عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، مقاربة ملتزمة

مقدمة: في أعماق الديناميات الاجتماعية والسياسية، يبرز مفهوم الفاعل الجمعي كعنصر أساسي يجسد القدرة الجماعية على التغيير والتحول. يُعرف الفاعل الجمعي على أنه تشكيلة من الأفراد أو المجموعات التي تتحد في إطار مشترك لتحقيق أهداف تتجاوز المصالح الفردية، مما يولد قوة دافعة نحو إعادة تشكيل الواقع الاجتماعي. هذا المفهوم، الذي يتجاوز الحدود النظرية ليصبح أداة عملية في النضالات الإنسانية، يجد نفسه في تقاطع حاسم بين الانخراط في التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التقاطع من خلال مقاربة ملتزمة، تؤكد على الفعل الإنساني كمسؤولية أخلاقية وسياسية، حيث يصبح الفاعل الجمعي ليس مجرد مراقب، بل مشاركاً نشطاً في صياغة تاريخ ينبذ الاستغلال ويحتضن العدالة. فمن هو الفاعل الجمعي؟ وماهي المهام الموكولة له في الإطار الاجتماعي؟

مهام الفاعل الجمعي

يبدأ الانخراط في التحرر من التبعية كعملية أساسية للفاعل الجمعي، إذ يعكس رفضاً جذرياً للهيمنة الخارجية التي تفرض نفسها على المجتمعات من خلال أشكال متعددة من الاستعمار الاقتصادي، الثقافي، أو السياسي. التبعية هنا ليست مجرد حالة اقتصادية، بل هي نظام يعيد إنتاج اللامساواة من خلال آليات غير مرئية، مثل الاعتماد على الاقتصادات المتقدمة أو الثقافات المهيمنة التي تفرض نماذجها كمعيار عالمي. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا التحرر من خلال بناء هوية جماعية مستقلة، تعتمد على الوعي التاريخي والقدرة على إعادة تفسير الماضي لصالح مستقبل حر. على سبيل المثال، في سياقات ما بعد الاستعمار، يتحول الفاعل الجمعي إلى حركة شعبية ترفض التبعية الاقتصادية من خلال تعزيز الإنتاج المحلي والسيطرة على الموارد الطبيعية، مما يولد دينامية تحررية تتجاوز الفرد لتصبح مشروعاً جماعياً. هذا الانخراط ليس عفوياً، بل يتطلب تنظيماً يعتمد على التواصل والتضامن، حيث يصبح كل فرد جزءاً من كل أكبر يسعى لكسر سلاسل التبعية. في هذه العملية، يبرز دور الوعي كأداة أساسية، إذ يساعد في كشف الآليات الخفية للتبعية، مثل كيفية تحول الديون الخارجية إلى أداة للسيطرة، أو كيف تفرض الثقافة الاستهلاكية نمط حياة يعزز الاعتمادية بدلاً من الاستقلال. مع ذلك، لا يقتصر دور الفاعل الجمعي على التحرر من التبعية الخارجية، بل يمتد إلى مواجهة التبعيات الداخلية التي تتجذر في الهيكليات الاجتماعية المحلية. هنا، يصبح التحرر عملية داخلية تستهدف تفكيك الهرميات الطبقية أو العرقية أو الجندرية التي تعيد إنتاج التبعية داخل المجتمع نفسه. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا السياق من خلال تشكيل تحالفات عابرة للحدود الاجتماعية، مما يولد قوة جمعية قادرة على تحدي السلطات المحلية التي تستفيد من الحفاظ على التبعية. هذا الانخراط يتطلب التزاماً أخلاقياً يعتمد على مبدأ الالتزام السارتري، حيث يصبح الفعل الجماعي مسؤولية فردية وجماعية في آن واحد، إذ يرفض الفاعل الجمعي دور الضحية ليصبح صانعاً لتاريخه. في هذه المرحلة، يتحول التحرر من مجرد رفض إلى بناء إيجابي، حيث يسعى الفاعل الجمعي لبناء مؤسسات بديلة تعتمد على الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية، مما يضمن استمرارية التحرر بعيداً عن مخاطر العودة إلى التبعية تحت أشكال جديدة.من هنا، ينتقل الفاعل الجمعي إلى الالتزام بالنضال من أجل المساواة، الذي يمثل الجانب الآخر من العملة التحررية. المساواة هنا ليست مجرد مفهوم فلسفي، بل هي هدف عملي يستهدف إزالة الفوارق التي تحول دون تحقيق الكرامة الإنسانية للجميع. يلتزم الفاعل الجمعي بهذا النضال من خلال استراتيجيات متعددة، تبدأ بالوعي الجماعي وتنتهي بالفعل السياسي المباشر. في سياق التبعية، يصبح النضال من أجل المساواة امتداداً طبيعياً للتحرر، إذ لا يمكن تحقيق استقلال حقيقي دون ضمان توزيع عادل للموارد والفرص. على سبيل المثال، في الحركات الاجتماعية المعاصرة، يتحول الفاعل الجمعي إلى شبكة من النشطاء الذين يناضلون ضد التمييز العرقي أو الطبقي، مستخدمين أدوات مثل الاحتجاجات الشعبية أو الحملات الإعلامية لفرض تغييرات هيكلية. هذا الالتزام يعتمد على مقاربة ملتزمة، ترفض الحيادية وتؤكد على الفعل كوسيلة لتحقيق العدالة، حيث يصبح كل فرد ملتزماً بقضية أكبر من نفسه، مما يولد تضامناً يتجاوز الحدود الجغرافية أو الثقافية. في هذا التقاطع بين التحرر من التبعية والنضال من أجل المساواة، يبرز الفاعل الجمعي كقوة دينامية قادرة على مواجهة التحديات المعقدة للعولمة المعاصرة. التبعية في عصرنا الحالي تأخذ أشكالاً جديدة، مثل الهيمنة الرقمية أو الاستغلال البيئي، مما يتطلب من الفاعل الجمعي تكييف استراتيجياته ليشمل نضالاً متعدد الأبعاد. هنا، يصبح الالتزام بالمساواة ليس خياراً، بل ضرورة، إذ يساعد في بناء مجتمعات مقاومة قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية دون التفريط في القيم الداخلية. المقاربة الملتزمة في هذا السياق تؤكد على دور الفكر النقدي في توجيه الفعل الجماعي، حيث يصبح التحليل النظري أداة لفهم الواقع وتغييره، مستوحى من أفكار مفكرين يرون في الالتزام سبيلاً للتحرر الإنساني. ينخرط الفاعل الجمعي في هذا النضال من خلال تشكيل تحالفات استراتيجية، مثل الشراكات بين الحركات العمالية والنسوية، مما يولد قوة جمعية قادرة على تحقيق تغييرات جذرية. مع ذلك، يواجه الفاعل الجمعي تحديات داخلية قد تعيق مسيرته، مثل الصراعات على السلطة داخل الجماعة أو الاختلافات الإيديولوجية التي قد تؤدي إلى تفكك الوحدة. في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الالتزام كعامل موحد، إذ يشجع على الحوار الداخلي والتسامح مع الاختلافات لصالح الهدف المشترك. هذا الالتزام يمتد إلى البعد الأخلاقي، حيث يرفض الفاعل الجمعي استخدام العنف كوسيلة إلا في حالات الدفاع عن النفس، مفضلاً استراتيجيات سلمية تعتمد على الوعي والتعليم لتحقيق المساواة. في سياق التحرر من التبعية، يصبح هذا الالتزام أداة لمنع تحول النضال إلى تبعية جديدة، مثل الاعتماد على قادة كاريزميين يحولون الجماعة إلى أداة لمصالحهم الشخصية. بدلاً من ذلك، يسعى الفاعل الجمعي لبناء نموذج ديمقراطي يضمن مشاركة الجميع، مما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للنضال.

 التحديات الداخلية للفاعل الجمعي

في سياق الفاعل الجمعي، الذي يمثل التشكيلة الدينامية للأفراد والمجموعات المتحدة في سعيها نحو التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، تبرز التحديات الداخلية كعنصر حاسم يختبر قوة الوحدة والالتزام. هذه التحديات ليست مجرد عقبات عرضية، بل هي تعبيرات عن التعقيد الإنساني داخل الجماعة، حيث يلتقي الطموح الفردي بالمصلحة الجماعية، والتنوع بالحاجة إلى الانسجام. من خلال مقاربة ملتزمة، نرى في هذه التحديات ليس تهديداً فقط، بل فرصة لتعزيز الوعي والتنظيم، إذ يصبح مواجهتها جزءاً أساسياً من عملية التحرر ذاتها. إن التحديات الداخلية تعكس التوتر بين الحرية الفردية والتضامن الجماعي، مما يجعلها محوراً لفهم كيفية استمرار الفاعل الجمعي في مسيرته نحو عالم أكثر عدلاً، حيث يتحول الصراع الداخلي إلى محرك للتطور بدلاً من سبب للانهيار.

أحد أبرز التحديات الداخلية هو الصراعات على السلطة داخل الجماعة، والتي تنشأ من الرغبة الطبيعية في القيادة والتأثير. في سياق التحرر من التبعية، حيث يسعى الفاعل الجمعي لكسر الهيمنة الخارجية، قد يتحول هذا الصراع إلى تكرار للنماذج الهرمية التي يحاربها، مما يؤدي إلى ظهور قادة كاريزميين يسيطرون على القرار، ويحولون الجماعة من فاعل ديمقراطي إلى أداة لمصالحهم الشخصية. هذا التحدي يتفاقم في مراحل النضال الأولى، عندما تكون الموارد محدودة والضغوط الخارجية عالية، فتصبح السلطة مورداً نادراً يثير المنافسة. على سبيل المثال، في الحركات الاجتماعية، قد يؤدي هذا الصراع إلى انشقاقات داخلية، حيث يشعر بعض الأعضاء بالتهميش، مما يضعف القدرة على مواجهة التبعية الاقتصادية أو الثقافية. المقاربة الملتزمة هنا تؤكد على ضرورة بناء آليات ديمقراطية داخلية، مثل المجالس التشاورية أو الانتخابات الدورية، لتوزيع السلطة بشكل عادل، وتحويل الصراع من عنصر تدميري إلى حوار بناء يعزز الالتزام بالمساواة. إن تجاهل هذا التحدي قد يؤدي إلى تحول الفاعل الجمعي إلى نظام استبدادي داخلي، يعيد إنتاج التبعية التي يرفضها، مما يجعل التحرر وهماً لا يتجاوز السطح. كما تبرز الاختلافات الإيديولوجية كتحدٍ داخلي آخر، ينبع من التنوع الفكري والثقافي داخل الجماعة، والذي، رغم أنه مصدر قوة، قد يؤدي إلى تفكك الوحدة. في نضال من أجل المساواة، حيث يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة – عرقية، طبقية، أو جندرية – تظهر هذه الاختلافات كتوتر بين الرؤى المختلفة للتحرر. على سبيل المثال، قد يرى بعض الأعضاء التحرر كعملية اقتصادية بحتة، بينما يؤكد آخرون على البعد الثقافي أو البيئي، مما يؤدي إلى خلافات حول الأولويات والاستراتيجيات. هذا التحدي يتفاقم في سياقات العولمة، حيث تتداخل الإيديولوجيات العالمية مع الخصوصيات المحلية، مما يخلق صراعاً بين الراديكالية والبراغماتية. المقاربة الملتزمة ترى في هذه الاختلافات فرصة للحوار النقدي، حيث يصبح الالتزام بالمساواة مبدأ موحداً يتجاوز الاختلافات، من خلال تشجيع المناقشات المفتوحة والتعليم المتبادل. إن عدم مواجهة هذا التحدي قد يؤدي إلى انقسامات جذرية، تحول الفاعل الجمعي إلى مجموعات صغيرة ضعيفة، غير قادرة على مواجهة التبعية الخارجية، مما يجعل النضال مجرد صراع داخلي يستهلك الطاقات دون إحراز تقدم حقيقي. بالإضافة إلى ذلك، يواجه الفاعل الجمعي تحدياً داخلياً متمثلاً في نقص الموارد والإرهاق النفسي، الذي ينشأ من طول أمد النضال وشدة الضغوط. في مسيرة التحرر من التبعية، حيث تكون الموارد المالية أو اللوجستية محدودة، يصبح توزيع هذه الموارد مصدر توتر، مما قد يؤدي إلى شعور بالظلم داخل الجماعة. أما الإرهاق النفسي، فهو نتيجة للمعاناة المستمرة أمام القمع الخارجي، مما يولد حالات من اليأس أو الانسحاب، خاصة بين الأعضاء الأقل خبرة. هذا التحدي يتجلى في انخفاض المشاركة مع مرور الوقت، حيث يشعر الأفراد بالإجهاد من دون رؤية نتائج فورية، مما يضعف الالتزام بالنضال من أجل المساواة. المقاربة الملتزمة تؤكد هنا على أهمية بناء شبكات دعم داخلية، مثل برامج الرعاية النفسية أو توزيع الأدوار بشكل عادل، للحفاظ على الطاقة الجماعية. إن تجاهل هذا الجانب قد يؤدي إلى انهيار داخلي، حيث يصبح الفاعل الجمعي عرضة للاختراق الخارجي، مثل محاولات الاستقطاب أو الخيانة من قبل أعضاء محبطين. كذلك، لا يمكن تجاهل تحدي التنوع الثقافي والاجتماعي داخل الجماعة، الذي، رغم غناه، قد يولد صراعات حول الهوية والتمثيل. في سياق النضال من أجل المساواة، حيث يجتمع أفراد من خلفيات متنوعة، قد يشعر بعض المجموعات المهمشة بالتهميش داخل الجماعة نفسها، مما يعيد إنتاج اللامساواة التي يحاربها الفاعل الجمعي. على سبيل المثال، في الحركات العابرة للحدود، قد تبرز خلافات بين النساء والرجال، أو بين الأعراق المختلفة، حول من يمثل الصوت الرئيسي. هذا التحدي يتطلب مقاربة ملتزمة تعتمد على مبدأ التقاطعية، حيث يتم الاعتراف بالتعددية كقوة، ويتم بناء سياسات تضمن التمثيل العادل. إن عدم التعامل مع هذا التنوع قد يؤدي إلى تفكك، مما يجعل التحرر من التبعية هدفاً بعيداً، محاصراً بين الصراعات الداخلية. في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الالتزام كعامل حاسم في تعزيز الوحدة، حيث يصبح الحوار الداخلي والتعليم المستمر أدوات لتحويل التوترات إلى فرص للنمو. المقاربة الملتزمة ترفض الاستسلام لهذه التحديات، بل تراها كجزء من عملية التحرر، إذ يصبح الفاعل الجمعي أقوى من خلال تجاوزها، مما يضمن استمرارية النضال نحو مساواة حقيقية. إن التحديات الداخلية، إذن، ليست نهاية، بل بداية لإعادة بناء أقوى، حيث يتحول الفعل الجماعي من رد فعل إلى مشروع إبداعي يعيد تشكيل الواقع بوعي أعمق وتضامن أكبر.

التقاطعية الاجتماعية

في إطار الفاعل الجمعي، الذي يجسد الوحدة الدينامية للأفراد والمجموعات في سعيها نحو التحرر من التبعية والالتزام بالنضال من أجل المساواة، تبرز التقاطعية الاجتماعية كمفهوم أساسي يعيد تشكيل فهم التحديات الداخلية والاستراتيجيات الخارجية. التقاطعية، التي تعود جذورها إلى النظرية النقدية في دراسات الجندر والعرق، تمثل الاعتراف بتداخل أشكال التمييز واللامساواة المتعددة، مثل العرق، الطبقة، الجندر، الإعاقة، والتوجه الجنسي، في تشكيل تجارب الأفراد داخل الجماعة. هذه المقاربة ليست مجرد إضافة نظرية، بل هي أداة عملية ملتزمة تحول التنوع من مصدر توتر إلى قوة دافعة، إذ تكشف كيف تتداخل هذه الأبعاد في تعزيز التبعية أو في تعزيز النضال نحو المساواة. في هذا التوسع، سنستعرض التقاطعية كمحور لفهم الديناميات الداخلية للفاعل الجمعي، حيث تصبح الالتزام بها ضرورة أخلاقية وسياسية لتحقيق تحرر شامل، بعيداً عن الرؤى الوحيدة البعد التي قد تعيد إنتاج اللامساواة داخل النضال نفسه.تبدأ التقاطعية الاجتماعية في سياق الفاعل الجمعي بكشف الطبقات المتداخلة من التبعية، حيث لا تكون التبعية مجرد علاقة اقتصادية أو سياسية خارجية، بل هي نظام يتغذى على تقاطعات داخلية تعزز الاستغلال. على سبيل المثال، في مجتمعات ما بعد الاستعمار، قد يعاني الأفراد من تبعية مزدوجة: اقتصادية تفرضها الهيمنة العالمية، واجتماعية داخلية تنبع من التمييز العرقي أو الجندري، مما يجعل التحرر عملية معقدة تتطلب فهماً لكيفية تداخل هذه الأبعاد. ينخرط الفاعل الجمعي هنا من خلال مقاربة ملتزمة تعترف بهذه التقاطعات، فبدلاً من التركيز على قضية واحدة – مثل التحرر الاقتصادي – يصبح النضال متعدد الأوجه، يستهدف تفكيك التبعية في جميع أشكالها. هذا الاعتراف يمنع تحول النضال إلى حركة نخبوية، حيث يسيطر أفراد من طبقات معينة أو أعراق مهيمنة، ويضمن أن تكون المساواة هدفاً شاملاً يشمل الجميع. في هذه العملية، تصبح التقاطعية أداة لتعزيز التضامن، إذ تسمح للأفراد بمشاركة تجاربهم المتداخلة، مما يولد وعياً جماعياً يرفض التبعية كمصير محتوم ويحولها إلى هدف قابل للتغيير من خلال الفعل المشترك. مع ذلك، تكشف التقاطعية الاجتماعية عن تحديات داخلية عميقة داخل الفاعل الجمعي، حيث يصبح التنوع مصدراً للصراع إذا لم يُدار بحكمة. في نضال من أجل المساواة، قد تبرز خلافات حول الأولويات، مثل كيفية دمج قضايا النساء الملونات في حركة تحررية تركز أساساً على الاستقلال الاقتصادي، مما يؤدي إلى شعور بالتهميش لدى بعض المجموعات. هذا التحدي يتجلى في إعادة إنتاج اللامساواة داخل الجماعة، حيث قد يغلب صوت الرجال أو الطبقات الوسطى، متجاهلاً تقاطعات الفقر والعرق التي تعاني منها النساء أو الأقليات. المقاربة الملتزمة هنا تؤكد على ضرورة بناء إطار تقاطعي يجعل التمثيل العادل أولوية، من خلال تشكيل لجان داخلية تمثل التنوع الاجتماعي، أو من خلال برامج تعليمية تثقف الأعضاء حول كيفية تداخل أشكال التمييز. هذا الالتزام يحول التحدي إلى فرصة، إذ يصبح الفاعل الجمعي أكثر قوة عندما يعترف بأن المساواة لا تتحقق إلا من خلال مواجهة التقاطعات الداخلية، مما يمنع الانقسامات ويعزز الوحدة في مواجهة التبعية الخارجية. إن تجاهل هذه التقاطعية قد يؤدي إلى فشل النضال، حيث يصبح الفاعل الجمعي عرضة للانشقاقات التي تستغلها القوى المهيمنة للحفاظ على الوضع القائم. كذلك، تمتد التقاطعية الاجتماعية إلى البعد الاستراتيجي في النضال، حيث تصبح أداة لصياغة سياسات شاملة تتجاوز الرؤى الوحيدة البعد. في سياق التحرر من التبعية، يمكن للفاعل الجمعي استخدام هذه المقاربة لربط قضايا محلية بأخرى عالمية، مثل كيفية تداخل الاستغلال البيئي مع التمييز العرقي في مجتمعات الجنوب العالمي، مما يولد تحالفات عابرة للحدود. هنا، يصبح الالتزام بالمساواة ملتزماً بمبدأ التقاطعية، إذ يرفض الفاعل الجمعي التركيز على قضية واحدة على حساب أخرى، ويسعى لبناء استراتيجيات متعددة الأبعاد، مثل حملات تجمع بين النضال النسوي والعمالي. هذا النهج يعزز الفعالية، إذ يجعل النضال أكثر شمولاً وجاذبية لمجموعات متنوعة، مما يوسع قاعدة الدعم ويقلل من مخاطر الإخفاق الناتج عن الرؤى الضيقة. في هذه العملية، تصبح التقاطعية ليست مجرد نظرية، بل ممارسة يومية تحول الفاعل الجمعي من كيان مفكك إلى قوة متماسكة، قادرة على مواجهة التعقيدات المعاصرة مثل العولمة الرأسمالية التي تستغل التقاطعات الاجتماعية لتعزيز التبعية. أما في مواجهة التحديات العملية، فإن التقاطعية الاجتماعية تتطلب تطوير أدوات داخلية للحوار والتسوية، حيث يصبح الالتزام أخلاقياً يشجع على الاستماع المتبادل والاعتراف بالتجارب المتنوعة. على سبيل المثال، في حركات اجتماعية معاصرة، قد يؤدي التركيز على التقاطعية إلى إنشاء مساحات آمنة لمناقشة كيفية تأثير الإعاقة على النساء في سياق التبعية الاقتصادية، مما يولد سياسات أكثر عدلاً. هذا الالتزام يمنع تحول النضال إلى صراع داخلي، بل يحوله إلى عملية تعلم جماعي، حيث يصبح كل فرد مساهماً في فهم التقاطعات التي تشكل الجماعة. إن هذه المقاربة الملتزمة تؤكد على أن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل، بتفكيك التقاطعات السلبية لبناء تضامن إيجابي، مما يجعل الفاعل الجمعي نموذجاً لمجتمع مساوٍ يرفض التبعية في كل أشكالها.

خاتمة

في النهاية، يمثل الفاعل الجمعي في تقاطعه بين التحرر من التبعية والنضال من أجل المساواة نموذجاً للإنسانية الملتزمة، التي ترفض السلبية لتصبح فاعلاً في تاريخها. هذه المقاربة الملتزمة تؤكد على أن التحرر ليس نهاية، بل بداية لنضال مستمر نحو عالم أكثر عدلاً، حيث يصبح كل فرد جزءاً من كل يسعى لتحقيق الكرامة المشتركة. من خلال هذا الالتزام، يتحول الفاعل الجمعي من مجرد رد فعل إلى قوة إبداعية، قادرة على إعادة تشكيل الواقع نحو آفاق أوسع من الحرية والمساواة. لذلك، تمثل التقاطعية الاجتماعية ضمن الفاعل الجمعي قمة الالتزام بالنضال، إذ تحول التنوع من عبء إلى رصيد، وتجعل التحرر من التبعية والمساواة هدفين متداخلين لا يمكن فصلهما. هذه المقاربة الملتزمة ترفض السطحية لتغوص في عمق التعقيد الإنساني، مما يولد فاعلاً جمعياً أقوى وأكثر استدامة، قادراً على إعادة تشكيل الواقع نحو عالم يحتضن الجميع دون تمييز أو تبعية. من خلال هذا التوسع، يصبح واضحاً أن التقاطعية ليست خياراً، بل ضرورة لأي نضال ملتزم يسعى لتحقيق عدالة حقيقية. فمتى يرى الفاعل الجمعي العربي النور ويعانق الابداع والتأثير؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

قراءة فلسفية بين الدورات الخلدونية وسيولة الحداثة

يشهد الأفق العالمي الراهن حالة فريدة من التعقيد البنيوي، حيث تتجلى مفارقة وجودية يمكن اختزالها في أن المداخل كافةً باتت مشرعة أمام التدفقات المعلوماتية والتقنية والسلعية، في حين تبدو المخارج جميعها موصدة أمام أي بديل جذري قادر على تجاوز الأزمات الهيكلية للنظام القائم. هذا الوضع لا يمثل مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية عابرة، بل هو تعبير عن "انسداد حضاري" شامل يضع الإنسانية أمام تساؤل مصيري:

هل نحن بصدد مخاض لمرحلة تاريخية غير مسبوقة، أم أننا نعيش الفصول الأخيرة من حضارة استنفدت طاقتها الحيوية؟ يتطلب فهم هذه اللحظة العودة إلى الجذور الفلسفية التي حللت حركة التاريخ وبنية المجتمعات، بدءاً من قوانين العمران الخلدونية، وصولاً إلى طروحات الحداثة السائلة وما بعد الحداثة، لاستنطاق آليات التحول التي أدت إلى هذا الانسداد المعاصر.

المنظور الخلدوني:

يعتبر ابن خلدون، من خلال عمله الرائد "المقدمة"، أول من أرسى دعائم "علم العمران البشري"، مقدماً رؤية عضوية للحضارة بوصفها كائناً حياً يخضع لناموس الولادة، والنمو، ثم الهرم والموت. تكتسب هذه الرؤية أهمية قصوى في تشخيص الانسداد الحالي، لأنها تربط بين القوة المعنوية (العصبية) وبين المآل المادي للحضارة (الترف).

الفلسفة الحديثة:

من حتمية التقدم إلى انسداد الغاية على عكس الدائرية الخلدونية، قدمت الحداثة الغربية رؤية خطية متصاعدة للتاريخ، قائمة على الإيمان بالتقدم اللانهائي والقدرة الكلية للعقل. هذه الرؤية جعلت "المداخل" مفتوحة على الدوام نحو المستقبل، معتبرة أن كل أزمة هي مجرد مرحلة عابرة نحو كمال أسمى.

هيغل وجدلية الروح: التاريخ كمسيرة للحرية

يعد هيغل الذروة الفلسفية لهذا التفاؤل الحداثي، حيث يرى التاريخ كعملية عقلانية تهدف إلى تحقيق وعي الروح بذاتها من خلال الحرية. في الفلسفة الهيغلية، لا يمكن للواقع أن "يتجمد" أو "ينسد"، لأن حركة "السلب" الجدلية تدفع بالروح دوماً لتجاوز تناقضاتها في تركيبات أرقى. ومع ذلك، فإن نقد هيغل المعاصر يركز على أن هذا النظام "المغلق" الذي يدعي استيعاب كل شيء قد أدى إلى تحويل التاريخ إلى عملية حتمية تفتقر إلى الفاعلية الإنسانية الحقيقية، مما يمهد لما وصفه البعض بـ "نهاية التاريخ".

مشروع التنوير وتصاعد "مناخ اليأس"

انطلق مشروع التنوير، عند إيمانويل كانط وغيره، من مبدأ "الخروج من حالة القصور" واستخدام العقل لتحسين الحياة البشرية. ولفترة طويلة، نجحت هذه المداخل المفتوحة في تحقيق قفزات علمية وتقنية هائلة. إلا أن القرن العشرين شهد تحولاً جذرياً؛ حيث حلت خيبة الأمل محل التفاؤل مع اندلاع الحروب العالمية، وتصاعد أزمات التدهور البيئي، واستبداد التقنية. يرى نقاد الحداثة أن العقل الذي كان أداة للتحرر تحول إلى "عقل أداتي" يخدم السيطرة، مما أغلق المخارج الأخلاقية والروحية أمام الإنسان المعاصر، وهو ما يتجلى في الأزمة المرجعية التي تعاني منها الحضارة الراهنة.

تشخيص باومان للانسداد المعاصر

يقدم زيجمونت باومان أحد أعمق التوصيفات للحالة الراهنة من خلال مفهوم "الحداثة السائلة". يرى باومان أننا انتقلنا من مرحلة الحداثة "الصلبة" التي كانت تسعى لبناء مؤسسات مستقرة وتخطيط طويل الأمد، إلى مرحلة "سائلة" تتسم بالتغير الدائم وغياب اليقين.

مدينة الصياد الفاضلة وتلاشي الوجهة في الحداثة السائلة

يتم وصف العالم كـ "يوتوبيا الصياد “، حيث لا توجد غاية نهائية أو "مخرج" نصل إليه لنستقر، بل إن المطاردة المستمرة للفرص، والسلع، والهويات هي الغاية في حد ذاتها. هنا تكون "المداخل مفتوحة" بشكل مفرط؛ فالفرد حر في اختيار هويته، وعمله، وعلاقاته، ولكن هذه الحرية تأتي بتكلفة باهظة من "عدم اليقين" والهشاشة. المخارج مغلقة لأن النظام السائل يمنع أي استقرار؛ فكل إنجاز هو مجرد محطة عابرة في رحلة لا تنتهي، مما يولد شعوراً بالدوران في حلقة مفرغة أو "المطحنة" التي تستهلك الإنسان دون أن توصله إلى بر الأمان.

انفصال القوة عن السياسة

يشير باومان إلى أن أخطر معالم الانسداد العالمي يكمن في انفصال "القوة" عن "السياسة". فالقوة (القدرة على الفعل) أصبحت عالمية، عابرة للحدود، وسائلة (تتمثل في الأسواق والتدفقات التقنية)، بينما ظلت السياسة (القدرة على اتخاذ القرار) محلية ومقيدة بحدود الدولة القومية. هذا الانفصال أدى إلى حالة من "العجز الديمقراطي"؛ فالناس يملكون "مداخل" للمشاركة السياسية، لكنهم يجدون "المخارج مغلقة" لأن القرارات الكبرى التي تؤثر على حياتهم يتم اتخاذها في فضاءات عابرة للحدود خارجة عن السيطرة السياسية المحلية.

النسبية المعرفية وضياع المعيار المشترك

أدى سقوط السرديات الكبرى إلى حالة من "التفتت" المعرفي؛ حيث أصبح لكل مجموعة "سرديتها الصغرى" الخاصة. ومع أن هذا يبدو تحررياً، إلا أنه أدى إلى انسداد الحوار الكوني؛ فغياب "معيار مشترك" للحقيقة جعل الصراعات بين الهويات صراعات "غير قابلة للحل"، مما يغلق المخارج أمام أي مشروع إنساني جماعي لمواجهة التحديات الكبرى مثل التغير المناخي أو الأزمات الاقتصادية العالمية.

"نهاية الإنسان" والأفق البيولوجي المسدود

لا يقتصر الانسداد التاريخي على الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل يمتد ليشمل تعريف "الإنسان" نفسه. يحذر فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية الإنسان" من أن الثورة في التكنولوجيا الحيوية قد تؤدي إلى كسر "الطبيعة البشرية" التي كانت الأساس لكل القيم السياسية والأخلاقية.

يتحدث فوكوياما عن "الإنسان الأخير" الذي يعيش في حالة من الرفاهية المادية لكنه يفتقد للدافع التاريخي أو "الثيموس" (النزوع إلى الاعتراف). الانسداد هنا يتمثل في أن البشرية قد تكون وصلت إلى نمط عيش لا يمكن تجاوزه، ومع ذلك فهو نمط يفتقر إلى المعنى الجوهري. التطور التقني يفتح "مداخل" بيولوجية قد تؤدي إلى "مخرج مغلق" يتمثل في انقراض الذات الإنسانية الحرة لصالح كائنات مصممة وراثياً، مما ينهي "التاريخ" كما عرفناه.

العصبية الرقمية والمدن العالمية

تطرح بعض الدراسات المعاصرة إمكانية نشوء "عصبية جديدة" قائمة على "الترابط الشبكي" بدلاً من القرابة أو الأيديولوجيا. في هذا السيناريو، تصبح "المدن الذكية" والشبكات العالمية هي مراكز العمران الجديد التي تتجاوز انسداد الدولة القومية. ومع ذلك، فإن هذا المخرج يظل محفوفاً بالمخاطر؛ فإذا لم يقترن هذا الترابط التقني بمرجعية أخلاقية وقيم إنسانية، فإنه قد يكون مجرد "إغلاق للمخارج" بشكل أكثر إحكاماً تحت سيطرة "الذكاء الاصطناعي" و"البيانات الضخمة."

الخلاصة التركيبية

إن حالة "كل المداخل مفتوحة وكل المخارج مغلقة" التي يعيشها العالم اليوم تمثل لحظة "الشيخوخة الحضارية" الكونية. نحن نعيش في حضارة بلغت ذروة "الترف" الخلدوني متمثلاً في الاستهلاك الفائق والسيطرة التقنية، ولكنها فقدت "عصبيتها" المعنوية والسياسية التي تمنحها القدرة على التجديد. إن الانفتاح المفرط للمداخل هو في الواقع أداة لإخفاء انغلاق المخارج.

سواء كان هذا الانسداد هو بداية "تاريخ جديد" أو الفصل الأخير من "حضارة الهرم"، فإن الحقيقة البارزة هي أن الأدوات الفلسفية والسياسية القديمة لم تعد كافية لفتح المخارج. إن الحاجة ماسة إلى "عصبية إنسانية كوكبية" تعيد ربط السياسة بالقوة، والتقنية بالأخلاق، والذات بالمعنى. إن "المخارج" لا تفتح من تلقاء نفسها، بل يتم "شقها" من خلال فعل إبداعي يتجاوز سيولة الحداثة وجمود التراث، ليعيد بناء "عمران بشري" يكون فيه الإنسان سيداً لمصيره.

***

غالب المسعودي

...........................

المراجع:

ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة. (تحقيق ودراسة الأزمات الحضارية).

المسيري، عبد الوهاب. العالمية والمركزية الغربية.

جاسم محمد، نادية. (د.ت). تدهور الحضارة عند ابن خلدون. جامعة الموصل. مسترجع من: uomosul.edu.iq

فريق التحرير. (2022). أزمة الحضارة والإنسان في فكر ابن خلدون. شبكة تنوير. مسترجع من: tanwair.com

محمد، إبراهيم. (2021). قيام الحضارات وسقوطها: ابن خلدون نموذجاً. شبكة الألوكة. مسترجع من: alukah.net

Bauman, Z. (two thousand). Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press.

Fukuyama, F. (2002). Our Posthuman Future: Consequences of the Biotechnology Revolution. Farrar, Straus, and Giroux.

Güler, A. (2019). Ibn Khaldun's Cyclical Theory on the Rise and Fall of Sovereign Powers. DergiPark. Retrieved from: dergipark.org.tr

Smith, J. (2018). Cyclical and Linear Progress in Social Theories. AgEcon Search. Retrieved from: ageconsearch.umn.edu

تتطلّعُ قراءة الآخر، بوجه عامّ، إلى تقليص هامش الخواء المعرفيّ، وهو دورٌ منوط عادةً بعهدة الترجمة في جانب كبير منه، من خلال ما توفِّره من معارف وما تجليه من حقائق عن الآخر، درءًا لسوء الفهم وتمتينًا لعرى التواصل بين الثقافات. وضمن هذا الدور الجليل للترجمة، يأْتي الاطّلاعُ على الآداب الأجنبية في مقدّمة المواد المعرفية المحبَّذة. لذا يحرص عمل الترجمة الثقافية في الزمن الحديث على الانشغال بالأعمال الأدبية أكثر من الانشغال بالأعمال الفكرية والمؤلَّفات العلمية، وذلك ليُسْر نقل تلك الأعمال دون تعقيدات كبيرة، تمليها الترجمة المعرفية أحيانا، ولسرعة رواج الترجمة الأدبيّة في أوساط جمهور القرّاء. وعلى سبيل المثال ثمانين بالمئة ممّا نَقله العرب من اللغة الإيطالية يندرج ضمن التصنيف الأدبيّ، والباقي هي أعمال في الفنّ والمسرح ودراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، من مجموع عامّ يبلغ 450 عملًا مترجَمًا.

مغامرة الترجمة المبكّرة

في مرحلة سابقةٍ مثَّلَ اِكتشافُ الآخر أحدَ المغريات القويّة للعرب إبّان مسيرتهم الحضارية الفاعلة. لم يكن الاكتشاف مجرّد اطّلاعٍ على تجربة الآخر، وإنّما قراءة متأمِّلة في مدى إسهامه في المسار الكونيّ. من هذا الباب عَوّلَ رواد الحضارة العربية، إبان فترتيْ حكم بني أميّة وبني العباس, على استجلاب ما لدى الأمم الأخرى من إنجازات معرفية وعلمية وتجارب عملية. ومنذ فترة مبكِّرة تنبّهَ العرب إلى أهمية الترجمة وجدواها، فقد أنفَقَ الخليفة الأمويّ المعزول خالد بن يزيد (توفّي حوالي 709م) من ماله الخاص لترجمة الأعمال اليونانية. وبات هذا الانشغال بالترجمة تقليدًا منذ الجهد المبذول لأبي جعفر المنصور (توفّي سنة 775م) في زمن الدولة العباسية. صحيح كان العرب على إيمان كبير بمخزونهم الروحي حينها، ولكنّهم كانوا أيضًا على يقين من حاجتهم إلى معارف الآخر وعلومه في شتى المجالات، وهو ما حَثّهم على استلهامِ تجربة الآخر واستجلابِها إلى حواضر بلاد الإسلام.

