عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

قراءة نقدية موسَّعة في قصيدة الشاعرة رضا عبد الوهاب

تنهض هذه القصيدة على توترٍ وجوديٍّ عميق، حيث تتقاطع الذّات مع انكساراتها، ويغدو القول الشعري فعلَ مقاومةٍ ضد التلاشي. إنّنا إزاء نصٍّ لا يكتفي بوصف الألم، بل يعيد إنتاجه جمالياً عبر شبكة من الصور والانزياحات، تجعل اللغة ذاتها كائناً مجروحاً. ومن هنا، فإنّ مقاربة هذا النص تستدعي تضافر مناهج متعددة، تُضيء طبقاته المتراكبة: من البنية الأسلوبية إلى التشكّل الرمزي، ومن البعد النفسي إلى الأفق التأويلي المفتوح.

أولاً: البنية اللغوية والأسلوبية – انزياح المعنى وتكثيف الدلالة:

تتأسّس اللغة في النص على اقتصادٍ تعبيريٍّ مشحون، حيث يُستبدل المباشر بالإيحائي، والتقريري بالانزياحي.

نقرأ:

"وكنتُ أُهدرُ من قلبي قساوتَهُ

وأنقشُ الظلَّ من عمري الذي سُرقا"

هنا يتبدّى الانزياح في مستويين:

دلاليّاً: إهدار القسوة فعلٌ مفارق، إذ القسوة تُمارَس لا تُهدر، مما يُحوّل الذات إلى فاعلٍ ضد ذاته.

تصويريّاً: نقش الظل استعارة تُشيّد مفارقة بين الملموس (النقش) واللاملموس (الظل)، في إحالة إلى محاولة تثبيت ما هو زائل.

المعجم الشعري ينهل من حقول:

الزمن المنكسر: (عمري، الأيام، النهاية)

العاطفة المتوترة: (قساوة، حزن، عتب، شوق)

العناصر الكونية: (النجم، الموج، البحر، الماء)

وهذا التداخل يُنتج لغةً كونية-نفسية تُسقط الداخل على الخارج.

ثانياً: الصور الشعرية والرمزية – تشظّي الذات في مرايا الكون

الصور في النص ليست زخرفاً بل بنية معرفية:

"أرنو إلى النجمِ مُشتاقًا لأنثرهُ"

النجم هنا ليس جرماً سماوياً، بل رمزٌ للمعنى المتعالي الذي تسعى الذات إلى امتلاكه، لكنها تريد نثره، أي تفكيكه.

"جمعتُ أصدافَ بحرِ الحبِّ في كبدي"

الصورة مركّبة:

١- البحر: اللاوعي/اللانهاية

٢- الأصداف: الذكريات/الأصداء

٣- الكبد: موضع الألم

فنحن أمام ترحيلٍ للكون إلى الجسد، حيث يتحوّل الداخل إلى أرشيفٍ رمزي.

ثالثاً: الإيقاع والموسيقى – هندسة الألم الصوتي

الإيقاع في القصيدة يقوم على:

توازن الشطرين (نَفَس عمودي مكسور)

تكرار الأصوات الحلقية والرخوة (ح، ع، م) التي تعكس الحزن

المدود الصوتية التي تمنح النص امتداداً أنينياً

"ألملمُ الحرفَ عن جفنٍ يؤرقني"

تكرار اللام والميم يمنح الجملة تموّجاً صوتياً يحاكي الأرق.

 الهيرمينوطيقيا الصوتية

الإيقاع هنا ليس زينة، بل دلالة مضمرة:

إنه يُحاكي التردّد الوجودي، ويحوّل الصوت إلى معنى، حيث تتكلّم الموسيقى بما تعجز عنه العبارة.

رابعاً: الدلالات الفكرية والفلسفية – الوجود بوصفه فقداً

تطرح القصيدة سؤالاً مركزياً:

هل يمكن للذات أن تستعيد ذاتها عبر اللغة؟

نقرأ:

"الكلُّ صفرٌ وحولي الناسُ تنظرني"

هنا تتجلّى نزعة عدمية قريبة من التصورات الوجودية:

١- العالم: فراغ

٢- الآخر: متفرّج

٣- الذات: مركز الألم

إنها لحظة انكشاف، حيث يتحوّل الوجود إلى معادلة صفرية.

خامساً: البنية النفسية – الذات بوصفها حقل صراع

القصيدة تُشيّد ذاتاً:

١- منكسرة: (سُرقا، غرقا، رهقا)

٢- باحثة: (أرنو، أمني، أمضي)

٣- منقسمة: (أمضي لذاتي… يجتاحها عتب)

"كالطفل يحمل في أوصاله برقًا"

صورة نفسية مكثفة:

الطفل: البراءة

البرق: الصدمة

أي أن الذات تعيش طفولة مجروحة، حيث البراءة مشحونة بالعنف.

سادساً: التحليل التطبيقي – نماذج دلالية

النموذج ١:

"أحدثُّ الموجَ، هل صلّى على شفتي"

١- الموج: الآخر/الكون

٢- الصلاة: الطهر/الرجاء

٣- الشفاه: القول

- علاقة ثلاثية بين القول والقداسة والطبيعة

النموذج ٢:

"هذي أنا أي شعرٍ لا يُقارضني"

هنا يتحوّل الشعر إلى كائن حاكم، والذات إلى موضوع للمساءلة، في قلبٍ للمعادلة الإبداعية.

سابعاً: النقد الاحتمالي – النص بوصفه أفقاً مفتوحاً

في أفق النقد الاحتمالي، لا يُقرأ النص بوصفه معنى ثابتاً، بل كشبكة إمكانات:

قد يكون النص مرثية ذاتية

أو بياناً وجودياً ضد العدم

أو سيرة رمزية للخذلان العاطفي

النص الممتد (اللامتناهي)

يمكن تخيّل امتداد النص:

لو قالت: "وأزرعُ في فمِ الصمتِ ارتباكي"

فإنها ستواصل بناء عالمٍ حيث:

الصمت يتكلم

واللغة تتكسّر

والمعنى يتوالد بلا نهاية

وهنا يغدو النص مفتوحاً على لانهائية التأويل.

خاتمة:

إنّ قصيدة رضا عبد الوهاب ليست مجرد بوحٍ شعري، بل هي بنية وجودية متشظّية، تتقاطع فيها اللغة مع الألم، والرمز مع الذاكرة، والإيقاع مع القلق الكوني. وقد أظهرت المقاربة المتعددة أنّ النص:

يُراوغ المعنى عبر الانزياح

ويُنتج دلالته عبر التوتر

ويظلّ مفتوحاً على تأويلات لا تنتهي

وبذلك، تنجح الشاعرة في تحويل التجربة الفردية إلى أفق إنساني شامل، حيث يغدو الشعر ليس تعبيراً عن الألم، بل طريقةً في التفكير به، وإعادة تشكيله جمالياً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

القصيدة

وكنتُ أُهدرُ من قلبي قساوتَه

وأنقشُ الظلَّ من عمري الذي سُرقا

*

وصرتُ أحبو إلى لقياكَ يا أملي

ودمعتي تهملُ المعنى الذي غَرقا

*

أرنو إلى النجمِ مُشتاقا لأنثرُه

كأنَّ عمري وحيداً بعدما عَشقا

*

أُمنّي الروحَ، ذاك الصوتُ أسمعُه

فليت خِلَّا حبيباً يُحسنُ الطَرْقا

*

أمضي لذاتي إذ يجتاحها عتبٌ

كالطفلِ يحملُ في أوصالهِ برْقا

*

ومُزنةُ الحزنِ في الأيامِ ترمُقني

جوراً وهذا اكتمالُ العمرِ اذ رهقا

*

جمعتُ أصدافَ بحرِ الحبِّ في كَبدي

غرباً سيركضُ بي إذ خلتُه شرقا

*

ألملمُ الحرفَ عن جفنٍ يؤرقني

وأرسمُ القلبَ بالسهمِ إذ شُنقا

*

أحدثُّ الموجَ، هل صلَّى على شفتي

صليتُ فوق كفوفِ الماءِ فانبثقا

*

أقمتُ في لُجةِ الظلماءِ أحسبُها

أنثى من التيهِ نشوى تصنعُ الفرقا

*

بعضُ الرؤى فوضوياتٌ مساحتها

تمضي إلى موجةٍ قد طوَّحت أرقا

*

هذي أنا أي شعرٍ لا يُقارضني

إن مدَّ جزراً هواه الآن ما صدَقا

*

الكلُّ صفرٌ وحولي الناسُ تنظرني

كيف النهايةُ؟ بي رفقا وما رَفقا

*

أني احتدامُات نجمٍ من توجُعه

يكفي أرتلُ فيكَ الناسَ والفلقا

***

الشاعر رضا عبد الوهاب

١٣/١١/٢٠٢٥

"العشاء الأخير في حضرة دافينشي"

هي مجرد قراءة أولى، لذلك لن تكفي حتى وإن كانت لمجرد استكشاف نصوص المجموعة القصصية "العشاء الأخير في حضرة دافينشي" للصديق المبدع محمد محضار جميعها؛ بل إن الاقتصار على قراءة نصوص-اختيرت أو أخذت منها عينة عشوائية- لن يفي بالغرض لوضع اليد على كل مؤشرات الجودة الفنية في مجموعة كهاته، كل نص فيها يحمل جودته في ذاته، لتتكامل في نهاية المطاف من حيث تيماتها وتماثل بنائها الفني؛ وإن تراوح أسلوبها بين الشعرية في المقاطع الوصفية و بين المباشرة أحيانا في فقرات الحكي التأريخي، كما تفاوتت في الأحجام (أصغرها "لحظة امتعاض" في ثلثي صفحة حتى كادت تندرج ضمن القصة القصيرة جدا وأطولها "شيطان الظهيرة يغني في غرناطة في ثلاث وعشرين صفحة" حتى كادت تشكل رواية قصيرة OMANR iMiN

.. وقد تباعدت تواريخ كتابة هذه النصوص (أقدمها "وجود الشيء واحتراقه" 1974، وأحدثها "شيطان الظهيرة يغني في غرناطة" 30/ 8/ 2025) حتى كادت تشكل مشروعا سرديا اِمتد إنجازه على مدى 51 سنة، وكان يكفي الوصل بينها عبر خيط زمني واسترسال سردي رابط لتلحيم أشلائها ودمجها ضمن متن روائي جامع .

لأنها (وكما سبقني إلى إدراك ذلك الصديق الناقد الأستاذ عبد الرحيم التدلاوي) نصوص محكومة بصدق التجربة ووحدة الرؤية بل وشاهدة على مهارة -لا تُخطئها العين- في التحكم في آليات السرد.

وقد فضل المبدع الأستاذ محمد محضار أن يعنون المجموعة بعنوان لقصة تتوسط المجموعة، وبذلك تكاد هاته القصة تشكل قلب المجموعة النابض دلاليا وجماليا وهي (العشاء الأخير في حضرة دافينشي ص: 57)

يتشكل العنوان من شقين (كما لاحظ ذلك الأستاذ التدلاوي)؛ ولمزيد من التوسيع؛ فالشق الأول منقول عن تسمية متداولة منذ زمن بعيد (العشاء الأخير) أما ثاني الشقين فموضوع من إبداع المؤلف نفسه (في حضرة دافينشي)، الشق الأول يحيل على تسمية من التسميات التي اشتهرت بها جدارية ليوناردو دافينشي في سانطا ماريا ديل كرازي بمدينة ميلانو الإيطالية؛ ويُختصر اِسمها عادة في أدبيات الفن ب neèC LA: والتي يتوسطها المسيح كمركز اهتمام وهو يسِرُّ إلى حوارييه الاِثني عشر، بأنه سيطعمهم بلحمه وسيسقيهم بدمه؛ لتلوح على ملامحهم علامات الصَّدمة والشَّك والغضب إحساسا بالخيانة التي تتربص بالمسيح؛ وذلك قبيل توقيفه وصلبه؛ بينما يُحيل الشق الثاني (الموضوع) على ذائقة (المؤلف) الفنية على لسان السارد والتي يؤكدها ويكشف عنها مَطلع القِصّة التي تحمل العنوان نفسه (ص: 57) .. ليتكامل العنوان واللّوحة التي تتوسط الدفة الأولى من غلاف المجموعة مثلما تتوسط صورة المؤلف ونبذة تعريفية به الدفة الخارجية الأخيرة إضافة الى آخر جُملة من الاهداء، فيقوي كل ذلك افتراضا مفاده أن تيمة الشك والتوتر والقلق والإحساس بالغدر ستشكل القاسم المشترك بين تيمات جل نصوص المجموعة؛ وهي دلالة تقويها بوضوح عناوين أغلب النصوص؛ ومنها (العجوز والموت/ زمن التمزق والتشظي/ نهاية سيدة من الزمن الماضي/ لحظة امتعاض/ روائح العصيان/..إلخ)

إلا أن طول مدة الإنجاز ترك أثرا واضحا على بنية النصوص لغويا وفنيا على الرغم من تردد التيمات المشتركة ذاتها (الغدر/ الخيانة/ حركية الزمن/ صورة الوجود بين الحقيقة والوهم...) فإن كان الجامع بين النصوص القديمة هو خطية الزمن ورتابة الحكي؛ فإن النصوص الحديثة العهد تتسم في مجملها (وهي الغالبة) بمركزية الشخصية وكثافة اللغة وإيحائية اللفظ واستبطان ذوات الشخوص بدل الاكتفاء بالتأثيث الخارجي؛ بينما لم تَخْلُ نصوصٌ قديمةٌ (على قِلَّتِها) من مقاطع مباشرة تَنزل في بعضِ الفقرات الى الوصفِ التقريري أو الخطاب التأريخي يُرافقه التفسير أحيانا (كما لو أن السّارد يتولى مهمة قارئ لحادثة تاريخية يوجه القارئ ليقاسمه المعلومة (هي سنة الحياة؛ ما من صعود وطلوع إلا ويتبعه نزول وسقوط، من سوء حظ أبو عبد الله أن سقوط غرناطة ارتبط باسمه وربما كان هذا سبب عيشه منبوذا بمدينة فاس التي هاجر إليها وحتى ضريحه لم يتم ترميمه إلا مؤخرا.....ص: 153 "شيطان الظهيرة....").. والملاحظة ذاتها تصدق على خطية الزمن في النصوص القديمة بينما يتموج الزمن أو يتخلله التقاطع بين الاسترسال والاسترجاع والاستشراف في نصوص أخرى، علما بأن عنصر الزّمن في الكثير من النصوص يتجاوز وظيفته التقنية ليتحول هو ذاته إلى تيمة مركزية إما بلفظة "زمن" أو بإحدى مشتقاتها أو بكناية دالّة عليها، كما في نصوص من قبيل (الأيام الشاحبة- زمن التمزق والتشظي- زمن البرشمان- زمن التفاصيل- نهاية سيدة من الزمن الماضي ..). ولعل ما يُفسر هذا الحضور اللّافت للزمن -باعتباره إحدى التيمات المركزية التي تكاد تحضر في السواد الأعظم من النصوص- هو الاقتناع برؤية تعتبر قراءة الحاضر رهينة باستحضار الماضي وهي رؤية عبر عنها المؤلف صراحة من خلال صوت السارد في ص: 143 ضمن نص (شيطان الظهيرة...): "النبش في الماضي يَمنحنا فُرصة لإعادة ترتيب الأوراق وقراءة الحاضر بنكهة الأمس..."؛ والدّليل الأقوى على ذلك هو التَّقابل (الضِّدي) الذي يلمسُه القارئ بوضوح خلال استحضار الماضي في الحاضر؛ حتى وإن اختلفت فضاءات الحدث وتعددت أمكنته، فالمكان ذاته ليس مجرد مساحة ثابتة بقدر ما ترتبط صورته بالأجواء النفسية والوجدانية، لذلك غالبا ما تفقد الأمكنة القديمة بريقها في الحاضر (عندما نزل الى الشارع صدمه مشهد العمارة التي عاش بها أكثر من نصف عمره فجدرانها كساها السخام....) ص: 41 (زمن التفاصيل). وقد كان للعناية المُفرطة بثنائية الماضي/ الحاضر ووَقْعُها على نفسية الشُّخوص وتوجيه رؤيتها للعَالم؛ تأثيرٌ واضح على بناء الحبكة القصصية، إذ غالبا ما يخلو تَشييدها من تَوْتِير للصراع أو تعقيد للحدث بهدف إيصاله الى دُروة مشوقة تستفز تساؤلات المتلقي؛ بخلاف ذلك يسترسل المؤلف في بناء السرد بتلقائية غير آبه بتعقيد الحبكة؛ عبر توالي الحكي والوصف والحوار وكأنه يمسك بيد المتلقي ليستدرجه إلى التفكير في خاتمة مفتوحة لـ(أغلب النصوص) او ليُشركه في استكمال القصة أو في افتراض اِنفتاح نهايتها على بداية قصة جديدة

وهذا ما يفسر إسناد وظيفة السرد لراوٍ "عليم" يرصد أحوال وأفعال وحركات الشخصيات مستعملا ضمير الغائب ويعلم ما تخفي وما تعلن بل ويتوقع ما ستقدم عليه (انتهت المكالمة ولم تنته هواجس خديجة؛ وبقيت ظلال من الحزن تخيم عليها وأسئلة لا حدود لها تشج رأسها وتبعثر أفكارها ....ص: 34.. زمن التمزق والتشظي)

(..ولكن هذا لم يؤثر على ما تحسه جوارحه ويصدقه عقله؛ فالتغيير بالنسبة له قادم لا محالة في يوم ما ...ص: 91. ... القطيعة الابستيمولوجية)؛ بينما تتقاطع نصوص يوظف فيها ضمير المتكلم باعتباره شخصية مشاركة مع مذكرات شخصية تكاد تنتفي فيها الحدود بين السارد والمؤلف نفسه (جالسا في باحة المقهى؛ ساهما أفكر في أشياء حدثت ذات زمن؛ أحفر بهدوء في تعاريج الذاكرة ص: 49.. صحراء الحاضر...)

وقلما يتم توظيف ضمير المخاطب في بعض المقاطع تحقيقا لرغبة واضحة في إشراك المتلقي، مثلا حين مَسرحة المشهد؛ من ذلك في مطلع (فاقد الشيء 52)

كما يكشف المسار القرائي عن أن لغة السارد تَتَوزّعها حُقول مُعجمية متداخلة، تتراوح بين النفسي والتأملي الذهني من جهة، والزّمني من جهة أخرى، بما يُضفي على الخطاب بعدًا دِيناميًا متحركًا. غير أن اللّافت في هذا النسيج اللغوي هو الحضور القوي للمعجم التأريخي؛ أو الديني، سواء عبر الاستشهاد المباشر بالنص المحفوظ، كما في قوله تعالى: "وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها..." أو (ماكذب الفؤاد ما رأى ..) أو (وأن مع العسر يسرا..) أو من خلال تناصات ضمنية لاواعية يشي بها المعجم المُوظّف (حسبي الله ونعم الوكيل/ زور وبهتان/ ..) فضلا عن إحالات لافتة على نصوص أعلام من الأدب و الفلسفة (نيتشه/ إميل سيوران/ توماس هوبس...)؛بل وتوظيف مصطلحات متداولة من الحقل الفكري (القطيعة الابستيمولوجية) بما يعكس عمق المرجعية الثقافية للنص ويمنحه كثافة دلالية إضافية وإن سَلب العِبارة السردية شيئا من بعدها الإيحائي .

ختاما؛ يعلم صديقي العزيز سيدي محمد بأن مسار الإبداع سفرٌ متواصل بلا محطة نهائية، وأن هذا المنجز القيم بالإضافة إلى منجزاته الأخرى هي مجرد خطوات بِنِيَّة مواصلة السير مادام كما أعرفه يمتلك شجاعة الاِستمرار

بالتوفيق والسداد.

***

بقلم: علي درويش - أديب وناقد مغربي

قراءة في تحولات المفهوم داخل النقد الأدبي الحديث

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة مفهوم التناص بوصفه أحد المفاهيم المركزية التي أعادت تشكيل فهم النص الأدبي في النقد الحديث، حيث لم يعد النص ينظر إليه باعتباره بنية مغلقة أو إنتاجا فرديا معزولا، بل أضحى فضاءً ديناميًا تتقاطع داخله نصوص متعددة. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التناص لا يمثل مجرد ظاهرة أسلوبية، بل يشكل مبدأً بنيويا يحكم إنتاج المعنى داخل النص.

وقد اعتمدت الدراسة مقاربة نظرية تحليلية، استندت إلى أبرز التصورات النقدية التي بلورها كل من ميخائيل باختين في مفهوم الحوارية، وجوليا كريستيفا في صياغة التناص، إضافة إلى الرؤية التأويلية التي قدمها أدونيس في إعادة التفكير في العلاقة بين التراث والحداثة.

وخلصت الدراسة إلى أن التناص يمثل آلية معرفية وجمالية لإعادة إنتاج النصوص، وأن الإبداع الأدبي يقوم على التفاعل المستمر بين الذاكرة الثقافية ولحظة الكتابة، بما يجعل النص فضاء مفتوحا للتأويل والتجدد.

على سبيل الافتتاح: التناص وتحول النظرة إلى النص الأدبي

عرفت الدراسات النقدية المعاصرة تحولات عميقة مست جوهر النظر إلى النص الأدبي، حيث لم يعد يُفهم بوصفه وحدة مكتفية بذاتها، بل بوصفه كيانًا علائقيًا ينفتح على نصوص أخرى، تتداخل داخله بشكل يثري بنيته ويعقّد دلالته. وفي قلب هذا التحول، يبرز مفهوم التناص باعتباره أحد المفاتيح النظرية التي أعادت تشكيل وعي النقد بطبيعة الإبداع.

فالنص، وفق هذا التصور، لا يُكتب من فراغ، بل يتشكل من خلال تفاعل معقد مع نصوص سابقة، يعاد استدعاؤها وتحويلها داخل بنية جديدة. وقد عبّرت جوليا كريستيفا عن هذا المعنى حين اعتبرت أن " كل نص هو فسيفساء من الاقتباسات" (Kristeva, 1980)، وهو ما يحوّل النص إلى فضاء متعدد الأصوات.

ويتقاطع هذا الطرح مع تصور ميخائيل باختين الذي يرى أن الخطاب الإنساني ذو طبيعة حوارية، حيث يتحدد معناه عبر علاقته بخطابات أخرى (Bakhtin, 1981). أما في السياق العربي، فقد أعاد أدونيس التفكير في مفهوم الأصالة، مؤكدًا أن الإبداع لا يقوم على استنساخ التراث، بل على إعادة بنائه وتأويله (Adonis, 1978).

وانطلاقًا من هذه الرؤية، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك مفهوم التناص، والكشف عن أبعاده النظرية، بوصفه آلية لإعادة إنتاج المعنى داخل النص الأدبي.

التناص بين الامتداد اللغوي والتأسيس الاصطلاحي:

من الدلالة اللغوية إلى البناء المفاهيمي:

يحمل التناص في جذوره اللغوية دلالات التداخل والازدحام، وهي معانٍ تكتسب بعدًا أعمق حين تُستعاد في سياقها النقدي، حيث يصبح التناص تعبيرًا عن تداخل النصوص داخل بنية واحدة. غير أن هذا الامتداد اللغوي لا يكفي لفهم المفهوم في أبعاده الحديثة، إذ انتقل التناص إلى مستوى اصطلاحي أكثر تعقيدًا.

التناص كشبكة علاقات نصية:

في صيغته الحديثة، يشير التناص إلى شبكة من العلاقات التي تربط النصوص ببعضها، حيث لا يكون النص وحدة مستقلة، بل نقطة تقاطع لعدد لا نهائي من النصوص. وهنا، لا يعود المعنى ناتجًا عن النص وحده، بل عن علاقته بالنصوص الأخرى، وهو ما يمنح القراءة طابعًا تأويليًا مفتوحًا.

التناص كحوار معرفي: من باختين إلى كريستيفا:

الحوارية: الأساس الفلسفي للتناص:

يُعد تصور باختين للحوارية الأساس الفلسفي الذي مهّد لظهور التناص، حيث يرى أن كل خطاب هو استجابة لخطابات سابقة، وأن المعنى يتولد من التفاعل بين الأصوات المختلفة (Bakhtin, 1981). وبذلك، يصبح النص فضاءً حواريًا لا يمكن عزله عن سياقه.

كريستيفا: من الحوارية إلى التناص:

جاءت كريستيفا لتترجم هذا التصور إلى مفهوم التناص، حيث اعتبرت أن النص ليس سوى تقاطع لنصوص أخرى، يتم امتصاصها وتحويلها داخل بنية جديدة. ومن هنا، لم يعد التناص مجرد علاقة بين نصوص، بل أصبح مبدأً بنيويًا في تشكيل النص.

(Kristeva,1980)

التناص وإعادة كتابة التراث: قراءة في تصور أدونيس:

التراث بوصفه مادة قابلة للتحويل:

يقدّم أدونيس تصورًا مغايرًا للعلاقة بين التراث والحداثة، حيث لا يرى في التراث نموذجًا يُحتذى، بل مادة قابلة لإعادة التشكيل. فالإبداع، في نظره، لا يتحقق إلا عبر تفكيك البنى القديمة وإعادة بنائها داخل رؤية جديدة (Adonis, 1978).

التناص كفعل إبداعي:

في هذا السياق، يصبح التناص فعلًا إبداعيًا، لا يقوم على النقل أو التقليد، بل على إعادة إنتاج المعنى. وهو ما يجعل النص فضاءً للتجديد، لا مجرد امتداد للماضي.

التناص بوصفه آلية لإنتاج الدلالة:

من التكرار إلى التحويل:

لا يقوم التناص على تكرار النصوص، بل على تحويلها، بحيث تُعاد صياغتها داخل سياق جديد يمنحها دلالات مختلفة. وهنا، يتحول النص إلى بنية دينامية، تتغير مع كل قراءة.

التناص وانفتاح المعنى:

يؤدي التناص إلى فتح النص على تعددية الدلالات، حيث لا يعود المعنى ثابتًا، بل يصبح قابلًا للتأويل وفق خلفية القارئ. وهو ما يجعل القراءة فعلًا إبداعيًا موازياً للكتابة.

على سبيل الختام: التناص كأفق مفتوح للفكر الأدبي:

يتضح من خلال هذه الدراسة أن التناص لا يمثل مجرد مفهوم نقدي عابر، بل يشكل تحولًا جذريًا في فهم النص الأدبي، حيث انتقل به من حالة الانغلاق إلى فضاء الانفتاح والتفاعل. فالنص، في ضوء هذا التصور، ليس كيانًا ثابتًا، بل بنية متحركة، تتشكل من خلال تفاعل مستمر مع نصوص أخرى.

ومن ثم، فإن الإبداع الأدبي لا يقوم على القطيعة مع الماضي، بل على إعادة إنتاجه داخل أفق جديد، بما يجعل التناص تعبيرًا عن استمرارية الفكر الإنساني، وعن تلك العلاقة الجدلية التي تربط بين الذاكرة والابتكار.

نتائج الدراسة:

نحو إعادة تعريف النص بوصفه فضاءً تفاعليًا:

تكشف المقاربة النظرية التي اعتمدتها هذه الدراسة، في ضوء التصورات التي بلورها كل من ميخائيل باختين وجوليا كريستيفا وأدونيس، عن جملة من النتائج الأساسية التي تسهم في إعادة بناء فهمنا لطبيعة النص الأدبي ووظيفته:

التناص بوصفه بنية تأسيسية لا تقنية عرضية:

أظهرت الدراسة أن التناص لا يمكن اختزاله في كونه مجرد تقنية أسلوبية أو أداة زخرفية، بل يتجاوز ذلك ليشكل بنية عميقة تحكم إنتاج النص. فالنص لا يتأسس في فراغ، وإنما ينبني على شبكة معقدة من العلاقات النصية التي تسهم في تشكيل معناه، وهو ما يجعل التناص شرطًا من شروط الإبداع لا خيارًا من خياراته.

انزياح مفهوم الأصالة من الابتداء إلى التحويل:

أفضت الدراسة إلى أن مفهوم الأصالة لم يعد يُفهم بوصفه قطيعة مع النصوص السابقة، بل بوصفه قدرة على تحويل هذه النصوص وإعادة إنتاجها داخل سياق جديد. وهو ما يتقاطع مع الرؤية التي تجعل الإبداع فعلا قائمًا على إعادة التشكيل لا على الخلق من عدم. (Kristeva, 1980).

الحوارية كأفق مولّد للمعنى:

بيّنت الدراسة أن مفهوم الحوارية عند باختين يشكل أساسًا فلسفيًا لفهم التناص، حيث إن المعنى لا يُولد داخل النص في عزلة، بل يتشكل من خلال التفاعل بين أصوات متعددة. ومن ثم، يصبح النص فضاءً حواريًا تتداخل فيه الخطابات، مما يمنحه طابعًا ديناميًا ومتجددًا (Bakhtin, 1981).

التناص كآلية لانفتاح النص على التأويل:

أثبتت الدراسة أن التناص يسهم في فتح النص على تعددية دلالية، حيث لا يعود المعنى ثابتًا أو نهائيًا، بل يصبح قابلا لإعادة القراءة وفق خلفيات القراء المختلفة. وهذا ما يجعل النص الأدبي فضاءً مفتوحًا للتأويل، تتجدد دلالاته باستمرار.

العلاقة الجدلية بين التراث والحداثة:

كشفت الدراسة، في ضوء تصور أدونيس، أن العلاقة بين التراث والحداثة ليست علاقة تناقض، بل علاقة جدلية تقوم على التفاعل والتحويل، حيث يتم استيعاب التراث وإعادة إنتاجه داخل رؤية معاصرة (Adonis, 1978).

نحو تعميق الوعي بالتناص في النقد العربي:

انطلاقًا من النتائج التي تم التوصل إليها، تقترح هذه الدراسة مجموعة من التوصيات التي من شأنها تطوير البحث في مجال التناص وتعزيز حضوره في الدراسات الأدبية:

تعميق الدراسات النظرية والتطبيقية:

توصي الدراسة بضرورة توسيع نطاق البحث في التناص، سواء على المستوى النظري أو التطبيقي، من خلال تحليل نصوص أدبية مختلفة للكشف عن تنوع تمظهراته، بدل الاقتصار على الطرح المفاهيمي العام.

إعادة قراءة التراث النقدي العربي:

تدعو الدراسة إلى إعادة النظر في مفاهيم التراث النقدي العربي كالسرقات الأدبية، والاقتباس، والتضمين، في ضوء مفهوم التناص، بما يسمح بإبراز استمرارية الفكر النقدي بدل الفصل بين القديم والحديث.

تطوير المناهج النقدية العربية:

تشدد الدراسة على أهمية تطوير المناهج النقدية في العالم العربي، عبر الانفتاح الواعي على النظريات الحديثة، مع تكييفها بما ينسجم مع خصوصية النص العربي.

إدماج التناص في الممارسة التعليمية:

توصي الدراسة بضرورة إدراج مفهوم التناص ضمن مناهج تدريس الأدب، لما له من دور في تنمية مهارات القراءة التحليلية والتأويلية لدى الطلبة.

تعزيز القراءة التأويلية للنصوص:

تؤكد الدراسة على أهمية الانتقال من القراءة التقريرية إلى القراءة التأويلية، التي تنظر إلى النص بوصفه فضاءً مفتوحًا للتفاعل، لا مجرد بنية ثابتة.

خلاصة للنتائج والتوصيات:

إن ما تكشفه هذه النتائج والتوصيات هو أن التناص لم يعد مجرد مفهوم نقدي، بل أصبح أفقًا معرفيًا يعيد تشكيل علاقتنا بالنص، ويمنح الإبداع بعده التفاعلي. ومن ثم، فإن تطوير الوعي بهذا المفهوم من شأنه أن يسهم في تجديد النقد الأدبي، وتعميق فهمنا لطبيعة الكتابة بوصفها فعلًا مستمرًا من التفاعل والتحو.

***

بقلم: د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ.

 

علم الكلام برأي هو علم يدخل في مجال الفلسفة، أي في مجال العقل والفكر والرأي الحر، أو بتعبير آخر، هو يدخل في المجال الذي يؤكد على دور ومكانة العقل البشري في البحث عن سعادة الإنسان وعدالته وحريته وكل ما يحقق إنسانيته بعيداً عن أيّة سلطة فكريّة أو عقديّة او أيديولوجيّة مسبقة من خارج تاريخ حياة الإنسان، وذلك من خلال استخدام وسائل وأساليب معرفيّة تقوم على البحث والاستقراء والاستنتاج والتحليل والتركيب وأخيراَ البرهان. وإذا كان علم الكلام قد وجد ما له وما عليه في العصور الوسطى من التاريخ الإسلامي، من حيث تأثره في الفكر أو المنطق الفلسفي اليوناني، ومحاولة حملته من الفلاسفة العرب والمسلمين تفسير قضايا لاهوتية من خلاله، من منطلق مادي  يؤمن بالحقيقة العيانيّة، ويحاول إقصاء كل ما هو غيبي وأسطوري من عالم هذا اللاهوت، أو التفسير من منطلق فلسفي مثالي يتناول (وجود الله ووحدانيته وصفاته .. الخ)، وهذا ما اشتغل عليه في الحقيقة معظم الفلاسفة المسلمين، وحتى ذوي النزعة الماديّة لم يستطيعوا تجاوز هذه المسأل العقديّة في طروحاتهم، ومع ذلك لم يسلم هؤلاء الفلاسفة ذوي النزعة الماديّة من حملات الإقصاء وحرق كتبهم والتنكيل بهم، التي كان يقودها رجالات ومشايخ (الفكر السلفي)، بل والأكثر غرابة هو استمرار حملة أصحاب الفكر السلفي هذا في ملاحقة أصحاب الفكر التنويري العقلاني حتى اليوم، من المنطلق ذاته الذي حورب به أصحاب هذا الفكر من المعتزلي في العصور الوسطى. وبناءً على ذلك تأتي أهميّة هذه المقالة في كشف أبعاد هذا الفكر ومن الذين يحاربونه حتى اليوم. وبالتالي ما هي أهمية علم الكلام إذا ما ربطناه بالفلسفة العقلانيّة التي نحن بأمس الحاجة لها اليوم لتجاوز تخلفنا المعرفي والمنهجي الذي فرضه علينا أصحاب النقل وثقافة الفم لا العقل وحرية الإرادة. هذا وقد وقفنا هنا عند المواقف الفكريّة للشافعي الذي أسس لمحاربة العقل أنموذجا.

على العموم: سُمي علم الكلام "كلاماً" لكثرة البحث والكلام في "كلام الله" وصفاته، أو لاعتماده على الجدل والمنطق. ويُعتبر عند أصحابه كـ (الأشاعرة والماتريديّة) وسيلة لإثبات العقائد المتعلقة بالله ووحدانيته وصفاته والقديم والمحدث من جهة، بينما حذر منه بعض السلف وكفروا دعاته من جهة ثانية.

يقول السلفيون بأن "علم الكلام" علم دخيل على الإسلام، استمده أوائل المتكلمين من فلسفة اليونان وحكمة الفرس للإعراض عن ظاهر النصوص، كما يقول "الإمام أحمد بن حنبل" (1).

إذن إن علم الكلام هو أحد أبرز العلوم الإسلاميّة الذي اهتم بدراسة إثبات العقائد الإيمانية (أصول الدين) والدفاع عنها، باستخدام الأدلة العقليّة والبرهانيّة وفقاً للمنطق الصوري، أو الاستنتاج المنطقي، إلى جانب علوم النقل (الكتاب والسنة)، وذلك للرد على الشبهات والفرق المخالفة. وهو يبحث في الذات الإلهية، الصفات، الأفعال، التوحيد، العدل الإلهي، النبوة، المعاد، والإمامة. والعمل أيضاً على حماية العقيدة الإسلاميّة كما يراى دعاة السلفيّة ما أصابها من الانحرافات والشبهات، وتثبيتها بالحجة والبرهان. وذلك من خلال منهج دمج العقل والنقل معاً، في الوقت الذي بقي فيه دور العقل هنا هو النظر والبرهان لتثبيت ما ورد في هذا النص ولس الحكم عليه.

هذا وتأتي أهميّة علم الكلام في الخطاب المعاصر برأيي، كضرورة من أجل تجديد مناهج علم الكلام، ليصبح "علم كلام جديد" قادراً على مواجهة التحديات الفكريّة والفلسفيّة والعمليّة الحديثة الوضعيّة والدينية منها.

رأي السلفيين في علم الكلام:

إن طريقة علماء الكلام، في الحديث عن الجواهر والعراض، والحادث والقديم، هي طريقة مبتدعة برأي علماء السلفيّة، وهي طريقة لم يكن عليها سلف الأمّة الصالح، لذا هم – أي مشايخ السلفيّة - يؤمنون بأن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله. وإن النصوص الإسلاميّة من قرآن وسنة نبويّة فيها ما يكفي من الحجج العقليّة والبراهين المنطقيّة لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام. فالمنهج السلفي في مسألة موقفه من علم الكلام، يقر بأن المنهج السلفي  لديه مجموعة قواعد يستند إليها وهي:

1- رفض التأويل بغير دليل.

2- كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث والإقلال من الرأي الشخصي عند الكلام عن الدين.

3- هذا وإن هناك أقوالاً رواها الإمام "الشافعي" في موقفه من علم الكلام كما ذكر "الذهبي" في ترجمته عن الإمام "الشافعي" حيث وجد جملة نصوص تدل بوضوح على موقف الشافعي من علم الكلام وهي نصوص اعتمد عليها معظم أئمة ومشايخ الفكر السلفي سابقا ولاحقا، بل حتى تاريخنا المعاصر ومنها قوله:

آ- لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد.

ب - ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح.

ج - والله لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم، خير له من أن يتكلم فيقال: زنديق ! وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله !

د - وقال يا ربيع إقبل مني ثلاثاً: لا تخوضن في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي غدا، ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل!

هـ - وسئل الشافعي عن شيء من علم الكلام فقال: سل عن هذا (حفص الفرد) وأصحابه أخزاهم الله !. وحفص الفرد من المتكلمين المعتزلة.

ح - وقال: حُكْميَ في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام!

ك - وقال: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد ! قال الذهبي: لعل هذا متواتر عن الإمام!

وقال المزني: كان الشافعي ينهى عن علم الكلام. وذكر أنه كان يطالع في علم الكلام قبل أن يقدم الشافعي، فلما قدم سأله عن مسألة في علم الكلام  فغلظ له القول حتى ترك الكلام وأقبل على الفقه!

ل - وقال الشافعي: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصيّة لأنه ليس من العلم!

م - وقال: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرّة وأنا أستغفر الله من ذلك!. (2).

ومن يتتبع كلام الأئمة السلفين في العصور الوسطى من الخلافة الإسلامية، سيجد لمثل هذه الأقوال الشافعيّة المعاديّة للعقل ومنطق العصر نظائر كثيرة، في تاريخنا المعاصر لا زالت سائدة في الخطاب الإسلامي، وتشكل عقبة أمام انطلاقة الفكر العقلاني النقدي.

***

د. عدنان عويد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.......................

1- كما ورد عند محمد عماره في كتابه (السلف والسلفيّة).

2- يراجع في ذلك – موقف الإمام الشافعي من علم الكلام – موقع ملتقى أهل الحديث.

الرواية جنس أدبي يستلهم التفاعلات داخل النفس البشرية الناتجة عن ضغوطات الحياة وما تفرزه اشتراطات المحيط الخارجي، وقد تجلّى هذا الاستشفاف من متون رواية (توقيت آخر للحياة)، إذ نجد الساردة في صراع مع ذاتها ومع الآخرين..

قراءة الغلاف:

عند تمعننا في سيميائية الغلاف؛ يطالعنا عنوان (توقيت آخر للحياة) بخط عريض، يعلوه اسم الكاتبة (بشرى الهلالي)، وتحته مفردة التعريف بالجنس العمل (رواية).. وفي محاولة لتسريد هذا الإعلان البصري يمكننا ملاحظة الكتل اللونية ودلالتها المتوزعة في عموم التصميم؛ نجد في أسفل هذا المعمار التشكيلي عنصراً باللون الأسود، أو أنه مقتطع من حيّز مظلم، وهذا العنصر تشكل على هيأة امرأة تتطلع نحو الأفق بثبات، وتنطلق بخطوة واسعة ملؤها الثقة، تجر خلفها حقيبة بعجلات صغيرة.

إن ميلان الحقيبة دليل على إصرار المرأة على الإقدام نحو انتقالة غير محددة المعالم، هرباً من ماضٍ مررته الأيام بتجارب التعاسة، وما يمر به العراق من ظروف لا تدعو للطمأنينة.

نلاحظ في خلفية اللوحة صورة شبحية لنصب الحرية وملامح بغداد بشكل غائم يميل للعتمة، وكأنها مدينة أشباح، تفصلنا عنها طبقة من زجاج في طريقه للتهشم، كما تصاعدت من الأرضية كتل الدخان الأبيض إشارة إلى مظاهر العنف ضد المتظاهرين السلميين، في المقابل انبثقت وردة حمراء، تمثل الضحايا الأبرياء الذين سقطوا أمام القنابل الدخانية والرصاص الحي.

هذا التأويل يحيلنا إلى متون الرواية التي انفتحت مع الساردة، وأطلعتنا على صفحات من تأريخ دول القارة الأفريقية (أوغندا وكينيا)، وكيف عبرت هذه الدول فصولاً من الطغيان تحت ظلال الدكتاتورية، وما جرى للناس البسطاء الذين سحقتهم أسنان العنف تزامناً مع الانقلابات الدموية وما تلاها.

العنوان:

تتكون هذه العتبة من ثلاث مفردات (توقيت، آخر، للحياة)، لتشكّل تركيباً لغوياً يقبل التأويل وتعدده، بجملة إخبارية تقارب الحكمة، أو هي استنتاج فلسفي يمثل خلاصة تجربة إنسانية تبدو عائمة، قد يبدو العنوان محدود الدلالة، ويؤدي وظيفة تعريفية بالنص؛ لكن مع التوغل في ثنايا المتون تتكشف مستويات التعالق النصي، وينفتح التسارد على مديات غير محسوبة، إذ يحيلنا التلقي إلى أن هذا التوقيت الجديد يشتغل على المستوى الفردي، وهنا نشير إلى حالة الساردة (ملك)، وأن الحياة التي كانت تنشدها مع (م) وما سببه لها من تعب نفسي، يمكن استبداله وتعويضه بتجربة تبدو أكثر رسوخاً، وأن الطرف الآخر أكثر رصانة وشفافية والمتمثل بشخصية (عادل).

كذلك يمكن إسقاط العنوان على الحالة الجماعية؛ فإن تجربة نظام الحكم في العراق وما رافقها من خروقات ومآس؛ يمكن استبدالها بما خلصت إليه تجارب مماثلة في أفريقيا، وهذا ما يتطابق مع طموحات الشباب الثائر في ساحات تشرين..

كما يتجلى العنوان في الخاتمة المفتوحة؛ فقد وجدت الساردة في الغابات العذراء براءة روحها المستباحة، وحاولت التوحّد معها، إذ انساقت إلى الأماكن التي لم تطؤها قدم إنسان، وتواصلت مع كائنات الغابة الحية من نباتات وأشجار لم تلوثها أيدي المتطفلين.

وقفة مع عناصر السرد:

اعتمد النص على تنقلات مكانية وزمانية، فقد أثثت الكاتبة فضاءها الروائي منطلقة بالخطاب من مطار إنتيبي، وتوسعت أفقياً وعامودياً مع استعادات أماكن وأزمنة متفرقة في العراق، ومن ضمنها ساحات التظاهر أيام تشرين..

ابتدأ تزمين الخطاب مع لحظات هبوط الطائرة، ليأخذ مساراً مستقيماً باتجاه الخاتمة، حيث مشهد الغابة مع استرجاعات في أزمنة متعددة من ماضي الساردة (ملك)، وتداعيات بأسلوب السرد النفسي، إذ تعري الساردة أفعالها وأقوالها بعد مراجعات ومقارنات مستفيضة، معتمدة أسلوب التقطيع والانتقالات الرشيقة بين الكتل اللغوية...

فواعل السرد:

وظفت الكاتبة شخصياتها بمستويات ومواقف متفاوتة على وفق الدور المسند إليها في مجمل الخطاب..

الساردة (ملك): قادت متون السرد، وعرّفت المتلقي بأسرار عملها، وقدمت باقي الشخصيات.. هي شخصية إشكالية تحاول إثبات ذاتها، واكتشاف عوامل تجعلها تشعر بالحرية والرصانة.

نجوى: رافقت الساردة في رحلتها التدريبية، وقد شغلت حيزاً مهماً من العمل، وكانت في بعض المواقف مرآةً صادقة للساردة، وقد انزاحت صورتها الأولية التي انطبعت في ذهن المتلقي بسكونيتها ومعادلة النموذج السطحي؛ لنجدها شخصية مركبة ذات عمق فلسفي ناضج.

(م): الحبيب الأول للساردة وزوجها في السر الذي منحته مشاعرها وجسدها، لكنه خذلها وهي حامل منه، مع ذلك يبقى يطاردها ويعرض عليها مغريات، لتعوضها عما لحق بها من أذى.

 يمثل (م) نموذج الشخصيات المتسلقة في عراق ما بعد الاحتلال، الذين تمكنوا من نهب المال العام وتوظيفه لتنفيذ رغباتهم المريضة والتحكم بمصائر الناس.

سيا: موظفة الفندق الأنيقة التي لم تنسجم مع الساردة، لكنها تفصح عن شخصية أخرى.

ديمبي: فاعل مهم في الرواية، وهي شاهدة على التحولات السياسية في بلدها (أوغندا) وانعكاساتها على مصائر الناس، كانت هناك محطات مشتركة بينها وبين الساردة، فكلاهما معنفة جنسياً مع اختلاف المسميات والظروف، وقد ظهرت في النص شخصية غامضة ومعقّدة ومقعدة على كرسيّ متحرك، لنعرف فيما بعد أنها جدة (سيا)، وهي مختفية عن الأنظار منذ الانقلاب الذي أطاح بعيدي أمين، إذ نجت بأعجوبة من مجزرة في القصر الرئاسي، والناس يحسبونها في عداد الأموات، لكنها هربت وأخفيت بمساعدة صاحب الفندق الذي نعرف أنه كان أحد الضباط المناوئين لعيدي أمين.. وكلاهما (ديمبي وملك) فقدت حملها، إذ تخلصت (ملك) من جنينها، أما ديمبي فقد سُلب منها وليدها لحظة ولادته ولم تره بعدها ذلك.

عادل: البديل الذي عوضها عن (م)، وحاول أن يملأ الفراغ العاطفي في نفس ملك، التي شغف بها منذ لقائهما في ندوة عامة، وصبر عليها مدة ثلاث سنوات، وهو يتابع منشوراتها ويحلل شخصيتها، وبعد أن وجدت فراغاً في حياتها جاملته تزجية للوقت، لكنها تغير نظرتها عنه فهو صادق في مشاعره ومستعد لإرضائها، وقد عبر عن ذلك بحضوره إلى مكان إقامتها في (أوغندا)..

ميشيل: امرأة ساندت ملك وساعدتها في اكتشاف نفسها واتخاذ قرارات تتوافق مع ذاتها الطامحة للحرية.

الشبح: الذي شغلنا به مع الساردة وهي تلفت نظرنا إليه، وجعلتنا نطارده معها بين الخيال والواقع، لنكتشف في الأجزاء الأخيرة من الرواية أنه خطيب (ديمبي) قبل أن تسلب منه وتصبح محظية الرئيس، لكنه بقي وفياً لحبهما النقي، ولا يصدق أقاويل مقتلها، وهو مهووس بها ويشعر بأنها ما تزال على قيد الحياة، لذلك يواصل البحث عنها والتردد على الفندق.

