عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

النزوح.. حين يقُتلع الإنسان من جذوره الثقافية

ليست الحرب في جوهرها تبادلًا لإطلاق النار بين متحاربين، ولا هي مجرد صراع على الحدود أو الثروات أو السلطة، بل هي قبل كل شيء ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد، تهدم عالم الإنسان الداخلي قبل أن تهدم المدن والقرى، وتعيد تشكيل المجتمع بأسره على نحو قد يمتد أثره إلى أجيال لم تشهد الحرب نفسها. فالرصاصة قد تقتل إنسانًا، أما الحرب فإنها تغيّر معنى الحياة، وتبدل خرائط الذاكرة، وتقتلع الناس من أمكنتهم كما تُقتلع الأشجار من جذورها.

تداعت إلى ذهني تلك الخاطرة وأنا أستمع، إلى محاضرة الباحثة ريم برو بعنوان “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح: قراءة في سوسيولوجيا الحرب”، في غرفة 19 الثقافية، وأدارتها الأستاذة إخلاص فرانسيس بكفاءة واقتدار. إذ لم تكن المحاضرة عرضًا أكاديميًا جافًا، بل كانت شهادة إنسانية نابضة بالحياة عن تجربة شخصية مرت بها الباحثة ريم النازحة من جبل لبنان إلى بيروت بعد إن شاهدت بإم عينيها بيت العائلة الكبير وقد صار أثرا بعد عين🥲 مع ريم امتزج التحليل العلمي بالتجربة الشخصية، فبدت السوسيولوجيا وهي تنصت إلى نبض الإنسان لا إلى الأرقام وحدها فالحرب لا تغيّر الحكومات فقط، وإنما تغيّر العائلات، والذاكرة، والهويات، وأنماط التضامن، وصور الخوف، وحتى اللغة التي يتحدث بها الناس عن أنفسهم وعن الآخرين. إنها تعيد إنتاج المجتمع على صورة الألم إذ ليس من السهل على إنسان أن يقتلع جذوره من أرضه الأولى، حيث الطفولة والذكريات واللغة والبيوت والقبور والأصدقاء. فالوطن ليس مجرد قطعة جغرافيا، بل هو ذاكرة وهوية وشعور عميق بالانتماء. ومع ذلك نرى ملايين البشر في عالمنا العربي يتركون أوطانهم بحثًا عن مكان آخر يمنحهم الأمان والكرامة وفرصة العيش الكريم والسبب في ذلك يعود في جوهره إلى غياب الدولة بمعناها الحقيقي.

ويعد النزوح ابرز نتائج الحرب السوسيولوجية فكثيرًا ما ننظر إلى النازح بوصفه إنسانًا غادر بيته، بينما الحقيقة أن النزوح أعمق من الانتقال من مكان إلى آخر؛ إنه اقتلاع الإنسان من شبكة كاملة من المعاني والعلاقات. فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا، بل تاريخ من الذكريات، وروائح الطفولة، وأصوات الجيران، وأسماء الموتى الراقدين في المقابر القريبة، والأشجار التي كبرت مع أصحابها، والطرقات التي تحفظ وقع خطواتهم. ولذلك فإن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تهدم البيوت فقط، بل تهدم الإحساس بالانتماء.

وأنا أستمع الى حديث الدكتورة ريم برو عن قصة نزوحها تذكرت ما سبق وأن كتبته عن تجربة النازحين في جنوب اليمن بسبب الحروب الإرهابية حينها دراسة بعنوان ( دراسة تحليلية: تفعيل دور المجتمع المحلي للحفاظ على السلم الاجتماعي) نشرت في صحيفة عدن الغد يوم الأربعاء 30 أكتوبر 2013م)

من يومها وانا مهتم في ظاهرة النزوح إذ لاحظت إن أكثر ما يؤلم في النزوح أن الإنسان لا يفقد مكانه فقط، وإنما يفقد جزءًا من هويته. فالمكان ليس إطارًا خارجيًا للحياة، بل أحد مكوناتها الأساسية. نحن لا نسكن المدن فحسب، بل المدن تسكننا أيضًا. ولهذا يشعر النازح، مهما أحسن الناس استقباله، بأنه يعيش في مكان لا يعرفه ولا يعرفه المكان. يصبح غريبًا حتى عن نفسه، وكأنه يحمل وطنه في ذاكرته ولا يستطيع العودة إليه فحين تغادر الأسر قراها ومدنها تتشقق شبكات القرابة، وتتبدل الأدوار الاجتماعية، وتنهار مصادر الرزق، وتضطرب أنماط التربية والتعليم، ويصبح المستقبل نفسه معلقًا بين ذاكرة لا تموت وواقع لا يستقر وتؤكد الدراسات النفسية أن كثيرًا من الناجين من الحروب يستمرون في العيش داخلها حتى بعد توقف إطلاق النار. فالحرب قد تنتهي سياسيًا، لكنها لا تنتهي في الذاكرة بسهولة. أصوات الانفجارات، ورائحة الدخان، وصور القتلى، ولحظة الهروب، كلها تتحول إلى ذاكرة حية تستيقظ مع أقل صوت أو مشهد مشابه. وهذا ما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة، وهو في حقيقته ليس مرضًا فرديًا فحسب، بل ظاهرة اجتماعية تصيب مجتمعات بأكملها، فتورث الخوف جيلاً بعد جيل.

فكم من مدينة فقدت أبناءها، وكم من قرية أغلقت أبوابها، وكم من طفل كبر بعيدًا عن المكان الذي ولد فيه. ملايين اليمنيين لم يغادروا بيوتهم فقط، بل غادروا جزءًا من ذواتهم. لقد أصبح النزوح أحد أكبر التحولات الاجتماعية في تاريخ اليمن الحديث، ولم يعد مجرد أثر جانبي للحرب، بل صار بنية اجتماعية جديدة لها اقتصادها، وثقافتها، وعلاقاتها، ومشكلاتها.

إن الإنسان، كما قال أرسطو، كائن اجتماعي، لكنني أضيف: إنه أيضًا كائن مكاني. يولد في مكان، ويتعلم فيه أولى كلماته، ويكوّن فيه ذاكرته الأولى، ويمنح وجوده معنى من خلال علاقته بالمكان. ولذلك فإن اقتلاع الإنسان من أرضه يشبه اقتلاع الشجرة من تربتها؛ قد تبقى حية، لكنها تحتاج إلى زمن طويل حتى تستعيد قدرتها على الإثمار، وربما لا تستعيدها أبدًا فالمدن يمكن أن تعاد بناؤها في سنوات، أما الإنسان فيحتاج إلى زمن أطول كي يعيد بناء ثقته بنفسه وبالآخرين. إن أصعب ما تهدمه الحرب ليس الحجر، وإنما الإنسان.

وهذا يعني بان السلام الحقيقي لا يبدأ بتوقيع الاتفاقيات، بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان، وترميم الذاكرة الجمعية، وإحياء الثقة بين الناس، وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، وبناء دولة عادلة يشعر الجميع في ظلها بأن القانون يحميهم بالتساوي. فلا يمكن لمجتمع خرج من الحرب أن يتعافى إذا بقيت أسبابه قائمة، وإذا ظل الخوف هو اللغة المشتركة بين أبنائه.

وربما لهذا السبب ظل سؤال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عن السلام الدائم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالتقدم التقني الهائل جعل الإنسان أكثر قدرة على التدمير، لكنه لم يجعله أكثر حكمة في تجنب الحروب. وما لم يتقدم الوعي الأخلاقي والسياسي بالسرعة نفسها التي يتقدم بها العلم، فإن العالم سيظل يحمل في جيبه هاتفًا ذكيًا، وفي يده الأخرى عود ثقاب قادرًا على إشعال الكوكب بأسره.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي خرجت به من الندوة: إن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تقتلع الناس من أوطانهم فحسب، بل قد تقتلع الأوطان من داخل الناس ذاتهم . وإذا كان بناء البيوت ممكنًا بعد كل حرب، فإن إعادة بناء الإنسان هي المهمة الأصعب، وهي وحدها التي تستحق أن تكون مشروع ما بعد الحرب، لأنها البداية الحقيقية لكل سلام دائم.

والوطن ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو امتداد نفسي ووجودي، هو ذاكرة متراكمة من التفاصيل الصغيرة: طرقات الطفولة، وجوه الجيران، أصوات الأسواق، وحتى الحزن المشترك. لذلك، فإن التخلي عنه لا يحدث إلا عندما تصبح كلفة البقاء فيه أعلى من كلفة الرحيل عنه، وعندما يتحول الوطن نفسه من مصدر للأمان إلى مصدر للخطر.

هنا يمكننا وضع يدنا على الجرح الدامي المتمثل في مأساة غياب الدولة، لا بوصفها جهازًا إداريًا، بل بوصفها الإطار الذي يمنح الحياة معناها الممكن. الدولة، حين تكون حقيقية، ليست مجرد سلطة، بل منظومة حماية؛ هي ذلك الكيان الذي يضمن للإنسان حدًا أدنى من الاستقرار، ويمنحه شعورًا بأن حياته ليست عرضة للانهيار في أية لحظة. وعندما تغيب هذه الدولة، أو تتآكل مؤسساتها، أو تتحول إلى أداة صراع بدل أن تكون أداة تنظيم، فإن المجتمع كله يدخل في حالة سيولة خطرة، حيث لا يعود هناك ما يمكن الاتكاء عليه. نقصد بالدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات العامة التي تحتضن مواطنيها وترعى مصالحهم وتحمي سيادة أرضهم وتصون النظام العام. إنها تشبه الأم الحانية التي أنجبت أبناءها وسهرت على تربيتهم وخافت عليهم من الأخطار. ولهذا فإن الشعوب التي تعيش في كنف دول مستقرة تنام مطمئنة في حضنها كما ينام الطفل في حضن أمه غير أن الأمومة ليست مجرد عاطفة رومانسية كما يتصور البعض، بل هي أحد أعظم أشكال القوة الإنسانية. فالنساء غالبًا ما يكن أكثر صبرًا وصلابة ووفاءً في مواجهة الأزمات والمحن. فهن اللواتي حملن الأبناء في بطونهن، وسهرن على تربيتهم منذ كانوا مجرد احتمال في عالم الغيب، ولهذا يعرفن أكثر من غيرهن قيمة الحياة وثمنها الحقيقي وما أفدح أن ترى الأم أبناءها يسقطون في حروب عبثية، وما أفدح أن ترى الشعوب تعب أعمارها وثروات أوطانها تتحول في لحظة إلى دخان ورماد بسبب صراعات سياسية أو أيديولوجية لا معنى لها.

***

ا. د. قاسم المحبشي

إن مسألة تأصيل الفكر السلفي الوثوقي الجبري وقوننته بدأت إرهاصاتها الأولى في نهايات القرن الأول للهجرة مع المالكي والشافعي وابن حنبل، مرورا بتلامذتهم مثل، أبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي، والسيوطي، والقطني والشعيبي وابن قيم الجوزية وابن تيمية والباقلاني والقطني والسختياني وغيرهم. فكل هؤلاء التلاميذ آمنوا إيماناً مطلقا بدور النقل على حساب العقل، وقياس الشاهد على الغائب، وأن صريح العقل لا يخالف صحيح لنقل، وأن الحسن والقبيح هو ما حسنه الشرع أو قبحه. وإذا اضطروا لاستخدام العقل كما استخدمه الشافعي وغيره فيما بعد في القياس، أو كما استخدمه الأشاعرة في نظريّة الكسب، فيأتي استخدام العقل هنا للاستدلال والاستقراء أو البحث عن دليل في النص أو الأثر ليشرعن ما هو محدث او مستجد من أمور الحياة. أو بتعبير آخر، يأتي استخدام العقل في هذا المنهج لتثبيت النص والأثر وليس للحكم عليهما، لأن ما تم في الزمن الذي حدد أصحاب هذا التيار (القرون الهجرية الثلاثة الأولى)، صحته وضرورة الالتزام به، وهو زمن مقدس ولا نقاش أو رأي في ما ورد فيه من فكر وسلوكيات. كما أن التقديس راح يشمل فيما بعد عند البعض حتى أقوال فقهاء هذا المنهج السلفي أنفسهم.

لنعود وننظر في آراء من أصل لهذا التيار السلفي الجبري، حيث يعتبر الشافعي /150- 205/ للهجرة، هو أول من أصل قواعد الفقه السلفي في صيغته الوثوقية التي جئنا عليها، عندما حدد المراجع الأساسية للتشريع الإسلامي بالقرآن والحديث والإجماع والقياس، وإذا كان القرآن وما اتفق عليه من الحديث الصحيح هي مسائل ثابتة، فإن الإجماع جاء عنده مقتصراً على إجماع علماء الدين من أهل السنة، أو إجماع أهل المدينة، أما القياس فهو البحث عن دليل شرعي لكل محدث أو مستجد لم يرد فيه نص أو أثر، ودور العقل في القياس هنا هو البحث عن دليل في هذه المصادر الأساسية وليس لابتداع دليل .

يقول الشافعي حول ضرورة التمسك بالنص المقدس والأثر: (لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى).(1)

إن الماضي عند الشافعي يأتي هنا بصريح لفظه متمسكاً بالعلم الوحيد في الإسلام، فلا يحل أو يحق لجيل لاحق أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه، إلا ويكون مستنداً إلى حكم أو فتوى أو فكر الأجيال السابقة. وبالتالي فكل المحدثات من الأمور هي بدعة كما يورد ابن القيم الجوزي عن الشافعي قوله: (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما، ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه البدعة الضلالة). (2).

أما بالنسبة لأحمد بن حنبل المتوفى سنة /284/ هـ، فهو الممثل الرئيس لمدرسة الرواية، وهي المدرسة التي تأخذ بالحديث حتى المرسل والضعيف منه وترجحه على الأخذ بالرأي والقياس. فالحديث الضعيف عند ابن حنبل (أهم من الرأي)، وكذلك الخبر الضعيف كما يقول. فابن حنبل يحارب الأخذ بالرأي ويلتمس الخبر ولو كان ضعيفاً، هذا وقد روي عن ابنه عبد الله قوله: (سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحداً نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل.).(3). والدغل هو فساد الرأي.

هذا ويعتبر ابن حنبل من أكثر الفقهاء تشدداً بالنسبة للتيار السلفي، وأن معظم من اشتغل على هذا التيار وأخذ به يعتبر ابن حنبل أستاذه، وفي مقدمة هؤلاء " أبو حسن الأشعري".

أما أبو حسن الأشعري المتوفى سنة /324/ هـ، وهو المعتزلي أصلاً، ثم تخلى عن فكره القدري ليلتحق بالفكر السلفي بعد أن راح أصحاب الفكر السلفي يُلاحقون من يقول بالقدر، وشُكلت لهم محاكم التفتيش منذ مرسوم المتوكل عام 232 للهجرة الذي اصدره لمعاقبة كل من يقول بالرأي، واعتماد العقل مرجعاً للحكم على مستجدات الحياه.

لقد انبرى الأشعري مدافعاً عن مقولات ابن حنبل بعد أن تبنى آراءه وهو القائل في ذلك: (قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها هي التمسك بكتاب الله وسنة نبينا محمد (ص) وما روي عن السادة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون.).(4). وبهذا الموقف السلفي أصبح تياره فيما بعد الممثل الأكثر حضوراً للتيار السلفي الوثوقي الجبري في صيغته الحنبلية الضيقة، بالرغم من إشكالية الأشعري الواقعة بين رغبته في مدرسة الحديث من جهة، وبين انشقاقه عن المعتزلة وتأثره بدور العقل من جهة ثانية، وللخروج من هذه الإشكالية راح يستخدم العقل لتثبيت النص وليس للحكم عليه، أي استخدام العقل لنفي العقل. هذا وقد اعتبر الأشاعرة كتيار ديني سلفي من التيارات الأساسية التي توافق الخط العام السياسي للسلطات الحاكمة سابقاً ولاحقاً، وهو بإيمانه أو قوله – أي الأشعري - بالإجماع في زمن ظهوره، كان يلتمس الشرعية في فعل السلف وما ينسب إليهم من الإجماع على اختيار أبي بكر وعمر وعثمان، وذلك لنفي مقولة المعارضة الشيعية بالوصية لعلي وأبنائه من بعده.

على العموم، إن أبي حسن الأشعري في المحصلة أصل للسلفية من حيث العقيدة، في الوقت الذي أصل لها الشافعي فقهياً. أي هو من ولج باب الأصول أكثر من الفروع، في مسألة القضاء والقدر، وطرحه لنظرية الكسب، وهو من تحدث بالصفات العقليّة واعتبرها من ذات الله، وتكلم بمفهوم العدل والحسن والقبيح الشرعيين، وأنكر السببية، وقال ليس من قديم سوى الله أما العالم المادي فمحدث.

أما الغزالي المتوفى سنة /505/ هـ، وهو تلميذ أبي حسن الأشعري فقد تمسك بفكر أستاذه، في الوقت الذي فتح فيه الحدود بشكل (تلفيقي) بين الفلسفة والمنهج السلفي، بالرغم من بقائه محاربا للفكر العقلاني برده على الفلاسفة في كتابه المشهور (التهافت). فالغزالي واجه الفلاسفة الذين قالوا إن الله لا يعلم إلا بالكليات، أما الجزئيات فلا، فالغزالي يقول بأن الله خلق العالم بإرادة حرة قديمة وهو قادر على الإحاطة الكلية والجزئية بهذا العالم. كما يقول الغزالي إن حقائق الأمور الإلهية لا تنال بنظر العقل وليس بقوة البشر الاطلاع عليها.(5).كما حاول إقحام التصوف في الفكر السلفي حيث اشتغل على هذا الفكر والتقى مع المتصوفة في الكثير من أفكارهم، واختلف معهم في قضية (وحدة الوجود) حتى ولو على أساس روحي، كون هذا المبدأ يرمي في النهاية إلى إنكار الواحد الأحد المفارق والعلوي.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

........................

1- عبد الجواد ياسين- السلطة في الإسلام – المركز الثقافي

العربي –ط1- 1998- ص69

2- المرجع نفسه- ص 69.

3- المرجع نفسه- ص 72.

4- المرجع نفسه. ص- 55 .

5- الطيب تيزيني- من اللاهوت إلى الفلسفة العربية الوسيطة - القسم الثاني- دمشق – وزارة الثقافة- 2005– ص 253.

حرب، حربة، حرابة، محاربة… من الكلمات التي يرددها الناس كل يوم في حياتهم بمعانٍ ودلالات مختلفة: حرب استنزاف، حرب تقليدية، حرب نووية، حرب ظالمة، حرب بيولوجية، حرب باردة، حرب مقدسة، حرب أهلية، حرب عالمية، حرب تحرير، حرب عادلة، حروب الموجة الثالثة، حرب خاطفة، حرب طويلة، حرب مدن، حرب إعلامية، حرب شاملة، حرب عصابات، حرب برية، حرب جوية، حرب بحرية، حرب نووية، حرب ذكية، حرب رقمية… إلخ.

وكلها معانٍ تدور حول معنى الحد القاطع أو رأس الرمح، ومنها اشتُقت كلمة الحرابة بمعنى قطع الطريق ونهب العابرين فيه.

وتُعد الحرب من أخطر الظواهر الاجتماعية وأكثرها أثرًا في مسار تاريخ البشرية؛ إذ رافقت حياة الإنسان منذ أقدم العصور، وهي أعنف أنماط التفاعل والصراع بين الفاعلين الاجتماعيين. فمنذ الأنياب والمخالب، إلى الرجم بالحجارة، ثم السيف والرمح، فالبندقية، فالمدفعية، والقنابل، والصواريخ، وصولًا إلى الروبوتات والطائرات المسيَّرة الذكية؛ هكذا تطورت أدوات القتال لدى الإنسان.

أما الحيوانات فلا تحارب بالمعنى الإنساني للحرب، بل ظلت تستخدم أعضاءها الطبيعية في تدبير عيشها والدفاع عن بقائها.

وفي حقيقة الأمر، يمكن النظر إلى الحرب بوصفها أحد أشكال القوة البشرية المنظمة. وتُعد الحرب بين بني أمية وبني هاشم، من قريش العربية، من أطول الصراعات في التاريخ؛ إذ نشبت قبل نحو أربعة عشر قرنًا، ودارت واستدارت، وما تزال آثارها وتداعياتها حاضرة بأشكال مختلفة حتى اليوم.

يقول المستشرق لورنس أوليفانت (بحسب ما أورده إدوارد سعيد):

«كم ألفًا من السنين بقيت هذه الحالة من الوجود (أي كون العرب يعيشون في حالة حرب دائمة)، سيخبرنا أولئك الذين سيقرؤون أقدم سجلات الصحراء الداخلية؛ ذلك أنها تعود إلى أولهم. لكن العربي، عبر القرون كلها، لم يستفد حكمة من التجربة؛ فهو غير آمن أبدًا، ومع ذلك فإنه يتصرف وكأن السلم والأمان خبزه اليومي.»

(ينظر: إدوارد سعيد، الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1980، ص120).

تُعد الحرب، من منظور علم الاجتماع السياسي، ظاهرة مركبة تتجاوز كونها مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، أو صراعًا على الحدود والموارد والسلطة. فهي بنية اجتماعية معقدة ارتبطت بتاريخ المجتمعات البشرية منذ بداياتها الأولى، بحيث يمكن القول إن تاريخ الإنسان يتقاطع بدرجة كبيرة مع تاريخ الحروب، كما يتقاطع مع تاريخ بناء الحضارات.

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن اندلاع الحروب يؤدي غالبًا إلى إعادة كشف البنى الاجتماعية والقيمية للمجتمع، حيث تتراجع الأطر المعيارية المستقرة، ويبرز سلوك الأفراد والجماعات في صورته الأكثر ارتباطًا بظروف الخوف وعدم اليقين، بما في ذلك أنماط التعاون والصراع، والتضامن والانقسام، والبناء والتدمير.

البارحة جمعتنا غرفة 19 في ندوة “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح” قدمتها الدكتورة ريم برو، أستاذة علم اجتماع الحرب والأنثروبولوجيا بجامعة بيروت، وأدارتها الأستاذة إخلاص فرانسيس. اثارت مشكلات حيوية تهمنا جميعا أبرزها: دوافع الحروب، وآليات تحول المجتمعات من أنماط التعايش إلى أنماط العنف، والآثار الاجتماعية الممتدة للحرب على الأفراد والجماعات.

من منظور فلسفة الحضارة، تُظهر التجارب التاريخية أن فعالية الدولة ومؤسساتها القانونية تمثل عاملًا حاسمًا في استقرار المجتمع. فعندما تتراجع سلطة القانون أو تنهار مؤسسات الضبط الاجتماعي، تزداد هشاشة البنية الاجتماعية، ويضعف التمييز بين القوة والحق، بما يؤدي إلى إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وفق منطق القوة المباشرة بدلًا قوة الحق المستندة على القواعد القانونية والمؤسسية.

وتؤكد الوقائع التاريخية أن انهيار السلطة السياسية أو ضعفها غالبًا ما يرتبط بارتفاع مستويات العنف الاجتماعي، حيث تتغير أنماط العلاقات بين الأفراد، ويتحول الفضاء الاجتماعي إلى مجال مفتوح للصراع. وفي مثل هذه السياقات، تتراجع وظيفة الدولة بوصفها الجهة المحتكرة لاستخدام العنف المشروع، بحسب ماكس فيبر.

وقد استوقفتني ظاهرة الحرب منذ زمن طويل. وتأملتها ورصدت تقسيمات وظيفية عامة للأدوار الاجتماعية خلال النزاعات المسلحة، يمكن تلخيصها في أربع فئات رئيسية:

1. الضحايا المدنيون: وتشمل هذه الفئة الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة، إضافة إلى المدنيين غير المنخرطين في العمليات القتالية. وتمثل هذه الفئة النسبة الأكبر من المتأثرين بالحروب، حيث تتحمل العبء الإنساني المباشر للنزاع.

2. المشاركون في العمليات القتالية: وتشمل الجنود والمجندين والمتطوعين والمرتزقة، إضافة إلى الأفراد المنخرطين في القتال ضمن أطر اجتماعية أو سياسية مختلفة. وغالبًا ما تمثل الفئات الشابة من الذكور الذين يشكلون النسبة الأكبرمن هذه الفئة.

3. صناع القرار في الحرب: وهم الفاعلون السياسيون والعسكريون الذين يتخذون قرارات الدخول في النزاع أو استمراره، سواء بدوافع تتعلق بالسلطة أو الموارد أو النفوذ أو الاعتبارات الأيديولوجية.

4. المستفيدون من الحرب: وتشمل الفاعلين الاقتصاديين وشبكات المصالح المرتبطة بتجارة السلاح أو إدارة الأزمات أو الاستفادة من اقتصاديات الحرب.

فالحرب لا تقتصر على كونها حدثًا عسكريًا، بل تمثل عملية إعادة تشكيل شاملة للبنية الاجتماعية، حيث تؤدي إلى إعادة توزيع السلطة، وإعادة إنتاج الهويات الاجتماعية، وتغيير منظومات القيم، وتكوين ذاكرة جماعية جديدة تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء النزاع.

حدثتني أمي الحانية بأن أبي، عبد عوض المحبشي، رحمهما الله، حفر في ذلك العام ملجأً آمنًا في قلب الجبل المطل على قريتنا (بغدة)، أشبه بكهف صغير يتسع لأفراد عائلتنا الصغيرة آنذاك: أبي وأمي، وإخوتي وأخواتي الخمسة، بينما كنت أنا ما أزال في أكثر الأماكن أمانًا التي يحل فيها جنين الإنسان: بطن أمي.

نعم، وُلدت في زمن حرب التحرير من الاستعمار الإنجليزي في عدن، وحرب حصار صنعاء، ثم عشت وشهدت سلسلة مهولة من الحروب الأهلية، الصغيرة منها والكبيرة. بدأت بأول حرب بين الجبهتين القومية والتحرير بعد خروج الإنجليز من عدن بعام واحد فقط، ثم أحداث عام 1968م، ثم مرحلة العنف الثوري المنظم، وما عُرف بالخطوة التصحيحية، وليلة السكاكين الطويلة عام 1969م، ثم حرب الثورة الفلاحية وسياسات التأميم، ثم حرب الحدود بين دولتي عدن وصنعاء عام 1972م، ثم سلسلة الاغتيالات والصراعات السياسية التي قُتل خلالها رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية سالم ربيع علي (سالمين)، ورئيس الجمهورية العربية اليمنية إبراهيم الحمدي، ثم أحمد الغشمي، وما تلا ذلك من حرب بين الجمهوريتين عام 1979م.

ثم جاءت الحرب الأهلية في 13 يناير 1986م، وكانت أشد تلك الحروب فتكًا وأعمقها أثرًا في نفسي. كنت يومها طالبًا في السنة الثالثة بقسم الفلسفة بكلية التربية العليا في عدن، وأسكن في القسم الداخلي بخور مكسر، فعشت تفاصيل تلك الحرب المجنونة بكل ما حملته من رعب وخسارات، وتركت آثارًا غائرة في النفس والذاكرة، فضلًا عن آثارها الكارثية على الصعيدين الوطني والاجتماعي، وهو ما ليس من أغراض هذه المقالة.

بعد تلك الكارثة، التي فقدت فيها زملاء وأصدقاء أعزاء، تغير كل شيء في حياتي، وأخذت أبحث في معنى الحرب وأسبابها ومسبباتها. فقرأت كتبًا كثيرة، من أبرزها: الأمير لنيقولو مكيافيللي، ومقدمة ابن خلدون، وعُسر الحضارة لسيغموند فرويد، وعن الحرب لكارل فون كلاوزفيتز، وفن الحرب للفيلسوف والاستراتيجي الصيني صن تزو، والحرب والحضارة لأرنولد توينبي، وغيرها من الكتب التي وسعت رؤيتي لهذه الظاهرة الإنسانية المعقدة.

وقد كتب الروائي اليمني حبيب سروري: «من لم يقرأ بعدُ كتاب “فن الحرب” للفيلسوف الاستراتيجي الصيني الشهير صن تزو، الذي كُتب قبل نحو 2500 عام؟». ويضيف: «في رؤية صن تزو، ينبغي أن تتناغم الحرب مع نموذج الطبيعة. واستعارة الماء هنا بالغة الأهمية، إذ تتكرر في مواضع كثيرة من الكتاب. يقول صن تزو: “يسيل الماء على إيقاع تضاريس الأرض، وكذلك يُكتسب النصر بالانسجام مع تغيرات وضع العدو. ليس للماء شكل ثابت، وكذلك ليست للعمليات وصفات جامدة. ومن يستطيع الانتصار بفضل تكيفه مع مختلف التغيرات يستحق أن يُسمى محاربًا إلهيًا”.»

ويستشهد سروري أيضًا بقول الاستراتيجي الصيني الآخر هواي نان تزو، الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد: «كن كالشبح الذي لا يترك أثرًا، وكن كالماء الذي لا يجرحه أحد». (ينظر: حبيب سروري، من لم يقرأ بعدُ “فن الحرب”؟، مقالاتي، 13 مارس 2014).

وقد استهل سروري مقاله بعبارة لصن تزو تلخص فلسفته في الحرب: «يكمن فن الحرب في هزيمة العدو دون مواجهة، ودون أدنى خسارة، ودون قطرة دم… وقبل خوض المعركة ينبغي أن يكون النصر قد تحقق تمامًا».

ومن بين عوامل كثيرة أخرى، كانت الحروب التي عشتها وشاهدت نتائجها دافعًا قويًا للتعمق في الفلسفة الوجودية، التي درستها على يد الدكتور أحمد نسيم برقاوي، من خلال بحث بعنوان “الوجود والماهية عند جان بول سارتر” عام 1995م. وقد أسهمت الفلسفة الوجودية في تقديم إطار تحليلي لفهم التجربة الإنسانية في سياقات عدم الاستقرار، من خلال مفاهيم القلق، والحرية، والمسؤولية، والموت، بوصفها عناصر أساسية في الوجود الإنساني تحت وطأة التهديد المستمر.

لقد كان وقع حياتنا، ولا يزال، وجوديًا بامتياز؛ فالموت كان، وما يزال، يحوم فوق رؤوس الجميع. ومنذ تلك الأيام، وأنا أحفظ أبيات الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى…

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً

وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها

وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم

كَأَحمَرِ حاشد ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

قالها قبل 1400 عاما ولا زالت تحتفظ بكل معناها الدقيق في توصيف تلك الظاهرة الاجتماعية التاريخية البشرية بدقة متناهية.

فما هي الحرب؟ وما آثارها؟ وكيف شكلتنا ؟

إذا كانت الحرب في ظاهرها مواجهةً بين جيوش، فإنها في حقيقتها العميقة عمليةٌ لإعادة تشكيل المجتمع كله. فالرصاص لا يصيب الأجساد وحدها، بل يمتد أثره إلى منظومة القيم، وأنماط العلاقات، وبنية المؤسسات، والوعي الجمعي، بل وحتى اللغة التي يتحدث بها الناس.

الحرب لا تقتل الإنسان فقط، وإنما قد تقتل المواطن داخله، لتحل محله هويةٌ ضيقة، وخوفٌ دائم، وشعورٌ عميق بعدم اليقين. ففي زمن السلم ينتمي الإنسان إلى الدولة، أما في زمن الحرب فيعود غالبًا إلى العصبية الأولى: القبيلة، أو الطائفة، أو المنطقة، أو الجماعة المسلحة. وهنا تبدأ الدولة بالتراجع، ويبدأ المجتمع بالتفتت.

من منظور علم الاجتماع، ليست الحرب مجرد انفجار للعنف، بل هي لحظة انتقال اجتماعي حاد، تتغير فيها قواعد السلوك ومعايير الأخلاق. فما كان جريمة في السلم قد يصبح بطولة في الحرب، وما كان فضيلة قد يُنظر إليه بوصفه ضعفًا. وهكذا تعيد الحرب إنتاج منظومة القيم بما يخدم منطق البقاء أكثر مما يخدم منطق العدالة.

ولذلك فإن أخطر ما تخلفه الحروب ليس الخراب المادي، مهما كان واسعًا، وإنما الخراب الرمزي؛ حين يفقد الناس ثقتهم في القانون، وفي المؤسسات، وفي إمكان العيش المشترك. وعندما تنهار الثقة يصبح ترميم المباني أسهل كثيرًا من ترميم النفوس.

لقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية أن الحرب ليست حدثًا عسكريًا معزولًا، بل ظاهرة اجتماعية كلية، تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والدين والتربية، وتعيد صياغة العلاقات الاجتماعية بأسرها. ولذلك فإن آثارها تستمر سنوات طويلة بعد توقف إطلاق النار، لأن الذاكرة الجمعية لا تعرف الهدنة، ولأن الخوف يتوارث أحيانًا كما تتوارث الثروة والفقر.

ومن هنا فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما تبدأ بإعادة بناء الإنسان، واستعادة الثقة، وإحياء فكرة المواطنة، وإصلاح التعليم، وإعادة الاعتبار للقانون بوصفه المرجعية العليا للجميع. فالدولة ليست مجرد سلطة، بل هي الإطار الذي يجعل الناس يثقون بأن حقوقهم لا تحميها القوة، وإنما يحميها النظام العام والعدالة.

إن المجتمع الذي يخرج من الحرب أمامه طريقان: إما أن يبقى أسيرًا لذاكرة الانتقام، فيعيد إنتاج الحرب بأشكال جديدة، أو أن يحول ذاكرة الألم إلى مشروع للمصالحة وبناء المستقبل. والتاريخ يعلمنا أن الأمم العظيمة ليست تلك التي لم تعرف الحروب، بل تلك التي استطاعت أن تتعلم منها، وأن تجعل من مأساتها نقطة انطلاق نحو نظام اجتماعي أكثر عدلًا وإنسانية.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي ينبغي أن نستخلصه: فالحرب لا تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بقدرتها على تغيير المجتمع. أما السلام الحقيقي فلا يعني غياب البنادق، بل حضور العدالة، وسيادة القانون، ووجود دولةٍ قوية بمؤسساتها، رحيمة بمواطنيها، عادلة بينهم، وقادرة على حماية كرامتهم جميعًا.

***

ا. د. قاسم المحبشي

.........................

* من وحي ندوة “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح” في غرفة 19 الثقافية

 

كتب: ديلان إيفانز

ترجمة: علي حمدان

***

للوهلة الأولى، يبدو السؤال غريباً. كيف يُمكن لعالم دين مسلم من العصور الوسطى أن يكون سلفاً لثوري ألماني من القرن التاسع عشر؟ مع ذلك، فإنّ المقارنة أكثر أهمية مما تبدو عليه. فعندما كتب العالم الإسلامي أبو حامد الغزالي عن الأسواق والعمل والحياة الاقتصادية في القرن الحادي عشر، كان يُعالج العديد من الأسئلة نفسها التي شغلت كارل ماركس لاحقاً. صحيحٌ أن الأطر الفكرية كانت مختلفة جذرياً، إلا أن الاهتمامات الأساسية - حول الاستغلال والثروة والبنية الأخلاقية للحياة الاقتصادية - تتقارب أحياناً بطرق لافتة.

شبكة من الترابط

تزداد المقارنة إثارةً للاهتمام عندما نتذكر أن النظرية الاقتصادية الحديثة لم تظهر فجأةً في أوروبا خلال القرن الثامن عشر. فقد لاحظ عالم الأنثروبولوجيا ديفيد غرايبر أن العديد من الأفكار المنسوبة عادةً إلى آدم سميث قد طُرحت قبل ذلك بقرون على يد علماء كتبوا في العالم الإسلامي. فقد حلل مفكرو العصور الوسطى المسلمين الأسواق والأسعار والضرائب والعمل قبل ظهور الاقتصاد السياسي الكلاسيكي بزمن طويل. ورغم أن أعمالهم كانت متجذرة في اللاهوت والفقه لا في الاقتصاد المدني، إلا أن المشكلات الفكرية كانت متشابهة بشكل ملحوظ.

يُعدّ الغزالي من أبرز الشخصيات في هذا التراث الفكري. فقد عاش في بيئة فكرية ثرية في الإمبراطورية السلجوقية، ولم يكن مجرد عالم دين، بل كان أيضًا فقيهًا وفيلسوفًا أخلاقيًا شغوفًا بالحياة الاقتصادية اليومية. وفي مؤلفاته الغزيرة، ولا سيما في رسالته الأخلاقية "إحياء علوم الدين"، تناول التجارة والعمل وآلية عمل الأسواق بمستوى من العمق والدقة يُثير دهشة الكثير من القراء المعاصرين.

أدرك الغزالي أن الحياة الاقتصادية تقوم على شبكة معقدة من الترابط. وأوضح أن الخبز الذي نأكله يعتمد على المزارعين والطحانين والخبازين والتجار، حيث يساهم كل منهم بمهمة متخصصة. هذه الملاحظة حول التقسيم الاجتماعي للعمل تستبق مناقشات لاحقة لسميث وغيره، لكنها بالنسبة للغزالي كانت تخدم غرضًا أخلاقيًا ولاهوتيًا أكثر من كونها اقتصادية. يعتمد البشر على بعضهم بعضًا لأن الله خلق المجتمع كنظام تعاوني لا يستطيع فيه أي فرد البقاء بمفرده.

يُعدّ هذا التركيز على الترابط الاجتماعي من أوائل النقاط التي تبرز فيها أوجه تشابه مثيرة للاهتمام مع ماركس. فقد جادل ماركس، كما هو معروف، بأن الإنتاج في ظل الرأسمالية عملية اجتماعية عميقة، حتى وإن كانت نتائجها يستحوذ عليها بشكل فردي. فالسلع الفردية تُخفي شبكة العمل التي أنتجتها. ومع ذلك، فقد لفت الغزالي، الذي عمل ضمن إطار مفاهيمي مختلف تمامًا، الانتباه إلى الحقيقة الكامنة نفسها: فالسلع البسيطة ظاهريًا التي نستهلكها هي في الواقع نتاج طبقات عديدة من النشاط الإنساني التعاوني.

ضد الإفراط

ثمة تشابه آخر مثير للاهتمام يتعلق بالنقد الأخلاقي للتراكم المفرط. لم يكن الغزالي عدوًا للتجارة، فقد اعتُبرت التجارة في الحضارة الإسلامية مهنة مشروعة، بل ومُشرّفة، وكان النبي محمد نفسه تاجرًا. لم يكن للنبي أي اعتراض على الربح. ومع ذلك، حذّر الغزالي مرارًا وتكرارًا من الجشع والاحتكار والسعي وراء الثروة لذاتها. لم يكن النشاط الاقتصادي مشروعًا إلا بقدر ما يخدم الحفاظ على الحياة ورفاهية المجتمع.

