عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

في لقاء حواري سابق مع المهندس المعماري المعروف (رفعة الجادرجي) في أحدى الفضائيات العربية، أوضح من خلاله ان الإنسان العراقي، خلافا"لما هو شائع لدى شعوب المعمورة، لا يهتم بما تحمله الأبنية (العمرانية) و(المعمارية) سواء منها القديم أو الحديث، من دلالات اعتبارية ورمزية، وبالتالي فهو لا يحمل حيالها أية مشاعر تنم عن الاعتزاز بالموروث التاريخي حين تتعرض لعمليات الهدم أو الإزالة، مثلما لا يحفل بما تنطوي عليه من أهمية تاريخية أو قيمة حضارية. ولهذا فهو – حسبما يقول الجادرجي – تحسب لمثل هذا الأمر بحيث اضطر خلال مسيرته العلمية والمهنية، الى عملية (تصوير) مراحل إنشاء وتشييد أي معلم من المعالم التي وضع تصاميمها بنفسه لكي يصار الى حفظها وأرشفتها، ومن ثمة الرجوع إليها عند الحاجة لأغراض التأرخة الحضرية لمدينة بغداد. معللا"بذلك بتوقعه أنها ستلقى ذات المصير المأساوي الذي آلت إليه بقية الشواهد المعمارية والمعالم العمرانية المندرسة. 

وبالعودة الى أسباب هذه الظاهرة، فإن البعض قد يرجعها الى عوامل (الطبيعة) التي تتمثل بعمليات التعرية والتحات والتآكل التدريجي، جراء سيرورات (التقادم) التاريخي التي تخللت مراحل وجود تلك المعالم العمرانية والمعمارية. وهو الأمر الذي يحملنا على رفض مثل هذه الآراء والمزاعم المبتسرة، لاسيما وان هناك - في مختلف بلدان المعمورة - الكثير من تلك المعالم والشواخص لا تزال قائمة تقارع الزمن بالرغم من مضي مئات السنين على إنشائها أو تشييدها. ولذلك يبدو احتمال (افتعال) هذا التدمير المتعمد والتخريب المقصود أقرب الى الواقع منه الى الافتراض، لاسيما وان هناك الكثير من الدلائل والمعطيات التي تثبت تورط العديد من الحكومات أو الكيانات أو المؤسسات أو الشركات في عمليات (الهدم) و(الإزالة)، ليس فقط تحت ذرائع التطوير العمراني والتحسين المعماري التي تستلزمها المراكز المدينية للعواصم والمدن الكبيرة فحسب، وإنما تمت بدوافع سياسية مقصودة أو اقتصادية واضحة أو دينية معلنة يصعب إخفاء مقاصدها وحجب مراميها.

ولعل هناك من يتساءل؛ ما علاقة تلك المعالم العمرانية والمعمارية العتيقة التي أكل الدهر عليها وشرب، بالأهداف السياسية والمصالح الاقتصادية والدوافع الدينية بحيث يصار الى المبادرة بهدمها وإزالتها من الوجود؟!. فبدلا"من أن نتحسر أو نتألم على هكذا معالم متهالكة وآيلة الى السقوط، ألا يستحسن أن يجري استبدالها بأنماط عمرانية ومعمارية جديدة تتماشى مع معطيات (الحداثة) وما (بعد الحداثة) التي غزت ليس فقط (الجغرافيا) بكل ميادينها، و(التاريخ) بكل مجالاته، و(الاجتماع) بكل أطره، و(الثقافة) بكل تجلياتها، و(الوعي) بكل مستوياته ؟!. الحقيقية ان المحاججات التي تذهب بهذا الاتجاه لا تقدم شيئا"ذا قيمة، سوى أنها تفضح (جهل) أصحابها بألف باء ما تعنيه (أماكن الذاكرة) وما تحمله من مضامين وتمثله من رموز، وخصوصا"بالنسبة للمجتمعات التي تنشد أن يكون لها دور فاعل ومؤثر على خارطة العالم التاريخية والحضارية.

فالمواقع المعمارية والمعالم العمرانية التي من النوع الذي يمتلك عمقا"تاريخيا"أو رصيدا"حضاريا"، لا يمكن التعاطي معها كما لو أنها مجرد أبنية وشواخص مادية قديمة استنفدت وظائفها السكانية أو الاقتصادية أو السياسية التي كانت لها في السابق، بحيث ان الشروع بإجراءات هدمها أو إزالتها لا يشكل تفريطا"بقيمة الموروث التاريخي والحضاري، كما لا يعتبر بمثابة التقليل من شأنه وانتقاص من أهميته وانتهاك لحرمته. وإنما هي بمثابة كيانات حية تمتح من نسغ (الجغرافيا / المكان)، وتنوء بثقل (التاريخ / الماضي)، وتطفح بخزين (الذاكرة / المخيال). أي بمعنى أنها ركيزة أساسية من ركائز الوجود، ومثابة محورية من مثابات الوعي، ورمز ضروري من رموز الهوية.   

والطامة الكبرى ان أغلب المعالم المعمارية والعمرانية في العراق – قديما"وحديثا"- ارتبط إنشائها واقترن تشييدها؛ إما بأسماء الملوك والسلاطين والزعماء، أو بمصالح الدول والحكومات والسلطات، لا بل ان هذا الارتباط والاقتران طال حتى (المدن) الكبيرة و(العواصم) المركزية مثل (البصرة – عتبة بن غزوان) و(الكوفة – سعد بن أبي وقاص) و(واسط – الحجاج) و(بغداد – المنصور). والانكى من تلك ان المدن والعواصم حملت وشم القبائل / العوائل التي حكمت فضائها وساست سكانها مثل؛ القبائل (الأموية) والقبائل (العباسية) والقبائل (العثمانية) سابقا"، أو جرى تصنيفها على أساس الحقب أو المراحل السياسية مثل؛ الحقبة (الملكية) والحقبة (الجمهورية) والحقبة (الدينية) حاليا". بمعنى آخر ان معظم تلك المعالم والأماكن تعرضت – على مدى مئات السنين - لعمليات (شخصنة) و(تسييس) واسعة النطاق، لم يسلم منها إلاّ القليل ممن اعتبر لا قيمة له في عالم المغالبة (الديني – العصبوي) و(السياسي – الإيديولوجي).

وفي إطار عمليات (الانتقام) الرمزي المتبادل بين تلك الجماعات المتكارهة والأصوليات المتباغضة، نجد ان الخليفة العباسي (أبو جعفر المنصور) باني مدينة (بغداد)، لم يتورع بالإيعاز الى عامليه وعماله من انتزاع كل ما كان يخدم بناء مدينته المدورة من أنقاض المدن المهملة والمنسية، لاسيما مدينة واسط التي بناها (الحجاج) الأموي، حيث أمر بجلب أحد أبوابها – كما يرد في بعض المصادر – لغرض استخدامه في عمارة (بغداد)، بعد أن دبّ الخراب في مدماكها (واسط) وتسلل الاندثار الى أبنيتها، ناهيك عن غزوات القبائل التي كان الفضاء الجغرافي لتلك البطاح مسرحا"لها. والمفارقة هي الحجاج ذاته (( هدم لعمارة مدينته كثيرا"من المدن والقرى المحيطة بها، ونقل أخشابها وأبوابها حتى ضج أهل تلك النواحي واحتجوا على ما جرى )). كما أن الخليفة (المنصور) لم يتردد في الإصغاء لكبار حاشيته ومريديه للقيام بعمليات هدم مدينة (طيسفون – المدائن) الفارسية، والاستفادة من مواد البناء التي كانت تحتويها لأغراض استعمالها في إكمال المدينة العباسية (بغداد)، ولكن تبين له لاحقا"ان هذه العملية التخريبية ستكون مكلفة اقتصاديا"مثلما أنها غير مجدية اعتباريا"، ولهذا فقد أعدل عن إكمال عمليات الهدم الجارية والاكتفاء بما تم هدمه مسبقا".

ومما زاد الطين بلّة، ان الانقسامات الاثنية، والصراعات القبيلة، والكراهيات الطائفية، التي طالما كان المجتمع العراقي بمختلف مكوناته مسرحا"لها ومخرطا"فيها، دخلت على خط المواجهات الدامية بين تلك الجماعات والأصوليات المنفلتة، بحيث كان دورها بمثابة عامل محفز ومشجع على الانخراط بتلك الممارسات الانتقامية المشينة. ولأن أغلب المعالم المعمارية والعمرانية سبق وأن تمت (شخصنتها) و(تسييسها) من قبل الحكومات / السلطات المتعاقبة – كما سبقت الإشارة – كنوع من أنواع (الهيمنة الرمزية)، الأمر الذي جعل منها هدفا"مغريا"من جملة الأهداف المعرضة للانتقام، سواء عبر إهمالها أو تجاهلها في أفضل الحالات، أو من خلال تخريبها أو تدميرها في أسوأها. وبضوء هذه الحقيقة المؤلمة، فقد خسرت الحضارة العراقية الكثير من كنوزها المعمارية والعمرانية التي تعاقبت على تشييدها الكثير من الأقوام والسلالات والأجناس المختلفة، والتي عكست من خلالها تباين ثقافاتها وتنوع فنونها وتعدد حضاراتها، وبالتالي فقدانها ميزة ثمينة كونها حاضنة لأقدم المواريث الإنسانية في مجالات الفنون المعمارية والإبداعات العمرانية. 

***

ثامر عباس – باحث عراقي 

   

يقول الإمام الشافعي رحمة الله عليه:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

ولكن عين السخط تُبدي المساويا

حتى وإن كان الإمام الشافعي يقصد حالات فردية إلا أنه يُشخص ظاهرة اجتماعية ذات جذور ثقافية في مجتمعاتنا العربية، وهو الذي حدث له ما حدث مع الخليفة هارون الرشيد حين كاد أن يَقطع عنقه لو لا لطف الله. فالظاهرة الاجتماعية التي شخصها الإمام منذ العصر العباسي الأول، لازلت قوانينها تحكم مجتمعاتنا إلى حدّ الساعة.

نحن مجتمعات تجنح إلى الحكم على الأشياء بدل فهمها، التحيّز والتطّرف طبع متجذر في ثقافتنا. إمساك العصى من الوسط هو سمة مميِّزة لمجتمعاتنا، وهو ليس وسطية أو تعقّل، بل تطرّف مزدوج، نُصفق للقاتل ونبكي مع الضحية. فنحن إذا أحببنا نموت متيّمين وإذ كرهنا تحولنا إلى قتلة مجرمين. عين العقل لا وجود لها بيننا، فإما الرضا أو السُخط، نتطرف في كل شيء، نثور كالبراكين لأتفه الأسباب ثم نهدأ كالأطفال بلعبة أو مصاصة. نعمى عن العيوب إذا رضينا، ونُفتش بالمنظار عن السفاسف إذا سخطنا. نثور على أنظمتنا حتى نتحول إلى قتلة وإرهابيين لأجل الخبز، ثم نخضع ونركع تحت اقدام الطغاة حين يجودون علينا بفتاة من الريع.

إن من نحبهم ليسوا ملائكة ولا من نكرههم بشياطين، بل إن حبنا وكرهنا للآخرين محكوم بالظروف والسياقات والأمزجة، فنحن لسنا سوى بشر نخطئ ونصيب. إن مواقفنا تجاه القضايا والأشخاص ليست سوى تعبير عن الزاوية التي ننظر منها إلى كون فسيح بمنظار ضيق ومحدود.

كثيرا ما تُفسر تصرفاتنا الانفعالية تجاه بعض الناس أو في مواقف معينة، على أنها نابعة من طبيعتنا العاطفية، أي لأننا مجتمعات عاطفية غير عقلانية. وإذا أردنا أن ندقق في هذا المعنى نقول أن كل الأفراد في مجتمعاتنا العربية، أو على الأقل غالبيتهم الساحقة، عاطفيين غير عقلانيين. وهل جميع أفراد المجتمعات المتقدمة عقلانيين وموضوعيين؟ طبعا لا، بل لأنهم محكومون بمؤسسات تُدار بشكل عقلاني، أي بعيداً عن أمزجة وأهواء الحكام والقادة.

الطبيعة الانفعالية في مجتمعاتنا العربية ليست ذات أصل جيني أو عرقي، بل هي طبيعة ثقافية، يتشرّبها الأفراد من بيئاتهم الاجتماعية ويتلقونها من قيمهم الثقافية. لم تنجح المجتمعات الغربية في تحقيق التقدم وتكريس الديمقراطية لأن الأفراد في تلك المجتمعات وصلوا إلى مستوى من الوعي مكّن مجتمعاتهم من التفوق والنجاح، بل لأنهم استطاعوا الوصول إلى صيغ حكم أفرزت مؤسسات فوق الأفراد والأشخاص. يشعر الفرد في تلك المجتمعات أنه مهما امتلك من جاه أو مال أو سلطان فإنه لن يستطيع التعدي على القانون ولا المساس بهيبة وسلطة المؤسسات بشتى أشكالها وأنواعها.

كانت بداية الاستبداد في مجتمعاتنا العربية، حسب توصيف مالك بن نبي، في معركة صفين، أو تحديدا بعدما استولى الأمويون على السلطة بحدّ السيف. منذ ذلكم الحين والعرب يتجرعون مرارة التسلّط ويذوقون ويلات تجبّر السلاطين وظلم القادة والرؤساء. أصبح الحكم في البلاد العربية، مذ ذاك، رهينة بأيدي أولي الأمر ومن تُوكل إليهم مهام القيادة وتسيير الشأن العام. ترّسخ في اعتقاد الفرد العربي البسيط والمغلوب على أمره، أن حياته ومصيره لعبة في يد من يمتلكون السلطة، فإذا شاءوا جعلوه سعيداً، وإن أرادوا صار شقياً تعيسا.

إن تجبّر الأفراد وطغيانهم، وتعصبهم وتطرفهم في مواقفهم، ليس سوى انعكاساً لجبروت الحكام واستبدادهم. فحين يشعر الأفراد أن السلطة ليست مؤسسات فوق الجميع، بل قوانين بيد اشخاص تميل حيث مالت مصالحهم، يصبح من المستحيل أن يكون العقل هو قائدا لسلوك هؤلاء الأفراد وموّجها لأفعالهم ومؤطراً لمواقفهم. فكيف نطالب الناس أن يكونوا عقلانيين في أحكامهم وتصرفاتهم وهم يرون أن الشأن العام يُدار بالأهواء والعواطف والأمزجة؟ كيف نريد من الناس أن يكونوا متّزنين وأن يتجنبوا الأحكام المطلقة وهم يرون أن من يرأسهم ويقودهم يُصدر في حقهم أحكاما تعسفية ويعاملهم بأهوائه وانفعالاته لا بعقله وحكمته؟

لن يستقيم الأمر إلا إذا كانت قمة الهرم قدوة لقاعدته في الاستقامة. فالوحي لم يصعد من الأرض إلى السماء، بل نزل من السماء إلى الأرض. ونحن نقصد بالقمة هنا السلطة وليس تراتبية اجتماعية أو طبقية، فكما يقول المثل: "الناس على دين ملوكهم". أما نحن فنريد من الشعب أن يستقيم لكي تستقيم الأنظمة، ونطالبه بأن ينضج ويصبح واعيا لكي يصلح شأن الحكام والرؤساء، وندعم تصورنا هذا بمقولات الطغاة والمستبدين: "كما تكونوا يولىّ عليكم".

في أوقات الحروب والأزمات تتحول الشعوب إلى همج لأنهم باتو يدركون أن القوانين والمؤسسات انعدم جدواها في تلك الفترات ولم تعد قادرة على حمايتهم من بعضهم البعض. فطبيعة البشر ليست صراعية بحتة ولا تراحمية بحتة، بل هي طبيعة متقلبة تحكمها الظروف وتنحت قسماتها الأوضاع السياسية والاقتصادية. لا أريد هنا أن أتبنى نظرية هوبز في تعظيمه للسلطة ولا المقاربة الأناركية التي حاول روادها تقويض الدولة وهدم سلطتها، بقدر ما أريد أن أثبت أن التعّقل والموضوعية هي قيم تنساب من هرم السلطة إلى قاعدتها عبر مؤسسات لا يتحكم فيها الأفراد أو تتأثر بأمزجتهم وميولاتهم.

إذا كنا نفرط في محبتنا وصداقتنا كما نُفرط في عداوتنا فليس لأننا عاطفيين بالطبع والفطرة، بل لأننا نعيش تحت ظل أنظمة سلطوية بُنيت على أسس غير عقلانية، أنظمة كرّست الفرقة والأحقاد، أنظمة رسّخت قيم اللامساواة وشجعّت على التفاوتات غير العادلة بين الأفراد، أنظمة حاربت العقل وأغلقت الطريق أمام العقلاء للوصول إلى سُدة الحكم أو اسداء الرأي والنصح للقادة والحكام. نحن عاطفيون وانفعاليون لأننا تشرّبنا هذه القيم من بيئاتنا غير العقلانية، فهذه البيئات السوسيوثقافية هي نتاج لأنظمة فاسدة بناها طغاة متجبرون، وأرسوا قيمها وحصنوها بكل أنواع الفساد الذي أصبح من العسير محاربته والحدّ من انتشاره.

***

د. لحسن تركي

من غيبة آليات المعقول إلى الارتياب في قداسة المنقول

أنني أعلم جيدًا أن تتبع الواقعات والوقائع التي كونت بنية ثقافة العصر الوسيط، وشكلت المعوق الرئيسي أمام الفلاسفة وغرابيلهم الناقدة وتحليلاتهم الواعية.

لا تخلو من المخاطر: سواء في تحصيل المعارف أو الحكم على صحة متون الخطابات المطروحة آنذاك من الاتجاهات المتصارعة حيث الأكاذيب التي ترددت على ألسنة كل الاتجاهات العقدية والسياسية والاجتماعية. بالإضافة إلى الفكر الوافد من الثقافة اليونانية، أو في رسائل المبشرين بالدين الجديد -الأتية من الشرق.

نعم إن السير في طرقات أوربا في هذه الحقبة التي خيمت على سمائها ظلمة جاهلة حالكة حالت بين المحللين باكتشاف مواقع المآزق والمتاريس والحرائق والمقاصل والسجون التي كانت تنتظر الغرباء الذين أبوا الخضوع لتعاليم القيصر -المأله المعبود - أو عوائد النبلاء والأثرياء أو  الذين ارتابوا في أحاديث السحرة والمشعوذين أو حكايات الكهنة أو أكاذيب أحبار اليهود أو هذيان السوقى والحمقى أو تمهلوا في تنفيذ أوامر الجند الذين انتزعت من قلوبهم كل المشاعر الإنسانية التي تميز بين الأشقياء والأبرياء؛ فلا نكاد نسمع  في ليل شتاء روما سوى نحيب العقلاء على مصرع الحق والصدق والشرف أو ضحكات شياطين الإنس وهي تسخر من غرابيل الفلاسفة الممزقة التي أنهكها (الشك البيروني) على أثر عجزها عن الفصل بين كثرة الأكاذيب التي أبتدعها الأفاقين الذين احترفوا صناعة الشائعات وتلفيق الحكايات إلى درجة أنهم تفننوا في عمل غرابيل أخرى، عوضًا عن غرابيل الفلاسفة السابقة؛ لتتناسب مع الثقافة السائدة وجعلوا معيار جودتها وصحة أدائها في المنفعة واتخذت من الدهاء مكاييل لها لتحديد قدر مكاسبهم من الفتن والمؤامرات والدسائس ومدى صلاحيتها لإزاحة العراقيل التي تحول بينهم وبين مصالحهم الشخصية.

لذا يمكننا أن نصرح بخطأ معظم المؤرخين في اعتقادهم بأن علة جمود الفكر الأوربي في العصر الوسيط ترد إلى صراع الأضداد بين الفكر الغيبي اللاهوتي من جهة والتفكير العلمي الموضوعي والتصورات الفلسفية المنطقية من جهة أخرى.

إضافة إلى غيبة الأنساق المنهجية في شتى المعارف الإنسانية وتداخل الوافد من النظم والأفكار بطريقة عشوائية؛ فقد أدى كل ذلك إلى فشل الحكماء والمصلحين في إنقاذ الثقافة الأوربية من الاستمرار في أطوار انحدارها وانتقالها من السيء إلى الأسوأ ومن مظاهر السياقات المتداخلة على نحو متراكم كانتشار الخرافة، وعبادة الأوثان، والتعصب الملي، والتبشير بعقائد جديدة مع إباحة ارتكاب كل أشكال الشرور للنبلاء الذين ينكلون بالضعفاء والعبيد والمعوزين إذا ما انتهكوا عادة أو شعيرة أو اعترضوا على تجبر المستبدين من أصحاب السطوة والسلطان.

بل الأصوب القول بأن علة ذلك الانحدار الذي اطلق عليه الحقبة المظلمة ترد إلى عدم قدرة أصحاب الغرابيل الناقدة على الفصل بين ما هو نافع وما هو ضار أو الصدق والكذب والصواب والخطأ وهو نتيجة مباشرة لتداخل السياقات المتنافرة والمتناقضة والمتصارعة (أحبار اليهود وتعاليمهم، الساسة ويمثلهم الإمبراطور والنبلاء والأثرياء، الكهنة الوثنيون والسحرة المحتالون، أتباع الدين الوافد وما يحفظونه من أقوال يسوع المخلص وتلاميذه كتاب الأناجيل والرسائل التبشيرية، وأخيرًا جماعات صغار الفلاسفة وما حملوه من آراء ضد السياقات الأسطورية والتصورات المناهضة للعقل التي استنبطوها من مدرسة الإسكندرية وأنطاكيا وروما أولئك الذين أطلق عليهم عصبة الهراطقة آنذاك) وذلك طمعًا في تغلب أحدها على باقي السياقات للحصول على أكبر قدر من الهيمنة والمنفعة المباشرة بغض النظر عن تبيعات الخلط بين الأنساق واحتراف الجميع صناعة الكذب حتى أضحت الأكاذيب هي لغة التساجل التي يستخدمها كل فريق بلا استثناء؛ لمدافعة نظرائه من الخصوم، وبات الشك المطلق هو دستور إعمال العقل في كل ما يُقال من سائر الاتجاهات .

وخليق بنا أن ننبه على أن ما سوف نعرضه من أكاذيب في هذا العصر هو أهم ما يتعلق بقضية الحكم على الفكر الصادق والكاذب من الناحية الفلسفية فحسب مع توضيح أثر تلك الأكاذيب على البنية المعرفية التي أدت بدورها إلى اضمحلال الآراء الفلسفية والإبداعات العلمية وقضت تمامًا على ما نطلق عليه حرية البوح والتفكير والنقد والثورة على المألوف وكل مواطن الاستبداد والعنف وسوف نقف على أهم آراء المتناظرين والمتحاورين التي تساجلت حول الأكاذيب بكل أشكالها وذلك لتبيان أغراضها ومقاصدها والكشف كذلك عما حملته من آراء ناقدة : من دفوع أو تحايل للخروج من المآزق التي وضعتها فيها القوة المتطاولة، وتوضيح النهوج التي انتهجها الفلاسفة (أصحاب الدين الوافد) خلال تلك المناظرات والحكم عليها وتقيمها.

ولعل أولى الأكاذيب هي تلك التي حاكها أحبار اليهود وكانت ترمي إلى تحقيق ثلاثة منافع:

أولها استعداء القيصر والسلطة الحاكمة على الدين الجديد الوافد أملًا في القضاء عليه في مهده قبل أن ينتشر وتصبح له مكانة في الثقافة الغربية.

وثانيها التأكيد على أن ما جاء في الدين الجديد لا يأتلف مع التوراة أو التلمود وأن مصدرها ليس هو المسيا المنتظر وبالتالي تنتفي عنه صفة القداسة.

وثالثها: التشكيك؛ فالخطاب العقدي الوافد برمته؛ وعليه يحق لأحبار اليهود محاكمة يسوع والحكم عليه واتباعه دون غيرهم من السلطات.

- وها هي الافتراءات - أن أصحاب الدين الوافد وضعوا ليسوع نسبًا يجعل منه ملكًا على يهود تارة أو إلهًا تارة ثانية أو المسيا المخلص تارة ثالثة. وتعتبر جميع هذه النعوت تجديفاً وافتراءً على الناموس؛ الأمر الذي يستوجب العقاب.

- إن أصحاب الدين الجديد يحللون أكل لحوم البشر وشرب دمائهم.

- إنّ أصحاب الدين الجديد يكفرون بدين القيصر ويزمون الأغنياء ويمدحون العبيد والفقراء ويؤثرون السلم على الحرب، ويكرهون العنف والقتال ويرفعون قيمة الحب والتسامح، ويجعلونهما مرادفين لصدق الإيمان ويحرضون الفقراء على الامتناع من أداء الضرائب المستحقة عليهم، والتخلف عن المشاركة في الحروب وتشجيع العبيد على التحرر من قيود العبودية.

- إن أصحاب الدين الجديد لعنوا السحرة والكهنة والعرافين، والأساطير الموروثة التي توافق عقلية العوام؛ الأمر الذي سوف يحدث هرج ومرج ويهدد أمن واستقرار الإمبراطورية.

وقد نجحت افتراءات اليهود وأكاذيبهم ولاسيما في الفترة الممتدة من (303/:311 م) أثناء عصر دقلديانوس (244:311م) وسوف نكشف عن طبيعة الردود والحجج المناهضة لتلك الادعاءات فيما بعد.

ثم جاء الإمبراطور قسطنطين (نحو 272: 337 م) بإصدار مرسوم ميلانو عام (313 م) ليوقف عصر الاضطهاد المسيحي ثم اعترفت الإمبراطورية الرومانية تدريجيًا بحقوق اليسوعيين وأصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية عام 380 م بمرسوم من الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (395:347 م)

أما أكاذيب الهراطقة والمنكرين والمتفلسفة الذين تتلمذوا في مدارس الإسكندرية وأنطاكيا وروما، فجاءت جميعها مناهضة للفكر اللاهوتي بوجه عام ومنكرة كذلك للقضايا ذات الصلة بتأليه يسوع وعقيدة الخلاص، وأيدت في الوقت نفسه التعاليم الأخلاقية التي وردت في الرسائل المتواترة والشذرات المستنبطة من تعاليم المسيح وتهكمت على العديد من أسفار العهد القديم ولاسيما المتعلقة بأخبار أنبياء اليهود المنحدرين من قبائل الخزر المزيفين لتعاليم الرب المجافية للعقل والأخلاق وكانت ترمي من ذلك إلى تحقيق غايتين:

أولهما إقناع الطبقة الحاكمة بأن ديانة جوبيتر والآداب اليونانية وما تحمله من أساطير وفنون قد ألفها العقل السائد الروماني وكان من اليسير على قادة الرأي في الثقافة الرومانية تطويع ذلك الفكر الوافد لخدمة الرومان وليس العكس أما الفكر المنعوت بالقداسة يهوديًا كان أو يسوعيًا فهو مغاير لما ألفه الرأي العام ولم ترضى عنه الطبقة الحاكمة - وتجربة الإمبراطورية مع اليهود منذ عام (27 ق.م: 476 م) خير شاهد على تمردهم وخياناتهم المتكررة - ومن ثم يجب التعامل معه مثل ما يجب فعله تجاه الملحدين والمفسدين حتى لا يتبدد أمن الإمبراطورية.

وثانيهما إن المعتقدات الغيبية الواردة في الديانة الجديدة منافية تمامًا للعقل بل أنها تثير العديد من المشكلات التي تتعرض للأمور الاجتماعية والسياسية والعلوم الفلسفية التي تشكل القوة الدافعة للفكر الروماني ومن ثم يجب على العقل الجمعي الروماني التخلص من ذلك الدين الوافد لأنه يبدد ما ألفوه في حياتهم وها هي ادعاءاتهم وأكاذيبهم:

- أن أصحاب الدين الجديد قد تأثروا في حديثهم عن السيد المسيح بسيرة وتعاليم أبولونيوس التياني (نحو 15 م: 100 م) وهو فيلسوف ينتمي إلى الفيثاغوريين المتأخرين وهي من المدارس الفلسفية المتأخرة التي تحدثت عن الحلول الإلهي في الاجساد البشرية وإمكانية الاتحاد به بالتأملات والرياضات الروحية الأمر الذي يجيز للعقل الشك فيما روي عن يسوع شأن الحكم على الفلاسفة الفيثاغوريين بالكذب ولاسيما على مرويات فلاسفتها المتأخرين.

- إن أصحاب الدين الجديد يؤمنون بعقيدة التثليث وهي من أشكال التأليه الواردة في العديد من الديانات الشرقية القديمة مثل:

عبادة سيرابيس والديانة الأوزورية وكذا الأساطير التي نسجت حول أبولو إله الشعر عند اليونان وهرقل البطل الأسطوري وهما أبني زيوس رب الأرباب.

كما أكد الفلاسفة في ادعاءاتهم  على أن هناك تشابه بين هذه الأساطير من حيث الأبوة الإلهية لمخلص بشري ولد من رحم إحدى العفيفات الورع ومن ثم تولدت عقيدة الاتحاد والحلول بين الاله والبشر كما أن ما كتب حول ولادة بوذا في الأساطير الهندوسية يقترب من ذلك السياق القصصي  كما أن إضفاء القداسة الإلهية على مريم أم يسوع ليست غريبة أيضًا على التراث الأسطوري مثل الكمين وأرتيميز وأيزيس ونانا العذراء الفرجية .أما الاقانيم الثلاثة التي يتحدث عنها أصحاب الدين الجديد فهي لا تختلف عن الثالوث الهندوسي (برهما، فيشنو، شيفا ) الذي أطلق عليه الهندوس مصطلح (Trimurti)

-    إن أصحاب الدين الجديد مازالوا مختلفين فيما بينهم على الطبيعة الكرستولوجيا ليسوع ولم يتفقوا كذلك على قانون الإيمان ولم تحسم المناظرات التي دارت بين أثناسيوس وأريوس بل انتهت وفق منطوق إمبراطوري صاغه قسطنطين بعد تردد بين منطق العقل والخوف من تقسيم الإمبراطورية.

وللحديث بقية عن كثرة الأكاذيب التي شكلت عائقًا أمام غرابيل الفلاسفة للفصل بين الصدق والكذب بمنحى نقدي فلسفي. 

***

بقلم: د. عصمت نصار

في المتوسط العام يستهلك الدماغ البشري ما نسبته 20% من طاقة الجسم رغم أنه لا يشكل سوى حوالي 2٪ فقط من وزن الجسم! ولذلك فأدمغتنا كسولة تميل إلى توفير الطاقة، ولهذا التوفير مظاهر عدّة، وهي الضريبة التي ندفع فاتورتها بدون أن ننتبه، فمن تطبيقات تلك المظاهر في حياتنا اليومية: الميل للافتراض في السياق التداولي، إذْ تلوذ أدمغتنا بالافتراض بما هو الخيار الأسهل والأوفر! وترتضيه بديلا عن تجشّم عناء التفتيش عبر الوسائل المتاحة عن حقيقة تصوّر الآخر كما هو، حدّ المستطاع.

في خضمّ حديثٍ ما يسأل المرءُ أخاه عمّا إذا كان مناسبا أن يحتسيا القهوة سويا ذات مساء، فيعتذر أخوه إليه من عدم تمكنه، ثم يتفاجأ بأنه نشر على أحد حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي صورة تجمعه بصديقه، فيفترض الأخ أنّه قدّم صاحبه عليه، وما درى أنه ارتباط سابق على دعوته هو، فيلغي - نتيجة افتراضه - رحلة كانت مقررة مع أخيه، لتبتدئ سلسلة من العداوة والشحناء المتبادلة، وأخرى تدعوها زميلتها للانضمام إلى فريق أحد مشاريع الجامعة، فتعتذر إليها من عدم تمكّنها، فتفترض زميلتها أنّ الخيلاء والعجرفة هما سبب ذلك، ثم يطغى على رسائلها لزميلتها حِسّ البرود والجفاء، فتنساق الأخرى إلى هذا الجو المشحون الذي ابتدأ بافتراض! ولو أنها التمست لها عذرا أو بحثت فلربما وجدتْ أنها تمر بظروف قاسية حالتْ دون الانضمام الذي كانت تتوق إليه بشدة في وجدانها.

