبيعات كتاب الطبخ، مثلًا؟ أو كتاب الأدب من مستويات معيَّنة، كالأدب العامِّي؟ أو الكُتب القصصيَّة الخرافيَّة؟ فأنت تستطيع من خلال ذلك أن تقيِّم العقل الجمعي والثقافة. والاهتمام هذا لا يقلِّل من أهمية ذلك المنتج، عندما يُدرَس دراسةً نقديَّةً، ولا يظلُّ مجرد مادَّة استهلاكية، تُشكِّل المجتمع والثقافة العامَّة، وتُشكِّل سلوك الإنسان. فعلينا أن نُفرِّق بين المؤلَّف الاستهلاكي والمؤلَّف التوثيقي، وكذلك أن نُميِّز بين القارئ الاستهلاكي والقارئ الناقد. إذن، هذا التراكم يبدو سلبيًّا في حضوره الاستهلاكي، ولكنَّه إيجابيٌّ في حضوره التوثيقي، من ناحية، وبوصفه مادَّة للدراسة والنقد، من ناحية أخرى.

- كثيرًا ما يُسأل السؤال النمطي: ما الكتاب الذي أحدث نقلة نوعية في فكرك ومسيرتك؟ فهل لمثل هذا الكتاب وجود؟

- ليس هناك، كما أرى، كتابٌ يمثِّل نِقلة نوعيَّة في فكر الإنسان ومسيرته؛ لأنَّ الكتاب: مجموعة كُتب، وهو خلاصة مؤلِّفين كُثْر. وكذلك القارئ، أو الباحث، لا يمكن أن نختزله في أنَّه نتاج كتابٍ واحدٍ، أحدث نِقلة نوعيَّة في فكره ومسيرته. إلَّا إنْ كان هذا القارئ محدود الثقافة، وكان لأوَّل مرَّة يقرأ كتابًا فيتحوَّل تحوُّلًا جذريًّا. أمَّا إذا كان يقرأ منذ نشأته، فيصعب أن نقول إنَّ كتابًا واحدًا فعل فيه الأفاعيل. ربما صحَّ هذا في حقلٍ معرفيٍّ بعينه، كالنقد الأدبي على سبيل المثال، أن تقرأ كتابًا فيمثِّل نقلةً نوعيَّةً في مسارك. غير أنَّ ثمَّة كُتبًا كثيرة يصعب على الإنسان أن يُدرِك حصرها، أو متى أحدثت فيه ما أحدثت؟  الإنسان نتاج تراكمات قد لا يكون واعيًا بها، أو قد لا يكون واعيًا بما أحدثه كتابٌ ما فيها. ودعنا نتحدَّث في مجال الأدب، بصفة خاصَّة، فإنَّه يصعب فيه أن تزعم أنَّ كتابًا واحدًا قد غيَّر مسارك. أمَّا في العِلم، فيمكن أن تقرأ كتابًا فتنتقل به نِقلةً تُذكَر. وهذا راجع إلى الطبيعة النوعيَّة المختلفة بين هذين الحقلين (الأدب والعِلم).

- الكُتب التي تراها جديرة بالاقتناء قديما وحديثا؟

- صُبَّه رُدَّه! هذا امتداد للتساؤل الآنف. قديمًا حينما سُئل عن ترشيح بعض الكُتب أشير إلى: «أدب الكاتب» ل-(ابن قُتيبة)، و«البيان والتبيين»، ل-(الجاحظ)، و«الكامل»، ل-(المبرِّد)، و«الأمالي»، ل-(القالي). هذا أيَّام الوصفات الجاهزة! وهذا ما كان يوصي به القدماء في مجال الأدب، ولكن لم يعُد مثل هذا جائزًا اليوم. وإنَّما يمكن، بدل هذا، أن يُشار إلى (مواصفات الكتاب الجيِّد) سواء كان قديمًا أو حديثًا. وهو: أن يكون كتابًا منهاجيًّا عِلميًّا، إذا كان السؤال عن الكُتب العِلميَّة، وأن يكون مؤلِّفه من المتخصِّصين المشهود لهم في المجال الذي نريد أن نقرأ فيه، ونتعلَّم منه. أمَّا تعيين عنوانات أو مؤلِّفين، فهذا يتعذَّر، إلَّا بمعرفة القارئ أوَّلًا: ما الذي يريد أن يقرأ؟ وما تخصُّصه؟ لكي تُرشَّح له الكُتب المناسبة.

- ثقافة التأليف والقراءة حاليًّا، هل فرضت نوعًا من الكُتب بحجم معيَّن ومحتوى يتسق مع الحالة الحضاريَّة؟

- بطبيعة الحال. لكنَّ الحجم لم يعد محلَّ إشكال، فبإمكانك أن تحمل مكتبة كاملة في جوَّالك.

- يقال: الكتاب الأوَّل للمؤلِّف هو كلُّ شيءٍ، وما بعده تنويعٌ واسترجاع!

- غير صحيح.  وإذا حدث، فهو مؤشِّرٌ سلبيٌّ على المؤلِّف والمؤلَّف!

- ماذا عن قرصنة الكتاب؟

- القرصنة جريمة انتهاكٍ لحقوق فكريَّة وعِلميَّة. وهناك أنظمة وقوانين تجرِّم ذلك، وتضع العقوبات الرادعة. وهناك أنظمة للحماية الفكريَّة وحفظ الحقوق الفنيَّة.  وحقوق الملكيَّة الفكريَّة هي إطارٌ نظريٌّ للحماية القانونيَّة لحقوق المبدعين والمنتجين من طائلة الادِّعاء أو السرقة. وقد انضمَّت معظم الدُّول العَرَبيَّة إلى عضويَّة ثلاث اتفاقيَّات دوليَّة لحماية حقوق الملكيَّة الفكريَّة، هي: (اتفاقيَّة المنظمة العالميَّة للملكيَّة الفكريَّة- «الويبو»)، و(اتفاقية بيرن لحماية المصنَّفات الأدبيَّة والفنيَّة)، و(اتفاقيَّة باريس للملكيَّة الصناعيَّة). على أنَّ انضمام أيِّ دولة من الدول العَرَبيَّة إلى عضويَّة منظمة التجارة العالميَّة يصبح ملزمًا لها بأحكام اتفاقية «تربس»، وهي: (اتفاقيَّة الجوانب المتَّصلة بالملكيَّة الفكريَّة في التجارة)، وتُعَدُّ اتفاقيَّةً شاملة. ولقد أدَّت التوجُّسات من آثار حماية الملكيَّة الفكريَّة إلى ظهور منظَّمات أخرى، ك-(منظَّمة الحُريَّة الفكريَّة) Free Software Foundation، التي تسعَى إلى فتح المجال للإفادة من المنتجات، أو نقلها، أو تغييرها، أو تطويرها.  ولعلَّ مخاوف منظَّمة الحُريَّة الفكريَّة من جناية «الحماية الفكريَّة» على «الحُريَّة الفكريَّة» إنَّما تتعلَّق بمجال الصناعات، أو البرامج الحاسوبيَّة، لا بالكتاب. غير أنَّ الكتاب بدَوره قد بات اليوم صناعة، وصار حاسوبيًّا، من خلال النشر الإلِكتروني، الذي تعمُّه الفوضَى غالبًا، وعدم السيطرة على ما تجري فيه من تجاوزات، قد تتخطَّى الأعمال الفكريَّة في ذاتها إلى أشخاص المنتجين. ومن ثمَّ فإنَّ عدم شموليَّة الحماية الفكريَّة سيفتح منافذ شتَّى غير تقليديَّة لاختراق تلك الحماية. وإذا أضفت إلى هذا (ثالثة الأثافي)، وأعني ما يُسمَّى (الذكاء الاصطناعي)، أدركت أنه يمكن توظيفه في (ذكاء لصوصي)، لا يرعَى حقًّا ولا يحترم حماية!

- ماذا عن الحال في المملكة؟

- الوضع الراهن لحقوق الملكيَّة الفكريَّة في المملكة يتمثَّل في الانضمام إلى اتفاقيَّة المنظمة العالميَّة للملكيَّة الفكريَّة (الويبو)، عام 1982م. كما أنَّه صدر (نظام حماية حقوق المؤلِّف في المملكة)، عام 1410ه-= 1990م. وينصُّ على مواد عقابيَّة على تجاوز تلك الحقوق. على أنَّ اتفاقيَّات الملكيَّة الفكريَّة وأنظمتها لن تحمي تلك الملكيَّة إلَّا حين تصبح محلَّ المتابعة والتطبيق، وهذا أمر بَدَهي. والواقع الثقافي العَرَبي عمومًا يكشف عن قصور عامٍّ في التطبيق؛ ولذلك تحدث الاعتداءات والتجاوزات حتى من بعض المؤسَّسات العِلميَّة، ولاسيما في الرسائل العِلميَّة من بعض الجامعات، وفي البحوث المنشورة ضمن مجلَّاتها، الموصوفة ب-«العِلميَّة». 

- ماذا عن فكرة التسويق للكتاب والدعاية له، وهل تراها تنقص من قيمته الفكريَّة؟

- كلَّا. فالكتاب صناعة وسِلعة. وليس التسويق بعيب. غير أنَّ التسويق للكتاب لا يزيد من قيمته الفكريَّة، الكامنة فيه، ولا ينقص. وإنْ كان قد يَصرف عن كتابٍ أجدر بالاهتمام. مع أنَّ السِّلعة الجيِّدة تفرض نفسها في النهاية وتطرد السِّلعة الرديئة.  وهذا مبدأ معروف، حتى في ميدان التجارة، الخالص لوجه التجارة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

لطالما ارتبطت الحضارة الغربية بفكرة راسخة، وإن كانت ضمنية، مفادها أن الجدارة هي الأساس الذي يُبنى عليه التفوق الفردي. فمنذ تصورات أرسطو حول الفضيلة بوصفها نتاجًا للتكرار والممارسة، وصولًا إلى تحليلات ماكس فيبر للأخلاق البروتستانتية، تكرّست فكرة أن العمل الجاد والسعي المستمر هما الطريق المشروع لتحقيق النجاح. لم تكن الجدارة مجرد وصف لسلوك، بل شكلت معيارًا أخلاقيًا يُقاس به الفرد، ودليلًا على قدرته على تشكيل مصيره.

غير أن هذا التصور التقليدي بدأ يتعرض لتحديات عميقة في عصر الذكاء الاصطناعي. إذ لم يعد الجهد البشري شرطًا لإنتاج نتائج عالية الجودة، بعدما أصبحت الآلات قادرة على إنجاز مهام معقدة - كالكتابة والإبداع الفني - في وقت قياسي. وهنا يبرز تساؤل جوهري: ما قيمة الجدارة إذا لم تعد النتائج تعكس مسارًا طويلًا من التعلم أو الموهبة أو الخبرة؟

تكشف هذه التحولات عن فجوة متزايدة بين قيمة النتيجة وقيمة العملية التي تؤدي إليها. فالخوارزميات، بخلاف البشر، لا تعرف الإخفاق أو التردد، بل تعمل بكفاءة مستمرة وتتطور بسرعة. وفي هذا السياق، يمكن استحضار تصور بيونغ-تشول هان لمجتمع الأداء، حيث يتحول الفرد إلى كيان يسعى لإثبات ذاته عبر الإنتاج الدائم. غير أن هذا الدور نفسه أصبح مهددًا، مع دخول الذكاء الاصطناعي بوصفه فاعلًا جديدًا قادرًا على الإنتاج دون قيود إنسانية.

في الأصل، ظهرت الجدارة كبديل عادل للأنظمة الطبقية القائمة على النسب والامتيازات الموروثة. فقد وعدت بإتاحة الفرص بناءً على الكفاءة والجهد. لكن هذا التصور لم يخلُ من الإشكاليات، إذ يشير مايكل ساندل إلى أن الجدارة قد تتحول إلى أداة تبرير أخلاقي للنجاح والفشل، مما يولد شعورًا بالاستحقاق لدى الناجحين، ويعمّق الإحساس بالإقصاء لدى الآخرين.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتفاقم هذه المفارقة. فإذا كانت الأنظمة الذكية قادرة على إنتاج أعمال فنية أو نصوص فلسفية تضاهي أعمال كبار المبدعين، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول طبيعة القيمة البشرية. هل تظل الموهبة معيارًا للتفوق، أم أن قابلية استنساخها تقوّض معناها؟

تُظهر هذه التحولات أيضًا تغيرًا في أنماط السلطة والمعرفة، وهو ما يمكن فهمه في ضوء أفكار ميشيل فوكو، الذي رأى أن كل عصر ينتج أدواته الخاصة لتنظيم السلوك. فإذا كانت الجدارة قد أدت هذا الدور سابقًا، فإن الأنظمة الخوارزمية تؤدي اليوم وظيفة مماثلة، حيث لم يعد التقييم قائمًا على المعرفة بحد ذاتها، بل على القدرة على استخدام التقنيات التي تنتجها.

بذلك، ينتقل مركز القيمة من «امتلاك المعرفة» إلى «إدارة المعرفة»، ومن الجهد الفردي إلى الكفاءة التفاعلية مع الأنظمة الذكية.

وفي نفس السياق لطالما اعتُبرت الموهبة مجالًا حصريًا للإنسان، ومصدرًا لتميّزه. غير أن تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي يقوّض هذا التصور، إذ أصبح بإمكانه إنتاج أعمال فنية ونصوص إبداعية دون امتلاك تجربة إنسانية أو وعي ذاتي. وهنا يبرز تساؤل حول طبيعة الإبداع ذاته: هل هو تعبير عن ذات، أم مجرد إعادة تركيب لمخزون ثقافي؟

في هذا السياق، يمكن استحضار رؤية أومبرتو إيكو للثقافة بوصفها ذاكرة جماعية. إلا أن هذه الذاكرة، حين تُعالج بواسطة أنظمة غير واعية، تتحول إلى مادة قابلة لإعادة الإنتاج بلا حدود، مما يضعف الارتباط بين الإبداع والذات الإنسانية.

في ظل هذه التحولات، يبدو أن مفهوم الجدارة بحاجة إلى إعادة تعريف. فبدلًا من ربط القيمة بالإنتاجية فقط، يمكن النظر إليها من زاوية أوسع تشمل الوعي والمسؤولية. وتنسجم هذه الرؤية مع تصور هانا آرندت، التي رأت أن جوهر الفعل الإنساني يكمن في القدرة على البدء وإحداث الجديد، لا في مجرد تحقيق النتائج.

كما يحذر يوفال نوح هراري من أن المستقبل قد يشهد تنافسًا بين أنماط مختلفة من الذكاء، إلا أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في التفوق على الآلة، بل في الحفاظ على المعنى الإنساني في عالم تحكمه الكفاءة التقنية.

في هذا الإطار، قد تصبح القدرة على التوقف والتأمل - بدلًا من السعي الدائم نحو الإنتاج - قيمة بحد ذاتها. وهو ما يذكّر بأفكار فالتر بنيامين، الذي أشار إلى أن التقدم الثقافي قد يخفي في طياته أبعادًا إشكالية إذا لم يُرافقه وعي نقدي.

وبالمقابل لا يعني صعود الذكاء الاصطناعي نهاية الجدارة بقدر ما يكشف حدودها. فهو يدفعنا إلى إعادة التفكير في ما نعتبره قيمة: هل تكمن في النتيجة أم في التجربة الإنسانية التي تقود إليها؟ وربما يكمن التحدي الحقيقي في الانتقال من مفهوم الجدارة بوصفها إنتاجية، إلى فهم أعمق لها باعتبارها تعبيرًا عن الوعي والمعنى.

في عالم تستطيع فيه الآلات تحقيق الكمال التقني، قد يظل النقص البشري - بما يحمله من تجربة وحدود - هو المصدر الحقيقي للقيمة الإنسانية.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

الكتابة أشبه ببناء معماري، فهي بحاجة إلى تصور عام قبل مباشرة عملية البناء. وقد يتطلب الأمر أحيانا نقض الأساس، أو هدم ما بنيت لتعود من جديد إلى حجر الأساس. ولكل كاتب عالمه الخاص الذي يستمد أحجاره من الواقع اليومي ومشاهداته، ثم يضيف إليها قِطعا من خياله ورؤاه الفنية، ليقدم إلينا في الأخير تجربة من الحياة الإنسانية، تحمل في طياتها مقومات الخلود!

مرافقة الكُتاب أمر حيوي لكل راغب في امتهان صنعة الكاتب، لأن في التنوع الذي يميز طقوس كتابتهم، يمكن للمرء أن يلتقط توجيهات وخطوات، تذلل له الصعوبات، وتُحرره من الرؤى الضبابية التي تكتنف عادة كل مشوار للكتابة في بدايته.