كانت الرؤية العامّة السائدة لدى العرب، تجاه الآخر، محكومةً بنظرة عَمَليّة بالأساس في فرز مخزونه الحضاريّ. ونقصد بالنظرة العمليّة للآخر التغاضي تقريبًا عمّا لديه من معتقدات وفهْمٍ للكون، والانشغال بعلومه ومعارفه وإنجازاته العلمية والحضارية. وقد أتت ترجمةُ الأعمال الفلسفية اليونانية ضمن هذه السياق، بوصف أعمال الفلاسفة القدماء لا تندرجُ ضمن معتقدات الشعوب، وإنّما تندرج ضمن البحث الأصيل عن تقديم إجاباتٍ عقلية لمعضلات الوجود. ولذلك لم يخلط التراجِمة الأوائل، ممن استجلَبوا المعارف من الهند وفارس وبلاد الإغريق، بين الأعمال العقلية الصرفة والأعمال الأسطورية والعَقَدية، التي عبّرت عنها ملاحم مثل "الإلياذة والأوديسة" في بلاد الإغريق أو "الشاهنامة" للفردوسي في بلاد فارس، وأهملوا ترجمتها ونقلها. فقد أورد غ. ستروهماير في "دائرة المعارف الإسلامية"، في معرض حديثه عن حُنين بن إسحاق أنه كان يلجأ في ترجماته إلى إسقاط الحديث عن المعتقدات الوثنية والآلهة، وهو تقليد لم يبتكره الرجل، وإنما دأبَ عليه معاصروه.

وفي غمار ذلك النزوع لفهْمِ الآخر وقراءته، لا يمكن الحديث دائما عن تقبُّلٍ مرحٍ لذلك المغايِر، في ظلّ استمراء الذائقة الجماعية لِما بحوزتها من إبداع. الأمر الذي قد يخلق أحيانا نفورًا من ذلك الآخر، بوصف ذلك الآخر ليس بوسعه أن يضيف للأنا شيئًا، وليس سوى تعزيز لهجانة المخزون النقيّ ولرطانة اللّسان القويم. عديد الحركات الشعوبية، في المشرق والمغرب، سلكت هذا المسلك الطهريّ في الثقافة، من خلال نشدان تحقيق النقاوة الصرفة.

اِستطاع العربُ بنباهة أن يَتجاوزوا هذا الانغلاق المتربِّص، وقد لخّصَ المقول الخلدوني في "كتاب المقدّمة"، أحدَ اللحظات المهمّة في تصحيح قراءة التاريخ لدى العرب، من خلال إعادة رسم المعالم التي يقف عليها تقدّم الاجتماع البشريّ. ففي "المقدّمة" توظيفٌ شفّافٌ لروح المعارف القديمة ولمعارف العصر، في ذلك الظرف التاريخيّ. لم يكن الفكر الخلدونيّ انغلاقًا على الذات العربية وإنما محاوَرة وقراءة لكلّ ما من شأنه أن يشكّل عنصرًا من عناصر صنع التاريخ ونزع الوعي الأسطوري عنه. أبانت أنّاليزا فيرزا، إحدى الدارسات الإيطاليات المعاصرات، ممّن اِنشغلن بالطروحات الخلدونية في الراهن، أنّ سوسيولوجيا الحضارة أو "علم العمران"، كما هو وارد ضمن الاصطلاح الخلدونيّ، قد جاء التطرق إليه من منظور صاحب "المقدّمة" على أساس الاعتماد على مضامين الثقافة المزدَوجة الإسلامية الإغريقية في عهده، وجرى تحليل المقولات والوقائع في مختلف أوجهها الاجتماعية والفلسفية والتاريخية والعلمية بهدف الإلمام بالسُّنن والقوانين المتحكّمة بالتحوّل التاريخيّ. فقد أدرك العرب، منذ البدء، أنّ الآخر هو رديفٌ ينبغي كسْبه معرفيّا في صفّ الذات، بنقل معارفه واسْتلهام مقولاته، وليس بوصفه نقيضًا ينبغي تجنّبه وتفاديه. كانت جغرافية الحضارات واضحةً المعالم لدى رواد الحضارة العربية، ولذلك عملوا على استلهام إبداع الأمم المجاورة والنائية بغرض رفْدِ ما لديهم من تطلّع حضاريّ.

نهْضة عقب غفْوة

وما إن أطلّت العصورُ الحديثة حتى استفاق العرب على فجوةٍ هائلةٍ تفصلهم عن أُمَم الفرنجة. سعوا فيها، عبر الرحلات والبعثات، للتعويض عمّا فاتهم، وتقليص الفارق بينهم وبين أوروبا الصاعدة. حرصت في ذلك كوكبة من المصلِحين (خيرالدين والطهطاوي وعبده وآخرين)، ممن اتّصلوا بالغرب، على تبليغ رسالة قوية للداخل مفادها أنّنا ما لم نسلك مسلك الآخر في اكتساب العلوم وتطوير المعارف، فإنّنا قادمون على أوضاع صعبة. وسارعَ هؤلاء المصلحون وغيرهم إلى ترجمة ما وعوه من ذلك الغرب، عبر الحثِّ على خوْضِ إصلاحات عاجلة في التعليم والاجتماع والقوانين، وبما تيَسَّر لهم من سبيل في خلْقِ نوًى للترجمة بغرض فتْحِ قنوات تواصُلٍ مع ذلك الغرب، تُحدِّث عمّا بلغه من معارف (مدرسة الألسن في القاهرة -1835-، ومدرسة باردو الحربية في تونس -1840- التي تولّت شأن الترجمة). كان تمثُّلُ الترجمة بمثابة العين الراصدة للحراك الحضاريّ في الغرب، ولذلك مثّلَ الاشتغال بالترجمة أعْلى أشكال الوعي بالآخر، بحثًا عن إدراك أسباب مناعته وعوامل تقدّمه. واستطاعت ترجمة وقائع الغرب وأحواله أن تحدِث رجّةً في الوعي السياسيّ لبعض الحكّام، غير أنّ تلك الرجّة سرعان ما تلاشى صداها في بنيةٍ اجتماعية متكلّسة، فقَدَت تواصلها بالمعارف. في ظرْفٍ كانت القوى الاقتصادية في الغرب تتحفّز للانقضاض على شعوب تعثّرت في السباق الحضاري، وتَعَجّل ذلك باقتحام الاستعمار معاقل الأمم الواهنة وسعى في استنزاف طاقاتها المتنوّعة.

كان شيخ المترجمين رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) يقدّر أنّ دسْتَرة الواقع السياسي هو مدخل للّحاق بالغرب، ولذلك حرص على نقل الدستور الفرنسي، على أمل اختصار طريق النهوض. وأردفَ ذلك بتأليف كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، كما اشتغل بترجمة "روح الشرائع" لمونتسكيو و"العقد الاجتماعي" لجان جاك روسو، وهي إنجازات تنمُّ عن وعيٍ ثقافيٍّ راق ونباهة حضارية فارقة في ذلك العصر. وعادة حين نستعرض أعمال الترجمة العربية في القرون الأولى نأتي على عناوين الأعمال وفحواها وأهميتها ومنجزيها وداعميها، ولا نتطرّق كثيرا إلى الحاضنة الحضارية المتحكمة بترجمة تلك الأعمال ورواجها. فلا بدّ أن نبرزَ قيمة هامش الحرية المسموح به للمترجم، ولمؤسسة الترجمة المعنية بالترجمة، والفضاء المروَّج فيه نص الترجمة. اليوم بالمثل نحن مدعوون إلى أن نعملَ على تقليص دائرة التضييق والرقابة حتى يجري تطوير الترجمة، ويتوفّر هامش رحب لذلك، لأنّ الترجمةَ هي المنظار الذي نرى من خلاله العالم. وما لم يكن هذا المنظار طليقًا فإنّ إمكانيات التشوّف عبره تبقى محصورةً. صحيح كان الطهطاوي رائدًا في عمل الترجمة، ولكنّ الرجلَ ناله ما نال أسلافه (ابن المقفّع على سبيل المثال) نتيجة الرقابة، فقد أُغلِقت بسبب جموحه المعرفيّ مدرسة الألسن زمن الخديوي عبّاس ونُفي على إثر ذلك رفقة جمعٍ من طلّابه إلى السودان.

سؤال الترجمة الراهن

نتساءلُ أحيانًا عن الدور المنوط بمشاريع الترجمة الناشطة في البلاد العربية في الراهن. لقد مثَّلت بعض مؤسّسات الترجمة الحالية في بلاد العرب، على غرار المركز القومي للترجمة في مصر، ومشروع كلمة في الإمارات العربية، وعالم المعرفة في الكويت، والمنظمة العربية للترجمة في لبنان، ومشروع نقل المعارف في البحرين، إسهامًا فعليًّا في تطوير الحوار مع الآخر، بالاطّلاع على مناهجِه وأبحاثِه وقضاياه المطروحة داخل ساحته الفكرية. وقد أمدّت تلك المؤسّسات الثقافةَ العربيةَ المعاصرة بمعارف وأدوات ومفاهيم، ما كانت لتتوفّرَ لولا عمل الترجمة. صحيح وُجِدت مؤسسات أخرى في البلاد العربية، ولكنّها كانت دون تلك المؤسسات زخمًا ونشاطًا، افتقدت إلى استراتيجيات واضحة، وكانت بدون إنجازات أحيانا. فقد اِلتَهمت البيروقراطية الاعتمادات وغابت الترجمات، ولذلك كانت بعض دُورِ النشر الخاصة أكثر نشاطا وأبلغ تأثيرا من بعض مؤسسات الترجمة الوطنية التي يُفتَرض رياديتها وتوجيهها لقطاع الترجمة العام. والسؤال المطروح ما الذي تحتاجه مراكز الترجمة الكبرى في البلاد العربية؟ إنّه الخروج من أرثوذكسية التعاطي مع الترجمة ومن بطرياركية الوصاية على القارئ، بمعنى أن تُراجَع حاجات الثقافة العربية باستمرار ولا نتصوّر، على سبيل المثال، أنّ ترجمةَ أمهات الكتب الغربيّة هو ما يمثِّل الرصيد الأول للنهوض وصنْع ثقافة عربية فاعلة. فقد يكون التعويل على هذه السياسة مدعاة إلى هدر الطاقات أحيانا، ومجرّد حشْو لرفوف المكتبات بكتب ضخمة و"أكاديمية"، مخيفة للقارئ والمقتني.

فما يُعاب أحيانا على بعض مشاريع الترجمة في البلاد العربية في الراهن، وهو عدم تنبّهها إلى متطلّبات القراءة، يحدث هذا جراء القطيعة في التواصل مع القارئ، وعدم معرفة مشاغله، وممارسة الأسْتَذة عليه من خلال تقديم منجَزات معلَّبَة له تبقى محفوظة في رفوف المكتبات لاغير. وكان الأجدى لخلْقِ ترجمةٍ فاعلة في النسيج الثقافي هو تحويل المنجَز الترجميّ إلى منتوج حيّ يتحاوَر مع القارئ ويلبّي حاجاته. ربّما بهذا الشكل يغدو توطين الترجمةِ في الأوساط الثقافية الجديدة عنصرًا مؤثّرًا في الحوار وفي التفاعل الحضاري.

ولذلك وكما هو ملاحَظ، نجحت استراتيجية "مشروع كلمة" الإماراتي وكذلك سلسلة عالم المعرفة الكويتية، في عدم التعامل مع العمل الترجمي، بوجه عامٍ، بأرثوذكسية وبطرياركية، والسعي الدائم للاقتراب من هواجس القارئ وحاجاته. فلو أخذنا على سبيل المثال كتاب "علم الأديان" للفرنسي ميشال مسلان أو كتاب "علم الاجتماع الديني" للإيطاليين سابينو أكوافيفا وإنزو باتشي المترجَميْن لدى مشروع كلمة. فقد حقّقا من النجاح والشيوع والاطلاع بين القرّاء العرب في ظرف وجيز، أكثر مما حققته كتب ضخمة وفخمة في المجال. لذلك ينبغي ألّا نغترّ بأنّ نقل أعمال الأسماء الكبرى في مجال من مجالات الثقافة هو ضمانة للرواج والنفع، وأن تكون لنا من النباهة الثقافية اللازمة حتى ندرك كيف يتحرّك عالَم القرّاء اليوم.

ومن هذا الباب نحن لا نحتاج إلى ترجمة "دفاتر السجن" حتى نستفيد من أنطونيو غرامشي اليوم، وإنما نحتاج إلى من يفكّك غرامشي بمنظور نقديٍّ تحليليٍّ حتى يتسنّى لنا الاستفادة من هذا المفكر. فقد أُقيمت في البلاد العربية ثلاثة ملتقيات اِحتفت بغرامشي، وذلك منذ اكتشاف هذا المفكر في أعقاب هزيمة 67. اِنعقد الملتقى الأول في تونس بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من فبراير سنة 1989. تلاه ملتقى ثانٍ حول غرامشي انعقد في القاهرة بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من شهر نوفمبر من العام نفسه. وانعقدت خلال العام 2017، بالتعاون بين "جامعة جندوبة" التونسية و"مؤسسة روزا لوكسمبورغ"، ندوة بتونس العاصمة تحت عنوان "العودة إلى غرامشي". حامَ جميع تلك الملتقيات حول سؤال مدى راهنية غرامشي؟ والحال أنه منذ إطلالة غرامشي في الأدبيات العربية، وقد مرّ زهاء الخمسة عقود على اكتشاف الرجل، والخطاب لم يتعقّل ولم ينضج، فلا يزال الكلفُ بغرامشي يفتقر إلى استيعاب نقديّ لمقولاته. من هذا الباب لا ننشد ترجمة إيديولوجية منبهِرة وإنّما نتطلّع إلى ترجمة ناقدة وواعية بالمنتوج العالمي. فنحن اليوم أمام حاجة ماسة إلى منهج في تفكيك الآخر ووعي عمقه الثقافي لقراءته القراءة الصائبة، ولن يتسنّى ذلك سوى بمتابعة منتوجاته بشكلٍ نبيهٍ وعميقٍ.

آتي إلى شيء مهمّ في هذا المجال، يتمثّل في أنّ توطينَ الترجمة والاستفادة من إضافاتها وإسهاماتها، لن يتيسّر سوى باعتماد قراءة رصينة تؤسّس إلى ما يمكن أن نُطلقَ عليه نقد الترجمة. فلا شكّ أنّ فعلَ الترجمة في المطلق هو فعلٌ حسن ومحمودٌ، لما يسديه للثقافة من انفتاح وتطوير وثراء، ولكن وجبَ كذلك رفْدُ هذا العمل بقراءات واعية، تستقرئ اللغة والمقدرة والنباهة لدى المترجم. إذ يجد القارئ نفسه أحيانا أمام أكداس من النصوص بدون دليل أو مرشد، وهو شأن من مهامّ نقد الترجمة، غير أنه يغيب بشكل واضح في الحالة العربية. فما يهدف إليه نقد الترجمة بالأساس هو ترشيد الترجمة بغرضِ الإسهام في النهوض الثقافي والحوار الجادّ مع الثقافة الأخرى. ولا شكّ أنّ غيابَ النقد في الترجمة، كما هو الحال في الواقع العربي، هو مدعاة لوجود فوضى ولانتهاكات متنوّعة تطال حقوق المشتغلين في هذا الحقل.

لقد أبانت تاريخية الترجمة لدى العرب أنّ القراءة العميقة للآخر متيسّرة، بتحويل منتوجه الفكري إلى منتوج عربيّ، أي بدمجه ضمن مستهلَك القراءة المعرَّب، وليس ببقائه في لغته الأصلية. هذا فضلا عمّا ندعو إليه من تعريبٍ وظيفيٍّ، ونقصد به جعل الإبداعات والأدوات المعرفية الأجنبية في خدمة الواقع العربي لفهم مضامينه وتحولاته وتحدّياته. ولذلك كثيرٌ من الكتب الأجنبية المؤثِّرة في ثقافتنا ما كان ليتسنّى لها ذلك لولا الحضور في ترجمات عربية. لعلّ المفكّر محمد أركون نفسه، المنتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية، انشغالًا واشتغالًا، ما كان ليتحقّق له الحضور الباذخ في مجال الإسلاميات الحديثة في البلاد العربية لولا ترجمة أعماله.

وفي هذا التوطين للمعارف الأجنبيّة، ثمة قراءة منبهِرة بالآخر وأخرى واعية بالآخر، وغالبا ما جاءت قراءتنا ضمن الصنف الأول. فلا يعني الانبهار الغلوّ في الإعجاب فحسب، بل الإعجاب السلبيّ أيضا، على غرار ما حصل لدينا مع المفكر نيكولو ماكيافيللي، مع أنّ الرجل من أعمدة الفكر السياسي في الغرب. لم نعِ من طروحاته السياسية سوى من خلال "الطباع المراوِغة في العمل السياسي". باتت هذه الصورة تخفي الثراء المعرفيّ لفكر الرجل، والأمر ذاته ينسحب على أعلام آخرين في الفكر الإنسانيّ حوّلتهم القراءة المختزِلة إلى أوثان جامدة: فرويد يساوي الجنس، ونيتشه يساوي العدمية، وماركس يساوي الإلحاد، وعلي شريعتي يساوي التشيّع، والحال أنّ القراءةَ المختزِلة هي أخطر ممارسات قتل المفكّر والحيلولة دون الانتفاع بآرائه وأفكاره. لذلك يقتضي الاحتضان الصائب لفكر الآخر عدم الانحصار في القراءة داخل المعايير الجامدة أو القوالب الجاهزة، والتعاطي مع الإبداع الفكري بروح منفتحة، وهكذا يسهم الفكر المترجَم في تجديد الذات وإثرائها.

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

 

في التسعينات من القرن الماضي لاحظ المحامي الأمريكي مايك جودوين كم هو شائع انخراط الناس في الجدال على الانترنيت واتهام بعضهم البعض بالنازية بصرف النظر عن طبيعة الموضوع. هذه الملاحظة التي يُشار لها الان بـ قانون جودوين Godwin’s Law أصبحت قاعدة أساسية في الانترنيت. صيغتها الرسمية، طبقا للويكيبديا كالتالي:

عندما يمتد النقاش على الانترنيت لفترة أطول، تزداد احتمالية مقارنة الفرد بهتلر او أي نازي آخر.

مع ان قانون جودوين صيغ قبل ثلاثين سنة، لكننا عندما نتصفح منصات التواصل الاجتماعي لعشر دقائق سنجد القانون لازال يعمل. ما بدأ كملاحظة طريفة في التسعينات تطور الى ادانة لاذعة لأكبر قنوات الاتصال السائدة  في تاريخ البشرية. وبدلا من العمل المشترك لإيجاد حل، يبدو ان العديد من الناس في الاونلاين هم اكثر اهتماما "بالفوز" في الجدال وانهم يصفون خصومهم بالشر المطلق.

مهما كان الشخص المتحفز بالاعجابات والمشاركات فهو يسعى وبأقل عدد من الكلمات الى إهانة العدو بتغريدة جذابة تمنحه اشادة حماسية من جماعته. ان استحضار النازية هو احد الطرق لكن هناك كلمات أخرى تلعب دورا مشابها مثل كلمة فاشي او شيوعي.

ماذا تعني أي من هذه الكلمات؟ لا يهم. انها تُستعمل في الغضب والإزدراء، جميعها تدل على نفس الشعور: "انت نازي/فاشي/شيوعي، الناس خطرون، وحمقى لا يُرتجى منهم أي خير. انت خضعت لغسيل دماغ، وتتحدث كشخص لم يتعرض لذلك، انا لا ارغب الاستماع الى كلمة أخرى مما لديك لتقوله".

بالطبع، القبلية وُجدت قبل الانترنيت بوقت طويل، الانترنيت فقط يمكّن القبائل لتنمو اكبر ولترسم حدودها بشكل اكثر وضوحا من خلال الخطابة. لو اردنا نتجنب تبادل الاتهامات الجماعية البشعة، احدى ردود الأفعال سيكون الانسحاب من الفضاءات التي تحدث فيها تلك الاتهامات. نبقى بعيدين عن التواصل الاجتماعي ومنتديات الاخبار وأقسام التعليق، ونعيش حياتنا حرة من  الخطاب اللامعقول وغير المتزن.

هنا تأتي عبارة جورج برناردشو: "لا تتصارع مع خنزير. كلاكما ستصيبكما القذارة، والخنزير يحب ذلك". انها نصيحة سليمة عندما يبدو النقاش بحسن نية مستحيلا. لكن اذا كانت مخاطر النقاش عالية، فان الانسحاب ربما يكون غير مسؤول. تصحيح هذه الرؤية بالذات يُعد امرا هاما. ماذا نعمل اذن؟ كيف نوفق بين الفجوات في العقيدة والرأي؟ كيف ننخرط بشكل أفضل مع أولئك الذين نختلف معهم؟

الفلاسفة كانوا لقرون يجادلون مع بعضهم حول موضوعات مشحونة عاطفيا: كيف ننظم المجتمع، ماذا نؤمن، كيف نعيش. في هذا الشأن برز دليل او مرشد للتفاعل يساعد في تقدم النقاشات بدون إراقة مفرطة للدماء، هذا الدليل يساعدنا كيف نتعامل مع الاختلافات في مجالات أخرى، سواء كانت سياسية او دينية او اجتماعية او اقتصادية. لنأخذ هذا المقطع الشهير من جون ستيوارت مل في عمله (حول الحرية) عام 1859:

ذلك الذي يعرف فقط  جانبه في القضية لا يعرف الاّ القليل من ذلك. مبرراته ربما جيدة، ولا احد ربما كان قادرا على دحضها. لكن اذا كان غير قادر على دحض المبررات في الجانب المضاد، فهو لا يمتلك أساسا للتفضيل .. ولا يكفي ان يسمع رأي خصومه من اساتذته كما يعرضونه، مصحوبا بما يقدمونه من ردود. هو يجب ان يكون قادرا ليسمع ذلك من اشخاص يؤمن حقا بهم. هو يجب ان يعرفهم بشكلهم الأكثر معقولية وحضورا. الفيلسوف اللاحق دانيال دينيت أيضا أكّد على أهمية الفهم الحقيقي والدقيق لرؤية الخصم.

في عمله (مضخات الحدس والأدوات الأخرى للتفكير) عام 2013، يلخص دانيت قائمة من القواعد دعا لها منظّر المباراة اناتول رابوبورت – قائمة يشارك بها أساتذة الفلسفة للسنة الأولى مع طلابهم:

كيف تؤلف تعليقا نقديا ناجحا:

1-  يجب ان تعيد التعبير عن هدفك بوضوح شديد، وبحيوية .

2-  يجب ان تضع قائمة بأي نقاط للاتفاق .

3-  يجب ان تذكر أي شيء تعلمته من هدفك

4- حينذاك فقط يُسمح لك بالرد او النقد.

هذا الاتجاه لا يحترم  فقط خصومك ككائنات بشرية، انه أيضا يحوّلهم الى اشخاص اكثر تقبلا للنقد. اذا كان شخص ما يقوم بجهد منصف في فهم رؤيتك والتعبير عنها ، سيكون امرا مزيلا للتوتر حالا. منظورك جرى احترامه. و جرى الاستماع لك. وانت الان ستعمل مع محاورك بنجاح، اذا لم يكن حلا، على الأقل سيكون نقطة خلاف متفق عليها حضاريا. لكن بالطبع، توقّع هذا المستوى من المقبولية المدروسة في الانترنيت غير المنظم ربما هو امر ساذج. حتى الفلاسفة لا يؤمنون به – العديد من الاعمال الشهيرة تزخر بأمثلة استثنائية للقدح والذم.  هنا مثال عن شوبنهاور حول هيجل، من كتابه (العالم كإرادة وتمثيل، جزء 11)، كتبه قبل وقت طويل من الانترنيت:

(هيجل، كفيلسوف كبير ذو رأس مسطح، غير مشوّق، مقرف، امي دجال، وصل قمة الجرأة في كتابته وتقديمه لأكثر الهراء جنونا وغموضا.)

حتى رموز التفكير العقلاني تستمتع بالنقد اللاذع. في الحقيقة، نحن جميعنا بشر، فينا ضعفنا، ولدينا نقاط عمياء ونغضب. مشاركتنا مل ودانيت في قواعد التفاعل سوف لن يغير ذلك. وبينما لن تُحل مشكلة كل الانترنيت بنصيحتهما، لكن من خلال الاحتفاظ بهذه القواعد في الذهن نحن نجعل خلافاتنا اكثر ودية وبنّاءة.

على أقل تقدير، نحن نستطيع انجاز فرق من خلال تجسيد التغيير الذي نريد رؤيته في العالم، ونحاول التعامل مع الناس ذوي الرؤى المختلفة بحساسية ولباقة. في النهاية، كل شخص على هذا الكوكب هو ضعيف كونه في بحث دائم عن الحياة الجيدة. من خلال التعامل مع الآخر بهدوء وبالإستماع الى منظورات الآخرين المتفردة والثمينة، وعبر الحفر تحت الخطاب السطحي وتجريد الأشياء بإعادتها الى المبادئ الأولى، سنكتشف حالا اننا نمتلك أرضية مشتركة اكثر مما نتصور.

***

حاتم حميد محسن

كثيرا ما أجد نفسي مشدودة، وقد تصاعد توتري وأنا أسمع بعض المتشددين يرددون كلمة "كرغلي " كأداة للسب والتقليل من شأن الجزائريين ذوي الأصل التركي. يغمرني شعور بالغضب والاشمئزاز من هؤلاء الذين يجرؤون على اختزال تاريخنا وهويتنا في كلمة واحدة تحمل حكما جاهزا لم يُسائل الواقع ولا التاريخ. إنّهم يتجاهلون حقيقة بسيطة، نُقلت لنا على لسان الرسول ﷺ حين قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ". ألم يكن أجدادنا مخطئين حين زوّجوا بناتهم للجنود العثمانيين؟ هؤلاء الغرباء عن وطنهم كانوا يحملون الدين نفسه والخلق الطيب نفسه، وكانوا وسيلة للحفاظ على المجتمع وبناء جسور الولاء والاحترام بين شعبين متقاربين في الأخلاق والدين، رغم اختلاف الأصول. الكرغلي لم يكن خطأ، ولم يكن وصمة عار، بقدر ما كان شهادة على تمازج اجتماعي ناجح، وعلى حكمة اجتهاد تقليدي تفهم الواقع ولا يخلط بين الدم والأخلاق .

يُثار الجدل حول الوجود العثماني في الجزائر عادة من داخل سؤال ملغوم " هل كان احتلالا أم لا؟ غير أن هذا السؤال، في حدّ ذاته، يعكس ارتباكا معرفيا قبل أن يعكس اختلافا تاريخيا. فهو يفترض مسبقا أن مفهوم "الاحتلال"صالح للتطبيق على القرن السادس عشر، وأن مقاييس الدولة القومية الحديثة يمكن إسقاطها دون حذر على أنماط حكم إمبراطورية سابقة. بهذا المعنى، فإن الإشكال لا يكمن في طبيعة الوجود العثماني فقط، بل في اللّغة التي نحاكمه بها .

فمفهوم الاحتلال كما نفهمه اليوم لم يولد إلا مع التجربة الاستعمارية الأوروبية الحديثة، حيث ارتبط بالغزو، والاستيطان، والمصادرة، واقتلاع السكان من أرضهم، وإعادة تشكيل المجتمع قسرا وفق نموذج ثقافي واقتصادي أجنبي. أما في زمن الإمبراطوريات التقليدية، فقد كانت السلطة تُمارَس عبر منطق الحماية والولاء، لا عبر مشروع إحلالي يهدف إلى محو الهوية المحلية. إن تجاهل هذا الفرق الجوهري ليس بريئا، بل يؤدي إلى قراءة تاريخية مشوّهة تُساوي بين أنماط حكم لا تتشابه إلّا في الاسم .

دخول العثمانيين إلى الجزائر لم يتم عبر حملة غزو تستهدف إخضاع مجتمع قائم، بل جاء في سياق استنجاد محلّي فرضته التهديدات الإسبانية المتواصلة. هذا المعطى وحده كافٍ لنسف فكرة الاحتلال القسري منذ لحظته الأولى. فالسلطة التي تُستدعى لا تُشبه السلطة التي تُفرض، حتى وإن تحوّلت لاحقا إلى بنية حكم مستقرة. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي يُصرّ على توصيف الوجود العثماني كاحتلال يتجاهل هذه البداية عمدا، لأنّه لا يبحث في التاريخ بقدر ما يبحث عن إدانة جاهزة. غير أنّ التفكيك لا يكتمل بالبراءة المطلقة. فالوجود العثماني لم يكن حكما وطنيا جزائريا خالصا، ولم يُبنَ على عقد اجتماعي شامل. لقد كان حكما إمبراطوريا ذا طابع عسكري، تركّزت فيه السلطة في يد نخبة محدودة، واعتمد على القوة أكثر ممّا اعتمد على التمثيل. غير أنّ تحويل هذه الحقيقة إلى دليل على الاحتلال، يكشف خلطا مقصودا بين الهيمنة الإمبراطورية والاستعمار الكولونيالي. فالهيمنة، مهما كانت قاسية، لا تعني بالضرورة مشروع اقتلاع، ولا تساوي تلقائيا الإبادة الرمزية والمادية التي مارستها القوى الاستعمارية الحديثة .

ويبلغ التشويش ذروته عند استحضار مصطلح" الكرغلي "بوصفه علامة نقص أو إحراج. فهذا المصطلح، في أصله، توصيف اجتماعي محايد يعني"ابن الجندي"، ويشير إلى فئة نشأت من تزاوج طبيعي داخل المجتمع الجزائري، لا من علاقة استعمارية إحلالية. الإحراج المرتبط بالكلمة ليس تاريخيا، بل أُنتج لاحقا حين أُعيدت قراءتها بمنطق الهوية الصافية، وهو منطق غريب عن المجتمع الجزائري وعن الدولة العثمانية على حدّ سواء. والأكثر مفارقة أن هذا الإحراج يُمارَس باسم النقاء، في حين أن الدولة العثمانية نفسها لم تقم يوما على أساس عرقي. فالجنود والإنكشارية والنخب العثمانية كانوا في غالبيتهم من أصول بلقانية وقوقازية، من الألبان والبوسنيين والصرب والشيشان والجورجيين، لا من "أتراك أناضوليين" بالمعنى المتخيَّل اليوم. وإذا كان الاختلاط مدعاة للخجل، فإن الدولة العثمانية بأكملها تصبح موضع إدانة، وهو ما يكشف تهافت هذا المنطق من أساسه.

إن الحرج من الكرغلي، وتوصيف العثمانيين كمحتلين، ليس سوى انعكاس لتأثر غير واعٍ بخطاب الدولة القومية الحديثة، وبمفاهيم استعمارية أوروبية زرعت وهم الهوية النقية مقابل"الآخر الدخيل". هذا الخطاب لا يقرأ التاريخ، بل يعيد تشكيله وفق حساسيات معاصرة، ويحوّل مفاهيم وصفية إلى أدوات إقصاء رمزي. وبدل أن يُسائل الاستعمار الحقيقي وآثاره العميقة، ينقل ساحة الاتهام إلى الماضي الإمبراطوري، حيث تبدو الإدانة أسهل وأقل كلفة فكرية .

تقودني قناعتي بأنّ  توصيف الوجود العثماني في الجزائر كاحتلال، والكرغلي كهوية محرجة، لا يعكسان حقيقة تاريخية بقدر ما يعكسان أزمة في أدوات القراءة. لقد كان الحكم العثماني ممارسة إمبراطورية تقليدية، لا مشروعا استعماريا حديثا، وكان الكرغلي نتاج تمازج اجتماعي طبيعي داخل هذا الفضاء، لا علامة نقص أو اغتراب. وكل قراءة تصرّ على عكس ذلك إنما تُعيد إنتاج أوهام حديثة، وتفرضها على تاريخ لا يعترف بها .

***

ليلى تبّاني  ـــ  الجزائر

 

ما أُطلق عليه (البطريق العدمي) ليس مجرد طائر خرج عن مساره الطبيعي، بل كائن أعلن تمرّده الصامت على منطق القطيع… ففي المشهد الذي وثّقه الفيلم الوثائقي عام 2007، لم ترصد الكاميرا حركة بيولوجية عابرة، بل لحظة وعي نادرة، إذ اتّخذ أحد البطاريق اتجاهاً معاكساً، مبتعداً عن دفء الجماعة ومتقدّماً نحو المجهول، وكأنه يرفض أن يُختزل الوجود في طقس دائري مكرر تُعاد فيه طقوس الأكل والبقاء بلا سؤال، بدا وكأن قراره يهمس بحقيقة أعمق: أن العالم لم يُخلق ليكون حظيرة آمنة، بل فضاءً مفتوحاً لاكتشاف ما يخفيه من معانٍ مؤجَّلة.

وعلى ذات المسار الرمزي سار النورس (جوناثان ليفنجستون) في رواية (ريتشارد باخ)، إذ تمرّد على سرب لا يعرف من الطيران سوى ما رُسم له سلفاً ولا يرى في الأفق إلا حدود الحاجة والغريزة، فاختار أن ينفلت من هندسة التحليق الموروثة وأن يقفز بروحه قبل جناحيه نحو علوٍ آخر خارج جمود السرب ورتابة قوانينه، وهناك حيث الخطر والاحتمال تحققت له بحبوحة التحرر حين استعاد الطيران بوصفه معنى لا وظيفة.

أما (إيرين ييغر) بطل الكاتب الياباني الشهير (هاجيمي ايساياما) ورائعته في مانغا (الهجوم على العمالقة)… فقد حمل منذ طفولته جرح السؤال ذاته؛ سؤال ما وراء الأسوار، فلم تكن الجدران وسيلة حماية بالنسبة له بل رمزاً خانقاً لعالم مسروق، لذلك أصر على الخروج إلى الخارج، إلى البحر والصحارى والمحيطات، لا بوصفها أمكنة جغرافية فحسب، بل باعتبارها استعارات كبرى للحرية، فانضم إلى فيلق الاستطلاع مؤمناً بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع وأن الوجود الحق يبدأ لحظة كسر السياج الأول.

تكشف هذه الثلاثية، رغم اختلاف وسائطها بين الوثائقي والأدب والأنمي، عن جوهر واحد: قلق الكائن أمام حدوده وتمرده على المعنى الجاهز وسعيه المحموم نحو الحرية، وحين نضع هذه النماذج الثلاثة جنباً إلى جنب لا يعود السؤال متعلقاً بالشخصيات ذاتها بل بما تمثله في وعينا نحن، (فالبطريق العدمي) ليس كائناً غريباً عن الإنسان بل صورته الأولى حين يُلقى في العالم قبل أن يتعلم اللغة وقبل أن يفهم الدين وقبل أن تمنحه الثقافة تفسيرات جاهزة لما يحدث له، إنه الإنسان في لحظة الصدمة الأولى، موجود لأنه موجود، يتحرك لأنه إن توقف سيفنى، يمضي لا بدافع الأمل بل بدافع الغريزة الخالصة، هنا لا معنى للحياة ولا عبث لها، لأن العبث ذاته يحتاج وعياً كي يُدرك، ولهذا تبدو عدميته صافية باردة خالية من الغضب كأنها حياد كوني مطلق، وجود بلا احتجاج ولا تصالح، مجرد حضور عارٍ في عالم لا يفسر نفسه.

لكن هذا الوجود لا يمكن أن يستمر طويلاً، فالكائن ما إن يبدأ بالسؤال حتى يغادر براءته الأولى، وهنا يولد (جوناثان) لا كنورس فحسب بل كقفزة في الوعي، لم يعد الاكتفاء بالبقاء كافياً ولم تعد الغريزة مبرراً أخلاقياً للحياة، يظهر لأول مرة التوتر الخطير بين الفرد والجماعة بين ما أستطيع أن أكونه وما يُراد لي أن أكون، (جوناثان) لا ينكر القطيع لكنه يرفض أن يكون القطيع سقفاً للوجود، فيكتشف أن الحرية ليست حالة طبيعية بل انحراف عن السائد وأن كل خروج عن المتوسط يُقرأ بوصفه تهديداً للنظام، ومن هنا تصبح الحرية فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون حقاً اختياراً واعياً لدفع الثمن، لأن من يرى أفقاً أبعد لا يستطيع أن يعود إلى العمى الطوعي دون أن يخون ذاته. غير أن هذه المرحلة، على نقائها، تظل رومانسية إلى حد ما، ف(جوناثان) ما زال يؤمن بأن الحرية ممكنة دون أن تتحول إلى لعنة، وأن الفرد يستطيع أن يسمو دون أن يهدم العالم من حوله، لكنه لا يرى بعد البنية العميقة للعنف الكامن في التاريخ ولا يدرك أن بعض الحُجب لا تقطع بالطيران، بل تُبنى أصلاً لمنع أي تحليق محتمل، وهنا يولد (إيرين ييغر) بوصفه انهيار الحلم الوجودي الجميل وانتقال الحرية من سؤال أخلاقي إلى معضلة كونية.