وبما أن الافتراض عملية دماغية سريعة فهو منخفض في تكلفة استهلاك الطاقة، أما البحث والتأكد والحرص على الدقة، وتقييم القرائن، والتمحيص والتمهّل، والتموضع في زاوية الموضوعية، فهذه كلها عمليات دماغية تستهلك كمية هائلة من الطاقة، فكيف والحال أن يومنا الاعتيادي غارق في السياق التداولي، حيث نتعاطى في المتوسط مع أناسيّ كُثُر خلال اليوم الواحد، فلك أنْ تتخيّل كمّ الطاقة التي تستنفدها أدمغتنا؛ الأمر الذي يرهقها أيّما إرهاق؛ ومن أجل ذلك فالدماغ يستمرئ الافتراض على حساب إطالة النظر في التثبّت وصرامة التبيّن.

ولعل الافتراض لوحده حين تَعْمد إليه أدمغتنا ليس بذي بال لولا أنه متبوعٌ عادةً بِردّات الفعل، فالمصيبة العظمى حين ينهض الافتراض إِزميلًا ينحت استجابتنا تجاه ممارسات الآخرين وكلماتهم، فالافتراض في جوهره هو تشويه مقنَّع لسياقِ ما يصدر عن الآخر، وحين نستجيب للافتراض بما هو لباس تلقيه أدمغتنا على صادرات الآخرين من عبارات وسلوكيات، فلسنا نُجري بذلك في حقيقة الأمر إلا استجابة مجحفة لأمر ليس له صلة بالآخر إطلاقا، فإننا بالافتراض نُقيم محاكاة ذهنية لا تشبه الآخر، ونتعاطى معها عِوضا عن التعاطي مع منتجات ذات الآخر! فتغدو ردود أفعالنا معارك مع أشباح وهمية، وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد فحسب، بل - للأسف - يتعدّاه إلى دفع الآخر بالرد على ردة فعلنا التي كانت في المقام الأول ردا لوجهة غير صحيحة! فندخل في متاهة من التصادم والانخراط في مهاترات سخيفة تفسد علاقات زهقت سِنِيُّ أعمارنا لإقامتها.

ومما يزيد الافتراض سطوة أنه يجيد الالتفات على العقل، إذْ ما إن يرتمي في أحضانه الدماغ حتى يبحث عن جميع القرائن التي تدعم مقالته؛ ليبدو أمام صاحبه أنه صوت التعقّل لا التسرّع، ونداء الحكمة لا الطيش، وهو لا يعدو أن يكون تبريرات باردة يغلف بها الدماغ استرواحه إلى الافتراض ويجمّل قبح تهاونه وفتوره، فيظن الواحد فينا أنه استنتاج نابع من قرائن واقعية وأدلة جلية، وأنّ التصرف المستمَدّ من قاعدة كهذه لَهو تصرف يُنبِئ عن حكمة بالغة ورأي حصيف! هذا إذا كنّا قد اقتطعنا جزءا من الوقت أساسا بتوجيه أصابع الاتهام إلى السيد الوَقور الافتراض!

إنّ فهم طريقة عمل أدمغتنا تجعلنا متيقظين للتوقيت المناسب لكبح جماحه وأخذ زمام القيادة الواعية بدلا من وضعية (Autopilot) القيادة الآلية، وبما أنّ الافتراض يُولَد في اللحظة التي نتلقى فيها من الآخر تصرفاته أو كلامه، فإنه لِزامًا علينا وقتئذٍ أن نراقب أنفسنا بأسئلة حازمة لا هَوادة فيها: هل انجررنا إلى افتراض متسرّع؟ ما هي القرائن التي تنهض نِدّا لافتراضنا؟ هل ثمّة افتراضات محتمَلة أخرى، وماقرائنها الداعمة؟ ما هي المعطيات المتوفرة للمشهد؟ ما هو السياق السابق على ردة فعل الآخر؟ هل هناك ما يتوجّب علينا فعله للتأكد؟ ما هي السبل المشروعة المتاحة للوقوف على حقيقة الأمر؟ كيف يمكننا أن نرى المشهد من زاوية الطرف الآخر؟ وبالتعبير الإنجليزي (Put yourself in someone else's shoes) أي: ضعْ نفسك مكان الطرف الآخر، فطرحُ هذه الأسئلة ومثيلاتها كفيلٌ بِحَثّ أدمغتنا على التبرؤ من الافتراض أو على الأقل حقنه بالوهَن؛ حتى يعجز عن دفعنا إلى مستنقع ردة فعل غير مسؤولة واستجابة غير مدروسة، والتي قد تهدم بناءً شيّدته السنين، وفي أدبنا العربي نجد الحكمة السائرة: ومعظم النار من مستصغر الشررِ.

الدُربة المستمرة هي السرّ في ترويض أدمغتنا، حتى تصبح عملية الفهم الموضوعي لردّات فعل الآخرين تلقائية لا يحتاج الدماغ فيها إلى استدعاء طاقة كبيرة للاضطلاع بها، فالتدريب لصقل أي مهارة ذهنية هو في جوهره نقل الممارسة من حقل الوعي إلى حقل اللاواعي، تماما كمهارة القيادة، ففي البدايات تتشظّى أذهاننا إلى سبعين قطعة، كل قطعة تطارد تفصيلا ما من دواسات الوقود والمكابح، مرورا بالانتباه للمرايا الجانبية والأمامية والخلفية، إلى إمساك المقود باليدين، فيغدو كيلومتر واحد بمثابة رحلة مضنية للغاية، في حين إنه بعد مرور فترة كافية على الممارسة، تجد أنك تقطع مائة كيلو وأكثر وأنت شارد البال تماما، متسائلا: متى قطعت كل هذه المسافة؟! وما ذلك إلا أنّ المهارة قد تموضعت في المستوى اللاواعي من المعالجة الدماغية، التي من سماتها التلقائية، متجاوزة تدخّل المستوى الواعي، وقسْ عليه كل المهارات، البدنية منها والذهنية.

وأجدني مضطرا لألملم أطراف طرحي بالالتفات إلى دقيقة مهمة؛ حتى لا يأخذ بالقارئ الشَّطط في فهم مرادي، وهي أنّ ما ذكرته لا يعني بحال تعطيل التحليل الافتراضي بالكليّة، فهذا ضربٌ من السذاجة، وأتعس الناس من مشى بينهم بحسن الظن على الدوام، وفي البشر خبيثوا الطوية وسيئوا الطباع كما فيهم الأسوياء الأنقياء، وإنما غايتي من الطرح هو أن تكون افتراضاتنا متّسمة بالموضوعية قدر الإمكان - حيث إن الوقوف على حقيقة الأمر بالضبط أقرب للوهم منه للواقع - وألّا تكون محض افتراضات متعجلة منبتّة عن معطيات حقيقية وفهم موضوعي، فنترك الحبل على غاربها لتحدّد معالم استجابتنا التداولية مع دوائر الاحتكاك، القريبة منها والبعيدة، كما أنني لا أرمي إلى أن يكرّس الواحد منا جُلّ اهتمامه في تفاصيلِ تفاصيل ما يصدر من الآخرين، فدون ذلك خرط القتاد! من ناحية، كما أنه يستنزف طاقتنا على حساب ما هو أولى، من ناحية أخرى، كما فصّلته في مقال سابق لي بعنوان: (الانتباه يقتل الاحتمالات) ففي كثير من المناسبات يكون التجاهل والتجاوز إزاء تصرفات الغير أسلم لراحة البال وألصق بالبصيرة وأدعى للعمل، ومع الافتراض الموضوعي أو التجاهل ينبغي لنا عدم إغفال اتخاذ التدابير الضرورية التي تضمن عدم تعدي الآخرين علينا أو استغلالنا، في حالة أثبت الآخر أنه غير مستحق لافتراضنا الموضوعي أو تجاهلنا الإنساني.

***

محمـــد سيـــف – باحث من سلطنة عمان

التكنولوجيا كمرآة للقيم الإنسانية

يُشكّل التقدم التكنولوجي المتسارع في عصرنا الحالي تحديًا فلسفيًا عميقًا، يتجاوز المسائل التقنية ليصل إلى جوهر قيمنا ومبادئنا الأساسية. فبينما تُقدّم التكنولوجيا حلولًا مبتكرة وتُسهّل حياتنا، فإنها تُثير في الوقت نفسه تضاربات أخلاقية معقدة تتعلق بالخصوصية، والعدالة، والمسؤولية، والهوية الإنسانية. هذه القضايا ليست مجرد عواقب غير مقصودة للابتكار، بل هي انعكاسات مباشرة لقيم المصممين والأهداف التي يسعون إلى تحقيقها.

لقد أفرزت التكنولوجيا اليوم "واقعًا عمليًا وثقافيًا جديدًا" يفرض علينا إعادة تقييم المفاهيم الأخلاقية الكلاسيكية. فمفاهيم مثل الحق، والمسؤولية، والكرامة الإنسانية، التي كانت محددة في سياقات اجتماعية سابقة، تكتسب أبعادًا جديدة مع التوسع غير المسبوق للتقنيات الرقمية. ولم يعد مفهوم "البانوبتيكون" للفيلسوف جيريمي بنثام، الذي كان يصف سجنًا دائريًا يتيح لمشرف واحد مراقبة جميع السجناء دون أن يعلموا متى تتم مراقبتهم، مجرد فكرة نظرية، بل أصبح حقيقة رقمية تطال المجتمع بأكمله.

هذا التحول يوضح أن التكنولوجيا لا تخلق مشاكل أخلاقية جديدة من العدم، بل تُصعّد وتُعقّد المشكلات القائمة. وهذا يجعل الأطر الفلسفية أكثر أهمية من أي وقت مضى لفهم هذه المعضلات وتوجيه استجاباتنا لها.

الأطر الفلسفية للتفكير في أخلاقيات التكنولوجيا

هذا الإطار الفلسفي يوفر طريقة واضحة وكمية لتقييم التكنولوجيا، لكن هذا الوضوح قد يكون خادعًا. فالمنفعة تُعرّف بشكل مختلف من قبل الأطراف المختلفة، مما يفسد الحساب الأخلاقي. فعندما تُعرّف الشركات "المنفعة" بالربح، وتُعرّفها الحكومات بالسيطرة، يتحوّل الحساب الأخلاقي إلى تبرير للاستغلال بدلًا من كونه أداة لخدمة المجتمع. هذا التوتر بين الشركات التي تُعطي الأولوية للمنفعة الاقتصادية وبين المجموعات التي تطالب بتعريف أوسع وأكثر عدلًا للـ “خير" يُبرز أن المعركة الأخلاقية الحقيقية ليست حول استخدام الإطار النفعي من عدمه، بل حول من يملك الحق في تحديد معايير القياس داخله. وهذا يقودنا إلى النزاع الأخلاقي بين الغايات والوسائل، وهو ما ستعالجه الواجبية.

على النقيض من النفعية، تقوم الواجبية، المستوحاة من فلسفة إيمانويل كانط، على أن بعض الأفعال صحيحة أو خاطئة بشكل مطلق، بغض النظر عن نتائجها. الأخلاق، من هذا المنظور، تُبنى على "الإرادة الخيّرة" والقواعد الأخلاقية العامة التي يجب على الجميع الالتزام بها. الشمولية، التي تدعو الفرد إلى فعل ما يمكن أن يريده في الوقت نفسه كقانون أخلاقي عام، والإنسانية كغاية، التي تؤكد على ضرورة معاملة الإنسانية، سواء في الذات أو في الآخرين، كغاية في حد ذاتها، وليس فقط كأداة لتحقيق غاية أخرى.

تطبيق "حجاب الجهل" كأداة عملية

التحدي الأكبر هو ترجمة هذه التجربة الفكرية الفلسفية المجردة إلى عمليات تطوير تقنية عملية. ومع ذلك، فإن تطبيق "حجاب الجهل" يُحوّل النقاش من "كيف نصلح الخوارزمية؟" إلى "كيف نصلح البيانات وعملية التصميم؟". فهو يُصبح أداة تصميم عملية للفرق الهندسية، مما يجبرها على التفكير في شكل نظام الذكاء الاصطناعي إذا كانوا لا يعرفون جنسهم أو عرقهم أو وضعهم الاجتماعي والاقتصادي. هذا المفهوم يشدد على أولوية "العادل" على "النافع"، ويُعد حلًا للقصور النفعي الذي قد يُبرّر التفاوتات الاجتماعية.

معضلة الخصوصية في عصر البيانات الضخمة

لقد حوّلت التكنولوجيا الرقمية، وخاصة البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، مفهوم الخصوصية من امتداد للذات إلى سلعة ثمينة، يطلق عليها البعض "الذهب الجديد". وبنت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل جوجل وفيسبوك، نماذج أعمالها على جمع وتحليل وبيع بيانات المستخدمين للإعلانات الموجهة. هذا التطور ليس مجرد معاملة تجارية، بل هو تحول جذري في العلاقة بين الأفراد والشركات، حيث لم يعد المستخدم عميلًا، بل أصبح هو المنتج نفسه. هذا التسليع يمس المبدأ الكانطي لـ “الإنسانية كغاية"، حيث يتم اختزال الأفراد إلى مجرد أدوات لتوليد الأرباح، مما يُشكّل انتهاكًا أخلاقيًا عميقًا.

الشفافية والمساءلة

تُبرز الممارسات غير الشفافة لجمع البيانات خطورة هذا الانتهاك. فقد كشف تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس بالتعاون مع باحثين من جامعة برينستون أن جوجل كانت تُسجّل مواقع المستخدمين حتى بعد أن يقوموا بإيقاف خاصية تتبع الموقع. هذا الاكتشاف أدى إلى رفع دعوى قضائية من 40 ولاية أمريكية ضد جوجل، مما أدى إلى تسوية قياسية بقيمة 392 مليون دولار. يوضح هذا المثال أن عدم الشفافية في جمع البيانات، حيث يتم تضليل المستخدمين حول كيفية استخدام بياناتهم، يُعمّق من الانتهاك الأخلاقي الذي يتعارض مع مبادئ "الشفافية" و"المساءلة". هذا الواقع يخلق نوعًا جديدًا من "رأسمالية المراقبة" حيث التتبع المستمر هو الوضع الافتراضي، و"موافقة" المستخدم غالبًا ما تكون خيارًا إجباريًا، مما يجعل الاستقلالية الحقيقية مستحيلة.

التحيز الخوارزمي والفجوة الرقمية

إن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي محايد هو اعتقاد "غير قابل للاستمرار". فالتحيز الخوارزمي يمكن أن ينشأ من عدة مصادر، مما يُظهر أن المشكلة ليست تقنية، بل اجتماعية في جوهرها. فأنظمة الذكاء الاصطناعي ليست متحيزة في الأصل، بل هي انعكاس للعالم المتحيز الذي نعيش فيه.

مصادر التحيز الخوارزمي

تتعلم أنظمة الذكاء الاصطناعي من البيانات التاريخية التي غالبًا ما تعكس تحيزات مجتمعية قائمة. على سبيل المثال، إذا كانت خوارزمية توظيف تُدرّب على بيانات شركة تاريخية كانت تُفضّل المتقدمين الذكور، فمن المرجح أن تُفضّل الخوارزمية المرشحين الذكور في المستقبل، مما يُرسّخ عدم المساواة الموجود بالفعل. هذا يُنشئ "حلقة تغذية راجعة" تُضخّم التحيز الأصلي بمرور الوقت.

التحيزات الواعية أو اللاواعية للمطورين يمكن أن "تتجمد في الشفرة"، مما يجعل من الصعب فهمها أو تفسيرها. هذا يقلل من الشفافية والمساءلة، وهما من المبادئ الأساسية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.

الفجوة الرقمية كعامل لتعميق التفاوت

تُرسّخ الفجوة الرقمية عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية الموجودة بالفعل وتُعمّقها. فهي تُقيّد الوصول إلى التعليم، مما يقلل من فرص الطلاب في المناطق الفقيرة والنائية. كما أنها تُعيق الوصول إلى الخدمات الصحية والخدمات الحكومية الأساسية، مما يزيد من عزلة الفئات المحرومة. على الصعيد العالمي، تخلق الفجوة الرقمية تفاوتًا بين الدول المتقدمة والنامية، مما يُعيق التنمية المستدامة.

إن الفجوة الرقمية ليست ظاهرة سلبية فقط، بل هي قوة فاعلة تُرسّخ الظلم الاجتماعي وتُعمّقه. في "عصر المعلومات"، أن تكون غير متصل رقميًا هو أشبه بأن تكون معزولًا عن المجتمع. هذا يُسلّط الضوء على مسؤولية أخلاقية وسياسية أساسية تتمثل في التعامل مع المعرفة والوصول الرقمي كحق عام، على غرار التعليم أو الرعاية الصحية. فالتغلب على الفجوة الرقمية ليس مسارًا سهلًا، بل هو مسؤولية تتطلب التزامًا جماعيًا لضمان عدم ترك أي فرد وراء الركب في عصر يتسم بالتقدم التقني السريع.

الحدود المتلاشية

أدى التقدم في الذكاء الاصطناعي التوليدي وتقنيات "التزييف العميق" إلى صعوبة متزايدة في التمييز بين المحتوى الذي يُنتجه الإنسان والمحتوى الذي تُولّده الآلة. أصبحت روبوتات الدردشة قادرة على إجراء محادثات طبيعية ومعقدة يصعب تمييزها عن المحادثات البشرية.

على الرغم من هذه المحاكاة المتقنة، تؤكد المصادر على الفروق الجوهرية بين الذكاء البشري والاصطناعي. فالإنسان يتميز بالوعي الذاتي الحقيقي، والعواطف، والإبداع، والبعد الميتافيزيقي أو "الروحي". في المقابل، يعمل الذكاء الاصطناعي "وفق معايير وخوارزميات محددة دون وعي شخصي حقيقي". التحدي هنا ليس تقنيًا فقط، بل هو أخلاقي واجتماعي. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يولد معلومات مضللة ويُلاعب الرأي العام، فإنه يمكن أن يقوّض أسس الديمقراطية والثقة والواقع المشترك.

إن الخطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس أنه سيصبح واعيًا ويستولي على العالم، بل أنه سيُستخدم من قبل البشر للتلاعب ببشر آخرين. فالمسؤولية الأخلاقية لا تقع على عاتق الآلة، بل على عاتق الفاعلين البشريين الذين يصممون هذه الأدوات القوية ويستخدمونها.

معضلة المسؤولية والمساءلة

عند وقوع خطأ من نظام ذكاء اصطناعي، من يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية؟ هل هي الشركة المطورة، أم المبرمج، أم المستخدم؟ هناك "نقص في الرقابة وقبول المسؤولية" في صناعة التكنولوجيا، لا سيما عندما يتم استخدام أنظمة متعددة من أطراف ثالثة.

إن مشكلة المساءلة هي أحد أعراض مشكلة أكبر، أن وتيرة الابتكار التكنولوجي فاقت وتيرة الحوكمة القانونية والأخلاقية. فالنظام الحالي يفتقر إلى الأطر اللازمة للتعامل مع عالم أصبحت فيه التكنولوجيا "خليطًا هجينًا" من أنظمة الطرف الثالث. ويؤكد تقرير اليونسكو على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي "لا ينبغي أن تحل محل المسؤولية والمساءلة البشرية المطلقة". وهذا المبدأ يشدد على أن الرقابة البشرية ضرورية لضمان الاستخدام الأخلاقي. الحل ليس في تحديد المسؤولية بعد وقوع الخطأ، بل في بناء المساءلة ضمن عملية التصميم نفسها. وهذا يتطلب الانتقال من نهج رد الفعل إلى نهج استباقي، مع فرض تدقيق إلزامي، وتوثيق شفاف، وإطار قانوني يُحمّل المطورين والشركات مسؤولية الأضرار المتوقعة لمنتجاتهم.

لا يكفي مجرد الاستجابة للمشكلات التكنولوجية عند ظهورها، بل يجب أن ننخرط في عملية مستمرة من التفكير النقدي والتصميم الهادف، لضمان أننا بينما نبني عالمنا الرقمي، لا نفقد القيم الأساسية التي تجعلنا بشرًا. فالتحدي الأخلاقي للتكنولوجيا هو في جوهره التحدي الفلسفي الدائم لما يعنيه أن تكون فاعلًا أخلاقيًا في عالم سريع التغير. الحل يكمن في بناء منظومة حوكمة شاملة، تُدمج المبادئ الأخلاقية في صميم عملية الابتكار، وتضمن أن التكنولوجيا تُستخدم لخدمة البشرية بأسرها، بدلًا من أن تُصبح أداة لترسيخ التفاوت والتحكم.

***

غالب المسعودي

أصبحت القنوات الشخصية على اليوتيوب والتيك توك العارضة لكل أنواع الهرج والمرج عصية على التعداد، فهي تنبت بشكل مفرط كالعشب الضار دون سقي أو رعاية. كانت في البداية وسيلة لكسر احتكار وسائل الأعلام، العمومية والخاصة، للوصول للجمهور الواسع، ثم تحولت بعد ذلك لجيش من "المؤثرين" المتسولين الذين يتوسلون، بأساليب وضيعة، الجمهور الواسع ليشاهد ويروج تفاهاتهم وأكاذيبهم.

لا يجب أن نخلط بين القنوات المحترمة التي تعرض محتويات هادفة ومفيدة، من دروس ومحاضرات، وندوات ومناظرات، ومختلف المواضيع القيمة في جميع المجالات، وبين من يسمون أنفسهم مؤثرين، يعرضون كل شيء ولا يعرضون شيئاً، يتحدثون عن يومياتهم المملة، يتباهون بما يأكلون ويلبسون، يتكلمون عن علاقاتهم الحميمية بكل وقاحة وقلة أدب، يسبّون ويشتمون، يرقصون ويتمايلون، كل هذا ليضاعفوا من  أعداد مشاهدة تفاهاتهم وسخافاتهم، وليتصدق عليهم أرباب هذه الشبكات السيبرانية، بنصيب زهيد مما يجنونه من مليارات طائلة نظير تشغيلهم لهذا الحشد من المتسوّلين.

كان التسوّل، في زمن مضى، ضرورة يلجأ إليها المساكين والمحتاجين وقليلي الحيلة لسدّ حاجاتهم اليومية، ثم تحوّل إلى حرفة للكسالى والمتواكلين وحيلة للمحتالين، أما الآن فأصبح مصدر رزق للحمقى والتافهين. كان المتسول الكلاسيكي يستحي من الناس ويشعر بانكسار ومذلة وهو يتلقى عطاءات المحسنين، الآن أصبح المتسول السيبراني يتباهى بيده السفلى، ويفتخر بكثرة محسنيه، الذين تحولوا بقدرة قادر إلى متابعين مسحورين. كان المتسوّل المضطّر يختار ناصية في شارع مكتظ بالمارة فينشر منديله كيما يحظى بصدقات ثلة منهم، الآن صار المتسوّل لا يخرج من بيته، استبدل المنديل بهاتف ذكي، ولا يحتاج إلى ناصية في شارع مكتظ فالعالم كله اصبح بين يديه.

كثرت حيل المتسوّلين الجدد فمنهم من ينشر الدجل، ومنهم من يروج للرذيلة والفساد الأخلاقي، ومنهم من يقص يومياته المملة، ومنهم من يلعب على وتر الغرائز الجنسية، ومنهم من يدّعي محاربة الفساد وكشف الفاسدين لإغراء المتعطشين للفضائح وجذب أولئك الفاسدين الذين يتبنون منطق "إذا عمّت خفّت". لا يتطلب احتراف هذه المهنة الوضيعة سوى القدرة على كثرة الكلام وامتلاك الجرأة لقول ما يتحفظ الناس على قوله أمام الملأ، ثم الوقاحة وقلة الأدب والتشّدق بالألفاظ القبيحة والبذيئة.

كلّ ما أقوله لا يخفى على أحد، ولا أريد أن أُذّكر بمساوئ التطور التكنولوجي، فهو مجال له ما له وعليه ما عليه، لكنني أريد أن ألفت نظر القراء الأعزاء إلى الخطر الذي يتربص بالأجيال القادمة جرّاء الانتشار المهول لهذه الظاهرة الاجتماعية المرَضية. فقد كُنّا منذ مدة نخشى من انتشار ظاهرة التسوّل واتخاذها كحرفة من قبل بعض المتواكلين، بدل العمل والكدّ والاجتهاد، لكن بعد أن ظهر المتسوّلون الجدد وتضاعفت أعدادهم بشكل رهيب، أصبحنا نخشى من تبعات هذا التسوّل غير المتوقعة.  لا يكمن خطر هذه الظاهرة فيما يجنيه ملاك هذه المواقع من ثروات طائلة أو فيما ينفقونها، بقدر ما يكمن في التسطيح والتفاهة اللذان اصبحا سمة من سمات هذا العصر، كما في الانحلال الأخلاقي والانحراف الاجتماعي والسقوط في هاوية الجريمة وتعاطي المخدرات.

لم يُطلق على هؤلاء المتسوّلين لقب المؤثرين إلا بعد ما لاحظ الجميع نتائج تفاهاتهم وسذاجتهم، ولاحظ العقلاء آثار سمومهم على الجمهور المتابع لهم من أطفال وبالغين. فمنذ أن انتشرت وسائط التواصل الاجتماعي وفُتح المجال لهذه الفئة من التافهين، زادت نسب الجرائم وتعاطي المخدرات، وسهل الترويج لكل أنواع الانحرافات الاجتماعية، وأصبح التقليل من شأن الضوابط الأخلاقية مجال تخصص هؤلاء "المؤثرين".

لماذا يؤثر هؤلاء المتسوّلون في ملايين المتابعين، ألأنهم متفوقون ومتميزون؟ أم لأنهم يستخدمون تقنيات سيكولوجية لجذب المشاهدين؟ في اعتقادي لا هذا ولا ذاك، فقط لأن المجتمعات الاستهلاكية لا تبحث إلا على الترف والمتعة من خلال الاستهلاك المفرط. هذا ما دفع ملاك مواقع التواصل الاجتماعي لفتح الباب على مصراعيه واتاحت الفرصة لكل من هبّ ودبّ ليُفرغ روثه في عقول المنقادين من المشاهدين، من خلال ما يعرضونه من تفاهات وحماقات، ثم لأن جل مواضيعهم طابوهات ومحرمات  تجذب القصر والمراهقين وفقا لقانون: كل ممنوع مرغوب. 

كنا في عهد سابق نحشى على أبنائنا من جماعة الانتماء أو كما يقال بالدارجة "الشِّلة"، التي كنا نعرف أفرادها كما نعرف ذويهم، الآن أصبحت "الشِّلة" رقيمة تتكتل في جماعات لا يحدّ تعاظمها حدود جغرافية ولا ضوابط قانونية ولا شرائع أخلاقية. أصبحت جماعة الانتماء هذه خليط من الأطفال التائهين، والمجرمين المتنكرين، والمنحرفين والشواذ، والجواسيس المدربين، والمتطرفين الإرهابيين، كلّ هذه الدواب والهوام ظهرت للوجود بفعل تأثير المؤثرين وما ينفثونه من سموم في عقول الأطفال والحمقى والمغفلين من الكبار البالغين.

كان الناس في السابق يتأثرون بالمُجِّد والمجتهد، بالمتفوق والناجح، بالمتمسّك بالأخلاق والمنضبط اجتماعيا، فجأة انقلبت الموازين واختّل سلم القيم، فأصبح المنحرفون أخلاقيا، والمرضى نفسيا، هم المثل الأعلى للمتابعين والمتابعات والمعجبين والمعجبات. فالانضباط الأخلاقي أصبح سلعة نادرة في زمن صارت فيه الوقاحة وقلّة الأدب معياران للشهرة ووسيلتين للاسترزاق وكسب المال .

***

د. تركي لحسن

 

منذ قديم الزمان وحتى اليوم، عرف المجتمع البشري أشخاصاً يرون الكون فوضى: أجزاء تتحرك في كل اتجاه، من دون ترابط بين حركة وأخرى أو تفاعل بين جزء وآخر، أو سبب أو علّة تفسر هذه الحركة أو تلك. في الماضي السحيق ظن بعض البشر أن آلهة تغضب أو ترضى أو تتصارع، فينعكس ذلك في حركة النظام الكوني... إله البحر يغضب فيحرك الأمواج العاتية كي تغرق السفن، أو يرضى فيأتي السمك قريباً من الشواطئ، ويتفاهم إله المطر مع إله الريح فيأتي المطر خفيفاً لطيفاً ليسقي الأرض العطشى، فإذا تخاصما تحول المطر سيولاً جارفة تهلك البشر والشجر.

ساهمت الأديان التوحيدية، ثم الفلسفة، في إقناع البشر بأن الكون نظام واحد، متكامل ومعقول؛ الأمر الذي سمح بالتفكير فيه وفهم العلاقة بين أجزائه. هذه الفكرة حررت العقل البشري من خوف الطبيعة، وسمحت له بالتطلع إلى استثمارها وتسخيرها لتحسين مصادر عيشه. تطور العلوم كان ثمرة لتعمق العقل في فهم الطبيعة ونفوذه إلى أعماق قوانينها، واستيعابه كيفية انتظامها وتفاعلها بعضها مع بعض.

حين انشق حجاب الغيب وانكشفت أسرار الكون، برز العقل قائداً لحياة البشر، فاستبشر به معظمهم. لكن بعضهم شعر بالحيرة إزاء ما سيأتي لاحقاً، وشعر آخرون بالرعب من أن يستثمر فريق منهم القوة الهائلة التي وفرتها عقولهم للتحكم في الضعفاء أو حتى استعبادهم. صعود العقل لم يكن مريحاً لكثير من الناس.

في نحو القرن الـ14 الميلادي، شهد العالم القديم كله تقريباً؛ من غرب أوروبا إلى الهند، تراجعاً في حركة العلم (ومنه علم الدين) وصعوداً مفرطاً في أهمية القوة العسكرية. ونعرف أن هذا النوع من التطورات يؤدي إلى انحسار الأمان النفسي (الطمأنينة) عند عامة الناس، فيعوَّض عنه بنمط ثقافي يلعب دور السلوى والمواساة.

يؤدي بروز هذا النمط الثقافي (نمط السلوى والمواساة) إلى شيوع الوظائف التي تخدمه، وأبرزها تأليف وتلاوة القصص الشعبية («السَّوَالِف» وفق التعبير الدارج في الخليج) وممارسة السحر وادعاء قدرات خارقة. ويسوَّق هذا النمط بتضمينه مواعظ وتوجيهات أو أقاصيص منتقاة من حوادث التاريخ. إن العامل الأكبر تأثيراً في شيوع ثقافة السلوى وازدهار عمل القصاصين، هو إخفاق المجتمعات في حل مشكلاتها؛ من الفقر إلى القهر، أو الشعور بانسداد الآفاق.

هذه هي الأرض التي ينبت فيها العقل الأخباري. منطلق العقل الأخباري هو التسليم بمعيارية النص المروي، وأنه تلخيص صادق للنموذج الأمثل. إنه عقل ينشد الكمال، لكن ليس من خلال اجتهاده الخاص، ولا مكابدة الاكتشاف والتعمق في فهم العالم، بل عبر مطابقة السلوك الحياتي الحاضر بالنموذج الذي جرى تبجيله؛ لسبب ديني أو دنيوي. جوهر الخطاب هنا يعبر عنه القول المأثور: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها». وللمناسبة؛ فهذا المسلك ليس حكراً على المسلمين، فكل الأمم فيها تيار واسع يذهب هذا المذهب. ولدى كل منهم مبررات جديرة بالتأمل.