لابد للكتابة، كما يرى الأديب السوري الراحل حنة مينة، من تجارب حياتية بالغة الاتساع والعمق، وفهم البيئة والناس وكل الوجود المحيط بهم. وكلما افتقر الكاتب إلى تجربة الحياة الواسعة، إلا وشعر بالعجز عن إعطاء شيء جيد كل مرة، ليقع بالتالي في فخ التكرار ثم الانطفاء.

إن تحري الخبرات الإنسانية في جميع الأمكنة والأزمنة يتيح للمرء أن يواصل الكتابة، حتى لو كان المجتمع من حوله يتحرك بالمقلوب. قبل أن تحصل الروائية الألمانية من أصل روماني هيرتا موللر على جائزة نوبل سنة 2009، كانت عرضة للتهديد والمطاردة من طرف نظام تشاوسيسكو المستبد، وصودر كتابها الأول.

 لم أواصل الكتابة لدواعي قوة ما، تقول موللر، لكني اكتشفت أنها منحتني صيغة للتماسك الداخلي، ويمكنها أن تدعم وعيي بذاتي. ربما عدم امتلاكي للقوة دفعني لكي أكتب. آمنت لحظتها بأن الكتابة مفتاح يحق لنا التشبث به، حتى لو أدركت أن وقائع الحياة ستبقى على حالها.

وإلى جانب السعي خلف التجربة وتحري الخبرات، ينبغي أن يجيد الكاتب الاصطفاف إلى جانب المبادئ، والمثل الجمالية والإنسانية التي تمنح كتاباته الدفء والصدق اللازمين. لقد أمضى جورج أورويل خمس سنوات من حياته، في سلك الشرطة الامبريالية الهندية ببورما، فمنحته وظيفته فهما أعمق لطبيعة الامبريالية؛ ثم جاء هتلر والحرب الإسبانية الأهلية فعرف جيدا أين يقف، واتجه للكتابة ضد الشمولية ومن أجل الديموقراطية.

عندما أجلس لكتابة كتاب، يقول أورويل، لا أقول لنفسي "سوف أنتج عملا فنيا". أكتبه لأن هناك كذبة أريد أن أفضحها. حقيقة أريد إلقاء الضوء عليها. وهَمي الأول هو الحصول على مستمعين، لكن ليس بإمكاني القيام بمهمة كتابة كتاب، أو حتى مقالة طويلة لمجلة لو لم تكن أيضا تجربة جمالية.

أول خطوة إذن في سبيل إتقان مهارات الكتابة هي التوظيف الجيد للخبرات، والمشاهد اليومية، والإنصات للواقع حتى تمس الكتابة وجدان القارئ، وتصور آماله وهمومه وتساؤلاته. لكن ذلك لا يعني الاكتفاء بنقل الأحداث، أو التقاطها بشكل مجرد كما تفعل آلة التصوير؛ بل يتطلب الأمر إضفاء مسحة جمالية، والإلمام بقواعد التعبير الفني.

 تتصل الكتابة برؤيتنا للعالم، بما يعنيه ذلك من توجيه لآلية الخيال لفهم الواقع، وليس للهروب والالتفاف عليه. لذا فأحد أهم الأسئلة التي على الكاتب أن يواجهها يدور حول منظوره لعلاقة الكتابة بالواقع، وهل عليها أن تتقيد بما يُضمره الكاتب من أفكار ثابتة عن الحياة والوجود، أم يقف على الحياد، تاركا مهام الاستكشاف والتأويل والاستنطاق للقارئ؟

كان إرنست همنغواي أحد رواد الكتابة الجديدة الذين سعوا إلى تجاوز الخطابية التي جعلت من الأدب فنا تعليميا، يُخضع الحياة لأفكار وقناعات مسبقة. تحرر همنغواي من نمطية المدرستين الرومانسية والاشتراكية، حين دافع عن الكتابة باعتبارها رؤية بصرية، تكشف كثافة الانفعالات والتكوين الروحي للإنسان. إنها بمثابة الخُمس العائم من جبل الجليد، والذي يتعين على القارئ وحده أن يكشف عن أربعة أخماسه المغمورة تحت الماء! يقول همنغواي: إذا وصفت شخصا ما، فإنه يصبح شخصية سطحية، كصورة فوتوغرافية؛ وهذا من وجهة نظري يعد تقصيرا. أما إذا قمت بتكوينه بناء على ما تعرفه عنه، فإنه يكتسب أبعادا متعددة.

ولأن الكتابة أخت العزلة، فلا محيد لأي كاتب عن حفر سردابه الخاص، والنزول وقتما ألحّ جنون الكتابة. ذلك أن الاحتدام الذي يتملّك ذاته، بفعل المشاعر والأفكار والانطباعات، يسحبه، شاء أم أبى، من مجريات الحياة العادية.

إن العزلة المتعلقة بالكتابة، تقول مارغريت دوراس، هي عزلة بدونها لا يُنتَج المكتوب. أو أنه يتفتت نازفا في البحث عما يُكتب. هو فقد من الدم لم يعترف به الكاتب بعد. ولأن الرجال لا يتحملون في العادة امرأة تكتب، فقد كانت دوراس مجبرة على أن تصنع وحدتها، وتخاتل العائلة والأصدقاء، بل قد تضطر أحيانا لغلق الأبواب كي تصنع وحدتها، كأن توجد في حفرة، تقول دوراس مرة أخرى، في وحدة شبه كاملة، وتكتشف أن الكتابة وحدها ستنقذك. وأن تعدم أي موضوع لكتاب، دون أي فكرة عن كتاب، فأنت عندئذ ستلقى نفسك، ستستعيدك أمام كتاب. أمام فراغ هائل. كتاب محتمل.

ينجر كل كاتب في بداية مشواره إلى المقارنة، وتحسس مواطن النقص التي قد تؤجل التحاقه بنادي الكُتاب. ولعل الهاجس الذي لا ينفك يطارده، متعلق أساسا بحتمية الموهبة والإلهام خلف كل نص يكتبه، وترقُّب تلك الطاقة الإبداعية التي تغمره بين الحين والآخر، حيث يستمتع بالتدفق السلس للكلمات والجمل. غير أن أليس مونرو صرّحت غداة حصولها على جائزة نوبل للأدب سنة 2013، بأن سر الكتابة يكمن في دقة الملاحظة، والنفاذ بعمق إلى جوهر الناس والأشياء. قد تكشف لحظات التألق عن بعض المقاطع الجميلة، إلا أن الكاتب الجيد عليه أن يضاعف فترات الكتابة إن كان يأمل بالانتظام والإنتاج المتواصل.

لا أعتقد أني احتجت يوما إلى الإلهام، تقول مونرو، فالقصص بالنسبة لي، من أهم الأشياء في العالم. أردت ابتكار بعض هذه القصص؛ هذا كل ما أردت فعله. أما بشأن الموهبة، فهي أمر لم تفكر فيه مونرو، لأن الكتابة كانت شيئا أرادته بشدة. مجالا يمكنها النجاح فيه إذا اجتهدت بما فيه الكفاية. لذا، تضيف مونرو، إذا كانت الكتابة موهبة، فهي بالتأكيد لم تكن موهبة سهلة.

حين يقرر المرء أن يكتب فإنه يفعل ذلك لنفسه أولا. يكتب ليختبر ذاته وبصيرته وحكمه على الأحياء والأشياء من حوله. يكتب لأن هناك تداعيا مؤلما يتلاطم بين حناياه كالموج الهادر. ويكتب أيضا ليُمتع ويؤثر ويؤرق، ويلقي حجرا في بركة الروتين اليومي، علّه يُحدث دوائر حول الدوائر، فيهز الخط المستقيم الذي ملت الأقدام من المشي عليه!

لكن حين يكتب وعينه على المسابقات والأضواء الخاطفة. أو يكتب بيمناه بينما يسراه تحصي المعجبين كل ليلة في مواقع التواصل الاجتماعي. حين يشعر بالخيبة أمام نقد واضح يقوم مساره، أو قراءة جادة تحدد هفواته، آنذاك يشير بوضوح إلى هويته ككاتب رديء.

يحكي الروائي المكسيكي غابرييل غارسيا ماركيز عن شاب في الثالثة والعشرين من العمر، جاء إلى بيته بمدينة مكسيكو، وكان قد نشر روايته الأولى قبل ستة أشهر، ويشعر بالنصر في تلك الليلة لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى ناشره؛ يقول ماركيز، أبديت له حيرتي لتسرعه وهو ما يزال في بداية الطريق؛ فرد علي باستهتار لازلت أرغب في تذكره على أنه استهتار لا إرادي:" أنت عليك أن تفكر كثيرا قبل أن تكتب، لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة لأن قلة من الناس يقرؤونني. إن ذلك الشاب قرر سلفا أن يكون كاتبا رديئا، كما كان في الواقع، إلى أن حصل على وظيفة جيدة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، ولم يعد بعدها إلى إضاعة وقته في الكتابة!"

تتيح مرافقة الكُتاب إمكانية تحسس خطاهم، وهم يمزجون الخبرات والمواقف الإنسانية بعناصر البناء الفني واللغوي التي تحرر كتاباتهم من الفجاجة، وتضمن لها بعثا متجددا كلما امتدت لها يد القارئ. يؤمن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بأن الإنسان حين يبدأ بالاحتجاج يصبح أكثر جمالا. يمكننا قول الشيء ذاته عن الكتابة، فالإنسان حين يكتب يصبح أكثر إنسانية ووضوحا، لأن الكتابة الجيدة أشبه بلعبة المرايا التي تتأرجح خلالها صورتنا بين التقعر والاحديداب، ثم تقودنا في نهاية المطاف إلى التصالح مع الذات.

***

حميد بن خيبش

تتجلى الليبرالية الجديدة في جوهرها كطورٍ متقدمٍ ومأزومٍ في آنٍ واحد من أطوار الرأسمالية العالمية، حيث تتجاوز كونها مجرد حزمة من السياسات الاقتصادية لتستحيل إلى منظومة فكرية شاملة تعيد صياغة الوجود الإنساني برُمّته، وتفكك الروابط التقليدية بين الفرد والمجتمع والدولة. وفي سياق الشرق الأوسط، لم تكن هذه التحولات نتاج تطور داخلي صرف، بل جاءت استجابة قسرية في كثير من الأحيان لضغوط بنيوية بدأت مع أزمات المديونية وصدمات النفط في سبعينيات القرن العشرين، مما أدى إلى تحويل الدولة من مشروع وطني تنموي إلى كيان هشّ يسهل اختراقه واستنزاف موارده. إن هذا التحول لا يقتصر على الأبعاد المالية الجافة، بل يمتد ليشمل محاربة أسس الدولة المدنية القائمة على المواطنة والمساواة، واستبدالها بنماذج من التشدد المنقّح أو الاعتدال المصنّع الذي يخدم استقرار السوق ومصالح القوى الكبرى، وهو ما يستدعي فحصاً دقيقاً للجذور البنيوية التي أدت لنشوء ما يعرف بالدولة الرخوة.

لم تنبثق هذه الدولة الرخوة في المنطقة من فراغ، بل كانت نتاجاً لسلسلة من الصدمات الاقتصادية التي بدأت معالمها تتشكل منذ عقود. فقد شكلت حرب عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف وصعود أسعار النفط نقطة التحول الأولى، حيث أدى تراكم الأموال النفطية في المصارف الغربية إلى تدفق القروض نحو دول العالم الثالث التي كانت تعاني من عجز مالي حاد. ومع حلول عام تسعة وسبعين وتسعمائة وألف، أدى التغيير السياسي الجذري في إيران إلى صدمة نفطية ثانية، تزامنت مع إجراءات نقدية صارمة في الولايات المتحدة لرفع معدلات الفائدة بشكل دراماتيكي لكبح التضخم، مما رفع تكلفة الديون على دول المنطقة إلى مستويات غير مسبوقة، وأوقع الدولة العربية في فخ المديونية المزمنة. هذا الفخ هو الذي منح المؤسسات المالية الدولية الضوء الأخضر لفرض ما يسمى ببرامج التكيف الهيكلي، وهي برامج استندت إلى توافقات دولية طالبت بتفكيك دور الدولة في الاقتصاد، وخصخصة القطاعات العامة، وإلغاء الدعم عن المواد الأساسية، مما أدى إلى تآكل العقد الاجتماعي الذي كان يربط الدولة بالطبقات الشعبية.

في هذا السياق، يمكن تعريف الدولة الرخوة بأنها تلك التي تتخلى طواعية أو قسراً عن مسؤولياتها التنموية والاجتماعية، وتكتفي بدور الحارس لمصالح القوى الاحتكارية المحلية ورأس المال العالمي. ومن المفارقات الصارخة أن هذه الدولة تظهر رخوة وهشة أمام الضغوط الخارجية وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود، لكنها تظل صلبة وعنيفة في قمع الاحتجاجات الشعبية الناتجة عن التهميش الاقتصادي. وتتعرض هذه الدول لممارسات استثمارية مفترسة تستغل عجزها عن سداد الديون، حيث تبرز كيانات مالية تُعرف بصناديق المضاربة الانتهازية التي تشتري ديون الدول المتعثرة بخصومات هائلة، ثم تقاضي هذه الدول في المحاكم الدولية للمطالبة بكامل القيمة الاسمية للديون مع الفوائد والجزاءات، مما يستنزف موارد التنمية الشحيحة ويشل عمليات الإغاثة المالية.

علاوة على ذلك، تبرز ممارسات الإقراض غير المسؤولة المرتبطة بمبادرات دولية كبرى، حيث يتم إغراق الدول الهشة بقروض لمشاريع بنية تحتية ضخمة لا تتناسب مع قدرتها على السداد، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى سيطرة المقرض على الأصول السيادية والمرافق الحيوية. إن هذه الآليات تعمل كقوة مضادة لبناء الدولة المدنية، فبينما تتطلب الدولة المدنية فضاءً عاماً حراً وعدالة اجتماعية ومواطنة متساوية، تقوم الليبرالية الجديدة بتقويض هذه الأسس لصالح منطق السوق والفردية المفرطة. وتستند هذه الفلسفة إلى إنكار وجود المجتمع ككيان عضوي، مما يعني غياب المسؤولية الجماعية عن الرفاه الإنساني، ويؤدي بالضرورة إلى تآكل القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، حيث يتم تبرير التفاوت الصارخ بأنه نتيجة طبيعية للاستحقاق الفردي في حلبة المنافسة.

تشظي القوى الاجتماعية

إن هذا التشظي في القوى الاجتماعية أدى إلى استبدال السياسات الطبقية الجامعة بسياسات هوياتية أو فردية ضيقة، مما أضعف النقابات ومنظمات المجتمع المدني التي تشكل عماد الدولة المدنية. ومع سحب الدولة لخدماتها بذريعة الإصلاح الاقتصادي، انتشر الفقر وتصاعدت الاحتجاجات، وهي فراغات غالباً ما تملؤها الحركات الدينية نتيجة غياب البدائل المدنية المنظمة. وعلى عكس الادعاءات التي تروج بأن الحرية الاقتصادية تؤدي حتماً إلى الديمقراطية، أثبتت التجربة التاريخية في المنطقة أن الليبرالية الجديدة غالباً ما تتحالف مع الأنظمة المستبدة لضمان استقرار السوق، حيث أدت عمليات الخصخصة إلى إثراء نخبة صغيرة من رجال الأعمال المقربين من السلطة على حساب إفقار الملايين، وهو ما أنتج نموذجاً من الاستبداد المالي الذي يستخدم السياسات الاقتصادية لتقليم أظافر المعارضة والحد من المشاركة السياسية الحقيقية.

في موازاة هذه الهندسة الاقتصادية، تجري عملية هندسة جيوسياسية تحت مسمى التشدد المنقّح أو صناعة الاعتدال، وهي أداة لضبط المنطقة وتوجيه تدينها بما يتوافق مع المصالح الأمنية للقوى الكبرى. هذا النموذج ليس عودة للدين في شكله النقي، بل هو إعادة صياغة للخطاب الديني ليكون متوافقاً مع الفردية الرأسمالية والولاء السياسي المطلق. ويتم استخدام خطاب الاعتدال كقوة ناعمة وصلبة في آن واحد لتبييض السجلات الحقوقية وجذب الاستثمارات، بينما تستمر الممارسات القمعية في الداخل. وتتضمن هذه الهندسة ما يمكن تسميته بالخصخصة الروحية، عبر تشجيع نماذج من التدين الفردي التي تركز على الخلاص الروحي المنعزل بعيداً عن أي اشتباك مع قضايا العدالة الاجتماعية أو موازين القوة الاقتصادية، مما يجعلها نماذج آمنة لا تهدد بنية السوق أو الهيمنة السياسية.