(إيرين) لا يسأل كيف يكون الإنسان حراً بل لماذا تُصادَر الحرية أصلاً ومن المستفيد من استمرار القيد، وحين يكتشف أن العالم منقسم بنيوياً إلى سادة وضحايا، مركز وهامش، إلى من يكتب التاريخ ومن يُسحق تحته، تتشقق داخله فكرة الخلاص النقي، لم تعد الحرية مشروعاً فردياً بل صراعاً صفرياً إما أن أكون حراً أو يُمحى وجودي، وهنا تتحول الحرية من نور إلى نار ومن قيمة إلى قوة ومن حلم إلى آلة، في هذه اللحظة المأساوية لا يعود العنف خياراً أخلاقياً بل ضرورة وجودية كما يراها الوعي المكسور، فيصبح الإنسان مستعداً لأن يحمل خطيئة العالم كله على كتفيه كي يفتح ثغرة واحدة في جدار القدر، حتى لو علم مسبقاً أن هذه الثغرة ستبتلعه هو أولاً، (إيرين) لا ينكر بشاعة ما يفعل لكنه يرى أن البشاعة جزء من منطق العالم ذاته وأن البراءة لم تكن يوماً متاحة للجميع، بل هي امتياز لمن وُلد خارج دائرة القهر.

وهكذا نكتشف أن المأساة الحقيقية لا تكمن في تحوّل الضحية إلى جلاد بل في أن النظام نفسه لا يتيح خياراً ثالثاً، فالحرية هنا لا تُنال دون أن تُلوَّث ولا تتحقق دون أن تنقلب ضد ذاتها، ولذلك يبدو (إيرين) أقرب إلى التراجيديا الإغريقية منه إلى بطل معاصر، محكوماً بمعرفة لا يستطيع الهروب منها، ومساقاً نحو مصير يكرهه لكنه يحققه في آن واحد، وكأن الوعي حين يبلغ منتهاه يتحول من نعمة إلى عبء لا يُحتمل.

وعند هذه النقطة تعود الثلاثية لتلتقي في دائرة واحدة: البطريق يمشي لأنه لا يعرف، جونوثان يطير لأنه يؤمن، وإيرين يدمر لأنه عرف أكثر مما ينبغي، ثلاثة أشكال للوجود الإنساني لا يتناقض أحدها مع الآخر، بل يتعاقبون داخل الإنسان نفسه عبر الزمن، فنبدأ حياتنا عدميين بلا وعي، ثم نصبح مثاليين نحلم بالحرية، ثم نكتشف أخيراً أن العالم أعقد من أن يُنقَذ بنقاء الفكرة وحدها، وهنا لا يبقى السؤال: من هو على حق؟ بل أي مرحلة نعيشها الآن؟ وأي ثمن نحن مستعدون لدفعه مقابل أن نقول: نحن أحرار؟.

إن البحث المحموم عن المصير المجهول لا يقود بالضرورة إلى خلاص منتظر بل كثيراً ما يستتبع الوقوع في مصير معلول، فكل خروج عن المألوف يحمل لعنة السؤال، وكل محاولة لبلوغ الحرية تستبطن ثمناً لا يُدرك إلا بعد فوات الأوان، فذلك (البطريق) الذي انتهج درب فردانيته حين انسل من قطيعه متجهاً عكس المسار، لم يكن يخطو نحو النجاة بقدر ما كان يوقّع على عزلته الأخيرة، لقد اختار أن يرى العالم بعين واحدة، عين السؤال، غير آبه بنداء الدفء ولا بحكمة البقاء، فسقط وحيداً في بياض لا نهاية له، ليغدو تمرده فعلاً نبيلاً من حيث النية، ومأساوياً من حيث المآل، إذ لم يحتمله الجليد ولم تنتظره الحياة…

وكذلك (النورس جوناثان) حين اختار التحليق خارج سربه لم ينل الحرية بوصفها نعمة صافية بل ذاقها بوصفها اغتراباً، لقد حلق أعلى، نعم، لكنه حلق وحيداً، فالسرب لا يغفر لمن يرى أبعد منه ولا السماء تكافئ من يغامر بلا سند، فكانت حريته مشروطة بالعزلة، ومعرفته مقرونة بالنبذ، وكأن الارتفاع في مدارج الوعي يستلزم دائماً الانفصال عن الجماعة…

أما مجنون الحرية (إيرين ييغر) فقد طاردها طوال حياته كما يُطارد السراب، ظن أن الحرية تكمن خلف الأسوار ثم خلف البحر ثم خلف العدو ليكتشف متأخراً أن كل باب يُكسر يولّد جداراً جديداً، فكلما اقترب منها ابتعدت عنه أكثر، حتى غدت الحرية نفسها قدراً قاسياً لا يُحتمل، وتحول الساعي إليها إلى أداة من أدواتها العمياء، وهكذا لم يكن المصير المجهول وعداً بالخلاص، بل اختباراً وجودياً فادحاً، فمن يخرج عن القطيع لا يختار طريقاً آخر فحسب بل يختار شكلاً آخر من الألم أشد نقاءً… وأشد وحدة.

تكشف هذه الثلاثية العدمية — البطريق، جونثان ليفنجستون، وإيرين ييغر — أن الحرية لا تأتي بوصفها خلاصاً نهائياً بل بداية لمأساة جديدة، فالخروج من القطيع لا يعني النجاة بل الدخول في عزلة مؤلمة حيث يصبح الإنسان مسؤولاً عن اختياره بدل أن يكون محمياً بالامتثال، التمرد هنا فعل أخلاقي لا فوضوي لكنه لا يُكافأ، فالعالم لا يحتفي بمن يرى أبعد منه بل يعاقبه، القطيع لا يخشى الشر بل يخشى الوعي ولهذا يُقصى المختلف، لا لأنه مخطئ بل لأنه مبصر، كما تُظهر هذه النماذج أن المعرفة ليست نوراً خالصاً بل عبء ثقيل يسلب الطمأنينة، فالحقيقة حين تُكتشف لا تمنح عزاءً بل تجرّد الإنسان من راحة الجهل، وقد يتحول السؤال نفسه إلى لعنة حين يعجز صاحبه عن التعايش مع واقع لم يعد يقبله، وفي أقصى تجلياتها قد تنقلب الحرية إلى طغيان باسمها، كما في نموذج (إيرين) حين يصبح الحلم مبرراً للدمار وتتحول القيمة إلى صنم يطلب الضحايا…

الخيط الفلسفي الجامع بين هذه العدميات المتباينة يقوم على سؤال واحد يتخفّى خلف كل الحكايات: هل نحن أحرار لأننا نختار؟ أم نختار لأننا محكومون بما نحن عليه؟ (البطريق) يمثّل حرية بلا وعي، وجوداً يتحرك داخل الطبيعة دون سؤال أو قلق أو معنى، فهو حر لأنه لا يعرف أنه ليس حراً، (جوناثان) ينتقل بنا إلى التمرد الواعي، إذ يدرك حدوده ويرفضها دون أن يحوّل حريته إلى أداة تدمير، فيسعى إلى تحقيق ذاته لا إلى كسر العالم، أما (إيرين) فيبلغ أقصى درجات الوعي حيث تتحول المعرفة نفسها إلى عبء، فيرى المصير قبل أن يعيشه فيغدو اختياره ملتبساً بين الإرادة والقدر، وكأن الرحلة الوجودية تسير من العدم الصامت إلى التمرد الواعي ثم إلى المأساة الوجودية الكاملة، حيث كلما اتسع الوعي ضاقت الحرية وكلما اقترب الإنسان من الحقيقة ازداد ثقلها عليه، وهكذا تقف هذه الثلاثية عند مأزق الإنسان الأبدي: إما حياة بلا معنى داخل القطيع أو معنى يُدفع ثمنه من الحياة نفسها.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

هل التكنولوجيا بديل للمعلم ام امتداد لخبرته؟

كان المعلم في السابق المصدر الرئيس للمعلومة والموجه الوحيد للدرس وصاحب السيطرة الكاملة على مجريات العملية التربوية. فضلا عن كونه المقوم الرئيسي لاداء الطلاب والمصمم الوحيد للانشطة التربوية داخل المدرسة. وقد اتسمت العملية التعليمية بوقتها بطابعها التقليدي القائم على الحفظ والتلقيين وقلة التفاعل الصفي، ومحدودية مصادر التعلم التي اقتصرت على الكتاب المدرسي والسبورة، الى جانب الوقت الطويل التي تستغرقه عملية التقويم والتقييم. اما اليوم، قد دخل التعليم مرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. في ظل التسارع الهائل في التطور التكنولوجي وما يرافقه من تحديات وفرص حقيقية لتغيير مسار الانسان كيفا وكما. يرى بعض الباحثين أن ازدياد وتيرة استخدام التكنولوجيا الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي في كل مفاصل الحياة اليومية للانسان قد يحدث تحولا جذريا في انماط التعليم والتعلم ويخلق بيئات تعلم ذاتية ومتكيفة. بينما يؤكد اخرون أن المعلم سيبقى حجر الاساس في العملية التربوية مهما بلغت تطور الادوات الرقمية. ومن هنا يبرز سؤال جدلي: هل ستحل التكنولوجيا الذكية مكان المعلم أم انها امتدادا لخبرته وتعززا لدوره؟. أن هذه الجدلية لا تعبر عن صراع بين القديم والجديد، بقدر ما تعكس محاولة لفهم طبيعية العلاقة المتغيرة بين طرفان يشتركان في غاية واحدة: هي تحقيق تعليم اكثر فعالية وانسانية وقدرة على مواكبة تحديات المستقبل. وبين حيوية حضور المعلم وقدرات ودقة الادوات الذكية، يتشكل مسار تربوي جديد يعيد تعريف التعليم في القرن الواحد والعشرين.

ويقصد بالجدلية هنا "التفاعل بين مسارين قد يبدوان متعارضين" لكنهما بالواقع قد يكونان تكامليين، وهما: المعلم والتكنولوجيا لا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. قد ظهرت هذه الجدلية بسبب تسارع وتيرة التطورات التكنولوجية وقدرتها على تقديم محتوى تعليمي تلقائي، وتقييم فوري، ومحاكات تعليمية فضلا عن وتخصيص التعلم وفق احتياجات كل طالب. الامر الذي فتح بابا للتسائل: هل مازال المعلم ضروريا في غرفة الصف؟.

ورغم هذا التطور، ما زال للمعلم ادوار جوهرية لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها، واهمها البعد الانساني والاجتماعي، والتوجيه الفكري والتفكير النقدي، والعدالة بالتعامل مع الفروق الفردية للطلبة، وقيادة الصف الدراسي وفق قواعد السلوك التربوي، وبناء الثقة ومراعاة مشاعر وعواطف الطلبة. فالتكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها تبقى اداة مبرمجة تفتقر الى الحس الانساني.

في المقابل، تؤدي التكنولوجيا دورا محوريا في تسريع الوصول الى المعلومة والمعرفة عبر المصادر المفتوحة، وتعزيز التفاعل باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز والمحاكاة التعليمية والتجارب الافتراضية، والالعاب التعليمية. كما تمتلك ادوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة على تخصيص التعلم من خلال تتبع مستوى الطالب وتقترح له مسارا يناسب مستواه، فيما يعرف "التعلم التكيفي"، فضلا عن تخفيف العبء الاداري عن المعلم من خلال تصحيح وتقييم الواجبات وادارة الصف الافتراضي واعداد تقارير الاداء.

بعد دخول واستخدام مختلف انواع هذه التقنيات الرقمية في المدرسة وغرفة الصف اسهم في اعادة تعريف دور المعلم الذي لم يعد ناقلا للمعرفة، بل اصبح ميسرا وموجها للتعلم، ومصمما لبيئة التعلم الرقمية ومحللا لبيانات الطلبة ومرشدا لاستخدام ادوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين جودة التعلم. ونتيجة لذلك، اتسمت العملية التربوية المعاصرة بالتفاعل والتشاركية، والتعلم الذاتي، وتعدد الوسائط الرقمية الى جانب التقييم الفوري والمستمر.

ومع ذلك، لا يخلو هذا التحول من المخاطر والتحديات التي تفرضها استخدام التكنولوجيا في عملية التعليم والتعلم، وابرزها تهميش الدور الحيوي للمعلم في حال الافراط في استخدام التقنية وتحويله من قائد تربوي لعملية التعلم الى مجرد مشرف تقني واتساع الفجوة الرقمية بين الطلاب، بالاضافة الى تهديد بعض المهارات الاساسية مثل الكتابة اليدوية والتفكير النقدي والبحث الاكاديمي المنهجي.

ومن هنا تبرز جدلية القوة: من يوجه من؟ وتعد هذه الجدلية واحدة من اكثر الجدليات اثارة في الفكر التربوي المعاصر، اذ لم يعد استخدام ادوات الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة تقنية جديدة الى المنظومة التربوية، بل هو تحولا فلسفيا اعاد طرح سوال جوهري: هل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي منافس للمعلم ام شريك له؟ في حال قاد الذكاء الاصطناعي عملية تعلم الطلبة تحول دور المعلم الى مجرد مراقب وتحول الطالب الى متلقي سلبي يتلقى اجابة جاهزة دون انخراط ذهني في البحث والتحليل. اما اذا قاد المعلم المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، أن هذه التقنية تصبح وسيلة للتمكين وتمنح الطلبة تعلما اعمق واكثر تفاعلا من خلال تنمية مهارات التفكير النقدية، وتحليل دقة الاجابات ومصداقيتها.

ومن هنا تبرز الحاجة لايجاد توازن تربوي واخلاقي في اخضاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لفلسفة تربوية معاصرة يقودها المعلم لجعلها وسيلة فعالة وليست غاية في حد ذاتها. فهي تصبح منافسا عندمنا تستخدم بلا رؤية تربوية، وشريكا معرفيا عندما يحدد المعلم اهداف وغايات استخدامها في تعزيز التفكير النقدي والابداعي، ودعم التعلم القائم على الاستقصاء ومعالجة الفروق الفردية وتنمية المهارات الرقمية كالابداع والذكاء الجماعي وحل المشكلات وتقديم الحلول المناسبة.

وفي الختام، يتضح أن العلاقة بين التكنولوجيا الذكية والمعلم ليست صراعا، بل هي علاقة تكامل مشروط بين الاداة الذكية والعقل الانساني. فالتكنولوجيا لا تلغي دور المعلم، لكنها تنهي نموذج المعلم التقليدي القائم على الحفظ والتلقين لان التعليم ليس مجرد نقل معلومات، بل هو تربية شاملة ومتكاملة. وستفسح المجال امام معلم قادر على توظيف الادوات الذكية بوعي تربوي، يقود التعلم نحو الفهم العميق والتحليل والاستنتاج والابداع والتفكير النقدي والتعلم القائم على الاستقصاء.

***

علاء جواد كاظم

 

في المفهوم: المنهج هو مجموع الخطط والأساليب والطرائق التي تُستخدم لتحقيق أهداف ومصالح محددة. والمناهج وفق هذا المعطى، تتعدد بناءً على طبيعة الأهداف والمصالح المراد الوصول إليها، سياسيّة كانت أو علميّة أو أدبيّة أو إداريّة .. وغير ذلك. أما عنوان موضوعنا المراد بحثه هنا فهو المنهج المتعلق في الجوانب السياسيّة والفكريّة بشكل عام، وخاصة المتعلق منها في قضايا نهضة الشعوب وتقدمها، ومنها بشكل خاص نهضة أمتنا العربيّة المتخلفة وكيفيّة تقدمها.

نقول في هذا الاتجاه: إذا كان معظم من اشتغل ولم يزل يشتغل على قضايا النهضة والتقدم في عالمنا العربي من أحزاب ومثقفين ومفكرين وسياسيين، يقرون أو يعترفون بتخلف الواقع العربي، وأنه يعيش حالة فوات حضاري في وجوديّه المادي والفكري، وأن هناك أمماً أو شعوباً أو دولاً قد سبقتنا في مجال التطور والتنمية الماديّة والقيميّة والفكريّة، إلا أن الكثير ممن اشتغل على قضايا نهضتنا وتقدمنا ظل ينظر في مسائل تجاوز تخلف ومعوقات هذه النهضة من باب مناهج فكريّة غالباً ما تلتقي مع يؤمن به هذا المشتغل أو ذاك من هذه المناهج، أو ما يمتلك من خطط وأساليب تفكير وعمل يجد فيها طريق النهضة والخلاص من مأزق التخلف الذي نحن فيه. فهناك من يأخذ بالمناهج الماديّة مثلاً كالمنهج المادي التاريخي الجدلي، والمنهج التاريخاني وغيرهما من المناهج ذات التوجه المادي العقلاني النقدي عموماً، وهناك من يأخذ بالمناهج المثاليّة بعمومها الذاتيّة والموضوعيّة منها، كالمنهج البنيويّ والظاهراتي والسيكولوجي وغيرها من المناهج التي تقوم على الرؤى الذاتيّة المنفردة والمعزولة عن محيطها الاجتماعي، أو على قوى غيبيّة أو طبيعيّة خارج إرادة وعقل الإنسان وتحكمهما في الواقع المعيوش. فكل منهج من هذه المناهج له حوامله الاجتماعيّة، مثلما له مواقفه الأيديولوجيّة أيضاً التي تشكل السياج الداعم لهذا المنهج، بل إن كل من المنهج والموقف الأيديولوجي يشكلان وجهين لعملة واحدة إذا ما كانت تكمن وراء المنهج قوى طبقيّة محددة. فمن يأخذ بالمنهج المادي التاريخي مثلاً نراه يقسم الواقع الذي يتعامل معه إلى بنائين، تحتي ويشمل قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وبناء فوقي ويمثل مجموعة الرؤى والأفكار والمبادئ والقوانين التي تعبر عن درجة تطور البناء التحتي، ثم هو ينظر أيضاً إلى تلك العلاقة الجدليّة ذات التأثير المتبادل بين مكونات البناء التحتي مع بعضها من جهة، وبين التأثير المتبادل أيضاً بين مكونات البناء الفوقي مع بعضها من جهة ثانية، وأخيراً بين كل مكونات البنائين مع بعضهما بعضاً في سيرورتهما وصيرورتهما التاريخيتين، أي في حركة وتطور وتبدل مكونات البنائين من جهة ثالثة. أما الموقف الأيديولوجي أو النظري الداعم لهذا المنهج فهو الموقف اليساري عموماً، وحوامله الاجتماعيّة التي تتوزع ما بين الطبقات الكادحة ممثلة بالعمال والفلاحين وتحالف قوى الشعب العامل، ووصولاً إلى البرجوازيّة الوطنيّة. وهذا الموقف المادي الجدلي يختلف عن موقف كل المناهج المثاليّة العاملة أو الموظفة لخدمة الطبقات المستغِلة، فالمنهج البنيوي على سبيل المثال لا الحصر، يقوم بفصل كل ظاهرة من ظواهر الواقع عن بعضها وأخذها كبنية واحدة قائمة بذاتها بكل أجزائها، لها تاريخها وواقعها ومكوناتها وعلائقها الخاصة بها. بينما الموقف الأيديولوجي أو النظري فهو الموقف الليبرالي، وحوامله وغالباً ما تكون من القوى البرجوازيّة، وهي قوى تجد في السوق الحرّة الاقتصاديّة عالمها وحركتها ونشاطها، بكل ما تعبر عنه هذه السوق من فوضى الإنتاج، وما يقوم على هذه الفوضى من استغلال لجهود الآخرين وتفاوت في توزيع الثروة الوطنيّة، ومن منافسة واحتكار للسلع، واستلاب وتغريب وتشيئ للإنسان.

أما لو أخذنا بعض المناهج المثاليّة الأخرى كالمنهج المثالي الموضوعي على سبيل الثقال لا الحصر، لوجدنا أن هذا المنهج بقر بأن هناك قوىً خارج عالم الإنسان تؤثر في حياة الفرد والمجتمع، وأن هذا التأثير غالباً ما يكون بشكل حتمي ليس للإرادة الإنسانيّة فيه أي دور، وإن وجد هذا الدور الإرادي فهو ضعيف لا يتعدى خصوصيات عالم الفرد الروحيّة والسلوكيّة، لأن كل شيء قد حدد حدوثه بكتاب محفوظ إما من قبل قوى خارج نطاق الطبيعة، أو من قبل فكرة مطلقة قد تمثل مفهوم الحتمية الميكانيكيّة لسيرورة الظواهر وصيرورتها. أما الموقف الأيديولوجي أو الفكري لهذا المنهج فهو العقيدة الدينيّة على الغالب، والحوامل الاجتماعية لهذا المنهج هي حوامل خليطة من كل شراح وطبقات المجتمع، ففي الوقت الذي تجد فيه القوى الاجتماعية المسحوقة خلاصها من شقائها واستغلالها وتحقيق عدالتها في هذا الدين، تجد فيه القوى الاستغلاليّة كذلك عوامل قوتها وتبرير سيطرتها واستغلالها للآخرين أيضاً. وذلك من خلال تفسير وتأويل نصوص هذه الأيديولوجيا وفقاً لمصالح كل شريحة أو طبقة من هذه الحوامل.

بشكل عام نستطيع القول هنا: إن طبيعة الحوامل الاجتماعيّة الحاملة لهذه المناهج ومصالحها بشكل عام، تلعب دوراً كبيراً في تبني المنهج وسياجه الأيديولوجي أو النظري الذي يحقق لها مصالحها، وبالتالي نراها تشتغل عليه لتحقيق ما تدعيه من مواقف فكريّة وسلوكيّة ومنها نهضة المجتمع وتقدمه.

وبتعبير آخر، إن كل حامل اجتماعي له مصالحه التي تحدد بالضرورة توجهاته الفكريّة والعملياتيّة معا. فالقوى الوطنيّة والقوميّة التي تكره الاستغلال والتفاوت الطبقي الحاد والتجزئة القوميّة، نراها في الغالب تميل نحو تبني المناهج العلميّة أو العقلانيّة، والسعي لتطبيق أفكارها الداعية إلى العدالة والمساواة والحرية، فهي مع الملكيّة العامة ومع المواطنة والتعدديّة والتشاركيّة في السلطة، بغض النظر هنا عن شهوة السلطة ومنافعها وتأثيرها على بعض هذه الحوامل، وما تمارسه هذه الحوامل من انحرافات عن الخط المنهجي والنظري الذي تتبناه. أما الحوامل الاجتماعيّة الحاملة للمناهج المثاليّة، فهي في الغالب تميل إلى الملكيّة الخاصة، والدفع باتجاه الروح الفرديّة والحفاظ على البنى الطبقيّة القائمة بكل إشكالاتها. هذا بالنسبة للحوامل الاجتماعيّة المتبنية للمناهج المثاليّة المتعلقة بالفكر الليبرالي، وأدوات هذه المناهج القوى الطبقية المالكة، وهي تقوم بالغالب على الذاتيّة والارتجال والحدس والوعظ والضمير وغير ذلك. أما الحوامل الاجتماعيّة المتبنية للمنهج المثالي الموضوعي بصيغته الدينية الوثوقيّة، فهي حوامل تتمسك بالنص الديني وما شرع له هذا النص من مسائل تتعلق في حريّة وسعادة الإنسان، وهي لا تملك من شيء سوى العمل على تطبيق ما تطالب به هذه الشريعة ووفقاً لصيغتي الحلال والحرام الواردة في النص المقدس أو الحديث أو ما أجمع عليه رجال الدين في مراحل تاريخيّة محددة، وبالتالي كيفيّة الوصول إلى هذا الحلال والابتعاد عن الحرام، ففي الوقت الذي نجد من الحوامل الاجتماعيّة للعقيدة من يستخدم مفهوم الدولة والسلاح كوسائل فاعلة لتطبيق العقيدة أو الأيديولوجيا الدينيّة، وهم أصحاب الإسلام السياسي، نجد في الوقت الآخر من يعتقد بان الطريق الصحيح لتحقيق شريعة هذا الدين هو ترك مفاسد الحياة والابتعاد عن كل ما يدنس الروح والجسد، وذلك عبر الانعزال والمجاهدة على الطريقة الصوفية للوصول إلى الحقيقة المطلقة التي تربط الفرد بربه.

أمام هذه المواقف المنهجية، يتبين لنا بأن للمنهج وحوامله والموقف الأيديولوجي أو النظري الذي يسيج هذا المنهج، وتظهر لنا أيضاً سبل المعرفة الصحيحة للطرق والأساليب التي علينا اتباعها للوصول إلى نهضتنا، مثلما تبين لنا القوى الاجتماعيّة الحقيقيّة المنوط بها تحقيق الفعل النهضوي.

إن تجارب الماضي النهضويّة وما حققته المناهج الفكري بما تقوم عليه من مواقف فكريّة أو أيديولوجيّة، قد أثبتت فشلها وعجزها لأسباب قد لا تتعلق بالمنهج وبآليّة عمل هذه المناهج فحسب، وإنما تتعلق بحواملها الاجتماعيّة أيضاً التي تغيريها شهوة السلطة. لذلك لا بد لنا من إعادة النظر بطبيعة المناهج التي اشتغلنا عليها مئات السنين وأثبتت فشلها حتى الآن، فنحن بحاجة ماسة في الحقيقة إلى المنهج العقلاني النقدي والتنويري فكراً وممارسة... نحن بحاجة للمنهج والفكر الذي يعمل على استيعاب كل من يؤمن بوطنه ومواطنيته، ويؤمن بالآخر شريكاً له ومن حقه أن يساهم في إدارة شؤون وطنه دون إلغاء أو تكفير أو استفراد بالسلطة... نحن بأمس الحاجة للمنهج العلمي ونظريته العلميّة التي تحتوي في مضمونها قيم العلمانيّة والديمقراطيّة والمواطنة، وأن الوطن للجميع بغض النظر عن دين الفرد وعرقه ومذهبه وعشيرته وقبيلته.

***

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد من سوريا

إذا كانت حروب الإشاعة تمثل القلب الصلب في منظومة التحديات التي تفرزها الحروب المعلوماتية والتكنولوجية المعاصرة، فإن مكمن خطورتها لا يكمن فقط في سرعتها أو في اتساع مجال انتشارها، بل في قدرتها على طمس الحدود الفاصلة بين الوسيلة والغاية، وبين الخبر كأداة معرفة، والدعاية باعتبارها تقنية للهيمنة. فهي تُقيم مساواة خادعة بين ما تنتهي إليه أنظمة الإعلام، بما راكمته من أدوات وتقنيات، وبين الغايات القصوى للبروباغندا التي لم تعد فعلا عفويا أو ارتجاليًا، بل أضحت بنية استراتيجية محكمة، تُدار بعقل بارد لإعادة تشكيل الواقع، لا لوصفه.

في هذا السياق، تتحول الإشاعة من خطاب هامشي إلى سلطة موازية، تتغذى على هشاشة الوعي الجمعي، وتستثمر في الفراغات التي يعجز القانون الدولي عن ملئها، لتحل محلّه منطق القوة والاصطفاف. وهنا لا يعود الصراع محكوما بقواعد النزاعات التقليدية، بل يُعاد إنتاجه داخل الفضاء الرمزي، حيث تُهزم الدول قبل أن تُقهر، وتُسقَط الشرعيات عبر السرديات قبل أن تُستهدف بالبندقية.

إن الوقائع الحديثة تكشف بوضوح أن السلطة الإعلامية لم تعد منشغلة فقط بنقل الأحداث أو تفسيرها، بل بانخراطها العميق في تجارب ثقافية موجهة، تقوم على التشويش المتعمد، وإرباك المعنى، وإعادة تركيب الحقائق بما يخدم منطق السيطرة. فالتزييف لم يعد استثناءً، بل أصبح ممارسة منهجية، تُدار عبر شبكات معقدة من الرموز والصور والخطابات، تُفرغ الحقيقة من بعدها الأخلاقي، وتحولها إلى مادة قابلة للتلاعب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة فلسفية نقدية لهذه الظاهرة، لا بوصفها خللا عابرا في أخلاقيات الإعلام، بل كتحول بنيوي في طبيعة السلطة ذاتها، حيث لم يعد النفوذ يُمارس فقط عبر الجغرافيا أو الاقتصاد أو السلاح، بل عبر التحكم في السرد، وتوجيه الإدراك، وصناعة الوهم بوصفه حقيقة قابلة للتداول. ففي زمن الحروب المعلوماتية، لا يُهزم الخصم حين يُدمر، بل حين يُقنع بأنه قد هُزم. وفي امتداد هذا الأفق الفلسفي، تبرز التدافعات الدولية الراهنة بوصفها إعلانا صريحا عن أفول نموذج العلاقات الدولية المؤسَّس على مرجعية القانون الدولي ومنظومة الاتفاقات متعددة الأطراف. فالعالم وهو يعيد ترتيب توازناته، لم يعد يحتكم إلى النصوص بقدر ما ينصاع لقوة الفعل، ولا إلى الشرعية بقدر ما يخضع لفاعلية التأثير. وفي هذا التحول العميق، تنسحب القواعد القانونية إلى الهامش، لتحل محلها هندسة جديدة للصراع، قوامها السيطرة على المعنى قبل السيطرة على المجال.

ضمن هذا السياق، تنخرط وسائل الإعلام، بتقنياتها المتسعة وقدراتها المتجددة، في مسار يتجاوز الوظيفة الإخبارية أو التفسيرية، لتغدو فاعلا بنيويا في إعادة إنتاج الهيمنة. فالتطبيقات الحاسوبية الكبرى، التي تهيمن على مجالات الثقافة واللغة والتواصل، لم تعد مجرد أدوات محايدة، بل أنظمة اشتغال قائمة على خوارزميات وظيفية دقيقة، تُعيد تشكيل البيانات وتوجيهها داخل فضاءات سيبرانية منظمة، تخدم في جوهرها منطق التسلط المؤسساتي وتكريس اللامتكافئ في القوة.

وهنا، يفرض السؤال نفسه حول مدى اتساع الاختراقات الممنهجة التي تستهدف البنى العالمية الهشة، تلك التي أنهكها الحصار وضيّق عليها الخنق الاقتصادي والسياسي. فهذه البيئات، بما تحمله من هشاشة معرفية وإعلامية، تتحول إلى حقول اختبار مثالية لتقنيات التأثير السيبراني، حيث يُعاد تشكيل الوعي الجمعي وفق نماذج جاهزة، تُزرع في العمق دون أن تُرى، وتُفَعَّل لحظة الحاجة السياسية.

وفي هذا المقام، تستعيد البروبجندا دورا يتجاوز ما عُرف عنها في قراءاتها الكلاسيكية. فهي لم تعد مجرد أداة لتأليب الرأي العام أو فرض سردية بعينها، بل أصبحت ممارسة متقدمة لإنتاج أفكار "مؤتمتة"، تُضبط إيقاعاتها عبر توجيه منظم، وتُمرَّر باعتبارها تعبيرًا تلقائيا عن الواقع. وبهذا تُصنع قطيعة صامتة بين الماضي والحاضر، حيث يُفرغ التاريخ من سياقه، ويُعاد تأويل الحاضر خارج جذوره، فيتحول الزمن نفسه إلى مادة قابلة لإعادة البرمجة.

إننا إزاء نمط جديد من الهيمنة، لا يقوم على محو الذاكرة دفعة واحدة، بل على تشويشها، ولا على فرض خطاب أحادي، بل على إغراق الفضاء بخطابات متنافرة تُعطّل القدرة على التمييز. وفي هذا التشتت المنهجي، تفقد الحقيقة مركزيتها، ويصبح الوعي أسيرًا لتدفقات لا يملك أدوات مساءلتها، في زمن لم تعد فيه السيطرة مرئية، بل موزعة، ناعمة، وعميقة الأثر.

إن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تحولات تقنية أو انزياحات إعلامية عابرة، بل هو تعبير كثيف عن تحول سوسيولوجي عميق في بنية السلطة والمعنى معا. فالصراع لم يعد يدور حول من يمتلك الحقيقة، بل حول من يمتلك القدرة على تنظيم تداولها، وضبط شروط ظهورها واختفائها. وكما نبه ماكس فيبر إلى أن السلطة الحديثة تقوم على "شرعية المعنى قبل شرعية الإكراه"، فإن الهيمنة المعاصرة لا تُمارَس بالسلاح وحده، بل عبر إنتاج قبول اجتماعي مُسبق لما يُراد فرضه.

وفي هذا الأفق، تستعيد أطروحة بيير بورديو راهنيتها حين اعتبر أن أخطر أشكال العنف هو العنف الرمزي، ذاك الذي يُمارَس بموافقة ضمنية من ضحاياه، لأنه يتخفى في اللغة، وفي الصور، وفي أنماط التفكير اليومية. فالإعلام المؤدلج والخوارزميات الموجهة لا تفرض خطابها بالقسر، بل تُعيد تشكيل "الهابيتوس" الجمعي، فتجعل المهيمن يبدو طبيعيًا، والمفروض يبدو بديهيًا، والمُختلّ يبدو نظامًا.

و يُضيء زيغمونت باومان هذا التحول حين تحدث عن "السيولة" بوصفها سمة العصر، حيث تتفكك الأطر المرجعية، وتغدو الحقائق عابرة، واليقينيات مؤقتة. كما لا تنتصر البروبجندا لأنها أكثر صدقا، بل لأنها أكثر قدرة على التكيف مع اللامعنى، وعلى السباحة داخل الفوضى الإدراكية دون أن تفقد فعاليتها.

وكان ميشال فوكو قد قدّم المفتاح الأعمق لفهم هذا المشهد حين ربط بين المعرفة والسلطة، مؤكدا أن كل نظام معرفة يُنتج في الوقت نفسه نظاما للضبط والمراقبة. فالحرب الإعلامية والخوارزمية ليست سوى امتداد لهذا المنطق، حيث تُدار الأجساد والعقول معا، لا عبر المنع، بل عبر التوجيه الدقيق للرغبات والاهتمامات وأنماط الاستهلاك الرمزي.

وعلى هذا الأساس، فمواجهة هذا النمط من الهيمنة لا يمكن أن تتم عبر أخلاقيات إعلامية مجردة، ولا عبر استعادة خطاب قانوني فقد الكثير من فاعليته، بل عبر إعادة بناء الوعي النقدي، وتحصين المجال العمومي بأدوات الفهم السوسيولوجي، التي تسمح بكشف آليات الإخضاع غير المرئي. فكما يقول إميل دوركايم، "لا يمكن للمجتمع أن يفهم ذاته إلا حين يجعل من نفسه موضوعًا للمعرفة".

إنها دعوة في جوهرها إلى مقاومة ناعمة، لا تقوم على الرفض الانفعالي، بل على تفكيك البديهيات، واستعادة القدرة على السؤال، في زمن لم تعد فيه السيطرة تعلن عن نفسها، بل تمارس صامتة، باسم الحرية، وتحت قناع التواصل.

***

د. مصطفى غَلْمان

تُعد إشكالية الاستبداد في المجتمعات المعاصرة، لاسيما في الدول التي يصنفها الفكر الاقتصادي والسياسي بـ "الدول الرخوة"، من أعقد المعضلات التي تواجه مسارات التنمية والتحرر الإنساني. إننا نسعى هنا إلى تقديم تحليل معمق للتعاضد القائم بين أنماط "الاعتمادية المسمومة" التي تربط المحكومين بالسلطة، وبين تمدد "الفجاجة السلطوية" التي تتجاوز الأطر القانونية والمؤسسية لتستقر في فضاءات الميتافيزيقيا والخطاب الغيبي. إن الاستبداد في هذا السياق ليس مجرد ممارسة قمعية فوقية، بل هو منظومة "تعاضدية" تشترك فيها بنية الدولة الرخوة مع البنية النفسية للإنسان المقهور؛ لتنتج واقعاً يتغذى فيه الفساد على غياب القانون، وتقتات فيه السلطة على "العبودية المختارة" والاعتراف المبتور.

تشريح الدولة الرخوة وآليات الفجاجة السلطوية

 تمثل "الدولة الرخوة"، كما صاغها الاقتصادي السويدي غونار ميردال، المختبر المثالي لفهم كيف يتحول الاستبداد إلى بنية مستدامة تتجاوز شخوص الحكام لتصبح أسلوب حياة. إن "الرخاوة" في هذا السياق لا تشير إلى غياب القوة القمعية أو الأجهزة الأمنية، بل تعني تحديداً غياب "هيبة القانون" والقدرة على تطبيقه بإنصاف وشمولية على كافة طبقات المجتمع.

يرى ميردال أن جوهر التخلف والفقر في دول العالم الثالث لا يعود حصراً إلى نقص الموارد المادية، بل يمتد إلى غياب احترام القانون وانتشار الفساد الذي أضحى هيكلياً ومؤسسياً. ففي الدولة الرخوة، تعمد السلطة إلى إصدار قوانين قد تبدو مثالية أو متقدمة من الناحية النظرية، لكنها تظل "حبراً على ورق"؛ إذ تمتلك النخب المتنفذة من المال والنفوذ ما يمنحها حصانة فعلية من الخضوع لهذه التشريعات، بينما يتم توظيف القوانين ذاتها كأداة مشروعة لقمع الضعفاء أو معاقبة خصوم السلطة السياسيين.