يتسلح العقل الأخباري بمكتبة ضخمة، مملوءة بتراث الأقدمين من نصوص معيارية، وآراء، وأحكام، وتجارب حياتية... هذه المكتبة تحولت إلى حياة كاملة عند بعض الناس، يتحدث بها وعنها، ويجادل دونها، ويعيد قراءتها وشرحها، وتحقيق شروحات السابقين عليها. وثمة جدال ينهض حيناً ويتراخى فترة أخرى، محوره سؤال متكرر بالشكل والجوهر نفسيهما، فحواه: هل ثمة شيء وراء هذه المكتبة نبحث فيه عمّا يُصلح حياتنا، أم إن معرفة الدين ومراداته وأسراره كلها مخزونة في رفوفها؟

العقل الأخباري شديد الفخر بمكتبته، فكلما ناقش أحد مسألة من مسائل الدنيا، استل الأخباري رواية من هنا أو هناك، فشهرها أمام المتحدث لإيقافه عن كل قول مختلف عمّا ورد في الرواية. أليس «كل الصيد في جوف الفرا» كما قال العربي القديم.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

المقدمة: في عالمٍ يزداد تجريده يومًا بعد يوم، يتحول الإنسان تدريجيًا من كينونة حرة ومعقدة إلى مجرد رقم في سجل، رمز يُختزل إلى بيانات في أنظمة لا تعترف إلا بالكفاءة والإنتاجية. قيمته لا تُقاس بعدله أو إنسانيته، بل بما يضيفه إلى مؤشرات السوق، أو بما يستهلكه في معادلات الحرب والسياسة. الذات، بهذا الشكل، تذوب في بحر من الأرقام التي تُعيد تشكيله، فتغدو حياة الفرد مجرد خانة تُملأ، وتُرتّب بحسب جداول وبرامج لا تميز بين دمعة وفائدة.

هل يمكن لهذه الحسابات الباردة أن تحتضن عمق المعنى الإنساني؟

هل يتحول الإنسان إلى شيء أقل من إنسان حين تُختزل حياته إلى أرقام لا تحمل سوى بيانات؟

وهل ثمة سبيل لاستعادة تلك القيمة التي ترفضها معادلات السوق والحرب والسيطرة؟

هذه الأسئلة تشكل نسيج رحلتنا في تأمل هذه الأزمة الوجودية المعاصرة، حيث سنحاول فهم كيف تحوّل الإنسان إلى رقم، وكيف يمكن مقاومة هذا الاختزال لاستعادة كرامته وقيمته الحقيقية.

من الكينونة إلى الكمية

في بدايات الفكر الإنساني، كان الإنسان يُنظر إليه ككائن يحمل في ذاته معنى خاصًا، لا يُختزل في وظيفته، ولا يُقاس بمدى إنتاجه أو خضوعه للأنظمة. كان الإنسان هو الذات التي تفكّر، تشعر، وتختبر الوجود بكل ما فيه من تعقيد وتناقض. لكن مع صعود العقل الأداتي وهيمنة النزعة الكمية، بدأ هذا الكائن يتحوّل تدريجيًا إلى وحدة قابلة للقياس، إلى شيء يمكن تصنيفه وترقيمه وتبويبه في جداول الإحصاء وتقارير الأداء. لم تعد الذات محلّ اعتبار، بل ما تتيحه من منفعة، وما يمكن استخلاصه منها بأقل كلفة وأكبر جدوى. أصبح الإنسان رقمًا في لائحة المستفيدين، رقما في سجلّات الضرائب، رقما في إحصاءات الحرب، رقما في تقديرات المستشفيات، بل حتى في موته لم يعد يُرى إلا كإشارة على منحنى بياني. وهكذا، صارت الكينونة تُمحى على مذبح الكمية، والإنسان يُفرغ من جوهره ليُعاد إنتاجه كمعطى رقمي محايد لا ذات له ولا مصير.

الإنسان كرقم في سجلّ: البيروقراطية ونزع الوجوه

في دهاليز البيروقراطية، لا يعود الإنسان اسماً أو قصةً أو ألماً، بل يصبح رقماً يتجوّل بين المكاتب، وورقةً تنتظر توقيعاً في درجٍ بارد. تنزع الآلة الإدارية وجهه لصالح رمزه، وتختزل تعقيد وجوده في خانةٍ تُملأ وتُؤرشف. لا أحد يسأل عمّن يكون، بل عمّا يمثّل في النظام: رقم الضمان، رقم الملف، رقم الغرفة. هذه البنية الحديدية لا تتيح المجال للخصوصية، بل تفرض حياداً قاتلاً، حيث لا مكان للتفرد أو المعاناة أو التمايز. حتى اللغة تتبدّل: لا يُقال "امرأة أنهكها المرض"، بل "الحالة رقم ١٤٢"، ولا يُقال "رجلٌ ينتظر معونة"، بل "الطلب ٣٨٧/أ". الإنسان هنا لا يُرى، بل يُستخرج، يُعدّ، يُحسم، ثم يُنسى. وهكذا تتكرّس سلطة غير مرئية تُفرغ الوجود من دفئه وتحوّل حضور الفرد إلى وظيفة ضمن سيرورة لا تعترف إلا بما يمكن ضبطه وتكويمه داخل ملفات. البيروقراطية، في جوهرها، ليست فقط تنظيماً إدارياً، بل مشروع لنزع الوجوه وتفريغ المعنى من العلاقة بين البشر.

الإنسان كرقم في الحرب: الإبادة على طريقة الجداول

في زمن الحرب، يُختزل الإنسان إلى خانة إحصائية لا تُشير إلى ألمٍ أو خوف، بل إلى خسارة محتسبة أو نصر محتمل. لا يُنظر إلى الأجساد المتناثرة ككائنات كان لها بيت، وذاكرة، وأغنية مفضلة، بل كأعداد في تقارير "الخسائر البشرية" أو "الأهداف المحققة". يُقتل الإنسان مرّتين: أولى بصاروخ، وثانية بجملة باردة في بيان عسكري يعلن سقوط "خمسة عناصر"، وكأنهم لم يكونوا إلا ظلالاً بلا حياة. في هذا المشهد، لا مكان للفرد، بل للعدد، ولا قيمة للصوت، بل للنتيجة. الجداول تُدار بدمٍ بارد، تُوازن بين عدد القتلى وعدد الطائرات، بين تكلفة الذخيرة وقيمة الموقع، في محاكاة مروّعة لتحييد المأساة خلف معادلات تشغيلية. حتى صور الضحايا تُستخدم لتغذية خطاب القوة أو المظلومية، لا باعتبارهم بشراً سُلبوا حياتهم. هكذا، تتحوّل الحرب إلى مصنع أرقام، والإبادة إلى عملية إدارية لا تختلف، من حيث البنية، عن ترتيب ميزانية أو تحديث قاعدة بيانات. والإنسان، وسط هذا كله، يصبح رقماً يُمحى بمجرد أن يُحتسب.

الإنسان في ميزان السوق: الرأسمال البشري وتسليع الذات

في قلب السوق، لم يعد الإنسان يُقاس بما هو عليه، بل بما يمكن أن يُدرّه. لم يعد كائناً يبحث عن المعنى، بل مشروعًا استثماريًا يتحرك بين مؤشرات الأداء وتقييمات الكفاءة. يُعاد تشكيل الذات لتتناسب مع متطلبات العرض والطلب، وتُهذَّب الأحلام لتتماهى مع السير الذاتية، فيتحوّل الفرد إلى سلعة تسوّق نفسها بلغة المهارات القابلة للتداول، لا بلغة القيم أو العمق. وهكذا، تُختزل الهوية إلى حزمة من الكفاءات، والوجود إلى وظيفة، والكرامة إلى قابلية التوظيف. يُنظر إلى الجسد باعتباره آلة إنتاج، وإلى الذهن كموارد فكرية يُستنزف لاكتساب "قيمة سوقية". في هذه المنظومة، تتلاشى الحدود بين الداخل والخارج: المشاعر تُضبط لتناسب ثقافة المؤسسة، والانفعالات تُبرمج كي لا تعرقل سير الخطط الاستراتيجية. الذات، في هذا السياق، لا تُصاغ من الداخل، بل تُفصَّل وفق معايير السوق، فيفقد الإنسان استقلاله الداخلي ويغدو قالبًا قابلًا للتشكيل وفق رغبة المستهلكين أو أرباب العمل. تسليع الذات لا يعني بيع الجسد فحسب، بل تسويق كامل الوجود كخدمة تحت الطلب. وبين الرغبة في البقاء والخشية من التهميش، يُضحّي الإنسان بجوهره كي لا يخرج من المعادلة.

نقد فلسفي: هل يمكن للأرقام أن تحتوي المعنى؟

في جوهر السؤال يكمن التباس عميق: هل الأرقام، بطبيعتها المحايدة والكمّية، قادرة على احتواء المعنى، الذي هو بطبيعته كثيف، رمزي، ملتبس، وملون بالتجربة؟ الأرقام تختزل، تصنّف، تفرز، لكنها لا تنصت ولا تشعر. يمكنها أن تحصي عدد الضحايا، لكنها لا تستطيع أن تروي وجع أمّ فقدت طفلها. تستطيع أن تقيّم أداء موظف بدقة عشرية، لكنها تعجز عن فهم قلقه الوجودي. في عالم مهووس بالقياس، يبدو أن الإنسان قد رضي بألا يُفهم إلا بما يمكن عدّه، كأن المعنى الحقيقي صار شبهة أو ترفًا. غير أن ما يجعل الكائن البشري إنسانًا لا يُقاس: الحب، الخوف، الحنين، الذكريات، الكرامة، كلّها عصيّة على التكميم. المعنى، في جوهره، مقاومة ضد الاختزال. إنه ذلك الفائض غير القابل للتفسير، الذي يهرب دومًا من قبضة الأرقام. فكل محاولة لإخضاعه للكمّ، هي تقويض لثرائه وتعدديته. ومن ثمّ، فإن الركون إلى الأرقام بوصفها أدوات للفهم المطلق، ليس إلا ضربًا من العمى الإرادي، يُطمئن به العقل نفسه لأنه عجز عن معانقة الغموض.

مقاومة الاختزال: استعادة القيمة الإنسانية

في وجه هذا الانزلاق نحو الكمّ، تبرز الحاجة إلى مقاومة هادئة، عميقة، لا تُعلن نفسها بالشعارات بل تُمارَس كفعل وجودي. مقاومة للاختزال، لا تستند إلى العنف بل إلى إحياء السؤال: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟ ليست المسألة استبعاد الأرقام، بل رفض هيمنتها على المعنى. أن نستعيد الإنسان من سجلات الحرب، ومن تقارير الأداء، ومن نسب النمو، يعني أن نعيد إليه صوته، ووجهه، واسمه. أن ننتصر لما لا يُقاس ولا يُحدّ: للدمعة التي لا تظهر في بيانات وزارة، ولرعشة اليد التي لا تحصيها أنظمة الجودة. استعادة القيمة الإنسانية تبدأ من الاعتراف بأن الإنسان ليس أداة، ولا مورِدًا، ولا وحدة إنتاج، بل كائن يتجاوز كل ما يُقال عنه، كل ما يُحسب له، وكل ما يُبنى فوقه. أن نمنح الأولوية لما هو نوعي على ما هو كمّي، لما هو عميق على ما هو سطحي، هو الطريق لئلا نتحوّل إلى مجرد ظلال في جدول بيانات.

هكذا، في عالمٍ يتكلم لغة الأرقام، ويقيس الوجود بمسطرة الربح والخسارة، تبدو كينونة الإنسان مهددة بالتآكل الصامت. لا يعود الفرد إنسانًا بل حالة، نسبة، معدل، قيمة مضافة أو عبئًا إحصائيًا. لكن هذا الاختزال لا يخلو من ثغرات؛ ففي الهامش، حيث لا تضيء شاشات البيانات، يستمر الإنسان في التذكير بأنه أكثر من رقم. في الحزن الذي لا يُقاس، في الحب الذي لا يُترجم إلى مؤشر، في الصمت الرافض للانضواء، تتجلّى المقاومة الأعمق. لعل استعادة القيمة الإنسانية لا تكون في رفض التقنية أو الأرقام ذاتها، بل في تحريرها من أوهام الحياد وإعادة توجيهها نحو خدمة الإنسان لا ابتلاعه. وحدها الأسئلة الفلسفية التي لا تنطفئ، القلقة، المتمردة على السكون، قادرة على أن تفتح منفذًا في جدار النظام. ففي النهاية، قد لا يكون خلاص الإنسان في عدّ نفسه بدقة، بل في أن يُنصت لصوته حين يرفض أن يُعدّ.

***

بقلم الكاتب التونسي: مازن جراي

المثقف العراقي وتجربة المناهج التعليمية

يختلف منزعا المثقف والسياسي من حيث طبيعة عمليهما ووظائف تفكيرهما، بين من يمارس الفعل في الواقـع " السياسي " وبين من يتعالى عليه " المثقف "، وهذا يعني أن السياســي تحكمه حركة الآني وما هو كائــن، في حين يتجاوز المثقف ذلك إلى الآتي، وما ينبغي أن يكون، وتتحكم في سلوكية السياسي نزعة برغماتية تجنح في كثير من الأحيان نحو ميكانيكية تبريرية، في حين يميل المثقف إلى نزعة ترقى إلى المثالية التي تهدف إلى صياغة الواقع على وفق معطيات معرفية جديدة، بمعنى الانتقال من الثابت الذي يصر السيــاسي على وجوده، إلى المتغير الذي ينشـــده المثقف؛ لأن الثابت " المعروف " يبقي السياسي الحاكم في سلطتـــه، أما المتغيــر " المجهول " فإنه يحدث خلخلة في الواقع، وتغيُرًا يخشاه السياسي ويفر منه.

ويبلغ التعارض الضدي أقصى مدياته بين المثقف والسياسي في أحد أبرز المتون الثقافية "ألف ليلة وليلة"؛ إذ يتجلى بوضوح بين شهرزاد المثقفة العارفة المطلعة على الكتب والمصنفات والتي حفظت الأخبار، واطلعت على الفنون، فضلًا عن امتلاكها القدرة على التأثير في القص والأداء، ويقابلها السياسي / الحاكم شهريار الذي جعل الشك وسوء الظن وتعميم الأحكام غايته ووسيلته على السواء، واستخدم البطش ببشاعة فائقة، وليس من قبيل المصادفة أن يكون التعارض قائمًا بين السياسي والمثقف، بل إنه اشتمل على تعارض ضدي آخر يقوم على أساس الجنس بين الرجل والمرأة، وكأنه يشير ضمنًا إلى تعارض ثقافي ذكوري وأنثوي.

وإذا كانت شهرزاد قد تمكنت من ترويض الحاكم وشفته من عقده المرضية النفسية المركبة، وتمكنت من إعادته إلى حالته الطبيعية، فإن عبداللّه بن المقفع قدم حياته ثمنًا لنصائحه الرمزية للحاكم في كتابه " كليــلة ودمنة "، ويتبدى التعارض بين الحاكم والفيلسوف " بيدبا ودبشليــم "؛ إذ يمثل الأول كما يقول أستاذنا الدكتور جابر عصفور تمثيلًا رمزيًّا لنموذج الحكيم العاقل ويمثل الثاني الحاكم الباطش، وتبدو كليلة ودمنة أقنعة للمرامي على مستوى التعارض الرمزي بين السيف والقلم، في تلك العلاقة المتوترة التي دفعت عبداللّه بن المقفع إلى القول صراحة " إن الملوك أحوج إلى الكتُاب من الكتُاب إلى الملوك " وكما قال ابن المقفع : "إن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم، وليس الملوك أغنياء عن الحكماء بالمال! "

إن المنهج ليس تأليف كتاب، إنما هو يشبه عمل الرسالة والنبوة مع فارق المثل، طريقة وآليات وتدريب وأدوات. إن الدولة لا تتدخل ما دام السطح الذي تطالعه لا يتعارض مع التوجهات العامة؛ لكنها مهما بلغت تبقى تجهل البنى العميقة التي ارتكزت عليها طبيعة النصوص.

في تعاملي مع تأليف كتب المطالعة من الصف الأول المتوسط إلى السادس الثانوي، كنت أدرك جيدًا النصوص التي يتم اختيارها من الماضي أو من الآخر، لها سياقاتها التاريخية والاجتماعية والمعرفية، ولذلك فإن الجزء الحقيقي هو الذي يختفي تحت الماء من جبل الثلج، وما تراه هو الجانب المرئي!

وليس من المبالغة اذا قلنا إن لكل نص ظاهرًا وباطنًا، الدولة لا ترى إلا الظاهر وربما السطحي، أما المؤلف المثقف صاحب الرؤية يمتلك أنساقًا عميقة لبنيات تحتية وثيرة؛ إنها المسكوت عنه. ولو عدنا إلى التراث لأدركنا أن هناك الكثير ممن كتبوا، وجعلوا المسكوت عنه يبحر بين السطور وإلا، لو أدرك الآخرون طبيعة المسكوت عنه لنحروا من قاله نحرا!

اشترك معي ـــ أساسًا  ـــ في التأليف شخصان انتقلا إلى رحمة الله ـــ زاهد في حياته بروح الصوفـي الدمث –" تركي الراوي"  وآخر مثقف مستقبلي قتلته أياد خبيثة بعد أن اختطفته،  " علي عبد الحسين مخيف " تمامًا مثل الحلاج والسهروردي.

كنا نضع نصب أعيننا أن تكون كتب المطالعة تشكل رؤية التلميذ؛ بحيث يكون قادرًا على تذوق النصوص وتأملها، وأن تفتح أمامه آفاقًا معرفية عديدة، كان لابد أن يطلع على جوانب ثرية من التراث، وبخاصة في الجوانب التنويرية، هذا فضلا ً عن نصوص قرآنية وأحاديث نبوية.

ففي تعاملنا مع النصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة اعتمدنا منهجًا يقوم على شرح هذه النصوص، وتفسيرها وتحليلها، في الصفوف الأولى والثانية والثالثة المتوسطة، ولكننا في الصفوف الرابعة والخامسة والسادسة الإعدادية اعتمدنا طريقة أخرى؛ بحيث نزود الطالب بتأملات التراثيين للقرآن الكريم، ولذلك اخترنا الرماني والباقلاني والشريف المرتضى يتعاملون مع النصوص القرآنية، وهم من مدارس فكرية مختلفة.

وكان جل اهتمامنا أن يطلع التلميذ على جرعات مختلفة ومتنوعة من الأدب والفكر والثقافة، وجعلنا الأولوية للأدب والفكر والثقافة العراقية، ثم تليها الثقافة العربية والعالمية ولقد زودنا التلميذ بنصوص عربية مختلفة ونصوص أجنبية من الأدب الإنكليزي والروسي والفرنسي وحتى الصيني!

وتنوعت النصوص بين شعرية ونثرية ومعرفية يمتح جزءًا منها من التراث، وكلها يهدف إلى الارتقاء بالذائقة الأدبية والمعرفية، واستجلاء جوانب جديدة ذات طوابع تنويرية.

وكنت أدرك تمامًا أن الثقافة العراقية المعاصرة تتميز بالتنوع والتعدد والتباين، وكنت أدرك أيضًا أن هذه الثقافة ليست كتلة مصمتة ومعلقة في الفراغ، وإنما هي عجينة لدنة قابلة للتشكيل والتحوير والتغيير، فهي تماما ً كالواقع لا تعرف الثبات والاستقرار، بل هي في صيرورة دائمة.

***

د. كريم الوائلي

مفكرون يهود ضد الصهيونية (2)

بعد أن تكلمنا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة عن باروخ اسبينوزا، نحاول الآن تسليط الضوء على موقف المفكر الألماني كارل ماركس (1818-1883م) من الحركة الصهيونية، وكما هو معلوم أن ماركس في تنظيراته لما يُعرف بالفلسفة الماركسية كان ينظر الى جوهرية الصراع الطبقي وأُسيته في المسار التأريخي فيما يُعبر عنه بــــ(المادية التأريخية)، وربط الدين بوصفه أحد تعبيرات البنية الفوقية، والتي بدورها تنتظم وفق علاقتها بالبنية التحتية، ومن ثم أن أي مقاربة تهدف الى بيان موقفه من الدين، أي دين كان، ستكون نتيجتها منسجمة مع موقفه السلبي من المعتقدات الدينية التي هي أدوات هيمنة يمارسها المستغِل-بكسر الغين- على المستغَل-بفتحها-، مع تفاصيل وتضاعيف متوشجة باليهودية والصهيونية سنتطرق لها بعد مرور مختزل على حياته.

ولد كارل ماركس في مدينة ترير في ألمانيا لأسرة يهودية، إلا أن والده إعتنق المسيحية البروتستانتية لأسباب سياسية وإجتماعية، وهي الأسباب التي تتعلق بالمسألة اليهودية، وإشكالية إندماج اليهود في المجتمع الأوربي المسيحي ديانةً، والساعي إلى بناٍء ليبرالي ديمقراطي سياسةً وإقتصاداً وإجتماعاً، مما كان سبّب إشكالية كبيرة داخل المجتمعات الأوربية في وجود جماعة دينية عصية على الإندماج، وقد درس ماركس الفلسفة والحقوق في جامعات بون وبرلين ويينا، ليحصل على الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة الأخيرة، وإشتغل في الصحافة الراديكالية في ألمانيا، وبسبب مواقفه وآرائه تعرض للنفي بإستمرار، وتعرف على رفيق دربه فردريك أنجلز (1820-1895م) في باريس عام 1844م، ليشكلا ثنائياً في مشروع التنظير للثورة العمالية، وكتابة البيان الشيوعي عام 1848م، عبر دعوة الطبقة البروليتارية في العالم للإتحاد وتنسيق الجهود في مواجهة رأسمالية الطبقة البرجوزاية سعياُ وراء تحقيق الإشتراكية في مسار الترسيمة التأريخية التي آمنا بها، والتي نهايتها في الشيوعية المُعبرة عن المحطة الأخيرة لقطار التأريخ الانساني.

كان الفقر ملازماً لكارل ماركس بشكل مثير، الأمر الذي قاده الى الاعتماد المالي، ولمدة ليست بالقليلة، على دعم صديقه أنجلز، وقد كتب عدداً كبيراً من المؤلفات من أهمها (رأس المال) الذي حلل فيه طبيعة الرأسمالية وعلاقتها بفائض القيمة والأغتراب الطبقي وغيرها، نشر المجلد الأول منه في حياته، ليكمل أنجلز المجلدين الثاني والثالث لاحقاً بناءٍ على مخطوطاته (1)، وثمة مقولة مشهورة توضع في بعض الطبعات لكتبا رأس المال تنص على مفارقة حاله، تقول (لقد رحل صاحب رأس المال، ولم يكن يملك رأس مالٍ لشراء علبة سجائر)!

وفيما يتعلق بموقفه من الحركة الصهيونية، بالإمكان تلمسّه بوضوح عبر كتابه (حول المسألة اليهودية)، وهو في الأصل رد على كتاب (المسألة اليهودية) لبرونو باور (1809-1882م) المنشور عام 1843م، فجاء رد ماركس على طروحات باور الشاب الهيغلي المندفع بقوة إتجاه الدولة العلمانية التي لا مكان فيها للدين، إذ ذهب باور إلى أن الحرية السياسة والدولة الديمقراطية لا يمكن أن تتماشى مع الفكر الديني اليهودي، ومن ثم على اليهود أن يتخلوا عن هويتهم الدينية، وينخرطوا داخل دولة ليبرالية علمانية تتقوم بفكر حقوق الانسان والمساواة.

وقد رفض ماركسُ رأي باور القائل إن طبيعة الديانة اليهودية تمنع اليهود من الاندماج. وبدلاً من ذلك، هاجم ماركس صياغة باور للمسألة نفسها، أي سؤال: هل يمكن لليهود أن يصبحوا محرَّرين سياسياً؟، معتبراً أن هذه الصياغة تُخفي في جوهرها طبيعة التحرر السياسي نفسه، مما جعل ماركس يستغل فرضية باور كفرصة لتحليل الحقوق الليبرالية من منظوره، ورأى أن باور أخطأ حين افترض أن الدولة العلمانية تعني أن الدين سيتوقف عن لعب دور بارز في الحياة الاجتماعية، واستشهد ماركس بالولايات المتحدة مثالاً على ذلك، إذ لا توجد ديانة رسمية للدولة، ومع ذلك ظل الدين واسع الانتشار، ومن وجهة نظر ماركس، لم تكن الدولة العلمانية مناقضة للدين، بل كانت تفترض وجوده، فإلغاء الشروط الدينية أو الملكية للحصول على المواطنة لم يكن يعني إلغاء الدين أو الملكية، بل على العكس، كان يطبع كليهما بطابع طبيعي، ويقدّم طريقة للتعامل مع الأفراد بمعزل عنهما.

وبعبارة أخرى، يعتقد ماركس أن جوهر المشكلة فيما يتعلق بالمسألة اليهودية لا يتعلق بذاتية الديانة اليهودية، بقدر تعلقها بواقع الليبرالية الغربية نفسها، أي في أُس التحرر في المجتمعات الأوربية، فلن تحل المشكلة في تخلي اليهود عن اليهودية، بما هي دين، بل بطبيعة التحرر الذي تسعى اليه الليبرالية في المجتمعات المسيطرة عليها، كما أنها تتعلق بالجماعة اليهودية الدنيوية وسلوكهم الأناني غير الأخلاقي، الأمر الذي دفعه الى التمييز بين نوعين من التحرر(2):

التحرر السياسي: تبرز معالم هذا التحرر بشكل واضح من خلال تحرر الدولة من العوائق التي تقف في طريقها، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة تحرر الانسان بالمعنى الدقيق للتحرر، وإنما ندخل في حالةٍ من الإحلال أو الاستعاضة، فيتحرر الفرد السياسي، وفي الوقت ذاته، يُصار الى تدمير وطمس الانسان ووجوده، أي أنها حرية شكلية في نطاقها السياسي، إذ أن تحرير هذا الفرد أو ذلك، مع التأكيد هنا على الفردية، لا يعني بالضرورة تحرير الانسان، والسبب في الرؤية الماركسية أن الفرد سيبقى أداةٍ خاضعة لسيطرة وسلطة الدولة.

التحرر الانساني: التحرر الحقيقي الذي يكون الانسان فيه حراً في حقيقته، منعتقاً من الاغلال والقيود كافة، ومن هيمنة الدولة وسيطرة التي تخضعه بشتى الوسائل داخل إرادة القهر الرأسمالية/الليبرالية، وهذا ما لم يتحقق في الدولة الليبرالية الغربية، فهل أسهم التحرر السياسي الى إقرار حالةٍ من المساواة الاقتصادية؟ بالتأكيد كلا، ولم يفض إلى الاهتمام بالجانب الاقتصادي على عين الوتيرة في الاهتمام بالجانب السياسي، مما يعني ان التحرر السياسي في جوهره لم يكن تعبيراً عن التحرر الإنساني.

من هنا يهدف ماركس الى الوصول الى نتيجة أن الحرية المدنية والسياسية لليهود، والتخلي عن اليهودية تبعاً لدعوة باور، ليست حلاً جذرياً للمسألة اليهودية، بل هو في التحرر الانساني الكامل، وعلينا أن لا نغادر هنا الثيمة المركزية التي يستند إليها ماركس ورفاقه في النظر الى الدين، أي دين، بوصفه من تعبيرات البنية الفوقية، ومن ثم طبيعة علاقتها الإشكالية مع البينة التحتية، وهم ينظرون إلى الدين بوصفه واحداً من نتاجات الصراع الطبقي في مسار المادية التأريخية، وبعبارة أخرى، أن الرؤية الماركسية تبقى ناظرة الى الدين على أنه واحدة من عقبات التحرر أمام الوعي الطبقي المنشور للبروليتارية العالمية في مسارها نحو الاشتراكية، سواء أكان هذا الدين يهودية أم سواها.

إلا أن ماركس يعطي خصوصية في موقفه من الصهيونية من خلال تمييز آخر بين اليهودية كحالة مثالية مجردة لليهودي، وبين اليهودية الدنيوية الواقعية، إذ يرى أن اليهود الواقعيين داخل المجتمع الغربي، أي يهود الحياة اليومية العادية، يعملون على إستغلال دينهم كغطاء لتحقيق الاهداف الدنيوية المقيتة، لذا يتساءل (ما هو العمق الدنيوي لليهودية؟ أنه الحاجة العملية، المنفعة الشخصية، وما هو الطقس الدنيوي لليهودي؟ إنه التجارة غير المشروعة، وما هو الإله الدنيوي لليهودي؟ إنه المال!)(3) ، هكذا يعمد ماركس الى بيان الحقيقة الواقعية للمجتمع اليهودي، وآليات تفكيره القائمة على المنفعة الشخصية والأنانية والتدميرية، وبغض النظر عن إختلافنا معه في التمييز بين الحالة المثالية اليهودية كدين، والواقعية الدنيوية لليهود، إذ نعتقد أن المتن اليهودي يشترك في هذه الطبيعة الاستغلالية التي يمارسها اليهود إتجاه المجتمعات التي يعيشون فيها، فإن ماركس يريد أن يؤشر حقيقة أن التجارة غير المشروعة التي يمارسها اليهود، والعقلية المادية الانتهازية التي يعملون وفقها، ما دامت مهيمنة على ميكانزمات تفكيرهم لن يتمكنوا من التحرر، ومن ثم لا يستطيعون المساهمة في التحرر الانساني بشكل عام.

إذ أن المسألة اليهودية تكشف عن فساد المجتمع البرجوازي. ويتهم ماركس اليهودية بمسؤوليتها -في آخر المطاف- عن استلاب الإنسان لأنها نشرت تصورا عن العلاقة مع العالم تقوم على الحاجة الأنانية والتجارة غير المشروعة، وإذا نجحت اليهودية في الاستمرارية حتى اليوم فسبب ذلك هو أن التّهوّد صار دنيوياً ومنتشراً في المجتمع البرجوازي الذي تبنّى الروح العملية المميزة لليهود، فهؤلاء جعلوا من المال أسمى هدف، ولوثوا ذهنية الشعوب الأوروبية بذلك. يقول ماركس (لقد تحرر اليهودي بطريقة يهودية، ولم يتم ذلك بتحوله إلى سيّد للسوق المالية، ولكنه تمّ لأن بفضله ومن خلاله تحول المال إلى قوة عالمية، وتحولت الروح العملية اليهودية إلى روح عملية للشعوب المسيحية. لقد تحرر اليهود بتحول المسيحيين إلى يهود)

لقد صار المجتمع كله اليوم في خدمة إله المال، هذا الإله الذي يحول كل شيء إلى سلعة. ومن الناحية العملية، يُعلّم ُ هذا الدين الدنيوي احتقار الطبيعة والحياة والعقل والفن والتاريخ والإنسانية كما أنه يختزل كل شيء في الملكية الخاصة.(4).

وعلى الرغم من التحليل الذي يرى أن ماركس هنا لم يكن نقده لليهود كيهود تحديداً، وإنما كرؤية نفعية داخل المجتمع الرأسمالي، وهذا لا يخلو من صحة، إلا أن علينا أن لا نغفل أنه تكلم في سياق الحديث عن المسألة اليهودية، وإشكالية الاندماج لهذه الجامعة داخل المجتمعات الغربية، وهو يريد أن يوصلنا الى ان حل المسألة اليهودية يكمن في طرفي المعادلة، من جهة في إعادة تعريف مفهوم التحرر، ونقله من الاختزال في التحرر المدني السياسي الى التحرر الانساني الشامل من جهة، وفي ضرورة مغادرة العقلية المادية النفعية/الأنانية التي توصم الشخصية اليهودية، والتي يربطها بنمط بحالة العقل الرأسمالي الذي يفكر بهذه الذهنية.