وبقيت صور أسرة الساردة عالقة في الذهن، فنجد الأب منفتحاً يتضامن مع ابنته، ويحترم خياراتها حتى وهو في قمة حاجته إليها، والأم المتزمتة التي تعامل ملك بفضاضة منذ طفولتها، ولا تتوانى عن طردها من البيت بعد اقترانها السري من رجل السلطة (م)، أما رنا فكانت متفاعلة مع ملك وآوتها أيام محنتها وهي حامل بجنين غير مرغوب به، والأخ خالد هرب إلى الخارج، ولم يعد فاعلاً في مسارات النص.

 لقد كانت أكثر فواعل السرد نامية ومتفاعلة مع الظروف الضاغطة، تمثّل ذلك في شخصية الساردة (ملك) التي عاندت الآخرين، وصارعت نفسها في اتخاذ مواقف تحاول تكييفها مع الظروف، وما ترغب به نفسها.

حاولت الساردة الخروج من تجاربها المريرة بخلاصات تنير فضاءات القابل من أيامها، وأن تتعلق بهوامش حريتها في الوجود، وتتمسك بالقرارات التي تخصها، وتتمكن من الاختيار دونما إملاءات مفروضة عليها.

***

مقاربة: مهدي علي ازبيِّن

..............

* توقيت آخر للحياة، رواية، بشرى الهلالي، دار بابل- دار الحكمة، لندن، 2026م.

 

قراءة احتمالية في قصيدة "أدمنتُ شوقاً إلى شطآنهم السَّهرا" للشاعرالشيخ ولد بلعمش

في أفق الشعر العربي المعاصر، حيث تتقاطع الذاكرة بالتحوّل، وتتشابك البلاغة التراثية مع قلق الحداثة، تبرز قصيدة "أدمنتُ شوقاً إلى شطآنهم السَّهرا" للشاعر الموريتاني الشيخ ولد بلعمش بوصفها نصّاً ينهض على تخوم متعددة: تخوم اللغة والمعنى، والذات والجماعة، والرحلة والمرسى. فهي ليست مجرّد تجربة شعرية تنسج خيوط الشوق والحنين، بل هي بنية دلالية كثيفة تتداخل فيها الأصوات، وتتراكب فيها الرموز، بما يجعلها قابلة لقراءات متعدّدة تتجاوز ظاهر القول إلى عمق التأويل.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة النص عبر منظومة نقدية شاملة، تستنطق أسسه اللغوية والبلاغية، وتفكّك بنيته الجمالية والفنية، وتغوص في طبقاته الفكرية والنفسية، مع استحضار أبعاده التاريخية والسوسيولوجية والسيميائية. كما تعتمد هذه القراءة على النقد الاحتمالي، الذي لا يبحث عن معنى واحد نهائي، بل ينفتح على شبكة من الدلالات الممكنة، حيث يتشكّل المعنى في تفاعل النص مع القارئ والسياق.

ومن هنا، فإنّ هذه المقاربة لا تدّعي امتلاك الحقيقة التأويلية، بقدر ما تسعى إلى إضاءة مسالك المعنى، والكشف عن التوترات الداخلية التي تمنح النص حيويّته وفرادته، ليغدو الشعر – في هذا السياق – ليس قولاً مكتملاً، بل سؤالاً مفتوحاً على احتمالات الوجود والمعنى.

تتأسّس هذه القراءة على تعدّد المناهج وتكاملها: الأسلوبي، والبلاغي، والنفسي، والسيميائي، مع اعتماد النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً تأويلياً مفتوحاً، لا يسعى إلى القبض على معنى واحد نهائي، بل إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي يولّدها النص عبر تفاعل القارئ معه.

فالنص هنا لا يُقرأ بوصفه خطاباً مكتملًا، بل بوصفه كائناً دلالياً متحوّلًا، تتوالد معانيه في كل قراءة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النص يتكئ على فصاحة تراثية مصقولة، حيث تبرز سلامة التراكيب، مع ميلٍ إلى الأسلوب الإنشائي:

أكلَّما قلتَ يا عرشَ الرؤى أرِني

أنظرْ إليك يقولُ انظر فسوف ترى؟

نلحظ هنا:

تداخل الخطاب (أنا/أنت/هو)، وهو انزياح يُربك المرجعية ويُغني الدلالة.

توظيف الاستفهام لا لطلب الجواب، بل لإنتاج قلق معرفي.

أما على مستوى الانزياح:

"عرش الرؤى" تركيب يُحيل إلى استعارة مركّبة تمزج بين السلطة والحلم.

"شفاهك... أصبحت ثمرا" انتقال من الجسد إلى الطبيعة، في تجسيد حسّي للمعنى.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة متوازنة بين:

جزالة التراث (عرش، طبَق، شنقيط)

ورهافة الحداثة (التحوّل، التكسّر، الذات القلقة)

ولا يبدو اللفظ منفصلًا عن المعنى، بل هو امتداد له، حيث تتجلّى ملاءمة اللغة للموضوع: الشوق، الرحلة، الترقّي، والانكسار.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تشتغل على:

إيقاع عمودي تقليدي (بحر وقافية)

لكن مع اهتزاز داخلي في البنية

مثلاً:

ترقى إلى طبَقٍ / عانق ويحك القمرا

نجد:

تصاعداً صوتياً (ترقى / طبَق)

يقابله انفجار وجداني (ويحك)

كما أن التكرار (انظر، ترى) يُنتج:

موسيقى دلالية لا صوتية فقط

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

٢. البنية الفنية:

القصيدة تقوم على بنية رحلية تصاعدية:

بداية: شوق

وسط: ترقٍّ وتجربة

نهاية: مأزق وجودي

يا بحرُ ما أنا بالناجي إذا غرقوا

هنا يتحوّل المسار من فردي إلى مصير جماعي.

٢. الرؤية الفنية.

الرؤية قائمة على:

الترقّي الروحي (من طبَق إلى طبَق)

يقابله سقوط محتمل (الغرق)

وهو توتر بين:

العلو / السقوط

الأمل / الفقد

٣. الطابع الإبداعي

النص يُنتج دهشته عبر:

تفكيك الصور المألوفة

وإعادة تركيبها في علاقات غير متوقعة

مثل:

كان القصيد تماثيلا... استوى بشرا

تحوّل الفن إلى إنسان يساوي أنسنة الجمال.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الترقّي خلاص أم وهم؟

هل الشاعر قائد أم تابع؟

٢. الأفق المعرفي

إحالات إلى:

التراث (امرؤ القيس، شنقيط)

النص القرآني (سورة الشعراء)

وهذا يخلق حواراً بين الماضي والحاضر.

٣. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

يمكن تأويل النص بوصفه:

رحلة صوفية

أو تجربة شعرية

أو سيرة ذاتية رمزية

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص يتغذّى من:

الفضاء الموريتاني (شنقيط) كرمز للعلم والأصالة

وفضاء الخليج (أبو ظبي) كرمز للاحتضان والتحوّل

- ثنائية:

الأصل / الامتداد

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

الشوق

القلق

التوق إلى الاعتراف

٢. النبرة النفسية

تتراوح بين:

نشوة الترقّي

وخوف السقوط

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يعكس:

موقع الشاعر داخل الجماعة

ومسؤوليته:

ما أنا بالناجي إذا غرقوا

- الشاعر هنا ضمير جمعي.

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

البحر يساوي الوجود / المجهول

السفينة يساوي الجماعة

القمر يساوي الطموح / المثال

٢. الثنائيات

الشوق / الوصول

الصعود / الغرق

الجفاف / الثمر

ثامناً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى بشكل رمزي غير مباشر:

شفاهك... أصبحت ثمرا

هنا:

الجسد يتحوّل إلى حقل دلالي خصب

الشوق يتجاوز الروحي إلى حسّية شفيفة

تاسعاً: القراءة الاحتمالية

النص يظل مفتوحاً على قراءات:

قراءة صوفية:

الترقّي تساوي سلوك روحي نحو المطلق

قراءة شعرية-نقدية:

القصيد يتحوّل من زخرفة إلى إنسان - نقد للبلاغة التقليدية

قراءة وجودية:

الخوف من الغرق يساوي قلق الإنسان في العالم

قراءة اجتماعية:

الشاعر قائد جماعي لا ينجو وحده

عاشراً: قراءة لغوية (صرفية ونحوية)

أدمنتَ شوقًا:

"أدمن" فعل يفيد الاستمرارية - دلالة الإلحاح

أنظرْ إليك يقولُ انظر:

تكرار فعل الأمر يساوي توتر إدراكي

ترقى إلى طبَق:

الفعل المضارع يساوي استمرارية الصعود

كثافة الأفعال تساوي

 دينامية داخل النص تقابل ثقل المعنى

خاتمة:

هذه القصيدة لا تُقرأ بوصفها نصًا مغلقًا، بل بوصفها بنية احتمالية تتناسل دلالاتها. إنها قصيدة تقف بين:

التراث والحداثة

الجسد والروح

الفرد والجماعة

وفي هذا التوتر، يتشكّل جمالها الحقيقي:

ليس فيما تقول فقط، بل في ما تتركه مفتوحًا للقول.

خاتمة:

في ختام هذه المقاربة، يتبيّن أنّ قصيدة "أدمنتُ شوقاً إلى شطآنهم السَّهرا" لا تستقرّ على تخوم دلالة واحدة، بل تنفتح على أفقٍ تأويليّ رحب، تتجاور فيه مستويات اللغة مع طبقات الرمز، ويتعالق فيه الذاتي بالجمعي، والوجداني بالفكري. لقد كشفت القراءة، عبر تعدّد مناهجها، أنّ النص لا يُبنى على تماسكٍ سطحيّ فحسب، بل على توترات داخلية خلاقة، تُغذّي حركته الدلالية وتمنحه طاقته الإيحائية.

إنّ البنية اللغوية المتقنة، وما تنطوي عليه من انزياحات بلاغية، لم تكن غاية في ذاتها، بل وسيلة لإنتاج معنى متحوّل، يتشكّل في جدلٍ مستمر بين الإيقاع والدلالة، بين الصورة ومرجعها، وبين الحضور والغياب. كما أنّ الرؤية الفنية للنص، بما تحمله من قلقٍ وجوديّ وتوقٍ إلى الترقّي، قد أسهمت في تشكيل عالمٍ شعريّ تتداخل فيه الرحلة الواقعية مع الرحلة الرمزية، فيغدو الشوق طاقةً كاشفة، لا مجرّد انفعال عابر.

ومن منظور النقد الاحتمالي، يتأكّد أنّ النص لا يُختزل في قراءة واحدة، بل يظلّ قابلاً لإعادة الإنتاج الدلالي مع كلّ قارئ جديد، وفي كلّ سياق مغاير. فالمعنى هنا ليس معطًى جاهزًا، بل هو ثمرة تفاعل حيّ بين النص ووعينا به، وهو ما يمنح القصيدة قابليتها للاستمرار والتجدّد.

وعليه، يمكن القول إنّ هذه القصيدة تمثّل نموذجًا لنصٍّ شعريّ يوازن بين أصالة التعبير وجرأة الرؤية، ويؤكّد أنّ الشعر الحقيقي ليس ما يُقال فقط، بل ما يُثيره من أسئلة، وما يفتحه من آفاق. وهنا، يكمن جوهر الإبداع: في أن يظلّ النصّ أوسع من تأويله، وأعمق من حدوده الظاهرة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

أدمنت شوقاً إلى شطآنهم السهرا

بقلم: الشيخ ولد بلعمش

أدمنتَ شوقاً إلى شطآنها السَّهرا

فاعبُرْ على ذاتِ ألواح كَمنْ عَبَرا

أكلَّما قلتَ يا عرشَ الرؤى أَرِني

أنْظُرْ إليكَ يقولُ انظُر فسوفَ تَرى؟!

وصرتَ منْ طبَقٍ ترقى إلى طبَقٍ

إذاَ وصلتَ فعانقْ ويْحك القمراَ

بدأتَ مسراكَ من شنقيط فاتْلُ بها

على الورى ثُمُنا من سورة الشُّعرا

تريدُ ملكا فيبكي صاحب حزَنا

على امرئ القيس لما أزمع السفرا

وتصطفيكَ أبو ظبي كعادتِها

أُمًّا تُلاقي ابنَها منْ بعدِما انتظرا

كانت شفاهُك طول الدرب ذابلةً

فكيفَ في لَحَظاتٍ أصبَحتْ ثمرا؟!

كان القصيد تماثيلا تُزخرفها

وحين لامسه النقد استوى بشرا

على السفينة عشرون الرياح بهم

طورا تميل وتأتي مرةً نُشُرا

يا بحرُ ما أنا بالناجي إذا غرقوا

ولا الأمير إذا لم يُصبحوا أُمرا

دراسة لغوية في الأصل والوزن والدلالة عند النحاة وفقهاء اللغة

تُعَدّ لفظة «الإنسان» من الألفاظ العربية الكثيفة دلالياً، إذ تختزن في بنيتها الصوتية والصرفية أبعاداً لغوية وفلسفية تتجاوز حدود المعجم إلى أفق التأويل الوجودي. وقد شكّلت هذه الكلمة ميداناً خصباً لاختلاف مدرستي البصريون والكوفيون، من حيث الأصل الاشتقاقي والوزن الصرفي والبنية الدلالية، فانبثق من هذا الخلاف تصوّران متكاملان لطبيعة الإنسان في اللغة والفكر.

أولاً: في أصل «الإنسان» – بين الأُنس والنسيان

١. مذهب البصريين: الاشتقاق من الأُنس.

ذهب أعلام البصريين، وفي مقدمتهم سيبويه وابن جني، إلى أن أصل «الإنسان» مشتق من:

الأُنس (أَنِسَ – يأنسُ)

أي: الألفة والميل إلى الاجتماع.

فالإنسان عندهم:

كائنٌ مدنيّ بالطبع (كما سيصوغها لاحقًا الفلاسفة).

لا يستغني عن غيره، بل يأنس بالاجتماع.

 يقول ابن جني في الخصائص ما يفيد أن الاشتقاق يكشف عن طبيعة المعنى، فالألفاظ عنده ليست اعتباطية، بل تنطوي على مناسبة بين الصوت والدلالة.

٢. مذهب الكوفيين: الاشتقاق من النسيان

في المقابل، رأى أعلام الكوفيين، وعلى رأسهم الفراء، أن أصل الكلمة من:

النسيان (نَسِيَ – ينسى)

فالإنسان:

كثير النسيان.

عرضة للغفلة والخطأ.

 وهذا المعنى يجد صداه في النص القرآني:

«وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ» (طه: ١١٥)

فكأنّ النسيان صفة تأسيسية في ماهية الإنسان.

ثانيًا: في الوزن الصرفي لكلمة «إنسان»

١. عند البصريين

يميل البصريون إلى تحليل الكلمة على أحد الأوزان:

إِفْعَال (إنسان ← من أُنس)

أو يرون أن أصلها: إنسيان

ثم حُذفت الياء تخفيفًا، فصارت إنسان.

 وهذا التحليل يقوم على قاعدة التخفيف الصوتي التي أشار إليها سيبويه في كتابه.

٢. عند الكوفيين

يربط الكوفيون الوزن بالفعل نسي، ويذهبون إلى أنها على صيغة:

إِفْعِلان أو صيغة مبالغة في الصفة

أي: تدل على امتلاء الكائن بصفة النسيان.

ثالثاً: في فقه اللغة – توسيع الدلالة

تناول فقهاء اللغة هذه المسألة بمنهج أكثر تركيبًا، ومن أبرزهم:

ابن فارس في مقاييس اللغة

الراغب الأصفهاني في المفردات في غريب القرآن

الزمخشري في أساس البلاغة

موقفهم:

حاولوا التوفيق بين الرأيين، فذهبوا إلى أن:

«الإنسان سُمّي إنسانًا لأمرين متلازمين: الأُنس والنسيان»

فهو:

يأنس بغيره -  بعد اجتماعي

وينسى -  بعد نفسي/وجودي

 وهذا الجمع ينسجم مع طبيعة اللغة العربية التي تحتمل تعدّد الاشتقاق.

رابعًا: نماذج تطبيقية دلالية

١. في القرآن الكريم

«خُلِقَ الإنسانُ من عَجَل» (الأنبياء: ٣٧)

- دلالة على الضعف والاندفاع (صلة بالنسيان والغفلة)

«يا أيها الإنسانُ ما غرّك بربك الكريم» (الانفطار: ٦)

- دلالة على النسيان الوجودي

٢. في الاستعمال العربي

أنِسَ بفلان - ألفه واطمأن إليه

نسي العهد - غفل عنه

 وكأن الكلمة تجمع بين:

الحاجة إلى الآخر (أُنس)

والعجز عن الثبات (نسيان)

٣. في الشعر العربي

قال بعض الشعراء في معنى الأنس:

وما سُمِّيَ الإنسانُ إلا لأنّهُ

يؤانسُ غيرَهُ فيعيشُ أو يَبلى

وفي معنى النسيان:

نَسيتُ… فصرتُ إنساناً كما

أرادَتْ طبيعةُ النقصِ فينا

خامساً: قراءة تركيبية جامعة

يمكن أن نعيد صياغة الخلاف لا بوصفه تضاداً، بل تكاملًا:

الإنسانُ كائنٌ يأنس لينجو من وحدته،

وينسى ليحتمل وجوده.

فالنسيان:

يخفّف وطأة الذاكرة

والأُنس:

يرمّم كسور الذات

خاتمة:

إنّ الخلاف بين البصريين والكوفيين حول لفظة «الإنسان» ليس مجرّد اختلاف في الاشتقاق، بل هو اختلاف في رؤية الإنسان نفسه:

أهو كائن اجتماعي (أُنس)؟

أم كائن ناقص متقلّب (نسيان)؟

غير أن عبقرية اللغة العربية تكمن في قدرتها على احتواء التناقضات، فجمعت في لفظٍ واحدٍ طبيعتين متقابلتين، لتقول لنا:

إنّ الإنسان ليس تعريفاً واحداً، بل هو توتّرٌ دائمٌ بين ما يربطه بالآخر، وما يفصله عن ذاته.

وهكذا تغدو الكلمة، في بنيتها، مرآةً للوجود الإنساني بكل هشاشته وعمقه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في زمن تتقلص فيه مساحات القراءة الطويلة، وتتسارع فيه إيقاعات الحياة إلى حدٍّ يكاد يبدّد قدرة الإنسان على التلقي المتأني، تبرز القصة القصيرة جدًا بوصفها أحد أكثر الأشكال السردية تعبيرًا عن حساسية العصر. حضورها المتزايد في المشهد الأدبي العربي والعالمي لا يمكن عزله عن هذا التحول العميق في علاقة الإنسان بالزمن، ولا عن تبدّل أنماط القراءة التي لم تعد تستوعب الامتداد بقدر ما تنجذب إلى الكثافة والاختزال.

تنبني القصة القصيرة جدًا على وعي حاد باللغة، وعلى إدراك دقيق لوظيفتها داخل النص. كل كلمة فيها تُكتب تحت ضغط الضرورة، وكل جملة تُقاس بقدرتها على الإيحاء، لا على الإخبار. إننا أمام كتابة تُراهن على الاقتصاد، لكنها لا تفقر المعنى، بل تدفعه إلى أقصى درجات التوتر، حيث تتحول اللغة إلى أداة شديدة التركيز، قادرة على حمل دلالات متعددة في حيّز ضيق. بهذا المعنى، يغدو الحذف استراتيجية جمالية، لا مجرد اختصار، وتصبح المسكوتات جزءًا من بنية النص، لا فراغًا عارضًا فيه.

يُفضي هذا التكثيف إلى إعادة النظر في مفهوم الحدث السردي نفسه. فالحدث في القصة القصيرة جدًا لا يُبنى عبر تعاقب الوقائع وتناميها، بل يتكثف في لحظة مفصلية، قد تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها مشحونة بدلالة عميقة. لحظة واحدة قد تكشف مصيرًا كاملًا، أو تضيء تناقضًا خفيًا، أو تضع القارئ أمام مفارقة تهزّ يقينه. هكذا يتقلص الزمن السردي إلى حدوده الدنيا، ويتحول الامتداد إلى ومضة، غير أن هذه الومضة تظل قادرة على إشعال أفق واسع من التأويل.

وتتخذ المفارقة، في هذا السياق، موقعًا مركزيًا داخل البناء النصي. كثير من نصوص القصة القصيرة جدًا تنتهي بانزياح دلالي مفاجئ، يعيد ترتيب المعنى، ويدفع القارئ إلى مراجعة ما قرأه. هذا الانزياح لا يُستعمل كحيلة شكلية، بل ينبع من رؤية للعالم تقوم على زعزعة البداهات، وكشف التوتر الكامن في الواقع. إن المفارقة هنا شكل من أشكال الوعي، وطريقة في مساءلة ما يبدو مألوفًا أو بديهيًا.

وإذا كان النص يقوم على الحذف والتكثيف، فإن القارئ يجد نفسه في موقع مختلف، يتجاوز التلقي إلى المشاركة. فالقصة القصيرة جدًا لا تمنح كل مفاتيحها دفعة واحدة، بل تترك فراغات محسوبة، تُعوِّل فيها على يقظة القارئ، وعلى قدرته في الربط والاستنتاج. إن القراءة، في هذا الأفق، تتحول إلى فعل تأويلي نشيط، حيث يُعاد بناء النص في ذهن المتلقي، وتتعدد إمكاناته بتعدد القراءات. هذا التواطؤ الضمني بين الكاتب والقارئ يمنح النص حياة تتجاوز حدوده اللغوية.

وتكشف هذه الخصائص عن تقاطع واضح بين القصة القصيرة جدًا وبعض أشكال الكتابة الشعرية، خاصة في ما يتعلق بالكثافة والاعتماد على الصورة والإيحاء. غير أن هذا التقاطع لا يُلغي خصوصيتها السردية، إذ تظل قائمة على نواة حكائية، وعلى تحول ما، حتى وإن كان خافتًا أو داخليًا. هذا التوازن الدقيق بين السردي والشعري يمنحها مرونة لافتة، ويتيح لها استيعاب تجارب إنسانية متعددة، تمتد من اليومي البسيط إلى الأسئلة الوجودية المعقدة.

وقد ساهمت الوسائط الرقمية في ترسيخ حضور هذا الشكل السردي، حيث وجدت القصة القصيرة جدًا في الفضاءات الافتراضية بيئة مناسبة للانتشار والتداول. طبيعتها المكثفة تجعلها قابلة للقراءة السريعة، والمشاركة الواسعة، والتفاعل المباشر. غير أن هذا الانتشار يطرح، في المقابل، إشكالات تتعلق بالمعايير، إذ أصبح القِصر في ذاته يُغري بالكتابة، دون امتلاك الأدوات الفنية الضرورية. من هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين نص يحقق شروط هذا الجنس، ونص يكتفي بالشكل دون العمق.

إن كتابة القصة القصيرة جدًا تتطلب حساسية خاصة، وقدرة على ضبط الإيقاع الداخلي للنص، وعلى بناء دلالة مركبة في أقل عدد ممكن من الكلمات. الخطأ فيها مكشوف، والزيادة فيها تُخلّ بالتوازن، لذلك تبدو هذه الكتابة أقرب إلى الاشتغال على حافة دقيقة، حيث يتجاور النجاح مع السقوط. إنها كتابة تتطلب وعيًا بما يُكتب، وبما يُترك، وبالطريقة التي يُدار بها الصمت داخل النص.

وإذا نظرنا إلى هذا الشكل السردي في أفقه الأوسع، أمكن اعتباره تعبيرًا عن تحوّل في مفهوم الأدب نفسه، حيث لم تعد القيمة مرتبطة بالحجم أو الامتداد، بل بقدرة النص على إحداث أثر. الأثر هنا ليس نتيجة مباشرة للقول، بل لما يخلّفه من صدى في وعي القارئ. نص قصير قد يفتح أسئلة طويلة، وقد يظل حاضرًا في الذاكرة، أكثر من نصوص مطولة تفقد تأثيرها مع الزمن.

بهذا المعنى، تواصل القصة القصيرة جدًا ترسيخ موقعها داخل الخريطة السردية المعاصرة، بوصفها شكلًا مفتوحًا على التجريب، وقادرًا على التقاط تحولات الحساسية الإنسانية. إنها كتابة تُراهن على اللمحة التي تكشف، وعلى العبارة التي تختزن، وعلى الصمت الذي يوازي الكلام في إنتاج المعنى. ومن خلال هذا الأفق، يتشكل هذا الجنس الأدبي في تفاعل مستمر مع زمنه، ساعيًا إلى ابتكار لغة أكثر توترًا، وأكثر قدرة على ملامسة جوهر التجربة الإنسانية في أقل مساحة ممكنة.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

 

على سبيل التقديم: "أنا يوسف يا أبي"، هو الاسم الذي اختاره القاص والمترجم الأردني باسم إبراهيم الزعبي، لمنجزه الروائي الأول، الصادر عن مؤسسة الآن ناشرون وموزعون بعمان، على امتداد 251 صفحة، وبعشرين فصلا معنونا، وتدثره مجموعة من النصوص الموازية، وأخص بالذكر الإهداء الذي جاء كالتالي:" إلى ضحايا الحروب الأبرياء "، وبمقطع من قصيدة محمود درويش " أنا يوسف يا أبي "، ثم بإشارة مقتضبة، وكلها تحيل، على الحروب، والموت، والفساد، والخيانة، ثم تقديم صغير بعنوان "أنا يوسف ":" تأمل الصورة، بدت مألوفة، فيها شيء لا يتذكره لكن يعرفه جيدا، اللقطة ذاتها، والقميص ذاته الذي تصور به مع أبيه في الصورة التي بقي يحتفظ بها طيلة سنوات عمره، تلك الصورة التقطتها ريمة " ص13، تجسد صورة الغلاف التي اختارها الكاتب عتبة نصية وهوية بصرية، نابعة من كونها سندا للدلالة المضمونية. فما الذي تحكيه هذه التجربة الرواية التي تعزز الريبورتوار الإبداعي بلاسم إبراهيم الزعبي؟

المتن الروائي:

تحكي =رواية " أنا يوسف +يا أبي " عن المهندس «عون»، الذي يضطر إلى مغادرة وطنه في اتجاه روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بمسقط رأس زوجته غالينا، التي تخرج من إحدى جامعاتها بعد إحالته إلى التقاعد حيفا بسبب استقامته، ونظافة يده، ومواقفه الصلبة ضد الفساد الإداري المستشري في الشركة التي يعمل بها.

لكن حياته ستزداد تعقيدا ومحنا بسبب رداءة أحوال علاقته العاطفية مع زوجته غالينا التي تورطت في الخيانة التي تفطن إليها ابنهما محمد؛ مما انعكس على نفسيته، وتسببت له في أزمة هوية عاطفية وأسرية، فيقرر الهرب، ويلتحق بالجماعات المسلحة في سوريا، ومن ثم التخلص من هذه الحياة العائلية التي لم يعد يطيقها ويتحملها، أما شقيقته "ريمة" فقد تحجبت والتحقت بزوجها في إحدى دول الخليج بعد سوء تفاهم بينها وأمها غالينا، وفتور علاقتها مع والدها " عون "، لكن كل هذه الشخصيات التي تتحرك فوق ركح الرواية لم تستكن لأزماتها وإحباطاتها وتمزقاتها، بل قاومت، لتنهض من جديد في فعلٍ يؤكد على تعلُّقها بالحياة وحقّها في العيش الكريم.

و من المهم أن نشير إلى أن هذه الرواية تجسد الواقع الاجتماعي والسياسي، وتسرد ظواهر الحياة فنجد الوطن والاغتراب موضوعتين بارزتين، وهما ما سنحاول ملامستهما في هذا التمرين النقدي لرواية " أنا يوسف يا أبي ".

1- موضوعة الوطن:

الوطن مكان جغرافي ومنزل الإقامة، إحساس نفسي، وصورة ثابتة خالدة لا تتغير، هو الأرض الرحبة التي نحيى فيها ونموت، " ومساحة الأرض أو المنطقة التي يرتبط بها الشعب ارتباطا تاريخيا طويلا "1، ولا حياة للإنسان دون وطن ينتسب إليه، أو يحيى فيه بكرامته.

وعليه، فإن فكرة الوطن من أبرز ما حظي به الأدب شعرا ونثرا، وساهم في ترسيخ قيم المواطنة والوفاء والتضحية، " كما اهتم بتشنيع عدوه الخارجي المستعمر، الغازي، المتآمر على أمنه ووحدته، الناهب لترواثه "، والداخلي " الخائن، المتواطئ، السلطة القامعة، المخرب، المحتكر، المفسد" وتبشيع صوره وأفعاله"2.

وعطفا على ما سبق، رسم المحكي التخييلي للوطن صورا متعددة في رواية " أنا يوسف يا أبي "، وحاول محاكاة الواقع بما فيه من فساد، وارتشاء، ومحسوبية، وعطالة وأوجاع على حياة شخصيات، وخاصة " عون" الذي عاش أحداثا عكست معاناته داخل الوطن وعمقت مكابداته:" حقد على كل شيء شيء: الشركة، والقطاع الخاص، والحكومة التي لا تفرض رقابتها عليه " ذلك القطاع الجشع، والفاسد، واللاإنساني " حسب رأيه " ص 19، ليقرر الهروب الذي لم يكن قطيعة مع الوطن ورغبة في نسيانه، وإنما هو هروب إليه في المنفى، أو الوطن البديل الذي لا يمكن أن ينسي جحيمه، الذي مكنت الفاسدين من تحويل الوطن إلى بقرة حلوب، وطاردت بكل الوسائل الطاقات الخلاقة المبدعة الرافضة للانخراط في لعبة الفساد، ولعبة التآمر ضد الوطن، وتقديمه لقمة سائغة للمحتكرين، بكل جروحه وخيباته وفساد مؤسساته، يقول السارد على لسان " عون ":" فأنا عشت طويلا في أوروبا، وسافرت إلى بلاد كثيرة، وكنت دوما أشتاق إلى هذا البلد الصغير الدافئ، الحنون " ص 4، لأن الوطن على رأي الروائي حجي جابر مهما قسا هو جزء منا، ومجرد التنكر له يشبه مريضا يريد التخلص من وجع يده بقطعها.

وهذا الجحيم نرى حضوره واضحا أيضا لدى شقيقته " عائشة " يقول السارد: " لا نت عائشة، لم تعد مستفزة وهجومية، بل أظهرت شيئا من التعاطف: اللعنة على حكومتنا، الفساد طاغ على كل شيء، ولا كرامة لشريف في وطنه " ص 34، وكذلك لدى شقيقه " صالح ":" أتساءل أحيانا: إذا كنا نعرف أن أغلب الأغنياء في بلدنا جمعوا ثروتهم بطرق غير مشروعة: التجارة غير المشروعة، استخدام السلطة، الفساد.. وأن الجزء الآخر المتبقي مشتبك في علاقاته الاقتصادية مع الجزء الأول، وكلهم يتحولون إلى بق يمتص دماءنا، فأين نحن؟ وأي حياة نعيش؟" ص 42

يبدو أن باسم إبراهيم الزعبي، يجعل من روايته مرآة صادقة تعكس مظاهر الحية المضطربة، وعبرت عنه من خلال الشخصيات الروائية عون، وعائشة، وصالح، ومدى تأثرهم بهذه الأوضاع السيئة، ونتيجة لهذه المحن، كان اغتراب عون، وتشظيه عن أرض الوطن، والعودة إلى روسيا لأنه شعر بأن الوطن لا يعيره التفاتا ولا يعيره حقه رغم رغم قيامه بواجبه كما ينبغي أن يكون،

هذا الخطاب المفعم بالأعطاب والفوضى والعنف الرمزي في وطن " عون"، لا يختلف عما هو عليه من حديث عن الوطن العربي، فتعود الرواية لتصور بمثيل سردي بشاعة تكالب ومكائد الأطماع الاستعمارية، وما اقترفته من بشاعة في حق الوطن العربي:" أما عون فكانت له مواقف وطنية عامة، فهو يكره الأنجليز لأنهم من وجهة نظره السبب في القضاء على حلم الدولة العربية الواحدة، وتقسيم البلاد العربية وإثارة الفرقة بين العرب، وهم من ساعد الصهاينة على احتلال فلسطين واستمرار المأساة الفلسطينية " ص 16.

بل وتعود الرواية للحديث عن الأعطاب واغتيال الثورة في سوريا التي التحق بها محمد أو يوسف اسما حركيا، لكن بارتفاع منسوب سوداويتها الكئيبة ورعبها الذي يقض المضاجع، ويرسم المحكي الروائي ملامحها المكروبة، إذ لا شيء يعلو على ثقافة الموت سمادا ومادة في رواية " أنا يوسف يا أبي "، وهذا ما نلمسه في قاموسها اللغوي كالتالي: " عسكرة، مدافع رشاشة، راية سوداء، الزناد، رشقات من الرصاص، السلاح، القتال، المقاتلين، الحماعات المسلحة، الإعدام، القصف، دبابة...".

وضمن هذا الإطار نورد بعضا من نماذج الوطن السوري وما تحكيه الرواية من مشاهد مليئة بالموت والتشدد والكوابيس الجاثمة فوق صدره مرادفا للكوابيس والتقتيل الذي نال نصيب الأسد:

- " خرج أحدهم يرتدي الأسود، ويضع على رأسه قبعة مشغولة بالصنارة سوداء أيضا، ولحية سوداء كثيفة، بدا كالزاغ بسواده، وقف موجها الرشاش صوب المتجمهرين " ص 160

- " نهارا يتجول المقاتلون بأسلحتهم على البيوت في القرى ص165

- كانوا يشاهدون أكثر مما يقرأون، بشكل خاص الأفلام التي يبثها التنظيم بما في ذلك مشاهد الإعدام المرعبة التي كانوا يبثونها " ص 174

أمام هذه الفوضى الذي تتعايش فيها المتناقضات، وفي هذا الجو الكافكاوي المكتظ بالتشدد والكراهية والتعصب الأعمى، والاعتداء على المخالفين في الرأي الذي يرفس كل الحق في الحياة والاختلاف، ولم تعد للمواطن وجهة نظر" نحن مقاتلو الدولة الإسلامية، جئنا محررين لكم من حكم النظام النصيري الكافر، أنتم مسلمون، مكانكم الحقيقي إلى جانبنا، من أراد أن معنا فسيحظى برعايتنا، ومن أراد أن يكون ضدنا فسيدفع الثمن غاليا " ص 160، يعلو صوت يوسف محبطا " كان يوسف صامتا يفكر طوال الطريق، ما الذي جاء بي إلى هنا؟ سأقاتل من؟ أنا لا أعرف ضد من سأقاتل اليوم، هل هو فصيل آخر منافس، أم الجيش السوري، أم الجيش الحر؟" ص 182.

إن الرواية لا تخفي من خلال هذه المقاطع السردية المرعبة أن الوطن يعيش محنة وتأزما، وكل شيء يجسده القتل، والتشدد، ومصادرة الرأي والفكر، وسياسة القطيع والتطرف الظلامي الذي صحر البلاد، وتشوهت فيها كل القيم.

2- موضوعة الاغتراب

يعتبر الاغتراب سمة ضاربة في القدامة، وظاهرة سلبية تتمثل في اغتراب الفرد عن مكانه وثقافته، واضطراب علاقته بنفسه والعالم، والشعور باليأس والعجز والانفصال عن الذات وعن الآخر، ومدى اغترابه عن الوطن، وإحساسه بالضياع والقلق والانكفاء عن الذات.

وقد أخذت هذه الظاهرة حيزا في الرواية العربية منذ بدايات القرن العشرين، وتشكلت عبر ملامح متعددة، ومن تجليات صورها في رواية " أنا يوسف ياأبي ":

- الاغتراب المكاني الذي يعني " مغادرة المكان طوعا أو كرها وتكون في الغالب لأسباب سياسية او اقتصادية او ثقافية3"، وهو ما يجسده " عون" الذي اختار الاستقرار بروسيا مكرها، ويتضح ذلك في المقطع السردي على لسان "عون " مخاطبا شقيقته عائشة وهو يخبرها بقراره مغادرة الوطن:"كان ذلك قراري، لم أعد أتحمل أن أبقى من دون عمل، لست بلا كرامة، ياعائشة، محمد مقبل على التوجيهي، ريمة بعيدة، لم يعد لدي دخل " ص 34.

- الاغتراب الاجتماعي والنفسي، ونعني به انفصال الفرد عن المجتمع، وإحساسه بالعزلة التي تشير إلى الحالات التي تتعرض فيها الشخصية إلى الانسحاب والانزواء بعيدا عن المحيط الاجتماعي، ومن ثم انكسار أحلامه، والانشطار، والضعف، والانهيار، وهو ما يبدو من اصطدام "عون" بالواقع الذي ساهمت في تفاقمه زوجته " غالينا، ومن ثم انعزاله ومقاطعته لكل من حوله:" صار يستغرق في المشروب، يمضي يومه في المنزل، لا يفعل شيئا سوى احتساء الفودكا، لا يخرج، لا يقرأ الصحف، لا يتابع الأخبار، لا يجيب على اتصالات، لا يفتح الأنترنت=" ص 86، والدخول في دوامة من المشاعر السوداوية " في اللحظة التي قرر فيها عون أن يوقف كل أشكال التواصل مع الآخرين، كان قد حكم على نفسه بالموت البطيء من غير أن يشعر، هو بالتأكيد لم يكن يقصد الانتحار، لكن كان يسوق نفسه إليه " ص 107

ونفس الاغتراب يعاني منه ابنه وامتداده محمد، الذي يجسد النمو المشوه وفقدان كل مقومات الإحساس المتكامل بالوجود والديمومة، بسبب انحلال الأسرة وغربة المكان، نقرأ للسارد " أنا لست ابن حياة، إنه لا يرى قيمة لحياته، الهذا الحد هي ثقيلة همومه؟"ص 98، ونقرأ أيضا " عزيزتي، عزرائيل لا يفارقني، أراه يشخص أمامي ماثلا في كل الأشخاص الذين أعيش معهم، وفي كل زاوية ألجأ إليها " ص 99، وهو ما حفزه للهروب والالتحاق بالجماعات المسلحة والظلامية للتخلص من هذه الحياة المفعمة بالخيانة والتمزقات النفسية، و" إعادة سرد لما مرت به حياة يوسف، نموذج الشباب العربي الضائع، وهي عرض أمين لضياع جيل يبحث عن خلاصه وهويته" على رأي المبدعة والناقدة سميحة خريس بالدفة الثانية من غلاف الرواية.

على سبيل الختام

وخلاصة القول، يبدو هذا المشروع السردي الطموح، تجربة تستحق كل الاحتفاء، بما تتوفر عليه من مقاربة واعية تتجاذبها موضوعتا الوطن والاغتراب، ومزيتها أنها احتفت بالحياة بالرغم من أعطابها واغترابها، وحاولت أن تبعث التفاؤل في عصر صار فيه كل شيء فاقدا لمعناه، ووبناء فني محبوك ومشوق، وهو ما نأمله أن يتحقق في رواية قادمة للقاص والروائي باسم إبراهيم الزعبي.

***

عبد الله المتقي

......................

المصادر

- باسم إبراهيم الزعبي، أنا يوسف يا أبي، الآن ناشرون وموزعون، 2023

1- محمد العربي، الوطن في الذهنية العربية بين الماضي والحاضر، مجلة اللغة العربية، المجلس الأعلىللغة العربية، العدد 36 ص180

2- شفيع بالزين، الوطن في الرواية العربية، أشغال الملتقى الدولي للرواية العربية ببنزرت، دار خريف، ص

3- نوزاد حمد عمر، الغربة في شعر كاظم السماوي، دار غيداء للنشر والتوزيع نعمان، 2012، ص 39

من الانزياح إلى النزعة التشكيلية للومضات

صدر مؤخرا للشاعر السورية الأستاذة ميادة سليمان مهنا ديوان شعري موسوم بعنوان " يُخلق من الشبه ياسمين" وهو ديوان اختارت له شاعرته القصيدة التوقيعية أو قصيدة الومضة التي تتميز كما عَرّفها الشاعر الفلسطيني عز الدين مناصرة:" بكونها قصيدة قصيرة جداً من نوع (جنس الحافة)، تتناسب مع الاقتصاد، والسرعة، وتتميز بالإيجاز والتركيز وكثافة التوَتُّر. عَصَبُها (المفارقة)، الساخرة، والإيحاء، والانزياح، والترميز. ولها ختامٌ مفتوح قاطع أو حاسم، مدهش، أي أنَّ لها (قفلة) تشبه (النَقْفَة) المتقنة، ملائمة للحالة. تحكُمُها الوحدة العضوية، فهي متمركزة حول ذاتها، (مستقلة)

ولجوء الشّاعرة المُميزة لهذا النَّوع من الكتابة الشعرية يُعتبر إِضافة نوعية إلى حسنات إبداعها إن جاز التعبير، لعدة اعتبارات، لعل أبرزها الإقبالُ الكبير للشعراء على هذا الجنس الأدبي الذي يتقاطع مع الهايكو الياباني الذي يحاول من خلاله الشاعر التعبير عن أحاسيسه الجياشة التي تضطرم داخل وجدانه بألفاظ قليلة. في كلمة موجهة للقارئ تقول الشاعرة:

هنا مائتا ومضة

وربما

مئتا ياسمينة

أرجو أن يعجبك

فوح حروفي

هي كلمة موجزة تحمل في طيّها إشارات واضحة على أن ميادة سليمان تدعو القارئ لدخول بستان ومضاتها بما قلّ ودلّ، اعتبارا لتطور الحياة وسرعة الانسياب الزمني الذي لم يعد يسمح بنصوص طويلة وأحيانا مملة، وهي بهذا تتفق مع يوسف الخال الشاعر اللبناني الكبير وأحد شعراء الحداثة المجددين في الشعر العربي الذي يقول:" نحنُ نجدّد في الشعر، لا لأنّنا قرّرنا أن نجدّد، نحنُ نجدّد لأنَّ الحياةَ بدأت تتجدّد فينا، أو قُل تجدّدنا، فنجاحنا مؤكد ولا حاجة لنا بأي صراعٍ معَ القديم. القافية التقليدية ماتت على صخَبِ الحياة وضَجيجها والوزنُ الخليلي الرتيب ماتَ بفعلِ تشابك حياتنا وتغير سيرها. وكما أبدعَ الشاعرُ الجاهلي شكله الشعريّ للتعيير عن حياته، علينا نحنُ كذلك أن نبدع شكلنا الشعريّ للتعبير عن حياتنا التي تختلفُ عن حياته» ميادة اختارت شكلها الشعري الخاص المعبر عن انطباع جلي وواضح يمتزج فيه الدفق الشعوري السريع الموازي لإيقاع العصر بلمحات واقعية تحوطها عاطفة عميقة، تنتهي بمفارقة قوية تُحدث عند القارئ تأثيرا ذهنيا ووجدانيا قويّاً.

العتبات

لنبدأ بغلاف الديوان باعتباره جزءً من النص الموازي PARTEXTE (العتبات) على حد تعبير جيرار جينت الذي يحدده في: العنوان، العناوين الفرعية، العناوين الداخلية، اسم الناشر، تاريخ النشر، المقدمة، الملاحظات، الرسوم التوضيحية، جدول المحتويات، الخاتمة...

يُشكل الغلاف في ديوان "يُخلق من الشبه ياسمين" بوابة حسية للولوج إلى عالم ميادة سليمان الشعري، في الصورة الأمامية تُطالعنا صورة فتاة مسبلة العينين بشعر متهدل على كتفيها تلوح معالم البراءة على محياها في إشارة جلية إلى سحر أنثوي ناعم، خلفية الصورة يمتزج فيها اللون البنفسجي الفاتح القريب من الأرجواني الرامز للرقة والسكينة والنعومة مع ألوان أخرى متداخلة وحاضنة لزهرات الياسمين بلونيها الأبيض والأصفر، يتكرر عنوان الدِيوان بلونين مختلفين، الأسود والبنفسجي في إشارة سيمائية دالة تسعى لخلق الإدهاش لدى القارئ، اسم الشاعرة بالحروف العربية واللاتينية يحتل مكانا في أعلى الغلاف في تناغم راق مع عنوان الديوان مما يخلق نوعا من المتعة البصرية جاذبة.

لنتوقف لحظة أمام العنوان "يُخلق من الشبه ياسمين" الذي يذكرنا بالمثل الشائع يخلق من الشبه أربعين، نستطيع أن نتحدث عن تناص بلاغي مبني على جماليات يُمكن تلمسها من خلال البعد الدلالي الذي تتجسد عَبره تطريزات لغوية يمكن اعتبارها عتبة للدخول إلى المتن الأصلي، اِجتيازنا العتبة سيفضي بنا إلى بوابة عالم ميادة مهنا سليمان الساحر والمفعم بروح جامحة متوثبة ولكن دعونا قبل ولوج هذا العالم نتعرف على مضمون العنوان تركيبيا، هو جملة فعلية مبنية للمجهول، حيث يُخلقُ فعل مضارع مرفوع، وياسمينُ نائب فاعل مرفوع بالضمة، وشبه الجملة "من الشبه" متعلقة بالفعل يخلق.

 ويمكن تفصيله إعرابيا كالتالي:

يُخلقُ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

من: حرف جر.

الشبهِ: اسم مجرور بـ (من) وعلامة جره الكسرة الظاهرة تحت آخره، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (يُخلق)

ياسمينٌ: نائب فاعل (للفعل يُخلق) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره (أو تنوين الضم). تقول الشاعرة ميادة سليمان مهنا:

حين ترمينهُ

من شرفة قلبكِ

لا تنظري

أيّة امرأةٍ

تلتقطه

أقتطف هذا النموذج "الومضة" الذي هو أقرب للبرقية الشعرية التي تجمع بين الصورة الحسية (الدال) والمشهد الذهني (المدلول) وينتهي الأمر إلى القفلة المشحونة بالمفارقة.

وأقتطف أيضا هذه الومضة:

في ليالي الاشتياق

يصرخ قلبه:

إن بعد الضم حُلْم

ومضة مكثفة وتتضمن حالة شعرية مبنية على الإدهاش وقفلتها تستند على مفارقة عميقة، تشمل تناصّا جليّا على الأقل في الشكل وإن لم يكن في الموضوع "إن بعض الضم حلمٌ " تحيل على جزء من الآية الكريمة 12 من سورة الحجرات: "إن بعض الظنّ إثم "، وللإشارة يمكن أن نلمس هذا الأمر حتى في عنوان المجموعة "يخلق من الشبه ياسمين"

الانزياح وشعرية الومضات

يعتبر الانزياح واحدا من أشهر مصطلحات الأسلوبية ومفاهيمها التي ظهَرت مع الشِّعرية الحديثة، وهذا يمكننا تلمّسه خاصة في الشعر باعتباره مجالا خصبا للغةٍ إيحائية تفتح الباب أمام المتلقي على عوالم من التأويلات، التي تفرضها اللغة سواء كان ذلك على المستوى الصوتي أو الصرفي أو التركيبي أو الدلالي.