الفجاجة السلطوية كبديل للشرعية الإنجازية

 عندما تخفق الدولة في النهوض بوظائفها الحيوية كالتنمية والتعليم وإرساء العدالة، فإنها تفقد "هيبتها" المعنوية وشرعيتها القائمة على الإنجاز. ولكي تعوض السلطة هذا الفقدان الجوهري، تلجأ إلى ممارسات "فجة" تتسم بالعنف المادي والرمزي المباشر. الفجاجة هنا تعني ممارسة السلطة في صورتها الخام العارية، دون أقنعة مؤسسية أو وسائط ديمقراطية؛ حيث يتم استغلال ذريعة "أمن الدولة" بشكل مفرط في الخطاب الإعلامي للنيل من المطالبين بحقوقهم المشروعة. وبذلك، تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات صلبة لحماية المتنفذين وصيانة فسادهم. هذا النمط من الحكم يعزز حالة "الاعتمادية المسمومة"؛ إذ يدرك المواطن -تحت وطأة الحاجة والخوف- أن الحصول على حقه أو نيل الحماية لا يتم عبر القنوات القانونية، بل عبر التقرب من مراكز القوى أو القبول بالخنوع التام مقابل ضمان البقاء.

جدلية السيد والعبد والاعتمادية المسمومة

 لفهم الأسباب الكامنة وراء استمرار الشعوب في تحمل هذا النمط من السلطة الفجة، ينبغي العودة إلى الجذور الفلسفية التي تفسر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحديداً "جدلية السيد والعبد" عند هيغل ونظرية "العبودية المختارة" عند إتيان دي لا بويسي:

قدم هيغل في أطروحته "ظواهرية الروح" تحليلاً فلسفياً عميقاً للعلاقة بين وعيين يتصارعان من أجل نيل "الاعتراف". ينتهي هذا الصراع بانتصار طرف (السيد) الذي خاطر بحياته في سبيل الحرية، وهزيمة طرف آخر (العبد) الذي آثر البقاء المادي والنجاة على الكرامة والحرية. ومع ذلك، يكتشف هيغل مفارقة مذهلة: وهي أن السيد يصبح معتمداً كلياً على العبد؛ ليس فقط في تلبية احتياجاته المادية، بل في استمداد جوهر هويته كـ "سيد" من اعتراف العبد به، مما يخلق قيداً تبادلياً يربط الطرفين في حلقة من التبعية.

تكتمل هذه الرؤية مع إتيان دي لا بويسي الذي تساءل: كيف يمكن لشخص واحد (الطاغية) أن يستعبد ملايين البشر؟ وجاء جوابه متمثلاً في مفهوم "العبودية المختارة"؛ أي القبول الطوعي بالخضوع نتيجة التعود أو فقدان الرغبة الفطرية في الانعتاق. يرى لا بويسي أن الشعوب هي التي تمنح الطاغية قوته في المقام الأول، وأن التحرر لا يحتاج بالضرورة إلى عنف مضاد، بل يتطلب فقط "التوقف عن الخدمة". غير أن هذه التراتبية تخلق شبكة واسعة من المنتفعين الصغار الذين يذودون عن النظام الاستبدادي ليس حباً فيه، بل دفاعاً عن مصالحهم المرتبطة بوجوده، مما يجعل "العبودية المختارة" حالة جماعية معقدة يصعب فك ارتباطاتها المتشابكة.

بنية الإنسان المقهور وهدر الكرامة في الدول الرخوة

لا يكتفي الاستبداد بالسيطرة على المجال السياسي، بل يتوغل في أعماق البنية النفسية لينتج ما وصفه الدكتور مصطفى حجازي بـ "الإنسان المقهور" أو "الإنسان المهدور". إن القهر هنا يتجاوز الممارسة الخارجية ليصبح عملية داخلية تهدف إلى "تحطيم اعتبار الذات". ويرى حجازي أن التخلف ليس مجرد حالة اقتصادية، بل هو "بنية شخصية" تتسم بالاستلاب وضياع الهوية. ففي المجتمعات المقهورة، تفضل الأنظمة الحاكمة "الأشياء" على "الإنسان"؛ حيث يُعتبر فقدان الموارد أشد إيلاماً من هدر الأرواح، مما يعمق شعور الفرد بأنه مجرد أداة لا قيمة ذاتية لها.

تؤدي هذه الحالة النفسية إلى ظهور أنماط سلوكية تعزز "الاعتمادية المسمومة". فعندما ينهار اعتبار الذات، يتضخم في المقابل تقدير "المتسلط" في وعي المقهور، فيبدأ بالتماهي مع الجلاد والاعتراف الضمني بحقه في السيادة والقهر. كما يركن الإنسان المقهور إلى "الحلول السحرية"؛ فهو لا يبحث عن وسائل عقلانية للتغيير، بل يظل في انتظار "الزعيم الملهم" أو "القوة الخارقة" التي ستغير واقعه دون جهد منه. ولعجزه عن مواجهة السلطة مباشرة، يفرغ غضبه المكتوم في تدمير الممتلكات العامة أو في ممارسة الاضطهاد على من هم أضعف منه داخل الأسرة أو تجاه الآخر المختلف.

إن هدر الكرامة يؤدي بالضرورة إلى فقدان السيطرة على المصير؛ حيث يعيش الفرد تحت رحمة "تعسف المستبد" و"تقلبات الطبيعة" في آن واحد. ففي الدولة الرخوة التي ينهار فيها التعليم وتغيب العدالة، ينشأ المواطن في بيئة تقمع ملكة النقد وتغرس قيم الاستكانة، مما يغلق السبل أمام أي محاولة واعية للتغيير.

هيمنة الميتافيزيقيا وفضاء الغيبيات

 عندما تضعف المؤسسات وتتوارى العقلانية السياسية، ينفتح الباب لهيمنة "الميتافيزيقيا" والخطاب الغيبي كأداة لشرعنة الاستبداد وتخدير الوعي الجمعي. لقد أبدع عبد الرحمن الكواكبي في تحليل العلاقة العضوية بين الاستبدادين السياسي والديني، موضحاً كيف يتخذ المستبد السياسي لنفسه دائماً "صفة قدسية" يدعي بها مقاماً ذا صلة خاصة بالخالق.

هذا التوظيف للدين يهدف:

أولاً إلى "إضفاء الشرعية الإلهية" على الظلم، فتصبح معارضة الحاكم خروجاً عن الإرادة السماوية، ويصبح الصبر على الجور فضيلة وقضاءً لا مرد له.

وثانياً، يؤدي ذلك إلى بروز طبقة من "أعوان الاستبداد" من بعض رجال الدين والمثقفين الذين يسوغون أفعال السلطة. وأخيراً، يتم تحويل انتباه الجماهير عن البحث في أسباب الانحطاط السياسي والاقتصادي، لتُدفع للبحث عن الخلاص في "الأدعية" و"السكينة" وتجنب ما تصفه السلطة بـ "اللغو"، وهو في حقيقته المطالبة بالحقوق الأساسية.

في ظل "العجز المؤسسي" للدولة الرخوة وفشلها في تقديم تفسيرات منطقية للأزمات، يلجأ الإنسان المقهور إلى التفسيرات الخرافية لواقعة. فتصبح مفاهيم كـ "الحسد" و"القسمة والنصيب" هي المسؤول الأول عن الفشل التنموي، بدلاً من مساءلة السياسات الحكومية الخاطئة. يؤدي هذا التحول الميتافيزيقي إلى تحريف دور الدين من كونه قوة محفزة ، إلى أداة للسيطرة وإخماد النزعات التحررية، حيث يكتفي الناس بانتظار "الكرامات" بدلاً من الفعل المنظم، وتكتسب السلطة حصانة مطلقة ضد أي نقد موضوعي.

الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية

 إن تحليل "الاعتمادية المسمومة" في الدول الرخوة يكشف عن أن الاستبداد ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تداخل معقد بين الفشل المؤسسي، والانهيار النفسي، والتوظيف الميتافيزيقي الممنهج. إن ما يضمن امتداد هيمنة "الفجاجة السلطوية" هو هذا "التعاضد" المعقد؛ حيث تغذي رخاوة الدولة الفساد، ويحطم الفساد كرامة الإنسان، مما يدفعه للوذ بالغيبيات التي تمنح السلطة بدورها شرعية مطلقة تسمح لها بمزيد من الفجاجة. إن التحرر الحقيقي يتطلب مسارات متوازية تبدأ باستعادة سيادة القانون وإعادة بناء اعتبار للذات الإنسانية.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع:

ميردال، غونار. (تحليل مفهوم الدولة الرخوة)، مراجع كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة كربلاء.

هيغل، جورج فريدريك. ظواهرية الروح. (دراسات في جدلية السيد والعبد).

لا بويسي، إتيان. مقال في العبودية المختارة.

حجازي، مصطفى. التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. المركز الثقافي العربي.

الكواكبي، عبد الرحمن. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.

تقارير ودراسات: (جريدة القبس، نداء الوطن، مجلة الجديد) حول بنية الدولة الرخوة وسيكولوجية القهر.

لم يتحدث الفيلسوف الألماني الكبير" مارتن هايدغر" عن السعادة بالمعنى التقليدي المرتبط بالمتعة أو الرضا النفسي، بل نظر إليها كحالة نابعة من الوعي العميق بالوجود. الإنسان عند هايدجر ليس مجرد كائن يفكر أو يشعر، بل كائن "هنا" في العالم (Dasein)؛ أي موجود بوعي كامل بما حوله، متصل بزمنه ومحيطه، ومسؤول عن خياراته ووجوده. السعادة الحقيقية عنده لا تتحقق من التسلية أو الممتلكات، بل من القدرة على العيش حياة أصيلة وواعية بالموت وبالحرية الفردية.

إدراك الموت هو حجر الزاوية في فلسفة هايدغر، فهو يحرر الإنسان من الروتين والعادات، ويجعل وجوده ذا معنى. يقول في Being and Time: "Confronting death is the possibility of authentic existence." بمعنى أن مواجهة حقيقة الموت تمنح الإنسان فرصة ليعيش أصيلًا. هذا المفهوم يتقاطع مع الفكر الإسلامي، الذي يعتبر الموت واقعًا حتميًا: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" (آل عمران: 185)، ويدعو الإنسان إلى وعي مسؤول بحياته، والسعي لتحقيق الغاية من وجوده.

هايدغر يميز بين الحياة الأصيلة والحياة غير الأصيلة، حيث تمثل الحياة الأصيلة مواجهة الإنسان لذاته، واختيار قراراته بحرية واعية، بعيدًا عن التقليد والسطحية. والفكر الإسلامي يشبه هذا المفهوم، إذ يشجع على التفكر والوعي بالمسؤولية الفردية أمام الله: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ" (الأنبياء: 7)، مؤكداً أن الاختيار الواعي والالتزام بالقيم الأخلاقية هما أساس حياة صادقة.

الوجود مع الآخرين أيضا عنصر مهم في فلسفة هايدغر، فالإنسان موجود اجتماعيا، لكن علاقاته تصبح أصيلة إذا كانت صادقة وواعية. وفي الإسلام، يحثّ الدين على الصدق والإحسان مع الناس: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا" (البقرة: 83). هذا يشير إلى تقاطع واضح بين الفلسفة الوجودية والحياة الإسلامية في أهمية العيش بصدق ووعي داخل المجتمع.

أما عن الحب، فإن حياة هايدغر الشخصية تكشف جانبا إنسانيا وعاطفيًا. تزوج من إليزه شولتز عام 1917 ولديه ابنة واحدة، لكنه عاش الحب بطريقة فلسفية وعميقة؛ فهو يعشق الوجود نفسه والأفكار والمعنى والطبيعة، كما يظهر في اهتمامه بالمشي في الغابات والتأمل في الفن واللغة، وكتبه مثل Being and Time و_Introduction to Metaphysics_ و_Poetry, Language, Thought_ تعكس هذا العشق للوجود والفكر. يمكن القول إن حبه كان حبًا وجوديًا وفلسفيًا، حيث يلتقي العاطفي بالواعي، والإنساني بالمعنوي.

يمكن اعتبار فلسفة هايدغر حول السعادة والحياة والحب بأنها العيش الأصلي والواعي مع الذات والعالم، مواجهة الموت، اختيار الحرية، وتقدير الوجود بصدق وعمق. وهذا يتقاطع مع الفكر الإسلامي الذي يؤكد على المسؤولية أمام الله، الوعي بالموت، السعي للحياة الصادقة، والعلاقات الإنسانية المبنية على الصدق والإحسان. كلاهما يدعونا إلى فهم أعمق للوجود، وجعل حياتنا مليئة بالمعنى، سواء على المستوى الفردي أو الروحي أو الاجتماعي.

***

ليلى تباني - الجزائر

جماليات مستترة في نصوصه الوجودية والأدبية

لم يخصص جان بول سارتر للفن التشكيلي دراسة مستقلة، ولم يترك كتاباً عن الجمال أو فلسفة الفن يتضمن موقفاً واضحاً من التعبير الفني والجمالي، لكننا نجد في ثنايا كتاباته ودراساته الأدبية والفلسفية ما يمكن أن نعتبره نظرة فنية، أو موقفاً جمالياً له تطبيقاته في الفن التشكيلي.

في دراسته المهمة عن المتخيل التي حلل فيها التخيل، توصل إلى أن الوعي يمارس التخيل على شكل إبداعي، ولهذا يختلف عن "المدرك"، وربط بين التخيل والجمال أو الموضوع الجمالي، ووازى بينهما، اعتمد سارتر في هذه الدراسة على المنهج الظواهري في التحليل، لتأثره بهذه الفلسفة في بداية حياته.

وفي دراسة أخرى مهمة له عنوانها "ما الأدب"، فيها يتوصل إلى أن الفن التشكيلي والشعر والموسيقى يتقاربون ويتلاقون في مهماتهم الإبداعية، ذلك أن الفنان والموسيقار والشاعر يتعاملون مع الأشياء لا المعاني أو الدلالات، والأشياء تبدو مستقلة، تفيض بغناها وتدعونا لتذوقها بحرية تامة، ولهذا لا يمكن للفنان التشكيلي أن يلتزم، كالشاعر والموسيقى، النثر وحده هو الملتزم لأنه مرتبط بالمعاني.

هاتان الدراستان تمثلان التجارب الأولى للكتابة عن الفن التشكيلي، فيهما، يبدو سارتر منظراً، بعيداً عن الدراسات التطبيقية الوصفية، هما محاولة لتطبيق نظرته في الجمال والفن على تجارب فنية محددة.

يبدو أن سارتر يربط بين مفهومه للالتزام في الفن التشكيلي والابتعاد عن التمثيل والمشابهة، لذلك يقول: حين يفلح الرسام في رمي التشابه والتمثيل فان المعنى المتحرر يتجلى. هذا يعني أن الفنان إذا استطاع أن يحقق شكلاً من التعبير لا مجال فيه للمحاكاة فان الالتزام في الفن التشكيلي ممكن، بل يصبح ضرورة بالنسبة لفنان اختار أن يعبّر عن عصره، شرط أن يتمتع الفنان بحسّ سليم. لا ينفر الجمهور من عمل يقدمه له حضوره الذي يعتمد توفر العناصر المرئية والخفية. وهذا ما حققه بيكاسو في لوحته الخالدة "الجورنيكا"، التي يقول عنها سارتر أنها العمل الفني الوحيد الذي يقدم لنا مجزرة رهيبة، فيها من الجمال لا مجال للشك فيه.

كان لسارتر تأثير مباشر على الفن التشكيلي المعاصر، وذلك لعدة أسباب، لعل أهمها الأزمة النفسية في المرحلة القلقة التي عاشتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والشعور بالخوف الذي رافقها، يضاف إلى ذلك رغبة سارتر في نشر الأفكار على نطاق الحياة ليوسّع دائرة تأثيره، وربطها بالواقع، وهكذا تأثر عدد من الفنانين بأفكاره، وعاش عدد آخر منهم حالة من التشابه مع الأزمة، عبروا عنها على نحو آخر.

ولعل أهم هذه الدراسات التي ارتبطت بمعاصريه من الفنانين ما كتبه عن الفنان النحات جياكوميتي، لأنهما ينطلقان من أرضية مشتركة، عايش فيها سارتر تجارب صديقه، وعرفها عن قرب، وتأثر جياكوميتي بالوجودية بل عاينها.

يقول سارتر: ليس هدف جياكوميتي تقديم صورة لنا، إنما يقدم أخيلة تثيرنا، وتهبنا ذاتها، تماثيل جياكوميتي لا تقدم لنا نسخاً من الواقع، بل تقدم خيالاً، هذه الخيالات هي الموضوعات الجمالية التي تتمتع بوجودها الخاص، وتستقل بنفسها عنا.

ارتبط جياكوميتي بسارتر فكرياً وسلوكياً منطلقاً من فكرة أساسية تقول: إن كل إنسان يعيش في العالم في جزيرة مغلقة. وبهذا لا وجود لتماس حقيقي بين الأشياء، لذلك نحت تماثيله متباعدة يحيط بها الفراغ، من مادة هشّة، تتعرض للفناء، وجعل الفضاء المحيط بالإنسان أكثر أهمية منه. لهذا قال عنه سارتر: إنه الفنان الأول الذي خطر له أن ينحت الإنسان عن بُعد، أي عن مسافة ما.

إن الفراغ برأي سارتر هو مسافة محددة تفصل بين انسان وآخر غير قابلة للنقصان مهما حاول الإنسان الاقتراب من أخيه الإنسان.

تمكن جياكوميتي من ربط فنه بالوجودبة عبر محاولة تجسيد أهم أفكار سارتر حول الوجود والعدم، وعلاقة الإنسان بالآخر، وهي منطلق أساسي لمشكلة عاشها، بكل جوارحه.

لم يكن جياكوميتي مجرد فنان يطبّق آراء سارتر بل يعيشها، ولذا كان يعيش بوضع بوهيمي، يقضي سنوات في عمل فني ما، ثم يحطّمه، ويعود منصرفاً لعمل آخر، كان مخلصاً إخلاصاً غريباً للحظة التي يعيشها، يكره الأبدية، ويركّز على الإبداع، يحب الإنسان وينقّب عن نفسه في مغامرة تبدو الإبداعية كلها فيها.

هكذا نرى بوضوح كيف انتقلت الأفكار الوجودية إلى الفن التشكيلي وكيف عبّر الفنان عنها بأعمال، وكيف ارتبطت أفكار عدد من الفنانين بالتجربة الوجودية على مستوى التنظيم والأفكار، وعلى مستوى الممارسة. وهناك عدد من الفنانين في الغرب وفي بلداننا العربية تأثروا بتلك الأفكار، لشعورهم بالوحدة والقلق، لم يكن التأثير مباشراً في بعض الأحيان، بل تعبير حر عن شعور الإنسان بالعبث واللا جدوى في العالم الرأسمالي المسؤول عن الفجوات والأزمات الإنسانية والاقتصادية.

قدم سارتر للفن التشكيلي رؤية فلسفية عميقة، جعلت من النقد الفني وسيلة للتعمّق في فهم الوجود الإنساني والعلاقات الاجتماعية. ولم تكن كتاباته مجرد تحليلات شكلية للأعمال الفنية، بل كانت غوصاً في أعماق التجربة الإبداعية وربطاً عضوياً بين الفن والحرية والوجود.

لقد نجح سارتر في تقديم وجهة نظر وجودية للفن، جعلت من العمل الفني وسيلة للتحرر والتعبير عن الذات في عالم مليء بالقلق والغربة. وتظل آراؤه النقدية مرجعاً هاماً لكل من يريد فهم العلاقة العميقة بين الفلسفة والفن في القرن العشرين.

***

جمال العتّابي

يُعدّ الخيال من أعظم المنح التي أُعطيت للإنسان، حتى إن العالم ألبرت أينشتاين اعتبره أقوى من المعرفة ذاتها، لأن المعرفة تقودنا من نقطة إلى أخرى، بينما الخيال قادر على أن يحملنا إلى أي مكان. فالخيال ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو المساحة الأولى التي تولد فيها الأفكار قبل أن تتحول، عبر الإبداع، إلى واقع ملموس. ولولا الخيال العلمي، لما وصل الإنسان إلى ما يشهده اليوم من تطورات مذهلة في شتى مناحي الحياة.

ورغم ذلك، يظل السؤال مطروحًا: لماذا نعيش بخيالٍ له جناح واحد؟

يسعى الإنسان، في معظم الأوقات، إلى الكمال والمثالية، ويواصل محاولاته في البحث والاكتشاف، لكنه في كل مرة يصطدم بحقيقة أن الصورة لا تكتمل. فالتاريخ البشري مليء بأحلام بدأت خيالًا محضًا، ثم تحولت إلى إنجازات واقعية، مثل حلم السفر إلى الفضاء، الذي ظل طويلًا حبيس عقول العلماء قبل أن يصبح حقيقة. ومع ذلك، ليست كل الأحلام قابلة للتحقق، فهناك أفكار لا تزال حتى اليوم أسيرة الخيال.

من أبرز هذه الأحلام، حلم السفر عبر الزمن. لم يكن هذا الحلم مجرد رغبة في العودة إلى الماضي أو القفز نحو المستقبل، بل محاولة إنسانية عميقة لكسر سلطة اللحظة، والسيطرة على الزمن الذي يمضي دون استئذان. ومع هذا الحلم ظهرت أفكار أخرى لا تقل جرأة، مثل إيقاف الزمن أو تسريعه أو إعادة لحظة بعينها، وكأن الوجود شريط يمكن التحكم في سرعته.

ويتسع الخيال ليشمل حلم الانتقال الفوري، حيث يختفي الإنسان من مكان ليظهر في آخر دون عبور المسافة، وكأن الجغرافيا مجرد وهم مؤقت. ومن هنا برزت تصورات الثقوب الدودية ومحركات أسرع من الضوء، في محاولة لطيّ الزمكان بدل الخضوع لقوانينه. وفي الخلفية، يلوح احتمال الأكوان المتوازية، لا باعتبارها مجرد فرضية علمية، بل كإمكانية للعبور بينها، ومواجهة نسخ أخرى من ذواتنا عاشت اختيارات مختلفة.

وفي قلب هذه الأحلام يقف السؤال الأخطر: العقل البشري.

هل يمكن نقل الوعي الإنساني إلى وسيط رقمي دون فقدان الذات؟

وهل يمكن قراءة الأفكار لا بوصفها إشارات عصبية فقط، بل بوصفها معنى وشعورًا وحنينًا؟

وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمتلك وعيًا حقيقيًا، أم سيظل مجرد محاكاة متقنة؟

عند هذه النقطة، يتجاوز الخيال العلمي حدود التقنية، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لمعنى الإنسانية ذاتها.

أما الجسد، ذلك السجين الزمني، فيحلم الإنسان بتجاوزه؛ بإيقاف الشيخوخة، وتجديد الأعضاء، وتغيير الشكل والقدرات بإرادة واعية، كأن الجسد لم يعد قدرًا محتومًا، بل مشروعًا قابلًا للتطوير. وفي أقصى هذا الحلم، تظهر فكرة الخلود، أو حتى إعادة إحياء الموتى بوعيهم الكامل، لا كنسخ ناقصة، بل كامتداد حقيقي للوجود.

وفوق كل ذلك، يظل الكون مفتوحًا على أسئلته الكبرى: المادة المظلمة، الطاقة المظلمة، تسخير طاقة النجوم، بل وحتى احتمال أن يكون واقعنا كله محاكاة كبرى، وأن أعظم اكتشاف علمي لم يتحقق بعد هو اكتشاف باب الخروج منها.

وهكذا يبقى الخيال العلمي مجموعة أفكار لم تتحقق بعد، خيالًا بجناح واحد، لكنه رغم ذلك يواصل التحليق في الوعي الإنساني، لا ليمنحنا إجابات جاهزة، بل ليذكّرنا بأن كل تقدّم بدأ بسؤال، وأن ما نعيشه اليوم كان يومًا ما مجرد حلم تجرأ عقلٌ ما على تخيّله.

***

بقلم: محمد أبو العباس الدسوقي

 

من نقد الغرب الى تبرير الذات

ليست قضية إبستين، في جوهرها، معركة بين الشرق والغرب، ولا صداما بين العلمانية والدين، ولا دليلا على انحطاط الحداثة كما يتوهم بعضهم. هي قضية واحدة بسيطة في معناها، ثقيلة في دلالتها: انتهاك الجسد البشري، وسحق براءة الطفل، وتحويل الانسان الى سلعة.

إبستين في الوعي الغربي ليس رمزا ثقافيا ولا شيخا ولا مرجعا اخلاقيا، بل متهم وجانح، سقط اجتماعيا واخلاقيا وقانونيا. وما يثار حوله من فضائح وملفات هو تعبير عن صدمة مجتمع، لا عن تبرير جريمة. الفعل هناك مدان لذاته، لا لكون فاعله ينتمي الى معسكر بعينه.

اما المأساة الاكبر، فهي حين يصبح الفعل ذاته، اذا ما عبر حدود جغرافيتنا الملعونة، قابلا للتقديس، لا للادانة. لا لان جوهره تغير، بل لان الغطاء تغير. فالجريمة حين تتدثر بعباءة الشريعة، تتحول من انتهاك الى حكم، ومن اغتصاب الى زواج، ومن قتل الى حد، ومن سبي الى فقه.

هنا لا يعود السؤال: ماذا فُعل؟ بل: تحت اي اسم فُعل؟

فالطفلة التي تغتصب تصبح  زوجة. والمرأة التي تقتل تصبح عارا مغسولا. والمرتد الذي يعدم يصبح خطرا عقائديا. والطفل الذي يذبح يختفي خلف قاعدة فقهيه جافة: لا يؤخذ الاصل بالفرع

لم يكن سبي الايزيديات حدثا شاذا، ولا خطف الدرزيات والعلويات استثناء، ولا بيع الكرديات اليوم مفاجأة. كلها حلقات في منطق واحد: تحويل الانسان الى غنيمة حين يخرج عن الهويه السائدة، وتطبيع الوحشيه حين يوقعها نص، او يباركها شيخ، او يسكت عنها مجتمع.

الفرق الجوهري بين ما حدث مع إبستين، وما يحدث هنا، ليس في الفعل، بل في الموقف منه. هناك، يحاسب الفعل لانه جريمة ضد الانسان. هنا، يبرر الفعل لانه منسوب الى الله. وهناك، ينهار الفاعل اخلاقيا مهما علا شأنه، وهنا، يرفع الجاني الى مرتبة الصلاح كلما ازداد دمه على يديه

العلمانية لم تخلق هذه الجرائم، والحداثة لم تبررها. على العكس، كل منظومة قانونية حديثة تعتبر المساس بالطفل جريمة مطلقة، لا يخففها عقد، ولا يبررها عرف، ولا يغسلها نص. الجسد الطفولي هناك خط احمر انساني، لا ماده فقهية قابلة للاجتهاد.

الفلسفة الاخلاقية، منذ كانط، وضعت مبدأ لا يحتمل الالتفاف: الانسان غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق غايات الاخرين ولا مادة لاختبار النصوص. والطفل بوصفه اكثر اشكال الانسان هشاشة، هو الاختبار الحقيقي لاي منظومة اخلاقية. فمن يفشل في حماية الطفل، يفشل في ادعاء الاخلاق، مهما علت لغته، او تقدست مراجعته

المفارقة المؤلمة ان من يدين إبستين لا يدينه لان الفعل قبيح، بل لانه فعل خارج منظومته. ولو ان إبستين كان شيخا، او مسلما، او حمل توقيعا فقهيا، لوجدوا له الف مخرج، والف فتوى، والف تأويل. فالمشكله ليست في الجريمة، بل في مرآتها.

نحن لا نعيش ازمة اخلاق، بل ازمة تعريف الاخلاق. حين يفصل الضمير عن الانسان، ويلصق بالنص، يتحول كل شيء الى مباح، شرط ان يحمل اسما مقدسا. وهنا تصبح البيدوفيليا شريعة، والقتل فضيلة، والسبي سنة، والاعتراض كفرا.

القضية، في حقيقتها، ليست إبستين، بل نحن. ليست الغرب، بل المعايير. ليست العلمانية، بل الانسان.

ان اخطر ما تواجهه المجتمعات ليس وجود العنف، بل تطبيعه، ولا ارتكاب الجرم، بل منحه قداسة رمزية تحصنه من المساءلة.

ان اي منظومة اخلاقيه لا تضع كرامة الطفل، وحق الحياة، وسلامة الجسد فوق كل اعتبار ديني او ايديولوجي، هي منظومة تعيد انتاج الجريمة باسم الفضيله، وتستبدل العدالة بالتأويل، والضمير بالطاعة. ومن هنا، لا يكون تجاوز هذه الازمة ممكنا الا باستعادة الانسان بوصفه معيارا، والقانون بوصفه حدا، والعقل النقدي بوصفه ضمانه، ضد كل عنف يرتدي ثوب المقدس.

واعتقد ان كل مجتمع لا يحسم هذه القضية لصالح الإنسان، انما يعلن، صامتا، افلاسة الأخلاقي.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يحدث، في اللحظات التاريخية الفارقة التي تبلغ فيها الأمم ذروة عطائها المادي وسلطانها الظاهري، أن يلتقي الثراء الفاحش بالنفوذ المطلق، فيلقى هذا الالتقاء شرارة خاصة، تولد شكلاً استعراضياً متفرداً من أشكال القوّة، يجد في الجسد البشري للآخر مسرحه الأثير والأكثر دلالة.

هذا ليس مجرد استنتاج نظري يجترحه العقل، ولا هو فرضية جامدة، لكنه، في تقديري، نمط تاريخي عميق الجذور، يتكرر ظهوره عبر تعاقب الحضارات الإنسانية، كلما بلغت نخبتها الحاكمة ذروة الترفع عن المحاسبة وانعدام المنافس الحقيقي.

في هذه اللحظات الحرجة، تشهد المتعة الجنسية تحولاً جوهرياً في وظيفتها من فعل طبيعي ومشترك بين البشر، إلى أداة من أدوات إثبات الهيمنة وإعلان السيادة، وقد تتحول أحياناً إلى طقس سادي مرعب، يتم فيه إهانة جوهر الإنسان نفسه، عبر استباحة جسده وتحويله إلى مجرد ألعوبة، أو أداة قابلة للاستهلاك ثم التخلص منها. إنه ما يمكن أن نسميه، بتعبير يحاول رصد هذه الآلية المعقدة، (اقتصاد الرغبة المرتبطة بالقهر)، حيث لا تكتمل لذة السيطرة السياسية والاقتصادية، ولا يشعر صاحبها بالتمام والاكتمال، إلا باقتحام جسد الآخر، واستباحته، سواء أكان هذا الآخر عبداً أو جارية في المجتمعات القديمة، أم ضحية من ضحايا شبكات الاستغلال الحديثة، المخبأة خلف واجهات متعددة من الشرعية والرفاهية والامتياز.

وقد شهدت مجتمعاتنا العربية والإسلامية، في أيام مجدها المادي وتراكم ثرواتها الكثيفة، وجوهاً صارخة من وجوه هذه الظاهرة. ففي قصور بني أمية المتأخرة، وفي ديوان بني العباس في عصور ترفهم وزهوتهم، وصولاً إلى قصور السلاطين العثمانيين في قمة بذخهم وسلطتهم، لم تكن علاقات القوة والنفوذ تقدر بالجيوش الجرارة والعقود التجارية الضخمة فقط، إنما كانت تحسب أيضاً بعدد الغلمان والجواري، وبنوعية الوصيفات اللاتي يتم انتقاؤهن وفقاً لها، وكيفية تدريبهن وتشكيلهن وإعدادهن لخدمة أهواء السادة وإشباع رغباتهم. بحيث تحولت مؤسسة الرق آنذاك، وبموجب الشرعية الدينية والثقافية السائدة، إلى آلية مؤسسية فعالة لهذا النمط من الاستعراض. فما يروى من حكايات عن تهذيب الغلمان أو تزيين الجواري وتعليمهم فنون الغناء والرقص، ليس مجرد حكايات عن متعة بريئة؛ هو في جوهره تأكيد رمزي عميق على ملكية الإنسان للإنسان، واختزال الكائن البشري إلى شيء مادي يكتسب قيمته وأهميته من قدرته على الإمتاع والخدمة.

بل إننا، في عصرنا الحالي هذا، الذي تعلن فيه المجتمعات التزامها الصارم بمبادئ حقوق الإنسان وكرامته، لا نزال نسمع بين الحين والآخر أخباراً تتسرب عن بعض أفراد الأسر الكبري أو النخب المالية، الذين نشأوا وتربوا في بيئات تشدد على القيم الدينية والأخلاقية في خطابها العلني، وتروي هذه الأخبار حكايات عن مطالب جنسية غير تقليدية، تصل أحياناً إلى حد الجريمة المنظمة في تنظيمها واستغلالها للضعفاء.

هذا التناقض الصارخ بين ثقافة حساب الآخرة الديني، وبين ممارسات اللذة الأرضية غير المحدودة، يكشف عن فجوة عميقة في النسق الاجتماعي والسياسي السائد، وعن قدرة الثروة الهائلة والنفوذ المطلق على خلق دوائر أخلاقية خاصة، منفصلة تماماً عن الأخلاق العامة للمجتمع، ومعفاة من قوانينه الضابطة.

وهنا قد يثور سؤال مشروع أليست المجتمعات القديمة، بوجود نظام الرق المقنن والمقبول، كانت أكثر حرية وصراحة في التعبير عن الرغبة، مقارنة بمجتمعاتنا الحديثة التي اخترعت ثقافة الكبت والحشمة منذ القرن التاسع عشر؟

الحقيقة أن هذه الحرية المزعومة كانت امتيازاً حصرياً لفئة السادة والأقوياء فقط، وكانت مبنية على إنكار إنسانية فئة أخرى كاملة هي فئة المستعبَدين والمملوكين. إنها حرية قائمة على الاستعباد، وليست حرية إنسانية شاملة وعادلة. أما الكبت الحديث، فهو في أحد وجوهه الجوهرية، أداة من أدوات الضبط الاجتماعي للدولة القومية والطبقة البرجوازية الصاعدة، وهو يمارس بصرامة على العامة والضعفاء، بينما تظل دوائر النخبة والقوة تمارس انحرافاتها وشهواتها في الخفاء، ولكن بنفس الجوهر الاستغلالي والاستعلائي القديم.

والهدف من استحضار هذا الموروث التاريخي وتحليله ليس الانزلاق إلى فخ تشويه التراث أو تبني رؤية استشراقية تجعل من كل خليفة أو سلطان شره مثالاً على تشوه الحضارة العربية الإسلامية. فذلك تبسيط ساذج، يغفل حقيقة أن كل حضارة عرفتها البشرية على مر العصور شهدت أوجهاً مظلمة ومنحرفة، وأن تقييم الحضارات لا يتم بوجود الانحراف في ذاتها، بل بقدرتها على إنتاج آليات فعالة لضبط هذا الانحراف وردعه. فالحضارة الراشدة، في تعريفها العملي، هي التي تنجح في وضع سياج أخلاقي وقانوني متين يحمي كرامة الإنسان الأساسية، ويحد من طغيان الأقوياء، ويضمن محاسبتهم إذا ما تجاوزوا الحدود والخطوط الحمراء.

الأزمة الحضارية في ضوء انهيار الضوابط

وهذه هي بالضبط المعضلة الكبرى التي تكشف عنها لحظتنا الراهنة، خاصة في مجتمعات كانت تقدم نفسها، وتقدم على أنها، النموذج الأرقى للديمقراطية وحقوق الإنسان. فالأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، وتتجلى رمزياً وقوةً في فضيحة "جيفري إبستين" وجزيرته الخاصة، هي في جوهرها أزمة ضبط مؤسسي. إنها تمثل الانهيار المخيف لقدرة المجتمع المدني ومؤسساته التشريعية والقضائية والإعلامية على محاسبة الأقوياء، عندما تصل ثرواتهم ونفوذهم إلى مستوى أسطوري يمكنهم من خلق دولة داخل الدولة، ونظام قانوني مواز، ومناعة اجتماعية وسياسية تكاد تكون تامة.

إن مشاهدة مجتمع يتغنى صباح مساء بحرية الصحافة والإعلام، أو مجتمع يتشدق بقدسية الحياة البشرية، ثم يتغاضى مؤسسياً عن قتل مواطنين عزل في الشوارع دون محاسبة حقيقية للجناة، هي صدمة كاشفة لهشاشة المبادئ الكبرى التي قامت عليها هذه المجتمعات.

هذه الفضائح ليست مجرد حوادث جنائية معزولة يمكن تطويقها؛ إنها فضائح كاشفة عن بنية نفسية واجتماعية أعمق، تستعيد منطق السيد والعبد في ثوب عصري مزركش. إنها إعادة إنتاج، بآليات جديدة، لمنطق الاستعراض السادي للقوة عبر امتلاك الجسد الآخر، ولكن هذه المرة تحت غطاء من القانون والمشروعية الزائفة، وباستخدام أدوات العولمة والمال والاتصالات الحديثة.

