عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قراءة ثقافية في تبريرات الوجود

يعدُّ مفهوم الكولونيالية من المفاهيم التي سمحت للمجال الاستعماري الغربي بالبحث في مستويات السيطرة على الآخر في المناطق التي تقع خارج الجغرافيا الغربية؛ كون أن السيطرة على الآخر تعني صناعة وتشكيل صورة "الآخر" في العقل الغربي، ومن ثم نقل تطبيقات هذه الصورة المتخيلة إلى الداخل الغربي، ليكون هذا الآخر ممثلاً بهذه الصورة النمطية التي يوجدها المستعمر المتحكم في إيجاد الآخر وفق تصوراته. لذا، كان الهدف من التأسيس الكولونيالي عملية استكمال ما بدأه الاستشراق في السابق من خلال رحالته ومستشرقيه الذين نقلوا تصوراتهم عن الآخر، التي شابها الكثير من التشكيك بمعلوماتهم عنه وعن جغرافيته وطبيعته وأفراده وغير ذلك.

ومن هذا التصور بنى (إدوارد سعيد) أهم مفاصل تحليله للنظرة الاستشراقية الغربية، وخاصة فيما يدل على الجغرافيا المتخيلة، وما أضاف إليها من تصور آخر وهو "شرقنة الشرق" الذي يعد فعلاً تكوينياً للشرق. ومن ثم فإن الجغرافيا المتخيلة هي: "الأرضية المفترضة التي وقع عليها بناء صورة الآخر الشرقي في الذهنية الغربية وفي خطابه الكولونيالي، وحتى في الثقافة الداخلية للشعوب الغربية، حيث درس (سعيد) هذا المفهوم من خلال وجهات نظر ثلاث (فلسفية ونفسية وبلاغية)، مستعرضاً عدداً من الأحداث التي تؤيد وجود المفهوم في الذهنية الغربية بامتداداتها التاريخية والأدبية والفكرية"(1).

ففي المفهوم الخاص بالجغرافية المتخيلة، عمل المجال الكولونيالي على إضافة معلومات تغطي حقيقة الوجود الجغرافي للمناطق خارج الوجود الجغرافي الغربي عامة، وللمنطقة العربية خاصة، ابتداءً من دول المغرب العربي - وخاصة الجزائر- التي بدأ فيها تطبيق الفعل الكولونيالي من خلال الحملات الفرنسية الاستعمارية لهذا الجزء من الوطن العربي، وصولاً إلى المناطق العربية الأخرى في دول المشرق العربي. وعُدَّت هذه المناطق امتداداً للتاريخ الموغل بالسحر والشعوذة والتخلف والنساء، وغيرها من الأوصاف التي قُدمت من خلال أعمال المستشرقين ولوحات الرسامين وغيرها من الأعمال التي نقلت تصورات عن هذه المناطق، وما كان يحتاجه الغربي في تشويه صورة الآخر الثقافية، حتى أصبح للشرق صورة خاصة في المخيال الغربي أطلق عليها (إدوارد سعيد) مصطلح شرقنة الشرق، الذي يشير به إلى: "تكوين الشرق في الجغرافيا التخيلية، بمعنى أن الشرق قد خُلق. وهي كلمة يريد أن يشير بها (سعيد) إلى أن العلاقة بين الشرق والغرب هي علاقة قوة، ومن السيطرة، ومن درجات متفاوتة من الهيمنة المعقدة المتشابكة"(2)، التي تصنع الآخر بالطريقة التي يريدها المتحكم بالقوة والمهيمن على المعرفة في إيجاد البعد التأويلي الذي يريده، وليس إلى الحقيقة الموجودة فعلاً على أرض الواقع.

عمل المستعمر الكولونيالي على إيجاد صيغ جديدة في بسط نفوذه، ومنها ما يعتقده ملائماً لأهدافه في السيطرة على الآخر من أجل تحقيق الانتشار الذي يسعى إليه في سبيل تحقيق الهيمنة؛ فبعد أن صوّر الآخر وجغرافيته التخيلية وشرقنه على أساس معتقدات غير واقعية، بل هي مختلقة في الأساس من نظرة هدفها السيطرة عليه، عمد إلى تحقيق الأهداف الكولونيالية في الهيمنة والإخضاع والاستغلال والتمركز في نشر المحتوى الكولونيالي ثقافياً واقتصادياً وسياسياً وغير ذلك، للوصول إلى الانتشار.

وهذه النظرية –أي الانتشار– طبقها المستعمر في العالم ومناطقه المختلفة التي خضعت للسيطرة، ومنها منطقة الشرق الأوسط. وهذه النظرية اكتمل تكوينها وغاياتها وأهدافها في القرن التاسع عشر، وتعود أصولها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا، حيث "نشأ نظام عقائدي لخلق نوع من الترابط بين واقع التغيير الجديد داخل أوروبا والتوسع الاستعماري خارجها"(3). ومن هذه الأصول العقائدية ذات الأبعاد التوسعية، سعى الغرب إلى بسط نفوذه على بقاع العالم، معتقداً بذلك أن العالم خارج النظام الغربي -والذي كان مركزه أوروبا أولاً ثم أمريكا ثانياً- غير متحضر ولا يستطيع الاعتماد على نفسه في النهوض العمراني والثقافي والأخلاقي.

لذا، برر لنفسه العمل على مدار أربعة قرون من نهضته العمرانية على استغلال كل ما هو خارج أرضه لصالحه، من خلال التمركز على التفوق الصناعي والعسكري. وهذا الصراع الذي خاضته الدول الغربية مع الحضارات الأخرى -وخاصة في الشرق- لم يكن صنيعة هذا التفوق الصناعي والعسكري في هذه القرون الأربعة فحسب، بل هو صنيعة صراع حضاري طويل يمتد إلى البدايات الأولى من الصراع بين اليونان -التي تعد المرجعية الحضارية للغرب كما يرى بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين- مع الحضارات الشرقية في بلاد ما بين النهرين وفارس وبلاد الفراعنة في مصر، مروراً بالحروب الصليبية التي استمرت قرابة الخمسة قرون، وصولاً إلى المراحل المتقدمة من الصراع بين شقي العالم.

هذا الصراع تُوِّج في بدايات القرن العشرين من خلال انتصار الاستعمار الغربي المتمثل بالقوتين البريطانية والفرنسية، مع انحسار الدولة المسلمة التي كانت تسيطر على الأراضي العربية وهي الدولة العثمانية. ومن خلال هذه المراحل من الصراع الطويل وقراءة اليهود لطبيعة هذا الصراع بشكل جيد، عملوا على استغلاله لصالحهم من خلال الوقوف مع الجهة المنتصرة والمسيطرة على العالم ودعمها، بتوفير مجال يسهم في بسط نفوذهم للفترات القادمة على هذه المنطقة الواعدة اقتصادياً، وكذلك كونها منطقة استراتيجية تسهم في عملية السيطرة على العالم لتوسطها القارات.

لذلك، عملت المنظمات اليهودية على الاستثمار في هذه البيئات الجديدة من أجل فرض كيانهم لرعاية مشروعهم الاستيطاني، "ومنذ البداية، قايض (بن غوريون) بين توافر دولة عظمى تظلّل الكيان الصهيوني بالرعاية الكاملة، مقابل تقديم خدماته لحماية مصالحها في الشرق الأوسط. وأدرج هذه المعادلة في صلب الاستراتيجية العليا للكيان، الذي حظي -لحظة ولادته- بدعم غربي شامل، تُوِّج في آذار 1950 بالإعلان الثلاثي الصادر عن واشنطن وباريس ولندن، تتعهد بموجبه بالدفاع عن وجود إسرائيل وأمنها. وتدرّجت الرعاية بالترتيب الزمني: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة؛ حيث تكّفلت كل منها، في مرحلة ما، بلعب دور الدولة الراعية الأولى"(4).

واستمرت هذه العملية في ثلاث صور من الرعاية، وأصبحت هذه الدول هي الحاضنات التي أسهمت في تكوين هذا الكيان في المنطقة العربية. وسنركز على الحاضنات الثلاث التي مهدت لظهور الكيان في الشرق الأوسط في المقال القادم من هذه السلسلة الثقافية.

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

.....................

الهوامش:

1.  أ.د محمد كريم الساعدي: الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية، البصرة: دار الفنون والآداب للنشر، ط2، 2022، ص70.

2.  المصدر نفسه، ص72.

3.  جي. إم. بلاوت: نموذج المستعمر للعالم، الانتشار الجغرافي وتاريخ المركزية الأوروبية، ترجمة: هبة الشايب، القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2010، ص39.

4.  محمد خواجه: استراتيجية الحرب الإسرائيلية، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2014، ص25، ص26.

 

يولد الانسان نقيا، خفيفا، بلا تاريخ ولا اقنعة. لا يعرف عن العالم سوى الدهشة، ولا يعرف عن نفسه سوى ذلك النبض الصغير الذي يعلن حضوره في الوجود. ثم تبدأ الحياة في كتابة سطورها على صفحته البيضاء. شيئا فشيئا تتراكم التجارب، وتتسرب الاوهام، وتتشكل الاقنعة. فيتعلم الانسان ان يكون شيئا اخر غير نفسه:

يتعلم الخوف قبل الشجاعة، والتقليد قبل الاكتشاف، والاجابة قبل السؤال. وهكذا، قبل ان يعرف ذاته، يجد نفسه غارقا في ادوار لا حصر لها. مرة يكون الابن الذي يجب ان يشبه اسلافه، ومرة المواطن الذي يجب ان يطيع نظامه، ومرة المؤمن الذي يجب ان يخاف سماء يفسرها له الكهنة، ومرة الفرد الذي يجب ان ينحني لقوانين الجماعة حتى لو خنقت روحه.

في البداية كان ضعيفا، ثم اكتسب قوة. لكن المفارقة ان القوة التي يكتسبها كثيرا ما تكون قوة وهمية: قوة المكانة، او السلطة، او الشهرة، او اليقين المطلق. فيتوهم الانسان، لبرهة عابرة، انه محور هذا الكون، وانه الكائن الذي تدور حوله الاشياء.

لكن الحياة، بصرامتها الفلسفية، لا تترك احدا طويلا في هذا الوهم. فمع مرور الزمن، ومع كل خيبة، ومع كل سؤال لم يجد جوابا، يكتشف الانسان الحقيقة القديمة: انه لم يكن سوى عابر في هذا الوجود الهائل.. وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية. فالحياة، في جوهرها، ليست خطا مستقيما بل دائرة خفية يعود الانسان فيها دائما الى نقطة البداية. غير ان العودة هذه المرة ليست عودة الجهل، بل عودة الحكمة.

يعود الانسان متعبا من ادواره الكثيرة ومن شخصياته المتعددة ومن الاقنعة التي التصقت بوجهه حتى كاد ينسى ملامحه الاولى. فيخلعها واحدا بعد الاخر، كما يخلع المسافر ثيابه الثقيلة بعد رحلة طويلة في العاصفة. عندها فقط يبدأ السؤال الحقيقي:

من انا؟

لكن مأساة انسان اليوم انه يبحث عن هذا السؤال وسط عالم صاخب لا يسمح له بالانصات الى ذاته.. عالم تحاصره فيه قوى متعددة: كهنة يهددونه بالسماء، وطغاة يهددونه بالسجون، ونخب مزيفة تصنع حوله متاهات من الافكار الجاهزة. فيتحول الوجود الى مسرح كبير، لكل فرد فيه دور مكتوب مسبقا. مجتمع يطالبك ان تكون نسخة اخرى من الجميع، ان تفكر كما يفكرون، وتؤمن كما يؤمنون، وتحلم كما حلموا من قبل. فان خرجت عن النص قليلا، ونظروا اليك كما لو انك خلل في النظام.

وهكذا ينشأ انسان بلا ملامح خاصة، انسان يشبه من قبله ويكرر ما قيل قبله، حتى يصبح الوجود كله سلسلة طويلة من النسخ المتشابهة. انها لعنة المجتمعات القطيعية؛ حيث يذوب الفرد في الحشد، وتختفي الاسئلة الكبيرة تحت ضجيج الاجابات السهلة. ولهذا يقف الانسان دائما امام خيارين مؤلمين: اما ان يفقد ذاته ليذوب في هذا الجمع الباهت، او ان يعزل نفسه دفاعا عن تلك الشرارة الصغيرة التي ما زالت تسكن روحه.

لكن متى تتغير حياة الانسان حقا؟

يقول سقراط: حين يدرك انه لا يعرف.

ويقول سينيكا: حين يعرف حدود قدرته.

اما العظيم دوستويفسكي فيرى ان التحول يبدأ عندما يتالم الانسان وحيدا، لان الالم الفردي يكشف له ان خلاصه لا يأتي من احد.

ويذهب نيتشه ابعد من ذلك حين يقول: ان الانسان يتغير حين يتجاوز نفسه.

بينما يرى سارتر له رأي اخر فيقول: ان لحظة التحول الحقيقية هي حين يؤمن الانسان بحريته.

اما شوبنهاور فيعتقد ان الانسان لا يتحرر الا عندما يتجاوز ارادته.

وفي نبرة سوداء ساخرة يقول سيوران: ان الانسان يتغير حين يموت.

وفي وجهه نظري المتواضعه اقول: تتغير حياة الانسان حين يلامس معنى لحياته. حين يكتشف ان وجوده ليس مجرد تكرار لما كان، ولا مجرد استجابة لما يريده الاخرون، بل مغامرة شخصية لا يستطيع احد ان يعيشها نيابة عنه.

هنا تأتي القراءة، والفكر، والدهشة. فالكتاب ليس مجرد كلمات؛ انه حياة اخرى تضاف الى حياتنا. كل فكرة جديدة تفتح نافذة في العقل وكل سؤال جديد يحرر الروح خطوة اخرى من سجون اليقين الجامد. ولهذا لا ينبغي للانسان ان يطمئن الى اجابة واحدة. فالعقل الذي يتوقف عن السؤال يبدأ في الذبول.

اما الفضول، ذلك القلق الجميل الذي يدفع الانسان الى البحث، فهو الذي يجعل الفكر يقظا، ويجعل الروح قادرة على اكتشاف العالم مرة بعد اخرى. الفضول هو الباب الذي تدخل منه الرياح النقية الى العقل، وهو الشك الذي يفتح الطريق امام الابداع. وهكذا تنمو روح الانسان، لا باليقين الصلب، بل بالاسئلة الحية. وفي نهاية الرحلة، حين ينظر الانسان الى حياته كلها، يكتشف الحقيقة البسيطة التي كانت امامه منذ البداية:

انه لم يأت الى العالم ليكون نسخة من احد، ولا ليؤدي دورا مكتوبا له مسبقا، بل ليكون ذاته... تلك الذات التي بدأ بها رحلته نقيا، ثم ظل يبحث عنها طوال حياته. يكتشف الانسان حقيقة بسيطة تأخر كثيرا في فهمها: ان الحياة لم تكن اختبارا للطاعة، ولا مسرحا لتقليد الاخرين، بل فرصة نادرة ليكون الانسان ذاته. فكل ما عدا ذلك اقنعة عابرة، تزول… وتبقى الذات وحدها هي الحقيقة.

***

ابتهال عبد الوهاب

يشعر الجميع وبألم وحسرة، بما وصل إليه المجتمع العربي من تخلّف وانحطاط، ومكانة سياسية شديدة التدنّي بين دول العالم. وهذه المكانة تميّزت بالتبعية المطلقة للغرب لِما وصلت به لِحدّ الخنوع، مصحوبة بالخوف والمذلّة من تحدي الدول الكبرى. ومازالت عملية الانحدار والتشظّي في المجتمع العربي مستمرة وبنفس الوتيرة التي سار عليها المجتمع العربي منذ سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وسيطرة الاستعمار الأوروبي على دول المنطقة. إنه واقع مرير ومؤلم لا يمكن نكرانه. الكلّ يتساءل لماذا هذا التدهور والانحطاط الذي يسود المجتمع العربي؟ وما هو السبيل للتخلص من هذا الواقع المُذل؟

نظرة متفحّصة للعالم الإسلامي

لو نظرنا إلى مجموعة الدول الإسلامية في العالم لوجدناها تنقسم إلى مجموعتين: الأولى هي مجموعة الدول الإسلامية العربية، والثانية هي مجموعة الدول الإسلامية غير العربية مثل تركيا، إيران، ماليزيا، اندونيسيا، كازاخستان والبوسنة والهرسك، وأخرى غيرها من الدول الإسلامية غير العربية. ولو نظرنا إلى الدول الإسلامية غير العربية، لوجدناها تتمتع بحالة جيدة من الاستقرار السياسي، وانتهاج سياسات اقتصادية مفيدة للبلد وللشعب. كما إن شعبها يسودهم التلاحم والتآخي والانسجام، بعكس الدول الإسلامية العربية التي يعمّها الفشل والفوضى في مختلف مجالات الحياة، ويسود شعوبها التفّرقة والانقسام والطائفية المقيتة.

ولو ألقينا نظرة متفحّصة على حال الدول الإسلامية في العالم، لوجدنا أن الدول العربية فقط هي التي توصف وتتصف بالتخلّف والجهل والعنف والإرهاب. وبينما تحصل الدول الإسلامية غير العربية على منزلة مقبولة أو جيدة بين دول العالم، نرى أن منزلة الدول الإسلامية العربية في العالم هي بدرجة متدنية جداً بحيث لا تُرضي أحد. وهذا بحدّ ذاته ينفي صحة الفكرة التي تدّعي أن الدين الإسلامي أو الاجتهاد الإسلامي هما اللذان يدعوان إلى التخلّف والجهل والعنف والإرهاب. من كل ذلك يمكننا أن نستنتج إن السبب في تدهور مكانة العرب والدول العربية في المجتمع الدولي والعالمي هو بسبب العرب أنفسهم، وليس بسبب الإسلام كدين أو بسبب الاجتهاد الديني أو تدهور الحضارة الإسلامية. ولذلك ينبغي على العرب نبذ فكرة إن الدين أو أيّ من أصوله هو السبب في تخلّف العرب، والبحث عن الأسباب الحقيقية للتخلّف عسى أن يعود التلاحم بينهم.

وعموماً فإن مجموعة الدول الإسلامية غير العربية تشكل المجموعة الأكبر من الدول الإسلامية في العالم، وتشكل الدول العربية الإسلامية المجموعة الأصغر من الدول الإسلامية في العالم، من حيث عدد الدول التي تتشكل منها كل مجموعة، وعدد النفوس (المسلمين) الموجودين في كل مجموعة. وعلى الرغم من قلة عدد الدول العربية وعدد نفوس المسلمين فيها بالنسبة إلى مجموعة الدول الإسلامية، وبالمقارنة مع نظيرتها في الدول الإسلامية غير العربية، إلاّ أنه إذا ذُكر الإسلام أو الحضارة الإسلامية فإنه غالباً ما يقترن ذكره بالدول العربية دون الدول الإسلامية غير العربية. ويعزى ذلك إلى أن الإسلام ظهر في جزيرة العرب، وانتشرت الحضارة الإسلامية ونهضت بهمّة وعزيمة العرب، حتى إن الحضارة الإسلامية يُشار لها أحياناً بالحضارة العربية.

ولو ألقينا نظرة متفحصة على هذا الوضع المزرى للمجتمع العربي، لعرفنا أن السبب الجوهري في تردي المجتمع العربي هو الانحطاط الأخلاقي الذي ساد وما زال يسود المجتمع العربي، وانتشار الفقر والجهل بالإضافة إلى العوامل الأخرى المعروفة. كل هذه العوامل أدت إلى تحطيم شخصية الفرد في المجتمع العربي وجعلها شخصية ضعيفة مترددة، خانعة وذليلة، لا تشعر بأن لها قيمة أو وجود أو كيان نافع بين مجتمعات العالم الأخرى. وقد يستاء البعض من هذا التوصيف لكن واقع الأمة العربية يؤيد ذلك.

تدهور شخصية الفرد العربي

لو نظرنا إلى شخصيات المجتمع العربي التي قادت المجتمع في منتصف القرن الماضي في مختلف مجالات الحياة سواء السياسية أو الفكرية والأدبية والفنية وغيرها، وقارنّاها بشخصيات مماثلة لها في الوقت الحاضر في نفس مجال اختصاصها، لتبين لنا البون الشاسع والفرق الهائل بين رجال العصرين. ذلك أن رجال العهد الماضي تميّزوا بالكفاءة والقيم الأخلاقية والثقافة والاحترام. بينما نجد اليوم صعوبة أن نلقى شخص يضاهي رجال العهد الماضي بالكفاءة والأخلاق والاحترام. فعلى سبيل المثال، لو قارنّا المثقفين والمفكرين العرب من الجيل الأول من روّاد النهضة الثقافية، قبل قرن من الآن، فسنلاحظ إننا لا نستطيع أن نجد لهم مماثل أو منافس في الزمن الحديث من حيث الكفاءة والاحترام والتقدير. ولا ننسى القيادات السياسية السابقة للمجتمع العربي وما تمتعت به من شخصيات كاريزمية وطنية مخلصة وشجاعة، وإذا ما قارنّاها بقيادات العصر الحالي، فيمكننا أيضاً أن نلاحظ الفرق الشاسع بين الجيلين من حيث الكفاءة والاحترام. وما زال فنانوا الزمن القديم (الزمن الجميل) يقفون كقامات شامخة لا مثيل لها في الزمن المعاصر. فتغريدة فيروز وأم كلثوم، وعبد الوهاب وعبد الحليم كانت تهز المشاعر وتوقظ النفوس، بعكس ما يفتقده فنانوا اليوم وشعراءه من حضور في الساحة الفنية، وما نسمعه منهم من ازدراء وانتقاص وتهميش للدولة والشعب والأمة العربية، وهذا يمثل قمة الانحطاط الأخلاقي.

لماذا تدهورت شخصية الفرد العربي على هذا النحو؟

يمكن اعتبار تدهوّر شخصية الفرد العربي كجزء من التدهّور الذي أصاب شخصيات الأفراد في عموم العالم. وبصورة عامة، يمكننا أن نقول إن الانحطاط في الأخلاق يمثل ظاهرة عامة انتشرت في كل مجتمعات العالم، مثال ذلك انتشار ظاهرة الإباحية والمثلية الجنسية والفساد بمختلف انواعه. وقد ظهرت مظاهر الانحطاط الأخلاقي في مجتمعات العالم بصورة متدرجة منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي، وما زالت مستمرة حتى الآن. لكن هذه الظاهرة حدثت بصورة متفاوتة بين المجتمعات في العالم أجمع. ويمكننا أن نلاحظ أنها ظهرت بدرجات متقدمة في المجتمع العربي تحديداً. وأيضاً يمكننا أن نلاحظ إن الشخصيات القيادية في كل مجالات الحياة السياسية والثقافية والفنية وغيرها، في الوقت الحاضر وفي معظم أنحاء العالم، تتصف بأنها أضعف وأقل كفاءةً بكثير من مثيلاتها في القرن الماضي. وكذلك يمكننا أن نقول إنها وجدت بدرجات متفاوتة بين مختلف مجتمعات العالم، لكنها مع الأسف ظهرت بصورة أوضح وبدرجة أكبر في المجتمعات العربية.

عوامل تاريخية

تاريخياً، تكوّن الوطن العربي بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن وقع تحت الاحتلال الفرنسي البريطاني ومن ثمّ تقسيمه إلى دول متعددة، أو قُل مستعمرات، خضعت للاستعمار الأوروبي بحسب معاهدة سايكس بيكو. وتمّ تشكيل ما يسمى بمجموعة الدول العربية. وكان هذا أول إطلالة للفرد العربي لمفهوم الوطن والمواطنة. لكنها كانت مفاهيم منقوصة وغير واضحة المعالم بالنسبة للفرد العربي، ذلك لأن المشكلة الكبيرة التي واجهها الشعب العربي في تلك الحقبة من الزمن هي التخلص من الاستعمار. انشغل الشعب العربي في النصف الأول من القرن الماضي بالحصول على الاستقلال. وتمّ الحصولَ على الاستقلال، وبدأ بناء الأوطان كلٌ حسب اجتهاده. ثمّ حصلت النكسة في عام 1967، ويا لها من نكسة. لقد كانت النكسة وما زالت بلاءً مدمراً لشخصية وثقافة وفكر أفراد المجتمع العربي. فقد صرّح الكثير من المفكرين والسياسيين العرب أن النكسة هزّت مشاعرهم وغيّرت مفاهيمهم وأفكارهم التي كانوا يؤمنون بها. ويبدو أنهم تعاملوا معها وكأن النكسة كانت زلزال عاتياً أحرق الأخضر واليابس في العقل العربي، علماً أن النكسة (حرب عام 1967) كانت مجرد معركة خسرها العرب مثل الكثير من الدول والجيوش التي خسرت معارك كبيرة ومدمرة لكنهم نهضوا ثانية وتغلبوا على الخسارة والإحباط، وذلك لأنهم لم يتعاملوا معها كخسارة مأساوية لا يمكن التغاضي عنها، بل اعتبروها معركة خاسرة يمكن ويجب تجاوزها وتعويضها بأحسن منها. وهنا يبرز تساؤلاً مهماً وهو لماذا سميّت بالنكسة، ولماذا لم يعمل قادة البلدان على التعامل معها كمعركة خاسرة يمكن تجاوزها، بدلاً من تهويل الخسارة وتعظيم تأثيرها على أفراد المجتمع عامةً، وبالنتيجة أدت إلى حالة من الإحباط وانكسار الشخصية العربية. وما زال أفراد المجتمع العربي، حتى الآن، يندبون حظهم في النكسة ولا يستطيعون تجاوزها على الرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً على ذكراها. فمتى سيتخلص العرب من عقدة النكسة وتبعاتها المذلّة؟

ثم بدأت مرحلة الحروب التي عصفت بالدول العربية وعانى منها الشعب العربي. بدأت هذه المرحلة بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. ولا تهمنا نتيجة الحرب أو سببها لأن البلدين كانا خاسرين. لقد فقدوا الكثير من أبنائهم، ودمّر اقتصادهم وبلدهم، وبدأ الفقر والعوَز ينخران المجتمع العراقي. ولم تتعظ الدول العربية، فاحتل العراق الكويت، فتسبب الغزو في أضرار شديدة على العالم أجمع. وعانت الدول العربية الكثير من المآسي والأضرار جرّاء هذا الاحتلال. ففُقدت الثقة بين الأشقاء العرب، وانتهى حلم الوحدة بينهم وحلّ محلها روح العداء والانتقام، وكلنا نعرف ذلك.

وفي بداية القرن الحالي (عام 2001) حدث الهجوم على برجيّ التجارة العالمية في الولايات المتحدة، وكان ذلك ذريعة للغرب لإعلان الحرب على الإرهاب وتوصيف الإسلام كدين إرهابي. وبدأت الحرب الخفيّة على الإسلام والمسلمين العرب. بعدها بعامين (في عام 2003) احتلت القوات الأمريكية العراق. وانتهت الدولة العراقية، وحُلّ الجيش العراقي والقوات الأمنية وكل المؤسسات الحكومية في العراق. وفتحت حدود البلد بدون رقيب لدخول الإرهابيين من السلفيين الأصوليين المتشددين المدعومين من دول كبرى غنيّة لتفتيت العراق، ليكون عبرة لمن لا ينصاع للغرب، وأيضاً لترسيخ مبدأ الإسلام الإرهابي.  وأخيراً وليس آخراً (إذ أننا لا نعرف أي حرب ستنشأ من جديد) حدثت ثورات الربيع العربي عام 2011 فدمّرت ليبيا واليمن وسوريا، وتبعهم السودان بدمار طوعي، بإشعال حرب داخلية مدمرة من قبل أبناء البلد البررة.

وما زال الانحطاط الأخلاقي للشعب العربي مستمراً.

رؤية تحليلية

إذا ما عانى أيّ شعب من شعوب العالم من القهر والظلم والفقر والمذلّة لسنين طويلة فأنه بالتأكيد سيكون عدوانياً وجاهلاً، متخلّفاً وفاسد أخلاقياً. وفي التاريخ أمثلة على ذلك، فأوروبا قبل أن تنهض في القرن الخامس عشر كانت قد عانت من سلسلة طويلة من الحروب المدمرة، التي أدّت إلى الفقر والجهل والظلم والمذلّة لشعوبها. لكن الأوروبيون لم يستسلموا لواقعهم السيء، ولم تُصبهم حالة الإحباط التي أصابتنا وسيطرت علينا وجعلتنا مستسلمين لها. بل هم أصّروا أن يُحسِّنوا واقعهم السيء وينهضوا بمجتمعاتهم نحوا الأفضل. فجاهَدَ العقلاء منهم من القادة السياسيين والمثقفين لينهضوا بمجتمعهم ويتطوروا. وقد نجحوا في ذلك.

فما الذي يمنع أفراد المجتمع العربي، خصوصاً العقلاء منهم من القادة والمثقفين المخلصين للوطن من أن يرسموا طريق النهضة؟

العبودية المختارة

في الكتاب المسمى "العبودية المختارة" لمؤلفه "إتيان دولا بوَيسي"، وهو فرنسي الأصل عاش في القرن السادس عشر، يتساءل المؤلف في كتابه هذا ويقول "كيف يمكن لإنسان ولد بالفطرة حراً أن يقبل بالعيش عبداً لغيره دون أن ينتفض ويثور ليستعيد حريته". ثم يذكر مؤلف الكتاب عاملين من الممكن أن يجعلا الإنسان يخضع لطغيان سيّده، وهما، الخوف والقبول الطوعي للتسلّط والعبودية. وبالنسبة لعامل الخوف فهناك البعض من الناس يخافون بطش وشدّة السيّد الطاغي فيرضَون بالتسلّط والعبودية ليتجنبوا الأذى. وإذا استمر الوضع على ذلك لسنين طويلة فقد يتعوّد الإنسان على هذه الحالة، ويصبح الخضوع للسيد الطاغي هو الشيء الطبيعي في حياته اليومية، وينسى مبدأ الحرية ومعنى العبودية والخنوع، فتصبح العبودية مختارة وطوعية يقبل بها الإنسان ويقنع بها. ثم تنشأ الأجيال بعده على هذا النمط، لا يشعرون بظلم أو مذلّة ولا ينشدون الحرية، ويعيشونها بقناعة، فهم قد تعوّدوا عليها ورضوا بها.

لكن المؤلف يتساءل أيضاً ويقول؛ إن الخوف عادة يصيب شخص واحد أو عشرة أشخاص أو مائة فرد من أفراد المجتمع، لكن أن يخضع المجتمع كلًه لطاغية واحد، بينما الشعوب يعدون بالآلاف أو بالملايين، وينتشرون في عشرات المدن مقابل حصن واحد يسكنه الطاغية فهذا لا يكون بسبب الخوف، ذلك لأن هذا العدد الكبير من الناس يستطيع أن يتخلص من الطاغية مهما كان قوياً. وكذلك أيضاً، فإن قوة الطغاة تَعّظُم بمساعدة المئات أو الآلاف من أبناء الشعب الفاسدين والمستفيدين من طغيان السيد المتسلط، على حساب مصلحة الشعب. وهذا سبب آخر من اسباب قوة وطغيان الطغاة المستبدين.

ومن استخلاص العبر من هذا التحليل، يمكننا القول: إن المجتمع العربي الآن يمر بحالة من الاختيار الطوعي والرضا بالعيش في ضلّ مجتمع متخلًف مغلوب على أمره، ومُطيع لمن يُصدر الأوامر له. وما يؤيد هذا التحليل، حالة ألّ لا مبالاة التي يُظهرها أفراد المجتمع وقادتهم إذا ما وصفوا بالتخلّف، وكأن حالة التخلّف لا تعنيهم. وكذلك عدم شعورهم بالخيبة أو تأنيب الضمير من استخفاف دول العالم بمكانتهم بين دول العالم. وهذا ما يجب علينا أن نعرفه لغرض محاربته والتخلص منه لنستعيد ثقتنا بنفسنا وبقدرتنا على النهوض والتقدم.

من الملاحظ إن الفرد أو المثقف العربي يؤمن ويعترف بالواقع المتخلّف لمجتمعه العربي. لكنه في نفس الوقت، في قرارة نفسه، يستثني نفسه من حالة التخلّف التي يصف بها مجتمعه العربي على الرغم من كونه عربي الأصل والنشأة، وهو بذلك يتعيّن عليه أن يكون متخلّفاً أيضاً أسوة بأفراد مجتمعه. فنراه لا يخجل ولا يستحي من وصف مجتمعه العربي بالمتخلّف الجاهل، لأنه يعتقد أنه هو المثقف حامل شهادة الدكتوراه وصاحب مركز وظيفي رفيع، فلا يمكن وصفه بالمتخلّف. وهذا يُظهر حالة الانفصام والتناقض الفكري أو قل حالة الازدواجية الفكرية التي يعاني منها الفرد العربي. وقد تُمثل هذه الحالة حالة من سبات العقل التي يوصف بها العقل العربي.

يقول جلال الدين الرومي " إذا كان كل شيء من حولك يبدوا مظلماً، أنظر مجدداً فقد تكون أنت النور"

فهل هنالك أمل في أن يَعيَ الشعب العربي حالة التدنّي الأخلاقي والفكري والسياسي التي يعيشونها فيعملون بجد لإصلاح حالهم.

***

د. صائب المختار

 

لا شك أن مصير أي مجتمع اليوم رهين بالتحدي التربوي الذي فرضته الثورة المعرفية الهائلة التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة، والانتشار الهائل لتكنولوجيا المعلومات. تحد يٌلزم بزيادة فاعلية المنظومة التعليمية، وإحداث تغيير نوعي لا يهم فقط المناهج والبرامج وأساليب التدريس والتقويم، بل يشمل كذلك تحرير الفرد من المعيقات الكامنة في الثقافة المجتمعية السائدة.

إن أهم ما يميز عصر المعرفة الذي نعيشه هو هيمنة العلم والمعرفة العلمية بكل اتجاهاتها المعلوماتية والتقنية على شتى مناحي الحياة. فقد كانت هذه المعرفة حتى الأمس القريب حكرا على نخبة العلماء في مجامعهم المغلقة ومراكزهم البحثية، لكنها اليوم تحتل واجهة الأحداث والعناوين الكبرى في وسائل الإعلام. أين هو إذن موقعنا نحن من هذا الحراك العلمي الهائل، وهل يكفي استيراد التكنولوجيا وتجهيز المرافق بالعدة المتطورة حتى نعلن عن رتق الفجوة المعرفية والحضارية بين عالمين؟

لم يُخف المسؤولون في منظومتنا التعليمية اعترافهم بضعف المردودية الكمية والكيفية للبحث العلمي، إلا أن الغايات المسطرة في هذا الشأن لم تلامس بعد أفق انتظار مجتمع يصبو لإيجاد موطئ قدم في عالم متحفز لفتح آفاق علمية جديدة. إذ ورد في الرؤية الإستراتيجية للإصلاح التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين أن من ضمن غاياته الارتقاء بالمجتمع المغربي من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، عبر تطوير البحث العلمي والتقني، والابتكار في مجالات العلوم البحتة والتطبيقية والتكنولوجيا الحديثة وغيرها. أما تفعيل هذه الغاية فسيرتكز على تطوير النموذج البيداغوجي الحالي بالنسبة للتعليم الأولي والابتدائي ليَهم الاستئناس بالطرق العلمية والتجريبية. في حين تنص الرافعة الرابعة عشرة للإصلاح على "النهوض" بالبحث العلمي والتقني والابتكار.

استئناس.. ونهوض !!

لا حديث إذن عن تطوير مهارات التفكير العلمي باعتباره المدخل الحيوي لأي مشروع تربوي يروم التفاعل الجاد مع الثورة العلمية الحاصلة.

ولا حديث كذلك عن النهوض "النوعي " بالمعرفة العلمية باعتبارها ضرورة اجتماعية وتنموية حاسمة في مسار أمة، والعناية بالتثقيف العلمي للأجيال الناشئة عبر إغناء وسائط التنشيط العلمي وبثها بقوة في مفاصل المجتمع. فهل يكفي الاستئناس والتفتح والنهوض لتحقيق اندماج فوري في نظام عولمي يشهد تمازجا رهيبا بين الكشوفات العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية، أم أننا بأمس الحاجة إلى تربية علمية تحدث تغييرا جذريا لا في فضاءات التعلم الخاصة بل في النسق الحياتي اليومي برمته؟

لاشك أن لتجارب السنوات الأولى من حياة الطفل دورها الآكد في نضجه العقلي والنفسي. وبالنظر إلى كون الأسرة هي الحاضنة الاجتماعية الأولى للطفل فإن ما تسعى لتمريره من اتجاهات وتصورات ينبغي أن يشكل النواة الأولى لتربية علمية قائمة على حفز التساؤل وملكات البحث والاستقصاء، وربط الظواهر الطبيعية والاجتماعية بمسبباتها الموضوعية، بعيدا عن أي مغالطات أو تفسيرات غير معقولة. ومن المؤسف حقا أن الأسرة العربية عموما لم تتحرر بعد من ذاك النسق المغلق من الخرافات والمخاوف والتبريرات الموروثة التي تشحن بها الأم عقل الطفل ووجدانه، وتكبح رغبته في الاستقلالية ومواجهة العالم بحس نقدي وتفكير علمي متجرد. وإذا انضاف إلى هذا الخلل الأسري جملة الإكراهات التي تحكم المدرسة العمومية في تعاطيها مع المعرفة العلمية، فإن الخلاصة المؤلمة التي سطرها الدكتور سعيد إسماعيل علي في مؤلفه (فلسفات تربوية معاصرة) تنتصب أمامنا على النحو الآتي:"يظل العلم إذن مسألة نظرية، لا يعالج واقع الطالب في العالم المتخلف، لا يتيح له فرصة التصدي له وتفسيره بشكل علمي. . إنه يلبس ثوب العلم في المدرسة، يتعامل بشكل لفظي محض مع العلم وقوانينه، بينما هو يتعامل مع واقعه بأسلوب انفعالي، خرافي، تقليدي ".

كما يستلزم مسار التربية العلمية في الوسط المدرسي تعزيز هذا الأخير بفضاءات خاصة تستوعب نشاطات البحث والاستكشاف العلمي خارج جدران الفصل الدراسي. ومما يُلاحظ في هذا الصدد أن الاهتمام بالبحث العلمي، في رؤى ومشاريع الإصلاح ببلادنا، مرتبط في الغالب بالمرحلة الجامعية، في حين أن مرمى المواكبة والاستدماج لتحولات العالم ومستجداته في مجال العلوم يستدعي خلق بنيات مماثلة لمراكز البحث العلمي في جميع الأسلاك، ترتقي عبرها إنجازية المتعلمين، وتتحقق الأهداف النوعية للتربية العلمية كتنمية التفكير العلمي، واكتساب المعارف والخبرات ونظم العمل. إنه الأمر الذي فطنت إليه اليابان حين بادرت إلى إحداث نوادي ومتاحف العلوم لتدريب التلاميذ على مهارات وأساليب تفكير، غير تلك المعلن عنها في المنهاج الخاص بالفصل الدراسي، ومنها:

- الرغبة في التوصل إلى الفهم والبحث عن العلاقات والتفسيرات.

- الاستمتاع بالاستقصاء واليقظة للأشياء غير العادية.

- الانتباه للأشياء غير الواضحة التي تحتاج إلى التركيز والقدرة على بناء المفاهيم.

- القدرة على تقويم الأدلة.

- الميل إلى الوعي والتحكم في توارد الأفكار.

كما تتيح هذه الفضاءات فرصة الاستخدام الحر للخامات والمواد المتوافرة في البيئة أو ما يسمى بالمواد التدريسية لتنفيذ مشاريع علمية (1).

ومن منطلق البعد التكاملي الذي يؤطر علاقة المدرسة بشركائها (القطاع الخاص، المجتمع المدني، الإعلام، المثقفون..)، فإن اندراجهم في نسق منظم، كما تنص على ذلك الرؤية الاستراتيجية آنفة الذكر، يعزز فرص احتكاك الطفل بالثقافة العلمية عبر وسائط متعددة يسهم هؤلاء المتدخلون في توفيرها وتمويلها وتيسير تفاعل الطفل مع المعطى العلمي المتجدد وأبرز قضاياه ورهاناته. وبودي هنا التشديد على دور الإعلام في تقديم معرفة علمية مبسطة ومحفزة للإمكانات المعرفية للطفل، عبر برامج ومناشط تربوية وتفاعلية موصولة بالتنشئة الاجتماعية ومنظومة القيم.

ولا يخفى كذلك دور المثقفين والأدباء في تعزيز الجهد المعرفي الرامي إلى تقريب المادة العلمية من الناشئة عبر ما يُعرف بأدب الخيال العلمي. هذا الجنس القصصي الهام الذي حقق إنجازات كبرى في القرن العشرين بإسهامه في تشكيل المفاهيم الأساسية للأطفال وهي: الزمان، والمكان، والتعبير، والتكيف، والتنوع، والترابط، والطاقة(2).

إن الإطار الانتهازي الذي يتحرك بداخله النظام العولمي لا يتيح المجال لمزيد من هدر فرص استثمار المنجز العلمي غير المسبوق للتفاعل الجاد مع الواقع الإنساني وكسب رهانات التقدم. لذا فإن إقرار إصلاحات عميقة في منظومتنا التربوية ينبغي أن يتخطى أسوار المدرسة صوب "المحيط" بكل مكوناته. فلا فائدة ترجى من انفتاح المدرسة على محيط لم يستوعب بعد أنها لُحمة النموذج التنموي وسداه ! 

***

حميد بن خيبش

..........................

 1- د. عبد اللطيف فرج: طرق التدريس في القرن الواحد والعشرين. عمان 2005. ص69

2- د. عبد الله أبو هيف: التنمية الثقافية للطفل العربي. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق2001. ص136

برحيل يورغن هابرماس، فقد الفكر الفلسفي في القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين أبرز أصواته في مدرسة النظرية النقدية. فهابرماس، الذي ينتسب إلى مدرسة فرانكفورت في امتداد هوركهايمر وأدورنو، لم يُضاهَه أحدٌ في جعل التوتر بين عقل التنوير ومنظومات الهيمنة الاجتماعية موضوعاً محورياً لمشروعه الفلسفي الشامل. وتُعدّ مقالته الطويلة الباكرة "التقنية والعلم بوصفهما إيديولوجيا" (1968) والتي كتبها في خضم حركة الطلاب رداً على "الإنسان ذو البُعد الواحد" لهربرت ماركوزه باكورة مشروعه، وهي تتمتع هنا واليوم براهنية مقلقة، في ضوء التطورات التكنولوجية الهائلة، وهيمنة الذكاء الاصطناعي. وفي هذه المقالة، يطرح هابرماس تحدياً جذرياً لأطروحة السيادة غير المشروطة للعقل التقني، ويسعى إلى إعادة صياغة مفهوم "العقلنة" (Rationalisierung) كما صاغه ماكس فيبر، وكشف الطابع الأيديولوجي الذي اكتسبه التقدم العلمي والتقني في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة.