والومضة الشعرية (القصيدة الومضة) لا يمكن أن تخرج عن هذا السياق لأن الشاعر يحاول قدر الإمكان شدَّ القارئ إلى ومضته متوسلا بعدد من الوسائل للوصول به إلى حالة الإبهار والإدهاش، والانزياح واحد من أهم هذه الوسائل التي تتحقق من خلالها المتعة والاستمتاع للمتلقي باعتبار أن النص الشعريَّ يُميِّز نفسه بالخروج عن المألوف، ومن أبرز النقاد الذين تبنوا مفهوم الانزياح جون كوهين الذي يؤكد أنّ " "أن الشرط الأساسي والضروري لحدوثِ الشِّعرية هو حصول الانزياح، باعتباره خرقًا للنظام اللُّغويِّ المعتاد، وممارسة استيطيقيةً"

وإذا كان العديد من النقاد يعتبرون الانزياح خروجا عن المألوف وتجاوُزاً للسائد والمتعارف عليه، كقول الشاعر والرياضي الفرنسي "بول فاليري": "إن الأسلوب في جوهره اِنحرافٌ عن قاعدةٍ ما"، فهو لا يتحقق إلا إذا حقق قيمة جمالية وتعبيرية تُثري تجربة الشاعر الإبداعية وتضيف لِنصوصه أصالة تتقاطع مع الشعرية المتوخاة والمطلوبة وتسمو بلغتها إلى درجة اللغة الأدبية.

يرى مايكل ريفاتير أن الإنزياح "يكون خرقًا للقواعد حينًا، ولجوءً إلى ما ندر حينًا آخر، فأما في حالته الأولى، فهو من مشمولات علم البلاغة، فيقتضي إذًا تقييمًا بالاعتماد على أحكامٍ معيارية، وأما في صورته الثانية، فالبحث فيه من مقتضيات اللسانيات عامة، والأسلوبية خاصة

 بعد هذه الإضاءة الوجيزة في مصطلح الانزياح، حَقّ لنا أن نتسأل إلى أي حدّ اِستطاعت شاعرتنا القديرة النجاح في توظيف الانزياح في ومضاتها من خلال

الابتعاد عن القواعد النحوية أو المعجمية المعتادة لتحقيق جمالية تعبيرية وإيحاءات دلالية جديدة، باللجوء: للاستعارات والتشخيص، والتقديم والتأخير

(الانزياح الدلالي، الانزياح التركيبي)

لنتأمل هذه الومضة:

على خشبة الحب

يقف كساحر جميل

يمسك قلبي

فيخرج منه

فراشات وقصائد

ومضة عميقة تفيض بالصّور الشعرية المبتكرة والمجازات التي تستعمل الشاعرة من خلاله أساليب بلاغية كلمات في غير معناها الحقيقي وهذا نستجليه من خلال انزياحات تركيبية وأخرى دلالية منحت الومضة شعريتها.

على خشبة الحب: قامت الشاعرة بتقديم شبه الجملة (الخبر) على المبتدأ المحذوف، في انزياح تركيبي، أفضى إلى انزياح دلالي نتج عنه أنسنة الحب ونقله من التجريد إلى المحسوس المادي باعتبار أن الخشبة لا تكون إلا في المسرح وهذا حَوّل الحالة الشعورية التي ألمحت إليها الشاعرة حدثا فنيا.

يقف كساحر جميل

يُمسك قلبي

 فيخرج منه

فراشات وقصائد

تستعمل الشاعرة تركيبا يجمع المحسوس المادي المتمثل في مسك القلب، والمجرد من طرف المحبوب (الساحر) وما ترتب عن ذلك من خروج فرشات وقصائد وهذا ينقلنا مباشرة إلى انزياح دلالي حيث يتم استعارة وصف الساحر الجميل لوصف الحبيب للانتقال من الوضع العادي إلى حالة الإبهار والدهشة.

نلاحظ أيضا أنه تم تجسيد القلب فهو أقرب إلى قبعة الساحر التي تخرج منها عادة حمامات تطير، لكن قلب الشاعرة تخرج منه فراشات وقصائد.

إن جَمْع الشّاعرة بين الانزياح التركيبي والدلالي في ومضتها خلق نوعا من التكامل والتداخل الذي أفضى إلى الانتقال من الاستعارة والتشبيه إلى الصيرورة والكينونة.

وهذا يُمْكِن أيضا اِستجلاؤه في العديد من الومضات والتي نذكر منها أيضا:

حرائق كثيرة

كانت ستحدث

لو تسرّبت من قلبي

شرارة اِشتياق صغيرة

إلى غابات خصامك

مرة ثانية نلاحظ أنه تم الانتقال من السياق المادي للألفاظ إلى السياق الشعوري

المعنوي ونتج عن ذلك صورا بيانية، (شرارة الاشتياق الصغيرة) الاشتياق تحول إلى مادة قابلة للاشتعال تتسبب في شرارة، وهو تحويل لإحساس داخلي إلى طاقة مدمرة، "تسربت شرارة الاشتياق" استعمال الشاعرة لفعل تسربت هو للدلالة على قوة الحب وانفلاته وصعوبة السيطرة عليه، ( إلى غابات خصامك)

تحويل الخصام الذي هو عبارة عن حمولة جفاء وتنافر إلى غابات، يعني أن الفضاء باعتباره متشابكا، قابلٌ للاحتراق والخراب، وهذا يعني أن هناك نوعا من الإسقاط الداخلي على المحيط "الانزياح العلاقة" مما يجعل الربط بين الحرائق الكثيرة بشرارة الاشتياق الصغيرة يصب في اتجاه علاقة شرطية.

 النزعة التشكيلية في ومضات الديوان

تتمثل النزعة التشكيلية في القصيدة الومضة في تكثيف الصورة الشعرية وخلق نوع من الايجاز المبني على توسيع المعنى وتجويع اللفظ مع الاعتماد على الصورة البصرية والمفارقة، والاقتصاد اللغوي، لإحداث الإبهار والدهشة لدى القارئ مما يجعل المشهد أقرب إلى لقطات بصرية مليئة بدلالات مُسْتَلْهَمَةٍ من تقنيات السرد والفنون البصرية كالسينما.

وكخلاصة يمكن أن نحصر أهم ملامح النزعة التشكيلية في القصيدة الومضة في التالي:

- التكثيف والاختزال

- الصورة البصرية

- المساحات البيضاء

- التضاد

- الإيقاع الداخلي

إن المتأمل للومضات الشعرية لميادة سليمان يجد نفسه امام لوحات فنية تحتوي على صور شعرية، تنفتح على التكثيف العميق والمفارقة المدهشة، متكِئَة على تقنيات من قبيل الفلاش باك، المنولوج الداخلي، وتقنية القناع وسنحاول إدراج بعض الومضات واستجلاء ملامح النزعة التشكيلية في مقاطعها، ومحاولة الكشف عن أنواع البنية التشكيلية المرصودة. تقول الشاعرة:

لم يقل لي

"صباح الخير"

سأعيره مشط غيرتي

كي يسرح بهِ

شَعرَ لا مبالاته

وكم أخشى

أن يكون

أصلع الشغف!

في هذا النص نستطيع أن نستجلي حالة تقابلية بين صورتين:

الصورة الأولى:

سأعيره مشط غيرتي

كي يُسَرّح بهِ

شَعْرَ لا مبالاته

في هذه الصورة نلتقط مشهدا يجمع بين الملموس المجسد في المِشط والشَّعْر والمجرد المتمثل في الغيرة واللامبالاة، الشاعرة استطاعت خلق تفاعل وتناغم نتج عنه صورة فنية ومشهد سينمائي يجمع بين الإدهاش والاختصار

الصورة الثانية:

وكم أخشى

أن يكون

أصلع الشغف!

في هذه الصورة تجمع الشاعرة بين المحسوس (أصلع) والمجرد الشعوري(الشغف).

دعونا نتأمل هذه الومضة التي أَعْتبِرُها لوحة فنية صِيغت بحرفية واشتغال ملحوظ:

قلبه أمّيٌّ

لا يستطيع

فكَّ حروف قصائدي

سأفتح

له دورة محوِ حبٍّ

 نحن أمام شاعرة صادقة المشاعر متفجرة الأحاسيس، تجمع بين الانفعال والاشتغال على اللغة، وهذا يتجلّى في هذه الومضة المختارة على سبيل المثال:

هذه الومضة اشتغلت فيها الشاعرة على ما يمكن أن نسميه "بنية ضدية" تعتمد مشهدا متوترا ينتهي بمفارقة تعتمد على انزياحات دلالية تغير المعنى عن قصد:

قلبه أميٌّ / سأفتح له دورة محو الحب، هنا نلمس تقابلا و تنافرا بين عناصر الصورة الشعرية بسبب صراع بين نزعتين انسانيتين، قلب أُميُّ لا يستطيع فكّ حروف القصائد، وقلب يحاول تعليمه أبجدية الحب، استعمال مصدر " محو" رغم حمولته التي تبدو منافية للسياق فأنا أرى أن الشاعرة استعملتها فقط لتبرير لامبالاة الحبيب.

 وكخلاصة لا يسعنا إلا التأكيد على أن الشاعرة ميادة مهنا سليمان استطاعت أن تمنحنا وجبة ثرية وغنية من الومضات الشعرية العميقة المتضمنة لكل سمات وخصائص هذا الجنس الأدبي الذي يمكن اعتباره من وسائل التجديد الشعري، وشكلا من أشكال الحداثة التي تحاول مجاراة العصر الحديث، ومسايرة التطورات الأدبية المعاصرة، وكتعبير عن روحها، وأنا أعتبر أنه يمكن رصد ملامح كتابة نسوية في ومضاتها نستشفها من الطاقة الدلالية والقوة الجمالية والبعد الفني الظاهر والمضمر بين السطور، إن الشاعرة تمارس لعبة تحريك الكلمات واستخدام التناقض بين الكلمات أو الجمل (الطباق/المقابلة) لبناء المفارقة

وخلق الإدهاش لإثارة اِنفعال القارئ ودفعه للمشاركة في الدلالة وأختم بهذه الومضة الجميلة كنموذج لومضات ميادة المائتين المبنية على الشعرية العميقة والجماليات المتجددة، والقراءات المتعددة نتيجة لتشظي المعنى وتجميعه في صورة واحدة .

خُبز حبِّنا الطّازج

لم أذقه هذا الصباح!

فكل ما مَنَحنِيْهِ

كسرة لهفةٍ بائتَةٌ

غص بها قلبِي

***

محمد محضار - أديب مغربي

 

الكرامة الإنسانية شُعورٌ عميق بالقيمة الذاتية، والحقِّ في الحُريةِ والاعتراف، وهي النبراس الذي يستشرفه الأدبُ في أبهى صُوَره. في هذ الصدد، يُمثِّل كُلٌّ مِن الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل/ عرار (1899 - 1949)، والشاعر الأمريكي والت ويتمان (1819 - 1892) نماذج فريدة تتقاطع فيها الرؤى الإنسانية مع الشعور بالحرية الفردية والاجتماعية، لِيُقَدِّما صُورةً متكاملة عن الإنسان الذي يرفض التنازلَ عن ذاته، مهما كانت الظروف.

مصطفى وهبي التل (عرار) المعروف بشاعر الأردن، ابن البيئة العربية المُشْبعة بالتحولات الاجتماعية والسياسية في أوائل القرن العشرين، جسَّد في أشعاره نزعة الدفاع عن الكرامة الإنسانية الوطنية والفردية معًا. وقد عانى التل من القيود السياسية والاجتماعية في زمن كان فيه الاستعمار والتسلُّط يطغيان على حياة الإنسان العربي، لكنَّه ظلَّ صامدًا في موقفه الأخلاقي، مُدافعًا عن حق الإنسان في الحرية والعدالة.

في أشعاره، نجد لغةً عاطفية شديدة القوة، تُعبِّر عن الكرامة كحق أصيل لا يمكن التفريط به، وتكشف عن إحساس عميق بالمسؤولية تجاه الإنسانِ والمجتمع معًا. فهو لَم يكتفِ بالتعبير عن الألم والمُعاناة، بل دعا إلى العمل والتمرُّد على الظُّلْم من أجل استعادة الكرامة الإنسانية.

على الجانب الآخَر، نجد والت ويتمان، شاعر الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر، الذي جسَّد في أعماله رؤيةً متفردة للكرامة الإنسانية من منظور فرداني شامل. وهو يعتبر الإنسان كائنًا قائمًا بذاته، ومُبدعًا، وفخورًا بجسده وروحه، ومُتَّصِلًا بالعالَم الطبيعي والكَون كَكُل.

لَم تكن كرامته مقتصرة على حقوقه القانونية أو السياسية، بل شملتْ أبعادًا رُوحانيَّة وشخصية، حيث يُمثِّل التعبيرُ عن الذات والاعترافُ بالآخرين مُكوِّنات أساسيَّة لهذه الكرامة.وقد احتفلَ ويتمان بتنوُّع الإنسان وفرادته، مؤكِّدًا أنَّ كُلَّ فرد يمتلك قيمة متأصِّلة، بغضِّ النظر عن أصله، أو مكانته الاجتماعية.

رغم اختلاف السياقَيْن التاريخي والثقافي بين الشاعرَيْن، إلا أنَّ هناك تلاقيًا عميقًا في رؤيتهما للكرامة الإنسانية. التل -في مجاله العربي- ربطَ الكرامةَ بالحرية والمُقاومة والعدالة الاجتماعية، مُعتبرًا أنَّ استعادة الكرامة تتطلَّب وعيًا جَماعيًّا وعملًا مشتركًا. أمَّا ويتمان، فقدْ أكَّد على الكرامة الفردية، والحقِّ في الاعتراف بالذات، وارتباطِ الكرامة بالحُب الشامل للإنسانية والطبيعة.

والتل يرى الكرامة في إطار جَماعي يتفاعل معَ المُحيط، بَينما يَرى ويتمان الكرامةَ في إطار الفرد الذي يكتشف ذاته، ويحتفل بها. ومعَ ذلك، كِلاهما اتَّفَقَ على أنَّ الكرامة لَيست مُجرَّد شعور سطحي أوْ حالة اجتماعية، بل هي قوة داخلية تمنح الإنسانَ القُدرةَ على الوقوف بثقة في مُواجهة الظُّلم والقيود، على اختلافِ طبيعتها.

لغةُ الشِّعْر عند الشاعرَيْن تلعب دورًا مِحوريًّا في نقل هذه الكرامة. في شِعر التل، نجد استخدامًا مُؤثِّرًا للصور الشعرية التي تَجمع بين الحزن والأمل، والانكسارِ والمُقاومة، والألمِ الشخصي والمُعاناةِ الجَمَاعِيَّة.

أمَّا ويتمان، فتتجلى الكرامة في تراكيب شِعرية مفتوحة، وحُرَّة، تنساب مِثل النهر، وتُعبِّر عن الامتداد والاتِّساع، واحتفاءِ الذات بكلِّ أبعادها الجسدية والروحية.

اللغةُ عِند كُلٍّ مِنهما لَيست مُجرَّد وسيلة للتعبير، بل هي فِعل مُقاوَمة، وفِعل تأكيد للإنسانية، فهي تَرفع من قيمة الفرد، وتؤكِّد على الحق في الاعتراف به ككائن كامل ومستقل.

إنَّ الكرامة الإنسانية في شِعر التل وويتمان تُمثِّل رحلة متصلة بين الفرد والجماعة، والذاتِ والمُجتمع، والحُرِّيةِ الشخصية والعدالةِ الاجتماعية. التل يَمنح الكرامة بُعدًا مُقاومًا ووطنيًّا، ويحتفي بها كحق مُكتسَب يجب الدفاع عنه، أمَّا ويتمان فيمنحها بُعدًا رُوحيًّا وفرديًّا، ويؤكِّد على قيمتها الكامنة في التقدير الذاتي، والاحتفاءِ بالإنسانية الجامعة. وبهذا، يُصبح الأدبُ جسرًا يربط بين هذه الرؤى، ويؤكِّد على أنَّ الكرامة الإنسانية لَيست مفهومًا نظريًّا فَحَسْب، بل هي أيضًا فِعل حياة، وطاقة إبداع، ورسالة مستمرة لكلِّ مَن يَسعى إلى أنْ يكون إنسانًا حُرًّا وكاملًا.

والرحلةُ بَين عالمَي مُصطفى وهبي التل (عرار) ووالت ويتمان، تُوضِّح أنَّ الكرامة الإنسانية لَيست قيمةً نظريةً تجريدية، أو شُعورًا عابرًا، بل هي نبض الحياة ذاته. إنَّها قوة تقف في وجه الظُّلْم، وحُريةٌ تتجسَّد في الفِكر والفِعل، واعترافٌ بالذاتِ والآخَر.

أهمُّ نقاط التقاطع بين الشاعرَيْن:

1- وَحدة الوجع الإنساني: كلاهما رأى أنَّ جُرح الكرامة عند الفرد هُو جُرح للإنسانية جَمعاء.

2 - اللغة المُتمردة: استخدما لُغة قريبة من الناس (العاميَّة المَحكية) عِند التل، والسطر الشِّعري الحُر عِند ويتمان) لكسرِ الحواجزِ السُّلطوية.

3- الانحياز للمُهمَّشين والفقراء: كِلاهما كان صوتَ مَنْ لا صَوت لهم. التل عاش مع النَّوَرِ (الغَجَر)، وجعلهم رمزًا للحُريةِ والانعتاقِ من قيود المُجتمع والسياسة. وويتمان احتفى بالعامل البسيطِ، والمُزارع، والمُهمَّشين في المجتمع الأمريكي، مُعتبرًا أنَّ كُلَّ فرد هو لبنة أساسيَّة في بناء الأُمَّة.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

أنطولوجيا الشهقة: قراءة كونية إنسانية في قصيدة "الصبح شهقتي" لهادية السالمي دجبي

الملخص: تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة كونية إنسانية لقصيدة "الصبح شهقتي" للشاعرة هادية السالمي دجبي، من خلال تحليل بنيتها الرمزية والوجودية، واستكشاف تمثّلات الألم، والذات، والعالم، والآخر داخلها. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن النص يؤسس لما يمكن تسميته "أنطولوجيا الشهقة"، حيث يتحول الألم إلى مبدأ كاشف للوعي، وتغدو الذات فاعلًا في إعادة إنتاج المعنى داخل عالم متصدّع. تعتمد الدراسة على مقاربات وجودية وتأويلية، مستأنسة بأفكار مارتن هايدغر وجان بول سارتر، مع توظيف أبعاد من النقد النفسي عند إريك فروم.

المقدمة

لم يعد الشعر المعاصر مجرّد تعبير جمالي، بل صار فضاءً أنطولوجيًا يعيد مساءلة شروط الوجود الإنساني. وفي هذا السياق، تأتي قصيدة "الصبح شهقتي" بوصفها نصًا يتجاوز البوح إلى تشييد تجربة وجودية كاملة، حيث يتقاطع الألم مع الوعي، والخراب مع الرغبة في التأسيس.

تطرح هذه الدراسة الإشكالية التالية:

كيف يتحول الألم في النص الشعري إلى أفق لإنتاج المعنى الكوني؟

أولًا: الأنا بوصفها انبثاقًا مؤلمًا

يكشف العنوان "الصبح شهقتي" عن مفارقة دلالية:

الصبح: رمز البداية والنور

الشهقة: فعل اختناق وانفجار داخلي

تُنتج هذه المفارقة تصورًا وجوديًا للإنسان قريبًا من تصور مارتن هايدغر، حيث يُلقى الإنسان في العالم، غير أن النص يضيف بعدًا شعريًا يتمثل في الوجود ليس مجرد انكشاف، بل هو انبثاق مؤلم للوعي.

ثانيًا: الطبيعة بوصفها انعكاسًا لانهيار المعنى

تحضر الطبيعة في النص بصيغتها المنكسرة:

دالية بلا حسّون

أعناب غائبة

غابة خريفية

إنها طبيعة فاقدة لوظيفتها الحيوية، مما يعكس:

تفكك العلاقة بين الإنسان والعالم

وبذلك تتحول الطبيعة إلى مرآة:

لا تعكس الجمال

بل تكشف انهيار الانسجام الكوني

ثالثًا: الآخر ككائن مستهلك للجرح

يتخذ الآخر في النص صورة سلبية:

"ترقصون فوق جرحي"

هذا التصوير يكشف عن:

تفكك الروابط الإنسانية

تحوّل الآخر إلى مستهلك للألم

وهو ما ينسجم مع تحليل إريك فروم للمجتمع الاستهلاكي الذي يُفرغ العلاقات من بعدها الإنساني.

رابعًا: البعد الجحيمي للذات

يحضر دانتي أليغييري بوصفه رمزًا للجحيم:

"كأن دانتي في سراديبه ألاقيه"

لكن الذات لا تعبر الجحيم، بل:

تتموضع داخله وتعتلّ به

وهذا يشير إلى:

تحوّل الجحيم من تجربة إلى بنية

اندماج الألم في كينونة الذات

خامسًا: من الانكسار إلى التأسيس

في المقطع الأخير، يحدث التحول الجوهري:

"وأبتني منارتي"

تتحول الذات من موضوع للألم إلى فاعل للمعنى.

وهذا يتقاطع مع أطروحة جان بول سارتر حول الإنسان بوصفه مشروعًا يصنع ذاته.

الخاتمة

تكشف هذه الدراسة أن قصيدة "الصبح شهقتي" تؤسس لرؤية كونية للإنسان، حيث يصبح الألم شرطًا للوعي، والخراب منطلقًا لإعادة البناء. ومن ثم، يمكن اعتبار النص تجسيدًا شعريًا لما سمّيناه "أنطولوجيا الشهقة"، حيث لا يُختزل الصبح في كونه زمنًا، بل يغدو فعلًا وجوديًا ينبثق من عمق المعاناة.

ثانيًا: ربطها بفصل من "فلسفة الأمل الكوني"

من أنطولوجيا الجرح إلى أنطولوجيا الأمل: الشهقة كمولّد كوني للمعنى:

1. تمهيد نظري

في إطار "فلسفة الأمل الكوني"، لا يُفهم الأمل بوصفه تفاؤلًا ساذجًا، بل باعتباره:

فعل مقاومة وجودية ينشأ من قلب الانكسار

2. الشهقة كنقطة عبور

تكشف القصيدة أن:

الألم ليس نهاية، بل بداية إدراك كوني

أي أن الشهقة = لحظة انتقال من الانهيار إلى الوعي.

3. الإنسان الكوني: من الاحتواء إلى الخلق

الذات في النص:

تحتضن الألم

لا تنتظر الاعتراف

تعيد إنتاج المعنى

وهذا ينسجم مع تصور:

الإنسان الكوني هو الذي يمنح دون انتظار، ويخلق دون ضمان

4. الصبح كفعل داخلي

الصبح في القصيدة ليس ظاهرة طبيعية، بل حدث وجودي داخلي، وهذا يدعم أطروحة فلسفة الأمل الكوني:

الأمل هنا ليس ما يأتي من العالم، بل ما ينبثق من الذات رغم العالم .

5. نحو نظرية: "الأمل المنبثق من الألم"

يمكن تأطير ذلك نظريًا كالتالي:

الألم - وعي

الوعي - تمرد

التمرد - خلق

الخلق - أمل

خلاصة - الربط

تشكل القصيدة نموذجًا تطبيقيًا حيًا لفلسفة الأمل الكوني، حيث لا يُلغى الألم، بل يُعاد توظيفه كطاقة تأسيسية للمعنى.

إبراهيم عثمان - الجزائر

.....................

الصبح شهقتي

في قَدَحِي دالِيَةٌ فارَقَها الْحَسُّونُ

مُذْ بَعْثَرَهَا الصَّدَى.

وغابَةٌ تُنْبِتُها أَلْوِيَةُ الْخريفِ

في الْمدَى.

لا فيْءَ في دَوَارِقِي يَنْدَى بهِ وجْهي

ولا أَعْنَابَ فيها أَرْتَجِي .

يَمْتَشِقُ التُّفَّاحُ مِنْ كَأْسي الْحَساسينَ

فَأَقْفُو أثَرَ الْفَراشِ،

أَدْعوهُ فلا يُطْعِمُنِي.

كأَنَّ " دانْتِي " في سَرَادِيبِهِ

أُلاقيهِ فَأَعْتَلُّ بِهِ .

أَبْسُطُ كَفِّي للسَّحابِ

أْرْتَجِي مَوْعَدَةً،

فَيَشْتَكِي مِنْ ظَمَإٍ يُلْهِبُهُ.

*

يُخْبِرُني الْبَرْقُوقُ

عَمَّنْ أجْدَبَ الْوَقْوَاقُ

غُصْنًا يَتَفَيَّؤُونَهُ…

ويَسْتَفِيضُ في السّؤالِ

عن سماءٍ يَقْتَاتُ غِرَاسَها،

فَتَصَّاعَدُ في صَدْرِي

تَبارِيحُ الْأَسَى.

أُوَّاهُ يا مَنْ تَرْقُصُونَ فوق جُرْحي،

لِمَ تُلْقُونَ قِلادتي لِمَنْ يُتْلِفُها؟

وتَقْبَعُونَ في الْمَلاهِي

تَتَلَهَّوْنَ بِأَطْوَاقِ يَدِي؟؟؟

على ضِفافِ الْحُلْمِ تُلْقُونَ شِرَاعَكُمْ

وتُصْغُونَ إلى الرّيحِ

وصَوْلاتِ ضَجِيجِها.

*يا مَنْ تَهِيمُون بِألوَانِ الدُّجى

حتّامَ يَشْتَدُّ على صدري شِتاؤُكُمُ؟

يا مَنْ تَهِيمُونَ بِألْوَانِ الدُّجى

" ما أَقْدَرَ الْخَيْلَ على خَلْقِ الضِّياءْ! "

كَذَلِكَ الْيَوْمَ تُحَدِّثُ الرِّياحُ حالَها.

مُذْ أَمَدٍ لُذْتُ بِكُمُ

وما إلَيَّ اسْتَبَقَتْ خُيُولُكُمْ،

ولا تَنَدَّتْ بِسُرَاكُمْ أَضْلُعِي.

ها أَقِفُ الْيَوْمَ هُنا وحدي

على ناصِيَةِ الْحُلْمِ

وأَبْتَنِي مَنارَتِي.

وحدي أَدُعُّ العالِقِينَ في رِدائِي وأُنَادي:

أيُّها الْعالِقُ في ثَوْبي!

أَمَا تَرَاكَ عَنِّي راحِلا؟

يا أَيُّها الْعالِقُ في ثَوْبي!

أَمَا تَدْرِي

بِأَنَّ الصُّبْحَ شَهْقَتِي؟؟؟

***

بقلمي: هادية السالمي دجبي - تونس

 

تندرج قصيدة "الخطر في السقف" للشاعر عباس بيضون ضمن أفق شعري حداثي يتجاوز البنية التقليدية للقصيدة، ليؤسس خطاباً قلقاً ومفتوحاً على احتمالات متعددة من المعنى. فهي ليست نصاً يُقرأ في مستوى واحد، بل بنية لغوية ودلالية مركّبة، تتشابك فيها الأصوات والصور والرموز، وتتحول اللغة فيها من أداة وصف إلى فضاء إنتاج للدهشة والتوتر والتفكيك. ومن هنا، تأتي هذه الدراسة لتقارب النص عبر مستويات متعددة: لغوية وبلاغية، جمالية وفنية، فكرية وفلسفية، نفسية وسوسيولوجية، وصولاً إلى القراءة الاحتمالية التي ترى في النص شبكة من المعاني الممكنة لا معنى واحداً نهائياً. إن هذه المقاربة تسعى إلى الكشف عن البنية العميقة للنص، وقراءة انزياحاته بوصفها تجليات لوعي شعري مأزوم يعيد مساءلة العالم واللغة معاً.

تُعدّ قصيدة "الخطر في السقف" للشاعر عباس بيضون نموذجاً دالاً على تحوّلات القصيدة العربية المعاصرة، حيث تتداخل اللغة الشعرية مع بنية سردية وقلق وجودي عميق، في نصّ يشتغل على تفكيك الثنائيات التقليدية (الأعلى/الأسفل، النقاء/التلوث، الخلاص/الهلاك).

إننا أمام نصّ لا يُقرأ بوصفه خطاباً مغلقاً، بل بوصفه بنية مفتوحة على احتمالات التأويل، تتكثف فيها الرموز، وتتشظّى فيها الدلالات.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النصّ يقوم على لغة سليمة نحوياً، لكنها مُنزاحة دلالياً، حيث تتفكك العلاقات المنطقية لصالح علاقات إيحائية:

"الفراغ ليس خالياً" → مفارقة لغوية تُحوّل الفراغ إلى كيان ممتلئ بالتهديد.

"النسمة قد تكون جيفة" - انزياح صادم يُسقط النقاء الحسي في القذارة الرمزية.

البنية التركيبية:

هيمنة الجمل الفعلية القصيرة (لا تنظري، لا تبتسمي، لا تفكري) → خطاب تحذيري/سلطوي.

تكرار النفي - خلق مناخ قمعي.

غياب الروابط المنطقية - تفكك نحوي مقصود يعكس تفكك العالم.

البنية الإعرابية

حضور الجمل الاسمية ذات الطابع التقريري: "الفضاء أيضا عدو"

حذف الخبر أحياناً أو الإيجاز الشديد - تكثيف دلالي.

التراكيب تميل إلى الاقتصاد اللغوي مع شحنة إيحائية عالية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة متوازنة بين:

المعجمي اليومي: (التراب، السقف، الفئران)

المعجمي الرمزي: (الأطياف، الحنوط، السراديب)

هذا التداخل يخلق:

توتراً بين الواقعي والمتخيل، بين الحسي والميتافيزيقي.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

غياب الوزن الخليلي - قصيدة نثر.

اعتماد الإيقاع الداخلي:

التكرار: "لا تنظري… لا تبتسمي… لا تفكري"

التوازي التركيبي

الجرس الصوتي قائم على:

الحروف القاسية (ق، ط، ص) - توتر

المقاطع القصيرة - تسارع القلق

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النصّ يقوم على:

خطاب موجّه (أنا/هي)

غياب السرد التقليدي

حضور مشاهد متقطعة (السقف، السماء، الفوهة…)

البنية تساوي تشظي زائد تداعٍ حر

٢. الرؤية الفنية

العالم عند بيضون:

عالم مقلوب:

السماء تساوي خطر

الأرض تساوي ملاذ هش

الرؤية تساوي تشاؤمية/تفكيكية

٣. الطابع الإبداعي

كسر التوقع

صور صادمة: "الجثث التي كانت أقوالاً"

توليد الدهشة عبر تفجير العلاقة بين الدال والمدلول

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النصّ يطرح:

سؤال الأمان في عالم معادٍ

فقدان الثقة بالمعنى

انهيار المرجعيات

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

نقد الحداثة

تفكيك السلطة

قلق ما بعد الحداثة

٣. البنية الهيرمينوطيقية

الدلالات العميقة:

السقف يساوي سلطة/ميتافيزيقا

السماء تساوي وهم الخلاص

الأسفل يساوي واقع منحط لكنه “حقيقي”

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي إلى:

واقع عربي مأزوم (حروب، قمع، انهيار المعنى)

٢. تطور النوع

قصيدة نثر متقدمة

تفكيك للبلاغة التقليدية

٣. العلاقة بالتراث

قلب ثنائية:

السماء (الخير) - السماء (الخطر)

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

قلق

خوف وجودي

بارانويا رمزية

٢. النبرة النفسية

تحذير

ارتياب

توتر دائم

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

١. علاقة النص بالواقع

نقد المجتمع الخاضع

تفكيك الخطاب السلطوي

٢. الخطاب الاجتماعي

فضح:

السلطة

النفاق

الزيف الثقافي

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

السقف يساوي العلو السلطوي

الفئران تساوي الانحطاط

السماء يساوي خطر مقلوب

٢. الثنائيات

فوق / تحت

طهارة / فساد

معنى / ضجيج

ثامناً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا مضمرة ومقلوبة:

الجسد مُقيّد: "لا ترفعي بصرك… صوتك أو يدك"

الرغبة تساوي محاصرة

العلاقة تساوي سلطة/خضوع

تاسعاً: النقد الاحتمالي

النص لا يقدّم معنى واحداً، بل شبكة احتمالات:

احتمال ١: قراءة سياسية

السقف يساوي السلطة القمعية

السماء تساوي خطاب أيديولوجي

احتمال ٢: قراءة وجودية

العالم بلا معنى

كل شيء مهدد

احتمال ٣: قراءة نفسية

النص يساوي وعي مريض بالارتياب

احتمال ٤: قراءة لغوية

انهيار اللغة نفسها:

"القصاصات… الأبيات المشطورة"

- تفكك الخطاب

عاشراً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

١. القيم:

النص لا يحتفي بالجمال، بل: يكشف القبح، ويفضح الزيف.

٢. الانفتاح التأويلي:

نصّ مفتوح بامتياز:

لا يقدّم أجوبة، بل يوسّع الأسئلة.

٣. البعد الإنساني

الخوف الكوني

هشاشة الإنسان

ضياع المعنى:

خاتمة:

قصيدة "الخطر في السقف" ليست مجرد نص شعري، بل بنية تفكيكية عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والعالم.

إنها قصيدة تُمارس الشكّ بوصفه فعلاً جمالياً، وتحوّل الخوف إلى أداة كشف، وتفتح المعنى على احتمالات لا نهائية.

وفي ضوء النقد الاحتمالي، يغدو النصّ فضاءً للتفاعل، حيث لا يُكتشف المعنى، بل يُنتَج في كل قراءة من جديد—وذلك هو جوهر حداثته وقيمته الفنية. تكشف قصيدة "الخطر في السقف" عن تجربة شعرية كثيفة، تُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم عبر لغة متوترة ومشحونة بالرموز والانزياحات. فهي نصٌّ يُفكك اليقين، ويزعزع الثنائيات المستقرة، ويُعيد توزيع المعنى في فضاء مفتوح على التأويل. ومن خلال القراءة الاحتمالية، يتضح أن النص لا ينغلق على دلالة محددة، بل يظل قابلًا لإعادة القراءة والإنتاج، وفق تفاعل القارئ مع بنيته الرمزية واللغوية. وهكذا، تبرز قيمة القصيدة في قدرتها على توليد القلق الجمالي والمعرفي، وفي انتمائها إلى شعرية حديثة تجعل من الغموض والالتباس طاقة إبداعية، لا نقصًا دلاليًا، مؤكدةً أن الشعر—في جوهره—هو فعل كشفٍ لا ينتهي، وسؤالٌ مفتوح على أفق لا يُستنفد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

الخطر في السقف

بقلم: عباس بيضون

أقولُ لها: الخطرُ في السقف،

لا تنظري، قد يُصيبُكِ حجر.

إنهم بالتأكيد فوق،

الفضاءُ أيضًا عدوّ.

المساحاتُ مسمَّمة، والفراغُ ليس خاليًا.

ثمة أطيافٌ ملعونة،

نفوسٌ تجولُ غاضبة،

دعاءٌ ينفثُ كراهية،

كلامٌ مقصوص، شَفْرَةٌ من الهواء.

ثمة رعبٌ سماويّ، نسيمٌ مؤبَّد.

لا تبتسمي،

فالنسمةُ قد تكونُ جيفةً على الوجه.

لا تفكّري، لا نعلمُ من أين تأتي الأفكار،

ثمة حنوطٌ فيها،

فسادٌ، وربما لطخة،

غرغرةٌ أو خُوار.

لا ترفعي بصركِ،

صوتكِ أو يدكِ،

كوني كلَّكِ في الأسفل،

حيثُ نيّةٌ سيئةٌ تحكمُ وحدها،

حيثُ الترابُ يحلمُ وحده،

حيثُ الوقائعُ بنفسِ عطبِ المبادئ،

والجثثُ التي كانت أقوالًا،

وكلُّ هذه البدايات

التي سرعان ما هلكتْ في المضيق.

العَمى ينتظرُ فوق السقيفة،

الكلامُ الذي يصرُّ في فمٍ مكسور،

الماضي الذي يصلُ بلا عينين

وبرائحةِ السراديب.

السقفُ للفئران، وربما لصيّادي العِبَر،

أو للمجنَّحين فوق العتم.

السماءُ تهبطُ فوق المائدة،

السماءُ المَلأى بالقصاصاتِ والأبياتِ المشطورة،

والأنصافِ التي ترقصُ في الوسط،

وهذا الضجيجُ الذي يأكلُ معانيه.

لا تنظري إلى فوق،

اللصوصُ قد يخرجون في تلك اللحظة،

لن تقولي إنّه الخلاص،

لن يعودَ الابنُ من الغيبة.

الأنصافُ وحدهم يصعدون من الفوّهة،

لهم وجهٌ واسمٌ وقناع،

لهم بارحةٌ مديدةٌ وعاقبةٌ قصوى،

وبالطبع أبٌ مزعوم، وخالةٌ صلعاء،

وتاريخٌ مع النجوم.

ستكونُ لهم بلادٌ بعرض الكتفين،

ودارٌ للعميان، وفصحى،

وديوانٌ للفقر، خواتمُ وعناوين،

خارجَ السمعِ أو خارجَ الوعي.

لا نقولُ ذلك في المجلس،

فنحنُ هنا لاستشارةِ الطيور،

إذا خسرنا السماء،

فلِمَن نبيعُ هذا الخطاب؟

وكيف يكونُ النصرُ رابعَنا،

وأحفادُ الغائبِ أصهارَنا وحواشينا؟

كيف نخرجُ متوَّجين من الهزيمة،

سلاطينَ من الهباء؟

 

يندرج نص "أميرة" للشاعر توفيق أحمد ضمن الأفق الشعري العربي الحديث الذي لم يعد ينظر إلى القصيدة بوصفها بنية مغلقة ذات معنى واحد، بل باعتبارها كياناً دلالياً مفتوحاً، يتشكّل عند تخوم اللغة والخيال والتجربة الوجدانية. ومن هذا المنطلق، يغدو الاشتغال النقدي على هذا النص ضرورة معرفية وجمالية، تستدعي مقاربة متعددة المستويات، تتجاوز القراءة الانطباعية إلى تحليل علمي يستند إلى الأسس اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، وصولًا إلى الأبعاد النفسية والسيميائية والاجتماعية.

إن هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك البنية الداخلية للنص، والكشف عن آلياته التعبيرية، من خلال رصد دقة التراكيب اللغوية، وثراء الانزياحات البلاغية، وتناغم الإيقاع والمعمار الصوتي، إلى جانب تحليل الرؤية الفنية التي تحكم النص، واستجلاء طبقاته الدلالية العميقة وفق منظور هيرمينوطيقي. كما تنفتح هذه القراءة على ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي لا يختزل المعنى في تأويل واحد نهائي، بل ينظر إلى النص بوصفه شبكة من الإمكانات التأويلية، حيث يتولد المعنى عبر تفاعل النص مع القارئ والسياق.

وعليه، فإن نص "أميرة" لا يُقرأ بوصفه قصيدة غزلية فحسب، بل باعتباره بنية رمزية معقدة، تُعيد صياغة مفاهيم الجمال والحب والوجود، وتطرح أسئلة ضمنية حول العلاقة بين الحقيقة والخيال، وبين الذات والعالم، في سياق شعري يزاوج بين الكثافة التعبيرية والانفتاح الدلالي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

النص يتمتع بسلامة لغوية عالية، تخلو من الانكسارات النحوية أو الركاكة التركيبية، ويعتمد على جمل قصيرة مكثّفة ذات بنية شعرية واضحة.

نلحظ هيمنة الجملة الفعلية (تجاوزَ، صار، يشهق، يشرد، تضيع...)، ما يمنح النص ديناميكية حركية تعكس تحوّل "أميرة" من حالة ثابتة إلى كيان متحوّل.

على مستوى الصرف والنحو:

تجاوزَ الجمالُ الجمالَ:

تركيب يحمل مفارقة دلالية عبر تكرار اللفظ واختلاف الوظيفة النحوية (فاعل/مفعول به)، وهو ما يخلق انزياحاً دلالياً يفتح النص على أفق ما فوق الجمال.

صار المدى والنهرَ والسهولَ والتلالْ:

تعدّد المعطوفات المنصوبة يشي باتساع دلالي وانفجار في الحقول المعجمية.

الحذف واضح في مواضع عدة، مثل:

"أميرةٌ يشهقُ في دفترها السؤال"

حيث يُقدَّم المبتدأ ويؤخر الخبر في صورة انزياحية تُربك الترتيب النحوي التقليدي.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة شفافة، تنتمي إلى المعجم العاطفي الرمزي:

(المدى، النهر، السهول، التلال، الحنين، الخيال، الضياع...) وهي ألفاظ ذات طاقة إيحائية عالية.

التوازن بين اللفظ والمعنى قائم على:

اقتصاد لغوي (قلة الألفاظ/كثافة الدلالة)

تراكم تصويري (توالي الصور بدل الشرح)

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص يقترب من شعر التفعيلة الحر مع نزوع إلى النثر الشعري.

مظاهر الإيقاع:

التكرار:

"أميرةٌ..."، "حبكِ..." - بناء لازمة إيقاعية

الجرس الصوتي:

التكرار الصوتي لحرف الراء (النهر، الحنين، الشراع، العصفور) يعطي رخامة وانسياباً

الموسيقى الداخلية:

التوازي التركيبي:

كالصيف... كقدح الخمر... كفرح العصفور...

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص

النص ينقسم إلى مقطعين:

مقطع "أميرة": ذو طابع تصويري رمزي

مقطع "حبكِ": ذو طابع وجداني مباشر

البنية هنا حلزونية:

تبدأ بالجمال

تتسع إلى الطبيعة

تنتهي بالحب ككون مغلق

٢. الرؤية الفنية

الرؤية تقوم على:

تحويل الأنثى إلى كينونة كونية

"أميرة" ليست امرأة، بل:

فضاء

ذاكرة

سؤال

وأفق خلاص من الضياع

٣. الطابع الإبداعي والانزياح

أبرز الانزياحات:

يصبح الحقيقة الخيال: قلب العلاقة بين الواقعي والمتخيل

يشهق في دفترها السؤال: تشخيص السؤال (أنسنة المجرد)

النص ينتج الدهشة عبر:

١- تفكيك المنطق العادي

٢- إعادة تركيب العالم شعريًا

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة ضمنية:

ما الجمال؟

ما الحقيقة؟

هل الخيال أصدق من الواقع؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

- التصوف (تحويل المحبوبة إلى مطلق)

- الرومانسية الحديثة

- نزعة ما بعد الحداثة (تفكيك الثنائيات)

٣. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

يمكن تأويل "أميرة" بوصفها:

- المرأة

- اللغة

- القصيدة ذاتها

- أو اليوتوبيا المفقودة

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي إلى الشعر العربي الحديث الذي:

- تحرر من الوزن التقليدي

- اتجه نحو الرمزية

٢. تطوّر النوع الأدبي

النص يقع بين:

شعر التفعيلة

وقصيدة النثر

٣. علاقته بالتراث

يحاور:

الغزل العربي القديم (المحبوبة المركز)

لكن يعيد تشكيلها رمزياً لا جسدياً

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

- الحنين

- التوق

- البحث

٢. تحليل الشخصية

"أميرة" تمثل:

صورة مثالية

إسقاطاً لرغبات الشاعر

٣. النبرة النفسية

تتراوح بين:

- النشوة (حبك كالصيف)

- القلق (السؤال، الضياع)

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يشتغل مباشرة على الواقع الاجتماعي، لكنه:

- يعكس نزعة فردانية

- ويؤسس لعالم بديل (مدينة مسحورة مغلقة)

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

- النهر: التدفق

- الجزيرة: العزلة

- الشراع: الرحلة

- السور: الانغلاق

٢. الثنائيات

الحقيقة / الخيال

الضياع / العودة

الداخل / الخارج

٣. النظام الرمزي

العالم كله يتحول إلى:

شبكة علامات تتمحور حول "أميرة"

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج: تكاملي (أسلوبي زائد تأويلي زائد نفسي زائد سيميائي)

النص يسمح بقراءة علمية لا انطباعية

قابل للتوثيق ضمن دراسات الشعر الحديث

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

يحتفي النص بـ:

١- الحب

٢- الجمال

٣- الخيال

يفتح المجال لتعدد القراءات

يمسّ وجداناً إنسانياً عاماً

عاشراً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا: رمزية لا جسدية

تقوم على:

١- الجمال

٢- الشعر

٣- الانجذاب الروحي

"غابة الضفائر" مثلاً:

تحمل إيحاءً حسياً

لكن ضمن إطار جمالي لا فاضح

أحد عشر: النقد الاحتمالي (القراءة المفتوحة)

وفق هذا المنهج، يمكن إنتاج قراءات متعددة:

١. قراءة وجودية

"أميرة" تساوي معنى الحياة المراوغ

٢. قراءة لغوية

"أميرة" تساوي اللغة التي يتشكل فيها الشعر

٣. قراءة نفسية

"أميرة" تساوي صورة الأنثى في لاوعي الشاعر

٤. قراءة طوباوية:

"المدينة المسحورة" تساوي عالم مثالي مغلق ضد الفساد الخارجي

خلاصة:

النص ينجح في: ١- بناء عالم شعري متماسك٢- توظيف اللغة بانزياح جمالي٣- إنتاج دلالات متعددة

لكنه:

يميل أحياناً إلى التعميم الرمزي

ويخفّ فيه الاحتكاك بالواقع.

تكشف هذه الدراسة، عبر محاورها المتعددة، أن نص "أميرة" يتجاوز حدوده الظاهرية بوصفه نصاً غزلياً، ليغدو فضاءً تأويلياً غنياً، تتقاطع فيه البنية اللغوية مع الرؤية الجمالية، ويتداخل فيه الحسّ الوجداني مع الأفق الفلسفي. فقد استطاع الشاعر أن يوظّف اللغة بوصفها أداة خلق لا مجرد وسيلة تعبير، فأنشأ عبر الانزياح والتكثيف والتكرار عالماً شعرياً نابضاً بالدلالات، تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، والواقعي بالممكن.

كما أبرزت القراءة أن النص يمتلك طاقة سيميائية عالية، تجعل من رموزه وعلاماته مفاتيح متعددة للدخول إلى معانيه العميقة، في حين يضفي البعد الإيروتيكي الرمزي عليه مسحة جمالية شفيفة، ترتقي بالحب من مستوى الحسّ إلى أفق التجريد والتخييل. أما من منظور النقد الاحتمالي، فقد تبيّن أن النص لا يستقر على معنى واحد، بل يظل مفتوحاً على قراءات متجددة، تتعدد بتعدد القرّاء واختلاف سياقات التلقي.

وعليه، يمكن القول إن قصيدة "أميرة" للشاعر توفيق أحمد تمثل نموذجاً للشعر الحديث الذي يراهن على الغموض المنتج، والدهشة الجمالية، والانفتاح التأويلي، حيث لا تُستهلك القصيدة في قراءة واحدة، بل تستمر في إنتاج معناها عبر الزمن، مؤكدة أن الشعر، في جوهره، ليس قولاً مكتملاً، بل سؤالٌ دائمُ التجدّد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

أمـيرة

تجاوز الجمالُ في قاموسها الجمالْ

صار المدى والنهرَ والسهولَ والتلالْ

وقصةَ الدموع في العيون

ونشوةَ الحنينْ

أميرةٌ يشهقُ في دفترها السؤالْ

يشردُ في أحرفها المحالْ

تضيعُ بين همسةٍ وهمسةٍ جبالْ

ويُصبحُ الحقيقةَ الخيالْ

أميرةٌ تسكنُ في جزيرةْ

وتُرجعُ الشراعْ

من رحلةِ الضَّياعْ

وتكتبُ القصيدةَ الأخيرَهْ

عن عاشقٍ يولد كالمساءْ

في غابةِ الضفائرِالطويلهْ

وينسجُ العباءة الجميلةْ

لآخر النساءْ

وأجملِ النساءْ

حُـبُّـكِ

حبُّكِ كالصيفِ الذي أُحبُّهُ

كقدح الخمر الذي أَصبُّهُ

كفرحِ العصفورِ بالعصفورْ

كَشَهقاتِ النورْ

**

حُبّكِ يا حبيبتي مدينةٌ مسحورةٌ

أسكنُها وحدي أنا والشّعْرُ والطيورْ

لا أحدٌ يخرجُ أو يدخُلُ يا حبيبتي

للعالم المسحورْ

لا أحدٌ يعبُرُ فوق السُّورْ

***

شعر: توفيق أحمد

من سبك العبارة إلى سيمياء المعنى وبناء الملحمة الحديثة

تمثّل ملحمة الجزائر الكبرى للشاعر عبد العزيز شبين تجربة شعرية تتجاوز حدود القول إلى فضاء الرؤية، وهي نص يُقرأ ومشروع فكري وجمالي يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وبين الحاضر وممكناته المستقبلية.