طبعاً، لكل ظاهرة فرادتها وتعقيداتها الخاصة، ولا يمكن إسقاط التعميمات التاريخية ببساطة وسذاجة على فضيحة مثل (فضيحة إبستين)! . لكن القراءة المتأنية والعميقة لما تكشفه ملفات هذه القضية المظلمة تجعلنا نربطها بتحولات كبرى، تعصف بالرأسمالية المعاصرة وبالذات الإنسانية في عالم الحداثة المتأخرة. ويمكن رصد هذه التحولات في ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: الرأسمالية (النيوليبرالية) في ذروتها

لقد وصل التراكم الرأسمالي إلى مستوى هائل وغير مسبوق من التركيز في أيدي قلة ضئيلة، وهو ما أنتج طبقة من "الأوليجارشية العابرة للقوميات" !، تشعر في قرارة نفسها بأنها فوق القوانين المحلية والدولية. هذا التراكم الفاحش لا يولد سلطة اقتصادية وسياسية فحسب، بل يولد شعوراً مرضياً بالعظمة والإفلات التام من العقاب، وهو ما يترجم نفسياً وسلوكياً إلى ممارسات استعراضية ومتهورة. فالثروة هنا تتحول من وسيلة للعيش الكريم إلى أداة لتمويل وتحصين عالم خيالي مواز، تسقط فيه كل المحرمات والقيم الأخلاقية. إنه عنفوان إجرامي متولد عن اليقين المطلق بالقدرة على شراء الذمم واختراق كل الأنظمة. كما أن طبيعة الاقتصاد الاستهلاكي اللامادي المعاصر تعزز من منطق تحويل كل شيء، بما في ذلك العلاقات الإنسانية والجسد البشري نفسه، إلى سلعة قابلة للاستهلاك والاستبدال والإهدار.

ثانياً: تحرير الرغبة الموجه

لقد شهدنا تحولاً جذرياً في المنطق الرأسمالي المهيمن، من مرحلة اعتمدت على كبت الرغبة وتأجيل الإشباع، من أجل خلق قوى عمل منضبطة وقادرة علي الادخار كما رأى عالم الاجتماع ماكس فيبر، إلى مرحلة جديدة تعتمد بشكل صارخ على تحرير الرغبة وتوظيفها واستثمارها وتسليعها. فاقتصاد الخدمات والاستهلاك المعولم يحتاج إلى إنسان مشتعل الرغبات، يسعى لإشباعها باستمرار وبأسرع الطرق. هذا التحرير الموجه والمدروس يخلق مناخاً ثقافياً عاماً يمجد اللذة الفردية المباشرة، ويبرر السعي وراءها بكل السبل الممكنة. في هذا السياق، تخرج الممارسات الجنسية المتطرفة والشاذة من هامش الانحراف السري الضيق، إلى سوق تحت الأرض واسعة ومتداخلة، تقدم بضائع وخدمات متخصصة، مدفوعة بمبدأ المتعة كغاية قصوى مطلقة، منفصلة عن أي إطار أخلاقي أو اجتماعي أو إنساني.

ثالثاً: الهشاشة النفسية للإنسان المعاصر

يعيش الإنسان في مجتمعات (الحداثة السائلة)، على حد تعبير زيجمونت باومان، في حالة من التشرذم الوجودي والقلق الدائم. حيث اهتزت روابط الجماعة التقليدية، وانهارت السلطات الدينية والأخلاقية الموحدة، وغرق الفرد في عزلة قاتلة رغم اتصاله الافتراضي الهش بكل العالم. هذه العزلة العميقة تخلق فراغاً وجودياً هائلاً، وشعوراً باللامعنى، وتوقاً محموماً لتجارب شاذة وحادة تثبت للفرد أنه ما يزال حياً، وأن له وجوداً مميزاً.

وفي المقابل، فإن التطور التكنولوجي المذهل يمنح هذا الإنسان المعزول والقَلِق إحساساً واهماً بالسيطرة المطلق على العالم من خلال شاشة هاتفه الذكي. هذا المزيج الخطير من الهشاشة الداخلية والسيطرة الخارجية الوهمية، يبحث عن متنفس، وغالباً ما يجده في أشكال من العنف الجنسي المشهدي. هنا، يتحول الجنس من فعل حميمي ومتبادل إلى مجرد مشهد لإثبات الذات وإعلان السيطرة، حيث يصبح الآخر مجرد دمية أو خلفية صامتة في مسرحية تأكيد "الأنا". إنه منطق يقترب كثيراً من رؤية "الماركيز دي ساد" الفلسفية المظلمة، التي رأت في العنف الجنسي أسمى تعبير عن حرية الإرادة الفردية المطلقة، المتحررة من كل القيود الدينية والاجتماعية والإنسانية.

 التحدي الحضاري الأكبر

ما نراه اليوم، في الولايات المتحدة وغيرها من مراكز القوة العالمية، ليس مجرد فساد أخلاقي عابر يمكن للنظم القانونية إصلاحه بسرعة، إنه عرض لمرض بنيوي عميق حيث تتفكك فكرة المواطنة المتساوية تحت وطأة التراتبية الطبقية المهولة التي خلقتها الرأسمالية المتأخرة. كما تحول القانون في الكثير من الأحيان من أداة سامية لحماية الضعيف وصون كرامته، إلى غطاء قانوني معقد ومتداخل لحماية القوي وتكريس امتيازه. إنه انهيار للمنظومة الضابطة التي تميز المجتمع الحضاري عن غابة المصالح الفردية المتوحشة.

لذلك، فإن التحدي الحضاري الحقيقي أمام الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، لم يعد مقتصراً على تحقيق النمو الاقتصادي المتوازن أو التفوق التكنولوجي المذهل. التحدي الأكبر والأعمق هو إعادة بناء العقد الأخلاقي الاجتماعي على أسس جديدة وراسخة. عقد اجتماعي يؤكد، بشكل لا يقبل الجدل أو المساومة، أن الكرامة الإنسانية هي خط أحمر غير قابل للانتهاك أو الشراء، بغض النظر عن مقدار الثروة أو النفوذ أو الجاه. عقد يبني مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة حقيقياً، لا تستطيع الثروة الطائلة اختراقها أو التأثير على قراراتها العادلة. عقد مجتمعي حي يرفض الصمت والاستسلام، ويثور على انحرافات النخب وانتهاكاتها، مهما بلغت قوتها وامتيازاتها وعلاقاتها.

فالحضارة، في نهاية المطاف، ليست أبراجاً زجاجية شاهقة ولا ثروات طائلة متراكمة في الخزائن السرية. الحضارة الحقيقية تتجلي في قدرة البشر، مجتمعين ومتضامنين، على وضع قيود لأقواهم، وحماية أضعفهم، وصون الكرامة المتأصلة التي تجعل من الإنسان إنساناً. وهذا هو الدرس الأعمق الذي تقدمه لنا صفحات التاريخ المترعة بالألم والأمل، من قصور بغداد وإسطنبول القديمة، إلى جزيرة إبستين "الحديثة"!

***

د. عبد السلام فاروق

في العصر الرقمي الذي يسيطر على تفاصيل حياتنا اليومية، أصبح الهاتف الذكي رفيق الطفل الدائم، لا باعتباره وسيلة للتواصل أو التعلم فقط، بل بوصفه نافذة مفتوحة على عالم متسارع بالأحداث والمعلومات. ومع تزايد الاعتماد عليه، لم يعد الهاتف مجرد أداة مساعدة، بل غدا جزءًا من يوميات الطفل وهويته الناشئة، وهو ما يفرض على الأسرة وعيًا متزايدًا بكل لحظة يقضيها الطفل أمام الشاشة.

لقد تغيرت ملامح الطفولة ذاتها، إذ يقضي كثير من الأطفال ساعات طويلة في التحديق في الشاشات، على حساب اللعب الحر والتفاعل المباشر مع الأقران. هذا التحول ينعكس تدريجيًا على السلوك الاجتماعي، فيعزز الميل إلى العزلة، ويضعف مهارات التواصل، ويحد من قدرة الطفل على التعبير عن مشاعره وتكوين علاقات إنسانية متوازنة.

ومن الناحية النفسية، يؤدي الاستخدام المكثف للهاتف إلى اختلال التوازن الانفعالي، حيث تظهر علامات التوتر والعصبية عند حرمان الطفل من الجهاز. فالهاتف يوفر متعة فورية وإشباعًا سريعًا، ما يجعل ضبط الوقت وحدود الاستخدام تحديًا حقيقيًا للأسرة، ويكشف عن اعتماد متنامٍ على الإثارة الرقمية بدل التفاعل الواقعي.

كما يكتسب الطفل منظومته القيمية والسلوكية تدريجيًا من المحتوى الذي يتعرض له. فالمشاهد العنيفة، والألعاب التنافسية، والتحديات الخطرة، تشكل تصوراته عن العالم، وقد تشوش فهمه للصواب والخطأ، وتخلق فجوة بين ما يتلقاه من توجيه أسري وما يراه في فضائه الافتراضي المفتوح.

وينعكس هذا الاعتياد المبكر على الهاتف في القدرات العقلية للطفل، إذ يعتاد على التلقي السريع والمجزأ للمعلومة، مما يضعف التركيز والاستيعاب والتفكير التحليلي. ويصبح من الصعب عليه متابعة الأنشطة التعليمية التي تتطلب صبرًا وانتباهًا متواصلًا، في ظل عقل اعتاد الإيقاع السريع للتطبيقات الرقمية.

ويؤثر هذا النمط كذلك على الصبر والتحمل، فالطفل الذي ينشأ في ثقافة الإشباع الفوري يواجه صعوبة في تقبل الفشل أو مواجهة التحديات التي تحتاج جهدًا واستمرارية. ومع الوقت، تتراجع قدرته على المثابرة، ويصبح أقل استعدادًا للتعامل مع مشكلات الحياة اليومية بثبات وحكمة.

ومن الزوايا اللافتة، أن بعض التطبيقات تزرع سلوكيات سطحية، كالمقارنة المستمرة بالآخرين وربط القيمة الذاتية بعدد الإعجابات والمشاهدات. هذه الممارسات تولد القلق الاجتماعي، وتضعف الثقة بالنفس، وتهدد نمو شخصية متزنة، ما يستدعي تدخلًا تربويًا واعيًا لإعادة تشكيل نظرة الطفل إلى ذاته.

أما على مستوى العلاقات الأسرية، فيعيد الهاتف الذكي تشكيل الروابط داخل البيت. فالجلسات العائلية قد تتحول إلى لحظات صامتة، ينشغل فيها كل فرد بشاشته، فيضعف الحوار الوجداني، ويصبح التفاعل الافتراضي بديلاً عن التواصل الإنساني المباشر، وهو ما يقلص فرص التنشئة الاجتماعية السليمة.

ويظهر التأثير الجسدي للهاتف بوضوح في حياة الطفل، حيث يؤدي الجلوس الطويل أمام الشاشة إلى إجهاد العين، واضطرابات النوم، وقلة الحركة. فالضوء الأزرق يؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين، ويضعف جودة النوم، بينما يقل النشاط البدني الضروري لنمو العضلات والعظام، ما يزيد من مخاطر الخمول والسمنة.

ومن منظور نفسي أعمق، يعزز التعرض المفرط للشاشات القلق والتقلب المزاجي، خاصة مع انتشار التنمر الإلكتروني ومشاهد العنف. هذه التجارب الرقمية قد تولد شعورًا بالخوف أو العجز، وتضعف إحساس الطفل بالأمان، ما يجعل المراقبة الأسرية ضرورة لا غنى عنها.

ولا يمكن إغفال تأثير الهاتف على الهوية القيمية والدينية، فالمحتوى غير المراقب قد يضعف قدرة الطفل على التمييز الأخلاقي، ويخلق تعارضًا بين القيم الأسرية والقيم المضمرة في العالم الرقمي. وهنا تبرز أهمية الحوار الأسري بوصفه جسرًا بين الطفل وما يستهلكه من محتوى.

ويكمن الخطر الأكبر في تحول الهاتف إلى “معلّم صامت”، يشكل وعي الطفل ووجدانه بعيدًا عن النقاش والتفكير النقدي. فالطفل قد يصدق الصورة الرقمية أكثر من توجيه والديه أو معلميه، مما يجعل تحقيق التوازن بين التقنية والتربية مسؤولية ملحّة.

كما يسهم الاعتماد على الهاتف كمصدر أساسي للمتعة في نشوء إدمان رقمي تدريجي، تحفزه آليات المكافأة السريعة وإفراز الدوبامين. ومع الوقت، تتراجع القدرة على الاستمتاع باللعب الطبيعي، والتفاعل الاجتماعي، والأنشطة التي تنمي الخيال والإبداع.

وتلعب الفوارق الاجتماعية والثقافية دورًا حاسمًا في توجيه استخدام الطفل للتكنولوجيا. فالأسر الواعية توظف الهاتف كأداة تعليمية داعمة، بينما تجعل قلة الوعي الطفل أكثر عرضة للمخاطر الرقمية، مما يعمق الفجوة في النمو المعرفي والسلوكي بين الأطفال.

كما يؤثر الاستخدام المفرط للهاتف على اللغة والتواصل، إذ يؤدي ضعف الحوار المباشر إلى محدودية المفردات، وتراجع مهارات التعبير الشفوي، وهو ما ينعكس على الأداء الدراسي والتفاعل الاجتماعي لاحقًا.

وفي هذا السياق، يبرز دور الأسرة في اعتماد رقابة ذكية لا تقوم على المنع المطلق، بل على وضع ضوابط واضحة، ومتابعة المحتوى، وإشراك الطفل في تنظيم وقت الشاشة، بما يعزز حس المسؤولية والانضباط الذاتي. ولا يقل دور المدرسة أهمية، من خلال برامج التربية الرقمية التي ترسخ الاستخدام الواعي للتكنولوجيا.

وفي المحصلة، يظل الهاتف الذكي أداة مزدوجة التأثير؛ يمكن أن يكون نافذة للمعرفة والإبداع، كما يمكن أن يتحول إلى تهديد لنمو الطفل النفسي والاجتماعي والجسدي إذا غاب التوجيه. فالطفولة مرحلة تأسيس، تتشكل فيها القيم والعادات والمهارات التي ترافق الإنسان طوال حياته.

إن مستقبل أطفالنا مرهون بقدرتنا على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والواقع الإنساني، بين المتعة اللحظية والتجربة العميقة، وبين الشاشة والحياة. فالأسرة الواعية، والمدرسة المسؤولة، والمجتمع الفاعل، شركاء في حماية الطفولة ومنحها حقها في النمو المتكامل.

فالطفولة ليست شاشة، بل حياة نابضة بالاكتشاف، والحركة، واللعب، والحوار. ومن واجبنا أن نعيد رسم حدود التقنية، بما يضمن للطفل الحرية والحماية معًا، ليكبر إنسانًا متوازنًا، واعيًا، وقادرًا على العيش في عالم تتداخل فيه الرقمنة مع الواقع دون أن تفقده إنسانيته.

***

فؤاد لوطة كاتب مغربي/ أستاذ اللغة العربية

 

إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني

كتب: وائل ابو عقصه*

ترجمة: علي حمدان

***

تحرير الدين، تحرير الوطنية

القمني ليس عالم آثار محترفًا ولا مؤرخًا. يُعرّف مجاله بأنه علم اجتماع الدين، ويُفسّر اهتمامه الكبير بالإسلام بأنه نابع من خشيته من أن الإسلام السياسي بدأ يفرض نمطًا جديدًا من الحياة. تتأثر أعماله في مجال التاريخ تأثرًا عميقًا بالتحديات اليومية التي واجهها الليبراليون في مصر. ومن هذا المنظور، فإن لأعماله التاريخية التفكيكية وظائف سياسية. وتؤكد هذه الملاحظة الغالبية العظمى من مقالاته القصيرة في الصحف والمجلات التي تُركز على الإسلاموية والقومية العربية. في الواقع، يُعدّ نقاش التاريخ أسلوبًا يستخدمه في جدالاته السياسية الواقعية.

 أكثر أعماله إثارةً للجدل في التاريخ هي تلك التي تركز على الإسلام. وأبرز كتبه في هذا الصدد هو كتاب "الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية" (1996). في هذا الكتاب، يتحدى القمني التصور التقليدي الجامد لتأسيس الإسلام. ويحلل الأسس الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت خلفية ظهور الإسلام وعصره النبوي في مكة المكرمة في القرن السابع الميلادي. ويرى أن فكرة التوحيد العربي قبل الإسلام (الحنفي) قد طورها جد النبي، عبد المطلب بن هاشم، الذي رغب في تأسيس مملكة هاشمية وتوحيد شبه الجزيرة العربية تحت حكمه وحكم أبنائه من بعده. وقد تأثر عبد المطلب بالفكرة التوراتية للدولة التي يؤسسها ملك نبي. أما ما تبقى من العصر النبوي فيُوصَف بمصطلحات علمانية تُبرز العلاقات الاستراتيجية بين الهاشميين والقوى الأخرى في مكة التي كان من المقرر أن تُقام فيها مثل هذه الدولة. وكانت خلفية ظهور الإسلام صراعًا اجتماعيًا سياسيًا بين الأمويين طبقة النبلاء في مكة والهاشميين، الذين شجعوا الطبقات الدنيا من النساء والعبيد على الثورة ضد أسيادهم الأمويين. وكما في مؤلفاته عن مصر القديمة، يؤكد القمني على الدوافع الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية التي تقوم عليها الرواية الإلهية للنبي وآل بيته. وقد طور هذه الأفكار في كتابه "حُروَبُ دَولَةِ الرَّسُولِ" (1993)، حيث يقترح تفسيرًا علمانيً لسيرة محمد. وكما في مؤلفاته التي تركز على نبيي التوراة إبراهيم وموسى يطبق القمني سياقه العلماني والتاريخي على تاريخ النبي والإسلام في كتابه.

أثارت كتاباته حول تاريخ الإسلام جدلاً واسعاً من المثقفين المحافظين والشخصيات الإسلامية البارزة. هاجم فهمي هويدي "الحزب الهاشمي"، واصفاً إياه بأنه "كتابات عربية شيطانية". هويدي، الذي تناول كتاب القمني بعد مناقشة رواية سلمان رشدي آيات شيطانية، زعم أن عمل القمني – ومحمد أركون - أسوأ من رواية رشدي لأنه يدمر العقيدة الإسلامية "بصمت ودون أي ألم". ويكمن خطر هذه الأعمال، كما أضاف، في قدرتها على "التسلل إلى العقل والروح". انتقد الإسلامي عصام الدين أبو العزيم كتاب القمني، مشيرًا إلى أن الكتاب يتضمن في الواقع هجماتٍ خفيةً وعلنيةً على الإسلام والكعبة والنبي ووصف كتاب القمني بأنه يحتوي على أفكارٍ أسوأ حتى من أفكار الكافر الذي يكره الإسلام وهاجم إسلامي آخر، هو محمد أحمد المسير، القمني، قائلاً: إن الإنسان في هذا الكون ليس إلهًا صغيرًا، ولكنه يتحرك بإرادة الله.

كانت القضية الأكثر إثارة للجدل في هذه المناقشات هي منهج القمني في التاريخ. انتقده الإسلاميون لمحاولته علمنة الرواية الإسلامية للتاريخ. اقترح هويدي حلاً لهذه "المشكلة": "إذا كانت هناك حاجة لمثل هذا النقاش [حول المقدس]، فليكن بين علماء من النخبة الدينية (أهل العلم والخاصة) لأن إشراك عامة الناس في نقاش حول الدين قد يؤدي إلى الفتنة."

إلى جانب تفسير التاريخ القديم والإسلامي، تتناول مؤلفات القمني القرآن الكريم أيضًا. ففي أحد مؤلفاته المبكرة، نشر نصًا حول ظاهرة النسخ في القرآن. وفي هذا العمل، يؤكد على ما طرحه مفكرون بارزون سبقوه، مثل نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، حول ضرورة وضع آيات القرآن الكريم في سياقها التاريخي في سياق إعادة التقييم الإسلامي. من هذا المنظور، يقترح القمني رفض التصنيفات التقليدية للنسخ، وبالتالي تجاوز حتى التفسير الجريء لأبي زيد، الذي استُخدم لاحقًا كدليل في محاكمته، مما أدى إلى مأساة.

يستند القمني في ادعاءاته إلى المنهج العلماني. وهو يفسر حديث الغرانيق (حديث الكركي المتوج) وفقًا لما يلي: إلى التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته مكة في القرن السابع الميلادي. ووفقًا لهذا التقليد، في بدايات الإسلام، صلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين طبقة قريش. وبينما كان يتلو آية تتعلق بآلهة العرب قبل الإسلام، تابع بالدعاء طالبًا شفاعتهم. وينسب القرآن الكريم هذه الأحداث إلى تدخل الشيطان في وحي النبي. يقترح القمني، الذي يستشهد بالحديث والتفسير القرآني، فهم تغير "موقف الوحي" تجاه آلهة الجاهلية كتطور للإيمان. ويفسر حديث الغرانيق في سياق التحول من الدولة القبلية إلى الاتحاد العربي (ضد البيزنطيين والفرس) ومنح امتيازات لأرستقراطية مكة في النظام الجديد. وكان النسخ في الواقع هو الأسلوب الإجرائي لهذا التحول.

علاوة على ذلك، يتفق القمني مع ما طرحه علماء الليبرالية السابقون أركون في سبعينيات القرن العشرين وأبو زيد في ثمانينياته حول التعقيد الناجم عن الترتيب غير الزمني للآيات في جمع عثمان للقرآن. جادل هؤلاء العلماء بأن هذا يجعل الفهم التاريخي للقرآن صعبًا. يؤكد القمني على ضرورة إعادة ترتيب آيات القرآن وفقًا لتسلسلها الزمني (أو على الأقل موضوعاتها) وليس وفقًا لطولها، كما في النسخة التي جمعها عثمان. وبالتالي، فإن القراءة الصحيحة للقرآن ينبغي أن تكون من النهاية – من أقدم الآيات - إلى البداية. يرى القمني أن الخطر الأكبر في هذا الوضع هو الخلط بين الآيات المنسوخة والآيات الصحيحة، وبين الآيات التي تتحدث عن الحرب وتلك التي تتحدث عن السلام وحرية المعتقد، وبين فرض الإسلام. ويخلص القمني إلى أن النتيجة كانت أن المسلمين يواجهون صعوبات في فهم الدين البسيط. وقد أدى هذا الوضع إلى الحاجة إلى "رجال دين في دين لا يعترف برجال الدين"، ونشأت فئة من الناس يفسرون إرادة الله، وأصبحوا وسطاء بين المؤمنين والله.

شكّلت هذه الأعمال المذكورة أعلاه بداية صراع مستمر بين القمني والإسلاميين. وحدثت واقعة مهمة عام 1997، حين أوصى مجمع البحوث الإسلامية، وهو هيئة معتمدة داخل الأزهر، المحكمة بحظر كتاب القمني "رب الزمان". اتُهم القمني باستغلال الدين، ومحاولة إثارة الفوضى، وتشويه صورة الإسلام، والاستهزاء بالعلماء والتراث، والإضرار بالوحدة الوطنية. ُبرئ القمني من هذه التهم، وألغى القاضي قرار حظر نشر الكتاب. وبلغ هذا الصراع ذروته في الفترة 2004-2005، حين اتُهم القمني بالردة، وتلقى تهديدات بالقتل من حركة الجهاد المصرية ومن أحد فروع تنظيم القاعدة في العراق. بعد هذه الحادثة، نشر رسالة ندم وأعلن توقفه عن الكتابة؛ إلا أنه عاد إلى الكتابة بعد نحو عامين. وفي عام 2009، حصل على إحدى أرفع الجوائز الوطنية في مصر (جائزة الدولة التقديرية)، وهي مناسبة أصبحت محور جدل واسع.

يعتقد القمني أن الإسلام في العصور الوسطى لا صلة له بالعصر الحديث. ويرى أن الإسلاموية كأيديولوجية سياسية مدمرة للحداثة، وستؤدي إلى الفاشية. ويؤكد أن الإسلاموية أيديولوجية شمولية تسعى إلى تشكيل الأخلاق الإنسانية، والمعايير، والسلوك، والعلاقات بين الأفراد والعالم. وتنبع هذه الأيديولوجية من رؤية للعالم قائمة على وجود الحقيقة اللاهوتية في النص المقدس الخالد للقرآن الكريم. في نظر مؤيديه، ليس مجرد دين أو خطاب ديني بل هو مشروع شامل يهدف إلى تغيير الوضع الراهن وفرض العقيدة الإسلامية على العالم. يزعم القمني أن أوضح تناقض داخلي في هذا المشروع يكمن في افتراض الإسلاميين أن إرادة الله هي فرض تصور إلهي أبدي واحد غير تاريخي للنص في مختلف الظروف والفترات. ويجادل بأن الدين لا يمكن أن يكون إلا مسألة فردية، وبالتالي فهو قابل للتغيير.

يؤكد القمني في مؤلفاته على التناقض المزعوم بين الإسلام في العصور الوسطى والأفكار الحديثة كالقومية والديمقراطية وحرية الإيمان والمساواة بين المرأة وغير المسلمين. ويزعم أن جميع هذه الأفكار قد رفضتها مختلف تيارات الإسلام السياسي.  على عكس العديد من المصلحين الإسلاميين، يرفض القمني الادعاء التبريري بأن الإسلام في العصور الوسطى يجب أن يكون مصدر أي فكرة سياسية أو أخلاقية يتبناها المسلمون. ويجادل بأن الأفكار الليبرالية الحديثة غريبة عن تقاليد الإسلام في العصور الوسطى، ويجب على المسلمين المعاصرين تبنيها. ويؤكد أن أهم رسالة يجب أن يتعلمها المسلمون من الوحي القرآني هي التكيف مع العصر: فتكيف الإسلام مع عالم متغير هو "السمة المميزة للإسلام مقارنة بالأديان الأخرى".

يتحدى القمني العديد من التصورات السائدة عن الإسلام السياسي. في العديد من المقالات، يجادل بأن الشورى (التشاور) ليس ديمقراطية؛ وأن التصور "القديم" للإسلام لا يزال يضطهد النساء وغير المسلمين. بل إنه يدعو إلى إلغاء التعاليم الدينية المتعلقة بقوانين الرق (فقه العبودية) وإلى إلغاء الشرعية القانونية لـ 23 آية قرآنية تُجيز الرق. ويجادل بأن أتباع الإسلام السياسي يصرون على أن الإسلام هو أول دين يُرسي حقوق الإنسان، بينما يرفضون الحريات الأساسية كحرية المعتقد. ويتابع قائلاً إن الإسلاميين يشيرون إلى أن الإسلام هو أول دين منح المرأة حقوقها، مع أن الشريعة تنص في الوقت نفسه على أن المرأة ترث نصف ما يرثه الرجل، وأن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد، ولا يجوز للمرأة أن تكون حاكمة دولة.

في مجموعته "شكرًا... بن لادن!" (شكرًا لك... بن لادن!)، يكتب أن ربما أهم حقيقة انكشفت للعالم الحر بعد

 11 سبتمبر 2011، هي الخطأ الفادح الذي ارتكبته هذه الدول مع الشعوب العربية عندما قررت التحالف مع أكثر الأنظمة استبدادًا والإسلام السياسي "الإجرامي". ويؤكد أن الحركات الإسلامية لا تختلف جوهريًا، بل تختلف فقط في الاستراتيجيات، لا في الأهداف. علاوة على ذلك، يرفضون الإرث الليبرالي للديمقراطية ولا يتبنون سوى المبدأ التقني للانتخابات.

في إحدى مقالاته، يقارن القمني بين أفكار يوسف القرضاوي، الذي يُنظر إليه من قِبل العديد من المسلمين على أنه معتدل، وفهمي هويدي، الذي يُنظر إليه على أنه مستنير. وينقل عن القرضاوي، الذي كتب عن المبدأ العلماني المتعلق بحياد الدولة في المسائل الدينية، قائلاً: "قد يكون هذا مقبولاً لدى المسيحية... لكن الإسلام يطالب بتشكيل الحياة وفقًا لقوانينه ومبادئه... فطبيعة الإسلام هي القيادة لا "الانقياد". وينقل كذلك عن هويدي، الذي ذكر أنه "لا توجد صلة ضرورية بين الديمقراطية والعلمانية". يخلص القمني إلى وجود تناقض بين الدولة الليبرالية ومُثُل الإسلام السياسي. ووفقًا لوجهة نظره، فإن الديمقراطية التي يطمح إليها الإسلاميون ليست ديمقراطية ليبرالية.

إضافةً إلى نقد القمني المستمر للإسلاموية، فإنه ينتقد أيضًا القومية العربية. ويزعم أنه لا توجد فروق جوهرية بين هاتين الأيديولوجيتين رغم تاريخ الصدام بينهما. فمن وجهة نظره، تُشكل كلتا الأيديولوجيتين خطابات سياسية جماعية تسعى إلى توحيد العرق أو الدين ضد الأعراق أو الأديان الأخرى. كما أن كلا التيارين السياسيين يدعوان إلى الشعبوية التي تسحق الفرد المدني. ويطرح القمني بديله الليبرالي بالقول إن العلاقة بين الوطن والمواطن يمكن تحديدها بقوانين دستورية واضحة تعتمد بالدرجة الأولى على حريات المواطن الفرد، دون النظر إلى دينه أو لونه أو عرقه. لا يمكن للوطن أن يكون وطنًا بدون التاريخ الذي صنعه شعبه. ينبغي أن تكون هذه نقطة انطلاق كل نقاش سياسي.

لا يعترف تعريف القمني للهوية السياسية الجماعية بأي سمات سياسية عرقية أو دينية. فمن وجهة نظره، تقوم القومية على الشراكة القانونية للدولة القومية المصرية، لا على الدين (الإسلام السياسي) أو العرق أو الثقافة (العروبة). وكما هو الحال في المدرسة الليبرالية المصرية في فترة ما بين الحربين، تُصيغ الليبرالية مفهوم الهوية الجماعية. بالنسبة للقمني، فإن الحجة المؤيدة للقومية المصرية ليست مجرد نقاش حول هوية المجتمع السياسي، بل هي حاجة ملحة في النضال السياسي ضد من يُسيّسون العرق والدين. وهو يجادل بأن بناء أيديولوجية وطنية على الدين، كما يفعل الإسلام السياسي، سيؤدي إلى الطائفية، بينما بناء أيديولوجية وطنية على العرق، كما تفعل القومية العربية، سيؤدي إلى العنصرية. وكما في حججه حول التاريخ القديم، يؤكد القمني على العلاقات المفترضة بين النماذج العرقية الدينية للقومية العربية والإسلاموية والصهيونية.

الخلاصة

من منظور سياسي، قدمت الأعمال التاريخية للقمني للمفهوم القومي بعده "المتخيل" استناداً إلى تصوره في أعماله، يُقدّم سردًا وطنيًا لتاريخ مصر، يسعى إلى تعزيز التعددية العرقية والدينية. يبدأ هذا السرد في مصر القديمة والوثنية، ويستمر عبر العصور. يُنظر إلى الغزو العربي الإسلامي على أنه على قدم المساواة مع الغزو اليوناني والروماني، أي حكم مصر من قِبل غير المصريين. يُنظر إلى عهد محمد علي ومصر الملكية نظرة إيجابية، لأنهما حفّزا تأسيس دولة قومية مصرية. تُعتبر فترة ما بين الحربين العالميتين عصرًا من التقدم نحو التحرر والديمقراطية، انتهى بصعود الناصرية القومية العربية وانقلاب عسكري أدى إلى إقامة نظام استبدادي .بالنسبة للقمني، ازدهرت الثقافة المصرية في كل مرة نجح فيها المصريون في خلق استقلالهم الذاتي وثقافتهم التعددية.

يتحدى سياق أعمال القمني التصورات القومية العربية والإسلامية للماضي، وذلك من خلال إعادة بناء بديل ليبرالي قومي. يمثل فكره أيديولوجية ليبرالية شاملة تُصاغ من خلالها مفاهيم التراث والأخلاق والدين والهوية والديمقراطية والقومية.

***

.....................

* محاضر اول في الجامعة العبرية بالقدس، قسم العلوم السياسية.

المصادر:

Academia.edu.

سيد القمني، رب الزمان، مؤسسة هنداوي، القاهرة، مصر، 1996 .

سيد القمني، حروب دولة الرسول، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر،  1993.

سيد القمني، النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر، 1996.

هل هو الدراسة أم الثروة؟

في سياق الدراسات الإنسانية والنفسية، يُعد السؤال عن مفتاح السعادة للإنسان واحداً من أكثر الأسئلة إثارةً للجدل والتأمل، حيث يتقاطع فيه الفلسفي مع الاجتماعي والاقتصادي، ويعكس تنوع التجارب البشرية عبر العصور. السعادة، كمفهوم، ليست مجرد حالة عابرة من الرضا أو الفرح، بل هي حالة شاملة من التوازن الداخلي والانسجام مع الذات والمحيط، تتجاوز اللحظات المؤقتة لتصبح نمط حياة مستدام. منذ أيام الفلاسفة اليونانيين القدماء، الذين ربطوا السعادة بالفضيلة والمعرفة، وحتى العصر الحديث الذي يربطها بالإنجازات المادية، يظل السؤال قائماً: هل مفتاح السعادة يكمن في الدراسة والتعليم، الذي يبني الوعي والقدرات الفكرية، أم في الثروة والغنى، الذي يوفر الرفاهية والأمان المالي؟ هذه الدراسة تسعى إلى استكشاف هذا الجدل من منظور أكاديمي معمق، مسترسل في تحليل الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية، لنصل إلى فهم أعمق لما يشكل السعادة الحقيقية، مع الاعتراف بأنها ليست مطلقة بل نسبية تختلف باختلاف السياقات الثقافية والفردية.

لنبدأ بفحص دور الدراسة كمفتاح محتمل للسعادة. الدراسة، كعملية مستمرة للاكتساب المعرفي، تمثل أداة أساسية للتنمية الشخصية، حيث تفتح أبواباً لفهم العالم والذات بشكل أعمق. من الناحية النفسية، ترتبط الدراسة بالإحساس بالإنجاز والتقدم، فالإنسان الذي يتعلم يشعر بأنه يتطور، مما يعزز من الثقة بالنفس ويقلل من الشعور بالعجز أمام تحديات الحياة. على سبيل المثال، في مجتمعات تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، يصبح التعليم مصدراً للفرص المهنية التي تؤدي إلى الاستقلالية، وهذا الاستقلال بدوره يغذي السعادة من خلال الشعور بالسيطرة على المصير الشخصي. كما أن الدراسة توسع الأفق الفكري، مما يسمح للفرد بتجربة متعة الاكتشاف والتأمل، كما في قراءة الأدب أو استكشاف العلوم، حيث تتحول المعرفة إلى مصدر فرح داخلي مستقل عن العوامل الخارجية. في السياق الاجتماعي، يساهم التعليم في بناء علاقات أقوى، إذ يمكن المتعلمين من التواصل مع الآخرين على أساس مشترك من الأفكار والقيم، مما يقلل من العزلة ويعزز الشعور بالانتماء. ومع ذلك، لا تخلو الدراسة من تحدياتها، فالضغط الأكاديمي المفرط قد يؤدي إلى الإرهاق والقلق، خاصة في أنظمة تعليمية تركز على المنافسة بدلاً من التعلم الحقيقي، مما يجعلها في بعض الحالات مصدراً للشقاء بدلاً من السعادة. إذن، الدراسة ليست مفتاحاً مطلقاً، بل هي أداة تعتمد على كيفية استخدامها، حيث تكون أكثر فعالية عندما تكون مدفوعة بالفضول الداخلي لا بالإكراه الخارجي.

من جهة أخرى، تُقدم الثروة نفسها كمفتاح بديل للسعادة، مستندة إلى قدرتها على توفير الراحة المادية والحرية في الاختيارات. من الناحية الاقتصادية، تعتبر الثروة ضماناً للأمان، حيث تلبي الحاجات الأساسية مثل الطعام والسكن والرعاية الصحية، وتتجاوزها إلى الرفاهية مثل السفر والترفيه، مما يقلل من التوتر الناتج عن القلق المالي. في مجتمعات استهلاكية حديثة، ترتبط السعادة غالباً بالقدرة على الاستهلاك، حيث يشعر الغني بأنه يمتلك الوسائل لتحقيق الرغبات الفورية، مما يولد شعوراً بالقوة والرضا. كما أن الثروة تفتح أبواباً اجتماعية، مثل الانضمام إلى نخبة معينة أو دعم الأعمال الخيرية، مما يعزز الشعور بالقيمة الذاتية والتأثير على الآخرين. ومع ذلك، تكشف الدراسات النفسية عن حدود هذا النهج، فالسعادة المرتبطة بالثروة غالباً ما تكون مؤقتة، حيث يتكيف الإنسان سريعاً مع مستويات الرفاهية الجديدة، مما يؤدي إلى ظاهرة "الدوامة الاستهلاكية" التي تطلب المزيد دون الوصول إلى رضا دائم. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي الثروة إلى العزلة، إذ يصبح الغني عرضة للشك في نوايا الآخرين، أو يفقد المتعة في الجهد اليومي الذي يمنح الحياة معنى. في سياقات ثقافية مختلفة، مثل تلك التي تؤكد على القيم الروحية أو الجماعية، قد تُنظر إلى الثروة كعبء يبعث على الحسد أو الشقاء، خاصة إذا كانت مصحوبة بفقدان التوازن بين العمل والحياة الشخصية. إذن، الثروة توفر أساساً مادياً للسعادة، لكنها لا تضمنها إلا إذا كانت مدعومة بعناصر أخرى مثل الغرض والعلاقات.