ينطلق هابرماس من التمييز الجوهري بين نمطين من الفعل الاجتماعي: العمل بوصفه فعلاً غائياً عقلانياً (zweckrationales Handeln) واستراتيجياً يسترشد بقواعد تقنية ومعرفة تجريبية، ويستهدف السيطرة على الطبيعة والمجتمع وفق معايير فاعلية النجاح ومنطق الوسيلة والغاية. والفعل التواصلي (kommunikatives Handeln) الذي يتأسس على التوقعات المعيارية، والمتجذّر في التفاهم المتبادل بين الذوات المتحاورة. يُتيح له هذا التمييز أن يُدقّق في مفهوم فيبر للعقلنة: فالتقنية والعلم لا يُشكّلان قوى إنتاج محايدة فحسب، بل باتا يضطلعان بوظيفة الشرعنة الأيديولوجية للهيمنة في المجتمعات الرأسمالية المنظَّمة عوضاً عن الأيديولوجيات البرجوازية الكلاسيكية. كما أن توسُّع منظومات الفعل العقلاني الغائي (الذرائعي) لم تكن بطبيعتها تحررية، لأنه لا يُستتبع وعلى نحوٍ تلقائيٍّ عقلنة للإطار المؤسسي، أي تَحَرُّر الممارسة التواصلية. بل على العكس، يمكن فهم هذا التوسع باعتباره مساراً أيديولوجياً يُهمّش الأسئلة العملية، ويطمُس علاقات الهيمنة تحت غطاء الضرورة التقنية.

يبدأ هابرماس بمناقشة أطروحة ماكس فيبر حول "العقلنة"، حيث يرى فيبر أن العقلانية الغائية تمتد لتشمل كافة مجالات الحياة، لكن هابرماس يركز بشكل خاص على نقد هربرت ماركوزه، الذي جادل بأن التقنية في حد ذاتها أصبحت "مشروعاً سياسياً" وشكلاً من أشكال الهيمنة، الأمر الذي يتفق معه هابرماس كلياً، لكنه يرفض مقترح ماركوزه بالبحث عن "تكنولوجيا جديدة/بديلة" أو "علم جديد"، ويجادل بأن التكنولوجيا شكلٌ متجذر أنثروبولوجيّاً من أشكال التكيف الفعال بين الكائن البشري والطبيعة، والذي لا يمكن استبداله ببساطة بمجرد تفاعل "أخوي" مع الطبيعة.

يرى هابرماس أن التحول الأكبر في المجتمع الرأسمالي المتأخر هو أن العلم والتقنية أصبحا المصدر الأساسي لشرعية النظام السياسي في ظل تراجع الأيديولوجيات التقليدية. ففي المجتمعات التقليدية، كانت السلطة تُبرَّر عبر الأساطير أو الدين، وفي الرأسمالية الليبرالية كان السوق (التبادل العادل) هو المبرر، أما الآن، فإن تحسين مستوى المعيشة بفضل التقدم العلمي هو من بات يضمن ولاء الجماهير. يخشى هابرماس بأن هذه السيرورة العلمية-التقنية ستؤدي في نهاية المطاف إلى نزع الصبغة السياسية (Depoliticization)، حيث سيتم تحويل القضايا السياسية (التي هي قضايا عملية تتعلق بـ "الحياة الخيرة") إلى قضايا تقنية وإدارية (بيروقراطية) بحتة. وبذلك، تظهر القرارات السياسية كأنها ناتجة عن "ضرورات تقنية"، ولم تعد هناك حاجة لمناقشتها، مما يجعل النقاش العام (الديمقراطي) يبدو غير ضروريا.

يصف هابرماس في مقالته "الوعي التكنوقراطي" بأنه أخطر من الأيديولوجيات القديمة لأنه يمحو التمييز بين الممارسة العملية والتقنية في أذهان الناس، كما لا يعكس رفضاً للسياق الأخلاقي، بل قمعاً لمفهوم "الأخلاق" كفئة تُعنَى بظروف الحياة عموماً، ويُجرِّد الوعي العام إطار التفاعل اليومي الذي تنشأ فيه الهيمنة والأيديولوجيا. هذا الوعي يجعل المجتمع بالضرورة أو بالحاجة ينظر إلى نفسه كنظام "ذاتي التنظيم" لا يحتاج سوى إلى الإدارة الفنية. وبهذا يُعامِل البشر أنفسهم ومجتمعهم وفق معايير الفعل الغائي العقلاني والسلوك التكيفي فقط، متجاهلين إمكانية الفعل التواصلي الحر. بينما يؤكد هابرماس أن التحرر الحقيقي لا يأتي من زيادة الكثافة أو الفاعلية التقنية، بل من "عقلنة التفاعل" البشري ذاته، وإزالة القيود/استراتيجيات الهيمنة عن التواصل الاجتماعي، وإقامة نقاش عام حر وعلني وخالٍ من التشوّه حول المعايير والغايات الاجتماعية.

يمنح عصر الذكاء الاصطناعي أطروحات هابرماس الجوهرية راهنيةً مقلقة، ويدفع تناقضاتها الداخلية إلى ذروتها. كانت عقلانية السيطرة التي حللها هابرماس في الرأسمالية المتأخرة تتوسل بالتقنية لإضفاء الشرعية على نفسها؛ أما في عصر الخوارزميات فإنها تتخذ شكلاً جديداً بالغ الكفاءة في التمويه. فحين كان التقدم العلمي-التقني في عام 1968 يحلّ محل التشكيل السياسي للإرادة العامة بوصفه أساساً للشرعية، يضطلع الذكاء الاصطناعي اليوم بهذه الوظيفة بقُدرة إخفاء أكبر بكثير: فقراراته لا تبدو سياسية، بل رياضية تلقائية، نتائج لعمليات تحسين لا تحتاج إلى أي مسوّغ معياري. وبذلك يكتمل ما وصفه هابرماس بأنه اللبّ الأيديولوجي للوعي التكنوقراطي: محو الفارق بين الممارسة العملية والتقنية. وفي الوقت ذاته تتحول طبيعة العمل ذاته تحولاً جوهرياً. كان هابرماس قد حدّد العمل باعتباره فعلاً عقلانياً ذرائعياً مهيكلاً بقواعد تقنية، تؤدي عقلنته إلى رفع الطاقة الإنتاجية دون أن يستلزم ذلك بالضرورة تحوّلاً في الإطار المؤسسي. غير أن الذكاء الاصطناعي ينخر هذا التحديد من الداخل: فهو لا يستولي على المهام الأداتية المتكررة فحسب، بل يتوغل في تلك المجالات التي كانت حكراً على الفعل التواصلي عند هابرماس: التشخيص، والإرشاد، والحجاج، والتأويل. فحين تُصدِر النماذج اللغوية الكبرى تقارير خبيرة، وتُحاكي المحادثات العلاجية، وتُمهّد للقرارات القانونية، لا تتلاشى الحدود بين العمل والتفاعل في الوعي فحسب، بل في الواقع المؤسسي ذاته. وتكتسب شرعية السيطرة بذلك نوعاً جديداً من انعدام القابلية للاعتراض أو الاختراق: فحيث يَحكُم القاضي يمكن مساءلة حكمه وتعليله؛ وحيث تُصنِّف الخوارزمية من يستحق الائتمان أو من يُعزّل طلب توظيفه تتوارى القرارات المعيارية وراء عقلانية تُقدِّم نفسها في موقف المحايد من القيم. كان هابرماس قد بيّن أن عقلانية العلم والتقنية تُنتِج في صورتها معرفةً قابلة للتوظيف التقني تُخفي مضمونها السياسي. والذكاء الاصطناعي يُجذّر هذا التشخيص: فهو لا يُنتج فحسب معرفةً تبدو محايدة سياسياً، بل يتخذ قرارات مُشفَّرة هيكلياً باعتبارها لاسياسية، في حين أنها متجذرة في علاقات الهيمنة تجذراً عميقاً. وبذلك، أصبحت المسألة التي طرحها هابرماس - وهي كيف يمكن ضمان التواصل الخالي من الهيمنة والتشوّه على الصعيد المؤسسي في مواجهة نزع الطابع السياسي التكنوقراطي - أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وفي الوقت نفسه أصعب في الإجابة عنها؛ لأن "الذات التواصلية"، التي بنى هابرماس آماله عليها، لا تتشكل اليوم بفعل الإكراهات الاقتصادية فحسب، بل بفعل البنية التحتية للخوارزميات وعملية تكوين الإدراك والحكم عليها.

***

أمين اليافعي

تُعَدُّ مسألة العقلانية مِن أهم القضايا الفلسفية في الفِكر المُعاصر، خُصوصًا في سِياق المُجتمعات التي تبحث عن سُبل للخُروج من أزماتها الفِكرية والسياسية والحضارية. وفي هذا السِّياق، يَبرُز مشروعان فلسفيَّان كبيران: مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935- 2010 )، ومشروع الفيلسوف الألماني يُورغِن هابِرماس ( 1929- 2026 ).

وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والثقافية التي انطلقَ منها كُلٌّ مِنهما، إلا أنَّ كِلَيهما سعى إلى تأسيس شكل من أشكال العقلانية النَّقْدية القادرة على تجاوز الجُمود الفِكري، وإعادةِ بناء العلاقة بين العقل والمعرفة والمجتمع.

ينطلق الجابري مِن إشكالية العقل العربي، وتُراثِه المعرفي، بَينما ينطلق هابرماس من نقد الحداثة الغربية، ومُحاولة تصحيح مسارها. ومعَ ذلك، فإنَّ مشروعهما يلتقيان في نقطة مركزية، هي السَّعْي إلى تحرير العقل مِن سُلُطات الهَيمنة، سواءٌ كانتْ هَيمنة التراث غَير المَفحوص، أوْ هَيمنةِ السُّلطة التقنية والأيديولوجية.

ارتبط الجابري بمشروع فِكري ضخم هو نقد العقل العربي، الذي سعى فيه إلى تحليل البُنية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية، وقدْ تجسَّد هذا المشروع في سِلسلة كُتُب.

يَرى الجابري أنَّ العقل العربي تشكَّل تاريخيًّا مِن خِلال ثلاثة أنظمة معرفية رئيسية:

1- البيان: وهو نظام المعرفة القائم على النَّص واللغة والفِقْه والبلاغة.

2- العِرفان: وهو المعرفة الصوفية والإشراقية التي تعتمد على الكشف والباطن.

3- البُرهان: وهو المعرفة العقلية المنطقية التي تجسَّدتْ في الفلسفة الأرِسْطِيَّة.

ومِنْ خِلال تحليله لهذه الأنظمة، يَخلُص الجابري إلى أنَّ هيمنة البيان والعِرفان أدَّتْ إلى إضعاف العقلِ البُرهاني في الثقافة العربية، مِمَّا جَعل التفكيرَ النقدي محدودًا، لذلك يَدعو إلى إعادة الاعتبار للعقلِ البُرهاني، بوصفه أساسًا لإقامة عقلانية نقدية حديثة.

العقلانية عِند الجابري لَيست مُجرَّد استخدام للعقل، بَلْ هي مُمارسات نقدية للتُّراث، فهو يَرفض القطيعةَ التَّامَّة مع التراث، كما يَرفض أيضًا التقديسَ المُطْلَق له. وبدلًا من ذلك، يقترح منهجًا يقوم على قراءة التراث قراءة تاريخية إبستمولوجية تكشف بُنياته المعرفية وحدوده. والإبستمولوجيا: هي فَرْع من فُروع الفلسفة يدرس طبيعةَ المعرفة وحدودها، وكيف نحصل عليها.

بهذا المَعنى، فإنَّ العقلانية النقدية عند الجابري هي مشروع إعادة بناء للعقل العربي من الداخل، عَبْر تفكيك أنظمته المعرفية، وإعادة ترتيبها، بما يَسمح بظهور عقل حديث قادر على إنتاج المعرفة، والتفاعل مع العَصْر.

ينتمي هابرماس إلى الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، وهي المدرسة الفلسفية التي انشغلتْ بنقد المجتمع الرأسمالي الحديث، ونقدِ أشكالِ الهَيمنة في الثقافة والسياسة.

في عمله الفلسفي الكبير: نظرية الفِعْل التواصلي، يطرح هابرماس مفهوم العقلانية التواصلية، بوصفه بديلًا عن العقلانية الأداتية التي سيطرتْ على الحداثة الغربية. فالعقلانية الأداتية تَختزل العقلَ في قُدرته على السيطرة التقنية، وتحقيقِ الأهداف، بَينما تُهمل البُعدَ التواصلي للحياة الإنسانية.

يَرى هابرماس أنَّ الإنسان كائنٌ تواصلي بطبيعته، وأنَّ اللغة لَيست مُجرَّد أداة لنقل المعلومات، بَلْ هي فضاء للتفاهم، وبناءِ المعنى المُشترك. وَمِنْ هُنا تنشأ فِكرة الفِعل التواصلي، الذي يقوم على الحِوار الحُر بين الأفراد بهدف الوصول إلى اتفاق عقلاني.

تقوم العقلانية النقدية عند هابرماس على عِدَّة مبادئ أساسيَّة:

1- الحِوار العقلاني بدل الإكراه والسُّلطة.

2- الفضاء العُمومي بوصفه مجالًا للنقاش الديمقراطي الحُر.

3- نقد الأيديولوجيا التي تُشوِّه التواصلَ بين الأفراد.

4- تحرير العقل من الهَيمنة التقنية والسياسية.

وعلى الرغم من اختلاف السِّياق الحضاري بين المفكرَيْن، يُمكن رصد عدد مِن نقاط التقارب بين مشروعَيْهِما:

1- مركزية النقد: كِلا المشروعَيْن يقوم على فِكرة النقد. الجابري يُمارس نقدًا للعقل التُّراثي، بَينما يُمارس هابرماس نقدًا للعقل الأداتي في الحداثة الغربية.

2- تحرير العقل مِن الهَيمنة: يَسعى الجابري إلى تحرير العقل العربي مِن سُلطة التقليد غَيْر المفحوص، بَينما يَسعى هابرماس إلى تحرير العقل مِن هَيمنة البيروقراطية والتقنية والرأسمالية.

3- إعادة تأسيس العقلانية: كِلاهما لا يرفض العقلانية، بَلْ يسعى إلى إعادة تعريفها. الجابري يُؤَسِّس عقلانية بُرهانية نقدية، بَينما يُؤَسِّس هابرماس عقلانية تواصلية ديمقراطية.

4- العلاقة بين المعرفة والمجتمع: يَرى المُفكِّران أنَّ الفِكر لَيس معزولًا عن الواقع الاجتماعي والسِّياسي، بَلْ هو جُزء من عملية تاريخية تتداخل فيها المعرفة مع السُّلطة والثقافة.

****

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

رحيل الفيلسوف وبقاء العقلانية التواصلية

رحل اليوم الفيلسوف الألماني الكبير يورغن هابرماس عن عمر ناهز 96 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا فكريًا ضخمًا شكّل مسار الفلسفة النقدية والسياسية في أوروبا والعالم. وُلد هابرماس عام 1929 وعاش طفولته في ظل النازية، ثم أصبح لاحقًا أحد أبرز الأصوات المدافعة عن الديمقراطية والعقلانية التواصلية. بوفاته، تفقد الساحة الفكرية واحدًا من آخر أعمدة مدرسة فرانكفورت النقدية، ورمزًا عالميًا للحوار الفلسفي حول الحرية، العدالة، والفضاء العام.

رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يُغلق فصلًا طويلًا في تاريخ الفلسفة الأوروبية الحديثة، إذ كان واحدًا من أبرز العقول التي شكّلت الفكر النقدي والسياسي والاجتماعي في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. وُلد هابرماس عام 1929، وعاش طفولته في ظل النازية، وهو ما ترك أثرًا عميقًا على مشروعه الفكري الذي سعى فيه إلى بناء فضاء عام ديمقراطي يقوم على العقلانية التواصلية، بعيدًا عن الاستبداد والأيديولوجيات المغلقة.

لقد مثّل هابرماس الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية، لكنه تجاوز حدود النقد الماركسي التقليدي ليؤسس نظرية متكاملة حول الفعل التواصلي، حيث اعتبر أن الحوار العقلاني بين المواطنين هو أساس الشرعية السياسية والديمقراطية الحديثة. في زمن تتصاعد فيه الشعبوية والأزمات العالمية، ظل هابرماس يذكّر بأن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل هي مشروع ثقافي وأخلاقي يقوم على الاعتراف المتبادل والبحث عن الحقيقة المشتركة.

كان تأثيره واسعًا على الفلسفة السياسية، علم الاجتماع، والعلوم الإنسانية عمومًا. فقد دافع عن الاتحاد الأوروبي باعتباره نموذجًا للتكامل السلمي، وانتقد النزعات القومية الضيقة، كما خاض سجالات فكرية مع كبار الفلاسفة المعاصرين مثل ميشيل فوكو، جاك دريدا، ونيكلاس لومان. ورغم تقدمه في العمر، ظل حاضرًا في النقاشات الفكرية حتى السنوات الأخيرة، محذرًا من مخاطر التكنولوجيا غير المنضبطة، ومن تآكل الفضاء العام أمام هيمنة الإعلام الرقمي.

إن وفاة هابرماس لا تعني فقط فقدان فيلسوف بارز، بل تمثل أيضًا لحظة للتأمل في إرثه الفكري: كيف يمكن لمجتمعات اليوم أن تستعيد قيمة الحوار العقلاني في زمن الانقسامات، وكيف يمكن أن نعيد بناء فضاء عام يوازن بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية.

السيرة والخلفية التاريخية ليورغن هابرماس

ولد يورغن هابرماس في مدينة دوسلدورف الألمانية عام 1929، في فترة مضطربة سياسياً واجتماعياً، حيث كانت ألمانيا تعيش تحت حكم النازية. هذه التجربة المبكرة تركت بصمة عميقة في وعيه الفلسفي، إذ نشأ في مجتمع يهيمن عليه خطاب سلطوي مغلق، وهو ما دفعه لاحقاً إلى البحث عن بدائل تقوم على العقلانية الحوارية والحرية الديمقراطية.

نشأ هابرماس في أسرة متوسطة، وكان يعاني منذ طفولته من مشكلة صحية في الفك أثرت على نطقه، الأمر الذي جعله أكثر ميلاً إلى القراءة والكتابة والتأمل. بعد الحرب العالمية الثانية، التحق بجامعة غوتنغن ثم بجامعة بون حيث درس الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، قبل أن يتأثر بعمق بأعمال الفيلسوف إدموند هوسرل والفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر. لكنه سرعان ما انتقد هايدغر بسبب ارتباطه بالنازية، وهو ما شكّل بداية مسافة نقدية بين هابرماس والفلسفة الألمانية التقليدية.

في خمسينيات القرن العشرين، انضم هابرماس إلى معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، ليصبح أحد أبرز ممثلي الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية. هذه المدرسة التي أسسها مفكرون مثل ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، كانت تسعى إلى تحليل المجتمع الحديث من منظور نقدي يجمع بين الفلسفة الماركسية والتحليل النفسي وعلم الاجتماع. غير أن هابرماس تميز عن أسلافه بتركيزه على إمكانيات التواصل العقلاني كأداة لتجاوز الأزمات الاجتماعية والسياسية.

خلال مسيرته الأكاديمية، شغل هابرماس مناصب بارزة، منها أستاذية الفلسفة الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، وأستاذ زائر في جامعات أمريكية مثل هارفارد. كما نشر أعمالاً مؤثرة منذ ستينيات القرن الماضي، مثل كتابه الشهير "التحول البنيوي للفضاء العام" (1962) الذي حلل فيه نشأة المجال العام البرجوازي في أوروبا، وكيف أصبح الحوار العقلاني بين المواطنين أساساً لتطور الديمقراطية الحديثة.

منذ ذلك الحين، أصبح هابرماس أحد أكثر الفلاسفة تأثيراً في العالم، حيث تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، واعتمدت أفكاره في مجالات متعددة من الفلسفة السياسية إلى علم الاجتماع والقانون. وقد حصل على جوائز مرموقة مثل جائزة أمير أستورياس للعلوم الاجتماعية (2003)، واعتُبر مرجعاً أساسياً في النقاشات الفكرية الأوروبية حول الديمقراطية والهوية والتكامل الأوروبي.

نظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس

يُعتبر مفهوم الفعل التواصلي (Kommunikatives Handeln) حجر الأساس في مشروع هابرماس الفلسفي، وهو الإطار الذي من خلاله حاول أن يعيد بناء الفلسفة الاجتماعية والسياسية على قاعدة عقلانية جديدة. نشر هابرماس كتابه الضخم "نظرية الفعل التواصلي" (1981) في مجلدين، حيث قدّم فيه تصورًا متكاملًا عن كيفية تنظيم الحياة الاجتماعية عبر الحوار العقلاني، بعيدًا عن الهيمنة الأيديولوجية أو العنف الرمزي.

يرى هابرماس أن المجتمعات الحديثة لا يمكن أن تستمر في الاعتماد على الشرعية التقليدية (الدين، السلطة الأبوية، أو الأيديولوجيات المغلقة)، بل تحتاج إلى شرعية تقوم على التواصل الحر والمتكافئ بين الأفراد. في هذا السياق، يصبح الفعل التواصلي هو العملية التي يسعى فيها المشاركون إلى التفاهم عبر اللغة، لا لتحقيق مصالح فردية ضيقة، بل للوصول إلى اتفاق عقلاني مشترك.

من الناحية النظرية، يميز هابرماس بين نوعين من الأفعال:

الفعل الأداتي (Instrumental Action): حيث يسعى الفرد لتحقيق أهدافه الخاصة باستخدام الوسائل المتاحة.

الفعل التواصلي (Communicative Action): حيث يسعى الأفراد إلى التفاهم المتبادل، ويضعون الحقيقة والصدق والشرعية في مركز الحوار.

هذا التمييز سمح له بتطوير مفهوم العقلانية التواصلية، التي تختلف عن العقلانية الأداتية التي انتقدها بشدة في أعماله. فالعقلانية التواصلية لا تقتصر على حسابات المنفعة، بل تقوم على قيم الاعتراف المتبادل، الصدق، والبحث عن الحقيقة المشتركة.

في كتابه، اعتمد هابرماس على معطيات من علم الاجتماع، الفلسفة التحليلية، واللسانيات، ليؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي البنية الأساسية التي من خلالها يُبنى المجتمع. ومن هنا جاءت مقولته الشهيرة بأن اللغة هي وسيط التفاهم الاجتماعي، وأن أي نظام سياسي أو اجتماعي يفقد شرعيته إذا لم يسمح بفضاء عام مفتوح للنقاش العقلاني.

أثر هذه النظرية كان واسعًا:

في الفلسفة السياسية، وفرت أساسًا جديدًا لفهم الديمقراطية باعتبارها عملية نقاش مستمر وليست مجرد آلية انتخابية.

في علم الاجتماع، أعادت النظر في كيفية فهم المؤسسات الاجتماعية باعتبارها فضاءات للتواصل لا مجرد هياكل للسلطة.

في القانون، ألهمت نقاشات حول الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان باعتبارها نابعة من التوافق العقلاني بين المواطنين.

لقد أراد هابرماس أن يضع حدًا لهيمنة العقل الأداتي التي انتقدها أسلافه في مدرسة فرانكفورت، وأن يفتح المجال أمام عقلانية جديدة قادرة على مواجهة تحديات الحداثة، من التكنولوجيا إلى العولمة، عبر الحوار والتفاهم لا عبر الصراع أو الإقصاء.

الفضاء العام والديمقراطية

عندما كتب هابرماس كتابه المبكر "التحول البنيوي للفضاء العام" عام 1962، كان يسعى إلى فهم كيف نشأ المجال العام البرجوازي في أوروبا الحديثة، وكيف أصبح الحوار العقلاني بين المواطنين أساسًا لتطور الديمقراطية. بالنسبة له، الفضاء العام ليس مجرد ساحة للنقاش، بل هو البنية التي تتيح للمجتمع أن يراقب السلطة، وأن يشارك في صياغة الشرعية السياسية.

في تحليله، أظهر أن الفضاء العام في بداياته كان مرتبطًا بالمقاهي، الصحف، والصالونات الثقافية، حيث كان المواطنون يتناقشون حول الشؤون العامة بعيدًا عن هيمنة الدولة أو السوق. هذا النموذج، في نظره، هو ما منح الديمقراطية الأوروبية قوتها، لأنه جعل المشاركة السياسية قائمة على النقاش العقلاني لا على الولاءات التقليدية أو المصالح الضيقة.

لكن هابرماس لم يكتف بوصف الماضي، بل انتقد بشدة ما أسماه "تآكل الفضاء العام" في المجتمعات الحديثة. فقد لاحظ أن الإعلام الجماهيري، والإعلانات التجارية، وهيمنة السوق، كلها عوامل أدت إلى تحويل الفضاء العام من ساحة للنقاش الحر إلى مجال تسيطر عليه القوى الاقتصادية والسياسية. وهنا يظهر قلقه من أن الديمقراطية قد تتحول إلى مجرد إجراءات شكلية إذا فقدت أساسها الحقيقي: الحوار العقلاني بين المواطنين.

في هذا السياق، شدد على أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات أو مؤسسات، بل هي عملية مستمرة من النقاش والتداول. الشرعية السياسية، في نظره، لا تُبنى إلا عندما يشعر المواطنون أنهم شركاء في الحوار، وأن أصواتهم مسموعة في المجال العام. ولهذا كان دائمًا ينتقد الشعبوية، لأنها تختزل النقاش في شعارات عاطفية وتغلق الباب أمام العقلانية التواصلية.

أهمية هذا الطرح تكمن في أنه يربط بين النظرية والممارسة: فهابرماس لم يكن يتحدث عن الديمقراطية كمفهوم مجرد، بل كان يحلل كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على فضاء عام حيّ، وكيف يمكن أن تواجه التحديات الجديدة مثل الإعلام الرقمي، العولمة، وصعود الحركات القومية. بالنسبة له، كل هذه التحديات تهدد الفضاء العام، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال لإعادة التفكير في كيفية بناء ديمقراطية أكثر شمولًا وعدلًا.

بهذا المعنى، يمكن القول إن هابرماس قدّم أحد أهم الإسهامات في فهم الديمقراطية الحديثة، ليس فقط كآلية سياسية، بل كفضاء ثقافي واجتماعي يقوم على التواصل والاعتراف المتبادل.

موقف هابرماس من الدين والسياسة

من بين القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً في فكر هابرماس كان موقفه من الدين في المجتمعات الحديثة. فهو لم يتعامل مع الدين باعتباره مجرد بقايا من الماضي يجب تجاوزها، بل رأى أن الدين يظل قوة حاضرة في المجال العام، وأن الديمقراطية لا يمكن أن تتجاهل هذا الحضور. في كتاباته المتأخرة، وخاصة منذ مطلع الألفية، شدد على أن المجتمعات العلمانية تحتاج إلى أن تتعلم كيف تنصت للأصوات الدينية، وأن تترجم مضامينها إلى لغة عقلانية مشتركة يمكن أن يفهمها الجميع.

هذا الموقف جاء نتيجة إدراكه أن الدين لا يزال يلعب دوراً في تشكيل القيم والأخلاق، وأن استبعاده الكامل من المجال العام قد يؤدي إلى فقدان مصادر مهمة للمعنى والشرعية. لكنه في الوقت نفسه كان حريصاً على أن يظل المجال العام عقلانياً، أي أن الخطاب الديني يجب أن يُقدَّم بطريقة تسمح بالحوار مع غير المؤمنين، وأن يخضع لمعايير النقاش العقلاني التي تضمن المساواة والاعتراف المتبادل.

في هذا السياق، دخل هابرماس في سجالات فكرية مع فلاسفة مثل جاك دريدا حول العلاقة بين الدين والعقل، ومع مفكرين ألمان حول مستقبل العلمانية في أوروبا. كان يرى أن الحداثة لم تُلغِ الدين، بل أعادت تشكيله في فضاء جديد، وأن التحدي يكمن في إيجاد صيغة للتعايش بين العقلانية العلمانية والتجارب الدينية دون أن يهيمن أحدهما على الآخر.

أما في السياسة، فقد كان هابرماس مدافعاً قوياً عن الديمقراطية الليبرالية، لكنه لم يتردد في نقدها عندما تتحول إلى مجرد آليات شكلية. كان يعتبر أن الشرعية السياسية لا تُبنى فقط على المؤسسات، بل على النقاش العام الذي يشارك فيه الجميع، بمن فيهم المتدينون. ولهذا كان يرفض أي نزعة إقصائية، سواء جاءت من العلمانية المتشددة أو من الأصولية الدينية.

موقفه هذا جعل منه صوتاً فريداً في الفلسفة الأوروبية: فهو لم ينحز إلى العلمانية المطلقة التي ترى الدين عائقاً، ولم ينحز إلى الخطاب الديني الذي يطالب بالهيمنة، بل حاول أن يرسم طريقاً ثالثاً يقوم على الحوار والترجمة المتبادلة بين اللغات الدينية والعقلانية. بهذا المعنى، كان هابرماس يسعى إلى بناء مجتمع تعددي قادر على استيعاب الاختلافات دون أن يفقد وحدته الديمقراطية.

هابرماس وأوروبا

منذ عقود طويلة، كان يورغن هابرماس أحد أبرز الأصوات المدافعة عن فكرة أوروبا الموحدة. بالنسبة له، الاتحاد الأوروبي لم يكن مجرد مشروع اقتصادي أو سوق مشتركة، بل كان تجربة تاريخية فريدة تهدف إلى تجاوز النزعات القومية الضيقة التي قادت القارة إلى حروب مدمرة في القرن العشرين. لقد رأى في أوروبا نموذجًا للتكامل السلمي، حيث يمكن لشعوب مختلفة أن تتعايش وتبني مؤسسات مشتركة على أساس الحوار والديمقراطية.

في كتاباته ومداخلاته العامة، كان هابرماس يصر على أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى مزيد من الشرعية الديمقراطية، وأنه لا يمكن أن يظل مجرد مشروع للنخب السياسية والاقتصادية. كان يطالب بفضاء عام أوروبي، حيث يتناقش المواطنون عبر الحدود حول القضايا المشتركة، ويشعرون أنهم جزء من مجتمع سياسي واحد. بالنسبة له، هذه هي الطريقة الوحيدة لمواجهة التحديات الكبرى مثل العولمة، الأزمات الاقتصادية، والهجرة.

لم يكن هابرماس غافلاً عن الأزمات التي واجهها الاتحاد الأوروبي، من أزمة الديون اليونانية إلى صعود الحركات القومية والشعبوية في دول عدة. لكنه كان يرى أن الحل لا يكمن في الانسحاب أو التفكك، بل في تعميق التكامل الديمقراطي. كان يعتبر أن أوروبا إذا أرادت أن تكون لاعبًا عالميًا قادرًا على مواجهة القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين، فعليها أن تبني مؤسسات أكثر قوة وشرعية، وأن تمنح مواطنيها دورًا أكبر في صياغة السياسات.

كما كان له موقف واضح من قضية اللاجئين والمهاجرين في أوروبا. فقد انتقد بشدة السياسات التي تسعى إلى إغلاق الحدود أو التعامل مع اللاجئين باعتبارهم عبئًا، مؤكداً أن أوروبا لا يمكن أن تدافع عن قيمها الإنسانية والديمقراطية إذا تجاهلت حقوق هؤلاء. بالنسبة له، استقبال اللاجئين ودمجهم في المجتمع الأوروبي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو جزء من مشروع أوروبا كفضاء للتعددية والاعتراف المتبادل.

بهذا المعنى، كان هابرماس يرى أن مستقبل أوروبا مرتبط بقدرتها على الحفاظ على فضاء عام مفتوح، وعلى بناء هوية سياسية مشتركة تتجاوز الانقسامات القومية والدينية. لقد ظل حتى سنواته الأخيرة يكتب ويحاضر عن ضرورة أن تتحول أوروبا إلى "ديمقراطية عبر وطنية"، حيث يكون المواطن الأوروبي شريكًا فعليًا في تقرير مصير القارة.

إرث هابرماس الفكري وتأثيره العالمي

إرث يورغن هابرماس لا يقتصر على الفلسفة الألمانية أو الأوروبية، بل يمتد إلى الفكر العالمي بأسره. فمنذ ستينيات القرن الماضي، أصبحت أعماله مرجعًا أساسيًا في النقاشات حول الديمقراطية، الفضاء العام، والعقلانية الحديثة. الجامعات في أوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة اعتمدت نصوصه في تدريس الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع، كما تُرجمت كتبه إلى معظم اللغات الكبرى، ما جعله حاضرًا في كل النقاشات الفكرية العابرة للقارات.

أثره كان واضحًا في عدة مجالات. ففي الفلسفة السياسية، قدّم أساسًا جديدًا لفهم الديمقراطية باعتبارها عملية نقاش عقلاني مستمر، وليس مجرد آليات انتخابية. وفي علم الاجتماع، أعاد النظر في المؤسسات الاجتماعية باعتبارها فضاءات للتواصل، لا مجرد هياكل للسلطة. أما في القانون، فقد ألهم نقاشات واسعة حول الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان، مؤكداً أن هذه الحقوق لا تُستمد من نصوص جامدة، بل من توافق عقلاني بين المواطنين.

كما كان له تأثير مباشر على النقاشات العامة والسياسية في أوروبا. فقد كان من أبرز المدافعين عن الاتحاد الأوروبي، وعن فكرة الديمقراطية عبر وطنية، حيث يرى أن مستقبل القارة يعتمد على قدرتها على بناء فضاء عام مشترك يتجاوز الحدود القومية. في الوقت نفسه، لم يتردد في نقد الشعبوية وصعود النزعات القومية، محذرًا من أن هذه الاتجاهات تهدد المشروع الديمقراطي الأوروبي.

على المستوى العالمي، ألهم هابرماس مفكرين في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، حيث استُخدمت نظرياته في تحليل قضايا الهوية، العدالة الاجتماعية، والاندماج الثقافي. حتى في النقاشات حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ظل حضوره بارزًا، إذ كان يحذر من أن التقدم التقني إذا لم يُضبط بقيم عقلانية تواصلية، قد يؤدي إلى تآكل الفضاء العام وإضعاف الديمقراطية.

رحيله اليوم يفتح الباب أمام إعادة قراءة إرثه في ضوء التحديات الراهنة: من الأزمات البيئية إلى الانقسامات الرقمية، ومن صعود الشعبوية إلى تراجع الثقة في المؤسسات. إرث هابرماس يذكّرنا بأن الحل لا يكمن في الانغلاق أو الإقصاء، بل في الحوار المستمر، وفي البحث عن أرضية مشتركة تُبنى عليها الشرعية السياسية والاجتماعية.

رحيل هابرماس وبقاء أسئلة العقلانية والديمقراطية

رحيل يورغن هابرماس لا يمثل مجرد فقدان شخصية أكاديمية بارزة، بل هو لحظة فارقة في تاريخ الفكر الأوروبي والعالمي. لقد كان آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية، وأحد الأصوات القليلة التي استطاعت أن تربط بين النظرية الفلسفية والتحديات العملية للمجتمع الحديث. بغيابه، يخسر العالم عقلًا ظل طوال عقود يذكّرنا بأن الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات أو إجراءات، بل هي مشروع ثقافي وأخلاقي يقوم على الحوار العقلاني والاعتراف المتبادل.

اليوم، ونحن نعيش في زمن تتصاعد فيه الشعبوية والانقسامات الرقمية، وتضعف فيه الثقة بالمؤسسات، تبدو أفكار هابرماس أكثر راهنية من أي وقت مضى. فدعواته إلى بناء فضاء عام حيّ، وإلى إعادة الاعتبار للعقلانية التواصلية، هي دعوات ضرورية لمواجهة التحديات التي تهدد المجتمعات الحديثة. إن إرثه الفكري يفتح أمامنا سؤالًا كبيرًا: كيف يمكن أن نعيد بناء الثقة بين المواطنين، وأن نخلق لغة مشتركة تسمح بالتفاهم رغم الاختلافات؟

الخاتمة إذن ليست مجرد وداع لفيلسوف رحل، بل هي دعوة لإعادة قراءة أعماله في ضوء اللحظة الراهنة. فهابرماس ترك لنا أدوات فكرية تساعدنا على فهم أزمات الديمقراطية، وعلى البحث عن حلول تتجاوز الانغلاق والإقصاء. إن استعادة إرثه ليست تكريمًا لذكراه فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية فكرية وأخلاقية تجاه المستقبل.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

مفتتح: ثمة طريقة مريحة لقراءة الفلاسفة بعد وفاتهم: أرشفتهم في صور تماثيل من المرمر، عاليةٍ ونظيفة وصامتة، يُرشّ عليها ماء التبجيل دون أن يتجرأ أحدٌ على اختبار صلابتها. لكن هابرماس (1929-2026)، الذي وافته المنية في الرابع عشر من مارس 2026 عن ستةٍ وتسعين عامًا حافلةً بالجدل والعطاء، يستحق شيئًا أصعب وأعمق: أن يُقرأ في تناقضاته لا في مجرد إنجازاته، فالفيلسوف الحقيقي لا يُعرَف من خلال ما تقوله نظرياته فحسب، بل من خلال المسافة التي تفصل تلك النظريات عن مواقفه في لحظات الامتحان الحقيقي.

وقد كانت لحظة الامتحان الكبرى في 07 أكتوبر 2023، حين وقّع هابرماس بيانًا مُثيرًا للجدل في خضم الحرب المدمرة على غزة، بيانٌ يُشكّك في مشروعية المقاومة الفلسطينية ويتجاهل بصورةٍ لافتة ذلك التماثل الذي طالما أعلنه ركيزةً لأخلاقيات الخطاب. لم يكن الأمر مجرد زلّةٍ سياسية عابرة — بل كانت شاهدًا فاضحًا لذلك المأزق الذي لم تتمكن أي فلسفةٍ كونية من الفرار منه: ارتطام الحجة الكلية بسياج الانتماء الخاص. ولهذا، فإن قراءة هابرماس لا ينبغي أن تسير على طريقة من قرأ حنّة أرندت قراءةَ الأيقونة المُبجَّلة، بل ينبغي أن تكون قراءة من يُمسك الفكر من تلابيبه ويسأله: هل كنت أمينًا لنفسك؟ وإن لم تكن، فماذا يُعلّمنا هذا الإخفاق عن طبيعة العقل الإنساني ذاته؟

هذا هو المفتتح الحقيقي لقراءة رجلٍ أمضى ستة عقودٍ في بناء فلسفةٍ للعقل التواصلي، ثم وجد في نهاية المطاف نفسه أسيرَ ذلك العالم المعاش الذي حذّر منه طويلًا. فالاغتراب الفلسفي — حين تتحول الفكرة الكبرى إلى أداةٍ طيّعة في يد الانتماء الهوياتي — ليس إخفاقًا يخص هابرماس وحده؛ إنه المرآة التي تكشف هشاشة كل مشروعٍ إنساني يدّعي الكونية.

 من رحم الكارثة: ميلاد الفيلسوف

وُلد يورغن هابرماس في دوسلدورف عام 1929، وترعرع في كومرباخ قرب كولونيا، وكان من جيلٍ حمل على عاتقيه ثقل الهوية الألمانية المكسورة. نشأ طفلًا في زمن هتلر، مرّ بتجربة شبيبة هتلر كما مرّ بها ملايين أترابه، وصنّفته لجان التطهير بعد الحرب بوصفه مجرد «مُسايِر», ولد أيضًا حاملًا علامةً جسدية تعرّضه للتهميش داخل أيديولوجيا «الجنس الأسمى»: شقٌّ خلقي في الحنك أعاق نطقه وميّزه عن الآخرين.

هذان الأثران — العار الجماعي والندبة الجسدية — لم يتركاه أبدًا. بل إنهما، في تقديرٍ فلسفي دقيق، كانا المحرّكَ الخفي لمشروعه بأسره. فهابرماس لم يختر الدفاع عن الحوار والعقل والديمقراطية من فراغٍ مجرد، بل اختارهما لأنه عاش بجسده ووجدانه ما يحدث حين تُسكَت الأصوات وتُغلَق مسالك التداول العقلاني. الفيلسوف الذي دعا طوال عمره إلى المساواة في الحق بالكلام كان رجلًا عرف منذ طفولته ما معنى أن تكون صوتًا مختلفًا في عالمٍ يريدك أن تصمت.

دخل معهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت عام 1956 مساعدًا لأدورنو، وتشكّلت ملامح صراعه الفكري الأساسية هناك: إنه يقاسم أساتذة مدرسة فرانكفورت — هوركهايمر وأدورنو ومارکوز وبنيامين — يقيناتٍ نقدية حول الرأسمالية وأمراض الحداثة، لكنه يرفض الخلاصة التشاؤمية التي أوصلتهم إليها «جدلية التنوير» عام 1947؛ تلك النظرة التي ترى أن الأنوار ولدت في داخلها بذرة دمارها، وأن العقل الأداتي قد ابتلع العقل التحرري بلا رجعة. وبينما نصّب أدورنو نفسه شاهدًا ساخطًا على عالمٍ يصفه بـ«الكل الزائف» رفض هابرماس هذا الحكم الختامي وقرّر أن في بنية اللغة الإنسانية ذاتها بذرةً للتحرر لم تُمَت بعد.

العقل التواصلي: رهانٌ على المستحيل الضروري

في سنة 1981، أصدر هابرماس عمله الأكثر أهمية وتأثيرًا: «نظرية الفعل التواصلي» في مجلدين ضخمين. وهو عملٌ يستعصي على التلخيص، لا لغموضه بل لثرائه: إنه توليفٌ هائل بين فلسفة اللغة وعلم الاجتماع والفلسفة الأخلاقية والتحليل النفسي، كلها موجَّهة نحو سؤالٍ واحد: هل لا يزال ممكنًا، في عصر الهيمنة الرأسمالية ومجتمعات الإعلام والبيروقراطية المتضخمة، أن نتواصل بصدقٍ ونُقيم معًا حياةً جديرة بهذا الاسم؟

جوابه نعم — لكن بشرط. وهذا الشرط هو التمييز الجوهري بين نمطين من الفعل الإنساني: الفعل الاستراتيجي الذي يتخذ من الآخر وسيلةً لبلوغ الغاية، والفعل التواصلي الذي يتخذ من الحجة والحوار الحرّ سبيلًا إلى التفاهم المشترك. وما يُميز هذا الثاني ويجعله ركيزةً للتحرر هو ما يُسمّيه هابرماس «وضع الكلام المثالي»: المساواة المبدئية بين المتحاورين، وغياب الإكراه الخارجي والداخلي، وإتاحة الطعن في أي ادعاءٍ مطروح بالحجة لا بالقوة.

ويُعدّ مفهوم «العالم المعاش» المستعار من هوسرل، قطعةً مفصليةً أخرى في هذا المشروع: إنه ذلك الأفق الصامت من اليقينيات المشتركة والموروثات الثقافية الضمنية الذي يُشكّل خلفية كل تواصلٍ ممكن. وفي مقابله يضع هابرماس «الأنظمة» — الدولة والسوق — التي تعمل بمنطق السلطة والمال، وتسعى إلى استعمار العالم المعاش وتآكله. وهذه «الاستعمار» هو المدلول الفلسفي لمرض الحداثة المتأخرة في نظره.