بطبيعة الحال، ينطلق نقد ماركس للرأسمالية من مستوى مختلف تمامًا. فتحليله للاستغلال متجذر في نظرية العمل والقيمة واستخراج الفائض، لا في الأخلاق الدينية. ومع ذلك، جادل ماركس أيضًا بأن المجتمع الرأسمالي يشجع بشكل منهجي على التراكم اللانهائي للثروة بما يتجاوز أي حاجة إنسانية عقلانية. فالمشكلة، في نظر ماركس، ليست مجرد جشع فردي، بل إكراه بنيوي متأصل في النظام الرأسمالي نفسه.

على الرغم من هذا التشابه في الأسلوب، إلا أن المفكرين يختلفان اختلافًا كبيرًا في تشخيصهما للمشكلة. فقد رأى الغزالي أن الظلم الاقتصادي هو في المقام الأول خلل أخلاقي. فالتاجر الذي يغش زبائنه أو يحتكر الحبوب أثناء المجاعة ينتهك القانون الأخلاقي الذي وضعه الله. ولذلك، فإن الحل يكمن في الانضباط الأخلاقي، والتربية الدينية، وإنفاذ السلوك العادل من خلال الشريعة الإسلامية.

تناول ماركس المشكلة من منظور مختلف جذرياً. فبالنسبة له، لم يكن الاستغلال ناتجاً بالدرجة الأولى عن قصور أخلاقي فردي، بل سمة بنيوية لنمط الإنتاج الرأسمالي. فحتى أكثر الرأسماليين حرصاً على الخير، لا بد له من استخلاص فائض القيمة من العمال للبقاء في سوق تنافسية. لذا، لا تكمن المشكلة في السلوك الفردي، بل في النظام الاقتصادي نفسه.

الملكية الخاصة، الأسواق، والرأسمالية

يكشف هذا التباين عن مدى إمكانية توسيع نطاق المقارنة قبل أن تنهار. فقد أقرّ الغزالي بالملكية الخاصة كسمة طبيعية ومشروعة للمجتمع، شريطة استخدامها بمسؤولية وفي حدود الشريعة الإسلامية. في المقابل، جادل ماركس بأن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج هي جوهر الاستغلال الرأسمالي، ويجب إلغاؤها في نهاية المطاف.

يظهر التباين نفسه في مواقفهم تجاه الأسواق. فقد افترض الغزالي عمومًا أن الأسواق مؤسسات شرعية ومفيدة في كثير من الأحيان. ولاحظ أن الأسعار غالبًا ما تنشأ بشكل طبيعي من تفاعل العرض والطلب، لا من التلاعب المتعمد. ويمكن أن تأتي محاولات الحكام لفرض أسعار مصطنعة بنتائج عكسية بسهولة، إذ تعرقل التجارة وتثني التجار عن جلب البضائع إلى السوق.

من جهة أخرى، تعامل ماركس مع الأسواق باعتبارها مؤسسات تاريخية محددة متأصلة في نمط إنتاج معين. ويُخفي التبادل السوقي في ظل الرأسمالية علاقات الاستغلال الكامنة التي تُشكل عملية الإنتاج. تبدو السلع وكأنها تمتلك قيمة في حد ذاتها، بينما في الواقع تستمد هذه القيمة من العمل الذي أنتجها.

لكن الكثير من هذا الخلاف الظاهر قد يتلاشى عند النظر إلى اختلاف العالمين التاريخيين اللذين كتب فيهما هذان المفكران. فقد عاش كارل ماركس في القرن التاسع عشر، خلال أول توسع هائل للرأسمالية الصناعية. وكانت الطاقة البخارية والمصانع الآلية والعمل بأجر جماعي تُغير أوروبا بوتيرة مذهلة.

بالنسبة للغزالي، الذي كتب قبل ثمانية قرون في الحضارة التجارية للعالم الإسلامي في العصور الوسطى، كان مثل هذا المجتمع شبه مستحيل التصور. كانت الأسواق والتجار والتجارة لمسافات طويلة سمات مألوفة لاقتصاد العصر السلجوقي الذي عاش فيه الغزالي، لكن النظام الصناعي للإنتاج في المصانع والعمل المأجور الشامل الذي حلله ماركس لم يكن قد ظهر بعد. ولذلك، واجه ماركس مشكلة لم تكن موجودة بالنسبة للغزالي: كيف يفهم نظامًا اجتماعيًا جديدًا أعيد فيه تنظيم الإنتاج بالكامل حول رأس المال.

يُسهم هذا الاختلاف في السياق التاريخي في توضيح نقطة مهمة في تحليل ماركس، غالباً ما يُساء فهمها. يُصرّ ماركس مراراً وتكراراً على أن تبادل السلع ليس هو الرأسمالية. يمكن أن توجد الأسواق في أنواع مختلفة من المجتمعات. ربطت التجارة القديمة في البحر الأبيض المتوسط الموانئ عبر بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط. استضافت أوروبا في العصور الوسطى معارض موسمية ضخمة تبادل فيها التجار من مختلف أنحاء القارة البضائع. باع الحرفيون الصغار منتجاتهم في الأسواق المحلية، وكثيراً ما تاجر الفلاحون بفائض الحبوب أو النبيذ أو الماشية. مع ذلك، في هذه المجتمعات، كان الإنتاج لا يزال موجهاً بالدرجة الأولى نحو الاستخدام لا نحو البيع في السوق. كانت السلع تُنتج أساساً لتلبية الاحتياجات المباشرة، ولم تدخل في التبادل إلا بشكل ثانوي. لا تظهر الرأسمالية، من وجهة نظر ماركس، إلا عندما يُهيمن إنتاج السلع على الاقتصاد بأكمله، عندما تُنتج السلع أساساً لبيعها لا لاستخدامها.

رأس المال والنقود

يظهر التمييز نفسه في مناقشة ماركس للنقود. فالنقود، كالأسواق، يمكن أن توجد في العديد من الأنظمة الاقتصادية المختلفة. حتى الأشكال البسيطة نسبيًا لتداول السلع تميل إلى توليد أدوات نقدية لأن التبادل يتطلب مقياسًا مشتركًا للقيمة.

قبل ظهور الرأسمالية الحديثة بزمن طويل، كانت المجتمعات تمتلك أسواقًا وعملات معدنية وترتيبات ائتمانية وأنظمة متطورة للتجارة عبر المسافات الطويلة. طورت اليونان الكلاسيكية أنظمة نقدية معقدة وشبكات تجارية واسعة النطاق عبر البحر الأبيض المتوسط. وأدارت الإمبراطورية الرومانية طرقًا تجارية واسعة مدعومة بعملة موحدة. وربطت التجارة الإسلامية في العصور الوسطى المدن من شمال إفريقيا إلى آسيا الوسطى عبر شبكات تجارية وأدوات ائتمانية. واستضافت المدن الأوروبية في العصور الوسطى أسواقًا ومعارض تداولت فيها العملات المعدنية في جميع أنحاء القارة. امتلكت جميع هذه المجتمعات نقودًا، وأحيانًا أنظمة نقدية متطورة للغاية، ومع ذلك لم يكن أي منها رأسماليًا بالمعنى الذي قصده ماركس.

وذلك لأن رأس المال يختلف تماماً عن المال. يؤكد ماركس أن رأس المال لا ينشأ بمجرد وجود المال. فالمال في حد ذاته ليس سوى ثروة في صورة نقدية، ووسيلة ملائمة للتبادل أو مخزن للقيمة. ولا يظهر رأس المال إلا عندما يدخل المال في نوع محدد من العلاقات الاجتماعية.

الشرط الحاسم هو وجود لقاء محدد في السوق بين نوعين من الفاعلين. فمن جهة، يقف من يملك وسائل الإنتاج: المصانع، والأدوات، والأراضي، أو المواد الخام. ومن جهة أخرى، يقف عامل لا يملك هذه الموارد، وبالتالي عليه أن يبيع شيئًا آخر ليتمكن من العيش. ما يبيعه العامل هو قوة العمل، أي القدرة على العمل لفترة زمنية محددة.

يرى ماركس أن هذا اللقاء بين مالك رأس المال والعامل المأجور هو اللحظة الحاسمة التي تُعرّف الرأسمالية. فرأس المال ليس شيئًا ماديًا، ككومة من المال أو الآلات، بل هو علاقة بين طبقتين اجتماعيتين. تمتلك إحداهما وسائل الإنتاج، بينما لا تمتلك الأخرى سوى قوة العمل. وعندما تلتقي هاتان الطبقتان في السوق، تبدأ ديناميكية جديدة. يشتري الرأسمالي قوة العمل ويُشغّلها باستخدام وسائل الإنتاج التي يُسيطر عليها. وخلال يوم العمل، يُنتج العامل سلعًا تتجاوز قيمتها الأجر المدفوع مقابل ذلك العمل. والفرق بين هاتين الكميتين هو فائض القيمة، الذي يتحول إلى ربح. هذه العملية، إذا تكررت في جميع أنحاء الاقتصاد، تُولّد الديناميكيات المميزة للتراكم الرأسمالي.

حقبة تاريخية جديدة

يصف ماركس أحيانًا ظهور هذه العلاقة بأنها تحمل في طياتها "تاريخ العالم بأكمله". ويعني بذلك أن الظروف اللازمة للرأسمالية لم تنشأ تلقائيًا، بل نتجت عبر قرون من الاضطرابات الاجتماعية. كان لا بد من فصل العمال عن الأرض والأدوات والموارد الجماعية التي كانت تُمكّنهم سابقًا من إعالة أنفسهم باستقلالية. وكان لا بد من إضعاف أو تفكيك الحماية النقابية التي كانت تُنظّم الحرف. وكان لا بد من فقدان المجتمعات الفلاحية حق الوصول إلى الحقول والغابات التي لطالما دعمت الحياة الريفية. فقط عندما لم يمتلك عدد كبير من الناس شيئًا سوى قدرتهم على العمل، أمكن لسوق العمل الذي تتطلبه الرأسمالية أن يظهر.

تتطلّب نشوء هذا الوضع عمليات امتدت عبر القارات. ففي إنجلترا، أدّى استيلاء المزارع المشتركة تدريجيًا إلى تهجير سكان الريف وإجبارهم على البحث عن عمل بأجر. وفي أنحاء أوروبا، دفع انهيار الاقتصادات الفلاحية القديمة أعدادًا متزايدة من الناس إلى المدن والمصانع. وأعاد التوسع الاستعماري تنظيم شبكات التجارة العالمية ووجّه تدفقات هائلة من الثروة نحو مراكز القوة الأوروبية. وأنتجت أنظمة العبودية في المزارع في العالم الأطلسي سلعًا للأسواق العالمية، بينما أعادت تشكيل أنظمة العمل في مناطق بأكملها. وقد افرزت هذه التحولات طبقتين جديدتين ستحددان ملامح الاقتصاد الحديث: طبقة تملك رأس المال، وطبقة لا تملك سوى قوة العمل.

بالنسبة لماركس، مثّل هذا التحوّل بداية حقبة تاريخية جديدة. فقد نظّمت المجتمعات السابقة الإنتاج من خلال هياكل مختلفة تمامًا. في بعض المناطق، كانت الحياة الاقتصادية تتشكل أساسًا من خلال روابط القرابة داخل الأسر الممتدة. ونظّمت المجتمعات الإقطاعية الإنتاج من خلال شبكات السيادة والالتزامات التي تربط الفلاحين بالنخب المالكة للأراضي. واعتمدت أنظمة أخرى على العبودية أو الجزية أو الإنتاج المنزلي. أما الرأسمالية، فقد قدّمت مبدأً جديدًا: الإنتاج المنظم من خلال العمل المأجور بهدف الربح. فبدلًا من الإنتاج أساسًا للاستهلاك المباشر أو لدفع الجزية للحكام، بدأت المجتمعات بشكل متزايد في الإنتاج لتوسيع رأس المال نفسه. لم تعد السلع تُصنع لمجرد حاجة الناس إليها، بل لأن بيعها يُمكن أن يُولّد المزيد من التراكم.

من هذا المنطلق، يصبح التباين الظاهر بين الغزالي وماركس أكثر وضوحًا. فقد كان الغزالي يحلل عالمًا تجاريًا تتواجد فيه الأسواق والتجار، لكن الإنتاج فيه لا يزال متجذرًا ضمن أطر اجتماعية وأخلاقية تحدّ من السعي وراء الربح. أما ماركس، على النقيض، فكان يواجه نظامًا أصبح فيه دافع التراكم هو المبدأ المنظم للاقتصاد برمته. لم يكن الفارق بين الاقتصاد الأخلاقي للبازار في العصور الوسطى والرأسمالية الصناعية في أوروبا في القرن التاسع عشر مجرد قرون، بل تحولًا جذريًا في بنية الإنتاج نفسها.

الاقتصاد الأخلاقي

إذا كان من غير المعقول وصف الغزالي بأنه رائد للماركسية، فلماذا تبقى المقارنة منطقية؟ يكمن جزء من الإجابة في التاريخ الفكري الأوسع للفكر الاقتصادي. يُصوّر السرد التقليدي الاقتصاد الحديث على أنه اختراع أوروبي ظهر في عصر التنوير. إلا أن العالم الإسلامي في العصور الوسطى قدّم تراثًا فكريًا ثريًا حول الأسواق والتجارة والعدالة الاقتصادية، مما يُعقّد هذا السرد.

هذا أحد الأسباب التي جعلت غرايبر يجد المقارنة مثيرة للاهتمام. فإذا كانت العناصر الأساسية لنظرية السوق موجودة بالفعل في التقاليد الفكرية الإسلامية قبل قرون من ظهور سميث، فإن النقاشات الحديثة حول الرأسمالية والاشتراكية والعدالة الاقتصادية لا يمكن فهمها فقط ضمن إطار فكري غربي. إنها تنتمي إلى تاريخ أطول بكثير وأكثر تنوعًا جغرافيًا.

تُلقي هذه المقارنة الضوء أيضاً على النقاشات السياسية المعاصرة. إذ يرى العديد من أنصار الإسلام السياسي أن الإسلام يقدم رؤية اقتصادية متميزة عن كل من الرأسمالية والاشتراكية. ويُقرّ الإسلام بالأسواق والملكية الخاصة، لكنه يضعها ضمن إطار أخلاقي وقانوني مصمم لمنع الاستغلال وضمان العدالة الاجتماعية.

من هذا المنطلق، يُمثّل الغزالي صياغةً مبكرةً لمفهوم الاقتصاد الأخلاقي، حيث تخضع الأنشطة الاقتصادية للأهداف الأخلاقية والروحية. فالثروة مشروعة، لكنها تحمل في طياتها التزامات. والأسواق مفيدة، لكن يجب أن تعمل ضمن إطار العدالة. فالحياة الاقتصادية ليست مجالاً مستقلاً تحكمه المصلحة الذاتية وحدها، بل هي مجالٌ للمسؤولية الأخلاقية.

العدالة الاقتصادية

كان ماركس يرى أن هذا الإطار غير كافٍ لمعالجة الديناميات الهيكلية للرأسمالية. فالأخلاق الدينية، في رأيه، قد تخفف من حدة الاستغلال، لكنها لا تستطيع القضاء على الآليات الاقتصادية الكامنة التي تولد عدم المساواة. ومع ذلك، تكشف المقارنة عن جانب مهم في شخصية كلا المفكرين.

يذكرنا الغزالي بأن الأسواق لطالما كانت متجذرة في أطر أخلاقية واجتماعية، وليست مجرد آليات تقنية للتوزيع. ويذكرنا ماركس بأن هذه الأطر لا يمكن فهمها دون تحليل البنى الأساسية للسلطة والإنتاج.

لذا، فإن السؤال "هل كان الغزالي ماركسيًا بدائيًا؟" له إجابة بسيطة وأخرى أكثر إثارة للاهتمام. الإجابة البسيطة هي لا. أما الإجابة الأكثر إثارة للاهتمام فهي أن المقارنة تُبرز تقليدًا طويلًا ومعقدًا من التأمل في العدالة الاقتصادية يمتد عبر قرون وحضارات.

قبل وقت طويل من تحليل ماركس للرأسمالية، كان علماء المسلمين يطرحون سؤالاً أساسياً لا يزال يواجهنا حتى اليوم: كيف يمكن للمجتمع أن ينظم الحياة الاقتصادية بطريقة تسمح للأسواق والتجارة بالازدهار مع منع الثروة من أن تصبح مصدراً للظلم والهيمنة؟

 

مقدمة: إشكالية الموقع والموقف

تثير العلاقة بين المركز والهامش أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة وامتداداتها وكيفية تشكل الوعي المضاد داخل بنيات الهيمنة. فالمقاومة، كممارسة وجودية وسياسية، لا تنشأ في فراغ تاريخي بل تتحدد بتوازنات القوى وبتوزيع الأدوار وبتلك الحدود غير المرئية التي ترسمها الخطابات المهيمنة لتمييز الذات عن الآخر والجوهر عن العارض والأصل عن الصورة. غير أن هذه الثنائيات، رغم بداهتها الظاهرية، تخفي شبكات معقدة من العلاقات التبادلية، حيث يصبح المركز مهدداً من داخله والهامش منتجاً لمعنى مضاد يعيد تشكيل قواعد اللعبة.

إن تأمل المقاومة في سياق حداثي يستدعي تجاوز النماذج التقليدية التي تختزلها في فعل التصدي المباشر أو في رفض الأوضاع القائمة. فالحداثة بوصفها مشروعاً عقلانياً وسيرورة متواصلة من التفكك وإعادة التكوين، تمنح المقاومة أبعاداً جديدة تتعلق بالمعرفة والهوية والزمن والفضاء. ففي قلب المؤسسات الجامعة، وفي أطراف المجتمعات المهمشة، تتشكل أشكال من التمرد تختلف في أساليبها وتتقاطع في غاياتها وتتغذى من تناقضات النظام ذاته. لكن السؤال الأعمق الذي يظل معلقاً: هل المقاومة ردّ فعل على القمع أم أنها طاقة إبداعية تسبق أي شكل من أشكال التسلط؟ وهل يفقد الهامش قوته النقدية حين يطمح إلى احتلال المركز أم أنه يكتسب شرعيته من خلال هذه الرغبة ذاتها؟

لعل الإجابة عن هذه الإشكاليات تقتضي مقاربة تعددية تستوعب تنوع مواقع الفعل الإنساني، ولا تكتفي بوصف الظواهر، بل تغوص في بنياتها الأنطولوجية والمعرفية. فالمقاومة في جوهرها ليست مجرد استجابة لظروف خارجية بل هي تشكيل للذات وإعادة ابتكار للعلائق ونقض مستمر للجاهزية التي تفرضها القوى القائمة. ومن هنا، ينبغي أن يتجه التفكير نحو استكشاف كيف يمكن للفعل المقاوم أن يتحرر من إرث المركزية وأن يخلق فضاءات بديلة تعترف بالاختلاف وتحتفي بالغموض وتستبدل منطق الإقصاء بمنطق التضامن المختلف.

 المركز بوصفه موقعاً للسلطة وهشاشة السيادة

يمثل المركز في مختلف السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، تلك النقطة المرجعية التي تُشتق منها المعايير وتُصاغ منها الحقائق وتُوزع منها المشروعيات. فهو ليس مجرد موقع جغرافي أو إداري بل هو بنية معرفية تنتج خطاباً يطمح إلى الكونية ويقدم نفسه باعتباره المقياس الوحيد للعقلانية والجمال والخير. تمارس هذه البنية تأثيرها عبر آليات دقيقة من الإدماج والإقصاء، حيث تُصنف الممارسات والأفعال وفقاً لدرجة اقترابها أو ابتعادها عن نموذج مركزي مفترض. بيد أن هذه الهيمنة ليست مطلقة البتة، فهي تنطوي على تناقضات داخلية وتواجه تحديات تنبع من أسرّتها، مما يجعل المركز في حالة ترقب دائم أشبه بحصن يخشى الاختراق من أولئك الذين يحرسون أبوابه.

تتجلى راهنية هذه الإشكالية في عالم متسارع التحولات، حيث تفقد الحدود وضوحها وتتداخل الأصوات وتتسارع وتيرة التفكيك. إن المركز، لكي يحافظ على نفوذه، يضطر إلى تحديث خطابه واستيعاب قدر من الانتقادات وفتح نوافذ محدودة على الهامش، لكن دون المساس بجوهر سيطرته. وهذه الاستراتيجية التي يمكن وصفها بمرونة الجمود، تخلق فضاءً خصباً للمقاومة الداخلية، حيث يصبح بوسع الفاعلين المنتمين إلى المؤسسات الكبرى أن يمارسوا نوعاً من العصيان الناعم عبر إعادة تفسير القواعد أو استغلال ثغراتها أو المماطلة في تنفيذها. فالمقاومة في المركز لا تتخذ غالباً شكل المواجهة العلنية بل تتخفى وراء أقنعة الموالاة وتعمل بوساطة السخرية والمفارقة والالتفاف على النصوص دون خرقها صراحة.

وإذا كان ميشيل فوكو قد أشار إلى أن السلطة ليست ملكية بل استراتيجية، وأنها تمارس أكثر مما تمتلك، فإن هذه الرؤية تفتح الباب لفهم المقاومة كجزء لا يتجزأ من العلاقات السلطوية نفسها. فالمركز، في منظوره، لا يخلو من فجوات وتصدعات تسمح بظهور أصوات معارضة بل إن هذه الأصوات هي التي تجدد الحيوية في جسم المؤسسات وتمنعها من التحجر. غير أن الخطر الذي يتهدد المقاومة الداخلية يكمن في استيعابها داخل لعبة السلطة، حيث تتحول إلى مجرد تنفيس عن التوترات أو إلى آلية لتبرير استمرار الوضع الراهن. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين المقاومة المؤسساتية التي تعيد إنتاج المركز، والمقاومة التحويلية التي تسعى إلى إعادة توزيع المقاعد على رقعة الشطرنج كلها.

إن التفكير حول المركز وهامشيته يستدعي أيضاً الانتباه إلى البعد الزمني، إذ أن المركزية كثيراً ما ترتبط بسردية التقدم، حيث يُصوَّر المركز على أنه طليعة التاريخ والهامش على أنه بقايا ماضٍ متخلف. وهذه النزعة التطورية تشكل أداة فعالة في تبرير الهيمنة وممارسة نوع من العنف الرمزي يدفع المهمشين إلى استبطان دونيتهم والسعي إلى محاكاة النموذج المركزي بدلاً من نقد أسسه. لكن الفكر الحداثي، في منعطفاته النقدية، كشف عن زيف هذه الخطابات وأظهر أن ما يُقدم كمسلمات عقلانية هو في الحقيقة نتاج ظروف تاريخية محددة ومصالح فئوية مضمرة. وهكذا، يصبح تفكيك المركزية المعرفية شرطاً لأي مقاومة جذرية لا تكتفي بتغيير ملامح الوجه بل تعيد النظر في بنية الجسد برمته.

الهامش كمساحة للإبداع وتعدد المرجعيات

على الضفة الأخرى من التقسيم الثنائي، يقبع الهامش بوصفه تلك المنطقة التي تعرفها النظرية الاجتماعية غالباً بصفات النقص أو الانحراف أو التأخر. لكن هذه الصفات ليست سوى انعكاسات لرؤية المركز لذاته، وهي لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري في تلك المناطق التي يتعذر اختزالها في قوالب جاهزة. فالهامش، بعيداً عن كونه مجرد وعاء للسلبية، يزخر بطاقات إبداعية وبأشكال من المعرفة العملية وبعلاقات اجتماعية تفلت من قبضة الشكلانية المؤسساتية. إنه الفضاء الذي تنبت فيه بدائل ممكنة لأنظمة العيش والتفكير، حيث تتشابك الأنساق الثقافية المختلفة وتنتج توليفات غير متوقعة تتحدى ثنائيات المركزية.

إن المقاومة في الهامش تتخذ أحياناً أشكالاً عنيفة وصاخبة، كالثورات والانتفاضات، لكنها في معظم الأحيان تكون أكثر ليونة وانتشاراً، إذ تتخلل الممارسات اليومية وتتجسد في الحكايات الشفهية والأغاني والطقوس الدينية وأساليب التعامل مع البيئة المحيطة. هذه المقاومة الخفية التي أشار إليها كل من جيمس سكوت وميشال دو سيرتو، تتميز بقدرتها على التملص من شبكات المراقبة وصنع فضاءات للحرية داخل نسيج القهر ذاته. غير أن الخطأ الشائع هو النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها مجرد ردود أفعال تجاه ضغوط الخارج، في حين أنها تشكل في واقعها نسيجاً ثقافياً مستقلاً يحمل رؤيته الخاصة للعالم ويبتكر حلولاً لتناقضات لا تعترف بها الأطر المرجعية السائدة.

المدهش في ديناميكية المركز والهامش أن العلاقة بينهما ليست أحادية الاتجاه، بل هي أشبه بحوار صاخب تتعدد فيه اللغات وتتداخل فيه الأصوات. فالهامش يؤثر في المركز بطرق غير مباشرة، عبر تسريب مفاهيمه وممارساته وحساسياته الجمالية، في عملية تمثل نوعاً من الاستعمار العكسي. ولعل التاريخ الثقافي للمدن الكبرى خير شاهد على كيف أن إبداعات الأحياء الفقيرة والمجتمعات المهاجرة والفئات المضطهدة أصبحت تشكل مادة خاماً لإنتاجات المركز الثقافية والاقتصادية. ولكن هذه الإسهامات تُسجل غالباً باسم المركز ويُعاد صياغتها بلغته، مما يثير سؤالاً أخلاقياً حول نهب التراث الرمزي وشروط الاعتراف بالآخر.

من هذا المنظور، يمكن القول إن الهامش يحمل في طياته نقداً ضمنياً لعقلانية المركز، ذلك لأنه يعيش التناقض بشكل أكثر حدة ويدرك أن الواحدية المعرفية لا تتسع لتعدد التجارب الإنسانية. إن تجربة التهميش تمنح الفاعلين فيها حساً مرهفاً بالغبن، لكنها تمنحهم أيضاً القدرة على رؤية الصورة كاملة، لأنهم يقفون خارج إطارها التقليدي. وهذه النظرة الشاملة التي يفتقر إليها كثيراً من ساكني المركز، تجعل من الهامش موقعاً امتيازياً لإنتاج معرفة نقدية قادرة على كشف الأسس المتزعزعة للأنظمة التي تبدو راسخة. غير أن هذه الميزة المعرفية لا تتحقق تلقائياً بل تستدعي جهداً واعياً لتجاوز آلام الإقصاء وتحويلها إلى طاقة تأملية، بدلاً من الانزلاق إلى مطامح انتقامية تعيد إنتاج منطق المركز على نحو مقلوب.

 حوارية المقاومة وتشابك المصائر

على الرغم من التمايز الظاهري بين مقاومة المركز ومقاومة الهامش، فإن الفصل الحاد بينهما يبقى شكليا، لأنه يتجاهل التشابك العضوي الذي يربط الموقعين في سياق تاريخي مشترك. فالمقاومة، في جوهرها، ليست ملكية حصرية لأي من الطرفين بل هي علاقة ديناميكية تنتج من احتكاك القوى وتتغذى من تناقضات كل منهما. إن المركز بحاجة إلى الهامش ليعرّف ذاته، والهامش بحاجة إلى المركز ليكون له موضوع للمعارضة، لكن هذه العلاقة الثنائية قد تتحول إلى شراكة في التغيير إذا ما أدرك كل طرف أن مصيره مرتبط بمصير الآخر، وأن أي تحول حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون إعادة توزيع جذرية للسلطة والمعرفة والثروة.

قد يبدو هذا الطرح طوباوياً في نظر البعض، خصوصاً في ظل تفاقم أوجه اللامساواة عالمياً وتصلب المواقف الأيديولوجية وتنامي خطابات الكراهية والإقصاء. لكن الفكر الحداثي، في توجهاته الأخيرة، يدعو إلى تجاوز منطق الأضداد والتفكير في علائق أكثر مرونة تعترف بالاختلاف ولا ترفع الصراع إلى مرتبة الغائية التاريخية. المقاومة الإبداعية هي تلك التي لا تكتفي بفضح عيوب الخصم بل تنشغل ببناء أنموذج جديد للتعايش، يستوعب التنوع البشري بكل تعقيداته ويستبدل إرادة السيطرة بإرادة التفاهم. هذا لا يعني التخلي عن النضال بل إعادة تعريف النضال بوصفه ممارسة دائمة لإنتاج المعنى بدلاً من أن يكون مجرد صراع على الحصص.

إن مسؤولية المثقف، في هذا السياق، تتجاوز دوره التقليدي كونه ناقداً أو مرشداً، إلى دور الوسيط الذي يترجم آلام الهامش إلى لغة يفهمها المركز ويفكك مسلمات المركز بلغة يفهمها الهامش دون أن يخون خصوصية أي من الطرفين. هذه المهمة الصعبة تستدعي شجاعة معرفية ورغبة في المغامرة خارج المناطق الآمنة واستعداداً لتحمل تهمة الخيانة من الجانبين. غير أن هذه الخيانة المتهم بها الوسيط قد تكون في الواقع أسمى صور الوفاء للحقيقة التي لا تنتمي إلى أحد بل تلوح في الأفق كلما اقتربنا من تفكيك الأقنعة التي تخفي وحدة المصير الإنساني تحت ستار الانقسامات المصطنعة.

لكل ما سبق، يمكن القول بأن المقاومة المعاصرة بحاجة إلى إعادة تأسيس على مستوى النظرية والممارسة، بحيث لا تظل رهينة لتصورات المركز التي تجعل منها مجرد رد فعل ولا أسيرة لأوهام الهامش التي تحلم بقلب الطاولة دون تغيير قوانين اللعبة. إننا أمام فرصة تاريخية نادرة لتجاوز الصراع الثنائي والانطلاق نحو أفق ثالث يقوم على الاعتراف المتبادل والتضامن الأفقي والتعاون المختلف. هذا الأفق لا يلغي التوترات بل يضعها في إطار خلاق، حيث يصبح الخلاف مصدراً للغنى والتنافس مدعاة للابتكار، والاختلاف أساساً للوحدة المنشودة.

نقد الحداثة واستعادة الفعل المقاوم

لا يمكن الحديث عن المقاومة في الزمن الراهن دون العودة إلى مشروع الحداثة نفسه، ذلك المشروع الذي وُلد من رحم الثورات العلمية والفلسفية والسياسية التي اجتاحت أوروبا منذ القرن السابع عشر وحمل معه وعوداً بالتحرر والعقلنة والتقدم. غير أن هذه الوعود، كما يقرر نقاد الحداثة من أمثال تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، تحولت إلى أدوات لهيمنة جديدة، حيث أصبحت العقلانية الآلية والنزعة الأداتية عبئاً على الإنسانية بدلاً من أن تكون منقذاً لها. فالمقاومة، في هذا السياق، لا ينبغي أن تكون دفاعاً عن الحداثة بقدر ما تكون رفضاً لانغلاقها على نفسها وتذكيراً لها بما أهملته من أبعاد جمالية وأخلاقية في سباقها نحو السيطرة على الطبيعة والإنسان.

إن النقد الحداثي للمقاومة يتطلب الحذر من الوقوع في فخ النسبوية المطلقة، أو الانغماس في تشاؤم ما بعد الحداثة الذي ينفي إمكانية أي تحول جماعي. المقاومة التي نرتجيها هي تلك التي تستلهم روح الحداثة النقدية، أي قدرتها على مساءلة المسلمات وكسر التابوهات، دون أن تتخلى عن الإيمان بقيمة الحقيقة والعدالة والحرية. إنها مقاومة تعرف أنها ليست الأولى ولا الأخيرة وأن كل انتصار يحمل في طياته بذور هزيمته وكل هزيمة تفتح آفاقاً لانتصارات قادمة. وهذا الوعي الجدلي يحمي المقاومة من الغرور ويمنحها مرونة تمكنها من التكيف مع تحولات الزمن دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.

في هذا المنحى، تبرز أهمية استعادة مفهوم "الفعل" بوصفه محوراً للمقاومة، بعيداً عن كل أشكال السلبية والانتظار. فالفعل المقاوم ليس مجرد استجابة للظروف بل هو خلق للظروف وتغيير لقواعد اللعبة وإنتاج لمعانٍ جديدة. والفعل هنا يفترض وعياً ذاتياً وقدرة على التخيل وشجاعة على المخاطرة وإرادة على التحمل. هذه الصفات تجتمع في الشخصية الحداثية التي لا تنتمي بالكامل إلى أي معسكر بل تظل في حالة من الترحال الفكري تمتحن الأفكار بالممارسة وتصحح الممارسة بالنظر النقدي. وإن كان هذا النموذج صعب المنال، فإنه يبقى مثالاً ينير الطريق ويدفع نحو اقتحام المجهول بثقة متواضعة.

ما يلفت النظر في تحولات المقاومة الحديثة هو ظهور أشكال جديدة من التضامن تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الهوياتية التقليدية، لتشمل قضايا البيئة والجنس والتكنولوجيا والمعرفة الرقمية. هذه التضامنات العابرة للقارات تشكل نوعاً من الهامش العالمي الذي يواجه مركزية الرأسمالية والإمبريالية الثقافية واستغلال الموارد الطبيعية. غير أن هذه الشبكات تواجه بدورها تحديات تتعلق بالتماسك وبتوزيع الأدوار وبإمكانية تحويل طاقتها الاحتجاجية إلى برامج بناءة. وهنا تعود إشكالية المركز والهامش لتطرح نفسها على مستويات متعددة، مما يستدعي وعياً مركباً قادراً على الربط بين المحلي والعالمي وبين اللحظي والتاريخي وبين الخاص والعام.

 نحو فلسفة للمقاومة المتجسدة

لكل ما تقدم، يبدو من الضروري تجاوز النظريات المجردة في معالجة المقاومة، والاتجاه نحو فكر يولي اهتماماً كبيراً للتجربة المعاشة، وللجسد بوصفه مسرحاً للصراع والتحرر. فالجسد، في منظومة المركز، يُختزل إلى موضوع للمراقبة والتأديب والاستثمار، بينما في منطق الهامش، قد يتحول إلى أداة للصمود والتعبير والانتفاض. المقاومة المتجسدة هي تلك التي تستعيد وعي الجسد بحدوده وإمكاناته وتستثمر ألمه في صنع رؤى جديدة للعالم وتجعل من شهوته ورهبته مصدراً للجمال والمقاومة في آن. هذا المنحى، الذي تجسد في فلسفات نيتشه وفوكو ودولوز، يفتح أمامنا آفاقاً لفهم المقاومة كطاقة إبداعية تتدفق في كينونة الإنسان وتتجاوز كل تقسيم ثنائي بين الروح والجسد، الفكر والفعل، الفرد والجماعة.

إن فلسفة المقاومة المتجسدة لا ترفض العقل بل توسع مفهومه ليشمل العاطفة والحدس والممارسة، كما لا تهمل البنى الاجتماعية، بل تنظر إليها باعتبارها نتاجاً لتجسيدات تاريخية قابلة للتغيير. ومن هنا، يصبح التغيير ممكناً عندما يتشكل وعي جديد بالجسد الجماعي، أي بالعلاقات التي تربط الأجساد فيما بينها، وتشكل شبكات من التأثير والتأثر. هذه الشبكات قد تكون مواقع للمقاومة حين تتحرر من هيمنة الصور النمطية وتستعيد قدرتها على الدهشة وعلى ابتكار أساليب عيش بديلة تفلت من قبضة التطبيع. وعلى هذا النحو، تتحول المقاومة إلى فن للوجود لا إلى مجرد سياسة للنفي.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا الفكر هو كيفية ترجمته إلى ممارسات سياسية واجتماعية ملموسة، دون أن يفقد غناه النظري، ودون أن تتحول إلى أيديولوجيا جديدة تكرر أخطاء سابقاتها. ولعل الحل يكمن في الحفاظ على التوتر الخلاق بين الطموحات الكبرى والإنجازات الجزئية، بين الرؤية الشاملة والخطوات التكتيكية، بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل. هذه المقاومة الهجينة، التي تمتزج فيها العزيمة بالدهاء والجدية بالسخرية والانتماء بالانفتاح، هي الأقدر على الصمود في وجه عواصف العولمة والتقلبات الاقتصادية والأزمات الوجودية التي تعصف بالإنسان المعاصر.

 خاتمة: في أفق مقاومة لانهائية

في ختام هذه التأملات، يبدو جلياً أن المقاومة ليست حالة استثنائية تظهر في لحظات الأزمات بل هي بُعد أصيل في الوجود الإنساني يرافق حركة التاريخ ويعكس قدرة الإنسان على تجاوز واقعه نحو آفاق جديدة. المركز والهامش، في هذه الرؤية، ليسا موقعين جامدين بل هما قطبان يتجاذبان ويتداخلان ويتبادلان الأدوار، مما يجعل أي مشروع مقاوم دائرياً بطبيعته، ممتداً في الزمان، متعدداً في المكان. وعليه، فإن السعي إلى تحرر نهائي أو إلى عدالة كاملة، هو وهم يغذيه الخيال المثالي، بينما الرجاء الحقيقي يكمن في القدرة على الاستمرار في المقاومة وتجديد أدواتها وتنويع أساليبها، مع إدراك أن كل نضال يفتح الطريق لنضالات لاحقة، وأن معنى الحرية يكمن في ممارستها ذاتها أكثر مما في تحقيقها كغاية.

إذا كانت الفلسفة الحديثة قد علمتنا شيئاً، فهو أن الإجابة عن الأسئلة الكبرى لا تكون بإغلاقها بل بإبقائها مفتوحة وتعميق حيرتها وجعلها قوة دافعة للتفكير والعمل. المقاومة بهذا المعنى هي حب للحياة ورغبة في تجاوز المألوف وإصرار على صنع معنى حيث يبدو العبث مسيطراً. وهي، في العمق، احتفال بتعدد الأصوات واعتراف بجمال الاختلاف وتوكيد لقيمة التضامن في عالم تمزقه آليات التنافس. إنها، أخيراً، نداء للخروج من شرنقة الأنانية والانطلاق نحو فضاءات مشتركة تلتقي فيها آلام الجميع وآمالهم، لتشكل نسيجاً لا ينفصم من الكرامة المشتركة والأفق المتجدد للأمل.

***

عبد السلام مسعودي

إذا ما حاولنا عبر غرابيل التحليل الحفرية، وضمن نسق فكري يستوعب حركة المفاهيم في التاريخ لا في الفراغ أن نقترب من مفهوم الإرهاب في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، نجد أن من الخطأ المنهجي أن نبدأ من لحظة حضوره الاصطلاحي الحديث فحسب؛ لأن ذلك يُعدُّ ضربًا من عمل المجتزئين الذين يفصلون المفهوم عن جذوره التراثية، الأمر الذي يقودنا إلى زيغ في الفهم الفلسفي، ويقتطع الدلالات من سياقاتها التاريخية.