عند مقارنة الدراسة بالثروة كمفتاحين للسعادة، يبرز التباين في طبيعتهما: الدراسة تمثل استثماراً داخلياً يبني القدرات الذاتية، بينما الثروة تعتمد على عوامل خارجية قد تكون عرضة للتقلبات الاقتصادية أو السياسية. في كثير من الحالات، تكمل الدراسة الثروة، إذ يؤدي التعليم إلى فرص مهنية أفضل تؤدي بدورها إلى الغنى، مما يجعل السؤال ليس اختياراً بين اثنين بل اندماجاً. ومع ذلك، إذا أردنا تحديد أيهما أقرب إلى المفتاح الحقيقي، يميل التحليل إلى تفضيل الدراسة، لأنها توفر سعادة مستدامة مبنية على النمو الشخصي، بينما الثروة قد تكون وهماً إذا لم تكن مدعومة بمعرفة كيفية إدارتها أو استخدامها لأغراض أعلى. في السياق النفسي، يشير مفهوم "التدفق" إلى أن السعادة تنبع من الانغماس في أنشطة تحدي المهارات، وهو ما توفره الدراسة أكثر من الاستهلاك السلبي الذي قد ترتبط به الثروة. كما أن الدراسة تعزز القدرة على التكيف مع التغييرات، مما يجعلها أكثر مقاومة للصدمات مقارنة بالثروة التي قد تتبخر في أزمة مالية. ومع ذلك، في مجتمعات فقيرة أو غير مستقرة، قد تكون الثروة الأولوية الأولى لتلبية الحاجات الأساسية قبل الاستثمار في التعليم، مما يعكس نسبية المفتاح حسب الظروف.

في النهاية، يتجاوز مفتاح السعادة الحقيقي الثنائية بين الدراسة والثروة، ليشمل مزيجاً من العناصر المتكاملة مثل الصحة الجسدية والنفسية، العلاقات الاجتماعية القوية، والشعور بالغرض في الحياة. السعادة ليست في الوصول إلى هدف معين، سواء كان درجة علمية أو حساب بنكي، بل في الرحلة نفسها والقدرة على الاستمتاع باللحظة الحاضرة. إذا كانت الدراسة توفر الأدوات الفكرية لفهم هذا، والثروة الوسائل المادية لتحقيقه، فإن المفتاح الحقيقي يكمن في التوازن بينهما، مع التركيز على القيم الداخلية التي تجعل الحياة ذات معنى، مما يجعل السعي للسعادة عملية مستمرة ومتطورة تعكس جوهر الوجود البشري.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لَيْسَ التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ الإنسانية، ومَنظومةٌ لفهمِ صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها. وفي الأدب، يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ جِهةٍ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ أُخرى.

في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ، يَتجلَّى التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير، وَهُوَ حالةٌ مُستمرة مِنَ الألَمِ والمُواجَهة. الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936- 1972) لَمْ يَكُنْ يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ نَفْسِه. ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ، وتَبحثُ عَن العَدالة.

لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ. فالأماكنُ المُهدَّمةُ، والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها، والأسماءُ التي تتلاشى، لَيْسَتْ مُجرَّد رُموز، بَلْ هِيَ عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ، وتَشَظِّي هُوِيَّته. والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ. إنَّه تاريخٌ يَنْزِف، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ، تاريخٌ يَتحوَّل إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي.

على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي، نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر (1897 - 1962) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية، مُحاولًا فهم أثر العُبودية والانقسامِ الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية.

في أعماله، يتجاوز فوكنر السَّرْدَ التاريخيَّ لِيَصنعَ بُنيةً نَصِّيةً مُعقَّدة تتداخل فيها الحِكاياتُ الفرديةُ والجَمَاعِيَّة. التاريخُ بالنِّسْبةِ إلَيْه هُوَ شَبَكَةٌ مِن الأصواتِ والذاكراتِ المُتقاطعة، ومَساحةٌ لبحثِ الإنسانِ عَنْ هُوِيَّته وسط الخرابِ الأخلاقي والاجتماعي.

يَعتمد فوكنر في مُعالجةِ التاريخ على التقنياتِ السَّرْدية غَير الخَطِّية: تَعَدُّد الأصوات، الانسياب الحُر للوَعْي، التداخل بين الماضي والحاضر. هذه التقنيات تُتيحُ للقارئِ تَجْرِبة التاريخ بطريقةٍ نَفْسِيَّة ومَعرفية في الوقتِ ذاتِه، حيث لا يَكُون التاريخُ حَدَثًا مَوضوعيًّا، بَلْ حياة مُستمرة تَتَنَفَّسُ في النَّصِّ. حياة تُعبِّر عن التَّنَاقضاتِ والجُرْحِ العميقِ للمُجتمع.

مِثْل كنفاني، يَجعلُ فوكنر مِن التاريخِ مَلحمةً إنسانية، لكنْ مِنْ زاويةِ التَّفكيكِ النَّفْسِيِّ، والتَّحليلِ الاجتماعيِّ العميق.

رَغْمَ الفُروقِ الثقافيةِ والجُغْرافيةِ بَيْنَ كنفاني وفوكنر، إلا أنَّ هُناك خُطوطًا مُتوازية في تعاملهما معَ التاريخ:

1- التاريخ كَجُرْحٍ نَفْسي وجَمَاعي: في كُلٍّ مِنْ فِلَسْطين وجَنوبِ الولايات المُتَّحدة، التاريخ لَيْسَ أحداثًا فَقَط، بَلْ هُوَ أيضًا إرْثٌ مِنَ الألمِ والصَّدمةِ التي تتغلغل في الفردِ والمُجتمع.

2- التقنيات السَّرْدية للتعبير عن الذاكرة: كنفاني يعتمد على الحَكْي البسيط المَشحون بالعاطفة، بَينما فوكنر يَستخدم أساليب مُعقَّدة تَعكِس تداخلَ الماضي والحاضرِ، لكنَّ النتيجة واحدة: جَعْل القارئِ يَشعر بالوزنِ النَّفْسي للتاريخ.

3- الهُوِيَّة والانتماء: في نُصوصِ الكاتبَيْن، التاريخُ مُرتبط بالهُوِيَّة، وهذا يُشكِّل الفردَ، ويُحدِّد عَلاقته بِمُجتمعه وماضيه.

أمَّا الاختلافُ الأساسي فَهُوَ في المَنَاخِ الثقافي والسياسي. كنفاني يَكتبُ التاريخَ بِوَصْفِه أداةَ مُقَاوَمَةٍ وَصَرْخَة ضِد الظُّلْم، وفوكنر يكتبُ التاريخَ كَتَحليلٍ نَفْسي واجتماعي لِصِراعاتِ الإنسانِ معَ نَفْسِه، ومعَ الآخَرين، في بيئةٍ مَشحونة بالذَّنْبِ والانعزالِ.

مُعالجة التاريخ عِند كنفاني وفوكنر تُؤَكِّد أنَّ الأدبَ لَيْسَ مُجرَّد تَوْثيق، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية وَوِجْدَانية وفِكْرية. كِلاهُما يُحوِّل الماضي إلى حاضرٍ حَيٍّ، ويَجْعله مَحفورًا في وِجْدانِ القارئ.

كنفاني يَجعلُ التاريخَ صَرْخَةً للمُقاوَمةِ والذاكرةِ الفِلَسْطينية، وفوكنر يُحوِّله إلى صَدى نَفْسي واجتماعي يُضيء التناقضاتِ الإنسانية. والأدبُ عِندهما يُظْهِرُ أنَّ التاريخ لَيْسَ أحداثًا عابرة، بَلْ هُوَ رُوحُ الإنسانِ، وذاكرةُ الشعب، وجُروحُ الزمنِ التي لا تلتئم.

والكاتبان يُمثِّلان صَوْتَيْن مُخْتَلِفَيْن في الزمانِ والمكان، لكنَّهما يتشابهان في الاهتمامِ بالتاريخ كَحَقْلٍ مَليء بالنِّزَاعاتِ الإنسانيةِ والجُروحِ الجَمَاعِيَّة. فوكنر في جنوبِ الولايات المُتَّحدة بعد الحربِ الأهلية، وكنفاني في فِلَسْطين بعد النَّكْبَة، يُعالجان التاريخ كحاضرٍ يَطغى على الوَعْي الفرديِّ والجَمَاعِيِّ.

يُواجِه كنفاني في رِواياته تاريخَ النَّكْبَةِ والمَأساةِ الفِلَسْطينية، لكنَّه يَحْمِلُه عَبْرَ صَوْتِ المُهَجَّرِين واللاجئين، مُكَثِّفًا المُعاناة اليَومية، وَصِرَاعَ الهُوِيَّةِ الضائع بَيْنَ الحَنينِ للأرضِ والفِقْدانِ القَسْرِيِّ.

وفي رِواياتِ فوكنر، يتشابكُ الزمنُ معَ تقنيات الوَعْي الداخلي، وتُستعاد الذكريات في ضَبابها لتشكيلِ فَهْمٍ مُركَّب للهُوِيَّةِ الجَنوبيةِ المُمزَّقة بَيْنَ العُبوديةِ والحربِ الأهلية.

وَيَربطُ بَيْنَ الكاتبَيْن إدراك أنَّ التاريخ لَيْسَ مُجرَّد خَلْفية للأحداث، بَلْ قُوَّة حَيَّة تُشكِّل الوَعْيَ، وَتَفْرِض على الأفرادِ والشُّعوبِ مُوَاجَهَتَه،وإعادة رِوايته بشكلٍ يُوازن بَيْنَ الواقعِ والذاكرةِ، بَيْنَ الألمِ والبحثِ عَن المَعْنى.  

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار عبر الشاشات، وتُختصر العناوين في إشعارات الهواتف، بدا المشهد الفرنسي مختلفاً وهو يمنح وساماً رسمياً لبائع صحف متجوّل. لم يكن الحدث سياسياً ولا عسكرياً ولا علمياً، بل إنسانياً خالصاً، إذ قلد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء الماضي، بائع صحفٍ مخضرماً وسام الاستحقاق الوطني برتبة فارس. ومثل هذا الخبر قد يمر مروراً عابراً في نشرات الأخبار، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أعمق من مجرد تكريم فرد. إنه احتفاء بمهنة، وبذاكرة مدينة، وبعلاقة حميمة بين الناس والورق.

أمضى علي أكبر، وهو من أصل باكستاني، أكثر من خمسين عاماً في شوارع باريس يبيع الصحف للناس. ولد في شمال باكستان أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وانتقل إلى باريس في عام 1973 بحثاً عن حياة أفضل، ليدخل مهنة بيع الصحف في أحد أحياء العاصمة. وسرعان ما أصبح شخصية مألوفة لدى سكان المدينة وزائريها. يقرأ عناوين الصحف بأعلى صوته، ويوزّعها على المقاهي والمارة، بروح من الدعابة والمحبة والدفء الإنساني، حتى غدا آخر بائع صحف متجول في باريس، وربما في فرنسا بأكملها، بعد أن انقرضت هذه المهنة تقريباً بفعل التطور التكنولوجي والتحول الرقمي. وكان من اللافت أن يصفه ماكرون بأنه " أكثر الفرنسيين فرنسياً "، و" صوت الصحافة الفرنسية "، في إشارة إلى أن الصحف الورقية لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل جسراً يومياً للتواصل بين الناس، ونبع حياة اجتماعية في المقاهي والشوارع. وتكريم كهذا يقول أن المهن البسيطة في ظاهرها قد تكون عظيمة في أثرها، فبائع الصحف ليس حلقة تجارية فحسب، بل حلقة ثقافية. بين يديه تمرّ عناوين السياسة والفكر والأدب والفن، ومن " بسطيته " الصغيرة تبدأ رحلة الخبر نحو عقل القارئ. إنه أحد آخر الحراس الواقفين على بوابة الورق.Screenshot

في عالمنا العربي، حيث تتراجع الصحافة الورقية تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والتحولات الرقمية، يبدو هذا الوسام رسالة رمزية بليغة، فالصحيفة ليست مجرد سلعة، بل تقليد مدني، وطقس يومي، وذاكرة ملموسة. رائحة الحبر، خشخشة الصفحات، طيّ الجريدة ووضعها تحت الإبط، كل ذلك ليس حنيناً رومانسياً فحسب، بل جزء من تاريخ المعرفة الحديثة. وكثيراً ما يحمّل صحفيون مخضرمون، تراجع الصحف الورقية لغياب مؤسسات توزيع فاعلة، واختفاء باعة الصحف المتجولين من الشوارع والتقاطعات، وهذا ما أضر بالصحف الورقية، وليس العصر الرقمي وحده.

يظل علي أكبر ليس مجرد بائع صحف، بل صوتاً حياً لحقبة إعلامية تحوّلت مع الزمن، ودليلاً على أن للصحافة الورقية إرثاً ثقافياً وإنسانياً لا يمكن تجاهله حتى في عصرنا الرقمي المتسارع . والطريف أنه، رغم اقامته الطويلة في باريس، لم يحصل بعد على الجنسية الفرنسية، وهو يأمل - كما يقول - أن يساعده هذا التكريم في تحقيق حلمه بالحصول عليها .

***

د. طه جزّاع – كاتب أكاديمي

 

إنَّ الخطأ، والنسيان، والزيادة والنقصان، أدواء تَعْتَوِر المكتوب كما تَعْتَوِر المرويَّ شفويًّا.  بل قد يكون ما يَعْتَوِر المكتوب من ذلك أكثر وأفسد للنصِّ، وإنمَّا مزيَّة الكتابة على الرواية تكمن في مغالبتها عوامل الزمن المتطاول، بتثبيت الذاكرة في مادَّة، يُفترض أنْ تبقَى أطول مدَّةٍ لتُتوارث عبر الأجيال.  ومع ذلك، فكم في تراثنا العَرَبي من نصوصٍ مكتوبةٍ ضاعت؛ لأنَّها كُتِبت، ولم تُحفَظ ولم تُرْوَ!  ولو كانت مرويَّةً لبقيت منها بقايا، على أقلِّ تقدير. وحسبنا شاهدًا تاريخيَّا ما حدث جرَّاء الغزو المغولي، أو ما حدث في الأندلس، أو ما يحدث دائمًا جرَّاء الكوارث الطبيعيَّة أو الحرائق من تلف مقتنياتٍ، قد يشمل مكتباتٍ كاملة. وهكذا يتبيَّن أنَّ المسألة التوثيقيَّة تظلُّ نِسبيَّةً في المفاضلة بين الشفاهي والكتابي، والرواية والتدوين، وأنَّ من المجازفة إطلاقَ الأحكام التعميميَّة في هذا الشأن، دون دراسة كلِّ حالة بحالها، بعيدًا عن المصادرات النمطيَّة، بلا تأمُّلٍ عِلميٍّ دقيق، وتحليلٍ استقرائيٍّ شامل.

أمَّا منهاج الشَّكِّ، فمنهاجان: منهاج الشَّكِّ للوصول إلى ما يُشبِه اليقين على أساسٍ عِلمي.  وهو ما يُفهَم من المنطلقات الديكارتيَّة على حقيقتها. ومنهاج شكٍّ آخَر، هو منهاج الشَّكِّ للشكِّ.  وهو منهاجٌ مريض؛ قد ينشأ عن أسباب أيديولوجيَّة، أو قوميَّة، وبالجُملة عن قِيَمٍ عاطفيَّة، لا شأن لها بقضايا العِلم وإحقاق الحقائق. وفي ميدان الأدب، قد ينشأ الشَّكُّ- بدعوَى العِلميَّة- عن فرض مقاييس عقليَّة، أو واقعيَّة، لا صلة لها بطبيعة الأدب أصلًا. فلو فُرض منطق العقل والواقع، لساغ، إذن، أن تُنكَر نسبة معظم الأدب إلى أصحابه، بما في ذلك الأدب المعاصر. لأنَّ الخطاب الأدبيَّ خطابٌ مضادٌّ للعقل العِلمي، والواقع الاجتماعي، والبيئة المحيطة. ولولا هذا لكانت القصيدة، مثلًا، تقريرًا صحفيًّا لا شِعرًا.

وهذا اللَّون المريض من الشَّكِّ بات مضمار راكضين معاصرين، من مدَّعي البحث، من مستشرقين وعَرَب، حتى بلغ الأمر لدَى فئام منهم إلى التشكيك في تاريخيَّة بعض الأعلام(1)، والأحداث، والكُتُب، واللُّغات، والنصوص، بل التشكيك في التاريخ كلِّه؛ بذريعة أنَّ وثائقه غير كافية عِلميًّا، من وجهة نظر هؤلاء!  يكاد أحدهم يُكذِّب كلَّ روايةٍ أو خبر، مهما تواترا، أو تضافرت عليهما الأدلَّة، أو أُثبِتا بالنصوص القطعيَّة الثبوت، ما لم يكن صاحبنا قد عاش بنفسه في الماضي، وشَهِد بعينَيه، وسمع بأذنَيه، وصافح بيدَيه ذلك الماضي بتفاصيله! بل لو أنَّه عاش بنفسه في الماضي، لرأيت له في الاعتلال بحَوَص العَينَين، أو عشاهما، أو طَرَش السمع، أو عَطَب اليد، ما يتنصَّل به بُغيةَ الإنكار أو التشكيك؛ لأنَّ الغَرَض مَرَضٌ، فوق مَرَض الشَّكِّ، ولا يجتمعان والبحث عن الحقيقة المجرَّدة في غِمدٍ واحدٍ أبدًا.

ومن الطريف في هذا السِّياق أن تجد مِن هؤلاء المَرْضَى- وبعضهم قد يحمل شهادةً عُليا بزعمه- مَن يتساءل عن الشواهد الكتابيَّة عن أعلام عاشوا قبل التاريخ. نعنى قبل وجود الكتابة التي نعرفها. فتراه يتساءل مثلًا عن حقيقة شخصيَّات مثل (النبيِّ موسى)، أو (إبراهيم)، بل عن (نوح)، متسائلًا: ولِـمَ لا نجد كتابات عنهم، إنْ كانوا حقًّا شخصيَّات تاريخيَّة؟!

هكذا خاض بنا (ذو القروح) مخاضه الجديد. فقلتُ له:

-إذن، هذه محض شخصيَّات أسطوريَّة، هكذا ببساطة، لدى أولئك المؤتفكة!

-مع أنَّ تعامل الباحث هنا مع التاريخ. ولتاريخ نشوء الكتابة في العالَم مسارٌ معلوم.  والقفز على هذه الحقائق قفزٌ على العِلم والتاريخ إلى ضروب من الأساطير المعاصرة. ذلك أنَّ فَنَّ الكتابة في عصر (مُوسَى)، مثلًا، كان إمَّا بالكتابة التصويريَّة، وإمَّا بالكتابة المقطعيَّة، وربما بالكتابة الحروفيَّة الأبجديَّة. فالأُولَى: الهيروغليفيَّة التصويريَّة المِصْريَّة، والثانية: المسماريَّة المقطعيَّة العِراقيَّة، والثالثة: الأبجديَّة، التي كانت قبل القرن العاشر قبل الميلاد في بداياتها الأُولَى، وبالفينيقيَّة غالبًا، وظلَّت حينًا من الدَّهر محدودة الاستعمال، وفي الأغراض التجاريَّة أكثر من أيِّ مجالٍ آخَر.  تلك هي الضروب الثلاثة من الكتابة التي عُرِفَت في العالم خلال الحقبة التي عاش فيها (مُوسَى)، أو قُل: خلال القرن 13 و14ق.م. هذا فضلًا عمَّا قبل ذلك من حِقَب لم تعرف الكتابة. فأمَّا المسماريَّة، فبَعيدة الاحتمال جِدًّا في استعمال (مُوسَى) و(بني إسرائيل) في ذلك الطَّور المبكِّر. واحتمال الكتابة بالأبجديَّة الرمزيَّة الحروفيَّة يبدو أبعد من المسماريَّة؛ لتأخُّر نشوئها قياسًا إلى عصر (مُوسَى)، أو تأخُّر انتشارها.(2) وعلى افتراض أنها قد عُرِفت الكتابة الأبجديَّة في عصره، فلا بُدَّ أنها كانت نادرةً جدًّا ومحدودة الأغراض.(3) فإنْ كانت من كتابةٍ في بني إسرائيل إذ ذاك، فبالكتابة التصويريَّة المِصْريَّة.  و«التوراة» تشير إلى أنَّ وسيلة الكتابة كانت النقش على الحجَر.(4) وعلى هذا قِسْ تصوُّرك لتلك المجاهل من التاريخ السحيق، التي يُصِر بعضٌ على وجود وثائق مكتوبة عنها، وإلَّا حكمَ بأن أخبارها من قبيل الأساطير.

-ومؤدَّى ذلك أنَّ الاعتماد الأكبر خلال تلك الأزمان كان بالضرورة على الحِفظ والترديد، حسب الثقافة الشفاهيَّة البدائيَّة.

-ومثالب الذاكرة الشفاهيَّة، والرواية السماعيَّة، وعيوب آليَّاتها معروفة، وهي قابلة للخلط والنسيان، والإضافة والنقصان.(5) وهي إلى ذلك جماعيَّةٌ، تذوب فيها الفرديَّة غالبًا في اللِّسان الجمعي.  ولذا كانت عوامل الاضطراب متضافرةً جدًّا، وأسباب الضياع كثيرة، وطُرق التناقض واردة، وبخاصَّة مع عدم الاستقرار، ونزول الكوارث التي تتتالَى على الناس، وناهيك بهذا كلِّه من أسبابٍ لغياب الشواهد التوثيقيَّة.

-وما تلك الأسفار المسطورة في مجلَّدها الضخم، بين دفَّتَي ما يُسمَّى «العهد القديم»؟

-ما هو إلَّا نتاج قرونٍ لاحقةٍ من التدوين التاريخي الجماعي؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سجلَّات الذاكرة.

-ومع هذا، سترى، وَفق هذا السياق، مشهدًا لظاهرة أراها في تفاقم، خلال السنوات الأخيرة.

-وما ذاك؟

-أعني كثرة المُثَرثرين عن عوالم الغيب، والعجائب، وأسرار الإنسان، والكون. ولا سيما من فئة الشباب، وتصدُّر النساء هذا المضمار، على نحوٍ لافت، وغير مسبوق. خائضين في موضوعات مثل: «المفتاح السحري لتحقيق ما تريده»، «أسرار الكون وحقيقتك من خلال التعرُّف على السِّرِّ القديم»، «الاستقبال اللَّا محدود: تمرين عملي لزيادة الرزق والبركة في حياتك»، «لتدخل حياتك المعجزات»، «من أين جئنا؟ قصة بدايتنا مع الخالق قبل التقمُّص»، «سِرٌّ من أسرار عالم الغيب: البُعد الأعلى- كيف تتصل بعالم الغيب؟»، «كلُّ شيءٍ من جوهر واحد، يُدرِك ذلك بالوجدان في لحظة اتصال حقيقي»، «ما الشيء الذي يقف حائلًا بينك وبين رزقك؟»... إلخ.

-حسبك حسبك من هذا الهُراء!

-ويُلحظ أنَّ معظم هذا الضخِّ من الكهانة الجديدة يأتي عبر وسائل التواصل من بلدان عربيَّة بعينها أكثر من غيرها. وهي خطابات تنطلق غالبًا من منطلقات دِينيَّة. مع أنَّ المتصدِّرين فيها لا يُحسنون قراءة آيةٍ قرآنيَّةٍ دون لحنٍ أو خطأٍ لُغويٍّ، يَدُلَّان على أنْ لا علاقة لهؤلاء بما يقولون، لا من حيث النص، ولا من حيث القراءة، ولا من حيث فهم النصوص، فضلًا عن تفسيرها أو تأويلها!

-ويزيد الطِّين بِلَّة توظيف ما يُسمَّى (الذَّكاء الاصطناعي) صوتيًّا لتسمع لغةً منكرة، لم يسبق للعَرَبيَّة أن عرفتها، حتَّى في قراءة «القرآن». وهذه آفة عربانيَّة مبتدعة عبر ما يُسمَّى الذَّكاء الاصطناعي! وبذا يُدلي الذكاء الاصطناعي بدلوه في إفساد ما تبقَّى من اللُّغة العَرَبيَّة، وإفساد الذائقة واللِّسان، لدى الناشئة وغير الناشئة!

-يبدو أنَّ لديك ثأرًا، يا (ذا القُروح)، مع الذَّكاء الاصطناعي. ولسان حاله يقول لك:

ترفَّـقْ عَـذُولِـي، فمـاذا الصِّـِياحْ

على (GPT) في حِـمَى العُرْبِ طاحْ؟!

لكن هل الظاهرة جديدة؟  أم أنَّ وسائل المتابعة المستجدَّة الراهنة هي الجديدة؟ فأبرزتها، وأتاحت متابعتها، وإنْ دون قصد؛ إذ صارت تقتحم عليك عينيَك أنَّى اتجهتا؟  تُرى أهي تأتي بحثًا عن الشهرة؟  أم عن انشغالٍ حقيقيٍّ بتلك القضايا المثارة؟  أ وَتدل على فراغ أم على امتلاء؟

-لا، ليست بجديدة، بل هي ظاهرة ثقافيَّة قديمة، لكن التقنية اليوم تروِّج لها. وتمثِّل تأرجح الذِّهن بين اليقين المطلَق والشَّكِّ المطبِق، وكلاهما مرضٌ ثقافي. ونحن هنا لا نقصد بالضرورة تلك البثوث المتعلِّقة بالتبشير، أو التنفير، أو التشكيك، أو السياسة، أو نحوها من خطابات الصِّراع الفكري والدِّيني، ذات المآرب الواضحة؛ دعوةً للناس للاصطفاف في صفٍّ معين، ومناصبة صفٍّ آخَر العداء.  بل بعضها خطابات تبدو بريئة، سِوَى ممَّا قد تكتنفها من الرغبات في الإثارة والصِّيت. وهكذا تلحظ أنَّنا أمام عصر شفويٍّ جديد، عبر التقنية، لا لتوثيق المعلومات، بل لنشر الأفكار الجماهيريَّة، المعبَّأة بهدف تحشيدٍ ما. ولا سبيل إلى مكافحة مثل هذا الوباء إلَّا بنشر الكلمة الصحيحة، والفكرة العِلميَّة، وهما كفيلتان ببثِّ الوعي، وإيصاد نوافذ العقول عن عجاج السنين والساحات. فالعُملة الجيِّدة في عالَم الأفكار تطرد العُملة الرديئة، بخلاف ما يزعمه الاقتصاديُّون في عالَم المال؛ من حيث إنَّ عُملة الأفكار تتعامل مع عقل الإنسان، والأصل في عقل الإنسان البحث عن الحق، ما لم يكن العقل نفسه قد تُودِّع منه، ففقد هويَّته. وهنا تأتي مسؤوليَّتا التعليم والإعلام.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

........................

(1)  بل من طرائف هذا المِراء أن يصل الأمر إلى ما قد يُطرَح من تساؤلات معاصرة حول تاريخيَّة شخصيَّة (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)، أو تاريخيَّة «القرآن»، والزعم أنَّ ذلك كلَّه صناعةٌ عباسيَّة! وإنْ كان هذا أصلًا محض تقليدٍ استنساخيٍّ أعمَى واستيرادٍ تقليديٍّ رخيص. وجَدوا مثل هذا مطروحًا في الغرب حول شخصيَّة (السيِّد المسيح، عليه السلام)، فقالوا: لماذا لا ننقل هذا إلى ساحة الإسلام أيضًا؟ وقد يأتي مثل هذا الاستيراد (الموازي والمقرصَن) بأيدي مسيحيَّة، دفاعًا عن طريق الهجوم، وإنْ على غير عدو، لكن لتتساوى الرؤوس! في غفلةٍ عن الفارق البيِّن بين تاريخٍ مغرقٍ في القِدَم- اكتنفه الغموض، وانقطاع التواتر التوثيقي، والغُلوُّ الفاحش، والأَسْطَرة؛ فهو لذلك يحتمل التساؤل- وتاريخٍ واقعيٍّ، متواتر التوثيق، روايةً وكتابةً وشواهد، لا يعدو التشكيك فيه، والحالة هذه، ضربًا من مسرحيَّات العَبَث واللَّا معقول، تليق بـ(صموئيل بيكيت)، لا بالعِلم وأهله.

(2)  يُنظَر ما جاء تحت عنوان «التوراة في ضوء تاريخ الكتابة»، الفَيفي، عبدالله بن أحمد،(2019)، تاريخ بني إسرائيل وجزيرة العَرَب، من التَّاريخ الميثولوجي إلى الجغرافيا الهرمنيوطيقيَّة: مُراجعاتٌ منهاجيَّةٌ في نماذج تاريخيَّة مُعاصرة (مع ترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو)، (الأردن: عالم الكُتب الحديث)، 373- 000.

(3)  عُثِر على ألفبائيَّتين بدائيَّتَين، بسيطتَين ومحدودتَي الانتشار، تعودان إلى بضعة قرون قبل الألفبائيَّة الفينيقيَّة، هما (كتابة طُور سيناء)، والكتابة (الأوغاريتيَّة). الأُولى بالكنعانيَّة القديمة، عُثِر عليها في (شِبه جزيرة سيناء)، في (سرابيط الخادم)، اختُلِف في تاريخها، فهناك مَن أعادها إلى القرن 19ق.م، ومَن لا يراها تتعدَّى في قِدَمها القرن 15ق.م.  كما عُثِر على هذا النَّمَط من الكتابة في بعض أماكن من جَنوب (فِلسطين). أمَّا الأوغاريتيَّة، فبالكنعانيَّة القديمة أيضًا، وعُثِرَ عليها في تلٍّ بقرية (رأس شُمرة)، على ساحل (البحر الأبيض المتوسِّط)، شَمالي (اللَّاذقيَّة)، في (سُوريَّة). وتعود إلى القرن 15 أو 14ق.م.  وهي كتابة تستعمل المسماريَّة في شكل الحروف، وإنْ لم تكن مسماريَّةً مقطعيَّة. (يُنظَر: سوسة، أحمد، (1973)، العَرَب واليهود في التاريخ: حقائق تاريخيَّة تُظهرها المكتشفات الآثاريَّة، (دمشق: العربي)، 130- 133، 461). غير أنَّ هاتين الألفبائيَّتَين البدائيَّتَين المحدودتَين لم تحظيا بالانتشار كالألفبائيَّة الفينيقيَّة. وبذا فإنَّ استعمال كتابة طُور سيناء في تدوين «التوراة» ربما عُدَّ محتملًا، وإنْ كان استعمالهم الكتابة التي جاؤوا من بيئتها الثقافيَّة، وهي (الهيروغليفيَّة) المِصْريَّة، يظلُّ الأرجح.

(4)  يُنظَر: سِفر الخُروج، 24: 12.

(5)  يُنظَر في هذا مثلًا: (Lord, Albert, The Singer of Tales؛ أونج، والتر ج، الشفاهيَّة والكتابيَّة).

نحن نحدق طويلا في تاريخ الصلاحية المطبوع على علبة طعام محفوظ، ونسال بقلق عن بلد المنشأ، كانما نخشى ان يتسرب الينا الفساد من طعام فاسد. نتحرى، ندقق، ونعيد العلبة الى الرف ان شككنا في يوم واحد زائد عن عمرها المسموح.

لكننا، على نحو يثير الدهشة والقلق معا، نبتلع الافكار كما هي، بلا سؤال، بلا فحص، وبلا ادنى ارتياب.

الافكار لا تحمل تاريخ انتاج، ولا تلصق على جبينها بطاقة تحذير تقول، صنعت في زمن القهر، او نشات في بيئة الخوف، او صالحة للاستعمال في عصور الجهل فقط.

ندخلها الى عقولنا بثقة عمياء، ونسمح لها ان تعيد ترتيب وعينا، وان تشكل احكامنا، وان تحدد مواقفنا من الانسان والحياة والاختلاف.

كم من فكرة فاسدة عاشت فينا اطول من اي منتج منتهي الصلاحية؟

وكم من معتقد عتيق نجا من المساءلة لانه قدم لنا في غلاف مقدس، او ورثناه دون ان نجرا على مساءلة اصله وسياقه وضرورته؟

الفكرة التي لا نعرف تاريخها، تشبه طعاما بلا مكونات. قد تشبع لحظة، لكنها تسمم على المدى البعيد.

والفكرة التي نجهل بلد منشئها، قد تكون ابنة ظرف سياسي، او اداة سلطة، او نتاج خوف جماعي، لكنها تقدم لنا باعتبارها حقيقة ابدية.

المجتمعات التي تخاف من فحص الافكار، تصاب بتسمم عقلي مزمن، لا يظهر فجاة، بل يتراكم في السلوك، في اللغة، في نظرتنا للاخر، وفي قدرتنا على التفكير الحر.

وحين نرفض مراجعة الافكار، نحول عقولنا الى مخازن لكل ما هو منتهي الصلاحية، ونستغرب لاحقا لماذا نمرض، ولماذا نعجز عن التقدم.

الفلسفة، في جوهرها، ليست ترفا ذهنيا، بل جهاز فحص دقيق.

تسال عن تاريخ الفكرة، عن سياقها، عن من استفاد منها، ولماذا صمدت، وهل ما زالت صالحة لزمننا ام لا.

انها دعوة لان نقرا الافكار كما نقرا الملصقات الصغيرة على المنتجات، بحذر، وبمسؤولية، وبحق كامل في الرفض.

فالعقل الذي لا يفحص ما يدخل اليه، لا يختلف كثيرا عن جسد لا يميز بين الغذاء والسم.

واسوا اشكال الفساد، ذلك الذي لا رائحة له، ولا لون، لكنه يسكن الافكار.

لهذا لم يكن سقراط مزعجا لمدينته لانه شكك، بل لانه علم الناس ان يسالوا عن اصل الافكار قبل الايمان بها. ولم يكن كانط يطالب بالعقل الجريء ترفا، بل ضرورة اخلاقية حين قال ان التنوير هو خروج الانسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. اما نيتشه فحذر من الافكار التي تطيل عمرها بالعادة لا بالحقيقة، وتعيش فينا لاننا ورثناها لا لاننا اختبرناها.

الفكرة التي لا تخضع للنقد تتحول الى سلطة، والسلطة حين تفلت من السؤال تفسد، حتى لو ارتدت ثوب الحكمة او القداسة. وكما قال سبينوزا، فالعقل الحر هو الذي يفهم لا الذي يخضع. لذلك فان خلاص المجتمعات لا يبدا بتغيير المنتجات، بل بتجديد الافكار، ولا يتحقق بتقديس الموروث، بل بمساءلته، ولا يكتمل الا حين نمتلك شجاعة ان نلقي في سلة المهملات كل فكرة انتهت صلاحيتها، مهما كان اسمها، او قداستها، او عدد المؤمنين بها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

مفتتح: ليس خفيا على احد أن العالم يشهد اليوم تحولات عميقة و جذابة في بنية وتشكيل القوة والثروة، تحولات تختلف في عمقها عن كل ما سبق من ثورات صناعية وتقنية. لقد كانت القوة في الماضي تُقاس بما تملك الأمم من موارد طبيعية وجيوش وآلات، بينما اليوم تُقاس بما تُنتجه من معرفة، وبما تبتكره من أفكار، وبما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل هذه المعرفة إلى تكنولوجيا، وإلى نماذج تنظيمية، وإلى حلول للمشكلات المعقدة التي تواجه البشر¹. إن أهم التحولات العميقة في مطلع القرن 21 هو التحوّل الذي يُطلق عليه «اقتصاد المعرفة» لم يعد خيارًا اختياريًا للأمم التي تريد أن تحافظ على سيادتها وكرامتها، بل أصبح شرطًا وجوديًا للبقاء في قلب الحضارة الإنسانية المعاصرة².

وعالمنا العربي، الذي كان يومًا مركزًا لإنتاج المعرفة ونشرها، من بغداد العباسيين الى قرطبة الأمويين و حواضرالموحدين بالغرب الإسلامي، نجده اليوم كما قال الدكتور كمال أبو المجد أمة ترى و لا ترى (برفع الشتاء) إننا لانزال في موقع المتفرّج والمستهلك، الذي يدمن شراء ما ينتجه الآخرون، ويستورد التكنولوجيا التي يبتكرها غيره، ويُصدّر عقوله الذكية إلى الجامعات والمختبرات الغربية³. هذا الواقع المؤلم يثير إشكالات مركزية: هل يمكن للعالم العربي أن يستعيد موقعه في خريطة المعرفة العالمية؟ وما هي العوائق البنيوية التي تحول دون ذلك؟ وما هي الإمكانات الحقيقية المتاحة للنهوض؟

اقتصاد المعرفة

يُقصد باقتصاد المعرفة ذلك النمط الاقتصادي-الحضاري الذي تصير فيه المعرفة – بكل تجلياتها العلمية والتقنية والتنظيمية والإبداعية – هي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، والمصدر الرئيسي للاشكال التنافسية، والمعامل الرئيسي في تحديد مكانة الأمم ودورها في النظام العالمي⁴.