وهكذا يتضح أن ماركس مان رافضاً للمبدأ الصهيوني الداعي الى إقامة دولة خاصة لليهود في فلسطين، ولذلك وقف على الضد من مجايله (5) الألماني موسس هس (1812-1875م)، وشريكه في درب الاشتراكية، إذ كتب هس كتاب (روما والقدس) عام 1862م، دعا فيه الى ضرورة إنشاء وطن لليهود في فلسطين، وعلى عكس التصور الاقتصادي الطبقي للثورة التحررية الإنسانية لدى ماركس وأنجلز، رأي هس أن المرحلة القومية ضرورية في كل البلدان من أجل الانتقال إلى المجتمع الاشتراكي، وقد اعتمد نموذج النهضة الإيطالية مثالًا لما سماه بـ”الإنبعاث اليهودي” المنشود، وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يمكن اعتباره الوثيقة الأولى للمشروع الصهيوني، إلا أنه لم ينل اهتمامًا يذكر في الأوساط اليهودية، وإن كان هرتزل في كتابه “دولة اليهود” الصادر سنة 1896 أشاد به، واعتبر أنه قال كل “ما يتعين قوله"(6).

رفض ماركس دعوة هس، ومبرراتها، عادّاً أنها تقوم على مبدأ مغاير للطريق التحرري صوب الاشتراكي، ونكوصاُ صوب العودة الى الرؤية المنغلقة القائمة على البحث عن حلول عرقية للمسألة اليهودية، فضلاً عن البعد القومي الخصوصي الذي كان موقف ماركس على الضد منه، إذ ينطلق من البعد العالمي في التفكير والموقف.

***

د. محمد هاشم البطاط

........................

المصادر:

(1) للمزيد عن حياة كارل ماركس وتفاصيلها، ينظر:

David McLelln, Karl marx; A Biography, 4th edition, Palgrave Macmillan 2006,

(2) Karl Marx, In the Jewish Question, in; Early Writings, translated by: Rodney Livingstone and Gregor Benton, Penguin Classic, 1992, p211-241.

(3) Karl Marx, In the Jewish Question, op.cit. p218.

(4) محمد الهلالي، كارل ماركس: حول المسألة اليهودية، على الانترنت: www. https://hadfnews.ps

(5) ثمة تضارب في الأقوال بين من يرى أن ماركس كان أستاذاً لهس، ومن يرى العكس، إلا أن الثابت هو أن كلاهما إنطلقا من الفكر الهيغلي بنزوع إشتراكي، وإختلفا في طريق الاشتراكية لكل منهما، ونقد كل منهما الاخر، ومن الجدير بالذكر أن هس تحول لاحقاً الى المبنى الفكر الصهيوني، وصار من دعاته البارزين.

(6) السيد ولد أباه، ماركس ونموذج التحرر الإجتماعي، على الانترنت: www. https://ardd-jo.org/blogs

 

رغم وضع حمورابي بنود شريعته قبل ما يقرب من أربعة الاف عام (توفي حمورابي عام 1750 قبل الميلاد)، لم يتوان عن توخي العدالة في احكامه رغم ما جاء فيها من شدة واللجوء الى عقوبة الاعدام في بعض الحالات. ولا شك انه استفاد من الشرائع التي وضعت قبله مثل شريعة اوركاجينا (ينظر مقالنا)، ومن الطريف أنه اهتم بتفصيلات دقيقة شملت حتى خزن المواد الغذائية واجرة الخزن التي يجب دفعها.

شريعة حمورابي التي تقرب من ثلاثمائة مادة قانونية شملت النشاطات التجارية والاجتماعية والعلاقة الزوجية.

في المادة 148 نقرأ مايلي:

(إذا سيد تزوج امرأة واصيبت بمرض وأراد أن يتزوج ثانية فله أن يتزوج ولا يجوز أن يطلق زوجته التي اصيبت بالمرض وأنها تسكن في البيت الذي بناه وعليه أن يعيلها طالما هي في قيد الحياة.)*

في هذه المادة يحاول المشرع الحفاظ على حقوق الزوجة وانصافها، بينما نجد في بعض الشرائع الحديثة اهمال حقوق الزوجة وغمط حقوقها واستغلالها مادامت تلبي نزوات الرجل والتخلي عن اعالتها اذا مرضت او اصيبت باعاقة تمنعها من اداء وظيفتها الزوجية.

أما اوركاجينا فقد اعفى في شريعته، وهي سابقة لشريعة حمورابي - الارامل والايتام من الضريبة.

ولا بأس من اعادة نشر مقال قانون اوركاجينا ضمن هذا السياق.

قانون اوركاجينا

عرف اوركاجينا** بمحاربة الفساد، ويعرف قانونه الذي سنه لمحاربة الفساد بانه اول قانون من نوعه في التاريخ، صدر قبل قوانين حمورابي. رغم ان النص الاصلي للقانون لم يعثر عليه، لكن الاشارات في القوانين اللاحقة تكشف ذلك.

 في قانونه اعفى الارامل والايتام من الضريبة.

وفرض على حكومة المدينة دفع تكاليف الجنازة والانتقال الى العالم السفلي بما في ذلك تكاليف طعام وشراب المأتم.

أمر الاغنياء الدفع بالفضة حين يشترون من الفقراء، واذا ما رفض الفقير بيع بضاعته فلا يسمح للغني (او الكاهن) اجبار الفقير على البيع.

يعد قانون اوركاجينا افضل مثال على الاصلاح الحكومي، قانون يطمح لتحقيق العدالة والحرية.

حدد صلاحية الاغنياء - الكهنة، رجال المعبد - واصحاب الاملاك الاغنياء.

واتخذ خطوات حاسمة ضد الربا، والضرائب الباهظة، الجوع، السرقة، القتل، والاستيلاء على اموال الاخرين.

 ينص في احدى فقراته:

الارامل والايتام لم يعودوا تحت رحمة الرجال الاقوياء - الاغنياء -.

وبالرغم من هذه المحاولات لكبح جماح الطبقة العليا في المجتمع الا ان رفاهية الفئات الغنية ازدادت وعلى الاخص النساء. واصبحت زوجته شاشا، او شاغ شاغ (شاه شاه ؟)، شخصية غنية رفيعة .

حكم اوركاجينا في القرن 24 قبل الميلاد.(2380 ق م - 2360 ق م) وتناوب في الحكم باسم اورو اينيم جينا، اواسم اريكا جينا واصبح ملكا على مدينة لجش، اختارته الالهة على اثر سقوط الملك الفاسد لوجالاندا.

جاء في اللوح الذي عثروا عليه ما يلي :

هو اورو اينم جينا Uruinimgina حفر القناة الى مدينة نينا، في بدايتها شيد مدينة اينينو Eninnu وفي نهايتها شيد مدينة ايسيراران Esiraran.

مـُدح اوركاجينا في الشعر السومري باعتباره مصلحا اجتماعيا في لجش.

***

د. مؤيد عبد الستار

....................

* شريعة حمورابي، ترجمة محمود الامين، دار الوراق، لندن، ط1 2007.

** رابط مقال /قانون اوركاجينا

https://iraqicparchives.com/index.php/sections/platform/54627-2017-02-14-18-40-35

ينظر كذلك مقال : اعمدة اشوكا وشريعة حمورابي

https://www.iraqicp.com/index.php/sections/platform/68412-2025-08-21-16-20-40

- ترجم صاموئيل نوح كريمر بعض قوانين اوركاجينا عام 1964.

- لوح قانون اوركاجينا محفوظ في متحف اللوفر / باريس.

"مبادرة ريادة والمبتكر الجديد"

تمثل المبادرات الحديثة لوزارة التربية ووزارة التخطيط في العراق – "مبادرة ريادة" و"المُبتكر الجديد" – نقلة نوعية في مسار التعليم والتنمية البشرية، تجسيدا عمليا للافكار التي طالما ناديت بها في سياق تعزيز التفكير النقدي، وترسيخ الحرية الفكرية، وبناء بيئة حاضنة للابداع والابتكار. هذه البرامج بنظري ليست خطوات اصلاحية فحسب، بل هي استجابة ملحة لمتطلبات العصر، حيث يصبح الابتكار ركيزة التقدم، والتفكير الحر اداة التغيير.

"مبادرة ريادة"

تاتي "مبادرة ريادة"– التي اطلقتها وزارة التربية بالشراكة مع مكتب رئيس مجلس الوزراء – كخطوة من التعليم التلقيني الى اقتصاد المعرفة وكاطار استراتيجي لتحويل التعليم الثانوي والاعدادي من حيز التلقين الى فضاء الابداع. المبادرة، التي تنسجم مع دعواتي المتكررة لربط التعليم بسوق العمل، تعزز الثقافة الريادية عبر تحفيز الطلبة والمدرسين على تبني مشاريع قائمة على حل المشكلات بمنهجيات مبتكرة. وهذا يتطلب دعما مؤسسيا مستمرا لضمان: 

-  تطوير مناهج تركز على التحليل النقدي بدل الحفظ. 

-  تدريب المعلمين على اساليب التعلم القائم على المشاريع. 

-  ربط المدارس بقطاعات الصناعة والخدمات لتحويل الافكار الى منتجات ذات اثر ملموس. 

 "المُبتكر الجديد":

اما مبادرة "المبتكر الجديد" لوزارة التخطيط، فهي تعكس فهما عميقا لاهمية المراحل المبكرة في صقل العقول المبتكرة ولغرض تاسيس جيل الابتكار من الطفولة. البرنامج – الذي يستهدف طلبة الابتدائي والمتوسط – يلتقط جوهر الاولويات حول ضرورة "بناء الثقافة الابتكارية من الصغر"، عبر: 

- تحفيز الفضول العلمي والبحثي لدى الاطفال. 

- دمج الانشطة الابداعية (كالروبوتكس والبرمجة) في المناهج. 

- توفير مسابقات ومختبرات ابتكار تدعم التفكير الحر خارج النمطية. 

 رؤية تكاملية

التكامل بين المبادَرتين، بالرغم من صدورهما من جهتين مختلفتين، سيشكل نسيجا متكاملا لرعاية الموهوبين من مرحلة الطفولة حتى الشباب، وهو ما طالبت به في سياق الدعوة لـ استراتيجية وطنية للابتكار. الا ان ضمان نجاحها يتطلب: 

1. التنسيق الكامل بين الوزارتين لضمان نجاح التجربتين.

2.  مأسسة البرامج عبر ادراجها في السياسات التعليمية الدائمة، وليس كحملات مؤقتة. 

3. تمكين المعلمين بتأهيلهم كمرشدين للابداع، لا مجرد ناقلين للمعلومات. 

4. شراكة القطاع الخاص لدعم المشاريع الطلابية ماديا وتقنيا. 

5. قياس الاثر عبر مؤشرات اداء تركز على جودة المخرجات الابتكارية، وليس الكم. 

 من الافكار الى الانجازات 

هذه المبادرات تمثل بداية الطريق لتحقيق الحلم الذي ننشده: عراق ينتج مبتكرين لا متلقين ومفكرين لا حفظة. ولكي تتحول الرؤية الى واقع، يجب ان تكون جزءا من خطة اوسع تشمل: 

-  اصلاح المنظومة التعليمية برمتها لتعزيز الاستقلالية الفكرية. 

-  توفير بيئة حاضنة للمخترعين (مثل حاضنات التقنية في الجامعات). 

-  تبني سياسات تشجيعية (كبراءات الاختراع والتمويل الحكومي). 

انني اكرر دعوتي لجميع الجهات المعنية الى البناء على هذه الجهود، وعدم تركها حبيسة الاعلانات الصحفية، لان الاستثمار في العقول هو الاستثمار الوحيد الذي ينتج مستقبلا مزدهرا. فعراق المستقبل – كما رايتُ دائما – يبنى بايدي ابنائه المبدعين، وبعقولٍ تتحدى السائد، وتصنع المستحيل. 

***

د. محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي

يواجه العصر الحديث مفارقة وجودية عميقة؛ ففي الوقت الذي تعجّ فيه الحياة بالتحديات الاجتماعية والفردية المعقدة، يسود اعتقاد بأن الفلسفة ليست سوى ترف عقلي وجدليات ديالكتيكية عديمة الفائدة. تُنكر أهميتها أحياناً وتُتهم بأنها "ثرثرة" أو "مضيعة للوقت"، بينما يُنظر إلى الفلاسفة على أنهم ذوو قدرات محدودة يخوضون في قضايا تجاوزها الزمن. يهدف هذا الموضوع إلى دحض هذه النظرة من خلال تحليل مفاهيم فلسفية أساسية كالكسل والفضول، كما تجلت في الفكر القديم والمعاصر، وتقديمها كأدوات حيوية لتحقيق الوعي والسكينة في عالم مضطرب.

في الحقيقة لا يمكن فصل السؤال الفلسفي عن الحياة الاجتماعية للإنسان، فالفلسفة لم تغفل يوماً عن قضايا ومشاكل الناس وشأنهم العام. إنها ليست مجرد دراسة نظرية، بل هي ممارسة تهدف إلى تخفيف المعاناة وتشكيل الذات وإعادة تشكيلها، ودعوة لكل إنسان لتغيير نفسه. هذه المفاهيم سأتناولها واقارن بين وجهات نظر متناقضة لفيلسوفين عظيمين، سقراط وأبيقور، ثم الربط بين هذه المفاهيم وأهمية التفكير الفلسفي في الحياة اليومية، مع التأكيد على أن الفلسفة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة مستمرة للتفكير الواعي والعمل العقلاني.

الكسل الفلسفي: من العطالة السلبية إلى الإبداع المنتج

يُعد مفهوم "الكسل الفلسفي" أحد أكثر المفاهيم الفلسفية إثارة للجدل، وذلك لكونه يتناقض مع النظرة التقليدية للكسل كعطالة أو خمول سلبي. الكسل السلبي هو حالة من الفتور والإمعان في السلبية، تُصيب الإنسان وتجعله يُحجم عن القيام بما يجب عليه. هذا النوع من الكسل هو ما تسعى الفلسفات الموجهة، مثل مفهوم "كايزن" الياباني، إلى التغلب عليه من خلال التحسين المستمر والجهد التدريجي، وتقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة.

الفضول: من الرغبة المعرفية إلى التساؤل الفلسفي

يُعد الفضول محركاً أساسياً للوجود الإنساني، وهو دافع فطري قاد أعظم الاكتشافات العلمية والفلسفية على مر التاريخ. وكما يرى أرسطو، فإن الدهشة هي التي دفعت الناس إلى التفلسف، وهي تتطلب درجة عالية من العقل. يكمن جوهر الفضول في الذهاب نحو المجهول، نحو ما لا نعرفه، وهو استعداد الفرد لشيء مغاير لما هو معهود.

يمكن التفريق بين نوعين من الفضول: الفضول الفكري والفضول الفلسفي. الفضول الفكري هو الرغبة في سد "فجوة معلوماتية" معينة، أو البحث عن إجابات تفسر ظاهرة محددة. مجاله هو العالم المحسوس والمادي، وهدفه اختبار الفرضيات بناءً على البيانات الواقعية. هذا الفضول، رغم أهميته، قد يكون سلبياً إذا تحول إلى "تطفل".

أما الفضول الفلسفي، فهو رغبة أعمق وأشمل. إنه ينطلق من الدهشة ويسعى للبحث عن الحقائق الجوهرية والأساسية التي تحيط بالواقع والوجود. إنه يجعل من كل شيء موضوع تساؤل ونقاش وسجال، وهو ما جعل الفيلسوف كارل ياسبرز يرى أن "الأسئلة في الفلسفة أهم من الإجابات عليها". الفضول الفلسفي هو مستوى أعلى من التفكير يتجاوز مجرد جمع المعلومات، فهو يختبر الافتراضات الموجودة في السؤال نفسه.

يمكن النظر إلى الفضول الفكري كشرط ضروري، ولكنه غير كافٍ للفضول الفلسفي. يبدأ الإنسان بفضول فكري حول ظاهرة معينة، ثم عبر التحليل والتساؤل النقدي، يتحول هذا السؤال إلى إشكالية فلسفية تتطلب تفكيراً أعمق. إن الفضول، وفقاً لعلماء النفس، سلاح ذو حدين، حيث يجب تحقيق التوازن. إذا كانت الفجوة المعلوماتية كبيرة جداً، يصبح السؤال مرهقاً، وإذا كانت صغيرة جداً، يسبب الملل. الفضول الفلسفي يتطلب هذه الموازنة الدقيقة؛ فهو يبحث عن الأسئلة الصعبة والمدهشة دون أن يستسلم للشك المطلق أو اليقين الزائف.

المواجهة الفلسفية: سقراط ضد أبيقور

يُعرف سقراط بأنه فيلسوف الاستبطان وفحص الذات بامتياز، وتُعد مقولته الشهيرة "الحياة غير المفحوصة لا تستحق العيش" إحدى أهم معتقداته التي تحدد معنى العيش حياة فلسفية. هذه المقولة ليست دعوة للتحليل الأكاديمي، بل هي تحدٍ جريء للعيش بوعي وقناعة، من خلال إعادة النظر في القيم التي نعتبرها مسلّمات. كان سقراط يرى أن الغرض الأساسي من الفلسفة هو جعل حياة المرء أفضل من خلال جعله شخصاً أفضل، ويربط ذلك مباشرة بالمسائل الأخلاقية.

تُعد فلسفة سقراط فلسفة مواجهة لا هروب. هو يواجه الآخر في الحوار ليجعله يواجه نفسه، ويواجه المجتمع بتحريضه على التفكير في الأخلاق والقيم بدلاً من جمع المال والشهرة. إنها فلسفة نشطة، اجتماعية، وأخلاقية، تهدف إلى إصلاح الفرد والمجتمع من خلال العقل. هناك علاقة سببية مباشرة بين منهجه وغايته؛ فالمنهج القائم على الاستجواب والنقد هو الوسيلة للوصول إلى الغاية المتمثلة في الحياة الفاضلة. إن غاية الحوار ليست كسب النقاش، بل توليد الحكمة ومعرفة الذات.

أبيقور: السكينة الداخلية كهدف أسمى

في المقابل، قدم أبيقور رؤية مغايرة تماماً للسعادة، تتلخص في الوصول إلى حالتين: "الأتاراكسيا" (السكينة والهدوء النفسي) و"الأبونيا" (غياب الألم الجسدي). يرى الأبيقوريون أن الخوف هو أكبر عدو للسعادة، وأن التخلص منه هو الخطوة الأولى نحو حياة هادئة ومليئة بالسلام الداخلي. سعى أبيقور لتحرير العقل من المخاوف الأساسية التي تشلّه. أولها الخوف من الموت، الذي اعتبره غير منطقي؛ فالموت هو نهاية الوعي، وبالتالي لا يوجد وعي أو إحساس بالألم بعده. حجته الشهيرة في هذا الصدد هي: "عندما نكون نحن، يكون الموت غائباً؛ وعندما يكون الموت، نكون نحن غائبين". وثانيها الخوف من الآلهة، حيث اعتقد أبيقور أن الآلهة، رغم وجودها، لا تتدخل في حياة البشر ولا تعاقبهم، لأنها تعيش في حالة من السعادة الأبدية، مما حرر أتباعه من القلق الديني والخرافات.

الفلسفة في العالم الحديث: التفكير كمهارة حياتية

الفلسفة ليست مجرد دراسة نظرية، بل هي "أداة عملية" تساعد الأفراد على تطوير مهارات التفكير النقدي والتحليلي، التي بدورها تمكنهم من اتخاذ قرارات حكيمة ومدروسة في حياتهم اليومية. إن الفلسفة توفر أساساً لفهم الأخلاق وطبيعة السلوك الإنساني. على سبيل المثال، تدعو فلسفة كانط الأخلاقية إلى التفكير في جوهر الفعل الأخلاقي نفسه، وتطبيق مبدأ الواجب المطلق في العلاقات الشخصية والمهنية والمجتمعية.

الفلسفة ومواجهة تحديات العصر

يمثل "اقتصاد الانتباه"، الذي يُعرّف بأنه تنافس على جذب انتباه الإنسان الذي أصبح سلعة نادرة، تحدياً وجودياً مباشراً لقدرتنا على التفكير العميق. إن تدفق المعلومات والإشعارات يستهلك انتباهنا، مما يقلل من صبرنا على الفهم ويدفعنا نحو "التفريغ الإدراكي". الفلسفة هي الحل لهذه المعضلة؛ فهي تدعو إلى "الصوم الرقمي" وإعادة السيطرة على العقل، كما تدعو إلى التفكير النقدي لتمييز الأخبار الكاذبة والمضللة، وبذلك تقاوم الكسل الفكري الذي يسببه العصر الرقمي.  إن الكسل الفلسفي ليس عطالة، بل مساحة ذهنية للإبداع. والفضول الفلسفي ليس مجرد تطفل، بل هو محرك للوعي والبحث عن الحقائق الجوهرية. إن فلسفة سقراط وأبيقور، رغم تناقضهما الظاهري، تقدمان نماذج عملية للتعامل مع الوجود؛ الأولى تدعو للمواجهة والتدخل لإصلاح الذات والمجتمع، والثانية تدعو للانسحاب لتحقيق السكينة الداخلية والتحرر من المخاوف، لذلك فإن التحدي الأكبر في عصرنا يكمن في مقاومة الكسل الفكري واللامبالاة الوجودية، واستبدالها بالتفلسف اليومي.

***

غالب المسعودي

لا ريب في أن شروعنا في الحديث عن فن صناعة غرابيل الفكر سوف يثير العديد من التساؤلات، سواء كنا من دعاة النسقيّة في تحليلنا للأفكار - حيث تقديم النهج والمعيار- على البحث عما ينبغي على تلك الغرابيل القيام به حيال التصورات الوافدة على الذهن مدفوعة بحرافية الوعي التربوي أو الشعور الحدثي تجاه الفصل في قضية الحكم على قيمتي الصدق والكذب. 

أو كنّا من المتحمسين للنزعة الوجوديّة المتمردة دومًا على قيود الموروث بكل دروبه، تلك النزعة التي تؤمن بأن الذهن هو الذي يضع الأفكار ثم تأتي بالغرابيل لتهذيبها وفق قناعاتها الشخصية وأمزجتها ومشاعرها الفرديّة ورؤيتها العمليّة التي تلبي حاجياتها التي لا سلطان عليها سوى رغبات الأنا القلقة دومًا والمرتابة في معظم الأحايين كذبًا كانت أو صدقًا.

أو كنا من المحافظين الذين يسلمون بأن كل ما يتلقاه الذهن من أفكار هو مخاض قوة أكبر من الاجتهاد الفردي أو الطموح المتطلع لواقع يحلم به ويسعى لتحقيقه عن طريق غرابيل تنقذه من ما يشعر به من اغتراب، وذلك بعد تيقنه بأن السير وفق العقل الجمعي والنظام السائد أيسر بكثير من الاجتراء أو الجنوح عن تلك القوة التي تبدوا أحيانًا : في صورة العرف أو التقاليد أو العادات التي يتوارثها الجمهور وصنع من أجلها الغرابيل الصلبة التي لا تسمح بأي دخيل يفسد ما ألفوه وتغذوا عليه أو تبدوا في صورة المقدس الغيبي الذي يصور نفسه على أنه القدر الذي لا فكاك من وجوده في الحياة أو الموت، وعليه ينبغي على من يطلب السلامة أن يقوم بصناعة غرابيل توافق معايير سلامة الأفكار وصحتها وهي دون غيرها تتحلى بالصدق الذي لا يهدد وجوده سوى الشرور التي يحملها الكذب في دمائه الكارهة والحاقدة على إنسانيّة الإنسان وسعادته.

وإذا كان حكماء الشرق وفلاسفة الغرب الكلاسكين قد نجحوا في صنع غرابيل توافق اعتقاداتهم بأن أنفسهم كانت تعيش في جنة الكمالات والجمالات أو في عالم المُثل وسقطت منه تلك الأنفس على أثر انحرافها عن دستور الإقامة فيه، أو أن عقولهم الساعية دومًا للوصول إلى الاعتدال والكمال ومن ثم صنعت غرابيلها لتوافق طبيعتها أو أن الموروث الأسطوري هو الذي ألقى بذوره الخيرة التي دفعت الأذهان إلى صناعة غرابيل توافق ذلك العالم الأسطوري السعيد.

وعلى الرغم من إخلاص أرباب الغرابيل في إصلاح مجتمعاتهم بوصفهم قادة الرأي وحملة مصابيح القيم والمعرفة فإنّ ثقافة العصر الوسيط الذي سوف نتحدث عنها بعد قليل قد جحدت تلك الغرابيل.

وعلة ذلك؛ ترجع إلى أن الأخلاق السائدة في المجتمعات المنحطة التي عاشتها الإنسانية في تلك الحقبة المظلمة حيث اجتهاد شياطين الإنس في إفساد كل الثوابت التي اجتهد الحكماء والفلاسفة في غرسها لتهذيب الأنفس الضالة الشاردة، وترقية المشاعر وتوعية الأذهان لم تعد غرابيلهم صالحة لأداء وظيفتها.

ومن ثم راح الجاحدون للمُثل العليا يشككون في خطاب الصدق الذي يقود الناس للمحبّة والتعاون والخير والسلام ويشيعون ويروّجون بين المتمردين (لشعار الهمجيّة) ومفاده بأن غرابيل الحكماء ما هي إلا قيود حديدية تقمع رغبات الذات واحتياجاتها ودللوا على واقعية ما يدعون بحال أصحاب السلطان من الحكام والكهنة الذين حطموا كل الغرابيل؛ بل وعاقبوا كل من يحاول إصلاحها أو تجديدها مفضلين الهمجية على الخضوع والانصياع لبائعي الأوهام المخدرة للعوام أصحاب البطون الجائعة والكرامة المنتهكة تحت وطئة قمع الأثرياء وأضاليل الكهنة المتعاليين وعنف الساسة المتجبرين.

ومن مظاهر هذا العصر احتقار العلماء والسخرية من النَّساك واتهام الفضلاء والأتقياء بالجمود والتخلف وأضحى المرّوجون للإباحيّة يرددون أن الحق في اللذة، والحق في المنفعة، والشرف في العهر. ولعل أصدق المرايا لهذا العصر نجدها في حكاية ديوجين الكلبي (324:413 ق.م) صاحب المصباح (ذلك الفيلسوف اليوناني والحكيم الأخلاقي الذي راح يجوب الطرقات في وضح النهار ممسكاً بفانوسه فسخر منه المارة وسألوه يا أبله عن أي شيء تبحث بفانوس معتم تحت لهيب الشمس ونورها فأجابهم إنني أبحث عن إنسان فما أكثر البشر وما أندر ذلك المفقود الخلوق الذي أبحث عنه. أجل! إني أسأل عن العفة والحياء والقلوب المشتاقة للعلم والصدق والضياء. نعم! أبحث عن عباءة الحق التي سرقها الكذابون والفجرة والمحتالون وارتدوها لخداع السذج الغارقين في الشهوات، والراغبين في الهمجية، ودستور النزوات وقانون الغابة وحكمة الداعرات).

وها هو أبيقور(270:340 ق.م) ينعي الواقع المرير ويجابه المحتالين (فبينٌّ أنه لا ينفي أن اللذة هي الخير الأسمى والألم هو الشر الأعلى، غير أن اللذة  التي يجب علينا اكتنازها ليست في أحضان الغواني ولا صحبة المخمورين المغيبة عقولهم، بل هي اللذة العقلية والروحيّة التي تليق بالإنسان وليست شهوة البهائم؛ فاللذة التي أقصدها هي التي تعمل على تحرر الأسوياء من دنس الغرائز المادية، وتخلصهم من أوحال الفتن الكاذبة التي سرعان ما تترك ندمائها يتجرّعون كؤوس الندم والحزن والأسى بعد فقدانهم القدرة على مواصلة طريق الانحدار والتردي الأخلاقي المهلك للعقول والأبدان، وليعلم المتشككون والكذابون أن الرذائل لن تصبح يومًا فضائل تسوس الناس، وإن علت أصواتها واخترقت الآفاق، فلن تصمد طويلًا وإن كان حديث المعلمين همسًا).  

وقد بينا أثناء حديثنا عن حكمة القدماء أن كل هذه الغرابيل رغم تباين أشكالها واختلاف طبائعها إلى أن جميعها قد فضل الصدق وجعله تاج الفضائل ونظر إلى الكذب بعين الازدراء لكونه منبع الشر وأصل كل الرذائل غير أن تعاليم الرواقيين والفيثاغورين المتأخرين وفلاسفة الأفلوطونية التي سعت جميعها إلى إصلاح ما فسد من أخلاق وتثقيف ما جنح من عقول؛ فإن جميع غرابيلها لم تقوْ على مجابهة ظلمة وسفالة المناخ السائد في هذه الحقبة. 

ولما كان التطور أو التدهور هو قانون النشوء والارتقاء أو الانحطاط؛ فإنّ غرابيل الفلاسفة والحكماء قد خضعت بدورها لهذا القانون فتبدلت معاييرها في صناعة الغرابيل فأضحى الفكر الغنوصي -الذي تحدثنا عنه- وكذا التصورات الأسطورية بل والعقل الراجح أيضًا ما هو إلا صورة الأنفس الحقيقية الخيرة التي فطرها الإله في الإنسان، وقد أصيبت ببعض العطب والفساد والضعف الذي جعل العقول الإنسانية تخلط بين الصدق الذي فطرت عليه والكذب الذي دسه الشيطان في الأحاسيس والمشاعر والمدركات؛ فرفق الإله بحال عباده وأرسل لهم الرسل لتنبههم وتذكيرهم بالتعاليم الربانيّة التي تقيهم من ذلك التخبط والانحراف عن ما كانوا عليه عند نشأتهم الأولى وهذا هو حال الفكر الفلسفي في العصر الوسيط الممتد الذي ترجع منابت أفكاره من القرن الثالث قبل الميلاد إلى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، وأعني تلك الفترة التي ساد فيها الفكر الغيبي والنصوص المقدسة على دونها؛ الأمر الذي انعكس بدوره على صناع الغرابيل فجعلوا من الأوامر الإلهية معيارًا للصدق، والخارج عنها يعبر عن وسوسة الشيطان وأكاذيبه التي ترمي إلى خداع البشر وإضلالهم وجنوحهم عن الحقيقة والصدق والخير الذي يحمله الأنبياء والرسل سواء في التوراة وأسفار العهد القديم أو في الأناجيل وما يحويه العهد الجديد من تعاليم مقدّسة.

لذا سوف نكتفي بإيراد النصوص ذات الصلة بقضية الحكم على الصدق والكذب التي اتخذ منها الحكماء والفلاسفة معاييرهم في صناعة غرابيلهم لوقاية الأذهان وحمايته من شرور الكذب وإعادتها ثانيةً إلى عالم المصارحة والصدق في التواصل بين بعضهم البعض (في الحديث، وفي العهود والضمائر والمشاعر)، بل وفي إخلاصهم في العبادة أيضًا.

فقد جاء في الكتاب المقدّس أوامر صريحة بالتزام الصدق في الحديث والوعود والعهود واجتناب الكذب باعتباره من الآثام المولدة لعشرات الشرور؛ فممّا جاء في سفر يشوع (لا تفتر الكذب على أخيك، ولا تختلقه على صديقك) وفي سفر الأمثال (الشاهد الأمين لن يكذب، والشاهد الزور يتفوه بالأكاذيب). وفي سفر المزامير (صن لسانك عن الشر، وشفتيك عن التكلم بالغش) وممّا جاء في العهد الجديد؛ في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي: (طوبى للذين يصنعون وصاياه لكي يكون سلطانهم على شجرة الحياة، ويدخلوا من الأبواب إلى المدينة، لأن خارجًا الكلاب والسحرة والزناة والقتلة وعبدة الأوثان، وكل من يحب ويصنع كذبًا).