من حيث البنية الثقافية، تنهض الملحمة على وعيٍ جمعي يتكئ على الذاكرة الجزائرية بوصفها حاضنة للبطولة والصمود، غير أن الشاعر لا يقع في أسر التوثيق أو التمجيد السردي المباشر، إنه يشتغل على تحويل هذا الإرث إلى طاقة رمزية متجددة، إن الجزائر هنا ليست جغرافيا محدودة، هي استعارة كبرى للحرية والانبعاث، ما يجعل النص مفتوحًا على قراءات عربية وإنسانية أوسع.

أما على مستوى العطاء الفكري الشعري، فإن النص يكشف عن تلاحم واضح بين الفكرة والصورة؛ فلا تأتي الفكرة بوصفها خطابًا تقريريًا، الفكرة تتجسد عبر تشكيلات لغوية كثيفة، تتقاطع فيها اللغة الإيحائية مع النبرة الملحمية، هذا التلاحم يمنح العمل بعدًا تأمليًا، ويجنّبه الوقوع في المباشرة، ليغدو الشعر هنا أداة تفكير بقدر ما هو أداة إحساس.

وفي نظرة الشاعر للحياة تتبدّى فلسفة تقوم على جدلية الألم والأمل، فالحياة في الملحمة حالة ساكنة، وصيرورة متحركة في آن تتخللها صراعات وانكسارات، لكنها تظل مشدودة إلى أفق النهوض، هذه الرؤية تمنح النص بعدًا إنسانيًا عميقًا، ويتحول فيها الخاص الوطني إلى تجربة كونية تعكس قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية.

أما عنصر التجديد يتجلى في محاولة الشاعر إعادة صياغة الشكل الملحمي بروح حديثة، فهو يخفف من ثقل السرد التقليدي لصالح تكثيف شعري يعتمد على الإيقاع الداخلي والصورة المركبة، كما يشتغل على تحديث اللغة دون أن يقطع صلتها بجذورها التراثية ما يخلق توازنًا بين الأصالة والمعاصرة.

وفي مخاطبة العاطفة والنفس الإنسانية ينجح النص في استثارة مستويات متعددة من التلقي، هو يخاطب الوجدان عبر صور مشحونة بالانفعال، وفي الوقت ذاته يستفز العقل بأسئلته المفتوحة، هذه الثنائية تمنح الملحمة طاقة تأثيرية تجعلها قادرة على التفاعل مع القارئ على المستويين الحسي والفكري.

أما فيما يتعلق بالمستقبل وتحدياته فإن الملحمة لا تكتفي باستحضار الماضي أو توصيف الحاضر، فهي تتجه نحو استشراف أفق قادم، وتطرح رؤى تتعلق بالحرية، والهوية ومصير الإنسان في عالم متغير، وهنا تتخذ الملحمة طابعًا تحذيريًا وأملًا في آن، إذ تضع القارئ أمام مسؤولية المشاركة في صنع هذا المستقبل.

وإن ملحمة الجزائر الكبرى عمل شعري يتسم بالعمق والتركيب يجمع بين الحس الملحمي والرؤية الفكرية، ويقدّم نموذجًا لقصيدة قادرة على استيعاب التاريخ، ومساءلة الحاضر، واستشراف المستقبل، ضمن لغة شعرية تنبض بالحياة والوعي.

وفي امتداد الرؤية التي تشي بها (الجزائريادة) يمكن تلمّس نزوعٍ طموح لدى الشاعر عبد العزيز شبين إلى تجاوز النموذج الملحمي الكلاسيكي إلى إعادة تعريف جوهر الملحمة ذاتها، فالشاعر لا يكتفي بأن يسير في ظل عمالقة مثل هوميروس وفيرجيل والفردوسي فهو يطمح إلى تفكيك أنماطهم وإعادة بنائها ضمن أفق معاصر حيث لم تعد البطولة فعلًا فرديًا ولا الحدث التاريخي غاية في ذاته، هو يسعى لتشكيل المدخل للوعي الإنساني الأشمل.

وإذا كانت ملاحم هوميروس كالإلياذة قد أقامت مجدها على صليل السيوف وصراع الآلهة والبشر، فإن الجزائريادة تنقل البطولة من ساحة الحرب إلى فضاء الوعي؛ حيث يصبح الإنسان بحد ذاته معركة مفتوحة ضد النسيان والتشظي، وهنا يتفوق شبين لا في حجم الحدث بل في عمق الدلالة، إذ تتحول المعركة من واقعة زمنية إلى سؤال وجودي دائم.

أما فيرجيل في الإنيادة فقد سعى إلى تأسيس هوية إمبراطورية مانحًا روما سرديتها الكبرى؛ غير أن شبين يتجاوز هذا التأسيس الأحادي ليكتب هويةً متعددة الطبقات لا تنغلق في قومية صلبة بل تنفتح على إنسانية رحبة حيث الجزائر ليست مركزًا للهيمنة بل نقطة إشعاع أخلاقي وثقافي، وبهذا فإن الجزائريادة لا تؤسس لإمبراطورية بل لضمير.

وفي مواجهة ملحمة الفردوسي في الشاهنامة التي خلدت الملوك والأبطال في إطار تاريخي أسطوري يأتي شبين ليحرر البطولة من مركزيتها النخبوية مانحًا الصوت للإنسان العادي للذاكرة الشعبية وللتفاصيل التي كانت تُهمَّش في السرديات الكبرى، إنه انتقال من بطولة الفرد إلى بطولة الجماعة، ومن الأسطورة المغلقة إلى الملحمة المفتوحة.

تفوق الجزائريادة – في هذا السياق – لا يقوم على نفي السابقين، وإنّما يقوم على استيعابهم وتجاوزهم فهي ملحمة تكتب نفسها في زمن ما بعد الأسطورة، حيث لم يعد القارئ يبحث عن بطل خارق، فهو يبحث عن معنى ينقذه من التلاشي، ولذلك فإن شبين يعيد صياغة اللغة الملحمية لتغدو أكثر شفافية وقلقًا، وأكثر اتصالًا بأسئلة العصر.

إنها ملحمة لا تتكئ على الماضي لتتجمد فيه، إذ تستدعيه لتجاوزه، ولا تستعير من التراث إلا ما يمنحها القدرة على الانفلات منه، ويمكن القول إن الجزائريادة تمثل لحظة تفوق نوعي حيث تنتقل الملحمة من كونها سجلًا للبطولات إلى كونها مختبرًا للوعي ومن كونها حكاية تُروى إلى كونها تجربة تُعاش.

تتجلّى الجزائريادة بوصفها نصًا شعريًا متعدد الطبقات، تتداخل فيه الأبعاد السيميائية مع الوعي التاريخي، وتتعانق فيه العاطفة مع الرؤية الفكرية في بناء ملحمي يسعى إلى تثبيت الجزائر لا كجغرافيا فقط بل وعلامة كبرى في الوجدان الإنساني.

الأبعاد السيميائية في الجزائريادة: ينهض النص على شبكة من الرموز والإشارات التي تتجاوز ظاهر اللغة إلى عمق الدلالة؛ فالجزائر تتحول إلى علامة كونية، ترمز إلى الحرية والمقاومة والانبعاث، كما تتكاثر الرموز المرتبطة بالأرض، الدم، الذاكرة...، لتشكل نظامًا دلاليًا متماسكًا، وتُقرأ المفردة فيها بمعناها المباشر، وبوصفها حاملة لحمولات تاريخية ونفسية، إن الشاعر هنا يكتب بلغة الإيحاء جاعلًا من كل صورة بوابةً لمعنى أوسع.

الزخم التاريخي: تتغذى الملحمة من تاريخ جزائري كثيف يستدعي لحظات النضال والتحرر ويأتي هذا الاستدعاء بوصفه سردًا توثيقيًا، وبوصفه إعادة تشكيل شعري للتاريخ، فالزمن في النص متداخل، تتجاور فيه الأزمنة وتتقاطع بما يمنح العمل طاقة ديناميكية تجعل الماضي حاضرًا فاعلًا لا مجرد ذكرى، هذا الزخم يمنح الملحمة عمقها ويجعلها قادرة على حمل ذاكرة أمة بكاملها.

مخاطبة العاطفة: تتسم الجزائريادة بقدرتها العالية على استثارة الوجدان؛ إذ يعتمد الشاعر على صور مشحونة بالانفعال وإيقاع داخلي يتسلل إلى نفس القارئ فالعاطفة هنا ليست عبثية بل ضرورة جمالية تُستخدم لتعميق الارتباط بين المتلقي والنص ولتحويل القراءة إلى تجربة شعورية تتجاوز حدود الفهم العقلي.

تقييم المواقف: لا تقف الملحمة عند حدود الاحتفاء تتجاوزه لتمارس فعلًا نقديًا ضمنيًا حيث تُقيِّم المواقف التاريخية والإنسانية وتعيد مساءلة مفاهيم البطولة والصمود... هذا البعد يمنح النص بعدًا أخلاقيًا، ويجعله نصًا حيًا قادرًا على محاورة القارئ لا تلقينه.

فرض مكانة الجزائر: تعمل الملحمة على تثبيت الجزائر في موقع رمزي متقدم من خلال تراكم الصور والدلالات التي تُعلي من شأنها، فالجزائر مركز إشعاع تتقاطع عنده القيم الكبرى: الحرية، الكرامة، والتاريخ الحي...

الوطنية الجزائرية: تتجلى الوطنية في الجزائريادة بوصفها شعورًا عميقًا لا شعارًا سطحيًا؛ فهي وطنية واعية، تتأسس على معرفة بالتاريخ وإدراك لتحديات الحاضر وينجح الشاعر في تقديم نموذج للوطنية التي تجمع بين الاعتزاز والانفتاح بين الخصوصية والبعد الإنساني.

وتقترب الملحمة في بعض مقاطعها من النشيد، حيث تتصاعد النبرة الإيقاعية وتتكرر البنى التعبيرية، بما يمنح النص طابعًا احتفاليًا، هذا النشيد زخرف صوتي، وأداة لتعزيز الشعور الجمعي، وتحويل النص إلى صوت جماعي يعبر عن أمة بأكملها.

الفخر بتاريخ الجزائر: يُبنى الفخر في الملحمة على أساس معرفي وجمالي؛ نتيجة لاستحضار تاريخ غني وإعادة صياغته شعريًا، يتجلى هذا الفخر في الصور التي تمجد الأرض والإنسان وفي النبرة التي تمزج بين الاعتزاز والتأمل، ما يمنح النص توازنًا بين العاطفة والوعي.

وهذه الملحمة هي نصّ يُقرأ وفق المعايير اللسانية فيها نغدو داخل نسيجٍ حيٍّ تتحوّل فيه هذه المعايير إلى أعصابٍ نابضة تشدّ المعنى وتوزّع الحياة في جسد الملحمة، إنها كتابة تُحاور أدوات التحليل ذاتها وتعيد إنتاجها في لغةٍ تتقاطع فيها المعرفة بالوجدان، وهذا توضيحها بإيجاز:

أولا: السبك الرصفي (Cohesion): هندسة اللغة وهي تمشي على إيقاع الذاكرة:

يتجلّى السبك في الجزائريادة كخيوط حريرية غير مرئية تربط الكلمات كما تربط الذاكرة أبناءها في لحظة استدعاء؛ الضمائر، أدوات العطف، الإحالات، والتكرار الإيقاعي، كلّها تعمل بوصفها وسائل نحوية إلى جانب وصفها جسورًا شعورية تعبر فوقها الدلالات، فالكلمة لا تُجاور أختها اعتباطًا، إذ تتساند معها كما تتساند جدران بيتٍ قديم يحمل تاريخًا أكثر مما يحمل حجارة، وهنا يغدو السبك ترتيبًا تآلفيا حيث اللغة تتماسك لأنها تؤمن بما تقول.

ثانيًا: الحبك الدلالي (Coherence): منطق المعنى وهو يكتب مصيره:

أما الحبك فيتجاوز التسلسل الظاهري إلى بنية عميقة، حيث المعاني تتوالد من بعضها كما تتوالد الأمواج من البحر، انسياب خفيّ يجعل القارئ يشعر بأن كل صورة كانت تنتظر الأخرى، إن الجزائريادة تسرد وتتنامى ككائنٍ حيٍّ تتكامل أعضاؤه دون أن تُعلن عن نظامها الداخلي، فإن الحبك ترابط منطقي وقدرٌ دلاليٌّ يُحكم قبضته على النص، فيجعله وحدةً متماسكة رغم اتساعه الملحمي.

ثالثًا: المقامية (Situationality): النص وهو يرتدي زمنه وتاريخه:

النص في هذه الملحمة لا يُفهم خارج مقامه؛ فهو ابن لحظةٍ تاريخية وثقافية مشحونة تتداخل فيها الذاكرة الاستعمارية مع طموح الاستقلال، والجرح مع الحلم، المقامية روحٌ تسكن النص، تجعل كل عبارة مشروطة بسياقها وكل صورة مشبعة بزمانها، إن الجزائر مقامًا يُكتب من داخله، ومن ثمّ يصبح النص خطابًا موجّهًا إلى وعيٍ جمعيٍّ يعرف رموزه قبل أن تُقال.

رابعًا: المقبولية (Acceptability): حين يصدّق القارئ لأنه يشعر:

تبلغ الجزائريادة درجة عالية من المقبولية لأنها تراعي توقعات القارئ، وتعيد تشكيل هذه التوقعات، القارئ يبحث عن حقيقةٍ منطقية، وصدقٍ شعوري والشاعر يمنحه هذا الصدق عبر لغةٍ لا تتكلّف ولا تتصنّع، إن النص يُقنع لأنه يُحسّ، ولأنه يلامس منطقةً في الإنسان تسبق الحكم العقلي، فتجعل القبول فعلَ استجابةٍ داخلية لا قرارًا نقديًا باردًا.

خامسًا: الإبلاغية / الإخبارية (Informativity): المفاجأة بوصفها ولادة المعنى:

تقوم إبلاغية النص على نقل معلومة، وعلى خلق دهشة؛ فالمعنى يُسلَّم جاهزًا ويُنتزع من رحم الصورة، كل مقطع يحمل قدرًا من الانزياح، يجعل القارئ يعيد النظر فيما يعرفه، إن الإخبارية هنا كمًّا من المعلومات، ونوعية من الكشف حيث تتحول اللغة إلى أداة إضاءة، تكشف ما كان مستترًا في الوعي والتاريخ.

سادسًا: الأسلوبية والنسق، بصمة الشاعر وهو يعيد تشكيل اللغة:

يتبدّى الأسلوب في الجزائريادة كهوية لا تخطئها العين؛ لغة مشحونة بالصور متكئة على الإيقاع الداخلي، وتمزج بين النبرة الملحمية والتأمل الفلسفي، أما النسق فهو النظام الخفي الذي يضبط هذا التدفق حيث تتكرر الثيمات (الأرض، الدم، الحرية...) في بنى مختلفة، فتخلق وحدةً داخل التنوع، إن الشاعر هنا يكتب بأسلوب ويصنع أسلوبه كما يصنع النهر مجراه.

سابعًا: السيميائية، حين تتحول الجزائر إلى علامة كونية:

في البعد السيميائي تتجاوز الجزائر كونها مدلولًا جغرافيًا لتغدو دالًا مفتوحًا على معانٍ لا نهائية. فكل رمز في النص يعمل ضمن شبكة دلالية، حيث يتجاوز معناه المباشر ليحمل شحنات ثقافية ونفسية، إن العلاقة بين الدال والمدلول متحركة تتسع مع كل قراءة، ما يمنح النص طاقة تأويلية لا تنضب.

ثامنًا: الدال والمدلول: رقصة المعنى على حافة اللغة:

يستقر الدال في الجزائريادة على مدلول واحد ثم يراوغ، ينزاح، ويتكاثر، الكلمة تقول أكثر مما تعلن، وتخفي أكثر مما تقول، وهنا تكمن جمالية النص في هذه المسافة بين ما يُقال وما يُراد، حيث يُدعى القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى، إن الملحمة تفتح أفقًا من الاحتمالات، تجعل القراءة فعل خلقٍ مشترك.

إن الجزائريادة نصٌّ يكتب نفسه وفق معايير اللسانيات، لكنه في الوقت ذاته يتجاوزها، كأنها سلّمٌ صعده ثم تركه خلفه، فيها السبك كنبضٍ خفي، والحبك كقدرٍ دلالي، والمقامية كروحٍ تاريخية، والمقبولية كصدى شعوري، والإبلاغية كدهشةٍ مستمرة، أما سيميائيتها، فهي فضاء تتلاشى فيه الحدود بين الدال والمدلول، ليبقى المعنى معلقًا كنجمةٍ لا تُمسك، لكنها تُنير.

وختامًا تبدو الجزائريادة للشاعر عبد العزيز شبين نصًا يتجاوز كونه ملحمةً شعرية إلى كونه كيانًا لغويًا نابضًا، تتضافر فيه معايير السبك والحبك والمقامية والمقبولية والإبلاغية ضمن نسيجٍ واحد، حيث لا تنفصل البنية عن الدلالة، ولا الشكل عن الروح، إنها ملحمة تُحسن إدارة اللغة بوصفها طاقة دلالية مفتوحة، تُشيّد المعنى عبر رموزها، وتُعمّق أثرها عبر عاطفتها، وتُثبت حضورها عبر وعيها التاريخي والوطني، وفي هذا التآلف المركّب ينجح النص في أن يكون خطابًا جماليًا وفكريًا في آن، يكتب الجزائر بوصفها موضوعًا، وبوصفها علامةً كبرى، ويكتب الإنسان بوصفه قارئًا وشريكًا في إنتاج المعنى، هكذا تنتهي الملحمة دون أن تنغلق وتستقر في الذاكرة لكنصٍّ مكتمل وأفقٍ مفتوح على قراءة لا تنتهي.

***

بقلم: د. عباس عبد الحميد مجاهد - فلسطين

 

يُعدّ السرد المعاصر فضاءً ديناميًا تتقاطع فيه التحولات الجمالية والفكرية، حيث لم يعد الخطاب الروائي مجرد حكاية تُروى وفق نسق خطي مستقر، بل أضحى مجالًا مفتوحًا لإعادة تشكيل العالم عبر أشكال سردية متحولة، تتجاوز القوالب التقليدية نحو أفق أكثر تعقيدًا وتشظيًا. من هذا المنطلق، تغدو دراسة تحولات الخطاب الروائي مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة الرواية المعاصرة، بوصفها خطابًا يعكس قلق الإنسان الحديث وتوتراته الوجودية، كما يكشف عن انزياحات عميقة في طرائق بناء المعنى وتمثيل الواقع.

لقد شهد الخطاب الروائي انتقالًا ملحوظًا من مركزية الحكاية إلى مركزية الخطاب، حيث لم يعد المهم هو “ماذا يُروى”، بل “كيف يُروى”. هذا التحول أفضى إلى إعادة النظر في البنيات السردية التقليدية، فانهارت خطية الزمن، وتفككت وحدة الحدث، وتعددت الأصوات، مما جعل النص الروائي أقرب إلى فسيفساء دلالية تتجاور فيها الأزمنة والوقائع والرؤى. ولم يعد الراوي سلطة مطلقة تُحكم قبضتها على مجريات السرد، بل صار صوتًا من بين أصوات متعددة، تتنازع تمثيل الحقيقة، وتُدخل القارئ في لعبة تأويلية مفتوحة.

في هذا السياق، برزت تحولات عميقة على مستوى الزمن الروائي، إذ لم يعد الزمن خطًا مستقيمًا يتجه من الماضي إلى الحاضر، بل أصبح زمنًا متشظيًا، تتداخل فيه الاسترجاعات والاستباقات، وتتقاطع فيه الأزمنة الذاتية مع الأزمنة التاريخية. هذا الانكسار في الزمن يعكس، في جوهره، وعيًا جديدًا بالوجود، حيث لم يعد الإنسان قادرًا على إدراك العالم في كليته، بل يعيش في حالة من التمزق بين الذاكرة والتجربة، بين ما كان وما يمكن أن يكون.

أما على مستوى الشخصية، فقد تراجعت صورة البطل المتماسك، لتحل محلها شخصية قلقة، مهشمة، تعاني من اغتراب وجودي وهوياتي. لم تعد الشخصية مركزًا للثبات، بل غدت كيانًا متحولًا، يعكس هشاشة الذات في عالم متغير. وغالبًا ما تتوزع هذه الشخصية بين ذوات متعددة، أو تتلاشى في خطاب داخلي يكشف عن تصدعاتها النفسية، مما يجعلها أقرب إلى تمثيل رمزي لحالة إنسانية عامة.

اللغة بدورها لم تسلم من هذا التحول، إذ انتقلت من وظيفتها الإبلاغية إلى وظيفة جمالية وإيحائية، حيث أصبحت اللغة فضاءً للتجريب والانزياح، تُراوغ المعنى بدل أن تُثبّته، وتفتح النص على احتمالات دلالية متعددة. وقد أدى هذا إلى ظهور كتابة روائية تتسم بالكثافة والالتباس، تتطلب قارئًا فاعلًا، قادرًا على تفكيك شفراتها والانخراط في إنتاج معناها.

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن السياقات الثقافية والاجتماعية التي أنتجتها، إذ تعكس الرواية المعاصرة تحولات عميقة في بنية المجتمع، من قبيل تسارع التغيرات، وتفكك المرجعيات، وصعود أسئلة الهوية والمنفى. في هذا الإطار، يغدو الخطاب الروائي فضاءً لمساءلة الذات والآخر، ولتفكيك السرديات الكبرى التي كانت تؤطر الوعي الجمعي، مما يجعل الرواية أداة نقدية بامتياز، تكشف عن تناقضات الواقع وتعيد تشكيله رمزيًا.

إن تحولات الخطاب الروائي في السرد المعاصر لا تعني القطيعة التامة مع الماضي، بقدر ما تشير إلى إعادة توظيفه داخل أفق جديد، حيث تتداخل الأجناس، وتتقاطع المرجعيات، ويُعاد بناء النص بوصفه كيانًا مفتوحًا على التأويل. وهكذا، لم تعد الرواية مجرد مرآة تعكس الواقع، بل صارت مختبرًا لتفكيكه وإعادة تركيبه، في ضوء رؤية جمالية وفكرية تتسم بالقلق والانفتاح.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن الخطاب الروائي المعاصر قد انتقل من اليقين إلى الشك، ومن الوحدة إلى التعدد، ومن الاستقرار إلى التحول، وهو انتقال يعكس، في عمقه، تحولات أوسع تطال بنية الفكر والوجود معًا. ومن ثم، فإن فهم هذه التحولات يظل رهينًا بمقاربة نقدية قادرة على استيعاب تعقيد النص الروائي، والانفتاح على تعددية دلالاته، بما يسمح بإدراك الرواية المعاصرة بوصفها خطابًا حيًا، يتشكل باستمرار في قلب التحولات الثقافية والإنسانية.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

مقاربة نقدية موسّعة في بنية الشعر والرؤيا عند. د. علاء عبد الهادي

تُعدّ قصيدة "تجريد الأغاني" نصاً شعرياً مركّباً يتداخل فيه البعد الغنائي مع النزعة التجريدية، بحيث لا يعود الغناء صوتاً خارجياً، بل يتحوّل إلى بنية شعورية داخلية تتشظّى بين الذاكرة والوجد واللغة. ومن هنا، فإنّ مقاربة النص تقتضي النظر إليه بوصفه نصاً مفتوحاً، تتعدد فيه طبقات المعنى، وتتفاعل فيه اللغة مع الرؤية، والصوت مع الدلالة.

أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يتكئ النص على لغة فصيحة متينة، تمتح من المعجم الكلاسيكي، وتستعيد روح البيان العربي القديم، كما يظهر في تراكيب من قبيل:

"لا تعتب القلب في عشق بليت به"

"وارم الشقاء على خطو الوصال"

 نلاحظ: سلامة نحوية عالية مع ميل إلى التقديم والتأخير.

حضور الأسلوب الإنشائي (الأمر والنهي)، مما يضفي طابعاً تأملياً إرشادياً.

اعتماد الانزياح البلاغي، مثل: "أنصت بعينك" (مزج الحواس).

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة هنا ليست مباشرة، بل مكثفة ومشحونة بالدلالة:

الألفاظ منتقاة بعناية (الوصال، المهجة، النأي، الحشا).

هناك توازن بين جزالة اللفظ ورهافة المعنى.

غير أن: بعض التراكيب تميل إلى التكلف الكلاسيكي، مما قد يخلق مسافة مع القارئ الحديث.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

القصيدة تقوم على إيقاع عمودي تقليدي (بحر وقافية موحّدة غالباً)، مما يمنحها:

- وحدة موسيقية واضحة

- جرساً متماسكاً

كما يظهر: التكرار الصوتي (الحروف المهموسة واللينة) لخلق نغمة وجدانية.

موسيقى داخلية قائمة على التوازي والتركيب المتوازن.

ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النص ليس سردياً، بل:

يقوم على تدفّق وجداني

يتنامى عبر مقاطع شعورية متعاقبة

الشخصية المركزية:

- ذات عاشقة متأملة، تتحرك بين:

الحضور/الغياب

اللذة/الألم

٢. الرؤية الفنية

الرؤية هنا رومانسية- تأملية:

- الحب ليس تجربة حسية فقط، بل مسار وجودي.

- المرأة تتحول إلى رمز كوني للجمال والامتلاء.

٣. الانزياح الجمالي

يتجلى في:

- تشخيص المجرد (النور يمضي بها)

- تجريد المحسوس (المهجة الورقاء)

 النص ينجح في خلق دهشة جمالية، لكنه أحياناً يقع في تكرار الصور التقليدية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري.

النص يطرح أسئلة ضمنية:

هل الحب خلاص أم عذاب؟

هل الجمال امتلاك أم فقد؟

٢. الأفق المعرفي

يتكئ على:

- التراث الشعري العربي (الغزل العذري والعباسي)

- نزعة صوفية خفيفة (الذوبان في المحبوب)

٣. البنية التأويلية (الهيرمينوطيقا)

النص قابل لقراءات متعددة:

- قراءة عشقية مباشرة

- قراءة صوفية (المحبوب يساوي المطلق)

- قراءة نفسية (المرأة تساوي إسقاط للذات)

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. السياق

ينتمي النص إلى:

شعر عربي معاصر يستعيد العمود الكلاسيكي بروح حديثة

٢. تطور النوع

يقع في منطقة وسطى بين:

الشعر العمودي التقليدي

والانزياح الحداثي في الصورة

٣. العلاقة بالتراث

واضحة من خلال:

المعجم

الصور البلاغية

البناء العروضي

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

- الحنين

- التوتر العاطفي

- التذبذب بين اللذة والألم

٢. النبرة النفسية

نبرة مركبة:

- وجد

- شجن

- نشوة مؤقتة

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص لا يشتبك مباشرة مع المجتمع، لكنه:

يعكس فردانية رومانسية

ينتمي إلى خطاب الذات العاشقة المنعزلة

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

النور - المعرفة/الانكشاف

العين - الرؤية/ الوعي

الطريق - المسار الوجودي

٢. الثنائيات

حضور / غياب

قرب / نأي

عري / احتجاب

ثامناً: الأسس المنهجية

النص يسمح بتطبيق:

١- المنهج الأسلوبي

٢- المنهج النفسي

٣- المنهج التفكيكي

وهو نص غني بالقرائن الداخلية، مما يدعم قراءة علمية موضوعية.

تاسعاً: البعد الإنساني والجمالي

- يحتفي النص بالحب كقيمة إنسانية عليا

- ينفتح على تأويلات متعددة

- يلامس التجربة الإنسانية في بعدها العاطفي العميق

عاشراً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى في:

وصف الجسد (القدّ، النهد)

لكن بصورة مواربة جمالية لا فجّة الإيروتيكية هنا: - ليست جسدية خالصة - بل ممزوجة بالوجد والرمز

الحادي عشر: النقد الاحتمالي (قراءة مفتوحة)

وفق هذا المنهج: النص ليس معنى واحداً، بل شبكة احتمالات:

١- نص غزلي تقليدي

٢- نص صوفي (المحبوب = المطلق)

٣- نص نفسي (تفكك الذات)

٤- نص جمالي عن اللغة نفسها (تجريد الأغاني يساوي تفكيك التعبير)

 المعنى هنا لا يُستخرج، بل يُنتَج عبر القراءة.

ثاني عشر: قراءة صرفية نحوية

هيمنة الجمل الفعلية - ديناميكية الشعور

كثرة الأفعال المضارعة - الاستمرارية

حضور الضمائر - مركزية الذات

كما يظهر: استعمال التراكيب الكلاسيكية (المصدر، النعت، الحال)

ميل إلى التراكيب المتوازية

خاتمة:

قصيدة "تجريد الأغاني" نصٌّ يجمع بين الوفاء للتراث والانفتاح على التجريد، ويقدّم تجربة شعرية قائمة على تحويل الغناء من صوت خارجي إلى بنية داخلية.

وإذا كان النص ينجح في:

١- بناء لغة متينة

٢- خلق إيقاع موسيقي واضح

٣- إنتاج صور جمالية

فإنه، في المقابل:

يظلّ أسيراً جزئيًاً للمعجم التقليدي

ويحتاج إلى مزيد من المغامرة الحداثية في الصورة والرؤية

ومع ذلك، يبقى نصاً غنياً، مفتوحاً، قابلاً لإعادة القراءة، حيث لا يُختزل في معنى، بل يتكاثر في أفق احتمالي لا نهائي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

تجريد الأغَانِي

لا تَـعْتـِبِ الْقَـلْبَ فِي عِشْقٍ بُلِيــتَ بِـهِ

أو تــَأْسَـــفَــنَّ لِـحُـبٍّ بَـعَــدَ مَا ذَهَــبَـا

*

وَارْمِ الشَّقَاءَ عَلَى خَطْوِ الوِصَالِ وَكُنْ

مِثـْـلَ الهَواءِ خَـفِـيفاً، طَـلَّ أو شَـغـَبـَا

*

يَــا مَنْ شَـهـِدْتَ مِنَ العُـشَّـاقِ آهَتَهُمْ

أنْصِتْ بِعَيْنِــكَ لا تُـنْصـِتْ لِمَـنْ غَـرَبَا

*

وَامْتَحْ مِنَ الشِّعْرِ قَدْ تَحْنُو مَحَاسِنُهَا

واثـْـبُـتْ حَـسيـِـباً لِـحُبٍّ بَعْـَدمَا خَلـَـبـَا

*

هَـلْ كُنْتُ أبْحَثُ عَنْ حِضنٍ ألُوذُ بِهِ

فِي مُـقْـلَـتَـيِهَـا، لـكَيْمَا أتْـرُكُ الهَــرَبَا!

*

يَوْمَ اللِقَـاءِ وَكَـانَ البَـدْرُ مُحْتَـشِـمًا

فِـي حَضْرَةِ المُرتَجـَى يَحْيا وَلا عَجَبَا

*

تَــفِــرُّ مِـنِّي قـَـلِـيـلاً ثـُـمَّ تَـشْـتَـعِـــلُ

كَي تَفْـتَحَ الْـمُهْجَةَ الوَرْقَاءَ والنَّصَـَبَـا

*

أنَا الْمَـشَـاءُ بلى أُغْرَى بِفِــضَّـتـِهَـا

بـالْـقـدِّ لَــمَّا اسْتَــوَى، بَالنَّهدِ حِينَ قَبَا

 *

حِينَ ارْتَحَلْتُ إِلَى وَجـْــدٍ لأنْـسُجـَـهُ

حَـتّى يُعَـايِـنَ نِـنُّ العَـيْـنِ مَـا ارْتَـقـَـبَــا

*

يَمْضِي بِهَا النُّورُ تُرضِيهِ وَتُطْـلِقــُهُ

فِي الـدَّرْبِ يَحْـمـِلُـنِي نـَأْيًـا وَمُقْـتَـرَبـَا

*

يَسْرِي لَهَا الْحُسْنُ أنْـوارًا لِيَشْمَـلَهَـا

تَـغـْشَـى بـِهِ العَـيْنَ عُرْيَانًا وَمُنْـتَـقـَـبَـا

*

مَـا أَطْيَبَ الْعِـشْـقَ فِيهَا حِينَ أَبـْذُلُـهُ

بـَلْ حِينَ أَحْتَالُ، أوْ يَخْـتَالُ مَنْ طـَلَبَا

*

عُـذِّبْـتُ فِيهَا غَرَامـاً كَـمْ أَحِـنُّ لَـهَـا

مِثْلُ الرَّغَامِ يُنَـادِي الْـمَاهَ وَالسُّـحـُبـَـا

*

مَـنْ ذَا يُـريـحُ فُؤَادًا مِـنْ مَحَـبَّـتِـــهِ

أَوْ مِنْ جَمَالِ حضورٍ فِي الحَشَا نَشَبا

*

بَـْينَ الطَّرَائِقِ ظِـلِّي فَاسْـتَـمِلْـتُ لَـهُ

جِسْمِي، فَعُدتُ.. إَلـَى أحْضَانِهَا، فَرَبَا

*

كــَانَـتْ تؤانِسُـنَي والْـفَرْحُ ثَالِـثُـنَـا

مَا أشْرَقَ الصُّبْحُ أوْ أمْسَى الَّذِي لَغـَبـا

*

فَـكَـمْ تـَرَكـْتُ رَمَـادِي فِـي مَحَبَّـتِهـَا

وَالعِـشْـقُ لَـمْ يَـمْحُ أَشْوَاقًا، وَلا عَطـَبَـا

*

طُوبَى لِقَلْبَيْنِ مِنْ هَجْـرٍ وَمـِنْ أَرَقٍ

مَـازِلـْتُ أَهْـوَى زَمَـانًـا قـَـلـَّـمَا وَهَـبــَا

*

فَالْحُـبُّ يُـهْـدِي نَـوَالاً إن أرادَ بـِنَـا

خَـيـْـراً رَوَانَا، وَشَـرًّا إنْ نَـوَى تَـعَـبــَا

***

بقلم: د. علاء عبد الهادي

هل يستطيع الكاتب أن يخلق من المعارف العلمية خيالا؟ وهل للفنتازيا منطق ان هي اقترنت بالعلم؟ ام إن تداخل المحسوس والملموس من شأنه أن يخلق في مفهومنا مجالا موحّدا نسمّيه فنتازيا واقعية؟

ان القاء نظرة استكشافية على أبطال الرواية التي بين أيدينا وأحداثها قد لا يكفي لتصنيفها عندما نكتشف اننا نمشي على حبل معلق في الفضاء او على ارض زلوق، نحس بأن الأبطال، وهي خلايا الجسم، تحيا وتتحرّك على أرض الواقع ولكننا لا نراها بالعين المجرّدة فنكتفي بتخيّلها، وكذلك الأعضاء، لا يقدر على رؤيتها وهي تنبض بالحياة الا الجرّاح الذي يباشر عليها عملياته. وحتى ليلى، الامرأة التي يذكرها النص في أكثر من موضع، أليست المرأة الأسطورية في المخيال العربي؟

في هذه الورقة محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة.

قلت سابقا في رواية الظّل للمولدي فرّوج "إن من لم يقرأها مات بلا خيال". وكنت أعتقد أن المولدي فرّوج وصل في تلك الرّواية العلميّة الى حدود عالية جدّا من الخيال المتفرّع عن الواقع. وها أنا أقف مشدوها أمام رواية " محاكمة نطاف" التي صدرت أخيرا للكاتب الدكتور، فقد قلبت الموازين في نظري وجعلتني أتساءل إمّا أن يكون خيال هذا الرّجل لا حدود له كلّما كتب الرّواية، أو إن للشّعر تأثيرا كبيرا عليه باعتباره عصارة خيال.2629 almawldi

 تبدو الرواية في الظّاهر مأخوذة من الواقع بل وصفية أحيانا، تؤكد لنا ذلك أحداثها التي تدور بين قفص الاتهام ومصطبة القضاء فيبدو مضمونها صورة منقولة لما يدور بين خلايا الجسم الواحد. وكم أحسن الكاتب استغلالها ليقدّمها لنا في شكل نصّ شيّق وممتع. لكأننا نسمع تصاريح الناس الذين يقطنون هذا الوطن المسيج بالجلد فنتفاعل إيجابا مع الكاتب ونشاركه في تخيّل النّصّ.

يشدّك العنوان ويرجّك رجّا جميلا حتى تنطق سائلا: كيف يمكن أن تحاكم الخلية المنوية (النّطاف)؟ وما هي التهمة التي تقاد من أجلها الى المحاكمة كلّما نضجت وصارت قادرة على القيام بواجبها الذي خلقت من أجله؟

سأكتفي بكتابة انطباعي الأولي أو قراءتي الأولية لهذه الرّواية علّني أنصفها وأنصف كاتبها، فأنا قارئ إيجابي أسعى دائما الى التفاعل بعشق مع النّصّ الجيّد. ولعلّي صرت أهذي اعجابا وأصرّح انها رواية شيّقة، رواية طريفة، رواية عجيبة او رواية ذكيّة. وأسأل هل هي رواية من الخيال العلمي أم هي من الفنتازيا الواقعية؟ لا أجد كلمة واحدة يمكنها اختزال هذه الصّفات والالمام بكل هذه النعوت لأن الرواية أكبر من كل هذا سواء من ناحية طرافة الموضوع او حلاوة الحكي وغرابة الشخصيات او مكان الاحداث وزمانها. فوقائعها تدور بصفة مسترسلة في مكان يشبه كل الأمكنة، إنه جسم الانسان الذي يمثل الوطن الشاسع بحدوده الجلدية المرسومة بكل عناية والتي ما تنفكّ تتمدّد وتتمطّط من أجل أن تسع سكّانها الذين يعدّون بالمليارات.  المواطنون هم مجموعة الخلايا يدير شؤونهم رئيس من نفس القطيع، انه النيرون أو الخليّة الدماغية، أكبر الخلايا وأطولها عمرا، كما يعلمنا الرّاوي بذلك. لم ينتخبه أحد ولم تتساءل الخلايا عمّن ولّاه خوفا من ملامسة الكفر كما يقول الكاتب (النيرون). وتلك حدود الشكّ لا يقربها البسطاء والخوّافون. النّيرون لم يجد ما يمنع به الخلايا من السؤال سوى ادّعاءه أن يدا خفيّة وضعته على كرسيّ العرش وأوكلت اليه مهمّة رعاية القطيع. لذلك سارع منذ تولّيه شؤون الوطن بتكوين ما سمّاه مجلس النبلاء وهو عبارة عن مجلس وزاري كوّنه من بعض الأعضاء الهامّة في الجسم. أما بقية الخلايا فهي تمثّل عموم الشّعب وتؤدّي مهمّتها ثم تمشي الى حتفها فتُسحل في بعض الأماكن من الجسم وينكّل بجثثها لتسحب منها العناصر التي قد تصلح لتكوين الخليّة المعوّضة. عليّ أن أصدّق كلّ هذه الأمور العلمية لأفهم الرّواية وأستمتع بها. وعليّ أن أعترف بأن للمنطق فنتازيا. 

تبدو هذه الشخصيّات منضبطة في القيام بمهامها التي خلقت من أجلها، مهامّ حقيقية، واقعيّة، يراها الانسان بالعين المجرّدة (في خياله) فيشعر أنه بصدد مشاهدة فِلْم أو مسرحية. الاحداث الاساسية للرّواية من وضع خيال الكاتب مما لا شكّ فيه، ولا نستعرب من ذلك فالروائي طبيب يعرف جيّدا كيف تعمل مختلف الأعضاء داخل الجسم والطريقة التي تؤدّي بها الخلايا دورها في الحياة ويعرف بالتالي كيف يبني احداث روايته من هذه الأدوار التي تمثل الحركة الدائمة لكلّ عنصر وجعل بين الخلايا علاقات اجتماعية مشابهة للعلاقات التي تربط بين افراد أي مجتمع. بنى روايته على المنطق الذي يوفّره له العلم وتحديدا علم الطّبّ. لذلك حوّم بنا وطوّف في الخيال بأجنحة المنطق لتكون روايته فنتازيا من صلب المنطق إن صحّ التعبير.

لقد تعوّدنا على قراءة قصص وروايات سمّيناها روايات الخيال العلمي وجعلنا لها، نحن القراء والنقاد، ضوابط وشروطا تحدّد مجالها وتمنحها خصوصيّتها، واتفقنا على أن هذا النّوع من الكتابات ينطلق من خيال الكاتب ويحلّق به في فضاء الاحتمال والمحسوس ليحطّ به وبنا على أرض الواقع وفي عالم الملموس فيصبح الأمر حقيقة. وقد تتطوّر هذه الحقيقة الى تطبيق للتصوّر الذي جاء به النّصّ فيعطينا ثماره شكلا مبتدَعا جديدا قد يكون صناعة أو قاعدة علمية." كلّ الاختراعات الكبرى بدأت بحلم أو بسؤال بسيط وساذج أحيانا". أما في هذه الرّواية: محاكمة نطاف فإن المولدي فرّوج قلب المعادلة وأصاب، واتخذ من معارفه الطبية ومن مكاسبه العلمية مجالا ملائما لإنجاز روايته بشخوصها وأحداثها فكانت النّهر والرّوافد وكانت الموقد والجمرات وكانت العناصر والهيكل    وكانت السّبب والنّتيجة وكانت الصّلصال الذي صاغ منه الخرافة والخيوط التي نسج منها لوحات متكاملة نصبها في خيال القارئ والنّاقد بلغة سلسة وبألفاظ مختارة.

فهل نجح المولدي فرّوج الطبيب فيما لم يسبقه اليه المولدي فروج المبدع؟ بكل صراحة أقول نعم. قلب الموازين وأعاد اتزان الرواية وبنى لها خيمة في الخيال فأبدع واقنع.

بنى الكاتب روايته عن شكوى يتقدم بها أعضاء مجلس النبلاء الى النيرون باعتباره اعلى سلطة في الجسم، يتهمون فيها النّطاف (الخلية المنوية) بالخيانة العظمى متمثّلة في جمعه للمادة الوراثية التي ينتجها الجسم. يبادر هذا النّطاف بحمل المخزون الجيني والهرب به لزرعه في جسم غريب هو رحم ليلى (اختارها الكاتب لأنها تمثّل المرأة المرجعية في المخيال العربي) متواطئا مع البويضة التي تستقبله في مناخ من البهجة. ولكنّ النّطاف المتّهم يدّعي أنه المسؤول الأوحد على التواصل البشري لتعمير الأرض و أنّ مسؤولية التكاثر البشري على سطح المعمورة تعود اليه وحده.

لم يجد النّيرون إمكانية التّهرب من مسؤوليته فأعضاء المجلس صادقوا على قانون الخيانة العظمى و أوعزوا الى شعب الخلايا بالتحرّك لمناصرتهم فانطلقت الاحتجاجات و كثرت المظاهرات وهرول شاهدو الزور و المتطفّلون، كل يصيح بالحرص على عدم الإفلات من العقاب و على ضرورة محاربة الفساد و دعوا الرئيس الى الوقوف بحزم والضرب على ايدي المهرّبين فاضطر الرئيس ( النّيرون) الى تكوين محكمة و تعيين قضاة وتكليف محامين لم يرغب النطاف في تعيينهم لأنّه يعتقد راسخا ان الحقيقة واضحة لا تحتاج الى مهمّة الدفاع بل و يذهب ابعد من ذلك فيطالب بتسليط أقسى درجات العقاب على نفسه نكاية في الاخرين.

***

الياس قعلول

مرسيليا ( فرنسا) في 4/4/2026

قصيدة الشاعر المناصرة بوصفها نصّاً شعريّاً كثيفاً، تتقاطع فيه مستويات اللغة بالتاريخ، وتتجاور فيه الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية، ضمن بنية رمزية مفتوحة تستدعي التراث العربي القديم وتعيد إنتاجه في سياق معاصر مثقل بالتراجيديا. فالشاعر لا يستحضر شخصية زرقاء اليمامة بوصفها أسطورة ماضوية فحسب، بل يعيد توظيفها كوعي استباقي مأساوي يرى الكارثة قبل وقوعها، دون أن يجد من يصدّق نبوءته، فيتحول النص إلى مأساة إبصارٍ لا يُنقذ.

تنبثق أهمية هذه القصيدة من كونها تمثّل نموذجاً مركّباً للشعر العربي الحديث، حيث تتداخل البنية السردية مع الغنائية، ويتحوّل الصوت الشعري إلى شاهدٍ على العنف التاريخي والاقتلاع الوجودي. ومن هنا، فإنّ مقاربة هذا النص لا يمكن أن تقتصر على قراءة سطحية أو تأويل أحادي، بل تستدعي منهجاً نقدياً متعدّد المستويات، يستحضر الأبعاد اللغوية والبلاغية، والجمالية والفنية، والفكرية والفلسفية، فضلاً عن السياقات التاريخية والثقافية والنفسية والاجتماعية التي يتغذّى منها النص.

إنّ هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك البنية النصّية للقصيدة عبر جملة من المقاربات المنهجية، تبدأ بتحليل سلامة اللغة وبنية الأسلوب، وما تنطوي عليه من انزياحات دلالية وتركيبية، ثم تنتقل إلى استكشاف الإيقاع والمعمار الصوتي بوصفهما حاملين خفيين للدلالة، قبل أن تغوص في البنية الجمالية والرؤية الفنية التي تشكّل أفق النص الإبداعي. كما تتوسّع القراءة لتشمل البعد الفكري والفلسفي، عبر الكشف عن الأسئلة الوجودية والرمزية التي يطرحها النص، وصولاً إلى تحليل طبقاته العميقة وفق مقاربة هيرمينوطيقية تستنطق المسكوت عنه.

ولا تقف هذه الدراسة عند حدود التحليل البنيوي، بل تنفتح على الأبعاد النفسية والسوسيولوجية والسيميائية، لرصد التوترات الداخلية للنص، وتمثلاته للواقع الاجتماعي، وشبكة علاماته الرمزية. كما تعتمد — في إطارها النظري — على ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على إمكانات متعددة من المعنى، بحيث لا يُختزل في قراءة واحدة، بل يُعاد إنتاجه باستمرار عبر تفاعل القارئ مع بنيته وسياقه.

ومن هذا المنطلق، تغدو قصيدة "زرقاء اليمامة" فضاءً تأويلياً رحباً، تتجاور فيه الحقيقة والرمز، والتاريخ والأسطورة، والواقع والحلم، لتؤسّس خطاباً شعرياً يقاوم النسيان، ويستبقي الذاكرة حيّة في وجه العدم.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم اللغة في نص "زرقاء اليمامة" للشاعر عز الدين المناصرة على بنيةٍ سليمة من حيث التراكيب النحوية والصرفية، غير أنّ هذه السلامة لا تعني الجمود، بل تُخترق بانزياحات مقصودة تُعيد تشكيل العلاقة بين الدال والمدلول. فالأسلوب هنا ليس تقريرياً، بل إيحائيّاً، يعتمد على تفجير الطاقة الكامنة في المفردة عبر إخراجها من سياقها المألوف.