بينما السؤال المُحرج الذي يفرضه أكتوبر 2023 هو التالي: حين يُكتب بيانٌ يُسكت مسبقًا صوتَ شعبٍ محاصَر قبل أن يُتاح له التحدث، ويُشترط في الضحية أن تُثبت أهليتها للكلام، أيُّ الفعلين يُجسّد — التواصلي أم الاستراتيجي؟

 هل آمن هابرماس بما نادى إليه؟

هذا هو السؤال الذي كثيرًا ما يتحاشاه شارحو هابرماس، لأنه مُحرجٌ ومُقلق وأشد إصابةً من أي انتقادٍ تجريدي. فهل كان هابرماس يؤمن فعلًا بما نادى إليه؟

الجواب الصادق هو: نعم، في معظم الأحيان — وربما إيمانًا نادرًا في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة. وهذا ما يجعل سيرته الفكرية مثيرةً للتأمل ومُثقَلةً بالمعنى في آنٍ معًا.

فعلى صعيد الأمانة لمبدأ الفضاء العام، التزم هابرماس طوال حياته بنزول الفيلسوف إلى الميدان العام والمشاركة الفعلية في النقاشات الكبرى. لم يكتفِ بالنظرية مُتعاليًا من أبراجه الجامعية، بل انخرط في كل قضيةٍ كبرى: الجدل التاريخاني عام 1986 حول المقارنة بين النازية والستالينية، وكتب بشجاعةٍ نادرة ضد المراجعة التي رأى فيها تبييضًا للجريمة النازية. وتدخّل في جدل الهوية الألمانية بعد توحيد 1990 مدافعًا عن مفهوم «الوطنية الدستورية» أي الانتماء إلى القيم لا إلى الدم والأرض — وكان ذلك موقفًا مكلفًا في السياق الألماني آنذاك. كما رفض حرب العراق عام 2003 رفضًا قاطعًا، وكتب مع دريدا نصًا مشتركًا يدعو إلى بناء أوروبا قطبًا مستقلًا في مواجهة الأحادية الأمريكية.

ولكن — وهنا يكمن المأزق الجوهري — حين جاء الاختبار الأشد التصاقًا بجروحه الذاتية وذاكرته التأسيسية، تعثّرت تلك الكونية التي طالما بشّر بها. فالرجل الذي حمل طوال حياته عبء الخزي الألماني من المحرقة، والذي جعل من المصالحة مع الموروث اليهودي حجر الأساس لهويته الأخلاقية، لم يستطع إخضاع اللحظة الفلسطينية للمنطق الحيادي الذي أرساه. وليس هذا اتهامًا بالنفاق الشخصي — فهابرماس لم يكن منافقًا كبعض مثقفي العرب و الغرب— بل هو تشخيصٌ فلسفي لآليةٍ أعمق: آلية الاغتراب الذي يتسلل إلى أكثر العقول التزامًا بالعقلانية، حين يتعلق الأمر بالجرح الأكثر قُربًا من الجوهر.

وهكذا يتضح أن هابرماس لم يخن مبادئه بسبب انعدام الإيمان بها، بل على وجه التحديد بسبب فرط ثقته بأنه يطبّقها — بينما كان عالمه المعاش يُملي عليه في صمتٍ ما لا تجرؤ النظرية على الإفصاح عنه. وهنا تكمن المفارقة المأساوية: فمفهومه عن العالم المعاش، الذي صاغه لتشريح هيمنة الأنظمة على التواصل الإنساني، صار أداةً لتشريح هيمنة عالمه هو على عقله..

 هابرماس فرنسيا: مرآةٌ كاشفة لا مجرد تتاري

قد يبدو تاريخ قراءة هابرماس في الفضاء الفكري الفرنسي مسألةً أكاديمية محدودة الأفق، غير أنه في الحقيقة مرآةٌ كاشفة لتوترٍ فلسفي عميق: التوتر بين نمطين من الفكر النقدي — ذاك الذي يُراهن على إصلاح العقل من الداخل، وذاك الذي يُشكّك في نفس الأساس.

حين وصلت أفكار هابرماس إلى فرنسا في ستينيات القرن الماضي، كان المشهد الفلسفي محتلًا بالبنيوية وفلسفات الانفصال الجذري. في هذه البيئة، بدا هابرماس غريبًا: فهو أكثر انتماءً إلى كانط منه إلى نيتشه، وأكثر تعلقًا بـ«الحداثة غير المكتملة» منه إلى ما بعد الحداثة. وفي عام 1985، أطلق عليهم هجومًا فلسفيًا مباشرًا في «الخطاب الفلسفي للحداثة»، إذ اتهم فوكو وديريدا وليوتار وكاستورياديس باللاعقلانية والنسبية و«المحافظة الجديدة ». فردّ ديريدا بحدة، ونشأ بين التقليدين مناخٌ من التوجّس المتبادل يُلوّن النقاشات الأكاديمية حتى اليوم.

ولكن مع الزمن، تبيّن أن عرف بنسبية فوكو كان في الحقيقة تحذيرًا من وهم الحياد — تحذيرٌ ثبتت صحته بشكلٍ ساطع في أكتوبر 2023. فالفضاء العام ليس خاليًا من علاقات القوة بطبيعته، وادعاء الحيادية لا يُلغي هذه العلاقات بل قد يُغطيها بالشرعية. أما في العقدين الأوليين من القرن الحادي والعشرين، فقد صار هابرماس كلاسيكيًا مُدرَّسًا في الجامعات الفرنسية، خصوصًا في نقاشات الديمقراطية التداولية وفلسفة الحق، بفضل جهود مفكرين من أمثال جان-فرانسوا كيرفيغان وستيفان هابر وإيمانويل رينو. وبعد أكتوبر 2023، انتقال انعكاس المرٱة الفرنسية لهابرماس من مرحلة الاستيعاب إلى مرحلةٍ أكثر نضجًا ومرارة: مرحلة القراءة النقدية التي تُطبّق على هابرماس أسلحته الخاصة.

جدلية التراث والوصية

في سنواته الأخيرة، أصدر هابرماس «تاريخٌ للفلسفة» 2019 وهو مؤلَّفٌ موسوعي يتجاوز ألفَ وسبعمئة صفحة، يتتبع فيه المسار الطويل للعقل البشري من الفلاسفة السابقين لسقراط إلى حاضرنا الراهن. ومن أبرز ما يُميز هذا العمل أنه يبدأ بمقارنةٍ رحبة بين التقاليد الفلسفية الكبرى في العالم: البوذية والكنفوشيوسية واليهودية والفلسفة الإغريقية، ساعيًا إلى إثبات أن الإنسانية في مختلف حضاراتها قطعت مسارًا مشتركًا من التعلم الجماعي الذي أنتج موارد معيارية لنقد الظلم والتطلع نحو العدل.

وفي هذا الطموح الكوني الأخير يتجلى التمثال الحقيقي لهابرماس ومعه تناقضه الأعمق. إذ كيف لفيلسوفٍ يحتفي بالتقليد الإسلامي والبوذي والإفريقي في تاريخٍ للفلسفة أن يُقصي أهلَ هذه التقاليد من كونية العقل حين تتعلق المسألة بدمائهم ومصيرهم؟ وحين وصف هابرماس في مقابلاته الأخيرة ما يجري في العالم من انحسارٍ ديمقراطي وصعودٍ للشعبوية وتفككٍ للنظام الدولي الليبرالي، كان محقًا في تشخيصه. لكن صدقية هذا التشخيص كانت ستبلغ ذروتها لو أنه أدرج في خريطة الألم الكوني الذي يرصده، كلَّ الشعوب التي تنزف — دون أن تُحدّد جغرافيا الرحمة بحدود الحضارة الغربية.

ومع ذلك، تظل جملته الأخيرة في هذا الكتاب وصيةً فلسفية لا تُستهان: «إن ما تعلمته الإنسانية عبر مساراتٍ طويلة من التجربة لا يُنسى كليًا — في أسوأ الأحوال يُكبَت، لكنه يترك دومًا آثارًا يمكن العودة إليها.» وإذا كان شيءٌ يستحق أن يُكتب على لوحة هذا الرجل، فهو هذه الجملة التي تنطوي على أكثر من تعبيرٍ عن التفاؤل الفلسفي — إنها اعترافٌ ضمني بأن الكبت ممكنٌ، وبأن العقل، حتى في أكثر أشكاله انضباطًا وأمانةً، ليس محصّنًا ضد أن يُكبَت فيه ما يعلمه.

 الفلسفة أكبر من فيلسوفها

رحل يورغن هابرماس تاركًا إرثًا فلسفيًا من العمق والاتساع الذي نادرًا ما يُرى في تاريخ الفكر الغربي الحديث. ومع ذلك فإن أثمن ما يُخلّفه لنا ليس مؤلَّفاته، بل السؤال الذي تُفجّره حياته كاملةً: هل يمكن لأي عقلٍ بشري، مهما بلغ من الصرامة والالتزام والرسوخ المنهجي، أن يُفلت من أسر العالم المعاش الذي شكّله؟

والجواب الذي تُلمّح إليه مسيرته هو: ربما لا. لكن هذا لا يعني اليأس من الكونية — بل يعني أن الكونية الحقيقية ليست وصفًا لحالةٍ راهنة بل مهمةٌ لا تنتهي، تشترط على الفيلسوف أن يعود باستمرار إلى مرآة نظريته ويسأل نفسه: هل تطبّق هذا بشكلٍ متماثل على الجميع؟ هل تُتيح للضعيف حق الطعن في ادعاءاتك كما تُتيحه للقوي؟ هل يتضمن فضاؤك العام من لا يملك منبرًا أو دولةً أو جيشًا يُعلي صوته؟

إن قراءة هابرماس التي ينبغي أن نُداوم عليها ليست قراءة تبجيل ولا قراءة إدانة، بل قراءةٌ تُجري النظرية على صاحبها أولًا، وتُقيس الفكر بالمكان الذي يتعثّر فيه لا بالمكان الذي يتألق فيه. لأن الفلسفة الحقيقية لا تنبت في الاتساق، بل تنبت في شقوق التناقض — حيث يُفصح الفكر رغم نفسه عن حدوده، ويُتيح لمن يأتي بعده أن يُكمل ما لم يستطع هو أن يُكمله.

وإن كان هابرماس قد علّمنا شيئًا واحدًا يستحق أن يُحفر في ذاكرة الفلسفة، فهو هذا: أن الدفاع عن العقل مهمةٌ لا تُنجز مرةً واحدة وتُختتم، بل هي يقظةٌ مستدامة، وشجاعةٌ متجددة، وقبول دائم بأن تكون أنت أيضًا — حتى وأنت تدافع عن الحوار — موضعًا لحوارٍ لا ينتهي..

***

مراد غريبي – الجزائر

في الرابع عشر من ٱذار 2026

 

في خضم الفلسفة الأوروبية يقف تناقضٌ مزمنٌ يشبه الجسد المريض الذي يعلن صحته بأعلى صوته: بين إيمانها الراسخ بتفوق الثقافة القارية كحاملة للعمق الروحي والتاريخي والإنساني، وبين مركزية العقل الغربي الذي يفرض نفسه كمحور الكونية كلها. هذه الفلسفة لا تكتفي بالوجود؛ إنها تشخّص نفسها دائماً كعلاج للعالم، بينما هي في الواقع تحمل أعراض مرضها الخاص: مرض التمركز حول الذات الغربية التي تُلبس لباس التفوق القاري لتخفي أنها ليست سوى مركزٍ وهمي يدور حوله كل شيء. المقاربة التشخيصية هنا ليست مجرد وصف، بل تشريحٌ للأعراض التي تكشف كيف تحولت الفلسفة الأوروبية من تأملٍ في الوجود إلى آلةٍ للهيمنة الثقافية، حيث يصبح التفوق القاري قناعاً والمركزية العقلية جوهراً مريضاً يرفض الاعتراف بعيبه. فما الذي أوقع الفلسفة الأوروبية في توهم التفوق وادعاء المركزية؟

تبدأ الأعراض من اللحظة التأسيسية ذاتها، حين أعلن العقل الغربي أنه المركز الوحيد للعقلانية. الفلسفة القارية، بتجلياتها الألمانية والفرنسية خصوصاً، بنت صرحها على فكرة أن الثقافة الأوروبية القارية تمتلك عمقاً تاريخياً وروحياً يفوق كل الثقافات الأخرى. هذا التفوق ليس مجرد شعور؛ إنه بناءٌ فلسفي كامل يبدأ من اليونان القديمة التي يُختطف تاريخها ليُصبح ملكية أوروبية خالصة، مروراً بالنهضة التي تُقدَّم كولادة جديدة للإنسان الغربي، وصولاً إلى عصر التنوير الذي أعلن أن العقل الغربي هو العقل نفسه. هنا تظهر أولى أعراض المرض: العقل الغربي يدّعي الكونية، لكنه في الحقيقة يفرض مركزيته.

 كانط يُعلن العقل المحض كقانونٍ عالمي، لكن هذا القانون يُقاس بمعايير أوروبية قارية؛ هيغل يبني تاريخ العالم كتقدمٍ نحو الروح المطلقة، لكن هذه الروح تكتمل في بروسيا القارية. التفوق القاري هنا ليس ثقافياً فحسب، بل هو تشخيصٌ ذاتي يقول: نحن الأوروبيون القاريون نملك التاريخ، بينما الآخرون يعيشون خارجه. مع تطور الفلسفة القارية في القرن التاسع عشر والعشرين، يتعمق التناقض وتظهر أعراض جديدة. الرومانتيكية الألمانية تعلن تفوق الثقافة القارية كحاملة للروح والشعور واللغة الحية، مقابل الجفاف الذي يُنسب إلى الثقافات الأخرى. نيتشه يشخّص أوروبا كمريضة، لكنه يشخّصها من داخل مركزيتها الغربية، معتبراً أن علاجها يكمن في إعادة تقييم القيم القارية القديمة. هيدغر يعود إلى اليونان ليعلن أن الوجود الحقيقي قد ضاع في النسيان، لكنه يجعله ضياعاً أوروبياً قارياً، وكأن العالم كله ينتظر أن يُشفى على يد العقل الغربي الذي يعود إلى أصوله. حتى الفلسفة الوجودية والفينومينولوجيا، رغم عمقها، تبقى أسيرة هذا التشخيص: الذات القارية هي التي تُوجد، والعالم يُقاس بمدى قربه من هذه الذات. أعراض المرض هنا واضحة: تفوق الثقافة القارية يُعلن نفسه كخلاصٍ للبشرية، بينما مركزية العقل الغربي تحول هذا الخلاص إلى وصاية. الفلسفة لا تتحدث عن الإنسان؛ إنها تتحدث عن «الإنسان الغربي القاري» وتفترض أنه النموذج.في القرن العشرين، حين بدأت أعراض الأزمة تظهر على السطح، حاولت الفلسفة القارية أن تشخّص نفسها من جديد. ما بعد الحداثة، بدءاً من دريدا وفوكو، يُعلن نهاية المركزيات الكبرى، لكنه يفعل ذلك من داخل المركز نفسه. يشخّص فوكو السلطة كما لو أنها ظاهرة غربية قارية خالصة، ويحلّل دريدا النصوص كأن العالم كله نصٌ أوروبي. هنا تكمن أعمق الأعراض: حتى حين تحاول الفلسفة الأوروبية أن تتخلص من مركزيتها، فإنها تُعيد إنتاجها. التفوق القاري يتحول إلى «تفوق النقد»؛ العقل الغربي يصبح مركزاً لـ«ما بعد المركزية». التشخيص الذاتي يبقى مغلقاً على نفسه: أوروبا تشخّص مرضها، لكنها ترفض أن تعترف بأن مرضها هو مركزيتها ذاتها التي جعلت الثقافات الأخرى مجرد «هامش» أو «الآخر». الأعراض اليوم أشد وضوحاً في عالم ما بعد الاستعمار. الفلسفة الأوروبية القارية، رغم كل نقدها لنفسها، ما زالت تُقدّم نفسها كمرجعٍ عالمي. الجامعات الأوروبية تُدرّس الفلسفة كأنها الوحيدة القادرة على فهم الوجود، والمؤتمرات تتحدث عن «الفلسفة العالمية» بينما تعني بها الفلسفة القارية الغربية. هذا التناقض يولد أعراضاً نفسية جماعية: شعورٌ بالتفوق يخفي خوفاً عميقاً من فقدان المركز. العقل الغربي يخشى أن يصبح هامشاً، فيُصر على أن يبقى مركزاً حتى في نقده للمركزية. التفوق القاري يتحول إلى دفاعٍ أخير عن هويةٍ مهددة بالتعددية الحقيقية. هكذا تصبح الفلسفة الأوروبية مريضة بمرضٍ مزمن: مرض التمركز الذي يدّعي أنه علاج.

في التشخيص النهائي، يمكن القول إن الفلسفة الأوروبية بين تفوق الثقافة القارية ومركزية العقل الغربي ليست فلسفةً حرة، بل فلسفةً محكومة بوهمٍ وجودي. التفوق ليس إنجازاً، بل قناعاً؛ والمركزية ليست قوة، بل ضعفاً يرفض أن يُشفى. الشفاء الحقيقي لن يأتي من داخلها، لأنها لا تستطيع أن تشخّص نفسها إلا بأدواتها الخاصة التي هي سبب المرض. التشخيص الدقيق يقول: هذه الفلسفة تعيش في حالة إنكارٍ مزمن، تُعلن كونيتها وهي في الواقع خاصة جداً، تُمجّد عمقها القاري وهي في الحقيقة سطحية في قدرتها على الخروج من ذاتها. والعالم اليوم، بتعدديته وصموده، هو الذي يفرض عليها أن تعترف بمرضها. لكن الاعتراف الأول هو أصعب خطوة: أن يدرك العقل الغربي أن تفوقه القاري لم يكن سوى مرآةٍ عكست مركزيته، وأن الشفاء يكمن في قبول أنه ليس المركز، بل نقطة واحدة في دائرةٍ لا مركز لها. هذا هو التشخيص الذي لا تستطيع الفلسفة الأوروبية أن تكتبه بنفسها، لأن كتابته يعني نهاية مرضها… أو بداية فلسفة جديدة. فهل يكفي نقد التمركز على الذات وتشريع الاختلاف لكي تكف الفلسفة الغربية عن التعالي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ومرتكزاتها الفلسفية الجديدة لمواجهة التحديات العالمية المعقدة

يشهد القرن الحادي والعشرون تحولات معرفية وتكنولوجية غير مسبوقة، أبرزها الثورة الرقمية، والبيانات الضخمة، والتوسع بطفرة كبيرة في في تطبيقات الذكاء الاصطناعي بحلول العام 2023، وقد انعكست هذه التحولات على مختلف العلوم الطبيعية والاجتماعية، مما أدى إلى إعادة النظر في الأساليب المنهجية التقليدية، وكذلك إعادة صياغة أطر التفكير العلمي. ويعد علم الجغرافيا من أكثر العلوم ارتباطاً بهذه التحولات، والذي سعى باستمرار إلى فهم الظاهرة المكانية وعلاقاتها المتشابكة داخل المنظومة الكونية، نظراً لطبيعته التكاملية التي تجمع بين الظواهر الطبيعية والبشرية ضمن إطار مكاني واحد، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير إطار معرفي جديد قادر على استيعاب التحولات الرقمية المعاصرة. وفي هذا السياق تبرز نظرية تحديث العقل الجغرافي،

Updated Geographical Mind Theory (UGMT).

تنطلق النظرية من فرضية أساسية مفادها؛ أن مستقبل البحث الجغرافي يتطلب الانتقال من النماذج الوصفية التقليدية إلى نماذج تحليلية وتنبؤية تعتمد على؛ التكامل بين التفكير المكاني والنمذجة المكانية وتحليل البيانات الضخمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الجغرافي. انها محاولة معرفية لتطوير التفكير الجغرافي ضمن إطار فلسفي شمولي قادر على الانتقال بالجغرافيا من علم وصفي إلى علم استشرافي تنبؤي.

1. المدخل المفاهيمي للنظرية

1.1 أسسيات مفهوم النظرية:

ينطلق المفهوم من الإرث المعرفي الذي أسسه رواد الفكر الجغرافي، وفي مقدمتهم: (همبولدت) A.V. Humboldt، والذي ركز على فهم العلاقات بين الظواهر الطبيعية ضمن نظام كوني متكامل. و(لابلاش) P.V. Blache، حيث أكد على العلاقة الديناميكية/ المتغيرة بين الإنسان والبيئة. و(شيفر) F.K. Schaefer، الذي نقل الجغرافيا إلى مرحلة الثورة الكمية بأدخال الأساليب الرياضية والإحصائية إلى التحليل الجغرافي. ان هذه المراحل رغم أهميتها بقيت في إطار التفسير والتحليل الوصفي بدرجات متفاوتة. اما مرحلة التقنيات الرقمية والمعلومات المكانية بظهور تقنيات؛ الاستشعار عن بعد Remote Sensing)) ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والتحليل المكاني (Spatial Analysis)، فقد؛ نقلت الجغرافيا إلى عصر التحليل المكاني الرقمي. وتأتي مرحلة الذكاء الاصطناعي الجغرافي الحالية، التي اتاحت تحليل كميات ضخمة من البيانات المكانية، باستخدام تقنيات التعلم الآلي/ العميقMachine/ Deep Learning) )، وتقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي (GeoAI).

2.1 المبررات الأساسية للنظرية:

1.2.1 التحول الإبستمولوجي في الجغرافيا؛ يتطلب تحديث العقل الجغرافي تحولاً حقيقياً، ينتقل بموجبه علم الجغرافيا من الوصف والتوصيف إلى أداة تحليل استشرافي لبناء سيناريوهات مستقبلية.

2.2.1 التقنيات الرقمية وتحديث العقل الجغرافي؛ أدى التراكم الهائل للبيانات المكانية والزمنية الضخمة من مصادر متعددة الى جعلها؛ وقود معرفي للعقل الجغرافي، وقوة أساسية في فهم الظواهر المكانية، كما اتاح تحليلها بأساليب ديناميكية/ متغيرة بتقنيات GIS  و GeoAI؛ تحليل الأنماط المعقدة في البيانات المكانية.

3.2.1 التفكير المكاني والتحليل الاستشرافي، اتاح تكامل التفكير المكاني التقليدي مع أساليب التحليل الرقمي الحديث، انشاء نماذج التنبؤات المكانية/ الزمنية المستقبلية للظواهر، وذلك عبر؛ تطبيقات النماذج الرياضية والإحصائية المتقدمة، وخوارزميات عمليات Machine/ Deep Learning للنماذج التوليدية المتقدمة ضمن تقنيات GeoAI.

2. الخلفية العلمية العالمية

تتجسد هذه الخلفية بالتجارب الأكاديمية العالمية لتحديث الجغرافيا الرقمية، ومن ابرز (تجارب البحث العلمي) الهادفة لتحديث العقل الجغرافي بأعتماد؛ تقنيات GIS، وBig Data، وتقنيات (AI)، في الجامعات العالمية ما يلي:  .[EduRank.org]

1.2 الولايات المتحدة الأمريكية، في جامعة فلوريدا، تجمع التجارب الجغرافية البحثية بين؛ علم الاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل أنماط البيانات المكانية، مما يسهم في نقل الجغرافيا من مجرد توصيف المكان إلى تحليل استشرافي للظواهر البيئية والاجتماعية. [www.geog.ufl]

2.2 كندا، في جامعتي تورنتو، وبرتش كولومبيا، تقوم برامج الجغرافيا وعلوم البيانات المكانية، بتطبيق تقنيات (AI) على البيانات الجغرافية الضخمة لتحليل؛ الأنماط السكانية والاستدامة البيئية وإدارة الموارد الطبيعية، مما يدعم رؤية جديدة للعقل الجغرافي الذي لا يقتصر على الوصف بل يمتد للتنبؤ. [www.utoronto.] ، ww.geog.ubc.]

3.2 المملكة المتحدة (بريطانيا)، في جامعة نيوكاسل، يقوم برنامج الماجستير في الذكاء الاصطناعي الجغرافي؛ بالمزج بين (الهندسة الجغرافية المكانية)، والبيانات الضخمة، وتقنيات (AI)، لحل المشكلات المعقدة في البيئة، والبنية التحتية. [www.ncl.ac.]

4.2 الصين، في جامعة وهان، التي تصنف ضمن المؤسسات الأفضل عالمياً في الاستشعار عن بعد والبيانات المكانية، تستخدم تقنيات (AI)، في تحليل صور الأقمار الصناعية، ونمذجة التغيرات الأرضية، مما يسهم في تطوير أدوات تنبؤية لتحليل الظواهر البيئية.  [www.en.whu.]

5.2 اليابان، تتميّز جامعة طوكيو وجامعة كيوتو، ببحوث الاستشعار عن بعد، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لتحليل البيانات البيئية والمكانية، خصوصاً في مجال إدارة الكوارث وتخطيط استخدامات الأراضي، مما يعكس تقدم التفكير الجغرافي المرتبط بالتقنيات الرقمية المتطورة.

[www.kyoto-u.ac.] ، [www.csis.u-tokyo.ac.]

6.2 أستراليا، في جامعة نيو ساوث ويلز، يقود مركز انوفاشن للبحث "الجغرافي المكاني" ؛ بحوثاً في نماذج المدن ثلاثية الأبعاد، والتوائم الرقمية، ونظم المعلومات الجغرافية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مما يمثل تحوّلاً معرفياً عملياً في فهم وتحليل البيئات الحضرية. [www.unsw.edu.]

7.2 روسيا، الجامعة التقنية (مركز أروتسك الوطني)، تنخرط في مشروعات التصميم الجغرافي الذكي، واستخدام الطائرات بدون طيار في استكشاف الموارد، كجزء من تحديث التطبيقات الجغرافية في الصناعة. [www.istu.edu.]

3. المرتكزات الفلسفية للنظرية

1.3 الفلسفة الشمولية للنظرية تقوم على؛

اعتبار اي ظاهرة جغرافية (مناخ، موارد، مياه، سكان، مدن، اقتصاد، نقل) ظاهرة مترابطة ضمن منظومة واحدة، ولا يمكن فهمها بمعزل عن غيرها.

2.3 التحول الإبستمولوجي؛

بإعادة صياغة العقل الجغرافي، عبر التركيز على (العلاقة بين الإنسان والمكان والتكنولوجيا)، للانتقال من الجغرافيا الوصفية إلى الجغرافيا التحليلية ثم التنبؤية.

3.3 البعد الرقمي؛

بإدخال التقنيات الرقمية بوصفها أدوات تأسيسية في إنتاج المعرفة، وليس مجرد أدوات مساعدة، ومنها تقنيات؛ (Big Data) و(GeoAI) و(GIS) و(R.S).

4.3 الإطار المفاهيمي للاصطلاح العلمي للنظرية:

النظرية؛ منظومة معرفية تحليلية رقمية، تقوم على التكامل بين التفكير المكاني الكلاسيكي والتقنيات الرقمية المتقدمة. وتستهدف تحديث آلية التفكير الجغرافي من الوصف المكاني إلى التحليل التفسيري، بالتركيز على النمذجة التنبؤية للاستشراف الديناميكي المستقبلي ضمن إطار منظومي شامل.

وحالياً لايوجد بالاسم الصريح محتوى عالمي موحد لهذه المنظومة، بأعتبارها (نظرية) أكاديمية معترف بها دولياً، وبكل اللغات تحت المسمى الدقيق؛ (نظرية تحديث العقل الجغرافي)، Updated Geographical Mind Theory (UGMT).

والعقل الجغرافي المحدث؛ مزيج بين مفهومين منفصلين؛ (نظرية العقل) و(الفكر الجغرافي المعاصر). وهو؛ مصطلح حديث جداً. وربما اشير الية ضمنا في سياق أبحاث أكاديمية محددة أو مؤتمرات علمية. ولا تتوفر في المصادر الأكاديمية المفتوحة أو قواعد البيانات الشائعة؛ دراسات أو أبحاث مسجلة صراحةً تحت مسمى (نظرية تحديث العقل الجغرافي) كاصطلاح علمي مستقر، ومع ذلك تركز الاواق البحثية المتاحة على؛ محاور الفكر الجغرافي والتكامل المعرفي، وبسياق تحديث الأداء الوظيفي للجغرافيا عبر بناء رؤية معرفية شاملة تدمج بين الجغرافيا الطبيعية والبشرية، مع التركيز على الهوية الفكرية للجغرافيا في ظل التحديات المعاصرة والإدراك الجغرافي للواقع.

4. البناء النظري لنظرية تحديث العقل الجغرافي

1.4 جوهر النظرية:

هي؛ (نظرية فكرية – معرفية تهدف إلى تطوير طريقة التفكير الجغرافي المعاصر، عبر دمج التقنيات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والنماذج المكانية المتقدمة في تحليل الظواهر الطبيعية والبشرية). وما يميز التحديث في هذه النظرية وجود حاجة إلى؛ تحديث الفكر الجغرافي المعاصر أثر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في العلوم المكانية، مع التركيز على كيفية تحديث الذهنية الجغرافية بحيث ينتقل العقل الجغرافي من الوصف التقليدي إلى التحليل الديناميكي التنبؤي، والقائم على معطيات التحول المعرفي والتكامل التقني.

2.4 أبعاد النموذج المفاهيمي لبنية النظرية:

1.2.4 البعد الإدراكي المكاني، الذي يحافظ على التفكير المكاني بوصفه الأساس المعرفي للجغرافيا.

2.2.4 البعد التحليلي الكمي؛ باستخدام النماذج الرياضية والإحصائية ومنها؛ الانحدار المكاني (Spatial Regression)، والنماذج الاحتمالية (Probabilistc Models)، والاقتصاد القياسي المكاني Spatial Econometrics)).

3.2.4 البعد الرقمي الذكي؛ بدمج خوارزميات عمليات Machine/ Deep Learning للنماذج التوليدية المتقدمة ضمن تقنيات GeoAI، لتحليل الأنماط المكانية المعقدة.

4.2.4 البعد الاستشرافي؛ ببناء نماذج تنبؤية وسيناريوهات مستقبلية، ومحاكاة مكانية/ زمنية.

5. الصياغة الكمية للنظرية

1.5 النموذج الرياضي للنظرية:

يمكن تمثيل النموذج الرياضي للنظرية بمعادلة الفلسفة الكلية (Holistic philsophy) الاتية:

( UGM = (ST + SM + BD + AI) × SH )2534 majeed

2.5 العلاقات بين متغيرات النموذج الرياضي:

تتمثل بمعادلة مستوى تحديث العقل الجغرافي  UGM(Updated Geographical Mind)، و(بجمع) كل من؛

تكامل التفكير المكاني ST ((Spatial Thinking،

والنمذجة المكانية SM Spatial Modeling))،

والبيانات الضخمة المكانية BD (Big Geospatial Data) ،

والذكاء الاصطناعي الجغرافي AI (GeoAI).

(مضروباً) في الفلسفة الشمولية (للنظام الجغرافي) SH (Systemic Holism).

3.5 النموذج التطبيقي المتقدم للنظرية:

يمكن تحويل النموذج الرياضي للنظرية إلى (نموذج خطي)؛ حيث تمثل (المعاملات) الأوزان النسبية لتأثير كل متغير، وتشير (الدالة f) إلى العلاقة التفاعلية بين هذه المتغيرات. وكعامل مضاعف للنموذج بهدف إدخال البعد الفلسفي الشمولي للنظرية يتم؛ تقدير هذه المعاملات باستخدام أدوات التحليل الإحصائي، ومنها؛ الانحدار المكاني وتحليل الانحدار متعدد المتغيرات والاقتصاد القياسي المكاني.

α  = ST  معامل تأثير التفكير المكاني

β = SM  معامل تأثير النمذجة المكانية

γ  = BD   معامل تأثير البيانات الضخمة

δ  = AI   معامل تأثير الذكاء الاصطناعي

SH = درجة التكامل المنظومي بين المتغيرات الجغرافية.

6. الإضافة العلمية للنظرية

1.6 الإضافة العلمية المعرفية والنوعية للنظرية:

1.1.6 صياغة نظرية متكاملة للعقل الجغرافي في عصر الذكاء الاصطناعي، بدمج الفلسفة الجغرافية مع علوم البيانات والذكاء الاصطناعي.

2.1.6 إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان والتكنولوجيا، في إطار ذكاء مكاني تكاملي.

3.1.6 دمج البيانات البيئية والاجتماعية ضمن إطار تحليلي واحد.

4.1.6 تطوير نموذج رياضي مفاهيمي للجغرافيا المعاصرة، لتحويل الجغرافيا إلى علم تنبؤي قادر على إدارة الأزمات العالمية.

5.1.6 تأسيس لمفهوم "الجغرافيا الاستشرافية" كمجال علمي فرعي مستقل، والتي تعتمد على النماذج التنبؤية لتحليل المستقبل المكاني.

7. التطبيقات العملية للنظرية

1.7 مستويات التطبيقات العملية للنظرية:

7. 1.1 المستوى الأكاديمي، بتحويل مناهج أقسام الجغرافيا إلى مناهج هجينة تجمع بين؛ علوم البيانات، والبرمجة، والتحليل المكاني المتقدم.

7. 2.1 المستوى التطبيقي للنموذج الرياضي للنظرية في؛ المدن الذكية (التكامل المنظومي للنظام الحضري)، وذلك بدمج عناصر النظرية الأساسية في منظومة التحليل المكاني الحضري، وبأعتماد تقنيات؛ GeoAI، في تحليل أنماط النمو الحضري. والنمذجة المكانية، لدعم تخطيط وإدارة المدن الذكية وتحسين إدارة الموارد والنقل والطاقة. وكذلك النمذجة المكانية التنبؤية (Predictive Spatial Modeling) لتوقع مستويات الضغط على البنى التحتية، وبناء سيناريوهات مستقبلية مثل توسع المدينة خلال 20 سنة.

7. 3.1 المستوى المحلي والعالمي، بالمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بعملية النمذجة المكانية التنبؤية لكل من؛ استدامة وإدارة الموارد الطبيعية بتحليل البيانات المكانية والمناخية. وتصميم حلول لإدارة موارد المياه، وتحليل المخاطر البيئية والتغير المناخي. وفهم توزع السكان وتأثيره على الصحة العامة، والتنبؤ بتفشي الأمراض.

8. التحديات العلمية والمعرفية

1.8 تحديات تحديث العقل الجغرافي:

التحديات المعرفية والتقنية والأخلاقية التي تواجه تحديث العقل الجغرافي، تتمثل بكل من؛ مشكلات تكامل البيانات من المصادر المتعددة، وخصوصية البيانات، وتفسير نماذج الذكاء الاصطناعي، ونقص المعايير الدولية الموحدة.

9. آفاق البحث الجغرافي المستقبلية بدلالة النظرية

تشير الاتجاهات العلمية الحديثة إلى أن مستقبل الأبحاث الجغرافية ستتجه نحو: الجغرافيا الرقمية، والذكاء الجغرافي المكاني، وتقنية التوائم الرقمية (Digital Twins) للمدن، والنمذجة التنبؤية للأنظمة البيئية. وهذا ما يعزز أهمية تطوير إطار نظري مثل نظرية UGMT.

10. نتائج نظرية تحديث العقل الجغرافي

1.10. لم يعد تحديث العقل الجغرافي خياراً فكرياً، انما ضرورة حتمية لمواجهة التحديات المعقدة المعاصرة ومنها؛ (التغيرات المناخية، وإدارة الموارد المائية، والتخطيط الحضري، وعدم المساواة بين المجتمعات).

2.10. يتخطى هذا التحديث؛ الوصف الكلاسيكي وتوصيف الواقع الى عملية الدمج بين (التفكير المكاني التقليدي، والبيانات الضخمة، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي).

3.10. يوسع التحديث نطاق المعرفة الجغرافية، ويعزز قدرتها بوصفها علماً استراتيجياً في مواجهة التحديات العالمية المرتبطة بالتغير المناخي والاستدامة والتنمية الحضرية بفاعلية ودقة وسرعة غير مسبوقة.

بذلك يتضح؛ ان نظرية تحديث العقل الجغرافي (UGMT)، ليست مجرد تطوير للأدوات، وحسن استخدام للتكنولوجيا الرقمية، وانما؛

(تحول معرفي شامل يعيد صياغة وظيفة الجغرافيا من علم يوصف المكان، إلى علم يصنع سيناريوهات/ توقعات او تصورات للمستقبل المكاني، عبر تطبيقات الذكاء الرقمي).

كما أن هذا العمل يمكن أن يكون (إسهاماً نظرياً جديداً في فلسفة الجغرافيا الرقمية).

***

د. مجيد ملوك السامرائي كاتب أكاديمي

..................

المراجع

1. An، Chenjin، Jinnan Wang، and Chenghu Zhou. 2025. “The Evolution and Current Landscape of AI in Geographical Research: A Large-Scale Systematic Review.” Geography and Sustainability 7 (1): 100392.

https://doi.org/10.1016/j.geosus.2025.100392.

2. Wang، Jianghao، and Song Gao. 2024. “Mapping the Landscape and Roadmap of Geospatial Artificial Intelligence (GeoAI) in Quantitative Human Geography: An Extensive Systematic Review.” Journal of Geographical Systems.

https://doi.org/10.1016/j.jag.2024.103734.

3. Mai، Gengchen، Krzysztof Janowicz، Song Gao، and Bo Yan. 2020. “A Review of Artificial Intelligence for Geographic Information Science (GeoAI).” International Journal of Geographical Information Science 34 (no. 11). https://doi.org/10.1080/13658816.2019.1684500.

علينا أن نُدرك بدايةً أن شهر رمضان ليس مُجرّد شعائر دينية تتمثّل بالعبادة، بل هو في حقيقة الأمر حالة إستثنائية فكرية وثقافية، أبدع كثيرٌ من الأدباء والفلاسفة من خلالها عبر العصور، سواء بالنصوص أو الدراسات، مّما جعل هذا الشهر الكريم موضوعاً مليئاً بالتحليل والتأمل والإبداع.

الجاحظ كتب عنه في البخلاء، وابن خلدون في مقدمته كتب حول الصيام وتأثيره على النفس والمجتمع، وأبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وصف الصيام بأنه رؤية روحانية، معتبراً إيّاه بأنه مدرسة للتربية والأخلاق.

والأدباء كان لهم نصيبٌ كبير حول الصيام في رمضان، كتب عنه نجيب محفوظ في " خان الخليلي " و" زقاق المدق "، وما كتبه عكس على أجواء القاهرة طابعاً حميميّاً، مزج بين الاحتفالات الشعبية والعبادة، وتوفيق الحكيم ناقش في كتاباته كيف يعكس شهر رمضان طبيعة المجتمع وتغيراته، كما أبدع أحمد شوقي ومحمود درويش وغيرهم كثير، في وصف ملامح المدن العربية خلال شهر رمضان.

إنّ الأديان ليست منعزلة ضد تأثير الحداثة، فقد تأثّرت بالفعل بعدة طرق وأساليب إيجاباً وسلباً.

إنّ عاداتنا في شهر رمضان الكريم سابقاً، وفي زمن آبائنا وأجدادنا مختلفة تماماً عمّا تسلكه الأسرة اليوم في رمضان، حتّى المائدة الرمضانية اختلفت كثيراً، حيث يشوبها البذخ عند الكثير من الصائمين.

إن العادات والتقاليد في شهر رمضان هي انعكاس جميل لجوانب حياتنا الاجتماعية، فمن خلالها نعيد تقييم العلاقة مع الخالق، والزيارات وصلة الرحم، والسؤال عن الأقرباء والأصدقاء، والاهتمام بالجار، والمبادرات والمشاريع الخيرية، والتبرع بوجبات الإفطار التي تسمو من خلالها القيم الروحية والانسانية، والتي هي جزء أساسي في الثقافة الإسلامية، فهل نحن ملتزمون بهذه العادات والقيم ؟.

إن الموروث الديني يرتبط مباشرة بالنصوص القرآنية والسنّة وسيرة الصيام وآدابه.

أمّا الموروث الاجتماعي والذي يتعلّق بعادات الإفطار والولائم والمسحراتي والزينة، كلّها انتابها العديد من الشوائب في عصرنا الحالي.

حتّى التمثيليات والمسلسلات الرمضانية، معظمها زائف ومشوّه، حتّى في الجانب الفني، إن كان من ناحية الكلمات أو السرد التاريخي، أو الأداء، قياساً على كل أصناف الفنون المبدعة والهادفة في القرن الماضي.

في عصرنا الراهن يُخيّم اقتصاد السوق حتّى في شهر رمضان، حيث مجرّد أن يدخل اليوم الأول من رمضان حتّى ترتفع الأسعار بشكلٍ غير طبيعي، وليس هناك أي سببٍ وجيه لذلك، سوى الجشع والفساد والاستغلال.

ومن ناحية أخرى، نرى أن الفردية والانعزال تسود في هذا العصر، حيث تتجسّد أمامنا ظاهرة الفردية، بحيث نرى أن كلّ فردٍ يهتم بنفسه، دون أي التفاتةٍ للآخرين، وتتأكّد لدينا أن الحميمية والمودة التي كانت سائدة، نفتقدها الآن بصورتها الجليّة.

ولو أحببنا أن نتناول الأمور على حقيقتها بشكلٍ أشمل، نرى أن التوتّر يسود، بحيث تحوّل الإفطار من تعبّد تسوده البساطة، إلى موسمٍ استهلاكي، وتراجع البعد الروحي، لتسود الطقوس الاجتماعية المبتذلة، إضافة إلى ضغط ولائم البذخ التي تتوالد من خلال عباءة المظاهر والإلزام.

فجوهر رمضان هو الزهد والتقشف والعدالة الاجتماعية والتأمّل، هذا الجوهر حلّ مكانه في عصرنا، الاستهلاك والإسراف والتفاخر الطبقي والإنشغال بالترفِ الإعلامي والمسلسلات.

إن الزمن المُقدّس في الوعي الديني هو ليس مجرد إطاراً، بل هو يعني بصريح العبارة كثافة معنوية، يتكثّف فيها الإيمان، ويُعاد من خلالها ترتيب العلاقة بين الإنسان وذاته والعالم.

رمضان في ماهيّته هو زمن إقناعٍ وتامّلٍ وتزكية.

لكن عندما يدخل هذا الزمن في المجال الاجتماعي، يتحوّل المعنى تدريجياً من تجربةٍ روحية، إلى مناسبةٍ اجتماعية.

رمضان زمناً للتقشّف وموسماً للتكافل، ولحظة روحية لإعادةِ ضبط القيم، أمّا في وقتنا الراهن الحديث، فهو موسماً إعلامياً، وحدثاً اقتصادياً، ومنصّة للظهور والمظاهر الاجتماعية.

إنّ الطقوس الاجتماعية الحديثة مثل الولائم والزينة والبرامج التلفزيونية والمسلسلات على الفضائيات، خطرها يكمن في انقلاب الوسيلة على الغاية.