التحليل الفلسفي للواقع الراهن

يربط التحليل الفلسفي للواقع الراهن بين الأزمات الأمنية العنيفة وتمرير الأجندات الاقتصادية القاسية، حيث تعتمد السياسات الدولية أحياناً على إحداث صدمة أمنية كبرى تضع الشعوب في حالة من الهلع، مما يشل قدرتها على مقاومة الصدمات الاقتصادية اللاحقة التي تتضمن سحق ما تبقى من شبكات الأمان الاجتماعي. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى مشاريع إعادة الإعمار الكبرى كفرصة لجني الأرباح قبل أن تجف دماء الضحايا، حيث تتنافس الشركات الدولية على مقاولات ضخمة في مناطق دمرتها الحروب التي غذتها السياسات الأمنية ذاتها. إن هذه السياسات أدت إلى ارتهان السيادة الوطنية للمديونية الخارجية، وأفقدت الدول القدرة على رسم استراتيجيات تنموية مستقلة تخدم مصالح شعوبها، وخلقت فجوة هائلة بين نخب معولمة مرتبطة بالاستثمار الأجنبي وأغلبية مهمشة تتحمل عبء التضخم والبطالة.

الفارق الوظيفي

إن الفارق الوظيفي بين الدولة التنموية المستقلة والدولة الرخوة التي أنتجتها الليبرالية الجديدة يكمن في الهدف والمحرك والعقد الاجتماعي؛ فبينما تسعى الدولة التنموية لتحقيق السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية عبر الاستثمار في التصنيع والزراعة والبشر، تكتفي الدولة الرخوة بتسهيل تراكم رأس المال وحماية الملكية الخاصة عبر الاستثمار في العقارات والخدمات المالية والترفيهية. وإذا كان العقد الاجتماعي للدولة التنموية يقوم على الدعم والتعليم المجاني والتوظيف الكامل، فإن نموذج الليبرالية الجديدة يرتكز على الخصخصة والتقشف المالي، مما يحول السياسة الأمنية من حماية المشروع الوطني والحدود إلى حماية النخبة وقمع الاحتجاج الاجتماعي.

ونتيجة لفشل الدولة الرخوة في توفير الأمن الاقتصادي، يميل المهمشون نحو خطابات هوياتية أو دينية متطرفة كآلية للدفاع عن الذات، وهو ما تستغله الأنظمة لتبرير مزيد من القمع الأمني تحت لافتة محاربة الإرهاب. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب رؤية جديدة تتجاوز أوهام الليبرالية الجديدة، وفي مقدمتها وهم كفاءة السوق الحرة المطلقة، ووهم الرشح الاقتصادي الذي يدعي أن ثراء الأغنياء سيفيد الفقراء بالضرورة. إن النهضة الحقيقية تتطلب شراكة جماعية تشمل الدولة المركزية القوية، والمجتمع المدني الفاعل، والقطاع الخاص الوطني، والمنظمات النقابية، بهدف توطين العلم والتكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية محلية بدلاً من الاعتماد على الاستيراد الاستهلاكي.

الدولة المدنية الحقيقية

تظل الدولة المدنية الحقيقية هي الضمان الوحيد لمواجهة التشدد المصنّع والاستبداد المالي، فهي الدولة التي تحترم التعددية، وتصون الكرامة الإنسانية، وتجعل من الاقتصاد وسيلة لرفاه الإنسان لا غاية في حد ذاته لخدمة رأس المال العابر للحدود. إن التحول من الدولة الرخوة المستلبة إلى الدولة القوية بشعبها ومؤسساتها هو التحدي الأبرز الذي يواجه منطقة الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين، وهو المسار الوحيد لاستعادة السيادة المفقودة وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة بعيداً عن هيمنة النماذج الاقتصادية المفروضة من الخارج.

***

غالب المسعودي

من نحن.. ما اصعب هذا السؤال.. ليس لانه بلا جواب، بل لان كل جواب محتمل يحمل شيئا من الوهم وشيئا من الحقيقة. نحن لسنا تعريفا جاهزا، بل طبقات من الحكايات، وتراكم من الاختيارات التي لم نختر معظمها، ثم صدقناها واطلقنا عليها قدرا.

نحن ما بين ما ورثناه وما نستطيع ان نكونه، بين صوت الجماعة الذي يعلو فينا، وهمس الفرد الذي يكاد يختنق. نحن ذلك التوتر الخفي بين الرغبة في الانتماء والخوف من الذوبان، بين الحاجة الى اليقين وقلق السؤال.

ما اصعب ان نعرف من نكون، لان المعرفة هنا ليست كشفا بريئا، بل مواجهة الحقيقه أننا لسنا سؤالا عابرا يلقى في فراغ اللغة، بل نحن مرآة مشروخة تعكس تاريخا طويلا من التردد بين النور والظل؛ بين إرادة الحياة ووراثة الخوف.

نحن أبناء ذاكرة مثقلة، لم تتح لها فرصة أن تنسى ما ينبغي تجاوزه، ولا أن تتذكر ما يستحق. وفي هذا المناخ، نشأت ازدواجية قاتلة: وجوه تبتسم في العلن، وقلوب مأزومة في الخفاء

 الغالبية من شعوبنا، شعوب تعادي المختلف، شعوب تكره الفرح والسعادة والاحتفال، شعوب تخاف وتخشى أن تكون على طبيعتها الإنسانية؟. لماذا؟. لانها شعوب اعتادت على ثقافة الجمود والإنعزال والكراهية. لهذا استمرت كشعوب كسولة غير منجزة، لا تعمل ولا تبدع ولا تحترم الإنسان ولا القانون.

والحقيقه الواضحه في هذه المجتمعات انها مجتمعات متجمده ومتحجره ومتقولبه، والقيمه الأكثر انتشارا هي قيمة التشابه والتطابق بغض النظر عن حق الفرد في الاختيار والاختلاف والتفرد، لهذا تقوم بسحق وجوده لتحوله إلى جزء ملتصق بمنظومتها، ليصبح مجرد حاضنة مؤقتة لما يغرس فيه ويستهلك عمره وقودا للإبقاء على هذه الأفكار التي لم يختارها من الأساس.

مجتمعات غاب العقل فيها تحت ركام خطب الوعيد وكثرة الفتاوى وتقديس ما ليس بمقدس.. مجتمعات لديها إزدواجية أخلاقية سلوكية تحكمها فجوة رهيبة بين مظاهر السلوك وبين حقيقة السلوك.. مجتمعات الإنسان فيها مهدور الكرامة والحقوق ويعتنق ثقافه النفاق والتطبيل لأي سلطه.

مجتمعات مازالت تعتمد في منظومتها التعليميه على الحفظ والتلقين لم يتعلم الفرد داخلها معنى التحليل والنقد والشك حول ما يتلقاه من أفكار ومعتقدات، ولهذا استمر في التعاطي مع أزماته بالبحث عن الحلول في ماضيه وتراثه ومعتقداته وأساطيره وليس في اكتشاف حلول جديدة تلائم الواقع الراهن.

تخلف هذه البنية الذهنية هو نتاج تاريخي انحطاطي مرت عليه قرون طويلة من الانغلاق الثقافي وأعطيت فيه القداسة والتبجيل للنقل والتقليد على حساب العقل الذي تم تغييبه وتقييده ومحاربة ابداعه.. مجتمعات تطغي فبها الطائفية على الإنسانية، والكراهية علي التعايش والتكفير على الحوار والتعصب بدلا من التسامح.

مجتمعات تعمل على وأد السؤال وتضليل القارئ وتجهيل العقل الجمعي.. مجتمعات تزعجهم شعارات الحرية والحياة والتنوع، لأنهم اعتادوا على القمع والتبعية والوصاية على الإنسان.. مجتمعات ممتلئه بالوجوه الكالحة الفاسدة سياسيا واجتماعيا وب لحى منافقة دينيا وبمذهبية وقبلية طاغية وبوسائل اعلامية دنيئة ورخيصة، يمدحون ويطبلون لمن يدفع أكثر ومن يعتلي المناصب

مجتمعات لا يزال خطابها عاطفي ديني لا يحمل أي مقومات علمية أو فلسفية أو حداثية يواجه بها قوة الصناعة وتكنولوجيا العلم ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات والمساواة والتعددية، وعندما تتوحش ثقافة المنع والقمع والكبت في هذه المجتمعات، يتخلف المجتمع، وتتهاوى مؤشرات الاختلاف والتنوع وتقبل الآخر وتتلاشي قيم التسامح والتعايش، وتتراجع مؤشرات الفن والحياة والجمال.

لهذا ستبقى مجتمعاتنا العربية غير جاهزة للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان والعلمانية، طالما تسيطر عليها مؤسسات دينية تخشى من الإنفتاح، وثقافة بدائية يدافع عنها الرعاع، وأنظمة استبدادية ليس لديها من مشروع، سوى مشروع بقاءها في السلطة السياسية

الحل في احترام حق الإنسان في الحياة والحرية والإعتقاد والعدالة، لم تعد اليوم امتيازات حقوقية مجردة يتمتع بها المواطن في وطنه. بل أصبحت، هي الطريقة الأخلاقية التي يتواصل من خلالها الأفراد، ويتفاعلون سياسيا واجتماعيا في الوطن، ليؤسسوا مع بعضهم البعض رؤيتهم للعيش المشترك والنظرة إلى الإنسان

ليست المأساة أن مجتمعاتنا أخطأت الطريق، بل أن الخطأ تحول إلى يقين، واليقين إلى هوية، والهوية إلى قيد يدافع عنه أصحابه وكأنه خلاصهم الوحيد. هنا تكمن المفارقة: أن يصبح السجن فكرة محببة، وأن ينظر إلى الحرية بوصفها تهديدا، لا أفقا

اعتقد ان الحل يبدأ عندما تحفظ الدوله حقوق كل الأديان والأفكار والمعتقدات دون تمييز أو إعلاء أو محاباه

احترام مبدأ الحوار والاعتراف بقيمه الآخر المختلف واحترام الحريات الفردية وعدم مراقبة حياة الآخرين

الاهتمام بملفات التعليم والصحه والتنميه وتحسين معيشه المواطن

ولنعلم ان نزع جذور التسلط والإكراه والوصاية في ثقافتنا وسلوكنا وأخلاقنا، هو المدخل لتأسيس بيئة حاضنة للعلمانية في مجتمعاتنا العربية بعد عقود طويلة عملت فيها الأنظمة والمؤسسات الدينية على زرع أفكار وقيم تعلي من شأن الطاعة والخضوع والخوف وتزدري قيم الفردية والمساواة والحريات

ويستعيد الإنسان فردانيته وانسانيته عندما يستعيد استقلاليته التي ذابت تلاشت مع الأوهام والقطيع والخرافات

علموا اولادكم ان الانسان لا يقاس بما يردده، بل بما يفهمه، ولا بما ينتمي اليه، بل بما يختاره بوعي ومسؤولية.

ان الحقيقة ليست ميراثا يسلم، بل رحلة تخاض، وان السؤال ليس خطرا، بل اول اشكال الحياة في العقل.

علموهم ان الاختلاف ليس تهديدا، بل اتساع في الوجود، وان الاخر ليس خصما بالضرورة، بل احتمال جديد لفهم العالم.

ان الحرية ليست ان يفعلوا ما يشاؤون، بل ان يعرفوا لماذا يفعلون، وان يتحملوا معنى ما يفعلون.

علموهم ان الشك ليس ضعفا في الايمان، بل نزاهة في التفكير، وان اليقين الذي لا يختبر يتحول الى سكون عقيم.

ان العقل لا يستعار، والضمير لا يفوض، وان اخطر ما يفقده الانسان ليس صوته، بل قدرته على ان يفكر.

حدثوا أولادكم عن جمال الحب والفن والرسم والموسيقى والفلسفه ...تحدثوا معهم عن قيم التسامح والعفو والمحبه

عن الصدق والعدل . وعن اهميه العمل والاجتهاد، وعن تقبل الاخر المختلف

حدثوهم عن جمال الحياه وعلمهم ان هناك أرض مشركه من الممكن أن تتسع للجميع

علموهم ان للحقيقه جوانب متعدده كل منا يحمل جانب منها لذلك لاوجود في الحياة للصح المطلق ولا للخطا المطلق

علموهم ان العقل والضمير هما جناحا النفس البشرية السوية يفقدهما الانسان حين تطغي المرجعية على التفكير وحين يترك لغيره تحديد ماهية الخير والشر

علموهم ان الانسان اكبر من اي فكرة تغلقه، واوسع من اي جماعة تعرفه، وانه لا يكون انسانا كاملا الا حين يحتفظ بحقه في ان يعيد النظر، وان يخطئ، وان يتغير.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

"القراءة الناضجة وأنماط القراء"

هناك إشكال يظل معلقاً في هواء كل نقاش ثقافي جاد، من قبيل الإشكالات التي لا نجرؤ دائماً على طرحها بصراحة: لماذا يقرأ اثنان النص ذاته، ويخرجان منه وكأنهما قرآ كونَين مختلفين؟ يقرأ أحدهما تاريخ الفتوحات الإسلامية فيرى ملحمةً من نور، ويقرأه الآخر فيرى مأساةً من دم، يقرأ أحدهما متناً في التجديد الديني فيشمّ فيه رائحة الإيمان المتجدد، ويقرأه الآخر فلا يرى غير الردة المقنّعة، ليس المشكل في النص، بل في الكائن الذي يحمله: القارئ.

هذا الكائن المُهمَل في كثير من دراسات الفكر الإسلامي المعاصر — ذلك القارئ الذي يقف عند عتبة النص حاملاً كل تاريخه وجروحه ويقيناته وهواجسه وشخصياته— هو محور هذه السطور، لأن الإشكالية الحقيقية في أزمتنا الثقافية والدينية ليست أزمة نصوص، بل أزمة قراء لم يُكوَّنوا بعد، ناهيك عن أن التجديد الحقيقي لن يأتي من فوق بقرار، بل سيُولد من أسفل، حيث يجلس إنسان أمام كتاب وهو مستعد فعلاً للقراءة لا للتأكيد.¹

1- في ماهية القراءة وأهدافها

حين عرّف أمبرتو إيكو القراءة بوصفها "تعاوناً نصياً" بين المؤلف والقارئ، لم يكن يتحدث عن نشاط ترفيهي بين دفتَي كتاب،² كان يتحدث عن فعل تأسيسي يعيد بناء المعنى في كل مرة يلتقي فيها عقل بنص، أي أن القراءة — في جوهرها — ليست استقبالاً سلبياً لمعلومات، بل هي ما أسماه بول ريكور "التملّك"، أي ذلك الفعل الذي يجعل الغريبَ مألوفاً والمألوفَ مساءَلاً.³

لكن أي قراءة نقصد حين نتحدث عن مواضيع بالغة الحساسية كالدين والتجديد والنقد والتاريخ والسياسة والجنس والآخر والمقدس؟ ثمة فارق جوهري بين ثلاثة أنواع من الأهداف التي يحملها القراء إلى هذه المواضيع:

أولاً: القراءة الوظيفية التي يمارسها من يقرأ ليستخرج حكماً يُفتي به، أو حجةً يُجادل بها، أو معلومةً يُكمل بها فراغاً، هذا القارئ يستخدم النص كأداة أو كمن يستخدم غوغل في البحث عن معلومة، وعلاقته بالنص علاقة استخراج لا تفاعل.

ثانياً: القراءة التأكيدية وهي الأكثر انتشاراً في مجتمعاتنا، يمارسها من يقرأ ليجد في النص ما يؤكد ما يعتقده مسبقاً. إنه يدخل النص بحكم جاهز ويخرج منه بنفس الحكم، متسلحاً بشعور الاطمئنان، هذه القراءة لا تُكوّن مثقفاً، بل تُحصّن جاهلاً وتجهز متطرفاً..

ثالثاً: القراءة البنّاءة وهي ما نقصده حين نتحدث عن القراءة الناضجة، قراءة تدخل النص بسؤال وتخرج بسؤال أعمق، قراءة تجعل القارئ بعدها مختلفاً عمّا كان قبلها. كما كتب المفكر مالك بن نبي: "الكتاب الحقيقي هو الذي يُغيّر شيئاً في موقفك من الوجود."⁴

والفارق بين هذه الأنواع الثلاثة ليس فارقاً في الذكاء، بل في التكوين — ذلك التكوين الذي تتشارك في بنائه الأسرة والمدرسة والمجتمع والتجربة الشخصية والإرادة الذاتية.