نلحظ، على سبيل المثال، قوله:

"تتدلّى أشجارُ التين على الحيطان الشرقية"

فالتركيب سليم نحوياً، لكنّ الفعل "تتدلّى" يُحمّل الأشجار بعداً حركياً إنسانياً، ويمنح المكان حياةً نابضة، في حين تتحول "الحيطان الشرقية" إلى فضاءٍ رمزي مشحون بالإحالة إلى الشرق بوصفه موطن الذاكرة والجراح.

كما تتكثف الانزياحات في قوله:

"الأشجار تسير على الطرقات كجيشٍ محتشد"

حيث تنتقل الأشجار من كونها عناصر طبيعية ساكنة إلى كائنات متحركة، ذات إرادة جماعية، وهو انزياح تشخيصي-استعاري يعكس توتر الواقع، ويؤسس لصورة كارثية تتجاوز الحسّ المألوف.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

يتحقق التوازن بين اللفظ والمعنى في النص عبر اقتصاد لغوي دقيق، حيث تتجنّب القصيدة الترهل اللفظي، وتعتمد على مفردات مألوفة في ظاهرها، لكنها مشحونة بدلالات عميقة. فالألفاظ مثل: التين، التوت، البئر، السكاكين، الراية، تبدو بسيطة، لكنها تتحول داخل السياق إلى علامات رمزية.

اللغة ملائمة تمامًا لموضوعها؛ فهي تتراوح بين البراءة (الطفولة، الحلم) والعنف (المجزرة، النحر)، مما يخلق توترًا دلاليًا يعكس مأساة التجربة.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

ينتمي النص إلى شعر التفعيلة، حيث يتحرر من القافية الموحدة، لكنه يحافظ على موسيقى داخلية قائمة على:

التكرار: "في اليوم التالي يا زرقاء"

التوازي التركيبي: "مرّ الليل، مرّ الليل يا زرقاء"

التدوير الإيقاعي بين الأسطر

هذا التكرار لا يؤدي وظيفة موسيقية فحسب، بل يرسّخ الإحساس بالتراجيديا الزمنية، وكأن الحدث يعاد إنتاجه بلا نهاية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص

النص ذو طبيعة سردية-شعرية؛ إذ يتداخل فيه السرد مع الغنائية. يبدأ بمشهد طفولي (الدرس، الشمس، التين)، ثم يتصاعد نحو الكارثة (المجزرة، اقتلاع العين)، ثم ينتهي إلى وعي مأساوي.

يمكن تقسيمه إلى ثلاث حركات:

البراءة الأولى (الطفولة/الحلم)

الانكشاف الكارثي (الرؤية/المجزرة)

الوعي المتأخر (الندم/الذاكرة)

٢. الرؤية الفنية

تقوم الرؤية على ثنائية:

الإبصار / العمى

التحذير / التكذيب

فالشخصية المركزية المستلهمة من زرقاء اليمامة تمثل الوعي الذي يرى الحقيقة، لكن الجماعة ترفض تصديقه، مما يحوّل الرؤية إلى لعنة.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

تكمن جمالية النص في قدرته على دمج الأسطورة بالتاريخ، وتحويل الواقعة السياسية إلى بنية رمزية. فالمجزرة ليست حدثاً عابراً، بل هي نموذج متكرر في الوعي الجمعي.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة عميقة:

لماذا لا يُصدَّق من يرى الحقيقة؟

هل المعرفة نعمة أم لعنة؟

ما جدوى الوعي إذا كان عاجزًا عن التغيير؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

التراث العربي (الأسطورة)

التاريخ الفلسطيني (الاقتلاع/المجزرة)

الحداثة الشعرية (تفكيك السرد التقليدي)

٣. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

يمكن تأويل النص على مستويات:

مستوى تاريخي: إشارة إلى النكبة/العنف

مستوى رمزي: صراع الوعي مع الجماعة

مستوى وجودي: مأساة الإنسان العارف

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي النص إلى سياق عربي مأزوم، حيث تتكرر الهزائم، ويُقصى الصوت التحذيري.

٢. تطور النوع الأدبي

يمثل النص تطورًا في الشعر العربي الحديث، حيث:

يتجاوز الغنائية الخالصة

يمزج السرد بالشعر

يوظف الرمز والأسطورة

٣. التفاعل مع التراث

يستعيد الشاعر أسطورة زرقاء اليمامة، لكنه يعيد تأويلها لتصبح رمزًا معاصرًا.

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

تتراوح بين:

الحنين

القلق

الفاجعة

الشعور بالذنب الجمعي

٢. النبرة النفسية

نبرة النص مأساوية، تتصاعد نحو الذروة في مشهد اقتلاع العين، وهو رمز لقتل الرؤية.

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

النص يكشف:

عجز الجماعة عن الإصغاء

هيمنة العنف

تواطؤ الصمت

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

التين/التوت: الخصوبة والحياة

البئر: العمق/الموت

العين: الوعي

الراية: السلطة

٢. الثنائيات

الحياة / الموت

الرؤية / العمى

البراءة / العنف

ثامناً: الأسس المنهجية

تعتمد الدراسة على:

المنهج الأسلوبي

المنهج الرمزي

المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)

النقد الاحتمالي

تاسعاً: النقد الاحتمالي (شبكة المعاني الممكنة)

وفق هذا المنهج، لا يُختزل النص في معنى واحد، بل ينفتح على احتمالات:

قد تكون "زرقاء اليمامة" رمزاً للمثقف

أو للمرأة/الأرض

أو للضمير الجمعي

المعنى هنا يُنتَج عبر التفاعل بين النص والقارئ.

عاشراً: البعد الإيروتيكي

يظهر البعد الإيروتيكي بشكل خفي، عبر:

رمزية الخصوبة (التين، التوت)

العلاقة بين الجسد والأرض

لكنه ليس إيروتيكية جسدية، بل إيروتيكية وجودية مرتبطة بالحياة والموت.

خاتمة:

إنّ نص "زرقاء اليمامة" ليس مجرد قصيدة، بل بنية رمزية مفتوحة، تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتطرح سؤالًا إنسانيًا دائمًا:

هل يكفي أن نرى الحقيقة… أم يجب أن نجد من يصدّقها؟

وهكذا، يتحول النص إلى مرآة للوعي المأساوي، حيث تكون الرؤية عبئًا، والذاكرة جرحًا لا يندمل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

زرقاء اليمامة

"تتدلَّى أشجارُ التين على الحيطان الشرقيةْ

نتلقى الدرس الثاني،

تحت الشمس الصاحية النيسانيَّةْ

نكْبرُ، نهجر ساحةَ شيخِ الحانوتْ

نحلم بالشرنقة المنسوجة من أوراق التوتْ

لكنْ يا جفرا الكنعانية

قلتِ لنا إنّ الأشجار تسيرُ على الطرقاتِ،

كجيشٍ مُحتشدٍ تحت الأمطارْ

أقرأ أشجاري، سطراً سطراً، رغم التمويةْ

لكنْ يا زرقاء العينين ويا نجمةَ عتمتنا الحمراءْ

كنا نلهث ﻓﻲ صحراء التيهْ

كيتامى منكسرين على مائدة الأعمامْ

ﻭﻟﻬﺬﺍ ما صدَّقكِ سوايْ:

تخبأتُ ﻓﻲ عُبّ داليةٍ، ﺛﻢ شاهدتُ من فتحة ضيقةْ

سكاكينهمْ ... والظلال

ﺛﻢ شاهدتُ مجزرةً لُطّختْ بالرمالْ

وشاهدتُ ما لا يقال

كان الجيشُ السفّاحُ مع الفجرْ

ينحر سكانَ القريةِ ﻓﻲ عيد النحرْ

يُلقي تفّاح الأرحام بقاع البئرْ.

رفَّتْ عيني اليُسرى ... شبّتْ نارْ

ورأيتك ﻓﻲ الصورةِ تحت التوتةِ ﻓﻲ قلعِ الدارْ

إلفُكِ مدَّ جناحيه، توارى، غابْ

ينقش أشعار الحزن على تفّاحةْ

يأتي العفن المزمن يا زرقاء

يمحو من ذاكرتي صُوَرَ الأحباب.

ﻓﻲ اليوم التالي يا زرقاء

قلعوا عين الزرقاء الفلاّحة

ﻓﻲ اليوم التالي يا زرقاء

خلعوا التينَ الأخضرَ مِنْ قلبِ الساحة

ﻓﻲ اليوم التالي يا زرقاء.

ومرَّ الليلُ، مرَّ الليلُ يا زرقاءُ،

كنَّا نرقبُ الأسحارْ

نصوغ قصائدَ العنبِ المُعرّشِ ﻓﻲ روابينا

ونكتبُ أصدق الأشعارْ

ونزرع ﻓﻲ رفوف الدارْ

فسيلاتٍ ، تَمُدُّ العُنْقَ،

تحضنُها سواقينا

نَبُلُّ الريقَ، يُطفي بعضُنا جوعَهْ

ولكنّا،

ولكنّا،

نسينا أن عين الحلوة الزرقاء مخلوعة

وأن الراية الأولى على الحيطان ممنوعة !

وأن الراية الأخرى على الأسوار مرفوعة !"

***

عز الدين المناصرة

قراءة وجدانيّة في قصيدة شُعْلَةُ الْمِصْبَاحِ للشاعر عبد الناصر عليوي

إِنِّــي أُحِـبُّـكِ رَغْــمَ كُــلِّ جِـرَاحِي

رَغْـمَ الصَّعَائِبِ فِي طَرِيقِ كِفَاحِي

مَـا زِلْـتُ أَحْـمِلُ فِـي الْـفُؤَادِ مَـوَدَّةً

وَأُخَـبِّـئُ الْأَشْـوَاقَ تَـحْتَ جَـنَاحِي

*

أَخْـشَى عَـلَيْكِ مِـنَ الـضِّيَاءِ إِذَا دَنَا

وَمِـنَ الـنَّدَى عـن خَـدِّكِ الـتُّفَّاحِي

*

قَدْ كَانَ حُبُّكِ كَالرَّحِيقِ عَلَى فَمِي

كَـالْـقَهْوَةِ الـسَّمْرَاءِ عِـنْدَ صَـبَاحِي

*

إِنْ غِـبْـتِ، يَـكْـفِينِي دُعَـاءٌ خَـافِتٌ

يَــسْــرِي إِلَــيْــكِ كَـنَـفْـحَةِ الْأَرْوَاحِ

*

حُـبِّي لَـكِ الـطُّهْرُ الَّـذِي لَا يَـنْثَنِي

وَالْـعُـمْـرُ بَــعْـدَكِ قَــرْيَـةُ الْأَشْـبَـاحِ

*

سَـيَـظَلُّ حُـبُّـكِ مُـلْـهِمًا لِـقَصَائِدِي

زَيْـــتَ الْـحَـيَاةِ لِـشُـعْلَةِ الْـمِـصْبَاحِ

*

وَأَرَى مَــلَامِــحَـكِ الْـبَـرِيـئَـةَ آيَــــةً

تَـتْـلُو الْـيَقِينَ عَـلَى دُرُوبِ روَاحِـي

*

وَأَعُـــدُّ خُـطْـوَتَـكِ الْـقَـرِيبَةَ مَـوْعِـدًا

يُحْيِي الرُّجُوعَ إِلَى صَمِيمِ نَجَاحِي

*

لَا أَبْـتَـغِي مِـنْـكِ الْـحُضُورَ مُـجَاهَرًا

يَـكْفِي اخْـتِبَاءُ الـظِّلِّ فِي إِيضَاحِي

*

أَنْـتِ الـسُّكُونُ إِذَا تَـلَجْلَجَ خَـافِقِي

وَنَـشِيجُ صَمْتِي فِي ذُرَى أَفْرَاحِي

*

أَنْـــتِ الْـيَـقِـينُ إِذَا تَـكَـاثَفَ شَـكُّـنَا

وَالْـمَـاءُ إِنْ جَــفَّ الْـحَـنِينُ بِـرَاحِي

*

أَمْـشِـي إِلَـيْـكِ بِـكُـلِّ دَرْبٍ شَـائِكٍ

فَـالْـحُـبُّ حَــوَّلَ شَـوْكَـهُ لِأَقَـاحِـي

*

مَــا بَـيْـنَنَا عَـهْدٌ أَجَـلُّ مِـنَ الْـمُنَى

صِـــدْقٌ يُــجَـاوِزُ حِـسْـبَـةَ الْأَرْبَــاحِ

*

إِنْ قُـلْـتُ شِـعْـرًا فَـالْهَوَى أَسْـبَابُهُ

وَإِذَا سَـــكَــتُّ فَــقِـمَّـةُ الْإِفْــصَــاحِ

*

وَإِذَا دَعَـانِـي الْـيَـأْسُ أَغْـلَـقَ بَـابَـهُ

قَدْ بَاتَ يَخْشَى مِنْ مَدَى إلحاحي

وكأنّني في نور بإفصاح

أطلب القراءة بإلحاح

فما أجمل الشّعر من روح مرهفة ينسكب، كسحر يتناثر من سرّ مباح، أمتعتتني هذة البثّة العاطفية، المختفية في طياتها عواصف فكر عتيّة، فبورك البنان وبورك حرف عبق الأقاحي. بداية أقول مشاطرة الكاتب فيكتور هوغو بهذا الرأي على لسانه:

"L'amour est l'huile de la lampe de la vie, et sans lui, il n'y a que de la fumée et de la cendre."

"الحبّ هو الزيت الذي يغذّي مصباح الحياة، وبدونه لا يتبقّى سوى الدخان والرماد."

المقدمة: الزيت، الإشعال والحياة

"الزيت المصباح الإشعال والاشتعال" هم مكوّنات لوحة زيتية شعرية وجودية مشتعلة تصنع الحياة، وهم رمز شامل أو مجموعة رموزات للخلق والإبداع. يحملون أعمق تعبير وتصوير لعملية الخلق والتّحرّر الروحي في الأدب والوجود الإنساني، فالزيت السائل يصبح هو زبدة مخض المكابدة وعصرة أو ثمرة الصبر، بل طاقة ووقود الإشعال، لولاه لا اشتعال ولا حياة، والاشتعال منه هو مرحلة التجلّي النضوج والخلق، فهو طاقة تخرج من القوة إلى الفعل، ودون وعاء أو مصباح الاشتعال لما كان خلق. لو عدنا إلى الموروث الأدبي العربي، نرى كيف استلهم الشعراء صورة "المشكاة" والزيت الذي "يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار"، بوصفهما رموزاً للعطاء عامة ولمفاهيم مختلفة كالمحبّة، الحبّ الطاهر، والتضحية. فهو مادة تمتلك طاقة نورانية ذاتية. أما في الأدب العالمي، يبرز "العصر" كموتيف موضوعي يمثل الألم الإبداعي، فلا ضياء بلا احتراق، ولا زيت بلا ضغط. وكما يقول جبران خليل جبران: "المحبّة هي الزيت الذي يشتعل في مصباح الروح ليحول الظلمة إلى نهار". وهنا في قصيدة "شعلة المصباح"، نجد الشاعر الفذّ عبد الناصر عليوي العبيدي يجعل هذا المفهوم محور قصيدته البهيّة حيث جعل من طاقة الحبّ وقوداً وجوديّاً يخلق ويحرّك وجودنا المادي والروحي ويبدّد الأوهام في أذهاننا أو كما أسماهم الأشباح أو كابوس العدم، كابوس الحياة الخالية من المعنى.

قراءة في قصيدة: شعلة المصباح

"شعلة المصباح" هو العنوان، رمز العطاء، الهداية، العلم، الحبّ والشعر، ومن يشعلها يا ترى؟ إنّه زيت الحياة أي الحبّ كما صرّح به شاعرنا، وهو الذي يخلق الوجود من العدم، فالزيت يحترق ليعطي ضياءً، والحبّ يعتصر قلب الشاعر فيقطر شعراً.

إنّي أحبّك رغم كلّ جراحي ... رغم الصعائب في طريق كفاحي

بوحة بقافية يائية ممدودة تمنح القصيدة نَفَساً ممتدّاً، وهي تجربة ذاتية واضحة يقحم فيها الذات ليؤكّد أنّ الحبّ رغم قساوة الظروف يظلّ قمّة العطاء والتضحية فالحاء من الحبّ والحرقة والتعبير النابع من صميم الروح، إذاً، فالشاعر هنا يكتب عن طيف لا ينساه ويبدأ بمخاطبته مصرّحاً له ورغم كفاحه وما يلقاه من مشقّات في الحياة بأنّه لا زال يحبّه.

ما زلت أحمل في الفؤاد مودّة ... وأخبّئ الأشواق تحت جناحي

إذاً هي قصة قديمة تتّسم بالاستمرارية، يعبّر عنها بتشبيه تمثيلي بليغ، حيث جعل الأشواق كائناً عزيزاً يحميه، وجعل جناحه رمزاً لوفائه المؤكّد.

أخشى عليك من الضياء إذا دنا ... ومن الندى عن خدّك التفّاحي

هنا نلمس شدّة تعلّقه وتملّكه للحبيب، خشية مبالغ فيها ترينا مدى حرصه على المحبوب، فكم من ضرر، يا ترى، قد يلحق بالمرء من لمسة ضياء أو سقطة حبّات من ندى تهمي على الخد؟ لا ضرر ولا ضرار، فهي إذاً رقّة في الخطاب ورهافة في الأسلوب.

قد كان حبّك كالرحيق على فمي ... كالقهوة السمراء عند صباحي شاعرنا يتغنى بالحب، رومانسي بامتياز وأكثر ما يقربه من تعريف رومانسب ها هنا هو كونه (الذات الغنائية (Lyric Self):

هي "الأنا" الشعرية المتكلمة داخل النص، والتي لا تمثل الهوية الواقعية للشاعر بقدر ما تمثل صوته الوجداني المتجرد؛ فهي بؤرة الشعور التي ينصهر فيها العالم الخارجي ليعاد تشكيله كدفقة شعورية ذاتية، تحول التجربة الفردية إلى رؤية كونية تتجاوز حدود الزمن والواقع.(تعريف منقول).

في هذا البيت نحن في تشبيه راقٍ آخر في استطراده بالحديث عن حبّه القديم، فنكهة حبّه كنكهة الرحيق، أو كرشفة القهوة السمراء المرتشفة مع إشراقة الصباح.

إن غبت، يكفيني دعاء خافت ... يسري إليك كنفحة الأرواح

يتجلّى هنا تعلّق الأرواح ببعضها، فغياب المحبوبة لا يقطع حبل الوصل، بل يجعله يدعو بخفوت لسلامتها، فيسري هذا الدعاء كنفحة أثيرية روحانية تصوّر عمق التعلّق الروحي بالحبيب.

حبّي لك الطهر الذي لا ينثني ... والعمر بعدك قرية الأشباح

حبّ عفيف طاهر يهب الحياة معناها، فدونه يصبح العمر مسكناً للأشباح، وقفراً وقحلاً روحانيّاً، وحياة بلا جدوى ولا معنى.

سيظلّ حبّك ملهماً لقصائدي ... زيت الحياة لشعلة المصباح

لو عدنا إلى العنوان، نعلم الآن، في بيت الذروة المعنوية والتصويرية، من يشعل الشمعة إنّه زيت الحياة، إنّه الحبّ الذي يشعل قريحة الشاعر. هنا يظهر "الإشعال" كلحظة ميلاد وتحوّل للعاطفة من "فؤاد يخبّئ الأشواق" أي من طاقة كامنة إلى "قصيدة ملهمة" أي إلى طاقة فاعلة. إنّه التدفق النوراني الذي يحدث حين يشعل زيت الوفاء أو العشق قدحة الإلهام، محوّلاً الوجود كلّه إلى قصيد مضيء.

وأرى ملامحك البريئة آية ... تتلو اليقين على دروب رواحي

هو الإلهام المشرق ملامح المحبوب في عين الشاعر الذي يراه آية مقدّسة تمنحه اليقين، وهذا هو "نور المشكاة" الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، حبّ يمتلك طاقة نورانية ذاتية ينير دروب الرواح التي يمشيها ومنها يستهدي على اتجاهاته ويستلهم سلوكه.

وأعدّ خطوتك القريبة موعداً ... يحيي الرجوع إلى صميم نجاحي

كلّ ما سرده شاعرنا حتى الآن هو نظرته للحبيب، موقفه منه، وما يهبه له هذا التعلّق به. وإن مجرّد القرب منه هو الموعد الحقيقي الذي يورده طرق النجاح.

لا أبتغي منك الحضور مجاهراً ... يكفي اختباء الظلّ في إيضاحي

قناعة من الشاعر وتخفيض الطلبات والتوقّعات من الحبيب. وقد جاءت في تعبير مسبوك ببراعة، مستخدماً طباق "الظلّ والوضوح"، فالعاشق الموله يكفيه أنّه يعلم أو يشعر بوجود الحبيبة، فوجودها ظلّاً مختفياً بعلمه، هو إيضاح عند الشاعر.

أنت السكون إذا تلجلج خافقي ... ونشيج صمتي في ذرى أفراحي

وصف بديع لهذا الوجود، فهي منبع السكينة حين يرتجف القلب، بل وهي سبب نحيبه الخافت في لحظات فرحه وصف لحالة ملازمة للعشق.

أنت اليقين إذا تكاثف شكّنا ... والماء إن جفّ الحنين براحي

هي الملاذ واليقين في حبال الشكّ المقيدة للروح، وهي الماء الذي يروي الحنين، فالحبّ هنا هو "المبدأ" الذي يغذّي الموقف ويمنع جفاف الروح في لحظات الشدّة والاشتياق.

أمشي إليك بكلّ درب شائك ... فالحبّ حوّل شوكه لأقاحي

هي من زيّن دروبه بالورد، واستحوذ على فكره وإحساسه، لذا سيمشي إليها مهما كانت الدروب شائكة، بل سينسيه حبّها ألم الوخز. هذا هو التحوّل الدائم الذي يصنعه الحبّ، فالألم (من وخزات الشوك) تحوّل إلى جمال (أقاحي)، ففيه تجليّات لقوة الحبّ الصوفي وزوال الوعي بالوجع لصالح وعي آخر مخدّر.

ما بيننا عهد أجلّ من المنى ... صدق يجاوز حسبة الأرباح

يواصل شاعرنا بوحه عن رؤيته وعشقه للحبيب فيقول إنّ ما يربطهما هو رأسمال معنوي يلغي كلّ الحسابات ويحقّر الأمنيات، عهد وثيق لا يفكّ، وثروة باهظة قوامها الصدق والوفاء الذي لا ينضب ولا يخضع لمنطق التجارة. نحن في عالم الروح المجرّد من كلّ رغبة حسبة مادية.

إن قلت شعراً فالهوى أسبابه ... وإذا سكتّ فقمّة الإفصاح

بوحة باذخة السحر ناضحة بالحكمة، فيقول شاعرنا أنّه إن باح بالأشعار فمن أثر وقوة الحبّ، وإن صمت فمن شدّة الحبّ أيضاً، حيث عند تأجّج المشاعر يعجز اللسان عن الكلام، وفي بعض الصمت والعجز عن القول دليل على وجهة المشاعر، فيكون الصمت هنا هو قمّة الإفصاح.

وإذا دعاني اليأس أغلق بابه ... قد بات يخشى من مدى إلحاحي

نحن في ذروة التفاؤل، حيث لا يترك شاعرنا مكاناً لليأس، فهو يقول بأنّه لو دُفع للقنوط فاليأس سوف يغلق الباب في وجهه وينسحب خشية من إلحاح وإصرار الشاعر على التمسّك بالمحبوب ورفضه القاطع لأسباب خسارته.

تترامى أطراف مملكة المعاني والأبعاد الإبداعيّة القصيدية ها هنا فنجد شاعرنا يأخذنا إلى التأمّل:

أوّلاً: في الحبّ كمفهوم للخلق والفلسفة

تتجاوز قصيدة "شعلة المصباح" كونها بوحاً عاطفيّاً، لتصبح أطروحة فلسفية ترى في الحبّ قوة كونيّة خلّاقة، أو طاقة نفسيّة هائلة. وقد قولبها شاعرنا في صورة الزيت والمصباح، فالزيت هو الحبّ أو الإلهام والمصباح هو الحياة، أو القصيد. حيث يتحوّل فعله وتأثيره في النّفس إلى نور يضيء عتمة الروح.

ثانياً: في الحبّ كمحرّك للوجود (من أفلاطون إلى الصوفية)

لم يبتعد شاعرنا في تناصه الأدبي ونظرته لجدلية الزيت والقصيد عن فلسفات ونظرات عالمية سابقة ففي الفلسفة اليونانية، وتحديداً عند أفلاطون، يُعتبر إله الحبّ (إيروس) القوة التي تدفع الكائن نحو "الخلق في الجمال" صوب الخلود. وفي الفكر الصوفي، يُعدّ الحبّ أصل الخلق، فقد خُلق الكون لأنّ "الجمال أراد أن يتجلّى". وشاعرنا هنا يتبنّى هذا المفهوم حين يجعل محبوبته "آية تتلو اليقين"، فبوجودها يُخلق المعنى، وبغيابها يستحيل العمر إلى "قرية أشباح" خالية من الحياة.

ثالثاً: في أسطورة بروميثيوس وشعلة التضحية

ما من تحليل أدبي يتعرّض لصورة الشعلة والنور إلّا ويتبادر إلى ذاكرته سارق النار من الآلهة للإنسان "بروميثيوس" وهنا تتقاطع تجربة الشاعر مع أسطورة بروميثيوس، ذاك البطل الذي سرق النار ليمنح البشرية نور المعرفة وشعلة العلم، يمنحها فجر حضارتها. إن "كفاح" الشاعر و"جراحه" هي الثمن الذي يدفعه ليظلّ مصباحه متّقداً. وكما يقول بروميثيوس في اقتباسه الشهير: "إنّ النار التي سرقتها ليست للتدفئة فحسب، بل ليصير لكلّ عقل مصباحه، ولكلّ روح بصيرتها." هذه النار البروميثيوسية هي ذاتها "زيت الحياة" في القصيدة، فبروميثيوس أحبّ البشر وبسبب حبّه منحهم ما يشعل قرم وجودهم. من هنا نجد أنّ هذا الزيت الذي هو الحبّ، لا يقتصر على الحبّ العاطفي بين ذكر وأنثى بل هو العشق الأكبر، هو عشق لكلّ ما يصنع الحياة، عشق الأم لابنها، الفرد للوطن، الزيت للمصباح، العالم للعلم، الشاعر للقصيد، عشق الزهرة للمطر. كيف لا، وقصيدنا يتمحور حول موضوع انبثاق القصيد من شعلة المصباح، وانبثاق وجود الشاعر الروحي من وجود الحبيب.

رابعاً: ملتقى طاقة الحبّ الخلاقة

يلتقي الشاعر مع فلاسفة الوجود في فكرة أنّ العالم "مادة خام" لا قيمة لها حتى يسكب الحبّ فيها روحه. الحبّ عند الشاعر هو "رأسمال" يتجاوز "حسبة الأرباح" المادية، وهو "اليقين" الذي يهزم " الشكّ". وهنا يلتقي القصيد مع رؤية نيتشه الذي يرى في الحبّ قوة تتجاوز القوانين الرتيبة لتخلق قيمها الخاصة، ومع إريك فروم الذي يرى الحبّ "فعل عطاء خلّاق" يمنح المحبّ والمحبوب كياناً جديدا.وكم تتلاقي الرؤى بين شاعرنا وإريك فروم حيث الحبّ هو فعل خلق ، فتتجلى فلسفة إريك فروم في ثنايا القصيدة حين يتحوّل الحبّ من عاطفة إلى "فعل إيناس" يكسر وحدة الشاعر في عالم مادي موحش ويجمعه بالحبيب ولو في الظل ، فالظّل عند اللقاء ليس بإخفاء بل هو الإيضاح بعينه.يا لشدة رغبة الشاعر بصون اللقاء في بون الإفتراق، بل هو الأحتراق من أجل البقاء. فالعالم عند فروم يظلّ مادة خاماً باردة حتى يسكب الحبّ فيها روحه، وهو تماماً ما يفعله شاعرنا حين يرفض أن يترك عمره "قرية للأشباح"، فيبثّ فيه الروح عبر "زيت الحياة". هذا الانصهار الوجودي يظهر في أبهى صوره من خلال إصرار الشاعر على حفظ المحبوب، فخوفه عليه من "لمسة الضياء" أو "قطرات الندى" وتخبئته للأشواق "تحت الجناح" ليس مجرّد رقّة عاطفية، بل هو تجسيد لمبدأ "المسؤولية والرعاية" عند فروم. الشاعر هنا يحمي "الزيت" لكي يضمن استمرار "الإشعال"، إنّه يحمي المعنى الذي لولاه لارتدّ الوجود إلى فراغ رهيب إلى دخان ورماد. إنّ شاعرنا في تصميمه على التمسّك بحبيبه يكون مصمّماً على التمسّك بأسباب الوجود، شاعر متفائل يصبو لبناء الحياة من شعلات الحبّ. إنّ إصرار الشاعر على استحضار الحبيب، حتى في "اختباء الظلّ"، هو إعلان بأنّ الحبّ لديه قد تجاوز العلاقة الفردية ليصبح رسالة إنسانية وقيمة وجودية. إنّه "اليقين" الذي يهزم "ظلمة الشكّ"، والقوة الإيمانية التي تحوّل "أشواك" الدرب الشائك إلى "أقاحي" تفوح عبقاً، فالحبّ شعور راق حضاري، بل هو محبرة الشاعر التي تكتب القصيد وتمنح الوجود نوره وقيمته.

جاء هذا البوح العاطفي والسكب الوجداني متماهياً بانسياب ودقة مع مقولة فيكتور هوغو: "الحبّ هو الزيت الذي يغذّي مصباح الحياة، وبدونه لا يتبقّى سوى الدخان والرماد". ولقد نجح شاعرنا في اختيار هذه الصورة لما فيها من ترابط معنوي فلسفي عميق فحبّه هو ذاك "الزيت" المقدّس الذي لولاه لاستحال عمره إلى "قرية أشباح"، وهي ليست في جوهرها سوى "الدخان والرماد" الذي حذّر منه هوغو. ومن زاوية نفسية غائرة تتلاقى مع نظرة كارل يونغ، نرى أنّ هذا الحبّ يتجلّى كأرقى صور "تفرّد الذات"، فهو في جوهره حبّ الذات الراقية لنفسها حين تنعكس للخارج لترى جمالها في الآخر وفي الوجود. المصباح هنا هو "الوعي" الذي يشتعل ليطرد أشباح اللاوعي، وشاعرنا هنا ليس مجرّد محبّ، بل هو منصهر في الحبّ كقيمة وجودية وكرسالة إنسانية خالدة.

خارطة التحليل العامة:

لقد قدمت في قراءتي ما وجدته ملزما لفهم القصيد ورسالته من تفسير لغوي ومعنوي وفلسفي، بحيث انتهجت منهجاً تكاملياً مزجتُ فيه بين لذة التذوق الانطباعي وبين عمق التحليل الموضوعي العلمي والفلسفي. لقد حاولتُ جاهدةً ألا أرى القصيدة "ظاهرة وجودية" فحسب، بل أظهرت كيف تتعولم وتتشابك فيها السمات المشتركة لطبيعة البشر فجئت بأسطورة بروميثيوس منسجمة ورؤى إريك فروم، لتكشف لنا كيف يتحول "زيت الحب" إلى طاقة نورانية تبدد أشباح العدم.

أما عن هوية النص الشعرية التي لمستها بوجداني، فقد وجدتُني أستحضر عناصر المدرسة الرومانسية (الوجدانية)، تلك "المدرسة التي جعلت من "الأنا" محوراً للكون، ومن العاطفة ديناً، ومن الطبيعة مرآةً للروح." فقصيدة "شعلة المصباح" باحتضانها لعناصر الطبيعة، ونزعتها الذاتية الطاهرة (lyric self)، وصورها المستقاة من رهافة الندى وعبق الأقاحي والحقول، هي تجسيد صارخ لتلك المدرسة التي ترفض مادية العالم وتنتصر لجوهر الإنسان الروحي، فالحياة عندها هي انبثاق القصيد من نور الحب الذي يهزم عتمة المادة والتكنولوجيا حيث يعصى عليها أن تهبنا الحياة المثلى التي نصل بها للسعادة. وتسعى بنا إلى استثمار طاقة العلاقات العاطفية والأنسانية كالحب مثلا في إيجاد المعنى الحقيقي لوجودنا .

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أعتذر عن هذا الفيض من الاستشهادات التي أثقلتُ بها كاهل القراءة، لكنني لم أستطع كبح جماح قلمي، فقد وجدتُ في تلك الروابط الفلسفية والأدبية جزءاً لا يتجزأ من متعة الأدب الموسوعي والأدبي الراقي. فالحب الذي غنّاه شاعرنا كان مصيدة لفكر الناقد لا يخرج منها الا باستحضار قامات ادبية وفلسفية عالية، تضفي على النص صبغة الجودة والعمق الفكري. نعم إن موضوع الحبّ قد حيّر الفلاسفة وألهم المبدعين عبر العصور، وأما استشهاداتي فهي زيت على زيت في تأجيج لشعلة البيان وإطلاق الفكر إلى ما بعد العنان.

***

بقلمي الناقدة: نافلة مرزوق العامر

..........................

مصادر معتمدة:

فيكتور هوغو: مجموعة "أوراق الخريف" (أو السياق العام لمقولاته عن فلسفة الحب والحياة).

جبران خليل جبران: "الأعمال الكاملة" (تحديداً التأملات الوجدانية في الروح والمحبة).

إريك فروم: كتاب "فن الحب" (The Art of Loving) – استلهام مفاهيم الحب كفعل خلق ومسؤولية.

كارل يونغ"عالم الروح" (استحضار مفهوم تفرّد الذات والوعي الجمعي).

فريدريك نيتشه: "هكذا تكلم زرادشت" (تجلّيات القوة الروحية وتجاوز القيم المادية).

أفلاطون: "المأدبة" (Symposium) – في فلسفة "إيروس" كمحرك نحو الجمال والخلود.

الأسطورة اليونانية: أسطورة "بروميثيوس" (رمزية النار والتضحية من أجل التنوير).

الموروث الصوفي والشعري: استحضار رمزية "المشكاة" والزيت في الأدب العربي القديم.

المنهج النقدي: أدوات المنهج التكاملي والموضوعاتي في تحليل النصوص الشعرية.

البنية والتفكيك في المنجز الإبداعي لـ "المكتبة المعمدانية" للروائي جاسم عاصي

مدخل سياقي: المثقف الموسوعي ورهانات الجيل الستيني

يجسّد الروائي والناقد العراقي جاسم عاصي (المولود في مدينة الناصرية العام 1945) نموذجاً استثنائياً ومعرفياً للمثقف الموسوعي الذي أفلح باقتدار في ردم الفجوة القائمة بين الممارسة الإبداعية السردية وبين الوعي النقدي التنظيري. إن مسيرته الأدبية التي استهلت في منتصف الستينات، وتحديداً في العام 1965، تضعه في صلب "الجيل الستيني" العراقي؛ ذلك الجيل الإشكالي الذي اجترح مسارات حداثية مغايرة في بنية السرد العربي، مدفوعاً بالتحولات الوجودية والسياسية والاجتماعية الكبرى التي عصفت بالمنطقة العربية والعراق على وجه الخصوص.

إن عمل عاصي في سلك التعليم لأكثر من أربعة عقود (منذ العام 1964 وحتى 2008) لم يكن مجرد مسار وظيفي رتيب أو مهنة عابرة، بل كان بمثابة مختبر اجتماعي وأنثروبولوجي حيّ، أتاح له رصد التحولات العميقة في سيكولوجية الشخصية العراقية واستبطان الذاكرة الشعبية الجمعية، التي تحولت لديه لاحقاً إلى مادة خام لصياغة مخياله الروائي والقصصي. تتسم تجربته بثراء معرفي يتجاوز حدود السرد التقليدي نحو آفاق الميثولوجيا، والأنثروبولوجيا، والنقد الجمالي المقارن. وقد توجت هذه المسيرة الحافلة بجوائز إبداعية رفيعة، منها جائزة الإبداع الروائي لعام 2010 عن روايته «انزياح الحجاب ما بعد الغياب»، وجائزة الإبداع النقدي لعام 2014 عن كتابه «العصا والضوء»، مما يبرهن على أن أعماله الروائية ليست مجرد حكايات، بل هي تطبيقات جمالية واعية لذاتها، ومنظومة نقدية متكاملة ترفعه إلى مرتبة "المفكر الأدبي" الذي يقرأ العالم عبر عدسة السرد.

التفكيك الدلالي لـ "المكتبة المعمدانية" وعتبة "المجاورة"

يشكّل عنوان المجموعة القصصية «المكتبة المعمدانية: قصص المجاورة» (الصادرة عن دار توليب) عتبة نصية باذخة بالدلالات الرمزية والتاريخية العميقة. فالمكتبة في متخيل جاسم عاصي تتجاوز كونها مجرد مستودع فيزيائي للكتب، لتغدو فضاءً أنطولوجياً واسعاً للأرشفة، والتدوين، وصون الذاكرة من التآكل. أما صفة "المعمدانية" الملحقة بها، فهي تحيل مباشرة إلى إرث الصابئة المندائيين (أهل التعميد) الذين يمثلون جزءاً أصيلاً من نسيج جنوب العراق، مما يشير بوضوح إلى مسعى الكاتب لتقديم نص يمارس فعل "التعميد المعرفي" للذاكرة العراقية المثقلة بأوزار الحروب، والخراب، والنسيان المتعمد.

في الأطر البنيوية العميقة لهذا العمل، يبرز مفهوم "المجاورة" كبراديغم فلسفي وسردي مركزي. المجاورة هنا لا تقف عند حدود المعنى المكاني السطحي، بل تتسع لتشمل المجاورة المعرفية والإنسانية الكونية؛ إنها تعني تداخل النصوص (Intertextuality)، وتجاور الأفكار المتناقضة وتقارب المسافات الجمالية بين الواقعي اليومي والأسطوري الغابر، وبين التاريخي الموثق والمتخيل المبتكر. المجاورة هي فعل "حوارية" (بالمفهوم الباختيني) مستمرة بين الأنا والآخر، وبين النص المرجعي الأصيل والنص المبتكر الحديث، مما يحول المكتبة من مجرد رفوف صامتة إلى كيان حيّ، نابض، يتنفس عبر التفاعل الخلاّق بين هذه المكونات المتعددة.

يبرز هنا تأصيل مصطلح "المجاورة" كمنهجية فلسفية وسردية ترفض الإقصاء؛ فهي ليست مجاورة مكانية فحسب، بل هي "مجاورة معرفية" وتناصّية كبرى. المجاورة عند عاصي تعني أن تتعايش النصوص في حيز واحد دون أن يلغي أحدها الآخر. تطرح «المكتبة المعمدانية» رؤية استثنائية للفعل السردي بوصفه عملية "جرد وترميم" شاملة. فالعملية التقنية الدقيقة الموصوفة داخل النص (من عزل الكتب، وتبخيرها، وتعقيمها، ثم تصنيفها وترميم غلافاتها) ما هي إلا استعارة كبرى لفعل نقدي وفكري يسعى عبره جاسم عاصي لتنقية الذاكرة الثقافية من "العوالق" الأيديولوجية و"الفطريات" الظلامية التي علقت بها جراء عقود من الإهمال، أو التزييف التاريخي، أو القمع الثقافي.

الأطر البنيوية: جدلية "المحسوب وغير المحسوب" والأثر الدوستويفسكي

في العمق البنيوي لـ «المكتبة المعمدانية»، يتجلى صراع وجودي ضارٍ بين ثنائية "المحسوب" و"غير المحسوب". يطرح السرد إشكالية التوغل في "غير المحسوب" بوصفه منطقة خطرة، ومظنة للهلاك والضياع في لظى التجريب، لكنه في الوقت ذاته يرى في "المحسوب" نوعاً من الامتثال للميول الذاتية الضيقة والنمطية، وهو خضوع ذليل يتنافى تماماً مع حرية الإبداع وجوهر "الانزياح" الفني.

هنا، يتردد صدى المناخات الدوستويفسكية بوضوح شديد في نسيج النص؛ فالمكتبة تتحول إلى ساحة كبرى لصراع الأرواح القلقة والمعذبة. نجد استحضاراً واعياً لنموذج "الأب زوسيما" كرمز للحكمة الروحية العميقة، والقدرة الفائقة على الغفران، والترميم الروحي للإنسان المحطم، وذلك في مواجهة نماذج القلق الوجودي والشر الدفين التي يمثلها "سميردياكوف". جاسم عاصي، عبر سارده العليم، يحرص على "الثبات" الأخلاقي والجمالي أثناء اجتياز وقع أقدام الذوات اللاهثة خلف السراب، في إشارة رمزية إلى الرغبة في التمايز عن السائد والمبتذل. إن تفكيك هذه الجدلية يكشف عن رؤية نقدية ثاقبة لسلطة "القرار الأبوي" الصارم الذي يصادر أحلام الابن ويقمع تطلعاته، وهو ما ينسحب بالضرورة على الأنظمة المعرفية والسياسية التي تحاول قولبة الخيال الروائي ضمن أطر "محسوبة" سلفاً، بينما يحاول الكاتب الانعتاق نحو "غير المحسوب" ليس بغرض التيه، بل لتحقيق "الخضوع" الإرادي لجماليات الفن الخالص.

المتخيل السردي: من ميثولوجيا كلكامش إلى أيقونة المسيح

يعتمد جاسم عاصي في تشكيل مخياله الروائي على "هاجس مركزي" وقلق وجودي يتمثل في ثنائية الحياة والموت. هذا التوجه هو وليد تجربة وجودية شخصية مبكرة، تطورت بمرور الزمن لتتشابك مع رموز التاريخ والميثولوجيا الكبرى. يستحضر عاصي في نصوصه رموزاً عليا مثل «كلكامش» في بحثه عن الخلود، و«أنكيدو» في صراعه مع الطبيعة، و«إله القمح» في دورة انبعاثه، وصولاً إلى شخصية «الإمام الحسين»، بوصفها صوراً تراجيدية عالية في التاريخ الإنساني تجسد مفاهيم المأساة، والتضحية، والبعث الرمزي.

تتعمق هذه البنية التفكيكية في "المكتبة المعمدانية" من خلال استحضار المناخات الروحية؛ فالصراع بين الحكمة الروحانية (زوسيما) والانسحاق الوجودي (سميردياكوف) يجعل من المكتبة فضاءً تُعقم فيه الكتب ليس من الفطريات الورقية فحسب، بل من أوزار التاريخ والشرور البشرية المتراكمة. كما تبرز في أجواء المكتبة (سواء في عمان أو غيرها) صور أيقونية مركزية، لعل أهمها صورة "رأس المسيح" التي تعبر عن الفداء، والألم النبيل، والقيامة. هذه الأيقونات في نص عاصي ليست مجرد زينة جدارية، بل هي "مفاتيح تأويلية" تمنح المكتبة طابعاً قدسياً ومعمدانياً.

ويتقاطع هذا التوجه مع تأثير ملحمة «الشيخ والبحر» لإرنست همنغواي، حيث يبرز الصراع البطولي للإنسان ضد الفناء وضد قوى الطبيعة الغاشمة. هذه المجاورة النصية بين آلام المسيح وصمود الصياد العجوز (سانتياغو) تخلق بنية سردية مشدودة بين قطبي المعاناة الإنسانية والانتصار الرمزي، مما يمنح العمل صفة "الأنطولوجيا الكونية" التي تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان. إن توظيف الأسطورة والرمز الديني يعمل هنا كـ "قناع إبداعي ومعرفي" يتيح للكاتب تجاوز النسق السردي المألوف وربط سردياته بالمنظور العام لحركة التاريخ والفكر الإنساني.

السرد والتاريخ: جماليات المسكوت عنه والانزياح السردي

يميز جاسم عاصي بذكاء نقدي بين "المدوّن" التاريخي الرسمي وبين "الشفاهي" والمسكوت عنه في طيات الزمن. الرواية عنده هي الأداة الكفيلة بربط الواقعة التاريخية الجافة بالمنظور الذاتي والمخيال السردي الخصب، مما يشيّد "بنية متصورة للتاريخ" تستثمر الفجوات التي أغفلها أو تعمد المؤرخ الرسمي إغفالها. هذا المنهج يجعل من «المكتبة المعمدانية» نصاً يتجاوز التوصيف الجغرافي الصرف للأمكنة نحو "جمالية المبنى"، حيث يشتبك المتخيّل بالواقع لصياغة سردية بديلة. إن فعل جرد محتويات المكتبة هو في حقيقته "أرشفة مضادة" تسعى لصيانة ما لم يحفظه التاريخ، وهو فعل يجسد أقصى درجات الانزياح السردي عن الجامد نحو الحي والمتحرك.

التداخل بين النقد والتشكيل والسرد: القيم اللمسية للكلمة

لا يمكن قراءة هذا المنجز الإبداعي بمعزل عن اهتمامات جاسم عاصي العميقة بالفنون البصرية والتشكيلية؛ فدراساته المستفيضة في لوحات فنانين مثل بشير مهدي، وخالد خضير الصالحي، وكامل الموسوي، منحت سردَه وعياً بصرياً حاداً وقدرة على "تجسيد" المعنى. ينعكس ذلك بوضوح في وصفه الدقيق لمحتويات المكتبة؛ حيث تصبح الكتب عنده "كتلاً" فراغية ذات "قيم لمسية" وتشكيلية.

الروائي هنا يتصرف كـ "مرمم آثار" أو كفنان تشكيلي يعيد بناء اللوحة؛ فهو يبحث في التوقيعات المتروكة على هوامش الكتب عن أرواح أصحابها الغائبين، ويستنطق الشخصيات التي كانت تمتلك هذه المخطوطات. هذا البعد الآثاري والأنطولوجي يمنح العمل صبغة تبحث في كينونة الإنسان عبر ما تركه من أثر ورقي، محولاً فعل القراءة من مجرد تلقٍ سلبي إلى رحلة استكشافية في أعماق النفس البشرية بآلامها (المتمثلة في رأس المسيح) وصمودها الأسطوري (المتمثل في الشيخ والبحر).

"المكتبة المعمدانية" كأرشيف للمستقبل

إن المكتبة المعمدانية: "مجموعة قصص المجاورة" هي بمثابة بيان ختامي وإبداعي لجيل حاول بكل قوته المزاوجة بين الحداثة والتراث، وبين صرامة المنهج النقدي وحرية الخيال الإبداعي. يثبت جاسم عاصي من خلال هذا العمل أن الخيال الروائي هو القوة الرمزية الوحيدة القادرة على رتق ما مزقه التاريخ السياسي والاجتماعي، وأن "المكتبة" هي الملاذ الأخير الذي نتمكن فيه من تجاوز صخب "الذوات اللاهثة" دون السقوط في هاوية العدم أو النسيان.

إن تفكيك البنية السردية لهذا العمل يكشف عن كاتب يدرك تماماً خطورة الكلمة ومسؤوليتها التاريخية؛ فالتوغل في "غير المحسوب" يظل مقامرة كبرى في فضاء الإبداع، لكنها المقامرة الوحيدة التي تستحق العناء لبلوغ مثابات إبداعية تتناغم مع حركة الفكر والجمال الكوني. يظل جاسم عاصي "المفكر الأدبي" الذي يعيد صياغة العالم عبر مفاهيم "المجاورة" و"التعميد" بالكلمة، مستلهماً صمود "كلكامش"، وحكمة "زوسيما"، وقدسية "أيقونة المسيح"، في رحلة بحث وجودية لا تنتهي عن جوهر الإنسان وماهيته في هذا الوجود.