فحينما يُهيمن البعد الاجتماعي، يتحوّل تلقائياً الزمن المقدس إلى " مسرحٍ رمزي " تُعاد فيه عملية إنتاج الهوية، وليس بالضرورة تعميقها.

رمضان لم يعد شهر صيامٍ فقط، بل أصبح وبشكلٍ شائع موسماً تسويقياً، ودورة للإنتاج الفني والإعلاني، وظاهرة لحالة الاستهلاك الكثيف.

وهذا الوضع يُسمّى عند علماء الاجتماع " علمنة الطقس "، أي إدخاله في منظومة السوق دون إعلان أي قطيعة مع قدسيته.

وبالمحصّلة نجد أن رمضان هو قيمة روحية، والإفطار عبارة عن حدثٍ اجتماعي استعراضي.

القداسة لا تُفقد بسهولة، ولكنها قد تتراجع إلى الهامش، وهذه الحالة نراها حينما نتساءل:

- ماذا سنعدّ للإفطار؟.

بدلاً من:

- ماذا غيّر الصيام فينا؟.

نحن هنا ننتقل من " زمن التحوّل الداخلي " إلى " زمن الأداء الاجتماعي ".

ومع ذلك لا يمكننا اختزال هذا الواقع في نقدٍ سوداوي، فالمناسبة الاجتماعية قد تكون تعميقاً للتضامن، وإحياءً للذاكرة الجماعية، وتقوية للروابط الأسرية.

وعملياً الفكر النقدي المعاصر لا يدعو إلى هدم الموروث، بل يعمل إلى تحريره من التضخم.

ومن خلال هذا المفهوم بالإمكان إعادةِ ترتيب الأمور من خلال:

استعادة البعد التأمّلي للصيام، وتقليص المبالغة الاستهلاكية، والتمييز بين العادة والمقصد.

فحين يصبح الزمن المقدّس مناسبة اجتماعية لا تزول قداسته، بل يلج في مفاوضات مع المجتمع، حيث أن التحوّل ليس سقوطاً، بل انتقالاً، من زمن العبادة الخالصة، إلى زمن العبادة المُمَسرحة اجتماعياً.

وبنفس الوقت نأخذ بعين الاعتبار، بأن رمضان المُعاصر يمرّ بمرحلة إعادةِ تعريف، كما أن الموروثات ليست جامدة، بل تخضع لإعادةِ تفسير، والتنوير لا يُلغي التراث، بل يُفكّكه ويُعيد بنائه.

إنّ طقوس المسحراتي والزينة والفوانيس والولائم الموسّعة، والدراما الرمضانية، وأنماط الزيارات الاجتماعية، والدورات الرياضية، وعادات الإفطار الجماعي، كل هذه الممارسات ليست عبادة بحدّ ذاتها، بل هي تعبير ثقافي حول العبادة ليس إلاّ.

المسحراتي هنا هو وسيلة لإيقاظ الإنسان للسحور، والولائم وسيلة للتكافل، لكن في السياق المعاصر ومع تأثير الإعلام والاقتصاد الاستهلاكي قد يتحوّل الإفطار إلى إستعراضٍ طبقي، والزينة إلى موسمٍ تجاري، والدراما والمسلسلات الرمضانية إلى مركز الاهتمام بدلاً من العبادة.

وأحياناً يصبح العرف الاجتماعي ضاغطاً وأقوى من المقصد، ويصبح " إلزام اجتماعي بحضور الولائم "،وإحراج من لا يلتزم وفق مظاهرٍ لا وفق الجوهر.

وهنا تطفو تسمية " تديّن العادة لا تديّن الوعي ".

ليس كلّ الموروث سلبياً، بل له وظائف مثل " تعزيز الهوية الجماعية، وتقوية الروابط الأسرية، وحفظ الذاكرة الثقافية، وإضفاء بُعدٍ جمالي على الزمن المُقدّس ".

إن رمضان بلا ثقافة يبقى جافاً، ورمضان بلا روح يصبح فارغاً.

المشكلة ليست في وجود الموروث، بل في تحوّله من وسيلةٍ تخدم الروح، إلى بنيةٍ تضغط عليها.

ونعترف بأن رمضان يتأثّر أيضاً بالتحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي.

إنّ شهر رمضان الفضيل يُشكّل الزمن عنصراً بنيوياً في العمل السردي، وتُبنى الأحداث في إطاره، وتتشكّل الشخصيات من خلال إيقاعه.

في عدد من روايات نجيب محفوظ يتخذ من رمضان وظيفة تتجاوز زمن الأحداث، فهو يُستثمر لخلق مناخٍ نفسي واجتماعي خاص، حيث تتباطأ ايقاعات النهار، وتتوهّج الحياة ليلاً.

كما أن خصوصية اليوم الرمضاني " تمنح الكاتب بُنية إيقاعية جاهزة لتقسيم السرد، فالنهار غالباً ما يُصور بوصفه زمن الصبر والكتمان، بينما يتحوّل الليل إلى زمن انكشاف واعتراف وحركة اجتماعية، هذا التناوب الإيقاعي يخلق ثنائية رمزية بين الظاهر والباطن، بين الجوع الجسدي، والامتلاء الروحي، وهو ما يُثري البناء الدلالي للنص.

يتجسّد رمضان في الشعر العربي الحديث بوصفه تجربة رمزية تتجاوز البعد الطقسي إلى أفق تأمّلي عميق، حيث يتحول الصوم من فعل اقناعٍ جسدي، إلى استعارة كبرى للتطهّر والانتظار والمكابدة، فالأديب لا يتعامل مع الشهر باعتباره زمناً محدداً في السنة، بل بوصفه حالة وجودية تقيّد الصراع بين المادة والروح، وبين الرغبة والانضباط.

في بعض التجارب الأدبية يتقاطع الصوم مع فكرة المقاومة الرمزية، فالجوع يصبح اختياراً وليس قهراً، والصبر يتحوّل إلى فعلٍ سيادي يؤكّد حرية الذات.

ومن زاوية أخرى، يتقاطع الحضور الرمضاني مع الإرث الصوفي، في مفهوم " جماليات الجوع "، حيث يُنظر إلى الامتناع بوصفه طريقاً إلى المعرفة، التجربة الروحية هنا ليست انسحاباً من العالم، بل إعادة تعريف للعلاقة به، الجوع يصبح وسيلة لاختبار حدود الرغبة، والصمت يتحول إلى فضاء إنصاتٍ داخلي.

لا يمكن فهم الصيام في الأدب والفكر الحديث بوصفه مجرد امتناع جسدي من الطعام والشراب، بل بوصفه ممارسة فلسفية تُعيد تعريف وترميم العلاقة بين الإنسان ورغباته، فالامتناع في جوهره هو اختياراً وليس نقصاً، هو قدرة وليس عجزاً على ضبط الذات، ومن هنا تؤسس فلسفة الامتناع على أنها أو بوصفها موقفاً وجودياً، قبل أن تكون شعيرة دينية.

إن الحرية لا تتحقق فقط عبر الفعل فحسب، بل أيضاً عبر القدرة على عدم الفعل، فالإنسان الذي يستطيع أن يقول " لا " لرغباته، يؤكّد سيادته عليها، بهذا المعنى يصبح الصوم تمريناً على السيادة الداخلية، حيث يتحوّل الجسد من مصدر إملاء إلى مجا انضباط.

ومن خلال ذلك تتجسّد أمامنا رؤية الصيام في القراءة الفلسفية، على أنه لحظة وعي مركّزة، يُختبر فيها معنى الحرية والانضباط والمعرفة والكرامة الإنسانية.

ومن ناحية أخرى، نرى أن رمضان تحوّل من زمنٍ روحي قائم على الزهد والتهذيب إلى موسمٍ استهلاكي مُكثّف.

تُشير الاحصائيات في المجتمعات العربية إلى إرتفاع معدّلات الإنفاق الغذائي في رمضان بشكلٍ ملحوظ، المفارقة هنا واضحة، شهر الصيام يتحوّل إلى موسم موائد فائضة، وإعلانات مُكثّفة وعروضٍ تجارية، وهنا يُمكننا أن نتساءل:

" كيف انتقلنا من فلسفة الامتناع إلى ثقافة الإمتلاء "؟.

الدراما، الإعلانات، البرامج الترفيهية، المسلسلات الرمضانية، كلها أسهمت في إعادة تشكيل صورة رمضان، بوصفه موسماً إعلانياً تجارياً واستهلاكيّاً، ولم يعد الشهر فقط زمن عبادة، بل أصبح منصة تنافس اقتصادي واستهلاكي وإعلاني.

حتّى القيم الدينية نفسها تدخل أحياناً في منطق السوق، حملات خيرية ذات طابع دعائي، منتجات رمضانية مُخصّصة، توظيف الخطاب الديني في التسويق، إنها جدلية خطيرة، فهل يُختزل المقدس في صورةٍ قابلةٍ للبيع.

ليس المطلوب إدانة المجتمع، بل فهم التحوّل، فربما لا يعني الاستهلاك زوال القداسة، بل تحوّل شكلها، وربما يصبح التحدي الحقيقي " كيف نحمي البعد الروحي من الذوبان الكامل في الاقتصاد الرمزي للسوق ".

رمضان أمام مفترق طرق، إمّا أن يبقى زمناً لتقليل الرغبة، أو يتحوّل إلى موسمٍ لتعظيمها، وأمام كل مثقف سؤال أيضاً " هل نقرأ هذه الظاهرة على أنها انحرافاً، أم تطوراً ثقافياً يحتاج إلى إعادة توجيه " ؟.

المشكلة لا تكمن في العالم المادي فقط، بل في قابلية التجربة الرمضانية نفسها، لأن تختزل في مظاهر " موائد، برامج، منشورات، طقوس اجتماعية "، عندما يتحوّل الشهر إلى أداءٍ اجتماعي، يفقد طاقته التحويلية.

المعنى لا يُنتج من الشكل، بل من الوعي بالشكل، الفرق بين من يصوم عادةً، ومن يصوم وعياً، هو الفارق بين طقس يتكرر، وتجربة تُغيّر.

المعنى لا يموت، لكنه يختبىء، ورمضان في عالمٍ مادّي صاخب، قد يكون آخر الفضاءات التي تُذكّر الإنسان بأنه أكثر من جسدٍ مستهلك وصورة عابرة.

إذا أردنا لرمضان أن يستعيد قدرته على إنتاج المعنى، علينا أن نخرجه من كونه موسماً، ونعيده إلى كونه إختباراً، اختباراً لصدقنا، لا لقدرتنا على الاستعراض، اختباراً لتحررنا من الرغبة، لا لمهارتنا في تزيينها.

رمضان لم يُشوّه فجأة أو صدفةً، بل جرى تدجينه، نحن فتحنا كل الأبواب، وجعلنا من رمضان موسماً ذهبياً للإعلانات، وذروة سنوية لصناعة الدراما، وساحة تنافس في البذخ الاجتماعي.

المفارقة ليست في وجود المسلسلات، بل في أن تصبح الحدث، بينما يتحوّل الصيام إلى خلفيةٍ صامتة.

رمضان لا يفقد معناه لأن الآخرين يسيؤون استخدامه، بل لأنه يكشف هشاشتنا، يكشف أننا نريد الطقس بلا تحوّل، والشعور بلا التزام، والروحانية بلا ثمن.

الصيام ليس حرماناً من الطعام، بل حرماناً من الهيمنة التي تمارسها الرغبة فينا وعلينا.

رمضان ليس موسماً للعرض، إنه إختبار للصدق، ومن لا يحتمل الصدق، سيحوّل كلّ مقدسٍ إلى ديكور.

المؤسسات الإعلامية لم تكتفِ بتغطية الشهر الفضيل، بل حوّلته وأعادت تشكيله إلى " موسمٍ ذهبي " للإعلانات، وإلى ساحة تنافس محموم على نسب المشاهدة، وفجأة يصبح الصيام خلفية إنتاج، ويغدو الآذان فاصلاً إعلانياً، وتتحوّل الروحانية إلى ديكورٍ بصري، داخل استوديو مضاء بإفراط.

الدراما الرمضانية ليست مجرد ترفيه عابر، إنها صناعة كاملة تقوم على تكثيف الاستهلاك في أكثر اللحظات ادعاءً للتقشّف.

ملايين تُنفق ببذخ باسمِ " الموسم "، بينما يفترض أن يكون الشهر تمريناً على تقليل الرغبة، لا تضخيمها، هكذا يُعاد تعريف رمضان، ليس زمن مراجعة، بل ذروة سوقية سنوية.

حتّى المؤسسات الدينية تتحمّل نصيبها من الأزمة، حين يتحوّل الخطاب الديني إلى تكرار وعظي بلا مساءلة عميقة، حين يُختزل الصيام في أحكامٍ فقهية تقنية، حين يُستبدل سؤال " لماذا نصوم " بسؤال " ما الذي يُفطر "، فإن الدين يُختزل في شكله، ويُترك جوهره فارغاً.

الخطاب الذي ينبغي أن يهزّ البنية الاستهلاكية، يتعايش معها، ويباركها بصمت.

هذه ليست أزمة أفراد " منافقين "، بل أزمة مؤسسات أعادت صياغة المقدس وفق منطق العرض، الإعلام يبحث عن الربح، وحين لا يجد أمامه خطاباً دينياً نقدياً قوياً، يعيد توجيه البوصلة ويصبح السوق هو المرجع.

فهل تخشى المؤسسات الدينية خطاباً يُقلق نمط العيش السائد ؟، وهل يخشى الإعلام وتجار الشهر والسوق فقدان بريق الموسم، لو استعاد الشهر هدوءه الأصلي؟.

تواطؤ بين سوقٍ يريد الربح، وخطاب ديني لا يريد الصدام، ومجتمع لا يريد تعكير مزاجه.

والحقيقة القاسية، المُقدّس لا يُسلب إلاّ حين نقبل نحن تدجينه.

***

د. أنور ساطع أصفري

يريد أحمد تأمينًا جيدًا لسيارته، فيتعاقد مع الشركة التي سمع اسمها أكثر من غيرها. كما تعلم مارتا أن مدخراتها غير كافية لتكملة معاشها التقاعدي، لكنها خلال تخفيضات الجمعة السوداء قررت إنفاق مبلغ كبير من المال على هاتف ذكي من أحدث طراز.

أما أسعد، القلق على صحته، فقد كان ينوي ارتداء كمامة عندما ذهب إلى المسرح مع أصدقائه، لكن بما أن أحدًا لم يكن يرتديها، انتهى به الأمر إلى عدم ارتدائها هو أيضًا.

تُظهر هذه الأمثلة جميعها أن علم النفس يؤثر بوضوح في الاقتصاد، وأن البشر في كثير من الأحيان لا يتصرفون ولا يتخذون قراراتهم بطريقة عقلانية بالكامل كما تفترض النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، التي تُختزل في نموذج "الإنسان الاقتصادي".(Homo economicus

يفترض هذا النموذج أننا، عند اتخاذ القرارات، عقلانيون تمامًا. وهذا يعني أننا: قادرون على تحليل كل المعلومات ذات الصلة. ونختار الخيار الذي يحقق لنا أكبر منفعة شخصية (كالمال أو الراحة وغيرها).

لكن الأدلة التجريبية تظهر أن البشر لا يتخذون قراراتهم بهذه الطريقة. فكثيرًا ما لا نحلل كل المعلومات المتاحة، ولا نحسن تحليلها أصلًا، لأننا إحصائيون حدسيون ضعفاء. إضافة إلى ذلك، نحن كائنات اجتماعية، لذلك تتأثر قراراتنا بما يفعله الآخرون؛ ومن هنا نشأ مفهوم الاقتصاد السلوكي.

في قراراتنا اليومية كثيرًا ما نسترشد بما يسمى الاستدلالات الذهنية (Heuristics) ، وهي اختصارات عقلية واعية أو غير واعية تسمح لنا باتخاذ قرار بسرعة، مع قدر قليل من البحث عن المعلومات، ولكن مع درجة معقولة من الدقة.

غالبًا ما تنجح هذه الاختصارات، لكنها في أحيان أخرى تقودنا إلى أخطاء أو انحيازات معرفية. وقد تمكن الاقتصاد السلوكي من تحديد أكثر من مئة انحياز معرفي مختلف.

في الأمثلة التي وردت في بداية المقال: تأثر أحمد بانحياز التوافر، فاختار الشركة التي سمع عنها أكثر بدلًا من تحليل أيها الأفضل. ووقعت مارتا في انحياز الحاضر؛ إذ قللت كثيرًا من قيمة فوائد التقاعد المستقبلية، ورفعت في المقابل قيمة الاستهلاك الحالي. أما أسعد فقد خضع لـ تأثير القطيع، متأثرًا بسلوك الآخرين.

لقد نشأ الاقتصاد السلوكي منذ سبعينيات القرن العشرين، في مقابل الاقتصاد الكلاسيكي، وهو يجمع بين علم النفس والاقتصاد. ويُعد الحاصل على جائزة نوبل دانيال كانيمان مع عاموس تفرسكي من أبرز مؤسسيه. وقد أجرى العالمان عددًا كبيرًا من التجارب لوضع أسس هذا المجال. ويعد كتاب كانيمان «التفكير، السريع والبطيء» من الكتب الأكثر مبيعًا التي تعرض أفكارهما بأسلوب مبسط.

وقبل ذلك كان هناك أيضًا الحائز على نوبل هربرت سايمون (1956) بمفهوم العقلانية المحدودة. فالعقل البشري لديه حدود في المعرفة والوقت والقدرة الحسابية، لذلك نميل إلى اتخاذ قرارات سريعة و«جيدة بما يكفي»، وهو ما يسمى بالسلوك المرضي أو المُرضي (Satisficing).

فهل الانحيازات شيء سيئ؟ ليس بالضرورة. فوفقًا لمقاربة "السريع والبسيط" (Fast and Frugal) التي طرحها الباحث غيرد غيرينزر، لا تُعد الاستدلالات الذهنية مجرد اختصارات غير عقلانية تقود إلى قرارات سيئة. بل على العكس، قد تكون مفيدة لأنها تتيح اتخاذ قرارات دقيقة نسبيًا بأقل جهد ممكن.

بل إن بعض علماء النفس التطوري يرون أن هذه الاستدلالات والانحيازات ساعدت البشر على البقاء عبر التاريخ. فهي ليست عيوبًا في تصميم العقل، بل خصائص تصميمية.

فأسلافنا الذين رأوا ظلًا مريبًا في عشب السافانا وفرّوا فورًا باستخدام اختصار الهروب تمكنوا من النجاة (حتى لو كان الخطر أحيانًا وهميًا). أما أولئك الذين حاولوا تحليل كل المعلومات قبل اتخاذ القرار الأمثل فلم تتح لهم الفرصة لنقل جيناتهم.

قد تدفعنا التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي إلى الاعتقاد بأننا نستطيع استخدامه كمستشار أو مساعد لتحسين قراراتنا (مثل المستشارين الماليين الآليين)، لأنه غير بشري ولا يمتلك انحيازاتنا.

لكن الحقيقة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها أيضًا انحيازات. فبعضها، مثل الانحياز التاريخي، يأتي من البشر أنفسهم، لأن البيانات التي تُدرَّب عليها الأنظمة تحتوي على تحيزات بشرية. وهناك أيضًا انحيازات أخرى تظهر أثناء بناء النماذج، مثل انحياز التمثيل.

فإذا لم تستطع هزيمة خصمك، فلماذا لا تتحالف معه؟ هذا ما تقترحه نظرية الدفعة (Nudge) التي طورها الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2017 ريتشارد ثالر. ففكرة «هندسة الاختيار» تقضي بتصميم بيئات اتخاذ القرار بطريقة تجعل الخيار المرغوب (غالبًا من قبل الجهات العامة) هو الخيار الأكثر احتمالًا، وذلك باستخدام الانحيازات السلوكية لصالحنا.

لا يتم إجبار الناس على شيء، بل يتم توجيههم بلطف، وهو ما يسميه ثالر "الأبوية التحررية". فعلى سبيل المثال، إذا جعلنا الخيار الافتراضي في بيئة القرار هو الخيار الذي نريد أن يختاره الناس، فإننا نستفيد من انحياز الوضع القائم ومن ميل البشر إلى التسويف ليكون هذا الخيار هو الأكثر اختيارًا.

وبفضل هذا الإجراء البسيط تمكنت سلطات عدة دول من تحقيق نتائج مهمة، مثل زيادة ادخار العمال للتقاعد. إذ أصبح الخيار الافتراضي هو اقتطاع جزء من الراتب لصالح صندوق ادخار، وكان على العامل أن يغيّر هذا الخيار بنفسه إذا لم يرغب فيه.

كما استُخدمت الدفعات الاجتماعية لتشجيع توفير الطاقة في المنازل، وذلك عبر إضافة معلومات في فاتورة الكهرباء تقارن استهلاك الأسرة باستهلاك جيرانها، وتبيّن من يوفّر طاقة أكثر، في شكل يشبه المنافسة.

في النهاية، لسنا عقلانيين تمامًا كما افترضت النظرية الاقتصادية التقليدية. فكما يشير الاقتصاد السلوكي، فإننا بفضل اختصاراتنا الذهنية وانحيازاتنا وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. ومن المفيد أن نعرف أيّ هذه الانحيازات يؤثر فينا أكثر، حتى نستفيد منها لصالحنا، وفي الوقت نفسه نتجنب الوقوع ضحية للتلاعب بها.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

ليس أخطر على العقل من تلك الطمأنينة الزائفة التي تمنحها العادة. فبعض الناس لا يدافعون عن الموروث لأنهم فهموه، بل لأنهم اعتادوه؛ ولا يتمسكون به لأنه ثبت لهم صدقه، بل لأنه وصلهم ممهوراً بختم الأسلاف. وهكذا يتحول التراث في أذهانهم من مادة للفهم إلى جدار يمنع الفهم، ومن تجربة إنسانية قابلة للنقد إلى يقين مغلق لا يجوز الاقتراب منه

ومن أغرب مفارقات العقل البشري أن بعض الناس يتحدثون عن الموروث بثقة عاليه، كأن مجرد الانتماء إليه يمنحهم سلطة تفسيره والدفاع عنه. يرفعونه في وجه السؤال كما ترفع الرايات في المعارك، لا ليُفهم، بل ليُحمى من الفهم. وهكذا يتحول التراث عندهم من تجربة إنسانية ثرية إلى حصن ذهنيّ مغلق، تمنع عند بواباته أسئلة العقل

غير أن التراث، في حقيقته، ليس نصا مقدسا، بل نص تاريخي كتبه بشر عاشوا ظروفا خاصه. وفكروا بأدوات عصرهم، وأجابوا عن أسئلة زمانهم. ومن الظلم للعقل أن نحوله إلى صنمٍ ذهني نطوف حوله دون أن نجرؤ على سؤاله.

إن المشكلة لا تكمن في التراث نفسه، فالتراث في جوهره ذاكرة الإنسانية وتجربة العقول التي سبقتنا. لكنه يصبح خطرا حين يختزل في صورة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. ففي تلك اللحظة يتوقف عن كونه معرفة، ويبدأ في التحول إلى سلطة. والسلطة حين تستقر في الفكر دون مساءلة لا تنتج علما بل تنتج طاعة. وتتحول سريعا إلى نوع من الجمود المعرفي.

إن احترام التراث لا يعني السجود له، بل يعني محاورته. فالعقل الحي لا يرث الأفكار كما يرث البيوت والأراضي، بل يعيد اختبارها في ضوء التجربة والمعرفة. وما كان من الموروث حكمة راسخة سيزداد قوة بالنقد، وما كان وهما أو مبالغة فسيسقط تلقائيا تحت ضوء السؤال.

لهذا كان السؤال هو أول فعلٍ فلسفي في التاريخ. منذ أن وقف الإنسان القديم متسائلا أمام الكون، بدأ طريق المعرفة. فالعقل الذي لا يسأل لا يفكر، والعقل الذي لا يفكر لا يضيف إلى التراث شيئا، بل يكتفي بتكراره كما يكرر الصدى الصوت. ولعل المأساة الفكرية الكبرى في كثير من مجتمعاتنا ليست في وجود التراث، بل في طريقة التعامل معه. إذ يستدعى أحيانا بوصفه نهاية التفكير لا بدايته، وبوصفه جوابا نهائيا لا تجربة قابلة للفهم والنقد. وهنا يفقد التراث روحه الحقيقية. لانه نتاج اجتهادات وتأويلات سابقه

إن التراث الحي هو الذي يدخل حوارا دائما مع العقل المعاصر، لا الذي يتحول إلى منطقة محرمة. فالأفكار التي لا تحتمل النقد لا تستحق البقاء، والأفكار العميقة لا تخشى السؤال، لأنها تعلم أن الحقيقة لا يهددها التفكير، بل يهددها الجمود.

ومن هنا فإن العقل الذي يراجع ويحلل وينقد لا يهدم التراث كما يظن البعض، بل يعيد إليه حياته. فالمعرفة لا تزدهر بالحفظ وحده، بل بالبحث؛ ولا تبقى حية بالتكرار، بل بالوعي. فالتراث الذي نحبه حقا هو التراث الذي نملك الشجاعة لقراءته بعين مفتوحة، لا بعين مغمضة.

أن الفلسفة تعلمنا أن الحقيقة لا تخاف النقد، بل تنمو به. وأن الفكرة التي لا تستطيع احتمال السؤال ليست فكرة راسخة، بل بناء هش تحميه العادة أكثر مما تحميه الحجة. ولهذا كان أعظم ما قدمه العقل الإنساني للحضارة هو الشك المنهجي؛ ذلك الشك الذي لا يهدم الحقيقة بل ينقّيها، ولا يعادي المعرفة بل يحررها من الأوهام التي علقت بها عبر الزمن.

وم المفترض أن يكون التراث نصا مفتوحا على القراءة. وكل قراءة جديدة هي محاولة لإعادة فهمه في ضوء أسئلة الحاضر. أما حين يطلب منا أن نكرره كما وصلنا، دون مراجعة أو تحليل، فإننا لا نحافظ عليه في الحقيقة، بل نحوله إلى متحف فكري صامت، تعرض فيه الأفكار كما تعرض القطع الأثرية: جميلة ربما، لكنها بلا حياة. وبلا روح.

وفي وجهه نظري. الحل يبدأ أولا بإعادة الاعتبار للعقل النقدي في التربية والثقافة؛ عقلٍ يتعلم أن السؤال ليس وقاحة فكرية، بل شرط من شروط المعرفة. فبدلا من تعليم الأجيال الحفظ وحده، يجب أن نعلمهم كيف يفكرون، وكيف يميزون بين الحقيقة والرأي، وبين الحكمة التاريخية والتفسير البشري القابل للخطأ

وهنا لابد أن أقف أمام اشكاليه كبرى. لأن هذا الفهم لا ينمو من فراغ؛ فهو يجد تربته الخصبة حين تهمش الفلسفة وتغيب العلوم الإنسانية عن فضاء الوعي العام. فعندما يقصى التفكير الفلسفي من التعليم والثقافة، يفقد العقل أدواته الأساسية: الشك المنهجي، والتحليل، والقدرة على التمييز بين الفكرة وحاملها، وبين الحقيقة وتاريخها. وحين تختزل المعرفة في التلقين، ويتراجع حضور التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، يصبح الموروث مادة محفوظة لا تجربة مفهومة. عندئذٍ لا يعود التراث موضوعا للفهم بل موضوعا للحراسة، ويتحول العقل من باحث عن المعنى إلى حارسٍ لليقين. فالفلسفة ليست ترفا ذهنيا كما يتوهم البعض، بل هي الجهاز النقدي الذي يقي المجتمعات من عبادة الأفكار، والعلوم الإنسانية ليست زينة معرفية، بل هي المرآة التي تكشف كيف تتشكل الأفكار داخل التاريخ والمجتمع. وحين تغيب هذه الأدوات، يعلو صوت التكرار ويخفت صوت الفهم، فيبدو الماضي أكثر حضورا من العقل نفسه، وتصبح الذاكرة بديلا عن التفكير.

وثمة حل آخر لا يقل أهمية، وهو نشر ثقافة الحوار بدلا من ثقافة الاتهام. فالنقد ليس عداء للتراث، كما أن الدفاع عنه ليس دليلا على الفهم

وأخيرا، علينا أن نتذكر حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن التراث نفسه كان في زمنه اجتهادا بشريا، لا نصا منزلا . لذلك لا يجب أن نحوله إلى قفص للعقل،و أن نواصل روح السؤال، وروح الاجتهاد، وروح البحث عن الحقيقة.

ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تفعله أمة لعقول أبنائها ليس أن تثقلها بالموروث، بل أن تمنحها المفاتيح التي تمكنها من قراءته: مفاتيح الفلسفة، وأدوات العلوم الإنسانية، وروح السؤال الحر. فعندئذ فقط يتحول التراث من سلطة على العقل إلى طاقة للعقل؛ ومن عبء على الحاضر إلى جسر يعبر به نحو أفق أوسع من المعرفة والحرية.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

نحو تأسيس مبكر لعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ

على سبيل التقديم: في تاريخ الأفكار لحظات نادرة ينتقل فيها الفكر الإنساني من الوصف إلى التفسير، ومن الحكاية إلى القانون، ومن تسجيل الوقائع إلى البحث عن منطقها العميق. وتُعد تجربة ابن خلدون واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي أعادت تعريف معنى التاريخ ذاته، إذ لم يعد الماضي عنده مجرد أخبار تُروى، بل أصبح ظاهرة إنسانية تخضع لقوانين يمكن فهمها وتحليلها واستشراف نتائجها.

لقد كتب ابن خلدون المقدمة في سياق سياسي مضطرب عرف انهيار دول وصعود أخرى في فضاء المغرب والأندلس، غير أن عبقريته تمثلت في قدرته على تجاوز الحدث الآني نحو بناء رؤية كونية للعمران البشري. فبدل أن يسأل: ماذا حدث؟ طرح سؤالاً أكثر عمقاً: لماذا تتشكل الدول؟  ولماذا تنهار؟ وهو السؤال الذي سيصبح لاحقاً جوهر العلوم الاجتماعية الحديثة.

إن قراءة مقدمة ابن خلدون اليوم لا تعني العودة إلى نص تراثي فحسب، بل تعني اكتشاف مشروع معرفي سبق عصره بقرون، إذ وضع أسس التفكير السوسيولوجي قبل ظهور علم الاجتماع الأوروبي، وربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والدين ضمن شبكة تفسيرية واحدة ترى المجتمع ككائن حي يولد وينمو ويشيخ ثم يزول.

ومن هنا تكتسب المقدمة راهنيتها المستمرة؛ فهي لا تفسر تاريخ القرون الوسطى فقط، بل تقدم مفاتيح لفهم تحولات الدولة الحديثة وأزمات الحضارة المعاصرة. ذلك أن ابن خلدون لم يكن مؤرخاً للأحداث بقدر ما كان فيلسوفاً للحركة التاريخية نفسها.

في هذا الإطار، يسعى هذا المقال إلى قراءة فكر ابن خلدون بوصفه مشروعاً تأسيسياً لعلم العمران، وتحليل إسهامه في بناء تصور علمي للتاريخ يقوم على القوانين الاجتماعية وديناميات السلطة والتحول الحضاري.

 من كتابة التاريخ إلى تفسيره

يشكّل مشروع ابن خلدون الفكري لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الإنساني، إذ انتقل بالتاريخ من مجرد سرد للأخبار والأحداث إلى علم يبحث في القوانين المنظمة لحركة المجتمعات والدول. فقد كتب عبد الرحمن بن خلدون سنة 1377م مؤلفه الشهير المقدمة باعتباره تمهيداً لكتاب العبر، غير أن هذا العمل سرعان ما تجاوز وظيفته التمهيدية ليصبح نصاً تأسيسياً قائماً بذاته، يجمع بين التاريخ وعلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد وفلسفة المعرفة (Ibn Khaldun, 2005).

تكمن عبقرية ابن خلدون في أنه لم يكتف بوصف الوقائع التاريخية، بل سعى إلى تفسيرها عبر الكشف عن البنية العميقة التي تحكم العمران البشري، وهو ما جعل العديد من الباحثين يعدّونه المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع قبل ظهوره في أوروبا بعدة قرون (Alatas, 2014).

أولاً: العمران البشري بوصفه قانوناً اجتماعياً

ينطلق ابن خلدون من فرضية مركزية مفادها أن الاجتماع الإنساني ضرورة وجودية، لأن الإنسان عاجز بطبعه عن تحقيق الاكتفاء الذاتي. فالحياة الإنسانية قائمة على التعاون وتقسيم العمل، وهو ما يؤدي إلى نشوء العمران باعتباره ظاهرة اجتماعية طبيعية لا اختيارية (Ibn Khaldun, 2005).

ويمثل مفهوم العمران عند ابن خلدون إطاراً نظرياً شاملاً يدمج بين الاجتماع والاقتصاد والسياسة، حيث يرى أن نمط العيش الإنساني يتشكل تبعاً لشروط البيئة والمناخ والموارد. فالمناطق المعتدلة تساعد على الاستقرار والإنتاج، بينما تعيق الظروف القاسية تطور الحضارة. ويكشف هذا التحليل عن وعي مبكر بالعلاقة بين الجغرافيا والتنظيم الاجتماعي، وهو ما ستؤكده لاحقاً مدارس الجغرافيا البشرية الحديثة (Mahdi, 1964).

ولا يقف تحليل ابن خلدون عند العوامل المادية، بل يمتد إلى البنية النفسية والروحية للإنسان، حيث يربط بين التدين والظروف الاجتماعية، معتبراً أن الفقر يولّد نزوعاً روحياً أكبر نتيجة شعور الإنسان بالحاجة الدائمة إلى العون الإلهي.

ثانياً: العصبية والعمران البدوي: القوة المؤسسة للدولة

يعتبر مفهوم العصبية أحد أهم المفاهيم الخلدونية، إذ يراه المحرك الأساسي لقيام الدول. فالمجتمعات البدوية، بحكم بساطة عيشها وقوة روابطها الداخلية، تمتلك طاقة تضامنية تؤهلها للسيطرة السياسية وبناء الملك (Ibn Khaldun, 2005).

ويؤكد ابن خلدون أن الحضارة لا تبدأ بالترف، بل بالضرورة؛ إذ تنتقل المجتمعات تدريجياً من تلبية الحاجات الأساسية إلى البحث عن الكماليات. ومع توسع العمران تضعف العصبية تدريجياً، فتبدأ بذور الانحلال في التشكل داخل الدولة نفسها.

كما يقدّم تحليلاً نفسياً عميقاً لظاهرة تقليد المغلوب للغالب، حيث تميل الشعوب المهزومة إلى استبطان نموذج المنتصر وتقليده ثقافياً وحضارياً، وهو تحليل يسبق نظريات الهيمنة الرمزية والاغتراب الثقافي في الفكر الحديث (Alatas, 2014).

ثالثاً: نظرية الدولة ودورة التاريخ

طرح ابن خلدون تصوراً دينامياً للدولة يقوم على فكرة الدورة التاريخية، حيث تمر الدولة بمراحل متعاقبة:

مرحلة الظفر والتأسيس.

مرحلة الاستبداد وتركيز السلطة.

مرحلة الازدهار والاستقرار.

مرحلة الترف والانحلال.

مرحلة السقوط.

ويرى أن الترف يمثل نقطة التحول الحاسمة، إذ يؤدي إلى ضعف روح التضامن وتراجع القدرة العسكرية والإنتاجية، فتفقد الدولة أسباب بقائها (Ibn Khaldun, 2005).

وتكشف هذه النظرية عن تصور تاريخي قائم على القوانين الاجتماعية لا المصادفات، مما يجعل ابن خلدون رائداً في تأسيس فلسفة تاريخ علمية قبل ظهور مفكري الحداثة الأوروبية بقرون (Mahdi, 1964).

رابعاً: العمران الحضري وأزمة الحضارة

يربط ابن خلدون ازدهار المدن بقوة الدولة وتنظيمها الاقتصادي، فالعمران الحضري يعكس مستوى التخصص المهني وتراكم الثروة. غير أن الحضارة، في نظره، تحمل تناقضاً داخلياً، حيث يؤدي التوسع العمراني إلى انتشار الترف والاستهلاك المفرط، وهو ما يضعف القيم الأخلاقية ويؤدي تدريجياً إلى الانهيار الحضاري.

كما يلاحظ أن الثورات غالباً ما تنطلق من الأطراف البعيدة عن المركز السياسي، حيث يضعف نفوذ السلطة، فتظهر عصبيات جديدة تنافس الدولة القائمة، في دورة تاريخية متكررة.

خامساً: الاقتصاد والصناعة بوصفهما أساس العمران

يقدم ابن خلدون تحليلاً اقتصادياً متقدماً حين يربط بين تنوع المهن وزيادة الثروة، مؤكداً أن ازدهار الصناعات يؤدي إلى ارتفاع مستوى المعيشة وتعزيز قوة الدولة. ويعد هذا الطرح من الإرهاصات المبكرة لفكرة تقسيم العمل التي ستظهر لاحقاً في الاقتصاد الكلاسيكي (Ibn Khaldun, 2005).

كما يميز بين المال المجرد والجاه الاجتماعي، معتبراً أن السلطة الاجتماعية تضاعف القدرة الاقتصادية، في تحليل يكشف إدراكاً مبكراً للعلاقة بين الاقتصاد والبنية السلطوية.

سادساً: العلم والتعليم كمؤشر حضاري

يضع ابن خلدون المعرفة في قلب مشروعه الحضاري، إذ يرى أن العلم هو السمة الفارقة للإنسان. ويقسم العلوم إلى علوم عقلية وأخرى نقلية، داعياً إلى منهج تدريجي في التعليم يراعي قدرات المتعلمين ويرفض الحفظ الآلي والتلقين، ويؤكد أن ازدهار العلوم علامة على قوة الحضارة، بينما يمثل جمود المعرفة مؤشراً على بداية الانحطاط (Alatas, 2014).

خاتمة: ابن خلدون مفكراً للمستقبل

تكشف مقدمة ابن خلدون عن مشروع فكري متكامل يسعى إلى فهم قوانين التاريخ والمجتمع والدولة ضمن رؤية علمية شاملة. فقد استطاع ابن خلدون أن يؤسس علماً جديداً هو علم العمران، وأن يقدم نموذجاً تفسيرياً للتاريخ يقوم على تحليل البنى الاجتماعية لا مجرد سرد الأحداث.

ولهذا لم تعد المقدمة نصاً تراثياً فحسب، بل أصبحت مرجعاً نظرياً حياً لفهم تحولات المجتمعات المعاصرة، ودليلاً على أن الفكر العربي الإسلامي أسهم مبكراً في بناء العلوم الإنسانية الحديثة.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي في الفكر والتاريخ الحضاري

......................

المراجع والمصادر

الجابري، م. ع. (1994). فكر ابن خلدون: العصبية والدولة — معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

طه حسين. (1977). فلسفة ابن خلدون الاجتماعية. القاهرة: دار المعارف.

النبهان، م. ف. (1998). الفكر الخلدوني من خلال المقدمة. بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع / دار الفرقان للنشر والتوزيع.

Alatas, S. F. (2014). Applying Ibn Khaldun: The recovery of a lost tradition in sociology. Routledge.

Ibn Khaldun. (2005). The Muqaddimah: An introduction to history (F. Rosenthal, Trans.). Princeton University Press.

Mahdi, M. (1964). Ibn Khaldun’s philosophy of history. University of Chicago Press.

 

ظلت مسألة الصراع بين العقل والنقل قائمة منذ استلام الأمويين السلطة وفرضهم سياسة الجبر على الرعيّة حتى وصول المأمون إلى الخلافة.. ففي هذه الفترة (198-218هـ)، أي عصر الخليفة المأمون كانت الصراعات تدور داخل الخلافة بين تيارات سياسية متنوعة، أبرزها: البيت العباسي (المتنازع بين المأمون والأمين)، والعلويون (الطالبيون) الذين قادوا ثورات متعددة ضد الخلافة العباسيّة، فحاول المأمون استمالتهم بتعيين الإمام "علي بن موسى الرضا" (الإمام الثامن عند الشيعة الإماميّة)، وليّاً للعهد، وكان هناك الفُرس الذين شكلوا قوة عسكريّة وإداريّة داعمة، وكذلك المعتزلة الذين سيطروا على مفاصل الدولة وتبنوا فكر خلق القرآن، بالإضافة إلى الخرميّة (بابك) والدول المستقلة (الأدارسة والأغالبة).

ونظراً لسيطرة المعتزلة على مفاصل الدولة ولما يعتقدونه من دور للعقل ومكانته في تفسير وتأويل النص الديني، والايمان بحريّة الإرادة الإنسانيّة في تحقيق العدل والمساواة بين الناس. جاء مرسوم الخليفة المأمون عام 212 للهجرة الذي اعتمد فيه العقل وسيلة في تفسير القرآن وتطبيق شريعة الله على الرعيّة. وقد جاء في هذه المرسوم المتعلق بخلق القرآن:

(إن من حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم في إقامة دين الله الذي استخلفهم، ومواريث النبوة التي أورثهم، وأثر العلم الذي استودعهم، والعمل بالحق في رعيتهم. وقد عُرف أمر المؤمنين بأن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعيّة، وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا رؤية ولا استدلال له بدلالة الله، والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق، وأن أهل الجهالة بالله، الذين عميت بصيرتهم وضلوا عنه وعن حقيقة دينه وتوحيده، قد نكص إيمانهم عن واضحات إعلامه وواجب سبيله، وقصور من أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفونه كنه معرفته، ويفرقون بينه وبين خلقه لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم، فأطبقوا مجتمعين واتفقوا غير متعاجمين على أن القرآن قديم أول، لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه. وقد قال الله تعالى في محكم بيانه: (إنا جعلناه قرآناً عربيّاً). فكل ما جعله الله فقد خلقه.).(1).

إن في هذا الموقف السياسي للمأمون، يتبين لنا ذاك التحول العميق في قضيّة انتشار حالات الجدل والنقاش بين أهل القدر وأهل الجبر – بين أهل العقل وأهل النقل - من جهة. ومن جهة أخرى يتبين لنا أيضاً التحام هذا الفكر بتياريه في السلطة بشكل مباشر إن كان بشكله الجبري المعتمد على النقل زمن الأمويين والربع الأول من الحكم العباسي، أو بشكله القدري عند استلام المأمون الخلافة، وهو الذي اعتمد العقل بدل النقل وشكلت محاكم للتفتيش لتحاسب من يقول بالنقل ويرفض العقل، فكانت محنة "ابن حنبل" أحد أوجه تطبيقات هذه المحاكم.

بعد استلام "المتوكل" الخلافة (232-247هـ/ 847-861م)، كان القادة العسكريون الأتراك هم من سيطر فعليّاً على الخلافة العباسيّة، وحيث امتدت سيطرتهم على الجيش ومقاليد الأمور في سامراء. ورغم محاولات المتوكل تقليص نفوذهم، إلا أنهم ظلوا القوة الفعليّة، وانتهى الأمر باغتيالهم له بتحالف مع ابنه المنتصر.