في هذا الاقتصاد، تتجاوز القيمة الاقتصادية للفكرة قيمة الآلة التي تُنتجها، ويصبح الباحث والمبتكر أكثر أهمية من صاحب رأس المال التقليدي، وتتحوّل الجامعات ومراكز البحث من فضاءات للتدريس إلى حقول إنتاج حقيقية للثروة الوطنية⁵.

هذا التحوّل ليس مجرد تطوّر تقني أو اقتصادي محدود، بل هو إعادة تشكيل عميقة للبنية الحضارية: في طريقة التعليم، وفي نوعية النخب، وفي شكل المؤسسات، وفي توزيع السلطة والنفوذ⁶. لأن الدول التي تملك أكبر احتياطيات النفط لم تعد بالضرورة الأقوى، بل تلك التي تملك أكبر عدد من الباحثين المتميزين، وأفضل الجامعات، وأكثر براءات الاختراع، وأقوى النظم التعليمية القادرة على تحويل الأجيال الجديدة إلى عقول مبدعة وناقدة ومنتجة⁷.

هنا يتحدد التحدي الأكبر للعالم العربي: كيف ينتقل من اقتصاد ريعي يعتمد بشكل أساسي على استخراج الموارد الطبيعية وتصديرها، إلى اقتصاد منتِج يعتمد على العقول والأفكار والابتكارات؟ وكيف يتحوّل من مستهلك سلبي للتكنولوجيا إلى منتج فاعل لها؟⁸

العالم العربي وسلم اقتصاد المعرفة

حين نضع العالم العربي على مقياس اقتصاد المعرفة، تبرز صورة كارثية لكنها ضرورية للمواجهة الصادقة مع الذات. فالإنفاق على البحث العلمي في معظم الدول العربية لا يتجاوز 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2-4% في الدول المتقدمة⁹. وعدد الباحثين يبلغ في المتوسط 650 باحثًا لكل مليون نسمة، بينما يتجاوز 4000 في الاتحاد الأوروبي و7000 في كوريا الجنوبية¹⁰. أما براءات الاختراع المسجّلة من العالم العربي كله من طنجة الى مسقط فلا تتجاوز 1% من المجموع العالمي، بينما تسجّل دولة مثل كوريا الجنوبية وحدها أكثر من 200 ألف براءة سنويًا¹¹. والمنشورات العلمية العربية لا تتجاوز 2% من الإنتاج العلمي العالمي، رغم أن العالم العربي يضم 5% من سكان الأرض¹².

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي تعبير عن تخلف معرفي حضاري عميق يتسع يومًا بعد يوم، ويُبقي العالم العربي في موقع التابع لا القائد، والمستهلك لا المنتج، والمقلّد لا المبتكر¹³. وما يزيد الأمر خطورة أن هذه الفجوة لا تُترجَم فقط في شكل تأخّر اقتصادي، بل تتحوّل إلى نوع جديد من التبعية الحضارية يمكن تسميته بـ«الاستدمار المعرفي»: حين تصبح الأمة مجبرة على شراء التكنولوجيا من الخارج، وعلى استيراد الخبراء، وعلى التعلم بمناهج ليست من صنعها، وعلى قبول المعايير التي يفرضها الآخرون¹⁴. هذا الشكل من التبعية أخطر من الاستعمار التقليدي؛ لأنه لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل العقل والخيال والإرادة، ويجعل الأمة تفكر بلغة الآخر، وتحلم بأحلامه، وتقيس نجاحها بمعاييره¹⁵.

لماذا تأخرنا في اقتصاد المعرفة؟

يمكن إرجاع تأخر العالم العربي في اقتصاد المعرفة إلى مجموعة من العوامل البنيوية المتشابكة:

أولها وأخطرها الأنظمة التعليمية اللاواقعية و العاجزة، التي لا تزال تقوم في جوهرها على التلقين والحفظ والاستظهار، بدلًا من تنمية ملكات التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات¹⁶. الجامعات العربية تحوّلت في معظمها إلى مؤسسات تدريس فقط، لا إلى مراكز بحث وابتكار، وهي تُخرّج ملايين الخريجين بمهارات لا يحتاجها السوق ولا تتناسب مع متطلبات الاقتصاد المعرفي¹⁷.

ثاني هذه العوامل هو نزيف هجرة العقول المستمر نحو أمريكا و كندا و أستراليا و الاتحاد الاوروبي، حيث يغادر مئات الآلاف من أفضل الخريجين والباحثين العرب، بحثًا عن بيئة تقدّر الكفاءة وتدعم البحث وتحترم الحرية الأكاديمية¹⁸. الأسباب متعددة نعد منها: انخفاض الأجور، ضعف التقدير الاجتماعي، غياب بيئة البحث، نقص المختبرات والإمكانيات، القيود السياسية والبيروقراطية الخانقة، وغياب الحرية الفكرية¹⁹. النتيجة أن العقول العربية تبني حضارة الآخرين، بينما يعاني وطنها من الركود والتخلف.

ثالث هذه العوامل هو سيطرة الاقتصاد الريعي على معظم الدول العربية، وخصوصًا النفطية منها، التي بنت اقتصاداتها على عائدات الموارد الطبيعية لا على الإنتاج المعرفي²⁰. هذا النمط الاقتصادي لا يحفّز الابتكار، ولا يشجّع البحث، ولا يستثمر في العقول؛ لأن الثروة تأتي بلا جهد إنتاجي حقيقي. والأخطر من ذلك أن الاقتصاد الريعي يُنتج عقلية ريعية: انتظار الفرص الجاهزة، والاعتماد على الآخر، وغياب روح المبادرة والمخاطرة²¹.

رابع هذه العوامل وربما أعمقها هو تقييد الحريات الأكاديمية، فلا يمكن أن يزدهر البحث العلمي والابتكار في بيئة تقمع حرية التفكير²². الجامعات العربية تعاني من رقابة على المناهج، وتدخلات سلطوية في تعيينات الأساتذة، وخوف من المواضيع الحساسة، ومناخ عام لا يشجع على المساءلة والنقد.

بينماالإبداع يحتاج إلى حرية: حرية السؤال، وحرية الشك، وحرية التجريب، وحرية الخطأ. وهذه كلها نادرة في كثير من الفضاءات الأكاديمية العربية²³.

آفاق النهوض باقتصاد المعرفة عربيا

رغم سوداوية الصورة العربية فيما يرتبط بإقتصاد المعرفة، إلا أن هناك إمكانات حقيقية وفرصًا واعدة يمكن التأسيس عليها. فالعالم العربي يمتلك ثروة بشرية هائلة: ملايين الشباب المتعلمين، المتصلين بالإنترنت، القادرين على التعلم الذاتي، والمنفتحين على العالم²⁴. هذا الجيل يمكن أن يكون المحرك الحقيقي للنهضة المعرفية، إذا وُفّرت له البيئة المناسبة. كما أن الثورة الرقمية أتاحت فرصًا غير مسبوقة: التعليم عن بُعد يتيح لأي شاب أن يتعلم من أفضل الجامعات العالمية، وريادة الأعمال الرقمية تسمح لأي مبدع أن يطلق مشروعه بتكلفة منخفضة، والاقتصاد الإبداعي يفتح مجالات واسعة في المحتوى الرقمي والتطبيقات والتصميم و الإدارة و الهندسة بشتى مجالاتها²⁵.

وهناك أيضًا تجارب عربية رائدة بدأت تشق طريقها نحو اقتصاد المعرفة، وخصوصًا في دول الخليج. التي رفعت بعضها الإنفاق على البحث والتطوير إلى 1.75% من الناتج المحلي، على سبيل المثال لا الحصر المملكة العربية السعودية سجلت زيادة 17.4% في الإنفاق على البحث العلمي في سنة واحدة، وقطر دخلت ضمن قائمة أفضل 50 دولة في مؤشر الابتكار العالمي²⁶. هذه التجارب تُثبت أن الإرادة السياسية والاستثمار الجاد يمكن أن يُحدثا تحولًا حقيقيًا.

استراتيجيات اللحاق بمضمار اقتصاد المعرفة

لاشك بأنه لا نهضة حقيقية بلا إصلاح تعليمي عميق مدخله الانتقال من الحفظ إلى التفكير، ومن التلقين إلى الإبداع، ومن الانفصال عن الواقع إلى الارتباط بحاجات المجتمع والاقتصاد²⁷. ويجب أن يبدأ هذا الإصلاح من التعليم المبكر، لأن بناء العقل النقدي لا يمكن أن يتأخر إلى الجامعة. كما يجب ربط التعليم بسوق العمل، بحيث تُخرّج الجامعات كفاءات يحتاجها الاقتصاد المعرفي، لا عاطلين عن العمل يحملون شهادات لا قيمة لها²⁸.

ويجب أن تعمل الدول العربية الجادة على اطلاق برامج جادة لاستعادة الكفاءات المهاجرة، من خلال توفير رواتب تنافسية، وبيئة بحثية محترمة، وحرية أكاديمية حقيقية، وتكريم اجتماعي للعلماء والباحثين²⁹. كما يجب مضاعفة الإنفاق على البحث العلمي عدة مرات، ورفعه إلى 2% على الأقل من الناتج المحلي، وإنشاء مراكز بحث متقدمة في المجالات الاستراتيجية كالذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة والتكنولوجيا الحيوية³⁰.

ولن يكون هناك اقتصاد معرفي حقيقي بلا حرية: حرية الباحث في اختيار موضوعاته، وحرية الأستاذ في التدريس، وحرية الطالب في السؤال، وحماية الجامعات من التدخلات الخارجية، وتشجيع ثقافة النقد والمساءلة³¹. كما يجب إشراك القطاع الخاص في هذه المعركة، من خلال تشجيع الشركات على الاستثمار في البحث والابتكار، ودعم الشركات الناشئة، وخلق حاضنات ومسرّعات أعمال في المجالات التكنولوجية³².

مستخلص

عالمنا العربي اليوم أمام خيار مصيري: إما أن ينهض ويدخل عصر اقتصاد المعرفة بقوة وجدية، وإما أن يبقى على الهامش، يتفرج على الآخرين وهم يصنعون المستقبل. الخيار الأول صعب، يتطلب إرادة سياسية قوية، واستثمارات ضخمة، وإصلاحات عميقة، وتغييرًا في العقليات³³. لكنه ليس مستحيلًا؛ فالتاريخ يشهد أن أممًا كانت متخلفة قبل عقود استطاعت أن تتحول إلى قوى معرفية واقتصادية عالمية. الخيار الثاني سهل، لا يتطلب جهدًا: الاستمرار في الاستهلاك والاعتماد على الريع وتصدير العقول واستيراد التكنولوجيا. لكن نتيجته واضحة: التهميش الحضاري، والتبعية الدائمة، وفقدان السيادة³⁴.

ما يُطمئن أن العالم العربي لم يكن يومًا عاجزًا عن الإبداع. حين أُتيحت الفرص، وتوفرت البيئة، أنتج علماء وفلاسفة ومفكرين غيروا وجه التاريخ. المشكلة ليست في العقل العربي، بل في البيئة والنظام والإرادة³⁵. اليوم، الفرصة لا تزال قائمة، لكنها فرصة لن تدوم طويلًا. حركة التغيير في العالم تتسارع، والفجوة تتسع، والوقت ينفد. اقتصاد المعرفة ليس لهوا فكريًا، بل ضرورة بقاء. والسؤال الحقيقي ليس: «هل نستطيع؟»، بل: «هل نريد حقًا بناء اقتصاد معرفي؟»³⁶.

***

مراد غريبي

.......................

الهوامش

1.  محمد عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً لإعادة تعريف السلطة والتأثير"، الاقتصاد الرقمي العربي، 11 أكتوبر 2025، ص 3.

2.  نبيل جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي في الوطن العربي: الفرص والتحديات"، مجلة الباحث، العدد 7 (2010): ص 47.

3.  "هجرة العقول العربية"، موقع علوم اليمن، ص 2.

4.  مركز الملك فهد الثقافي، الاقتصاد المعرفي (الرياض: مركز الملك فهد الثقافي، 2018)، ص 17.

5.  جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 48.

6.  عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 5.

7.  المرجع نفسه، ص 6.

8.  جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 51.

9.  المرجع نفسه، ص 53.

10.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 8.

11.   صالح المطيري، "الابتكار أو الاندثار: البحث العلمي العربي واقعه وتحدياته"، الجمعية الكويتية لحماية البيئة، 25 يوليو 2018، ص 4.

12.   المرجع نفسه، ص 5.

13.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 55.

14.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 9.

15.   المرجع نفسه، ص 10.

16.   عبد الله الجبوري، "مجتمع الاقتصاد المعرفي وآفاق الذكاء الاصطناعي في عالمنا العربي"، موقع كتابات، 15 مارس 2024، ص 3.

17.   "تحديات المستقبل: الاقتصاد المعرفي والبطالة"، الرابطة العربية للتربويين التنويريين، 12 نوفمبر 2025، ص 6.

18.   رياض القاسم، "هجرة الأدمغة العربية: الأسباب والحلول"، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد 6، العدد 2 (أكتوبر 2020): ص 232.

19.   "هجرة العقول العربية"، ص 3.

20.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 57.

21.   المرجع نفسه، ص 58.

22.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 11.

23.   الجبوري، "مجتمع الاقتصاد المعرفي"، ص 7.

24.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 12.

25.   المرجع نفسه، ص 13.

26.   المرجع نفسه، ص 14.

27.   "تحديات المستقبل: الاقتصاد المعرفي والبطالة"، ص 9.

28.   المرجع نفسه، ص 10.

29.   القاسم، "هجرة الأدمغة العربية"، ص 238.

30.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 60.

31.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 15.

32.   المرجع نفسه، ص 16.

33.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 61.

34.   المرجع نفسه، ص 62.

35.   المطيري، "الابتكار أو الاندثار"، ص 11.

36.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 18.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تقنية تُيسّر تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبح مرآة كبرى تعكس أسئلة الإنسان عن ذاته، حدود تفكيره، ومصير وعيه في عالم تُدار مفاصله بخوارزميات دقيقة. ففي هذا العصر الرقمي المتسارع، لم يعد السؤال المطروح: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل صار السؤال الأعمق: ماذا يفعل بنا؟ وكيف يعيد تشكيل طرائق تفكيرنا، حدود وعينا، ومعنى إنسانيتنا ذاتها؟

إن التفكير في الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تفكير في الإنسان: في امتداداته المعرفية، في مسؤوليته الأخلاقية، وفي موقعه داخل عالم لم تعد فيه الآلة محايدة، ولا الإنسان معفى من المحاسبة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا محايدًا في بنيته التقنية، يظل مشبعًا بخيارات بشرية، ومنظومات قيمية كامنة، وقرارات تتجاوز حدود البرمجة الصرفة.

لقد أثّر التقدّم المتسارع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تأثيرًا عميقًا في طرائق تفكير البشر وأنماط تفاعلهم مع العالم. وأثار إدماج هذه التكنولوجيا في مجالات حيوية كالرعاية الصحية والتعليم والنقل، تساؤلات جوهرية حول مستقبل الفكر البشري في عصر الذكاء الاصطناعي. ويسعى هذا المقال إلى مقاربة آثار هذه التقنية في عمليات التفكير الإنساني، وكيف يمكن لها أن تعيد تشكيل أفقنا المعرفي ومستقبلنا الوجودي.

يتمثّل أحد أبرز المخاوف المرتبطة بهذا التحوّل في احتمال أن تحلّ التكنولوجيا محلّ القدرات المعرفية الإنسانية. فمع التطوّر المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي، يتنامى القلق من اعتماد الإنسان المفرط عليها، بما قد يفضي إلى تآكل مهارات التفكير النقدي والاستقلالي، وانحسار الإبداع والابتكار، حيث يتحوّل الإنسان إلى مستهلك سلبي للمعلومة بدل أن يكون فاعلًا في إنتاجها وتأويلها.

غير أن الخطر الأعمق الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي لا يتعلّق فقط بإزاحة بعض الوظائف أو إعادة تشكيل أنماط التفكير، بل يمسّ سؤال المعنى ذاته. فالآلة، مهما بلغت قدرتها على المعالجة والتحليل، تظل عاجزة عن طرح سؤال «لماذا؟» بوصفه سؤالًا وجوديًا وأخلاقيًا. إنها تجيب عن «كيف» و«متى» و«بأيّ كفاءة»، لكنها لا تفكّر في الغاية، ولا تُقيم وزنًا للقيمة. ومن هنا يظلّ المعنى حكرًا على الإنسان، بوصفه كائنًا يسائل أفعاله، ويتحمّل تبعاتها، ويعيد توجيهها وفق منظومة قيمية متحوّلة.

في المقابل، لا يمكن إغفال قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز القدرات المعرفية البشرية وتوسيع آفاق الفكر الإنساني. فمن خلال أدواته المتقدّمة، أصبح الإنسان قادرًا على الولوج إلى كمّ هائل من المعارف والمعطيات التي لم يكن بلوغها ممكنًا في السابق. وهو ما قد يفضي إلى تحوّلات نوعية في البحث العلمي، وحلّ المشكلات، وصناعة القرار، بما يسهم في الارتقاء بنوعية التفكير الإنساني.

ومع ذلك، فإنّ هذا الاتّساع المعرفي يفرض تمييزًا ضروريًا بين الذكاء الحسابي والحكمة الإنسانية. فالذكاء الاصطناعي يوسّع حدود المعرفة، لكنه لا يُنتج الحكمة. والحكمة، كما أكد الفلاسفة، تقتضي تجربة إنسانية، وحدسًا، ومسؤولية، ووعيًا تاريخيًا، وهي عناصر لا يمكن اختزالها في خوارزمية أو نموذج تنبّؤي. ومن ثمّ، فإن التحدّي الحقيقي لا يكمن في تطوير آلات أذكى، بل في تربية إنسان أقدر على توظيف هذا الذكاء دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

ويتميّز الذكاء الاصطناعي كذلك بقدرته على إضفاء طابع ديمقراطي على المعرفة، عبر جعل التعليم في متناول فئات واسعة من البشر. فالأدوات التعليمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح تجارب تعلم مخصّصة تراعي الفروق الفردية، وتعيد صياغة علاقتنا التقليدية بالمعرفة، بما يمكّن الأفراد من استثمار إمكاناتهم إلى أقصى حدّ ممكن. غير أن هذا التحوّل يضع التربية أمام مسؤولية تاريخية جديدة: تربية الإنسان على ملكات السؤال، والشكّ، والتأويل، والتمييز بين المعلومة والمعنى.

فالتربية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد معنيّة بنقل المعرفة فحسب، بل بتكوين عقل ناقد قادر على مساءلة ما تقدّمه له الآلة بدل الاكتفاء باستهلاكه.

غير أن هذا الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي لا يخلو من إشكالات أخلاقية عميقة، تتعلق بتأثير التكنولوجيا في الفكر والسلوك الإنسانيين. إذ يظلّ خطر إعادة إنتاج التحيّزات الاجتماعية والثقافية قائمًا، بل قد تتكثّف داخل خوارزميات تبدو محايدة في ظاهرها. ومن هنا تبرز أهمية تحمّل المطوّرين وصنّاع القرار لمسؤولياتهم الأخلاقية، والعمل على توجيه الذكاء الاصطناعي توجيهًا واعيًا يحمي الإنسان من الانزلاقات التقنية غير المحسوبة.

وثمّة بُعد آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز التواصل والتعاون بين البشر. فبفضل التقدّم في معالجة اللغات الطبيعية والتعلّم الآلي، باتت هذه الأنظمة قادرة على تقليص الحواجز اللغوية والثقافية، وتعزيز التفاهم بين المجتمعات، بما يدعم بناء عالم إنساني أكثر ترابطًا.

كما يُنتظر أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحوّلًا عميقًا في مجال الرعاية الصحية، من خلال تحسين دقّة التشخيص وفعالية العلاج. إذ يتيح تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية استخلاص أنماط خفيّة تساعد المهنيين الصحيين على اتخاذ قرارات أدقّ وأكثر آنية، وهو ما يعزّز ثقافة القرار المستند إلى المعطيات والأدلّة.

اليوم، أصبح لعقولنا، المحدودة نسبيًا، شريك سريع يُدعى «الذكاء الاصطناعي». والسؤال الجوهري: هل يشكّل هذا التحالف إضافة نوعية أم تهديدًا مبطّنًا؟ فالذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كمّ هائل من المعلومات في زمن قياسي، والتعرّف إلى أنماط تتجاوز الإدراك البشري، وتحفيزنا على التفكير من زوايا غير مألوفة.

ومع ذلك فإن هذا «الصديق الذكي» قد يُغذّي، في الآن ذاته، نزعتنا إلى الكسل المعرفي. فالثقة المفرطة في إجابات الأنظمة الآلية، وتغاضي الإنسان عن مساءلتها أو اختبارها، قد يؤدي إلى ما يُعرف بالتحيّز للأتمتة، حيث تتآكل تدريجيًا قدرات التفكير والاستدلال الذاتي.

وفي هذا السياق، يشير غيوم ديلاكور، الرئيس العالمي لتطوير الأفراد بشركة «إيه بي بي»، إلى أن امتلاك الذكاء الاصطناعي لإجابات جاهزة يمثّل فائدة وتحدّيًا في آن واحد، مؤكدًا أن الحاجة إلى التفكير النقدي تصبح أكثر إلحاحًا في بيئة تُقدّم فيها الإجابات بسرعة ويقين ظاهريين.

كما يفرض الذكاء الاصطناعي إعادة التفكير في مفهوم العمل ذاته. فمع أتمتة عدد متزايد من الوظائف، لم يعد العمل مجرّد نشاط إنتاجي، بل أضحى سؤالًا مرتبطًا بالكرامة والاعتراف الاجتماعي. ويستدعي هذا التحوّل تفكيرًا سياسيًا وتربويًا جديدًا، يعيد الاعتبار للعمل الإبداعي والرمزي، ويبحث عن صيغ بديلة للاندماج الاجتماعي تحفظ للإنسان موقعه في عالم تتقاسمه الآلة والخوارزمية.

وفي عمق هذا التحوّل، يبرز توتّر خفي بين منطق السيطرة التقنية ومنطق الحرية الإنسانية. فكلّما ازدادت الأنظمة الذكية قدرة على التنبّؤ بالسلوك الإنساني وتوجيهه، تزايد خطر تقليص هامش الحرية الفردية. ومن هنا تكتسب مسألة السيادة الرقمية وحماية المعطيات الشخصية بعدًا فلسفيًا، لا تقنيًا فقط.

وعلى خلاف التصوّرات التشاؤمية، تكشف قراءة فلسفية شمولية للشرط الإنساني المعاصر أن الإنسان، بوصفه مبدع الذكاء الاصطناعي، لا ينفكّ يكتشف ذاته عبر هذا الامتداد العلمي والمعلوماتي. فالذكاء الاصطناعي ليس كيانًا مستقلًا، بل تجلٍّ من تجلّيات الذكاء الإنساني ذاته، فيما يشكّل الحفظ الرقمي للمعطيات استعارة حديثة لفكرة التوثيق والمساءلة.

ومن ثمّ يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يشكّل اختبارًا أخلاقيًا للحضارة المعاصرة. فهو يكشف طبيعة علاقتنا بالسلطة والمعرفة والإنسان. فإذا استُخدم أداة للتحرّر، أمكن له أن يفتح آفاقًا جديدة للعدالة والمعرفة، أمّا إذا تُرك لمنطق الهيمنة والسوق، فقد يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج اللامساواة والاغتراب.

كما يجب النظر إلى الذكاء الاصطناعي كفرصة لإعادة صياغة الثقافة الرقمية، وإرساء منظومة قيمية تحمي الإنسان من الانزلاق نحو استهلاك المعرفة بشكل آلي أو رقمي فقط.

إننا نتّجه نحو مجتمع إنساني جديد، تتداخل فيه العوالم الواقعية والافتراضية، ضمن حضارة يكون فيها الإنسان مدعومًا بالتقنية لا مستلبًا بها. فالآلة، مهما بلغت درجة تطوّرها، تظلّ أداة، ولا يمكنها أن تكون بديلًا عن الإنسان بوصفه غاية الحضارة ومرجعيتها القصوى.

يظلّ الإنسان، مهما تقدّمت الآلات وتطوّر الذكاء الاصطناعي، محورًا للمعنى وللسؤال الوجودي. فالوعي، والحرية، والمسؤولية الأخلاقية، هي مفاتيح لا يمكن لأي خوارزمية أن تحلّ محلّها. والإنسانية الحقيقية تكمن في قدرتنا على استعمال الذكاء الاصطناعي كامتداد لوعينا، لا كبديل عنه، على أن تظلّ كل خطوة في هذا الامتداد خاضعة للتأمل النقدي، والمساءلة الأخلاقية، والإبداع الوجودي. فالآلة تساعدنا على رؤية العالم أسرع، لكن الإنسان وحده قادر على تساؤل «لماذا؟» وصياغة معنى الحياة والوجود.

***

فؤاد لوطة - كاتب مغربي

 

من منطق الإغلاق إلى أفق المقاصد

يُثير السكوت التشريعي في الإسلام إشكالًا معرفيًا عميقًا طالما جرى التعامل معه بحذر أو تهميش، إذ اعتاد الوعي الفقهي قديمًا أن ينظر إلى ما لم يرد فيه نص صريح بوصفه مجالًا للاجتهاد الاضطراري أو محاولة لسدّ فراغٍ تشريعي فرضته محدودية الوقائع زمن التنزيل، وهو ما أسهم في شيوع فهمٍ اختزالي لدى بعض الخطابات المتعجلة، قوامه الاعتقاد بأن اكتمال الدين لا يتحقق إلا بكثافة القول وتضييق المساحات، وأن الصمت التشريعي علامة نقص لا مظهر حكمة.

غير أن هذا التصور، عند فحصه في ضوء بنية النص القرآني والسنة النبوية وممارسات التشريع الأولى، يكشف عن قصور منهجي بيّن، إذ يفترض أن اكتمال التشريع لا يتحقق إلا عبر الاستغراق في التفصيل، بينما تشير معطيات التاريخ والنص معًا إلى أن السكوت لم يكن عجزًا، بل اختيارًا مقصودًا، وأن ترك المساحات مفتوحة كان جزءًا من حكمة التشريع لا خللًا فيه، بل إن هذا السكوت ذاته شكّل عنصرًا ضابطًا لحركة الفهم لا ثغرة ينبغي سدّها. وهو ما أسهم لاحقًا في تغذية نزعة تقريرية لدى بعض المجدفين المجتزئين، ممن اختزلوا اكتمال الدين في كثافة القول وضيق الأفق، وتعاملوا مع الصمت التشريعي بوصفه نقصًا في البيان لا اختيارًا مقصودًا في التشريع.

فالقرآن، بوصفه النص التأسيسي الأول، لم يأتِ بمدونة قانونية تفصيلية مغلقة، بل بنسق قيمي عام، أو بنسقية تشريعية مرنة، تضع المبادئ الكبرى وتترك تنزيلها مفتوحًا لاجتهاد الإنسان في الزمان والمكان. فآيات الأحكام، على أهميتها، محدودة عددًا، وقد قدّرها الأصوليون بنحو خمسمئة آية من مجموع القرآن، وهو عدد ضئيل نسبيًا إذا قيس باتساع الحياة الإنسانية وتحوّلها المستمر.

وهذا التفاوت لا يمكن تفسيره إلا بكون النص قصد العموم والمرونة لا الاستيعاب التفصيلي، وقصد أن يكون هاديًا لا مُقيدًا، موجّهًا لا مصادِرًا. وقد عبّر الشاطبي عن هذا المعنى بوضوح حين قرر أن الشريعة «إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل، وأنها راعت الكليات قبل الجزئيات» ، وهو تقرير يجعل السكوت وظيفة تشريعية واعية، لا نقصًا في البيان ولا ضعفًا في المقصد.

ويظهر هذا السكوت المقصود في عشرات الأمثلة التي شكّلت أساسًا لاجتهادات كبرى لاحقًا، بعد أن مرّت عبر غرابيل الفهم والتأويل. فالقرآن لم يحدّد شكل الدولة، ولا نظام الحكم، ولا آليات اختيار الحاكم، مكتفيًا بمبادئ عامة كالشورى والعدل والأمانة، تاركًا تفاصيل التنزيل رهينة السياق التاريخي والواقع الاجتماعي. وقد تُرك تحديد هذه المسائل للواقع المتغير، وهو ما يفسر اختلاف التجارب السياسية الإسلامية دون إخراجها بالضرورة من دائرة المشروعية، رغم محاولات بعض المتفقهين لاحقًا تحويل هذه التجارب إلى قوالب مقدسة، بما يقود إلى زيغٍ بيّن في الخلط بين التاريخ والنص. وقد نبّه القرافي المالكي إلى هذا الخلل حين فرّق بين الأحكام المرتبطة بالمقاصد العامة، وتلك التي تتغير بتغير الأعراف والأزمنة (الفروق).

كما لم يحدّد النص شكل النظام الاقتصادي تفصيلًا، فلم يضع نموذجًا مصرفيًا، ولا نظمًا دقيقة للتجارة الدولية، ولا قواعد للملكية الحديثة، بل اكتفى بتحريم الربا، والأمر بالعدل، ومنع أكل أموال الناس بالباطل، تاركًا ما عدا ذلك للاجتهاد المتغير بحسب الأغيار وتبدّل المصالح، وهو ما قرره الحنفية بوضوح، حيث أكد السرخسي أن «النصوص محدودة والوقائع غير متناهية، فلا بد من إعمال الرأي لتحقيق مقصود الشرع» .

وفي مجال العبادات نفسها، التي يُظن عادة أنها أكثر المجالات انغلاقًا، نلحظ مساحات واسعة من السكوت، خلافًا لما يتصوره الوعي الجمعي حين يُعاد إنتاج الدين في صورة طقوس جامدة. فالقرآن لم يبيّن عدد ركعات الصلاة، ولا تفاصيل هيئاتها، ولا أوقاتها الدقيقة، بل ترك ذلك للسنة العملية، ثم ترك للسنة نفسها هامش تنوع مشروع، كما في اختلاف صيغ الأذان، أو تنوع هيئات الصلاة الثابتة في الحديث، وهو تنوع فسّره العلماء على أنه توسعة لا اضطراب. وقد قرر الإمام الشافعي أن تنوع العبادة من مقاصد الشريعة، لما فيه من رفع الحرج وكسر الجمود، وهو قول ينسف محاولات الاختزال التي يمارسها بعض المجترئين المتأولين، ممن يتعاملون مع الدين بوصفه قالبًا واحدًا لا يحتمل التعدد. وهو أصل تبناه تلامذته، كإمام الحرمين الجويني والغزالي، حين أكدا أن التعدد الفقهي ثمرة طبيعية لاجتهاد معتبر لا خللًا في الشريعة.

ويبرز السكوت التشريعي بوضوح في القضايا المستجدة التي لم يعرفها العصر النبوي، مثل العقود المركبة، والأنظمة الإدارية، والعلاقات الدولية، والطب الحديث. فلم يرد نص يمنع أو يبيح التأمين، أو الشركات المساهمة، أو التلقيح الصناعي، أو نقل الأعضاء، ومع ذلك لم يُنظر إلى هذا السكوت بوصفه نقصًا، بل بوصفه مجالًا للاجتهاد وفق مقاصد عامة، كحفظ النفس والمال. وقد قرر النسفي الحنفي أن «الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يدل دليل على التحريم»، وهو أصل يجعل السكوت دالًا لا فارغًا.

غير أن هذا الفهم المقاصدي جرى تعطيله، في حاضرنا المعيش، على يد جماعات جانحة من المتأسلمين، ممن حوّلوا السكوت إلى ساحة تجريم، والاجتهاد إلى تهمة، والنص إلى أداة إغلاق، فمارسوا أقصى درجات التصلب باسم الدين، دون وعي بالمالات ولا اعتبار للعواقب. فاختزلوا الشريعة في أوامر صلبة، وأفرغوها من بعدها الأخلاقي والإنساني. وقد نبه ابن قدامة الحنبلي إلى خطورة هذا المسلك حين قرر أن «الجمود على الظواهر مع إهمال المعاني يفضي إلى مخالفة مقصود الشرع».

وقد استند الفقهاء في ضبط هذا المجال إلى أصل معتبر، هو قول النبي ﷺ: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها»، وهو حديث يضع حدًا فاصلًا بين البيان المشروع والتكلف في ملء المسكوت عنه. كما التقط الأصوليون هذا المعنى مبكرًا كالزركشي وابن النجار من الحنابلة أن اعتبار المآلات شرط في صحة الاجتهاد، وأن الحكم إذا أدى إلى مفسدة راجحة سقط اعتباره، ولو استند إلى ظاهرٍ مجرد. وذهب ابن القيم في إعلام الموقعين إلى أبعد من ذلك حين قال إن (الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل) ، وهو قول يكشف بوضوح أن الجمود ليس وفاءً للنص، بل خيانة لمقصده.

كما يظهر السكوت التشريعي في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه من كثير من الوقائع، حيث امتنع عن إصدار حكم مباشر، تاركًا المجال للاجتهاد أو العرف. ففي حادثة تأبير النخل، حين قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، أرسى مبدأً بالغ الأهمية، مفاده أن التشريع لا يتدخل في كل تفاصيل الحياة، وأن الخبرة الإنسانية لها مجال مستقل. وفي قصة الأسرى بعد بدر، لم ينزل النص ابتداءً بحكم قاطع، بل جرى النقاش والاجتهاد، ثم جاء التعقيب القرآني لاحقًا، وهو ما يدل على أن التشريع نفسه كان يتفاعل مع الواقع لا يصادمه، وهي دلالة غائبة تمامًا عن خطاب الإغلاق المعاصر الذي تمارسه الجماعات الحركية.

فتحويل الفراغ التشريعي إلى أصل مقصود يغيّر جذريًا طريقة التعامل مع النص. فبدل أن يُنظر إلى السكوت بوصفه نقصًا ينبغي سده بأي فتوى، يصبح السكوت مساحة اختبار للعقل الأخلاقي والاجتماعي، ومسؤولية مشتركة بين النص والواقع، وحريّ بنا أن نعي هذا التحول قبل أن نغرق في فوضى الإفتاء أو في استبداد القراءة الواحدة. وهذا ما يفسر لماذا رفض كثير من الصحابة الإكثار من الفتوى، وكانوا يتحرجون من الإجابة، إدراكًا منهم أن النص لم يُرِد أن يقول كل شيء، وأن كثرة القول قد تقتل الحكمة.

ومن ثم؛ فإن مصادرة السكوت التشريعي لا تفضي فقط إلى جمود فقهي، بل تؤسس لنمط من العنف الرمزي والديني، حيث يتحول القول الواحد إلى معيار للإيمان، ويُجرَّد المخالف من شرعيته قبل مساءلته. وقد نبّه الشوكاني والشنقيطي، كلٌّ بطريقته، إلى أن تضييق دائرة الاجتهاد واحتكار الفهم هو من أعظم أسباب الانحراف باسم النص، وأن الشريعة إنما جاءت «لرفع الحرج لا لتعميقه».

وعلى النقيض من ذلك، فإن الشريعة التي تعترف بالسكوت، وتؤسسه أصلًا مقصودًا، تُنتج فقهًا يضبط القوة، ويحدّ من التوحش باسم الدين، ويعيد الاعتبار للتواضع المعرفي بوصفه شرطًا من شروط الإيمان لا نقيضًا له. ولذلك فإن الدفاع عن السكوت التشريعي ليس دفاعًا عن فراغ، بل دفاع عن أخلاق التشريع نفسها، وعن حق المجتمع في أن يفكّر دون تهديد، وأن يختلف دون أن يُدان، وأن يجتهد دون أن يُقصى.

وهكذا يغدو السكوت أحد أقوى أدوات الشريعة في مواجهة العنف، لأنه يضع حدًا لوهم الامتلاك الكامل للحقيقة، وينقل الفقه من منطق الإغلاق إلى أفق المقاصد، ومن وهم الاكتمال إلى وعيٍ تاريخي وأخلاقي أعمق.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

لا يعرف اسم فاديم زيلاند (Vadim Zealand) الحقيقي ، وهو اسم مستعار لكاتب ومفكر روسي مشهور في مجال علم الجذب وتطوير الذات،وكان مهندسا للفيزياء الكوانتية، وكاتبا ومدربا في مجال التطوير الذاتي، ومن اهم كتبه (تحول الواقع).

و فيما يتعلق بنظريته المعروفة باسم (التحول) فهي تقوم على فكرة أننا نعيش في "واقع متعدد الأبعاد و نستطيع التأثير في واقعنا من خلال القضايا الاتية:

1. التخلي عن السلبية والتركيز على ما نريده (بدلًا من التركيز على ما لا نريده).