وعلى الرغم من وضوح تلك التعاليم وتأكيدها على وجوب السير وفق ما تحمله من فضائل وربطها بجوهر العقيدة والإيمان بها قولًا وعملًا وحث الراغبين في السعادة الدنيوية والأخروية على اتباعها حتى يتم خلاصهم وتطهرهم من دنس الخطايا أضف إلى ذلك اجتهاد فلاسفة المسيحية في شرح فوائد الصدق والفضائل المولدة عنه -وعلى رأسها فضيلتي الحب والعفة، وتبيان رذائل الكذب والشرور التي يحملها في كل أشكاله بداية من إفساد الضمائر وإلحاق الدنس بالروح والمشاعر ودفع الأجساد لإرتكاب الفحش والسرقة والقتل وانتهاك المقدسات والتجديف على الرب وكلماته، ناهيك عن إخلاص الكنيسة في صناعة الغرابيل المناسبة لإصلاح ما فسد من قيم وعوائد وسلوكيات في طباع الفرد والمجتمع وذلك كله على يد المعلمين والحكماء الأوائل الذين عمدوا إلى التوفيق بين النصوص المقدّسة والفضائل النافعة التي تدركها الحواس والعقول من خلال رسائلهم وخطبهم ودروسهم وتعاليمهم ومواعظهم ونصائحهم – من أمثال بولس السميساطي (277:230م) وأبوليناريوس الأبن (390:310م) أكليمدوس السكندرى (215:150م) أوريجانوس ومدرسته (254:185م) الذين عرفوا بالمدرسيين الأوائل ثم على يد القديس أوغسطين (430:354 م) والقديس أنسلم الكانتربرى (1033:1109م) والمعلم توماس الإكويني (1274:1225 م) والواعظ بونافنتورا (1274:1221م) وجميعهم قد اتخذ من غرابيل فلاسفة اليونان منهاجًا لتطهير السرائر وتوجيه العقول وجهة إيمانية تجعل من تعاليم الرب مقدسة على دونها من فلسفات ونزاعات وأعراف وتقاليد موروثة.

وللحديث بقيّة عن تلك الغرابيل الفلسفيّة، وما آلت إليه في هذا العصر الشاغل بالفتن والأكاذيب والخيانات والحروب والزيف والتجديف التي تبرأ منها الكنيسة والتعاليم المقدّسة.

***

بقلم: د. عصمت نصار

في المنظومات والبنى التقليدية يحتاج الناس دائما إلى الشخص القائد والملهم كما أكّد ماكس فيبر، بعكس المجتمعات الحديثة التي تُشكِّل فيها المؤسسات الهرم الفعلي للسلطة الذي يتجاوز الأشخاص مهما كانت مراتبهم ومكاناتهم في المجتمع. إن ما يُشكّل الفارق بين الأمم المتقدمة والغنية وبين المجتمعات المتخلفة والفقيرة هو المؤسسات الاقتصادية والسياسية الفاعلة والمستقلة، حسب رأي مؤلفا كتاب " لماذا تفشل الأمم"، دران أسيموجلو وجيمس روبنسون، حيث يؤكدان أن الدولة تنجو فقط من شبح الفقر عندما تمتلك مؤسسات اقتصادية فاعلة ويكون لديها نظام سياسي تعددي.

على غرار أولئك الذين يُرجعون أسباب التخلف والتقدم إلى الموقع الجغرافي، أو انعدام الثروات أو إلى البنى الثقافية، أو إلى الذهنيات كما حاجج لورانس هاريسون في كتابه " التخلف حالة ذهنية"، يكاد يتفق العديد من المفكرين وأهل السياسة على أن الدور الذي تلعبه المؤسسات الفاعلة والمستقلة في تقدم المجتمعات لا يكاد يخفى على عاقل متبّصر. ليس المقصود بالمؤسسات هنا الهياكل والبنايات، بل القوانين والمبادئ والقيم والأعراف الناظمة والحاكمة لمجال معين.

لماذا عجزنا عن بناء مثل هذه المؤسسات؟ لا أعتقد أن الإجابة ستكون بالسهولة التي يتمناها القارئ لهذا المقال، لكنني سأحاول أن أدلي بدلوي في هذا البئر العميق لعلي أجد ماءً أوري به ضمأ القارئ.

أنظمتنا العربية هي أنظمة شمولية غير تعددية، هذا لا مجال للجدال فيه، لماذا لم تفلح التعددية في بلداننا رغم عديد المحاولات؟ في اعتقادي، لأن العقل البطولي هو المسيطر في مجتمعاتنا العربية. نحن نتظاهر بالتعددية لكننا في الحقيقة لا نؤمن بالآخر ولا بإمكانياته وقدراته إلا إذا أحسسنا أنه سيكون لنا نصيب من هذا الاعتراف. أخفت ثوراتنا ضدّ المستعمِر خلافاتنا وصراعاتنا حول القيادة والزعامة، لكن سرعان ما كشفها الاستقلال الذي أدركنا من خلاله أن الاختلاف بيننا لا يُنتج التعددية بل يلغيها ويلغي من يتشبث بها.

العقل البطولي هو العقل التقليدي الخرافي الذي يمنح البطل قدرات خارقة تؤهله لمساعدة الضعفاء والمعوزين وعديمي الحيل. نحن مجتمعات تنتظر البطل المخلِّص الذي يقضي على الظلم وينتصر للعدل ويساعد المقهورين. بعدما انتهى عهد الأنبياء أختلقنا بطلا منتظَراً، ليس المهدي المنتظر سوى تعبير عن فشلنا وعن عدم قبولنا بتحمل مسؤولية تغيير أحوالنا وأوضاعنا، فهي ليست حتميات تاريخية بل صناعة بشرية. الغريب في الأمر أننا أصبحنا كلنا أبطالا، الكل يريد أن يتزعّم، التعددية بيننا كذب ونفاق، ذهنية البطل الذي سيُحدث التغيير ويحَّسن الأوضاع هي من تسيطر على مخيالنا الجمعي. نشارك في الانتخابات ونخوض غمار السباقات السياسية لكننا لا نؤمن بقدرات الآخرين المخالفين الذين بإمكانهم مساعدتنا وبإمكاننا الاستعانة بهم، لأننا لا نراهم كنظراء سياسيين بل كأعداء يجب التخلص منهم.

حققت المجتمعات الغربية ديمقراطية فعلية بمؤسسات فاعلة لأن شعوبها آمنت بأن بناء الدول والمجتمعات لا يقوى عليه فرد أو مجموعة من الأفراد، بل التشارك الذي يستدعي مساهمة الكل في البناء من العامل البسيط إلى أكبر مسؤول. أما مجتمعاتنا ففرّقت أحزابها الصراعات ومزّقت أفرادها نزاعات المصالح والامتيازات.

فكيف تحولنا من حال انتظار البطل والزعيم إلى حال أصبح فيها الكل ابطالاً وزعماء؟ تغيرت مجتمعاتنا من خلال التحديث لا من جراء الحداثة، تغيرت أشكال مجتمعاتنا لكن الجوهر بقي كما هو. كنا في السابق قبائل تتصارع فيما بينها من أجل البقاء على قيد الحياة، وكان الزعيم ضرورة تاريخية لأن المخيال الجمعي آن ذاك لم يكن يمتلك نموذجاً آخر. لكن بعد التحديث تعددت النماذج وتفتّحت الأبصار ولم يعد القائد والزعيم يستدعي كاريزما نادرة، بل أصبح في مقدور الكل، من خلال التعددية المزيفة والانتخابات المغشوشة، أن يتحول إلى قائد.

هكذا أصبحت الفرصة متاحة للجميع، فكل من أراد أن يصبح زعيما ما عليه إلا أن ينضم إلى حزب أو يدخل السباق منفردا ثم يلجأ للقبيلة للتبرك بأصواتها ليتحول إلى بطل يعيث في عهدته فسادا ظنا منه أنه المخلِّص المنتظَر.

لهذا السبب عجزنا عن إنشاء المؤسسات الفاعلة والمستقلة، وفشلنا في تحقيق التقدم لمجتمعاتنا، لأننا نتصرف بعقلية الأبطال الخارقين، لأن كل واحد منا يريد أن يكون متميزاً ويُلفت الأنظار، وأن يكون هو وحده المنقذ والمخلِّص. السياسة في عرفنا بطولة تُحّتِم على القائد أن يقوم بمناورات بطولية، كتلك التي خلّدت أبطالنا التاريخيين، يريد أن تهتف الجماهير باسمه، وأن تُعلق صوره في كل مكان.  البطولة الحقيقة هي القدرة على اشراك الكل، هي القدرة على استيعاب الخلافات، القدرة على جعل الجميع يسعى للمشاركة في البناء، القدرة على بعث الأمل في نفوس اليائسين من خلال احترامهم وتقديرهم ومنحهم الفرص لأبداء أراءهم. البطولة هي التخلي عن النظر للمخالفين كأعداء يجب التخلص منهم، البطولة هي القدرة على الانفتاح على الرأي المخالف وقبول النقد.

لا أنكر أن هذه الذهنية هي مرض يصيب العامة، إلا من رحم الله، فكلّ من ترأّس وحكم تحول إلى طاغية يسحق كل من يخالفه ويُلغي من لا يقتفي خطاه. تاريخنا مليء بهذه الأمثلة ولو حاولنا احصائها لأدركنا أننا لسنا سوى نسخ لأسلافنا، نعيد انتاج الماضي بحذافيره، ولا نقوى على تغيير ما بأنفسنا ليتغير حالنا وتتحسن أوضاعنا وتتقدم مجتمعاتنا. صور الماضي تسكننا ولا نقوى على الخلاص منها لأن التجديد في عرفنا بدعة وكل بدعة ضلالة...

عهد البطولات قد ولى، ونحن نعيش الآن عصر التشارك والتضامن والتكتلات. أُختتم عصر البطولات في الغرب بكوارث إنسانيه فضيعة خلّفها النازيون والفاشيون، إلا أن مجتمعاتنا لم تع الدرس جيداً فأظهرت للعالم صور التعددية والشعارات الديمقراطية، لكنها تمسكت في الحقيقة بالمنطق الشمولي التسلطي لأنها لم تتخل بعد عن العقل البطولي الذي ينتمي إلى أزمنة غابرة لازالت تحكمنا وتتحكم في مصائرنا. لازلنا إلى حدّ الساعة نتباكى على أبطالنا التاريخيين ونحتفي بأمجادهم، نروي قصصهم لأبنائنا وأحفادنا على أمل أن يتحول أحدهم إلى بطل كأسلافه.

لكن إلى متى سنبقى حبيسي هذا العقل، تقتلنا الفرقة وتسحقنا الصراعات ويخوننا الأمل في ظهور البطل المُخلص؟

نحن مجتمعات منغلقة عن نفسها نعامل الغير بكثير من المشاعر والانفعالات وقليل من المعرفة. نحن ميالون أكثر للحكم على الأشياء بدل فهمها.

***

د. تركي لحسن

نعيش اليوم في زمن يبدو أن الإنسانية فقدت فيه البوصلة التي كانت توجهها نحو المعرفة، الجمال، والتجربة العفوية. لم يعد تاريخنا الخطي الذي نقل الأجيال من اكتشاف إلى آخر، ومن فكرة فلسفية إلى تجربة علمية حاضرًا في وعينا الجمعي. أصبح عالمنا يتحدث لغة أخرى: لغة السيطرة، التدمير، والجنون المتفلت من أي سياق أخلاقي أو إنساني.

الفوضى ليست مجرد فقدان للنظام، بل هي انعكاس لأزمة نفسية واجتماعية عميقة. في التجربة الإنسانية المعاصرة، يبتسم الإنسان للبشرية وفي يده سلاح التدمير؛ يتحدث عن السلام وفي قرارة نفسه يوجهه إلى الصديق قبل العدو وإلى القريب قبل البعيد . هذا التناقض أصبح سمة العصر، يعكس الفوضى الداخلية التي وصفها علماء النفس المعاصرون بأنها خلل في القدرة على التعاطف وتحمل المسؤولية تجاه الآخرين.

في هذا السياق، تتحول المشاعر الإنسانية الأصيلة – التعاطف، الرحمة، الاحترام – إلى أدوات ضعيفة أمام اندفاع الرغبة في السيطرة والتدمير. يصبح الإنسان قادرًا على الابتسام والحديث عن السلام في المحافل العامة، بينما يُمارس العنف النفسي أو المادي في حياته اليومية، تجاه صديقه أو قريبه، أحيانًا حتى تجاه نفسه. هذا الانفصام النفسي يولد ما يسميه الباحثون “الفوضى الأخلاقية”، حيث تنقلب القيم رأسًا على عقب، وتصبح الذاتية المفرطة والانغلاق على الذات قادرة على تبرير أي سلوك تدميري.

الفوضى، في هذا المعنى، ليست حالة عابرة، بل ظاهرة متجذرة في بنية النفس البشرية الحديثة، تعكس صراعًا داخليًا بين الحافز على الخير والقدرة على التدمير. إنها دعوة لإعادة النظر في أسس التربية الثقافية والاجتماعية، وفي طرق تعزيز التعاطف والوعي الأخلاقي، قبل أن تصبح ابتسامة الإنسان مجرد غطاء لبندقيته، وحياته اليومية مسرحًا لتدمير كل ما هو جميل وعفوي في محيطه

الفوضى والجنون: منظور نفسي

في دراسات معاصرة، أبرزها تجربة زيمباردو الشهيرة (سجن ستانفورد)، أظهرت كيف يمكن للظروف الاجتماعية والسلطة المطلقة أن تحرر الجانب العدواني للفرد، حتى ضد أخيه الإنسان. ما يبدو جنونًا فرديًا هو في كثير من الأحيان نتيجة للتأثيرات الاجتماعية، للتاريخ الثقافي، ولغياب القيم التي تربط الإنسان بالآخر.

هارولد كوشنر وغيره من علماء النفس الاجتماعي أشاروا إلى أن المجتمعات التي تتعرض لضغوط متزايدة من الفقر، العنف، وعدم المساواة تميل إلى إنتاج لغة قاسية، لغة تحكم وسيطرة، كلغة دفاع ضد القلق الجماعي. العنف يصبح حينها طريقة للتعامل مع العالم، وليس مجرد حادثة شخصية.

مارتن سيليغمان، رائد علم النفس الإيجابي، أوضح أن فقدان الإحساس بالمعنى والسيطرة على الحياة يؤدي إلى شعور بالعجز المكتسب، ومن ثم تبرير العنف والسيطرة على الآخرين كوسيلة لإعادة الشعور بالتمكين. هذه العملية النفسية توضح كيف يمكن أن يتحول الإنسان الحديث، المبتسم على السطح، إلى آلة تدمير على المستوى السلوكي والاجتماعي.

الطبيعة المدمرة للسياسة الحديثة والاعراف الاجتماعية

الأعراف الدبلوماسية غالبًا ما تصبح قناعًا على العدوانية. العنف لم يعد مجرد نزاع على الأرض أو السلطة، بل أصبح أداة لإعادة ترتيب العالم النفسي والاجتماعي للبشر. السياسة الحديثة، في هذا السياق، ليست مجرد لعبة مصالح، بل مرآة لما يحدث في النفس البشرية: السيطرة على الآخر، تدمير الجمال، طمس التلقائية والعفوية والبراءة اتجاه الحياة، إلى جانب التلاعب بالوعي الجماعي.

الخاتمة: الطريق نحو رؤية أخرى

رحلة الإنسان من “كيف نرى” إلى “كيف ندمر” ليست مجرد ملاحظة فلسفية أو سياسية، بل هي أزمة نفسية واجتماعية وجودية. إعادة النظر في علاقتنا بالآخر، والبيئة، والوقت، والذات، أصبح ضرورة. الفهم النفسي لهذه الظاهرة يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية: مواجهة الفوضى والجنون داخلنا قبل مواجهتها خارجنا، واستعادة القدرة على التعاطف، الاحترام، والحفاظ على الجمال الطبيعي والاجتماعي من الانهيار.

في هذا العصر، لا يكفي أن نرى العالم بعين المعرفة فقط، بل يجب أن نراه بعين الوعي النفسي والأخلاقي معًا. وإلا فإن ابتسامة الإنسان لن تكون سوى ستار لعالم يسير نحو التدمير الشامل، في الداخل والخارج.

***

الكاتب: د. يونس الديدي متخصص في الشؤون الاجتماعية والسياسية.

متى تكون نافعة ومتى تكون ضارة اجتماعيا"؟!

منذ أن وجد الإنسان على وجه البسيطة، ومنذ أن شرع بتكوين الجماعات والمجتمعات، سواء منها المترحلة / البدوية، أو المستقرة / الحضرية، وهو يحاول أن يعطي لوجوده الإنساني قيمة ويضفي على حياته الاجتماعية معنى. ذلك لأن كينونة الإنسان - دون سائر المخلوقات الأخرى – لا ترتهن فقط بالعناصر الطبيعية (جغرافية وإيكولوجية)، أو ترتبط بالمعطيات المادية (اقتصادية واجتماعية) فحسب، وإنما هي متعلقة بمجموعة من العوامل الروحية (اعتقادات وديانات)، والنفسية (دوافع ونوازع)، والرمزية (إيحاءات ودلالات) وكذلك. لا بل أن هذه الأخيرة تتقدم - من حيث التأثير والأهمية - على ضرورات الأولى وتجبّها في بعض الأحيان والظروف. ولهذا فقد وجد (ان السلطة الرمزية – كما لاحظ الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي (بيار بورديو) – من حيث هي قدرة على تكوين المعطى عن طريق العبارات اللفظية، ومن حيث هي قدرة على الإبانة والإقناع، وإقرار رؤية عن العالم أو تحويلها، ومن ثم على تحويل التأثير في العالم، وبالتالي تحويل العالم ذاته، قدرة شبه سحرية تمكن من بلوغ ما يعادل ما تمكن منه القوة (الطبيعية أو الاقتصادية) بفضل قدرتها على التعبئة). وهو الأمر الذي لم تتوانى مختلف السلطات - قديمها وحديثنا - في استثمار دوره واستغلال تأثيره في توجهات أفرادها وتعبئة جماعاتها، على صعيد تنميط وعيهم، ونمذجة سلوكهم، وتأطير علاقاتهم.

والحال ما المعنى المقصود – في هذه المقالة المتواضعة تحديدا"– بالعبارات الواردة في العنوان الرئيسي (الايقونات والرمزيات السيميائية) على وجه التحديد ؟. ما نقصده بالعبارة الأولى (الايقونات) هي مجموعة (الصور) و(الرسوم) و(النصب) و(التماثيل) وما يدخل في نطاقها، التي غالبا"ما ترمز الى (شخصية) ما أسطورية متخيلة، أو تاريخية حقيقة، أو (موقع) ما أثري شاخص، أو ديني مقدس، أو (حدث) ما سياسي كبير، أو عمل عسكري مميز. أما بالنسبة للعبارة الثانية (الرمزيات) فالمراد بها هنا الإشارة الى كل ما يرتبط بكيان (الدولة – السلطة) ومؤسساتها السيادية؛ الأعلام الوطنية، واللافتات السياسية، والعملات الرسمية، والشارات التكريمية، والأوسمة العسكرية، وما يدخل في نطاقها من جهة. وما يتعلق بشخصية (المجتمع) وطبيعة هويته الحضارية، لجهة تنوع ثقافاته القومية، وتعدد طوائفه الدينية، وتباين جماعاته القبلية العشائرية من مثل؛ الأضرحة والمقامات التي ترمز الى شخصيات دينية مقدسة، والأعلام والرايات التي ترمز الى الخصوصيات القبلية والعشائرية، والاحتفالات والمهرجانات الثقافية التي ترمز الى الأعياد والمناسبات، والصور والملصقات التي ترمز الى الشخصيات الاثنية والمذهبية.  

ورغم الاختلافات الكبيرة والتباينات الواسعة بين المجتمعات المصنفة (متقدمة)علميا"وصناعيا" وحضاريا"، وبين نظيرها المصنفة (متأخرة) في ذات المجالات والميادين والحقول، إلاّ أن كليهما لا ينيا يحرصان على الاحتفاء بأهمية ودور (الايقونيات) و(الرمزيات) في حياة شعوبهما؛ إن من حيث قدرتها السيميائية في إحداث التغييرات المطلوبة والمرغوبة سواء في مضامير السياسة أو قطاعات الاقتصاد، أو من حيث سعة الانتشار سوسيولوجيا"وعمق التأثير سيكولوجيا". ولهذا فقد أشار الباحث الغربي (ديفيد هوكس) الى أهمية العامل (السيميائي) في التلاعب ببنى الوعي والتحكم بأنماط السلوك، بحيث لا تستحيل فقط الرموز المجردة الى أشياء واقعية فاعلة ومؤثرة فحسب، بل ان تأثيرها في الواقع يغدو أشدّ وقعا"وأكثر حضورا". ولهذا فقد كتب يقول (كلما ابتعد الاقتصاد عن إنتاج الأشياء المادية الواقعية وصار، بدلا"من ذلك خاضعا" للتبادل السلعي الذي يتحقق من خلال توسط التمثيل المالي، جاز لنا أن نتوقع أن تولى الفلسفة قوة مجددة متزايدة لأنظمة الدلالة تبلغ حدّ اعتبارها الواقع الوحيد الذي نمكن معرفته).

وفي إطار هذه الرؤى والتصورات، تبدو (الإيقونات) و(الرموز) التي باتت تتوالد وتتناسل على إيقاع التصدعات والانقسامات والصراعات (سلاح ذو حدين)، ينبغي التعامل معها بحرص شديد وحذر بالغ وإلاّ فإن العواقب الناجمة عن إساءة استخدامها ستكون كارثية ومدمرة، ليس فقط على صعيد سلطة (الدولة) التي قد لا تحسن التعاطي مع هذه الأشكال والتعابير (السيميائية)، بحيث يمكن أن يقوّض شرعيتها ويتحدى سلطتها ويهدد وجودها فحسب. وإنما على كيان (المجتمع) الذي ربما يشتط في توظيف دورها واستثمار قدراتها واستخدام إيحاءاتها، بحيث يفضي به ذلك ليس فقط الى التصادم مع الدولة التي اختارت أن تكون طرفا"في أتون هذا المعترك (السيميائي) الخطر فحسب، وإنما الانخراط في دوامات تصعيد الاحتقانات وتأجيج الكراهيات وتعميق الانقسامات.

ولغرض معرفة الكيفية التي من خلالها تستحيل هذه الأشكال والتعابير (الرمزية) التي ترتكز فاعليتها ويتمحور تأثيرها على ما تتوفر عليه من قوة (ناعمة)هائلة بإمكانها فعل الأعاجيب، الى عامل شديد القوة في التأثير سواء في حالات النهوض والتطور أو في حالات النكوص والتقهقر !. ينبغي أن نشير الى أن تلك الأشكال والتعابير لا تحمل في ذاتها - من حيث الأصل والطبيعة – خصائص معينة يمكن اعتبارها (إيجابية) أو (سلبية) بالمطلق، وإنما هي – ضمن بئيات اجتماعية وظروف سياسية وسياقات تاريخية – تستحيل؛ أما الى عامل (بناء) و(تعمير) بإمكانه تقوية كيان (الدولة) وتعزيز هيبتها من جهة، وجمع شتات المكونات الاجتماعية المتنافرة وسمتنة وحدتها من جهة أخرى. وإما ينقلب الى عامل (هدم) و(تدمير) باستطاعته تحطيم كيان الأولى وتشتيت شمل الثانية بزمن قياسي.

وهكذا ففي (الحالة الأولى) يمكن ملاحظة أهمية الدور وقوة التأثير الذي تمارسه الرموز والإيقونات، عند تعرض الدولة أو المجتمع الى ما يهدد وجودهما الجغرافي والسياسي بالفناء، حيث يمكن استثمارها في شحذ الهمم وتقوية العزائم لرفع مستويات التحدي وتصليب روح المقاومة. وذلك بالحضّ على وضع الخلافات والصراعات البينية جانبا"، والتركيز من ثم على ما يدعم سيادة الدولة ويعزز سلطتها من جانب، ويحافظ على وحدة المجتمع ويحمي شخصيته ويصون هويته من جانب ثان، أي بمعنى استثمار تلك الرموز السيميائية استثمارا"وطنيا" وإنسانيا"وحضاريا". وأما في (الحالة الثانية) فإن هذه الأخيرة ستكون وبالا"على الدولة وشرا"مستطيرا"على المجتمع في حال واستغلال دورها الاجتماعي واستثمار مخزونها النفسي، عند وقوع الحروب والصراعات (الأهلية) التي تكون الدوافع (القومية - العنصرية) و(الطائفية - المذهبية) و(القبلية - العشائرية) سببا"أساسيا"في اشتعال فتيلها اندلاع سعيرها. 

ولعل حالة المجتمع العراقي في الوقت الحاضر تعطينا المثال / النموذج الأشدّ ضراوة على استغلال واستثمار الرمزيات والايقونات وفقا"لتوصيف الحالة (الثانية) التي أشرنا إليها سابقا"، حيث تنهمك قواه السياسية وتنخرط مكوناته الاجتماعية بحمية لا تحسد عليها في أتون من المنافسات البدائية المزيادات الفجة، التي تستعرض من خلالها مختلف (الصور) و(الأعلام) و(الرايات) و(الشارات) و(التشابيه)، التي لا تخفى دلالاتها (الدينية – الطائفية) و(القبلية – العشائرية) و(الاثنية – العنصرية) بشكل سافر، لا بل يكاد يكون استعراضا"(استفزازيا") على صعيد جمعي، بحيث تستنفر كل العصبيات وتجيش كل الأصوليات بما يوحي بأن المجتمع تحوّل من الحالة الحضارية الى الحالة البربرية !.     

***

ثامر عباس – باحث عراقي

 

بحث في جدلية الكاتب والنص بين الفعل والانفعال

المقدمة: حين يشرع الكاتب في كتابة نصّه، يظنّ للوهلة الأولى أنّه الموجّه الأوحد، الممسك بخيوط الكلمة، والمسيطر على مسار الفكرة، غير أنّ هذا التصوّر يتصدّع عند مواجهة النص ذاته، إذ يجد الكاتب نفسه أمام سلطة تتجاوز إرادته، كأنّ الكلمات قد سبقت يده، والأفكار انفجرت قبل أن يتبناها. من هنا ينبثق السؤال الجوهري: هل أكتب النصوص أم أنّ النصوص تكتبني؟هذه الإشكالية ليست ترفًا جماليًا، بل تتصل بجذر الوعي الإنساني وعلاقته باللغة. فالكتابة ليست مجرد أداة للتعبير عن الفكر، بل هي فعل فلسفي وجودي يعيد تشكيل الذات. فاللغة ـ كما يرى هايدغر «بيت الوجود»، أي أنّها تسكننا قبل أن ننطق بها، وتسبق إدراكنا وتفكيرنا. بينما يرى رولان بارت أنّ «موت المؤلف» يحرّر النص من قبضة الكاتب ليصبح ملكًا للتأويلات.وفي هذا السياق، تصبح العلاقة بين الكاتب والنص جدلية معقدة، تتصارع فيها الفعل بالانفعال، الذات بالآخر، الوعي باللاوعي، لتكشف أنّ الكتابة تجربة حيّة تتجاوز السيطرة المطلقة.إنّ معالجة هذه الإشكالية تتطلب النظر في ثلاثة محاور رئيسة:

1. الكتابة كفعل إرادة ووعي.

2. النص كسلطة تتجاوز الكاتب.

3. جدلية الفعل والانفعال في لحظة الكتابة.

المحور الأول: الكتابة كفعل إرادة ووعي

1. التصور الكلاسيكي للكاتب

منذ فجر الحضارات، ارتبط فعل الكتابة بفكرة السيطرة والإبداع الفردي. فالكاتب في التصور الكلاسيكي هو سيّد النص، يملي إرادته على الحروف ويعبّر عن وعيه الذاتي، فلا يُنظر للنص ككيان مستقل، بل كمرآة للكاتب.وفي التراث العربي، نجد الجاحظ يقول في «البيان والتبيين»:«المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وصحة الطبع وجودة السبك»فالمعاني مشتركة، لكن مهارة الكاتب تمنحها وجودًا نصيًا.

2. الكتابة امتداد للوعي الذاتي

في الفلسفة الحديثة، نجد ديكارت يؤكد: «أنا أفكر إذن أنا موجود». فالكتابة، باعتبارها تجسيدًا للتفكير، تصبح برهانًا على الوعي الذاتي، والكاتب ليس ناقلًا سلبيًا للمعاني، بل خالقًا لها ضمن إرادته الحرة. النص إذن يصبح امتدادًا للذات، يحمل بصمة الفرد ويشهد على وجوده.الناقد د. علي جواد الطاهر يقول: «النص ظلّ لصاحبه، مهما ابتعد لا يتجرد منه». ويضيف الشاعر حسين مردان: «النص امتداد لجسدي، يخرج من عرقي ودمعي»؛ أي أنّ النص يحمل وجود الكاتب النفسي والمادي، ويتجذر في شخصيته.

في الفلسفة الشرقية، يرى كونفوشيوس: «إن لم تكن الكلمات مستقيمة، فلن تستقم الأعمال». وفي الصوفية، يقول الرومي: «الكلمة جسر بين الروح والروح، فمن لم يعبرها ظلّ غريبًا عن نفسه».  فالكتابة هنا فعل إصلاحي وأخلاقي، يربط بين الذات والكون.يتضح أنّ الكتابة هنا فعل إرادي واعٍ، يعكس سيطرة الكاتب على النص، ويجعل النص مرآة للذات الكاتبة، في علاقة خطية: الكاتب → النص. لكن هل تكفي هذه الصورة لفهم الحقيقة؟ أم أنّ النص يخرج عن السيطرة؟

المحور الثاني: النص كسلطة تتجاوز الكاتب

1. انفصال النص عن المؤلف

حين يُخلق النص، يبدأ في الاستقلال عن الكاتب. رولان بارت يقول: «النص لا يعود ملكًا للمؤلف حين يُخلق، بل يصبح حقلًا مفتوحًا للمعاني والتأويلات». النص إذن ليس مجرد صدى لذات واحدة، بل شبكة من العلاقات اللغوية والثقافية تتجاوز المؤلف.

2. اللغة كسكن للوجود

هايدغر يرى: «اللغة هي بيت الوجود». فاللغة ليست أداة في يد الكاتب، بل فضاء يقطنه الإنسان قبل أن يكتب. فالكاتب مهما ادّعى السيطرة، يبقى مسكونًا باللغة، يتبع قوانينها، ويعيش في مساراتها المرسومة.

وانا اضيف   «النص لا يكتفي بأن يُقرأ، بل يقرأ قارئه ويعيد تشكيله. هو مرآة غريبة تظهر لك ما لم تتوقع أن تراه في نفسك». النص هنا كيان حيّ، يؤثر في الكاتب والمتلقي على حد سواء.

4. النص في ضوء الفلسفة الشرقية

أبي حيّان التوحيدي يقول: «أنا أكتبني والكتابة تكتبني». وكذلك حكيم شرقي يقول: «حين أكتب، أشعر أن الكلمة ليست ابنة يدي، بل أمّها التي تلدني من جديد». النص إذن يمتلك سلطة على الوعي، والكاتب مجرد وسيط.النص كائن لغوي حيّ، يفرض مسارات جديدة على الكاتب، ويصبح مستقلًا عن نية المؤلف الأصلية. كما قال مفكر معاصر: «كل نص هو كائن يتمرّد على أبويه؛ يولد من رحم الكاتب، لكنه يهرب من بيته لحظة ولادته».

المحور الثالث: جدلية الفعل والانفعال في لحظة الكتابة

1. الكتابة كاشتباك مزدوج

لحظة الكتابة تمثل اشتباكًا مزدوجًا بين الفعل والانفعال. فالكاتب يظن أنه يوجّه الكلمات، والكلمات تجرّه إلى فضاءات لم يكن يتوقعها. كما قيل: «القلم يقود الكاتب بقدر ما يقوده الكاتب».