2- أنماط القراء

لعل خريطة أنماط القراء في مواضيع الدين والتجديد والنقد والتاريخ والسياسة والجنس والآخر والمقدس في مجالنا العربي والإسلامي المعاصر، تقودنا الى مشهد عظيم الفوضى وكثير التعقيد، لا يمكننا حصره في ثنائية المتدين والعلماني، أو المحافظ والحداثي، بل الأشكال والنماذج والأنماط متعددة بشكل تشابكي معقد.

أ‌. القارئ المريد: هو ذلك الذي يتعامل مع النص الديني أو التاريخي المقدّس لديه بوصفه خطاباً مطلقاً لا يقبل ولا يحتمل التساؤل، يقرأ السيرة ليُكرّر ما حفظه منها في اللقاءات والجلسات الوعظية، ويقرأ التاريخ ليُمجّد ما أُمر بتمجيده، هذا النمط لا يسمح للنص بأن يُزعزع أفقه المسبق5، وقد تحدث عنه في نظريته عن "أفق التوقع" روبرت ياوس، أي أن القارئ ليس صاحب النية السيئة، وإنما المحروم من الشجاعة التأويلية.

ب‌. القارئ البراغماتي: إنه النمط الأكثر خطورةً لأنه أكثر مراوغة، يتقن فن الاستشهاد الانتقائي، حيث يقطف الآية دون سياقها من قبيل "ويل للمصلين"، ويستحضر الحادثة التاريخية دون حيثياتها، ويقتبس فكرة لمفكر دون فلسفته. هذا النمط منتشر بشكل مثير في الخطاب الديني المتشدد كما في الخطاب العلماني الإيديولوجي على حدٍّ سواء — الإثنين يُعلنان احترام النص وهو في الحقيقة اختطاف واستثمار خارج النص.

ت‌. القارئ المستغرق : يضع كل نص في سياقه الزمني والاجتماعي، وهذه فضيلة حقيقية، غير أنه حين يستغرق في التاريخانية ينتهي إلى حصر النص في زمنه ويرفض أي إمكانية لتجاوزه، مما يُفضي أحياناً إلى نسبية مُفرِطة تجعل كل قيمة رهينة زمانها.⁶

ث‌. القارئ الناقد: نمط يمتلك القدرة على مساءلة النص دون رفضه، والاختلاف معه دون اتهامه، حيث يقرأ التاريخ الإسلامي فيرى الجليل والهشّ معاً، يقرأ التجديد فيُقيّمه بمعايير داخلية وخارجية في آن واحد، لكنه يعاني في واقعنا من وطأة الاتهام المسبق: فهو إما "عميل" أو "علماني" في نظر التقديسي، أو "رجعي" في نظر المتطرف العلماني.

ج‌. القارئ التنويري: هو النمط النادر والمطلوب في ذات الوقت: يقرأ النص الديني والتاريخي بحثاً عن الروح لا القشر، عن المبدأ لا الشكل، عن القيمة الإنسانية الكبرى المختبئة تحت طبقات التفسير والتأويل المتراكمة عبر الأزمنة، هذا هو القارئ الذي بحث عنه إقبال حين كتب تجديد الفكر الديني في الإسلام، والذي قاربه الغرباوي حين طالب بـ"نقد العقل التراثي" والكثير من المفكرين المجددين.⁷

بين هذه الأنماط الخمسة يتوزع معظم قرّاء الفكر الديني والتاريخي في عالمنا، وكثيراً ما يحمل القارئ الواحد خليطاً من أكثر من نمط حسب اللحظة والموضوع والمزاج !!

3- سياجات غير مرئية

لعل أخطر ما يُعيق نضوج القراءة ليس شح الكتب، بل وفرتها المشوّهة في زمن صار فيه الجميع يكتب وقلّ من يقرأ صدقاً وعدلاً، بل ارتفعت سياجات حقيقية أعمق من هذا الواقع المضطرب بمعوقات متعددة منها:

1.  كتب بيار بورديو في التمييز أن كل تلقٍّ ثقافي مشروط بـ"الهابيتوس"، أي تلك المنظومة من المواقف والتوجهات المكتسبة التي تُنظّم ما يُدرَك وما يُهمَل.⁸ أي أن القارئ الذي نشأ في بيئة دينية مغلقة يحمل مصفاة إدراكية ركبت له قبل أن يُولد وعيه، وتقول له ضمنياً: هذا النص مقدّس فلا تُسائله، وذاك المفكر منحرف فلا تقرأه، بالمختصر إنها الأيديولوجيا اللامرئية أو المضمرة !!

2. العديد من القرّاء يُتقنون الحرف لكنهم يفتقرون إلى فن التأويل، أي المقدرة على قراءة النص في ضوء سياقه وقرائنه وتاريخ تلقيه، كمن يقرأ الآية دون أن يملك مفاتيح الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، ومراتب الأحاديث، ومناهج التفسير، فينتج فهماً مشوهاً يُشبه صورةً التُقطت بعدسة مكسورة9، أي أنيميا التأويل..

3. نعيش في التصفح السريع بل هناك دعوات للقراءة السريعة حيث تصنع أدمغتنا على الإشباع الفوري، على التغريدة والمقطع والبوست والمقتطف، بينما الكتاب الفكري الجاد يطلب عكس ذلك تماماً: تركيزاً معمقاً، التعود على كشف الغموض، استعداداً لتعليق الحكم. بينما تشظّي الانتباه الرقمي كمعيق عصري ذو طابع حضاري مثل عالم تيك توك يُنتج قرّاء من نوع خاص: سريعو التلقي، قاصرون عن التأمل العميق.¹⁰

4. غالبا ينظر للتدين الشعبي كظاهرة إنسانية جميلة في بُعدها العاطفي والروحي، لكنه حين يتحول إلى جدار صد وسياج يمنع مساءلة التاريخ أو نقد الموروث الفقهي، يصبح حائلاً دون القراءة الناضجة، وهذا ما كتب عنه المفكر عبد الله العروي تحت عنوان "العقلية السلفية" التي تقرأ الماضي بعيون الحاضر وتقرأ الحاضر بعيون الماضي¹¹، أي التديّن الشعبي كحاجب معرفي ..

4- كيف تُبنى القراءة الحية؟

القراءة الناضجة ليست موهبةً نُولد بها، بل هي تربيةٌ تُكتسب، وتدريب يصقل الذات، وكما أن الأوركسترا تحتاج إلى عازف مُدرَّب لا مجرد شخص يحمل آلة موسيقية، فإن القراءة الناضجة تستلزم تكوّن شروط معينة:

أ‌. الكفاءة اللغوية والتاريخية: القارئ الذي يجهل أن كلمة "الجهاد" في القرن السابع الميلادي لم تكن تحمل بالضرورة الدلالات ذاتها التي اكتسبتها في القرن الحادي والعشرين، يقع أسيراً للغة دون أن يعرف، كون القراءة النصية المجرّدة من السياق التاريخي مثل قراءة خريطة مقلوبة — يمكن أن تُوصلك إلى نتيجة، لكنها نتيجة كارثية، فالكفاءة شرط لا تفاوض فيه.

ب‌. القراءة الإستشكالية: مركز ثقل في معادلة فهم النص واستيعابه والإستشكال آلية محورية في مشوار القراءة، فالنص التراثي لا يُقرأ إلا بسؤال — سؤال يأتي من داخل التراث ذاته ومن خارجه في آن معاً.¹² كما عبر الدكتور طه عبد الرحمن في تجديد المنهج في تقويم التراث، بل أكثر من ذلك القارئ الناضج لا يسأل فقط "ماذا يقول هذا النص؟" بل يسأل: "لماذا قِيل هذا النص الآن؟ ومن يخدم؟ وما الذي يُسكته؟ وما الذي يفتحه؟"

ت‌. التناصّ intertextualité: والذي يعني مهارة قراءة نص في ضوء نصوص أخرى، على سبيل المثال لا يمكننا قراءة مفهوم "الشورى" في القرآن بمعزل عن تاريخ تطبيقه في الفقه السياسي الإسلامي، ولا بمعزل عن النقاشات المعاصرة حول الديمقراطية التشاركية، القارئ الذي يعزل النص يُنتج فهماً مشوها ناقصا مبتوراً.

ث‌. جورج ستاينر في الحضور الحقيقي أو الفعلي يقول: إن النص الكبير — الديني منه والأدبي — يتطلب من القارئ نوعاً من الانفتاح الوجودي، نوعاً من القبول المؤقت بأن تدعك هذه الكلمات تُحرّك شيئاً فيك قبل أن تسأل.¹³ أي هناك تناغم أو شكل من الشرطية بين المقاربة الوجدانية الواعية مع الروح النقدية..

ج‌. إدغار موران في تربية المستقبل يُلحّ على ضرورة تعليم "المعرفة المركّبة" التي تقبل التناقض وتُدرب على التفكير في الأنظمة لا في الأجزاء المعزولة.¹⁴ وهنا يتبلور فهم معقد لدور المؤسسة التعليمية لا يمكن إغفاله، حيث مناهجنا الدراسية تُنتج في معظمها قرّاء يُحسنون الحفظ لا القراءة، يُجيدون الإجابة لا التساؤل.

5- من الورقة إلى الواقع

ما أسماه غرامشي "المثقف العضوي"، ذلك الإنسان الذي لا يُنتج الأفكار في برج عاجي، بل تتشابك أفكاره مع الحياة المعاشة للناس من حوله.¹⁵ والمثقف العضوي في سياقنا الإسلامي المعاصر هو من يقرأ التراث بعيون حاضرة، ويقرأ الحاضر بجذور تراثية، دون أن يستعبده أي منهما.

التاريخ يُقدّم لنا نماذج فذّة لهذا النوع من القرّاء الذين أصبحوا مثقفين مسؤولين، على سبيل المثال لا الحصر ابن رشد الذي قرأ أرسطو وأعاد تشكيله من داخل الأسئلة الإسلامية الكبرى، فأنتج إبداعاً فلسفياً لا مجرد ترجمة، الأفغاني الذي قرأ الحداثة الغربية دون أن يستغرق في خصوصياتها ويفقد هويته، فطرح مشروع النهضة من داخل الإيمان لا رغماً عنه، ثم هناك إقبال الذي قرأ نيتشه وبرغسون وهيغل وخرج منهم بفلسفة إسلامية جديدة للذات والحضارة¹⁶، ومالك بن نبي الذي قرأ التاريخ الإسلامي فاكتشف ظاهرة "القابلية للاستعمار" — تلك القراءة التي غيّرت وعي جيل كامل.¹⁷

هؤلاء لم يكونوا مجرد قرّاء نهمين، بل كانوا قرّاء مسؤولين: يعرفون أن ما يقرأونه يُشكّل أمة، وأن الخطأ في القراءة يُكلّف ثمناً حضارياً كبيرا، لأن القراءة في نهاية المطاف ليست غايةً في ذاتها، إنها مشروع تكوين إنساني وحضاري، والقارئ الناضج حين يستكمل نضجه، ينتقل من الورقة إلى الواقع — يصبح ما قرأه جزءاً من بنيته الأخلاقية والعقلية والروحية، لا مجرد معلومات مُختزنة في ذاكرته.

هنا تتجلى العلاقة العضوية بين القارئ الناضج والمثقف المسؤول: الثاني لا يُولد إلا من رحم الأول، لا يمكن لمجتمع أن يُنتج مثقفين مسؤولين ما لم يُربِّ قراءً ناضجين، والقارئ الناضج — في مواضيع الدين والتجديد والنقد والتاريخ تحديداً — هو من يفهم أن هذه المواضيع ليست ملكاً لأحد: لا للسلطة الدينية التي تحرسها، ولا للعلمانية التي تُريد طيّها، بل هي تراث إنساني حي يستحق أن يُقرأ بكامل الجدية والتواضع والشجاعة والجسارة والجدارة..

فإدوارد سعيد في المثقف والسلطة ينبهنا بأن المثقف الحقيقي هو من يرفض "التسويات المريحة"، من يُصرّ على قول ما يراه حتى حين يُكلّفه ذلك عزلةً أو اتهاماً.¹⁸ وهذا لا يتأتى إلا لمن قرأ جيداً — قرأ بما يكفي لأن يعرف ما يعرف، وما لا يعرف.

حين تُصبح القراءة فعل مقاومة

في زمن التفاهة والمعلوماتية حيث تبرمج عقولنا وفق ما نقرأ وما لا نقرأ، وتُحيط بنا خوارزميات الإحباط والتبعية والنكوص بحيث تعكس لنا ما ألفناه فتُضخّمه حتى يبدو حقيقةً كونية، في ظل هذه الفوضى العارمة، تُصبح القراءة النقدية الناضجة فعلَ مقاومة، مقاومةً لصناعة الجهل المُنظَّم التي وصفها علم اجتماع المعرفة الحديث بـ"الأغنولوجيا"، أي ذلك الحقل الذي يُحلّل كيف تُصنَع الجهالة وتُسوَّق وتُستثمر، ومقاومةً للتهييج الهوياتي على حساب الحقيقة، مما يجعل من كل قراءة دينية أو تاريخية اختبارَ ولاء لا بحثاً عن حق.

القارئ الناضج الذي نتحدث عنه ليس نموذجاً مثالياً معلّقاً في فراغ، بل هو إنسان حقيقي يُكابد تحيزاته ويقاوم يقينياته ويُطلق الأسئلة في مواجهة الإجابات الجاهزة، إنه من يفهم أن قراءة التاريخ الإسلامي بعيون نقدية ليست خيانةً للهوية، بل هي الطريق الوحيد للحفاظ عليها حيّة، وأن قراءة الفكر الديني بعيون تجديدية ليست تفريطاً في الإيمان، بل هي امتداد لروح الاجتهاد التي صنعت حضارة باسم الإسلام في يوم ما.. وربما تكون الجملة الأصدق في وصف ما تفعله القراءة الناضجة هي: أنها لا تُعطيك إجابات، بل تُعلّمك كيف تحيا مع أسئلتك دون أن تستحمر أو تستدمر.. !!

مع تمنياتي للجميع قراءة ناضجة طيبة..

***

ا. مراد غريبي

.......................

الهوامش

¹ جابر عصفور، هوامش على دفتر الثقافة (القاهرة: دار الشروق، 2011)، ص 47-63.

² Umberto Eco, Lector in fabula: La coopération interprétative dans les textes narratifs (Paris: Grasset, 1985), p 63

³ Paul Ricœur, Temps et récit, vol. III (Paris: Seuil, 1985), p. 229

⁴ مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة: عبد الصبور شاهين (دمشق: دار الفكر، 1987)، ص 112.

Hans Robert Jauss, Pour une esthétique de la réception (Paris: Gallimard, 1978), p. 49.

⁶ محمد أركون، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، ترجمة: هاشم صالح (بيروت: دار الساقي، 1990)، ص 92.

⁷ محمد أركون، نحو تاريخ مقارن للأديان الإبراهيمية (بيروت: دار الطليعة، 1993)، ص 34.

Pierre Bourdieu, La Distinction: Critique sociale du jugement (Paris: Minuit, 1979), p. 190.

⁹ نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1990)، ص 41.

¹⁰ نيكولاس كار، ترجمة وفاء يوسف عن دار صفحة سبعة، عام 2021 ص171.

¹¹ عبد الله العروي، مفهوم الإيديولوجيا (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص 78.

¹² طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994)، ص 62.

¹³ George Steiner, Réelles présences : Les arts du sens (Paris: Gallimard, 1991), p. 143.

¹⁴ Edgar Morin, Les Sept Savoirs nécessaires à l'éducation du futur (Paris: Seuil, 2000), p. 47.

¹⁵ Antonio Gramsci, Cahiers de prison, vol. III (Paris: Gallimard, 1978), p. 313.

¹⁶ علي عزت بيغوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: محمد يوسف عدس (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1993)، ص 201.

¹⁷ مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي (الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1980)، ص 97.

¹⁸ إدوارد سعيد، المثقف والسلطة، رؤية للنشر والتوزيع 2005، ص 33

¹⁹ Robert Proctor, « Agnotologie, aux racines de l'ignorance », Le Monde diplomatique, septembre 2021.

ثمة ضرورات معرفية واجتماعية عديدة، تتعلق ببذل الجهد العلمي والمعرفي في عملية تأصيل القيم والمفاهيم، التي تساهم في إدارة حالة التنوع والتعدد في المجتمعات الإنسانية. لأنه لا يمكن دفع المجموعات البشرية المتنافسة أو المتصارعة نحو خيار آخر مختلف، إلا بإقناعهم ثقافيا ومعرفيا بالخيار المختلف، بحيث لا تشعر المجموعات البشرية أن خضوعها أو التزامها بهذا الخيار الجديد يشكل عبئا اجتماعيا ونفسيا عليها. لذلك تنبع الحاجة باستمرار لتأصيل المفاهيم التي تتعلق بطبيعة العلاقة بين المجموعات البشرية التي تعيش في إطار وطني واحد.