فالعنف المنفلت ليس مفهومًا وُلِد فجأة في حاضرنا المعيش، بل هو بناءٌ دلاليٌّ مركب، تتداخل في تكوينه نسقية معقدة من الطبقات اللغوية والصراعات السياسية، جعلته من أكثر مفاهيم الوقت المعيش التباسًا وتنازعًا. فلو تتبعنا نهج التأصيل الأوّلي، لوجدنا أن الجذر اللغوي (رهب) في العربية كان يحيل في الأصل إلى معانٍ تتصل بالخوف والخشية، وهي دلالات لم تكن في مهدها مشحونة بالصراعات السياسية الحديثة. فالمعنى اللغوي يحيل إلى التخويف والفزع؛ إذ جاء في لسان العرب: رَهِبَ... أي خاف، وذكر الراغب الأصفهاني أن الرهبة هي مخافة مع تحرّز واضطراب، وهو قيد مهم يوضح كيف تشكلت الملامح الأولى للمفهوم في الوعي الجمعي القديم، ناهيك عن كونه يدل على أن المعنى لا يقف عند مجرد الفزع، بل يتصل بحالة من اليقظة والاستنفار.

 بل إن الاستعمال القرآني ذاته قد حمل هذا الجذر في سياقات متعددة؛ فبينما يتناوله المتأولون تارة في مقام الخشية التعبدية والإيمانية من الله، نلمحه تارة أخرى يتصل بإعداد القوة السيادية وردع الأعداء، كما في قوله تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوَّ الله وعدوَّكم). وهنا يبدو للباحث الحصيف أن لفظ الإرهاب في الاستعمال النصي القديم لا ينصرف أبدًا إلى الاعتداء العبثي، بل يدخل في باب الردع المشروع لحماية الأمة من عدوان الأغيار والخارجين، وصيانة أمن الجماعة؛ لذا فإن خلط هذا السياق بالتعريف الحديث ليس إلا شططاً يمارسه بعض المجترئين على الحقائق الدلالية والتشريعية.

وإذا ما انتقلنا إلى التاريخ الإسلامي المبكر، نلاحظ أن الفعل العنيف الذي يهدد استقرار الأمة لم يكن يُصاغ داخل مفردة الإرهاب بصيغتها المعاصرة، بل كان يدور في فلك مفاهيم صاغها مجتمع المتفقهين بدقة، مثل: الفتنة، والبغي، والحرابة، والخروج. ونجد أن لكل مصطلح من هاتيك المصطلحات وظيفته وحدوده داخل البناء الفقهي؛ فالحرابة تشير لتهديد الأمن العام، والتعدي على الأنفس والأموال، والبغي يتصل بالخروج المسلح ذي الشبهة، والفتنة تشير لاختلال العمران المعنوي والسياسي. هذا التعدد المفهومي منع الوعي الجمعي من السقوط في فخ التعميم والخلط.

 ومن جهة أخرى، فإن حضور الترويع في التاريخ لم يكن حكرًا على الخوارج أو حركات المتأسلمين في ذلك العصر، بل قد يظهر في ممارسات السلطان نفسه حين تتحول السياسة إلى بطش وقهر واستبداد. لقد واجهت الأمة عبر تاريخها حركات مارست ما يشبه التجديف الفكري والسياسي، وخرجت بجنوحها عن الإجماع، وظل الخطاب الفقهي يصف هؤلاء المجدفين والخارجين بالمارقين وأهل الجور، متخذين في ذلك نهوجاً تحليلية صارمة ومفرقة بين ممارسات السلطة الجائرة وممارسات الجماعات المنفلتة، دون إدراجهم تحت مسمى الإرهاب بمفهومه الحداثي الوافد.

أما التحول الحاسم فقد بدأ مع الاحتكاك بالعالم الغربي الحديث، حيث أخذ المثاقفين العرب، ومعهم قادة الرأي وشبيبة الفكر المتطلع للتجديد، يتعرفون على مفاهيم السياسة الأوروبية الحديثة، ومنها مصطلح (terror) الذي ارتبط بعهد الرعب في الثورة الفرنسية. وهنا انفتحت الأبواب أمام ترجمة المفهوم وتأويله، ودخلنا في طور جديد أصبحت فيه المصطلحات ساحة للتنازع الاصطلاحي، الأمر الذي استغله بعض المشككين لإرباك المفاهيم الثابتة والخلط بين المقاومة المشروعة والتخريب المنفلت.

وبذلك نعلم أن الإرهاب لم يكن في التراث الإسلامي مفهومًا مستقلًا باسمِه الحديث، بل تطور عبر سياقات متحركة تتجاذبها السياسة والأيديولوجيا والقانون.

واليوم، حري بنا أن نعيد قراءة هذه التحولات بعين واعية تفكك المصطلحات بدقة، حتى نفهم حاضرنا بعيداً عن زيغ التأويل وسوء التوظيف.

للحديث بقية...

***

بقلم: د. بدر الفيومي

غادرتُ جامعة الزيتونة في تونس، منذ زهاء ثلاثة عقود، بعد أن لبثتُ في رحابها عقدًا بأكمله، طيلة فترة التحصيل الجامعي، وإلى غاية إعداد رسالة الدكتوراه حول المقاربة الدينية لليهودية في الفكر العربي. مع ذلك لم أنقطع عن متابعة أحوال الزيتونة وأحوال مثيلاتها من الجامعات التاريخية في أرجاء البلاد العربية. لعلّ ذلك الهاجس هو ما دفعني إلى إهداء أوّل عمل ترجمة أنجزته لمّا كنت طالبا إلى "الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر"، وهو كتاب "علم الأديان" للأنثروبولوجي الفرنسي ميشال مسلان. ورغم اتخاذي روما مقاما والتحاقي بالتدريس في الجامعة الإيطالية، ظلّ الإسهام في الإنماء المعرفي العربي حاضرا لديّ، وذلك بموجب عاملين أساسيين: حرصي على تطوير المناهج العلمية لدراسة الأديان في البلاد العربية بحثًا وترجمةً؛ واشتغالي بالشأن العربي والإسلامي في قسم الدراسات الشرقية في الجامعات الإيطالية التي درّستُ فيها سواء في نابولي أو في روما.

ونحن نعالج موضوع "أزمة التكوين الجامعي" حريّ أن نستهلّ الحديث من البدايات. "أليس الصبح بقريب؟" هو عنوان كتاب، أو بالأحرى هو برنامج إصلاحي تعليمي سطره الراحل محمد الطاهر ابن عاشور خلال صائفة 1907، على أمل تطوير التعليم من أجل خلق خرّيج فاعل في المجتمع، ودارس مستوعب لقضايا العصر، حائز لما يكفي من الأدوات العلمية والمعرفية. وأحسب أنّ البرنامج لا يزال حيّا وملحّا، حين نرى دروس جامعاتنا الدينية ومناهجها التعليمية لا تنأى كثيرا عمّا نسمعه في خطب الوعظ في المساجد وفي دروس الحسينيات. والمنهج الرثّ والعقيم في كثير من مضامينه وأساليبه، ليس خاصية من خاصيات كليات الشريعة، بل هو شائع في شتى الكليات المدرّسة للعلوم الإنسانية والاجتماعية أيضا. أتساءل أحيانا أين علم الاجتماع العربي ومدرسته المغاربية الرائدة في المجال، من حيث الانشغال بالدين ولواحقه؟ وهل بلغ إلى مسامعنا الحديث عن علم الاجتماع الديني، وسوسيولوجيا الأديان، والأنثروبولوجيا الدينية، و"الدراسات الدينية" (Religious studies)؟ وكيف لمجتمعات تتنفّس المقدّس وتستهلكه كما تستهلك الخبز والماء، والدّين يقع خارج اهتماماتها العلمية والبحثية المواكبة لتحولات العصر.

البيّن أنّ ثمة خللا مستفحلا في كثير من جامعات بلاد المغرب الكبير، يتمثّل في افتقاد استراتيجية الترابط بين حلقات التكوين، والاستيعاب، والإحاطة بمسارات المعرفة، ممّا حوّلها إلى مؤسّسات مقصّرة في الإسهام في صنع التنمية في أوطانها، وواهنة عن منافسة نظيراتها من المؤسسات العلمية المعتبرة، وبالتالي متخلِّفة بمقاييس جدوى أبحاثها، وقوة كوادرها، ومتانة تكوين خرّيجيها. إذ لم يعد العقل الأكاديمي، منذ ارتباك الاستراتيجيا الوطنية في الخيارات التعليمية، عقلا حاضرا في معترك الحياة ومواكبا لسير المجتمعات، بل غدا عقلا منكفئا على أحواله ومستمرئا لأوضاعه السيكولوجية الاجتماعية لفقدانه حسّ الإحاطة بالماحول والتشوّف قدما، نظرًا للضيق الرؤيوي، والتخبّط المعرفي، والكسل العلمي المستشري بين كثير من الكوادر الجامعية المتحكمة بمصائر الوسط الأكاديمي وأهليه.

الأمر الذي جعل العقل الجامعي سجين مناخاته، ومستفرِغا قدراته في الهراء الذي ينتجه ويعيد تدويره. لسنا هنا بصدد إعداد جرد حساب أو جلد للذّات، لأنّ هذا المقال ليس ذلك مقصده، وإنما غرضنا التملّي في العُقد المستعصية التي جرّت إلى هذا التخبّط وتفكيكها، والتي حالت دون بناء قدرات عتيدة تتحاور بجدارة مع بات معروضا على نطاق كوني، إلى حدّ انكفأنا عن عرض مخزوننا الحضاري العربي والإسلامي، وليتكفّل به غيرنا في الموسوعات العالمية المعنية بتراثنا وثقافتنا، وما شابهها من المداخل العلمية المعتبرة التي باتت البوابة الرئيسة لمعرفة ماضينا وحاضرنا على نطاق عالمي.

وجهٌ بسيطٌ من أوجه هذا التيه الذي نعانيه، يتجلى في شكل تواصلنا مع العالم. ففي قطاع الترجمة الذي أتابعه عن كثب منذ سنوات، وفي أوساط جامعية مغاربية بعضها يدرّس اللغة والآداب الإيطالية منذ أمد يزيد عن نصف قرن، بَيْد أنها لا تملك في أحضانها أو ضمن دفعات خرّيجيها مترجما مقتدرا على ترجمة كتاب أطفال في عربية نقيّة تليق بناشئتنا. وهذا عجب عجاب وحديث لا يصدّق لدى من لا يعرف البيت من الداخل، ولكنّه واقع أليم عن هدر الزمن الدراسي، واستنزاف الأموال العامة، وعن شهادات خادعة صادرة عن جامعات مشوّهة. ومن شاء التثبّت من الأمر، فليبحث عن مترجمين مقتدرين من الإيطالية وإليها على طول خارطة بلاد المغرب الكبير وعرضها، باستثناء ثلّة قليلة جدّا. والسؤال المطروح: هل العقل الأكاديمي المنهَك والمستنزَف في اللّغو والعبث هو قادر على التواصل مع أكاديميات عالمية والتحاور مع كوادرها بندّية والتثاقف مع مخزونها الحضاري بكفاءة واقتدار؟ سألني ذات مرة صحفي مغاربي أثناء برنامج إذاعي، وإحدى الدول المغاربية تتأهّب لعقد شراكة اقتصادية واعدة مع إيطاليا: كيف سنخوض هذه الشراكة وليس لدينا من يفقه الإيطالية؟ فلم أجد جوابا لهول الطامة.

والبيّن أنّ العياء الذي يُعيق جامعاتنا عن أداء دورها، هو على صلة وثيقة بالقدرات المتدنّية أحيانا لمسؤوليها والساهرين عليها. فخلال إحدى زياراتي لرئيس جامعة مغاربية حدّثني عن التطلّع إلى تحويل الجامعة التي يترأّسها إلى جامعة عالمية تستقطب الطلاب من شتى أرجاء المعمورة، وتروّج المعارفَ شرقا وغربا نظرًا للرمزية الفائقة التي تحوزها، في حين هو لا يحسن غير العربية، وانشغالاته لا تتعدّى فقه القرون الخوالي. فهل ذلك الصنف ممّن توكل إليه مهام المؤسّسات العريقة، لديه القدرة على التواصل مع العالم وفهم مقتضياته؟ لا أدري أين تقف مختلف جامعاتنا للدراسات الدينية والإنسانية والاجتماعية والسياسية من مسارات العالم اليوم وحاجاته ومتطلّباته؟ والحال أنها تعقد الندوات والملتقيات، وتنشئ حلقات البحث التي تعجّ بالباحثين والباحثات، مع ذلك تظلّ غير واعية بما يجري في العالم وتظلّ منطوية على أسفارها القديمة وتلوك قضايا مهجورة. خلال السنوات القليلة الماضية كانت مشاركتي في مؤتمر دولي حشِدت له "كفاءات الأمة" -كما قيل- تَعلّق باستيعاب الآخر ضمن نسيج الأوطان، وهو موضوع مغر ولافت. لم يَتمحور الحديث فيه حول مقتضيات المواطَنة وتحدّياتها في الزمن المعولم، بل تركّز الحديث حول مؤسسة أهل الذمة والدفاع المستميت عنها من قبل جلّ المتدخّلين، فيا له من اغتراب عن قضايا عالم متبدّل! وفي مناسبة أخرى دعيت بإلحاح من إحدى جامعاتنا المغاربية للمشاركة بمداخلة علمية ضمن ندوة دولية تتناول موضوع "الدعاء" وأثره في الإنسان والمجتمع. بقيت متأرجحا بين المشاركة والإحجام، ثم حسمت الأمر حين تذكرت قول الراحل علي شريعتي الوارد في كتيّب بعنوان "النباهة والاستحمار"، يحمل فيه الرجل على المفاهيم البائسة، لما فيه من خيانة جلية لجوهر الدين، قائلا: عندما يشبّ حريق في بيت، ويدعوك أحد للدّعاء والتضرّع إلى الله، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن لأنّ الاهتمام بغير إطفاء الحريق، والانصراف عنه إلى عمل آخر، هو الاستحمار، وإن كان عملا مقدّسا.

وقوفي على مشارف ضفّتين حضاريتين، جعلني متيقّظا لرصد أشكال التمايز والتفاوت بين المناهج والمقاربات، وعلى غاية من الحساسية في هذا الشأن. فمنذ أيام قليلة احتفت كوكبة من المستعربين والمتخصّصين الإيطاليين في دراسات الإسلام بإنجاز عمل ضخم (588 صفحة) وفي غاية من الإتقان والإخراج، بعنوان "العوالم الإسلامية" من إعداد الأستاذين ميكالي برنارديني وروبارتو توتولي من منشورات "دار موندادوري". تابع حشدٌ من المساهمين، كلّ من زاوية تخصّصه، المنجزَ المعرفي، والتحوّلَ الحضاري، والوضع السياسي والاجتماعي، لمجمل أطراف العالم الإسلامي وحواضره، أو كما أطلقوا عليها العوالم الإسلامية. جاءت الأبحاث ذات منزع تاريخي، وسوسيولوجي، وسياسي، وفقهي، وحضاري، وغاصت في الزمن الإسلامي بأبعاده الثلاثة الماضية والراهنة والآتية. الكتاب جديرٌ بالاطلاع والتمعّن والترجمة أيضا لمواكبة ما يشغل الآخر، ولإدراك أي زوايا ينظر منها إلى حضارتنا وشعوبنا ومعارفنا. بَيْد أنّ إيطاليا القريبة من بلاد المغرب جغرافيا تبدو قصيّة معرفيا، وكأنّها في كوكب ناء عن كوكبنا بالنسبة إلى عقلنا الأكاديمي، وقِس على ذلك جيراننا الأوروبيين الذين يقاسموننا المتوسّط. فالجامعة التي يفترض أن تكون في آن، المنصة التي تتقدّم جميع المبادرات والقاطرة التي تجرّ مختلف العربات، إذا بها تتحوّل إلى هيكل خائر ومقعَد.

فكما أشرت آنفا، مرّت عقود ثلاثة تقريبا على اختياري إيطاليا مقاما، أنتجت خلالها عشرة مؤلفات وعشر ترجمات وسهرت على نقل مئة (100 عمل) من الإيطالية إلى العربية والعكس، في التاريخ، والقانون، وعلم الاجتماع، وأدب الناشئة، والسينما، والشعر، بمعية ثلّة من المترجمين، جلّها لفائدة مشروع كلمة في أبوظبي.. أذكر أثناء انعقاد ندوة في دولة مغاربية لمّا اطّلع أستاذ جامعي على سيرتي الذاتية وكان يشاركني الجلسة، ولم تربطني به علاقة سابقة، علّق هازئا ساخرا: لديك "إسهاب" في الكتابة! فلم أعر قوله اهتماما، لأنّي أدرك أنّ الكسل الأكاديمي في أوساط جامعية قد بات قيمة وفخارا.

غالبا ما يتمحور الحديث مع زملائي من الجامعات المغاربية، حين نلتقي، حول تقصّي أخبار البحث العلمي، والسؤال عن المشاريع المعرفية التي تشغل بال الدارسين والباحثين. ولكن نادرا ما أظفر بما يثلج الصدر، أو أجد كلفا حقيقيا بالبحث والإنتاج العلمي على غرار ما رافق الرعيل الأول من رواد الجامعات المغاربية مع الراحلين محمد عابد الجابري، ومحمد الطالبي، وعلي فهمي خشيم، والمنصف ونّاس ومن شابههم. وقد بات يسترعي انتباهي أنّ الفطاحلة الجدد الموكّلين بمهمة النهوض بالوعي الأكاديمي المغاربي قد أضحى لا يشغل بال الكثير منهم البحث العلمي ولا الإنتاج المعرفي، ولكن تشغلهم مزارع الحبوب، وإصطبلات المواشي، والمناقصات التجارية، ومضامير الخيل التي يستثمرون فيها. وكثير منهم غدوا يعتبرون مهنة التعليم والبحث لا تدرّ ربحا مجزيا، ولم يبق فضاء الجامعة معهم سوى لاكتساب الوجاهة وحيازة الكاريزما الواهية. حتى أنّ البحث عن الترقي في سلّم الوظيفة، في الجامعات العمومية، بات التماسه بأي ذريعة كانت، ومن أعيته الحيلة في الترقّي النزيه صار يمارس النطّ عبر ما يسمّى بالنشر "على الحساب الخاص" ومن ثَمّ صعود مصعد الترقّي بما تمّ دفع أجره، بحثًا عن الزيادة في المرتّب واقتلاع درجة علمية ووظيفية أعلى. أضحى هذا الأمر سائدا بشكل مشين وبائس يندى له الجبين. حيث تُطبع أعمال لا يتوفّر فيها الشرط العلمي أو الأكاديمي، وقد تنطوي على مجاهل وليس معارف، ومفعمة بالأخطاء "المتوحشة" لضراوة ما تنطوي عليه من مساوئ، ولكنّها مجدية في اجتياز سلّم الترقي الوظيفي.

ومن جانب آخر، حين يكون الزّاد المعرفي الذي يتلقّاه الطالب طيلة مشواره التكويني لا يخلّف فيه نباهة حضارية، ولا مقدرة علمية، ولا معرفة متينة بالحقل الذي تخصّص فيه، فمن الطبيعي أن يتلبّد المستقبل بالغيوم ويتبخّر الرهان المعوّل عليه، ويغدو الأستاذ والباحث والدارس طرفا ضمن من ينتظرون الإنقاذ لا عناصر فاعلة في تطوير الوطن وإنمائه. ينطبق هذا الوضع على ألوف الخرّيجين من جامعاتنا وقد باتوا جزءا لا يتجزّأ من ثقافة موبوءة ومن مناخ أكاديمي فاسد ومفسد.

وقد كان الأحرى التطرّق في جامعات العلوم الدينية والاجتماعية والإنسانيات وما شابهها، إلى أزمة خرّيجيها، وهشاشة تكوينها، وخواء طروحاتها، وكساح أساتذتها أيضا، وهو ما أخرجها من معايير التصنيف العالمية وعدم اقتدارها على خوض سباق المنافسة على جميع الأصعدة؛ ولكن غالبا ما يقع الاختباء وراء "الظروف"، ونقص الاعتمادات، وتدنّي المستويات، وهي في جلّها تعليلات واهية.

الذي حصل أنّ الجامعة في بلاد المغرب الكبير وفي المشرق قد خبا توهجها المعرفي الذي حازته في مستهلّ إنشائها وعلى مدى العقود القليلة اللاحقة، وذلك على إثر الزعزعة الهائلة الحاصلة في استراتيجياتها التعليمية والتكوينية، الناشئة بفعل التدمير الصامت لمقدراتها وتفرّق الصفوة من حولها، وهو ما بات يتجلى في المستقبل الضبابي المتربّص بخرّيجيها. ضمن هذا التراجع يلحظ المراقب في الراهن الحالي هجران أبناء الفئات المترفّهة وحتى أبناء الشرائح الاجتماعية المحظوظة من الطبقة الوسطى مدارجها التعليمية إلى جامعات خاصة أو غربية، وما عادت جموع واسعة تعلّق أملا كبيرا على الجامعة الوطنية وعلى تكوينها وقدراتها إلا من أعوزته الحيلة، لتقادم البرامج، وترهّل الكوادر، وفقدان المصداقية في مؤسّساتها، مما حوّلها إلى مؤسّسات غير موثوقة لتأمين مستقبل واعد. وأمّا الجامعات التاريخية، مثل الزيتونة والقرويين والنجف والأزهر، وما شابهها فقد تحولت إلى جامعات "متريّفة" و"متكلّسة" تاريخيا، تقع على هامش فائض التخلّف الذي ينهش المجتمعات في وسطها الجامعي الوطني، وتقع خارج التصنيف العالمي للمؤسّسات، وكان الأحرى أن تقود هي القاطرة المعرفية في بلدانها نظرا لعراقتها وثقلها التاريخي، وقد كان منشأها قبل جامعات الدول الغربية بأسرها بقرون.

فحين تنوء المؤسسة التعليمية بمختلف فئاتها، الدارسة والباحثة والساهرة، تحت وطأة القدامة وعدم الكفاءة والموالاة وتلحق بها الفئة المدرّسة، فالأمر يعني أنّ هناك أزمة هيكلية تشقّ المؤسّسة برمّتها لا يفيد معها تغيير عنصر هنا أو إدخال تحوير هناك. وحين يغدو الموكل بالعملية الإنتاجية للمعرفة في حاجة إلى من يرعاه ويسهر عليه يصير التعويل على المؤسّسة الجامعية في رسم خريطة النهوض وانتشال المجتمع من أوضاعه الرثّة خدعة كبيرة، يتقاسمها حشدٌ غفيرٌ من الذئاب والحملان بوعي وبدون وعي. في هذا الوضع لا بد من مصارحة كبرى من الأكاديميين أنفسهم، تطرَح فيها تساؤلات حازمة بشأن الهوية الجامعية، وبشأن الجامعي المعني بالتدريس والتأطير والبحث: هل هو في مستوى هذا الدور المعرفي والرسالة الملقاة على عاتقه؟

ولندنو قليلا من أوضاع تلك الجامعات التاريخية. ما الذي حصل في فضاء جامعة مثل جامعة الزيتونة إبان العقود الثلاثة الأخيرة؟ لقد بلغ الاهتزاز البنيوي للجامعة مبلغه على إثر الصراع في تونس بين الإسلام السياسي ونظام بن علي إبان تسعينيات القرن الفائت، مما حوّل الزيتونة إلى ساحة تصفية حسابات طاحنة بين قوتين: معارضة وسلطوية، عصفت فيها الأوضاع بالجامعة وشرِّد أهلها: خرّيجين وباحثين وأساتذة، وأوشكت أن توصد أبوابها لولا خشية أطراف سلطوية حينها من رمزيتها التاريخية، وأمّا خرّيجوها الذين كانوا يعدّون بالآلاف في الثمانينيات والتسعينيات، فقد أوصدت أبواب التشغيل أمامهم وخضعوا إلى فرز أمني صارم. ألفيتُ نفسي وأنا في مستهلّ مشواري العلمي أتسكّع في شوارع روما وليس معي سوى شهادة دكتوراه ومخطوطات ترجمة وزّعتها لاحقا على دور النشر بأبخس الأثمان خشية تلفها، من ضمنها كتاب ميشال مسلان آنف الذكر وكتاب "السوق الدينية في الغرب" لمجموعة من علماء الاجتماع الأمريكان، وهذا غيضٌ من فيض كما يقول المثل.

***

عزالدّين عناية

جامعي تونسي مقيم في إيطاليا

 

الأبعاد الهيكلية للنيوباتريكونية والتبعية النيوكولونيالية

تشهد مجتمعات ما بعد الاستعمار حالة ممتدة من التعثر التنموي والتآكل المؤسسي، وهي ظاهرة لا يمكن إرجاعها إلى مجرد أخطاء إدارية ظرفية أو نقص في الموارد المادية، بل تعود إلى بنية مركبة يتقاطع فيها الاستبداد السياسي الداخلي مع آليات التبعية الاقتصادية والمعرفية الخارجية. إنّ التفاعل المتزامن بين الاستفراد بالسلطة، وتغييب النخب الوطنية، وتنشيط العصبيات الأولية، والارتهان للسياسات النقدية والاقتصادية النيوكولونيالية، يخلق متوالية من الانهيار الهيكلي تتجاوز الخسائر التنموية المباشرة لتصيب المفصل الحضاري للمجتمع. وتتضح أسباب هذه التكلفة الحضارية المتراكمة وآليات التجريف المعرفي والنزيف التنموي من خلال تحويل الدولة الوطنية من أداة للنهضة الشاملة إلى وسيلة لإدارة الزبائنية وحماية البقاء السياسي للسلطة الحاكمة.

الهندسة السياسية للنيوباتريكونية

تُشكل النيوباتريكونية الإطار التحليلي الأبرز لفهم طبيعة الحكم في العديد من دول ما بعد الاستعمار؛ حيث تتجاور المؤسسات البيروقراطية الحديثة شكلياً مع شبكات من العلاقات الشخصية والزبائنية التي تُسيّر الممارسة الفعلية للسلطة وتوزع الموارد. وفي هذا النسق الهجين، تذوب الحدود الفاصلة بين المجالين العام والخاص، وتتحول موارد الدولة المادية والرمزية إلى ريع شخصي يُستخدم لشراء الولاءات وضمان استمرار النظام الحاكم، بدلاً من توجيهها نحو الخدمات العامة والتنمية المستدامة.

تعتمد الأنظمة النيوباتريكونية على إقصاء الكفاءات الفنية والمتخصصة والخبرات المستقلة؛ نظراً لأن معايير الجدارة والشفافية تتعارض مع منطق المساءلة المغلقة والولاءات الشخصية. وكبديل للمؤسسية الوطنية الجامعة، تعمد السلطة إلى إعادة تنشيط العصبيات الهوّياتية الفرعية،كالقبيلية والطائفية والمناطقية،وتوظيفها كقواعد اجتماعية محصورة للتأييد. يؤدي هذا النمط الزبائني إلى استبدال مفهوم "المواطنة المتساوية" بتمييز فئوي يُعيد توزيع الفرص، والوظائف العامة، والمشاريع التنموية بناءً على القرب أو البعد من مركز السلطة.

ينتج عن إحلال الولاء محل الكفاءة تآكل كامل للقدرة الإدارية للدولة، وفقدان شرعيتها الإنجازية والرمزية. ومع تنامي الشعور بالغبن لدى الشرائح الاجتماعية المحرومة، تتحول الدولة من إطار جامع لحل النزاعات إلى طرف أساسي في إنتاجها، مما يُشعل المأزق الأمني الداخلي ويُحفز التعبئة المضادة، مدفوعةً بتوزع الموارد غير العادل وانغلاق قنوات التعبير السياسي السلمي.

التجريف المعرفي ونزيف العقول

يمثل التجريف المعرفي أحد أخطر أبعاد الانهيار الحضاري الممتد؛ حيث تؤدي سياسات التضييق المنهجي على حرية البحث العلمي، وقمع النخب الوطنية، واستبدال المعايير الأكاديمية بالرقابة الأمنية والولاء السياسي، إلى دفع الكوادر الأكاديمية للهجرة القسرية نحو مراكز الغرب الرأسمالي. ولا تُعبر هذه الظاهرة عن مجرد فقدان جزئي للأفراد، بل عن تصفية منهجية لطبقة الخبراء والمتخصصين المستقلين الذين يشكلون عصب الابتكار والإدارة المعرفية للمجتمع.

إنّ تدمير رأس المال البشري يبدأ عندما تستثمر الدول النامية استثمارات ضخمة من ميزانياتها المحدودة لتعليم وتدريب الكوادر البشرية، لتؤول الثمار في النهاية إلى الدول المتقدمة دون أي مقابل تعويضي، مما يُعد تحويلاً عكسياً للثروة المعرفية من المحيط إلى المركز. ويترتب على ذلك تعميق الفجوة التقنية؛ إذ تحرم هجرة العقول مجتمعات ما بعد الاستعمار من القدرة على تطوير استجابات علمية محلية لتحدياتها التنموية في مجالات الصحة، والزراعة، والتصنيع، والطاقة.

وفي مرحلة لاحقة، يؤدي هذا العجز المعرفي المحلي إلى الارتهان المستمر للاستشارات الخارجية؛ حيث تصبح الدولة معتمدة كلياً على استيراد الخبرات والحلول الفنية من الشركات والمؤسسات الأجنبية بأسعار باهظة تُثقل كاهل الموازنات العامة وتُعمق الديون. يخلق هذا المسار حالة من العجز الذاتي المقنن؛ إذ تُنفذ المشروعات التنموية عبر نماذج جاهزة ومستوردة لا تتوافق مع البيئة المحلية، وتفتقر إلى استدامة التشغيل والصيانة لغياب الكفاءات الوطنية القادرة على توطين المعرفة وتطويرها.

المأزق الأمني وتزاحم الإنفاق العام

في ظل ضعف الشرعية السياسية وتفاقم الاحتقان الاجتماعي الناجم عن التمييز الزبائني والارتهان الاقتصادي، تنشأ حالة من التهديد الدائم لبقاء النظام الحاكم. يدفع هذا التهديد السلطة إلى الانخراط في مأزق أمني داخلي؛ حيث يُنظر إلى المجتمع ومكوناته غير الموالية كمصدر خطر يستوجب الرقابة والقمع بدلاً من مشاركته في إدارة الدولة.

ينعكس هذا المأزق الأمني مباشرةً على هيكل الموازنة العامة؛ حيث يحدث تزاحم هيكلي يستحوذ فيه الإنفاق العسكري والأمني على النسبة الأكبر من الموارد المالية المتاحة، على حساب القطاعات التنموية والحيوية كالصحة والتعليم والبحث العلمي. وقد أظهرت التقديرات القياسية الصادرة عن المؤسسات الدولية أن زيادة حصة الإنفاق العسكري بمقدار انحراف معياري واحد تُخفض حصة الإنفاق على الصحة والتعليم بنسبة تصل إلى نقطة مئوية واحدة في المدى المتوسط في الدول النامية، مما يُجهز على فرص بناء رأس المال البشري.

تؤكد البيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وتحليلات صندوق النقد الدولي، أن الدول الهشة والمستبدة تخصص حصصاً متزايدة من ناتجها المحلي الإجمالي لتسليح الأجهزة الأمنية والنخب العسكرية لحماية قمة السلطة، متجاهلة العجز الفادح في البنية التحتية الأساسية والخدمات الاجتماعية. ويكرس هذا التشوه في ترتيب الأولويات حلقة مفرغة، فتقليص الإنفاق الاجتماعي يُفاقم الفقر والأمية وتدهور الرعاية الصحية، مما يُغذي الاحتجاجات والنزاعات المسلحة، والتي تُتخذ بدورها ذريعة لزيادة الإنفاق الأمني وتعزيز القمع، وصولاً إلى تثبيت حالة مصيدة الهشاشة.

الاستلاب الحضاري والتحديث المشوه

تتوج المتوالية المكونة من الاستبداد والزبائنية والتجريف المعرفي والتبعية الاقتصادية بالوصول إلى حالة عميقة من الاستلاب الحضاري والعجز عن صياغة نموذج تنموي حداثي أصيل. وتكتسب هذه الحالة بعداً تحليلياً ذا كفاءة.اذ تتغذى حالة الاستلاب الحضاري والتحديث المشوه من خلال نوعين من الأفكار التي تحاصر العقل في مجتمعات ما بعد الاستعمار:

"الأفكار الميتة"، وهي رواسب عصر الانحطاط الذاتي والتقاليد الجامدة التي تعزل الفكر عن واقع المشكلات الحقيقية وتُشيع الروح السلبية والعجز.

و"الأفكار القاتلة"، وهي النماذج والمفاهيم النيوكولونيالية والتحديثية الغربية المستوردة والمبتورة عن سياقها الفلسفي والاجتماعي الأصيل، والتي تُفرض على المجتمع فتزيد من غربته وتُفكك نسيجه الثقافي دون أن تمنحه الفعالية الحضارية.

إنّ العجز عن صياغة نموذج تنموي يستند إلى قيم التاريخ والسياقات المحلية يدخل المجتمع في حالة من التيه الفكري والتنموي؛ حيث يظل مستهلكاً لمنتجات غيره ومفاهيمه، ويدفع ثمنها من موارده المستنزفة ورأسماله البشري المهجر، دون أن يملك زمام إنتاج المعرفة أو امتلاك الإرادة الحرة لتقرير مصيره السياسي والتنموي.

مسارات لتفكيك الارتهان

تظهر نتائج التحليل الهيكلي المركب أن الانهيار الممتد في دول ما بعد الاستعمار ليس حالة حتمية ناجمة عن شح الموارد الذاتية، بل هو حصيلة بنوية لتضافر شبكات السلطة النيوباتريكونية مع سياسات التبعية النيوكولونيالية. إنّ هذا التضافر يحول الدولة من رافعة للنهضة إلى أداة لإعادة إنتاج التخلف؛ حيث يُضحى برأس المال البشري والمؤسسية الوطنية في سبيل تحصيل مكاسب فئوية واستمرار النخب الحاكمة في السلطة.

إنّ الخروج من هذه المتوالية يتطلب تجاوز المقاربات التجميلية والإصلاحات الإدارية القشرية، والانتقال إلى استراتيجية تغيير بنيوي متكاملة. يقتضي المسار الأول تفكيك الزبائنية هيكلياً من خلال التأسيس لمفهوم المواطنة المتساوية المستندة إلى سيادة القانون والشفافية المؤسسية، وإلغاء المحاسبية القائمة على الولاءات القبائلية والطائفية. ويتزامن ذلك مع مسار يتصل باستعادة السيادة المعرفية وتوطين العقول عبر توفير البيئة الحرة للبحث العلمي وتكريم الكفاءات والخبراء المحليين، وبناء سياسات تحول الكفاءات المهاجرة إلى شبكات دعم للتنمية الوطنية بدلاً من خسارتها كلياً.

كما يتطلب التجاوز التنموي تحولاً جذرياً في توزيع الموارد المالية، بحيث يُعاد توجيه الأولويات من الترسانات الأمنية الموجهة للضبط الداخلي إلى قطاعات التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية والبنية التحتية الإنتاجية؛ لكسر حلقة التزاحم الهيكلي ومصيدة الهشاشة. ويرتبط هذا التعديل الداخلي بضرورة تفكيك التبعية الاقتصادية والنقدية عبر استعادة السيادة على القرار النقدي والمالي، وإعادة تنويع الشراكات الدولية على أسس تكافؤية، وتشجيع التصنيع المحلي بدلاً من الامتثال لسياسات التكييف القسرية.

على المستوى الفلسفي والحضاري، تتطلب النهضة تصفية جذرية لذهنية "القابلية للاستعمار" بالمعنى الذي صاغه مالك بن نبي، وذلك باستبدال نمط التكديس والاستهلاك الشكلي بنموذج تنموي أصيل يدمج الإنسان والموارد والزمن ضمن إطار أخلاقي وفعال، ويتخلص من الأفكار الميتة والقاتلة لصالح إنتاج معرفي مستقل يستجيب لمتطلبات المجتمع ويضمن سيادته الوطنية وحضوره التاريخي.

***

غالب المسعودي

يأتي هذا المقال في سياق التفاعل مع نص للكاتبة الفاضلة الأستاذة ابتهال عبد الوهاب نُشر بصحيفة المثقف بتاريخ 27 تموز/يوليو   2026، ضمن قسم قضايا تحت عنوان: تعدد الزوجات (انتشار الغريزة وهزيمة العقل) والذي قدّم قراءة نقدية حادة لموضوع تعدد الزوجات، بوصفه تعبيرًا عن “انتصار الغريزة وهزيمة العقل”. وهو طرح يلفت الانتباه بقوته البلاغية ووضوح موقفه الأخلاقي، كما يثير، في الوقت ذاته، أسئلة تستحق مزيدًا من التفكيك والمراجعة.

تنطلق الكاتبة من ملاحظة واقعية لا يمكن إنكارها: تحول بعض القضايا الحساسة، وفي مقدمتها الزواج، إلى مواد تدريبية وتسويقية تُقدَّم في دورات مدفوعة، هذه ظاهرة تفتح الباب لنقد مشروع لما يمكن تسميته بـ”تسليع العلاقات الإنسانية”، حيث يُختزل المعنى الأخلاقي في مهارات قابلة للبيع والشراء.

غير أن الإشكال يبدأ حين ينتقل النقد من هذه الممارسة المحددة إلى تعميم حكم قيمي على التعدد في ذاته، فاعتباره “انتصارًا للغريزة” يفترض، ضمنًا، أن هذه الممارسة لا يمكن أن تُفهم إلا في هذا الإطار، متجاهلًا اختلاف السياقات والدوافع، فضلًا عن البنية التشريعية التي تنظمه.

علمًا ان التصور الإسلامي، لا يطرح التعدد بوصفه حقًا مطلقًا أو قيمة قائمة بذاتها، بل كإباحة مشروطة، يتصدرها شرط العدل، وهو شرط لا يُقدَّم بوصفه تفصيلًا ثانويًا، بل معيارًا حاكمًا يكاد يضيّق مجال التطبيق بدل أن يوسّعه. لهذا فإن الخلل لا يكمن في النص بقدر ما يكمن في أنماط تمثله داخل الواقع الاجتماعي.

كما أن ربط التعدد بفشل الرجل في إدارة علاقة واحدة، رغم وجاهته في بعض الحالات، لا يمكن تعميمه بوصفه تفسيرًا شاملًا، فالعلاقات الإنسانية، بطبيعتها، أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في سبب واحد، وهي تتشكل ضمن تداخل عوامل نفسية واقتصادية وثقافية.

في محور آخر، يطرح النص نقدًا لافتًا للخطاب الديني، معتبرًا أنه يساهم في تغذية “وهم ذكوري”. غير أن هذا الطرح، في صيغته العامة، يغفل التمييز بين أنماط متعددة من هذا الخطاب، بعضها يكرّس فعلًا تصورات اختزالية، وبعضها الآخر يسعى إلى إعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصد العدل والكرامة والإنسانية.