مع بداية استلام الخليفة المتوكل الخلافة عام232هـ، وبضغط من القادة العسكر الأتراك، إصدار فرمانه القاضي بمحاربة الفكر القدري/ المعتزلي والعمل بالجبر، حيث جاء في مضمونه كما يذكر المؤرخ المسعودي: (بأن السلطة تمتلك صلاحيات واسعة بالنهي والأمر عن ممارسة التعقل والاجتهاد (النظر والمباحثة)، ويأمر بالجبريّة والتبعيّة (التسليم والتقليد). ثم أمر المحدثين بالتحديث وإظهار السنة والجماعة ووضعها أمام العقل والتعقل وحريّة الرأي والإرادة). (2).

مع هذا المرسوم أعلن الخليفة "المتوكل" تاريخ ترك النظر، أي إنهاء دور العقل وتحطيمه. وهذا مؤشر واضح على حالة الصراع السياسي الذي كان يدور على السلطة بين أهل النقل وأهل العقل من جهة، ومؤشر واضح أيضاً على أن القضايا الفكريّة وبخاصة الفلسفة وعلم الكلام، بدأت تأخذ دورها وتأثيرها على عامة الناس واستقلاليتها النسبيّة كحالة ثقافيّة فكريّة تبحث في بنية النص الديني والغوص في جوهره لكشف الكثير من الدلالات المسكوت عنها وخاصة عند أهل العقل من الفلاسفة والفقهاء المسلمين، وأهمها حريّة الإنسان وإرادته وتحكمه بمصيره. وهذا الأمر وجدت فيه القوى الدينيّة السلفيّة والسلطة الحاكمة التي يهمها تبرير وجودها عبر مسألة الجبر أمراً خطيراً يهدد وجودها وينسفه بالكامل. وهنا تعمقت المصالح المشتركة ما بين الدين والسياسة بشكل ممنهج بعد (محنة) "ابن حنبل" حيث أعطي تياره كل الصلاحيات من أجل إعادة ترتيب بنية العقل لدى الرعيّة، وفق ما تريده السلطة وهو خضوع الرعيّة لها وإيمانها أو اعتقادها بأن هذه السلطة أمر مقدر عليها، وبالتالي عليها الخضوع والطاعة وعدم الخروج على الحاكم حتى لو كان فاسداً أو ظالماً.

كتابة السنة وتأصيلها من الجرح والتعديل إلى الفقه:

تعتبر ظروف كتابة النص النهائي للسنة من أخطر الأحداث أثراً في التاريخ الإسلامي كله، حيث كتب في غضون الفترة التالية للانقلاب السني (بيان أو مرسوم الخليفة "المتوكل" عام 232 هـ )، كما بينا قبل قليل أعلاه، وقد كتب على يد أهل الحديث، وفي ظل أجواء من العصبيّة والتعصب، بل وتحت ظل محاكم للتفتيش صاحبت حمى الانتقام التي فرضت على المعتزلة والقدريّة وأهل الرأي عموماً. الأمر الذي ترك أثره واضحاً على تقويم الرجال ممن حضر محنة الخلق – أي خلق القرآن - وممن لم يحضرها. فهذا "ابن حنبل" راح يمارس (الجرح والتعديل) على كل من عاصره وعاصر محنته، كما راح يقر الخط النهائي للسير في طريق الجبريّة، حيث يقول عندما سئل: (إذا كان هناك شخصان، شخص حضر المحنة وامتحن من قبل السلطة لمسألة خلق القرآن، وشخص لم يمتحن، فأيهما يكون إماماً ؟. قال: من لم يمتحن .). (3).

ما نريد قوله في هذه لمسألة أخيرا: إن الانقلاب الانتقامي الذي قام به ألخليفة "المتوكل" سنة 232هـ،، قد مكن أهل الحديث ووفر لهم الجو من التفرد بكتابة الحديث أو تدوين الإسلام. أي كتابة تصورهم لمفهومي الخاص للإسلام، ثم طرحه باعتباره الطرح الإسلامي الملزم. ففي غضون الفترة المباشرة التالية للانقلاب السني، فرغ أهل الحديث من تفعيل النص النهائي للسنة (الحديث) سنداً ومتناً، فظهرت كتب الحديث الستة الشهيرة وهي: (صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ. وصحيح مسلم . المتوفى سنة 262هـ . وكتاب الحديث لابن ماجة المتوفى سنة 273هـ. وسنن أبي داوود المتوفى سنة 275هـ. و كتاب الترمذي المتوفى سنة 279هـ. وكتاب النسائي المتوفى سنة 303). وقد اكتسبت كتب الحديث هذه وخاصة مسلم والبخاري صفة المصداقية المطلقة في كل ما ورد فيها من حديث.

أما مسألة عمليّة التدوين على مستوى الفقه السني، فقد جاءت مع "الشافعي" فهو من أسس لأصول الفقه السني، ثم جاء "الأشعري" المتوفى سنة 324هـ فثبت المنظومة السلفيّة عبر صياغة كلاميّة للمفاهيم الأساسيّة التي طرحتها هذا المنظومة على مستوى المنهج. وفي تلك الفترة من الصراع بدأت تؤلف أيضاً أهم كتب الجرح والتعديل التي وضعها أهل السنة والجماعة، فراحوا عبرها يقوّمون من خالف أهل الحديث من المعتزلة والشيعة وكل من قال بالرأي وحرية الإرادة. فكان اقل ما قيل بحقهم: أنهم ضالون. (4).

ملاحظة يظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا هنا وهو: هل يوجد في النص القرآني نصاً فيه قطع الدلالة على اعتماد النقل دون القل؟.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد ادبي من سوريا

................................

1- الطبري – مرجع سابق – ج7- ص217- 218

2- ضحى الإسلام – أحمد أمين- ج3- ص 199.

3- احمد أمين – ضحى الإسلام- مرجع سابق- ص 169.

4- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 153-154 .

 

هناك مدن لا تخاف الحرب ولا المجاعة بقدر ما تخاف الجمال. مدن ترتاب من الموسيقى، وتخشى الألوان الطبيعية كما لو كانت تهديدا لنظامها الرمادي الصارم. في تلك الأمكنة يصبح الفرح حدثا مشبوها، ويغدو الغناء نوعا من التمرد الصامت. كأن المدينة قررت، منذ زمن بعيد، أن الحياة ينبغي أن تعاش بلا دهشة، وبلا ضوء.

ترتفع أسوار البيوت فيها شاهقة، لا لتمنع اللصوص، بل لتمنع القلوب من الاقتراب. النوافذ مؤصدة بإحكام، وكأن الضوء نفسه صار متهما يحتاج إلى إذن للدخول. والناس يمشون في الشوارع متجاورين، لكن أرواحهم متباعدة ككواكب باردة لا تلتقي.

لقد فهم ألبير كامو هذه الحالة حين تحدث عن الإنسان الذي يعيش في عالم يفقد معناه، فقال إن أخطر ما يواجهه الإنسان هو الإحساس العميق بالعبث. لكن العبث هنا لا يأتي من الكون، بل من المجتمع نفسه حين يفقد صدقه الداخلي.

ففي هذه المدن الإسمنتية لا يعيش الناس بقدر ما يتوجسون. كل إنسان يراقب الآخر بصمت، وكأن المجتمع قد تحول إلى شبكة خفية من الشك المتبادل. وهنا تتحقق ملاحظة الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز حين قال عبارته الشهيرة إن الإنسان قد يصبح «ذئبا لأخيه الإنسان» عندما يغيب الشعور بالأمان والثقة.

والأغرب أن هذه المجتمعات نفسها لا تتوقف عن الحديث عن الفضيلة. إنها تفيض بالخطب عن مكارم الأخلاق، وتفاخر بأنها الأكثر تمسكا بالقيم. لكنها في حياتها اليومية تبدو عاجزة حتى عن تنظيم الشارع أو الحفاظ على نظافة المكان العام. هنا تتحول الأخلاق إلى شعار اجتماعي لا إلى ممارسة حقيقية.

وقد تنبه الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه إلى هذه الظاهرة حين كتب أن أخطر أنواع الأخلاق هي تلك التي تتحول إلى قناع، لأن القناع يسمح للإنسان أن يبدو فاضلا دون أن يكون كذلك. ولهذا يزدهر في مثل هذه البيئات شيء آخر أكثر خفاء: ثقافة التلصص والسخرية والتهكم.

حين يخاف الناس من التعبير الصريح عن ذواتهم، يلجؤون إلى مراقبة الآخرين والتهكم عليهم. يصبح الضحك سلاحا دفاعيا، والسخرية قناعا يخفي القلق الداخلي.

أما الحب، ذلك الكائن الهش، فإنه لا يستطيع العيش طويلا في مثل هذه الأجواء. فالحب يحتاج إلى الثقة، والثقة تحتاج إلى انفتاح القلب لا إلى إغلاق النوافذ. ولذلك قال الفيلسوف كيركغور إن أخطر أشكال اليأس هو أن يعيش الإنسان بين الناس دون أن يستطيع أن يكون صادقا معهم.

وهكذا تتحول المدينة إلى مسرح كبير للأقنعة. الكلمات تقول شيئا، والواقع يقول شيئا آخر. الشعارات تتحدث عن التسامح، لكن أبسط خلاف مع جار قد يتحول إلى خصومة طويلة. الجميع يتحدث عن السلام، لكن التوتر يسكن القلوب في صمت.

وفي مثل هذه اللحظة يصبح السؤال الفلسفي ملحا: كيف يمكن لمجتمع أن يزعم امتلاك الفضيلة بينما يعجز عن العيش بسلام مع ذاته؟

ربما كان الجواب ما لمح إليه ميشيل فوكو حين أشار إلى أن المجتمعات لا تخفي الحقيقة فقط، بل تنتج أنظمة كاملة من الخطاب تجعل الوهم يبدو حقيقة.

وهكذا تمتلئ المدينة بالأصوات، لكنها تفتقر إلى الصدق. تمتلئ بالمباني، لكنها تفتقر إلى الدفء الإنساني. تمتلئ بالشعارات، لكنها تفتقر إلى الشجاعة الأخلاقية. وحين يحدث ذلك، لا تحتاج الحياة إلى إعلان رسمي كي تغادر المكان. إنها تنسحب بهدوء، كما ينسحب الضوء من غرفة أغلقت نوافذها منذ زمن طويل

ومع ذلك، فليس قدر المدن أن تبقى سجينة هذا الرماد إلى الأبد. فالتاريخ الإنساني كله يشهد بأن أكثر المجتمعات انغلاقا يمكن أن تستعيد قدرتها على التنفس حين تستعيد شجاعتها في طرح الأسئلة.

إن بداية الخلاص لا تبدأ من تغيير العمارة ولا من إعادة طلاء الجدران، بل من إعادة بناء الإنسان نفسه. فالمدينة في حقيقتها ليست حجارة ولا طرقا، بل شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية، من الثقة والاعتراف المتبادل. وقد فهم الفيلسوف الألماني هابرماس هذه الحقيقة حين تحدث عن "الفضاء العمومي"، ذلك المجال الذي يلتقي فيه الناس لا كخصوم بل كمواطنين قادرين على الحوار العقلاني. فحين يغيب الحوار، يحل محله الشك، وحين يسود الشك يتحول المجتمع كله إلى سجن غير مرئي.

ولهذا فإن أول خطوة نحو شفاء هذه المدن هي إعادة الاعتبار للكلمة الحرة. ليس بوصفها رفاهية ثقافية، بل بوصفها ضرورة وجودية. فالكلمة الصادقة هي التي تعيد للإنسان إحساسه بأنه مرئي ومسموع. وعندما يشعر الإنسان أن صوته مسموع، يقل خوفه من الآخر، ويتراجع ميله إلى التلصص والسخرية

ثم إن المجتمعات التي تخاف الجمال تحتاج إلى أن تتصالح معه من جديد. فالجمال ليس ترفا، بل ضرورة روحية

الإنسان لا يصبح حرا حقا إلا عندما يتعلم أن يرى العالم بعين الجمال. فالفن، والموسيقى، والألوان ، ليست كماليات، بل هي الوسيلة التي يتعلم بها الإنسان كيف يشعر بالآخرين وكيف يتذوق إنسانيتهم..

الإصلاح لا يكتمل بالجمال وحده، بل يحتاج أيضا إلى شجاعة أخلاقية. فالمجتمعات التي اعتادت الأقنعة تحتاج إلى لحظة صدق جماعية. لحظة يعترف فيها الناس بأن الفضيلة لا تقاس بعدد الخطب، بل بقدرة الإنسان على احترام الآخر في الحياة اليومية: في الشارع، وفي العمل، وفي أبسط تفاصيل العيش المشترك.. إصلاح المدن يبدأ بإعادة الاعتراف بالإنسان.

الاعتراف بحقه في الاختلاف، وفي الفرح، وفي الخطأ أيضا.

ولعل أخطر ما تحتاجه هذه المدن هو استعادة الثقة البسيطة بين الناس.

الثقة التي تبدأ من أشياء صغيرة:

من ابتسامة صادقة في الطريق،

من احترام الآخر ،

من نظافة الشارع،

من القدرة على الاعتذار.

فالأخلاق الحقيقية لا تعيش في الكتب، بل في التفاصيل اليومية للحياة المشتركة.

وحين تتغير هذه التفاصيل، يتغير وجه المدينة

***

ابتهال عبد الوهاب

 

كتب الأستاذ الدكتور إبراهيم يسن أستاذ الفلسفة بجامعة المنصورة على حسابه الشخصي (يوم الأثنين ٩ مارس ٢٠٢٦م) مقالاً مهماً يخاطب العقل ويناشد الوجدان أيضاً، ويحرص على القيم العلميّة الكبرى في مجتمع تعد القيم العلمية من أولى مرتكزاته الأساسية أو مفترض أن تكون هكذا.

حينما قرأت المقال للوهلة الأولى علقت عليه من جانبي فقلت: عندي إنهم يعلمون أهميّة التعليم النظري؛ فإذا حاولوا بشكل أو بآخر إلغائه أو نسفه؛ فهذا يعد تنفيذاً لمخططات هادمة للدين وللدولة بل والحضارة على وجه الإجمال. فإمّا هدم الدين فإنّ التطاول على العلوم النظريّة هو تطاول على معطيات التفكير العقلي، وعلى الحجة والبرهان والتي لا يكون الدين بغيرهما قائماً على القناعة والرضى والقبول. وأمّا هدم الدولة فإن اختلاط السياسي بالثقافي وفرض القوة الغاشمة على القوة الناعمة يشكل خطراً يزيل المزايا ويحل العيوب. وأمّا هدم الحضارة فظاهر جداً لأول وهلة؛ لأن البعد الروحي في الحضارة يتكيء على النظرية وعلى العقل والتفكير وهما أخطر ما يتوجه إليه اليوم نسف العلم النظري عنوة أو غفلة.

***

د. مجدي إبراهيم

.......................

جاء هذا المقال بعنوان:

(انحطاط التعليم الجامعي في مصر)

وجاء فيه: عندما امتدت يد العبث إلى التعليم الجامعي من قبل الدولة، وعندما تحول التعليم إلى دكاكين تبيع شهادات ورقيّة لا قيمة علميّة، تحول الطلاب إلى البرامج المدفوعة مالياً تحت وهم إن هذا النوع من التعليم أفضل من التعليم الرسمي، وهرول الأساتذة إلى البرامج الخاصّة والجامعات الخاصّة، وأصبح كل رئيس جامعة او نائب رئيس يتطلعون بشّدة إلى شغل مناصب في الجامعات الخاصّة التي تحولت إلى هبات ومكافأت يحظى بها وزراء سابقون ورؤساء جامعات، وكأنها نياشين أعدت لهم؛ فهذا رئيس مجلس الأمناء وذاك رئيس جامعة .. إلخ ...

كل هذا دفع أولياء الأمور إلى إلحاق أبنائهم إمّا إلى الجامعات الخاصّة أو بالبرامج الخاصّة التي كانت سبباً في تدهور الأقسام العلمية الرصينة، كذلك أسهمت السياسة في الافتراء على النظم العلميّة الرصينة حينما تدخل المشرع في نتائج الامتحانات، واعطاء فرصة النجاح لطلاب راسبين بدرجة ضعيف جداً؛ بمعنى أن الطالب إذا حصل على درجتين، فله أربعة أو خمسة من أعمال السنة الوهمية ثم يُرفع بالكنترول إلى عشرة، يعني يتحوّل من راسب إلى ناجح، ومن ضعيف جداً إلى مقبول.

وهذا منتهي الفساد والافساد للعملية التعليمية، ثم بادرت الدولة بالقضاء على الإبداع والبحث العلمي الضروري للتقدم والتنوير حين تم إلغاء الكتاب الجامعي.

فلم تعد هناك حاجة للجيل الجديد من أعضاء هيئة التدريس لبذل الجهد في التأليف أو التنافس الإبداعي.

أضف إلى ذلك، ما لحق بتشكيل اللجان العلميّة ولجان تحكيم البحوث التي تحولت إلى مجرد شكليات ومجاملات ..!!

واخيراً - وليس آخراً - يأتي الخطاب الرسمي لينسف كل أمل في موجبات التعليم النظري الذي حمل الأمة المصرية على أكتافه قروناً طويلة، وكان مصدراً للتنوير والثقافة وللفنون التي حملت الدول العربية على المناهج والأساتذة المصريين.

وأعرف أساتذة أنشأوا جامعات ومراكز للعلوم والفنون والمسرح والسينما في الدول العربية، وآخرون تصدروا المراكز الثقافية والإصدارات والدوريات الشهريّة التي كانت ومازالت مصدراً للثقافة والعلوم والفنون. ويثير التساؤلات تعيين وزير للتعليم بلا مؤهلات تربوية؛ لمجرد علاقات الحسب والنسب!

وأحب أن أشير إلى أن التعليم النظري شكل مصدراً للدخل القومي من العملات الصعبة التي تحتاجها الدولة بشدة؛ فالأستاذ الواحد إذا أشرف على عشرين طالب وافد، فإنه يدخل إلى خزانة الدولة ١٢٠ ألف دولار كل سنة، وكحد أدنى يمضي الطالب الوافد أربع أو خمسة سنوات للحصول على الماجستير والدكتوراه، فيدفع الطالب الواحد ٣٠ ألف دولار، لا يحصل الأستاذ المشرف على دولار واحد منها، فإذا تم إلغاء هذا النوع التنويري من التعليم، فقد أغُلق شريان يتدفق منه المال إلى الدولة، ناهيك عن دعم الروابط الثقافية.

وأحب أن أذكر أن هناك رؤساء دول، ورؤساء وزارات، وجامعات عربية وأفريقية، تخرجوا من الجامعات المصرية، ويدينون لمصر بالولاء، ولا ننسى موقف هواري بومدين أثناء حرب أكتوبر، ولا سلطان القاسمي الداعم لمصر والجامعات المصرية، فهما وغيرهما تخرجا من جامعات مصرية ..!

أعيدوا للتعليم الجامعي وقاره ورصانته، ولا تدخلوا السياسة فيه، واتركوا الجوانب الفنية والعلمية للمتخصصين.

دمتم عقلانيين.

***

بقلم: أ. د. إبراهيم يسن

أستاذ الفلسفة بجامعة المنصورة

يُعدّ الكاتب البريطاني باتريك سيل (1930-2014) واحداً من أبرز الخبراء الأوروبيين في السياسة السورية المعاصرة. ومن أعماله في هذا المجال كتاب «الأسد... الصراع على الشرق الأوسط» الصادر في 1988. رسم الكاتب صورة دقيقة للرئيس الأسبق والنخبة السياسية، تشكّل في ظني أرضية لشرح مسألتَين في غاية الأهمية، الأولى: لماذا أخفقت النخبة، لا سيما التي جاءت من الجيش، في بناء سوريا الحديثة؟ والأخرى: كيف فهمت هذه النخبة السلطة، وكيف تعاملت مع مصادرها، ومع الجمهور العام؟

تحدث باتريك سيل لاحقاً عن مقابلاته المطولة مع حافظ الأسد، وأحاديثه الجانبية التي ساعدته في فهم الإطار الفكري لقراراته. ومن بين الإشارات التي لفتت نظري في تلك الأحاديث، رؤية الأسد للتحول الديمقراطي وتعزيز المشاركة الشعبية في القرار، فقد رأى أن رفع مستوى المعيشة شرط مسبق، لأن الديمقراطية في مجتمع فقير ستكون أداة لهيمنة أصحاب المال والمتملقين. وبدا لي أن الرئيس كان مقتنعاً بهذه الرؤية، لأنه كررها بتفصيل أكبر في مقابلة مع قناة أميركية قبل وفاته بفترة وجيزة.

هذه الرؤية، أي تقديم الارتقاء المعيشي على المشاركة الشعبية، رائجة جداً بين الاشتراكيين، كما أنها مقبولة إلى حد ما بين الليبراليين. لكن الطرفين يختلفان في كيفية المعالجة. يميل الاشتراكيون إلى تركيز الثروة بيد الدولة، كي توزع ثمارها بالتساوي بين جميع المواطنين، في حين يميل الليبراليون إلى تشجيع الاستثمار الخاص، ثم إعادة توزيع الدخل بواسطة الضرائب. وبهذا فإن من يكسب أكثر يتحمل الجانب الأكبر من كلفة الإدارة العامة. واضح أن الحل الاشتراكي يركز القوة ومصادرها في يد الدولة، في حين الحل الليبرالي يميل إلى جعل المجتمع مركز القوة الاقتصادية وما يترتب عليها من نفوذ.

يبدو أنني أطلت القول في هذه المسألة، وكنت أريدها فاتحة للحديث حول رؤية جون رولز، الفيلسوف المعاصر، عما سمّاه «المجتمع حسن التنظيم» الذي رآه أرضية طبيعية لبناء نظام اقتصادي عادل تشاركي.

رأى رولز أن أبرز سمات المجتمع حسن التنظيم هو قيام مؤسساته على أرضية العدالة، والتزام جميع أعضاء المجتمع بمقتضياتها. وأميل إلى الاعتقاد أن هذا لا يكفي لجعل العدالة نظاماً حاكماً بالفعل، خصوصاً في المجتمعات الفقيرة الموارد، والمجتمعات التقليدية التي تُعلي من شأن النفوذ الشخصي على حساب القانون، ولذا أرى ضرورياً إضافة هذَين العنصرَين على وجه الخصوص، لجعل المجتمع حسن التنظيم فعلاً، أي: توفر مستوى معيشة معقول للأغلبية الساحقة من سكان البلاد، وسيادة القانون، وعلى الخصوص الضمان القانوني لحق المساواة وحرية التعبير. أما العنصر الأول، أي مستوى المعيشة المعقول، فهو لدرء الاحتمال الذي ذكرته في مطلع المقالة، أي شيوع الاستغلال من جانب أصحاب المال، على نحو يجعله أساساً للعلاقات الاجتماعية. وقد شهدنا في مجتمعات فقيرة عدة حالات تنازل فيها الفقراء عن حقوقهم المدنية من أجل لقمة العيش. وإذا لم يكن في المجتمع موارد كافية، فإنه ينبغي -ولو مرحلياً- التركيز على السياسات التي تستهدف معالجة هذا المشكل، حتى لو تأخر التحول الكامل إلى مجتمع المشاركة.

أما العنصر الآخر، أي سيادة القانون، فهو ضروري لإعادة العجلة إلى مكانها، فيما لو اضطر المجتمع إلى خوض تجربة فاشلة، أو اضطر بعض المواطنين إلى التنازل عن حقوقهم المدنية من أجل لقمة العيش. سيادة القانون تحفظ المساواة وتمكّن الضعيف من استرجاع حقه أو استعادة مكانته المفقودة، بعد أن يمسي قادراً على النهوض أو ينهض فعلاً. وبهذا تكون علاقات الاستغلال ظرفاً مؤقتاً، لا حالة دائمة أو تقسيماً طبقياً لا يمكن اختراقه.

إن إنكار حق المجتمع في المشاركة بداعي الفقر أمر سيئ جداً، وهو من دواعي فشل المجتمع السياسي، لكن تأثير الفقر في انحراف النظام نحو الاستغلال، هو الآخر حقيقة لا ينبغي إغفالها. وأرى أن سيادة القانون هي الوسيلة الضرورية لضبط المعادلة بين هذا البعد وذاك.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

"أكرهك"! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.

في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.

 الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.

مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.

لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.

شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط. الإنسان كائن تتداخل في أعماقه نوازع متباينة، وتتجاور في داخله ميول متعارضة، يلتقي في شخصيته الخير والشر، والرحمة والقسوة، والسخاء والجفاء، كما تلتقي في سلوكه دوافع ظاهرة وأخرى خفية. لذلك تبدو أفعال الإنسان في كثير من الأحيان متناقضة أو غامضة، لأن ما يظهر من سلوكه ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه.

 الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.

لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

كم مرة نتفقد هواتفنا في اليوم دون سبب واضح؟ ربما عشرات المرات، واحيانا لمجرد استلام رسالة نصية او ظهور اشعار. وهذه العادة اصبحت جزءا من حياتنا اليومية ليست مجرد سلوك عابر، بل ترتبط بالية بيولوجية عميقة في الدماغ تعرف باسم "الدوبامين". فالدوبامين مادة كيميائية يفرزها الدماغ، ويلعب دورا مهما في التوقع والتعلم ونظام المكافأة وتحفيز الشعور بالمتعة. وأن هذه المادة الكيميائية كناقل عصبي ليست هرمون سعادة فقط، بل هي هرمون السعي والتوقع الذي يدفع الفرد للبحث عن المكافأة. فعندما تتوقع اشعار او رسالة او خبر عاجل يرتفع هرمون الدوبامين، وهو ما يفسر استخدامنا المتكرر لهواتفنا. لهذا اصبحت الهواتف الذكية جزءا ضروريا في حياتنا اليومية، والى درجة أن اغلبنا لا يستطيع ترك هاتفه حتى لساعة واحدة.

أن عصر الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك والانستغرام وتيك توك، لم تعد التحدي الاكبر في الحصول على المعلومات، بل كيفية ضبطها والتحكم بها. لان كل اشعار منها هو محفز كيميائي صغير داخل الدماغ. وهذا المحفز هو "ابرة الدوبامين" والتي صممت الهواتف الذكية بطريقة تحافظ على الادمان عليها، على حد قول انا ليمبكي استاذة الطب النفسي بجامعة ستاندفورد الامريكية. والتدفق المستمر لهذا الناقل العصبي ومع تكرار استخدام تطبيقات الهاتف يقلل استجابة الدماغ لفرز الدوبامين، مما يؤدي الى الممل والاكتئاب والأرق.

ولم يعد استخدام الهواتف الذكية مجرد عادة عفوية، بل اصبح جزءا مما يطلق عليه بمفهوم "اقتصاد الانتباه". كما اشار اليه عالم الاقتصاد هربرت سايمون والحائز على "جائزة نوبل" أن "وفرة المعلومات تخلق فقرا في الانتباه" وقد تحول مفهومه الى واقع نعيشه. ففي اقتصاد الانتباه الرقمي لا تتنافس الشركات على بيع منتجاتها الرقمية (التطبيقات) بقدر ما تتنافس على جذب انتباه الاشخاص لاطول فترة ممكنة. فكل دقيقة يقضيها المستخدم امام شاشات الهواتف تعني اعلانات اكثر ومعلومات اكثر وارباحا اكثر. ولهذا صممت مواقع التواصل الاجتماعي والتنبيهات والرسائل والاشعارات بطريقة تجعل الهاتف يعود ليطالب بانتباهنا بتكرار. فكل رسالة نصية او اشعار جديد يعمل كمحفز صغير لهرمون الدوبامين في الدماغ، يقودنا لفتح الهاتف بشكل متكرر حتى دون ان نشعر بذلك احيانا.  

وامام هذا السيل المستمر من المحفزات الرقمية، بدأ علماء النفس يبحثون عن وسائل تساعد الشخص على اعادة السيطرة على انتباهه. وصيام الدوبامين هو طريقة مستوحاة من العلاج السلوكي المعرفي، تهدف الى تقليل التفاعل اللاارادي مع المحفزات المفرطة من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والاشعارات المتكررة والالعاب الالكترونية السريعة. وهذه الطريقة لا تعني بالضرورة تقليل تحفيز هرمون الدوبامين، بل تقليل الانشطة السلوكية غير الضرورية التي تؤدي الى افرازه بكثرة نتيجة الاستخدام المفرط للهواتف الذكية. وتؤدي هذه الفكرة الى اعطاء فرصة للدماغ لاعادة التوازن، من خلال الامتناع المؤقت عن هذه السلوكيات المحفزة له، ما يساعد على تقليل سلوكيات الادمان الرقمي وضبط السيطرة على هذه التصرفات.

وحسب قول كامرون سيباه، استاذ الطب النفسي السريري في جامعة كاليفورنيا، أن مفهوم "صيام الدوبامين" طريقة لا تقتصر على تقليل التفاعل مع الاجهزة الرقمية، بل تسعى لتدريب العقل على الاستمتاع بالانشطة والفعاليات الطبيعية والبسيطة كالقراءة، والتامل، والرياضة. لان السماح لانفسنا بأن نشعر بالوحدة لفترات قصيرة يمكن ان تساعدنا على اعادة ضبط الدماغ، مما يسهم في القدرة على التركيز ويقوى السيطرة على الرغبات، ويوفر شعور اكبر بالاستقرار النفسي.

والصيام الرقمي هو الامتناع المنظم والمؤقت عن استخدام تطبيقات الاجهزة الذكية لغرض اعادة ضبط الانتباه ونظام التحفيز. والهدف منه ليس رفض استخدام التكنولوجيا الرقمية، بل اعادة ضبط السيطرة عليها. ونتيجة لذلك يقل معدل افراز الدوبامين، ويعيد الدماغ حساسيته الطبيعية، وتصبح المتعة البسيطة ذات قيمة. ويترتيب عن هذا الامتناع المتكرر لساعات وايام هدوء نفسي، وانخفاض التوتر، وتحسين التركيز، وقدرة افضل على القراءة العميقة لغرض اعادة ضبط نظام المكافأة.

واذا كان علم النفس المعاصر يتحدث عن صيام الدوبامين كوسيلة لاستعادة ضبط الدماغ. فنجد في الثقافة الروحية للاسلام ومنذ مئات السنين وسائل لضبط الرغبات وتنظيم السلوك. وأن صيام رمضان هو احد ادوات تعزيز افراز الدوبامين بشكل متوازن، مما ينعكس بصورة ايجابية على الصحة النفسية والجسدية. فالامتناع عن الطعام والشراب يقلل من التحفيز السريع لهذا الهرمون، الامر الذي يعطي الدماغ فرصة لاعادة التوازن وكسر الروتين اليومي لبعض العادات مثل الافراط في تناول الشراب والطعام. وايضا نرى العبادات والاعمال الروحية لها دور مهم في تنشيط المكافاة في الدماغ، مما يعزز الشعور بالسكينة والاطمئنان.

وفي الختام، الصيام الرقمي ليس مجرد ممارسة عادة تقنية، بل هو سؤال فلسفي: هل نملك انتباهنا، ام يدار انتباهنا من الخارج؟  وعندما نمتنع رقميا، نحن لا نبتعد عن الهاتف فقط، بل نقترب من افكارنا وصمتنا ووعينا الداخلي. الدوبامين ليس عدوا للبشر ولا التكنولوجيا شرا على الانسانية، لكن عندما تصبح المحفزات اسرع من قدرتنا على الاستيعاب. حينها نحتاج الى وقفة جادة لنحاول استعادة وعينا بعمق لا لنهرب من عالمنا الرقمي. 

 ***  

علاء جواد كاظم

مقاربة بيوبوليتيكية

في عصرنا الحالي، الذي يشهد تحولات جذرية في بنى السلطة والحياة الاجتماعية، يبرز مفهوم البيوبوليتيك كإطار تحليلي يفسر كيفية تشكل السلام الداخلي للمجتمعات من خلال علاقاتها بالعالم الخارجي. البيوبوليتيك، كما يُفهم في سياقه الفلسفي والاجتماعي، يركز على آليات السيطرة والإدارة للحياة البيولوجية والسكانية، حيث تصبح الحياة نفسها موضوعًا للسياسة، لا مجرد السيطرة على الأراضي أو الموارد. في هذا الإطار، لا يمكن فصل السلم الأهلي – أي السلام الداخلي الذي يضمن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والصحي داخل المجتمع – عن التعايش السلمي مع العالم الخارجي، الذي يمثل مصدرًا للتهديدات والفرص على حد سواء. هذه المقاربة البيوبوليتيكية تكشف عن أن السلام الداخلي ليس حالة معزولة، بل هو نتاج تفاعل مستمر مع الخارج، حيث تندمج السياسات الداخلية مع الديناميكيات العالمية، مما يجعل أي محاولة للانعزالية مصيرها الفشل. من خلال استكشاف هذا الارتباط، يمكننا فهم كيف أن التهديدات الخارجية، سواء كانت وبائية أو اقتصادية أو ثقافية، تتحول إلى عوامل تآكل للسلم الداخلي، وكيف يصبح التعايش السلمي ضرورة بيوبوليتيكية للحفاظ على حيوية المجتمع.

يشتغل التحليل البيوبوليتيكي من الاعتراف بأن المجتمع الحديث لم يعد كيانًا مغلقًا، بل هو نظام حيوي مفتوح يتأثر بالتدفقات الخارجية. في هذا السياق، يُعتبر السلم الأهلي مظهرًا للتوازن البيولوجي والاجتماعي داخل المكون الداخلي، حيث تشمل السياسات البيوبوليتيكية إدارة الصحة العامة، التنمية الديموغرافية، والأمن الغذائي، كلها عناصر تعتمد على الاستقرار الداخلي. ومع ذلك، في عالم مترابط كعالمنا اليوم، حيث أصبحت الحدود مسامية أمام الهجرات، التجارة، والأوبئة، يصبح هذا التوازن هشًا إذا لم يُدعم بتعايش سلمي خارجي. على سبيل المثال، في مواجهة الجائحات العالمية، مثل تلك التي شهدناها في العقود الأخيرة، يتحول الوباء الخارجي إلى تهديد بيوبوليتيكي داخلي، حيث يعطل الاقتصادات المحلية ويولد توترات اجتماعية. هنا، لا يتحقق السلم الأهلي إلا إذا اعتمدت الدولة على آليات تعاون دولي، مثل مشاركة اللقاحات أو البيانات الصحية، مما يجعل التعايش السلمي أداة للحماية البيوبوليتيكية. إن تجاهل هذا الارتباط يؤدي إلى ظهور آليات دفاعية داخلية قمعية، مثل فرض الحجر الصحي الشديد أو التمييز ضد المهاجرين، والتي بدلاً من تعزيز السلام، تزيد من التوترات الداخلية وتضعف تماسك المجتمع.

من منظور أشمل، يبرز البيوبوليتيك كآلية لإنتاج "الحياة المنتجة" داخل المجتمع، حيث يركز على تحسين الصحة والإنتاجية للسكان كوسيلة لتعزيز القوة الوطنية. ومع ذلك، في ظل العولمة، يصبح هذا الإنتاج معتمدًا على التبادلات الخارجية، مما يجعل أي صراع خارجي يهدد الاستقرار البيوبوليتيكي الداخلي. على سبيل المثال، في السياقات الاقتصادية، يعتمد السلم الأهلي على الاستقرار المالي والغذائي، الذي غالبًا ما يكون مرتبطًا بالتجارة الدولية. إذا أدى التوتر الخارجي، مثل الحروب التجارية أو النزاعات الإقليمية، إلى انقطاع الإمدادات، فإن ذلك يولد أزمات داخلية تؤثر على الحياة اليومية للسكان، مما يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية أو حتى ثورات. هنا، يصبح التعايش السلمي مع العالم الخارجي ضرورة بيوبوليتيكية، إذ يسمح بتدفق الموارد والمعارف التي تحافظ على حيوية المكون الداخلي. في المقابل، إذا اعتمدت الدولة على استراتيجيات انعزالية، كما في بعض النماذج الاستبدادية، فإنها تحول البيوبوليتيك إلى أداة قمع داخلي، حيث تصبح السيطرة على السكان بديلاً عن التعاون الخارجي، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل السلم الأهلي بدلاً من تعزيزه.

كما أن الجانب الثقافي والاجتماعي في المقاربة البيوبوليتيكية يكشف عن عمق هذا الارتباط. في عصر الاتصالات الرقمية والثورة المعلوماتية، أصبح العالم الخارجي مصدرًا للتأثيرات الثقافية التي تشكل الهويات الداخلية. البيوبوليتيك هنا يمتد إلى إدارة "الحياة الاجتماعية"، حيث يصبح التنوع الثقافي والتسامح عناصر أساسية للسلم الأهلي. إذا كان هناك تعايش سلمي خارجي، يسمح بتبادل الأفكار والقيم دون صراع، فإن ذلك يعزز التماسك الداخلي من خلال إثراء الهويات الجماعية. على العكس، في حالة التوترات الخارجية، مثل النزاعات الإيديولوجية أو الثقافية، يتحول الخارج إلى "الآخر المهدد"، مما يولد آليات دفاع بيوبوليتيكية داخلية تشمل الرقابة على الإعلام أو تهميش الأقليات، والتي بدورها تؤدي إلى تفكك اجتماعي. هذا الديناميك يظهر بوضوح في السياقات المعاصرة، حيث أدت الهجرات الناتجة عن النزاعات الخارجية إلى تحديات داخلية، مثل التوترات العرقية في أوروبا أو أمريكا، والتي لم يتم حلها إلا من خلال سياسات تعايش دولي تعترف بالترابط البيوبوليتيكي. إن عدم التعايش السلمي يحول الخارج إلى مصدر لـ"الفيروسات الثقافية"، التي تهدد الصحة الاجتماعية الداخلية، مما يجعل السلام الداخلي مستحيلاً دون إعادة تعريف العلاقات الخارجية كجزء من الاستراتيجية البيوبوليتيكية.من جانب آخر، يبرز التحدي البيئي كأحد أبرز الأمثلة على هذا الارتباط البيوبوليتيكي. في عصر التغير المناخي، أصبحت الحياة البيولوجية للسكان معرضة لتهديدات خارجية مثل الجفاف أو الفيضانات، التي غالبًا ما تكون نتاجًا لسياسات عالمية غير مستدامة. السلم الأهلي هنا يعتمد على القدرة على إدارة هذه التهديدات من خلال تعاون دولي، حيث يصبح التعايش السلمي أداة للحماية البيئية المشتركة. إذا فشلت الدول في ذلك، كما في حالات النزاعات حول الموارد المائية، فإن النتيجة تكون أزمات داخلية تؤثر على الصحة والاقتصاد، مما يولد اضطرابات اجتماعية. هذا المنظور البيوبوليتيكي يؤكد أن السلام الداخلي ليس مجرد غياب الصراع الداخلي، بل هو حالة من التوازن الحيوي الذي يتطلب إدارة الترابط مع الخارج، حيث تصبح السياسات البيئية العالمية جزءًا من الاستراتيجية الداخلية للحفاظ على الحياة.

في سياق الدراسات السياسية والاجتماعية المعاصرة، تبرز المقاربة البوستكولونيالية كأداة تحليلية حاسمة لفهم مفهوم السلم، ليس كحالة غياب الصراع فحسب، بل كعملية ديناميكية مشبعة بالتاريخ الاستعماري والعلاقات غير المتكافئة للقوة. البوستكولونيالية، كما تُفهم في هذا الإطار، لا تقتصر على دراسة ما بعد الاستعمار كفترة زمنية، بل تمتد إلى نقد الهياكل الاستعمارية المستمرة التي تتشكل فيها مفاهيم السلام والأمن. هذه المقاربة تكشف عن أن السلم ليس مفهومًا محايدًا أو عالميًا، بل هو بناء اجتماعي يعكس الإرث الاستعماري، حيث غالبًا ما يُستخدم كأداة لتعزيز الهيمنة الغربية على الشعوب المستعمرة سابقًا. في عصرنا الحالي، الذي يشهد تصاعد النزاعات في المناطق البوستكولونيالية مثل أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، يصبح من الضروري استكشاف كيفية أن بناء السلام يعاد إنتاج الديناميكيات الاستعمارية، وكيف يمكن لمقاربة بوستكولونيالية أن تقدم بدائل تحررية تضمن سلامًا مستدامًا يعترف بالتعددية الثقافية والعدالة التاريخية. لذلك ينطلق الفهم البوستكولونيالي للسلم من نقد المنهج الليبرالي التقليدي في دراسات السلام، الذي غالبًا ما يُقدم كحل عالمي يعتمد على مبادئ الديمقراطية والسوق الحرة والتدخل الإنساني. هذا النهج، من منظور بوستكولونيالي، ليس سوى امتداد للأيديولوجيا الاستعمارية، حيث يُفرض نموذج غربي على المجتمعات غير الغربية، متجاهلاً السياقات التاريخية والثقافية المحلية. في هذا السياق، يُرى السلم كأداة للحفاظ على التوازنات غير المتكافئة، حيث تُصور الدول الغربية كـ"منقذين" للشعوب "المتخلفة"، مما يعيد إنتاج صورة الآخر كسلبي وغير قادر على إدارة شؤونه. على سبيل المثال، في عمليات بناء السلام في المناطق البوستكولونيالية، مثل تلك التي شهدتها أفريقيا بعد الاستعمار الأوروبي، غالبًا ما تكون البرامج الدولية مدفوعة بمصالح اقتصادية، حيث يُركز على استخراج الموارد تحت غطاء الاستقرار، بدلاً من معالجة الجذور الاستعمارية للصراعات مثل التوزيع غير العادل للأراضي أو الهويات العرقية المفروضة. هذه المقاربة تكشف عن أن السلم الليبرالي يخفي تحت سطحه استمرارية الاحتلال، سواء كان عسكريًا أو اقتصاديًا، مما يجعل السلام هشًا وغير مستدام، إذ يولد مقاومة محلية ترى فيه شكلاً من أشكال الاستعمار الجديد. بالتالي، يدعو النهج البوستكولونيالي إلى إعادة تعريف السلم كعملية ديكولونيالية، تتجاوز السلام السلبي (غياب الحرب) إلى سلام إيجابي يشمل التحرر من الهيمنة الثقافية والاقتصادية.