ولعل من أهم هذه المفاهيم، التي تحتاج إلى تأصيل وتظهير معالمها ف التجربة الإسلامية التاريخية الخالدة، هو مفهوم التعايش السلمي.

حيث ينطلق أو يتأسس هذا المفهوم من عدة مقدمات نظرية أساسية يمكن بيانها من خلال النقاط التالية:

 1 أن جميع المجتمعات الإنسانية تعيش حالة التعدد والتنوع الأفقي والعمودي. وإن حالة التنوع تخلق حالة من التنافس في أحسن الحالات أو حالة من الصراع المفتوح بين هذه المجموعات البشرية، ولا ريب أن خضوع حالة التنوع إلى مقتضيات الصراع يعني المزيد من الفوضى وعدم القدرة أي مجتمع على صيانة وحدته واستقراره الداخلي.

ولكن مفهوم التعايش يسمح لكل المجموعات البشرية أن تتنافس بعضها إلا أنها جميعا محكومة بصيانة وحدتها الوطنية والاجتماعية من خلال منظومة قيم التعايس السلمي.

2. إن التعايش بين الأطراف والأطياف ليس حالة سلبية، وإنما هو نزعة وحالة إيجابية، تعمل على تظهير المساحات المشتركة والعمل على تفعيلها في الفضائيين الاجتماعي والثقافي.

فالتعايش لا يساوي التساكن، وإنما الانفتاح والتفاعل في صناعة المستقبل والمصير المشترك.

3 إن قيمة التعايش قيمة مضادة لحسم التنافسات والتباينات بين المجموعات البشرية قيمة التعايش قيمة مضادة لحسم التنافسات أو التباينات بي المجموعات البشرية بوسائل قسرية وعنفية .وعليه فإن قيمة التعايش تساهم في إبراز البعد المدني من الصراعات والتنافسات الاجتماعية والسياسية. فمن حق الجميع أن يختلف مع الجميع، ولكن هذا الاختلاف يدار بوسائل سلمية حضارية، وأية محاولة لحسم الاختلافات والتباينات بوسائل عنفية هي حالة مضادة لقيمة التعايش السلمي في المجتمع والوطن الواحد.

انطلاقا من هذه المقدمات النظرية يمكننا أن نقترب من التجربة النبوية فيما يتعلق وتعزيز قيمة التعايش السلمي في ظل مجتمع جديد، وجاء أفراده من بيئات متعددة ويحملون قيما اجتماعية وأعرافا، ليست بالضرورة متناغمة مع بعضها البعض..

فالتجربة النبوية تعلمنا أن قيمة التعايش السلمي لا تبنى إلا باحترام المختلف والمتنوع وصياغة نظام سياسي واجتماعي قادر على استيعاب الجميع بدون نزعات الغلبة والمغالبة.

وحركة الأنبياء ورسالاتهم السماوية، هي مصداق خارجي إلى تلك القيم والأفكار الحية، التي جاءت لنقل الناس من الظلمات إلى النور، ومواجهة كل تلك الأفكار والتوجهات، التي تلغي دور الإنسان في الحياة، وتميت دوره ووظيفته في الحياة.

فالتجربة النبوية بكل مراحلها وأطوارها هي تعمل في آن واحد من أجل:

1 استنبات وغرس قيم الخير والصلاح في نفوس الناس وعقولهم وفي الفضاء الاجتماعي، بحيث تكون حركة الإنسان فردا وجماعة متسقة ومعنى الخيرية والصلاح والعبادة بالمعنى العام قال الله تعالى "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين"

2. طرد ومقاومة كل الأفكار التي تجمد الإنسان وتجعله أسير التقاليد البالية أو تدفعه إلى ممارسة العنف والقتل. فالأنبياء جميعا جاءوا من أجل تهذيب النفس والعقل، وإخراج الإنسان من ربقة الأفكار الميتة والأفكار القاتلة.

وحينما يتحرر الإنسان من هذه الأفكار ويجسد كل مستلزمات الأفكار الحية، فإنه يتحول إلى طاقة إيجابية خلاقة، تتجه باستمرار صوب البناء والعمران.

3. صياغة نظام حياة ومصالح ترعى خصوصيات الأفراد والجماعات الفرعية، دون أن يتغافل عن مقتضيات الجماعة ونظام مصالحها.

ولعل نظام العيش الواحد أو المشترك هو الأقدر في ظل التنوع والتعدد الذي تعيشه المجتمعات الإنسانية لضمان مصالح الجميع بدون افتئات أي طرف على الآخر.

وهذا النظام لا يساوي المساكنة السلمية بين المختلفين والمتنوعين، وإنما يعني العمل الجمعي باتجاه بناء نظام مصالح يضمن حقوق الجميع دون إلغاء أو محارية عناوينهم الخاصة.

فالتنوع الاجتماعي ليس عيبا يجب إخفاؤه، وإنما هو جزء من الناموس والطبيعة البشرية، وأي جهد فردي أو جماعي لإلغاء أو محاربة هذه الحقيقة أو الناموس، فإن مآل كل هذه الجهود الفشل والإخفاق. لأن حقائق المجتمع بطبعها حقائق عنيدة وضاربة بجذورها في عمق التاريخ والاجتماع، ومحاولات الاستئصال والإلغاء، تزيد هذه الحقائق رسوخا ف الوجود الاجتماعي.

والكثير من الحروب الدينية والمذهبية والقومية في العديد من الدول والبلدان، يعود إلى طبيعة الخيارات السياسية المستخدمة التي تلجأ إلى القوة والقهر لدحر هذه الحقائق المجتمعية لصالح حقيقة واحدة، أو نسق أيدلوجي واحد، وأصحاب هذه الحقائق مهما كانت الضغوطات التي تواجههم، فإنهم سيتشبثون بخصوصياتهم وعناوينهم وحقائقهم الذاتية. فالعجز عن إقامة نظام سياسي واجتماعي وثقافي يستوعب جميع هذه الحقائق والخصوصيات، هو أحد الأسباب العميقة التي تنتج ظاهرة الحروب الدينية والمذهبية والقومية.

ولامناص إذا أرادت مجتمعاتنا الخروج من نفق الحروب والتوترات والأزمات الطائفية والمذهبية، إلا الاعتراف بهذه الحقائق، وبناء نظام مصالح مشترك، يستوعب هذه الحقائق ويحميها من كل المخاطر والتعديات، والتجربة النبوية في المدينة المنورة، تعلمنا هذه الحقيقة، فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يلغ حقائق المجتمع، ولم يعمل من أجل دحر خصوصيات فئات ومكونات المجتمع، وإنا عمل على بناء نظام سياسي وإداري وقانوني متكامل يضمن خصوصيات الجميع ويزيل كل عناصر الجفاء والتوتر بينها، ويعمل على بناء متحد اجتماعي مستند إلى احترام التنوع في سبيل بناء وحدة صلبة. ومدونة المدينة المسماة ب (صحيفة المدينة) هي الوثيقة النبوية التي تؤكد هذا الخيار وتشرعه.

وتعتبر أن الوحدات الاجتماعية، لا تبنى بمخالفة ومعاندة حقائق التنوع، بل باحترامها وتقديرها وحمايتها قانونيا وسياسيا.

***

أ. محمد محفوظ

الزمكان غير مُحدَّد مما يفسِّر نسبيته وتغيّره. من الممكن التعبير عن لا مُحدَّدية الزمكان على النحو التالي: الزمكان × صفر = بنية الكون × صفر. فبما أنَّ الزمكان × صفر = بنية الكون × صفر، إذن الزمكان = (بنية الكون × صفر)  ÷   صفر. وبذلك الزمكان = صفر ÷  صفر. لكن الصفر مقسوم على صفر نتيجته غير مُحدَّدة. من هنا، الزمكان غير مُحدَّد. هكذا ينجح قانون الزمكان السابق في التعبير عن لا مُحدَّدية الزمكان.

بما أنَّ، بالنسبة إلى هذا القانون، الزمكان غير مُحدَّد، إذن من المتوقع أن يكون الزمكان نسبياً من جراء لا مُحدَّديته فيختلف باختلاف الموجودات (فالزمكان الذي على يميني قد يكون على يسار شخص آخر). من هنا، ينجح قانون الزمكان السابق في تفسير لماذا الزمكان نسبي. وبفضل هذا النجاح يكتسب قانون لا مُحدَّدية الزمكان صدقه. وبما أنَّ الزمكان غير مُحدَّد، إذن من المتوقع أيضاً أن يتغيّر زمكان أيّ موجود وذلك من جراء لا مُحدَّدية الزمكان مما يفسِّر نشوء الحركة بفضل تغيّر الزمكانات. فإن كان الزمكان مُحدَّداً، فحينها لن يتغيّر. بذلك لا مُحدَّدية الزمكان تفسِّر تغيّر الزمكان. هكذا ينجح القانون السابق في تفسير تغيّر الزمكان (كتغيّر زمكان الكواكب من زمكان إلى آخر المُلاحَظ بحركتها). وعلى ضوء هذا النجاح يكتسب قانون الزمكان السابق مصداقيته.

كما يتصف الزمكان بالتغيّر بمعنى آخر. فبما أنَّ الزمكان غير مُحدَّد، إذن من المتوقع أيضاً أن تتغيّر هندسة الزمكان من جراء لا مُحدَّديته فيتخذ بذلك هندسات متعدّدة ومختلفة مؤدية إلى نشوء طاقات وجُسيمات ما دون ذرية متنوّعة (كنشوء الجاذبية من جراء انحناء الزمكان أي من جراء هندسة الزمكان بشكل منحن ٍ كما يؤكِّد أينشتاين). هكذا ينجح قانون الزمكان السابق (الذي يتضمن أنَّ الزمكان غير مُحدَّد) في تفسير تغيّر هندسة الزمكان. وفي هذا النجاح دلالة على صدقه.

قانون الزمكان السابق قانون علمي لأنه قابل للاختبار. فبما أنَّ، بالنسبة إليه، الزمكان غير مُحدَّد، إذن من المستحيل تحديد الزمكان بِدقة ويقين. من هنا، إذا تمكّنا من تحديد الزمكان بِدقة ويقين، فحينئذٍ القانون السابق كاذب. على هذا الأساس، من الممكن اختبار قانون الزمكان السابق مما يجعله قانوناً علمياً.

بالإضافة إلى ذلك، بما أنَّ الزمكان × صفر = بنية الكون × صفر، وعلماً بأنَّ بنية الكون متكوِّنة من طاقات وكُتَل، إذن الزمكان × صفر = (الطاقة  × الكتلة) × صفر. وبذلك الزمكان = الطاقة × الكتلة ( وذلك من خلال اختزال الصفريْن في المعادلة السابقة). وبما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن كلّ زمكان وإن كان فارغاً يحتوي على طاقات وكُتَل مما يفسِّر نشوء الجُسيمات الافتراضية (الحائزة على طاقات وكُتَل) في الزمكانات الفارغة. وفي هذه القدرة التفسيرية الناجحة دليل آخر على صدق قانون الزمكان السابق.

كما بما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن مع تغيّر هندسة الزمكان تتغيّر الطاقة والكتلة فتنشأ طاقات وكُتَل متنوّعة مما يفسِّر وجود طاقات وكُتَل مختلفة (كطاقة الجاذبية المختلفة عن الطاقة النووية). هكذا ينجح هذا القانون أيضاً في تفسير تنوّع الطاقات والكُتَل واختلافها. من المنطلق نفسه، بما أنَّ الزمكان = الطاقة × الكتلة، إذن مع اختلاف هندسة الزمكان تختلف الطاقات والكُتَل مما يتضمن إمكانية نشوء أكوان مختلفة باختلاف طاقاتها وكُتَلها. هكذا ينجح القانون السابق أيضاً في التعبير عن إمكانية نشوء أكوان متعدّدة ومختلفة.

من جهة أخرى، بما أنَّ الزمكان × صفر = بنية الكون × صفر، إذن الزمكان يتضمن بنية الكون. وبذلك ينشأ الكون من الزمكان. هكذا ينجح القانون السابق أيضاً في تفسير نشوء الكون.

***

حسن عجمي

تأمُّلات في زمن ما بعد الإنسان

تمهيد: هل يعيش الإنسان زمن انقراضه؟ وهل بدأ العد العكسي لتراجع الإنسان عن مركزه الإنساني لصالح النظم الخواريزمية[1]؟ وهل انتهت صلاحية الإنسان وابتدأت ثورة النظم المعلوماتية؟ وهل وقَّع الإنسان صكَّ انقراضه حين ارْتَكَن إلى الراحة والهدوء والدّعة، وسكت عن السؤال وأغلق عنه باب المغامر؟

يُحيلنا هذا الطّرح التراجيدي إلى تحذيرات (فريدريش نيتشه) في كتابه «هكذا تكلم زرادشت» حول "الإنسان الأخير" كمفهوم فلسفي للإنسان الساكن، الرّاضي بوضع الـقطيع، بلا طموح، يسعى فقط للراحة، الأمن، والملذات الصغيرة، ورؤى (هايدجر) حول التقنية التي تحول الإنسان إلى "مخزون احتياطي". فهل أخطأ الإنسان حين سلّم المشعل للنّظم المعلوماتية تقوده مُتَحكِّمةً في عالمه؟ وهل أخطا حساباته وتقديراته واتجاهاته حين ألغت النظم المعلوماتية معناه وغاياته ومسافاته وآماله وتأمّلاته وأخرجته من السياق وحكمت عليه بعدم الصلاحية، فارتاح واطمأنّ على بذرته التي زرعها فيها وأصبح قاب قوسين أو أدنى من التجاوز والاندثار؟

انقراض الإنسان مقاربة تراجيدية ليست موتاً فعلياً، بل عبور نحو ما بعد الإنسانية. فالعالم اليوم تحكمه النّظم الذّكية التي صمّمها الإنسان نفسه ليتنازل لها، بعد ذلك طواعية، عن مكانته ومركزيته ويصبح خادما لها.

مقدمة..

«ما بعد الإنسان» سؤال يضرب عميقا في وجود الإنسان ومركزيته، وفي «النُّظُم المعلوماتية» كواقع يفرض نفسه بقوة، ويعتبر أحد المواضيع إثارة للقلق والدهشة في آن واحد، فهو يطرح تساؤلاً جوهريا تتفرّع عنه أسئلة مقلقة: هل الإنسان بصدد تطوير أدوات وجوده ومعناه، أم بصدد فقدان ماهيته، وتوقيع صكّ انقراضه لصالح النظم المعلوماتية؟

لطالما كان الإنسان هو المركز الذي يدور حوله الكون، والعقل الذي يطوِّع المادة لتخدُم إرادته، غير أننا الآن نقف على أعتاب عصرٍ لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أداة خارجية، بل بدأت تتوغّل في نسيجه البيولوجي وهويته المعرفية. إن "ما بعد الإنسان" ليس مجرد مصطلح تقني، أو تجاوز للقيود البيولوجية الطبيعية، أو تطوير القدرات الجسدية والفكرية ودمج الآلة بالجسد في إطار ما يسمى بالسبيرانية لزيادة كفاءة الذاكرة والحواس والسعي نحو الخلود، أو تأخير الشيخوخة، بل هو صرخة ميلاد لكائن جديد يتشكل في رحم النظم المعلوماتية؛ حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين الانسان كنبض للحياة ومركز لها والنظم المعلوماتية كهياكل منطقية لإدارة البيانات. فهل سنظل في نهاية المطاف "بشراً" كما عهدنا أنفسنا، أم أننا نتحول إلى نسخة مطورة تتجاوز قيود الجسد والزمان؟

ما بعد الإنسان..

هذه ليست نبوءة ولا محض خيال علمي جامح، لكنه، وبحياد تام، تفكير لسيناريو قد يبدو دراميا، ووقفةٌ للتّأمل فيما وصل إليه الإنسان، وفتح نقاش هادئ ورصين عن زمن فقد فيه الإنسان مركزيته لصالح النّظم المعلوماتية، كما فقد إنسانيته ومعناه الحقيقي في الوجود.

هل يعيش الإنسان زمن انقراضه؟ والانقراض هنا لا نعني به المحو والفناء والزوال، بل نقصد به التّخلّي عن مركزيته وفشله في تسيير دواليب الحياة وخلافته في الأرض وإعمارها. وهل بدأ العدّ العكسي لتراجع الإنسان عن غاياته وصلاحياته الإنسانية والوجودية لصالح نُظم لا تعترف بما يؤسّس وجود الإنسان من أخلاق وقيم وعدالة وكرامة وحرية؟ وهل «نهاية الإنسان هي المعرفة؟»[2]، «نعم، لإنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كانت المعرفة ستُنقذه أم أنها ستقتله. سيُقتل، نعم، لكنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كان قُتل بسبب المعرفة التي اكتسبها أم بسبب المعرفة التي لم يكتسبها والتي كانت لتُنقذه لو أنّه عرفها»[3].