أما المقارنة بين انشغال المجتمعات بقضايا مثل التعدد، وانشغال غيرها بالعلم والتقدم، فهي مقارنة تحمل بعدًا تحفيزيًا، لكنها تحتاج إلى قدر من التحفظ المنهجي، حيث التاريخ لا يقدّم علاقة سببية بسيطة بين أنماط الزواج ومستوى التقدم، كما أن المجتمعات المتقدمة نفسها تعيش تحولات عميقة في بنية الأسرة، لا تخلو من أزمات وتعقيدات وتجاوزات.

من جهة أخرى، يقدّم النص قراءة مهمة لدور اللغة في إنتاج الهيمنة، حين تتحول الألفاظ إلى أدوات لتوزيع الفضائل والوصم الاجتماعي، بينما هذه الملاحظة، على أهميتها، يمكن أن تُستكمل بالتنبيه إلى أن الخطاب النقدي ذاته قد يقع في إنتاج ثنائيات حادة (عقل/غريزة، تقدم/تخلف) تحجب تعقيدات الظواهر بدل أن تكشفها.

على هذا الأساس يكون النقاش حول تعدد الزوجات، في جوهره، ليس نقاشًا حول حكم جزئي، بل حول الإطار الأخلاقي الذي تُفهم داخله العلاقة الإنسانية.

بل بين مقاربة تختزل الظاهرة في الغريزة، وأخرى تكتفي بإحالتها إلى المشروعية، بينما تضيع المساحة التي يفترض أن يعمل فيها التفكير النقدي.

ما نحتاجه اليوم ليس الدفاع عن التعدد ولا الهجوم عليه بوصفه شعارًا، بل تحرير النقاش من التوظيف الأيديولوجي، وإعادته إلى شروطه الحقيقية: العدالة، والمسؤولية، والقدرة على صون كرامة الإنسان، رجلًا كان أو امرأة.

عند هذا الحد فقط، يمكن أن يتحول الجدل من مواجهة خطابية إلى حوار معرفي، ومن سؤال انفعالي إلى سؤال منتج: متى تكون العلاقة الإنسانية، أيًّا كان شكلها، تعبيرًا عن العدل لا عن الهيمنة؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح، بعيدًا عن الاختزال، وقريبًا من تعقيدات الواقع.

في ختام هذا النقاش، لا يسعني إلا أن أقدّر للكاتبة جرأتها في ملامسة سؤال مركزي يتجاوز ظاهر الموضوع إلى عمقه الحضاري: كيف نفكر في الإنسان، وكيف نعيد ترتيب العلاقة بين الأخلاق والدين والواقع؟ إن إثارة مثل هذه القضايا، في سياق عربي مثقل بالمسكوت عنه، ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة معرفية تُوقظ الوعي وتكسر رتابة المسلمات.

غير أن قيمة الإثارة تكتمل حين تتحول إلى أفق للفهم، فالتعدد، بعيدًا عن ثنائيات الإدانة والتبرير، يكشف عن حاجة ملحّة لإعادة وصل الأحكام بمقاصدها، والنصوص بأخلاقها، والممارسات بشروطها.

 في التصور القرآني، لا تُقاس العلاقات بشكلها، بل بما تحققه من عدل، وما تصونه من كرامة، وما تمنعه من ضرر، هنا تحديدًا ينتقل النقاش من سؤال “المشروعية” إلى سؤال “التحقق”: هل بقيت القيم المؤسسة حاضرة، أم تحولت إلى غطاء لممارسات منزوعة من روحها؟

إن الأزمة، في جوهرها، ليست في قضية بعينها، بل في انفصال وعينا عن منطقه المقاصدي؛ حين نفصل بين الحكم وغايته، وبين النص وسياقه، وبين الفعل وأثره الإنساني، عندها فقط تفقد القضايا معناها، وتتحول إلى شعارات تتنازعها الخطابات.

للكاتبة فضل الإشارة إلى مواضع الخلل، وللنقاش فضل تعميقها، وللفكر مسؤوليته في إعادة البناء. وبين هذا كله، يظل التحدي الحقيقي هو أن نرتقي بأسئلتنا: من جدل الأشكال إلى جوهر القيم، ومن صراع المواقف إلى بناء المعايير.

هناك، حيث يصبح العدل ميزانًا لا شعارًا، والمقاصد أفقًا لا زينة، يبدأ الطريق نحو وعي لا يكتفي بالنقد، بل يؤسس لمعنى أصدق للإنسان، وأفق أوسع للعمران.

***

مراد غريبي

..................

للاطلاع

ابتهال عبد الوهاب: تعدد الزوجات.. انتصار الغريزة وهزيمة العقل

سيرةُ الإنسان في كسر القالب وصناعةُ المعنى

الوعي ليس حالة ثابتة يولد بها الإنسان مكتملة، بل هو مسار يتشكل عبر الاحتكاك بالتجارب، والتساؤل، والقدرة على الشك فيما يبدو بديهياً. ومن بين أهم الأدوات التي تُنمّي هذا الوعي وتدفعه إلى الأمام تأتي الكتابة، ليس بوصفها مجرد وسيلة للتعبير، بل كفعل وجودي يعيد من خلاله الإنسان صياغة نفسه والعالم من حوله. وعندما يتقاطع الوعي مع الكتابة، يصبح التمرد على التقاليد الجامدة أمراً شبه حتمي، لأن الإنسان يبدأ في إدراك الفجوة بين ما هو مفروض عليه وما يمكن أن يكون عليه.

الكتابة في جوهرها ليست ترفاً فكرياً، بل هي فعل مقاومة. مقاومة للنمطية، للقوالب الجاهزة، للأفكار الموروثة التي تُستهلك دون مساءلة. حين يكتب الإنسان بصدق، فإنه يفتح نافذة على داخله، ويبدأ في تفكيك ما تراكم فيه من قناعات لم يخترها بنفسه. هنا تحديداً يتجلى دور الوعي، إذ يصبح الكاتب قادراً على التمييز بين ما هو نابع من تجربته الخاصة وما هو مجرد صدى لتقاليد مفروضة. هذه العملية ليست سهلة، لأنها تتطلب شجاعة في مواجهة الذات أولاً، ثم في مواجهة المجتمع.

التقاليد، في كثير من الأحيان، تؤدي وظيفة تنظيمية مهمة، فهي تحفظ استمرارية المجتمعات وتمنحها نوعاً من الاستقرار. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التقاليد إلى قيود تمنع التفكير الحر، وتفرض على الإنسان أن يعيش وفق قوالب جاهزة، دون أن يُتاح له حق التساؤل أو الاختلاف. عند هذه النقطة، يصبح التمرد ضرورة، لا بوصفه رغبة في الهدم، بل كحاجة إلى إعادة التوازن بين الفرد والجماعة. التمرد الواعي لا يعني رفض كل ما هو قديم، بل يعني اختبار هذا القديم، وتمييز ما يصلح منه للاستمرار وما يجب تجاوزه.

الإنسان النمطي هو نتاج بيئة تُكافئ التقليد وتعاقب الاختلاف. في مثل هذه البيئات، يُنظر إلى الإبداع بوصفه تهديداً، وإلى التفكير النقدي كنوع من التمرد غير المرغوب فيه. وهنا يأتي دور الكتابة مرة أخرى، كمساحة آمنة نسبياً يستطيع الفرد من خلالها أن يعبر عن أفكاره دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة. الكتابة تمنح الإنسان فرصة لتجريب أفكار جديدة، لتخيل عوالم مختلفة، ولصياغة رؤى قد لا يجد لها مكاناً في الواقع المباشر.

لكن الكتابة وحدها لا تكفي إذا لم تكن مدعومة بوعي حقيقي. فالإنسان قد يكتب كثيراً، لكنه يظل أسير نفس القوالب التي يحاول الهروب منها. الوعي هو الذي يمنح الكتابة عمقها، ويحولها من مجرد كلمات إلى أداة للتغيير. وعندما يتطور هذا الوعي، يبدأ الإنسان في إدراك أن التمرد ليس هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى حالة أكثر صدقاً واتساقاً مع الذات.

من هنا، يمكن القول إن العلاقة بين الوعي والكتابة والتمرد هي علاقة جدلية، حيث يؤثر كل عنصر في الآخر ويتأثر به. الكتابة تعمّق الوعي، والوعي يدفع إلى التمرد، والتمرد بدوره يفتح آفاقاً جديدة للكتابة. هذه الدائرة المستمرة هي ما يضمن تطور الإنسان وخروجه من حالة الجمود. فالإبداع لا يمكن أن ينمو في بيئة تخاف من الأسئلة، ولا في عقل يرفض الشك.

إن أخطر ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو أن يعيش حياة لم يخترها، وأن يتبنى أفكاراً لم يفكر فيها، وأن يعيد إنتاج نفس الأنماط دون وعي. في هذه الحالة، يتحول إلى نسخة مكررة، فاقدة للقدرة على الإبداع والتجديد. وهنا تكمن أهمية التمرد الواعي، الذي لا يهدف إلى الفوضى، بل إلى تحرير الإنسان من القيود غير المرئية التي تشكّل وعيه دون أن يدرك.

الكتابة، في هذا السياق، تصبح فعلاً تحررياً بامتياز. هي ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة لإعادة تشكيل الواقع. من خلال الكتابة، يستطيع الإنسان أن يعيد النظر في المسلمات، وأن يطرح أسئلة قد تبدو محرجة أو غير مألوفة، لكنه بذلك يفتح الباب أمام احتمالات جديدة. وهذا هو جوهر الإبداع: القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، والتفكير فيما لم يُفكّر فيه من قبل.

ومع ذلك، فإن هذا الطريق ليس خالياً من التحديات. فالمجتمع غالباً ما يقاوم التغيير، ويميل إلى الحفاظ على ما هو مألوف. الكاتب الواعي قد يواجه رفضاً أو نقداً أو حتى عزلة، لكنه في المقابل يكتسب شيئاً أكثر قيمة: حريته الفكرية. وهذه الحرية هي الشرط الأساسي لأي تطور حقيقي، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.

لذا، يمكن القول إن الوعي والكتابة والتمرد ليست مجرد مفاهيم منفصلة، بل هي أبعاد متكاملة لتجربة إنسانية واحدة تسعى إلى التحرر من النمطية والوصول إلى حالة من الأصالة. الإنسان الذي يكتب بوعي، ويتمرد بعقل، هو إنسان قادر على أن يكون أكثر من مجرد نسخة مكررة. هو إنسان يشارك في صناعة مستقبله، بدلاً من أن يكون مجرد امتداد لماضٍ لم يختره.

وإذا ما تأملنا أعمق في هذه العلاقة، سنجد أن الوعي لا يتشكل فقط من خلال القراءة أو التجربة، بل من خلال القدرة على إعادة صياغة هذه التجارب بلغة شخصية متفردة. هنا تحديداً تتحول الكتابة إلى مختبر داخلي، يختبر فيه الإنسان أفكاره ويعيد ترتيبها، ويكتشف عبرها مناطق لم يكن يدرك وجودها في ذاته. فكل نص صادق هو في الحقيقة محاولة لفهم العالم، لكنه في الوقت نفسه محاولة لفهم النفس، وهذا التداخل هو ما يجعل الكتابة فعلاً معرفياً بقدر ما هو فعل إبداعي.

التمرد في هذا السياق لا يكون دائماً صاخباً أو ظاهراً، بل قد يتخذ أشكالاً هادئة وعميقة، مثل اختيار كلمات مختلفة، أو طرح سؤال غير متوقع، أو حتى الصمت عن تكرار ما يقوله الجميع. هذا النوع من التمرد هو الأكثر تأثيراً، لأنه لا يصطدم مباشرة بالجدران، بل يتسلل عبرها ويعيد تشكيلها من الداخل. ومن هنا، فإن الكاتب الواعي لا يسعى إلى إثارة الجدل بقدر ما يسعى إلى إحداث خلخلة في طرق التفكير السائدة، حتى لو كان ذلك بشكل تدريجي وبطيء.

كما أن التحرر من النمطية لا يعني بالضرورة القطيعة التامة مع المجتمع، بل يعني إعادة تعريف العلاقة معه. فالفرد الواعي لا يعيش في عزلة، بل يختار أن يكون جزءاً فاعلاً، لكنه جزء ناقد ومبادر، لا تابعاً ومقلداً. وهذا التوازن هو ما يمنح التمرد معناه الحقيقي، لأنه يجعله أداة للبناء لا للهدم.

وفي لحظة ما، يدرك الإنسان أن أكبر معركة يخوضها ليست مع التقاليد الخارجية، بل مع ذلك الصوت الداخلي الذي يخشى الاختلاف ويميل إلى الأمان الزائف في التكرار. حينها فقط تصبح الكتابة فعلاً شجاعاً، ويصبح الوعي طريقاً مستمراً لا ينتهي، ويغدو التمرد ضرورة للحفاظ على إنسانية الإنسان في عالم يميل باستمرار إلى تحويله إلى نسخة قابلة للتكرار.

***

د. عصام البرّام - القاهرة

ليست "مذكرات طه حسين" الصادرة عن دار الآداب في بيروت عام 1967، مجرد سجل لحياة رجل فقد بصره في طفولته ثم شق طريقه إلى المجد العلمي والأدبي. إن قيمتها الأعمق تكمن في أنها تقدم، من خلال سيرة فرد، صورة لصراع طويل بين الإنسان والقيود التي تحيط به: قيود الفقر، والجهل، والتقاليد، والسلطة، والمؤسسة، وحتى ذلك النوع من اليأس الذي يستطيع أن يتسلل إلى النفس حين تبدو الطريق أطول من قدرة العابر عليها. وفي قلب هذا الصراع تظهر شخصية طه حسين لا بوصفها شخصية استثنائية فحسب، بل بوصفها نموذجا مبكرا للمثقف الذي جعل من المعرفة وسيلة للتحرر، ومن النقد طريقة في الوجود، ومن الاستقلال الفكري شرطا لا يمكن التنازل عنه.

لا سلطة للآخرين على العقل

إن أول ما يلفت في طه حسين هو أن فقدانه للبصر لم يكن القضية المركزية في شخصيته، على الرغم من أن حياته كلها ظلت محاطة بآثاره. لقد كان الآخرون يرون فيه الرجل الأعمى الذي تحدى إعاقته، أما هو فكان يرى نفسه طالب علم. وهذه النقطة بالذات هي التي تجعل تجربته أكثر عمقا من مجرد قصة نجاح فردي. فقد رفض، في العمق، أن يسمح للشفقة بأن تكون التعريف الذي يقدمه للعالم عن نفسه. لم يكن يريد أن يقال عنه إنه بلغ ما بلغ لأنه أعمى، بل لأنه امتلك القدرة على أن يتعلم، وأن يفكر، وأن يناقش، وأن يختلف، وأن يثبت أن العقل لا ينبغي أن يخضع للحدود التي يرسمها له الآخرون.

كان العلم بالنسبة إلى طه حسين أكثر من مهنة أو وسيلة للارتقاء الاجتماعي. كان نوعا من الضرورة الداخلية. لذلك بدا إصراره على طلبه أشبه بعناد لا يقبل المساومة. لم يكن يتعلم لكي يكتسب موقعا، ولا لكي يصنع لنفسه صورة اجتماعية، ولا لكي يقترب من أصحاب النفوذ. كان يتعلم لأن الجهل، في نظره، لم يكن مجرد نقص في المعلومات، بل حالة من الخضوع. ومن هنا يمكن فهم ذلك النزوع العميق إلى الاعتماد على النفس الذي يميز شخصيته. كان يريد أن يقف على قدميه، حتى حين كان الطريق يفرض عليه أن يستعين بالآخرين. كان يعرف أن الإنسان قد يحتاج إلى المساعدة، لكنه كان يرفض أن تتحول المساعدة إلى وصاية، أو إلى ثمن مطلوب دفعه من استقلاله.

نفوره من التزلف والنفاق

وهنا تبرز إحدى أهم سمات شخصيته: نفوره من التزلف والنفاق. لم يكن طه حسين من أولئك الذين يرون في الثقافة سلما للصعود إلى المناصب. ولو أنه اختار طريق المجاملة، لكان في إمكانه أن يجني كثيرا من المكاسب. كان يستطيع أن يصمت في مواضع الكلام، وأن يمدح حين يكون النقد أكثر ضرورة، وأن يتجنب الاصطدام بالسلطان أو بإدارة الجامعة، وأن يحول علمه إلى رأسمال من العلاقات والمنافع. لكنه لم يفعل. لقد أدرك، على نحو مبكر، أن المثقف الذي يجعل كلمته رهينة للمصلحة يفقد الشيء الوحيد الذي يمنحها قيمتها: حريتها.

لم تكن هذه الاستقلالية موقفا رومانسيا سهلا. لقد كانت لها أثمانها. فالمؤسسة لا تحب دائما من يذكرها بحدودها، والسلطة لا ترحب بمن لا يطلب رضاها، والجامعة قد تتحول، في بعض لحظاتها، من فضاء للمعرفة إلى جهاز يريد من أعضائه الطاعة. ومع ذلك، ظل طه حسين يضع العلم في مواجهة السلطة، لا بمعنى أن العلم يستطيع وحده إسقاط السلطة، بل بمعنى أن المعرفة تمنح الإنسان القدرة على رؤية ما تريد السلطة إخفاءه. ومن هنا جاء صراعه المتكرر مع أشكال الوصاية، سواء أكانت وصاية سياسية أم دينية أم أكاديمية.

نزوع نقدي مبكر

لقد بدأ هذا النزوع النقدي في وقت مبكر جدا. فطه حسين لم ينتظر أن يصبح أستاذا لكي يكتشف حقه في السؤال. كان طالبا في الأزهر حين بدأ يخضع ما يتعلمه للفحص والمناقشة. لم يكن يتلقى الأفكار كما تصل إليه، مغلقة ومكتملة، بل كان يتعامل معها بوصفها موضوعا للنظر. حتى الشيوخ والأساتذة لم يكونوا بمنأى عن أسئلته. وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن الثقافة العربية في ذلك الوقت كانت لا تزال تعاني من هيبة الشخص والمرجع. كان السؤال، في كثير من الأحيان، يبدو كأنه اعتداء على مكانة العالم. أما طه حسين فقد جعل السؤال أداة من أدوات التعلم، وجعل الشك المنهجي طريقا إلى المعرفة.

كان يعرف أن العلم الذي لا يسمح بالنقد يتحول إلى عقيدة، وأن الأستاذ الذي لا يقبل السؤال يتحول إلى سلطة، وأن الطالب الذي لا يملك حق الاعتراض لا يتعلم، بل يحفظ. ولذلك فإن معركته الأولى لم تكن مع الجهل وحده، بل مع الطريقة التي كان الجهل يتخفى بها في هيئة يقين. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى طه حسين بوصفه أحد أكثر المثقفين العرب اقترابا من مفهوم المثقف الحديث: شخص يتعلم من المؤسسة، لكنه لا يعبدها؛ يستفيد من التراث، لكنه لا يستسلم له؛ يعرف قيمة الماضي، لكنه يرفض أن يتحول الماضي إلى سجن للحاضر.

وتزداد هذه الصورة وضوحا في سنواته الباريسية خلال الحرب العالمية الأولى. لم تكن باريس في تلك الفترة فضاء ثقافيا مثاليا ينتظر الطالب القادم من مصر لكي يكتشفه. كانت مدينة محاصرة بالخوف، والحرب، والاضطراب، وصعوبات الحياة. وكان طه حسين، فوق ذلك كله، طالبا أعمى، غريبا عن بيئته، يواجه لغة جديدة ونظاما علميا مختلفا وعالما ثقافيا لا يمنح أحدا مكانه مجانا. لقد كان يمكن لكل هذه العوامل أن تتحول إلى أعذار. لكنه لم يسمح لها بأن تصبح كذلك.

لم يستبدل تبعية بتبعية

إن أهمية تجربته في باريس لا تكمن في أنه ذهب إلى أوروبا وعاد منها حاملا الشهادات، بل في أنه دخل إلى فضاء معرفي جديد من دون أن يفقد قدرته على الحكم. لم يكن تلميذا مبهورا بكل ما هو أوروبي، كما لم يكن مدافعا عصبيا عن كل ما هو عربي. كان يريد أن يتعلم، لا أن يستبدل تبعية بتبعية. ولذلك استطاع أن يجعل من المعرفة الأوروبية أداة لإعادة النظر في أسئلة الثقافة العربية، لا وسيلة للانفصال عن مجتمعه.

لقد تجاوز طه حسين فقدانه لبصره، لا بمعنى أنه ألغى وجوده، فهذا أمر مستحيل، بل بمعنى أنه رفض أن يجعل منه قدرا يحدد سقف حياته. تجاوز الفقر، وتجاوز العزلة، وتجاوز صعوبة اللغة، وتجاوز المسافة بين طالب قادم من بيئة ثقافية تقليدية وعالم أكاديمي حديث. والأهم من ذلك أنه تجاوز الصورة التي كان يمكن للمجتمع أن يفرضها عليه. لم يقبل أن يكون مجرد حالة إنسانية تستحق التعاطف، بل أراد أن يكون عقلا يناقش، ويختلف، ويخطئ، ويصيب.

مكانته الثقافية أكبر من حدود مؤلفاته

ومن هنا تبدو مكانته في الثقافة العربية المعاصرة أكبر من حدود مؤلفاته. لقد كان طه حسين، قبل كل شيء، طريقة في النظر. وكان هذا النظر يتسع من قضية الأدب إلى قضية المجتمع، ومن سؤال التراث إلى سؤال الحرية، ومن الجامعة إلى مستقبل الشعب. لم يكن العلم عنده منفصلا عن الحياة. ولذلك ظل متداخلا مع قضايا بلده، ومع تطلعات شعبه إلى الحرية والاستقلال والعدالة. كان يرى أن الجامعة لا ينبغي أن تكون جزيرة معزولة عن المجتمع، وأن الثقافة التي لا تنعكس على حياة الناس تظل ناقصة مهما بلغت من الدقة الأكاديمية. لهذا يمكن اعتبار طه حسين واحدا من أبرز، وربما أبرز، المثقفين في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة. ليس لأنه كان أكثرهم إنتاجا في كل مجال، ولا لأن كل ما كتبه بقي خارج النقد والمراجعة، بل لأنه جمع بين عناصر نادرا ما تجتمع في شخص واحد: العلم الأكاديمي الرفيع، والقدرة النقدية، والشجاعة الأخلاقية، والارتباط بقضايا المجتمع، والإيمان بأن المعرفة حق عام وليست امتيازا خاصا.

ظل حرا وسط عالم كانت فيه الحرية مكلفة

إن طه حسين الذي يظهر في مذكراته لا يطلب منا أن نعجب بانتصاره على فقدانه للبصر فحسب. إن ما يطلبه، بصورة أعمق، هو أن نفهم معنى أن ينتصر الإنسان على كل ما يريد أن يحوله إلى تابع. لقد كان بإمكانه أن يربح أكثر لو أنه كان أقل استقلالا، وأن يصعد أسرع لو أنه كان أكثر مرونة أمام أصحاب النفوذ، وأن يحقق مكاسب أوسع لو أنه عرف كيف يرضي السلطان وإدارة الجامعة. لكنه اختار شيئا آخر: أن تكون له كلمته، وأن يدفع ثمنها. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لمذكراته. فهي لا تقدم حياة رجل نجح رغم العمى فحسب، بل تقدم حياة عقل نجح في أن يظل حرا وسط عالم كانت فيه الحرية مكلفة. وهذا هو الدرس الذي يجعل طه حسين معاصرا لنا، حتى بعد عقود طويلة من رحيله: أن المثقف لا يقاس بعدد المناصب التي بلغها، ولا بعدد الأبواب التي فتحت له، بل بعدد الأبواب التي استطاع أن يظل واقفا خارجها حين كان الدخول إليها يتطلب منه أن يتخلى عن نفسه.

طه حسين والمثقف العربي المعاصر

تكتسب مذكرات طه حسين دلالة تتجاوز زمنها. فالقارئ المعاصر لا يواجه فيها ماضيا ثقافيا منتهيا، بل يواجه سؤالا ما زال قائما: ماذا يفعل المثقف حين تتعارض الحقيقة التي يصل إليها بالعلم مع ما تريده السلطة، أو ما تفرضه المؤسسة، أو ما يفضله الجمهور؟ لقد كان طه حسين، منذ بداياته الأولى، مثقفا فاعلا لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يستخدمها في مساءلة المجتمع ومؤسساته وأفكاره السائدة. كان يكتب وهو طالب، ويناقش وهو في موقع المتعلم، وينقد شيوخه وأساتذته، لا رغبة في هدم مكانتهم، بل لأن العلم، في نظره، لا يكتمل إلا حين يظل مفتوحا على السؤال. وفي ذلك يكمن الفارق الكبير بين المثقف الذي يرى الثقافة مسؤولية، والمثقف الذي يراها امتيازا اجتماعيا.

ولعل مقارنة هذا الموقف المبكر بموقف قطاعات واسعة من المثقفين العرب اليوم تكشف تراجعا مؤلما في الدور العام للثقافة. فقد كان طه حسين يرى أن المثقف لا يستطيع أن يعزل نفسه عن قضايا المجتمع، وأن المعرفة التي لا تقود إلى مساءلة الظلم والتخلف والاستبداد تتحول إلى معرفة ناقصة. أما اليوم، فقد أصبح عدد غير قليل من المثقفين أكثر حذرا في علاقته بالسلطة والسياسة. بعضهم يفضل الصمت كي يحافظ على موقعه، وبعضهم يحول الثقافة إلى مساحة للظهور الاجتماعي، فيما يختار آخرون الاقتراب من السلطة بحثا عن منصب أو امتياز أو حماية. وهكذا تتحول المعرفة، التي يفترض أن تمنح صاحبها استقلالا، إلى وسيلة لإنتاج التبعية.

سؤال نقدي عن الحاضر

لم يكن طه حسين مثاليا بالمعنى الساذج للكلمة، ولم يكن يجهل أثمان المواجهة. لكنه كان يعرف أن المثقف يفقد مبرر وجوده حين يتحول إلى صدى للسلطة. ولهذا فإن المقارنة بينه وبين واقع المثقف العربي المعاصر لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد حنين إلى زمن مضى، بل إلى سؤال نقدي عن الحاضر: أين ذهب ذلك الإيمان بأن الجامعة ينبغي أن تكون فضاء للحوار، وأن العلم حق اجتماعي، وأن الثقافة لا تنفصل عن الحرية والعدالة والاستقلال؟ لقد كان طه حسين يرى أن المثقف الأكاديمي ليس موظفا في مؤسسة المعرفة، بل أحد المسؤولين عن مستقبل المجتمع. أما حين يتخلى المثقف عن هذه المسؤولية، فإنه لا يخسر تأثيره فحسب، بل يفقد أيضا المعنى الأخلاقي للثقافة. لهذا تظل شخصية طه حسين حاضرة لا بوصفها نموذجا تاريخيا مكتمل الصياغة، بل بوصفها تحديا مستمرا. فالرجل الذي بدأ حياته طالبا فقيرا وأعمى، ثم دخل عالم العلم من أكثر أبوابه صعوبة، لم يكن يطلب من الثقافة أن تمنحه مكانة، بل كان يريد أن يجعل منها قوة لتحرير الإنسان. وفي زمن يزداد فيه حضور السلطة، وتتسع فيه مساحات الخوف، وتصبح المساومة أكثر إغراء، تبدو شجاعته الفكرية أكثر راهنية. إن السؤال الذي تتركه مذكراته للمثقف العربي اليوم ليس: كيف نبلغ مكانة طه حسين؟ بل: هل نملك، في اللحظة التي نحتاج فيها إلى قول الحقيقة، الاستعداد نفسه لدفع ثمنها؟

***

مروان ياسين الدليمي

من أسرار الفلسفة إلى حتمية الهيمنة الرقمية

مفهوم التكنولوجيا من الجذور التاريخية إلى العمق الفلسفي

(كلما اقتربنا من التكنولوجيا، كلما وجدنا أنفسنا مأسورين لها وعُمياناً عن جوهرها).. مارتن هايدغر

 تعد الثنائية الرابطة بين الزمن والتكنولوجيا واحدة من أعظم الإشكاليات الفكرية والتاريخية التي أعادت تشكيل الوعي البشري. إن فهم هذا التشابك يتطلب تفكيك المفهوم من جذوره التاريخية، مروراً بمدلولاته في العلوم القديمة، وصولاً إلى عمقه الفلسفي والنقدي، وامتداداته السياسية المعاصرة في العصر الرقمي       .

السرد التاريخي لمفهوم التكنولوجيا وجذورها في العلوم القديمة تاريخياً كلمة التكنولوجيا ليست وليدة العصر الحديث بصيغتها اللغوية بل تعود جذورها إلى اللغة اليونانية القديمة حيث تتكون من مقطعين تيكني وتعني الفن أو المهارة أو الحرفة أو البراعة اليدوية في صنع الأشياء ولوجيا وتعني العلم أو الدراسة أو الخطاب المنظم في معناها الأصلي القديم كانت تعني حرفياً علم الفنون أو الحرف ولم تكن مرتبطة بالآلات المعقدة بالمعنى المعاصر بل شملت المهارات البشرية والأنشطة الإبداعية والصناعية اليدوية تتجلى المعجزة الهندسية والفلكية في منجزات العالم القديم التي تتجاوز مجرد الجهد البشري الخام وتنم عن هندسة فلكية ورياضية فائقة تظهر في الأهرامات المصرية وتوجيهها الفلكي بنسبة خطأ تكاد تكون معدومة والارتباط الرياضي بين أبعادها وثوابت الكون فضلاً عن آلية أنتيكيثيرا بوصفها حوسبة يونانية قديمة مزودة بتروس تفاضلية لحساب مواقع الكواكب والنجوم وتوقيت الخسوف والكسوف وخطوط نازكا في بيرو التي تدل رسومها الهندسية الضخمة على نظام قياس ورؤية مكانية متقدمة للغاية وفي مسار تفسير هذا التقدم ينقسم الباحثون إلى اتجاهين رئيسيين يفترض الأول وجود دورات حضارية ترتفع وتندثر بفعل كوارث كبرى طورت علوم ومجازات اندثرت ولم يبق منها سوى أجزاء غامضة بينما يرى الاتجاه الثاني أن هذه المنجزات لم تكن علماً تكنولوجياً متقدماً بالمفهوم الحديث بل كانت نتاج مراكمة هائلة للخبرة التجريبية والزمن الطويل والاعتماد على عقول بشرية استغلت الموارد المتاحة إلى أقصى طاقة ممكنة عبر آلاف السنين من الملاحظة اليومية الدقيقة وهذا النقاش يتقاطع بشكل مذهل مع جوهر بحثنا حول الذاكرة والتكنولوجيا حيث كانت الحضارات القديمة تعتمد على الذاكرة الحجرية والوراثة الرمزية لحفظ المعرفة لآلاف السنين مما يعيد طرح التساؤل حول ما إذا كان التقدم حصرياً لما أنتجته الثورة الصناعية والرقمنة أم أن إنسان الأمس كان يمتلك فهماً عميقاً للكون تفوقنا نحن فيه واستبدلناه بالسرعة المادية مع الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تحول المفاد الدلالي للكلمة تدريجياً من مجرد المهارة اليدوية إلى التطبيق المنظم للعلوم المعرفية في الإنتاج والآلات ليصل المعنى في العصر الرقمي الحديث إلى الشبكات والأتمتة وأنظمة المعالجة الرقمية المتقدمة أما عن وجود مرادفات لها في العلوم القديمة فقد تجلت بوضوح عبر الحضارات في التراث اليوناني والفلسفة القديمة استُخدم مصطلح تيكني ذاته عند أرسطو وفلاسفة اليونان في مقابل الطبيعة فالطبيعة تخلق بذاتها بينما التكني هي ما يصنعه الإنسان بمهارة وعقله لتعديل الطبيعة أو تلبية احتياجاته وفي الحضارة العربية والإسلامية عُرفت الابتكارات والعلوم التطبيقية تحت مسمى علم الحيل النافعة أو علم الحيل الهندسية وبرز ذلك بوضوح في مؤلفات بني موسى والجزري حيث اعتبرت تلك الابتكارات تطبيقاً عملياً دقيقاً للرياضيات والفيزياء لتسهيل حياة الإنسان وفي الحضارات الشرقية القديمة بلاد ما بين النهرين ومصر عُبر عنها تطبيقياً بـ الصنائع أو الفنون المرتبطة بالري وهندسة السدود وعلم الفلك وصناعة المعادن والفخار باعتبارها مهارات عملية متوارثة

العمق الفلسفي لكلمة التكنولوجيا في الفكر الإنساني بالانتقال من السرد المادي والتاريخي إلى العمق الفلسفي تتكشف التكنولوجيا بوصفها مرآة لكيفية إدراك الإنسان لوجوده وصراعه مع الزمن والطبيعة التكنولوجيا بوصفها طريقة للكشف عند مارتن هايدغر يرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أن التكنولوجيا الحديثة ليست مجرد أدوات محايدة يمكن استخدامها كيفما شئنا بل هي طريقة للكشف عن الحقيقة في العصور القديمة كان الكشف يتم باحترام وانسجام مع الطبيعة بينما تفرض التكنولوجيا الحديثة كشفاً هجومياً يحول الطبيعة بأكملها إلى مجرد مخزون احتياطي وطاقة قابلة للاستنزاف والاستخدام الفوري الاغتراب والتشييء والمدرسة النقدية ومدرسة فرانكفورت على خطى الفكر النقدي تحولت التكنولوجيا من وسيلة لتحرير الإنسان إلى أيديولوجيا قائمة بذاتها يقع الإنسان في فخ العقلانية الأدواتية حيث تصبح الكفاءة والسرعة المعيارين الأخلاقيين الوحيدين وتفقد الأسئلة الكبرى قيمتها لصالح السؤال التقني البحت كيف يعمل هذا وهذا يؤدي إلى اغتراب الإنسان وتحوله من سيد للآلة إلى ترسٍ صغير داخل منظومة تكنولوجية ضخمة تفرغ وجوده من عمقه التجريبي البطيء التكنولوجيا كامتداد للجسد والوعي والفلسفة المعاصرة تنظر الفلسفة المعاصرة إلى التكنولوجيا باعتبارها امتداداً أنثروبولوجياً يعوض النقص البيولوجي للبشر ولكن المفارقة اليوم تكمن في أن هذا الامتداد لم يعد مجرد أداة نتحكم بها بوعينا بل أصبح شريكاً فاعلاً يساهم في صياغة هذا الوعي وإدراكنا للزمن والمكان مما يضع الإنسان وجهاً لوجه أمام تحديات هويته وسرعته الرقمية المتسارعة

التكنولوجيا والسياسة السلطة والصراع والتحكم

إن الجهاز التقني هو نظام هيمنة وإنجاز يُحدد مسبقاً كل الاحتمالات السياسية والشخصية.  هربرت ماركوزه

لم تكن التكنولوجيا أبداً مجرد أداة محايدة أو حيادية في الفراغ بل كانت دائماً امتداداً للسلطة وأداة للسيطرة ومجالاً للصراع الجيوسياسي البيوسياسة والسيطرة الرقمية عندما ننتقل من الجذور الفلسفية إلى الواقع المعاصر نجد أن التكنولوجيا والأنظمة الرقمية تُمثل الأدوات الكبرى التي تستخدمها الدول والحكومات للسيطرة على الأفراد ومراقبتهم وقد تحدث الفيلسوف ميشيل فوكو عن البيوسياسة وهي الكيفية التي تتدخل بها السلطة السياسية في حياة الأفراد وأجسادهم عبر شبكات الإدارة والتقنية وفي العصر الرقمي تحولت خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الكبرى إلى سلطة ناعمة لا تقمع الأفراد بالعنف المباشر بل تدجنهم وتوجه سلوكياتهم وخياراتهم السياسية والاستهلاكية بما يخدم مصالح الأنظمة الحاكمة والشركات العملاقة سلطة البنى التحتية والصراع الجيوسياسي السياسة الدولية اليوم لم تعد تُدار فقط بالجيوش والتحالفات العسكرية التقليدية بل بالسيطرة على البنى التحتية التكنولوجية مثل شبكات الاتصالات العالمية وتصنيع الشرائح الإلكترونية الدقيقة والتحكم بالبيانات الضخمة يعكس الصراع المحتدم بين القوى الكبرى على تكنولوجيا الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي تماماً كيف أصبحت التقنية هي ميدان الحرب السياسية الأبرز لفرض النفوذ وإعادة ترسيم خريطة العالم الاغتراب التقنوقراطي وفقدان الإرادة كامتداد للاغتراب الذي طرحته مدرسة فرانكفورت فإن تحول الإنسان إلى ترس صغير في منظومة تقنية يخلق حالة من التبلد السياسي وفقدان الإرادة فبروز الكفاءة والسرعة كمعيارين وحيدين يجعل المواطن يفقد القدرة على التفكير النقدي أو المساءلة السياسية لتتحول الديمقراطيات تدريجياً إلى أنظمة تقنوقراطية تدار بالأرقام والخوارزميات لا بالإرادة الشعبية الحرة

***

ئاريان علي

 

حين نقش الحكماء اليونان على معبد دلفي العبارة الخالدة: "اعرف نفسك بنفسك"، ثم جعلها سقراط محور مشروعه الفلسفي، لم تكن تلك الكلمات دعوة إلى التأمل الذهني فحسب، وإنما كانت تأسيسا لأعظم قضية أخلاقية في حياة الإنسان؛ وهي أن إصلاح العالم يبدأ من إصلاح الذات، وأن أعظم صور الجهل ليست الجهل بالأشياء، بل الجهل بالنفس الإنسانية.

لقد أدرك سقراط أن الإنسان الذي لا يعرف نفسه يظل أسير أوهامه، فيختل ميزان أحكامه، ويضطرب تقديره للناس، ويخلط بين ما هو كائن خارج ذاته، وما يعتمل في أعماقه من أهواء ورغبات ونقائص. ولهذا كانت معرفة النفس عنده أصل الحكمة، وكانت الحكمة أساس الفضيلة.

ثم جاء أفلاطون ليؤكد أن النفس إذا استسلمت لشهواتها وأوهامها فقدت قدرتها على إدراك الحقيقة، بينما رأى أرسطو أن الفضيلة لا تتحقق إلا حين يربي الإنسان نفسه على الاعتدال، ويخضع انفعالاته لحكم العقل. وبعد قرون، عاد تراثنا الإسلامي ليؤكد المعنى ذاته، فكتب الحارث المحاسبي عن محاسبة النفس، وجعلها أساس التزكية، ثم أفاض ابن القيسراني المقدسي، والغزالي، واللجائي، وغيرهم، في بيان أن أخطر حجب الإنسان ليست حجب البصر، وإنما حجب البصيرة، وأن النفس قد تخدع صاحبها حتى يظن نفسه محسنا وهو أبعد ما يكون عن الإحسان.