2. موقف الفلسفة الوجودية

سارتر: «الكاتب مسؤول عن العالم، لأنه يكشفه بالكلمات». ميرلوبونتي: «الجسد أداة التعبير، واللغة تجري عبر الكيان الجسدي للإنسان». فالكاتب ينفعل باللغة بقدر ما يفعل بها، ويصبح النص تجربة وجودية متكاملة.

شاعر عراقي: «النص يعيد تكويني في كل جملة، وكأنّي حين أكتبه أُكتب من جديد». وانا اضيف مره  آخر: «الكتابة ليست مرآة لوعي سابق، بل مختبر يولّد وعيًا جديدًا». النص يعيد تشكيل الكاتب ذاته.

4. الشواهد الشرقية

الرومي: «لستُ أنا من يكتب القصيدة، بل القصيدة هي التي تكتبني». وأبو العلاء المعرّي: «وأنا وإن كنت الأخير زمانه، لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل». اللغة تفتح طرقًا جديدة لم تكن متوقعة.

الكتابة لحظة جدلية بين الذات واللغة، الفعل والانفعال، الإرادة واللاوعي. فالكاتب يعتقد أنه يسيطر، والكلمات تنفلت وتعيد إنتاج نفسها.

الكتابة تجربة مزدوجة: الكاتب يكتب النص، والنص يكتبه؛ يشكّل اللغة، واللغة تشكّله، مما يجعلها فعلًا وجوديًا متكاملًا.

 في الختام أختام الكتابة والنص

بحثنا كشف أنّ الكتابة والنص جدلية حيّة، بين إرادة الكاتب وسيطرة النص، الفعل والانفعال، الاستقرار والتجدد. أولًا: الكتابة فعل إرادة ووعي، يعكس بصمة الكاتب في النص: «الكاتب يُظهر في النص جزءًا من روحه لا يراه إلا هو».

ثانيًا: النص يمتلك سلطة تفوق الكاتب: «القصيدة تكتبني أكثر مما أكتبها».

ثالثًا: لحظة الكتابة جدلية: الكاتب فاعل ومنفعل، والنص يعيد تشكيله.

رابعًا: النص فضاء للتجدد: كل قراءة تولّد معنى جديدًا، وتعيد تشكيل الكاتب: «النص يعيد تكوين الشاعر في كل مرة يُقرأ فيها».

الخلاصة الفلسفية: الكتابة ليست مجرد فعل إنتاجي، ولا النص مجرد أثر؛ إنهما تجربة متكاملة، جدلية، مستمرة، تُعيد تشكيل الذات واللغة والمعنى في كل لحظة من لحظات الوعي.

ولذلك يبقى السؤال مفتوحًا: هل أكتب النصوص أم أنّ النصوص تكتبني؟ سؤال عن الوعي، اللغة، الذات، وقدرة الإنسان على مواجهة المعنى في صيغته الحية.

وهكذا تتحقق الغاية الكبرى للبحث: فهم الكتابة كنظام جدلي حيّ، حيث الفعل والانفعال، السيطرة والانفلات، الوعي واللغة، كلها عناصر متشابكة تجعل النص والكاتب في حوار أبدي، وحيث كل كتابة هي ولادة جديدة للوعي والمعنى.

***

الكاتب سجاد مصطفى حمود

 

تحذير تولستوي

في قصة تولستوي (موت ايفان ايليتش)، يموت قاضي بعمر 45 عاما، مدركاً بعد فوات الاوان انه لم يعش حقا. حياته استعيرت لأنها تشكلت وفقا للاتفاقيات وليس وفق الأصالة. هو لم يدرك المسؤولية الاجتماعية للمعنى، واعترف بالحقيقة المذهلة فقط عند عتبة الموت : هو تنازل عن حياته لتوقّعات الآخرين. قصة تولستوي، وحتى العنوان، مثيران للقلق. هي ليست قصة حول الموت، انها حول الحياة. رواية تولستوي تلقي ضوءاً على حياة شخص أمضاها في ظروف مستعارة. انها حياة لم تُختبر، لم تُستجوب، وفي التحليل النهائي لم تُستعاد. ايفان ايليتش كان محترما، وناجحا، لكنه لايزال رجلا فاضلا يُترك على فراش الموت مع القليل من التأمل الداخلي المعذب.

اليوم تخاطر البشرية بمصير مشابه. ليس فقط بحياتنا وانما بعقولنا لأن الذكاء الاصطناعي يغرينا لإستخدام مصدر خارجي لتفكيرنا.

صعود الذهن المستعار

الأذهان المستعارة ليست جديدة، بل ان التاريخ مليء بها. الناس منذ وقت طويل وثقوا بالمؤسسات لتقوم بالتفكير نيابة عنهم، سمحوا للدوغما وللايديولوجية السائدة في تلك اللحظة لتحل محل الشك. الإمتثال كان دائما ملاذاً يقدم راحة الإنتماء على حساب الفردية.

لكن الشيء الجديد هو الحجم الهائل لإغواء الفهم المستعار في عصر الذكاء الاصطناعي. اليوم، يمكن للمكائن تقليد الافكار بسهولة وطلاقة. هي تستطيع صياغة رسائل البريد الالكتروني، والمختصرات القانونية والرسائل الودية التي هي عادة ما تكون مصقولة ومقنعة وعميقة. مع ذلك هناك تحت السطح لا يكمن أي شيء – لا فهم، لا قصدية، لا روح.

هذه كلها ضد الذكاء، آداء للمعرفة دون فهم. وبعبارة اخرى، انه ادراك مزيف. في ذاته هو تقليد ذكي، ليس اكثر تهديدا من ببغاء تردد بضع كلمات. الخطر يأتي عندما نحن البشر نقبله بلا نقد، ونستبدل طلاقته بكفاحنا الفكري . في تلك اللحظة، نحن لم نعد فقط نستعير افكارا، بل نستعير أذهاننا.

لماذا نستعير أذهانا؟

لماذا نحن نقوم بذلك؟ لأن التفكير شاق، والخلق هو غير مؤكد. أدمغتنا تتلهف للكفاءة، والذكاء الاصطناعي يقدم كفاءة بحجم لم نشهد له مثيلا من قبل. في ثواني، يُرفع عبء التأمل وبتأكيد ظاهر. اذن، لماذا نصارع مع الغموض عندما يمكن لنموذج لغة كبير إعطاء إجابة أنيقة ومرتبة؟ لكن الصراعات التي نحاول التغلب عليها  - من الشك الى الدهشة – هي ما يجعل التفكير حقا لنا. هي بالضبط نسيج من الادراك وعدم الاتفاق الذي يولّد أصالة. محوه يعني محو الانسان.

تجربة عملية عن الصراع مع الذكاء الاصطناعي

يقول جون ناستا John Nosta منظّر الابتكار ومؤسس المعهد الفكري (نوستالاب) انه يدرك هذا التوتر منذ البداية. انه استعمل الذكاء الاصطناعي، اختبر الافكار، وحتى حلل البيانات الطبية. في أحسن الاحوال، كان عدسة تشحذ المنظور. يساعده ليرى  نماذج في البيانات، يصوغ الحجج من زوايا جديدة، او يستجوب تحيزاته الظاهرة والخفية. باستعمال هذه الطريقة، هو محفز ومحرض لكن إغواء الاستعارة هو دائما سهل جدا.

وربما الأكثر خطورة هو انه عادة يعمل بدون تحديات. ويضيف الباحث انه لو ترك الماكنة تقرر استنتاجاته، هو لم يستعر فقط كلماتها وانما استعار عقلها. وفي هذا السياق، هو فتح بابا واحدا للحقائق المنظمة والارقام لكنه ضيّق او أغلق ابوابا اخرى – أغلق الذهن الذي يجعله هو. هذه هي المفارقة التي نواجهها جميعا. الذكاء الاصطناعي يمدد تصوراتنا لكنه لا يجب ابدا ان يصبح بوصلتنا. العدسة توضح ما نرى. اما البوصلة تخبرنا أين نذهب. الاولى تعزز الفكر. الثانية تستبدله.

درجات الاستعارة

ليس كل الاستعارات متساوية. بعض أشكالها حميدة وحتى مفيدة لكفائتها في مجالات مثل التصحيح الإملائي، الترجمة، او التلخيص، حيث يمكنها بالتأكيد توفير الوقت بدون ازالة الملكية. لكن استعارة الحكم والتفسير او المعنى سيكون كارثيا. الذهن المستعار ليس دائما مطلقا لكن انحداره زلقا. كلما قمنا بالاستعانة بمصادر خارجية لأجزاء التفكير الصعبة كلما قلّت ملاحظتنا لتغيّر صوتنا الداخلي وضعفه.

استعادة تفكيرنا

تولستوي يترك ايفان ايليتش مع ومضة أخيرة من الوضوح، كان متأخرا جدا لإستعادة حياته لكن يكتفي فقط ليموت بصدق. مهمتنا هي ان نستعيد ذلك الوضوح وسط العيش ضمن او بين نشاز التكنلوجيا. هذا يعني إدخال المعارضة عن قصد وبهدف مقاومة راحة الأجوبة الفورية. عندما ينتج الذكاء الاصطناعي جوابا أنيقا،علينا استجوابه.  نسأل من أين جاء، ماذا أخطأ فيه، ومن المهم جدا ان كنت تستطيع الدفاع عنه بدون وجود الآلة. عندما تشعر بإغراء السلاسة، عليك ان تتذكر ان الأصالة غالبا ما تكون خشنة في البداية وحتى محرجة. الصراع والمراجعة ليسا من عدم الكفاءة التي يمكن تحسينها، هما بصمة الذهن غير المستعار.

استنتاج نهائي

الذهن المستعار هو أسوأ من الموت لأنه ذاته يتظاهر كحياة. انه يتحدث ويقنع لكنه أجوف. وحالما يتم قبوله، يكون الاستسلام بارعا وربما غير مرئي. قد لا تدرك انك كشفت سرا عن نفسك حتى يصبح الصمت في الداخل مزعجا ولا يمكن انكاره . الموت يأخذ الجسد. اما الذهن المستعار يميتنا ونحن لانزال على قيد الحياة. الموت حتمي بينما الذهن المستعار خيار. هذه هي التراجيديا الحقيقية لعصرنا، تراجيديا أسوأ من الموت. 

***

حاتم حميد محسن

مادام قد أُخذ رأي واحد من بين اجتهادات متعددة في كل مسألة فقهية، وجُمع في مدونة، ليُفرض لاحقًا كقانون على جميع أتباع المذهب الجعفري،

- في مخالفة صريحة لأبجديات الفقه الإمامي - وجعلوه قانونا لجميع الجعفرية، كان المفترض، مادام والأمر كذلك، أن يتم اختيار أكثر الاجتهادات المناسبة والملائمة للعصر الحاضر، فيأخذون الاجتهاد الذي ينظر لملابسات الحاضر وواقع الناس في العراق في هذا الزمن، فهناك اجتهادات جعفرية تورث المرأة من العقار مثلا، بما ينسجم مع وضع المرأة الحالي التي هي المنفقة الأولى في البيت، أو تساهم بشكل كبير فيه، سواء عبر عملها المجاني، أوعملها خارج البيت الذي تنفقه بالغالب على أسرتها، فهذه الأموال التي يمتلكها الزوج اليوم هو نتيجة عمل الزوجين معا. فالزوج اليوم لايجلب مرضعة ولامربي للأطفال، ولا خادم وخادمة ولا "عبيد وإماء" يقدمون الخدمة للزوجة، حتى يستقيم الحكم الأولي في هذه المسألة، لتسجل كل الممتلكات باسمه، الواقع يقول أن الزوجة مشاركة معه لكن العرف الذكوري يسجل كل المال بأسم الزوج ظلما وعدوانا أو حتى غفلةً.

فبدلا من القيام بالتفتيش في الكتب الفقهية فقط، كان يجب قراءة الواقع العراقي الذي يريدون صب الأحكام عليه.

وهذا مافعلته إيران فهي لم تجلب فتاوى من الكتب دون ملاحظة واقع الأسرة الإيرانية، لذلك نجد أنهم يدمجون الواقع مع الحكم عند التطبيق.

فالمرأة مواطنة في دولة وهي في عقد مع الدولة قبل أن تكون في عقد مع الزوج، وهذا العقد متجدد في كل واقعة، فلايجوز أن تعقد المواطنة عقدا يخالف عقدها الأولي مع الدولة، وعلى الدولة أن تلتزم للمرأة بالتزاماتها حول حماية حقوقها الإنسانية كفرد مستقل، فالدولة حين تنفق مالا كثيرا على تعليم الفتاة مثلا، تطلب منها أن ترد هذا المال عبر العمل في قطاعاتها، فلا يحق لأحد منعها من الخروج للعمل، وهي في حالة عقد سابق مع الدولة وهو عقد ملزم، فالعقد اللاحق مع الزوج لايجوز أن يتم به منعها من العمل، مادام يعرف أنها مواطنة متعلمة بمال الدولة، وعليها رد هذا المال بحسب العقد المبرم ابتدائيا كمواطنة.

هذه الاجتهادات مما يدور في بعض الأروقة الإيرانية. هل يملك الزوج صلاحية هدم التزامات الزوجة لمجرد أنه يريد أن يحولها الى " إداة جنسية "؟، (في رؤية مستحكمة لكيان المرأة وحصره بها) ينتفع بها طيلة الوقت متناسيا أبعاد الزوجة الأخرى والتزاماتها، من حيث كونها مواطنة لها حقوق وعليها واجبات.

أن الفقه الفردي المتحكم في عقلية " المجلس العلمي"، - والذي جعل من المرأة ملكية (انتفاع) كاملة للزوج- قد تناست أو غفلت عن الوضع القانوني للإنسان اليوم، وهو كونه مواطن في دولة، له حقوق وعليه واجبات ولا يجوز للإنسان الدخول بعقد يخالف مباديء المواطنة.

وأن الفقه الفردي حين يراد له أن يطبق على مجتمع ودولة بقانون حديث يحكم أبناء اليوم، كان ولابد أن يدرس الأمور من جميع جهاتها ولايكتفي بالنقل الحرفي من المدونات الفقهية التي هي تدور في نطاق الفرد المكلف، والذي عليه تقع مسؤولية تشخيص الموضوع ويراعى فيه النية لينطبق عليه أغلب الأحكام، وهذا لايتواجد بالضرورة في القوانين التي تسن للجميع.

 فهل انتبهوا لذلك !.

***

ا. د. بتول فاروق - النجف

 ١٤/ ٩/ ٢٠٢٥

في خضم هيمنة المفهوم الأيديولوجي للمركزية الأوروبية فرّق الأوروبيون بين ما أسموه "الموسيقى العالمة" أي الموسيقى الكلاسيكية، و"الموسيقى الشعبية". فكانت الأولى بالنسبة إليهم موسيقى تخاطب العقل، أما الثانية فهي مجرد موسيقى للترف تخاطب العاطفة والوجدان. في هذا الصدد تحدث عالم اجتماع الحداثة ماكس فيبر، في إطار ما أسماه بـ " désenchantement du monde" أو نزع السحر عن العالم، وضمن مشروعه الحداثي الشامل، عن عقلنة الموسيقى، وقد كان مفتونا بظاهرة العقلنة التي كان يجب أن تطال كل شيء، حسب رأيه. لم تكن عقلنة الموسيقى سوى هوس أوروبي بهيمنة العلموية "Scientisme" أو الباراديغم العلمي، على جميع مناحي الحياة.

اعتقد ماكس فيبر كغيره من الأوروبيين الشوفينيين أن الموسيقى الكلاسيكية هي موسيقى علمية بحته، لغة رياضية لها كلمات وجمل وقواعد يمكن أن يفهمها العقل البشري تماما كفهمه للغة. تبنّت البورجوازية الصاعدة، آن ذاك، هذا المفهوم ووظفته في مشروعها السياسي والأيديولوجي الذي تسعى من خلاله للهيمنة على السلطة. تحولت الموسيقى الكلاسيكية بعد ذلك إلى رمز من رموز الانتماء الاجتماعي للطبقة البورجوازية، فأُفرغت من محتواها الفني لتتلّبس معنى أيديولجياً صرفاً.

يعتبر الموسيقار الفرنسي كلود ديبوسي  Claude Debussy 1862ــــ1918 أول من تمرّد على القواعد الموسيقية التي سيطرت في الفترة الرومنتيكية، فقد أعلن عن رِدته حين ألّف سيمونيته الموسيقية " البحر" سنة 1903. كان عمله هذا بمثابة إعلان عن انتمائه إلى التيار الفني الانطباعي فحطّم بذلك وهم الموسيقى العالمة والعقلانية. كانت الدول الأوروبية المستعمِرة، قبل ذلك،  قد فرضت سيطرتها العسكرية، الاقتصادية والثقافية على الدول المتخلفة، وسوقّت بالتالي ايديولوجيتها الإمبريالية التي كان عنوانها" المركزية الأوروبية".

لم ينتبه العرب المستعمَرون إلى التحول الذي طرأ على الموسيقى الكلاسيكية فغير محتواها، بحيث تحولت من نوع موسيقى تحيُّزي يشير إلى الانتماء، إلى موسيقى حرة تعبر عن المشاعر والأحاسيس ولا تخضع للقوالب الجاهزة ولا للقيود الهارمونية التي تشكّلت اجتماعيا وأصبحت تحيل إلى مفاهيم اجتماعية طبقية بحته. هذا التحول العميق الذي طرأ على الموسيقى الكلاسيكية كان نابعا من تحول تاريخي شهدته المجتمعات الأوروبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين بعدما كشفت الأنثروبولوجيا الحديثة عن زيف مفهوم الحضارة المؤدلج. تأكّد بعد ذلك لعقلاء الأوروبيين أن ثقافات الشعوب الأخرى تستجيب لحاجيات نابعة من صميم البنى الاجتماعية لهذه المجتمعات، بدلا من المنظور الكولونيالي الشمولي الذي كان يتبنى مفهوم الثنائية الحضارية الزائف: بدائي/ متحضر.

بعد زوال المنظومة الاستعمارية تبنّت شعوب مستعمراتها السابقة نمط الدولة الحديثة الذي فرض وجوده بحكم الهيمنة الاقتصادية والثقافية الغربية. لم يكن بحوزة المجتمعات العربية نموذجا حضاريا بإمكانه أن ينافس النموذج الغربي لما حققه من تقدم وتطور وازدهار في جميع المجالات. بقيت المؤسسات التي أنشئها المستعمر، لخدمة مصالحه وتلبية لحاجيات مواطنيه، قائمة بهياكلها ومناهجها حتى بعد رحيله، لكنها أصبحت مسخرة لخدمة شعوب غير تلك التي أنجزت من أجلها.

كان ذلك حال المدارس الموسيقية والكونسرفاتوارات التي خلفها المستعمر الفرنسي في الجزائر، مناهج دراسية تُلقن للطلاب تماما كتلك التي تُدّرس في فرنسا وكامل مستعمراتها، تٌشعر الطلاب المتخرجين منها بنوع من الاستعلاء تجاه كل الأنواع الموسيقية الأخرى. لازلنا بعد ستين سنة من الاستقلال نُخَّرج طلابا يكرهون الموسيقى العربية، ويشمئزون من موسيقاهم الشعبية، ويتخذون موقفا قيميا تجاه أي موسيقى عدا الكلاسيكية لأنها، في نظرهم، ترمز للتطور وتُشعر ممارسيها ومستمعيها أنهم ينتمون لحضارة رائدة وثقافة مهيمنة.

إذا كان رواد الموسيقى الغربيون قد تخلوا عن وهم الموسيقى العالمة، بل وأصبحوا يحرصون على دراسة موسيقى الشعوب الأخرى ويسعون لكشف مكنوناتها لاعتقادهم أن قيمتها الفنية لا تُقاس بمعايريهم، بل تُكتشف من داخل البنى والأنساق الثقافية لهذه الشعوب، فلما لازال بعض الموسيقيين عندنا يتمسكون بوهم تنازل عنه أصحابه، ويقللون من شأن موسيقاهم، الشعبية منها والطليعية، ظانين بذلك أنهم يصطّفون ويتموقعون في صفوف المتفوقين حضاريا.

وصلت الموسيقى الكلاسيكية إلى شكلها الحديث والمعاصر عبر تطور تاريخي وثقافي دام عدة قرون، لكنه كان دوما نابعا من حاجة اجتماعية استدعت هذا التطور والتغير الذي طرأ على الأشكال الموسيقية عبر كل هذه العصور. فالموسيقى، في نهاية المطاف، هي تعبير عن تغير اجتماعي وتلبية لرغبات اجتماعية جديدة. فما أحدثه كلّ من زرياب، الفرابي، باخ،  ديبوسي، سيد درويش وأحمد وهبي، لم يكن بدافع رغبة فردية في التغيير فقط، بقدر ما كان استجابة لمتطلبات ظرفية جدية تستدعي نوعا من الإبداع لإشباع ذائقة اجتماعية تتطور باستمرار.

هل مجتمعنا فعلا في حاجة إلى الموسيقى الكلاسيكية بالشكل الذي يدرسه طلابنا في معاهد الموسيقى؟ بمعنى آخر هل تُلبي المعاهد الموسيقية، من خلال ما تُخّرجه من دفعات، حاجات اجتماعية تتطلب الاشباع. في اعتقادي لا، فالبرامج التكوينية التي يتلقاها الطلاب في هذه المعاهد بعيدة كل البعد عما يشهده المجتمع من تغيرات في الأشكال الموسيقية والأذواق. قد يُفهم من كلامي أنني أريد من هذه المعاهد أن تقتفي أثر الرداءة التي تطغى وتسيطر على الساحة الفنية، أبداً، فكل ما أطالب به هو أن تكون المناهج الدراسية تستجيب لحاجيات مجتمع في طور التكوين، لا مناهج مستوردة تشكلّت في بيئات ثقافية معينة وتستجيب لتغيرات اجتماعية لمجتمعات بعينها.

إننا نكوِّن طلابا يشعرون بنوع من الغربة، في مجتمعهم، بعد تخرجهم، فلا يجدون مناصا من الهجرة إلى مجتمعات أوروبية أين يجدون أرضية ثقافية تتوافق مع شهاداتهم ثم لا يجدون صعوبة في الحصول على مناصب شغل. فلماذا كل هذا العناء والجهد المادي والمعنوي لأجل صناعة عقول وطاقات لا نستفيد منها، بل ونحضرها ونجهزها لتستنزفها مجتمعات تسعى، بكل ما أوتيت بقوة، لأن نبقى تابعين منقادين للحضارات والثقافات المهيمنة.

حقا، كان على الموسيقى الشرقية عموما والعربية على وجه الخصوص أن تنحى منحى الغرب في التدوين والدراسة النظرية والعلمية، وهذا ما حدث بالفعل منذ مؤتمر القاهرة للموسيقى العربية في سنة 1932. لكن لم يكن لزاما علينا أن نتقيد بالمناهج الغربية ونحرص على تقديسها أكثر منهم، إذا كان بعضهم إن لم نقل غالبيتهم، في زمننا المعاصر، قد تمردّوا عليها، بل وانفتحوا على موسيقى الشعوب المختلفة.

الفنون، في مجملها، هي حالات إبداعية لا تعكس الواقع بل تسعى إلى تحسينه من خلال نقده وكشف الزيف الذي يشوبه، لكن بشرط أن تكون نابعة من صميم البنى السوسيوثقافية، معبرة عن قلق، معاناة، أحلام وطموح الأفراد. الفون التي لا تتطابق مع مجتمعاتها هي مجرد أقنعة تحاول بعض الطبقات والنخب أن تخفي بها ما اصابها من تشوهات ثقافية وتيه هوياتي.

***

تركي لحسن

تأطير الإشكالية الفلسفية: يُعدّ التحول من الثقافة الشفوية إلى الثقافة المكتوبة أحد أبرز التحولات التي شهدها تاريخ الفكر الإنساني، وهو تحول لا يقتصر على كونه مجرد تطور تقني في وسيلة حفظ المعلومات ونقلها، بل هو تحول جوهري في بنية المعرفة، ودور الذاكرة، وطبيعة السلطة. يهدف هذا التحليل إلى تتبع الخط الزمني والفلسفي لهذه الظاهرة، وإظهار تأثير الانتقال من السرد الشفوي المرن إلى النص المكتوب الثابت الذي منح النص سلطة مرجعية جديدة، وحوّله إلى "كيان مقدس". نتيجة لهذه السلطة، ظهر مفهوم "الجهل المقدس" كآلية لحماية النص من النقد والتحليل، في علاقة جدلية تترسخ مع تزايد سلطة النص المكتوب.

الفرضية الأساسية التي تقوم عليها هذ المقالة هي أن عملية التدوين ليست محايدة، بل هي عملية تقنين وتثبيت للمعلومة، مما يمنحها قوة وسلطة لم تكن تمتلكها في الحالة الشفوية. هذا التثبيت هو الذي يجعل النص المكتوب مرجعًا نهائيًا، ويُحْدِث تحولًا جذريًا في طبيعته من عملية حية وديناميكية إلى كيان ثابت ومُقنَّن.

الجدل التاريخي الذي يدور حول تأليف ملحمتي الإلياذة والأوديسة. هو ليس مجرد خلاف حول هوية المؤلف، بل هو انعكاس عميق للصراع الفلسفي بين الفكرة الفردية للعبقرية والتراكم الجماعي للمعرفة.

الوحدويون: هم من يعتقدون أن الملحمتين هما عمل مؤلف فردي عبقري واحد، وهو الشاعر "هوميروس". يشددون على أن الوحدة الدرامية والوحدة الفنية والنفسية للنص لا يمكن أن تكون إلا نتاج عقل واحد. كما يجادلون بأن هذه الملاحم لم تكن أقدم المؤلفات المكتوبة في بلاد الإغريق. هذا التوجه يميل إلى تقديس المؤلف الفردي ويمنح العمل الأدبي سلطة وقداسة نابعة من عبقرية مبتكره.

المحللون (السياقيون) يذهبون إلى أن الملحمتين هما حصيلة تراكم سردي شفوي طويل الأمد، تطور على يد مجموعة من الشعراء الرواة (الآيدوس) على مر العصور قبل أن يُدوّن في صيغته النهائية. يرى هذا التيار أن "هوميروس" قد يكون اسمًا جماعيًا يمثل هذا التراث الشفوي، أو اسمًا للشخص الذي قام بتجميع هذا الإرث الأدبي الهائل وتنظيمه في شكله الحالي، وليس مبتكرًا له من العدم. كان المحللون ينظرون إلى النصوص الأقرب زمنيًا للأعمال الهومرية على أنها المصادر الأولية التي عمل منها "هوميروس". (جدلية الشعر الجاهلي وقضية امرؤ القيس) 

إن وجود هذا الجدل الحاد يعكس الصراع بين الرغبة في نسبة الإبداع إلى عبقري فردي، مما يمنح النص سلطة وقداسة خاصة، والوعي بأن المعرفة هي نتاج تراكم جمعي ومستمر. هذا الصراع يمثل تمهيدًا لفهم "سلطة النص" في السياقات اللاحقة، خاصةً الدينية منها، حيث يصبح النص المدوّن هو المرجع الأوحد للنقاء والصدق.

الشفاهية والكتابة في السياق الهومري

في الثقافة الشفوية، كان السرد مرنًا، وقابلًا للتغيير والتكيف مع كل عملية أداء، ولم يكن التركيز على "النص" في حد ذاته بقدر ما كان على "القصة" وكيفية روايتها. كانت الذاكرة الشفوية "نشطة" و"إبداعية"، تعتمد على التذكر وإعادة البناء في كل مرة، وكانت جزءًا حيًا من الهوية الجمعية. دخول الكتابة، أحدث تحولا جذريا، حوّل الكتابة من السرد المرن إلى نص ثابت ومُقنَّن، مما منحه سلطة جديدة كـ "مرجع نهائي". هذا التثبيت منح النص سلطة لم يكن يمتلكها من قبل، وجعله يفرض نفسه ككيان مستقل، لكنه في الوقت ذاته أفقده خاصية التفاعل الديناميكي مع الذاكرة الجمعية. 

الرموز والتحليل في الإلياذة

تختلف النصوص الهومرية عن النصوص المقدسة في معالجة الرموز. فالرموز في الإلياذة تركز بشكل أساسي على التجارب الإنسانية والسرد القصصي. تحتوي الإلياذة على رموز تتعلق بقيم إنسانية عميقة مثل الشجاعة، الشرف، والفداء، تعكس تأملات فلسفية حول الوجود والمصير. الفلاسفة مثل أفلاطون ناقشوا هذه النصوص من منظور أخلاقي وديني، مشيرين إلى تأثيرها على المجتمع اليوناني. 

التحليل الفلسفي للرموز في الإلياذة كان يُنظر إليه كجزء من التجربة الإنسانية؛ حيث يعتبر عدم القدرة على الفهم الكامل دافعًا للتفكير والتأمل حول التحديات الوجودية. هذا يختلف عن "الجهل المقدس" الذي يرتبط بالنصوص الدينية، والذي يفضل القبول على الفهم، ويرفض التحليل النقدي. 

نظريات التحول: والتر أونج وإريك هافلوك*

يُعتبر التحول من الشفاهية إلى الكتابة محور دراسات العديد من الفلاسفة والمفكرين. فقد وصفه إريك هافلوك بأنه "ثورة صامتة غيرت العالم"، حيث أدت إلى تحول الذهن البشري من التعود على التلاوة الشفوية إلى التأمل الصامت في النص المكتوب. كما يرى والتر أونج في كتابه "الشفاهية والكتابية" أن الكتابة هي "تقنية الكلمة" التي غيرت أنماط التفكير بشكل جوهري. ويوضح أونج أن الثقافات الشفوية تعتمد على أنماط محددة اذ يميل التفكير إلى أن يكون منظمًا في أنماط تذكيرية، مثل الإيقاعات المتوازنة، والتكرار، والجناس، والأمثال وعطف الجمل، والأسلوب التجميعي، بينما تبرز في الكتابة الذاتية المعرفية والفنية.

الذاكرة: من الإبداعية إلى السلبية

الفرق بين الذاكرة في الثقافتين جوهري. فالذاكرة الشفوية هي "ذاكرة إبداعية ونشطة" تعتمد على التذكر وإعادة البناء في كل مرة، وهي جزء لا يتجزأ من هوية المجتمع. أما الذاكرة المكتوبة فهي "ذاكرة سلبية وثابتة" تعتمد على الاسترجاع من مصدر مرجعي ثابت، وتعمل على ترسيخ المفاهيم بدلًا من بنائها. هذا الانتقال هو تحول من "الحقيقة" كعملية إبداعية جماعية مستمرة، إلى "الحقيقة" ككيان موضوعي ثابت ومستقل عن المبدع والمفسر. 

سلطة النص المكتوب

منح التدوين للسرديات سلطة رسمية وجعل النص المكتوب هو المرجع النهائي. هذه السلطة لا تقتصر على محتوى النص، بل تمتد لتشمل طبيعته كوعاء ثابت للمعرفة. التحكم في هذا النص المكتوب يمنح سلطة تحديد ما هو صحيح وما هو خاطئ. هذه السلطة هي أساس تحول السرد إلى كيان مقدس مستقل بذاته، وتصبح تلاوته والتمسك به طقسًا تستخدمه المؤسسات الدينية لترسيخ نفوذها الاجتماعي والسياسي. في هذه الحالة، يمكن استخدام سلطة النص لمنع التنوع والحد من التفسيرات التي كانت ممكنة في العصر الشفوي. 