لقد استفادة الآلة من معارف الإنسان وحسّنت أدائها، واتّسع نطاق اشتغالها وتحكُّمها في مجرى حياته من مولده إلى مماته، وبرضاه حين أقصى نفسه وركن إلى الظل يستريح بعيدا عن القلق الفكري وعن السؤال، ولم يعد يُقلقه تراجعه عن مركزيته، ولا الضّريبة الباهظة التي يؤدّي ثمنها من وجوده الإنساني والروحي، وحين لم يعد يُلقي بالاً للقيم ولا لتشْييء الإنسان وتسليعه، كلّ شيء يمضي سلساً إلى نهايته وحتفه من دون الشعور بالذّنب أو ضياع الاستقرار النّفسي.

الصلاحية للإنسان أم للنّظم الذكية؟..

لقد سمّى الإنسان الأشياء بمسمّياتها وأغلق الكتاب وغادر مركزه في الدّائرة، وأتلف خريطة وجهاته، وأَبْدَلَ الفعل بالتّفرج والانتظار، ووقف ذليلا يستجدي معارفه وسيْر حياته بكل تفاصيلها ممّنْ وقّع لهم صك انسحابه وأصبح حلاًّ مؤقتا في حين استمرت النظم بذكائها تؤسِّس لوجودها القوي، لأن سنة الحياة أن تُجدّد خلاياها وتتخلّى عن التي ماتت أو أصابها الدمار، وتبحث عن البدائل التي يقود بها العالم الجديد.

أعطى الإنسان، في إطار التسابق الحضاري، كل شيء، وبنفس السرعة التي أعطى بها فقَدَ كل شيء حين زرع روحه في بديلٍ لا يعترف بما يقيم أوْدَ إنسانيته فحكم على سلالته بالتيه والضياع، وجلس في الهامش أسفل الحياة كتوقيع باهت ضائع لا قيمة له، تجاهل الإشارات والتحذيرات وصفّارات الإنذار، وضاعت من يده السلطة، وطوى صُحُفَهُ وأغلق عنه الأبواب، وأمسك مناديل الوداع يلوّح بها غير نادمٍ، ووقف ينتظر جنازته ليُدفن عميقاً من دون اعتراف ومن دون مقاومة، وتخلى عن البحث والسؤال والفضول العلمي والقلق المعرفي لصالح الإجابات الجاهزة من النظم المعلوماتية، واستحلى الاعتماد عليها فأصبحت تختار له ما يقرأ وما يشتري، وكيف يفكّر ويربي أولاده، وكيف يحل مشاكله، في انتظار أن يضيف إلى صك تنازله تنازلات أخرى.

ماذا..

هل يستمر العالم من دون الإنسان؟ وهل سنعيش زمن استحكام قبضة النّظم الذكية في دواليب الحياة وتسيير العالم؟

حين تراجع الإنسان عن مركزيته كان لابد من تدخّل ومن تصحيح للأمور وحكم العالم، وكان لابد أيضا من إصلاح العطب وتحريك دفة العالم يسير بسرعة، وكان لابد أخيرا من إحياء الدهشة والسؤال والانفتاح على آفاق بكر وعلى زمن جديد، زمن لا يخاف المواجهة ولا يركن إلى الراحة، يخاف البُطء والتّوقّف، يدفع العالم إلى الأمام بقوة، يبدو خارج الزمن، لكنه الزّمن وصانع الزّمن، والإنسان في دعته يكره السرعة بينما النظم الذكية تكره الكسل، والسرعة عندها تقتل التفاصيل، بل لا تعترف بها ولا بالقيم والأخلاق والحب أو الكره، تقود الإنسان إلى نهايته وتُبقي العالم مُعلّقاً تتلاعبه التّنبّؤات، تسير به من دون شغف ولا دهشة ولا روح، مُبرْمجٌ من دون مقاومة، ينام ليستيقظ على زمن النظم التي ملكت كل شيء تصوغ أيامه بلا معنى يُعدّدُ خساراته وانكساراته وهزائمه.

ما بعد الإنسان يحتاج نبوءة قوية صادقة، صادمة ومنطقية لنقول لم يبق من الإنسان إلا اسمه وعينان في رأس لا يفكّر كثيراً، ونفَسٌ طالع ونازلٌ، ولا شيء آخر مهم حين تنازل برضاه عن مركزيته ومعناه وإنسانيته ووجوده، وحين سكتَ عن السؤال والبحث فيه.

ما بعد الإنسان أزمنةٌ تمر تَتْرى بلا توقُّف، لا أحد يفتح قلبه ليعي ما وصل إليه الحال، لأن السؤال ضاع، فالعالم بعد الإنسان حكاية تتناقلها الشّفاه تدفعها إلى النسيان، حكاية عن عالمٍ لم يعد شاهداً على شيء، لا هو أفضل ولا أسوأ، يسير بلا توتّر، لا يُفرّق، لا يتعلّق، لا يحب، لا يكره، يسير سريعا بلا توقّف بهدوء مُرْبِك وسلام بارد، بكثير من الرغبة لملء ما بعد الإنسان بعيداً عن الصراع، لأن الصراع إنساني. والإنسان في زمنه هذا موجود وغائب، يعمل ولا يعمل، يتلاشى حضوره، يبتعد عن إنسانيته ومركزيته، يقاوم بما تبقّى له من وجود وقوة كي لا يختفي تماماً وينقرض.

ختاماً..

رغم هيمنة عالم النظم المعلوماتية والسرعة التي يفرضها على الإنسان، يظهر أن زمن "ما بعد الإنسان" ليس وجهة نهائية نصل إليها أو حتفا نُدفعُ إليه دفعاً، بل هو رحلة مستمرة من التكيف والتحول. ورغم كل الإغراءات التي تقدمها لنا الرقمنة من "خلود تقني" أو "ذكاء فائق"، يبقى الرهان الحقيقي ليس في مدى سرعة معالجاتنا لما غمض من الحياة أو سعة ذاكرتنا للتخزين والتحليل، بل في قدرتنا على الحفاظ على تلك "الشرارة" التي تجعلنا بشراً، شرارة التعاطف، والحكمة، والوعي بالجمال، وإنسانية الإنسان. إن الخوف ليس من أن تصبح الآلات مثلنا، بل من أن نصبح نحن مثلها، مجرد نظم معلوماتية باردة خالية من المعنى. لذا، ونحن نخطو نحو هذا المستقبل السيبراني، علينا أن نتذكر أن أعظم إنجاز لمعلوماتيتنا يجب أن يكون تعزيزاً إنسانيتنا، لا محوها، ليبقى الإنسان، بكل تناقضاته وضعفه، هو المعيار الأسمى في عالمٍ تتصارع وتتلاعب به الأرقام.

***

عبد الهادي عبد المطلب

الدار البيضاء / المغرب

....................

[1] الخوارزمية (Algorithm) هي مجموعة من الخطوات المُنظمة والمُتسلسلة التي تُصمم لحل مشكلة محددة أو أداء مهمة معينة.

[2] فرانسيس فوكوياما. نهاية الإنسان (عواقب الثورة البيوتيكنولوجية). ترجمة د. أحمد مستجير. إصدارات سطور 2002. (ص 7 ـ 8)

[3] نفس المصدر (ص 7 ـ 8). جوابٌ لشخصية من رواية «كل رجال الملك» لروبروت وارين.

تقاطع استراتيجيات التلاعب والسياسات الرأسمالية في ظل صراع الاستحواذ القطبي الكوني

تعد منطقة الشرق الأوسط نموذجاً مثالياً لدراسة تداخل القوى الجيوسياسية، والأنظمة الاقتصادية، وآليات السيطرة النفسية التي تهدف إلى إبقاء الشعوب في حالة من التبعية الدائمة. إن الجدل القائم حول "استراتيجيات التلاعب العشر" المنسوبة للمفكر نعوم تشومسكي* وعلاقتها بالسياسة الخارجية الأمريكية، يكشف عن منظومة تتجاوز مجرد التحالفات العسكرية لتصل إلى هندسة الوعي المجتمعي وتطويع الهياكل الاقتصادية لخدمة الرأس مال العالمي. ان تحليل الروابط الهيكلية بين هذه الاستراتيجيات، والتحولات النيوليبرالية في المنطقة، والدور الوظيفي للثيوقراطيات والأنظمة السلطوية في تأمين المصالح الإمبريالية، مع استشراف مآلات هذه السياسات في ظل التحولات الاقتصادية العالمية الجديدة.

اذ تتبدّى منطقة الشرق الأوسط في الراهن السياسي بوصفها المختبر الأكثر تعقيداً لدراسة التمفصلات البنيوية بين القوى الجغرافية السياسية، والأنظمة الاقتصادية العابرة للحدود، وآليات الضبط السيكولوجي الممنهج. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد اضطرابات عابرة، بل هو صراع استحواذ بامتياز، حيث تدار المنطقة وفق "هندسة ارتهان" دقيقة، تهدف إلى تغييب الوعي الجمعي عن القضايا الوجودية عبر تكتيكات الإلهاء السياسي والاقتصادي الممنهجة، لضمان بقائها وقوداً في حريق الحرب العالمية الثالثة المستترة.

نظرية الإلهاء السياسي في إدارة الأزمات

يمثل الإلهاء السياسي الركيزة الأولى في إدارة الأزمات الكبرى؛ حيث لا تهدف القوى المهيمنة إلى حسم الصراعات، بل إلى "تسييلها" وإدارتها بما يخدم استمرار التبعية.

صناعة الأزمات الموازية كستار دخاني

عندما تقرر القوى الدولية تمرير مشروع استحواذ ضخم، كاستبدال مسار طريق تجاري عالمي أو رهن موارد سيادية، يتم افتعال "أزمة موازية" تتصدر العناوين. هذا النوع من الإلهاء يستنزف طاقة المجتمع في نقاشات استقطابية هامشية (دينية أو عرقية)، مما يمنح الفواعل الكبرى "هدوءاً عملياتياً" لإتمام الصفقات الكبرى بعيداً عن الرقابة الشعبية. الإلهاء هنا هو "الفخ" الذي تقع فيه النخب قبل الجماهير، حيث يتم استدراجهم لمعارك جانبية تُستنزف فيها القوة النقدية والسياسية.

التوظيف السياسي للاستقطاب الهوياتي

تعتمد هندسة الارتهان على تفتيش الصراعات الهوياتية كأداة إلهاء دائمة. تحويل الصراع من "شعب ينشد السيادة" إلى "مكونات تتصارع على الوجود" هو ذروة النجاح في إدارة الأزمة عبر الإلهاء، حيث يصبح المجتمع هو الرقيب الذاتي على حركته، وتنسحب القوى الدولية لتؤدي دور "الوسيط النزيه" في أزمة هي من صميم هندستها المسبقة لضمان تفتيت أي كتلة وطنية صلبة.

الإلهاء الاقتصادي والارتهان الهيكلي

يمثل الاقتصاد الميدان الأكثر قسوة لتطبيق نظريات الإلهاء؛ حيث يتم التلاعب بالضرورات المعيشية لضمان الانصياع السياسي الكلي وتحييد القدرة على الاعتراض.

هندسة التضخم وانهيار العملة كأداة للضبط

يُستخدم "الإلهاء النقدي" لكسر إرادة الشعوب. عندما يُقيد المواطن في دوامة البحث اليومي عن السلع الأساسية ويراقب تآكل مدخراته، فإنه يفقد القدرة الذهنية على التفكير في مفاهيم "السيادة النقدية" أو "التحرر من الدولار". الانهيار الاقتصادي المفتعل هو أداة إلهاء وجودية بامتياز؛ فالإنسان القلق على غده المعيشي لا يملك ترف التفكير في "معركة الممرات"، بل يصبح أقصى طموحه هو استعادة استقرار زائف توفره له قوى الاستحواذ مقابل تنازلات سيادية جديدة ترهن ثروات الأجيال القادمة.

سيكولوجيا القروض والمديونية الدائمة

تعمل القروض الدولية كأداة إلهاء اقتصادية بعيدة المدى. يتم تصوير "القرض" إعلامياً كإنجاز ودليل على الثقة الدولية، بينما هو في الحقيقة "أغلال نقدية" تضمن استلاب القرار الوطني. الإلهاء هنا يكمن في حرف الأنظار عن الشروط الهيكلية المرافقة لهذه القروض، والتي تؤدي حتماً إلى تفكيك الصناعة الوطنية وفتح الأسواق المحلية للاستحواذ الأجنبي الكلي تحت ذريعة الإصلاح الاقتصادي.

جيوبوليتيك الممرات وصراع الاستحواذ القطبي

في ظل هذا الضجيج المفتعل من الإلهاء، تدور رحى الحرب العالمية الثالثة حول "عنق الزجاجة" الجغرافي والسيادة المالية العالمية.

طريق الحرير والرد الجيوسياسي الغربي

تمثل مبادرة "الحزام والطريق" الشرقية محاولة جادة لكسر المركزية البحرية الغربية. وفي المقابل، تعتمد القوى الغربية على تكتيك "إحراق المسارات"؛ أي خلق بؤر توتر دائمة في دول العبور الحيوية في الشرق الأوسط. الإلهاء السياسي هنا يتجلى في تصوير هذه النزاعات كخلافات محلية أو ثورات عفوية، بينما الهدف الحقيقي هو تعطيل أي تكامل تجاري قد يخرج المنطقة من دائرة الاستحواذ الغربي المباشر.

السيادة النقدية وسلاح الاستبعاد المالي

إن الاستحواذ على نظام المقاصة والتحويلات العالمي يتيح للأقطاب الكبرى ممارسة "الإعدام المالي" ضد أي كيان يحاول التحرر. الصراع الحالي بين "المركزية الدولارية" والعملات الناشئة هو المحرك الفعلي للأزمات السياسية في المنطقة؛ حيث يتم معاقبة الدول "المتمردة" عبر أدوات الإلهاء الاقتصادي لتصوير فشل التجربة التحررية أمام شعوبها، ودفعها للندم على محاولة الاستقلال.

دور الوسائط المحلية والبرجوازية التابعة

لا يمكن لهذه الهندسة أن تستقر دون وجود "وكلاء" محليين يؤدون أدواراً وظيفية مرسومة بدقة. البرجوازية التابعة والأنظمة السلطوية تتبنى استراتيجيات الإلهاء لحماية امتيازاتها المرتبطة بالمركز الكوني. هؤلاء هم "المقاولون المحليون" لمشروع الاستحواذ، الذين يحولون الأزمات الوطنية إلى فرص لمزيد من الارتهان مقابل ضمانات بالحماية والبقاء في السلطة. إنهم يمارسون "الاستبداد بالوكالة" لضمان عدم خروج الجماهير عن مدارات الهيمنة الدولية.

الاستعمار الرقمي وحروب الخوارزميات

أضيفت "البيانات" كحقل جديد للاستحواذ المادي والمعنوي. تُستخدم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي لتعزيز تكتيكات الإلهاء عبر الفضاء الرقمي؛ حيث يتم توجيه الرأي العام نحو "أزمات افتراضية" تستهلك الغضب الشعبي وتفرغه في قضايا لا تمس جوهر السلطة أو مصالح الشركات الكبرى. إن هندسة الارتهان اليوم تجري عبر شاشات الهواتف بنفس الفعالية التي تجري بها عبر فوهات المدافع، مما يجعل السيادة الوطنية مفهوماً مستباحاً في عالم رقمي لا يعترف بالحدود.

مآلات الحرب العالمية الثالثة في الشرق الأوسط

إن التوقعات تشير إلى أن المنطقة ستظل ساحة "للاشتباك غير المتناظر". الحرب العالمية الثالثة هنا ليست مواجهة نووية شاملة -حتى الآن- بل هي عملية تفتيت مستمرة للكيانات الوطنية لصالح فواعل دولية جديدة. إن "تسييل الدول" وتحويلها إلى أشباه كيانات هو الهدف الأسمى لصراع الاستحواذ، حيث يسهل نهب الموارد وتأمين الممرات في ظل غياب سلطة وطنية مركزية قوية تمتلك قرارها السيادي.