ومن هذا الأفق الفلسفي والأخلاقي يمكن أن نفهم ما يسميه علم النفس الحديث الإسقاط النفسي، وهو إحدى الآليات الدفاعية التي قد يلجأ إليها بعض الناس، دون وعي، حين يعجزون عن مواجهة عيوبهم أو الاعتراف بها، فينسبونها إلى الآخرين، وكأن النفس تخفف عن نفسها عبء الاعتراف بإلقائه على من حولها.

فالإسقاط ليس مجرد خطأ في الحكم، بل هو صورة من صور الاغتراب عن الذات. إنه هروب من مرآة النفس إلى مرايا الناس، ومحاولة لتبرئة الضمير بإدانة الآخرين.

ومن يتأمل بعض الشخصيات يجدها لا تكاد ترى في الناس إلا ما يسكن أعماقها هي. فمن تضخمت ذاته لا يفتأ يتهم الآخرين بالغرور وتضخم الذات، ومن ألف الكذب ارتاب في صدق الجميع، ومن اعتاد التدليس والتزوير ظن أن الآخرين مدلسون ومزورون، ومن ثبت في حقه الانتحال والتدليس العلمي راح يروج - كذبا وبهتانا - أن غيره كذلك، ومن يمارس النفاق والمداهنة يرفع راية الصراحة والاستقامة، ومن جعل الوصولية منهجا في الحياة يصف كل ناجح بالانتهازية، ومن اعتاد الظلم لا يرى نفسه إلا ضحية لظلم الآخرين. وكأن النفس، لعجزها عن مواجهة حقيقتها، تعيد رسم صورتها على وجوه الناس، فتنسب إلى غيرها ما تعجز عن الاعتراف به في ذاتها.

وقد لاحظت دراسات نفسية عديدة أن بعض أصحاب السمات النرجسية قد يكونون أكثر ميلا إلى استخدام الإسقاط بوصفه وسيلة دفاعية لحماية الصورة المثالية التي رسموها لأنفسهم. فالنرجسية لا تحتمل بسهولة الاعتراف بالنقص أو الخطأ، لذلك قد يلجأ صاحبها - في بعض الحالات - إلى نسبة ما يرفض رؤيته في ذاته إلى غيره. فيتهم الآخرين بالكبر وهو أسير تضخم الذات، أو بالكذب وهو يمارس التزييف، أو بالحسد وهو يضيق بكل نجاح لا يكون له، أو بسوء النية كلما واجه نقدا صادقا. وهنا لا يكون الإسقاط سعيا إلى الحقيقة، بقدر ما يكون محاولة للحفاظ على صورة ذهنية متخيلة عن الذات. ومع ذلك، فإن هذه السمة لا تنطبق على كل من يحمل صفات نرجسية، كما أن الإسقاط ليس مقصورا عليهم وحدهم، وإنما هو آلية قد تظهر بدرجات متفاوتة لدى شخصيات مختلفة.

وهذه ليست قاعدة مطردة، فليس كل ناقد مسقطا، ولا كل من كشف خطأ وقع في هذه الآلية النفسية. فالنقد الموضوعي ضرورة عقلية وأخلاقية، بل هو شرط من شروط الإصلاح. غير أن الفارق كبير بين من ينشد الحقيقة، فيزن أحكامه بميزان العدل والإنصاف، وبين من ينشد تبرئة نفسه، فيجعل من الناس مستودعا لعيوبه، ويلقي عليهم كل ما يعجز عن الاعتراف به في داخله.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تحرم الإنسان من النمو الأخلاقي. فالذي يلقي بعيوبه على الآخرين لا يعود يرى ما يحتاج إلى إصلاح في نفسه، فيتوقف عن التعلم، ويستغني عن المراجعة، ويغلق باب التوبة الفكرية والأخلاقية. وهنا يتحول تضخم الذات إلى حجاب كثيف يحول بين الإنسان وبين الحقيقة.

إن العلاج الحقيقي لا يبدأ في عيادات الطب النفسي وحدها، وإنما يبدأ قبل ذلك في مدرسة الحكمة. يبدأ حين يملك الإنسان شجاعة أن يقف أمام نفسه بلا أقنعة، وأن يعترف بخطئه قبل أن يفتش عن أخطاء الناس، وأن يسأل نفسه قبل كل حكم يصدره: هل ما أراه في غيري حقيقة قائمة فيه، أم أنه ظل لشيء لم أواجهه بعد في داخلي؟

ولذلك لم تكن حكمة سقراط: "اعرف نفسك بنفسك" عبارة خالدة من فراغ، بل لأنها تختصر طريق الحكمة كلها. وتلتقي معها الحكمة الإسلامية في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا." فمعرفة النفس ليست ترفا فكريا، وإنما هي بداية الإصلاح، وأصل الفضيلة، والحصن الذي يحمي الإنسان من أن يتحول إلى قاض يدين الناس جميعا، بينما يظل هو المحامي الوحيد عن نفسه.

لقد التقت الفلسفة اليونانية، والحكمة الإسلامية، وعلم النفس الحديث على حقيقة واحدة، وإن اختلفت مناهجها ولغاتها، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يبني علاقة سليمة مع العالم ما لم يبن أولا علاقة صادقة مع نفسه.

إن الحضارات لا تنهض بكثرة من يحاكمون الآخرين، وإنما بكثرة من يحاكمون أنفسهم. والإنسان لا يبلغ النضج حين يكتشف أخطاء الناس، وإنما حين يمتلك الشجاعة ليكتشف أخطاءه هو، ويبدأ رحلة إصلاحها. وهناك، وعند تلك اللحظة وحدها، يصبح شعار "اعرف نفسك بنفسك" منهجا للحياة، لا مجرد حكمة ترددها الألسنة، ويغدو إصلاح الذات هو الطريق الأقصر إلى إصلاح المجتمع، وأصدق سبيل إلى بناء إنسان أكثر تواضعا، وأكثر عدلا، وأكثر اقترابا من الحقيقة.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

ليس من طبيعة المجتمعات أن تتفق على كل رمز أو موقف، فالاختلاف حول الشخصيات والرموز والصور أمر مألوف في مختلف الأمم. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول القضايا الرمزية إلى مركز الاستقطاب العام، بينما تتراجع إلى الهامش الأسئلة التي تمس حياة الناس اليومية، كالفقر، والبطالة، والخدمات، والتعليم، والصحة، ومكافحة الفساد.

وتُروى عن فترة الاستعمار البريطاني للهند قصة مفادها أن إثارة المقدسات الدينية كانت، في أحيان كثيرة، كافية لتحويل أنظار الناس عن القضايا الوطنية الكبرى وإشغالهم بصراعات داخلية بين أبناء البلد الواحد. وبغض النظر عن مدى دقة هذه الرواية من الناحية التاريخية، فإن فكرتها العامة تؤكدها تجارب سياسية عديدة؛ إذ يكفي أحيانًا حدث رمزي واحد حتى ينقسم المجتمع إلى معسكرين متقابلين، بينما تتوارى الملفات التي تمس حياة المواطنين وتحدد مستقبلهم.

ولعل ما شهده العراق أمس يقدم مثالًا يستحق التأمل. فخلال ساعات قليلة تصدرت واقعة إنزال صورة واجهة النقاش السياسي والإعلامي، وانقسم الرأي العام بين مؤيد ومعارض، وتعالت المطالبات بالإدانة والعقوبات، حتى بدا وكأن هذه الحادثة أصبحت القضية الأولى في البلاد، بينما غابت عن الواجهة الملفات التي تثقل كاهل العراقيين منذ سنوات. وهنا لا يتعلق الأمر بإدانة الفعل أو الدفاع عنه، فلكل موقف منطلقاته، وإنما يتعلق بالسؤال الأعمق: لماذا تمتلك الأحداث الرمزية هذه القدرة الاستثنائية على احتلال المجال العام؟ ولماذا تصبح أكثر قدرة على استنفار القوى السياسية والإعلامية من قضايا الفساد، وتعثر الخدمات، والبطالة، وتراجع التعليم، وسائر الملفات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة؟

إن التأمل في طبيعة الخطاب السياسي يكشف أن بعض الفاعلين يجدون في مثل هذه الوقائع فرصة مثالية لإعادة تقديم أنفسهم بوصفهم حماةً للمقدسات أو المدافعين عن الهوية، بينما لا يظهر القدر نفسه من الحماس حين يتعلق الأمر بإصلاح مؤسسات الدولة، أو مكافحة الفساد، أو تحسين الخدمات، أو حماية المال العام. وهكذا تتحول الرموز، في كثير من الأحيان، إلى مساحة مريحة للمزايدة السياسية، لأنها تستثير العاطفة أكثر مما تستدعي المحاسبة.

وفي علم الاتصال السياسي تُعرف هذه الظاهرة بما يُسمى "سياسة الإلهاء"، وهي فكرة ارتبطت في الوعي العام باسم نعوم تشومسكي، وإن كانت تمثل ممارسة سياسية وإعلامية أوسع من أن تُنسب إلى شخص بعينه. وتقوم هذه السياسة على نقل اهتمام الرأي العام من القضايا الجوهرية التي تتطلب حلولًا معقدة إلى أحداث أكثر قدرة على إثارة الانفعال والاستقطاب. فبدل أن ينشغل الناس بأسئلة الكهرباء، والتعليم، والصحة، والبطالة، والاقتصاد، يصبح النقاش منصبًا على صورة، أو تصريح، أو شعار، أو حادثة رمزية تستأثر بالمشهد كله. وفي مثل هذه الحالات لا يكون السؤال الأهم: من بدأ الأزمة؟ بل: من المستفيد من استمرارها؟ لأن بقاء الجدل محتدمًا حول قضية رمزية يعني، في المقابل، تراجع الملفات الثقيلة تلقائيًا إلى الصفوف الخلفية، حيث يقل الضغط الشعبي وتتراجع المطالبة بالإصلاح الحقيقي.

ولا تبدو هذه الظاهرة غريبة عن المشهد العراقي. فما إن يقع حدث يمس رمزًا دينيًا أو سياسيًا حتى تستنفر المنابر، وتشتعل وسائل التواصل، ويتسابق بعض السياسيين إلى تسجيل المواقف ورفع سقف الخطاب، وكأن اللحظة أصبحت فرصة لإثبات الولاء أو استعادة الحضور الإعلامي. وفي خضم هذا الضجيج يغيب السؤال الذي يفترض أن يبقى حاضرًا دائمًا: ماذا تحقق في مكافحة الفساد؟ ماذا أُنجز في قطاع الكهرباء؟ ماذا عن البطالة، والتعليم، والصحة، وفرص العيش الكريم؟

إن المجتمعات التي تُستنزف باستمرار في معارك الرموز قد تجد نفسها تؤجل، مرة بعد أخرى، معارك بناء الدولة، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق العدالة، وتحسين حياة الناس. والخطورة لا تكمن في وجود الاختلاف حول الرموز، فذلك أمر طبيعي، وإنما في أن تتحول هذه الرموز إلى البديل الدائم عن النقاش في القضايا التي تمثل جوهر العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

فحين يصبح الجدل حول صورة أعلى صوتًا من الجدل حول مستشفى، أو مدرسة، أو مشروع تنموي، أو محطة كهرباء، فإن المشكلة لا تعود في الصورة نفسها، بل في ترتيب الأولويات داخل المجال العام. عندها تنتصر الضوضاء على القضايا الحقيقية، ويحل الانفعال محل التفكير، ويتراجع الإصلاح أمام الاستقطاب؛ ولذلك، فإن وعي المجتمعات لا يُقاس بقدرتها على صناعة الجدل، بل بقدرتها على التمييز بين ما يستحق أن يكون في صدارة الاهتمام وما يُراد له أن يحتل تلك الصدارة. فالقضايا الرمزية قد تستحق النقاش، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى ستار يحجب عن الناس الأسئلة التي يتوقف عليها مستقبلهم. وعندما ينجح حدث عابر في إزاحة قضايا الدولة والمجتمع من واجهة النقاش، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون طرفًا من أطراف الجدل، بل تكون الأولويات الوطنية نفسها.

***

د. وسام حسين العبيدي

حين تعلق على أبواب الأسواق دورات لتعليم التجارة، أو البرمجة، أو اللغات، يبدو الأمر طبيعيا. أما حين يصبح الزواج، وهو أكثر العلاقات الإنسانية حساسية وتعقيدا، مادة تباع في دورة مدفوعة، فإن السؤال لم يعد عن الزواج، بل عن الكيفية التي ننظر بها إلى المرأة، وإلى الأسرة، وإلى الإنسان ذاته.

إن المجتمعات التي تعاني من نسب مرتفعة من الطلاق، والعنف الأسري، والبطالة، وصعوبة زواج الشباب، لا تحتاج إلى مدربين على التعدد، بل إلى معلمين للحب، وخبراء في الحوار، وفلاسفة يعلمون الناس كيف يعيشون معا، لا كيف يضيفون إنسانا جديدا إلى قائمة العلاقات المأزومة.

ومن المؤسف أن يتحول الخطاب الديني أحيانا إلى خطاب يغذي الوهم الذكوري، فيصور للرجل أن خلاصه في زوجة ثانية، بينما يتجاهل أن مشكلته قد تكون في شخصيته، أو في فشله في إدارة علاقة واحدة. فالهروب من أزمة لا يكون بإضافة أزمة أخرى.

إن المرأة ليست جائزة يحصل عليها المنتصر، ولا احتياطا عاطفيا، ولا رقما يضاف إلى سجل الإنجازات. إنها إنسان كامل، له أحلامه، وكرامته، وحقه في علاقة تقوم على المودة والاحترام، لا على شعور دائم بأنه قابل للاستبدال.

لقد تحول الجسد عند بعضهم إلى وظيفة، والزواج إلى مهارة تباع وتشترى، والرغبة إلى سلعة مغلفة بعبارات دينية براقة.

كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها المجتمع الذي تتآكل فيه المدارس، وتنهار فيه الجامعات، وتتراجع فيه القراءة، وتفرغ فيه المكتبات، مشغولا بتعليم الرجال كيف يتزوجون امرأة ثانية؟

أي حضارة هذه التي تؤجل الحديث عن العلم لتتحدث عن السرير؟

أي عقل هذا الذي يرى خلاص الأمة في زيادة عدد الزوجات، بينما يعجز عن إنتاج فكرة واحدة تغير وجه التاريخ؟

لقد بات ينظر إلى الزوجة لا بوصفها ذاتا مستقلة، ووعيا، وعقلا، وشريكة وجود، بل بوصفها إمكانية قابلة للإضافة متى شاء الرجل، وكأنها قطعة أثاث يمكن تغييرها إذا تغير المزاج.

فالإنسان، كما قال كانط، لا يجوز أن يعامل أبدا كوسيلة، بل كغاية في ذاته. أما حين تتحول المرأة إلى "خيار إضافي"، فإننا لا نهين امرأة واحدة، بل نهين فكرة الإنسان نفسها.

أي أخلاق تلك التي تجعل الرجل يبحث عن دورة ليتزوج الثانية، بينما لم يبحث يوما عن دورة ليتعلم الاعتذار، أو الإصغاء، أو تحمل المسؤولية، أو احترام مشاعر زوجته؟

وما يثير السخرية أن أصحاب هذا الخطاب يتحدثون كثيرا عن نهضة الأمة، بينما لا يقدمون لها سوى خطاب يدور كله حول المرأة: حجابها، وصوتها، وخروجها، وزواجها، وطلاقها، وتعدد زوجها.

وكأن تاريخ البشرية اختزل في جسد امرأة.

أين العقل؟

أين البحث العلمي؟

أين الصناعة؟

أين الفلسفة؟

أين الأسئلة الكبرى التي صنعت الحضارات؟

لقد خرجت أوروبا من عصور الظلام حين نقلت اهتمامها من مراقبة الأجساد إلى تحرير العقول. أما نحن فما زلنا نعيد إنتاج الخطاب نفسه، لكن بوسائل أكثر حداثة: دورة إلكترونية، وإعلان ممول، ومنصة رقمية، بينما المضمون لم يتغير. إنه الاتجار بالدين، وتسويق الشهوة في ثوب الفضيلة.

لقد أصبحنا شعوبا يكاد يبتلعها الهوس بالجنس، والعورة، والمتعة، والمسيار، وتعدد الزوجات، بينما تتراجع قضايا الإنسان، والعلم، والحرية، والإبداع. ولم يعد السؤال: كيف نبني حضارة؟ بل: كيف نبرر المزيد من الامتيازات الذكورية؟

إن تعدد الزوجات، حين يتحول من استثناء تاريخي إلى مشروع ثقافي، يجسد علاقة التملك بكل هيمنتها على المرأة، وينفي في جوهره مبدأ المساواة بين الجنسين، ويدعم تفريغ المرأة من حقوقها، وتحويلها من شريك كامل في الحياة إلى موضوع يخضع لإرادة الرجل.

والأغرب أن المجتمع لا يكتفي بصناعة الأحكام، بل يصنع اللغة التي تحرسها. فالمرأة التي يطلب منها أن تتقاسم زوجها مع أخرى تمنح لقب "الصالحة" لأنها قبلت بالتضحية، بينما الرجل الذي تخالف زوجته تصوره للشكل أو المظهر قد يوصم بصفات تنتقص من رجولته.

هنا لا تصبح الألفاظ مجرد أوصاف، بل أدوات لإدارة السلطة. توزع الفضائل والرذائل وفق ميزان لا تحكمه العدالة، بل المصلحة الذكورية. فاللغة، حين تفقد حيادها، تتحول إلى مؤسسة خفية تعيد إنتاج الهيمنة، وتمنح الامتيازات لفئة، ثم تقنع الجميع بأن ذلك هو النظام الطبيعي للأشياء. وهكذا لا يقاس الإنسان بما يملكه من أخلاق، بل بمدى توافقه مع منظومة اجتماعية صاغت معاييرها بما يخدم طرفا واحدا، ثم ألبستها ثوب الفضيلة، وقداسة العرف.

نحن نغرق في جدل تعدد الزوجات، والعالم يتقدم ببحوث الخلايا الجذعية، ويطور علاجات السرطان، ويصنع أعضاء بشرية في المختبرات، ويقترب من فك شفرات الشيخوخة، بينما لا يزال وعينا أسير السؤال ذاته منذ قرون: كم امرأة يحق للرجل أن يتزوج؟

العالم يناقش مستقبل الإنسان، ونحن ما زلنا نتجادل حول امتيازات الذكر.

هم يستثمرون في العقل، ونحن نستثمر في الغريزة.

هم يبنون مختبرات، ونحن نبني منابر لإعادة إنتاج الأسئلة نفسها، حتى أصبح الماضي عندنا مستقبلا، وأصبح التقدم يقاس بمدى قدرتنا على استدعاء معارك انتهى زمنها.

ليست المأساة في وجود التعدد بوصفه حكما فقهيا، وإنما في تحويله إلى مشروع ثقافي وإعلامي، بينما تهمش القضايا التي تصنع الأمم: التعليم، والبحث العلمي، والحرية، والعدالة، والابتكار.

إن الحضارات لا تسقط لأنها اختلفت في تأويل نص، بل لأنها توقفت عن إنتاج المعرفة. وما من أمة دخلت التاريخ من باب غرفة النوم، بل دخلته من باب المختبر، والجامعة، والمكتبة، والعقل الحر.

والسؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا يا ساده ليس: هل نتعلم التعدد؟ بل: متى نتعلم كيف ننتج عالما، ونكتب نظرية، ونكتشف دواء، ونصنع مستقبلا؟

***

ابتهال عبد الوهاب

 

كانت مهمة كتاب الأموات Book of Dead هي إرشاد المتوفي في العالم السفلي المرعب في مصر القديمة. الكتاب كان نصا جنائزيا ضروريا لأي شخص يريد ان تعيش روحه في الخلود. لم يكن كتاب الأموات كتابا منفردا وانما مجموعة مرتّبة من التعاويذ لإرشاد الأرواح. بالنسبة للمصريين القدماء، لم يكن الموت فقط شرطا مسبقا للروح لتجد طريقها للحياة الأخرى. كانت هناك ابتلاءات ومحن تتطلب التغلب عليها. قياس وزن القلب كان عملية محفوفة بالمخاطر لأن الفشل فيها يؤدي الى فناء الروح.

لكي يتم إرشاد الميت، فان المعرفة كانت هامة، وهذه المعرفة كُتبت في لفائف تُعرف مجتمعة بكتاب الأموات.

ما هو كتاب الأموات؟

الكتاب عبارة عن مجموعة من النصوص الطقسية تحتوي على تعاويذ وصيغ لرحلة الفرد اثناء المحن التي تلي الموت في الطريق نحو الاخرة. انها تطورت من نصوص التوابيت التي تعود الى حوالي 2000 سنة قبل الميلاد، ونصوص الأهرام المبكرة قبل 2400 سنة ق.م، التي كُتبت في العادة على الجوانب الداخلية للتوابيت الحجرية وعلى جدران المقابر. كمجموعة، هي ليس لها مؤلف منفرد وانما كُتبت بواسطة قساوسة بارزين على مدى الف عام. في الأصل تُعرف بـ"تعاويذ الخروج الى ضوء الحياة الأبدية "، وقد أعطيت لقبا اكثر اثارة للرهبة "كتاب الأموات" عام 1842 من جانب عالم المصريات الألماني كارل ريتشارد ليبسس. هذا هو العنوان الأكثر جاذبية و الذي استمر وترك اهتماما كبيرا لدى العامة والاركولوجيين. لم تكن هناك نسخة موحّدة او معتمدة من النصوص، النسخ جرى تخصيصها تبعا للافراد. انها كُتبت بالهيروغلوفية واحتوت على لقطات موجزة توضح مختلف الفصول في الرحلة الى عالم الآخرة.

حياة اخرى للجميع

ان تطور كتاب الأموات يبدأ بنصوص الاهرام، التي رافقت الملوك في قبورهم. نُظر الى الحياة الاخرة  كامتياز لأصحاب الحسب والنسب الرفيع بدلا من ان تكون فرصة متساوية لكل المصريين. في نهاية المملكة القديمة، جرى دمج النصوص في أماكن مثوى كبار المسؤولين من غير افراد العائلة المالكة. أماكن القبور هذه كانت في العادة توابيت خشبية مستطيلة وليست توابيت حجرية ملكية متقنة الصنع .في بداية المملكة الجديدة، بدأ كتاب الأموات في الظهور، وكُتب اما على ورق البردي او على الأكفان الكتانية التي كانت يُلف بها المتوفي. هذه الممارسات استمرت حتى العصر البطلمي (نسبة الى بطليموس) بعد اكثر من الف سنة . وبالرغم من عدم وجود قانون يمنع عامة الناس من امتلاك كتاب الموتى، لكنه كان باهض الثمن، حيث كان العامة من الناس يواجهون صعوبات مالية. هذه النصوص المقدسة قد تصل كلفتها الى ما يعادل نصف الأجر السنوي للعامل العادي. وبمرور الزمن توفرت نسخ من النصوص أقصر وأرخص ثمنا. هذا جعل الكتاب يسهل اقتنائه من جانب العامة رغم ان البعض لايزال يراه باهض الثمن.

مع ذلك، كان الطلب عال على النصوص، وطالما أغلبية المصريين كانوا اميين، فان الكتبة وقدرتهم على خلق كتاب الأموات كان مسألة ذات قيمة عالية جدا. وبما ان كل كتاب يتطلب تخصيصه لفرد معين، لذا فان الكتبة صنعوا لفائفا بأسماء تُركت فارغة لتُملأ لاحقا.

الدليل من العصر الانتقالي الثالث (1069-664 ق.م) يبيّن ان حوالي ثلث النصوص المملوكة تعود الى نساء، وهو ما يشير الى ان المصريين كانوا اكثر عدالة نحو المرأة في ذلك العصر.

اخطار العالم السفلي

بالنسبة للمصريين، الموت يعني الدخول الى العالم السفلي Duat، وهو عالم سفلي مظلم يعج بالاخطار والآلهة والاموات. اجتياز العالم المحفوف بالمخاطر والحصول على الخلود يعني مواجهة سلسلة من المحن في رحلة تمر بالعديد من الغرف والبوابات او "صروح" تحرسها وحوش مثل ثعابين سامة او كائنات تنفث النيران. كل قسم يثير تحديا جديدا، والفشل في هذه المحن يعني النسيان، حيث الروح لم تعد موجودة.

ونظرا للتنوع الواسع للنصوص غير الموحدة والفترة الزمنية الهائلة التي تشكلت بها، فان الكتب تختلف في العديد من التفاصيل، لكن الاتجاه العام هو ان كل قبر (أعدادها تختلف طبقا للنص) كان تحت حراسة إله ثانوي يجب النطق باسمه السرّي من جانب الميت. الروح لكي تجتاز، يجب ان تعرف اسم البوابة والإله المرتبط بها، بالإضافة الى الحراس الذين يدافعون عنها.

التفاصيل في كتاب الأموات كانت عبارة عن  تعاويذ تساعد الميت في التغلب على هذه العقبات. من بين هذه التعاويذ كانت تعاويذ لطرد الحشرات، وأخرى للحماية من الحيوانات السامة، وأخرى لصد التماسيح. كانت هناك تعاويذ تسمح للميت ان يأخذ شكل أشياء معينة مثل طيور البلشون وزهرة اللوتس، او حتى كائنات الهية. باختصار، كان هناك اكثر من 200 تعويذة، لكن لا توجد نسخة واحدة من كتاب الأموات تحتوي عليها جميعا.

العقبة الاخيرة

ربما الجزء الأكثر شهرة في المحن هو قياس وزن القلب. لهذا، كانت هناك تعويذة منعت القلب من الشهادة ضد صاحبه يوم الحساب. وزن القلب يُعرف أيضا بـ حكم اوسيرس osiris، يزن قلب الميت ضد ماعت Ma’at – الحقيقة، العدالة، الانسجام، والأخلاق، متمثلة بريشة ماعت.

في العديد من كتب الأموات، هذا المشهد تم تصميمه على شكل لوحة مصغرة وجرى تخصيصه لكل فرد. وبهذا، كانت هناك اختلافات في الكيفية التي يُصور بها المشهد، لكن الموضوعات والتفاصيل الهامة تبقى متسقة. هنا، انوبيس يقود الميت الذي يظهر امام اوسيرس، إله الحياة الأخرى، في قاعة الحكم. في حضور الالهة التي تعمل كمحلفين، يتلو الميت الاعتراف السلبي، قائمة من الآثام التي يجب ان يدّعي بعدم ارتكابها.

الالهان حورس و انوبس يحضران الى ميزان الالهة، يزنان القلب، بينما يدوّن الاله الكاتب (تحوث) النتيجة. اذا كان القلب اثقل من ريشة ماعت، سيقوم الوحش Ammut وهو حيوان مخيف برأس تمساح بالتهام الروح. واذا بقي الميزان متوازنا، عندئذ تنضم الروح الى صحبة اوزيريس في الخلود. العديد من الاوصاف لوزن القلب تحتوي ايضا على قرد بابون يجلس على الميزان او بجواره. هذا شكل آخر لتحوث  يمثل مظهرا منفصلا مرتبطا بقياس دقيق.

وزن القلب

بين جميع نسخ كتاب الأموات، تبقى بردية اني papyrus of Ani هي الأفضل والأجمل، مكتملة بصور محفوظة جيدا. بطول 78 قدما، انها أيضا من بين الأطول، لكن لا تزال اقصر بكثير من بردية غرينفيلد التي يبلغ طولها 121 قدما.

في عام 1888، تم استعادة بردية اني للمتحف البريطاني بواسطة عالم المصريات E.A.Wallis Budge الذي اكتسب التعويذة من خلال الخداع والمكيدة، متاجرا بتعاملات غير قانونية، متهربا من الاعتقال، عبر الممرات والانفاق في المباني. التعويذة صُنعت لـ اني الذي عاش اثناء سلالة الاسرة التاسعة عشرة حوالي 1250 ق.م. تفاصيل في النص الجنائزي تبيّن انه تزوج من امرأة تسمى توتو، التي كانت "منشدة لامون"، وهو لقب مرموق يُمنح للنساء اللواتي يقمن بواجبات طقسية في خدمة الاله امون.

زوجها اني، وُصف كمسؤول تقي ضمن العائلة الحاكمة. لقبه الكامل كان "كاتب ملكي، محاسب القرابين المقدسة لجميع الالهة ومشرف على مخازن الغلال الخاصة بأسياد ثيبيس".

ان كتاب الأموات الذي اُعد لاني يُحتمل جاء نتيجة الجهود المشتركة بين كاتب واحد وفنان واحد على الأقل. لاحظ بيج ان كتاب الاموات كُتب بواسطة ثلاثة كتاب او اكثر. انه كان ممارسة رائعة خاصة عندما يكون المتلقي شخصا منفردا.

ان كتاب الأموات يبقى المصدر الرئيسي لفحص المعتقدات المصرية القديمة حول الحياة الأخرى. انه يمثل موضوعات شائعة بين الأفكار الدينية والروحية اللاحقة وربما كان أصل هذه الموضوعات في بعض الحالات. انه يمثل فكرة ان ما نقوم به في الحياة يهم في الموت، ويرسخ فكرة الخير على الشر. الكثير من الأفكار المادية تتضمن بحيرة من نار كواحدة من اخطار العالم السفلي، وهي فكرة تنسجم مع الاوصاف المسيحية للجحيم. مع السلالة 21 (1077-943 ق.م)، وُصفت هذه البحيرة وهي تحتوي على ناس، أعداء الاله والفراعنة. وما هو اكثر أهمية، ان كتاب الأموات يتناول سمة إنسانية مشتركة: تلك الرغبة العارمة في الوجود فقط. في عالم يكتنفه المجهول، يحاول الكتاب فهم الحياة والموت بطريقة ذات مغزى، تلامس واقعنا اليوم تماما كما كانت قبل 4000 سنة في مصر القديمة.

***

حاتم حميد محسن

 

مقاربة تاريخية - دلالية

يفرض تصاعد التوترات بين الدول العربية من جهة، وإيران والقوميات المتعددة داخل حدودها والمناطق المجاورة لها من جهة أخرى، إعادة النظر في منظومة المصطلحات التي ما تزال تُستدعى، بوعي أو من دونه، في الخطاب المتبادل من قدحٍ وازدراء. ويحتل مصطلح "العجم" موقعاً مركزياً في هذا الخطاب، إذ يكاد يكون عتبة لا يستغني عنها كثير من الكتّاب العرب عند الحديث عن الآخر غير العربي.

وقد أدّى تكرار استعمال هذا المصطلح عبر قرون طويلة إلى تحوّله إلى لفظ متداول لا يُستحضر أصله ولا الغاية التاريخية من نشأته. تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك هذا المصطلح دلالياً وتاريخياً، من خلال العودة إلى العصر الجاهلي ولحظة ظهور الإسلام، وتتبع طبيعة العلاقة بين القبائل اليهودية والقبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، بوصف هذه العلاقة الحاضنة الأولى التي تشكّل فيها الثنائي المفهومي "أمّة/عجم".

وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن مصطلح "العجم" ليس نتاجاً عربياً أصيلاً بمعزل عن سياقه، بل هو استعادة بنيوية لمفهوم توراتي سابق هو "الغوييم" (Goyim)، أُعيد إنتاجه ضمن شروط تاريخية جديدة بعد تشكّل الهوية الإسلامية-العربية.

أولاً: الحضور اليهودي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام

استوطنت جماعات يهودية شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام بقرون، في يثرب وخيبر واليمامة ونجران واليمن وتيماء، وقد ورد ذكر تيماء في سفر إشعياء من العهد القديم. ومن هذه الجماعات بنو قينقاع، الذين تُرجّح الروايات أنهم هُجّروا من أورشليم إثر إخفاق الثورات اليهودية ضد الإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى بني النضير وبني قريظة وسواهم.

اشتغل اليهود بالزراعة وصناعة السيوف وصياغة الذهب والتجارة، وتمكّنوا بفعل خبرتهم التراكمية من الهيمنة على قطاعات واسعة من الحرف والتعامل النقدي في المنطقة. أما على الصعيد الاجتماعي والعقدي، فقد شكّلوا جماعة منغلقة على ذاتها، متمسكة بشعائرها الدينية إلى حدّ اندماج الدين بالحياة اليومية اندماجاً كلياً، وهو ما تجسّد في قيود صارمة كتحريم الزواج من غير اليهود، وأحكام رادعة كرجم الزاني، بما يرسم حدوداً واضحة لعلاقتهم بالآخر.

في المقابل، كانت القبائل العربية تعيش حالة من عدم الاستقرار، غلبت عليها البداوة وسادتها العصبية القبلية والعقيدة الوثنية، وهي حالة وصفها القرآن ذاته بـ"الجهل" في أكثر من موضع. وبين الطرفين قامت مفارقة جوهرية: امتلك اليهود ديانة توحيدية موروثة، وكتاباً سماوياً (التوراة)، وشريعة مدوّنة (التلمود)، وسِفراً من تاريخ الأنبياء وحكمهم، فضلاً عن وعد إلهي بالاصطفاء. وقد أسهمت هذه المفارقة في تشكيل نظرة استعلائية لدى اليهود تجاه العرب وسائر الأمم، عبّرت عن نفسها في مصطلح توراتي جامع.

ثانياً: مصطلح "الغوييم" وجذور الاستعلاء الديني

استمدّ اليهود نظرتهم الاستعلائية من نصوصهم المقدسة، إذ أطلقت التوراة لفظ "جوييم" (Goyim) بصيغة الجمع، و"جوي" (Goy) بصيغة المفرد، على كل الأقوام والأمم غير اليهودية، وتُترجم الكلمة عربياً بـ"الأقوام" أو "الشعوب" أو "الأمم". ويحمل هذا التوصيف في سياقه التوراتي دلالة تراتبية تضع اليهود في مرتبة الشعب المختار، وسائر الأمم في مرتبة تابعة أو خادمة.

«ويقف الأجانب ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حرّاثيكم وكرّاميكم، أما أنتم فتُدعون كهنة الرب» — سفر إشعياء 61: 5-6

«والآن قد اجتمعت عليكِ أممٌ كثيرة... قومي ودوسي يا بنت صهيون، لأني أجعل قرنكِ حديداً» — سفر ميخا 4: 12-13

وتفيد قراءة هذه النصوص أن مصطلح "الأمّة" أو "الأمم"، بوصفه ثقافة موروثة داخل التقليد الديني اليهودي، وُظّف لأغراض متعددة، أبرزها حماية النخبة اليهودية المشتّتة جغرافياً من الذوبان في الشعوب المضيفة، وتجنّب التزاوج والاختلاط معها، تحت غطاء عقدي يقوم على التمايز والاصطفاء.

ثالثاً: "الأمّيّون" في القرآن الكريم: قراءة لغوية-تاريخية

تعكس آيات قرآنية عدّة هذا الواقع الاجتماعي-الديني القائم على التمييز بين "أهل الكتاب" و"الأمّيّين"، الذين يُراد بهم العرب.

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2]

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75]

﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: 20]

من الناحية الصرفية، وردت لفظة "الأمّيّين" بصيغة جمع المذكر السالم، مجرورة بالياء في الآيتين الأولى والثانية، ومنصوبة بالياء في الآية الثالثة، وفق القاعدة الصرفية لجمع المذكر السالم. وقد ذهب معظم المفسرين الأوائل إلى أن "الأمّيّين" في الآيتين الأولى والثانية يعنون بها العرب غير القارئين، في حين فسّروا ورودها في الآية الثالثة بمعنى مشركي العرب من دون تخصيص دلالة الأمّية بالقراءة.

﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]

ويمكن قراءة هذه الآية بوصفها خطاباً مزدوجاً: إقرار ضمني، موجّه إلى اليهود، بأممية العرب ومساواتهم بهم من حيث الانتماء إلى فئة "الأمم"، مقروناً بردّ يفيد أفضلية العرب عليهم؛ وخطاب موازٍ موجّه إلى العرب أنفسهم، مؤمنيهم ومشركيهم، يقرّر تفضيلهم على سائر الأمم وتكليفهم بقيادتها.

﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 157-158]

وتستدعي هذه القراءة إشكالية النسب الصرفي في صيغة المفرد. فوفق قواعد النسب في اللغة العربية، عند التنسيب إلى اسم مختوم بتاء التأنيث تُحذف التاء ويُستعاض عنها بياء مشددة مكسورة، فتصبح "أمّة" منسوبة إليها "أمّيّ"، والتنسيب أصلاً إجراء صرفي يخصّ المفرد دون الجمع؛ فلا يصحّ، على سبيل المثال، أن يُقال "صُحُفي" نسبة إلى الجمع "صُحُف"، بل "صَحَفي" نسبة إلى المفرد "صحيفة".

وعلى الرغم من هذا الأساس الصرفي، فسّر جمهور المفسرين الأوائل "الأمّي" بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، استناداً إلى نسبة المرء إلى أمّه التي ولدته على الفطرة الأولى. وهو تفسير يثير إشكالاً منطقياً: كيف يُنسب الجهل والغفلة إلى نبيّ وُصف في السياق ذاته بأنه المعلّم والمزكّي والهادي إلى الكتاب والحكمة؟ ويترجّح، في ضوء هذا التعارض، أن دلالة "الجهل" لصقت بلفظة "الأمّي" في مرحلة لاحقة لعصر النبوّة، وأن بعض العلماء المسلمين اجتهد في نسبتها إلى "أمّ القرى"، إلى جانب اجتهادات أخرى متباينة حول مفهومَي "الأمّة" و"الأمّية".

رابعاً: يثرب ولحظة التحوّل التأسيسية

كانت القبائل اليهودية الثلاث الكبرى، بنو قريظة وبنو قينقاع وبنو النضير، أول من استوطن يثرب، قبل أن تستوطنها قبيلتا الأوس والخزرج، القحطانيتا الأصل، اللتان هاجرتا إلى المدينة بعد انهيار سدّ مأرب، ودخلتا في تحالفات منفردة مع القبائل اليهودية، وسط صراع داخلي متطاول بينهما، إلى أن أرسى النبي المؤاخاة بينهما عبر وثيقة المدينة، التي أقرّت أيضاً لليهود بحرية الدين وممارسة شعائرهم.

ويمكن قراءة هذا الإقرار في سياق استراتيجي مزدوج: تهيئة مناخ من الاستقرار يتيح ترسيخ أسس الدولة الوليدة وبسط النفوذ على القبائل المجاورة من جهة، وبناء مركز رمزي جامع يتمثّل في المسجد من جهة أخرى، تمهيداً لتحويل اسم "يثرب" إلى "المدينة".

ويلحظ الدارس تشابهاً بنيوياً بين عدد من القصص القرآني المدني (خلق آدم وحواء، الطوفان، خلق الكون) ونظائرها في التوراة، ويمكن تفسير هذا التشابه بعاملين: غياب تراث ديني مدوّن لدى العرب قبل الإسلام سوى الوثنية، والرغبة الضمنية في توظيف السردية التوراتية ذاتها كأداة إقناع لليهود بالدخول في الدين الجديد.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62]

بيد أن تمسّك اليهود بعقيدتهم القاضية بحصر النبوّة في سلالة بني إسرائيل حال دون قبولهم نبوّة عربية جاءت من خارج هذه السلالة، وهو ما يفسّر جزئياً انتساب النبي محمد إلى إسماعيل بن إبراهيم، في مقابل انتساب اليهود إلى إسحاق بن إبراهيم. ولم يقتصر موقف اليهود على عدم الاعتراف، بل تحوّلوا، بحكم حجاجهم الديني أمام حشود العرب المترددين بين القبول والشك، إلى ما يشبه العقبة البنيوية أمام مشروع النبوّة الجديد.