سلطة النص والجهل المقدس: علاقة جدلية

مفهوم الجهل المقدس

الجهل المقدس" هو مصطلح يُستخدم في علم الاجتماع لوصف التدين الذي يرفض المعرفة العلمية ويعتقد في الديني الخالص الذي يُبنى خارج نطاق الثقافات. هذا المفهوم لا يمثل مجرد جهل، بل هو موقف إيماني يفضل "القبول" على "الفهم"، ويعتبر الإيمان أعلى مرتبة من العقل. في كثير من الأحيان، يُستخدم هذا المفهوم كأداة لاضطهاد فلاسفة التنوير والنقد. 

سلطة النص كآلية للجهل المقدس

ترتبط "سلطة النص" ارتباطًا وثيقًا بظهور "الجهل المقدس". فعملية تدوين السرديات المقدسة وتجميدها هي التي أتاحت ظهور سلطة النص كمرجع مطلق. هذه السلطة بدورها أدت إلى ظهور الجهل المقدس كآلية لحماية هذا النص من التساؤل والشك. فإذا كان النص مقدسًا ومطلقًا، فإن أي محاولة لتحليله أو نقده تُعتبر شكًا أو كفرًا.

هذه العلاقة جدلية ومتبادلة؛ فكلما زادت سلطة النص المكتوب كمرجع مطلق، زاد الاعتماد على "الجهل المقدس" كأداة لحمايته من النقد. التحول من "الحوار" الشفوي القابل للتأويل وإعادة الصياغة إلى "التلقين" المكتوب هو ما يميز العصر المدوّن. التحكم في النص المكتوب يمنح سلطة المعرفة، ويصبح النص هو الجهة التي تملك حق الحفظ والتفسير والتأويل، مما يمنحها قوة اجتماعية وسياسية. 

تحولات النص في العصر الرقمي

يُمثل العصر الرقمي اليوم تحولًا جديدًا، يعيد طرح الإشكاليات الفلسفية ذاتها في سياق معاصر. لقد غيرت التكنولوجيا الرقمية طريقة الكتابة والتواصل، وظهرت أشكال جديدة من النصوص الرقمية التفاعلية. لم يعد النص كيانًا خطيًا ثابتًا، بل أصبح متعدد الوسائط، يجمع بين النص، الصورة، الصوت، والفيديو.

يؤدي هذا التحول إلى عودة بعض خصائص الثقافة الشفوية التي تناولها والتر أونج، واستخدام الرموز التعبيرية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من المحادثات اليومية. هذا يفتح المجال لفهم أننا نعود إلى حالة من "الشفاهية" ولكن بأدوات تقنية جديدة. 

سلطة المحتوى في العصر الرقمي

إذا كانت الكتابة قد خلقت "سلطة النص" الموحدة، فإن العصر الرقمي قد أدى إلى "تفكيك" هذه السلطة. فقد انتقل التحكم في المحتوى من المؤسسات التقليدية إلى المنصات الرقمية التي تتيح للجميع إنتاج ونشر المحتوى. هذا التفكيك له فرص وتحديات.

العصر الرقمي يمثل انقلابًا جديدًا؛ فبينما فرضت الكتابة نوعًا من "الجهل المقدس" عن طريق تثبيت النصوص، فإن العصر الرقمي يغرق الأفراد في "فوضى المعرفة"، حيث تتوافر المعلومات بكثرة دون وجود مرجعية مركزية لتصنيفها أو التحقق منها. هذا يفتح أسئلة جديدة حول مرجعية الحقيقة في عالم متغير.

تأملات ختامية

ان دراسة التحول من الشفاهية إلى الكتابة، بدءًا من القضية الهومرية وحتى العصر الرقمي، تظهر أن هذه العملية هي أكثر من مجرد تطور تقني. لقد أحدثت الكتابة تحولًا جذريًا في طبيعة المعرفة والذاكرة، مما منح النص سلطة لم تكن موجودة في الثقافة الشفوية. هذه "سلطة النص" هي التي أتاحت ظهور "الجهل المقدس" كآلية لحماية النص من النقد والتحليل.

يواجه الصراع القديم بين مرونة الشفاهية وثبات الكتابة اليوم تحديات جديدة في ظل الثورة الرقمية. فإذا كانت الكتابة قد قننت المعرفة، فإن العصر الرقمي قد فككها. هذا التفكيك يثير تساؤلات حول طبيعة الحقيقة، والسلطة، ومرجعية المعرفة في عالم لم يعد فيه النص كيانًا ثابتا، بل محتوى مرنًا وقابلًا للتعديل والتفاعل.

***

غالب المسعودي

........................

majalla.com

كتاب يروي قصة اختراع الكتابة وولادة المكتبة - مجلة المجلة

* iqra.ahlamontada.com

182 الشفاهية والكتابية - والتر ج.أونج

alfaisalmag.com*

التحول من الشفاهية إلى الكتابية لدى كتاب القرون الوسطى | مجلة الفيصل

* koha.birzeit.edu

الشفاهية والكتابية تأليف والتر ج. أونج؛ ترجمة حسن البنا عز الدين؛ مراجعة محمد عصفور

* asjp.cerist.dz

* الأنثرومورفيزم والتأويلات الناسوتية للآلهة من خلال الإلياذة Anthromorphism and humanistic interpretations of the gods through the Iliad | ASJP (“الأنثرومورفيزم والتأويلات الناسوتية للآلهة من خلال الإلياذة ...”)

* hindawi.org

المقارنة بين الإلياذة والأوديسة | الإليَاذة - مؤسسة هنداوي 

* Walter J. Ong | Research Starters - EBSCO

Eric A. Havelock - Wikipedia

Walter J. Ong - Wikipedia

 

نحو هيرمينوطيقا جديدة للفهم الذاتي

لقد ظلّت العلوم الإنسانية، منذ لحظة تشكّلها في القرن التاسع عشر، مأسورةً بين مطرقة النموذج العلمي الصارم الذي جسّدته العلوم الطبيعية والتقنية، وسندان سؤال خصوصيتها بوصفها علوماً للفهم لا للتفسير وحده. وهنا انبثق المشكل المعرفي الذي سيتحوّل لاحقاً إلى منعطف أنطولوجي حاسم، كما سمّاه مارتن هايدغر، حين وضع اللغة لا كوسيلةٍ للتواصل فحسب، بل كبيتٍ للوجود، وسلّط الضوء على الفهم الذاتي بوصفه شرطاً لتجربة الكائن في العالم.

إنّ فيلهلم دلتاي، الذي دشّن مشروع "نقد العقل التاريخي"، قد ميّز مبكراً بين علوم الطبيعة (Naturwissenschaften) القائمة على التفسير السببي، وعلوم الروح أو الإنسانية (Geisteswissenschaften) القائمة على الفهم (Verstehen). فالإنسان عنده ليس مجرد موضوع خارجي يمكن قياسه كمياً، بل كائن يختبر ذاته من الداخل عبر التاريخ والمعنى. وهذا ما سيجعله الأب المؤسس للهيرمينوطيقا الحديثة، التي مهّدت الطريق للفلسفة الوجودية والأنطولوجيا الهيدغرية.

هايدغر، في كتابه "الكينونة والزمان"، حوّل النقاش من سؤال "كيف نعرف؟" إلى سؤال "ما معنى أن نكون؟". ومن ثمّ فإنّ العلوم الإنسانية، في أفقه، ليست مجرد أدوات لإدراك السلوك الاجتماعي أو النفسي، بل ساحة انكشاف للكينونة ذاتها عبر اللغة والفهم التاريخي. اللغة هنا ليست وسيلة توصيف، بل هي – كما يقول – "بيت الكينونة"، حيث يسكن الإنسان. إنّ الفهم الإنساني ليس عملية ذهنية تفسيرية فحسب، بل تجربة وجودية تكشف عن توتر الكائن بين التناهي والزمانية، بين الموت كأفق وجودي، والتاريخ كتجربة متجددة للذات.

ويبدو أنّ "المنعطف الأنطولوجي الحاسم" الذي أشار إليه هايدغر ليس سوى تلك النقلة النوعية التي أعادت الاعتبار إلى العلوم الإنسانية، لا باعتبارها نسخة ناقصة عن العلوم الطبيعية، بل كفضاء مستقل له منطقه الخاص. وهو ما أكّد عليه بول ريكور حين رأى أنّ التأويل (Herméneutique) هو البنية العميقة للعلوم الإنسانية، إذ إنّ النصوص، الرموز، والأفعال لا تُفهم إلا عبر جدلية الذات والآخر، والجزء والكل، والتاريخ والمعاصرة.

إنّ هذا المنعطف أعاد توجيه السؤال من البُعد الإبستمولوجي الضيق إلى البُعد الأنطولوجي الأرحب. فبدلاً من الاكتفاء ببحث صلاحية مناهج العلوم الإنسانية أو عجزها عن تحقيق "الصرامة العلمية" للعلوم الطبيعية، أصبح السؤال: ما الذي تكشفه هذه العلوم عن الإنسان بما هو وجود متناهٍ وزمني وتاريخي؟. وهو السؤال الذي سيجد صداه عند فوكو حين تحدث عن "أركيولوجيا المعرفة" وعن الإنسان كـ"اختراع حديث" قد يختفي مع انمحاء الشاطئ الذي كُتبت عليه صورته.

إنّ الفهم الذاتي، كما تبلور في هذا المسار، ليس نزعة نفسية أو تأملية محضة، بل عملية تاريخية تتوسّطها اللغة والرموز والمؤسسات. لذلك، فإنّ العلوم الإنسانية – من الأنثروبولوجيا إلى علم الاجتماع، ومن الفلسفة إلى علم النفس – ليست مجرد أدوات لقياس السلوك أو وصف البنى، بل هي حقول تكشف عن معنى الكائن في التاريخ، عن حدوده وهشاشته وقدرته على إنتاج المعنى من العدم.

لقد أدرك دلتاي أنّ التاريخ هو الشرط الجوهري لفهم الإنسان، فيما رأى هايدغر أنّ الزمانية هي بنية الوجود نفسه، وأضاف ريكور أنّ الهوية الإنسانية لا تُفهم إلا عبر السرد والتأويل. أما هابرماس، فقد أشار إلى أنّ العلوم الإنسانية لا تكتفي بالتفسير أو الفهم، بل تحمل دائماً بعداً نقدياً تحررياً يفتح أفق التواصل العقلاني.

إنّ ما يجمع هذه المقاربات هو الإقرار بأنّ العلوم الإنسانية ليست "علوماً ضعيفة" قياساً إلى العلوم الطبيعية، بل هي حقول أنطولوجية-هيرمينوطيقية تكشف عن جوهر الإنسان في تعدده، وعن لغته كمرآة للوجود، وعن تاريخه كمساحة لتجربة المعنى.

ولعلّ ما نحتاجه اليوم، في زمن تغوّل التقنية (High-Tech) وتشييء الإنسان في مقاييس السوق والبيانات الضخمة، هو إعادة إحياء هذا "المنعطف الأنطولوجي الحاسم"، لكي نستعيد مركزية السؤال الإنساني: ما معنى أن نكون؟. فهذا السؤال، الذي بدا في زمن الحداثة ترفاً فلسفياً، هو اليوم شرطٌ وجودي أمام أزمة المعنى التي تهدد الحضارة المعاصرة.

خلاصة:

العلم الإنساني في أفق المنعطف الأنطولوجي ليس بديلاً عن العلم الطبيعي، ولا نسخة مشوّهة عنه، بل هو مسعى آخر: مسعى الكشف عن الإنسان بوصفه كائناً متناهياً، لغوياً، تاريخياً، وزمنياً. وهذا ما يجعل الفهم الذاتي – كما طرحه دلتاي، وأعاد صياغته هايدغر، ووسّعه ريكور – قلب العلوم الإنسانية ومعيار استقلاليتها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - بر لين

توقفنا في اللقاء السابق عند قول "جوستاف لوبون": " لو صَحَّ أن يكون للأديان ما يُعزى إليها من تأثير لوجب أن نقول إنَّ القرآن أفضل من الإنجيل؛ لأن أمم الإسلام كانت أسمى أخلاقاً من أمم النصرانيَّة "؛ وهو بالحقيقة قول يحتاج منا إلى إعادة نظر؛ فأي منصف تمثلت العقلانية لديه لا يقبل مثل هذه الأقوال التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ظاهرها إظهار الحقيقة وباطنها الفتنة بين الأديان.

فتلك أقوال من شأنها أن تثير التعصب وتخلق شعور البغضاء بين رسالة الأديان الكتابية، وهى في مجملها رسالة الله، من الله، تحفظ للإنسان رباطه الروحي مع خالقه، وتحث جميعاً في ذاتها على قيم الأخوَّة والمحبّة والتسامح والسلام. ثم منذ متى كان الحكم على أفضلية الكتاب المقدس قياساً بأفضلية الأمم المنتسبة إليه؟

وهل كل المنتسبين إلى الإسلام على درجة من الأخلاق سامية ومتساوية؟ وقد كان الأستاذ الإمام إذا سمع بأحدٍ من الأوربيين يطعن في الإسلام يقول: إنّ هؤلاء الإفرنج يأخذون مطاعنهم في الإسلام من سوء حال المسلمين، مع جهلهم بحقيقة الإسلام. إنّ القرآن نظيف، والإسلام نظيف، وإنمّا لوّثة المسلمون بإعراضهم عن كل ما في القرآن واشتغالهم بسفاسف الأمور.  

حقيقةً؛ إنَّ ما يجيء من غمز ولمز بصدد الصراع الدائم بين الأديان الكتابية شيء ـ فضلاً عن كونه يُشْعل فتيل الثورة والعداوة، ولا يدفع إلى توخي السلام الروحي والنفسي ـ ينبغي جميعاً أن نتجاوزه إلى ما فوقه، وإلى ما بعده، وأن نترك هذا الصراع التاريخي الدامي لله الحاكم والمسيطر والمطلع على الضمائر والقلوب، وألاّ نكرِّه الناس في دين الله، في رحمة الله.

وفي الحق أني لأعجب كل العجب من أولئك الذين ينفِّرون الناس من خالقهم الذي أخبر عن نفسه أن رحمته وسعت كل شيء .. كل شيء .. وبغير استثناء شيء دون شيء، وأنه يختص برحمته من يشاء بفضله، ولم يقل قط أنه أختص بنقمته من يشاء.

فلئن كان ثمة صراع، ففي مثل هذا الصراع تعميق لا شك فيه لهوة الخلاف بين رسالة الأديان الكتابية في حين أن المفروض فيها أن تسودها الوحدة ليحل السلام، وأن تجمّع الروابط المشتركة فيما بينها ليزول التعصب الأحمق المأفون، وأن نثق في الله، وأن نأخذ عنه مباشرة تعاليمه، وأن ننزهه عن الغضب والمسْخَطة، وأن يكون هو لا غيره قبلتنا ووجهتنا.

وبما إن هناك خلافاً بين الأمم والشعوب حول العقائد؛ فالأصل في الدين أنه واحد، وإنْ كانت الشرائع مختلفة.

والعقيدة الصريحة الصحيحة تقرّر فيما يقول الأستاذ الإمام:" إنْ الله بعث الرسل، وأنزل الكتب، وبيَّنَ الثواب والعقاب، وأيَّدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأوجب على لسانهم معرفة التوحيد والشريعة، وكل ما قالوه صدق، وكل ما فعلوه حق. وقد أشار القرآن الكريم إلى الخلاف بين الأديان المتعددة، فجاء منه في سورة الحج:" إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوُسَ وَالَّذيِنَ أَشْرَكُوا إنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّ اللهَ عَلَى كُلٍ شَيْء شَهِيدُ ".

ولما كانت الشرائع والأديان لم تأتْ إلا لتهذيب النفوس الإنسانية، ونقلها من مرتبة الحيوانية إلى رتبة البشرية المهذبة أو رتبة الملائكية، إنْ استطاعت، وتخليصها من عالم الكون والفساد إلى عالم البقاء والدوام، وكانت سير الأنبياء ووصاياهم، وحياة الأولياء والعارفين وشذراتهم، وسنن واضعي النواميس ومراميهم، تؤكد ذلك وتقويه؛ فقد صارت الكتب السماوية - كما يقول الإمام محمد عبده -: التوراة والإنجيل والزبور حقاً لا كذب فيه، بشهادة القرآن ذاته، وكانت باقية أبداً وكانت حقيقة هذه الكتب معلومة أبداً، لا لشيء إلا لأن القرآن الكريم مصدر الكتب الإلهية السابقة ومهيمنٌ عليها كما في قوله تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إَلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِ مُصَدِّقَاً لما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيهِ"؛ وذلك لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخاً ألبتةً ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى:"إنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكرَ وإنا لَهُ لحَافِظوُنَ".

بقيتْ كلمة أخيرة تدعونا إلى التساؤل: إذا كان المستشرقون من أقطاب الفكر الغربي قد أنصفوا الأخلاق الإسلامية، ووصفوها بالتسامح والأخوة الروحيّة والمحبّة بين أبناء العالمين كما أنصفوا الإسلام باعتباره مصدر الأخلاق على أبنائه فيما لو طبقوه؛ لأنه يُوجهِّهم ويعلمهم ويحيطهم بالتعليم والمعرفة والخلق الحسن السديد، فهل بعد ذلك يمكن الشك في تعاليمه أو في مبادئه وإرشاداته وتوجيهاته لبني الإنسان؟

فلماذا تستمر تلك الهًجْمة الشرسة على الإسلام حتى الآن؟ ولمَ لمْ نتجاوز في حواراتنا صراع الأديان القديم؟ إنَّ الإسلام بعيدٌ في ذاته كل البعد عن شك الشاكين وتجني الآخذين قضاياه ومبادئه بسالف البهتان.

(٦) أذواقه واستبصاراته:

هنالك لا شك منهج تربوي عقلاني في تعاليم الشيخ محمد عبده:  تربوي في الأساس لكنه ليس تربوياً وكفى بل يُضاف إلى التربية خاصة أخرى هى لبها ولبابها وجوهرها الأصيل وفردانيتها المستبصرة، وليس المنهج بغيرها يقوم، ولا يمكن استحضاره بدونها، وأعني بها تلك "الخاصَّة الذوقية" أو بالأحرى (منهج التصوف الذوقي) الذي كان الأستاذ الإمام يفضله ويرعاه؛ كان يفضله في نفسه ويرعاه تطبيقاً عليها ويسمو به فيها غاية السمو وتسمو به نفسه بمقتضاه وترتفع غاية الرفعة؛ الأمر الذي يكشف جلياً عن طبيعة الصوفي وحضوره في حياة ومنهج الشيخ محمد عبده في كل ما هو متعلق بالتربية أو متصل بالإصلاح الديني والخُلقي والاجتماعي أو متصل من ناحية أخرى بفهمه للقرآن الكريم. وهو القائل على التحقيق:"كل ما أنا فيه من نعمةً في ديني، فسببها التصوف".

هذه المقولة الخالدة وحدها استبصار ذوقي، كاشفة عن أذواقه وإشراقه الروحي ومراقي بصيرته؛ فهو يعد التصوف نعمة أنعم الله بها عليه في دينه، بل عنده أن "التصوف هو الدين"، "وأن ارتقاء النفوس في مقامات الكمال من العناية الإلهية هو بحث دقيق ممّا أختص به علم التصوف"؛ ولنلحظ أنه يذكر التصوف ولم يذكر الصوفيّة؛ لأن نقد الصوفية وارد ليس منه مانع، إذ كان نقداً للرجال وللأفكار.

إنّ الفرق واضحُ وضوح الشمس في ضحاها بين إنكار أشخاص ومسالك، وإنكار قضايا وعقائد، فالأشخاص ممّا يجوز لك الاختلاف معهم ومع مسالكهم فيما شاءت لك حجة الخلاف أن تمضيها نقداً على الأعمال والأفكار وعلى ما يكون وراؤها ممّا يكشف عنها فيما هو مخبوء تحتها من طوايا ونوايا وتخريجات.

وليست العقائد الكبرى هكذا؛ لأنها ليست سوى النصوص، صامتة في ذاتها لا ينطقها إلاّ من أراد النطق بها بمقدار ما يفهم، وبمقدار ما يُلهم منها، ومن ذلك الفهم الذي يتوخّاه. أمّا التصوف فمعناه كبير جداً فهو القيمة العليا، هو الإحسان من الدين. ومقام الإحسان من الدين إذا أوتيه إنسان فليس من نعمة فوقه.

(وللحديث بقيّة)

***

د. مجدي إبراهيم

 

 

تخيل معي رحلة يكون همها جمع الثروة والمال، لكنها تفتقد إلى روح الحياة التي تنبض بالعطاء والنظرة الإيجابية إلى البشر من حولها. كم تكون قاسية تلك الرحلة حين يهمش أناس فاعلون في محطاتها وأماكن تواجدها، ولا يعطون وزناً أو قيمة، رغم أنهم اللاعبون الحقيقيون في جميع المشاهد كلها، لذا ينظر في عالم الأعمال إلى أن كثيراً من المؤسسات تركز على رأس المال دون غيره، وتغفل عن أهم ثروة تملكها: رأس المال النفسي للموظفين. فهذه الكنوز لا تقاس بالأرقام، إنما هي قوة كامنة ومحرك أساسي للإبداع والإنتاجية وبناء الانتماء والولاء.

وتبدأ خسارة هذا الاستثمار النفسي من لحظة شعور الموظف بأنه لم يعد ذا قيمة، عندما يعامل بغلظة وقسوة وسلطة مركزية سلبية، فيفقد الاحترام والتقدير لشخصه وجهوده، وينكر جميله ومواقفه النبيلة التي بذلها في عمله. يتجاهلون ما أفناه من عمره في خدمة المنظمة، يبني معها أحلامها، ويسهر الليالي ويتعب في نهاره حتى تقف شامخة قوية، تشع نوراً وتبلغ نجاحات مذهلة، بينما يبقى هو في مكانه بلا حراك نحو التدرج إلى مناصب متقدمة. ينسى جهده، ولا يحفز ليكون له نصيب من الإنجازات، أو أسهم في منظمته، أو حتى تكريم يليق بعطائه. ثم فجأة، بعد سنوات من العطاء، يصبح في نظر البعض عبئاً وحملاً ثقيلاً بدلاً من أن يكون عموداً من أعمدة النجاح والازدهار.

إن التقدير الذي يستحقه الموظف ليس كلمة عابرة أو شهادة شكر في خطاب سنوي أو نهاية العام، بل هو سلوك يومي ونهج مؤسسي قائم على فكر استراتيجي يترسخ في السياسات والخطط قبل أن يظهر في الشعارات والمواقف العشوائية والحالات الطارئة والمفاجئة. عندما تزرع الاحترام في بيئة العمل، وتمنح الموظف الإحساس بكرامته وتدعم دوره ومهام عمله، وتسهم في نموه وتطوره الشخصي والمهني، فأنت تؤمن الاستثمار الحقيقي الذي لا تهزه الأزمات ولا تسقطه التحديات.

تذكر دائماً: المنظمة والمؤسسة والكيان الذي يحافظ على رأس ماله النفسي تبني قوة ومنعة لا تقهر، ولا تخسر في تدوير الموظفين الذين يتظاهرون بالغياب أو يتركون المنظمة للبحث عن منظمات أخرى تستوعب طاقاتهم وكفاءاتهم. بلا شك ستتحقق إنجازات لا تخبو ولا تنطفئ.

فليكن توجهنا نحو بناء ثقافة مؤسسية تمنح الموظف ما يستحقه من تقدير وفق منظومة تضعه في سلم الأولويات والاهتمامات. فإذا كان الزبون أغلى ما نملك، فلا بد أن نضع في الحسبان أن الموظف كذلك أغلى ما نملك؛ فإذا اعتبرنا أن الزبون ملك، فالموظف لدينا ملك غير متوج، فالذي يتمتع بالراحة النفسية والصحة والطمأنينة يحقق الانتماء والولاء للمنظمة، ويصل باحترافيته ولطفه إلى الزبون، فيعامله كما يُعامل هو من قادته ومسؤوليه.

قبل أن نخسر أهم أصولنا التي لا تشترى بالمال ولا يمكن أن تعوض، فطرد الكفاءات خسارة لها تبعاتها وأثرها السلبي على المدى البعيد والاستراتيجي. فلنحافظ على رأس المال النفسي ليستمر عطاء الأفراد والطاقات الخلاقة في المنظمة، وتظل رسالتها وأهدافها متقدة تمضي قدماً نحو النجاح والتميز.

***

د. أكرم عثمان

11-9-2025

طبقا لبحث جديد صدر عن جامعة تشارلس دارون الاسترالية أشار الى ان ظهور الذكاء الاصطناعي غيّر الطريقة التي يتفاعل بها الناس لكنه ايضا خلق مخاطر عالمية تهدد كرامة الانسان. المؤلف الدكتورة ماريا راندازو Maria Randazzo من مدرسة القانون في جامعة تشارلس دارون أوضحت بان الذكاء الصناعي يعيد بسرعة صياغة النظم الاخلاقية والقانونية الغربية، غير ان هذا التحول يؤدي الى تآكل المبادئ الديمقراطية وترسيخ اللامساواة الاجتماعية القائمة.

هي لاحظت ان الاطر التنظيمية الحالية عادة تتغاضى عن الحريات وحقوق الانسان الاساسية، بما في ذلك الخصوصية والحماية من التمييز، الاستقلالية الفردية والملكية الفكرية. هذا العجز ناتج بشكل كبير عن الطبيعة المبهمة للعديد من النماذج الخوارزمية التي تجعل من الصعب تعقّب عملياتها.

مشكلة الصندوق الأسود

الباحثة ماريا وصفت هذا النقص في الشفافية بـ "مشكلة الصندوق الاسود"، حيث لاحظت ان القرارات المُنتجة بواسطة التعلّم العميق وانظمة التعلّم الآلي لا يمكن تتبّعها بواسطة البشر. هذه القدرة تجعل من الصعب للافراد فهم ما اذا كان نموذج الذكاء الاصطناعي قد انتهك حقوقهم او كرامتهم وكيف حدث ذلك، وانه يمنعهم من السعي الفعال للعدالة عندما يحدث مثل هذا الانتهاك. الكاتبة وجدت ان الذكاء الصناعي أعاد تشكيل المسرح الاخلاقي والقانوني الغربي بسرعة غير مسبوقة.

"هذه قضية هامة جدا وانها ستصبح أسوأ بدون تنظيم كاف".

"الذكاء الاصطناعي ليس ذكيا ابدا في أي معنى انساني. انه انتصار في الهندسة وليس في السلوك الإدراكي".

"انه ليس لديه فكرة حول ما يقوم به، او لماذا  لا وجود هناك لعملية تفكير كما يفهمها الانسان. هناك فقط تعريف بانماط متجردة من التجسيد والتعاطف والحكمة".

الاتجاهات العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي

حاليا، تتخذ القوى الرقمية العالمية الثلاث المهيمنة – الولايات المتحدة والصين والاتحاد الاوربي – اتجاهات مختلفة في الذكاء الصناعي، معتمدة حسب التعاقب على نماذج مركزية السوق، ومركزية الدولة، ومركزية الانسان. تقول الباحثة ان نموذج الاتحاد الاوربي في مركزية الانسان هو المسار المفضل لحماية كرامة الانسان، لكن بدون التزام عالمي بهذا الهدف فان هذا الاتجاه سيكون عاجزا.

"عالميا،اذا لم نربط تطور الذكاء الصناعي بما يجعلنا اناسا - قدرتنا على الاختيار، الشعور، التفكير بعناية، بتعاطف ورحمة – سنخاطر بخلق أنظمة تحط من قيمة الانسانية و تقوم بتسطيحها الى مجرد نقاط بيانات بدلا من تحسين ظروف الانسان"، هي تقول "البشرية يجب ان لا تُعامل كوسائل لغاية".

جامعة تشارلس دارون، 1 سبتمبر 2025، وفي الأصل صدرت عن الجمعية الاسترالية لحقوق الانسان تحت عنوان: الكرامة الانسانية في عصر الذكاء الاصطناعي .. بتاريخ 23 ابريل 2025.

***

حاتم حميد محسن

إذا كان للفكر الغنوصي الأثر الأكبر على السياقات الأسطورية الأخلاقية المرغبة في الخير والصدق والمنفرة من الشر والكذب؛ فإننا سوف نحاول تفسير ذلك الترابط بين موطن النفس الأصلي قبل هبوطها من عالم المجرّدات من جهة، والعالم المحسوس والعقل البشري من جهة أخرى وذلك المتمثل في أن هناك قوة غيبية واحدة هي التي فطرت النفس الإنسانية وطبعتها بطابعها؛ فأصبحت النفس العاقلة الحالة في الجسد البشري تشتاق إلى ما كانت عليه في عالم الأخيار واللذائذ الروحيّة.

ولمَّا كان للثقافات السائدة في البيئات المختلفة أثر لا يمكن إغفاله على العقول والمشاعر والسلوك، فقد ساهمت تلك البيئات في تنمية ذلك العشق الفطري لعالم المُثل أو ساهمت في طمسه ومحوه بالتدريج من ذاكرة النفس العاقلة حتى أصبحت نفوس شيطانية في هيئات بشرية.

أمّا النفوس الراقية؛ فقد زاد تعلقها بعالم الربوبية والمُثل فأنتجت العقول الإنسانية حكايات وقصص وملاحم أسطوريّة تحمل ذكرياتها وتعكس أحلامها لتنمي في الأذهان عشقها لهذا العالم فترغبها في الصدق وترهبها من الكذب.

ولعلَّ هذا التفسير يتناسب مع الفكر الهندوسي الذي كان يعتقد وجود عالم للآلهة يرأسه (براهمان) الذي تدين إليه كل الموجودات بالانتماء وذلك بمقتضى القبس المقدّس الحي فيها، وهو المطبوع بطابع ذلك الاله المتفرد في وجوده غير أن الأنفس البشريّة انحرفت عن أصولها وتعلقت بالشهوات واللذات المادية فقام الحكماء (البراهمة) بتذكيرهم عن طريق الأساطير بأن هناك ثواب وعقاب للأنفس البشرية وهناك أيضًا دروب ونهوج للتوبة والخلاص من ذلك الدنس يبدأ بالتراتيل الصادقة لأعلان التوبة ثم الرياضات الروحيّة العازفة تمامًا عن الكذب أو عشق المادة أو الاعتداء على إحدى الموجودات التي تحوي قبسًا ربوبيًا حتى يتم الخلاص من عجلة الميلاد (وقانون الكارما وتناسخ الأرواح)؛ حيث ترتفع النفوس الراقية إلى عالم الربوبية (والنرفانا والاستنارة عند بوذا وتلاميذه أي السعادة الأبديّة)؛ وذلك نظير صدقها وإخلاصها في العبادة في حين تستنسخ النفوس الشريرة وتحل في أبدان موجودات أدنى (حيوانات شرسة أو حشرات مؤذية أو حيات سامّة أو شياطين تحترق وتتعذب إلى ما لا نهاية) وذلك جزاءً عادلًا لما ارتكبته من شرور وعلى رأسها الكذب والخيانة والسير في ركاب الباطل والخداع.

وقد طور البوذيون والجينيون (أصحاب الديانة الجينية)  ذلك النسيج الأسطوري فجعلوا الصدق مع الذات أولى خطوات النجاة والخلاص من عذابات الكارما والتناسخ، وربطوا بين الأفعال الخيّرة والسلوك القويم والوصول إلى النرفانا والسعادة الأبديّة وذلك بمقتضى ابتعادهم عن النفاق والخيانة والفحش والمراوغة والكيد والتلاعب بالعقول والإيقاع بين الناس وتزيف الحقائق، وغير ذلك من منتجات الكذب التي تنتمي للشرور الشيطانيّة.