نحو وعي سيادي ضد التلاعب

إن التحرر من "هندسة الارتهان" يبدأ من إدراك أن كل أزمة (سياسية أو اقتصادية) نعيشها هي تكتيك إلهاء مدروس لتمرير مشروع استحواذ كوني. السيادة الحقيقية لا تستعاد بالشعارات، بل بامتلاك "الدفاع الذاتي المعرفي" الذي يربط بين حركة النقد الدولي وبين لقمة العيش، وبين النزاع الهوياتي المفتعل وبين ضياع السيادة على الأرض والممرات. إنها حرب وعي بامتياز، والانتصار فيها يبدأ من استرداد القدرة على "الانتباه السيادي" لما يحاك في الكواليس الدولية المظلمة.

***

غالب المسعودي

...............................

* هذا النص ليس من تأليف نعوم تشومسكي. يعود أصل هذا النص إلى وثيقة فرنسية نُشرت عام 2002 بعنوان "أسلحة صامتة لحروب هادئة وقد قام كاتب فرنسي يدعى سيليفان تيمسيت بتلخيص هذه الاستراتيجيات في مقال.

اول مجموعة من مقالات شعرية لـ البير كامو نُشرت في الجزائر العاصمة عندما كان بعمر عشرين عاما، هذه المجموعة تكشف عن جمال مأساوي في فلسفة كامو المبكرة. حين شارف على نهاية عمله المهني، نظر كامو رجوعا في أولى مقالاته المنشورة، والتي كانت بعنوان الجانب الخطأ والجانب الصحيح، واستنتج ان العمل الذي بدأ هنا لايزال في طور التحول الى عمله الحالي. ما نجده معبّرا عنه في هذه المقالات القصيرة يمكن اعتباره الأصل المادي لكل عمله اللاحق. هذه المقالات الساذجة والجميلة تستحق القراءة في حد ذاتها لكنها أيضا مفيدة جدا لاولئك الذين يبحثون عن فهم عميق لفلسفة كامو في الحياة.

البير كامو (1913-1960) نشر الجانب الخطأ والجانب الصحيح عام 1937. الكتاب عبارة عن مجموعة من خمس مقالات ترتكز في معظمها على تجارب كامو الشخصية وتأملاته في الحياة في الجزائر. غير ان واحدة من هذه المقالات "الموت في الروح" هي حول رحلة الى براغ، والمقالة الأخرى "حب الحياة" تدور أحداثها في بالما. كان كامو بعمر العشرين عاما عندما بدأ العمل في هذه المقالات وكانت غير معروفة تماما في الحلقات الأدبية. ولاحقا في عام 1958 اعيد اصدار المجموعة القصصية بمقدمة كتبها كامو الكاتب العالمي الشهير اليوم.

 ورغم ان كامو لم يكن قد وجد صوته بعد، لكن تلك المقالات المبكرة تقدم رؤى ساحرة في تطور وسمة أفكاره. بالتأكيد، نحن نستطيع رؤية كامو الشاب يصارع مع أفكار جديدة قام بتوسيعها لاحقا وبنى عليها، لكن هناك أيضا جمال غريب في النثر يجعل كل من هذه القصص تستحق القراءة بحد ذاتها. أي، ان هذه المجموعة لها قيمة اكبر من كونها مجرد سجل لأفكار كامو الشاب.

هناك سذاجة ساحرة في العمل. حينما نقرأ، نشهد تلاشي تدريجي للأفكار، تحولا مفاجئا في النغمة والعواطف، واحساس بالحرج في الكتابة. لكن عند أخذ كل هذا في الاعتبار، نجد هناك شيئا آخرا في النص يكشف اكثر من عدم تجربة الكاتب. هناك عذوبة في "الجانب الخطأ والجانب الصحيح"، حتى لو كنا مطلعين على بعض الأفكار المتضمنة في المقالات. من الواضح ان كامو يكافح للتعبير عن شيء ما جديد بلغة أفكار تختلف عن تلك المستخدمة عادة. موضوعه، الذي تتعلق به كل واحدة من مقالاته، هو الى حد ما غامض وغير مؤكد.2690 camo

كلا وجهي العملة

L Envers et L Endroit عنوان يصعب ترجمته الى الإنجليزية. اليوم، نحن نجد من الشائع انه "الجانب الخطأ والجانب الصحيح"، لكن أحيانا يُستعمل عنوان "بين بين" Bet wixt and Between. من الممكن ترجمة العنوان الأول الى "كلا جانبي العملة"، والذي أيضا يكون ذا معنى.

في الحقيقة، مع ان العنوان ليس مثاليا، لكنه سيكون ذو معنى بالنسبة للافكار التي يحاول كامو القبض عليها. في الفرنسية، تشير عبارة L Envers et L Endroit الى كلا جانبي قطعة من القماش. وبطريقة مشابهة، نحن نستطيع تصور كلا جانبي العملة. في مقالاته، يمسك كامو بكلا جانبي القصة او الفكرة. النظر الى جانبي عملة عادية يُشار لهما بالوجه الامامي والخلفي. "الوجه الامامي" عادة يصف رأس حقيقي لشخص ما، و "الوجه الخلفي" يصف فكرة هامة ترتبط بالدولة. في علم المسكوكات، الجانب الرئيسي هو الوجه، والمعكوس له هو ظهر العملة. لماذا يُعد هذا هاما لنقاشنا؟

انه يتعلق باقتراح تفضيل الأفكار. استخدام استعارة العملة للحديث عن أفكار، هناك اقتراح لفكرة رئيسية ومن ثم طريقة ثانوية او معكوسة لرؤية الأشياء. انها تشبه الإقرار بوجود وجهة نظر أخرى، لكنها تحمل أقل وزنا. مع ذلك، هذا ليس ما يقصده كامو. هو لا يقول هناك طريقتان لرؤية الأشياء ونحن نستطيع التقاط واحدة، بل هو يقول انت لا تستطيع امتلاك واحدة بدون الأخرى. لكي تمتلك عملة يعني انك تمتلك كلا الجانبين.

في ضوء النقاش أعلاه، فان ترجمة عبارة L Envers et Lendroit الجانب الخطأ والجانب الصحيح تشجع كثيرا فكرة وجوب ان نفضل وجهة نظر على أخرى. لقد رأينا هذا ليس ما يحاول كامو نقله. مع ذلك، نحن سنستمر باستخدام هذه الترجمة لأنها حاليا الأكثر شهرة. وبالتحرك قدما، لننظر في الأفكار التالية:

الله موجود، او هو غير موجود

من غير الممكن ان نمتلك ضوء بدون ظلام

نحن نستطيع التفكير في العبارة الأولى كفكرتين متضادتين: ان الله موجود والفكرة المضادة في انه غير موجود. هنا، قد يجادل احد لدعم الأولى وشخص اخر يجادل لأجل الأخيرة. سوف لن يكون هناك معنى في كلا العبارتين الله موجود وغير موجود. انظر في هذه العبارة الغريبة: "انت يجب ان تقبل بوجود الله الى جانب عدم وجوده". الان، دعونا ننظر في العبارة 2. عندما نفكر في الظلام كغياب للضوء، عندئذ نحن نحتاج الى الضوء ليوجد لكي يكون هناك ظلام. نفس الشيء ينطبق على السعادة: لكي تكون سعيدا، نحتاج ان تكون هناك فترات من عدم السعادة (او على الأقل فترات في ان تكون لا سعيد ولا حزين). من المنطقي القول عن الحياة، "انت يجب ان تقبل بانه بدون أوقات سيئة، سيكون هناك لا وجود لأوقات جيدة". بالطبع، انت قد لا توافق على هذه الفكرة، لكن مع ذلك من الممكن ان يكون معنى لها. بالنسبة لكامو، الحياة تتألف من الضوء والظلام، ولكي نعيش، نحن يجب ان نقبل حضور الاثنين. تماما مثل امتلاك عملة، انت يجب عليك قبول ان تأتي بوجهين.

سخرية البير كامو

المقالة الاولى من الجانب الخطأ والجانب الصحيح تتأمل في عمر الشيخوخة وهي بعنوان "سخرية". يبدأ كامو بوصف الموقف اللاسعيد لـ امرأة مسنة مصابة بالشلل كان يعرفها ذات مرة. اختزلتها ظروفها وعمرها من انسانة نابضة بالحياة وكثيرة الكلام الى امرأة عجوز صامتة لا تتحرك، كأنها شخص متدين بعمق، يرافقها تمثال من الرصاص للمسيح وتمثال من الجص ليوسف وهو يحمل الطفل يسوع. يصف كامو زيارة الى بيت عاشت هي فيه مع بنتها. هو وآخرون التقوا هناك للعشاء قبل الذهاب الى السينما لرؤية فيلم كوميدي. المرأة العجوز جرى تجاهلها، تجلس بصمت في كرسيها. هي لا تستطيع المشاركة في الطعام بسبب مشاكلها الهضمية. كامو يشفق عليها ويحاول التحدث اليها. بعد ذلك، يظل مدركا باستمرار لوجودها الصامت في الغرفة. عندما تستعد المجموعة للمغادرة، هو يهز يد المرأة المسنة. هي سوف لن تدعه يغادر، هي تبكي، لا تريد ان تُترك وحيدة. لكنهم بالفعل يتركونها. في الخارج، هو ينظر الى الأعلى من الشباك ويرى الضوء قد انطفأ. بنتها تعلن ان أمها تفضل الجلوس في العتمة عندما تكون وحيدة.

 في المقال، كامو أيضا يقدم وصفا مختصرا لشخصيتين أخريين مسنين: رجل مسن لا احد يستمع له في الحانة ومعه جدّته. الرجل المسن يحاول باستمرار الانتباه للرجال الشباب في الحانة. هو يحكي قصة ويكثّف حركاته التهريجية لجذب انتباه الناس. كل واحد، بمنْ فيهم الرجل العجوز، يشعرون بالحرج المتزايد من جراء تصرفه. كامو أيضا يناقش سلوك جدته الهستيري والمتسلط، وبالذات خوفه من الظهور كأنه غير صادق عند البكاء في جنازتها: وهي الفكرة المركزية في (الغريب).

بين نعم ولا

كامو في مقهى مغاربي في الجزائر العاصمة. الوقت مساءً، وهو يتأمل في الذاكرة والسعادة. رجل عربي مسن يجلس القرفصاء عند المدخل، أنفاسه تبدو تتناغم مع أصوات البحر. كامو يشكل انطباعا في اللامبالاة السلمية للكون. تأتي الى الذهن ذكريات من الطفولة. هو يتذكر العيش في حي فقير، الظلام في بيته المعتم، والخوف من الصراصير التي تتسلل ليلا. هو يتذكر امه تجلس بصمت في كرسيها. الناس يسألون ما الذي تفكر فيه، وهي تجيب بصدق "لاشيء". هو يتذكر محدقا في امه الصامتة ويشعر باحساس هائل بالشفقة نحوها. هو يتساءل: "هل هذا نفس الشيء كالحب لها؟" كامو أيضا يتذكر جدته التي نجدها في المقالة السابقة. هذه الذكرى خاصة السوط الذي كانت تحمله لفرض الانضباط في بيتها. "لا تضربهم في الرأس"، هذا كل ما قالته والدته عندما استخدمت والدتها السوط ضد كامو وشقيقه.

وهو جالسا في المقهى، يقارن كامو لامبالاة العالم حوله مع لامبالاة امه. هو لا يشعر بالندم او الخسارة او الحب ولا في السعادة عند الفكرة. هو ببساطة يشعر بالحياة، في اللحظة بين نعم ولا. أفكاره تتحول الى رعب. هو يتذكر المجيء الى البيت ليكتشف ان امه هوجمت من جانب غريب، وقطة مات صغارها وتعفنوا الواحد تلو الاخر. هو يتذكر القطة جاثمة بلا حراك، تشاهده وهو ينظف صغارها المتفسخين.

أخيرا، هو يتذكر شيئا عاديا، محادثة محدودة بينه وبين الام المسنة. كل هذه الذكريات هو يمارسها بحكم معلّق، بين التأكيد والرفض. بين نعم ولا.

موت في الروح

المقالة تبدأ بوصول كامو الى براغ. هو يبعد الاف الأميال عن وطنه، لا يتحدث اللغة، ويجب ان يبقى وحيدا، مع القليل جدا من النقود لمدة أسبوع تقريبا قبل ان يلتحق به أصدقائه. هو ينجح في العثور على فندق يبدو في حدود قابليته المالية لكن عند رؤية الغرفة يشعر بالإستياء حين يكتشف انها تكلّف مرتين ما متوفر لديه في الميزانية. الان، هو يجب ان يوفر في مصروفاته. وفي بحثه عن مكان رخيص للغداء، يجد كامو مكانا في قبو مظلم ترتاده البغايا. وكونه غير قادر على فهم قائمة الطعام، هو يطلب عشوائيا وينتهي بطعام من العصيدة ولحم مغطى بالكمّون. احدى البغايا نوديت الى الطاولة، وكامو يشتري لها مشروبا.

في الأيام القليلة القادمة، يعود كامو الى نفس المطعم لأنه على الأقل مألوف له، وانه جرى الترحيب به بإيمائة او ابتسامة. كامو يحاول ان يملأ أيامه ولكن بدون التحدث بلغة وكونه دائما وحيدا، هو يشعر منفصلا عما يحيط به. في احد الأيام، هو يكتشف ان رجلا في الغرفة المجاورة له وُجد ميتا. ليس انتحارا وانما مسناً. مات وحيدا.

هنا في هذه اللحظة، كامو يلتحق به صديقه. بعد وقت قصير، هما يسافران سويا الى إيطاليا. هنا، يبيّن كامو تناقضا صارخا بين تجربته وحيدا في مدينة براغ الكئيبة وبين أصدقاء في مدينة فيتشتزا المشمسة. الان، عندما يتأمل كامو بكلا التجربتين، "كلاهما عزيزتان على قلبي، وانا أجد من الصعب فصل حبي للضوء والحياة عن ارتباطي السرّي بتجربة يأس حاولت وصفه". نحن نرى بوضوح، هنا، كلا جانبي العملة.2691 camo

حب الحياة

هذه المقالة تدور أحداثها في بالما. كامو في مطعم صغير زُينت جدرانه بأكاليل وردية وبمصابيح اضاءة حمراء صغيرة في السقف. وبالرغم من حجم المكان، فهو يحتوي على أوركسترا وبار مجهز جيدا. المطعم مكتظ بالزبائن كتفا الى كتف. في طاولة كامو ضابط بحري ثمل، و"قزم لا يشيخ"، وآخرين. هناك صوت الصنجات، وامرأة ضخمة في بداية العشرينات من العمر تظهر على المنصة. هي تؤدي رقصا مثيرا لقي استحسانا كبيرا من الزبائن. كامو يعتبرها رمزا للحياة ذاتها. كامو بعد ذلك يتأمل كيف ان السفر الى الخارج يحرمنا من راحة المألوف والمعتاد. هو يشير الى "تجريده من الدعائم" و "حرمانه من الأقنعة". هو يقارن بين الاثارة الرومانسية الناتجة عن السكر في الحانة والهدوء السلمي الذي يشعر به في الجلوس في رواق دير بازيلكا في سان فرانسسكو. هنا، المحيط المجاور المثالي أيضا يوفر رموزا للحياة ذاتها. ما هو مهم للملاحظة هو ان كامو لا يعطي توضيحات. فمثلا، هو لا يقول لماذا او كيف ترمز المرأة الراقصة في البار او الحمام الذي يرفرف باجنحته فوق الكاتدرائية الى الحياة.

قضية كامو هي ان هذه الأشياء لا تجيب على أسئلة حول الحياة وانما تجعل تلك الأسئلة لا لزوم لها. هو أيضا يلاحظ الطبيعة الزائلة للتجربة واستحالة جعل العالم ملكا للمرء. نحن نستطيع أيضا ملاحظة العديد من المواضيع المتكررة: التباين في التجارب، عدم القدرة على التعبير وفهم العواطف القوية، الاغتراب والانفصال عن الحياة، الاثارة الرومانسية والموت، مرور الزمن، وتعليق الأحكام (كونه بين نعم ولا).

الجانب الخطأ والجانب الصحيح

المقال الأخير من المجموعة يعرّفنا على امرأة "وحيدة" و "غريبة". نحن نشعر انها تؤمن بانها في اتصال وثيق مع عالم الروح. هي تتجنب حتى أعضاء عائلتها الخاصين الذين "لهم سمعة سيئة" في العالم الآخر. القصة تبدأ بهذه المرأة التي تستلم تركة قدرها خمسة الاف فرنك من اختها. هذه النقود تثبت انها مصدر ازعاج اكثر من ان تكون نعمة. الثروات الصغيرة يصعب التعامل معها مقارنة بالكبيرة. مشكلة إضافية هي ان المرأة تقترب بالفعل من نهاية حياتها وبهذا فان أي استثمار طويل الأجل سيكون بلا معنى لها.