لم يكن الإسلام، في هذا الإطار، مجرّد نسق عقدي، بل مشروعاً سياسياً-اجتماعياً يرمي إلى توحيد القبائل العربية المتفرقة ضمن كيان جغرافي-سياسي منظّم، وبناء شخصية عربية جامعة ذات هوية ومنهج مستقلين. وقد اقتضى هذا المشروع، بعد إخفاق التجربة في مكة والطائف، إزاحة كل عائق بنيوي أمامه، فاتخذ الصراع مع اليهود بعداً عقدياً وسياسياً في آن، وصُوّروا في الخطاب القرآني بوصفهم شعباً نقض عهده مع الله، بعد أن كانوا، وفق الآية "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضّلتكم على العالمين"، محلّ اصطفاء إلهي، لتُستبدل هذه المكانة بجملة اتهامات: نقض العهود، تحريف الكتاب، قتل الأنبياء، وقساوة القلب، وهي اتهامات أسهمت في بناء هوية جماعية عربية-إسلامية متماسكة، توّجت، من الناحية التاريخية، بتصفية الوجود الديني غير الإسلامي في شبه الجزيرة، عبر الترحيل والسبي والإبادة.

خامساً: من "الأمّيّين" إلى "العجم": انتقال الاستعلاء

بما أن النبي عربي من قبيلة قريش، وأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وفق قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، فقد أثار ورود ألفاظ غير عربية الأصل في النص القرآني (كسندس واستبرق وعليون وسجين ومرقوم ومشكاة وجهنم)، وهي ألفاظ ذات جذور عبرية وحبشية وفارسية وسريانية وآرامية، تساؤلاً لدى الصحابة حول مبرر ورودها في نصّ يُوصف بالعربية الخالصة.

وقد جاء الردّ القرآني على مستويين متلازمين: مستوى تفاخري بفصاحة اللغة العربية، ومستوى استعلائي ينتقص من الأمم التي استُعيرت ألفاظها، عبر وصفها بـ"الأعجمية".

﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]

﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44]

وتُبيّن مراجعة المعاجم العربية الكلاسيكية، كالصحاح ولسان العرب والمحيط والمعجم الوسيط، أن لفظة "العجم" تحمل دلالة تراتبية صريحة: فهي، من جهة، نقيض "العرب"، ومن جهة أخرى تشير إلى "العجماء" أي البهيمة التي لا تنطق، بحيث يوصف كل من لا يُفصح كلامه، عربياً كان أو غير عربي، بـ"الأعجم". ويمكن تلخيص الدلالات المعجمية للفظ في أربع نقاط أساسية:

- تصنيف العرب في جهة وسائر الأمم في جهة مقابلة.

- اعتبار كل خطاب غير مفهوم "عجمياً".

- ربط "العجمة" دلالياً بالبهيمية وانعدام القدرة على البيان.

- تأسيس اللغة العربية بوصفها لغة البيان المطلق في مقابل لغات موصوفة بالقصور التعبيري.

يتيح هذا التحليل استنتاجاً مركزياً: أن "العجم" لم يكن ابتكاراً عربياً مستقلاً بمعزل عن سياقه التاريخي، بل إعادة إنتاج بنيوية لمفهوم "الغوييم" التوراتي، بعد تبدّل موازين الهيمنة الرمزية. فبعد أن كان العرب أنفسهم مصنَّفين ضمن "أمم" اليهود، أعاد المسلمون، بعد توحّد القبائل العربية تحت راية الإسلام ومؤاخاة الأوس والخزرج، إنتاج المنطق التصنيفي ذاته، فاستبدلوا موقعهم من "أمّة مصنَّفة" إلى "أمّة مصنِّفة"، واستحدثوا مصطلح "العجم" ليقوم بالوظيفة البنيوية نفسها التي قام بها "الغوييم" في السياق التوراتي، مع عكس موقعَي المركز والهامش.

خاتمة

تكشف هذه المقاربة أن ثنائية "أمّة/عجم" ليست بناءً لغوياً محايداً، بل نتاج تحوّلات في موازين القوة الرمزية بين جماعتين دينيتين-إثنيتين تقاسمتا الفضاء الجغرافي والثقافي لشبه الجزيرة العربية. فقد استُخدم المصطلح، في صورته التوراتية والقرآنية على حدّ سواء، أداةً لترسيخ حدود الهوية الجماعية عبر إقصاء الآخر لغوياً ورمزياً. وقد استمر هذا المنطق التصنيفي فاعلاً عبر قرون طويلة، حتى بعد قيام منظومة الأمم المتحدة وحقوق الإنسان الحديثة، إذ لا تزال البشرية، في المخيال الديني الموروث، "أمماً" في نظر اليهود، و"عجماً" في نظر العرب، من دون أن يقدم أي من الطرفين على مراجعة نقدية لهذا الإرث المصطلحي.

***

ستار بزيني

تشكل المدرسة، في المخيال الاجتماعي والسياسي للحادثة المعاصرة، ذلك الحصن المنيع الذي يفترض فيه أن يكون مشتلاً للحرية ومصنعاً للوعي والترقي الإنساني. غير أن القراءة النقدية الجذرية لبنية هذه المؤسسة ووظيفتها الكامنة في صلب النظام الرأسمالي المهيمن، تكشف عن مفارقة مركزية: فبدلاً من أن تكون فضاءً لإنتاج الإنسان الحر والمستقل، تحولت إلى آلية محكمة للتدجين والنمذجة، وأداة إيديولوجية لتأبيد التفاوتات الطبقية وإعادة إنتاج شروط الخضوع. إن الأزمة لا تكمن في تراجع كفاءة المناهج أو شح الإمكانيات المادية فحسب، بل في الفلسفة المؤسسية ذاتها التي تقوم على الإلزام، والتنميط، وتفريغ المعرفة من سياقها الإنساني والوجودي الحي.

تعتمد المدرسة التقليدية في جوهرها على نموذج إنتاجي صناعي صُمم خصيصاً لتلبية احتياجات الدولة البيروقراطية واقتصادات السوق الحديثة. وكما يلاحظ المفكرون النقديون في حقل الاجتماع التربوي، فإن التعليم الإلزامي لا يسعى بالدرجة الأولى إلى تحرير العقول أو تفجير الطاقات الإبداعية الكامنة، بل يهدف إلى تهيئة أفراد منضبطين يقبلون التسلسل الهرمي بوصفه قدراً محتوماً، ويخضعون لإقاعات زمنية صارمة تفرضها جرس الحصة الدراسية وصفوف المقاعد المتلاصقة في صمت مطبق.

يبدأ هذا المسار الخطير باغتيال الفضول الطبيعي للطفل. فالطفل يأتي إلى العالم مفعماً بالدهشة والتساؤل، مستعداً لاستكشاف محيطه بدافعية ذاتية خالصة. غير أن المؤسسة التعليمية تعيد توجيه هذه الطاقة العضوية عبر نظام المقارنة، والدرجات، والامتحانات الدورية، ليتحول التعلم من غاية جمالية وفكرية نبيلة إلى سلعة تنافسية أو عبء إلزامي ثقيل يُقاس بالنجاح والرسوب. وبهذا، تُستبدل الرغبة العضوية في المعرفة بالخوف من العقاب أو اللهث خلف المكافأة الخارجية. وكما يشير العقل النقدي في مقاربته لبنيات الهيمنة، فإن "المدرسة تُعلِّم الأطفال، قبل أي شيء آخر، مكانتهم الحقيقية في التراتبية الاجتماعية، وتغرِس فيهم قناعة باطنية بأن عجزهم اللاحق هو نتيجة لقصورهم الذاتي لا لخلل في النظام".

تقوم المدرسة على احتكار صارم لإنتاج المعرفة وتوزيعها واستهلاكها. فهي تفترض أن الحقيقة يمكن تقطيعها إلى أجزاء متجانسة تُعرف بـ"المناهج الرسمية"، وتوزيعها على عقول الطلبة بحسب فئات عمرية محددة مسبقاً، وكأن المعرفة سلعة معلبة ومعدة للاستهلاك المباشر. هذا الاحتكار المطلق لا يقصي فقط الأساليب المتنوعة وغير النظامية لاكتساب المعرفة، بل يلغي تماماً البيئات الحياتية والمجتمعية بوصفها حاضنات أصيلة للخبرة الحية.

حين تُنتزع المعرفة من سياقها المجتمعي والوجودي الحقيقي وتُحشر بين دفتي كتاب مدرسي واحد، فإنها تفقد حيويتها ومعناها التحرري. يصبح الطالب مستهلكاً سلبياً لخطاب جاهز، ومُلقىً به في علاقة سلطوية يكون فيها المعلم هو المالك الوحيد للحقيقة والوكيل الحصري للدولة والمجتمع. في هذا المناخ المغلق، يتلاشى الحوار الخلاق وتضمحل القدرة على الاشتباك مع تعقيدات الواقع، لصالح الحفظ والاستظهار المؤقت الذي يتبخر بمجرد انتهاء الاختبار. إن هذا التجريف المنهجي للتنوع الفكري والنفسي هو المعنى الحقيقي للتدجين المؤسسي الذي يفرغ الوعي من مضمونه النقدي.

وهم الشهادات واقتصاد الامتثال

من أبرز أدوات الضغط التي تستخدمها المدرسة التقليدية لتأبيد سلطتها هو ربط القيمة الإنسانية والوجودية للفرد بحيازة "الشهادة". فالشهادة المدرسية أو الجامعية ليس مجرد إثبات لكفاءة تقنية أو مهارة عملية، بل هي رخصة عبور اجتماعي واقتصادي، وبدونها يُحكم على المرء بالتهميش المطلق والإقصاء من دائرة الاعتراف. هذا الاحتكار للعبور يمنح المؤسسة ونظام الإنتاج سلطة هائلة على وعي الأفراد وسلوكهم؛ إذ يضطر الشاب إلى خوض سنوات عمره الباكر في تدجين ميوله وتطويع أفكاره لتتطابق مع المعايير المفروضة، خوفاً من نبذ السوق والمجتمع.

وقد تنبأ الفكر النقدي المبكر بهذه المعضلة، محذراً من أن هذا الارتباط الوثيق بين الشهادة والوظيفة يخلق سوقاً زائفة للتعليم، تُستهلك فيها زهرة العمر في تحصيل علامات واعترافات مؤسسية لا علاقة لها بالقدرة على الفهم العميق أو الإسهام الحضاري. وحين تتحول الشهادة إلى صك غفران اجتماعي، يتحول المتعلم إلى مأجور مستقبلي، جُهز عقلياً لتقبل شروط الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية دون تذمر، مقتنعاً بأن شقاءه لا يعدو لكونه قدراً فردياً.

إن موت المدرسة التقليدية بوصفها الاحتكار المطلق للتعلم لم يعد مجرد فرضية نظرية نخبوية، بل هو ضرورة وجودية وتاريخية ملحة لاستعادة إنسانية الإنسان المغترب. إن تجاوز هذه البنية المهترئة لا يعني بالضرورة الفوضى أو التخلي عن تراث الإنسانية المعرفي، بل يقتضي إعادة الاعتبار لشبكات التعلم المفتوحة التي تتشكل من خلال الرغبة الحقيقية في الاكتشاف، والخبرة الحياتية المشتركة، والتفاعل الحر مع البيئة والمجتمع.

لقد حان الوقت لنعيد النظر في مفهوم التعلم ذاته، لننظر إليه بوصفه فعلاً تحررياً مستمراً يرافق حياة الإنسان كلها، لا فترة حجز إلزامي تقضي على طفولته وشبابه. إن التحرر من أسر المؤسسات التعليمية التقليدية هو المدخل الإلزامي نحو بناء مجتمعات تتبنى العقل النقدي الجذري، وتقدر الإبداع الإنساني الخلاق، وتحرر المعرفة من قيود الإكراه المؤسسي.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

 

التحول الخفي في صناعة الوعي التربوي

في اللحظة التي أصبح فيها الهاتف الذكي جزءاً من الحياة اليومية للطفل، دخلت المجتمعات الإنسانية مرحلة جديدة من تاريخ التنشئة. فقد انتقلت مساحات واسعة من تشكيل الوعي والذوق والخيال إلى فضاءات رقمية مفتوحة، تتحكم فيها منصات عالمية صُممت وفق منطق جذب الانتباه وتعظيم التفاعل.

وبينما كانت الأسرة والمدرسة تمثلان تاريخيا الإطارين الأكثر تأثيرا في بناء شخصية الطفل، ظهرت بيئة جديدة تحمل معها أنماطا مختلفة من التعلم والتواصل واكتساب القيم.  هذه التحولات دفعت عددا من الدول إلى مراجعة علاقتها بثقافة المنصات الرقمية، بعدما كشفت التجربة اليومية عن تعقيدات نفسية وتربوية واجتماعية مرتبطة بالاستخدام المبكر والمكثف لشبكات التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت الطفولة موضوعاً مركزيا في النقاش العمومي حول حدود المسؤولية الرقمية، وحول قدرة المجتمعات على حماية أجيالها الصاعدة من التأثيرات العميقة التي تنتجها البيئات الافتراضية.

وفي هذا السياق، صادق البرلمان الفرنسي على قانون يمنع القاصرين دون سن الخامسة عشرة من الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي، في خطوة تأتي ضمن مسار دولي متنامٍ تقوده تجارب متعددة في اليابان ودول شمال أوروبا، حيث يجري البحث عن صيغ قانونية وتربوية تحقق توازنا بين الاستفادة من الثورة الرقمية والحفاظ على شروط النمو النفسي والثقافي السليم للأطفال.

وتفتح هذه التحولات باباً واسعا أمام سؤال سوسيولوجي جوهري: كيف تتغير علاقة الإنسان بالمعرفة والهوية والآخر، عندما تصبح الخوارزمية طرفا فاعلا في تشكيل الوعي منذ المراحل الأولى من العمر؟

تكتسب مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون إياه، القاضي بمنع امتلاك الأطفال القاصرين لحسابات على منصات التواصل الاجتماعي دلالة تتجاوز بعدها التشريعي، لتتحول إلى إعلان فلسفي مفاده أن المجتمع لم يعد يعتبر الفضاء الرقمي مجرد وسيلة للتواصل، بل بيئة اجتماعية تحتاج إلى الضبط والحماية مثلها مثل المدرسة والشارع والأسرة.  إن فرنسا بهذا التشريع، لا تنفصل عن تجارب دول سبقتها إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الطفولة والتكنولوجيا، فقد تبنت اليابان منذ سنوات سياسات صارمة للحد من الاستخدام المفرط للهواتف الذكية داخل المؤسسات التعليمية، بينما اتجهت دول الشمال الأوروبي، مثل السويد والدنمارك والنرويج، إلى مراجعة سياساتها الرقمية داخل المدارس، بعد أن أظهرت الدراسات أن الإفراط في الرقمنة لم يكن دائماً مرادفاً لتحسن التعلمات، بل أدى في حالات عديدة إلى تراجع التركيز والقراءة العميقة، وارتفاع معدلات القلق والعزلة الاجتماعية.

هذا التحول العالمي يكشف عن تغير جذري في النظرة إلى التكنولوجيا؛ فلم تعد المشكلة تكمن في وجود الوسائط الرقمية، وإنما في طبيعة السلطة التي تمارسها الخوارزميات على العقول الناشئة.  لقد كان ميشيل فوكو يرى أن السلطة الحديثة لا تفرض نفسها بالقوة المباشرة، بل تعمل من خلال آليات دقيقة لإنتاج السلوك وتوجيهه. واليوم تبدو الخوارزميات تجسيدا متقدما لهذا التصور؛ فهي لا تأمر الطفل، لكنها تصوغ رغباته، ولا تمنعه من الاختيار، لكنها تحدد له ما سيختاره لاحقاً. إنها سلطة ناعمة، غير مرئية، لكنها شديدة الفاعلية في تشكيل أنماط التفكير والانتباه والانفعال.

ومن زاوية أخرى، يقدم بيير بورديو مفهوما بالغ الأهمية لفهم هذه الظاهرة، وهو مفهوم "إعادة إنتاج الهيمنة". فالطفل الذي يقضي ساعات طويلة داخل منصات التواصل لا يستهلك محتوى محايدا، بل يخضع لعملية متواصلة لإعادة إنتاج الذوق والقيم وأنماط الاستهلاك والنجاح والجمال واللغة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه المضامين إلى ما يسميه بورديو "الهابيتوس"، أي منظومة داخلية من الميولات التي توجه الفرد دون أن يشعر بها.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ إذ لم تعد المدرسة المصدر الوحيد للمعرفة، ولم تعد الأسرة الفضاء الأول للتنشئة، بل أصبحت المنصة الرقمية فاعلاً اجتماعياً ينافس المؤسسات التقليدية جميعها، ويملك من أدوات التأثير ما لم تمتلكه أي مؤسسة تربوية في التاريخ.  أما شوشانا زوبوف، في تحليلها للرأسمالية القائمة على المراقبة، فتذهب إلى أن البيانات الشخصية لم تعد مجرد معلومات، بل أصبحت مادة أولية لصناعة السلوك الإنساني. فكل نقرة، وكل ثانية يقضيها الطفل أمام الشاشة، تتحول إلى بيانات تُستثمر اقتصادياً لإطالة زمن بقائه داخل المنصة.

وعلى هذه الوضعية يصبح الطفل، مستهلكا ومنتجا للثروة الرقمية، دون أن يدرك أنه موضوع لاستثمار اقتصادي ضخم.  وتشير الدراسات الحديثة في علم النفس التربوي إلى أن الاندماج الكلي مع ثقافة المنصات يترك آثاراً تتجاوز الإدمان التقني، ليؤثر في البنية النفسية للطفل والمراهق. فالمقارنة المستمرة بالآخرين تولد الشعور بالنقص، والسعي الدائم إلى نيل الإعجابات يربط تقدير الذات باعتراف رقمي متقلب، بينما يؤدي التدفق اللامتناهي للمحتوى إلى تراجع القدرة على التركيز والتأمل والقراءة العميقة.

ولعل ما يسميه عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان بـ"الحداثة السائلة" يجد اليوم أحد أوضح تجلياته داخل شبكات التواصل الاجتماعي؛ حيث تصبح العلاقات الإنسانية سريعة الزوال، والهوية قابلة للتغيير في كل لحظة، والقيم خاضعة لمنطق الانتشار لا لمنطق الحقيقة. فينشأ الطفل داخل فضاء يربط النجاح بعدد المتابعين، ويقيس القيمة الإنسانية بحجم التفاعل، ويختزل الاعتراف الاجتماعي في مؤشرات رقمية.

أما من الناحية التربوية، فإن أخطر ما تفرزه هذه الثقافة هو انتقال مركز السلطة التعليمية من المعلم إلى الخوارزمية. فالمعلم يقدم معرفة تتطلب الصبر والتدرج والنقد، بينما تقدم المنصة معرفة مجزأة وسريعة ومشحونة بالإثارة والانفعال. وهكذا يصبح التعلم عملية استهلاك بصري أكثر منه بناءً معرفياً، ويتحول التفكير النقدي إلى ردود فعل آنية تحكمها سرعة التفاعل.

وقد نبه الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان، منذ عقود إلى أن الوسيلة ليست مجرد ناقل للرسالة، بل هي الرسالة نفسها. واليوم تبدو هذه الفكرة أكثر صدقا من أي وقت مضى؛ لأن المنصة لا تغير فقط مضمون المعرفة، بل تغير طريقة التفكير، وإيقاع الإدراك، وأسلوب التواصل، وحدود الانتباه.

إن التشريع الفرنسي لا ينبغي فهمه باعتباره حربا على التكنولوجيا، بل باعتباره محاولة لإعادة التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الحق في الولوج إلى المعرفة والحق في حماية النمو النفسي والعقلي للأطفال. فالمجتمعات التي راكمت خبرة في الاقتصاد الرقمي بدأت تدرك أن ترك الطفولة تحت رحمة الخوارزميات يمثل مخاطرة حضارية قبل أن يكون مجرد قضية تقنية.

ويبقى السؤال مطروحاً في المجتمعات العربية، ومنها المغرب: هل ننتظر حتى تتحول المنصات إلى المرجع الأول في التنشئة الاجتماعية، أم نبادر إلى بناء سياسة وطنية متكاملة لحماية الطفولة الرقمية؟

إن المطلوب لم يعد مجرد إصدار قوانين تحدد السن القانونية لولوج المنصات، بل صياغة مشروع ثقافي وتربوي شامل يشارك فيه المشرع، والمدرسة والأسرة والإعلام وعلماء النفس والاجتماع، من أجل إعادة الاعتبار للتنشئة الإنسانية في زمن الذكاء الاصطناعي.  فالرهان الحقيقي ليس حماية الأطفال من الشاشات في حد ذاتها، وإنما حماية قدرتهم على التفكير الحر، وعلى بناء شخصية مستقلة، وعلى امتلاك وعي لا تصنعه الخوارزمية ولا توجهه اقتصاديات الانتباه.

إن المجتمعات التي تحمي طفولتها الرقمية اليوم، إنما تؤسس لسيادتها الثقافية غداً؛ لأن معركة المستقبل لن تكون فقط حول امتلاك التكنولوجيا، بل حول امتلاك الإنسان القادر على استخدامها دون أن يصبح أسيراً لها.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في الحد الأدنى الذي يصون الحوار ولا يُملي نموذجاً

ليس الخيال العلمي في أنضج صوره هرباً من الأرض، بل عودة إليها من أبعد الطرق. فهو لا يُقصينا عن الأرض وإنما يُنحّينا عنها بما يكفي لنراها: هناك تتجرّد القوة من أسمائها المألوفة والاستعمار من أعلامه والتفوق من ذرائعه، فيعود السؤال في صورته الأولى: هل يكفي أن يكون أحدهم أقدر منا ليصبح أحق بنا؟ وحين تهبط في هذه الحكايات كائنات أوسع علماً وأمضى قوة لتعلن أن البشرية لم تحسن بناء بيتها، فإنها لا تأتينا بخصم جديد، بل ترفع إلينا صورتنا في مرآة مكبّرة، فهذا الخطاب قد سمعته الشعوب مرارا بلغات أرضية من  ”عبء الرجل الأبيض“إلى بيانات كل استبداد يعد الناس بتمدينهم ويأخذ منهم الإرادة.

وأول ما تفعله الهيمنة أنها تنزع عن الآخر أهليته المعرفية، فليس السلاح هو ما يفتح البلاد أولا، بل الحكم القائل إن أهلها لا يعرفون مصلحتهم. وبه يصبح الاحتلال خدمة والوصاية إحسانا.

لكن رفضنا هذه الوصاية ليس نسبوية ولا إنكارا للمعايير الكونية، إنه اعتراض على تناقض في صميم فكرة الأخلاق المفروضة. فالخير الذي يفرض بالسلاح ليس نضجا، بل تدجين، والحرية شرط إمكان الفعل الأخلاقي لا زينة تضاف إليه. والكائن الذي يحسن التصرف تحت تهديد الفناء ليس فاعاً أخلاقيا، بل حيوان أحسن أصحابه ترويضه. فمأخذنا على الوصي الهابط من السماء ليس أنه يحمل قيماً كونية، بل أنه بفرضها يبطل شرط تحققها. نحن لا نخاصم الكونية، وإنما نخاصم القسر طريقا إليها.

وليس هذا الرفض ستارا لبراءة موهومة. في فيلم، اليوم الذي توقفت فيه الأرض “The Day the Earth Stood Still” ما يشبه التهمة العادلة: للبشرية نزوع حقيقي إلى التدمير، وقد بلغت من السلاح ما يفني الكوكب قبل أن تبلغ من الضمير ما يحكم السلاح. فالسيادة ليست شيكا على بياض تحرره البشرية لنفسها باسم، حرية الخطأ، والمأزق: كيف تصحح مسارها دون أن تسلم مصيرها إلى طاغية عليم؟

الجواب ليس استبدال استبداد بشري باستبداد فضائي، بل تحريك العقل الأخلاقي النقدي من داخل البشرية نفسها، ولهذا آليات ثلاث: فضاء عمومي كوكبي تصبح فيه الفضيلة موضوع تداول لا حكرا على نخبة، وردع أخلاقي غير عسكري يربط المصالح بمؤشرات البيئة والحقوق وتعامل مع الكوارث المشتركة من المناخ إلى الأوبئة بوصفها واقعا يضيق هامش اللاعقلانية. أما الفعل التواصلي عند هابرماس فلا نتخذه واقعا منجزا، إذ شروط الكلام المثالية نادرا ما تصمد في علاقات القوة اللامتكافئة وهي بالضبط حالتنا، بل أفقا ناظما نقيس عليه اقتراب أي حوار من التكافؤ.

وفي الآلية الثالثة خطر: إن منطق لم يبق للبقاء إلا هذا الخيار هو منطق كل استبداد طوارئ، وهو ما سماه شميت حالة الاستثناء. ولذلك يلزم فصل حاد بين إكراه الواقع وإكراه من يحتكر تفسير الواقع. فالجاذبية تكرهنا جميعا بالتساوي وليس لأحد عليها امتياز التفسير، أما إذا زعم طرف بعينه أنه وحده يعلم ما تقتضيه الضرورة، فقد انقلبت الضرورة من حقيقة موضوعية إلى غطاء لسلطة. والمعيار الفاصل: هل تفسير الضرورة مفتوح للتفنيد من الجميع أم محتكر في مركز واحد؟ الأول عقلانية تشاركية والثاني وصاية تتنكر في زي العلم.

ويقدم لنا مسلسل الزائرون “V” الوجه الآخر للهيمنة: استعمار مغلف بالمعونة، يبذل التقنية والطب والأمان ويأخذ الحرية شيئاً فشيئا حتى لا يبقى ما يؤخذ. وقد يجعل الخلل المادي المواجهة انتحارا، لكن المقاومة ليست اندفاعا بلا حساب ولا هي توتاليتارية الأمل التي تفترض أن الإرادة تكسر الفيزياء. إنها تبدأ رفضا معرفيا لشرعية الهيمنة، ثم تتخذ صبرا واستراتيجية: كسب الوقت ومعرفة الثغرات وصون الذات من الذوبان. فالقوة قد تفرض أمرا واقعا، لكنها تفشل في انتزاع الشرعية ما دام المستضعف ممسكاً بوعيه.

ومن هنا كرامة التنوع، فالتاريخ معزوفة أصوات لا صوت واحد ولكل شعب إمكان فريد في التعبير عن الروح الإنسانية. وقد صاغ هيردر هذا المعنى أبلغ صياغة، لكنه صاغه خصما للكونية التنويرية، ميالاً إلى نسبوية قد تفضي إذا أخذت على إطلاقها إلى تبرير الانغلاق. فنحن لا نأخذه كله، نقتطف منه ثراء التنوع ونضعه في إطار كوني رقيق كان يرفضه أي نستعمله ضد نزعته. فالتعددية هنا ليست إذناً بالتغاضي عن الانتهاك باسم الخصوصية، التنوع قيمة لكن داخل الحد الأدنى لا فوقه.

فكيف يقاس التكافؤ بلا وصي؟ بنقل المسألة من تكافؤ ميتافيزيقي يزعم تساوي كل القيم إلى تكافؤ إجرائي يقوم على أمرين. أولهما حد أدنى كوني رقيق جدا، فكلما اتسع اقترب من كونية سميكة تعيد إنتاج الهيمنة بمفردات القيم. لذلك نحصره في نواة لا تستطيع حضارة أن تنكرها دون أن تنكر شرط بقائها جماعة إنسانية: صون الجسد من الإبادة والاستعباد وحرية الضمير وحق المشاركة في تقرير المصير المشترك. وليست هذه قيما غربية، بل شروط إمكان أي حوار حر، فمن يباد أو يستعبد لا يشارك في تكافؤ. وما وراء النواة، أنظمة القيم وأشكال الحكم والغايات القصوى متروك للتنوع كله. الحد الأدنى أرضية يقف عليها الجميع، لا سقف يقاس به الجميع.

وثانيهما التكافؤ في حق طرح السؤال لا في قيمة الجواب. وعندها يصبح التدخل الأخلاقي مشروعا في صورة واحدة: أن ينتقل من فرض النموذج إلى فضح التناقض الداخلي، أي أن يبين لحضارة أن قوانينها تكذب مبادئها، كمن يرفع شعار المساواة ويقيم الرق. وهو إجراء لا يحتاج أسطولا بل حجة لأنه لا يلغي ارادة الآخر بل يدفعه إلى مراجعة نفسه، وتلك وحدها الطريق التي ينضج بها الوعي من داخله.

وأخطر اعتراض على هذا الكلام ينبغي مواجهته: إن الفضح والمقاطعة، وإن لم يحتاجا قوة عسكرية هما قوة في ذاتهما ومن يملكها عمليا هو الأقوى اقتصاديا أي المركز الذي بدأنا بنقد هيمنته. فهل ينقلب سلاح المستضعفين أداة في يد المهيمن يقاطع بها الجنوب باسم حقوق الإنسان او سواها من الذرائع؟ إنكار الخطر سذاجة والسكوت عنه جبن. ولا مخرج إلا بشرط التبادلية: لا يفضح أحد غيره بمعيار لا يقبل أن يطبق عليه، فمن يقاطع الاستعباد فليقبل أن يُقاطَع إن مارسه تحت غطاء في استغلال العمالة أو نهب الثروات. فالمعيار الكوني لا يكون كونيا إلا إذا ارتد على قائله أولا، وبهذا يسقط سلاح الفضح من يد من يكيل بمكيالين. ويلزم معه شرط ثان: لامركزية الفضح، فهو حق موزع يفضح به الضعيف تناقض القوي كما يفعل العكس وهو سلاح الضعيف الأمضى لأن الحجة لا تتطلب سفناً. وبالتبادلية واللامركزية معا لا يعود الفضح إعادة إنتاج للهيمنة، بل مساءلة أفقية.

إن رفض الوصاية، هابطة من السماء أو زاحفة من البحر ليس دفاعا عن خطأ الإنسان بل دفاع عن شرطه. فالإنسان لا يكون إنسانا ولا الحضارة حضارة إلا بثنائية الحرية والمسؤولية، والقبول بوصي يفكر عنا ويعاقبنا مبادلة كرامة الحر بأمان المدجّن في قفص من ذهب. ولسنا مع ذلك نقدس الفوضى: فقد وضعنا للحرية حداً أدنى رقيقا يصون شرط الحوار ولا يملي نموذجا، وشرط تبادلية يمنع انقلاب النقد إلى سلطة. فالحضارة الحقيقية ليست التي لا تخطئ، بل التي تملك من العقل ما يكفي لتعترف بخطئها وتتدارك فناءها بملء إرادتها لا لأن أحداً أجبرها، بل لأنها اختارت البقاء فعلا من أفعال حريتها.

***

حميد القحطاني

 

لم تعد المعارك الكبرى في العصر الرقمي تُخاض بالأفكار وحدها، بل بالمشاعر التي تسبقها وتوجهها. فمن يتأمل الخطاب السائد على منصات التواصل الاجتماعي، أو يتابع السجالات اليومية، يكتشف أن الغضب والخوف والاشمئزاز أصبحت اللغة الأكثر انتشاراً، وأن الإثارة العاطفية باتت أقصر الطرق إلى جذب الانتباه وكسب التأييد. وهكذا تحولت المشاعر، شيئاً فشيئاً، من استجابة إنسانية طبيعية إلى وقود يغذي النقاش العام ويعيد تشكيله.

فخوارزميات المنصات الرقمية لا تعمل وفق معايير الحقيقة أو الجودة، وإنما وفق منطق الانتباه. وكلما أثار المحتوى انفعالاً أقوى، ازدادت فرص انتشاره. ولهذا تميل هذه الخوارزميات إلى تضخيم الأخبار والرسائل التي تستفز الخوف أو الغضب أو الاشمئزاز، لأنها تحقق معدلات أعلى من التفاعل والمشاركة.

وبهذه الطريقة، تتحول المنصات إلى فضاءات تعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي، وتغلق المستخدمين داخل ما يشبه "غرف الصدى"، حيث لا يسمعون إلا الأصوات التي تؤكد قناعاتهم المسبقة، بينما تتضاءل فرص الحوار الحقيقي أو مراجعة المواقف. ومع مرور الوقت، لا يقتصر أثر هذه الديناميكية على زيادة الاستقطاب، بل يمتد إلى إضعاف التفكير النقدي وتآكل الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع.

وفي هذا المناخ تزدهر ظاهرة ما بعد الحقيقة، حيث تصبح قوة الرسالة مرهونة بما تثيره من انفعال لا بما تتضمنه من وقائع. فالمعلومات المضللة تنتشر بسهولة لأنها تخاطب المشاعر العميقة أكثر مما تخاطب العقل، وتستثمر في الخوف والاشمئزاز والقلق، وهي مشاعر أثبت علم النفس منذ عقود أنها تستحوذ على انتباه الإنسان بسرعة أكبر من الرسائل الهادئة أو الحجج المنطقية.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ينبغي أن يكون للعواطف مكان في الحياة العامة؟ فالعاطفة كانت دائماً جزءاً من السياسة ومن التجربة الإنسانية. السؤال الأهم هو: أي المشاعر نريد أن تقود مجتمعاتنا؟ وهل نقبل أن تظل المنصات الرقمية هي التي تحدد، عبر خوارزمياتها، طبيعة الانفعالات التي تهيمن على وعينا الجمعي؟

إن استمرار هذه الآليات دون مراجعة يعني مزيداً من الاستقطاب والتشظي الاجتماعي. فالقضية لم تعد تقنية فحسب، بل أصبحت قضية سلطة ومسؤولية: من يقرر أي المشاعر تستحق الانتشار؟ ومن يتحكم في تشكيل الوعي العام؟ وما الثمن الذي تدفعه الديمقراطية عندما تصبح الإثارة العاطفية أهم من الحقيقة؟

وفي هذا السياق، تستعيد أفكار هانا آرندت راهنيتها. فقد كانت تحذر من أن أخطر أشكال الشر لا تظهر دائماً في صورة العنف الصريح، بل في الاعتياد، وفي التخلي التدريجي عن التفكير المستقل. فالخطر الأكبر لا يكمن في الأكاذيب وحدها، وإنما في استعداد الناس لتلقيها دون مساءلة، وفي قبولهم السلبي لما تفرضه عليهم المنظومات الإعلامية والرقمية من تصورات وانفعالات.

إن حماية الديمقراطية لم تعد تقتصر على الدفاع عن حرية التعبير، بل تتطلب أيضاً الدفاع عن حرية التفكير، وعن قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والانفعال، وبين النقاش والحشد، وبين الاختلاف والكراهية. فالمجتمعات التي تريد الحفاظ على تماسكها لا بد أن تستعيد السيطرة على الفضاءات التي تصوغ مشاعرها، وأن تعيد الاعتبار للتربية النقدية، وللمسؤولية الفردية في إصدار الأحكام، لأن المستقبل لن تحدده التقنيات وحدها، بل نوع العواطف التي نسمح لها بأن تقود وعينا الجماعي.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

هل صحيح أن السياسة هي فن الوصول وأن الأمة لا تنهض إلا بالسياسة؟

هل كل المشكلات التي يغرق فيها المجتمع هي من صنع الإنسان؟ أم أن الظروف التي أوجدتها؟ فكل المشكلات تحولت إلى قضية وأعطيت لها صبغة سياسية، أصبحنا ننهض على قضية ونبيت على أخرى بسبب التناقضات والإختلاف في الأفكار، ننهض باكرا نشعل التلفزيون لسماع الأخبار ومعرفة الأحداث، فالناس مختلفون في كل شيئ حتى في تركيبتهم البيولوجية وهذه سُنَّة الله في خلقه، كما أن كل فرد تعزيه أفكار يأخذها من تجربته في الحياة وهذه الأفكار قد يتخذ منها موقفا، يتحول هذا الموقف إلى قيمة يرتكز عليها في حياته اليومية، هناك قواعد في الحياة ومبادئ نؤمن بها نحن قد لا يؤمن بها الآخر والعكس، إلا أن هناك مشكلات يبتدعها الإنسان، أردت القول أن هناك مشكلات تبتكرها سخافة المرء التي نحتت تمثالا تعبده ،صنعت له حضارة المظاهر السخيفة فتعلق بالقشور الخارجية وأهمل كل ما هو عزيز في جوهره.

حياتنا تحولت إلى مفاهيم نقرأ عنها هنا وهناك، وتجدنا نتساءل من وَضَعَ هذه المفاهيم؟ (النجاح والفشل، السعادة والألم، الحبُّ والكراهية، السلم والحرب، التخلف والحضارة، الجهل والمعرفة، التكبر والتواضع، الظلم والعدل، العنف والتطرف، الحرية والعبودية، التغيير والتجديد، النور والظلامية وغيرها من الألفاظ والمعاني) فكل كلمة لها نقيضها، وكل كلمة قد تفسر من جوانب مختلفة حسب السياق التي تكون فيه، من أجل تحديد هدف ما، هدف تغييري لِوَضْعٍ ما، في كل هذا وذاك تجدنا نبحث عن المفاهيم التي تحمل قيما إنسانية، ونترك القيم الغير إنسانية (الوحشية) جانبا، بل نسعى إلى إزالتها قبل أن تتحول إلى قضية دولية ( الإرهاب مثلا).

فكل النشاط الذي يقوم به الإنسان هو من أجل هدف، أي من أجل بناء المستقبل، هذا المستقبل الذي تحوّل إلى هاجس يؤرق حياة الأفراد، فنجدهم يلهثون وراءه لتحقيقه، ألا يجدر بنا هنا أن نتساءل ماهو المستقبل؟ هل المستقبل أن يكون لنا مسكن ووظيفة وسيارة ومبلغ مالي في حساب بنكي؟ هل المستقبل يعني الزواج، أي أن تكون لك زوجة وأولاد؟، هل المستقبل هو الوصول إلى مستوى علمي عالي والحصول على شهادات جامعية؟ وهل المستقبل هو أن تكون شخصية مرموقة ( فنان مشهورا تصفق له الجماهير، أو كاتبا معروفا يكون لك قراء، أو وزيرا، أو زعيما سياسيا يهابك الجميع، أو حاكما لك سلطة القرار والتحكم في مصير الآخر، تتكلم عنك الصحف وتنشر صورك في الصفحات الأولى ويظل اسمك تردده الألسن حتى بعد مماتك؟ هناك عظماء منسيون طواهم النسيان ولم يعد أحد يذكر اسمهم أو يطلع على سيرتهم.