وعلى مقربة من الفكر الهندوسي نجد الفكر الصيني والعقلانية الواقعية فعلى الرغم من عدم وجود أساطير في نسقهم التربوي تتحدث عن الفكر الغنوصي والعالم الغيبي إلا أنهم قد ابتدعوا (قانون الطاو) الذي يقضى بالجزاء من جنس العمل؛ فالصادق سوف يسعد بصدقه ويكافئ في حياته بانتصاره للحق ودفاعه عن العدالة في حين يعاني الأشرار من فرط القلق والخوف والارتياب في كل شيء فأذهانهم تكفر باليقين وتمضي شاكة في كل شيء لا تستطيع التمييز بين النافع أو الضار.

وقد صيغ النسيج الأسطوري في الفلسفة الطاوية على نحو يحبب الناس في الصدق ويحذرهم من دنس الكذب مثل كتاب (طاو تي تشينغ) وأسطورة (وووي) وثنائية (يين ويانغ) وأسطورة (زيران) وغيرها من الأساطير الحاوية للقيم التي يحبها ويكرهها الطاو فهو المبدأ الأول العادل الذي يسير الأقدار والمقادير.

فاذا كان الصدق يمثل التناغم للفطرة الإنسانية والانسجام الذاتي للسلوك البشري في النسيج الأسطوري الطاوي (وووي) الذي يؤدي إلى صلاح الكون؛ فإن الكذب يعد آلية الهدم وعلة كل الشرور والمُحرض الأول لجنوح الموجودات عن نظامها وجموحهم ونشاذهم عن التناغم الطاوي.

وقد طور كونفوشيوس ذلك النسيج الأسطوري وجعله أكثر عقلانيّة وواقعية يقوده الضمير الإنساني والعقول الراجحة التي تستطيع تهذيب السلوك البشري عن طريق الحوار والتربية والتعلم والتثقيف والتنوير الذي لا يخلو من وعد ووعيد المؤدب الغيور على العدالة والأخلاق الحاكمة للمجتمع كما يرد إلى كونفوشيوس القاعدة الذهبية للخُلق المستقيم ألا وهي أن الفضيلة وسط محمود بين رذيلتين كلاهما ممقوت ومكروه. فجعل الصدق على رأس كل الفضائل؛ لأنه صوت العقل وبصيرة الضمير. فالصدق يقبع في يمينه الإسراف في المدح والفناء في الحب وإخفاء النقائص رغم وجودها. ويقف على يسار الصدق الكذب والمداهنة والنفاق والخيانة وطمس الحقائق والوقائع لإضلال من يستجيبوا لغاوياته.

وعلى الرغم من عزوف كونفوشيوس عن الرؤى الأسطورية وتفضيله الحديث عن الضمير والعدالة والوسط الذهبي للأخلاق الفاضلة على الحكايات الأسطوريّة، فإن أحاديثه للشباب في محاوراته التثقيفية لم تخل من قصص الأبطال والحكماء والقادة مثل (هوانغ دي) وأساطير الخلق مثل (بانغو ونووا) بالإضافة إلى قصص أبطال مثل (دايو) الذين حكموا ضمائرهم وانقادوا إلى عقولهم وانضوا تحت مظلة الوسط الذهبي في سلوكهم واختياراتهم في تسيس أنفسهم من جهة، والعمل الجاد من أجل رفعة مجتمعهم من جهة أخرى.

أمّا سقراط فعلى الرغم من تعلقه بالفكر الغنوصي وحديث الكاهنة بيثيا (الجالسة في معبد أبولو في دلفي) التي أخبرته بأنه نبيُّ مرسل من عالم الربوبية والتوحيد الناطق بلسان الصدق والثائر على أباطيل الكاذبين والمتلاعبين بالعقول إلا أنه كان لا يبرح ترديده لمقولته الشهيرة (أعرف نفسك بنفسك) وكن صادقًا ولا تصغي لمن يصفوك بما ليس فيك؛ لأنهم يخدعونك وينافقونك بأكاذيبهم وجعل هذا القول هو بداية حملته على الكذابين وفاتحة رسالته لترغيب الناس في الحكمة الصادقة والعقل المنزَّه عن المنافع والنفس النقية الكارهة لكل ألوان الرذائل وأشكالها وأفعالها.

ورغم مغالاته في تقبيح الكذب، وإن كان مقصده مغاير لطبيعته؛ فإنه قد خالف هذا المبدأ الذي اشترطه على نفسه في واقعتين أولهما : خضوعه وانصياعه لحكم قضاته مع تيقنه من كذبهم، وأن جل ادعاءاتهم يفوح منها روائح الإفك والتآمر والكراهية والحسد وثانيهما: أنه أوصى تلاميذه قبيل تجرعه للسم أن يوفوا نذرًا عليه قد وهبه لمعبود مدينته وذلك رغم تأكده من ضلال وفساد هذا المعتقد.

وتبدو عبقرية سقراط في أثر شذراته وحكمه التي انصهرت في أفكار تلاميذه وجعلت منه أنموذجًا حيًا تضرب به الأمثال على ضرورة صدق الأنا مع ذاتها باعتبار هذا المبدأ أقوى الآليات لمدافعة الكذب ونقض أباطيله.

أمّا أفلاطون فقد ربط بين خداع الحواس والكذب من جهة والضلالات التي تطمس الحقائق تحت ستار الأوهام من جهة أخري وذلك في أسطورته الشهيرة (الكهف) تلك التي جعل فيها الصدق تاجً للعقول التي تطمح لإدراك الحقائق. وتأكيده على أن مثال المُثل والخير الأعلى الذي يوصف بالكمال والجلال والجمال يضع على رأس الفضائل التي تطوف من حوله فضيلة الصدق الذي يمكن النفس البشرية من إدراك مثال العدالة والعشق الأسمى، ويطهر النفس من كل الشهوات الحسية التي تحول بينها وبين الجنس الذهبي الذي لا يدانيه شيء ولا يستطيع الكذب الاقتراب من ذهنه أو لسانه أو مشاعره.

ولا يؤخذ على أفلاطون البحث عن موطن الجمال والخير بين مواقع القبح ومواطن الشر ولاسيما إذا كان ذلك الشر (عرضاً لا يصيب جوهر الأشياء بعطب) بل يمنع المخاطر ويزيل الأزمات في أمور محدودة.

ولعل أرسطو عندما جعل الصداقة أرفع وأنبل المشاعر التي تعمل على ترقية الأنفس البشرية؛ فإنه قد أراد بذلك التأكيد على أن حركة الأشياء لا تستطيع أن تنحرف بعشقها إلى شيء آخر - دون رغبة منها إذا أرادت الحياة المستقيمة - سوى الإله الصادق دومًا لأنه مجرد عن المادة فهو صورة خالصة لا يعنى إلا بالمجردات وهو الفاعل الحقيقي غير المنفعل والمحرك الأول لهذا العالم دون أن يتحرك ولا تغريه اللذائذ المادية فيسقط من سموه ومكانته العالية.

ولعلّ هذا التصور للعقل الربوبي هو الذي جعله يبيح الإفراط في عشق وإجلال وإكبار من يستحق هذه المبالغات التي تعادل الإفراط في قدح الكذب بكل أشكاله الضارة الفاسدة ولعل هذا التصور نقيض (الهيولى التي تحول بنيتها العاجزة عن بلوغ الوجود الحقيقي شأن الكذب) و(صورة خالصة يمثلها الإله، ومادة قح تمثلها الهيولى)

وللحديث بقيّة عن تلك الغرابيل التي صنعها حكماء الشرق وفلاسفة اليونان لتخليص الموروث الثقافي من الأوهام الكاذبة؛ معولين في ذلك على التصورات العقلية التي نسبوها إلى المعرفة الربوبية في النسيج الأسطوري تارة أو سبيل الرشاد والاستقامة والاستنارة في طلب القيم الضامنة للأمن والسعادة الأرضية والعدالة والمساواة تارة أخرى .. تلك التي تنمي عواطف الألفة والمحبّة بين الناس بمعزل عن الصراعات والأحقاد التي تولدها الأوهام التي يخترعها الكذب. وسوف نكشف كذلك عن مدى دقة ومتانة وقوة تلك الغرابيل (حريرية ناعمة أو معدنية ذات ثقوب حادة تحول بين النافع والفاسد غير المرغوب فيه) خلال عملية تنقية وتطهير الأذهان والمشاعر؛ بل والحواس أيضًا من أقنعة الكذب ومكائده وحيله التي كان يخطط لها الشيطان لإضلال الأنفس البشرية.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

(تعدد الوقائع ووحدة الحكم الفقهي)

الأصل في الفقه الإسلامي أنّ لكل واقعة حكمها، أي أنّ الحكم الشرعي يُستنبط بناءً على خصوصيات الواقعة وظروفها وملابساتها (كما يفترض). لكن عند التطبيق العملي نرى أن الفقهاء كثيرًا ما يلجأون إلى تعميم حكم واحد على وقائع متعددة لا يجمعها سوى الاشتراك في الإسم أو الوصف اللفظي، من دون التمييز الكافي بين حيثياتها الاجتماعية والتاريخية (كما أرى ذلك، وطبعا رأيي قابل للخطأ) .

ويمكن ملاحظة ذلك كما يأتي:

- وحدة الحكم بسبب الإشتراك اللفظي

يظهر هذا -مثلا - في باب النكاح: فالزوجة في النصوص القديمة كانت تعيش في سياق اجتماعي مختلف، حيث العبودية قائمة، والخدمة في البيوت تُؤدى من الإماء والعبيد، بينما الزوجة لها وظيفة اجتماعية محددة (الإنجاب، العلاقة العاطفية، السكن)، اليوم تغيّر السياق جذريًا، فلم تعد هناك إماء يخدمن في البيوت، وصارت الاعمال المنزلية ورعاية الأطفال مهام غير مدفوعة الأجر، تتحملها الزوجة المعاصرة. إضافة إلى ذلك، كثير من الزوجات يشاركن في سوق العمل، فيتحملن عبئًا مضاعفًا.

ومع ذلك ظلّ الحكم الفقهي ثابتًا: للزوج “القِوامة”، وللزوجة “الطاعة”، ولا نصّ صريح يعترف بعملها المنزلي كحق مالي أو امتياز إضافي، حين صار عملها لابديل عنه.

- إشكالية الجمود الفقهي:

هذا التعميم يعني أنّ بعض الفقه التقليدي لم يُفرّق بين الزوجة في عصر العبودية حيث كانت خفيفة الأعباء المنزلية لوجود الإماء.و الزوجة المعاصرة التي تتحمل عبئًا أساسيًا في البيت وفي العمل العام.

لكن لأن اللفظ بقي نفسه "زوجة" انسحب عليه الحكم ذاته دون مراعاة لتغيّر الواقع. وهنا يظهر أن الفقه كما لو كان لم يلتزم بمبدئه الأولي (لكل واقعة حكم) بل اعتمد مبدأ آخر غير معلن: "لكل لفظ حكم"، مهما اختلفت الوقائع التي يقع عليها هذا اللفظ.

وعلى هذا فأن النتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك:

- تُعامل المرأة في الفقه كما لو كانت كيانًا ثابتًا عبر العصور، بلا تغير في أدوارها الاجتماعية والاقتصادية.

- أن بقاء الحكم كما هو يعكس منطق الشكليّة الفقهية التي تقدّم اللفظ على الواقع.

- يترتب على ذلك نوع من الظلم: فالزوجة التي تعمل بلا مقابل داخل البيت لا تحصل على أي امتياز فقهي أو حقوق إضافية، لأن الحكم صيغ لواقع مغاير تمامًا.

ومثال آخر يمكن به معرفة الطريقة التي يعمل عليها الفقهاء هو مفهوم الربا المحرم وهو أخذ الزيادة في القرض،

و حين ظهر النظام المصرفي الحديث (البنوك والفوائد) قاس الفقهاء "الفائدة البنكية" على “ربا القرض القديم”، باعتبار أنّ اللفظ واحد (زيادة مشروطة على القرض).

ولم يتم التمييز بين السياقين، بل طبّقوا الحكم ذاته اعتمادًا على وحدة اللفظ "ربا" وتم تجاهل اختلاف الوظائف الاقتصادية والاجتماعية. فالربا القديم كان استغلالًا للفقراء الذين يأخذون القرض لغرض المعيشة، بينما الفائدة المصرفية الحديثة تدخل في إطار آليات التمويل والاستثمار.

ولذا ينبغي إعادة التفكير في:

- إعادة تعريف الواقعة الفقهية (تشخيص الموضوعات) لا على أساس اللفظ (زوجة، عبد، أمة) بل على أساس طبيعة الأدوار والوظائف الاجتماعية.

-  فتح المجال لاجتهاد جديد يرى أنّ تغيّر الظروف يقتضي تغيّر الحكم أو على الأقل تعديل تطبيقه.

- إدخال مفاهيم مثل العدالة، وتقويم العمل غير مدفوع الأجر في البناء الفقهي والذي لابديل عنه في الوقت الراهن لاعطاء أمتيازات معينة.

بهذا المعنى يمكن القول إنّ اغلبية الفقهاء لم يلتزموا بمبدأ " لكل واقعة حكم " بل تعاملوا وكأن لكل ألف واقعة حكم واحد، إذا تشابهت بالاسم، حتى لو اختلفت بالجوهر.

***

د. بتول فاروق - النجف

١٢/ ٩ / ٢٠٢٥

 

الزمن ليس مجرد مقياس لحركة العقارب أو مرور الساعات؛ بل هو عنصر فاعل في تشكيل الحياة، يعكس أبعادًا اجتماعية وثقافية تختلف في إدراكها من مجتمع لآخر. فهو يملك القوة التي تدفع المجتمعات نحو التقدم أو التراجع، حسب كيفية توظيفه وفهمه وأدواته الخاصة التي يفرضها علينا.

إن البعد الاجتماعي والثقافي للزمن هو بعد نسبي، فثمة مجتمعات تُعنى بتفاصيله وتمنحه قيمة في كل نشاط، وأخرى تفتقر إلى أدوات التعامل معه. ومن هنا، يمكننا أن نطلق على هذا التعقيد في مفهوم الزمن اسم "ترسانة الزمن"، إذ إنها تحمل في داخلها مفاهيم غير واضحة تتطلب مجهودًا لفهمها وتفكيكها. بمعنى آخر، الزمن هو قوة وذخيرة من الأدوات التي تشكل وعينا بذواتنا وثقافتنا، فهو ليس مجرد مرور لحظات، بل هو معرفة متجددة تحتاج إلى فهم مستمر، ومحاكاة دقيقة لطبيعة وجودنا، يؤثر في حياتنا ويعيد تشكيل وعينا بها. وتختلف مفاهيم الزمن باختلاف الفترات التاريخية؛ فالمفاهيم الزمنية التي صلحت في الماضي لم تعد تصلح بالضرورة في الحاضر، إذ إن الثقافات تتغير، يواكبها تغير في إدراك الزمن، وفي أنماط التفكير والسلوك الفردي.

في نهاية المطاف، المجتمع هو الذي ينتج تصوره الخاص للزمن، ويمنحه قدسية لا تسمح بانتهاكه، ويُنظر إلى احترام الزمن كمؤشر على وعي حضاري. فالمؤسسات التي تُقدّر قيمة الزمن تحقق إنتاجية واضحة ضمن أطر زمنية محددة، وتدرك أن الزمن وسيلة لضبط النفس أولًا وتنظيم الحياة ثانيًا. لكن في المقابل، تواجه مجتمعاتنا تحديًا حقيقيًا في تعاملها مع الزمن، حيث تغلب النزعة إلى العودة للماضي والغوص فيه، مما يُضعف الحاضر ويؤخر التقدم. ونلاحظ بوضوح في ثقافتنا افتتانًا بالماضي تحت مسمى "الزمن الجميل"، في الوقت الذي لا ننجز فيه حاضرًا يستحق أن يُصنَّف كزمن جميل لاحقًا.

ثقافة "النوستالجيا" (الحنين إلى الماضي) هي سمة بارزة في مجتمعاتنا. وغالبًا ما تعكس هذه الثقافة غياب القدرة على التعامل مع الحاضر، وافتقارًا لتصور مستقبلي واضح. فنحن لا نستطيع غالبًا أن نقسّم وقتنا بوضوح بين العمل، والنوم، والغذاء، والراحة، بل نعيش حياة يومية رتيبة، تتكرر فيها الطقوس لنمنح لحياتنا معنى مؤقتًا. وتتجلى في سردياتنا الاجتماعية والثقافية قيمة "الانتظار والتأجيل"، فالحياة اليومية مليئة بمشاهد الانتظار: انتظار الوظيفة، والاستقرار، والمستقبل الأفضل، وما إلى ذلك. كما أن للموروث الديني دورًا في تشكيل إدراكنا الزمني، حيث يرتبط الزمن بالقدر والمشيئة، مما يعزز ثقافة الترقب بدلاً من ثقافة الإنجاز.

وفي جانب آخر، يظهر الخوف من المستقبل بوصفه قلقًا جماعيًا. ويتسلل هذا الخوف حتى إلى لغتنا اليومية، فنقول أثناء المزاح "ضحكة خير إن شاء الله"، في دلالة على اللايقين بما سيأتي. وهذه المفارقة تعبّر عن تعاملنا مع الزمن، مما يولّد نوعًا من العبثية في إدراكنا له.

جاءت التكنولوجيا فأحدثت قطيعة مع إدراك الزمن التقليدي، لتقودنا في زمن السرعة المتسارع، حيث تصبح معلومة اليوم من الماضي في الغد، إذا لم نتمكن من استثمارها وتوظيفها. فالعالم يسير اليوم في خط مستقيم متقدم، لا يلتفت إلى الوراء، بل يسعى إلى الإنجاز في زمن السرعة. ولهذا، يتغير الناس وتُختصر الأيام، ويغدو اليوم ماضٍ لا قيمة له إن لم يُثمر شيئًا. تسحب وسائل التواصل الاجتماعي منّا الزمن بطريقة خفية وبصمتٍ ودهاء، فتستهلك ساعات من يومنا دون أن نشعر، وتحوّل الزمن إلى متعة وقتية سطحية سرعان ما تتلاشى، مما يرسّخ شعور الهدر الزمني. وفي النهاية، نُدرك أن الزمن قد انقضى دون جدوى، وكأننا نستهلك رصيد عمرنا دون أن نحقق أي إنجاز يُذكر. لقد أصبح العبث بالزمن سمة متغلغلة في تفكيرنا وفي تفاصيل حياتنا اليومية. غير أن الزمن، في حقيقته، ليس مجرد وسيلة لتنظيم المهام، بل هو حامل لدلالات وجودية عميقة، تتوقف عليها معاني الحياة كافة.

في السياق العراقي، تركت الحروب والنزاعات آثارًا عميقة على إدراك الزمن، وخلقت فجوة بين الماضي والحاضر، مما أدى إلى نوع من القطيعة الزمنية. وهذه الأزمة تحتاج إلى مؤسسات تمتلك القدرة على إعادة تنظيم الإيقاع التنموي للزمن، فضعف المؤسسات يُفقد الفرد ثقته بالزمن وجدوى انتظاره. ويكفي أن يُطلب من المواطن "إنجاز معاملة" ليكتشف كم من الوقت سيُهدر. المنظومة الثقافية إذًا، هي التي تحدد كيف يُدرك الزمن، وتوجّه سلوك الأفراد في الحياة اليومية، بحسب اللغة المتداولة والقيم الاجتماعية المرتبطة بالوقت. نحن لا نمتلك بعدُ "ثقافة الزمن"، بل نعيش وفق "قدرية الزمن" المتوارثة في مجتمعات الأزمات والحروب والمعاناة.

ينبغي علينا أن نعيد النظر إلى الزمن بوصفه عنصرًا ميكانيكيًا في بناء الحياة، فهو يستقر في جوف المعنى، ويُشكل وعينا بأنفسنا. إذ لا يمكن للإنسان أن يصوغ معنى لوجوده من دون إطار زمني. فالأفراد يروون قصصهم داخل الزمن، ويمنحون أحداثهم معناها من خلال ترتيبها الزمني. الزمن هو الذي يصنع الوجود، وحين يفقد معناه يصبح مجرد عبور بلا غاية، فتتحول الحياة إلى نمط بلا وعي، وهو مؤشر على أزمة وجودية عميقة. في المجتمعات المضطربة، يتحول الزمن إلى دائرة من الانتظار والتكرار والجمود، ويغيب الأمل، فتُقدّس لحظات الماضي على حساب الحاضر والمستقبل.

وتعزيز إدراكنا للزمن يمر عبر إعطائه قيمة حقيقية في تفاصيل حياتنا. بمعنى آخر، يشعر الإنسان أحيانًا بأن الزمن يمر دون أن يستخدمه بشكل فعّال، فيغدو عبئًا وجوديًا أو فراغًا لا معنى له، مما يسبب إحساسًا بالضياع أو الفراغ الوجودي. وحين نبدأ بالتفكير بالمستقبل كأفق للأمل لا الخوف، ونتعامل مع الزمن بوصفه وسيلة لتحقيق الأهداف لا لتأجيلها، ونتجاوز تقديس الماضي إلى مراجعته نقديًا، عندها فقط نستعيد إنسانيتنا ونؤسس لوجود إنساني فاعل.

لذلك، في واقعنا الحالي، نعيش حالة من الاضطراب في إدراك الزمن، حيث يؤدي هذا الإدراك المشوش إلى شعور بعبثية الوقت؛ فالزمن يمر دون أن نحقّق إنجازات أو نمنح حياتنا معنى حقيقيًا. وتتفاقم هذه المشكلة بسبب عوامل عدة، منها ضعف المؤسسات، وتأثير الحروب والنزاعات، بالإضافة إلى ضعف الثقافة الزمنية التي تجعلنا نعيش في قدرية موروثة بلا سيطرة فعلية. يمكن مواجهة عبثية الزمن وإعادة تنظيمه من خلال التركيز على الفعالية، والإنتاجية، والتخطيط، وإعادة المعنى للحياة وتنظيمها وفق أهداف واضحة، عبر المشاركة الاجتماعية، وتنشيط الفنون والأعمال، وبعث الحيوية في الأفعال اليومية.

ولذلك، يتطلب الأمر من المؤسسات التربوية والتعليمية أن تضع مفهوم الوقت ضمن منظومتها القيمية، فتُعلّم الأجيال أن الزمن ليس شيئًا يُهدر، بل قيمة أساسية تُبنى عليها الحياة. فالزمن يصنع وجودنا ووعينا، والمعنى هو ما يمنح هذا الوجود بُعده الإنساني ويجعلنا ندرك أنفسنا داخل الزمن لا خارجه.

***

د. نور خالد علي/ باحثة وأكاديمية

الحوارات القيّمة هي تلك المؤسَّسة على قواعد صحيّة تكفل كفاءة مخرجاتها المنشودة منها، وحُقّ لها - بالحدّ الذي هذه أبعاده - أن تنتصب واحدةً من أرقى مظاهر الإنسانية؛ فالمجتمعات التي توفر البيئة الملائمة لتزدهر فيها الحوارات القيّمة بحرية واطمئنان، وتنضح فرائد وفوائد، تَشِي بقدر كبير من المستوى العالي للأسلوب الحضاري بين أفرادها، وتعكس حالة نضوج لا يمكن نكرانُها أو إشاحة النظر عنها، وهي كذلك - أي الحوارات القيّمة - منبع رَقْراق لا ينضَب لتلاقح الأفكار بعضها ببعض؛ فكم مِن فكرة استثنائية غيّرت وجه العالَم استُلهِمت في خضمّ حوار قيّم، فالحوارات القيّمة تعكس طبيعة الوعي، كما أنّها ولّادةٌ لأفكار جامحة بديعة، تتناسل من سِنْخ العمق.

ولأنّ الحوارَ مثلُه مثل أي تفاعل إنساني آخر، فمن الطبيعي أن تشوبه مكدّرات تجفف مواطن سيرورته، وتُحوّله إلى مِبْضَع يوْدي للهلاك بعد أن كان يُنتظر منه أن يكون جزءا من عملية جراحية تُجرى للإنقاذ، ومن هذه الأسباب التي تَعُوْق الحوار وتكدّره ما هو بَيّنٌ جَلِيّ، تدركه الأغلبية، ومنها ما هو غامض خفيّ، عصيٌ إلا على العقول الفاحصة، ومن أمثلة هذه الأخيرة إهمال تحديد المفهوم في بداية الحوار.

وما أعنيه بتحديد المفهوم هو إدلاء كل طرف بمقصوده من المفهوم أو المفاهيم التي يدور عليها رحى الحوار قبل بدئه، فيكون أُسًّا تُشيَّد أركان الحوار عليه، وقبل ما يقرب من خمسة وعشرين قرنا انتبه لهذه اللفتة الخفية سُقراط - فيما خفيت على كثير من أناسيّ اليوم - إذْ تُنسب له مقولة: "بداية الحكمة هي تحديد المصطلحات" ومن شأن هذه البداية الحازمة أن تضبط اتجاهات الحوار، وتَئِدَ جُملةً واسعة من احتمالات المِراء والسجال الذي يوغر الصدور، فلا يُجَرّ الحوار إلى جانبٍ يبدي رأيه، وآخر يرد على رأي آخر تماما! مع الانتباه إلى أنّها شَكلا مغالطة منطقية يلوذ إليها البعض تعمّدا؛ قصد التشويه، ويُطلق عليها: مغالطة رجل القش (Straw Man Fallacy) وفحواها تشويه متعمّد لحجة الطرف المقابل، وذلك بتحويلها لمعنى آخر هزيل، ثم الرد على هذا المعنى الجديد وليس على المعنى الحقيقي الذي طرحه الطرف المقابل، فيأتي أحدهم مثلا يناشد بالدعم لقطاع المسرح في منطقة ما، فيرد عليه ثانٍ؛ بُغية التدليس على المستمعين أو القرّاء: أتطالب بأن ندعم أفكارا دخيلة؟، فالمحور الذي تدور حوله مناشدة الأول هو المسرح - كما هو واضح - في حين أقحم الثاني مفهوم الأفكار الدخيلة لتحلّ محلّ مفهوم المسرح؛ لتأليب الرأي العام ضده، وفي مثل هذه الحالات بدل الانجرار وراء الرد على تهمة الثاني، ينبغي العَود إلى مفهوم المسرح، والتأكيد على حدود المفهوم، وبذلك يدفع الأول عن نفسه ما يحاول الثاني إلْصاقَه به.

ومن المفارقات العجيبة الناجمة من تجاوز تحديد المفهوم وعدم إيلائه الاهتمام الجاد المستحقّ، والولوج رأسا إلى لُبّ الموضوع هو ما يبدو للناظر من اختلاف ظاهر بين المتحاورين مع أنهما متفقان أساسا في الجوهر! ومثال ذلك، فتاة تقول لصديقتها: (الحرية أهم حق إنساني بالحياة) فتردّ الأخرى عليها: (غير صحيح بالمرّة؛ فالحرية تقود للفوضى) ولتجنب الوقوع في فخّ الجدل الذي لا طائل من ورائه رغم الاتفاق، كان يتوجّب على الصديقتين قبل كل شيء أنْ يضبطا حدود المصطلح، ويحددا مقصودَ كلٍ منهما بالحرية، فلو فعلتا لَما انحرف الحوار لمسار عقيم يظهر الاتفاق افتراقا والتوافق اختلافا، فالأُولى كانت تعني بمفهوم الحريةِ الحريةَ الشخصية، بينما الثانية كانت تقصد بها الحرية المنفلتة من كل الحدود، وشتّان بين المفهومين ولو كان اللفظ واحدا، وهذه دقيقة لغوية قَلّ من يتنبّه لما تخلّفه وراءها من جحيم إن لم يُتدارك ككرة الثلج المتضخمة تماما، وإن شئت فقُل كالنظرية الفيزيائية تأثير الفراشة (Butterfly Effect) فخطوة صغيرة مغلوطة قد تُحْدِثُ إعصارا لا يذَر شيئا إلا أهلكه، على أن موضوع الارتدادات الواقعية لاتحاد اللفظ مع اختلاف المعنى يستحق إفراده في مقال لوحده.

وعند التفتيش عن جذور التناوش في مواقع التواصل الاجتماعي، والذي تتوغّل فيه - في أحايين كثيرة - مستويات متقدمة من العنف اللفظي، ويطفح فيها كَيْلُ سيول عارمة من صنوف الاندفاع اللاإنساني وإطلاق الأحكام جزافا، نجد أن إهمال تحديد المفهوم لدى بدء الحوار - محلّ النزاع - يتربّع قائمة الدوافع التي آلت بالحوار إلى هذا الوضع المزري؛ ومن هُنا ينبغي أن يتصدّر حواراتنا السؤال الآتي: قبل أن نشرع في النقاش ماذا تعني بـكذا؟! بحيث يطرحه كل طرف على نظيره فيما يتعلق بالمفهوم مدار الحوار، وتاليا بعد أن تصبح الأرضية صُلْبةَ المفهوم واضحةَ المعالم، فليتطارَحا أوجه النقد والتأييد فيما بينهما، وقد ضمن كلٌّ منهما ما يلوكُ لسانَه فيه.

في الشارع - معترك الحياة اليومي - أمثلة ضافية توضّح كيف أنّ غياب تحديد المفهوم ابتداءً يصيّر حواراتنا صراعات بَلْهاء تقطّع الأواصر، وتفتق رتق التفاهم، وتنكأ جراح الجاهلية، غير أنّ الذي يفاقم خطورة تجاهل تحديد المفهوم ويؤجّج سعيره هو أن تتمركز مواضيع الحوارات في مناطق التماسّ، تجيش لها الوجدان وتختلط بالهُوية، كالسياسة والدين والأعراف المجتمعية، فمن السهولة بمكان أن يُحشر المرء في زمرة الخونة والكفار والفاسدين بسبب حوار أقيم على إحدى هضاب النار تلك، بدون أن يشرح كل طرف تصوّره الخاص للمفهوم محلّ النقاش بمنتهى الوضوح، فيكون الامتناع من الانخراط في حوار كهذا أدعى لِلَمّ الشمل، وأسلمَ لاستقرار المجتمع؛ لأنه ببساطة يقود - بهذه الحال كما وسَمْت - لإشعال الفتيل بين اثنين بدآ بطريقة سيئة، فحوّل الحوار الذي كان يُفترض به أن يعكس مظهرا راقيا للإنسانية، إلى منجل تُجَزّ به الإنسانية من الوريد إلى الوريد.

إنّ إنسان اليوم - بتشعّباته اللامتناهية - بحاجة للحوارات الناضجة أكثر من أي وقت مضى، ولكن للحوار المنضبط وفق معايير تكفل المَتْح من مَعينه على الوجه المَرْضيّ، وإلا كان خنجرا مسموما في خاصرة التفاعل الإنساني، ولعل أُولى خطوات التغيير العريضة هي رفع مستوى وعي شعوبنا فيما يتصل بمتعلقات العقل، والتي يأتي الحوار فيها واحدا من أبرز امتداداته، وأن تسير الحداثة في التكنولوجيا والمظاهر العصرية في منطقتنا مع التحديث في آليات التعاطي مع الأفكار جنبا إلى جنب بما يتناسب وإنتاجات عالَم اليوم ومعطياته، تعاطيا ينتج كما يستهلك، ويقدّم كما يأخذ، ويسهم في البِنَاء، ويطرح حلولا بنّاءة لضَعْضَعَة التحديات التي يواجهها إنسان اليوم، وتحضرني مقولة شفهية دقيقة للمفكر العراقي الكبير ماجد الغرباوي في سياق أزمة الوعي العربي، إذْ يقول: "تيار الوعي لم يسجّل الحضور المناسب لعصره" ففي الوقت الذي ننتبه لضرورة الارتقاء بحواراتنا بحيث نمتلك القدرة على التحاور بين أعنف متضادين منّا بصورة ناضجة متّزنة مع الحفاظ على القيم الإنسانية النبيلة، نكون حينها قد أبدينا استعدادا محترَما لعالَم اليوم بعمقه وعقله لا بقشوره وحُمقه!

***

محمـــد سيـــف – باحث عُماني

في المثقف اليوم