***

غالب المسعودي

يشكّل الشعر، في تجلياته العميقة، بنيةً رمزيةً مركّبة تتجاوز حدود القول المباشر إلى فضاءات الدلالة المفتوحة، حيث تتداخل اللغة بالذاكرة، ويتحوّل المكان إلى كيانٍ معنويٍّ نابضٍ بالهوية والتاريخ. وفي هذا السياق، يبرز شعر سيدي ولد الميداح بوصفه امتداداً حيّاً للتقليد الشعري الموريتاني الذي يمتح من معين الصحراء، ويعيد تشكيله في لغةٍ تجمع بين الجزالة التراثية والانزياح الجمالي المعاصر.

تنطلق هذه الدراسة من قصيدته «يا سائلاً عن رُبى شنقيط» لتقارب النصّ مقاربةً نقديةً شاملة، تستند إلى جملة من المناهج المتكاملة: الأسلوبية، والسيميائية، والهيرمينوطيقية، فضلًا عن توظيف ما يُعرف بـ«النقد الاحتمالي»، الذي ينظر إلى النص بوصفه بنيةً مفتوحة على تعدد المعاني، لا تُختزل في تفسيرٍ واحد، بل تُعاد قراءتها باستمرار وفق تفاعل القارئ والسياق والمعرفة.

وتسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البنية اللغوية للنص، من حيث سلامة التراكيب ودقة التعبير والانزياحات البلاغية، كما تعمل على استكشاف معماره الصوتي والإيقاعي، وتحليل بنيته الجمالية والفنية، وصولاً إلى الكشف عن طبقاته الدلالية العميقة، وما تنطوي عليه من رؤى فكرية وفلسفية، تتصل بالهوية، والانتماء، والذاكرة الثقافية.

كما تتجاوز هذه القراءة حدود التحليل الشكلي إلى استنطاق الأبعاد النفسية والاجتماعية والسيميائية للنص، في محاولةٍ لرصد شبكة العلامات والرموز التي تشكّل نسيجه الداخلي، والكشف عن العلاقات المتقابلة التي تنتظم دلالاته. ولا تغفل الدراسة، في الآن ذاته، عن مساءلة السياق التاريخي والثقافي الذي انبثق منه النص، بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل رؤيته ومحمولاته الرمزية.

وعليه، فإن هذه المقاربة لا تهدف إلى القبض على «المعنى الصحيح» للنص بقدر ما تسعى إلى استكشاف «إمكاناته التأويلية»، وفتح أفق القراءة على تعددية المعنى، حيث يغدو النص فضاءً حيًّا للتفاعل، ومجالاً لإعادة إنتاج الدلالة في ضوء أسئلة القارئ ومرجعياته. ومن هنا، تأتي هذه الدراسة بوصفها محاولةً لقراءة النص في عمقه الجمالي والفكري، واستجلاء طاقته الإبداعية بوصفه نصًّا ينتمي إلى أفق الشعر العربي في تداخله بين الأصالة والتجديد.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

النصّ يتمتع بسلامة لغوية عالية، حيث:

التراكيب فصيحة مستقيمة:

مثل: "يا سائلاً عن ربى شنقيط" (نداء زائد صفة زائد مضاف إليه)

الأفعال منسجمة زمنياً (غلبة الماضي والمضارع الدلالي)

ملاحظات نحوية دقيقة:

"كيف سرتْ في الروح"

فعل "سرت" مؤنث يعود على "ربى" -  تطابق صحيح

"حتى غدتْ للبوح أوطانًا"

استعارة زائد جمع "أوطان" منسجم مع تعددية التجربة.

الانزياح:

"الصحراء تتكلم" -  "في صمتها لغة"

هذا انزياح دلالي عميق (تحويل الصمت إلى خطاب)

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

الألفاظ جزلة بدوية الأصل: (الربى، القوافل، الرمل، الصحراء)

التوازن واضح بين:

اللفظ التراثي

والمعنى الحداثي (الهوية، الذاكرة، الانتماء)

مثال:

"فيك الكرامة تاريخ نردده"

جمع بين:

قيمة (الكرامة)، وزمن (التاريخ) ، وفعل (نردده)

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

النص قريب من البحر الكامل أو البسيط (بتحرر تفعيلي)

القافية: (ـانا) -  توحيد موسيقي (أوطانا – أزمانا – كتمانا…)

الموسيقى:

الجرس الصوتي قائم على:

حروف المد (الألف خصوصاً)

التكرار الصوتي: "الصحراء – الصمت – السر"

التكرار:

تكرار:

"في" -  يخلق إيقاعاً داخلياً

"يا" الندائية - خطاب حميمي

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية:

النص يقوم على:

بنية تصاعدية: سؤال (يا سائلاً)، وصف (الصحراء)، استحضار، تاريخي (القوافل)، تمجيد (شنقيط)

خلاصة أخلاقية (القيم)

لا توجد شخصيات، بل: -  الفضاء هو الشخصية (الصحراء/شنقيط)

٢. الرؤية الفنية

الرؤية هنا:

صوفية–حضارية–هوياتية

شنقيط ليست مكاناً فقط، بل: -  كائن روحي  زائد رمز معرفي

٣. الطابع الإبداعي والانزياح

تحويل:

الرمل -  موسيقى، الصمت - لغة، المكان - هوية

هذا انزياح جمالي ناجح يولّد الدهشة

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح: سؤال الهوية، سؤال الانتماء. سؤال الأخلاق.

مركز الفكرة:

الإنسان ابن المكان القيمي لا الجغرافي فقط

٢. الأفق المعرفي

يتكئ النص على:

التراث العربي الصحراوي

الثقافة الإسلامية (آيات، ترتيل)

الذاكرة الجماعية

٣. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

طبقات المعنى:

ظاهر: وصف شنقيط

باطن: تمجيد الهوية

أعمق: مقاومة الذوبان الحضاري

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي إلى بيئة:

صحراوية

علمية (شنقيط = مدينة العلماء)

٢. تطور النوع

النص:

يستند إلى القصيدة العمودية

لكنه يحمل رؤية حديثة

٣. العلاقة بالتراث

استدعاء:

القوافل (جاهلي)

الحكمة (إسلامي)

المكان (أندلسي/صحراوي)

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

الحنين، الاعتزاز، الصفاء الروحي

٢. النبرة النفسية:

نبرة: هادئة، تأملية، وجدانية

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

١. علاقة النص بالمجتمع

يعكس:

مجتمعًا قيمياً (الأخلاق)

جماعة قائمة على المعرفة

٢. الخطاب الاجتماعي

دعوة ضمنية: - للثبات على القيم

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

الصحراء تساوي النقاء

الرمل تساوي الذاكرة

القوافل تساوي الاستمرارية

شنقيط تساوي الهوية

٢. الثنائيات

صمت / لغة

ماضٍ / حاضر

حركة / سكون

ثامناً: الأسس المنهجية

المنهج المستخدم هنا:

أسلوبي، سيميائي، هيرمينوطيقي، احتمالي

النص يسمح بقراءات متعددة

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

النص يحتفي بـ:

١- الكرامة

٢- الإيمان

٣- الانتماء

يحمل بعداً إنسانياً يتجاوز موريتانيا

عاشراً: البعد الإيروتيكي

البعد الإيروتيكي هنا:

غائب بشكل مباشر

لكنه يظهر بشكل رمزي:

في:

العلاقة الحميمة مع المكان

"في الروح" / "في عينيك"

-  إيروس روحاني (حب المكان) لا جسدي

الحادي عشر: النقد الاحتمالي

وفق المنهج الاحتمالي:

القراءة ١- :

شنقيط تساوي وطن حقيقي

القراءة ٢:

شنقيط تساوي رمز للهوية العربية

القراءة ٣:

شنقيط تساوي حالة روحية (الصفاء)

القراءة ٤ :

شنقيط = نص/لغة (الوطن = الكلام)

المعنى ليس ثابتاً

-  بل يتولد مع القارئ

قراءة لغوية صرفية نحوية دقيقة

كثافة:

الجمل الاسمية -  الثبات

الأفعال - الحركة

سيطرة:

المضاف والمضاف إليه (ربى شنقيط، ذرّة رمل)

- توكيد العلاقة العضوية

الأفعال:

"سرت – غدت – مرّت"

- انتقال دلالي زمني

الخلاصة:

النص:

١- متماسك لغوياً

٢- غني بلاغياً

٣- عميق دلالياً

٤- مفتوح تأويلياً

وهو نموذج لـ: الشعر الموريتاني الذي يمزج بين التراث والهوية والبعد الروحي

حكم نقدي نهائي

هذه القصيدة:

ليست مجرد مدح لمكان، بل بناء رمزي للهوية بوصفها تجربة روحية وتاريخية مفتوحة على التأويل

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...................

يا سائلاً عن رُبى شنقيطَ

يا سائلاً عن رُبى شنقيطَ كيف سرتْ

في الروحِ، حتى غدتْ للبوحِ أوطانا

تلك الصحارى التي في صمتها لغةٌ

أصفى من الماءِ، بل أسمى وأحيانا

في كلِّ ذرّةِ رملٍ ألفُ أسطورةٍ

تُروى، وتُكتبُ في الآفاقِ أزمانا

مرّتْ قوافلُنا، والليلُ يحتضنُ

خطوَ النجومِ، ويُصغي السرَّ كتمانا

وكان شيخُ الهوى يُملي قصائدَهُ

على الفضاءِ، فيُحيي الرملَ ألحانا

يا موطنَ العلمِ، يا سرًّا نُطاردهُ

حتى إذا جئتهُ، صِرنا لهُ شانا

فيك الكرامةُ تاريخٌ نُردّدهُ

وفيك مجدٌ بنيناهُ فتيانا

نمشي على العهدِ، لا نُبقي لهُ بدلاً

مهما تبدّل وجهُ الدهرِ ألوانا

ونستظلُّ بآياتٍ نُرتّلها

فترتوي النفسُ إيماناً وعرفانا

إنّا حملنا من الصحراءِ حكمتَها

أن لا نُساومَ في الأخلاقِ إن هانا

وأن نكونَ إذا ما الريحُ عاتيةٌ

جبالَ صبرٍ، وأغصاناً إذا لانا

يا شنقيطُ، وفي عينيكِ ملحمةٌ

تُبقي العروبةَ في أعماقنا دانا

***

سيدي ولد الميداح

رأي السلفيين في علم الكلام: يقول السلفيون بأن علم الكلام علم دخيل على الإسلام، استمده أوائل المتكلمين من فلسفة اليونان وحكمة الفرس، كما يقول محمد عماره في كتابه (السلف والسلفيّة)، وإن طريقة علماء الكلام، في الحديث عن الجواهر والعراض، والحادث والقديم، هي طريقة مبتدعة لم يكن عليها سلف الأمّة الصالح، لذا هم يؤمنون بأن علم الكلام لا يصلح لاستنباط أصول الدين ومعرفة الله، وإن النصوص الإسلاميّة من قرآن وسنة نبويّة فيها ما يكفي من الحجج العقليّة والبراهين المنطقيّة لمجادلة المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام، فالمنهج السلفي في مسألة موقفه من علم الكلام، يقر بأن المنهج السلفي لديه مجموعة قواعد يستند إليها وهي:

1- رفض التأويل بغير دليل،

2- كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث والإقلال من الرأي الشخصي عند الكلام عن الدي

3- هذا وأن هناك أقوالاً رواها الإمام "الشافعي" في موقفه من علم الكلام حيث ذكر "الذهبي" في ترجمته عن الإمام "الشافعي" جملة نصوص تدل بوضوح على موقفه من علم الكلام منها:

آ- لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد،

ب - ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح،

ج - والله لأن يفتي العالم فيقال أخطأ العالم، خير له من أن يتكلم فيقال: زنديق ! وما شيء أبغض إلي من الكلام وأهله !

د - وقال يا ربيع إقبل مني ثلاثاً: لا تخوضن في أصحاب رسول الله فإن خصمك النبي غدا، ولا تشتغل بالكلام فإني قد اطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم فإنه يجر إلى التعطيل!

هـ - وسئل الشافعي عن شيء من علم الكلام فقال: سل عن هذا (حفص الفرد) وأصحابه أخزاهم الله !، وحفص الفرد من المتكلمين المعتزلة،

ح - وقال: حُكْميَ في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر، ينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام!

ك - وقال: مذهبي في أهل الكلام تقنيع رؤوسهم بالسياط وتشريدهم في البلاد ! قال الذهبي: لعل هذا متواتر عن الإمام!

وقال المزني: كان الشافعي ينهى عن علم الكلام، وذكر أنه كان يطالع في علم الكلام قبل أن يقدم الشافعي، فلما قدم سأله عن مسألة في علم الكلام فغلظ له القول حتى ترك الكلام وأقبل على الفقه!

ل - وقال الشافعي: لو أن رجلا أوصى بكتبه من العلم لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل في الوصيّة لأنه ليس من العلم!

م - وقال: ما ناظرت أحدا في الكلام إلا مرّة وأنا أستغفر الله من ذلك!

ومن تتبع كلام الأئمة وجد لذلك نظائر كثيرة ولعل فيها عبرة لمن ينتسب إليهم في الفروع ثم يخالفهم في الأصول، (1)،

التأويل الكلامي عند السلفيّة:

التأويل بالمعنى الاصطلاحي كما بينه السلف: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر مرجوح، أي مفتوح الدلالات أو الاحتمالات، فمثل هذا التأويل عند السلفيين مرفوض، لأن ما هو ظاهر في نصوص الكتاب والسنة يجب القول به، والمصير أو العودة إليه، وهم يقولون إن فتح باب التأويل يهدم الدين، بحيث يسمح لكل إنسان أن يقول أو يفسر ظاهر الآية والحديث كما يريد، وبالتالي يستنطقها بغير المراد منهما، والسلفيون يقولون إن الخوارج وغيرهم من أهل البدع عندما أولوا قول الله أولوه لِمَا أرادوه هم وفقاً لمصالحهم أو فهمهم الضيق، فقد فتحوا أبواب البدع وهي أبواب الشر، وهذا ما يدفع أيضاً إلى التأكيد من قبل أئمة السلفية إلى ضرورة الاستدلال بالآيات والأحاديث والتقليل من الأخذ بالرأي، (2)،

هذا ونستطيع أن نقف هنا قليلاً عند مسألة التأويل كما حددها أو فهمها أحد أقطاب الأشاعرة وهو حجة الإسلام " أبو حامد الغزالي "، حيث يشير في هذا الاتجاه إلى ضرورة التزام التأول بثلاثة وصايا أساسيّة يشترطها هو لصحــة هذا التأويل بهــذا المعنى وهي:

الوصية الأولى:

أن لا يطمــع (المؤول) في الاطــلاع على جميع المعاني المضمنة في باطن النص، فإن ذلك في غير مطمع، وليلتزم قـول الله سبحانه وتعالى: (وما أوتيتم من العلــم إلا قليلا)، ولا ينبغي أن يستبعد عرض بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلا عن المتوسطين، وليعلم العَلِمْ الذي يدعـي الاطلاع، وهو مراد النبي (صلعم) في جميع ذلك، فدعــواه لقصور عقله لا لوفوره،

الوصية الثانية:

أن لا يٌكَذِبَ برهان العقل أصلا، فإن العقل لا يَكْذٌبَ، ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع، وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل، لن يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة،

الوصية الثالثة:

أن يكف عن تعيين التأويل عند تعارض الاحتمالات، فإن الحكم على مـراد الله سبحانه وتعالى ومراد رسوله (ص) بالظن والتخمين خطــر، فإنما يُعلم مراد المتكلم بإظهار مراده، فإذا لم يظهـر فمن أين تعلم مراده؟ وبالتالي لا بد أن تنحصر وجوه الاحتمالات ويبطل الجميع إلا واحدا فيتعين،

ولكن وجود الاحتمالات في كلام العرب لما تحمله اللغة العربية من بديع ومجاز، يفسح في المجال لوجود طرق كثيرة للتوسع في دلالات مفرداتها، ولكي نحصر الاحتمال الأقرب للمراد يتطلب التوقف في التأويل أسلم، (3)،

المسلك الصوفي في التأويل:

أما المسلك الصوفي والنموذج السلفي في تحقيق التأويل، نجده بشكل واضح عند الغزالي الذي يقصـد مـن التأويـل شيئا أوسع غوصا، وأعمق في فهم النصوص، التي قد تعتبر في نظره ونظر بعض العلماء غيره من باب المتشابهـات، أو غيـر المقصودة على ظاهـرها، وذلك ليـس من باب ما تؤول إليهـا معانيهـا، ولكن مـن بـاب الكشـف على وجه العلاقة بين التمثيلات التي تشيـر إلى نـوع من الارتبـاط، أو التشابـه بين عالم الغيب وعالم الشهادة، (4)،

إذن فالمقصود الذي قصده أبو حامد الغزالي وأستاذه أبو الحسن الأشعري، ومن سار على دربهما، ليس هو مجرد التفسير اللغوي للنص، والتسليم العقلي للاقتناع به، وإنما هو عملية عقلية وروحية في آن واحد، ذلك أن العقل يؤول المتشابه إلى ما يعرض على العقل من دلالات، (أي كثرة الدلالات التي تتبدى للعقل في النص المتشابه) والتي تأخذ أصولها من المحكمات الشرعية، (أي الآيات المحكمات)، وهذا المنهج يستعمل في الحقيقة عند علماء الكلام، أما التأويل عن طريق الإدراك الروحي/ الذوقي، فهو عمل بعدُ علم، وعلم بعد عمل وعلم، بمعنى: أن الطريق الموصل إلى إدراك الحقيقة الواقعيّة للنصوص محل التأويل هو تصحيح التصور، أو المفاهيم العقليّة ابتداءً فيما يخص العقيدة أولاً، ثم العمل على تثبيت هذا الاعتقاد بعد ذلك ثانياً، حيث سيرتقى الحال إلى درجة مكاشفة، وهذا ما يُصطلح عليه بالمعرفة اللدنيّة، أو العرفان، لذلك فإن معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة لا يمكن أن يحصل من علم الكلام، بل يكاد يكون علم الكلام حجابا عليه، ومانعا عنه، وإنما تتحقق عمليّة الوصول إليه بالمجاهدة التي جعلها الله سبحانه تعالى مقدمة للهداية حيث قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، (سورة العنكبوت – الآية -69) ،

وعند هذا البعد الذي يمثله التأويل كما كان عليه في عهد السلف الصالح، يتدخل الصوفي ليحدد مفهوم السلفيّة الحقة في قضايا العقيدة، فيقول: بأن التأويل لا يجوز التصريح به، وانه علم خاص يؤتيه الله من يشاء من عباده الصالحين، (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا)، (آل عمران – الآية – 7)،

وعلى هذا السبيل، نجد أغلب الصوفيّة يحذرون من التأويل، وينهون عنه، إذا كانت المسألة مجرد فكر ولغة، وذلك حتى لا يقع المؤول فيما لا تحمد عقابه، من تشبيه وتجسيم وهو لا يدري،

ومن هذا المنطلق في حرص "الغزالي" على الدين والخوف من الابتعاد عن الروح السلفيّة التي يؤمن بها، نراه يقول:

(أعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهــل البصائر ومذهب السلف، أي مذهب الصحابة والتابعين، وها أنــا أورد بيانه وأبين برهانه فأقـول: إن حقيقة مذهب السلف، هو الحق عندنا، وإن كـل من بلغه حديث من هـذه الأحاديث من عوام الخلق يجب عليه فيه سبعة أمـور: التقديس، ثم التصديق، ثم الاعتراف بالعجـز، ثم السكوت، ثم الإمساك، ثم الكف، ثم التسليم لأهل المعرفة، والموقف الرئيسي الذي يهمنا من هـذه السبعة هو «الإمساك عن التصرف في النص) ،(5)،

مسألة الإيمان عند السلفيّة:

ينقسم السلفيّة في هذه المسألة إلى اتجاهين:

الأول: وهم الأشاعرة ومن يلتقي مع مدرستهم الفكريّة، حيث يؤمن هذا الاتجاه السلفي بأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص أو تصديق بالقلب،

بينما الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الوهابي السلفي، فيقر بأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص أو تصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ويزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقائصها، ولا يكتمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة، أي بما يتفق بما جاء بالقرآن أو الحديث أو ما يقره أهل الجماعة، وهم متفقون جميعاً أن للإيمان أصل وفروع، وأن الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله، ،،، لذلك هم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب أو معصية، إلا أن يزول أصل الإيمان، ولا يوجبون العذاب آو الثواب لشخص معين إلا بدليل خاص، وهم لا يؤمنون بعصمة أحد من الصحابة بعينه، بل تجوز عليهم الذنوب، ويعتقدون بعصمة إجماعهم فقط، ويكذبون من يعطيها لغيرهم، ويسكتون عما شجر بينهم وأنهم هم فيه معذورون، أو مخطئون أو مصيبون، ويكفرون مَنْ يسئ لهم، وهم بالجملة خير البشر بعد الأنبياء، (6).

***

د. عدنان عويد

.......................

1- يراجع في ذلك – موقف الإمام الشافعي من علم الكلام – موقع ملتقى أهل الحديث،

2-- المرجع: مقال للدكتور أحمد رشوان – "السلفية قواعد واصول" عن موقع الإسلاميون،

3- يراجع في ذلك: التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة- محمد محمد بنيعيش - مجلة دعوة الحق، العدد 294 جمادى 1-جمادى 2/ نونبر-1992.

4- التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة- محمد محمد بنيعيش - المرجع السابق،

5- التأويل الموضوعي في تحديد السلفية الحقة- محمد محمد بنيعيش – المرجع السابق،

6- يراجع في معرفة المزيد عن مسألة التزكية: كتاب الأصول العلمية للدعوة السلفية- عبد الرحمن عبد الخالق - موقع ندوة الإيمان ، ويراجع كذلك: مقال " " مسألة الإيمان" –محمد عمر سالم بازمول – موقع جامعة ام القرى، كما يراجع ايضاً كتاب – (العواصم من القواصم في تحقيق موقف الصحابة بعد وفاة النبي (ص)،) – لأبي بكر بن العربي- 543- 468 هـ

 

تندرج رواية القوس والفراشة للكاتب المغربي محمد الأشعري ضمن الأعمال السردية التي تنبني على مساءلة عميقة للواقع العربي المعاصر، حيث يتقاطع الذاتي بالموضوعي، ويتحول الخاص إلى مدخل لفهم العام. لا تقف هذه الرواية عند حدود الحكي التقليدي، بل تتجاوزه لتغدو فضاءً للتفكير في التحولات القيمية العنيفة التي مست الإنسان في زمننا الراهن، زمن فقدان اليقين وتصدع المرجعيات الكبرى.

منذ الصفحات الأولى، يجد القارئ نفسه أمام كتابة لا تسير وفق خطية سردية مألوفة، بل تتأسس على التقطيع والتشظي، وكأن النص يعكس في بنيته الداخلية حالة الانكسار التي يعيشها بطله. الزمن في الرواية ليس خطًا مستقيمًا، بل هو شبكة من الاسترجاعات والانقطاعات، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، وتصبح الذاكرة أداة لإعادة تركيب واقع متصدع. هذه التقنية لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تعكس رؤية وجودية للعالم، قوامها أن الحقيقة لم تعد معطى جاهزًا، بل شظايا متناثرة يتعذر الإمساك بها في كليتها.

في قلب هذا البناء السردي المتوتر، تتشكل شخصية يوسف بوصفها نموذجًا للمثقف العربي الذي فقد توازنه أمام تحولات لم يعد قادرًا على فهمها أو التأثير فيها. يوسف ليس بطلاً تقليديًا، بل كائن مهزوم من الداخل، يعيش على إيقاع خيبة مزدوجة: خيبة الذات وخيبة العالم. تتجلى مأساة هذه الشخصية في علاقتها بابنها الذي ينخرط في مسار العنف، وهو ما يحول التجربة الفردية إلى مأزق وجودي وفكري في آن واحد. فالأب هنا لا يفقد ابنه فقط، بل يفقد أيضًا قدرته على الفهم، وعلى تفسير ما يحدث من حوله، وكأن العالم قد انفلت من كل منطق.

العنف في الرواية لا يُقدَّم كحادثة معزولة، بل كبنية عميقة تتغلغل في النسيج الاجتماعي والنفسي. إنه عنف متعدد المستويات، يبدأ من الداخل كتمزق روحي، ثم يمتد ليشمل الواقع في تجلياته الأكثر قسوة. لا تسعى الرواية إلى تفسير هذا العنف تفسيرًا مباشرًا، بل تكتفي بكشف شروطه وإبراز السياقات التي جعلته ممكنًا، وهو ما يمنح النص بعدًا تأمليًا يتجاوز التبسيط أو الإدانة السطحية. فالعنف هنا هو نتيجة لانهيار المعنى، وتفكك الروابط التي كانت تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء.

يحمل العنوان ذاته دلالة رمزية كثيفة، حيث يتجاور "القوس" و"الفراشة" في علاقة توتر دلالي لافت. القوس يحيل إلى الشدّ والاستعداد وربما العنف الكامن، بينما ترمز الفراشة إلى الهشاشة والجمال العابر والتحول. هذا التنافر الرمزي يعكس جوهر الرواية، التي تقوم على مفارقة أساسية: كيف يمكن للكائن الإنساني أن يحتفظ بحساسيته وجماله في عالم مشدود إلى أقصى درجات القسوة؟ إن العنوان لا يختزل مضمون النص، بل يفتحه على أفق تأويلي رحب، يجعل من القراءة تجربة بحث مستمر عن المعنى.

أما اللغة، فتأتي محمّلة بكثافة شعرية واضحة، حيث يميل السرد إلى التأمل أكثر من ميله إلى الحدث، وتتحول الجملة إلى مساحة للتفكير لا مجرد وسيلة لنقل الوقائع. هذه اللغة لا تسعى إلى الإبهار بقدر ما تسعى إلى تعميق الإحساس بالهشاشة، وإلى التقاط التفاصيل الدقيقة التي تكشف عن تشقق العالم من الداخل. كما أن الحضور المحدود للحوار يعزز من طابع الانغلاق الذي يطبع الشخصيات، ويجعلها غارقة في ذواتها، عاجزة عن التواصل الحقيقي مع الآخر.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها سؤالًا فلسفيًا مفتوحًا حول معنى الوجود في عالم فقد انسجامه. إنها لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تدفع القارئ إلى مواجهة قلقه الخاص، وإلى إعادة التفكير في مفاهيم مثل الهوية، والانتماء، والمعنى. فالأب الذي يعجز عن فهم ابنه، والمثقف الذي يفقد صوته، والعالم الذي ينزلق نحو العنف، كلها عناصر تتقاطع لتشكل صورة قاتمة، لكنها صادقة، عن واقع مأزوم.

هكذا تتجاوز القوس والفراشة حدود الحكاية لتغدو نصًا عن انهيار المعنى، وعن الإنسان وهو يواجه عريه الوجودي في زمن مضطرب. إنها رواية تكتب القلق بدل أن تشرحه، وتبني أسئلتها من داخل الجرح، لا من خارجه، وهو ما يمنحها قوتها وفرادتها داخل المشهد الروائي المغربي والعربي.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

قراءة نقدية احتمالية في قصيدة “أنا وأنت” للشاعر عبد الله البردوني

في زمنٍ تتآكل فيه اليقينيات، وتتصدّع البنى الرمزية التي طالما شكّلت وعي الإنسان بذاته وبالعالم، يغدو النصّ الأدبي فضاءً كاشفاً لا للواقع فحسب، بل لطبقات الوعي المضمرة التي تتخفّى خلف اللغة، وتتشكل عبرها في آنٍ واحد. ومن هذا المنظور، ينهض شعر عبد الله البردوني بوصفه خطاباً نقدياً عميقاً، لا يكتفي بتوصيف العطب الاجتماعي، بل يتوغّل في تفكيك آلياته الذهنية والرمزية، كاشفاً عن شبكة معقّدة من التواطؤات بين اللغة والواقع، بين الذات والجماعة، بين ما يُقال وما يُخفى.

تندرج قصيدة "أنا وأنت" ضمن هذا الأفق التفكيكي، حيث تتحول الثنائية الظاهرية (أنا/أنت) إلى بنية انعكاسية، تنقلب فيها المسافة بين الذات والآخر إلى نوع من التطابق المأزوم، وكأنّ الشاعر لا يخاطب غير ذاته الجمعية، تلك التي فقدت قدرتها على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين القيم وأقنعتها. وهنا، لا تعود اللغة أداة شفافة للتعبير، بل تصبح موضوعاً للنقد ذاته، بوصفها جهازاً يُعيد إنتاج الخلل عبر التسمية والتأويل.

إنّ هذه الدراسة تسعى إلى مقاربة النص مقاربة نقدية موسّعة، تنفتح على جملة من الحقول المعرفية، بدءاً من التحليل اللغوي والبلاغي، مروراً بالبنية الجمالية والفنية، وصولاً إلى الأبعاد الفكرية والفلسفية والسوسيولوجية والنفسية والسيميائية. كما تعتمد الدراسة منهج النقد الاحتمالي، الذي لا ينظر إلى النص بوصفه حاملاً لمعنى واحد مكتمل، بل ككيان مفتوح على تعددية الدلالات، حيث يتولّد المعنى من تفاعل النص مع القارئ والسياق، لا من بنية مغلقة أو قصدية ثابتة.

ومن ثمّ، فإنّ الغاية من هذه القراءة ليست القبض على "المعنى الصحيح"، بل استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي يتيحها النص، والكشف عن طاقاته التأويلية التي تتجاوز حدوده الظاهرة. فالنص، في هذا الإطار، ليس جواباً بقدر ما هو سؤالٌ مفتوح، وليس بنية مكتفية بذاتها، بل أفقٌ يتجدّد مع كل قراءة، ويعيد إنتاج ذاته في ضوء اختلاف القرّاء وتحوّل السياقات.

وعليه، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أنّ قصيدة "أنا وأنت" ليست مجرد خطاب شعري، بل هي بنية نقدية عميقة، تُفكّك الوعي الجمعي، وتعيد مساءلة الإنسان العربي في لحظة تاريخية مأزومة، حيث تتقاطع فيها أزمة اللغة مع أزمة القيم، وأزمة الهوية مع أزمة الوجود ذاته. ومن هنا، تأتي أهمية هذه القراءة بوصفها محاولة للنفاذ إلى العمق الدلالي للنص، واستنطاق طبقاته المتعددة، في أفقٍ نقديّ يزاوج بين الدقة المنهجية والانفتاح التأويلي.

تتأسس هذه الدراسة على مقاربة نقدية مركّبة، تستند إلى تداخل المناهج: الأسلوبي، البنيوي، السيميائي، النفسي، والسوسيولوجي، مع اعتماد النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً تأويلياً مفتوحاً، يرى النص شبكةً من المعاني الممكنة لا بنيةً مغلقة. وعليه، لا نسعى إلى تثبيت معنى نهائي، بل إلى تفجير طاقات النص الدلالية، واستكشاف احتمالاته الكامنة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تتسم لغة البردوني هنا بسلامة نحوية واضحة، قائمة على الجمل الفعلية والاسمية ذات التوازي التركيبي:

"أنا وأنت سواء": جملة اسمية تقريرية تؤسس لبنية التماثل.

"نسمّي... ونقول... ونرى...": تكرار الأفعال المضارعة يخلق إيقاعاً تداولياً يعكس استمرارية الخلل.

الانزياحات:

"شعورنا لم يزل طفلاً في خريف الكهولة": انزياح دلالي مركب (طفولة/كهولة) يكشف مفارقة الزمن النفسي.

"سوق النفاق": استعارة بنيوية تحوّل القيم إلى سلع.

جمال الصياغة:

تقوم على اقتصاد لغوي مشحون، حيث تختزن العبارة القصيرة كثافة نقدية عالية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة فصيحة، لكنها غير متعالية؛ بل تنحاز إلى الوضوح الصادم.

التوازن بين اللفظ والمعنى يتجلى في:

بساطة اللفظ مقابل عمق الإدانة.

اختيار مفردات ذات حمولة اجتماعية: (النفاق، الجهل، البضاعة، الأكذوبة).

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

الوزن: يميل إلى الإيقاع الخليلي الحر (قريب من المتدارك).

القافية: موحدة على (ـوله / ـوله)، ما يعزز الإلحاح الدلالي.

التكرار:

"نسمّي" / "نقول" / "نرى": تكرار يشي ببنية ذهنية جمعية مأزومة.

الموسيقى الداخلية:

الجناس: (الجهل / الجهولة)

التقابل الصوتي: (الوحش / الأناس)

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النص يقوم على حوار ضمني بين "أنا" و"أنت"، لكنه في الحقيقة:

مونولوج جمعي يكشف تواطؤ الذات مع ذاتها.

لا وجود لشخصيات بالمعنى السردي، بل:

شخصية جماعية (نحن المنهزمة).

٢. الرؤية الفنية

رؤية تشاؤمية نقدية:

العالم مقلوب القيم.

اللغة ذاتها متواطئة في تزوير الحقيقة.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح

الدهشة تنبع من:

قلب المفاهيم (الجبن = أنثى، الشر = رجولة).

فضح آليات التسمية بوصفها سلطة.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الإنسان كائن عاقل أم منتج للوهم؟

هل اللغة أداة كشف أم تضليل؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

نقد الأيديولوجيا

تفكيك الخطاب الاجتماعي

إرهاصات قريبة من تفكير ميشيل فوكو حول سلطة الخطاب.

٣. البنية العميقة (هيرمينوطيقياً)

النص يخفي:

نقداً للوعي الجمعي

إدانة للثقافة التي تعيد إنتاج الزيف

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. سياق النص

ينتمي إلى واقع عربي:

مأزوم سياسياً وثقافياً

مشبع بالازدواجية الأخلاقية

٢. تطور النوع

النص يمثل:

انتقالاً من الغنائية إلى الشعر النقدي الاجتماعي

٣. علاقته بالتراث

توظيف مفاهيم النسب (عامر / سعد)

نقد العصبية القبلية

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

يسيطر:

الشعور بالمرارة

الاحتقار الذاتي

٢. تحليل الشخصية

"أنا = أنت"

أي:

لا وجود لآخر بريء، بل تواطؤ شامل.

٣. النبرة النفسية

احتجاج زائد سخرية سوداء زائد يأس

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

١. علاقة النص بالواقع

النص مرآة:

لمجتمع يشرعن الزيف

ويعيد إنتاج القيم المقلوبة

٢. الخطاب الاجتماعي

تفكيك السلطة الرمزية

نقد الأعراف

٣. الشاعر كفاعل اجتماعي

البردوني:

شاهد

وناقد

وضمير جمعي مأزوم

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

السوق يساوي الفساد

الطفولة تساوي السذاجة

الكهولة تساوي العجز

٢. الثنائيات

طفولة / كهولة

حقيقة / زيف

إنسان / وحش

٣. النظام الرمزي

النص يبني:

عالماً مقلوباً حيث العلامات فقدت مرجعياتها.

ثامناً: الأسس المنهجية

١. الصرامة

تم اعتماد:

التحليل الأسلوبي

السيميائي

النفسي

الاحتمالي

٢. الموضوعية

التركيز على النص، لا على سيرة الشاعر.

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

١. القيم

النص:

لا يحتفي بالإنسان

بل يفضح سقوطه

٢. الانفتاح التأويلي

النص مفتوح على:

قراءات أخلاقية

سياسية

نفسية

٣. البعد الإنساني

رغم سوداويته:

يمس جوهر الإنسان في كل زمان.

عاشراً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكي هنا مضمر ومشوّه:

يظهر في:

تأنيث الجبن

ربط الرجولة بالعنف

أي:

الجسد مُسيَّس، ومشوَّه رمزياً.

الحادي عشر: القراءة الاحتمالية

وفق النقد الاحتمالي:

احتمالات المعنى:

نص في نقد المجتمع

نص في نقد اللغة ذاتها

نص في تفكيك الهوية

نص وجودي عن سقوط الإنسان

النتيجة الاحتمالية:

المعنى ليس واحداً، بل:

شبكة من الدلالات تتولد مع كل قراءة.

الثاني عشر: قراءة صرفية نحوية

١. الصرف

كثرة الأفعال المضارعة - الاستمرارية

أسماء الجمع - تعميم الأزمة

٢. النحو

الجمل الاسمية -

-  تثبيت الأحكام

العطف المتكرر - تراكم الإدانة

خاتمة:

قصيدة “أنا وأنت” ليست مجرد نص شعري، بل:

مرآة مكسورة يرى فيها الإنسان وجهه مضاعفاً ومشوهاً.

إنها كتابة تقف على تخوم:

الفلسفة

والسوسيولوجيا

والتحليل النفسي

وفي ضوء النقد الاحتمالي، تظل القصيدة:

نصاً مفتوحاً، لا يقول ما يعنيه فقط، بل يعني ما لا يقوله أيضاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

أنا وأنت

يا ابن أمّي أنا وأنت سواء وكلانا غباوة وفسوله

أنت مثلي مغفّل نتلقّى كلّ أكذوبة بكلّ سهولة

ونسمّي بخل الرجال اقتصادا والبراءات غفلة وطفوله

ونسمّي شراسة الوحش طغيانا ووحشيّة الأناس بطوله

ونقول الجبان في الشرّ أنثى ووفير الشرور وافى الرجوله

ونرى أصل "عامر" تربة الأر ض و"سعدا" نرى النجوم أصوله

فننادي هذا هجين وهذا فرقديّ الجدود الخؤولة

نزعم الإنتقام حزما وعزما وشروب النجيع الفحولة

يا ابن أمّي شعورنا لم يزل طفلا وها نحن في خريف الكهولة

كم شغلنا سوق النفاق فبعنا واشترينا بضاعة مرذوله

لا تلمني ولم ألمك لماذا؟ يحسّ الجهل في البلاد الجهوله.

***

الشاعر العربي الكبير عبد الله البردوني

من ديوان العرب إلى المعشّرات الشعرية بوصفها أفقًا للثبات في زمن الحداثة السائلة

ملخص الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى مساءلة وضع الشعر العربي في ظل التحولات الحضارية العميقة التي يشهدها العالم المعاصر، حيث لم يعد الإبداع الأدبي منفصلًا عن التحولات التكنولوجية والرقمية التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالزمن والمعنى واللغة. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الشعر العربي، رغم ما يبدو من تراجع حضوره في المجال التداولي السريع، لم يفقد وظيفته الثقافية والمعرفية، بل أعاد تعريف ذاته بوصفه ممارسة رمزية مقاومة لسيولة العصر.

وتسعى هذه القراءة إلى تتبع المسار التاريخي للشعر العربي منذ نشأته في العصر الجاهلي باعتباره "ديوان العرب" وحافظ ذاكرتهم الجمعية، مرورًا بدوره في صدر الإسلام، ثم انتقالًا إلى تقاليد المختارات الشعرية التي أسست الذائقة النقدية العربية، وصولًا إلى قراءة المعشّرات الشعرية عند الدكتور فيصل الشرايبي باعتبارها شكلًا جماليًا يعيد إنتاج النظام داخل زمن التفكك الثقافي. وتخلص الدراسة إلى أن الشعر، بدل أن ينقرض في العصر الرقمي، أصبح أكثر ارتباطًا بوظيفة المقاومة الرمزية وإعادة بناء المعنى.

على سبيل التقديم:

 الشعر بوصفه ذاكرة الحضارة العربية

يُعرَّف الشعر الجاهلي تقليديًا بأنه كلام موزون ومقفّى و يدل على معنى، غير أن هذا التعريف العروضي يظل مدخلًا شكليًا فقط لفهم ظاهرة أعمق بكثير. فالشعر في الثقافة العربية القديمة لم يكن مجرد فن لغوي، بل نظامًا معرفيًا شاملًا مثّل وسيلة العرب لفهم العالم وتسجيل خبرتهم التاريخية والاجتماعية والوجدانية. ولذلك وصفه النقاد القدماء بأنه "ديوان العرب"، أي الأرشيف الرمزي الذي حفظ أنسابهم وحروبهم وقيمهم الأخلاقية وصور حياتهم اليومية (طه حسين، 1926).

وقد ارتبط الشعر بالذاكرة الشفوية في مجتمع لم يعتمد التدوين المبكر، فكان البيت الشعري يؤدي وظيفة الوثيقة التاريخية، بينما تحوّل الشاعر إلى مؤرخ ومفكر ومتحدث رسمي باسم الجماعة. ومن هنا نفهم لماذا احتلت القصيدة مكانة تتجاوز الترف الجمالي لتصبح أداة إنتاج للهوية الثقافية الجماعية.

أولًا: مكانة الشاعر بوصفه لسان القبيلة

احتل الشاعر داخل القبيلة العربية منزلة استثنائية جعلته أقرب إلى سلطة رمزية تتجاوز سلطة المحارب أحيانًا. فقد كان الشاعر يُسمّى "لسان القبيلة" لأنه المدافع عن شرفها والناطق باسم مجدها، وكانت قصيدته قادرة على رفع شأن القبيلة أو إلحاق العار بها عبر الهجاء. وتشير المصادر التراثية إلى أن القبائل كانت تحتفل بظهور شاعر جديد كما يُحتفل بميلاد بطل أو قائد، لأن امتلاك شاعر يعني امتلاك قوة خطابية قادرة على حماية السمعة القبلية (ابن سلام الجمحي، د.ت).

إن هذه المكانة تكشف عن وعي مبكر بقوة اللغة بوصفها سلطة اجتماعية، حيث لم يكن الصراع دائمًا بالسيف بل بالكلمة أيضًا. ولذلك أصبح الشعر مجالًا للصراع الرمزي بين القبائل، مما رسّخ مركزية البلاغة والبيان في الثقافة العربية.

ثانيًا: الصحراء وصدق التجربة الشعرية

نشأ الشعر الجاهلي داخل فضاء صحراوي مفتوح، وهو فضاء لا يمنح الإنسان سوى التجربة المباشرة مع الطبيعة، حيث القسوة والاتساع والصمت الطويل. وقد انعكس هذا الواقع البيئي على اللغة الشعرية التي اتسمت بالوضوح الحسي والارتباط بالمشاهدة المباشرة. فالشاعر الجاهلي لم يكن يصف الطبيعة من بعيد، بل يعيش داخلها ويتماهى معها، لذلك جاءت صوره الشعرية قائمة على الحركة والملموس والمحسوس.

ويتجلى ذلك في كثافة حضور عناصر مثل الليل والمطر والريح والناقة والفرس، وهي عناصر لا تؤدي وظيفة زخرفية بل تعبّر عن تجربة وجودية يعيشها الشاعر يوميًا. ويظهر هذا الاندماج في وصف امرئ القيس لفرسه:

(مكرٍّ مفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معًا........كجلمودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من علِ)

حيث تتحول الصورة إلى مشهد سينمائي متحرك يعكس القوة والسرعة والانفجار الحركي، وهو ما يدل على أن الصدق الشعوري في الشعر الجاهلي كان نابعًا من التجربة المعاشة لا من التصنع البلاغي.

ثالثًا: بناء القصيدة الجاهلية ورحلة المعنى

تميزت القصيدة الجاهلية ببنية فنية شبه مستقرة تعكس رؤية العربي للعالم باعتباره رحلة دائمة. فالمقدمة الطللية لم تكن مجرد بكاء على الأطلال، بل وقفة تأملية أمام الزمن والغياب وتحول المكان من حضور إلى أثر. أما المقدمة الغزلية فكانت تمثل استدعاءً للذاكرة العاطفية قبل الانتقال إلى موضوعات الفخر أو الوصف أو الحرب.

ويكشف هذا البناء عن وعي زمني عميق يقوم على الانتقال من الذات إلى الجماعة، ومن الحنين إلى الفعل. كما يمكن ربط هذه الحركة الشعرية بثقافة الترحال والتجارة الموسمية التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: «لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف»، حيث يصبح السفر جزءًا من البنية الذهنية التي تشكلت داخلها القصيدة العربية.

رابعًا: الشعر في صدر الإسلام ووظيفة الكلمة

مع ظهور الإسلام لم يتم إقصاء الشعر، بل أعيد توجيهه أخلاقيًا ووظيفيًا. فقد أصبح الشعر وسيلة للدفاع الرمزي عن الجماعة الجديدة، وبرز شعراء مثل حسان بن ثابت الذين استخدموا القصيدة سلاحًا معنويًا في مواجهة الخصوم. وهنا يتجلى تحول الشعر من التعبير القبلي إلى التعبير الحضاري المرتبط بالقيم الدينية.

وتجسد قصة كعب بن زهير، حين أنشد قصيدته "بانت سعاد" طالبًا العفو من الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي؛ إذ إن إهداء النبي بردته للشاعر لم يكن مجرد فعل شخصي، بل اعتراف رمزي بقيمة الشعر حين يتجه نحو الصدق والتسامح والجمال (ابن هشام، د.ت).

خامسًا: المختارات الشعرية وتشكيل التلقي الشعري والذوق الأدبي

أسهمت المختارات الشعرية في نقل الشعر من التداول الشفوي إلى الوعي النقدي المنظم. فقد قامت هذه المصنفات بعملية انتقاء واعٍ للنصوص وفق معايير الجودة الفنية والبلاغية، مما أسس لما يمكن اعتباره بداية النقد الأدبي العربي. وكانت المعلقات والمفضليات وجمهرة أشعار العرب وباب الحماسة لأبي تمام نماذج مبكرة لتشكيل الذوق الأدبي.

وقد تكرست هذه العملية النقدية في كتب مثل طبقات فحول الشعراء لابن سلام والعقد الفريد لابن عبد ربه، حيث لم يعد الشعر مجرد إنشاد بل موضوعًا للتحليل والتصنيف والمقارنة. وقد مثّلت دراسة هذه النصوص في الجامعة، خصوصًا ضمن دروس النقد القديم مع الدكتور فيصل الشرايبي، تجربة معرفية أعادت ربط الطلبة بالتراث بوصفه مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل.

سادسًا: الحداثة السائلة والثقافة الرقمية

يطرح زيغمونت باومان مفهوم الحداثة السائلة لوصف عالم فقد ثباته المؤسساتي وأصبح قائمًا على التحول المستمر والهويات المتغيرة (Bauman, 2000). وفي هذا السياق لم تعد الثقافة إنتاجًا طويل الأمد، بل أصبحت تدفقًا سريعًا للمحتوى الرقمي الذي يختفي بالسرعة نفسها التي يظهر بها.

وتتجلى سيولة الثقافة في هيمنة الصورة، وتسارع الاستهلاك المعرفي، وتراجع القراءة العميقة لصالح التصفح السريع. وهذا التحول لم يؤثر فقط في أنماط التواصل، بل أعاد تشكيل علاقة الإنسان باللغة نفسها، حيث أصبحت الكلمات قصيرة العمر داخل اقتصاد الانتباه الرقمي.

سابعًا: وضع الشعر في عصر التكنولوجيا

رغم هذا التحول الجذري، لم يختف الشعر، بل تغيرت وظيفته الثقافية. ففي زمن السرعة، أصبح الشعر مساحة للبطء التأملي، وفي عالم الاستهلاك اللحظي صار النص الشعري تجربة مقاومة للزوال السريع. وهكذا لم يعد الشعر مركز الثقافة الجماهيرية كما كان، لكنه احتفظ بوظيفته العميقة باعتباره مجالًا لإعادة بناء المعنى الشخصي والوجودي.

إن القراءة الشعرية تتطلب زمنًا مختلفًا، زمنًا يعيد للإنسان علاقته بالتأمل، ولذلك يمكن اعتبار استمرار الشعر دليلًا على حاجة الإنسان الدائمة إلى العمق الرمزي مهما تسارعت الوسائط التقنية.