كل فرد يستطيع تحقيق الأشياء التي يطمح إلي تحقيقها وإن يوجد الملايين من الناس من لا يتمكنون من تحقيق أمر كهذا، فهل نجردهم من حقهم في الحياة ونجعلهم منبوذون؟ لا نتحدث هنا عن الكسالى الفاشلين، وإنما عن الذين خانهم الحظ في تحقيق ذاتهم، نتحدث عن ذلك الذي كافح ولكنه لم يجن ثمار كفاحه ، لأن جهده سُرِقَ منه وحقه انتزع منه غصبا لأنه يعيش في مجتمع فاسد، حوّله من سيد إلى مسود، يراه الناس صغيرا ويعتقدون أنه سيظل صغيرا ولن يكبر، هم وحدهم الكبار ، ففقد القيمة التي كان يؤمن بها، تلك القيمة التي كانت نبراسا في حياته، بل كفر بها، لأن الأنانية والإنتهازية واللامساواة سادت بين الناس وأصبح المال هو الذي يحدد قيمة الإنسان كإنسان، بل المال هو من يصنع الإنسان في زمن اتسم بالرداءة، لا ننكر ان المال ضروري لكنه وسيلة للعيش وليس غاية.

يقال أن السياسة هي فنّ الوصول ، ولذا نجد الكثير من الناس تؤسس أحزابا وآخرون ينخرطون فيها ، كما يقال أنّ الأمّة لا تنهض إلا على السياسة، أما الحضارة فهي عكس ذلك، الحضارة تقوم على اساس الخدمة وأداء الواجب، بدءًا من الحاكم إلى المحكوم، والحاكم من الحكمة والإنسان الحكيم هو الذي يتجاوز شهوته ويحولها إلى فضائل، لا نقصد بالشهوة تلك التي تخص الجنس البشري، بل شهوة الكذب وشهوة التسلط وشهوة التكفير والتقتيل و...و...والخ ، والإنسان الحكيم وحده يحوّل هذه الشهوات إلى فضائل، فيترفع عن أنانيته وحبه لذاته ويجعل مصلحته لا تتعارض مع مصلحة الآخر، وبذلك نكون قد حققتنا قيمتنا الإنسانية ووصلنا إلى مستوى الحضارة التي حلم بها الفلاسفة عبر كل العصور.

***

علجية عيش

إنَّ الحوار الحضاري بين الأممِ والشعوب ضرورة حياتية، ورسالة وجودية، ولَيس ترفًا أو فكرة عابرة. وفي تاريخ الفكر الإنساني يبرز نموذجان عظيمان جَسَّدا هذا الحوارَ بأرقى صوره: الشاعر الباكستاني محمد إقبال (1877- 1938)، والشاعر الألماني يوهان غوته (1749- 1832). ولم يكن اللقاء بينهما لقاء زمان أو مكان، بل كان لقاء الأرواح التي تتجاوز حدودَ الجغرافيا، وتؤمن بأنَّ الحقيقة أكبر من أن يحتكرها شعب، أو حضارة واحدة.

بدأ إقبال رحلته الفكرية وهو يَحمل في قلبه هَمَّ الأمة الإسلامية، ويؤمن بأن نهضتها لا يمكن أن تتحقق إلا إذا استعادت ثقتها بذاتها، وانفتحت في الوقت نفسه على منجزات الإنسانية كُلِّها.

لم يكن إقبال من دعاة الانغلاق، ولم يرَ في الحضارة الغربية عدوًّا مطلقًا، كما لم يعتبر الحضارةَ الإسلامية ماضيًا يُبكَى عليه، بل رأى أن الحضارات تتكامل عندما يتحاور أبناؤها بصدق، ويتبادلون المعرفة والاحترام.

وجد إقبال في غوته شخصيةً استثنائية بين مفكري الغرب، فهو الشاعر الذي لم يكتفِ بالنظر إلى الإسلام من بعيد، وإنما قرأ القرآنَ الكريم، وتأمَّلَ شخصيةَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وأُعْجِبَ بما يَحمله الإسلام من قيم التوحيد والعدل والسمو الروحي. وقد انعكسَ ذلك في ديوان غوته الشهير " الديوان الغربي الشرقي" الذي جعله جسرًا ثقافيًّا بين الشرق والغرب، معلنًا أن الأدب قادر على هدم الأسوار التي تعجز السياسة عن إسقاطها.

وكان إقبال شديدَ الإعجاب بهذا الانفتاح الفكري، فقد رأى في غوته مثالًا للمثقف الذي يبحث عن الحقيقة أينما كانت، ولا يخضع للتعصب أو الأحكام المسبقة. لذلك لم يكن إقبال يقرأ غوته بوصفه شاعرًا ألمانيًّا فَحَسْب، بل بوصفه إنسانًا عالميًّا استطاع أن يفتح قلبه لثقافة أُخرى، وأن يتعامل معها بعين الباحث لا بعين الخصم.

ومِن هُنا بدأ الحوار الحضاري بين الرَّجلين، حوار لم تُسمَع فيه الأصوات، ولكن سُمعت فيه الأفكار. كان غوته يقترب من الشرق بإعجاب واحترام، وكان إقبال يقترب من الغرب بعقل ناقد وقلب منفتح، فلا أحد منهما دعا إلى ذوبان حضارة في أُخرى، بل دعا كُلٌّ منهما إلى التفاعل الخلاق الذي يحفظ الهوية، ويُثْري الإنسانية.

أدركَ إقبال أن الغرب حقَّق إنجازات عظيمة في ميادين العلم والتنظيم والبحث، لكنه كان يرى أن هذه القوة المادية تحتاج إلى روح تُهذِّبها، وقيم تُوجِّهها. وكان يؤمن أن الإسلام قادر على أن يُقَدِّم هذه الروحَ بما يَحمله من مبادئ العدل والرحمة والكرامة. وفي المقابل، لم يكن يرفض الأخذ بأسباب التقدم العلمي، بل كان يحث المسلمين على الاستفادة منها دون أن يفقدوا شخصيتهم الحضارية.

أمَّا غوته، فقد كان يرى في الشرق مصدرًا للحكمة والإلهام والجمال الروحي. لقد أبهره القرآن الكريم بلغته وإيقاعه وقوة تأثيره، وأدركَ أن الإسلام ليس مُجرَّد دِين غريب عن أوروبا، بل حضارة إنسانية عريقة تمتلك رؤية متكاملة للوجود والإنسان. لذلك جاءت كتاباته خالية من روح الكراهية، ومليئة بالتقدير والإنصاف، في زمن كانت الصور النمطية عن الإسلام منتشرة في كثير من الأوساط الأوروبية.

إنَّ أجمل ما يَجمع بين إقبال وغوته هو إيمانهما بأن الإنسان لا يكتمل إلا بالحوار، وأن الثقافة الحقيقية لا تعرف الحدودَ المغلقة، فقد كانا يرفضان التعصبَ الذي يعمي الأبصار، ويؤمنان بأن الاختلاف لا ينبغي أن يقود إلى الصراع، بل إلى التعارف والتكامل. وفي هذا تتجلى القيمة الخالدة للحوار الحضاري، فهو لا يلغي الخصوصيات، وإنما يجعلها مصدرًا للإثراء المتبادل.

واليوم، في عالم تمزقه الحروب، وتؤججه خطابات الكراهية، تبدو تجربة إقبال وغوته أكثر حضورًا من أي وقت مضى. والإنسانيةُ لا تحتاج إلى مزيد من الجدران، بل إلى مزيد من الجسور، ولا تحتاج إلى أصوات تزرع الخوف، بل إلى عقول تؤمن بأن الحضارة تنمو حين تتلاقى الخبرات، وتتبادل الشعوبُ المعرفة والاحترام.

أثبتَ إقبال أن المسلم الواثق بدينه يستطيع أن يتحاور مع الآخَر دون أن يتنازل عن مبادئه، كما أثبت غوته أن المفكر الأوروبي يستطيع أن يُنصِف الإسلامَ دون أن يتخلى عن انتمائه الثقافي. وهكذا أصبحَ كلاهما رمزًا لإنسانية راقية تؤمن بأن الحقيقة لا تُولَد من التعصب، وإنما تُولَد من اللقاء الصادق بين العقول والقلوب.

يبقى الحوار بين إقبال وغوته شاهدًا على أن الأدب والفكر قادران على صُنع ما تعجز عنه السياسة، فقد التقى شاعرٌ من لاهور (باكستان) بشاعر من فايمار (ألمانيا) في فضاء الإنسانية الرحب، فأنشآ حوارًا خالدًا لا يزال يلهم الأجيال بأن الاختلاف ليس نهاية الطريق، بل بدايته، وأن الحضارات لا تزدهر بالصدام، وإنما تزدهر بالتعارف، والتفاهم، والاحترام المتبادل.

وهكذا يظل إقبال وغوته منارتَيْن مضيئتين في تاريخ الحوار الإنساني، ودليلًا حيًّا على أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تجمع بين الشرق والغرب في الإطار الإنساني الذي يُمثِّل جسرًا حضاريًّا معرفيًّا متينًا.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

كنا نحلم بعكس ما جرى.. بمناسبة مرور ثلاثين عام على نشر هذا المقال

في الصفحة الأخير من صحيفة 14 اكتوبر العدنية المصادف هذا اليوم؛ طلبت من صديقي الذكي اعادة صياغته بما يتناسب مع عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي فأنتج لي هذا النص الرائع الذي عزز وجهة نظري.

ليس هناك سؤال أكثر عمقًا وإلحاحًا من السؤال الذي يسبق كل مشروع حضاري: ماذا نريد أن نكون؟ فهذا السؤال لا يبحث عن هوية جاهزة، بل عن مستقبل لم يولد بعد، ولا عن وصفٍ لواقع قائم، بل عن إرادة تاريخية قادرة على إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع معًا. ومن هنا فإن التربية ليست مؤسسة تعليمية فحسب، وإنما هي الورشة الكبرى التي يصنع فيها الإنسان ذاته، ويعيد المجتمع إنتاج مستقبله.

تختلف الكائنات الحية عن الإنسان في أنها تولد مكتملة الهوية. فالعصفور يولد عصفورًا، والحصان حصانًا، ولا يحتاج أي منهما إلى مدرسة أو جامعة ليعرف كيف يكون ما هو عليه. أما الإنسان فيولد ناقصًا، ليس بمعنى العجز البيولوجي، بل بمعنى الانفتاح الوجودي. إنه الكائن الوحيد الذي لا يصبح إنسانًا إلا بالتربية والثقافة واللغة والتعليم والخبرة المتراكمة. فهويته ليست معطى طبيعيًا، وإنما مشروع مفتوح على الدوام.

ولعل هذه الحقيقة هي أعظم ما يميز الإنسان؛ إذ إن نقصه الأول هو مصدر إمكانه اللامحدود. إنه الكائن الذي يستطيع أن يسمو فوق ذاته أو ينحدر دونها، بحسب ما يتلقاه من تربية، وما يكتسبه من معرفة، وما يمارسه من نقد ومراجعة. ولهذا فإن أخطر لحظة في حياة الفرد ليست لحظة الجهل، وإنما لحظة اعتقاده أنه بلغ نهاية المعرفة، وأن الحقيقة أصبحت ملكًا نهائيًا له. فمن يتوقف عن التعلم يبدأ بالتراجع، ومن يظن أنه اكتمل فكريًا وأخلاقيًا يكون قد بدأ في فقدان إنسانيته.

لقد كانت التربية في الأزمنة الماضية تعتمد على استقرار العالم، حيث كانت المعرفة تتغير ببطء، وكانت الأجيال تعيش غالبًا في الظروف نفسها التي عاشها آباؤها وأجدادها. أما اليوم فقد أصبح العالم يعيش تحولات متسارعة لم يشهد التاريخ مثيلًا لها. فما يتعلمه الطفل اليوم قد يصبح متجاوزًا بعد سنوات قليلة، وربما قبل أن يغادر مقاعد الدراسة. لقد دخلنا عصرًا لم تعد فيه المشكلة نقص المعلومات، بل فائضها، ولم يعد السؤال: كيف نحصل على المعرفة؟ بل كيف نميز الصحيح من الزائف، والنافع من الضار، والمعنى من الضجيج.

إن الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، لم تغير أدوات العمل فحسب، بل غيرت معنى التعلم ذاته. لقد أصبح التعلم عملية مستمرة مدى الحياة، ولم تعد الشهادة الجامعية نهاية الطريق، وإنما بدايته. فالذي لا يتعلم بسرعة سيتجاوزه الزمن بسرعة أكبر، والذي لا يجدد معارفه باستمرار سيجد نفسه يعيش بعقل ينتمي إلى الماضي في عالم يصنعه المستقبل.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبينما أصبحت المعرفة متاحة بضغطة زر، أصبح التفكير النقدي أكثر ندرة من أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم إجابات مذهلة، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان الحكمة التي تمكنه من طرح الأسئلة الصحيحة. ويمكنه أن ينتج نصوصًا وصورًا وبرامج، لكنه لا يستطيع أن يحدد الغايات الأخلاقية أو القيم الإنسانية التي ينبغي أن توجه هذا الإنتاج. ولذلك فإن التربية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مطالبة بتلقين المعلومات، بل بتكوين الإنسان القادر على التفكير، والتمييز، والإبداع، والعمل الجماعي، والتعلم الذاتي المستمر.

إن التعليم الذي يكتفي بحفظ المعلومات يشبه من يملأ أوعية بالماء في زمن أصبحت فيه الأنهار تجري في كل مكان. أما التعليم الحقيقي فهو الذي يعلم الإنسان كيف يبحث، وكيف يشك، وكيف يناقش، وكيف يبني معرفة جديدة من المعرفة المتاحة. فالمستقبل لن يكون للأكثر حفظًا، بل للأكثر قدرة على التعلم السريع، وإعادة التعلم، والتكيف مع التغيير.

ومن هنا يصبح السؤال التربوي سؤالًا سياسيًا وثقافيًا وحضاريًا في آن واحد. فما المجتمع الذي نريد بناءه؟ وأي مواطن نريد تخريجه؟ وهل نريد أفرادًا يكررون الماضي، أم عقولًا قادرة على صناعة المستقبل؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تبدأ من الجامعة وحدها، ولا من المدرسة وحدها، بل تبدأ من فلسفة تربوية وطنية واضحة، تحدد صورة الإنسان الذي نطمح إليه، وتربط التعليم بمشروع التنمية، والثقافة بالديمقراطية، والمعرفة بالحرية، والعمل بالإبداع.

وللأسف، ما يزال واقعنا العربي يعاني من أزمة عميقة في هذا المجال. فما تزال المناهج في كثير من الأحيان تقوم على التلقين أكثر من التفكير، وعلى الامتحان أكثر من الفهم، وعلى الحفظ أكثر من الإبداع. كما أن تعدد المرجعيات الفكرية، وتناقض السياسات التعليمية، وضعف مكانة المعلم، وتراجع قيمة القراءة، وانتشار الغش، كلها أعراض لأزمة أعمق تتمثل في غياب فلسفة تربوية شاملة توحد الرؤية والأهداف.

لقد أثبتت تجارب الأمم أن النهضة لا تبدأ من الثروة، وإنما من الإنسان؛ وأن الاستثمار الحقيقي ليس في النفط أو المعادن أو التكنولوجيا، بل في العقل البشري. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة لم تصبح قوى عالمية لأنها امتلكت موارد طبيعية ضخمة، وإنما لأنها استثمرت في الإنسان، وجعلت التعليم محور مشروعها الوطني.

إن الطفل يولد مزودًا بغريزة الفضول والاكتشاف، ويملك استعدادًا فطريًا للتعلم. والمهمة الأساسية للتربية ليست أن تحشو عقله بالمعلومات، بل أن تحافظ على هذا الفضول حيًا، وأن تنمي قدرته على السؤال والبحث والاكتشاف. وكما قال جون هولت: “لسنا بحاجة إلى أن نجعل الأطفال أذكياء، فهم يولدون كذلك، وإنما علينا أن نتوقف عن تعليمهم الغباء.” إنها عبارة صادمة، لكنها تكشف مأساة التربية حين تتحول إلى آلة لإخماد الخيال بدل إطلاقه.

ولذلك تبقى القراءة النقدية الركيزة الأساسية لكل تعليم حقيقي. فالقراءة ليست جمعًا للمعلومات، وإنما إعادة بناء للعالم داخل العقل. والعقل، مهما بلغت فطرته من الذكاء، لا يثمر معرفة من تلقاء نفسه، تمامًا كما أن الأرض، مهما بلغت خصوبتها، لا تعطي ثمارها ما لم تُحرث وتُزرع وتُسقَ. فالتفكير ينمو بالقراءة، والقراءة تنضج بالنقد، والنقد يفتح الطريق إلى الإبداع.

إن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من قدراته الهائلة، لا يلغي قيمة الإنسان، بل يزيد الحاجة إليه. فكلما ازدادت قوة الآلة ازدادت أهمية العقل الذي يوجهها، والضمير الذي يضبط استخدامها، والفلسفة التي تمنحها معناها الإنساني. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي ليس أن ننافس الآلات في سرعة الحساب، بل أن نربي إنسانًا أكثر حكمة، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا لخدمة الإنسان، لا لاستعباده.

إننا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة. فالتحول الرقمي يفتح أمام المجتمعات النامية إمكانات غير مسبوقة لتجاوز كثير من مراحل التخلف إذا أحسنت الاستثمار في التعليم السريع، والتعلم الذاتي، والمهارات الرقمية، والبحث العلمي، والابتكار. أما إذا بقينا أسرى مناهج الأمس وأدواته، فسوف تتسع الفجوة الحضارية أكثر فأكثر.

إن التربية ليست ترفًا ثقافيًا، ولا قطاعًا خدميًا كسائر القطاعات، وإنما هي البنية التحتية للمستقبل كله. فكل إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يبدأ من إصلاح التربية، وكل مشروع حضاري يفشل حين يهمل الإنسان الذي سيحمله. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا دائمًا ليس: ماذا نملك؟ بل: من نربي؟ وكيف نربي؟ ولماذا نربي؟

إن مستقبل الأمم لا يُصنع في غرف السياسة وحدها، ولا في أسواق المال، بل يبدأ في رياض الأطفال، ويتشكل في المدارس والجامعات، ويستمر في ثقافة المجتمع بأسره. فالبذرة تحمل في داخلها صورة الشجرة، والتربية هي التي تحدد شكل الغابة التي سنعيش فيها غدًا.

ولذلك سيظل السؤال الذي يوقظ الضمير، ويؤرق الفكر، ويستفز الإرادة هو نفسه الذي طرحه المربون الكبار منذ زمن بعيد، لكنه يكتسب اليوم معنى أكثر إلحاحًا في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي:

ماذا نريد أن نكون؟

فالإجابة عن هذا السؤال هي، في الحقيقة، الإجابة عن سؤال المستقبل كله. فإذا أحسنّا تربية الإنسان، امتلكنا مفاتيح الغد، أما إذا أهملناه، فلن تستطيع أكثر التقنيات تطورًا أن تنقذ مجتمعًا فقد بوصلته الإنسانية. فالتربية كانت، وما تزال، وستظل حقل زراعة المستقبل، ومفتاح كل نهضة، وأعمق استثمار يمكن أن تقوم به أمة تطمح إلى مكان يليق بها في التاريخ.

***

أ. د. قاسم المحبشي

أستاذ فلسفة التاريخ والحضارة – جامعة عدن

إذا طرحنا سؤالا صادما من جَعبة الحيرة عن موقفنا تجاه تصادم المعرفة القادمة من الخارج وبين تجربتنا الذاتية عن موضوع محدد، فهل الغلبة ستكون من نصيب التجربة الذاتية؛ كونها ألصق بالواقع؟ لربما الأسطر القادمة تمنحنا بعض التوازن قبل التسرّع بتبنّي إجابة تتمسّح بالسطحية.

بادئ ذي بَدء لا يمكن لأيٍ كان أن يُهوّن من تصوّرنا عن أمر خضنا تجربته، فأدق معايير الاطلاع على حقيقة الشيء أن نرتمي في أحضانه ونتلمّسه بأيدينا وأن يشهد حضورنا الشخصي بالطول والعرض، ومن هنا كانت التجربة كُبرى بوابات الوعي، وعلى قدر تنوّع تجاربنا وعمقها يتشكّل وعينا، وتاليًا ينسحب ذلك على ماهيّة تصوّرنا للحياة وكيفية استجابتنا لشتّى مفرداتها، وحُقّ لنا أن نفاخر بتجاربنا الخاصة، خاصة تلك الاستثنائية منها، كما لا يمكننا القفز على حقيقة أنّ التجربة رافدٌ محوري لوعينا، وجزء أصيل من تفاصيل حياتنا، وفي نهاية المطاف هل الحياة في عنوانها العريض سوى تجربة ذاتية نرسم ملامحها؟

وفي الجانب المقابل، على وجهٍ لا يمكن إنكاره من فاعلية التجربة بما هي بوابة وعي كبرى، إلا أننا لا يمكننا أن نقصر الوعي عليها؛ من ناحية أنه ليس لدينا تلك السعة من الوقت الكافي والموارد اللازمة لنجرّب كل شيء، ومن ناحية أخرى ليس كل شيء قابلا للتجربة، ومن هنا كانت المعرفة عصبًا حيويا للوعي، رغم جانبها النظري، فالمعرفة التي تَنْمي إلى أسماعنا، والكتب التي نقرؤها، وحتى تجارب الآخرين! وكل ما يدور في فَلَك ذلك، كلها أزاميل تنحَت وعينا، لا غنى لنا عن إِزْميل منها.

ولأنّ للمحدودية كلمتها الفصل في دستور حياتنا، إنْ لطبيعتنا البشرية وإنْ لطبيعة الحياة نفسها، فهناك وجه مظلم لكلٍ من التجربة والمعرفة، يفرض علينا عدم الاتكاء بالكلية على أحدهما دون الآخر، فالتجربة رغم ما يظهر من قدرتها الهائلة على الاحتكاك عن كثب بدقائق الموضوع وحيثياته وملابساته بدفقة من خصائصنا الذاتية، بحيث إن التجربة الواحدة تمنح كل فرد نتيجة مختلفة عن البقية، إلا أن النتيجة التي نخلص إليها منها - أي التجربة - ليست بالضرورة نتيجة يقينية ودقيقة، فهي لا محالة خاضعة لتقييماتنا المنحازة والمتأثرة بطبيعتها، ولربما أوضح تدليل على ذلك، الشخص الذي يعاني قصورا في النظر، فما ينظر إليه ليس مشوّهٌ على قدر ضعف الحاسة الباصرة، وفي تراثنا نتداول القول السائر:

 قد تنكر العين ضوء الشمس من رَمَدٍ

وينكر الفم طعم الماء من سَقَمِ

وحتى فيما نحب ونكره، في خضمّ تجربته نميل إلى تعزيز تصوراتنا القبلية إنْ عزوفا أو إقبالا، وفي ذلك أيضا يقول الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ  

ولكنّ عين السخط تبدي المَساويا

فالتجربة إذن عملية معقدة تتداخل مع خلفياتنا واستعداداتنا ومعرفتنا كذلك، فالتجربة التي نخوضها في عمر ووعي وحالة نفسية معينة لا تمنحنا النتائج ذاتها عند الاختلاف البيّن لهذه المتغيّرات، ففي كل تجربة شيءٌ منا، هذا الشيء يغير المعادلة، وفي تطبيقاتنا اليومية نلحظ ذلك بجلاء، فكم من مطعم أو فندق نطلع على آراء النزلاء والزوار عنه ثم تقول تجربتنا إياه النقيض تماما، وهذا طبيعي جدا، وهكذا ينبغي أن تكون؛ فإذا كان ذلك كذلك فإن التجربة لا يمكن المراهنة على نتائجها؛ كونها ليست مطلقة، لكننا في الوقت نفسه لا يمكن أن نتبرأ من نتائج تجربتنا أو ألّا نُعمِلها في قادم حياتنا، فنحن نتعاطى مع مواقف الحياة بأشيائها وأشخاصها بمقتضى تجاربنا السابقة لا محالة.

وهكذا المعرفة هي الأخرى، فالنظري يبقى محتملا حتى يتجسّد واقعًا، ويبقى عاما حتى نخصصه بالتجربة، ويبقى محض فكرة رخوة حتى تحقنها الدلائل الكَرّة تِلْوَ الأخرى، فالأدوات المعرفية محدودة، ونتائج المحدود إنما تتناسل من السِنْخ ذاته، ورغم ذلك تبقى رافدا مهما للوعي رغم افتقاره للتحقيق والتخصيص، التحقيق أي اليقينية حُكمًا، والتخصيص كونها لم تتشبّع بخصائصنا الشخصية.

إن الوعي يقوم بلا شك على -  أولا - تجربة نطمئن إلى نتيجتها بإشراف شخصي بلا واسطة، وثانيا على معرفة نستقيها من الغير بواسطة، وعلى هذا يمكن القول إن الوعي يتكئ على جناحَي وعي، وعي عملي ذاتي، ووعي نظري غيريّ، وأنه رغم قوة الذاتية في التجربة إلا أنه لا يمكن الاكتفاء بها بسبب الانحياز، وأنه رغم عدم القدرة على تجاهل المعرفة القادمة من الخارج إلا أنها هي الأخرى لا يمكن الاقتصار عليها بسبب تداخل العوامل المؤثرة البعيدة عن التجربة الذاتية.

ولذا فنحن نعاير معرفتنا بتجربتنا، ونعاير تجربتنا بمعرفتنا، محاولين أن نسلك طريقا وسطا في سبيل وعي متّزن إلى أقصى حدود الموضوعية بما يسمح به تكويننا البشري.

***

محمد سيف

 

مقاربة لسانية وتربوية في بناء الكفاية اللغوية والثقافية

على سبيل الافتتاح: يشهد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في العقود الأخيرة تحولات نوعية فرضتها المستجدات اللسانية والتربوية، إذ لم يعد الهدف مقتصرا على تمكين المتعلم من استيعاب القواعد النحوية والصرفية أو اكتساب رصيد معجمي محدود، بل أصبح التركيز منصبا على بناء الكفاية التواصلية والثقافية التي تجعل اللغة أداة للفهم والتفاعل والإنتاج داخل سياقاتها الطبيعية. وانطلاقا من هذا التصور، برزت الحاجة إلى مراجعة المواد التعليمية التقليدية، والبحث عن مداخل أكثر قدرة على الجمع بين تنمية المهارات اللغوية وإكساب المتعلم الحس الجمالي والمعرفة الحضارية.

ويعتبر النص الشعري من أكثر الخطابات اللغوية ثراء في هذا المجال، لأنه لا يقدم اللغة في صورتها الوظيفية المباشرة فحسب، وإنما يكشف عن طاقاتها التعبيرية والإيقاعية والدلالية، ويضع المتعلم في مواجهة استعمال حي للغة بوصفها نظاما ثقافيا وجماليا متكاملا. ومن ثم يغدو الشعر فضاء لتكوين الذائقة اللغوية، وتنمية الحس الأسلوبي، وإغناء الرصيد المعجمي، وصقل مهارات القراءة والتذوق والتعبير.

ورغم هذه الإمكانات الواسعة، فإن حضور النص الشعري في برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها ما يزال محدودا، إذ تميل كثير من المناهج إلى الاقتصار على النصوص الوظيفية والحوارية، انطلاقا من الاعتقاد بأن الشعر يتسم بكثافة رمزية وصعوبة أسلوبية قد تعيق المتعلم في المراحل الأولى. غير أن هذا التصور لا ينبغي أن يقود إلى إقصاء الشعر من العملية التعليمية، بل إلى إعادة النظر في آليات اختياره وطرائق تدريسه، بما ينسجم مع مستويات المتعلمين وأهدافهم اللغوية والثقافية.

ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى إبراز القيمة التعليمية للنص الشعري في تعليم العربية للناطقين بغيرها، والكشف عن دوره في تنمية الكفايات اللغوية والتواصلية والثقافية، مع مناقشة أهم الأسس اللسانية والتربوية التي ينبغي مراعاتها عند اختيار النصوص الشعرية وتدريسها. كما تحاول تقديم رؤية متوازنة تجمع بين البعد الجمالي للشعر ووظيفته التعليمية، انطلاقا من قناعة مفادها أن تعليم اللغة لا يكتمل إلا إذا اقترن بتعليم ثقافتها، وأن الشعر يمثل أحد أهم المداخل التي تكشف للمتعلم روح العربية وخصوصيتها الحضارية والجمالية.

 تعليم العربية للناطقين بغيرها بين التحولات اللسانية والرهانات التربوية:

لم يعد تعليم اللغات الأجنبية في التصورات اللسانية الحديثة قائما على الحفظ الآلي للمفردات أو تلقين القواعد النحوية بمعزل عن سياقاتها الاستعمالية، بل أصبح عملية تواصلية متكاملة تستهدف بناء كفايات لغوية وثقافية وتداولية تمكن المتعلم من توظيف اللغة في مواقف الحياة المختلفة. وفي هذا السياق، شهد تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها تطورا ملحوظا، انتقل به من المناهج التقليدية إلى مقاربات أكثر انفتاحا على اللسانيات التطبيقية، ونظريات اكتساب اللغة الثانية، والاتجاهات الحديثة في التربية اللغوية.

ويستند هذا التحول إلى وعي متزايد بأن اللغة ليست نظاما من القواعد المجردة فحسب، وإنما هي وعاء للثقافة، وحامل للهوية، وأداة لإنتاج المعنى داخل سياقات اجتماعية وثقافية متعددة. ومن ثم فإن نجاح برامج تعليم العربية لا يقاس بقدرة المتعلم على استظهار القواعد أو حفظ المفردات، بقدر ما يقاس بقدرته على توظيف اللغة في التواصل، وفهم أنساقها الثقافية، واستيعاب أبعادها الحضارية والجمالية.

وانطلاقا من هذا التصور، أصبح إعداد المناهج التعليمية عملية علمية معقدة تستلزم مراعاة مجموعة من المحددات المتكاملة، من أبرزها تحديد خصائص الفئة المستهدفة، ومستواها اللغوي، وأهداف التعلم، والمهارات المراد تنميتها، إضافة إلى اختيار المحتوى اللغوي والثقافي المناسب، وتصميم أنشطة تعليمية تحقق التدرج من البسيط إلى المركب، ومن التواصل اليومي إلى الاستعمالات الأدبية الراقية. كما ينبغي أن تراعي هذه المناهج الفروق الفردية بين المتعلمين، واختلاف بيئاتهم اللغوية والثقافية، حتى تتحول عملية التعلم إلى تجربة تفاعلية قائمة على الفهم والاكتشاف لا على التلقين والاستظهار.

ولا يقتصر نجاح هذه المناهج على جودة المحتوى وحده، بل يرتبط كذلك بكفاءة المعلم الذي يمثل الحلقة المركزية في العملية التعليمية. فالمعلم الناجح هو الذي يجمع بين التمكن اللغوي، والخبرة اللسانية، والكفاية التربوية، والقدرة على توظيف الوسائط التعليمية الحديثة، وإدارة الحوار داخل الفصل، وتحويل النصوص اللغوية إلى مواقف تعليمية حية تستثير التفكير، وتنمي روح المبادرة، وتدفع المتعلم إلى ممارسة اللغة ممارسة طبيعية.

ومن جهة أخرى، تفرض المعايير الدولية المعاصرة لتعليم اللغات، سواء في المرجع الأوروبي المشترك أو في المعايير الأمريكية، تصورا جديدا لدور معلم اللغة، إذ لم يعد ناقلا للمعرفة، وإنما أصبح مصمما لبيئات التعلم، وميسرا لاكتساب الكفايات، وموجها للمتعلمين نحو التعلم الذاتي، والبحث، والتقويم المستمر، والتفاعل الثقافي. وهذا التحول يقتضي إعادة النظر في برامج إعداد معلمي العربية للناطقين بغيرها، حتى تواكب التطورات اللسانية والتكنولوجية التي يشهدها تعليم اللغات في العصر الحديث.

وعليه، فإن تطوير تعليم العربية للناطقين بغيرها لا يتحقق بإنتاج مقررات جديدة فحسب، وإنما يستلزم بناء رؤية متكاملة تنظر إلى اللغة بوصفها نسقا ثقافيا وجماليا وتواصليا، وتجعل من المتعلم محور العملية التعليمية، ومن الكفاية اللغوية غاية تتجاوز حدود المعرفة النظرية إلى القدرة على الاستعمال الواعي والإبداعي للغة في مختلف السياقات.

النص الشعري في تعليم العربية للناطقين بغيرها: من الهامش البيداغوجي إلى المركز الجمالي والمعرفي:

احتل النص الشعري مكانة محورية في الثقافة العربية منذ العصور الأولى، إذ لم يكن مجرد شكل من أشكال التعبير الفني، بل مثّل وعاء للمعرفة، وسجلا للذاكرة الجمعية، وأداة لحفظ اللغة وصيانة خصائصها الأسلوبية. غير أن هذه المكانة لم تنعكس بالقدر نفسه على برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها، حيث ظل الشعر في كثير من المناهج عنصرا ثانويا، تقدّم نصوصه بوصفها مادة للإثراء اللغوي لا مكونا أساسيا في بناء الكفاية التواصلية والثقافية.

ويرتبط هذا التراجع بجملة من التصورات البيداغوجية التي ترى أن اللغة الشعرية تتسم بدرجة عالية من الكثافة الدلالية، والانزياح الأسلوبي، والتصوير البلاغي، مما يجعلها عسيرة على المتعلم الأجنبي، ولا سيما في المراحل الأولى من تعلم اللغة. غير أن هذا الرأي، على وجاهته في بعض السياقات، لا يبرر إقصاء الشعر من العملية التعليمية، بل يدعو إلى إعادة النظر في معايير اختياره وآليات تدريسه، بحيث يصبح النص الشعري وسيلة تربوية تراعي مستوى المتعلم وتدرجه في اكتساب اللغة.

إن القيمة التعليمية للشعر لا تكمن في جمالياته الفنية فحسب، وإنما في قدرته على تقديم اللغة في أعلى مستوياتها التعبيرية. فهو يثري المعجم، ويكشف إمكانات التركيب، وينمي الحس الإيقاعي، ويعرف المتعلم بخصائص البلاغة العربية، كما يرسخ العلاقة بين اللفظ والمعنى في إطار جمالي يجعل عملية التعلم أكثر متعة وفاعلية. ومن ثم فإن المتعلم لا يكتسب مفردات جديدة فحسب، بل يكتسب أيضا طرائق جديدة في التفكير والتعبير وصياغة المعنى.

ومن الناحية اللسانية، يتيح النص الشعري فرصة ثمينة لتعليم الظواهر الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية داخل سياق طبيعي، بعيدا عن الأمثلة المصطنعة التي تفصل القاعدة عن الاستعمال. فالإيقاع يسهم في تثبيت البنية الصوتية، والتكرار يعزز ترسيخ المفردات، والصور البلاغية توسع أفق التأويل، بينما يساعد السياق الشعري على فهم الدلالة في بعدها التداولي والثقافي، وهو ما يجعل التعلم أكثر رسوخا وأقرب إلى الاستعمال الحقيقي للغة.

ولا يقتصر أثر الشعر على تنمية الكفاية اللغوية، بل يمتد إلى بناء الكفاية الثقافية، لأن القصيدة العربية تحمل في بنيتها قيم المجتمع، وصوره الحضارية، ورموزه التاريخية، وتمثلاته للإنسان والطبيعة والوجود. ومن خلال هذا البعد الثقافي، ينتقل المتعلم من تعلم اللغة بوصفها ألفاظا وقواعد إلى اكتشافها بوصفها رؤية للعالم، وهو انتقال يمثل أحد أهم أهداف تعليم اللغات في التصورات اللسانية الحديثة.

غير أن الإفادة من النصوص الشعرية تظل رهينة بحسن اختيارها. فليس كل نص صالحا للتدريس، بل ينبغي أن تتوافر فيه شروط تربوية ولسانية، من أهمها وضوح اللغة نسبيا، وملاءمة المعجم للمستوى اللغوي، وثراء المضامين الإنسانية، وقابلية النص للتوظيف في تنمية مهارات الاستماع، والقراءة، والتحدث، والكتابة. كما ينبغي أن يتدرج اختيار النصوص من القصائد ذات اللغة المباشرة إلى النصوص الأكثر كثافة ورمزية، بما ينسجم مع تطور الكفاية اللغوية لدى المتعلم.

وعليه، فإن إعادة الاعتبار للنص الشعري داخل مناهج تعليم العربية للناطقين بغيرها لا تمثل عودة إلى التعليم التقليدي، وإنما تعكس وعيا بكون الشعر وسيطا تربويا قادرا على الجمع بين التعلم والمتعة، وبين الكفاية اللغوية والتذوق الجمالي، وبين اكتساب اللغة والانفتاح على الثقافة العربية في أبعادها الإنسانية والحضارية. ومن هذا المنظور، يغدو الشعر أداة استراتيجية في بناء متعلم يمتلك اللغة، ويتفاعل مع ثقافتها، ويدرك خصوصيتها الجمالية والفكرية.

استراتيجيات توظيف النص الشعري في تعليم العربية للناطقين بغيرها:

لا تتحقق القيمة التعليمية للنص الشعري بمجرد إدراجه ضمن المقرر الدراسي، وإنما تتوقف على طبيعة المقاربة البيداغوجية التي يعتمدها المدرس في تقديمه وتحويله إلى موقف تعليمي تفاعلي. فالنص الشعري لا ينبغي أن يعامل بوصفه مادة للحفظ أو وسيلة لشرح المفردات فحسب، بل باعتباره فضاء مفتوحا لتنمية الكفايات اللغوية، وإثارة التفكير، وصقل الذائقة الجمالية، وتعميق الوعي بالثقافة العربية.

وانطلاقا من هذا التصور، يقتضي تدريس الشعر الانتقال من المقاربة التلقينية إلى المقاربة التفاعلية التي تجعل المتعلم شريكا في بناء المعنى. فالقراءة الأولى للنص ينبغي أن تركز على الفهم العام واستكشاف الفكرة الرئيسة، ثم تتبع بقراءات تحليلية تكشف العلاقات بين الألفاظ والصور والإيقاع والدلالات، قبل الانتقال إلى أنشطة إنتاجية تسمح للمتعلم بتوظيف ما اكتسبه في مواقف لغوية جديدة.

ومن أهم الاستراتيجيات البيداغوجية التي أثبتت نجاعتها اعتماد التعلم بالاكتشاف، حيث يوجه المتعلم إلى استنتاج المعاني والقواعد والأساليب من داخل النص نفسه، بدل تلقيها جاهزة. فهذه المقاربة تعزز استقلالية المتعلم، وتنمي قدرته على الملاحظة والتحليل والاستنتاج، كما تجعل المعرفة اللغوية أكثر تثبيتا ورسوخا لارتباطها بسياق استعمالي حي.