2. استخدام الطاقة النفسية بشكل صحيح لتجنب "المعاكسات" التي تجذب المشاكل.

3. فكرة "السيناريوهات": الكون يعرض علينا سيناريوهات مختلفة، واختياراتنا تحدد أيهانعيش.

4. التوازن والحياد: عدم الانجرار وراء العواطف السلبية أو الإيجابية المفرطة.

5. "المرايا": يعكس الواقع أفكارنا ومعتقداتنا الداخلية.

تُرجمت كتبه للعديد من اللغات وحققت انتشارًا واسعًا في روسيا والعالم العربي.

ومما يؤاخذ عليه انه يستخدم مفاهيم الفيزياء الكوانتية بشكل مجازي أو غير دقيق علميًا، كما ان البعض يعد فكره مزيجًا من الروحانيات وعلم النفس أكثر منه منهجًا علميًا ، بالاضافة الى ان الاخرون يعتقدون  أن أفكاره مشتقة من نظريات قديمة (مثل قانون الجذب) ،مع هذا فشعبيته انتشرت في العالم العربي ، سيما افكار (قانون الجذب-الطاقة الكونية -تطوير الذات

والثقة بالنفس)، و من اشهر افكاره أنت لست ضحية للظروف، بل أنت من يختار الواقع الذي يعيشهعبر أفكاره وطاقته."

ويعتقد زيلاند أننا لا نعيش في كون واحد ثابت، بل في "فضاء من الاحتمالات" حيث توجد نسخلا حصر لها من الواقع متاحة لنا في كل لحظة.

يشبه الأمر بشجرة ضخمة من السيناريوهات المتوازية – كل فرع يمثل حدثًا محتملًا، ونحنننتقل بين هذه الفروع بخياراتنا وطاقتنا النفسية.

والمكونات الاساسية لنظريته تتكون من:

1. فضاء المتغيرات ، وهو مكتبة ضخمة تحتوي على كل ما يمكن أن يحدث في الماضي،الحاضر، والمستقبل ، والواقع الذي نعيشه هو فقط "مسار" واحد نختاره من هذا الفضاء.

2. "المرايا"  وكيف يعكس الواقع داخلك ، فالواقع كمرآة تعكس حالتك الداخلية (أفكارك، مشاعرك، معتقداتك).فإذا ما شعرت أنك ضحية، سيرسل الواقع لك أحداثًا تثبت ذلك، اما إذاشعرت بالثقة والاستحقاق، سينعكس ذلك في أحداث إيجابية.

وما يريده هو ان  لا تغير الواقع مباشرة، بل غير نفسك، فيتغير انعكاسك في المرآة.

3. المعاكسات– قوى الطاقة السلبية ، وهو كيان طاقي يتشكل عندما يركز مجموعة من الناسطاقتهم على فكرة واحدة (مثل دين، نظام سياسي، شركة، عرف اجتماعي) ، وهذه المعاكسات تتغذى على الطاقة الانفعالية للناس (الغضب، الحماس، الخوف) اما هدفها فهو البقاء والسيطرة، حتى لو كان على حساب أفرادها. ونصيحة زيلاند بهذا المجال هو ان لا تعطي طاقتكلها، حافظ على حيادك وعدم الانجرار.

4. الهدف. النية: وهو ما  تريده، لكنك تشعر بأنه بعيد، فترسل إشارة "نقص" للكون يبقىبعيدًا، اما النية فسوف تتصرف كأنه ملكك بالفعل، فتشعر بالاطمئنان ،عندها  يتحقق ، ويعطي مثالا

الهدف: "أريد سيارة" - تركيز على عدم امتلاكها - فستبقى بعيدة.

النية: أنا أختار واقعًا أملك فيه سيارتي- شعور بالامتلاك -فسوف تصل إليك.

آلية عمل "التحول" في الواقع:

1. اختر واقعك من "شجرة السيناريوهات

كل صباح، يستيقظ الكون ويقول لك: "هذه هي السيناريوهات المتاحة اليوم، أيها تختار؟".

إذا فكرت: "سيكون يومًا سيئًا" سوف تختار فرع الأحداث السيئة.

إذا فكرت: "سأتعامل مع ما يأتي" سوف تفتح احتمالات أفضل.

2. قانون (التخلي)

- كلما تشبثت بشيء، هرب منك (لأنك تشعُر بـالنقص).

- التخلي ليس استسلامًا، بل هو ثقة بأن ما يناسبك سيأتي.

- مثل طفل يمسك برملة: كلما أرخى قبضته، استقرت الرملة في يده.

3. الهمس الصباحي و"همس النجوم"

- الهمس الصباحي: تذكير نفسك كل صباح بأنك "سيد اختياراتك".

- همس النجوم: التواصل مع النسخة العليا منك في فضاء المتغيرات (النسخة التي حققت كلما تريده).

كيف تتحرك في هذا الواقع عمليًا؟

خطوات التطبيق:

1. حدد ما تريده

***

ا.د. رحيم محمد الساعدي

” ليست أزمة المعرفة في نقص الحقائق، بل في ضيق الأدوات التي نستخدمها لالتقاط المعنى، فالعقل قد يرى، لكنه لا يفهم إلا بحدود ما تعلّم أن يسأل عنه “.

” كل أداة معرفية تحمل داخلها تصوراً خفياً عن الإنسان والعالم، وما لا تسمح الأداة برؤيته، يُنفى خارج دائرة الفهم “ (الكاتب).

عندما تقرأ وتفهم معنى عبارة: المعرفة أسيرة أدواتها، تدرك بأنها تحذير له دلالاته ومعانيه الابستمولوجية، فالعقل الإنساني لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له أدواته أن يراه. فالإنسان لا يلمس الحقيقة بيده، بل يتوسطها بعقله، بلغته، بمفاهيمه، وبالمنهج الذي يصنع به طريقه نحو الفهم. ولأن هذه الأدوات ليست بريئة، فهي تصوغ العالم الذي تدرسه على صورتها.

حين ينظر الفيلسوف أو العالم أو الباحث إلى ظاهرة ما، فإنه يفعل ذلك من خلف منظار منهجي محدد، يوجه رؤيته ويقيدها في آن معاً. فالأداة التي تمنحنا القدرة على الفهم، هي ذاتها التي تحدد حدود هذا الفهم. فالمنهج التجريبي، على سبيل المثال، يكشف عن القوانين لكنه يسكت عن المعاني، والاستبيان الكمي يترجم التجربة الإنسانية إلى أرقام، لكنه في الوقت نفسه يختزل غناها الرمزي والعاطفي. وهكذا، تتحول المعرفة شيئاً فشيئاً إلى انعكاس للمنهج الذي صنعت به، لا للواقع كما هو في ذاته.

في هذا السياق، ليست المشكلة في الأدوات بحد ذاتها، بل في وعينا بها. فحين يظن الباحث أن أدواته محايدة، يقع في فخ خفي من الهيمنة، لأن كل أداة تحمل في طياتها تصوراً للعالم، وللإنسان، ولما يعتبر " معرفة " أصلاً. ومن هنا ينبع البعد السوسيولوجي للعبارة: فالأدوات التي ننتج بها معرفتنا ليست معزولة عن بنية المجتمع الذي أنشأها. إنها تعبر عن قيمه، وعن مصالحه، وعن توازنات القوة فيه.

فالمجتمع الصناعي المتقدم، مثلاً، أنشأ أدوات معرفية تهتم بالقياس والضبط والإنتاجية، بينما المجتمعات التقليدية كانت تميل إلى أدوات تستند إلى الحكمة والتجربة المباشرة. في الحالتين، المعرفة تعكس روح المجتمع الذي أنتجها، بقدر ما تعيد إنتاج تلك الروح في وعي أفراده.

أما المنظور النقدي، فيتسلل إلى هذه العلاقة ليكشف ما وراءها من سلطة. فالمعرفة ليست مجرد بحث عن الحقيقة، بل هي أيضاً ممارسة اجتماعية تنطوي على علاقات قوة. الأداة المنهجية يمكن أن تكون وسيلة للسيطرة بقدر ما هي وسيلة للفهم، حين تختزل الإنسان إلى رقم، أو الظاهرة إلى متغير، أو الثقافة إلى نموذج قابل للقياس. وهنا يصبح تحرير المعرفة مرهوناً بتحرير أدواتها من منطق الهيمنة الذي يسكنها.

غير أن التحرر لا يعني التخلي عن الأداة، بل الوعي بها وإعادة تشكيلها. فكل ثورة فكرية في التاريخ الإنساني كانت في جوهرها ثورة في الأداة، حين تحول الفلاسفة من التأمل المجرد إلى الملاحظة التجريبية، وحين انتقل علم الاجتماع من الوصف الأخلاقي إلى التحليل البنيوي، وحين أعادت الثورة الرقمية تعريف مفهوم الملاحظة والتحليل من جديد. ومع ذلك، تظل كل أداة جديدة تقيم حدوداً جديدة للمعرفة، وكأن الفكر يسعى أبداً إلى الانعتاق وهو يدرك أن حريته مؤقتة.

إن إدراك أن المعرفة أسيرة أدواتها هو الخطوة الأولى نحو وعي نقدي حقيقي. فهو لا يدعونا إلى رفض المنهج، بل إلى مساءلته، إلى جعل الأداة شفافة أمام العقل لا متوارية وراءه. فالمعرفة لا تتطور حين نغير ما نعرف، بل حين نغير كيف نعرف. وعند هذه النقطة فقط، يصبح التفكير ذاته فعل تحرر مستمر من قيود أدواته ومن ظلال مسلماته، في رحلة لا تنتهي نحو رؤية أعمق للعالم وللذات معاً.

خلاصة القول إن المعرفة التي لا تراجع أدواتها، تتحول تدريجياً من مشروع وعي إلى نظام دفاعي ضد الأسئلة المقلقة وبالأخص النقدية منها، وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا العربية المعاصرة التي لا تمتلك القدرة على مراجعة وتطوير أدوات فهمها وتفسيرها للواقع الاجتماعي المعاصر.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

في لحظة ما، يطرق الوعي أبوابنا بلا استئذان، ويتركنا أمام الحقيقة عراة. لا يسأل عما إذا كنا مستعدين، ولا يمنحنا راحة الجهل، بل يفرض علينا رؤية ما لا تطيقه الجموع، في هذه اللحظة، ندرك أن السؤال لم يعد ترفا، بل موقف وجودي، وأن التمرد ليس اختيارا، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقى من الذات.

لم أستيقظ على الوعى ولكني عانيت كثيرا، فجاءني كصدمة باردة، كعين ثالثة فتحت قسرا، فرأيت ما كان ينبغي ألا يرى. منذ تلك اللحظة، لم أعد صالحة للانتماء، ولا قادرة على الذوبان في دفء الجموع. لم يكن الوعي لحظة إشراق، بل لحظة قطيعة. قطيعة مع البديهيات التي تسلم بلا مساءلة، ومع الطمأنينة التي تمنح لمن يتنازل عن حقه في السؤال. في التفكير. وفي التأويل والتأمل والشك. منذ تلك اللحظة، لم أعد أسكن العالم كما يسكنه الآخرون، بل صرت أقف على مسافة منه، أراقبه بعين لا تطمئن، وعقل لا يقبل الاكتمال.

أن تكون واعيا، فذلك معناه أن تنفصل بصمت عن الدفء الزائف للجماعة، أن تكتشف أن ما يسمى بالانتماء ليس دائما سوى حيلة نفسية للهروب من عبء السؤال.  الوعي لا يمنحك الطمأنينة، بل يسلبك لذة الذوبان في القطيع، تلك اللذة السهلة التي تعفي الإنسان من التفكير، وتريحه من قلق الاختيار، وتمنحه شعورا مؤقتا بالأمان.

الواعي يرى ما لا يراد له أن يرى. يلمح الثقوب الصغيرة في الأثواب التي تتزين بشعار الكمال، ويدرك أن ما يلمع ليس بالضرورة نقيا، وأن ما يصفق له الجميع قد يكون أكثر الأشياء خواء. لذلك يصبح الوعي عزلة راقية، عزلة لا تقوم على احتقار الآخرين، بل على الشك، وعلى رغبة صادقة في ألا يعيش الإنسان مستعارا داخل أفكار لا ينتمي اليها.

أدرك الآن ما كان يقصده نيتشه حين تحدث عن القطيع؛ لم يكن يهاجم الناس بقدر ما كان يحذر من الراحة المميتة التي تمنحها الجماعة.  أنا دفعت ثمن هذه الراحة مرفوضة، واخترت قلق السؤال على طمأنينة التقليد، فكان نصيبي اغترابا لا يراه إلا من جرب أن يفكر وحيدا.

أعيش اغترابا لا يراه أحد. ليس اغتراب مكان، بل اغتراب عقل. كما لو أنني وضعت خطأ في زمن لا يحتمل الأسئلة. ديكارت علمني الشك، لكن أحدا لم يخبرني أن الشك يحرق أصحابه، وأن من يهدم المسلمات لا يجد مأوى بعدها. اغترابي ليس مكانيا، بل وجودي. كما قال سارتر، الإنسان محكوم بالحرية، وأنا محكومة بوعي لا يسمح لي بالهرب. أعرف أن بإمكاني أن أعود إلى القطيع، أن أغلق عيني وأعيش بسلام، لكنني فقدت هذه القدرة إلى الأبد. الوعي لا يمنح تذكرة رجوع. اغترابي ليس شعورا، بل موقف. أنا غريبة لأنني لا أقدس ما لا أفهمه، ولا أحترم ما لا يمر على عقلي. سارتر قال إن الإنسان مسؤول عن حريته، لكن أحدا لم يقل لنا إن المجتمع سيعاقبك كلما تحملت هذه المسؤولية بجدية.

نيتشه ايضا لم يكن متطرفا حين جلد أخلاق العبيد، كان دقيقا. هذه المجتمعات لا تريد قيما، بل قيودا. لا تريد إنسانا حرا، بل كائنا مطيعا يتقن ترديد ما لقن له. وأنا رفضت هذا الدور، فصرت نشازا، وصار وجودي نفسه استفزازا. أحيانا أشتهي بساطة الذين لا يسألون، أولئك الذين يعيشون داخل إجابات جاهزة، لكنني حين أحاول، أشعر أنني أخون نفسي. فكما قال كامو، التمرد ليس صراخا، بل موقف داخلي، وأنا متمردة فقط لأنني أرفض أن أعيش حياة لم أخترها. كل اختيار أتحمله وحدي، وكل قلق أدفع ثمنه من احتراق روحي.

أما كامو، فقد فهم العبث جيدا. هذا العالم لا يكافئ الوعي، بل يعاقبه. ومع ذلك، أتمرد. لا لأنني أؤمن بالنجاة، بل لأن الانصياع أقبح من الهزيمة.  تمردي صامت، لكنه عنيد، يشبه الوقوف منتصبة في وجه معنى لا يريد أن يولد.

 كامو فهم أن العبث ليس في العالم فقط، بل في البشر الذين يدافعون عن عبثهم بعنف. وأنا أتمرد، لا لأغيرهم، فقد فات الأوان، بل لأحافظ على ما تبقى مني. تمردي هو آخر خطوط الدفاع عن ذات ترفض أن تتحول إلى رقم..

في القطيع، الحقيقة جاهزة، والرأي موروث، واليقين معلب. أما الوعي فيعيد كل شيء إلى محكمة السؤال، ويجعل من الإنسان خصما دائما للمسلمات. هنا لا يعود الخطأ مخجلا، بل يصبح فضيلة، لأن الخطأ الناتج عن التفكير أكرم من صواب ناتج عن التقليد.

أن تكون واعيا يعني أن تتخلى عن راحة التصفيق الجماعي، وأن تتحمل ثقل الوقوف وحيدا حين يجلس الجميع. أن تدفع ثمن الرؤية وضوحا مؤلما، وأن تكتشف أن الكمال الذي يروج له ليس سوى قناع يخفي تحته خوفا عميقا من الاختلاف.

أنا لا أبحث عن الخلاص، ولا أطلب الفهم. كل ما أريده هو ألا أعود. ألا أرجع تلك المرأة التي كانت تصدق بسهولة، وتبتلع الأكاذيب كي تنام.  الوعي أخذ مني السلام، لكنه منحني نفسي.

وهذا، رغم كل شيء، ثمن أدفعه وأنا واقفة على قدماي وفي قمة اتزاني. أنا لا أدعي امتلاك الحقيقة، كل ما أملكه هو هذا القلق النبيل، وهذه المسافة بيني وبين العالم. مسافة موجعة، لكنها صادقة. ففي عالم يقدس الذوبان، يصبح الوعي شكلا من أشكال الشجاعة، ويغدو الاغتراب ثمنا لا مفر منه لمن قرر أن يرى بعينيه، لا أن يساق.

ما أريده فقط هو ألا أُستدرج مرة أخرى إلى يقين لا أفهمه، ولا أُقايض وعيي براحة زائفة. لقد تعلمت أن السلام الذي يشترى بإلغاء العقل ليس سلاما، وأن الانتماء الذي يبنى على الصمت ليس سوى شكل مهذب من العبودية.. أنا لا أنتمي إلا لهذا الوعي الذي أبقاني انسانه.

سأبقى في هذه المسافة، حيث لا دفء القطيع ولا عزلة الجهل، بل مواجهة عارية مع الذات والعالم. مواجهة موجعة، لكنها الوحيدة التي لا تخونني.  فالوعي، مهما بدا قاسيا، هو الشكل الأخير من الكرامة الإنسانية، والتمرد، وإن بدا بلا أفق، هو الاعتراف الصادق بأنني أرفض أن أعيش أقل مما أنا انا عليه الآن من وعي بنفسي والعالم.

***

ابتهال عبد الوهاب

تجمع غالبية المصادر السوسيولوجية الانثروبولوجية على حقيقة مفادها؛ أن الإنسان ليس فقط (صانع للرموز) وإنما هو كائن مغمور بها ومتماهي معها، بحيث لا يمكن له أن يأتي بأي نشاط اجتماعي أو يبادر بأي فاعلية ثقافية دون أن تكون مشحونة بالرموز ومعززة بالتمثلات، التي عادة ما تكون رابضة في قيعان الذاكرة التاريخية وراكسة بين ثنايا المتخيل الجمعي . وعلى هذا الأساس لا تألوا نظم الحكم السياسي جهدا"في توظيف تلك الرموز واستثمار تلك التمثلات، كلما دعتها الحاجة لتبرير مواقفها وتسويغ سياساتها وشرعنة سلطتها، واضعة نصب عينيها حقيقة ان الإجماع الذي توفره تلك الرموز والتمثلات يصعب على أية جهة معارضة أو معادية اختراق شباكه وتفكيك عناصره، حتى وان كانت ترزح تحت وطأة مظاهر الطغيان السياسي والحرمان الاقتصادي والارتهان الإيديولوجي .

ولأجل توضيح العواقب الاجتماعية والتداعيات السياسية والتبعات الحضارية التي قد تنجم عن انشطار الذاكرة التاريخية، حري بنا الإشارة الى ضرورة التمييز ما بين مفهوم (الذاكرة الاجتماعية) وبين نظيرة مفهوم (الذاكرة التاريخية)، اللذان يتواتر ذكرهما بكثافة في أغلب البحوث والدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية، دون الاهتمام بما يشتملان عليه من فوارق واختلافات دلالية . ذلك لأن الفرق بين الذاكرة الأولى والذاكرة الثانية فرق كبير واختلاف نوعي، يستحسن بالباحث المعني ألاّ بجهل أو يهمل تلك الفوارق والاختلافات وإلاّ فإنه سيكون عرضة لارتكاب الكثير من الأخطاء والوقوع في العديد من المغالطات . ولعل ما يحدث في واقع معظم المجتمعات المتصدعة والمفككة من حساسيات نفسية وانقسامات اجتماعية وصراعات سياسية، قمين بإظهار تبعات ما قد ينجم عن ذلك الإهمال أو التجاهل، ليس فقط في مضمار الخطابات المتشنجة والتصورات المحتقنة فحسب، بل وكذلك في مجال العلاقات المجيشة والسلوكيات المستنفرة .

فعلى الرغم من واقعة التشابه بين كلا المفهومين على صعيد الاشتغال في مجالات (الذاكرة السردية)، إلاّ أنهما لا يلبثان أن يفترقا على صعيد الفعل والتأثير في (السياقات الواقعية) . ففيما تستمد الذاكرة (التاريخية) أهميتها من كونها مقترنة بالسيرورات التاريخية التي يفترض أن أحداثها وقعت في الماضي وتعاقبت على تناقلها الأجيال كموروث مثخن بالرموز، الأمر الذي أكسبها ميزتين أساسيتين؛ الأولى وتتمثل بطابع (الثبات) النسبي في مضامير الوعي الجمعي والمتخيل التاريخي، بحيث ان دلالاتها القيمية والرمزية لا تسقط أو تضمحل بالتقادم الزمني، وذلك لكونها تعتمد في سردها وتدوينها على مصادر (الدين) و(الأسطورة) بشكل أساسي . والميزة الثانية تتجلى عبر خلقها نوع من (التوافق) العرفي والقيمي بين مختلف المكونات التي يتشكل من نسيجها المجتمع . هذا في حين تمتح الذاكرة (الاجتماعية) نسغ ديمومتها ودينامياتها من معين جدليات وتناقضات الواقع المعيش، الذي تتقاطع في إطاره الارادات، وتتصارع ضمن نطاقه الجماعات، من منطلق ارتكازها على ما تستدعيه أهداف (السياسة) من نوازع ومصالح (الاقتصاد) من منافع . وهو ما يسبغ عليها طابع (التغيّر) الدائم في المضامين، و(التبدل) المستمر في الاهتمامات .

وعلى أساس ما تقدم، يمكن القول إنه - على عكس ما يتوقع من الذاكرة (الاجتماعية) - يفترض بالذاكرة (التاريخية) أنها (توحد) أكثر مما (تفرّق)، و(تجمع) أكثر مما (تقسّم) . من حيث كونها تشتمل على كل يجعل الإنسان فخورا"بماضيه وشديد الاعتزاز بتاريخه، بصرف النظر عن مقدار ما تمثله من أحداث واقعية ومعطيات معاشة، لاسيما وان مواريث كلا المجالين (الماضي) و(التاريخ) غالبا"ما تستوحي قيمتها من (الدين) قداسته ومن (الأسطورة) رمزيتها، بحيث يمنحاها هامشا"لا يستهان به من (الحصانة) الاعتبارية إزاء كل ما يعرضها للنقد الموضوعي ويسوقها للمساءلة المشروعة . ولذلك، فالويل للمجتمعات التي لا توحّد جماعاتها سردية تاريخية مشتركة، ولا تجمع مكوناتها منظومة دينية موحدة . إذ كلما حاولت الذاكرة (الاجتماعية) رأب الصدوع وترميم الشروخ الناجمة عن الاختلاف في الرؤى والتباين في المصالح، لتخطي الخلافات الجانبية وتجنب الصراعات البينية التي من شانها إهدار الكثير من الفرص وفقدان الكثير من الامتيازات، كلما تدخلت الذاكرة (التاريخية) لتأجيج تلك الخلافات وتسعير تلك الصراعات، بوازع من دعاوى (الأحقيات) الفئوية و(الأفضليات) العصبوية التي طالما كانت – ولا تزال – السبب الرئيسي بخراب ودمار تلك المجتمعات، ومن ثم إعاقة خروجها من دوامات العنف السياسي والتخلف الاجتماعي والفوات الحضاري .

***

ثامر عباس

إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني

كتب: وائل أبو عقصه*

ترجمة: علي حمدان

***

توسيع حدود التراث: تعدد الماضي، وتنويع الحاضر

في كتابه "الأسطورة والتراث" (1991)، يؤكد القمني أن الاهتمام الكبير الذي أبداه الباحثون العرب بموضوع التراث كان نتيجةً لفشل مشروع الحداثة العربية الذي تبناه المفكرون والأنظمة الثورية التقدمية ويتابع قائلاً: "إلى هذا الفشل العام، لم يجد الفكر العلماني العربي قاعدة اجتماعية راسخة في المجتمعات العربية". ويعزو السبب الأبرز لهذا "التوجه الهائل" نحو الماضي إلى الأثر السلبي لإسرائيل على جيرانها. إضافةً إلى الجرح الغائر للفخر القومي العربي، قدّم النظام الإثني الديني الإسرائيلي نموذجا لاتجاهات مماثلة في البيئة العربية.

يوضح القمني أن "الجماهير العربية" تشعر بالحاجة إلى أيديولوجية جماعية تستمد مرجعتيها في الإسلام. فبالنسبة لهم، يصبح الإسلام المُؤَدلج بالنسبة لهم أمة وعرق"، وبالتالي يشمل جميع المسلمين في كل مكان. ويتابع قائلاً إن المنطق الأيديولوجي الذي تجاوز هذا التجنيد الهائل، أطال المواجهة مع إسرائيل وحوّل النزاع العربي الإسرائيلي إلى نزاع مسلم-يهودي - صراع بين "أفضل أمة أُخرجت للبشرية [الشعب المسلم] ضد الشعب المختار [الشعب اليهودي]".

هكذا يفهم القمني، الذي يعتبر نفسه ابنًا لهزيمة عام 1967الحنين العربي إلى التراث. مثله مثل العديد من العلمانيين السابقين، وخاصة الماركسيين، يعتبر هذا الانخراط الفكري نتيجة ازمة ثقافية عميقة. أدت هذه الأزمة إلى تقديس مفهوم التراث، الذي شكل جوهر الشرعية في النهضة العربية المنشودة. من هذا المنظور، تشكل أعمال القمني محاولة مستمرة لإعادة تعريف، وتوسيع، وتحدي التعريفات التي تطورت في سياق الأزمة الثقافية. يُعرّف التوجه الأيديولوجي الذي شكل تفسيره للتاريخ بأنه الليبرالية، التي تبناها كـ "مبدأ، أيديولوجية ونموذج لإنقاذ" مصر.

على غرار المدرسة المصرية الليبرالية القومية في فترة ما بين الحربين العالميتين، التي أسسها أحمد لطفي السيد وطه حسين، يتبنى القمني الليبرالية كأيديولوجية شاملة. ففي حالته، لا تقتصر الليبرالية على كونها جوهر موقفه من التيارات السياسية والقيم الاجتماعية والدينية فحسب، بل إنها تُشكّل أيضًا تصوره للتاريخ والذاكرة الجمعية. ويؤكد القمني أن التعريف العربي للتراث لا ينبغي أن يقتصر على التراث الإسلامي العربي في العصور الوسطى، كما حدده المفكرون القوميون العرب والسياسيون. يرى أن الحدود الزمنية للتراث ينبغي أن تشمل أيضاً تاريخ ما قبل الإسلام وما قبل العرب للجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، ولا ينبغي حصر بدايته في "عصر التدوين".

يشير القمني إلى هذا النقد في "مشروع" الجابري الذي بدأ بكتابه "نحن والتراث" (1980)، واستمر من خلال سلسلته كتاب "نقد العقل العربي" (2002). الجابري، الذي ينحدر من خلفية عربية جامعة، حصر تعريفه للتراث في التاريخ الإسلامي العربي، وتحديدًا في عصر التوثيق في القرن الثامن الميلادي. يرى أن هذا العصر شهد بداية تطور العقل العربي، أو الوعي التاريخي العربي. وقد مثلت هذه التعريفات الزمنية بداية بناء ما سيُعرف بالتراث، أو كما يقول الجابري، "إطار الشرعية والإحالة إلى الجانب العربي من الأمور". وآخرون، مثل محمد أركون، وسّعوا تعريف التراث ليشمل "التقاليد الإسلامية الواسعة"، بحيث يمكن أن ينعكس مظهره في الأساطير والقصص الشفوية. وقد لعبت هذه العناصر دورًا فاعلًا في تشكيل "الخيال" الذي شمل في مراحل لاحقة في مسيرة أركون التراث المتوسطي التوحيدي.

يُوسّع القمني، الذي يكتب بصفته مصريًا لا عربيًا أو مسلما التعريفات الزمنية للتراث. ويؤكد أن المثقفين العرب والإسلاميين يستخدمون هذه التعريفات لتأسيس الذاكرة التاريخية والهوية السياسية، وهي عملية تنظر إلى التاريخ القديم على أنه غريب أو تعترف به فقط بعبارات سلبية، مثل الجاهلية، أي "العصر البربري" الذي حكمه الطغاة والزنادقة.

يرى القمني أن مفهوم الذاكرة الوطنية لمصر كقصة تبدأ بالفتح الإسلامي لعمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي هو مفهوم خاطئ تماماً. فقد بدأ تاريخ مصر قبل ذلك بآلاف السنين، وسجل تاريخها القديم أول مملكة في تاريخ العالم.

لا تقتصر الموروثات التاريخية المصرية على التاريخ العربي فحسب، بل تشمل أيضًا التاريخ الفرعوني واليوناني والروماني والمسيحي والإسلامي. ينبغي إدراج جميع هذه الموروثات في تعريفات تاريخ مصر والدول العربية المجاورة لها. يرى القمني أن المرحلة التاريخية العربية والإسلامية لمصر هي إرث احتلال لا يختلف عن إرث الرومان أو أي ثقافة أخرى أثرت بعمق في النسيج المصري المحلي. ويجادل بأن الفتح الإسلامي لمصر كان في الواقع شكلاً من أشكال الاستعمار تضمن الاستيطان وفرض ثقافة أجنبية.

لا يقتصر مفهوم القمني للتراث على مجرد ادعاءٍ بالتاريخ الوطني؛ بل إن تعريفه قائم على حججٍ وضعية. والمنهجية التي يقوم عليها تتأثر بشدة بأعمال المؤرخ السوري المتخصص في الأديان والأساطير القديمة، فراس السواح، ومؤلفات من مجالاتٍ كالفرويدية والبنيوية. وتستند افتراضات القمني النظرية على فكرة أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى تفسير حياتهم ووجودهم. ويتجلى هذا الميل في اللغة والدين والأساطير، وكل تعبير ثقافي يُستخدم للحفاظ على بنى المعنى الخفية. وبهذا المعنى، يُنظر إلى تاريخ المنطقة على أنه متسق، قبل وبعد ظهور التوحيد.

يستخدم القمني هذه المنهجية لتفسير تاريخ الأديان في سياق الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على السلطة. ويسلط الضوء على العلاقات بين الأديان التوحيدية، والأساطير والتقاليد الوثنية ما قبل الإسلام وما قبل التوحيد. ويتأصل نهجه العلماني في تصوره القومي، الذي يفترض أن جزءًا من ثقافة مصر القديمة قد تحول ونجا من التوحيد والإسلام. ويتسم نهجه بالعقلانية، إذ يؤكد أن العقلانية تتجاوز تطور الأساطير والأديان وتحولاتها.

على عكس القوميين العرب، والإسلاميين اليساريين، والليبراليين مثل الجابري، وحسن حنفي، وزكي نجيب محمود، الذين سعوا إلى التأكيد على التقاليد العقلانية داخل الإسلام، وبالتالي إهمال أو تجاهل التقاليد الأخرى التي يعتبرونها غير عقلانية، يرى القمني أن فهم التاريخ دون عنصر الأساطير ليس دقيقًا ولا علميًا لأنه يتجاهل تأثير التقاليد الجاهلية على الإسلام. وينتقد هذه المناهج الانتقائية بحجة أن هؤلاء الكتاب يعتبرون الأسطورة خرافة، وقد أشار القمني إلى أن تجاهل دور الأسطورة في صياغة التوحيد يشوه التاريخ الوطني بفصل شعوب المنطقة عن تراثها الوطني.

في كتابه "رب الثورة"، أطروحته للدكتوراه التي نُشرت لاحقًا ككتاب، ركّز القمني حصريًا على التاريخ الفرعوني. وناقش تطور فكرة "الإيمان بالأبدية" في مصر القديمة. هذه الفكرة، وفقًا لتفسيره، هي نموذج أولي لمفهوم الإله الموحد ككيان أبدي ويفسر تطور هذا المفهوم في مصر القديمة كنتيجة للصراع الاجتماعي بين الطبقات الدنيا والعليا. هذا الصراع أدى إلى الثورة التي أنهت الأسرة السادسة ومثّلت ظهور آلهة جديدة تُعنى بمصالح عامة الشعب بدلاً من الأرستقراطية. من بين استنتاجات القمني الادعاء بأن الديانة المصرية القديمة كانت أول من أنتج فلسفة ما وراء الطبيعة، حتى قبل الإغريق، وأن العقيدة المصرية القديمة احتوت على فكرة الخلق كنتيجة للوغوس وقدمت نموذجًا أوليًا لفكرة الجنة والنار. بالإضافة إلى ذلك، كانت أفكار شائعة مثل الخلود، والبعث، والخلاص، وطقوس مثل المعمودية والحج قد تطورت بالفعل في مصر القديمة.

يُفصّل القمني هذه الحجج في كتابه "الأسطورة والتراث"، مُجادلاً بأن:ظهور التوحيد هو المرحلة الأخيرة في تطور الدين، الذي يبدأ بـ "طقوس مُخصصة للطبيعة، وعبادة الأجداد... والشرك وإله قومي" وينتهي بـ "الإله الكوني" . وانطلاقاً من هذا الافتراض، يستكشف القمني تحوّل الأساطير عبر الديانات الوثنية القديمة إلى اليهودية والمسيحية والإسلام. ومن بين الأفكار والطقوس المُتحولة العديدة التي يصفها: مفهوم المسيح أو النبي الملك؛ فكرة التضحية؛ قصة الطوفان؛ وقصة الخلق. خصص كتابه "قصة الخلق" (1994) لهذا الموضوع، مقارنًا بين الروايات الأوغاريتية والبابلية لقصة الخلق والروايات التوحيدية اللاحقة.

باستخدام هذا التفسير، يجادل القمني بأن جزءًا من التراث الإسلامي للشعب المصري ذو أصل أجنبي، ومستمد من القصص التوراتية. هذه القصص موروثة من ثقافات ما قبل العبرية، جمعها العبرانيون القدماء، وحرّفوها لتناسب دينهم القومي، ولتبرير احتلالهم وتأسيس مملكتهم.على سبيل المثال، تُفسَّر قصة قابيل وهابيل التوراتية، وفقًا لمنهجه، على أنها قصة تُظهر الله مُفضِّلًا العبرانيين الرحل (الذين يُمثِّلهم هابيل الراعي) على المصريين والكنعانيين والبابليين، وهم سكان المنطقة الزراعيون (الذين يُمثِّلهم قابيل).

انطلاقًا من هذا التصور للتاريخ القديم، يجادل القمني بأن القومية العربية والإسلام السياسي قد تبنّيا روايات عبرية أجنبية (الإسرائيلية) حول التاريخ الوطني لشعوب المنطقة هذه قدّمت الروايات الفرعونية والكنعانية وغير العبرية لشعوب المنطقة بصورة سلبية. وتم تصوير تاريخ المنطقة قبل العرب وقبل التوحيد كعصر من الهرطقة والهمجية. وقد تبنّت المسيحية والإسلام هذا التراث المشوّه وقامت القومية العربية والإسلام السياسي بإضفاء الطابع المؤسسي عليه. لذا، فإن تعريب أو أسلمة التراث يُعدّ بالضرورة تشويهاً تاريخياً للذاكرة الوطنية وللتراث الأصيل: "إن غياب الوعي الحقيقي بالتراث الأصيل، كنتيجة لغياب التوجه النقدي، هو الخطر الحقيقي الذي يُهدد هذه الأمة [مصر]... وهو أسوأ أنواع الاستعمار." هذا المفهوم هو الأطروحة الرئيسية التي استندت إليها أعمال القمني في التاريخ القديم. من منظور سياسي، تُفكك أعماله في هذا السياق القصص التوراتية من خلال تقديم روايات بديلة وعلمانية عن أنبياء اليهودية، المسيحية، ثم الإسلام لاحقًا، وبذلك أعاد بناء التاريخ الوطني لـمصر والدول المجاورة لها. وختامًا، فإن نقد القمني الليبرالي للتراث لا يقتصر على التاريخ العربي والإسلامي فحسب، بل يشمل أيضًا التاريخ القديم قبل العرب وقبل الإسلام.  يرتكز تصوره على منهج علماني يعتبر التعريفات العربية والإسلامية للتراث امتدادًا للتوحيد. ومن خلال توسيع النطاق الزمني للتراث، سعى القمني إلى تقديم خطاب سياسي بديل لكل من القومية العربية والإسلام السياسي. وتختتم الرسالة السياسية لأعماله التاريخية بالقول ان جميع روايات الأديان التوحيدية، بما فيها الإسلام، تؤكد في الواقع أسس الصهيونية. كان توحيد الخصوم الداخليين (القومية العربية والإسلام السياسي) والخصوم الخارجيين (الصهيونية) استراتيجيته الحاسمة. وفي هذا الصدد، شكّل رفض الدولة العرقية الدينية والتطلع إلى نموذج ديمقراطي ليبرالي نظرته إلى موضوعين أساسيين: الدين والهوية الجمعية.

***

......................

* محاضر اول في الجامعة العبرية في القدس.

في المثقف اليوم