ثامنًا: المعشّرات الشعرية كاستراتيجية جمالية ضد السيولة

تكشف المعشّرات الشعرية، كما حللها فيصل الشرايبي (2025)، عن وعي جمالي يسعى إلى إعادة النظام داخل النص عبر بنية عددية وإيقاعية دقيقة. ولا يمكن فهم هذا الشكل بوصفه مجرد تجربة تقنية، بل باعتباره ردًا جماليًا على فوضى العصر.

فالتنظيم العددي والإيقاعي في المعشّرات يعيد الانتباه إلى البناء، ويجعل القارئ يعيش تجربة قراءة منظمة في مواجهة التدفق الفوضوي للمحتوى الرقمي. وهكذا تتحول المعشّرات إلى نموذج شعري يوازن بين التراث والإبداع، بين الثبات والتجدد، وبين الذاكرة الثقافية والوعي المعاصر.

الخاتمة: الشعر كقوة توازن حضاري

تبيّن هذه الدراسة أن الشعر العربي لم يكن ظاهرة جمالية معزولة، بل ممارسة حضارية رافقت تشكل الوعي العربي منذ الجاهلية حتى العصر الرقمي. وإذا كانت الحداثة السائلة قد جعلت العالم أكثر هشاشة وتسارعًا، فإن الشعر يظل أحد آخر الفضاءات التي يستطيع الإنسان داخلها إعادة بناء علاقته بالمعنى والزمن.

ومن امرئ القيس إلى المعشّرات الشعرية المعاصرة، يستمر الشعر في أداء وظيفته الأساسية والتي تتمثل في  تثبيت التجربة الإنسانية داخل لغة قادرة على مقاومة النسيان. وكلما ازداد العالم سيولة، ازداد الشعر ضرورة، لأنه يمنح الإنسان إمكانية الإقامة الرمزية داخل اللغة بدل الذوبان في تدفقها.

نتائج الدراسة

الشعر الجاهلي أسس الذاكرة الثقافية العربية بوصفه ديوان العرب.

الشاعر أدى وظيفة اجتماعية وسياسية باعتباره لسان القبيلة.

لمختارات الشعرية شكلت أساس الوعي النقدي العربي.

الثقافة السائلة أعادت تشكيل علاقة الإنسان باللغة.

المعشّرات الشعرية تمثل مقاومة جمالية ضد التفكك الثقافي.

***

د. منير محقق

......................

المراجع والمصادر (APA)

ابن سلام الجمحي. (د.ت). طبقات فحول الشعراء. القاهرة: دار المعارف.

ابن عبد ربه الأندلسي. (د.ت). العقد الفريد. بيروت: دار الكتب العلمية.

ابن هشام. (د.ت). السيرة النبوية. القاهرة: دار الحديث.

الشرايبي، فيصل. (2025). المعشّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها. دار بصمة للنشر والتوزيع.

طه حسين. (1926). في الأدب الجاهلي. القاهرة: دار المعارف.

Bauman, Z. (2000). Liquid Modernity. Cambridge: Polity Press.

Abu Tammam. (1981). Diwan al-Hamasa. Beirut: Dar Sadir.

 

دراسة مقارنة في ضوء المدرستين البصرية والكوفيّة

يحتلّ الزمخشري مكانةً فريدة في التراث اللغوي العربي؛ إذ لم يكن نحويّاً صرفاً، ولا مفسّراً تقليدياً، بل كان مشروعاً معرفياً متكاملاً جمع بين صرامة النحو، وشفافية البلاغة، وجرأة التأويل العقلي. ومن هنا تبرز ضرورة مقاربته في ضوء المدرستين: البصرية والكوفيّة، لفهم موقعه بينهما، بل وتجاوزه لهما.

أولاً: الزمخشري وامتداد الروح البصرية

ترتكز المدرسة البصرية على القياس، والتقعيد الصارم، والبحث عن العلل النحوية، وقد تأثر بها أعلام مثل سيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي.

وقد انعكس هذا المنحى في فكر الزمخشري عبر:

١. تعظيم القياس اللغوي.

كان يميل إلى ردّ الظواهر اللغوية إلى أصولها القياسية، رافضاً الشذوذ إلا لضرورة، وهو ما يظهر جلياً في تحليلاته في المفصل في صنعة الإعراب.

٢. البحث عن العلة:

لم يكتفِ بالإعراب، بل سعى إلى تعليل الظواهر، رابطاً بين الشكل النحوي والمعنى الدلالي، وهو منهج بصري أصيل.

٣. مركزية الفصحى النموذجية

تبنّى اللغة المعيارية القائمة على القرآن والشعر الفصيح، رافضاً التوسّع في اللهجات.

ثانياً: الزمخشري وانفتاحه على الروح الكوفية

أما المدرسة الكوفية، التي يمثلها الكسائي والفراء، فقد اتسمت بالمرونة، وقبول الشواهد المتعددة، والانفتاح على اللهجات.

وقد اقترب الزمخشري منها في:

١. الاعتداد بالسماع

لم يهمل الشواهد الخارجة عن القياس إذا ثبتت بالسماع، خصوصاً في تفسير القرآن.

٢. التوسع في التوجيه

كان يقبل أوجهاً إعرابية متعددة للنص الواحد، ما دامت تؤدي معنى سائغاً.

٣. العناية بالمعنى قبل الشكل

وهي سمة كوفية واضحة، إذ كان يقدّم الدلالة على الصياغة الجامدة.

ثالثاً: الزمخشري بوصفه مشروعاً تركيبياً

هنا تتجلّى عبقرية الزمخشري:

فهو لم يكن تابعاً لمدرسة، بل مؤسساً لرؤية تركيبية تمزج بين:

صرامة البصريين في التقعيد

مرونة الكوفيين في التوجيه

عمق البلاغيين في الكشف الدلالي

ويتجلى هذا المزج بوضوح في كتابه الكشاف، حيث تتحول الآية من بنية نحوية إلى فضاء بلاغي حيّ.

رابعاً: البلاغة عند الزمخشري – من الصناعة إلى الرؤية

لم يتعامل الزمخشري مع البلاغة بوصفها زينة لفظية، بل باعتبارها جوهر المعنى. وقد تأثر في ذلك بتراث عبد القاهر الجرجاني، خاصة في نظرية النظم.

أبرز معالم رؤيته:

النظم أساس المعنى: ترتيب الكلمات ليس اعتباطياً، بل هو سر الدلالة.

السياق هو الحاكم: لا معنى خارج مقتضى الحال.

التأويل البلاغي: كشف المعاني العميقة عبر التحليل البياني.

خامساً: أثر الزمخشري في الفكر اللغوي

ترك الزمخشري أثراً بالغاً فيمن جاء بعده، مثل:

ابن يعيش في شروح المفصل

السكاكي في تطوير علم البلاغة

البيضاوي في التفسير

حيث أصبح منهجه نموذجاً يُحتذى في الجمع بين التحليل اللغوي والتأويل البلاغي.

خاتمة

إنّ الزمخشري لم يكن مجرد نحويٍّ يشرح القواعد، ولا مفسّرٍ يكرر الأقوال، بل كان مفكّراً لغوياً يؤمن بأن اللغة كائن حيّ، وأن المعنى لا يُولد من القاموس، بل من التوتر الخلّاق بين اللفظ والسياق والعقل.

لقد تجاوز ثنائية البصرة والكوفة، ليؤسس أفقاً ثالثاً يمكن تسميته بـ:

"النحو البلاغي التأويلي"

حيث تتحول اللغة من نظامٍ مغلق إلى كونٍ مفتوحٍ على المعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في نصه "جنوبي أنا" ركز عادل السرحان في عنوانه على تأكيد متفرد، حدد من خلاله هويته دون مواربة أو تنكر، وهو ما يعد تجسيداً لصفة جعلها ملاصقة له، تحدد هويته بشكل معلن، أراد لها أن تكون ثابتة عبر التكرار (جنوبي أنا)، وهو أسلوب قوي تعمده الشاعر لتثبيت الانتماء وإبرازه على ما سواه. وبمفهوم مبسط أكثر، أراد السرحان أن يؤكد هويته مهما كانت الظروف أو الأحوال. أي أن تكرار العبارة في الشعر الحديث يُستخدم لتأكيد الهوية وبناء المعنى.

وظف السرحان في نصه لغة مبسطة نابعة من التجربة الحياتية ومن المتداول اليومي مثل «حبوبي، العيب والفشلة»، وهي مفردات متداولة في الكلام اليومي باللهجة الجنوبية الدارجة التي يعرفها الناس ويتفاهمون بها، كأن عادل السرحان عمد لأن يكون النص في سياق »التبسيط« الذي نعمل عليه كمنهج دَعونا له في النقد، واستنبطنا له قواعد نصية دالة أسميناه »المُفَرغة«، يعمل على تقديم القراءات النقدية بصورة مبسطة خالية من التعقيد في التوصيف والتقديم والاستعارة، مما يجعله قريباً من القراء اولاً، ويسهل على الفهم من جهة أخرى. فما بالك والنص الذي قدمه عادل السرحان بتوظيف اسلوب التبسيط أصلاً. "أن استخدام اللغة اليومية في الشعر يعزز الصدق ويقرب النص من المتلقي" ( ويليام وردزورث)*.

ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّة

من صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)

تشرق شمسي من سعف النخيل

وتغرب خلف خطوط الكهرباء

في الأفق الخجول

تعلّمتُ البكاء قبل الولادة

وحين خرجت من بطن أمي

أدخلوني مدرسة الأحزان

تعلّمتُ (العيب والفشلة)

ولتقريب الصورة ذهب السرحان لتوظيف صور من الطبيعة الجنوبية في العراق، ليشكل منها "عنصراً أساسياً" في نصه، أراد من خلالها اظهار مدى تأثره الشخصي بتلك الطبيعة التي عاش في ثناياها، فجاء على ذكر (النخيل، النهر، البساتين)، أي ذهب ليقول أن الطبيعة التي ضَمَن النص توصيفها هي التي شكلت شخصيته، ذلك "أن المكان الطبيعي يساهم في تشكيل نفسية الإنسان وخياله" ( ويليام وردزورث)*.

لذلك خرجت من بطن أمي بولادة قيصرية

جنوبي أنا قريته الدنيا

وعالمه مدينة يصل إليها بباص خشبي مرة كل عام

جاور الشط والبحر

فصار قلبه مرسى لكل الوجوه

جنوبي أنا شربتُ من ماء النهر

فصرتُ طيباً مثل (حمرية)

وتحت ظل نخلة

استطاع السرحان أن يجسد صورته الشعرية في هذا المقطع بأسلوبوصفي أعتمد السرد للدلالة على حجم المعاناة التي مثلها بجمل تحمل صوراً شعرية مقارنة مثلت أفقاً مفتوحاً، دخل إليها من حدود ضيقة أشار إليها بالمكان (جنوبي أنا) ليظهر منها إلى آفاق بعيدة مفتوحة لاحدود لها حين قال ( قريته الدنيا)، وهو اسلوب يوظف الشاعر من خلاله تحديد الصورة التي جاءت بصيغة مبالغة تحمل في طياتها التحديد والانتشار، لذلك عمد السرحان لتكرار التوصيف والدلالة في النص، حين قال: (فصار قلبه مرسى لكل الوجوه)، والمعروف أن المرسى يستقبل كل ما هو قادم ويودع من رحل، و(كل الوجوه) تعبير لامتناهي ليس فيه استثناء أو احتكار على فئة دون سواها، وهي صيغة مبالغة أيضاً تضفي مزيد من التشويق والغرابة على بنية النص وشكله النهائي، يؤتى بها لاستكمال التشكيل الشعري وعدم القصور في الجملة الشعرية، فما بدأ بأفق مفتوح لايستكمل بالحصر والتحديد، وإلا سيكون هناك قصور في تحديد الصورة وضبابية في ملامحها الجمالية وايقاعها الداخلي، الذي ضمنه السرحان التكرار كعنصر تأكيد على المعاناة والتفرد بالهوية وجغرافية المكان.

فيما كان توظيف كلمة "المرسى" الذي أشار إليه من جهة ثانية للتعبير عن الانتماء للناس، أي توظيف البعد الاجتماعي في النص كي لايكون في معزل عن القارئ، فيما جاء السرحان برموز أخرى مثلها ب (الماء، والنخلة، النهر، حمرية)، وهي "نوع من السمك النهري محبب لدى أقرانه في البصرة" ، ليؤكد على الصفاء والحياة اللذان يمثلهما الماء، والنخلة وتلك السمكة الوديعة، وهذه كلها تمثل رموزاً للاستقرار والأمان، وهي من العناصر التي تعبر عن الروابط العاطفية والثقافية المرتبطة بالمكان.

أراد السرحان أن يميز نصه بخصوصية لا تشابه النصوص الأخرى، فركز على الهوية الجنوبية كتمثيل لجغرافية قد تمتاز بها "البصرة" جنوب العراق على غيرها من المناطق الأخرى، فأتى على ذكر النهر والبحر، وهي رموز محددة بمدينة البصرة مما يمنح النص شعوراً بالخصوصية الثقافية المتفردة. كما سعى لان يجعل من التنوع في الزمن بين الماضي (خرجت من بطن أمي)، والحاضر (أكتب تحت ظل نخلة) كسياق متصل للحياة يرتبط بالذاكرة والمكان.

بكل دقة استطاع السرحان أن يشكل صيغة الربط بين الإنسان والطبيعة كدالة في النص تجسد صورة أن الإنسان جزء من المكان، والذي بدوره يتأثر بما في ذلك المكان من عناصر الحياة ك (الماء والكائنات الأخرى)، تجسيداً لمقولة (أن الإنسان ابن بيئته). وفي التعبير عن الحزن أورد السرحان عبارة تحمل من قوة التأثير ما يهز كيان القارئ، قصد منها تبيان أن ذلك "الحزن قديم ومتجذر في حياته، وهي صورة وجدانية هائلة تأتي على غرار ما جاء به "زامل سعيد فتاح"** حين قال عام 1979

"عد وأنا عد ونشوف

ياهو أكثر هموم

من عمري سبع سنين

وقليبي مهموم"

لذلك ذهب السرحان ليؤكد شعوره بأن المعاناة بدأت معه منذ البداية.وهنا يشير "سيغموند فرويد" في نظرياته إلى أن التجارب المبكرة (حتى الرمزية منها) تؤثر في تكوين الإنسان النفسي. حيث عمد عادل السرحان للعب على وتر الحالة النفسية للقارئ، لا لغرض استعطافه؛ بل لإجباره على مواصلة القراءة والتفاعل مع النص، بل ربما أبعد من ذلك "لتقبله" نفسياً قبل التفاعل مع جماليته وموسيقاه وبرورز صوره وتأثيراتها عليه (أي القارئ)، رغم اكتمال عناصر بناءه السردية والوصفية، ودقة معانيه وصوره الجمالية والتي منحته بعداً إنسانياً رائعاً حين جسدها السرحان بالتزامن مع العوامل النفسية والصبغة الوجدانية التي أراد لها أن تطغى بشكل عام على النص.

الانطباع العام الذي خرجنا به أن النص يعكس حنيناً للأصل والجذور، وارتباطاً بالأرض والمكان، وظف فيه عادل السرحان "اللغة التصويرية" لتقريب القارئ من تجربة الشاعر الشخصية، مع إيحاءات رمزية عميقة مثل الطيبة والانفتاح على الآخرين. النص عبارة عنأبيات (تجمع بين السرد والرمزية)، ركز فيها الشاعر على الهوية الجنوبية والانتماء للأرض والماء والبشر، بأسلوب قريب من القلب جسده بصور حسية قوية.

ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّة

من صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)

تشرق شمسي من سعف النخيل

وتغرب خلف خطوط الكهرباء

في الأفق الخجول

تعلّمتُ البكاء قبل الولادة

وحين خرجت من بطن أمي

أدخلوني مدرسة الأحزان

تعلّمتُ (العيب والفشلة)

لذلك خرجت من بطن أمي بولادة قيصرية

جنوبي أنا قريته الدنيا

وعالمه مدينة يصل إليها بباص خشبي مرة كل عام

جاور الشط والبحر

فصار قلبه مرسى لكل الوجوه

جنوبي أنا شربتُ من ماء النهر

فصرتُ طيباً مثل (حمرية)

وتحت ظل نخلة

عرفتُ الشموخ

وعلمتني بقرةٌ كيف أكون متسامحاً

جنوبي أنا ينسى كفّيه في كفي من يودعهم

وعينيه في عيونهم

وينام وشهقة البكاء توقظه

أناشيده التي تغنيها البساتين

والطيور والضفاف الوادعة

تولد مثل البراعم والفراشات والندى كل صباح

***

سعد الدغمان

العربية ككائنٍ حيّ لا كقالبٍ جامد

ليس يسيراً أن نُقيم حدّاً فاصلاً بين “اللغة” و“اللهجة” و“الحرف” في العربية، لأنّ هذه الألفاظ - على ما يبدو من تمايزها الاصطلاحي - إنما تتقاطع في نسيجٍ حيٍّ واحد، هو نسيج اللسان العربي في تشكّله التاريخي. فالعربية لم تنشأ بوصفها نسقاً مقعَّداً جاهزاً، بل تخلّقت في فضاء قبليّ متشعّب، حيث تتجاور الأصوات كما تتجاور البيئات، وتتغاير الألسن كما تتغاير الطبائع.

ومن هنا، فإنّ ما اصطلح عليه القدماء بـ“لغات العرب” لم يكن دليلاً على انقسام، بل شاهداً على ثراء داخليّ، جعل العربية أشبه بكائنٍ يتنفس عبر رئات متعددة، دون أن يفقد وحدة قلبه.

أولاً: في تحديد المفاهيم بين القدماء والمحدثين

لم يضع علماء العربية الأوائل تعريفات حدّية صارمة كالتي عرفها اللسانيون المحدثون، غير أنّ استقراء نصوصهم يكشف عن تمييزٍ دقيق بين ثلاث طبقات:

1- اللغة:

هي الإطار الكلّي الجامع، أو ما عبّر عنه بعضهم بـ“لسان العرب”، وهو النسق الذي تنتظم فيه القواعد النحوية والصيغ الصرفية والدلالات المعجمية. وقد أشار سيبويه في “الكتاب” إلى هذا المعنى حين جعل الاحتجاج منصبّاً على كلام العرب الفصحاء، لا على قبيلة دون أخرى.

2- اللهجة:

وهي صورة من صور الأداء اللغوي داخل قبيلة أو إقليم، تتميّز بخصائص صوتية أو تركيبية أو معجمية، لكنها لا تخرج عن البنية العميقة للغة. وقد عبّر ابن جني عن ذلك بقوله إنّ “اختلاف اللغات كلّه حجة”، ما دام منسوباً إلى عربٍ فصحاء.

3- الحرف (بالمفهوم التراثي):

ليس هو الحرف الهجائي فحسب، بل هو - عند كثير من النحاة - سمة صوتية جزئية، كالإبدال والإدغام والتخفيف، أي ما نسمّيه اليوم “الظاهرة الفونولوجية اللهجية”. ولذلك قيل: “فيه كشكشة ربيعة” و“طمطمانية حمير”، فجُعل الحرف علامةً جزئية داخل نسقٍ أوسع.

ثانياً: الظواهر الصوتية بين الوصف والتقعيد

لقد سجّل علماء العربية ظواهر صوتية دقيقة تُظهر مدى حسّهم الفونولوجي المبكّر، ومن ذلك:

الكشكشة (عليش بدل عليك)

الكسكسة (عليكس)

الشنشنة

العنعنة (عنّك بدل أنّك)

الفحفحة

العجعجة (قلب الياء جيماً)

اليأيأة

الطمطمانية (أمبيت بدل البيت)

التلتلة (تِعلم بدل تَعلم)

الاستنطاء (أنطى بدل أعطى)

وقد نظر إليها الخليل بن أحمد الفراهيدي بوصفها تنويعات طبيعية، لا انحرافات، إذ إنّ اللغة - في نظره - طاقة اشتقاقية وصوتية تتّسع لأكثر من وجه.

أما المبرد، فكان أميل إلى الانتقاء، فعدّ بعض هذه الظواهر قليلاً لا يُقاس عليه، وإن لم ينفِ فصاحته في موضعه.

ثالثاً: مدارس النحو ومناهج النظر إلى اللهجات

1- المدرسة البصرية (المنهج التقعيدي):

مالت إلى بناء نموذج معياري للعربية، فاختارت من لهجات القبائل ما وافق القياس وكثرة الاستعمال، وأعرضت عمّا رأت فيه ندرة. وقد مثّل هذا الاتجاه سيبويه والمبرد.

2- المدرسة الكوفية (المنهج التوسّعي):

كانت أكثر تسامحاً، وأوسع قبولاً للشواهد، حتى لو كانت قليلة، ما دامت عربية الأصل. ويُعدّ الكسائي من أبرز ممثلي هذا الاتجاه.

3- فقهاء اللغة (المنهج التأصيلي):

نظروا إلى الظواهر اللهجية بوصفها فروعاً لأصلٍ واحد. وقد أكّد ابن فارس في “الصاحبي” أنّ العربية ترجع إلى أصول محدودة تتفرّع عنها الاستعمالات، وهو ما يشبه - بلغة معاصرة - فكرة “البنية العميقة”.

رابعاً: لهجات اليمن والجنوب العربي في ضوء التراث

تمثّل لهجات اليمن القديمة (كلهجات حمير وكندة وحضرموت) مخزوناً صوتياً فريداً، وقد حفظت لنا المصادر إشارات مهمّة عنها:

الطمطمانية الحميرية: إبدال “أل” بـ“أم”، وهو أثرٌ واضح في نقوش جنوب الجزيرة.

القلب الصوتي لبعض الحروف: كما في ظواهر قريبة من الاستنطاء والعنعنة.

بقايا لغات الجنوب العربي (السبئية والمعينية والقتبانية): وهي وإن كانت لغات سامية شقيقة، فقد أثّرت في العربية الجنوبية من حيث المعجم والبنية الصوتية.

كما تظهر آثار هذه اللهجات في امتداد جغرافي نحو عُمان وجنوب الجزيرة، بل وفي بعض لهجات القرن الإفريقي نتيجة الاحتكاك التاريخي.

خامساً: هل اللهجات لغات؟ قراءة في البنية العميقة

إنّ السؤال: “هل اللهجات لغات؟” سؤال حديث في صيغته، قديم في مضمونه.

والجواب، في ضوء التراث العربي، يتلخّص في الآتي:

اللهجات ليست لغات مستقلة من حيث:

النظام النحوي،

البنية الصرفية،

الجذر الاشتقاقي.

لكنها أنظمة فرعية حيّة تعبّر عن:

تحوّلات صوتية،

تطوّرات دلالية،

سياقات تاريخية واجتماعية.

وقد حفظت العربية وحدتها بفضل عناصر ثلاثة:

نظام الاشتقاق الجذري

البنية النحوية المستقرة

المرجعية القرآنية التي شكّلت معياراً أعلى للفصاحة

سادساً: من لهجات القبائل إلى لهجات العصر

إذا كانت الكشكشة والعنعنة والطمطمانية تمثّل تعدّداً قبلياً قديماً، فإنّ اللهجات المعاصرة تمثّل تعدّداً مركّباً نشأ عن:

اتساع الدولة الإسلامية

التفاعل مع لغات كالفارسية واليونانية والقبطية والأمازيغية

التحوّلات الاجتماعية والسياسية

ومع ذلك، فإنّ كثيراً من الظواهر القديمة ما زال حيّاً في لهجات اليوم، مما يدلّ على استمرارية السلسلة الصوتية عبر الزمن، وكأنّ اللسان العربي يحتفظ بذاكرته العميقة رغم تغيّر سطوحه.

سابعاً: الوعي اللغوي بين الحفظ والتجديد

إنّ الجهل بتاريخ الظاهرة اللغوية يُفضي إلى أحكامٍ متعجّلة، فيُظنّ التنوّع فساداً، ويُحسب الاختلاف انحرافاً. غير أنّ الوعي الرشيد يقتضي:

صيانة الفصحى بوصفها وعاءً حضارياً جامعاً

فهم اللهجات بوصفها امتداداً تاريخياً لا خصماً بنيوياً

فاللغة التي لا تتجدّد تموت، والتي تفقد معيارها تتفكّك.

خاتمة: وحدة تتجلّى في التعدّد

ليست العربية نهراً واحداً ساكناً، بل منظومة أنهارٍ تلتقي في مصبٍّ واحد.

الكشكشة أثرُ قبيلة، والطمطمانية شاهدُ تاريخ، والعنعنة وجهٌ من وجوه التلوين الصوتي.

وهكذا تظلّ العربية:

ليست واحدةً بالجمود، ولا متعدّدةً بالانفصال،

بل هي وحدةٌ حيّة تتجلّى في تعدّدها، وتعدّدٌ منسجم يحيا في وحدتها؛

وذلك سرّ بقائها، وعنوان خلودها في الزمن اللغوي

***

بقلم: عماد خالد رحمة- برلين

 

إنَّ شِعار «كشف المسكوت عنه» في النصِّ الأدبي شِعارٌ زائف في كثير من استعمالاته؛ من حيث إنَّه لا بُدَّ أن يوجد مسكوتٌ عنه ما في كلِّ مجتمعٍ طبيعي. بل إنَّ مجتمعًا بلا نِسبة مسكوت عنه ليس بمجتمعٍ إنسانيٍّ أصلًا، بل هو غابة، بلا نظامٍ اجتماعي، ولا قانونٍ معرفي، أو علاقات أخلاقيَّة. ولذا من المهمِّ، والحالة هذه، أن نحرِّر أُفهومنا حول «المسكوت عنه»، في ضوء الدِّين والقوانين والأعراف، ماذا نعني به؟ وأيُّ مسكوتٍ عنه؟ وهل كلُّ المسكوت عنه يقال؟ وما الغاية من وراء تحويل المسكوت إلى منطوق أو مكتوب؟ آلفضح أم الإصلاح؟ وهل نعتقد أننا نُصلِح بكشف تلك المسكوتات عنها؟ ثمَّ أيُّ الكفَّتَين سترجح: المصلحة أم المفسدة؟ هل نشر الرذائل، وإشاعة الفواحش، والأعمال الإجراميَّة، وساقط الأقوال والأفعال، ومنحطَّات الأخلاق والسلوكيَّات، في الأعمال الأدبية، ولاسيما الروائيَّة، هي من الأدب في شيء؟ أم أنَّ الهدف، المباشر أو غير المباشر، إنما هو تطبيع القرَّاء، من صغارٍ ومراهقين وكبار، على استساغة ما لا يُستساغ، وعدم الاشمئزاز منه، وتجميل أبطاله، وجعلهم نماذج يُتعاطف معها، ونجومًا يُهتدَى بها؟ وهل ذلك كلُّه تبرِّره لافتة «كشف المسكوت عنه في المجتمع»؟ أم هو يندرج في ما يمكن أن يُسمَّى (الجرائم الأدبيَّة)، التي ينبغي أن تشملها أنظمة مكافحة الفساد في المجتمعات المعاصرة؟

قلتُ لـ(ذي القُروح)، وهو مسترسلٌ في مساءلاته:

ـ ثُمَّ هل حقًّا ما تُبالغ في تصويره بعض الروايات هو (كشف مسكوتٍ عنه)؟ أم هو (نطق بغير موجود، لكي يكون موجودًا واعتياديًّا)؟!

ـ ما تطفح به بعض الأعمال هو حالات، نادرًا ما سمع بها أحدٌ منَّا في محيطه الاجتماعي. وأقلُّ ما يقال عنها- إنْ وُجِدتْ- إنها تقع في شريحة معيَّنة، لا يصحُّ تعميمها وإشاعة تصوير المجتمع قاطبة بها. ينطبق عليها الحديث: «إذا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ!»

ـ وهذا يدلُّ على أنَّ المبالغات في تصوير الواقع تضرُّ أكثر ممَّا تنفع.

ـ على أنَّ الحديث المشار إليه يوظَّف عادة في واقعنا توظيفًا طريفًا حقّا، يدلُّ على أنَّ كلَّ طرفٍ يستغلُّ أيَّ حُجَّةٍ لتبرير موقفه. فالمحافظون يُدلون بالحديث في مواجهة ما تُصوِّره بعض الأعمال الروائيَّة والسينمائيَّة في المجتمع من تفسُّخ، على حين أنَّ المحافظين أنفسهم لا يتورَّعون عن تهويل ما أصبح عليه المجتمع من ضلال وانحلال! والليبراليُّون- أو هكذا يُنعَتون- يوظِّفون الحديث في مواجهة تُهَم المحافظين لتبريء أنفسهم ممَّا يُوجَّه إليهم. على حين أنَّ الليبراليِّين لا يتورَّعون عن تهويل ما أصبح عليه المجتمع من انحرافٍ أخلاقيٍّ من خلال أعمالهم السَّرديَّة، قائلين: إنَّ هذا هو المجتمع، وهو غير ملائكيٍّ ولا طهوري، ويجب كشف ما فيه!

ـ فأين الحقيقة الضائعة بينهما؟

ـ إنَّ السبب في ضياع الحقيقة لدَى الأطراف كافَّة أنَّ المكاييل غير عادلةٍ ولا موضوعيَّة، وإنَّما هي تعلو بحسب الميولات وصراع الأفكار وتهبط، وإلَّا فليس ثمَّة مجتمعٌ ملائكيٌّ ولا مجتمع شيطاني، بحالٍ من الأحوال، فالخير والشرُّ مترافقان منذ آدم وحوَّاء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. بل إنَّ هذه الثنائية (الخير والشر) قد خلخلتها الآية: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ، واللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، قبل قرون من استيقاظ الوعي الفلسفي المسيحي الجديد في (أوربا)، المنتهي إلى وحدة الوجود، وإنكار الثنائيات المتضادَّة، من قبيل الخير والشَّر.(1)

تلك هي الأسئلة التي يجب أن نواجهها، بصرامةٍ ومسؤولية، لا ببلاهةٍ ببغائيَّة، ومحاكاةٍ اتباعيَّة، تُلغي العقل لحساب التماثل مع السائد في ثقافات أخرى. هذا إنْ كُنَّا نستشعر مسؤوليَّة الكلمة، قبل رفع عقيرة «كشف المسكوت عنه»، وترديدها، أو رفع لافتة «الجرأة في الأدب»، والتفاخر بها، ليكون ما يُدَّعَى من كشف الرواية للمسكوت عنه كشفًا للرواية نفسها والراوي، ويصبح فضحُ المستور الاجتماعي فضحًا للروائي ذاته وللرواية، وتعريةً للمستور النفسي والتربوي لدَى الكاتب.

ـ ماذا تعني؟

ـ أعني أنَّ شعار «كشف المسكوت عنه» يوظَّف في الأعمال الروائيَّة (السوسيوتجاريَّة) العَرَبيَّة في غير محلِّة، إمَّا لغفلةٍ عن مفهومه الحقيقي أو لتغافل ومغالطة مقصودة. ذلك أن «كشف المسكوت عنه» إنما يعني الاعتراف بوجود ظواهر سلبيَّة، ممَّا لا يُعترَف بها عادة، بهدف نقدها وتقويمها. ذلك هو الهدف الإنساني الأسمى، لا الفضح، والانفضاح، ونشر كلِّ مستقبَحٍ ومسترذَل، ذوقًا وعُرفًا ودينًا. أمَّا ما هو حادث الآن، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة، فهو ضروبٌ من «الاعترافات» بما ستره الله على الصالحين من خلقه أو الطالحين، بل الإمعان في اختلاقاتٍ مكشوفةٍ ومبالغاتٍ ممجوجة، وكأنَّ المقصد هو: تطبيع المجتمع على المجاهرة بالخطيئة والتباهي بها، لنشرها بين الناس في أكبر شريحة ممكنة.

ـ بل الترويج لها وترسيخها في الجيل الصاعد/ النازل. حتى إنَّ هناك من المنظِّرين مَن تراهم ما زالوا يندبون حظَّنا المتردِّي في الوصول إلى الحوافِّ القصوَى في هذا الميدان، فهم غير راضين عن جرأة السيرة الذاتيَّة العَرَبيَّة، ولا الرواية العَرَبيَّة، ولا القناة الفضائية العَرَبيَّة، ولا الفيلم السينمائيِّ العَرَبي، على التعرِّي بالقدر الكافي، ووَفق المقاييس الغربيَّة العُليا!

ـ نعم، فالمطلوب ما زال أكثر وأكبر وأوسع، وإلَّا فنحن ما ننفكُّ مجتمعًا نفاقيًّا، ذُكوريًّا، بطرياركيًّا، ظلاميًّا، يعمل بمبدأ التقيَّة، ويدَّعي العِصمة، إلى آخر القائمة السوداء من النعوت التي لا تملُّ الأفواه ولا الأقلام من اجترارها في هذا السياق. وما لم يتحوَّل النصُّ إلى قائمة من الرذائل فليس بنصٍّ، حسب هؤلاء الجوقة من الأدباء والنقَّاد، بل ليس بأدب، ولا بجريءٍ في طرحه، ولا بتنويريٍّ بما يتماشَى مع الطموحات المنشودة! 

ـ لكن هذا يعني تحويل فن الرواية إلى سِيَر اعترافيَّة!

ـ لفنِّ (السِّيرة الاعترافيَّة) وجهان: وجهٌ سقيمٌ سخيف، إنَّما هدفه اجترار الرذائل، والالتذاذ بذلك الاجترار، لدناءة في النفس، واعوجاج في الطبع. وهو عملٌ مريضٌ لا قيمة له، لا أدبيًّا ولا نفسيًّا ولا اجتماعيًّا. ووجهٌ يُحلِّل سرديًّا أغوار النفس البَشريَّة، جاعلًا الكاتب من نفسه نموذج التحليل.  متَّخذًا إلى ذلك لغةً رفيعة، كما يليق بنصٍّ أدبيٍّ، لا بلغةٍ سُوقيَّة، بدعوَى الجرأة في كشف المستور. وهذا نادرٌ، إنْ وُجِدَ، في أدبنا العربي. وإنْ وُجِدَ، نال صاحبَه ما لا يُحبُّ من سفاهة النقد وسطحيَّة القراءة. نموذج هذا ما نال به (إبراهيمُ المازنيُّ، -1949) زميلَه (عبدَالرحمن شكري، -1953)، في كِتاب «الديوان النقدي»؛ لمَّا حاول شكري محاكاة هذا الضَّرب من الكتابة عند الأوربيِّين، في كِتاب أسماه «الاعترافات»، وذلك بعد عودته من (إنجلترا)، ولا سيما أنه كان، إلى ذلك التأثُّر بالغربي، مهتمًّا بالشأن الاجتماعي. فما كان من المازنيِّ إلَّا أن انتهز «الاعترافات» لينال من صديق الأمس، في شخصيَّته وعقله وأخلاقه، وكأنَّ ما كتبه اعترافاتٌ أمام محكمة، لا اعترافات أدبيَّة، لها فنُّها المعروف وأسلوبها المعهود.(2) ولربما أمعن الكاتب- وَفق هذا الضَّرب من الكتابة- في نمذجة الصُّورة لتكون بالغة الدلالة، وإنْ لم تكن بحذافيرها حكايةً واقعيَّةً عن تجربةٍ شخصيَّةٍ بالضرورة. لكن تظل مصيبة السارد العَرَبي مع متلقِّيه مصيبةً كبرَى، حتى وهو يكتب رواية؛ فإذا القراءات تُسقِطها عليه، على أنها سيرته الذاتيَّة! فكيف إنْ هو رَكِب مغامرة السِّيرة الذاتيَّة، أو المذكِّرات، أو فنَّ الاعترافات، في مجتمع من سلاسل العيوب، والمحرَّمات، والنفاق الاجتماعي، وادِّعاء الشياطين طهارةَ الملائكة؟! فلا يلومنَّ الكاتب عندئذٍ إلَّا قلمه وحماقة تقديراته الثقافيَّة! 

ـ على أنَّ من أنصار تلكم الدعوة الزائفة إلى كشف المسكوت عنه، في المقابل، مَن يرَى أنَّ النص إذا مال إلى تصوير وجه الحياة الآخَر، بما فيه من الخير والحقِّ والجمال، كان- لا جرم- أدبًا تقليديًّا باردًا، لن يروج تجاريًّا، ولن يُضاء إعلاميًّا، ولن يتحلَّق حوله النقَّاد المتاجرين بالنَّقد! 

ـ وهذا الامتثال المريض مردُّه، لا رؤية اجتماعيَّة لدَى هٰؤلاء- كما لم يكن لدَى أولٰئك- تجعلنا نترحَّم على (جان جاك روسو)، ولا رؤية نفسيَّة، تجعلنا نذكر (فرويد) بخير، ولا لهدفٍ إصلاحي، ولا حتى رغبة في التغيير. وإنَّما غاية ما هنالك هوسٌ بأمرين: لذة اجتماعيَّة في تذوُّق الممنوعات- ولاسيما في مجتمع مكبوت- وتربية أُغرِمت، منذ نعومة العقل والروح، بتتبُّع العورات، وفراغ النميمة، والقيل والقال. وهي خصائص نسقٍ اجتماعيٍّ عَرَبيٍّ عريق، تحوَّل مؤخَّرًا إلى الأدب، بعد أن تعلَّمت كوادرُه القراءة والكتابة. ولذلك فهو يتساقط علينا دون قِيَمٍ ولا رؤًى تتجاوز ما كان يدور على الشِّفاه بالأمس إلى ما صار يدور اليوم على الأقلام. والأمر الآخَر، هوسٌ بالتطابق مع النموذج الغربي في كلِّ شيء، لدَى مَوالي الغرب الجُدد. ذلك النموذج الذي أصبح يتحرَّك فينا بآليَّتين: آليَّة الفرض القسري، لدمغ العالم بأَسره به، وآليَّة العمالة والاستسلام الطوعي، من قِبَل الشعوب المغلوبة على عقولها وهويَّاتها، ليصبح ذلك النموذج أسوةً حسنةً لنا، حتى في عوراته وقبحيَّاته، ومن شذَّ شذَّ في النار! «وهذي، سيِّدي، كلُّ الحكاية!» ولهذا فإنَّ مَن يقرأ تلك النصوص التي تدَّعي الجرأة، لا يجدها تَنطلِق لا من نُضجٍ اجتماعي، ولا من فِكرٍ إنساني، ولا من غايات، لا إصلاحيَّة ولا حتى فنِّية. وقبل كلِّ شيءٍ فإنَّ بعضها لم يأت عن موهبةٍ أدبيَّةٍ بأيِّ معيار. وتظلُّ الاستثناءات في هٰذا، لندرتها، لا تكاد تُذكَر. ومن مفارقات الحفيِّين بما يُسمُّونه (المسكوت عنه) أنهم يُلغون دَور القارئ والناقد، بل يُلغون طبيعة النصِّ الأدبي؛ من حيث إنَّ النصَّ المباشر، الذي لا يتطلَّب استنطاقًا وتأويلًا لكشف ما يُسمَّى المسكوت عنه، ليس بنصٍّ أدبيٍّ أصلًا، وإنَّما هو أشبه بعريضة شكوَى، أو نشرة أنباء، تنفُض ما في جعبتها، حتى ما يبقى فيها زيادة لمستزيد، ولا مَعين لمسترفد. أي أنها من السطحيَّة في نسيجها، والمباشرة في أداء رسالتها، بما يتنافَى مع طبيعة الأدب أساسًا، فضلًا عن تنافيها مع وظيفته الفنيَّة والاجتماعيَّة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

......................

(1)   يُنظَر مثلًا: وهبة، مراد، (1995)، الأصوليَّة والعلمانيَّة، (القاهرة: دار الثقافة)، 51- 52.

(2)  يُنظَر: العقَّاد، عبَّاس محمود، إبراهيم عبدالقادر، المازني، (1997)، الدِّيوان: في الأدب والنقد، (القاهرة: دار الشعب)، 57- 73، 177- 190.

ملخص الدراسة: تتناول هذه الدراسة إشكالية العلاقة بين الفن الروائي وفضاء المدينة بوصفها علاقة تأسيسية أسهمت في تشكّل الكتابة السردية الحديثة، حيث لم تعد المدينة مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل تحولت إلى بنية دلالية وجمالية فاعلة تُسهم في بناء الشخصيات وتوجيه مسارات الحكي وتشكيل الرؤية الروائية للعالم. وتنطلق الدراسة من رصد حضور الفضاء المديني في الرواية العالمية، خاصة من خلال ارتباط مدينة باريس بأعلام الرواية الفرنسية مثل فيكتور هوغو وبلزاك وإميل زولا، قبل الانتقال إلى تمثلات المدينة في الرواية العربية، حيث ارتبطت القاهرة بعالم نجيب محفوظ، والإسكندرية بتجارب إدوارد الخراط وإبراهيم عبد المجيد، وصولاً إلى التجربة الروائية المغربية التي جعلت من مدينة الدار البيضاء فضاءً مركزياً للتخييل السردي.

وفي هذا السياق، تركز الدراسة على التجربة الروائية للكاتب المغربي نور الدين محقق، باعتبارها نموذجاً دالاً على تفاعل الرواية المغربية مع الفضاء المديني في بعديه المحلي والعالمي. فقد شكّلت مدينة الدار البيضاء محور مشروعه الروائي من خلال رباعية سردية تسعى إلى تفكيك التحولات الاجتماعية والإنسانية داخل المدينة، ورصد تشابك العلاقات الإنسانية في فضائها الحضري المتعدد. وفي المقابل، تحضر مدينة باريس في أعماله باعتبارها فضاءً ثقافياً وحضارياً يتيح مساءلة علاقة الشرق بالغرب، كما يتجلى في روايتي «إنها باريس يا عزيزتي» و*«أوراق كاتب في باريس»*، حيث تتداخل التجربة الذاتية بالتمثيل الثقافي للمدينة بوصفها مجالاً للمعرفة والحب والتفاعل الحضاري.

وتكشف الدراسة أن المدينة في الرواية ليست مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى عنصر بنيوي يشارك في إنتاج المعنى، إذ تصبح حاملة للذاكرة الجماعية، ومرآة للتحولات الاجتماعية، وفضاءً لتجربة الذات في علاقتها بالآخر. كما تُبرز أن تجربة نور الدين محقق تمثل امتداداً واعياً لتقاليد الرواية العالمية التي جعلت من المدينة مركزاً للتخييل الروائي، مع خصوصية نابعة من المزج بين فضاءين ثقافيين مختلفين: الدار البيضاء بوصفها فضاء الانتماء، وباريس بوصفها فضاء الاكتشاف والحوار الحضاري.

مقدمة

ارتبط الفن الروائي بفضاء المدينة، بحيث قد حاول الروائيون القبض على هذا الفضاء وجعله مجالا لشخصياتهم وللأحداث الواقعة التي يتطرقون إليها في رواياتهم، ومن ثمة فقد سعى العديد من الروائيين لجعل هذا الفضاء المديني يدخل ضمن اهتماماتهم الفنية، ومن هنا فقد ارتبط فضاء مدينة باريس بمجموعة من الكتاب الفرنسيين نذكر من بينهم كل من الشاعر والروائي فكتور هوغو والكاتب والروائي هونوري دو بالزاك والكاتب والروائي إميل زولا،كما حضر فضاء مدينة باريس في روايات العديد من الكتاب العرب بصفة عامة والكتاب المغاربة بصفة خاصة نذكر من بينهم كل من سهيل إدريس وأحمد المديني ونور الدين محقق على سبيل التمثيل لا الحصر.  وخصوص اللكتاب والروائيين العرب في علاقاتهم بفضاء مدن بلدانهم، فقد ارتبط فضاء مدينة القاهرة بالكاتب والروائي نجيب محفوظ، كما ارتبط فضاء مدينة الاسكندرية بالكاتب والروائي إدوارد الخراط وبالكاتب والروائي إبراهيم عبد المجيد، وبالنسبة للكتاب والروائيين المغاربة فنجد الكثير منهم قد ارتبطت رواياته بفضاء مدينة الدار البيضاء، نذكر منهم كل من محمد زفزاف ومبارك ربيع وأحمد المديني ونور الدين محقق ومحمد صوف وغيرهم .وهو ما سيدفع بنا إلى الحديث عن الكاتب والروائي المغربي نور الدين محقق وارتباط رواياته بكل من فضاء مدينة الدار البيضاء من جهة وفضاء مدينة باريس في المقابل من جهة أخرى.

- نور الدين محقق ومدينة الدار البيضاء

سعى الكاتب والروائي نور الدين محقق منذ روايته الأولى إلى الكتابة عن فضاء مدينة الدار البيضاء وجعله مسرحا لشخصيات رواياته وللأحداث المرتبطة بها، وهو في كل ذلك، قد قدم لنا رباعية روائية كما سبق له أن أعلن عنها من قبل، وهي "بريد الدار البيضاء" و"ليالي الدار البيضاء" اللتان صدرتا منذ مدة، كل واحدة منهما في كتاب، و"زمن الدار البيضاء" التي نشرت في الصحافة الثقافية المغربية و"بنات الدار البيضاء" التي أعلن الكاتب عن عنوانها ولم تصدر بعد، وهي رباعية روائية قد سعى الكاتب من خلالها إلى الكتابة عن مدينة الدار البيضاء، كما فعل الكاتب البريطاني لورانس داريل بالنسبة لفضاء مدينة الإسكندرية، وهي مسألة غاية في الأهمية سواء بالنسبة للكتابة الروائية المغربية من جهة أو بالنسبة للكتابة الروائية المشرقية من جهة أخرى.

إن الكاتب الروائي نور الدين محقق، وهو يقدم لنا هذه الروايات التي ترتبط بفضاء مدينة الدار البيضاء، محاولا من خلالها القبض على أسرار هذه المدينة المغربية الموغلة في الجمال المديني وفي تشابك العلاقات الإنسانية الموجودة فيها يكون بعمله هذا يسير في رحاب الرواية العالمية بامتياز.

- نور الدين محقق ومدينة باريس

كما حضرت مدينة الدار البيضاء بقوة في روايات الكاتب الروائي نور الدين محقق، فقد حضرت أيضا في المقابل لها مدينة باريس. حيث نجد أنه قد كتب عنها في روايته الأولى التي حملت عنوان "إنها باريس يا عزيزتي" وهي رواية قد نشرت في المشرق العربي ونال حظها من الكتابات النقدية حولها سواء من لدن نقاد مغاربة أو من لدن نقاد مشارقة معروفين . وهي رواية ثقافية بامتياز تطرق الكاتب الروائي نور الدين محقق فيها إلى علاقة الشرق بالغرب عن طريق إبداع علاقة حب بين رجل في كامل رجولته وفتاة في مقتبل العمر . ومن خلال سيرورة الأحداث فيها قدم معظم الفضاءات الباريسية الفاتنة بحيث تطرق إلأى فضاءات المقاهي الباريسية الشهيرة مثل مقهى دو فلور، حيث كان يلتقي كل من الفيلسوف الفرنسي دون بول سارتر والكاتبة الفرنسية الكبيرة سيمون دو بوفوار، كما قدم لنا أيضا فضاءات المتاحف الفنية الذائعة الصيت وفي مقدمتها فضاء متحف اللوفر . كل ذلك بطريقة روائية شديدة التشويق وغاية في الجمالية الفنية القوية .

أما في روايته الثانية المتعلقة بفضاء مدينة باريس، وهي رواية "أوراق كاتب في باريس" والتي قد سبق له، على طريقة كل من الكاتب الفرنسي الشهير هونوري دو بالزاك والكاتب المصري العالمي نجيب محفوظ، أن نشرها متسلسلة في الصفحات الثقافية لجريدة "الأحداث المغربية" قبل أن تصدر مجتمعة في كتاب، فقد تتبع فيها مسار طالب جامعي مغربي، في علاقاته الإنسانية مع بنات باريس، وفي اهتماماته الثقافية المتنوعة وحبه الشديد لكل من الآداب والفنون .