الحل يأتي من توفر فرصة لشراء عقد ايجار منتهي الصلاحية في المقبرة المحلية. مقابل أربعة الاف فرنك عُرضت عليها قطعة ارض كاملة مع قبر من الرخام الأسود. المرأة قررت الشراء وقامت بتجهيز الجزء الداخلي من القبر ليكون جاهزا لإستقبال بقاياها عندما يحين الوقت. هي أيضا جعلت اسمها محفورا على الرخام الأسود بحروف ذهبية. في كل يوم احد، المرأة المسنة "تزور ذاتها"، تدخل قبرها وتركع وحيدة على المذبح. انها وسيلة الترفيه الوحيدة لديها وهو الوقت الوحيد الذي تغادر به بيتها. في احدى المناسبات، هي تصل الى المقبرة لتكتشف ان شخصا ما وضع زهورا على قبرها. شخص رقيق، طيب القلب، شاهد قبرا غير مزيّن بالزهور، ترك بعض مما لديه. لجميع الأغراض والمقاصد، هذه المرأة التي زارتها كل يوم احد هي ميتة سلفا، في ذهنها واذهان الاخرين. هذه القصة الأخيرة لمرأة مسنة مهملة، وحيدة في نهاية حياتها، تشكل خاتمة للمجموعة.

***

حاتم حميد محسن

....................

Albert Camus’s Early Philosophy in the wrong side and the right side, The collector, April 22,2026

الأفكار التي أعرضُها اليومَ مستقاةٌ من كتاب «طبيعة التحيز» لعالم النفس الأميركي غوردون ألبورت، وهو مرجعٌ كلاسيكي في هذا الحقل.

اطلعتُ على الكتاب منذ زمن بعيد. وقد ذكَّرني به ما أرى من ملاسنات على مواقع التواصل الاجتماعي حول مسائلَ معقولةٍ وغير معقولة، يشارك فيها شبانٌ صغار، ورجالٌ أو نساء يفترض أنَّهم ناضجون، من الدول العربية كافة من دون استثناء. وتتداخل فيها موضوعاتٌ كالحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، والحرب على غزة، ومشكلات السودان وسوريا والخلافات الدائرة بين هذه الدولة العربية وتلك. كما تستخدم فيها قصص صحيحة أو متخيلة عن نزاعات شخصية، فتعمم على أهل البلد كله.

لا أستطيع بطبيعة الحال ذكر التفاصيل. لكنّي واثق أن الذين يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي يعرفونها. وغرضي هو التنديد بهذه الظاهرة، وليس التوسع في شرحها. إنَّ اتساعَ تلك الملاسنات وتنوعها دليل على أنَّها ليست عابرة، وليست أخطاء فردية أو محدودة.

لا أريد أيضاً تهويل الموضوع، ولا تصوير المجتمع العربي كما لو أنَّه يعيش «حرب الجميع على الجميع»، حسب وصف توماس هوبز. أتفهم حقيقة أن أصحاب الأصوات العالية قلة، لكن تأثيرهم واسع النطاق.

بالعودة للبروفسور ألبورت، فهو يبدأ كتابه بشهادة للأديب الإنجليزي شارلز لامب: «أقر بأني ألاحظ الفوارق بين الناس، القومية والفردية وغيرها. بكلمات بسيطة، أنا كتلة من التحيزات، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة».

أورد الكاتب هذا الشاهد كي يقول إن التحيز ليس ظاهرة غريبة، بل سمة طبيعية في البشر. لكن الغريب فيها هو تحولها إلى موقف عام ومبرر للعدوان على الغير أو احتقارهم. ويذكر في هذا الصدد قصة (أظن أن كثيراً منا قد لاحظ شبيهاً لها):

في روديسيا، مرَّ سائق شاحنة أبيض بجمع من الأفارقة العاطلين عن العمل. فهمس قائلاً: «إنهم كسالى متوحشون». بعد ساعات قليلة، رأى جمعاً مماثلاً يرفعون أكياس حبوب يزن بعضها 90 كغم على شاحنة، وهم يغنون بحماس. فتمتم قائلاً: «متوحشون! ماذا تتوقع منهم؟».

هذا السائق كان يحتقر الأفارقة، فحكم عليهم أولاً بالكسل والوحشية لأنهم لا يعملون، ثم حكم عليهم بالوحشية لأنهم يعملون بحماس. نعلم طبعاً أن حكمه مدفوع بالتحيز، وليس وصفاً محايداً أو موضوعياً. ولو كان الأشخاص الذين رآهم من نفس عرقه، فلربما تعاطف معهم. ولو فكر في عملهم بذاته، دون ملاحظة لون بشرتهم، فلربما أصدر أحكاماً متفاوتة في الحالتين.

من هنا يرى ألبورت أن أبسط تعريف للتحيز هو أنه «سوء الظن بالآخرين دون مبرر كافٍ». هذا يركز على التحيز السلبي. كما يستشهد بتعريف قاموسي يذكر الجانبين السلبي والإيجابي: «التحيز شعور إيجابي أو سلبي، تجاه شخص أو شيء، لا يستند إلى تجربة فعلية».

الجانب الأكثر سوءاً في التعصب أو التحيز هو تحويل انطباع عن عدد قليل من الأشخاص، إلى موقف عام ضد شعب بأكمله.

نعلم أن مثل هذا الموقف مرجعه ميل الإنسان للأحكام المبسطة، طالما كانت مقبولة في المحيط الاجتماعي. المشكل أن التعبير السلبي عن التحيز أو التعصب يضعه في خانة الكراهية. وهذا يستدعي أن نسأل أنفسنا دائماً: أين نود الاصطفاف... بين أهل المحبة أم بين أهل الكراهية؟

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

حين نتحدث عن الفقر في خطاب سياسي أو أكاديمي، نميل في أحيان كثيرة إلى معاملته كظاهرة محايدة، كأنه يقع على الجميع بالقدر ذاته وبالطريقة ذاتها. لكن النظرة النقدية الطبقية تكشف زيف هذه الحيادية، وتؤكد أن الفقر لا يوزَع بالتساوي، وأن النساء يتحملن عبئه بشكل أكثر حدة واستمرارية.

من هنا يأتي مفهوم تأنيث الفقر، ليس توصيفاً إحصائياً فحسب، وإنما أداة تحليلية نقدية تكشف العلاقة البنيوية بين النظام الاقتصادي الرأسمالي وعلاقات النوع الاجتماعي، وما ينتج عنهما من أشكال متعددة من الإقصاء والتهميش.

ظهر هذا المفهوم في سبعينيات القرن العشرين لوصف التزايد المستمر في نسب الفقر بين النساء، خاصة مع ارتفاع عدد اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة الأسر وحدهن. ومنذ ذلك الحين اتضح أن الفقر ليس محايداً لا من حيث الجنس ولا من حيث الطبقة، ويرتبط بهياكل قوة تحدد من يملك الموارد ومن يحرم منها.

تشير أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 9.2% من النساء والفتيات يعشن في فقر مدقع مقابل 8.6% من الرجال والفتيان، مع تفاقم الفجوة في الفئة العمرية 25-34 سنة حيث تكون النساء أكثر عرضة للفقر المدقع بنسبة 25%. كما توضح تقارير البنك الدولي أن فجوة الأجور بين الجنسين تبلغ 23% عالمياً، وتقفز إلى 47.9% في مناطق الجنوب مثل جنوب آسيا. هذه المعطيات تؤكد أن الفقر ليس محايداً من حيث الجنس، لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم ما يجري، لأنها تصف الأعراض دون أن تحفر في الجذور.

حين يكون الاستغلال مزدوجاً

لا يمكن تفسير تأنيث الفقر بالاقتصار على الفجوة في الأجور، ويجب فهمه في إطار بنية اقتصادية أعمق تعيد إنتاج اللامساواة بين الجنسين بشكل ممنهج. فالرأسمالية لا تنتج التفاوت الطبقي فحسب، وتعيد أيضاً إنتاج التفاوت بين الجنسين من خلال تنظيم العمل وتقسيمه على نحو يخدم مصالح رأس المال قبل أي اعتبار آخر.

هذا ما رأته كلارا زيتكين بوضوح حين أكدت أن المرأة العاملة تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال شيئاً. وقد أعادت أنورادها غاندي التأكيد على هذا التحليل، مشيرة إلى أن هذا الاستغلال المزدوج يتخذ أشكالاً أكثر حدة في سياقات الجنوب العالمي، حيث تتشابك الطبقة والطائفة والنوع الاجتماعي في منظومة واحدة من الهيمنة.

أحد أهم تجليات هذا النظام هو الفصل بين العمل المنتج المعترف به اقتصادياً والعمل غير المدفوع الضروري لاستمرار الحياة. فالعمل المنزلي والرعائي الذي تقوم به النساء يشكل أساساً لإعادة إنتاج المجتمع، ومع ذلك لا يعترف به اقتصادياً، مما يؤدي إلى تقليل قيمته وإقصاء النساء من الاستقلال الاقتصادي. وحين تطالب النسوية الاشتراكية بالاعتراف بهذا العمل وتحويله إلى مسؤولية مجتمعية عبر الحضانات العامة ودور الرعاية والخدمات الاجتماعية، فإنها لا تطالب بإصلاح جزئي، وإنما بإعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والتكاثر الاجتماعي في صميم النظام الاقتصادي.

في الوقت ذاته، تدمج النساء في سوق العمل بشكل غير متكافئ، إذ يتركزن في قطاعات منخفضة الأجر وهشة من حيث الاستقرار والحماية. وبدلاً من أن يكون العمل المأجور وسيلة للتحرر الاقتصادي، يصبح في كثير من الأحيان امتداداً لأشكال التبعية، خاصة مع استمرار التمييز في الأجور وفرص التقدم المهني. ويتفاقم هذا الوضع بسبب العبء المزدوج الذي تتحمله النساء نتيجة الجمع بين العمل المأجور والعمل غير المدفوع داخل الأسرة، دون إعادة توزيع عادلة للأدوار. وهذه الازدواجية ليست قدراً بيولوجياً ولا موروثاً ثقافياً محايداً، وإنما نتاج نظام اقتصادي طبقي يحتاج إلى إبقاء النساء في موقع العاملة المرنة التي يمكن دفعها إلى الهامش حين تقتضي مصلحة السوق ذلك، ثم استدعاؤها مجدداً حين يحتاج إلى يدها الرخيصة.

الأزمات والتقشف، حين تدفع النساء ثمن أزمات لم يصنعنها

ما يزيد المشهد تعقيداً أن الأزمات الاقتصادية والنزاعات والتغيرات المناخية تعمق تأنيث الفقر، حيث تتأثر النساء بشكل غير متناسب بهذه التحولات، خاصة في المجتمعات الأكثر هشاشة. وفي سياق عالمي تتقاطع فيه علاقات الاستغلال الاقتصادي مع أشكال الهيمنة التاريخية، تصبح النساء في مناطق واسعة من العالم أكثر عرضة لأقسى أشكال الفقر والتهميش.

غير أن الأمر لا يتوقف عند الأزمات الطارئة، فسياسات التقشف التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية على دول الجنوب العالمي على مدى عقود تمثل نموذجاً صارخاً لتأنيث الفقر بقرار سياسي مقصود. حين تقلَص الخدمات العامة من تعليم وصحة ورعاية، لا تختفي هذه الخدمات، وإنما تنتقل إلى كاهل النساء اللواتي يعوضن بأجسادهن وأوقاتهن ما أسقطته السياسة النيوليبرالية من موازنات الدولة. التقشف بهذا المعنى ليس سياسة محايدة، وإنما سياسة ذات نوع اجتماعي تدفع النساء ثمنها أولاً وأكثر.

ولايمكن الفصل بين النضال ضد سياسات التقشف والنضال من أجل حقوق المرأة. فالمرأة التي تفقد وصولها إلى التعليم العام حين تخصخص المدارس، والمرأة التي تضطر إلى ترك العمل حين تغلق الحضانات العامة، والمرأة التي تتحمل رعاية المرضى حين تقلَص ميزانيات الصحة، جميعهن يدفعن ثمن قرارات اقتصادية اتخذت في مؤسسات دولية لا تنتخب ولا تحاسَب. لذلك لا يمكن مواجهة تأنيث الفقر دون مواجهة المنظومة الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي تنتجه وتعيد إنتاجه.

وتظهر هذه الفجوة بوضوح أيضاً في مجالات العمل، حيث تقل مشاركة النساء في سوق العمل مقارنة بالرجال، كما تعمل نسبة كبيرة منهن في وظائف هشة منخفضة الأجر ومحدودة الحماية. وتعاني النساء بدرجة أكبر من انعدام الأمن الغذائي ومن غياب أنظمة الحماية الاجتماعية، وهو ما يعمق هشاشتهن الاقتصادية ويجعل أي صدمة خارجية أكثر قدرة على إسقاطهن إلى ما دون حد الكفاف.

من التشخيص إلى التغيير: نحو سياسات جذرية لا سطحية

ما يجعل هذه الظاهرة أشد خطورة أنها لا تقتصر على كونها معاناة فردية، وتمتد آثارها إلى مستوى الرفاه داخل الأسر، وتسهم في إعادة إنتاج الفقر عبر الأجيال، وتحد من إمكانات التنمية من خلال تهميش دور النساء وإقصاء مساهماتهن الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك يصبح تأنيث الفقر تعبيراً عن خلل بنيوي يتطلب معالجة جذرية، لا مجرد حلول جزئية تهدئ الأعراض دون أن تلامس الجذور.

وهنا تبرز الهوة بين الرؤية الطبقية للنسوية الاشتراكية والنسوية الإصلاحية التي تكتفي بالمطالبة بتمكين المرأة ضمن النظام القائم دون المساس ببنيته. فبينما تركز التيارات الليبرالية على تمكين النساء فردياً عبر التعليم والتدريب والوصول إلى التمويل الصغير، يرى هذا المنظور أن هذه الأدوات لا تكفي ما لم تترافق مع تغيير جذري في علاقات الإنتاج والملكية والسلطة. فالمرأة التي تحصل على قرض صغير في مجتمع يقصيها من التعليم ويكبلها بالعمل المنزلي غير المدفوع وتحكمه قوانين عمل هشة، تظل أسيرة البنية ذاتها، حتى لو تحسنت أوضاعها نسبياً.

إن مواجهة هذه الظاهرة تستدعي سياسات قائمة على المساواة بين الجنسين وإلغاء الاستغلال الطبقي معاً. يشمل ذلك تحقيق المساواة في الأجور، وضمان الحقوق القانونية للنساء في العمل، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات الأكثر هشاشة، والاستثمار في التعليم والتدريب لتمكين النساء اقتصادياً. كما يتطلب الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل الرعائي، وتوفير خدمات عامة تقلل من عبئه، وإعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة والمجتمع بما يسمح بمشاركة أكثر عدالة في العمل المدفوع وغير المدفوع.

غير أن هذه الإجراءات، رغم ضرورتها، تبقى قاصرة ما لم تحدث تغييراً في طبيعة علاقات الملكية التي تجعل عمل النساء أرخص وأهش وأقل حماية بشكل بنيوي. فالاعتراف الكامل بالعمل الرعائي لا يعني فقط احتسابه في الناتج القومي، وإنما يعني تحويله إلى مسؤولية جماعية تتكفل بها الدولة والمجتمع لا المرأة وحدها. وتحقيق المساواة في الأجور لا يعني فقط رفع الحد الأدنى، وإنما يعني تفكيك التراتبية الطبقية في سوق العمل التي تجعل النساء، خصوصاً من الطبقات الدنيا، الأكثر هشاشة في كل أزمة.

في النهاية، لا يمكن فصل القضاء على تأنيث الفقر عن نقد البنية الرأسمالية الاقتصادية التي تنتجه. المسألة ليست مجرد تحسين شروط العيش، وإنما إعادة النظر الجذرية في كيفية تنظيم العمل وتوزيع الموارد والسلطة داخل المجتمع. ما دامت النساء يتحملن عبء إعادة إنتاج الحياة دون اعتراف ودون أجر ودون حماية، فإن الحديث عن المساواة يبقى خطاباً معلقاً في الهواء لا يلمس الأرض التي تقف عليها ملايين النساء يومياً.

***

بيان صالح

..........................

المصادر الإحصائية:

 * UN Women, Gender Snapshot 2025:

https://www.unwomen.org/en/node/476303

 * UN Women, Women aged 25-34 face higher poverty rates (2023):

https://sundiatapost.com/2bn-women-girls-lack-access-to-social-protection-un-women/

 * UN Women, Equal Pay (CSW61): https://www.unwomen.org/en/news/in-focus/csw61/equal-pay

في المثقف اليوم