من جانب آخر، تبرز المقاربة البوستكولونيالية دور الخاضعين في بناء السلام، معتبرة أن الروايات المحلية والمعارف التقليدية هي الأساس لأي سلام حقيقي. في هذا الإطار، يُنقد تمثيل الشعوب البوستكولونيالية كضحايا سلبيين في خطابات بناء السلام الدولية، حيث يُحول هذا التمثيل الفعالية إلى الجهات الخارجية، مما يعزز التبعية. بدلاً من ذلك، تؤكد البوستكولونيالية على أهمية الاعتراف بالمقاومة التاريخية والثقافية كعنصر أساسي في تشكيل السلم، حيث تُرى الهويات الهجينة – الناتجة عن الالتقاء بين الثقافات الاستعمارية والمحلية – كمصدر للإبداع في حل النزاعات. على سبيل المثال، في السياقات الآسيوية مثل الهند أو فيتنام، حيث أدى الاستعمار إلى تقسيمات اجتماعية عميقة، يمكن للسلم أن يتحقق من خلال استرداد المعارف التقليدية، مثل فلسفات اللاعنف في التقاليد الهندوسية أو البوذية، التي تُدمج مع النضالات الحديثة ضد الاستعمار الجديد. هذا النهج يعكس فكرة "السلم الهجين"، حيث يجتمع العناصر المحلية مع العالمية لخلق نماذج سلام تتجاوز الفرض الاستعماري، مما يسمح بمشاركة حقيقية للشعوب المضطهدة في صياغة مصيرها. كما أن هذه المقاربة تنتقد الدور الذي تلعبه المنظمات الدولية في تعزيز السلام، إذ غالبًا ما تكون هذه المنظمات مشبعة بمنظورات غربية تتجاهل السياقات الثقافية، مما يؤدي إلى فشل البرامج كما في حالات عديدة في الشرق الأوسط، حيث أدى التدخل الخارجي إلى تعميق الصراعات بدلاً من حلها. كما أن الجانب الديني والثقافي يحتل مكانة مركزية في المقاربة البوستكولونيالية للسلم، حيث تكشف عن الأساطير المهيمنة التي تربط الدين بالعنف في السياقات غير الغربية. من منظور بوستكولونيالي، يُرى الدين ليس كمصدر للصراع، بل كأداة محتملة للسلام إذا تم تفكيك الروايات الاستعمارية التي تصوره كـ"متخلف". على سبيل المثال، في المناطق الإفريقية أو الإسلامية، حيث أدى الاستعمار إلى تشويه التقاليد الدينية، يمكن للسلم أن يتحقق من خلال إعادة استرداد هذه التقاليد كوسيلة للحوار بين الثقافات، بدلاً من فرض نموذج علماني غربي يُرى كحل وحيد. هذا النهج يدعو إلى دمج الدين في عمليات بناء السلام، مع التركيز على دوره في تعزيز العدالة الاجتماعية والمصالحة التاريخية، مما يساعد في تفكيك التبعية الثقافية. في السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد الحركات الديكولونيالية في العالم، أصبحت هذه المقاربة أكثر أهمية، إذ تكشف عن أن السلام في السياقات البوستكولونيالية يتطلب مواجهة الاستعمار الرقمي والاقتصادي الجديد، حيث تُستخدم التكنولوجيا والعولمة لتعزيز الهيمنة، مما يجعل السلم عملية مستمرة من المقاومة والإبداع. من منظور أعمق، تتجاوز المقاربة البوستكولونيالية النقد إلى اقتراح بدائل عملية لبناء السلام، مثل التركيز على العدالة الانتقالية التي تعترف بالإرث الاستعماري. في هذا السياق، يُرى السلم كسياسة تحولية تهدف إلى إعادة توزيع القوة، حيث تشمل عمليات المصالحة الاعتراف بالمظالم التاريخية وإعادة بناء الهويات الجماعية. على سبيل المثال، في أمريكا اللاتينية، حيث أدى الاستعمار الإسباني إلى تفاوتات عميقة، أثبتت الحركات الأصلية أن السلم يمكن أن يتحقق من خلال دمج المعارف التقليدية في السياسات الوطنية، مما يخلق نموذجًا هجينًا يتجاوز الفرض الخارجي. هذا النهج يؤكد على أهمية الاعتراف بالتعددية، حيث يصبح السلم عملية جماعية تشارك فيها الأصوات المهمشة، بدلاً من كونه برنامجًا مفروضًا من الأعلى. كما أن هذه المقاربة تنتقد النزعة الاستعمارية في دراسات السلام نفسها، حيث غالبًا ما تكون هذه الدراسات مدفوعة بأيديولوجيا تجعل الغرب معيارًا للتقدم، مما يجعل من الضروري تطوير نظريات سلام محلية تعكس السياقات البوستكولونيالية.

هكذا تقدم المقاربة البوستكولونيالية للسلم رؤية تحولية تكشف عن الارتباط العميق بين الاستعمار والصراع، وتدعو إلى سلام يعتمد على التحرر والعدالة. في غياب هذا النهج، يبقى السلم هشًا وغير مستدام، إذ يعاد إنتاج الديناميكيات الاستعمارية تحت غطاء الاستقرار. هذه المقاربة ليست مجرد نقد نظري، بل هي دعوة عملية لإعادة صياغة عمليات بناء السلام لتشمل الأصوات المضطهدة والمعارف المحلية، مما يفتح آفاقًا لعالم أكثر عدالة حيث يصبح السلم حقيقة مشتركة لا فرضًا استعماريًا. مع استمرار التحديات العالمية في العقود القادمة، ستصبح هذه الرؤية أساسية لتحقيق سلام يتجاوز الحدود التاريخية والثقافية، ويبني على التنوع كقوة دافعة للتغيير. في الختام، تكشف المقاربة البيوبوليتيكية عن أن السلم الأهلي في المكون الداخلي ليس حالة ذاتية، بل هو نتاج تفاعل مستمر مع العالم الخارجي، حيث يصبح التعايش السلمي ضرورة لإدارة الحياة والسكان. في غياب هذا التعايش، تتحول التهديدات الخارجية إلى عوامل تآكل داخلي، مما يجعل أي محاولة للانعزالية مصيرها الفشل في عصرنا المترابط. هذا الفهم يدعو إلى إعادة صياغة السياسات الوطنية لتشمل البعد العالمي كعنصر أساسي في البيوبوليتيك، مما يفتح آفاقًا لسلام مستدام يتجاوز الحدود التقليدية، ويجعل الحياة الجماعية أكثر مرونة أمام التحديات المستقبلية.

 ***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مع حلول اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس من كل عام، أجد نفسي مجددًا أمام التساؤل نفسه حول مكانة المرأة ودورها في المجتمع، وهو نقاش يتكرر عامًا بعد عام، وغالبًا ما يظن البعض وجود تعارض بين الدين والفلسفة في النظر إلى المرأة؛ فالبعض يرى أن الدين يقيّد حريتها بينما تدافع الفلسفة عن استقلاليتها. ومن خلال البحث والتأمل في النصوص الدينية والتراث الفلسفي، أصبح واضحًا لي أن هذا التعارض في الغالب ظاهري، إذ يؤكد كلا المجالين – كلٌّ بطريقته – على قيمة المرأة وكرامتها الإنسانية، وما أحاول دائمًا أن أبرزه هنا هو أن هذه القيم المشتركة تشكل جسرًا يربط بين الدين والفلسفة بدل أن يفرقهما، وهو ما يجعل الحوار بينهما فرصة لفهم أعمق لدور المرأة في المجتمع.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الدين والفلسفة لا يتصارعان، بل يلتقيان عند فكرة جوهرية واحدة، وهي أن المرأة إنسان كامل الكرامة والفاعلية في المجتمع، وأن كرامتها لا تحددها جنسيتها، بل إنسانيتها وما تضيفه من أدوار فاعلة ومؤثرة في الحياة الاجتماعية. وتأكيدًا لذلك، عندما أتأمل النصوص الدينية بعيدًا عن التأويلات الاجتماعية، أجد أنها وضعت أساسًا واضحًا لكرامة المرأة، وهو ما يظهر من خلال الرؤية الإسلامية التي تقوم العلاقة فيها بين الرجل والمرأة على التكامل لا الصراع، فالقرآن الكريم يصف هذه العلاقة بقوله تعالى "﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ"﴾ (البقرة: 187)، وهذه الصورة الرمزية العميقة تشير إلى القرب، الحماية، والتكامل، وليس إلى الهيمنة أو التفوق.

ولا يخفى على الباحث أن النص الديني يربط الكرامة الإنسانية بالتقوى والعمل لا بالجنس، كما يظهر في قوله تعالى﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ (آل عمران195) ، ومن خلال دراسة التاريخ، أرى أن هذا المبدأ تجسّد عمليًا في حياة نساء بارزات، مثل السيدة خديجة بنت خويلد ، رضي الله عنها ، سيدة الأعمال التي دعمت الدعوة بمالها وثقتها، والسيدة عائشة بنت أبي بكر ،رضي الله عنها ، التي كان الصحابة يرجعون إلى علمها في كثير من المسائل، والسيدة مريم العذراء عليها السلام، ، التي خصص القرآن الكريم لها سورة كاملة تقديرًا لطهارتها وإيمانها. وهذه الأمثلة تؤكد لي أن المرأة في التصور الديني كانت فاعلة في الاقتصاد، العلم، والإيمان، وليس مجرد موضوع للنظرية أو التأويل، وهو ما يجعل فهم الدين من منظور الباحث أمرًا يعزز احترام دور المرأة وفاعليتها.

ومثلما أجد أن الدين يقدّم أساسًا واضحًا لكرامة المرأة، فإن الفلسفة ناقشت هذه القضية ضمن إطار أوسع: ما الإنسان؟ وما حقوقه وكرامته؟ صحيح أن بعض الفلاسفة القدماء مثل أرسطو تبنوا تصورات محدودة مرتبطة بثقافة عصرهم، لكن الفكر الفلسفي تطور لاحقًا ليؤكد مبدأ المساواة الإنسانية، ومن خلال دراستي للفلسفة الحديثة والمعاصرة، أرى أن هناك بعض الفيلسوفات – رغم تحفظي لهن في بعض المواطن – مثل ماري وولستونكرافت التي أكدت أن المرأة ليست أقل عقلًا من الرجل، لكنها حُرمت تاريخيًا من التعليم، بينما أشارت سيمون دي بوفوار في القرن العشرين إلى أن القيود التي تعيق المرأة ليست طبيعية، بل صنعها المجتمع. وهنا، أجد أن الفلسفة لا تهاجم الدين، بل تطرح سؤالًا محوريًا يحتاج الباحث للتأمل فيه: هل المشكلة في النصوص أم في فهم البشر لها؟ ومن هذا السؤال ينطلق الحوار الحقيقي بين الدين والفلسفة، ليصبح البحث في مكانة المرأة مسألة مشتركة لا متعارضة، ويتيح لنا كباحثين فرصة لفهم أعمق للكرامة الإنسانية.

وأرى أن الدين والفلسفة يلتقيان عمليًا في ثلاث محاور رئيسة تتداخل في حياتنا اليومية؛ أولًا، الكرامة الإنسانية، فكلاهما يؤكد علي أن المرأة إنسان كامل القيمة والحقوق. ثانيًا، المسؤولية الأخلاقية، فالمرأة مثل الرجل مسؤولة أخلاقيًا عن أفعالها، ولا يمكن تجاهل دورها في صنع القرارات. وثالثًا، الدور الاجتماعي، إذ أن المجتمع لا ينهض إلا بمشاركة المرأة في جميع مجالات الحياة. ومن خلال هذا الفهم، أستطيع أن أقول بثقة إن هذه النقاط ليست مجرد مبادئ نظرية، بل تمثل جسرًا يربط بين الرؤية الدينية والفلسفية، ويحوّل الحوار من صراع افتراضي إلى تأمل مشترك حول الإنسانية، وهو ما ينعكس على واقعنا اليومي.

وعندما أبتعد قليلًا عن الكتب والنصوص النظرية وأتأمل واقعنا اليومي، أرى هذه الحقيقة تتجسد أمام أعيننا من خلال الأم العاملة التي توازن بين عملها ورعاية أبنائها، والتي تمثل نموذج التضحية الإنسانية، والطبيبة التي تسهر في المستشفى لإنقاذ المرضى وتؤدي رسالة إنسانية لا تقل عن أي رجل، والمعلمة التي تصنع عقول الأجيال القادمة وتؤثر في المجتمع ربما أكثر من كثير من السياسيين. كما أن كثيرًا من الرجال العظماء يعترفون بأن سر قوتهم كان امرأة في حياتهم: أم، أو زوجة، أو معلمة. ومن خلال متابعتي وملاحظاتي، أجد أن هذه الأمثلة اليومية تؤكد ما جاء في النصوص الدينية والفلسفية على حد سواء، وهو ما يجعل فهمي كباحث أعمق وأوضح لدور المرأة في المجتمع.

وفي النهاية، أرى أن اليوم العالمي للمرأة ليس مجرد احتفال رمزي، بل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في دور المرأة في مجتمعنا. ومن خلال قراءة متأنية للنصوص الدينية والفلسفية، يمكننا أن نرى بوضوح أن كليهما – رغم اختلاف اللغة والمنهج – يلتقيان في تقدير المرأة واحترام إنسانيتها. وبناءً على هذا الرأي الذي توصلت إليه بعد بحث مستمر، أؤكد أن القضية ليست في النصوص الدينية أو الأفكار الفلسفية بحد ذاتها، بل في الوعي الاجتماعي الذي يفسرها ويطبقها. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي المدرسة الأولى التي يصنع فيها المجتمع كله، والدفاع عن كرامتها ليس مجرد موقف أيديولوجي، بل دفاع عن الإنسان ذاته.

***

أ. د. علي الخطيب

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب جامعة المنيا

في سبعينيات القرن العشرين لم يكن التشكيك في الرواية الشائعة حول أصل اليوم العالمي للمرأة أمراً سهلاً. كان ذلك الزمن زمن يقين نضالي، حيث بدت الحكاية التي تُروى كل عام في الثامن من مارس وكأنها حقيقة تاريخية راسخة. فقد تبنّت الحركات النسوية الأميركية تقليد الاحتفال بهذا اليوم، بينما كانت مجموعات حركة تحرير المرأة في فرنسا تعمل على إحيائه من جديد، وإن كانت تنتقد في الوقت ذاته تحوله في البلدان الاشتراكية إلى احتفال أقرب إلى عيد الأم منه إلى مناسبة نضالية.

لكن على الرغم من اختلاف السياقات السياسية، فقد بدا أن هناك اتفاقاً شبه كامل حول أصل هذه المناسبة. إذ جرى تكريم ذكرى عاملات الخياطة في نيويورك في القرن التاسع عشر، اللواتي قيل إنهن خرجن في مظاهرة يوم 8 مارس 1857 مطالبات بتقليل ساعات العمل، وزيادة الأجور، وتحقيق المساواة في الأجر، إضافة إلى توفير دور حضانة لأطفالهن وصون كرامتهن الإنسانية.

وقد أعادت الصحافة النسوية المناضلة في تلك الفترة سرد القصة نفسها. فمن مجلة Antoinette المرتبطة بالاتحاد العام للعمل، إلى مجلة Pétroleuses التابعة للرابطة الشيوعية الثورية، وصولاً إلى Quotidien des femmes  المرتبطة بتيار «التحليل النفسي والسياسة»، كانت الرواية تتكرر بالصيغة نفسها تقريباً: نساء عاملات خرجن إلى الشارع مطالبات بحقوقهن، فواجهتهن شرطة نيويورك بالعنف، بل أطلقت النار على المتظاهرات وقتلت بعضهن.

غير أن هذه الرواية، على الرغم من انتشارها الواسع، لم تكن ثابتة في تفاصيلها. ففي بعض النسخ كانت المظاهرة تجري تحت شمس ربيعية دافئة، وفي روايات أخرى كانت تدور في برد شتوي قارس. وأحياناً تُذكر عاملات النسيج، وأحياناً الخياطات أو عاملات صناعة القمصان. وفي بعض الروايات يُركَّز على القمع والعنف، بينما تركز روايات أخرى على القسم الذي أدته النساء بالعودة إلى الشارع كل عام. ومع ذلك ظل عنصران ثابتين في كل الحكايات: التاريخ، 8 مارس 1857، والمكان، نيويورك.

هذه الثوابت جعلت القصة تبدو وكأنها حدث مؤسس لا يقبل الشك. لكن البحث التاريخي، حين بدأ بالفعل، كشف مفاجأة غير متوقعة.

في مارس عام 1977 صدر العدد الأول من مجلة Histoires d’Elles، وهي مجلة نسوية فرنسية اهتمت بإعادة كتابة تاريخ النساء. وقد رأت بعض الباحثات أن الفرصة سانحة للتحقيق في أصل اليوم العالمي للمرأة، في محاولة لاستعادة التاريخ الحقيقي للحركة النسوية.

لكن النتيجة كانت مدهشة: لم يُعثر على أي أثر لمظاهرة وقعت في 8 مارس 1857 في نيويورك.

فلا كتب تاريخ النسوية الأميركية ذكرت هذا الحدث، ولا تاريخ الحركة العمالية أشار إليه، ولا حتى الصحف التي صدرت في ذلك الوقت تضمنت أي خبر عنه. بل إن التدقيق في التقويم كشف أمراً طريفاً: فقد كان 8 مارس 1857 يوم أحد، وهو يوم لا يتوافق عادة مع تنظيم مظاهرات عمالية كبيرة في ذلك العصر.

وهكذا بدأ الشك يتسلل إلى الرواية التي بدت في السابق يقينية. أما الحدث التاريخي المؤكد فهو أن فكرة الاحتفال بيوم للمرأة ظهر عام 1910 خلال المؤتمر الدولي الثاني للنساء الاشتراكيات في كوبنهاغن. وهناك اقترحت الناشطة الاشتراكية الألمانية Clara Zetkin تنظيم يوم دولي للمرأة يهدف إلى تعبئة النساء سياسياً، خصوصاً حول مطلب حق المرأة في التصويت.

لم يكن الهدف مجرد الاحتفال، بل إدماج قضية النساء ضمن مشروع الحركة الاشتراكية والعمالية. فالمسألة النسوية، في هذا التصور، لم تكن قضية منفصلة بل جزءاً من الصراع الطبقي الأوسع.

وهنا يمكن استحضار قول الفيلسوف كارل ماركس: بأن "تاريخ كل المجتمعات حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات". في ضوء هذا التصور، أصبح نضال النساء العاملات جزءاً من هذا الصراع التاريخي.

في البداية لم يشكك الباحثون في الحدث المزعوم نفسه، بل تساءلوا عن سبب اختيار هذا الحدث تحديداً ليكون رمزاً عالمياً لنضال النساء.

فإحياء ذكرى عاملات خرجن للمطالبة بتحسين ظروف العمل يعني وضع الصراع الطبقي في مركز التاريخ النسوي، وإعطاء الأولوية لنضال النساء العاملات على حساب أشكال أخرى من النضال النسوي، مثل: النضال من أجل الحقوق المدنية والسياسية، المطالبة بحق التعليم، فتح المهن المتخصصة أمام النساء، الدفاع عن حق النساء في العمل حتى عندما كان بعض العمال الرجال يعارضون ذلك.

كانت كلارا زيتكين تدرك هذه التعقيدات جيداً. فقد تبنت استراتيجية مزدوجة: من جهة كانت تحاول إقناع قادة الحركة الاشتراكية بأهمية تبني مطالب النساء، ومن جهة أخرى كانت تسعى إلى مواجهة الحركات النسوية المستقلة التي كانت تنشط خارج الإطار الاشتراكي.

وهذا التوتر بين النسوية المستقلة والحركة العمالية يعكس ما وصفته الفيلسوفة سيمون دي بوفوار بقولها الشهير: "لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك". فهو تذكير بأن الهوية النسوية ليست مجرد معطى بيولوجي، بل بناء اجتماعي وسياسي يتشكل داخل علاقات القوة في المجتمع.

بعد مؤتمر كوبنهاغن بدأت فكرة يوم المرأة تنتشر في عدة بلدان. فقد نظمت اجتماعات نسوية اشتراكية في تواريخ مختلفة: 26 فبراير 1911 في الولايات المتحدة، 19 مارس في ألمانيا والنمسا، 1 مايو في السويد.

أما في روسيا القيصرية فقد احتُفل لأول مرة بيوم العاملات في 2 مارس 1913، ثم في 8 مارس 1914.

لكن الحدث الأهم وقع عام 1917 عندما خرجت النساء الروسيات إلى الشوارع احتجاجاً على الحرب والجوع. وقد وصفت المناضلة البلشفية ألكساندرا كولونتاي هذه اللحظة بقولها إن النساء "أشعلن شرارة الثورة". كانت تلك المظاهرات بداية ما سيعرف لاحقاً ب " ثورة فبراير" التي أطاحت بالنظام القيصري.

ومنذ عام 1921 أصبح 8 مارس التاريخ الرسمي للاحتفال بيوم المرأة في الاتحاد السوفيتي والحركة الشيوعية الدولية.

حتى منتصف القرن العشرين لم تكن الصحافة الشيوعية تربط يوم المرأة بأي حدث محدد في القرن التاسع عشر، بل كانت تشير إلى جذوره في الحركة الاشتراكية وفي التجربة السوفيتية.

لكن عام 1955 ظهرت في الصحف الشيوعية قصة جديدة: مظاهرة عاملات الملابس في نيويورك عام 1857. ومنذ ذلك الحين بدأت القصة تتكرر كل عام، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية.

وقد اقترح الباحثون عدة تفسيرات لظهور هذه الرواية في ذلك الوقت. ففي سياق الحرب الباردة ربما كان من المفيد إعطاء المناسبة جذوراً أميركية «شعبية»، بدلاً من ربطها مباشرة بالتاريخ السوفيتي. كما أن هذا الأصل الرمزي القديم منح الاحتفال عمقاً تاريخياً أكبر.

وهنا يمكن استحضار قول الفيلسوف رونالد بارتيز: "الأسطورة لا تخفي الواقع، بل تحوله". فالقصة، حتى لو لم تكن دقيقة تاريخياً، أصبحت تؤدي وظيفة رمزية قوية.

ومهما يكن أصل هذه الرواية، فقد انتشرت بسرعة مذهلة. وربما لأن المجتمعات تحتاج دائماً إلى أساطير تأسيسية تمنح نضالاتها معنى تاريخياً.

فالأسطورة ليست مجرد كذبة تاريخية، بل أداة رمزية تمنح الأحداث معنى. كما قال الفيلسوف بول ريكور: "الذاكرة الجماعية لا تحفظ الماضي كما كان، بل كما يحتاج الحاضر أن يتذكره". بهذا المعنى أصبح 8 مارس أكثر من مجرد ذكرى تاريخية. لقد تحول إلى: مناسبة تعلن فيها الحكومات سياسات تتعلق بالنساء، فرصة إعلامية للحديث عن أوضاع النساء في العالم، رمز عالمي لنضال النساء من أجل الحرية والمساواة.

وقد اكتسب هذا اليوم بعداً دولياً أكبر عندما تبنته الأمم المتحدة رسمياً باعتباره اليوم العالمي للمرأة.

وبين الحقيقة التاريخية والذاكرة الرمزية يبقى السؤال الفلسفي قائماً: هل يجب دائماً تفكيك الأساطير عندما تؤدي وظيفة رمزية إيجابية؟

فالتاريخ يسعى إلى الحقيقة، بينما تحتاج المجتمعات أحياناً إلى رموز مشتركة تمنحها معنى وهوية. وربما لهذا السبب يستمر الثامن من مارس في أداء دوره الرمزي حتى بعد الكشف عن التناقضات في روايته الأصلية.

وكما قال المؤرخ إيريك هوبسباون: "كثير من التقاليد التي تبدو قديمة هي في الواقع تقاليد مخترعة".

ومع ذلك، فإن هذه التقاليد المخترعة قد تصبح مع مرور الزمن جزءاً من التاريخ نفسه.

وهكذا، سواء كانت قصة خيّاطات نيويورك حقيقة تاريخية أم أسطورة رمزية، فقد أصبح 8 مارس اليوم الذي تتجمع فيه نساء العالم للتذكير بأن طريق المساواة لم يكن يوماً سهلاً، وأن النضال من أجل الحرية والكرامة لا يزال مستمراً.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

إنَّ المجتمعات الغربيَّة، عند تحكيم العقل، هي أُمُّ الذكوريَّة وأبوها، في ذروة نزَقها، وسفهها، وتطوُّرها إلى قوالبها الحديثة. وكُلُّ ما زُيِّفت به صورة المرأة في المخيال الحديث إنَّما هو من ابتكارات الرَّجُل الغربيِّ وإبداعات نزوعاته الذكوريَّة الشيطانيَّة الجامحة، التي تُجلِّيها إنتاجاتُه الثقافيَّة والأدبيَّة والفنِّـيَّة، والتي أمعن في ترويجها بكُلِّ وسيلة، حتى بلغ ذلك إلى فلسفتها والتنظير لشرعنتها؛ فبات للعُرْي فلسفة، وللجسد فلسفة، وللإباحيَّة فلسفة، ولها مدارس وأكاديميَّات ذات شأن. هكذا زعم (ذو القُروح)، وهو ما يفتأ يحكُّ رأسه! فتساءلت:

- ولماذا كلُّ هذا؟

- لتسأل السيِّد الجامد الفريد في ميدان التحليل النفسي!

- من تعني؟

- (سيجموند فرويد)؛ فهو أدرَى بشعاب الإجابة عن هذا السؤال!

- أمَّا في الواقع المحلِّي، فلن أسأل ولا تسأل: أ نحن في عصر الفلسفة أم في عصر العِلْم؟!

- نعم، ذلك كوكب آخر! فلقد حُرِّمت الفلسفة بأنواعها دهورًا، ثمَّ لأسبابٍ ما أُجيزت بغتةً مؤخَّرًا، حتى أصبحت موجة العصر، وواجهة المتثقِّفين المحرومين منها والأدعياء فيها معًا. لكن ذلك جاء في الوقت الضائع، وبعد انقراض الفلسفة والتفلسف على يدَي العِلْم التجريبي. فحراكنا الثقافي يأتي تقليدًا غالبًا، وعلى طريقة: (الحَجِّ والناس راجعون)!

- لا عجب، فتلك فلسفتنا الخاصَّة في التبعيَّة الأبديَّة، وإنْ لظِلال الآخَرين، بعد أن ينصرفوا عن المكان والزمان!

- ولا شكَّ أنَّ أشدَّ الرِّجال ذكوريَّة وتعنُّـتًا في ذكوريَّته- غربًا وشرقًا- سيكون نصيرًا لذلك النمط من النسويَّة- المضادِّ للمرأة- وأكثر تهليلًا له من الحركة النسويَّة ذاتها! أعني النسويَّة التي ترى حُريَّة المرأة في تعرِّيها. والتعرِّي هنا ليس للجسد فحسب، بل أخطر منه تعرِّي القِيَم، وتعرِّي الفِكْر، والتعرِّي عن المبادئ الاجتماعيَّة والطبيعة السويَّة. وهذا النوع الأخير هو السائد الأكبر في المجتمعات الشرقيَّة المنغلقة؛ حيث المرأة والرجل قد يُنظِّران لواقع حُلُميٍّ آخَر، لا يعيشانه، ولا يستطيعانه، بحُكم العادات والتقاليد. ولا نعني أنه كان عليهما أن يعيشاه، بل عنينا أنَّ هناك تمزُّقًا في المفاهيم، واضطرابًا في فهم الذات والآخَر، وشطحًا في الوعي بالفارق بين الحُريَّة وتقليد حُريَّة ظاهريَّة زائفة مجتلَبة من مجتمع مختلف الشروط والثقافة والمنطلقات. بل قل من مجتمعٍ رأسمالي، يستثمر في كلِّ شيء، بما في ذلك الاستثمار على حساب حقوق المرأة باسم حقوقها. ومن ثمَّة تلحظ ركاكةً معرفيَّة في رفع شعارات ومناقضتها في صميم الممارسة.

- ولذا فإنَّ كثيرًا من الشُّعراء والكُتَّاب قد يَدْعُون إلى تحرير المرأة وهم أكثر الناس امتهانًا لكرامة المرأة في أعمالهم، وتصويرًا مُذلًّا لها في قصائدهم ورواياتهم؛ وكأنها أَمَة، همُّها في الحياة إمتاع سيِّدها، أو التمرُّد عليه لإمتاع سيِّدٍ آخَر!

- بل أضف إلى هذا أنَّ كثيرًا من الكاتبات والروائيَّات يجأرن بحقوق المرأة ليلًا ونهارًا، وهن، في الوقت نفسه، يرسمن عن شخصيَّات بنات جنسهنَّ أتفه الصُّوَر وأشدَّها ابتذالًا وأشذَّها طبيعةً في أعمالهن، مظهِرات ذلك في زِيِّ الحُريَّة الاجتماعيَّة المنشودة.

- ألا ينمُّ ذلك عن لَبْس مريع في الفهم، وقصورٍ مخجل في تمثُّل ما تعنيه الحُريَّة والكرامة؟

- بلى. والسبب أنَّ هؤلاء وأولئك قد نُشِّئوا في مجتمع ارتبطت صورة الحُريَّة النسائيَّة- لا بحُريَّة التعلُّم والفِكر والقرار- ولكن بحُريَّة التحرُّر من اللباس، والتنصُّل من القِيَم الاجتماعيَّة. وكانت طائفة المحافظين ضِدَّ هذا التوجُّه، بطبيعة الحال؛ فورثنا عُقدتنا الاجتماعيَّة المركَّبة، التي ينتج عنها أن تصبح أوَّل حركةٍ تتَّخذها المرأة في اتجاه ما تعتقده الحُريَّة ومنح المرأة حقوقها، أن (ترمي حجابها)، ثمَّ ثيابها، وتركب رأسها في مصادمة النظام الاجتماعي أو الدِّيني والثقافي العامِّ، الذي وُلدتْ فيه ونشأت من خلاله. تفعل ذلك، بقطع النظر عن اقتناعها بصوابيَّة ذلك النظام أو عدمه، فالأمر هاهنا محض مكابرة، وردَّة فعلٍ مضادَّة، تردفها هوسيَّةٌ تقليديَّةٌ بنموذج امرأةٍ شقراء، أُضْفِيَتْ عليه هالات الجمال والكمال والنور، من خلال الضخِّ الإعلامي، حتى كادت تكون نموذجًا مثاليًّا مقدَّسًا أعلى (Archetype)؛ إذ اقترنتْ الصورة النمطيَّة للحُريَّة بسحنتها، وهيئتها، ولون شَعرها، وعينيها، وطريقة لباسها، إنْ وُجِد.

- ولو كانت تلك المرأة دابَّةً تعمل في أحطِّ المِهَن؟

- ولو! لذا لا تستغرب ممَّن تسلك هذا المسلك أن تسمعها تُقِرُّ بأنَّ الحِجاب واجبٌ، وبما أنها هي مسلمة، لا غبار عليها، فإنها تحترم المحجَّبات، ولكن...

- ولكن ماذا؟

- «ولكن» فقط! سلوكها مجرَّد «مزاج»، لا ينبني لا على فِكر، ولا على سبب، ولا يأتي عن اقتناع بما تفعل أو بما تدع! وحينئذٍ يصبح مثل هذا السلوك سلوكًا ذا دوافع ذاتيَّة، كأيِّ جنوح آخَر، يتمخَّض عن ردَّات فعلٍ نفسيَّةٍ أو اجتماعيَّة.

- وعلى سالفة «النسويَّة»، لستُ أدري، «ولا أنت تدري يا ذا القُروح»!، كيف تتصوَّر سيِّدةٌ أنْ لا يكون الرَّجُل ذكوريًّا بامتياز، كي تُحاضره، وتُحاصره بموعظةٍ حسنة، عن مثالب الذكوريَّة ومناقب النسويَّة، وهي كـ(المتجرِّدة) وهو كـ(النابغة الذُّبياني)؟!

- أنَّى للمسكين أن يُصغي إلى المحاضرة في تلك الحال، أو أن يفهم الموعظة الحسنة، ويستوعب تعاليمها العميقة، أو يستطيع تطبيقها بحذافيرها، في جوِّ هذا الحضور العارم!

- إلَّا أن يكون قد بلغ من عدم «النبوغ» و«الذُّبيانيَّة» حدًّا لا رجعة عنه ولا يُحسَد عليه!

- وذلك نادر، والنادر لا حُكم له! لأنَّ أيَّ رجُل لا تستبدُّ به شياطين الفحولة الجاهليَّة، عندئذٍ، ولا تجوس فيه وحوش الذكورة، ليس طبيعيًّا!

- أم تُراها تريد أن يكون الرَّجُل كذلك بالفعل؟!

- كيف له أن يتربَّى إذن على احترام عقل المرأة، وهي لا تُغريه إلَّا بنقائضه؟! أو هي- على الأقل- تُبرز له منها ما يطغَى على ما سواه؟

- على الرَّجُل أن يعترف بأنه سيفشل في استجابته لخطاب التهذيب النِّسويِّ أمام هذا السلاح المزدوج والتحدِّي المتناقض!

- لا يعني هذا أن على المرأة أن تكون رَجُلًا أو مسترجلة، ليطابق قولها فعلها!

- كلَّا، لم نقل هذا! غير أنَّ عليها أن تعي أنها كثيرًا ما تصنع الذكورة والفحولة بنفسها، وتستجيب لرغباتهما ونداءاتهما وإغراءاتهما وتملُّقاتهما وما تزيِّنانه لها، وببلاهة بريئة، وفمٍ فاغرة، ثمَّ إذا هي بعد ذلك تشكو من عواقب ما فعلتْ يداها، وتندب حظَّها في مجتمعها، وهي التي صنعت الطاغية واستخرجت المارد من القُمْقُم، لا غيرها. فيداها أوكتا وفوها نفخ!

- بالعودة إلى ما مرَّ حول الكاتبات والروائيَّات اللائي يجأرن بحقوق المرأة ليلًا ونهارًا، ومع هذا يرسمن عن شخصيَّاتهن السرديَّة صورًا مبتذلة. لا تنس أنَّهنَّ يتذرَّعن بضرورة كشف المسكوت عنه في المجتمع. فلا تظلمهن، يا (ذا القُروح)!

- التذرُّع بكشف المسكوت عنه لا ينبغي أن يعشينا أيضًا عن أنَّ المسكوت عنه يظلُّ أمرًا طبيعيًّا في الحياة. ولا عن أنَّ (نقل الواقع) في روايةٍ لا يعني رواية، لدَى من يعي ما الأدب وما وظيفته! فليس الأدب، في أيِّ جنسٍ من أجانسه، نقلًا وإخبارًا وفضحًا. ليس من الأدب في شيءٍ أن ينقل الكاتب الواقع بسوءاته، ويمشي، قائلًا، بكُلِّ سذاجة: أنا أُصوِّر الواقع! وما أسهل ذٰلك! فلتحمل، إذن، «كَـمِرة فيديو» وتصوِّر، وتريح وتستريح! إنَّ آلةً تصويريَّةً بوسعها أن تكون أعظم روائيَّة على هذا الأساس. حينئذٍ لا يكون الكاتب إلَّا نقَّالًا أو نقَّالة، لا أديبًا ولا أديبة أصلًا. ولدينا بصفةٍ عامةَّ خلطٌ عجيبٌ في هذه الألقاب والمصطلحات: (أديب/ كاتب/ شاعر/ مفكِّر.. إلخ). ذلك أنَّ الأديب كاتب موهوب، كالشاعر، وإنْ لم يكن شاعرًا، وهو ذو لغةٍ فارقةٍ وأسلوبٍ مستقلٍّ لافت. وليس كلُّ مَن كتبَ أديبًا، ولا كلُّ من اشتغل بالأدب أديبًا. فـ(العقَّاد)- على سبيل المثال- يُعَدُّ، عند التدقيق في المصطلح، مفكِّرًا، لا أديبًا، وإنَّما الأديب بحقٍّ (طه حسين)، وأشباهه من الكتَّاب. هذا الذي حين تقرؤه يهزُّك أسلوبه، فيُصبح ما يكتب نصًّا أدبيًّا، بغَضِّ النظر عن طبيعة الموضوع. وعلى هذا فقِس. ومن هذا المنطلق فإنَّ دَور الكاتب- الذي قد يُحتجُّ على تسمية ما يكتب أدبًا لأنه يصوِّر الواقع- إنَّما يشبه دَور الكاتب الصحفيَّ أو الإعلاميَّ، الذي يبحث عن «خبطةٍ» صحفيَّةٍ أو إعلاميَّة، يخبط به المجتمع، وتُكسِّر الدُّنيا والدِّين، ولو عبر فضيحةٍ تدمِّر أُسرة، أو تروِّع مجتمعًا، أو تنشر الفساد. مع أنَّ للإعلام كذلك معاييره، وأخلاقه المهنيَّة، التي تُقَنِّن ما يقال وما لا ينبغي أن يقال. بَيْدَ أنَّ هذا هو فهم الإعلام أيضًا في بعض العالم المعاصر على كُلِّ حال! نعم، هناك من يحتمي بتلك الذريعة، فيُدافع قائلًا: إنَّ هذا هو الواقع، وأنا أنقله.. هذا واقعكم، فلماذا أواريه ولا أرويه؟! وهذا الاحتماء هو مواراة لسوأتين لدَى هذا الكاتب، ضعف القيمة الأدبيَّة لعمله، والجهل بماهيَّة ما يدَّعيه أدبًا. ذلك أنَّ من وظيفة الأدب نقد الواقع، لا نقل الواقع على عواهنه. وحينما نقول إنَّ وظيفة الرواية- مثلًا، وهي ميدان الجدل الأكبر اليوم- نقل الواقع، فإنَّنا ننزلق من وظيفة الأدب إلى وظيفة الإعلام الرخيص، ومن دَور الإنسان إلى دَور آلة التصوير، إنْ أمكن أن تعمل آلة التصوير دون استخدام الإنسان وتوجيهه.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

على سبيل البدء: تحتل الحكاية الشعبية موقعا أساسيا في خضم السرود العربية، فهي تشكل بؤرتها وهي حاضرة في ثناياها بكل الأشكال الممكنة. فالحكاية الشعبية بالرغم من كونها صوت الشعوب والتعبير التلقائي الفطري عن همومها وأفراحها، فهي رافد من روافد كل الآداب التي يمكن للمبدعين على اختلاف مشاربهم الفكرية والفنية أن يقوموا بعملية إنشائها. يمكن الإشارة هنا على سبيل المثال وليس الحصر أن الحكاية الشعبية المغربية حاضرة بالقوة وبالفعل في ثنايا الروايات المغربية، مثل رواية "بدر زمانه" للكاتب مبارك ربيع ورواية "رائحة الجنة" للكاتب شعيب حليفي ورواية "بريد الدار البيضاء للكاتب نور الدين محقق، وغيرهم من الروائيين المغاربة المعروفين.

من هنا، ونظرا لانشغالاتنا الأكاديمية بدراسة المتن الحكائي المغربي ارتأينا أن نتوقف هنا عند حكاية شعبية مغربية معروفة هي حكاية "هاينة والغول".

بنية العنوان ودلالته

يأخذ العنوان وظيفة تعبيرية دالة بحيث أنه يقدم لنا صورة عن أهم شخصيات هذه الحكاية الشعبية، والتي تتمثل في شخصية "هاينة" أولا وشخصية "الغول" ثانيا. ومنذ البداية تمت عملية تبئير شخصية "هاينة" ولفت نظر القارئ النبيه إليها لأنها احتلت مركز الصدارة في العنوان. وهي شخصية نسائية، في عملية إيحاء دلالي عميق إلى مكانة المرأة وأهميتها في عوالم هذه الحكاية الشعبية وبالتالي داخل بنية المجتمع المغربي برمته. ثم بعد ذلك جاءت الإشارة إلى شخصية "الغول" باعتباره حيوانا عدوانيا مليئا بمختلف الشرور. ومن خلال بنية هذا التقابل الحكائي الشعبي بين كل من شخصية "هاينة" وشخصية "الغول" تتضح لنا معالم الصراع التي يمكن أن تحدث بين هاتين الشخصيتين التي ترمز كل واحدة منهما إلى عالم مختلف عن الآخر، فشخصية "هاينة" ترمز إلى عالم الخير بكل مستوياته، وشخصية "الغول" ترمز إلى عالم الشر بكل مستوياته هو أيضا. والصراع بين كل من شخصية "هاينة" وشخصية "الغول" هو ما يولد الصراع الدرامي في هذه الحكاية ويفتحه على مختلف الآفاق الممكنة.

2-  بنية الصراع الدرامي

يأخذ الصراع الدرامي أفقا متصاعدا في حكاية "هاينة والغول"، بحيث يتطور تبعا للآليات السردية المتحكمة فيه، وهي آليات سردية تجعل من الأحداث السردية ترتبط بالأسباب والعلل، فكل سبب حكائي في هذه الحكاية الشعبية يؤدي حتما إلى بروز سبب حكائي جديد، وهو أمر يجعل من عملية توالي الأسباب عوامل أساسية في انبثاق أحداث جديدة. على سبيل المثال نرى أن "هاينة" كانت تعيش مع أخيها بشكل طبيعي، لكن ظهور "الغول" في حياتها وفي حياة أخيها تولد عنه حبس كل واحد منها، وهو ما أدى إلى أكل الغول لأخيها، في حين ونظرا لتميزها برجاحة العقل وبالذكاء الألمعي استطاعت أن تقضي على الغول وأن تجعل منه عبرة لكل من اعتبر. وبينت من خلال هذه الانتصار قدرة المرأة المغربية على التغلب على كل الظروف التي قد تحيط وأن تخرج منها منتصرة أيما انتصار.

3- رمزية الحكاية

يتضح لنا من خلال هذه الحكاية الشعبية المغربية أن صورة المرأة فيها إيجابية جدا في مقابل بعض الحكايات الشعبية المغربية الأخرى المغايرة لها، فالمرأة المغربية في هذه الحكاية الشعبية تتسم بالصبر وبالذكاء وبالقدرة على حسن التصرف وفق الظروف المحيطة بها.

وهو ما جعلنا بالتحديد نقف عنده ونقوم بالكتابة عنها ونوضح من خلالها صورة المرأة المغربية التي تتجلى واضحة بقوة فيها

على سبيل الختام

يذهب الباحث الأكاديمي المغربي نور الدين محقق في كتابه "الرواية العربية والأفق الكوني" إلى كون السرد العربي يشكل في مجمله صورة حية للمجتمع العربي وللمتخيل الشعبي السائد فيه ، وانطلاقا من هنا يمكن اعتبار أن الحكاية الشعبية باعتبارها تنتمي إلى دائرة السرد ، تشكل هي الأخرى صورة قوية لما جرى ويجري داخل بينة المجتمع الذي تنتمي إليه ، وهو ما يجعل من حكاية "هاينة والغول" حكاية معبرة عن المحيط الذي تواجدت فيه، وبالتالي حكاية جديرة بالقراءة والدراسة واستمرارية الحضور.

***

د. منير محقق

البدايات: حين مهدن العاملات الطريق لنا اليوم

في الثامن من آذار، لا نستحضر ذكرى عابرة، إذ نستحضر تاريخاً من النار والنضال والمواجهة ضد الظروف التي أثقلت كاهل النساء العاملات. هذا اليوم خطته أيادي العاملات في المصانع، ورفعته أصوات المناضلات في الشوارع، حتى صار يوماً عالمياً لتجديد العهد مع العدالة والمساواة ونظام اشتراكي لا طبقي. وهو يوم لا يحيا بالخطب العاطفية وحدها، إذ يحيا بالعودة إلى السياقات التاريخية التي صنعته، وبالوعي بالدور المحوري الذي اضطلعت به الحركة الاشتراكية النسوية في توثيقه والدعوة إلى اعتماده مناسبةً أممية توحد أصوات النساء عبر الحدود.