وتبرز كذلك أهمية التعلم التعاوني، إذ يتيح العمل في مجموعات صغيرة تبادل التأويلات، ومناقشة الصور الشعرية، واكتشاف الفروق الدقيقة في الدلالة، وهو ما يسهم في تنمية مهارات الحوار والتواصل باللغة العربية. فالمتعلم لا يكتسب المعرفة من المدرس وحده، بل يبنيها أيضا من خلال التفاعل مع زملائه، ومقارنة قراءاتهم المختلفة للنص.

ومن الوسائل الفاعلة أيضا توظيف التقنيات الرقمية في تدريس الشعر، من خلال الاستماع إلى القصائد بصوت شعرائها أو منشديها، أو مشاهدة عروض بصرية تعكس مضامينها، أو استخدام المنصات التعليمية التفاعلية التي تتيح للمتعلمين المشاركة في تحليل النصوص وإنجاز الأنشطة اللغوية بصورة فردية وجماعية. وتسهم هذه الوسائط في تقريب النص الشعري من المتعلم، وإضفاء بعد سمعي وبصري يعزز عملية الفهم والتذوق.

ومن الناحية التقويمية، ينبغي ألا يقتصر تقييم المتعلم على حفظ الأبيات أو تفسير المفردات، بل يجب أن يشمل قدرته على تحليل النص، واستنتاج دلالاته، وتوظيف مفرداته وتراكيبه في إنتاجات شفوية وكتابية جديدة. فالتقويم الحقيقي هو الذي يقيس انتقال المعرفة من مستوى التلقي إلى مستوى الإنجاز والإبداع.

إن تدريس الشعر في ضوء هذه الاستراتيجيات لا يهدف إلى تكوين ناقد أدبي، وإنما إلى تكوين متعلم يمتلك أدوات التواصل، ويستوعب جماليات العربية، ويكتسب القدرة على توظيفها في سياقات متنوعة. فالشعر، حين يحسن اختياره وتدريسه، يتحول من نص أدبي إلى مختبر لغوي وثقافي متكامل، تتفاعل داخله الأصوات والتراكيب والدلالات والقيم، بما يجعل تعلم العربية تجربة معرفية وجمالية في آن واحد.

ومن ثم، فإن نجاح توظيف النصوص الشعرية في تعليم العربية للناطقين بغيرها يظل مرهونا بتكامل ثلاثة عناصر أساسية: جودة اختيار النص، وكفاءة المدرس، واعتماد طرائق تدريس حديثة تجعل المتعلم محور العملية التعليمية. وبهذا التكامل يتحول الشعر إلى أداة استراتيجية لتطوير الكفاية اللغوية، وترسيخ الوعي الثقافي، وتنمية الذائقة الأدبية، وهي غايات تتجاوز حدود تعليم اللغة إلى بناء جسور الحوار الحضاري بين الثقافات.

 آفاق تطوير تعليم العربية للناطقين بغيرها في ضوء توظيف النص الشعري:

إن التحولات التي يشهدها تعليم اللغات في القرن الحادي والعشرين تفرض إعادة النظر في موقع النصوص الأدبية داخل مناهج تعليم العربية للناطقين بغيرها، إذ لم يعد مقبولا الفصل بين تعليم اللغة وتعليم ثقافتها، أو اختزال العربية في بنياتها النحوية والصرفية بعيدا عن بعدها الإنساني والجمالي. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الاعتبار للنص الشعري تمثل خطوة استراتيجية نحو بناء نموذج تعليمي أكثر شمولا وتوازنا.

وتقتضي هذه الرؤية أولا مراجعة معايير بناء المناهج التعليمية، بحيث لا ينظر إلى الشعر باعتباره مادة تكميلية، وإنما بوصفه مكونا أصيلا في تنمية الكفايات اللغوية والثقافية والتداولية. فالنص الشعري يمتلك قدرة فريدة على الجمع بين سلامة اللغة وثراء المعنى وجمال الأسلوب، وهو ما يجعله بيئة خصبة لتطوير مهارات الفهم والتعبير والتذوق في آن واحد.

كما يفرض هذا التوجه إعادة تأهيل معلمي العربية للناطقين بغيرها، لأن نجاح تدريس الشعر لا يتوقف على جودة النصوص وحدها، وإنما يعتمد كذلك على كفاءة المدرس في توظيفها داخل الموقف التعليمي. فالمعلم مطالب اليوم بأن يجمع بين المعرفة اللسانية والخبرة الأدبية والكفاية البيداغوجية، وأن يمتلك القدرة على تحويل القصيدة إلى فضاء للحوار والتفكير والاكتشاف، بدل أن تبقى موضوعا للشرح والتلقين.

ومن الجوانب التي تستحق مزيدا من الاهتمام توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي في تدريس النصوص الشعرية، من خلال تصميم منصات تفاعلية، وإنتاج محتويات سمعية وبصرية، وتطوير تطبيقات تعليمية تتيح للمتعلم تحليل القصيدة، واكتشاف مفرداتها، والتفاعل مع صورها البلاغية وإيقاعاتها بأساليب حديثة تراعي الفروق الفردية، وتزيد من دافعية التعلم.

كما أن تطوير تعليم العربية يقتضي الانفتاح على الشعر العربي بمختلف مراحله واتجاهاته، من الشعر القديم إلى الشعر الحديث والمعاصر، مع مراعاة التدرج في اختيار النصوص وفق مستويات المتعلمين. فالتنوع الشعري لا يثري الكفاية اللغوية فحسب، بل يفتح أمام الدارس آفاقا واسعة لفهم تطور الثقافة العربية، وتحولاتها الفكرية والجمالية عبر العصور.

ومن الضروري أيضا أن تتجه البحوث المستقبلية نحو قياس الأثر الفعلي لتوظيف النصوص الشعرية في اكتساب اللغة الثانية، بالاعتماد على الدراسات التجريبية والمقارنات الميدانية بين المناهج المختلفة، بما يسمح ببناء نماذج تعليمية تستند إلى نتائج علمية دقيقة، لا إلى اجتهادات نظرية فحسب.

ويمكن القول، في ضوء ما سبق، إن مستقبل تعليم العربية للناطقين بغيرها يرتبط بقدرته على تحقيق التكامل بين اللسانيات التطبيقية، والنقد الأدبي، وعلوم التربية، والتكنولوجيا التعليمية. فكلما اتسعت دوائر هذا التكامل، أصبح النص الشعري أكثر فاعلية في بناء متعلم يمتلك اللغة، ويتذوق جمالياتها، ويتفاعل مع ثقافتها، ويستثمرها في التواصل والإبداع، وهو ما يجعل الشعر أحد أهم المداخل لتجديد تعليم العربية وتعزيز حضورها في الفضاء اللغوي والثقافي العالمي.

على سبيل الختام:

خلصت هذه الدراسة إلى أن النص الشعري يمثل موردا معرفيا وتربويا يتجاوز وظيفته الأدبية، ليغدو أداة فعالة في تنمية الكفايات اللغوية والثقافية لدى متعلمي العربية من غير الناطقين بها. وقد بينت أن القيمة التعليمية للشعر لا تنبع من ثرائه البلاغي والإيقاعي فحسب، وإنما من قدرته على تقديم اللغة في سياقاتها الطبيعية، بما يتيح للمتعلم اكتساب المفردات والتراكيب والأساليب في إطار تواصلي وجمالي متكامل.

وأظهرت الدراسة أن محدودية حضور الشعر في كثير من المناهج لا تعود إلى قصور في النص الشعري ذاته، وإنما إلى طرائق تدريسه، ومعايير اختياره، وضعف تكوين بعض المدرسين في توظيفه توظيفا بيداغوجيا فعالا. ومن ثم فإن إعادة الاعتبار لهذا الخطاب الأدبي تقتضي تطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، واعتماد استراتيجيات تدريس حديثة تستثمر إمكانات الشعر في بناء الكفاية التواصلية والثقافية.

كما أبرزت الدراسة أن توظيف التقنيات الرقمية، والانفتاح على اللسانيات التطبيقية، وإجراء بحوث ميدانية تقيس أثر النصوص الشعرية في اكتساب اللغة، تمثل جميعها مداخل واعدة لتطوير تعليم العربية للناطقين بغيرها، وتعزيز مكانة العربية بوصفها لغة علم وثقافة وإبداع.

وانطلاقا من ذلك، فإن الاستثمار في النص الشعري ليس خيارا تربويا هامشيا، بل هو رهان معرفي وثقافي يسهم في بناء متعلم قادر على فهم اللغة العربية في مستوياتها التواصلية والجمالية والحضارية، بما يرسخ حضورها في السياقات التعليمية العالمية، ويعزز مكانتها بين اللغات الحية القادرة على الجمع بين الأصالة والتجديد.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ السياسي والحضاري

هناك أماكن لا تتغير، لكننا نحن الذين نغادرها ثم نعود إليها بعيون أخرى. فالطفولة لا ترى الأشياء كما هي، بل كما صورها لها الخوف. والغرفة المظلمة لم تكن يوما مجرد أربعة جدران غاب عنها الضوء، بل كانت رمزا للعقاب، وسجنا صغيرا صنعته سلطة الكبار كي تؤدب براءة الصغار. كنا نرتجف من عتمتها، لا لأن الظلام مخيف في ذاته، بل لأن الخيال حين يكون طفلا يمنح الظلال أنيابا، ويجعل الصمت كائنا يترصدنا.

ثم نمضي في العمر، ونكتشف المفارقة الكبرى، أن أكثر الأماكن التي أفزعتنا كانت أكثر رحمة من كثير من الوجوه التي التقيناها لاحقا.

ليست الأماكن هي التي تتبدل، بل وعينا بها. فما كان في الطفولة سجنا، قد يصبح في النضج وطنا. وما كان يخيفنا بالأمس، قد يغدو اليوم آخر ما تبقى لنا من الطمأنينة.

تلك الغرفة التي كانوا يهددوننا بها، تصبح مع الزمن ملاذا آمنا. لا لأن العتمة صارت جميلة، بل لأننا رأينا في الخارج ظلمات أشد قسوة، ظلمة القلوب حين يخون أصحابها، وظلمة العقول حين تستبد بها الأوهام، وظلمة النفوس حين تتغذى على الحقد والكراهية والنفاق. عندها ندرك أن الظلام الحقيقي لا يبدأ حين يغيب الضوء، بل حين يغيب الضمير.

ما أبشع أن يعيش الإنسان بين بشر تضيء وجوههم الشمس، بينما تغرق أرواحهم في ليل لا فجر له. هناك يتبدل معنى الوحدة، فلا تعود عزلة، بل نجاة. ويصبح الصمت حوارا أرقى من ضجيج الكلمات الزائفة، وتغدو الجدران أوفى من كثير من البشر الذين أتقنوا ارتداء الأقنعة حتى نسوا وجوههم الحقيقية.

إن الإنسان لا يهرب إلى غرفته لأنه يكره العالم، بل لأنه يبحث عن مساحة لا يجبر فيها على تمثيل دور لا يشبهه. ففي العزلة لا تحتاج إلى الدفاع عن نقائك، ولا إلى تبرير اختلافك، ولا إلى الاحتماء من سهام الأحكام المسبقة. هناك فقط، حيث لا شاهد إلا ضميرك، تستعيد نفسك التي بعثرتها معارك الحياة.

ثم تكبر، وتتسع رؤيتك للعالم، فتدرك أن العتمة التي كانت تحيط بتلك الغرفة لم تكن سوى غياب للضوء، أما العتمة التي تسكن كثيرا من البشر فهي غياب للإنسان نفسه

ولعل أعظم درس تمنحه لنا السنوات، أن الأمن ليس مكانا مضاء، بل روحا مطمئنة. وأن الغرفة التي خفناها صغارا لم تكن مظلمة حقا، بل كانت خالية من الزيف. أما العالم الذي حلمنا به مضيئا، فقد اكتشفنا أن كثيرا من أنواره لم تكن سوى أضواء تخفي وراءها عتمة أشد كثافة.

لذلك أكثر ما يرهق الإنسان ليس أن يعيش وحيدا، بل أن يعيش محاطا بأشخاص يستهلكون روحه، ويطفئون دهشته، ويجعلونه غريبا عن ذاته.

لهذا، حين يغلق الإنسان باب غرفته في نهاية يوم طويل، لا يكون قد هرب من الحياة، بل يكون قد عاد إلى آخر مكان ما زال يحتفظ فيه بإنسانيته. فبعض العتمات تمنحنا بصيرة، وبعض الأبواب المغلقة تفتح في داخلنا نوافذ واسعة على الحقيقة. وليس كل من يجلس وحيدا حزينا، فهناك أرواح اختارت صحبة الصمت لأنها اكتشفت أن ضجيج البشر أكثر وحشة من ألف غرفة مظلمة.

لهذا، لم تعد الغرفة المظلمة بالنسبة إلي مكانا للعقاب، بل صارت مساحة للمصالحة مع الذات. ففي عتمتها لا أحتاج إلى ارتداء الأقنعة، ولا إلى الدفاع عن أفكاري، ولا إلى مجاملة أحد. هناك فقط أكون كما أنا، مجرد إنسانه تحاول أن تحافظ على ما تبقى من نقاء روحها في عالم يتقن إفساد كل شيء

أما الغرفة التي أخافتنا يوما، فقد كانت في الحقيقة، أكثر رحمة من عالم امتلأ بأناس يحملون الشمس فوق رؤوسهم، بينما يخفون في أعماقهم ليلا وسوادا لا ينتهي.

لذلك، لا تخافوا الوحدة استمتعوا بذواتكم، وأنصتوا إلى أصواتكم الداخلية قبل أن تبتلعها أصوات الآخرين. لا تجعلوا قيمتكم رهينة القبول، ولا سعادتكم أسيرة الحشود. كونوا أنتم، بكل ما تحملونه من اختلاف وصدق ونقاء، فالعالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة، بل إلى إنسان واحد حقيقي. وتذكروا دائما أن من تصالح مع نفسه، لن يخيفه ظلام غرفة، ولن تهزمه عتمة بشر، لأن النور الذي يسكن الداخل لا تطفئه كل ظلمات العالم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

التنوير لغة: جاء التنوير من الفعل (نوّر). ونقول: نوّر الغرفة، أي أزال ظلمتها وأبان ما فيها).

التنوير مجازاً أو اصطلاحا: ينصرف مفهوم التنوير إلى تحرير عقل الإنسان وإرادته، وجعلهما المصدر الأساس لكل نشاط فكري أو عملي له. ومن أهم النقاط أو الأفكار المركزيّة التي يشتغل عليها التنوير في عالمنا الثالث بشكل عام ووطنا العربي بشكل خاص هي: إعلاء قيمة الحريّة الفرديّة، والدعوة للتسامح الديني، واحترام المرأة، ونقد السلطات المطلقة والعمل على تحطيمها، وإرساء مبادئ "العقد الاجتماعي" والحقوق الطبيعية التي مهدت للديمقراطيات الحديثة.

الإرهاصات الأولية للتنوير:

ابتدأت الارهاصات الأولية للتنوير برأيي مع بدء تاريخ وعي الإنسان لنفسه وما يحيط به. وربما نستطيع أن نعتبر المرحلة التاريخيّة التي ظهرت فيها أسطورة أو ملحمة "جلحاميش" في تراثنا العربي – على سبيل المثال لا الحصر - هي إحدى المحطات التاريخيّة الهامة التي بدأ يفكر فيها الإنسان من ذاته، ويبحت عن سر هذه الذات وسر وجودها، وهذه مسألة تعتبر أيضاً من المحطات التاريخيّة الرئيسة - الألف الثالث قبل الميلاد - التي راح الإنسان يسعى من خلال هذه الأسطورة أن ينفصل شيئاً فشيئاً عن تحكم الطبيعة به، أو ما يسمى فلسفيّاً بـ (الضرورة الحكميّة)، ويبحث عن سر الخلود. وهنا تظهر لنا في هذه الأسطورة البذور الأوليّة أيضاً للحكمة أو الوعي التنويري (الفلسفي) عند التقاء "جلجاميش" بالحكيم "أناناتبشم" بعد فشله في الحصول على النبتة التي تمنحه السر البقاء، ولقائه  بالحكيم "أنا نا تبشم" الذي قال له بعبارات مشبعة بالحكمة والتجربة:

متى بنينا بيتاً دام إلى الأبد؟.

متى ختمنا ختماً دام للأبد؟.

لم يكن هناك خلود ودوام منذ الأبد!.

أما لدى اليونان، فهذا "هيراقليطس" في القرن السادس قبل الميلاد يقول: (كما أنك لا تستطيع أن تستحم في مياه النهر مرتين فكذلك هي الحياة.) .

التنوير والحرية:

في الفكر الوضعي: جاء عند سبينوزا وهيجل وماركس: إن الحريّة هي وعي الضرورة، أو الضرورة الواعية. أي نكون أحراراً بالقدر الذي نعي فيه معوقات وجودنا وطموحنا.

إن حريّة الإنسان تقوم على وعي وإدرارك ومعرفة القوانين الموضوعية التي تتحكم بآليّة عمل الطبيعة والمجتمع، وبالتالي التسلح بها وتسخيرها لمصلحة الإنسان.

وفي الدين: جاءت حرية الإنسان وتأكيد شخصيته مرتبطتان بالمعرفة والتعلم. ففي القرآن: أول آية نزلت هي (إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم). فالمعرفة مكتسبة هنا وليست معطى قبلياً تولد مع الإنسان.

الأدوات المعرفية للتنوير:

1-  الدماغ و مدركات حواسه. (البصر – السمع – الشم – اللمس.. الخ).

2- التجربة الحسيّة للبشريّة في علاقات الناس بالطبيعة والمجتمع، وتقوم على العلاقة الجدليّة بين الإنسان ومحيطه: فـ ( من المشاهدة الحيّة إلى التفكير المجرد إلى الممارسة).

يقول محمد عبده: ((نعم إن الإنسان إنسان بفكره وعقائده، إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير، فكل شهود يحدث فكراً، وكل فكر يكون له أثر في داعية، وعن كل داعية ينشأ عمل، ثم يعود من العمل إلى الفكر، ولا ينقطع الفعل والانفعال بين العمل والأفكار ما دامت الأرواح في الأجساد، وكل قبيل هو للآخر عماد.).

منهج التنوير:

يقوم منهج التنوير على الإيمان بالحركة والتطور والتبدل (سبحان الذي لا يحول ولا يزول) – وبالعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، فالإنسان ابن بيئته (من عاشر القوم أربعين يوماً صار منهم) – وبالعلاقة الجدليّة بين الجزء والكل (حديث الرسول: المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص..) – وكذلك العلاقة الجدليّة بين الشكل والمضمون (المكتوب يعرف من عنوانه) - والقول بنسبية الحقيقة ( الكمال لله)– وأخيراً الايمان الشك القائم على رفض الأسطورة والامتثال والاستسلام للجبر المطلق. (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ).البقرة 260

جوهر وأهداف التنوير:

1- الإنسان وتنميته المستدامة أولاً: وهذه تتضمن بالضرورة: الحرية، العدالة، المساواة، التعليم، والصحية الخ. وثانياً: المواطنة وما يقوم عليها من حقوق وواجبات، وتعليم وحرية المرآة، واحترام الرأي والرأي الاخر.. وثالثاً: العمل دائماً على تنوير وتوعية الناس، ومحاربة من يعمل على تجهيلهم خدمة لمصالح سياسيّة أو طبقيّة محددة.

وللتنوير أهداف أخرى هي:

1-على المستوى السياسي: تحقيق دولة القانون والمؤسسات، أو ما يسمى الدولة المدنيّة.

2- على المستوى الاقتصادي: تحقيق العدالة في تقاسم الثروة الوطنيّة.

3- على المستوى الاجتماعي: تحقيق المواطنة، وتجاوز المرجعيات التقليديّة من عشيرة وقبيلة وطائفة ومذهب.

4- على المستوى الثقافي: الاشتغال على الجانب العقلاني النقدي الذي يبرز دور ومكانة الإنسان كخليفة على الأرض.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

إن تأمل التحولات التي شهدتها منظومة الاتصال الدولية يكشف أن العالم دخل طورا جديدا من إعادة تشكيل السلطة، حيث لم يعد النفوذ يُقاس فقط بمؤشرات القوة العسكرية أو الاقتصادية، وإنما بامتلاك القدرة على إنتاج المعرفة، والتحكم في تدفقات المعلومات، وصياغة الوعي الجمعي. فقد أفرزت الثورة الرقمية فاعلين جدد في العلاقات الدولية، تصدرتهم الشركات التكنولوجية العملاقة، التي غدت تمارس أدوارا تتجاوز وظائفها التجارية لتندمج في الاستراتيجيات الكبرى للدول، بوصفها امتدادا لمصالحها السياسية والأمنية والاستخباراتية والاقتصادية.

 لقد أضحت شركات عملاقة معروفة إلى جانب شركات الاتصالات والأقمار الصناعية والحوسبة السحابية، فاعلا سياسيا موازيا للدول، بل إن بعضها يمتلك من البيانات والقدرات التحليلية والتأثير السلوكي ما يفوق ما تمتلكه حكومات كثيرة. ولم يعد الأمر يتعلق فقط بالسيطرة على الأسواق، وإنما بالتحكم في البنية التحتية للاتصال، من محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والأقمار الاصطناعية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وسلاسل أشباه الموصلات.

 إنها منظومة متكاملة تُدار بمنطق الهيمنة لا بمنطق الخدمة.  وقد تنبّه ميشيل فوكو إلى أن السلطة لا تُمارس بالقهر المباشر وحده، وإنما عبر إنتاج المعرفة وتنظيم الخطابات، غير أن عصر المنصات تجاوز هذا التصور نحو ما يمكن وصفه بـ"سلطة الخوارزمية"، حيث لم تعد المؤسسات تراقب الأفراد فحسب، بل أصبحت الخوارزميات تصوغ خياراتهم وتعيد هندسة ميولهم وتوقعاتهم. وهنا تتعزز أطروحة شوشانا زوبوف حول "رأسمالية المراقبة"، التي ترى أن البيانات الشخصية تحولت إلى مادة خام تُستثمر في التنبؤ بالسلوك الإنساني وتوجيهه، بما يخدم مصالح اقتصادية وسياسية متشابكة.

 ويزداد هذا المشهد تعقيدا عندما تتداخل الشركات التقنية مع المجمع الصناعي العسكري والأجهزة الاستخباراتية. فالبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرف إلى الوجوه والحوسبة السحابية وأنظمة الاتصالات الفضائية، أصبحت جميعها أدوات تدخل في صلب الأمن القومي للدول الكبرى، وفي إدارة النزاعات والحروب السيبرانية والتأثير في الانتخابات وصناعة الرأي العام العالمي. وهكذا، لم يعد الاتصال شأنا مدنيا خالصا، بل غدا امتدادا للاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية.

 أما دول الجنوب، فإنها تجد نفسها في الغالب داخل دائرة تبعية رقمية متفاقمة، لأنها تستهلك التكنولوجيا أكثر مما تنتجها، وتخزن بياناتها في بنى تحتية أجنبية، وتعتمد على منصات لا تخضع لسيادتها القانونية أو التقنية. وبهذا المعنى، فإن الاستعمار لم يعد يحتل الأرض بقدر ما يحتل الفضاء الرقمي، ولم تعد الهيمنة تُمارس عبر الجيوش وحدها، بل عبر تدفقات البيانات، والخوارزميات، والبروتوكولات التقنية، والمعايير التي تضعها القوى المهيمنة.

 إننا أمام انتقال من "الجغرافيا السياسية" إلى "الجيوبوليتيك الرقمي"، حيث أصبحت السيطرة على الكود والبيانات تعادل السيطرة على النفط والممرات البحرية في القرن العشرين.

 وقد أشار مانويل كاستلز إلى أن المجتمع الشبكي يعيد تشكيل السلطة وفق منطق تدفقات المعلومات، بينما يؤكد بيير بورديو أن الهيمنة تصبح أكثر رسوخاً عندما تتحول إلى عنف رمزي غير مرئي، وهو ما يحدث اليوم حين تُفرض نماذج ثقافية وقيم استهلاكية وأنماط تفكير عبر المنصات الرقمية، دون حاجة إلى الإكراه المباشر.

 أما نعوم تشومسكي فقد لفت إلى أن صناعة القبول لم تعد رهينة وسائل الإعلام التقليدية، بل انتقلت إلى فضاءات رقمية أكثر قدرة على الاستهداف الدقيق وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.  إن أخطر ما في هذا التحول ليس احتكار التكنولوجيا في ذاته، بل احتكار القدرة على تعريف الحقيقة وترتيب الأولويات وصناعة الذاكرة وتحديد ما ينبغي أن يُرى وما يجب أن يختفي.

 فحين تصبح الخوارزمية حارساً للمعرفة، وتغدو البيانات مصدراً للثروة والسيادة، فإن ميزان القوى العالمي ينتقل من امتلاك الموارد الطبيعية إلى امتلاك البنية التحتية الإدراكية للعالم. وعند هذه النقطة، لا يعود الصراع بين الشمال والجنوب مجرد تفاوت في التنمية، بل يصبح صراعاً على "سيادة الوعي"، حيث تتحدد مكانة الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة، وامتلاك البيانات وتطوير الذكاء الاصطناعي والتحكم في شبكات الاتصال، لا بمجرد امتلاك الثروات التقليدية.

 ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول النامية لا يكمن في توسيع نطاق الولوج إلى التكنولوجيا فحسب، وإنما في بناء "سيادة رقمية" قادرة على حماية البيانات الوطنية، وتطوير البنى التحتية المستقلة وإنتاج المعرفة والخوارزميات وإرساء تشريعات تحكم العلاقة مع الشركات العابرة للقارات. فالمعركة المقبلة لن تكون على احتلال الأرض، بل على احتلال العقول؛ ولن تُحسم بالسلاح وحده، بل بامتلاك مفاتيح الاتصال، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والقدرة على صياغة المعنى نفسه.

وفي هذا الأفق، يغدو الاتصال سؤالا فلسفيا عن السلطة والسيادة والحرية، قبل أن يكون مجرد تقنية لتبادل الرسائل.

*** 

د. مصطفـــى غَلْمـــان

مدخل: ليست المشكلة الكبرى في ثقافتنا العربية المعاصرة أننا لا نقرأ، بل نقرأ كثيرًا من غير أن نصنع من القراءة منبهًا محفزًا على الغربلة والتمييز.  لأن امتلاء الرفوف ليس دليلًا كافيًا على امتلاء الوعي، ولا كثرة عناوين الكتب المعروضة علامةً لازمة على حيوية العقل، إذ قد تتحول الوفرة نفسها إلى ستار أنيق يخفي نوعًا من الفقر النقدي؛ فقرًا لا يتمثل في نقص المعلومة، بل في ضعف الأدوات التي تمتحنها، وتردّها إلى أصولها، وتكشف ما فيها من افتراضات خفية ومسالك سلطوية ناعمة، هكذا تبدو مكتبتنا العربية المعاصرة، على اتساعها وتنوعها، أقرب إلى ساحة ازدحام معرفي منها إلى فضاء ناضج للانتقاء؛ إذ تتجاور فيها الكتب، لكن لا تتجاور دائمًا المعايير التي تزنها.

ضمن هذا السياق، يجيء أبو حيّان التوحيدي لا بوصفه اسمًا تراثيًا يُستدعى للزينة الثقافية، بل بوصفه معيارًا يفضح ما انكسر في علاقتنا بالفكر، فصاحب "الإمتاع والمؤانسة" ليس مجرد أديب مجالس، وإنما هو شاهد على زمنٍ كانت فيه المعرفة تولد من المحاورة، وتتغذى من السؤال، وتكتسب قيمتها من قدرتها على احتمال الاعتراض.

ثم لا ننسى أن الكتاب نفسه، كما تفيد مقدماته المعروفة، خرج من سبعٍ وثلاثين ليلة من السمر الفكري مع الوزير، ثم دوّنها التوحيدي في عمل صار مرآةً لثقافة حوارية رفيعة، لا تفصل الأدب عن الفلسفة، ولا الطرفة عن الحكمة، ولا المؤانسة عن التفكر. لهذا فإن وضع التوحيدي في مكتبتنا العربية المعاصرة ليس مفارقة بلاغية فحسب، بل هو اختبار حاد: ماذا سيحدث حين يدخل عقل تشكّل في حضرة السؤال إلى فضاء صارت فيه الفكرة كثيرًا ما تُستهلك قبل أن تُفهم؟

منطق الهيمنة الثقافية

لعل ما يواجه القارئ العربي اليوم ليس مجرد تنوع في المعروض، بل شبكة معقدة من التأثيرات التي تعيد تشكيل ذوقه من الداخل، حيث لا تكفي اللغة الأخلاقية المباشرة لفهم ما يجري، لأننا لا نكون غالبًا أمام فرضٍ صريح أو منعٍ خشن، بل أمام ما سماه غرامشي الهيمنة الثقافية: ذلك النمط من السلطة الذي لا يشتغل بالقسر وحده، بل بصناعة القبول، وتثبيت التصورات، وترتيب ما يبدو طبيعيًا وحديثًا ونافعًا حتى يغدو وكأنه الخيار الوحيد الممكن، على هذا الأساس، لا تدخل بعض الكتب إلى وعينا لقيمتها المجردة فقط، بل لأنها محمولة بمنظومة كاملة من الشرعية الرمزية؛ شرعية السوق، والإعلام، والذوق العام، ولغة “الأكثر مبيعًا”، وإغراء العالم المعاصر بأن ما يخرج من مركزه الغربي  الليبيرالي أكثر أهلية لأن يُتّبع.

وفق نفس المسار، يكتسب كذلك ابن خلدون راهنيته المتجددة، حين يكتب أن “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب”، فهذه العبارة ليست حكمة خالدة فحسب، بل هي تشريح نفسي عميق لما يطرأ على الوعي حين تختلط الهزيمة بالإعجاب، وحين يتحول التفوق الحضاري للآخر إلى قوة خفية تعيد ترتيب أحلامنا ومقاييسنا ومعاييرنا في الحكم، كما أن المغلوب لا يقلد الغالب في الزي والهيئة وحدهما، بل في صورة النجاح، وفي تعريف التقدم، وفي اختيار ما يقرأه بوصفه الأكثر تمثيلًا لروح العصر، ثم لا تعود القراءة لقاءً حرًا بين قارئ وكتاب، بل تصير في أحيان كثيرة جزءًا من اقتصاد رمزي أوسع، يعلّم القارئ تدريجيًا أن يثق بما يأتيه من جهة الغلبة أكثر مما يثق بما أنتجته تقاليده الخاصة من أدوات في الفحص والمساءلة.

بازار الترجمة وفوضى الاستهلاك

لا أقصد في هذا الكلام دعوة إلى خصومة عقيمة مع الترجمة، فالحضارات لا تنمو في العزلة، وما كان للحضارة العربية والاسلامية نفسها أن تزدهر إلا يوم انفتحت على غيرها ونقلت عنه ثم أعادت هضمه وتشكيله، غير أن الفرق شاسع بين الترجمة بوصفها فعلًا حضاريًا، والترجمة بوصفها استهلاكًا رمزيًا:

في الحالة الأولى تدخل الفكرة إلى المختبر؛ تُسأل، وتُفكك، وتُختبر على ميزان الإنسان الذي ستخاطبه.

وفي الحالة الثانية تدخل الفكرة إلى السوق؛ تُعرض، وتُسوّق، وتُمنح سلطةً جاهزة لأن مصدرها قادم من جهةٍ متفوقة في ميزان العالم الجديد.

هكذا يمكننا فهم الرواج الكثيف لبعض الكتب التي تعد بإعادة تشكيل النفس، وضبط العادات، وتدبير النجاح، وصناعة الذات على نحو سريع وعملي، اذ ليست المشكلة في أن يقرأ القارئ كتابًا في التهذيب أو الانضباط أو إدارة الوقت، بل في أن تتحول هذه الخطابات إلى بديل شبه كامل عن التكوين الفلسفي والأخلاقي والروحي الأعمق، لأنه عندما تُستهلك مفاهيم النجاح الشخصي والتعافي الفردي والتنمية الذاتية خارج مساءلة شروطها الحضارية والإنسانية، فإنها لا تنقل نصائح فقط، بل تنقل أيضًا صورة مخصوصة عن الإنسان: إنسانًا يمكن اختزاله إلى مشروع كفاءة، وإلى آلة قابلة لإعادة البرمجة، وإلى ذاتٍ يختصر خلاصها في إجراءات لا في أسئلة. وبالتالي تضيق التجربة الإنسانية بدل أن تتسع؛ لأن كل ما لا يدخل في منطق الفاعلية السريعة يُدفع إلى الهامش: القلق، والمأساة، والضعف، والأسئلة الوجودية الكبرى، وكل ما لا يُعالج بوصفة سريعة، الأمر نفسه يقع، بصيغة أخرى، في تلقي الرواية، حيث ليس الخلل في قراءة الرواية المترجمة، بل في أن تتحول الرواية، داخل الذوق السائد، إلى مادة تشويق بلغة الريلز، أو إلى منتج انفعالي سريع، أو إلى شكل من أشكال الترفيه الراقي الذي لا يطلب من القارئ أكثر من متابعة ذكية وإثارة محسوبة، عند ذلك يُعاد تشكيل الحساسية الجمالية نفسها، فيفقد القارئ صبره على النصوص التي تتطلب بطئًا، وتراكمًا، واصطبارًا على الغموض، واحتكاكًا شاقًا بالتاريخ والذاكرة واللغة والدين والنفس والآداب. هكذا تخسر الرواية بعدها التأملي، ويخسر القارئ حقه في أن تهزّه وتصدمه القراءة لا أن تسليه فقط.

رسالة التوحيدي لنا؟!

إن استدعاء التوحيدي ذو معنى حاد، لا يراد به التفاخر بتراثنا، بل استرداد شيء من كرامة السؤال التي كانت تحكم علاقتنا بالمعنى. فأبوحيان التوحيدي، كما الجاحظ وابن المقفع والغزالي وابن رشد وغيرهم، لا يمثلون أسماء كبرى فحسب، بل يمثلون طرقًا في التفكير؛ طرقًا تعرف كيف تحاور، وكيف تعترض، وكيف تزن الدعوى، وكيف تميز بين بريق العبارة وصلابة الحجة.

لكن نحن ما فقدناه في مكتبتنا العربية المعاصرة ليس النصوص وحدها، بل الأدوات التي أنتجت تلك النصوص: المناظرة بوصفها خلقًا عقليًا، والقياس بوصفه تمرينًا على ترتيب الدعاوى، والرزانة بوصفها شرطًا للفهم، والارتياب بوصفه حماية من الانبهار والذوبان في الٱخر.

لعله التوحيدي  لو دخل إلى مكتبتنا العربية المعاصرة، فلن يندهش من كثرة الكتب، بل من طبيعة العلاقة التي نشأت بينها وبين قرائها. سيجد رفوفًا لامعة، وكتبًا كثيرة، ومفاهيم تتردد بكثافة، لكنه سيشعر، على الأرجح، بأن شيئًا ما قد انكسر في العمق: انكسرت صلة القراءة بالتنشئة، وضعفت صلة الفكرة بالمحنة، وتراجع سؤال “كيف أفكر؟” أمام سؤال أكثر استعجالًا وأقل عمقًا: “ماذا أقتني الآن؟”.

حينئذ لن يكون احتجاجه على الترجمة نفسها، ولا على الرواية، ولا على علم النفس، بل على العقل الذي استقال من مهمته وصار يطلب من الفكرة أن تطمئنه قبل أن تهزه، وأن تعالجه قبل أن تفضحه، وأن تمنحه خلاصة قبل أن تورطه في عناء الفهم.

غير أن المشهد لا يكتمل من غير الالتفات إلى رواج الكتاب الديني والوعظي والمذهبي في صيغته الجديدة؛ ذلك الكتاب الذي يخرج من اللغة العقائدية الثقيلة إلى لغة أكثر خفة وسردية، ويقدّم الموعظة في هيئة حكاية، والعبرة في صورة عبارة قصيرة سهلة التداول، كما يظهر في عدد من الأعمال الواسعة الانتشار لدى كتّاب من طراز أدهم شرقاوي، الذي اطلعت على كل اصداراته ٱخرها كان "رسائل من التابعين" و"50 قانونا للحب"،حيث ليست المشكلة في حضور الدين في الكتابة، فالدين عنصر أصيل في وجدان هذه المجتمعات العربية وثقافتها، كما أن الخطاب الديني جزء من آليات التأثير في الوعي العام، لكن الخلل يبدأ حين يتحول هذا الحضور إلى صيغة مطمئنة أكثر مما هو موقظ، وإلى خطاب يواسي الوجدان بدل أن يوقظ العقل، ويمنح القارئ خلاصة أخلاقية جاهزة قبل أن يدفعه إلى مشقة السؤال!!

حين يشيع هذا اللون من الكتابة على نطاق واسع، فإنه قد يُنمّي الحس العاطفي والأخلاقي، لكنه قد يضعف في المقابل النباهة الإنسانية الدقيقة؛ لأنه يدرّب المتلقي على التلقي الوجداني السريع، وعلى الاستجابة للعبارة المؤثرة، أكثر مما يدرّبه على الصبر على الفكرة، وعلى تفكيك الحجج، وعلى بناء موقف ثقافي ناضج من النص والعالم.

ما أود التأكيد عليه في هذه السطور، أنه لا ينبغي أن يُقرأ هذا النص بوصفه رثاءً للتراث، ولا هجومًا متجهمًا على كل جديد، بل بوصفه دعوة إلى استئناف فعلٍ عقلي أرفع: أن نقرأ العالم من غير تبعية، وأن نُدخل الوافد إلى معملنا لا إلى مستنقعات انبهارنا، وأن نسترد حقنا في الشك والتمحيص قبل التبني والتقليد.

لأننا ندرك أن الثقافة لا تُهان حين تقرأ، بل حين تقرأ من موقع التابع، وتفقد في لحظة القراءة جهازها الداخلي في المقاومة والتأويل، وما أكثر ما نحتاج اليوم، وسط هذا الضجيج التافه، إلى أن نتعلم من جديد كيف نترزن أمام الفكرة، وكيف نعيد ترتيب المسافة بين الكتاب والقارئ، حتى لا تتحول المكتبة إلى معرض كبير للأجوبة، فيما الأسئلة العميقة تموت في سرداب القابلية للاستدمار.

لعل التوحيدي، لو خرج من بين رفوف مكتبتنا العربية المعاصرة بعد هذه الجولة الطويلة، لن يكتب مرثية غاضبة، ولن يلقي بيانًا ضد أحد، لعلّه سيكتفي، كما يليق بعقلٍ خبر هشاشة البشر وامتحن المقولات، بأن يترك لنا عبارةً واحدة بين الكتب اللامعة والوعود السريعة والمفاهيم المعلبة:

"لم تمت الأمة حين قلّ ورقها، بل حين ضاعت أسئلتها"

***

أ. مراد غريبي

في المثقف اليوم