لم يولد الثامن من آذار من فراغ. تعود جذوره إلى احتجاجات العاملات في قطاع النسيج في نيويورك عام 1857، حين خرجت آلاف النساء رفضاً لأجور زهيدة وساعات عمل امتدت إلى ست عشرة ساعة يومياً، في ظروف لم تكن تختلف كثيراً عن العبودية المقنعة. ورغم قمع الشرطة لذلك الحراك، فإنه أسس لبذور التنظيم النقابي النسوي، وغرس في وعي العاملات فكرة أن الصمت ليس خياراً، وأن الشارع ساحة مشروعة للمطالبة بالحقوق.

وبعد أكثر من نصف قرن، في الثامن من مارس 1908، عادت شوارع نيويورك لتمتلئ بخطى خمسة عشر ألف امرأة يرفعن شعار "خبز وورد"، الخبز رمزاً للأمان الاقتصادي وكرامة العيش، والورد إشارةً إلى حقهن في حياة إنسانية لائقة لا تختزل المرأة في آلة إنتاج. طالبن بتقليص ساعات العمل، ومنع عمالة الأطفال، ونيل حق التصويت الذي كان يعامَل وقتها باعتباره امتيازاً لا حقاً طبيعياً. وقد كان لذلك المشهد وقع استثنائي، إذ جمع في صورة واحدة بين المطلب الاقتصادي والمطلب السياسي، معلناً أن قضية المرأة لا تتجزأ.

في عام 1909، أعلن الحزب الاشتراكي الأمريكي أول يوم وطني للمرأة تكريماً لنضالات عاملات النسيج، لتتوسع الفكرة بعدها خارج حدود الولايات المتحدة وتجد صدىً في أوساط الحركات العمالية والاشتراكية في أوروبا. وفي عام 1910، وأثناء مؤتمر النساء الاشتراكيات في كوبنهاغن، طرح اقتراح تخصيص يوم عالمي للمرأة، وكان من أبرز المدافعات عنه المناضلة الاشتراكية الألمانية كلارا زيتكين (1857-1933)، التي كرست حياتها للربط بين قضية المرأة والتحرر الطبقي، وأسهمت إسهاماً محورياً في تأسيس هذا اليوم بوصفه تعبئةً نضالية لا احتفالاً شكلياً. وقد وافق المؤتمر بالإجماع على الاقتراح، في إشارة إلى أن الفكرة كانت تعبر عن حاجة حقيقية يشعر بها النساء المناضلات في كل مكان.

في العام التالي، خرجت مئات الآلاف من النساء في ألمانيا والنمسا وسويسرا والدنمارك لإحياء اليوم لأول مرة في تاريخه. لكن اللحظة التي كرست رمزيته الثورية جاءت عام 1917، حين أضربت العاملات الروسيات في بتروغراد مطالبات بـ"الخبز والسلام" في خضم حرب طاحنة كانت تستنزف أرواح الشعب وقوت العائلات. ذلك الإضراب، الذي اندلع في الثالث والعشرين من فبراير وفق التقويم الروسي الموافق الثامن من مارس وفق التقويم الغريغوري، كان الشرارة الأولى للثورة الروسية التي أطاحت بالقيصرية، فتحول اليوم من مناسبة مطلبية إلى حدث غير مجرى التاريخ بأسره، ومنح هذا اليوم بعداً ثورياً لم يفقده حتى اليوم.

ظل الثامن من آذار حاضراً في الدول الاشتراكية لعقود طويلة، محتفظاً بطابعه النضالي والطبقي، حتى اعتمدته الأمم المتحدة رسمياً يوماً عالمياً للمرأة عام 1977. وهكذا يجمع هذا اليوم بين صمود العاملات في أمريكا وشجاعة النساء في روسيا ووعي المناضلات الاشتراكيات في أوروبا، ليبقى وعداً متجدداً بأن الحقوق لا تمنح، إذ تنتزع بالنضال المنظم، وأن مسيرة المساواة ما تزال مستمرة، تحملها أجيال مدينة لمن سبقهن وعازمة على مواصلة الطريق حتى نهايته.

النسوية الاشتراكية: حين أصبح التحرر مسألة نضال يومي

شكلت النسوية الاشتراكية التي تبلورت في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين أحد الأسس النظرية الأكثر رسوخاً في تفسير اضطهاد المرأة وتحديد شروط تحررها. وقد ارتبطت بأسماء مناضلات ومفكرات بارزات من كلارا زيتكين وروزا لوكسمبورغ وألكسندرا كولونتاي إلى فلورا تريستان وكلارا ليمليخ وسيلفيا بانكهورست، ثم تطورت لاحقاً مع أجيال من المنظرات والمناضلات في القرن العشرين.

 لم تنظر هذه التيارات إلى اضطهاد النساء بوصفه ظاهرة مستقلة عن النظام الاجتماعي السائد، بل اعتبرته جزءا لا يتجزأ من آلية الاستغلال الرأسمالي ذاتها، يتغذى منها ويعيد إنتاجها في آن واحد. فالمرأة العاملة في هذا التصور تتعرض لاستغلال مزدوج لا يمكن فهم أحدهما دون الآخر: تستغل كعاملة بأجر أقل من الرجل في سوق العمل، وتستغل داخل الأسرة من خلال العمل المنزلي غير المدفوع الذي يضمن إعادة إنتاج قوة العمل دون أن يكلف رأس المال فلسا واحدا.

انطلاقاً من هذا الفهم العميق، انتقدت النسوية الاشتراكية ما كان يعرف بـ"النسوية البرجوازية"، أي تلك الحركة التي ركزت جهودها على الحقوق السياسية والقانونية كحق التصويت والوصول إلى التعليم والمشاركة في الحياة العامة. ورغم الإقرار بأهمية هذه المطالب وضرورة تحقيقها، رأت أنها لا تمس جوهر المشكلة بالنسبة لنساء الطبقة العاملة، لأن المساواة القانونية وحدها لا تنهي التبعية الاقتصادية ولا تكسر قيود الاستغلال المادي. فامرأة تمتلك حق التصويت وتعيش في فقر مدقع وتعتمد اقتصادياً على الرجل لأن سوق العمل لا يمنحها عملاً أو أجراً عادلاً، تظل غير متحررة فعلياً، مهما كانت حقوقها الرسمية على الورق.

لذلك أكدت هذه التيارات أن نضال النساء يجب ألا يكون منفصلاً عن النضال الطبقي العام، إذ هو في جوهره جزء من حركة أشمل تستهدف تغيير علاقات الإنتاج ذاتها. ولم تكن ترى صراعاً قائماً بين الرجال والنساء داخل الطبقة العاملة، إذ كانت تعتبر أن هذا التصور يصب في مصلحة المنظومة التي تريد تشتيت الطبقة العاملة وإشغالها بصراعات داخلية بعيداً عن مواجهة الطرف الذي يراكم الربح على حساب العمل. ومن هذا المنطلق ارتبط النشاط التنظيمي للحركة النسوية الاشتراكية بالحركة العمالية الأوسع، حيث عملت على تنظيم النساء العاملات داخل إطار سياسي ثوري يجمع لا يفرق.

كما طرحت هذه التيارات رؤية متكاملة لإعادة تنظيم المجتمع بحيث تتحرر المرأة اقتصادياً عبر دمجها الكامل في الإنتاج الاجتماعي، وتوفير خدمات عامة شاملة كالحضانات ودور الرعاية والمطاعم الجماعية، بما يخفف العبء الهائل للعمل المنزلي الملقى على كاهل المرأة ويكسر تبعيتها البنيوية داخل الأسرة التقليدية. لم يكن تحرر المرأة في هذا التصور مسألة أخلاقية أو ثقافية أو خطابية فحسب، إذ كانت تراه مسألة بنية تحتية اقتصادية تتطلب تغييراً جذرياً في علاقات الإنتاج والملكية والسلطة.

بهذا المعنى الجذري، رأت النسوية الاشتراكية أن الاشتراكية ليست خياراً سياسياً إضافياً يمكن إلحاقه بقضية المرأة من الخارج، إذ هي الشرط الأساسي لتحقيق تحررها الحقيقي والمستدام. ومن خلال هذا الربط العميق والمتماسك بين النسوية والصراع الطبقي، أسهمت هذه التيارات في صياغة تصور نظري رصين ما يزال حاضراً بقوة في النقاشات المعاصرة حول العلاقة الجدلية بين قضية المرأة والصراع على البنية الاقتصادية للمجتمع.

السياق الصناعي: الرأسمالية وولادة الوعي النسوي العمالي

في أواخر القرن التاسع عشر، شهدت أوروبا توسعاً صناعياً هائلاً غير ملامح القارة وأعاد رسم خريطة علاقاتها الاجتماعية. المصانع تكاثرت، والمدن تضخمت بالموجات البشرية القادمة من الريف، غير أن الثروة الهائلة التي تراكمت لم تكن من نصيب من صنعوها بأيديهم وسواعدهم. النساء، إلى جانب الرجال والأطفال، عملن لساعات طويلة مرهقة في ظروف قاسية تفتقر إلى أبسط شروط الصحة والأمان، مقابل أجور أدنى بكثير ودون حماية قانونية حقيقية تقيهن من الطرد التعسفي أو الإصابة في العمل.

في هذا السياق المحدد، لم يكن اضطهاد المرأة مسألة ثقافية مجردة تتعلق بالعادات والتقاليد وحدها، إذ كان جزءاً لا يفصل من بنية اقتصادية رأسمالية تستفيد استفادة مباشرة من عملها الرخيص ومن هشاشة موقعها الاجتماعي وافتقارها إلى أوراق ضغط قانونية أو تنظيمية.

ضمن هذا المناخ المشحون، برزت الحركة الاشتراكية تعبيراً سياسياً عن مصالح الطبقة العاملة ومطامحها في عالم أكثر عدلاً. وانخرطت النساء المناضلات في صفوفها منطلقاتٍ من قناعة فكرية راسخة تشكلت عبر سنوات من الملاحظة والدراسة والنضال المباشر: اضطهاد المرأة هو نتيجة مباشرة ومقصودة لنظام يقوم في جوهره على استغلال العمل وتعظيم الربح على حساب حياة البشر وحقوقهم.

فرقت النسوية الاشتراكية بوضوح تام بين قضية المرأة العاملة وقضية المرأة البرجوازية، مؤكدةً أن الجمع بينهما تحت مسمى واحد يطمس التناقضات الحقيقية ويخدم مصالح الطبقة المهيمنة. فبينما ركزت التيارات الليبرالية على انتزاع حق الاقتراع ضمن حدود النظام القائم دون المساس ببنيته الاقتصادية، رأت هي أن هذا الطرح يعالج الأعراض الظاهرة دون أن يقترب من الجذور العميقة. كان السؤال الذي لا يهادن: أي تحرر هذا الذي يمنح سيدة ميسورة حق التصويت، فيما تبقى العاملة غارقة في وحل الفقر والاستغلال اليومي؟ وأي مساواة تلك التي تبنى على أساس متصدع من الظلم الاقتصادي؟

من خلال الكتابات والمنابر النضالية التي أسستها الحركة الاشتراكية النسوية، حللت العلاقة العضوية بين الرأسمالية واضطهاد النساء بعمق نادر. وهكذا لم يكن الاقتصاد الرأسمالي يستغل المرأة رغم وعيه بازدواجية موقعها، إذ كان يستغلها بسببها تحديداً، مستفيداً من كل خطوة تخطوها بين المصنع والمنزل.

لم تكن هذه التيارات في كل هذا تدعو إلى صراع بين النساء والرجال يفرق ما ينبغي أن يتوحد، إذ كانت تدعو في جوهرها إلى صراع واضح المعالم بين أصحاب رأس المال والطبقة العاملة، ربطت من خلاله تحرر المرأة بتحول جذري شامل يغير شروط الإنتاج ذاتها ويسقط المنظومة التي تجعل استغلال النساء جزءاً بنيوياً من الاقتصاد الرأسمالي.

الجنوب العالمي: حين لا تزال المصانع تحتفظ باسمها

إذا كان النضال الذي أطلقته عاملات نيويورك عام 1857 قد انطلق من مصانع النسيج، فإن مصانع النسيج ذاتها لا تزال قائمة اليوم، غير أنها انتقلت إلى حيث تكون اليد العاملة أرخص والقوانين أهش والرقابة أضعف. انتقلت إلى بنغلاديش وكمبوديا وإثيوبيا والمغرب وغيرها من دول الجنوب العالمي التي تحولت إلى ورش خلفية رخيصة للرأسمالية العالمية، تنتج ما يرتديه الشمال ويستهلكه، فيما تبقى العاملات فيها خارج أي حماية حقيقية.

في بنغلاديش وحدها، تعمل أكثر من أربعة ملايين امرأة في قطاع الملابس الجاهزة، ينتجن ما يصدَر إلى أسواق أوروبا وأمريكا بأجور لا تتجاوز في أحسن أحوالها 95 دولاراً شهرياً. وحين انهار مبنى رانا بلازا عام 2013 وقتل أكثر من 1100 عاملة وعامل تحت أنقاضه، كشف ذلك الانهيار عن حقيقة واحدة فاضحة: أن الخيط الرابط بين فستان يباع في باريس بمئتي يورو وامرأة تموت تحت الركام في دكا هو خيط رأسمالي ممتد لا تقطعه حدود. وقد وثقت تقارير منظمة العمل الدولية وعدد من المنظمات الحقوقية هذه الكارثة بوصفها إحدى أسوأ الكوارث الصناعية في تاريخ صناعة الملابس.

لكن الجنوب العالمي لا يعني المصنع وحده. ففي دول الخليج العربي، تعيش مئات الآلاف من العاملات المنزليات القادمات من الفلبين وإندونيسيا وإثيوبيا وسريلانكا في ظل نظام الكفالة، وهو نظام يربط الوضع القانوني للعاملة بصاحب العمل ربطاً يحول أي شكوى من استغلال أو عنف إلى مخاطرة بالترحيل لا إلى مسار للإنصاف. هؤلاء النساء لسن غائبات عن النقاشات الدولية فحسب، إذ هن غائبات عن القوانين ذاتها التي يفترض أن تحميهن، لأن العمل المنزلي في كثير من هذه الدول مستثنى من قانون العمل أصلاً.

وفي أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء، تتحمل النساء عبئاً مضاعفاً في ظل سياسات التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على مدى عقود. فعندما تقلَص الخدمات العامة في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، لا تختفي هذه الخدمات فعلياً، بل تنتقل أعباؤها إلى المجال المنزلي، حيث تتحمل النساء تعويض ما أسقطته السياسات النيوليبرالية من موازنات الدولة عبر مزيد من العمل غير المدفوع والوقت المستنزف. وبهذا المعنى، لا يكون التقشف سياسة اقتصادية محايدة، بل سياسة ذات آثار اجتماعية وجندرية واضحة تدفع النساء ثمنها أولاً وبدرجة أكبر.

وهنا يكتسب الإرث النظري للنسوية الاشتراكية بعداً جديداً يتجاوز حدود أوروبا التي نشأت فيها. فحين ربطت تلك التيارات تحرر المرأة بتحرر الطبقة العاملة من الاستغلال الرأسمالي، كانت تضع الأساس النظري الذي يفسر ما يجري اليوم في مصانع الجنوب ومنازل الخليج وأحياء الفقر في كيب تاون وليما وكراتشي. لأن المسألة في جوهرها واحدة: منظومة تحتاج إلى عمل رخيص وأجساد هشة وقوانين مثقوبة، وهي تجد كل ذلك في امرأة فقيرة في الجنوب العالمي أكثر مما تجده في أي مكان آخر.

ولا يكتمل الحديث عن واقع النساء في العالم من دون التوقف أيضاً عند أولئك اللواتي يدفَعن إلى بيع أجسادهن من أجل لقمة العيش، في اقتصادات غير عادلة تجعل البقاء نفسه مرهوناً بالجسد والعمل الهش. فكما يحدث في أماكن عدة من العالم، من بلدان سياحية فقيرة إلى مدن كبرى تعيش على اقتصاد الظل، تصبح أجساد النساء آخر مورد متاح في مواجهة الفقر والتهميش.

لذلك لا يكون الثامن من آذار يوماً عالمياً حقيقياً ما لم تكن عاملة المصنع في دكا، وعاملة المنزل في الرياض، وبائعة السوق في أديس أبابا، والمرأة التي تقاتل يومياً من أجل البقاء في اقتصاد غير رسمي أو قاسٍ، حاضرات في مركزه لا في هامشه؛ لا بوصفهن ضحايا يستشهد بهن لإثارة العواطف، بل بوصفهن فاعلات في نضال لم يتوقف ولن يتوقف حتى تتغير الشروط البنيوية التي تجعل استغلالهن ممكناً ومربحاً ومستمراً.

الأزمات تكشف الحقيقة: هشاشة المكاسب في ظل الرأسمالية

هذه الهشاشة البنيوية التي تعيشها نساء الجنوب لا تقتصر عليهن وحدهن، إذ تكشف الأزمات الاقتصادية أن النساء في الشمال أيضاً لم ينلن سوى مكاسب معلقة لا جذور راسخة لها في بنية النظام ذاته. فالتجارب في بلدان توصف بأنها متقدمة في مجال المساواة بين الجنسين تظهر بجلاء أن هذه المكاسب، رغم أهميتها الكبيرة، تبقى هشة وقابلة للتآكل في ظل نظام رأسمالي لم يتغير في بنيته الأساسية. فعند كل أزمة اقتصادية، تعود الدعوات التي تدفع المرأة إلى الانسحاب من سوق العمل تحت ذرائع تبدو اجتماعية في ظاهرها وهي اقتصادية في جوهرها، كتقليل البطالة أو تخفيف الإنفاق العام أو العودة إلى "الدور الطبيعي" للمرأة في البيت والأسرة.

حتى في الدول الاسكندنافية والأوروبية التي يضرب بها المثل في المساواة، لا تزال مشاركة النساء في المناصب القيادية العليا محدودة نسبياً، إذ لا تتجاوز في كثير من القطاعات 25 إلى 35 في المئة من مواقع الإدارة العليا، وتنخفض إلى نحو 10 إلى 15 في المئة في المناصب التنفيذية العليا، مع استمرار فجوة في الأجور تتراوح في المتوسط بين 10 و13 في المئة. كما تستقبل بيوت الإيواء سنوياً مئات النساء الهاربات من العنف الأسري، وهو ما يدل دلالة واضحة على أن المساواة القانونية المنقوشة في الدساتير والتشريعات لا تعني بالضرورة نهاية الاضطهاد الفعلي المعاش يومياً. وليست هذه الهشاشة حكراً على الجنوب وحده، إذ إن المنظومة الاقتصادية ذاتها التي تضغط على أجور العاملات في مصانع دكا هي التي تدفع نحو سياسات تقشف وخصخصة تمس حياة العاملات في المستشفيات والمدارس ودور الرعاية في أوروبا، فتجعل هشاشة المكاسب ظاهرة مشتركة تتخذ أشكالاً مختلفة بين الشمال والجنوب لكنها تنبع من جذر واحد.

هذه الوقائع الموجعة تؤكد أن الحقوق التي تنتزع بالنضال والتضحية يمكن أن تتعرض للتراجع والتآكل التدريجي ما لم يتم تغيير البنية الاقتصادية العميقة التي تقوم عليها علاقات الاستغلال والتمييز. فالحق الذي يمنح ضمن نظام لا يؤمن بالمساواة حقاً يظل حقاً معلقاً، قابلاً للسحب حين تقتضي مصالح النظام ذلك.

حين لا يعني الصعود النسائي انتصاراً نسوياً

إن وجود امرأة في مركز القيادة لا يعني بالضرورة انتصاراً لقضايا النساء، وهذه ليست مفارقة نظرية مجردة، إذ يقدم لنا التاريخ أمثلة ملموسة وصارخة على ذلك. أبرز هذه الأمثلة تجربة مارغريت تاتشر (1925-2013)، أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في المملكة المتحدة، والتي حكمت البلاد بين عامي 1979 و1990. وقد شكل وصولها إلى أعلى هرم السلطة حدثاً رمزياً ذا دلالة تاريخية في مجتمع كان المجال السياسي فيه طويلاً حكراً على الرجال. غير أن هذا الوصول لم يترجم إلى سياسات تعزز المساواة الاجتماعية أو تحمي الطبقة العاملة من وطأة الاستغلال.

على العكس تماماً، ارتبط عهدها ارتباطاً وثيقاً بسياسات خصخصة واسعة وتقشف اقتصادي ممنهج أضعفا النقابات العمالية وضربا قطاعات العمال في الصميم وعمقا الفوارق الاجتماعية بشكل ملحوظ، وهي سياسات دفعت ثمنها النساء، وبخاصة العاملات والفقيرات منهن، بصورة مضاعفة ومؤلمة.

لا يكفي أن تتقدم النساء إلى مواقع السلطة إذا بقيت شروط العمل جائرة وظالمة، ولا يكفي أن يتردد خطاب "التمكين" و"كسر السقف الزجاجي" فيما يظل العمل المنزلي والرعائي غير معترف به اجتماعياً وغير محسوب في ميزان الاقتصاد الرسمي. هذه التجربة تذكرنا بأن تحرر النساء لا يقاس بجنس من يجلس على كرسي الحكم، إذ يقاس بطبيعة السياسات التي تطبَق ومدى انحيازها الفعلي لمصالح الأكثرية المسحوقة. فليس كل صعود نسائي إلى السلطة فعلاً نسوياً بالمعنى التحرري للكلمة، وليس كل تمثيل شكلي في المناصب الرفيعة انتصاراً حقيقياً للحركة النسوية التي نذرت نفسها للدفاع عن العاملات والمهمشات.

إن وجود النساء في مواقع القيادة وصنع القرار خطوة مهمة وضرورية في مسار تحقيق المساواة، إذ يفتح المجال أمام كسر الاحتكار التاريخي للسلطة ويمنح النساء حضوراً سياسياً ومؤسساتياً طال انتظاره. غير أن المعيار الحقيقي والجوهري لأي تقدم اجتماعي لا يقتصر على عدد المقاعد التي تشغلها النساء في مجالس الإدارة أو قاعات البرلمانات، وإنما يتمثل في مقدار التحسن الفعلي الملموس في حياة النساء الأكثر تهميشاً وبعداً عن دوائر النفوذ: العاملات بأجور زهيدة، والفقيرات المحاصرات في شباك الفقر المتوارث، واللاجئات الهاربات من الحروب والاضطهاد، وضحايا السياسات التقشفية اللواتي يدفعن ثمن أزمات لم يصنعنها. ومن هذا المنظور الجذري، يبقى الثامن من آذار يوم مساءلة عميقة للنظام القائم وسياساته وبنيته، لا مناسبة لمجاملته أو التكيف مع اشتراطاته.

الثامن من آذار: كيف نناضل لا كيف نحتفل

في ختام هذا المسار التاريخي الممتد من نيويورك إلى بتروغراد، ومن كوبنهاغن إلى كل مدينة في العالم شهدت خروج النساء مطالبات بحقوقهن، لا يكون استحضار الثامن من آذار عودة عاطفية إلى الماضي، إذ يكون استعادةً واعية لمعناه الأصلي الذي تحاول قوى كثيرة تجميله وتفريغه من محتواه الطبقي والنضالي. فاستعادة هذا اليوم لا تعني التنكر للنضالات الإصلاحية التي حققت مكاسب لا يمكن الاستهانة بها، إذ تعني قبل أي شيء إعادة وصل هذه المكاسب بجذورها الاجتماعية والطبقية لحمايتها من الردة والتراجع.

ورغم كل ما انتزع من حقوق بالنضال والدم والتضحية عبر عقود طويلة، فإن ما تحقق لم يسقط البنى العميقة التي تعيد إنتاج التمييز يومياً في كل مصنع ومكتب ومنزل، ولم ينه استغلال النساء في سوق عمل يقوم في أساسه على الفجوة الممنهجة في الأجور، والعمل غير المدفوع الذي لا يذكر في الحسابات الرسمية، والهشاشة الاقتصادية المتوارثة جيلاً بعد جيل. إن النظام الذي قاومته العاملات في مصانع النسيج ما يزال حياً يرزق، يتبدل في أشكاله وآلياته وخطابه، غير أنه يحتفظ بجوهره الثابت القائم على الهيمنة والاستغلال الممنهج.

إن الإرث الذي تركته الحركة النسوية الاشتراكية لم يكن دعوةً لاحتفال سنوي تعلق فيه اللافتات وتوزع الورود وتعقد الندوات ثم يعود الجميع إلى حياتهم كما كانت، إذ كان دعوةً صريحة وملحة لتنظيم ونضال عابر للحدود والثقافات واللغات، يربط بين المساواة ويفضح النظام الرأسمالي الطبقي في تناقضاته الجوهرية، وبين تحرر النساء وتحرر المجتمع بأسره من منطق الاستغلال.

لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف؟ كيف نناضل؟ ما هو شكل التنظيم المطلوب اليوم؟ هل هو حزب اشتراكي سياسي تقليدي، أم شبكات اجتماعية لامركزية، أم منظمات نسوية عابرة للحدود؟ وكيف يمكن ربط عاملة في مصنع نسيج في بنغلاديش بمستهلكة في أوروبا بطريقة تخلق وعياً مشتركاً حول سلاسل الاستغلال العالمية بدلاً من إخفائها؟ وكيف يمكن مواجهة سياسات التقشف التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية والتي تقع آثارها الأشد على النساء العاملات والفقيرات؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تختزل في وصفة تنظيمية واحدة صالحة لكل زمان ومكان، إذ تختلف الشروط السياسية والاجتماعية من سياق إلى آخر. ومع ذلك، تشير التجارب المعاصرة إلى عدد من الاتجاهات الواضحة، من بينها تعزيز التنظيم النسوي المستقل، وبناء شبكات تضامن نسوي وعمالي عابرة للحدود. كما يبرز دور بعض الأحزاب اليسارية والقوى التقدمية التي تبنت دعم قضايا المساواة بين الجنسين وساندت مطالب الحركة النسوية، سواء عبر العمل البرلماني أو من خلال التحالف مع الحركات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يصبح من المهم ربط النضال النسوي بالنضال الاجتماعي الأوسع ضد سياسات التقشف والخصخصة، وتطوير أشكال جديدة من التنظيم تجمع بين العمل السياسي والحراك الاجتماعي والضغط النقابي. فالعولمة الرأسمالية التي ربطت اقتصادات العالم ببعضها لم تنتج فقط تحديات مشتركة، بل خلقت أيضاً شروطاً جديدة لتضامن عابر للقارات، يمكن أن يحول نضالات النساء من معارك محلية معزولة إلى حركة اجتماعية عالمية أكثر وعياً بذاتها وبأهدافها.

لذلك، في الثامن من آذار وفي كل يوم يأتي بعده، لا يكون السؤال المحوري: كيف نحتفل بهذه المناسبة؟ إذ يكون: كيف نناضل ونتنظم ونبني؟ لأن الحقوق التي انتزعت بالأمس تحتاج إلى وعي متجدد وتنظيم متراكم لحمايتها اليوم، وإلى إرادة نسوية يسارية ثورية لا تكل لتوسيعها يوماً بعد يوم، حتى تتحقق المساواة الكاملة التي لا تقبل النصف ولا ترضى بالفتات.

***

بيان صالح

مقاربة تحليلية في الصوتيات النسوية وتفعيل حضور المرأة المعرفي

المقدمة: يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في أنماط إنتاج المعرفة والتعبير الثقافي نتيجة التطورات المتسارعة في التكنولوجيا الرقمية، حيث أصبح الفضاء الرقمي مجالًا مفتوحًا لتعدد الأصوات وتداخل الخطابات. وفي هذا السياق برز الصوت النسوي بوصفه أحد أهم التحولات في البنية الثقافية المعاصرة، إذ انتقلت المرأة من موقع التلقي والهامش إلى موقع الفاعلية والإنتاج داخل الخطاب الثقافي.

ولم يعد حضور المرأة في المجال الثقافي يقتصر على الكتابة التقليدية، بل امتد ليشمل فضاءات رقمية متعددة أتاحت لها إمكانات جديدة للتعبير والتفاعل وإعادة صياغة التجربة الذاتية. وهنا تبرز أهمية ما يُعرف في النقد المعاصر بـ الصوتيات النسوية؛ وهي مقاربة نقدية تهتم بدراسة تمثلات الصوت الأنثوي في النصوص الأدبية وكيفية تشكّله عبر اللغة والإيقاع والسرد، باعتباره تعبيرًا عن الذات الأنثوية وسعيها إلى استعادة موقعها داخل الثقافة.

ويكتسب هذا الموضوع بعدًا رمزيًا خاصًا في سياق الاحتفاء بـ اليوم العالمي للمرأة، إذ يمثل هذا اليوم مناسبة لإعادة التفكير في دور المرأة بوصفها فاعلًا معرفيًا وثقافيًا، وليس مجرد موضوع للاحتفاء الرمزي. ومن هنا تأتي هذه الدراسة التي تسعى إلى تحليل تحولات الصوت النسوي في زمن الإبداع الرقمي، مع دمج نماذج من الأدب النسوي العربي التي تكشف عن تشكل هذا الصوت وتطوره داخل النصوص الأدبية.

أولا: مفهوم الصوت النسوي في النقد المعاصر

ظهر مفهوم الصوت النسوي في سياق تطور الدراسات النسوية التي سعت إلى تفكيك البنية الذكورية المهيمنة على الخطاب الثقافي. وقد دعت الفيلسوفة هيلين سيكسو إلى ما سمّته "الكتابة الأنثوية"، وهي كتابة تستعيد حضور المرأة داخل اللغة وتعيد تشكيل علاقتها بجسدها وتجربتها.

وتقول سيكسو في إحدى أطروحاتها النقدية:

"على المرأة أن تكتب ذاتها، لأن الكتابة هي المجال الذي يمكن أن تستعيد فيه صوتها المسلوب."

وفي السياق ذاته تشير الناقدة إلين شووالتر إلى أن الأدب النسوي يمثل مرحلة من الوعي الثقافي تسعى فيها المرأة إلى بناء خطابها الخاص بعيدًا عن القوالب التي فرضها النظام الثقافي الذكوري.

ويظهر هذا الوعي بوضوح في أعمال الكاتبة المصرية نوال السعداوي، خصوصًا في روايتها الشهيرة امرأة عند نقطة الصفر، حيث يتحول الصوت السردي إلى أداة احتجاج ضد البنية الاجتماعية التي تسلب المرأة حريتها. فالشخصية الرئيسية في الرواية لا تكتفي بسرد تجربتها، بل تعيد تشكيل اللغة نفسها بوصفها وسيلة للمقاومة وكشف العنف الرمزي الذي تتعرض له المرأة.

وهنا يظهر البعد الصوتي للنص، إذ يتجلى الصوت النسوي بوصفه خطابًا يعيد تعريف العلاقة بين الذات الأنثوية والمجتمع.

ثانيًا: الإبداع الرقمي وإعادة تشكيل الصوت النسوي

مع ظهور المنصات الرقمية، حدث تحول جذري في آليات إنتاج الخطاب الثقافي، حيث لم تعد الكتابة الأدبية محصورة في النشر الورقي، بل أصبحت جزءًا من شبكة واسعة من التفاعلات الرقمية. وقد أشار الباحث الإعلامي هنري جينكينز إلى أن الثقافة الرقمية تقوم على مفهوم المشاركة التفاعلية، حيث يصبح الجمهور شريكًا في إنتاج المعنى.

وقد استفادت الكاتبات العربيات من هذا التحول، إذ أصبح بإمكانهن نشر النصوص الأدبية والتأملات الفكرية عبر المدونات والمنصات الرقمية، ما أدى إلى تشكّل فضاء جديد للصوت النسوي.

ويتجلى هذا التحول في تجربة الكاتبة اللبنانية هدى بركات، التي تعتمد في أعمالها السردية على بنية صوتية مركبة تعكس تعدد الهويات والتجارب الإنسانية. ففي روايتها بريد الليل تتشكل الأصوات السردية عبر رسائل مجهولة الهوية، ما يخلق فضاءً سرديًا تتداخل فيه التجارب الفردية، ويظهر الصوت النسوي فيه بوصفه صوتًا يبحث عن الاعتراف والوجود.

إن هذا الشكل السردي يقترب من طبيعة التواصل الرقمي، حيث تتحول الرسائل والاعترافات إلى وسيلة لإعادة بناء الذات داخل فضاء مفتوح.

ثالثًا: الصوتيات النسوية بوصفها مقاربة تحليلية

تشير الصوتيات النسوية إلى دراسة البنية الصوتية للخطاب الأدبي الذي تنتجه المرأة، من حيث الإيقاع والنبرة واللغة الرمزية. وقد أسهم الفيلسوف ميخائيل باختين في تطوير مفهوم تعدد الأصوات في النص الأدبي، حيث يرى أن النص لا يعبر عن صوت واحد بل عن شبكة من الأصوات المتفاعلة.

ويمكن توظيف هذا المفهوم في تحليل الأدب النسوي العربي، حيث يظهر الصوت الأنثوي بوصفه جزءًا من حوار مع المجتمع والتاريخ والذاكرة.

وتبرز هذه الخاصية بوضوح في أعمال الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، خاصة في روايتها ذاكرة الجسد، حيث يتداخل الصوت الأنثوي مع صوت الذاكرة الوطنية والتجربة العاطفية. فاللغة في هذه الرواية ليست مجرد وسيلة للسرد، بل فضاء صوتي تتقاطع فيه مشاعر الحنين والاحتجاج والبحث عن الهوية.

ويظهر ذلك في الأسلوب الشعري الذي يميز كتابتها، حيث تتحول الجملة السردية إلى إيقاع لغوي يعبّر عن حساسية أنثوية خاصة، ما يمنح النص بعدًا صوتيًا يتجاوز حدود السرد التقليدي.

رابعًا: تمثلات الصوت النسوي في السرد العربي المعاصر

في الأدب العربي المعاصر، لم يعد الصوت النسوي مجرد انعكاس للتجربة الفردية، بل أصبح خطابًا نقديًا يعيد قراءة المجتمع والتاريخ.

ويتجلى ذلك في أعمال الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة، التي تقدم في روايتها باب الساحة نموذجًا للصوت النسوي المرتبط بالواقع الاجتماعي والسياسي. ففي هذا العمل تتداخل أصوات النساء مع التحولات التاريخية للمجتمع الفلسطيني، ما يجعل السرد مساحة لتوثيق التجربة الجماعية للمرأة.

إن هذا التداخل بين الخاص والعام يعكس قدرة الأدب النسوي على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب ثقافي أوسع، وهو ما يعزز حضور المرأة بوصفها فاعلًا في تشكيل الوعي الاجتماعي.

خامسًا: الصوت النسوي كأداة لتمكين المرأة معرفيًا

لا يقتصر الصوت النسوي على التعبير الجمالي، بل يتجاوز ذلك ليصبح أداة لإعادة بناء الوعي الاجتماعي بدور المرأة. وقد أكدت الفيلسوفة سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر أن المرأة لا تولد مهمشة، بل تُدفع إلى الهامش بفعل البنى الثقافية والاجتماعية.

وفي ضوء التحولات الرقمية، أصبح بإمكان المرأة أن تستعيد موقعها داخل المجال المعرفي من خلال إنتاج النصوص والمشاركة في النقاشات الفكرية عبر الفضاء الإلكتروني.

وقد أسهم هذا التحول في تعزيز حضور الكاتبات العربيات داخل المشهد الثقافي العالمي، حيث أصبحت كتاباتهن تُقرأ وتُناقش في سياقات متعددة، ما يعكس تحول الصوت النسوي إلى قوة معرفية وثقافية مؤثرة.

سادسًا: اليوم العالمي للمرأة كفضاء رمزي للصوت النسوي

يمثل اليوم العالمي للمرأة لحظة رمزية لاستحضار التحولات التي شهدها حضور المرأة في الثقافة والمجتمع. غير أن أهمية هذه المناسبة لا تكمن فقط في بعدها الاحتفالي، بل في قدرتها على إثارة النقاش حول موقع المرأة في إنتاج المعرفة والإبداع.

وفي هذا السياق يصبح الإبداع الرقمي وسيلة فعالة لتعزيز حضور المرأة، لأنه يتيح لها التعبير عن رؤيتها للعالم خارج القيود التقليدية التي فرضتها المؤسسات الثقافية.

وهكذا يتحول الصوت النسوي إلى مشروع ثقافي يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المرأة والمعرفة، وبين الإبداع والهوية.

الخاتمة

تكشف دراسة تحولات الصوت النسوي في زمن الإبداع الرقمي عن مرحلة جديدة في تاريخ الثقافة العربية، حيث أصبحت المرأة فاعلًا أساسيًا في إنتاج الخطاب الأدبي والمعرفي. ولم يعد الصوت النسوي مجرد تعبير عن تجربة فردية، بل أصبح مشروعًا ثقافيًا يسعى إلى إعادة توزيع السلطة داخل الحقل الرمزي للثقافة.

كما تظهر النماذج الأدبية النسوية العربية — من كتابات نوال السعداوي إلى أعمال أحلام مستغانمي وسحر خليفة — أن الصوت الأنثوي قادر على إعادة تشكيل اللغة والسرد والذاكرة الثقافية.

ومن هنا فإن دراسة الصوتيات النسوية تمثل مدخلًا نقديًا مهمًا لفهم التحولات التي يشهدها الخطاب الثقافي في العصر الرقمي، حيث يتقاطع الإبداع مع الهوية، ويتحول الصوت النسوي إلى قوة فاعلة في بناء مستقبل أكثر عدالة وتعددية.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

..............................

المراجع

سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر.

هيلين سيكسو، "ضحكة الميدوزا".

إلين شووالتر، نقد الأدب النسوي.

ميخائيل باختين، جمالية الرواية.

هنري جينكينز، ثقافة التقارب الإعلامي.

نوال السعداوي، امرأة عند نقطة الصفر.

أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد.

هدى بركات، بريد الليل.

سحر خليفة، باب الساحة.

 

على الاستعمار والاستحمار والاستبداد.. مقاربة حضارية ما بعد كولونيالية

"مشكلتنا... لا تكمن في عدم تطبيقنا الإسلام، بل في أننا لم نفهمهُ بعد"

مقدمة: في سياق الدراسات الحضارية ما بعد الكولونيالية، يبرز علي شريعتي 1933-1977 كمفكر رسالي نابغة، يجسد في فكره ومنهجه نموذجاً للثورة الثقافية التي تتحدى الاستعمار والاستحمار والاستبداد كأشكال مترابطة من الهيمنة الإمبريالية والداخلية. نباهة شريعتي لا تكمن فقط في قدرته على دمج التراث الإسلامي مع الأفكار الثورية الحديثة، بل في رؤيته الحضارية التي تتجاوز الإطار السياسي المباشر لتصبح مشروعاً لإعادة بناء الهوية الإنسانية في مواجهة الاغتراب الحديث. هذه الدراسة تتناول هذه النباهة من خلال مقاربة حضارية ما بعد كولونيالية، تركز على كيفية تحول الثورة الثقافية عنده إلى أداة للتحرر من الثالوث الشرير: الاستعمار الخارجي، الاستحمار الثقافي، والاستبداد الداخلي، دون الاقتصار على التحليل التاريخي، بل بتوسيع النظر إلى الدلالات الحضارية الأعمق. فمن هو على شريعتي؟ أين تمدرس؟ وبمن تأثر؟ وماهو دوره في الثورة الايرانية؟ وكيف ظل ارثه الثوري معين لا ينضب للأجيال المتعاقبة المتعطشة للتحرر والعدالة والمساواة؟ وماذا يمكن أن يقدم لنا الآن من دروس تنويرية؟

مفكر رسالي حضاري مابعد كولونيالي

"لا فرق بين الاستعمار والاستحمار سوى أن الأول يأتي من الخارج والثاني يأتي من الداخل".

يبدأ فهم نباهة شريعتي من موقعه كمفكر رسالي، أي صاحب رسالة تتجاوز الفكر النظري إلى الفعل الثوري. ولد شريعتي في إيران عام 1933، في عصر يشهد صراعاً بين الحداثة الغربية المفروضة والتراث الإسلامي المكبوت، وتأثر بتجارب الاستعمار البريطاني والأمريكي في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى حركات التحرر في العالم الثالث. نباهته تكمن في إعادة تفسير الإسلام ليس كدين جامد، بل كقوة ثورية حية قادرة على مواجهة الاغتراب الذي يفرضه الاستعمار. في رؤيته، الإسلام ليس مجرد عقيدة روحية، بل هو "دين الثورة" الذي يجمع بين التوحيد الاجتماعي والعدالة الإنسانية، مستلهماً من الشيعة الإمامية مفهوم الانتظار الثوري للإمام المهدي كرمز للقيام ضد الظلم. هذه النباهة تظهر في قدرته على نقد الحداثة الغربية كمشروع استعماري يهدف إلى تفتيت الهويات الثقافية، وفي الوقت نفسه، استلهام عناصر منها مثل الفكر الوجودي والماركسي ليدمجها في إطار إسلامي، مما يجعله رائداً في المقاربة الحضارية ما بعد الكولونيالية التي ترى في التراث المحلي مصدراً للتحرر.

الثورة الثقافية عند شريعتي هي الجوهر الذي يربط بين نباهته ومقاومة الاستعمار. يرى شريعتي أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري أو اقتصادي، بل هو عملية حضارية تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي الجماعي للشعوب المستعمرة، محولاً إياها إلى كائنات خاضعة تفقد إرادتها الذاتية. في هذا السياق، يقدم شريعتي مفهوماً حضارياً ما بعد كولونيالياً يؤكد أن الثورة الحقيقية تبدأ من الثقافة، لأنها المجال الذي يسيطر فيه الاستعمار على العقول قبل الأجساد. نباهته تتجلى في تشخيصه للاستعمار كعملية "استلاب" حضاري، حيث يفرض الغرب نموذجه الحضاري كمعيار عالمي، محتقراً الحضارات الأخرى كمتخلفة أو بربرية. لمواجهة ذلك، يدعو شريعتي إلى ثورة ثقافية تعيد اكتشاف الذات الحضارية الإسلامية، مستلهماً من فرانز فانون فكرة التحرر النفسي، لكنه يضيف البعد الروحي الإسلامي كأداة لاستعادة الكرامة. هذه الثورة ليست عنيفة فقط، بل هي تحول داخلي يبدأ بإعادة تفسير النصوص الدينية لتكون أداة للتحرير، كما في كتاباته عن "التوحيد الاجتماعي" الذي يرى فيه رفضاً للطبقية والاستغلال الاستعماري، مما يجعل مقاربته حضارية تتجاوز الدولة القومية إلى بناء حضارة إسلامية بديلة.

أما الاستحمار، فهو أحد أبرز ابتكارات شريعتي الفكرية، ويعكس نباهته في كشف الآليات الخفية للهيمنة. يعرف شريعتي الاستحمار كعملية تجهيل مقصودة تجعل الشعوب المستعمرة تفقد قدرتها على التفكير النقدي، محولة إياها إلى كائنات سلبية تتقبل الظلم كقدر محتوم. في مقاربته ما بعد الكولونيالية، يرى أن الاستحمار هو الوجه الثقافي للاستعمار، حيث يستخدم الغرب التعليم والإعلام والثقافة المستوردة لزرع الشعور بالدونية، مما يجعل الشعوب تقلد الغرب دون إدراك أن ذلك يعزز سيطرته. نباهة شريعتي تظهر في ربطه الاستحمار بالاستبداد الداخلي، إذ يصبح الحكام المحليون أدوات للاستحمار عبر ترويج ثقافة الخضوع والجهل. لمواجهة ذلك، يقترح ثورة ثقافية تعتمد على "الوعي الثوري"، مستلهماً من الشيعة مفهوم الشهادة كفعل تنويري يوقظ الجماهير. هذه الثورة حضارية بامتياز، إذ تهدف إلى بناء إنسان جديد يتجاوز الاغتراب الاستعماري، من خلال إعادة بناء التعليم والفنون والأدب كأدوات للتحرر، مما يجعل فكره يتجاوز السياسي إلى الوجودي، حيث يصبح الإنسان المستحمَر موضوعاً للتحرير الحضاري.

في مواجهة الاستبداد، تتجلى نباهة شريعتي في نقده للديكتاتورية كامتداد داخلي للاستعمار. يرى أن الاستبداد ليس مجرد نظام سياسي، بل هو حالة حضارية تكرس الاستحمار والاستعمار، حيث يتحالف الحكام المستبدون مع القوى الاستعمارية للحفاظ على سلطتهم. في مقاربته ما بعد الكولونيالية، ينتقد شريعتي الاستبداد كشكل من أشكال "الحداثة المزيفة" التي تقلد الغرب في السيطرة دون تبني قيمه الديمقراطية، مما يؤدي إلى اغتراب الشعب عن تراثه. نباهته تكمن في اقتراحه لـ"الإمامة الثورية" كبديل، مستلهماً من الشيعة فكرة القيادة الروحية التي تكون مسؤولة أمام الجماهير، لا فوقها، مما يجعل الثورة الثقافية أداة لإسقاط الاستبداد من خلال بناء وعي جماعي يرفض الخضوع. هذه الرؤية تحول الثورة من حدث سياسي إلى تحول حضاري، حيث يصبح الإسلام أداة للديمقراطية الشعبية، متجاوزاً الديكتاتورية الشرقية والاستبداد الغربي المقنع.

من منظور حضاري ما بعد كولونيالي، تكتمل نباهة شريعتي في ربطه الثورة الثقافية بالثالوث الشرير ككل. يرى أن الاستعمار والاستحمار والاستبداد مترابطة في نظام عالمي يهدف إلى تدمير الحضارات غير الغربية، وأن التحرر يتطلب ثورة حضارية تعيد بناء العالم من منظور إسلامي. نباهته تظهر في تجاوزه للثنائيات الغربية مثل الدين مقابل العلمانية، أو الثورة مقابل الإصلاح، ليبني نموذجاً هجيناً يدمج التراث مع الحداثة النقدية. هذه المقاربة تجعل فكره ذا صلة مستمرة، إذ يقدم بديلاً حضارياً للعولمة الاستعمارية، حيث تصبح الثورة الثقافية مشروعاً لإعادة صياغة الإنسانية على أسس العدالة والروحانية.

مفهوم الإمامة الثورية

"لا تقل للباطل نعم مهما كانت المصلحة"

فكرة الإمامة الثورية عند علي شريعتي تمثل إحدى أبرز الابتكارات الفكرية في سياق رؤيته للإسلام كأيديولوجيا تحررية وثورية، حيث يعيد تفسير مفهوم الإمامة الشيعي التقليدي ليصبح أداة سياسية واجتماعية لمواجهة الاستبداد والاستعمار والاغتراب الحديث. هذه الفكرة ليست مجرد إعادة صياغة للعقيدة الشيعية الكلاسيكية، بل هي تحول جذري يجعل الإمامة نموذجاً للقيادة الثورية المسؤولة أمام الأمة، لا فوقها، مستلهماً من التراث الإسلامي مع دمج تأثيرات حديثة من الفكر الوجودي واليساري والتحرري. في هذه الدراسة، سنتناول مفهوم الإمامة الثورية بشكل موسع ومعمق، مسترسلاً في أبعاده النظرية والتطبيقية ضمن إطار حضاري ما بعد كولونيالي يربط بين الروحانية والثورة الاجتماعية.

ينطلق الشهيد شريعتي من نقد الإمامة التقليدية التي تحولت، في رأيه، إلى شكل من أشكال الاستبداد الديني أو الصفوي، حيث أصبحت الإمامة رمزاً للسلطة الهرمية المقدسة التي تفصل بين القيادة والجماهير، محولة الدين إلى أداة لتبرير الظلم الطبقي والسياسي. في كتابه الشهير "الأمة والإمامة"، يعيد شريعتي تعريف الإمامة كقيادة اجتماعية ثورية ترتبط ارتباطاً عضوياً بالأمة، لا كسلطة وراثية أو روحية منفصلة. الإمام، في هذا السياق، ليس مجرد وريث نبوي ينتظر الطاعة العمياء، بل هو قائد يقود الأمة نحو تحقيق التوحيد الاجتماعي والعدالة، مستمداً شرعيته من وعي الجماهير ومسؤوليته أمامها. هذا التفسير يجعل الإمامة امتداداً للرسالة النبوية في مواجهة الشرك الاجتماعي، حيث يصبح الإمام رمزاً للثورة المستمرة ضد كل أشكال الاستعباد، سواء كان استعمارياً خارجياً أو استبدادياً داخلياً.

من الناحية الفلسفية، تكمن نباهة شريعتي في ربط الإمامة الثورية بمفهوم الانتظار الشيعي، الذي يحوله من حالة سلبية (انتظار المهدي كغيبة) إلى حالة نشطة ثورية. الانتظار عنده ليس جلوساً سلبياً، بل جهاد مستمر لإعداد الأرضية لظهور الإمام المنتظر، من خلال بناء مجتمع توحيدي خالٍ من الطبقية والظلم. هنا، يصبح الإمام الثوري نموذجاً للقيادة التي ترفض السلطة المطلقة، وتدعو إلى ديمقراطية إسلامية شعبية، حيث تكون القيادة مسؤولة أمام الأمة ومستمدة من إرادتها الجماعية. هذا التحول يتجاوز الثنائية التقليدية بين الإمامة والخلافة، إذ يرى شريعتي أن الفصل بينهما انعكاس للفكر الغربي الانتقائي، بينما في الإسلام الحقيقي لا فصل بين الدين والسياسة، فالإمامة هي أداء الرسالة الاجتماعية للنبي في تكوين الأمة ككيان موحد يسير نحو هدف مشترك وقبلة واحدة.

من الجانب الاجتماعي، تمثل الإمامة الثورية رفضاً للاستحمار والاستبداد معاً. شريعتي يرى أن الإمامة التقليدية ساهمت في تشويه الشيعة بفعل التأثيرات الصفوية، التي حولتها إلى دين سلطة يبرر الطبقية والقمع. أما الإمامة الثورية فهي عودة إلى "الشيعة العلوية" أو "الشيعة الحمراء"، التي تمثل الثورة والمقاومة والعدالة الاجتماعية، مقابل "الشيعة السوداء" أو "الشيعة الصفوية" التي تمثل الرجعية والخضوع. هذا التمييز يجعل الإمامة أداة للتحرر الطبقي، حيث يصبح الإمام قائداً يقود الشعب ضد الاستغلال، مستلهماً من كربلاء كرمز للثورة ضد الظلم، لا كمجرد حداد سنوي. في هذا الإطار، تتحول الإمامة إلى مشروع حضاري يبني إنساناً جديداً واعياً، مسؤولاً، ثورياً، يندمج في الجماعة دون أن يذوب فيها، ويحمل مسؤولية مواجهة الظلم بوعي وإرادة.

من منظور ما بعد كولونيالي، تكتمل فكرة الإمامة الثورية كبديل حضاري للحداثة الغربية والاستبداد الشرقي. شريعتي ينتقد النماذج الغربية للديمقراطية التي تخفي الاستعمار والطبقية، وينتقد كذلك الأنظمة الاستبدادية المحلية التي تقلد الغرب في القمع. الإمامة الثورية تقدم نموذجاً إسلامياً يجمع بين الروحانية والعدالة الاجتماعية، حيث تصبح القيادة امتداداً للأمة، لا عليها، وتكون مسؤولة أمام الله والشعب معاً. هذا يجعلها أداة للتحرر النفسي والاجتماعي، مستلهماً من فرانز فانون في نقد الاستعمار، لكنه يضيف البعد الإسلامي الذي يجعل الثورة ليست مادية فقط، بل روحية تحقق التوحيد في الواقع الاجتماعي.

أما في التطبيق، فإن شريعتي يرى أن الإمامة الثورية تتحقق من خلال الوعي الجماعي والثورة الثقافية، لا من خلال سلطة هرمية. الشباب والمثقفون هم الذين يحملون هذه الإمامة في مرحلة الغيبة، من خلال الجهاد الفكري والعملي لإعداد الأمة للعدالة الكاملة. هذا يجعل الفكرة ديناميكية، قابلة للتجدد في كل عصر، حيث يصبح كل فرد مسؤولاً عن تحقيق جزء من الإمامة الثورية في مواجهة الظلم المعاصر.

فكرة التوحيد الاجتماعي

"الحرب بين المسلمين ليست حرباً بين التشيع والتسنن ، ولا من أجل العقيدة ، بل هي معركة بين مصالح دول ضحيتها العوام من السنة والشيعة"

في سياق الفكر الإسلامي الثوري، يمثل مفهوم التوحيد الاجتماعي عند علي شريعتي قمة النباهة الفلسفية والاجتماعية، حيث يتجاوز التوحيد كونه عقيدة دينية مجردة ليصبح أساساً لنظام حضاري يحرر الإنسان من كل أشكال الشرك الاجتماعي والسياسي. هذا المفهوم، الذي طوره شريعتي في سياق مواجهة الاستعمار والاستبداد، يعكس رؤية حضارية ما بعد كولونيالية تربط بين الوحدة الإلهية والوحدة الإنسانية، محولاً التوحيد إلى أداة للثورة الاجتماعية التي تهدف إلى بناء مجتمع عادل خالٍ من الطبقية والاستغلال. في هذه الدراسة، سنتوسع في أفكار التوحيد الاجتماعي من خلال استكشاف أبعاده النظرية والتطبيقية، مع التركيز على كيفية تحويله من مبدأ روحي إلى مشروع تحرري يواجه الاغتراب الحديث، مستلهماً من التراث الإسلامي ومدمجاً مع النقد الاجتماعي المعاصر.

يبدأ توسع شريعتي في فكرة التوحيد الاجتماعي من إعادة تفسير التوحيد الإسلامي كديالكتيك حضاري يجمع بين الجانب الروحي والاجتماعي. في رؤيته، التوحيد ليس مجرد إعلان وحدة الله، بل هو رفض لكل أشكال الشرك، سواء كان شركاً دينياً أو اجتماعياً. هنا، يقدم شريعتي مفهوماً معمقاً يرى في التوحيد "التوحيد الاجتماعي" كتجسيد للوحدة الإنسانية، حيث يصبح المجتمع الموحد في المساواة والعدالة مرآة للوحدة الإلهية. هذا التوسع يعتمد على ديالكتيك يربط بين الإثبات الإلهي والنفي الاجتماعي: إثبات وحدة الله يعني نفي كل قوى بشرية تفرض سلطتها على الإنسان، سواء كانت طبقات حاكمة أو قوى استعمارية. في هذا السياق، يصبح التوحيد الاجتماعي أساساً لنقد الرأسمالية والاشتراكية المادية، إذ يرى شريعتي أن كل نظام يقسم المجتمع إلى طبقات هو شكل من أشكال الشرك، حيث يعبد الإنسان قوى أخرى غير الله، مثل المال أو السلطة. هذا التوسع يجعل التوحيد ليس عقيدة فردية، بل مشروعاً جماعياً يدعو إلى بناء مجتمع يعكس الوحدة الكونية، مستلهماً من قصة قابيل وهابيل كرمز للصراع الأبدي بين التوحيد (العدالة) والشرك (الاستغلال)، حيث يمثل قابيل الطبقة المالكة التي تقتل الإنسانية، وهابيل الشعب المضطهد الذي يقاوم.

من الناحية الفلسفية، يعمق شريعتي أفكار التوحيد الاجتماعي بجعله ركيزة للتحرر الإنساني من الاغتراب الحديث. في مواجهة الحداثة الغربية، التي يراها شريعتي كمشروع استعماري يفرض نموذجاً إنسانياً مشوهاً يقوم على الإلحاد أو الشرك المقنع، يقدم التوحيد الاجتماعي كبديل حضاري يعيد الإنسان إلى مركزه كخليفة الله على الأرض. هذا التوسع يتجاوز الديني ليشمل النقد الوجودي، حيث يرى أن الإنسان في عالم التوحيد يخاف قوة واحدة فقط ويجيب أمام قاضٍ واحد، مما يحرره من الخضوع للسلطات البشرية. هنا، يدمج شريعتي تأثيرات من الفكر الوجودي مثل سارتر وهيدغر مع التراث الشيعي، حيث يصبح الانتظار للإمام المهدي شكلاً من الانتظار الثوري الذي يحول التوحيد إلى فعل اجتماعي. التوحيد الاجتماعي، في هذا السياق، هو لاهوت تحرير يربط بين الروحانية والمادية، حيث يصبح الإيمان بالله دافعاً للثورة ضد الظلم، ويصبح المجتمع المثالي مجتمعاً توحيدياً يقوم على المساواة، لا على التنافس أو الاستغلال. هذا العمق يجعل التوحيد ليس مجرد عقيدة، بل نموذجاً حضارياً ينتقد الإنسانية الحديثة كشكل من أشكال الشرك الذي يقدس التقنية والاقتصاد على حساب الروح الإنسانية.

أما من الجانب السياسي، فيتوسع شريعتي في أفكار التوحيد الاجتماعي ليجعله أساساً للثورة ضد الاستبداد والاستعمار. في رؤيته، الاستبداد الداخلي هو امتداد للشرك الاجتماعي، حيث يصبح الحاكم إلهاً مزيفاً يفرض سلطته على الشعب، محولاً المجتمع إلى عبيد. هنا، يصبح التوحيد الاجتماعي دعوة للتمرد، حيث يرمز إلى تحرر الإنسانية من أي قوة اجتماعية غير الله، مما يجعل الثورة واجباً دينياً. هذا التوسع يربط بين التوحيد والعدالة، إذ يرى أن المجتمع التوحيدي هو مجتمع خالٍ من الطبقات، حيث يصبح الجميع متساوين أمام الله، وبالتالي أمام بعضهم البعض. شريعتي يعمق هذه الفكرة بجعلها جزءاً من الثورة الثقافية، حيث يجب على الشعوب المستعمرة أن تعيد اكتشاف توحيدها الاجتماعي لتقاوم الاستحمار الثقافي الذي يزرع الشعور بالدونية. في هذا السياق، يصبح التوحيد أداة للتحرير الشامل، مستلهماً من حركات التحرر في العالم الثالث، لكنه يضيف البعد الروحي الذي يجعل الثورة ليست مادية فقط، بل حضارية تستهدف بناء عالم جديد يعكس الوحدة الإلهية في الوجود الاجتماعي.

كذلك، يمتد التوسع في أفكار التوحيد الاجتماعي إلى البعد الثقافي والتربوي، حيث يرى شريعتي أن التعليم والثقافة هما المجالان الرئيسيان لزرع بذور التوحيد. في مواجهة الاستحمار، الذي يجعل الشعوب تفقد قدرتها على التفكير النقدي، يقترح شريعتي ثورة ثقافية تعتمد على التوحيد الاجتماعي كأساس للوعي الجماعي. هذا التوسع يعمق الفكرة بجعل التوحيد أداة لإعادة بناء الهوية الثقافية، حيث يصبح الإنسان الموحد اجتماعياً إنساناً حرّاً يرفض التقليد الأعمى للغرب، ويبني حضارته على أسس إسلامية متجددة. هنا، يصبح التوحيد نموذجاً للتحرر النفسي، مستلهماً من فرانز فانون، لكنه يضيف الجانب الديني الذي يجعل التحرر ليس فردياً بل جماعياً، يؤدي إلى مجتمع يعيش الوحدة في كل جوانب الحياة، من الاقتصاد إلى السياسة. هذا العمق يجعل التوحيد الاجتماعي مشروعاً حضارياً يتجاوز الإصلاح المؤقت إلى التحول الجذري، حيث يصبح كل فرد مسؤولاً عن تحقيق الوحدة الاجتماعية كامتداد للوحدة الإلهية.

خاتمة

"إذا لم يكن الناس على وعي وثقافة قبل الثورة، فلا يلوموا أحداً حينما تُسرق ثورتهم ."

في نهاية المطاف، يمثل توسع علي شريعتي في أفكار التوحيد الاجتماعي نقلة نوعية في الفكر الإسلامي، حيث يحول التوحيد من عقيدة روحية إلى أساس حضاري للثورة والتحرر. هذا التوسع، الذي يربط بين الديالكتيك الروحي والاجتماعي، يقدم نموذجاً لمواجهة الاغتراب الحديث، مؤكداً أن التوحيد الاجتماعي هو الطريق لبناء مجتمع عادل يعكس الوحدة الكونية، وأن الثورة الحقيقية تبدأ من إعادة اكتشاف هذه الوحدة في مواجهة كل أشكال الشرك والظلم. هذه الأفكار ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية تدعو إلى فعل يغير الواقع الاجتماعي نحو عالم أفضل، مستمداً قوته من جذور الإسلام الثوري.

كما، تمثل فكرة الإمامة الثورية عند علي شريعتي نقلة نوعية في الفكر الإسلامي المعاصر، تحول الإمامة من عقيدة روحية إلى مشروع ثوري حضاري يواجه الاستعمار والاستبداد والاستحمار. هي دعوة لقيادة اجتماعية مسؤولة، مرتبطة بالأمة، تهدف إلى بناء مجتمع توحيدي عادل، يعكس الرسالة النبوية في عصرنا. هذه الفكرة ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية ألهمت أجيالاً في مواجهة الظلم، مؤكدة أن الإمامة الحقيقية هي الثورة المستمرة نحو العدل والحرية، مستمدة قوتها من التراث الإسلامي الثوري ومن الوعي الإنساني المعاصر.

ربما، نباهة علي شريعتي كمفكر رسالي تكمن في تحول الثورة الثقافية إلى سلاح حضاري ضد الاستعمار والاستحمار والاستبداد، من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية ترى في الإسلام مصدراً للتحرر العالمي. هذه النباهة ليست نظرية مجردة، بل رسالة حية تدعو إلى بناء حضارة جديدة تتجاوز الاغتراب الحديث، مؤكدة أن الثورة الحقيقية تبدأ من الوعي الثقافي وتنتهي بإعادة تشكيل العالم على أسس التوحيد والعدالة. فالي أي مدى تسير الأحداث الجارية في المنطقة الإسلمية وفق ما تنبأ به هذا المفكر الرسالي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

  مدخل: من هو المثقف التكتيكي؟

قبل تتبع التحولات التي مرّ بها المشهد الثقافي العراقي عبر الحروب والانكسارات السياسية، يصبح من الضروري توضيح المقصود بالمثقف التكتيكي. هذا المصطلح يشير إلى نمط من الفاعلين في الحقل الثقافي يتعامل مع المعرفة والخطاب العام بوصفهما أدوات للتموضع داخل موازين القوة المتغيرة. اهتمامه الأول ينصرف إلى حماية موقعه الشخصي داخل شبكة الاعتراف والامتياز، ولهذا يقرأ التحولات السياسية قراءة عملية تحكمها حسابات الربح والخسارة أكثر مما تحكمها القناعات الفكرية المستقرة.

المثقف التكتيكي يطوّر مع الزمن قدرة واضحة على المناورة الخطابية. يراقب اتجاه الرياح السياسية، ويعيد صياغة لغته بما يتلاءم مع المرحلة. يحتفظ بمسافة رمادية في كثير من المواقف تسمح له بإعادة تفسير أرشيفه عندما تتغير الظروف. هذه المرونة تمنحه قدرة على الانتقال من خطاب إلى آخر دون قطيعة حادة مع ماضيه، كما تتيح له الاستمرار داخل المجال العام مهما تغيّرت المراكز التي تمنح الشرعية الثقافية.

هذا النمط يظهر غالبًا في البيئات السياسية غير المستقرة، حيث تتبدل السلطات وتتشكل شبكات نفوذ متنافسة حول مؤسسات الثقافة والإعلام. في مثل هذه البيئات يتحول الاصطفاف إلى مورد رمزي قابل للاستثمار، ويصبح القرب من مركز القوة طريقًا سريعًا نحو المنابر والفرص. هنا يتشكل ما يمكن وصفه بالمثقف الحرباوي، وهو المثقف الذي يتقن التكيّف مع السياق السياسي ويحوّل التحولات الكبرى إلى فرص لإعادة التموضع داخل الخريطة الثقافية.

من هذا التعريف يمكن فهم تقلبات المثقف التكتيكي عبر المراحل التاريخية المختلفة في العراق. الحروب والتحولات السياسية التي بدأت مع الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بمرحلة الحصار بعد 1991، ثم التغير الجذري بعد 2003، وصولًا إلى التوترات الإقليمية الراهنة، شكلت سلسلة من المحطات التي أعادت رسم المجال الثقافي مرارًا.2485 pols

من التعبئة إلى التكيّف

مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية دخل المجال الثقافي العراقي مرحلة تعبئة واسعة. الحرب الطويلة حوّلت الأدب والإعلام إلى جزء من خطاب الصمود الوطني، وشارك كثير من الشعراء والكتاب في إنتاج نصوص تعبويّة تدعم سردية المواجهة. المؤسسات الثقافية الرسمية كانت المنبر شبه الوحيد المتاح، ولذلك ارتبط الحضور الثقافي بدرجة الانخراط في خطاب التعبئة. في هذا المناخ وجد المثقف التكتيكي فرصة لتعزيز موقعه عبر الاندماج في السردية السائدة، حيث أصبح الخطاب المساند للحرب طريقًا واضحًا نحو الاعتراف المؤسسي والظهور.

انتهاء الحرب لم يغلق هذا المسار. أزمة الكويت وما تلاها من حرب عام 1991 أدخلت العراق في مرحلة الحصار الاقتصادي الطويل. تلك السنوات فرضت واقعًا ثقافيًا ضيقًا تتحكم به مؤسسات محدودة. كثير من المثقفين طوّروا خلال هذه المرحلة أسلوبًا حذرًا في الكتابة والكلام. المثقف التكتيكي تعلّم إدارة خطاب مزدوج؛ لغة علنية تنسجم مع المناخ السياسي القائم، ومسافة داخلية تسمح بإعادة تأويل الماضي عندما تتغير الظروف. الحصار الاقتصادي جعل البقاء داخل المؤسسات الثقافية الرسمية أحد أشكال النجاة الاجتماعية، الأمر الذي عمّق ثقافة المسايرة لدى بعض الفاعلين في الحقل الثقافي.

الانعطاف الكبير بعد 2003

جاءت اللحظة المفصلية التالية مع غزو العراق وسقوط النظام السياسي السابق. انهيار المركز السياسي فتح المجال لصعود قوى جديدة وهويات سياسية متنافسة. المجال الثقافي دخل مرحلة إعادة تشكل واسعة، ووجد كثير من المثقفين أنفسهم أمام واقع مختلف تمامًا عن المرحلة السابقة.

في هذا السياق برز بوضوح نموذج المثقف المرتبط بالانتماء السياسي أو الطائفي. المنابر الإعلامية والمؤسسات الثقافية الجديدة ارتبطت غالبًا بجهات حزبية أو شبكات نفوذ مختلفة. المثقف التكتيكي قرأ هذه الخريطة بسرعة، وأعاد صياغة موقعه وفق التوازنات الجديدة. بعض المواقف القديمة أُعيد تفسيرها، وبعض الخطابات تغيرت لغتها لتنسجم مع السياق الجديد.

خلال العقدين التاليين ترسّخ هذا النمط مع تشكّل نظام سياسي متعدد المراكز. التمويل الثقافي والإعلامي أصبح مرتبطًا غالبًا بشبكات حزبية أو مؤسسات مدعومة سياسيًا. في هذه البيئة تحوّلت القدرة على قراءة موازين القوى إلى مهارة أساسية للبقاء في المشهد الثقافي. المثقف التكتيكي أتقن إدارة المسافة بين المراكز المختلفة، محافظًا على مساحة تسمح له بالانتقال بين الخطابات دون أن يفقد حضوره بالكامل.

لحظة الاهتزاز

التحولات الإقليمية والتوترات السياسية في السنوات الأخيرة تفتح فصلًا جديدًا في هذه السلسلة. في لحظات الاضطراب الكبرى يعاد ترتيب التحالفات وتُختبر شبكات النفوذ القائمة. إذا انهارت بعض المراكز فجأة، يتصدّع أولًا الصورة التي بُنيت عليها شرعية كثير من المثقفين المرتبطين بها.

المثقف الذي استمد حضوره من شبكة محددة يجد نفسه أمام فراغ رمزي واضح. بعضهم يسعى إلى إعادة سرد تاريخه الثقافي بطريقة تمنحه مسافة عن الاصطفافات السابقة، وبعضهم يبحث عن شبكة جديدة تمنحه الحماية الرمزية نفسها. آخرون يختارون الصمت المؤقت بانتظار استقرار الخريطة السياسية.

مع كل تحول كبير تتكشف الفروق بين استراتيجيات المثقفين في إدارة علاقتهم بالسلطة والمجتمع. بعض الانتهازيين يسقطون لأنهم ربطوا أنفسهم بمركز قوة واحد، وعندما يتراجع ذلك المركز تتراجع معهم شرعيتهم الرمزية. آخرون ينجون لأنهم احتفظوا دائمًا بمسافة تسمح بإعادة التموضع. في المقابل يظهر المثقف الذي دفع ثمن استقلاله في مراحل سابقة، وقد يجد نفسه فجأة في موقع قوة رمزية لأن الاتساق يصبح قيمة نادرة في زمن التقلبات.

ما الذي يبقى في الذاكرة؟

المشهد الثقافي العراقي عبر هذه العقود يوضح أن التحولات السياسية لا تغيّر الأنظمة فقط، بل تعيد تشكيل صورة المثقف ودوره في المجتمع. الحروب الطويلة والانهيارات السياسية المتتالية أنتجت بيئة سمحت بظهور المثقف التكتيكي بوصفه فاعلًا يجيد التكيف مع موازين القوة المتبدلة.

مع مرور الوقت تعيد الذاكرة الثقافية تقييم هذه الأدوار. بعض الأصوات التي ارتبطت بمراكز نفوذ عابرة يتراجع حضورها مع تراجع تلك المراكز، بينما تحتفظ الأصوات التي حافظت على قدر من الاتساق بقدرة أكبر على الاستمرار. في نهاية المطاف يبقى السؤال الذي يواجه كل مثقف في لحظة التحول: أي صورة يريد أن يحملها عندما يهدأ الغبار وتبدأ كتابة الذاكرة.

***

بولص آدم

كان الاسم الأوّل الذي إختير لتخليد هذه الذكرى هو «اليوم العالمي للمرأة العاملة» وذلك قبل أن يُعتمَد في الأمم المتحدة بصفة رسمية في الثامن من شهر مارس عام 1975 التي دعت الدّول الأعضاء فيها إلى الإحتفال بهذا اليوم. ومن ثمّ أصبحت نساء العالم تحتفل كلّ عام إحياءً بمبادرة الأمم المتحدة كخطوة جريئة لإقرار مساواة تامّة، ومُنصفة بين الجنسيْن، ورفع الوعي السّياسيّ، والاجتماعيّ في شؤون، وأموروقضايا المرأة، ومكتسباتها، وحقوقها، وتسليط الأضواء الكاشفة على المشاكل، والمشاغل، والصّعاب التي كانت وما زالت تعاني منها المرأة إلى يومنا هذا في مختلف أنحاء العالم.

مغزى ومعنى هذا الإحتفال

هذه الذكرى في الواقع هي تتويج لقضايا المرأة المناضلة، والمثابرة، والمكافحة، كما أنها تتويج لنضال النساء منذ عقود من أجل المشاركة في المجتمع والإسهام فيه على قدم المساواة مع الرّجل. وإذا عدنا إلى التاريخ نجد أنه في بلد اليونان القديمة كانت هناك امرأة تسمّى «ليستراتا» شنّت إضراباً موسّعاً ضدّ الرّجال من أجل وضع حدٍّ للصّراعات، والمواجهات وإنهاء الحروب والمظالم التي كانت تلحق بالمرأة فى ذلك الإبّان؛ ومن النساء الشّهيرات في الأدب، والأساطير، والمرويّات والتراث العربي بشكلٍ عام اللّائي تجاوزن الرّجالَ حكمةً، وذكاءً، وفطنةً، ودهاءً، نذكر منهنّ على سبيل المثال وليس الحصر: شهرزاد (التي تعتبر بدون منازع من حيث رمزيتها العميقة والبعيدة الغورمنقذة بنات جنسها)، وزرقاء اليمامة، وكليوباترة، والخنساء، وولاّدة بنت المستكفي صاحبة الشاعر الاندلسي الذائع الصّيت ابن زيدون، وشجر الدرّ، وزنّوبيا، والستّ الحرّة حاكمة تطوان، وفاطمة الفِهرية مؤسِّسة أقدم جامعة في العالم وهي جامعة القروييّن بمدينة فاس العريقة وسواها وما أكثرهنّ. وكما هو معروف هناك العديد من النساء في الغرب اللاّئي أدركنَ مراتبَ عليا من الشّهرة، والذيوع في مختلف المجالات، وفي خضمّ الثورة الفرنسية، نظمت النساء الباريسيّات تجمعات كبرى للدّعوة لـتحقيق المزيد من «الحرية والمساواة، والأخوّة» حيث نظّمنَ مسيرات حاشدة إلى قصر فرساي للمطالبة بحقّ المرأة في الاقتراع. وظهرت فكرة يوم المرأة العالمي لأوّل مرّة في أواخر القرن التاسع عشر، ومستهلّ القرن العشرين حيث واكب نضال المرأة المستمرّ والمتواصل خلال هاتين الحقبتين تطوّر صناعي موسّع، واضطرابات، وقلاقل، حيث عرف المجتمع نموّاً ديموغرافياً كبيراً وموسّعاً، وظهرت أيديولوجيات وأفكار راديكالية جديدة. وعلى إثر الإضرابات، والاحتجاجات النسائية التي حدثت في الثامن من مارس من عام 1908 حيث تظاهرت الآلاف من العاملات اللائي كنّ يشتغلن في مصانع النسيج في مدينة نيويورك، بسبب الظروف الصّعبة غير الإنسانيّة التي كنّ يعملن فيها، وللمطالبة بمنح النساء حقّ الاقتراع، وخفض ساعات العمل الطويلة، ةتحسين الدخل الهزيل الذي كنّ يتقاضينه في ذلك الوقت ووقف تشغيل الأطفال القاصرين، وقد أطلقن على حملتهن الاحتجاجية اسم «خبز وورود» حيثُ حملن قطعاً من الخبز اليابس، وباقات من الورود خلال هذه التظاهرات.(أنظر الصّورة المرفقة بهذا المقال).

تحرّر المرأة

كتب الباحث الرّوماني «أوجِينْ وِيبَرْ» المعروف بتخصصه في التاريخ الفرنسي يقول إنّ «شارل بيغوي» يَرَى أنّ العالمَ قد تغيّر في الحقبة الزّمانية المحصورة بين القرنين المنصرمين، أكثر من الفترة الزمانية الممتدّة من ولادة السيّد المسيح عليه السلام حتى عصرنا الحاضر. ربما يبدو هذا الحُكم مُبَالَغاً فيه نوعاً مّا، إلاّ أنّ الباحث الروماني الآنف الذكر يبرّر ذلك بكلّ بساطة عندما يذكر لنا أنّه في الحقبتيْن الموالييْن لنهاية القرن الفارط، كان صاحبُ هذا القول شاهداً على كثير من التغيّرات، والتطوّرات والمُستجدّات التي طرأت على مختلف وسائل الحياة، والأنشطة، والتقنيات، التي كانت تطبع بشكل واضح مظاهر الحياة اليوميّة في ذلك الإبّان، ففي ذلك العصر ظهرت السّينما، والسيّارة، والعديد من المُخترعات الأخرى، وأمكن إستغلال وقت الفراغ بشكل جيّد، الحركة، الأخبار، الرّياضة، الأنشطة المُبتكرة، وسواها من مظاهر الحياة اليومية الأخرى، كلّ ذلك كانت له أصول، وتأثيرات مباشرة وفعّالة على التغيير الجذري الذى عرفه عالمُنا المعاصر كذلك اليوم في هذه المجالات برمّتها، وفى سواها من مظاهر ت ومرافق الحياة. عرّض «أوجين ويبر» في ذات الإتّجاه للتغيير الهائل والملحوظ الذي عرفته المرأة على وجه الخصوص في خضمّ هذه التطوّرات التي بدأت تطرأ على المجتمع الجديد، حيث كانت القوانين الغربية في ذلك الوقت تعتبر المرأة مخلوقاً ناقصاً، وفي هذه الفترة مثلاً تمّت الموافقة لأوّل مرّة بأن تكون المرأة صالحةً لأداء الشّهادة في المحاكم، وبدأت تظهر بالتالي إرهاصات لبداية تحرّرها وإنفتاحها على المجتمع، وفكّ بعض القيود عنها فيه. ولابدّ أنّ القارئ يعرفُ جيّداً أنّ مجتمعاتٍ أخرى تُنْعَتُ بالمتأخّرة ظلماً وعدواناً وبهتاناً، وغير المتمدينة لم تضع المرأةَ في هذا الموضع من السّخرية والإزدراء!. ويُخبرنا هذا الكاتب أنه في هذه الحقبة أيضاً أمكن للمرأة لأوّل مرّة أن تفتح حساباً مصرفيّاً خاصّاً بها في البنوك، وسُمح لها أن تحصل على درجات جامعية عليا مثل الدكتوراه. وحتى عام(1900) فقط سُمِح للمرأة لأوّل مرّة كذلك في فرنسا الإلتحاق بكلية الحقوق كباقي زملائها الرجال، ويقول الكاتب إنه مع هذا التغيير الجذري الذى طرأ على وضعية المرأة، ومع الإعتبار الجديد الذى أصبح يُمْنَح لها وَقعَ أو طرأ تغيير كبير من نوعٍ آخرعلى «الموضة» (أي على طرائق، وأساليب، وتقاليع، ومبتكرات، وإتيكيت، وتفنّن لبس المرأة، وزينتها، وتطريتها " الماكياج" !). حيث أصبح رداء المرأة بسيطاً يخلو من التعقيدات الهجينة، والأنسجة الفضفاضة المبالغ فيها، والبَهْرَجة المتوارثة التى كان يفرضها عليها العصر، وتقيّدها بها التقاليد. وعلى الرّغم من التقدّم الهائل الذي أحرزته المرأة في مختلف المجالات في عصرنا الحاضر، فإنها ما زالت – مع ذلك- في نظر البعض تلك « الإلزَا تريوليه» مُلهِمة الكاتب الفرنسي المعروف الفرنسي «لويس أراغون»، ذات العيون السّاحرة التي يتوق إليها كلّ شاعر، أو أديب، أو فنّان، أو مبدع ليستلهمَ من سحرعيونها، وحدّة ذكائها، وروعة دهائها، ورقّة دلالها، وطلاوة عذوبتها، وتواترعذاباتها، موضوعاتٍ جميلة، وآسرةً لشِعْره، وفِكْره، وفنِّه، وأدبِه، وإبداعاتِه على اختلاف ألوانها أشكالها وأصنافها.

أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والمرأة

ما زالت المرأة- في عُرف البعض – ذلك المخلوق القويّ، الضعيف الذي هو في حاجة دائماً إلى كلمات الإطراء، والإعجاب، والثناء والإطراء، والإبهار، والإكبار، وقد عِيبَ على أمير الشعراء أحمد شوقي كونه وضع المرأةَ هو

الآخر في تلك الخانة الضّيقة التي تظلّ فيها ومعها توّاقةً إلى الثناء، : شغوفةً بالإنبهار، إذ قال فيها أو عنها :

خدعوها بقولهم حَسناءُ / والغواني يَغرّهنّ الثناءُ..

نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ / فكلامٌ فمَوْعِدٌ فلقاءُ.. !

وقال عنها شاعر النبيل الرقيق حافظ إبراهيم بشكلٍ مغاير:

الأمّ مدرسة إذا أعددتها ... أعددتَ شعباً طيّبَ الأعراق .

فردريك نيتشه وريشارد فاجنر والمرأة

كان الفيلسوف الغريب الأطوار فردريك نيتشة يقاسمُ مُعاصرَه الموسيقار الشّهير ريتشارد فاغنر حبّ الغادة الإيطالية لُوسَالُومِي ذات الحُسْن الباهر، والجمال الظاهر، فالأوّل كان يمثّل بالنسبة لها الصّرامةَ، والشّهامة، والجديّة (الفلسفة والعقل أو الفكر الخالص)، وكان الثاني يمثل العاطفةَ المتأجّجة، والرقّة والعذوبة، والخيال المُجنّح (الموسيقى والقلب أو العاطفة) وبعد حيرة وقلق وتردّد بين هاذين العبقريين مالَ، وإزورّ قلبُ الفتاة الحسناء أخيراً إلى فاغنر فأحبّته دون نيتشة، فشَعَر هذا الأخير بغيرة شديدة، فكان من فرط غيظه وغضبه يصعد إلى غرفة صغيرة منزوية توجد في سطح منزله ويحزّ أصابعَه بسكّين حادّ حتّى تُدْمىَ أناملُه، وبعد ذلك، عندما حاق به اليأس، وأخذ منه الإحباط كلّ مأخذ في الظفر بحبّ وقلب معشوقته لوسالومي، قال معلّقاً على هذا الحدث الذي أثّر في حياته تأثيراً بليغاً قولتَه الشّهيرة التي ما فتئ العشّاقُ، والمُحبّون، والمتيّمون الذين لم يظفروا بقلب معشوقاتهم يردّدونها إلى اليوم، قال ساخراً، متهكّماً، مُزدرياً، مُنتقصاً من قيمة الموسيقار فَاغْنر : لقد حلّق طائرٌ في سماءِ حبّي، وإختطفَ الملاكَ الذي أحببت، ولكنّ عزائي الوحيد أنّ هذا الطائر لم يكن نِسْراً..!

وراء كلّ عظيم إمرأة!

ويرى كثيرون أنه ما من نجاح، أو فلاح، أو تطوّر، أو تغيّر، أو قفزة، أوطفرة إيجابية في تاريخ البشرية، وفى مسار الناس، والحياة، والبشر إلاّ وكان للمرأة دخل أو يد فيها، ولولا ذلك لما قال " نابليون" قولته الشهيرة في المرأة.. (وراء كلّ عظيم إمرأة).. ! ولما قال هو كذلك في السّياق نفسه : (إنّ التي تهزّ المهدَ بيسارها، تحرّك العالمَ بيمينها)! ولولا ذلك للمرّة الثالثة، لما قال "باسكال" عن كليوباترة: (لو كان أنفها مستقيماً لتغيّر وجه التاريخ).. ! وحمداً الله لأنّ أنفها من حسن الحظّ كان مُحْدوْدَباً، نوعاً مّا، ولم يكن مستقيماً، ولذلك لم يتغيّر وجهُ التاريخ ..!

مباريات الجمال..!

بعد المعارك الضارية التي خاضتها المرأة عن جدارة، وأهليةٍ، وإستحقاق بحثاً عن ذاتها، ونفسها، وعزّتها، وكرامتها، وشخصيتها، ومساواتها، وحقوقها المشروعة، قرّرت منذ زمن غير قريب أن تخرج بهذه المعارك الطاحنة من حيّزها الضيّق إلى مجال أوسع، وفضاء أرحب في مختلف أرجاء المعمور ..عندئذٍ خلقت لنفسها أحقاداً، وخصوماً، وأعداء ومتوجّسين، ومناهضين لها في كلّ مكان. وإستخفافاً بها، وإستهتاراً بأنوثتها، وإنتقاصاً من ألمعيتها نصُبوا لها الكمائنَ، وفرشوا لها المكائدَ، فأوجدوا ما يسرّ الأغلبية السّاحقة الماجنة، ويغضب الأقلية القليلة العاقلة .. بتنظيم ما يُسمّى بمباريات أو مسابقات ملكات جمال العالم!. وأيُّ خداعٍ يكتنف هذه الكلمة، ذلك أنّه ليس من اليُسْر والسّهولة أن يُعرِّفَ الإنسانُ الجمالَ !، فقد حار في تعريفه حتى كبار الفلاسفة، والمفكّرين، والشعراء، والأدباءعلى مرّ العصور، وتعاقب الدهور. ونصب هؤلاء المنظّمون على المنصّة شرذمة من السّكارى والصعاليك لتقول: إنّ الجمالَ هو طولُ القِوام، وهيَافةُ الخَصْر، وبروزُ النّهدين، وتناسقُ الأرداف، ورشاقةُ السّيقان، ولمعانُ الشّعروإنسداله وإنسيابه.. !، والتعرّف على عواصم فرنسا، وبريطانيا، واليونان، واليابان..! والفائزة منهنّ في تلك المسابقات المخزية تُتَوَّجُ بتاجٍ من الذّهب الخالص الإبريز المرصّع بالماس والزمرّد، ويوشّح صدرُها بقلادة غالباً ما تكون مطرّزة بالماس أيضاً. وعلاوةً عمّا تقدّم يوهب لها مبلغ كبير من المال نظير جمالها.. !، ناهيك عن الشّهرة الواسعة التي تنتظر الفائزة المحظوظة من إبرام لعقود الدّعاية، والماركتينغ، والإشهاروالسُوشل ميديا، والسينما، والتلقزيون .

ترّهات وخزعبلات

مع ذلك مازلنا نقرأ هنا وهناك بعض الترّهّات، والخُزعبلات حول المرأة من كلّ نوع، فما بالك بالقائل – حتى وإن كان كلامُه مردوداً عليه – عندما يقول: " المرأة أصناف، ونماذج، إنها في حيرة من أمرها، فالتي ترتدي الميني متصابيّة، والتي ترتدي الماكسي مُعقّدة، والتي ترتدي الميدي مُعتدلة، والتي ترتدي البنطلون مُسترجلة، والتي ترتدي الشورتْ إمرأة لعوب "، إلاّ أننا نعود بعد كل ذلك وذاك لنذكّر في ختام هذه العُجالة بقول الشاعر القديم: (إِذا المَرءُ لَم يدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ/ فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ) . وكلّ عامٍ وأمّهاتنا، وزوجاتنا، وأخواتنا، وبناتنا، وشاعراتنا وأديباتنا، وعاملاتنا، وشرطياتنا، ووزيراتنا بألف خير.!.

***

د.محمد محمد الخطابي - كاتب وباحث ومترجم من المغرب

في المثقف اليوم