هكذا نرى أن اهتمام الكاتب والروائي نور الدين محقق بمدينة باريس يعود بالتحديد إلى دراسته السابقة بفرنسا، وإلى زياراته المتعددة بعد ذلك إلى هذه المدينة كما يعود طبعا إلى قراءاته المختلفة والمتنوعة لكل ما كتب عن هذه المدينة الكونية لاسيما من لدن الكتاب العالميين الذين سبق لهم أن زاروها أو استقروا فيها وكتبوا عن تجاربهم في مختلف فضاءاتها الرائعة.

نتائج البحث

تؤكد الدراسة أن الفضاء المديني يشكّل أحد المرتكزات البنيوية الأساسية في الفن الروائي الحديث، حيث يسهم في بناء المعنى السردي وليس مجرد إطار مكاني للأحداث.

يتضح أن علاقة الروائي بالمدينة ترتبط غالباً بتجربته الحياتية المباشرة، سواء عبر الانتماء إليها أو الإقامة فيها أو الاحتكاك الثقافي بها.

أظهرت التجربة الروائية لنور الدين محقق مركزية مدينة الدار البيضاء باعتبارها فضاءً لتشخيص التحولات الاجتماعية والإنسانية داخل المجتمع المغربي المعاصر.

تمثل مدينة باريس في أعمال الكاتب فضاءً ثقافياً رمزياً يسمح بإعادة التفكير في علاقة الشرق بالغرب ضمن رؤية روائية إنسانية وجمالية.

تكشف المقارنة بين فضاءي الدار البيضاء وباريس عن حضور ثنائية المحلي/العالمي داخل الرواية المغربية الحديثة، بما يعكس انفتاحها على التجربة الكونية للرواية.

تؤكد الدراسة أن الرواية، من خلال اشتغالها على الفضاء والزمن معاً، تصبح أداة فنية لالتقاط تحولات المجتمع وتمثيل التجربة الإنسانية في بعدها الحضري.

التوصيات

ضرورة توسيع الدراسات النقدية العربية التي تتناول علاقة الرواية بالفضاء المديني، باعتبار المدينة عنصراً بنيوياً لا يقل أهمية عن الشخصية والزمن السردي.

تشجيع المقاربات المقارنة بين المدن الروائية العربية والعالمية للكشف عن أشكال التفاعل الثقافي والحضاري داخل النص الروائي.

الدعوة إلى دراسة الرواية المغربية الحديثة من منظور جغرا-سردي يركز على تمثلات المدن الكبرى وتحولاتها الاجتماعية.

الاهتمام بتحليل الفضاء المديني بوصفه حاملاً للذاكرة الجماعية ومعبّراً عن التحولات الثقافية والاقتصادية داخل المجتمع.

تعزيز البحث في ثنائية المحلي والعالمي داخل الرواية العربية المعاصرة لفهم آليات انفتاحها على الأدب الكوني.

تشجيع الروائيين والباحثين على توثيق التجارب المدينية أدبياً ونقدياً لما تمثله من أرشيف ثقافي وحضاري للأجيال اللاحقة.

خاتمة

يبدو لنا من خلال هذه الدراسة أن علاقة الروائيين سواء الروائيين الغربيين منهم بشكل عام أو الروائيين العرب بشكل خاص، بفضاء المدينة هي مسألة مرتبة بالتعبير عن تجاربهم الحياتية في فضاء المدن التي ولدوا فيها وعاشوا فيها أو المدن التي زاروها وأعجبوا بها بشكل من الأشكال .

وهذا الأمر يدخل في إطار عملية تشكل الفن الروائي باعتباره فنا يقبض على بنية الفضاء كما يسعى للقبض على بنية الزمن المرتبط به أيضا ومن خلال عملية القبض هاته يقبض على الأحداث الواقعة في هذه الفضاءات وعلى الشخصيات الروائية الفاعلة فيها .

***

د٠ منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

يعتقد بعض النقّاد أنَّ القصة القصيرة جدًا هي فن غربي بامتياز وحجتهم في ذلك أنّ القاص والروائي الأمريكي أرنست همنغوي هو أول مَن كتب قصة قصيرة جدًا عام 1924م تتألف من ست كلمات يقول فيها: (للبيع.. حذاءُ طفل لم يُلبس قط) وأنَّ الكاتب الغواتيمالي أوغستو مونتيرسو كتب قصة (الديناصور) التي انتظمت في ست كلمات أيضًا جاء فيها (حينما استفاق، كان الديناصور، ما يزال هناك)، وثمة قصة ثالثة تقول: (الانتقامُ هو: أن أعيْش، مِنْ دونكَ) لجويس كارول. وهناك منْ يعتقد أنَّ ناتالي ساروت هي أول منْ كتبت الـ ق ق جدًا. أمّا النقاد العرب  فيعتقدون أنَّ الـ ق ق جدًا موجودة في الطرفة والحكاية والخبر والحديث والنكتة والأحجية واللغز والمقامة وما سواها من الفنون القولية. وقبل الخوض في تفاصيل الـ ق ق جدًا وتعريفاتها لا بدّ من إحاطة القارئ الكريم عِلمًا بـ (القصة اللمحة) والـ (ق ق جدًا) وضرورة التفريق بينهما. فالقصة اللمحة لا تقل عن ست أو سبع كلمات كما في الأمثلة الثلاثة أعلاه ولا تتجاوز العشرين كلمة. أمّا القصة القصيرة جدًا فهي أطول من ذلك بكثير وقد تصل إلى صفحة واحدة أو صفحتين. والذي يكتبه القاص الجزائري زين الدين بو مرزوق مَدار بحثنا ينتمي إلى (القصة اللمحة) في أفضل الأحوال لأنّ قصصه مُركزة ومُكثفة جدًا وتراهن على التقشف والاختزال كثيرًا ويمكن اعتبار الكثير منها ومضات شعرية ذات نهايات تنويرية.

الريادة العراقية

لا شكّ في أنَّ العراق هو مهد القصة القصيرة جدًا ويحتل موقع الريادة كما احتل موقع الريادة في شعر التفعيلة الذي بدأه السياب ونازك الملائكة وربما تكفي الإشارة إلى أنَّ نوئيل رسّام هو أول كاتب عراقي جنّس ما كتبه عام 1930 بالـ ق ق جدًا في قصص (اليتيم) و(الاخوان) و(شهيد الحُب) وقد آزره في هذا الجانب القاص الرائد عبدالمجيد لطفي ثم تبعتهُ كوكبة من القصاصين العراقيين أمثال عبدالرحمن مجيد الربيعي، وابراهيم أحمد، وخالد حبيب الراوي، وبثينة الناصري، وصلاح زنگنة، وتحسين گرمياني، وجمال نوري وكاتب هذه السطور المتواضعة وآخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا.

تجدر الإشارة إلى أنَّ المغرب قد أنجز منذ عام 1994 وحتى عام 2013 مائة وأربع (104) مجموعات قصصية قصيرة جدًا واحتل بذلك الوفرة العددية التي سوف تخلّف نوعًا جيدًا من قصص (اللمحة) و(القصص القصيرة جدًا) مع الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ كُتّابًا من طراز جبران خليل جبران، ونجيب محفوظ، وزكريا تامر، ومحمد عزالدين التازي ومحمد زفزاف قد كتبوا الـ ق ق جدًا. وقد رافق كتابة هذه القصص القصيرة جدًا دراسات نقدية معمقة يمكن أن نشير إلى بعضها مثل (القصة القصيرة بين النظرية والتطبيق) للناقد الفلسطيني د. يوسف حطّيني و(القصة القصيرة جدًا) للناقد السوري د. أحمد جاسم الحسين، و(القصة القصيرة جدًا في العراق) للكاتب العراقي هيثم بهنام بردى و(شعرية القصة القصيرة جدًا) للباحث العراقي أيضًا جاسم خلف إلياس، و(شعرية الواقع في القصة القصيرة جدًا) للباحث التونسي عبدالدايم السلامي. ومن الجدير بالذكر أيضًا أنَّ الـ ق ق جدًا قد وجدت طريقها في مصر والسودان والجزائر وسورية وفلسطين ولبنان والكويت والمملكة العربية السعودية.

القصة اللمحة

لم يُتح لي الإطلاع على مجموعتيه القصصيتين القصيرتين جدًا وهما (شُيِّه لهم) و(قلب مختل عقليًا) لذلك طلبت من القاص بومرزوق أن يبعث لي عبر الواتسآب قرابة 20 ق ق جدًا لكي أتمثّلها جيدًا وأكتب عنها بما تجود به قريحتي. يقول في قصة (إنفلونزا) (تعودت على حضنه وحنانه، وحرارة جسمه، ما إن غادر حتى أصيبت بنزلة برد). تعتمد هذه القصة اللمحة على عنصر المفارقة وليّ عُنُق الخاتمة إلى نهاية تنويرية تعلق بذاكرة السامع أو المتلقي.

نقرأ قصة (الراية) التي يقول فيها: (بعد أن هدّموا البيوت على رؤوس العِباد، وأحرقوا المساجد والكنائس نظروا إلى بعضهم يتساءلون: أين نرفع رايات النصر؟) تعتمد هذه الـقصة اللمحة على الجُمل الفعلية (هدّموا، أحرقوا، نظروا . .) لأن الجمل الأسمية وصفية بينما تحتاج(اللمحة) إلى جمل فعلية مُشذبة ومقتضبة تذهب إلى الصميم مباشرة وهي أقرب إلى قصيدة النثر المركز منها إلى الـ ق ق جدًا التي تعتمد إلى حدٍ ما على السرد أو الروي إن شئتم. أمّا النهاية التنويرية فتكمن في السؤال الذي اختتم به (اللمحة) حينما تساءل: (أين نرفع رايات النصر؟).

يراهن بعض قصص زين الدين بومرزوق على الموازنة بين شطريّ (اللمحة الشعرية) كما في قصة (كَرَم) التي يقول فيها (فتَح باب بيته في رمضان فأغلقت الديون متجرَ جاره) لأنّ هذه (اللمحة) تقوم على المفارقة الدرامية Dramatic Irony ويبدو أن الكرم الحاتمي هو الذي أفضى إلى هذه النتيجة المُفجعة لأن كل ما كان يشتريه كان بالآجل (أي بالدَين) وليس بالعاجل!

لا تختلف قصة (وفاء) عن سابقتها فهي تقوم على ثنائية التوازي بما تنطوي عليه من سبب ونتيجة حيث يقول: (نَسي أن يُطعم كلبهُ في تلك الليلة رنّت أجراس خزائنه).

التقشّف اللغوي

تميل هذه (اللمحات) برمتها الاختصار والاختزال والتقشف لكنها تعرف كيف تضرب على الوتر الحساس حينما يصل إلى النهاية المُرهفة التي تأخذ بتلابيب القارئ أو السامع. ولو تأملنا قصة (صيّاد) التي يقول فيها: (أحرقوا غابتي الأطفال وأشاروا إلى الشجرة التي تغطيها). لا شكّ في أن المفارقة الدرامية حاضرة رغم الاقتصاد اللغوي الذي يجعل من (اللمحة) لقطة مَشهدية واحدة لكنها تقول أشياءَ كثيرة.

الأمر نفسه يتكرر في قصة (نصيحة) التي يقول فيها الراوي: (قال لها سأكتب اسمكِ على الماء ردّت: تعلّم العوم أولًا). يبلغ التقشف والتكثيف ذروته في قصة (جزاء) وهي من قصص اللمحة التي لم تجتز الثلاث كلمات لأن الباء حرف هنا وليس كلمة قائمة بذاتها حيث يقول: (أفتى بشُربها أدمنتهُ).

يمكن أن نختم بالـ ق ق جدًا التي تحمل عنوان (المانغا) التي يقول فيها: (دخل المزرعة ليأخذ بعض الفاكهة. انتبه له صاحبها سألهُ: حاجتك؟ لم يتكلّم. أشار بيد للفاكهة. ظنّ أنه يريد أن يأكل منها. أخبرهُ أنها لم تنضج. حرّك رأسهُ بأنه يُدرك ذلك ثم استرسل: ابني حدّثوه في المدرسة عن فاكهة المانغا أردتُ أن أُريه إيّاها ليعرفها. سأله: لماذا لم تأتِ به ليرى بأم عينيه. ردّ والدمع في عينيه: هو في قبره. أُريد أن أضعَ شاهدًا على عوزه). تندرج هذه القصة تحت باب الـ ق ق جدًا وهي أطول من اللمحة لكنها تقوم على النهاية المباغتة أو المفاجئة فالطفل الذي كان يريد رؤية فاكهة المانغا ظنناه حيًا ولكنه كان راقدًا في قبره غير أنَّ والده المفجوع أراد أن (يضع شاهدًا على عوزه) فحرّك فينا، نحن القرّاء، كل مواجع الألم والحسرة على هذا الطفل البريء الذي غادر الحياة من دون أن يعرف المانغا أو غيرها من الفواكه.

قوة الرمز وبراعة التلميح

يستعمل زين الدين بو مرزوق الرمز والتلميح والإيحاء لوصف حالات إنسانية واجتماعية مأزومة ولا يلجأ إلى التقريرية والوصف المباشر الذي يجثم على صدر (القصة اللمحة) أو (الومضة) أو (الـ ق ق جدًا) الأمر الذي يُضاعف من تقنية التشويق التي يتوخاها القاص الحاذق الذي يغادر المناطق المألوفة ويبحث عن الدروب البكر التي لم يمّر بها عابر.

لقد دققتُ كثيرًا في هذه (اللمحات) و(الوَمَضات) و(الـ ق ق جدًا) لزين الدين فوجدتها مطابقة للاشتراطات الفنية التي يتوخاها هذا النمط الفني الذي تماهت فيه وحدة الموضوع بالزمكان بلقطة طيفية واحدة لا تعتمد على الإسهاب الذي يأخذ وقتًا أطولَ مما تحتاج إليه هذه الأنماط الفنية الجديدة التي تُحاذي الشعر وتنبثق عنه في كثير من الأحيان.

ينجح زين الدين بومرزوق في اجتراح عناوين (لمحاته) و(ق ق جدًا) مثلما نجح في سرده المُقتضب وخواتيمه المتوهجة التي تعْلق في الذاكرة لزمن طويل وربما تكون قصة (قلب مختل عقليًا) هي خير نموذج لما نذهب إليه.

النَفَس البرقي

مَن يُدقق في هذه النماذج القصصية القصيرة جدًا سيجد أنها أقرب إلى النَفَس البرقي الذي يحتشد بالشذرات، والالتماعات، والانزياحات التي تخلخل التراكيب والمعاني وتعيد صياغتها من جديد على وفق الرؤية التي يقترحها القاص المبدع زين الدين بومرزوق. كما أنه يفتح أفقًا جديدًا للتلقّي ولعل (لمحاته) تذكرنا بالقاص الأمريكي غرامي جيمس الذي يقول: (ثلاثة ذهبوا إلى العراق. واحد منهم عاد!). يشترك زين الدين مع غرامي جيمس بفتح آفاق جديدة للتلقّي ويثير أسئلة ما كان لها أن تُثار لولا قوة الأفكار الجديدة ورهافتها التي تُدهم مخيلتنا دفعة واحدة وتفعل فينا فعل الصدمة والدهشة والإبهار.

لا بد من الإشارة إلى أنَّ الجزائر تحتضن العشرات من كُتاب الـ ق ق جدًا وكُتاب (اللمحات) و(الومضات) نذكر منهم على سبيل التمثيل لا الحصر أمثال السعيد موفقي، وحسين فيلالي، وعبدالكريم ينينه، وعبدالرزاق بوكبة، وخالد ساحلي، وعبدالرزاق بادي، وبشير ونيسي، ومحمد الكامل بن زيد، ورقيّة هجريس، ومريم بغيبغ، فيما نسب الدكتور الناقد عبدالملك مرتاض الريادة القصصية القصيرة جدًا لمصلحة محمد السعيد الزاهري. وعلى صعيد الأبحاث والدراسات النقدية يمكننا الإشارة إلى كتاب (القصة القصيرة جدًا في الأدب العربي - الجزائر أنموذجًا) للباحث رابح خوية.

بقي أن نقول بأنّ القاص زين الدين بومرزوق قد أصدر سبع مجموعات قصصية وهي (ليلة أرق عزيزة)، (الحجر المقدّس)، (تشكيل في ذاكرة العين)، (معذرة يا بحر)، (50 درجة تحت الظل)، (أخيرًا انهار جبل الثلج)، (سيلفي مع أبي)، إضافة إلى محموعتين قصصيتين قصيرتين جدًا وهما (شُبِّه لهم) و(قلب مختل عقليًا). وفي النقد لديه (مقاربة نقدية في القصة القصيرة الجزائرية المعاصرة) و(فتنة السرد وذوق الكتابة).

***

عدنان حسين احمد2614 adnan

* بالتعاون مع نادي حبر أبيض البريطاني الذي يرأسه د. جمال نصّاري وبدعوة من مركز لندن للإبداع العربي الذي تُديره الشاعرة دلال جويّد تم استضافة القاص الجزائري زين الدين بومرزوق في ندوة ثقافية استمرت زهاء الساعتين حيث قدّمتُ السيرة الذاتية والإبداعية للقاص زين الدين بو مرزوق، ثم أتحتُ الفرصة للناقد د. جمال نصاري ليدلو بدلوه ثم جاء دوري للحديث عن فن الـ ق ق جدًا، وطلبتُ من القاص بو مرزوق أن يقرأ لنا نماذج من قصص (اللمحة) أو (الوَمضة). ثم عقّبت الشاعرة دلال جويّد وتحدثت عن مفاهيم عديدة من بينها الانزياح، ثم تناوبت الصديقتان الفنانة التشكيلية بان الحلي وسندس القيسي بإثارة العديد من الأسئلة. كما استمعنا إلى الفنان التشكيلي هاشم الشطري الذي قرأ لنا قصيدة من (أوراق العشب) للشاعر الأمريكي والت وايتمان، فيما أخذت على عاتقها الأستاذة إيمان فزّاني عملية تصوير الندوة والتقاط بعض الصور الفوتوغرافية التي وثّقت للأمسية على مدار الساعتين الجميلتين المُحتشدتين بالدفء والحميمة والمحبة الغامرة التي أسقطت الحواجز في رمشة عين.

في تسميةٍ أرهقها القياسُ وأغفلها الحسّ

من عجيب ما استقرّ في النحو العربي أن أكثر مصطلحاته بداهةً في الاستعمال، وأشدّها حضوراُ في الكلام، هو أقلّها مباشرةً في التسمية؛ فالفعل الذي يعبّر عن الامتداد والحضور والتجدّد لا يُسمّى “الحاضر”، بل يُدعى “المضارع”. وهذه المفارقة اللفظية تفتح باباً واسعاً للتأمّل: ما الذي ضارَعَ ماذا؟ وأيّ وجهٍ من وجوه المشابهة استحقّ أن يُخلَّد في اسمٍ ظلّ اثني عشر قرناُ بلا مراجعة جذرية؟

أولًا: في الاشتقاق—ماذا يعني “ضارع”؟

“ضارع” في أصل العربية تفيد المشابهة والمقاربة؛ يقال: ضارَعَ الشيءَ إذا شاكله وقاربه. ومن هذا المعنى اشتُقّ “المضارع”، لا ليدلّ على الزمن ابتداءً، بل على علاقةٍ شكليةٍ ودلالية بينه وبين اسم الفاعل. هكذا قرّر أوائل النحاة، وفي طليعتهم سيبويه، ثم تتابع الشُرّاح على تثبيت هذا التعليل: الفعل المضارع يُشابه اسم الفاعل في البنية (عدد الحروف والحركات)، وفي الدلالة على الحدث المتجدّد غير المنقضي.

غير أنّ هذا التعليل—على دقّته القياسية—يشي بأن الاسم لم يُبنَ على جوهر الزمن، بل على قرابةٍ صرفية. فكأنّ النحاة، في لحظة تأسيس، انصرفوا إلى ما يُرى ويُقاس، وأرجأوا ما يُحَسّ ويُعاش.

ثانياً: مذهب البصريين - صرامة القياس واتساق النظام

انحاز مدرسة البصرة النحوية إلى تفسيرٍ يغلّب القياس، فجعلت “المضارعة” عِلّةً صريحةً في التسمية:

الفعل المضارع يُعرب كما يُعرب الاسم، بخلاف الماضي والأمر.

وهو يقبل العلامات (كالرفع والنصب والجزم) التي تُذكِّر بمرونة الأسماء.

ويدلّ - في كثير من استعمالاته—على استمرار الحدث، وهو ما يوازي دلالة اسم الفاعل.

بهذا، صار “المضارع” عند البصريين فعلاً-اسماً في آن: فعلٌ في دلالته الحدثية، واسمٌ في قابليته الإعرابية. ومن هنا بدت التسمية عندهم محكمة، لأنها تعكس موقعاُ وسطاُ في النظام، لا زمناً بعينه.

لكن هذه الدقّة نفسها هي موطن الإشكال: إذ تجعل التسمية تابعةً لبنيةٍ داخلية لا لخبرة المتكلّم بالزمن.

ثالثًا: مذهب الكوفيين - سعة الرواية ومرونة التأويل

أما مدرسة الكوفة النحوية، فقد اتّسمت بمرونةٍ أوسع في التعليل، واعتمادٍ أكبر على السماع. ولم تُعارض أصل التسمية، لكنها لم تُثقِلها بالتقعيد ذاته؛ إذ رأت في المضارع حقلًا دلالياً مفتوحاً يتراوح بين الحال والاستقبال، ويتلوّن بحسب القرائن.

وعند الكوفيين، يغدو المضارع أقلّ ارتهاناً للمشابهة الشكلية، وأكثر اتصالًا بوظائفه التداولية:

فهو يدلّ على الحال بقرينة السياق: “أكتبُ الآن”.

وعلى الاستقبال بدخول السين وسوف: “سأكتبُ”.

وعلى العادة: “أكتبُ كلَّ يوم”.

وهكذا، تتقدّم الوظيفة على الاشتقاق، دون أن تُلغيه.

رابعاً: بين “الماضي” و“الأمر” وغياب “الحاضر”

إذا نظرنا إلى شقيقَيْه في المنظومة—“الماضي” و“الأمر”—وجدنا تسميةً مباشرةً تكاد تُحاكي الإدراك الفطري:

“الماضي”: ما انقضى.

“الأمر”: طلب الفعل.

فأين “الحاضر”؟

لقد استُعيض عنه بصيغةٍ مركّبة: “المضارع”، ثم أُلحق بالاستقبال بأدوات (السين وسوف)، فكأنّ الزمن الحاضر لم يُمنَح اسمه الخاص، بل أُدرج في حقلٍ أوسع يتقاسمُه مع المستقبل.

وهنا يبرز السؤال الذي أثارته الأجيال اللاحقة:

ألم يكن أولى أن تُسمّى هذه الصيغة باسمٍ يلتصق بزمنها كما التصق “الماضي” بماضيه؟

خامساً: قراءة نقدية - التسمية بين التاريخ والحاجة

إنّ تسمية “المضارع” تكشف عن طبيعة التفكير النحويّ عند المؤسّسين:

تفكيرٌ بنيويّ يرى اللغة شبكة علاقات داخلية، لا مجرّد أدواتٍ للتعبير عن الزمن. ومن ثمّ، لم يكن همُّه أن يطابق المصطلحُ الإحساسَ اليوميّ، بل أن ينسجم مع نظامٍ كليّ.

غير أنّ تطوّر اللسانيات الحديثة، وما رافقه من عنايةٍ بالاستعمال والمعنى، يدعونا إلى إعادة النظر:

هل نحتاج اليوم إلى مصطلحٍ يعبّر عن الزمن الحاضر بوضوح؟

أم نُبقي على “المضارع” بوصفه إرثاُ علميّاُ، ونُثري شرحه بدل تغييره؟

الراجح أن المصطلح - مهما بدا بعيداً - قد ترسّخ حتى صار جزءًا من الهوية العلمية للغة، وأن تغييره لن يكون أيسر من إعادة بناء المنظومة كلّها.

خاتمة:

الفعل المضارع ليس مجرّد صيغةٍ زمنية، بل هو منطقة التقاء بين الحدث والزمن، بين الثبات والتحوّل، بين القياس والسماع. وقد اختار له الأوائل اسمًا يُحيل إلى بنيته، لا إلى زمنه؛ فغدا الاسم شاهداً على عقلٍ نحويٍّ يُفضّل النظام على البداهة.

وبين البصريين الذين أحكموا القياس، والكوفيين الذين وسّعوا الدلالة، ظلّ “المضارع” حيًّا، يتجدّد في الاستعمال، ويقاوم الاختزال. ولعلّ سرّه في ذلك أنّه—على خلاف اسمه—ليس مجرّد “مشابه”، بل هو الفعل الأكثر حياةً في العربية؛ لأنّه الفعل الذي لم ينتهِ بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة نقدية سيميائية في كتاب المعشّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها للدكتور فيصل الشرايبي

ملخص الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية أكاديمية موسّعة في كتاب المعشّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها للدكتور فيصل الشرايبي، باعتباره مشروعًا علميًا يسعى إلى إعادة الاعتبار لأحد الأشكال الشعرية التي ظلت على هامش الدرس النقدي العربي رغم حضورها داخل المدونة التراثية. وتنطلق الدراسة من مقاربة متعددة المستويات تجمع بين التحليل التراثي واللغوي والسيميائي والثقافي، بغية الكشف عن البنية الجمالية والدلالية للمعشّرات الشعرية بوصفها نظامًا شعريًا يتأسس على التفاعل بين الرمز الديني والتنظيم العددي والابتكار الفني.

كما توسّع الدراسة مجال التحليل ليشمل الغلاف بوصفه نصًا بصريًا موازيًا، يُسهم في توجيه أفق التلقي قبل الدخول إلى المتن، مما يجعل العمل وحدة دلالية تجمع بين الخطاب المكتوب والخطاب البصري. وتخلص الدراسة إلى أن مشروع الشرايبي يمثل محاولة نقدية لإعادة كتابة تاريخ الشعر العربي من زاوية الأشكال المنسية، وإعادة وصل النقد الحديث بالذاكرة الشعرية العربية عبر استثمار البنيات التراثية في إنتاج دلالات معاصرة.

إشكالية الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من التساؤل المركزي الآتي: كيف يسهم كتاب فيصل الشرايبي في إعادة تأسيس المعشّرات الشعرية بوصفها بنية جمالية وثقافية تتجاوز بعدها الشكلي لتصبح نموذجًا دالًا على تطور الوعي بالشعر العربي؟

ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الإشكالات الفرعية:

هل تمثل المعشّرات مجرد تقنية نظم أم نسقًا دلاليًا متكاملاً؟

ما علاقة التنظيم العددي بالمعنى الشعري داخل هذا الفن؟

كيف يتحول الغلاف إلى خطاب سيميائي موازٍ للنص؟

إلى أي حد يساهم الكتاب في مراجعة أطروحة «عصر الانحطاط» في الشعر العربي؟

فرضيات البحث

تنطلق الدراسة من الفرضيات التالية:

المعشّرات الشعرية بنية رمزية تتجاوز الوظيفة الشكلية نحو إنتاج معنى ثقافي وروحي.

التنظيم العددي داخل المعشّرات يمثل آلية دلالية لا مجرد نظام هندسي.

الغلاف يشكّل نصًا بصريًا يؤسس أفق القراءة قبل الولوج إلى المتن.

مشروع الشرايبي يعيد الاعتبار للأشكال الشعرية المهمّشة ويقترح قراءة جديدة لتاريخ الشعر العربي.

منهجية الدراسة

اعتمد البحث مقاربة منهجية مركّبة تجمع بين:

المنهج الوصفي التحليلي: لرصد خصائص المعشّرات وبنيتها.

المنهج التاريخي: لتتبع جذورها داخل التراث العربي الإسلامي.

المنهج السيميائي: لتحليل العلامات البصرية والرمزية في الغلاف والنص.

المقاربة النقدية الثقافية: لفهم موقع المعشّرات داخل النسق الحضاري العربي.

افتتاحية الدراسة: الشعر العربي والمعشّرات في السياق التراثي

منذ الجاهلية، شكّل الشعر العربي فضاء معرفيًا وجماليًا متكاملاً، حافظت من خلاله الثقافة العربية على ذاكرتها الرمزية، حيث لم يكن الشعر مجرد تعبير وجداني عن المشاعر، بل مؤسسة ثقافية تؤطر رؤية الإنسان للعالم و أداة لتشكيل الوعي الثقافي والاجتماعي. وقد أنتج هذا الامتداد التاريخي أشكالًا شعرية متعددة، بعضها حظي بمركز الاهتمام النقدي، بينما بقيت أشكال مثل المعشّرات في مناطق الظل، رغم ما تحتويه من إمكانات جمالية ومعرفية كبيرة.

تمثل المعشّرات الشعرية تجربة فنية ومعرفية فريدة تقوم على تفاعل فريد بين العدد واللغة والروحانية، بوصفها شكلًا شعريًا يعتمد على العدد “10” كرمز ديني وعددي، هذا الرقم لا يقتصر على الوظيفة الشكلية، بل يحمل بعدًا روحيًا مستمدًا من الآية القرآنية:(وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ) والتي تربط النص الشعري بالزمن الكوني والدلالات الروحية، مضيفة إلى البناء العددي بعدًا ثقافيًا ومعنويًا.

يأتي كتاب الدكتور فيصل الشرايبي ليعيد فتح هذا الملف النقدي، ليس من زاوية التوثيق فقط ، بل من منظور التأصيل النظري الذي يعيد إدماج هذا الفن داخل تاريخ الشعر العربي، كما يأتي الكتاب   كمشروع إبستمولوجي يحلل المعشّرات بوصفها نظامًا شعريًا متكاملًا، يجمع بين الشكل والمضمون، التراث والتجديد، ويقدم إسهامًا نوعيًا في إعادة النظر في تاريخ الشعر العربي من زاوية أشكال شعرية مهملة. هذه الدراسة تتناول المعشّرات من جميع جوانبها: التاريخية، الدينية، العددية، اللغوية، الأسلوبية، والسيميائية، مع إبراز إسهام الشرايبي في تأصيلها أكاديميًا ونقديًا.

إن أهمية هذا العمل لا تكمن في استعادة شكل شعري منسي فحسب، بل في مساءلة التصورات النقدية التي حصرت تطور الشعر العربي في نماذج محددة، متجاهلة أشكالا أخرى تعبر عن وعي شعري مغاير يقوم على تحويل القيد الشكلي إلى طاقة إبداعية.

 الجذور التاريخية والثقافية للمعشّرات

تعود المعشّرات الشعرية إلى العصر الإسلامي المبكر، حيث ارتبط الشعر بالطقوس الدينية والمناسبات الاجتماعية، واعتمد على الرقم 10 كأداة للترتيب والتذكير. الرقم العشري في المعشّرات يمثل رمزًا دينيًا وروحيًا، كما يظهر في الآية القرآنية: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، ما يمنح النص بعدًا معنويًا وروحيًا يرتبط بالقيم الأخلاقية والزهدية.

كما تؤكد المعشّرات على التقليد الفني والنقل التراثي، فالناظمون مثل مالك بن المرحل وابن السيد البطليوسي لم يقتصروا على الإبداع الشعري، بل حاولوا دمج المعاني الروحية مع البنية الشكلية، فكان الشعر وسيلة تعليمية وترفيهية في الوقت نفسه. هذا التاريخ الطويل يجعل المعشّرات حافلة بالمعاني الرمزية والمرجعية الثقافية.

 المرجعية الدينية والرمزية العددية

تكشف المعشّرات عن ارتباط وثيق بالمرجعية الدينية، حيث يحضر الرقم «عشر» بوصفه رمزًا قرآنيًا ودلاليًا، ما يمنح البناء الشعري بعدًا روحانيًا. فالعدد هنا يتحول إلى عنصر بنيوي داخل التجربة الشعرية، يربط بين النظام الكوني والنظام اللغوي، إذ الرقم العشري في المعشّرات ليس مجرد ترتيب شكلي، بل يحمل دلالات روحانية ومعنوية، حيث يرتبط بالنظام الكوني والزمني. تعكس هذه البنية التزام الشعراء بالقيم الدينية، كما في انتقال المعشّرات من الغزل إلى الزهد، ما يشير إلى تحول وجودي في وعي الشاعر.

الموضوعات الدينية والأخلاقية مثل الزهد، العبادة، والقيم الاجتماعية تجعل المعشّرات وسيلة تربوية ضمنية، حيث يقوم النص الشعري بتعليم القارئ التدبر والانتباه إلى المعاني العميقة.

وتؤكد طالعة المعشّرات النبوية لمالك بن المرحل هذا البعد، إذ يصرّح الناظم بالتزام «لزومية الطرفين»، في تجربة تجمع بين التعبد والصنعة الشعرية، بما يجعل النص فعلًا جمالياً ذا مقصد روحي.

 المعشّرات في التراث الإسلامي والتحول الأخلاقي للشعر

تكشف تجربة ابن السيد البطليوسي انتقال المعشّرات من الغزل إلى الزهد عن تحول وجودي في وعي الشاعر، حيث تتحول الكتابة إلى ممارسة أخلاقية تعيد بناء الذات. وهنا يغدو الشعر مجالًا للمراجعة الروحية لا مجرد إنتاج جمالي.

 البعد اللغوي والمعجمي

يعيد الشرايبي قراءة المصطلح عبر المعاجم العربية، كاشفًا تعدد دلالات الجذر «عشر»، المرتبط بالعاطفة والكسر والتجزئة. ومن ثمّ تصبح المعشّرات شكلاً يقوم على التكثيف واختزال الامتداد الشعري ضمن نظام عددي منتج للمعنى.

اللغة في المعشّرات تظهر ثراء المعجم العربي وعمق الاشتقاق والتجذير. يعكس هذا البعد قدرة النص على إنتاج مستويات متعددة من المعاني، وتقديم تجربة قراءة دقيقة تتيح القارئ فحص التفاصيل التعبيرية والاشتقاقية.

التحليل المعجمي يوضح كيف أن الشاعر يستطيع اختزال الامتداد الشعري ضمن بنية عددية ولغوية متكاملة، ما يثري القراءة النقدية ويبرز قدرة اللغة على الجمع بين الكثافة الجمالية والدلالة المعنوية.

البعد الأسلوبي والفني

المعشّرات تجمع بين تنوع الوزن والقافية والتكرار الفني، مع خلق انسجام بين الشكل والمضمون. يتيح هذا التوازن للشاعر الإبداع ضمن إطار محدد، ويمنح النص قدرة على التعبير عن مستويات متعددة من المعنى.

الشرايبي يبرز أن المعشّرات ليست مجرد قيود شكلية، بل نموذج للانسجام بين النظام الفني والابتكار الإبداعي، ما يعكس وعيًا نقديًا متقدمًا لدى الشعراء.

 البنية الشكلية والتنظيم الأبجدي

تقوم المعشّرات على نظام صارم يربط القصائد بعدد حروف الهجاء، في تزاوج بين النظام الصوتي والنظام الإيقاعي. ويبرز هنا وعي الشعراء بالبناء بوصفه عنصرًا إبداعيًا لا قيدًا تقنيًا.

 المعشّرات وإعادة النظر في مفهوم «عصر الانحطاط»

يرفض الشرايبي اعتبار هذه الأشكال دليلًا على انحطاط الشعر، بل يراها مرحلة من الوعي بالشكل الفني، حيث يصبح البناء ذاته موضوعًا للإبداع، وهو تصور ينسجم مع مراجعات نقدية حديثة لتاريخ الأدب العربي.

 المعشّرات كتجربة إنسانية

لا تلغي الصرامة الشكلية خصوصية التجربة الفردية، بل تمنحها إطارًا ينتج تنوعًا أسلوبيًا واسعًا، مما يجعل المعشّرات فضاءً يلتقي فيه الانضباط والحرية الإبداعية.

التحليل السيميائي لغلاف الكتاب

يمثل الغلاف خطابًا بصريًا موازياً للنص، تتجلى فيه عدة علامات:

الرقم 10 في المركز: علامة أيقونية تختزل موضوع الكتاب.

التدرج الرمادي: يحيل إلى الرصانة الأكاديمية.

الأحمر القاني في العنوان: دلالة الحيوية والإبداع.

الحروفية العربية التجريدية: جسر بين التراث والحداثة.

وبذلك يتحول الغلاف إلى عتبة تأويلية تؤسس علاقة بين الشكل البصري والبنية الشعرية العددية.

هذه العلامات السيميائية تساهم في تهيئة القارئ لتجربة معرفية متكاملة قبل قراءة النص، وهو ما يوضح اهتمام الشرايبي بالبعد البصري والتوازي بين النص الشعري والمرجع البصري.

النتائج

تكشف الدراسة أن: المعشّرات الشعرية تمثل نظامًا شعريًا دلاليا  متكاملًا يجمع بين الشكل،و الرمزية العددية، والمرجعية الدينية، والأسلوب الفني.

البناء العددي واللغوي يشكل آليات إنتاج معنى شعري وجمالي متقن.

الكتاب يبرز إسهام الشرايبي في إعادة الاعتبار للأشكال الشعرية المنسية ضمن الدراسات النقدية العربية حيث يسد فراغا في دراسة الأشكال التراثية .

الغلاف يُسهم في إنتاج دلالة سيميائية موازية للنص، حيث يشارك في إنتاج المعنى باعتباره نصا سيميائيا ما يعزز تجربة القراءة.

المعشّرات توضح تعددية القراءة والتفسير في التراث العربي، وتفتح آفاقًا جديدة للبحث النقدي.

التوصيات

ضرورة إدراج المعشّرات في الدراسات النقدية المعاصرة باعتبارها نموذجًا للبنية الشعرية المتكاملة.

استثمار البنية العددية والرمزية في الدراسات الأدبية لتوضيح العلاقة بين الشكل والمعنى.

توسيع البحث في البعد السيميائي للنصوص التراثية، بما يشمل الغلاف والعناصر البصرية المرافقة للنص.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الأشكال الشعرية التقليدية والمعاصرة لاستكشاف تطور الوعي الفني في الشعر العربي.

الخاتمة

يقدّم كتاب فيصل الشرايبي إسهامًا نوعيًا في إعادة توجيه الدرس النقدي العربي نحو المناطق المنسية من التراث الشعري، حيث تتحول المعشّرات من ظاهرة هامشية إلى نموذج كاشف عن قدرة الشعر العربي على التجدد داخل القيود الشكلية. وتبرز أهمية هذا المشروع في كونه يعيد وصل النقد الحديث بالذاكرة الثقافية العربية، مؤكدًا أن تطور الشعر لا يتحقق فقط عبر القطيعة، بل عبر إعادة قراءة التراث بوصفه مخزونًا مفتوحًا لإنتاج المعنى.

ومن هذا المنظور، لا يمثل الكتاب دراسة في شكل شعري فحسب، بل دعوة منهجية لإعادة كتابة تاريخ الشعر العربي من زاوية تعددية تعترف بتنوع التجارب والأساليب، وتعيد الاعتبار للأشكال التي أسهمت في تشكيل الحس الجمالي العربي عبر القرون.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

..................

المراجع

- الشرايبي، فيصل. (2025). المعشَّرات الشعرية: ظواهرها وقضاياها. تقديم إدريس الناقوري. المغرب: مطبعة أكاديمية.

 

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. (البقر - 23).

نقول: إذا كانت السلفية في منظور أهل "السنة والجماعة" تعني الرجوع إلى القرآن والسنة والإجماع وما قاله أو مارسه السلف الصالح في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى، من أجل فهم حياة سلف الأمّة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبالتالي فهي وفق هذا الفهم ليست مذهبا ولا حزبا ولا جماعة، وإنما هي فهم للدين الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عليه صحابته والدعوة لتطبيقه. فالسلفيّة في المفهوم السوسيولوجي (علم الاجتماع)، هي مسألة فكريّة تعبر عن مضامين اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة وأخلاقيّة وسيكولوجيّة، يسعى دعاتها دائماً إلى امتلاك الماضي وتمثله نزوعاً وجدانيّاً أقرب إلى الطبع. وللسلفيّة جذورها المعرفيّة والعمليّة التي تمتد إلى ما قبل الإسلام، (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون). ومع قدوم الإسلام، ومع مسألة الخلافة تحديداً، عندما سأل " عبد الرحمن بن عوف" علي بن أبي طالب، يعد مقتل عمر بن الخطاب الذي حدد ستة رجالات من كبار الصحابة ومن لهم حضورهم الفاعل اجتماعيّاً وإسلاميّا لاختيار خليفة من بعده وهم: (علي بن أبي طالب، عثمان بن عفان، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف): (هل أنت يا علي مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه، وفعل أبي بكر وعمر؟. قال علي اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي). فالتفت إلى عثمان فقال: (هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟. قال اللهم نعم). (1).

 ففي هذا النص نجد أول مرّة ما يعبر عنه بنص تاريخي أهميّة وجوب الأخذ بما أخذ به السلف مرجعاً مقدساً وهو (عمل أبي بكر وعمر) كعمل بشري لتثبيت حالة مستجدة آنذاك، وهي حالة تعيين أو اختيار خليفة للمسلمين، إضافة لاعتماد القرآن والسنة فيما بعد، حيث أصبح ملزماً ومصدراً للتشريع، وهذا الأمر ذاته وصل على يد الشافعي في نهاية القرن الثاني للهجرة إلى إلزام. وهو بذلك وضعنا في إشكاليّة لم تنته آثارها السلبية حتى اليوم، وهي المقابلة بين التاريخ والنص، من خلال تنصيص أو قوننة التاريخ عند الشافعي في اعتبار أقوال وأفعال السلف مصدراً للتشريع والحكم.

 إن هذه العقليّة تفهم اليوم كإشكاليّة بين عقليّة الماضي- الخبر، وعقليّة الاجتهاد – الحرية. أو بين مدرسة النقل ومدرسة العقل.

 نعم ...إن سطوة تاريخ ما قام به النبي والسلف الصالح اشتدّت حتى تحولت على يد الشافعي إلى مصدر إلزامي رسمي ومقنن (مقدس). حيث يقول الشافعي في الرسالة: (لم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله). (2). فهنا يصبح الماضي عند الشافعي بصريح لفظه، جهة العلم الوحيدة في الإسلام، فلا يحل لجيل أن يحكم أو يفتي أو يفكر لنفسه، إلا أن يكون مستنداً إلى حكم فتوى أو فكر الأجيال السابقة عليه الذين حددوا بالقرون الثلاثة الأولى. أي أصبح الماضي هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تل.

 إنها سلطة الماضي إذن التي عاد الشافعي ليؤكدها بقوله في كتاب الأم: (لا يجوز لمن استأهل أن يكون حاكماً أو مفتيّاً أن يحكم ولا أن يفتي إلا من جهة خبر لازم). أي الماضي. أي (الإجماع والآثار والقياس). (3). فالماضي عند الشافعي هو جوهر الفكر السلفي، وما عداه هو محدثات من الأمور. يقول الشافعي: المحدثات من الأمور ضربان. أحدهما: ما ظهر من أمور تخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه هي البدعة الضلالة ). (4).

 هذا ويعتبر كل من (ابن حنبل المتوفى عام 248هـ، وأبو الحسن الأشعري المتوفى 324هـ، وأبو حامد الغزالي المتوفى 505،) بعد الشافعي المتوفى سنة 205هـ. هم من جذر الفكر السلفي الأصولي. فإذا كان "الشافعي" قد أسس المنهج الفقهي السلفي بوضعه الأصول الأربعة كمرجعيّة قانونيّة وشرعيّة للتشريع وهي: القرآن والحديث والإجماع والقياس. فإن "ابن حنبل"، مثل الأنموذج المثالي لمنهجية الخبر السلفيّة، و"أبو حسن الأشعري"، هو من أصل السلفيّة من حيث العقيدة. عندما حاول إقحام العقل بشكل خجول في التشريع وتفسير بعض قضايا العقيدة. أما "أبو حامد الغزالي" فهو من فتح الحدود ما بين الفلسفة والتصوف والمنهج السلفي بشكل تلفيقي عند تبنيه للتأويل والمعرفة أللدنية.

الصراع السياسي على السلطة ودوره في إنتاج وبلورة الفكر السلفي الجبري:

الجذر السياسي للجبر في العصر الأموي:

 لقد كان لمسألة الصراع الدائر على السلطة ما بين الأمويين بقيادة "معاوية، وبين علي بن أبي طالب، حيث حول الأمويون الخلافة الإسلاميّة إلى ملك عضوض، واعتبروها أمرأ مقدراً من قبل الله سبحانه وتعالى يعطيها لمن يشاء ويأخذها ممن يشاء، وهم بهذا يكونوا قد خالفوا مسألة "الاختيار" لمنصب الخلافة من جهة، وواجهوا شيعة علي بن أبي طالب الذين قالوا إن الخلافة جاءت بالوصيّة بناءً على حديث (الغدير) من جهة ثانية. ولتمرير هذا التحول الأموي في مسألة الخلافة، اتكأ الخلفاء الأمويون على كل من وقف إلى جانبهم من الفقهاء ورجال الدين الذين برروا لهم تحويل الخلافة إلى ملك عضوض، وراحوا يناصبون العداء لكل من وقف ضدهم. ولكون النص الديني (القرآن) كان هو المرجع الأساس لكل القضايا الإشكاليّة التي كانت تتعرض لها الأمّة آنذاك، فقد راح رجال الدين لكلا الطرفين الموالي للسطلة والمعارض لها، يبحث عن الأدلة الشرعيّة في النص المقدس من أجل تبرير موقف صاحبه. ومن هذا المنطلق بدأت تظهر على الساحة الدينيّة قضية الصراع ما بين تيارين فكريين هما: (التيار الجبري والتيار القدري). ففي الوقت الذي تجد في القرآن آيات تبرر الجبر. تجد أيضاً فيها ما يبرر القدر. وهذا ما جعل "على بن أبي طالب" يقول في صفين عندما رفعت المصاحف لتحكيم كتاب الله: (إن القرآن حمال أوجه).

 لقد طُرحت قضيّة الحريّة تحت مسمى القدر، على يد المعتزلة عموما، وعلي يد كل من "معبد الجهني المقتول سنة 80هـ." و"غيلان الدمشقي المقتول سنة 99هـ." و"الجعد بن درهم، المقتول سنة 120هـ." حيث انتصر هؤلاء الثلاثة لمبدأ الحريّة الإنسانيّة، ومواجهة السلطة الأمويّة التي كانت تقول بالجبر، فقالوا: (إن العبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية. وهو المجازى على فعله، والله تعالى هو من أقدره على ذلك). وبالتالي أرادوا من هذا الطرح كما قلنا مواجهة الأمويين الذين برروا استلامهم للسلطة وما ينتج عنها من مفاسد بأن استلامهم للخلافة هو أمر مقرر من عند الله ولا رادٍ لقدره.0 فدفعوا حياتهم ثمناً لموقفهم هذا. (5).

 إذنُ لقد جاء هذا الطرح (القدري) رداً على السلطة الأمويّة التي كانت تطرح فكرة الجبر صريحة، لتبرر تحتها مظالم الحكم ومفاسده الشائعة، فضلاً عن تبرير شرعيّة وجودها أصلاً باعتبار ذلك وكأنه قضاء وقدر من عند الله. فهذا هو "معاوية بن ابي سفيان" قد بدأ الجبر السياسي عنده مبكراً منذ صفين حيث خاطب جيشه في تلك المعركة قائلاً: (وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض ولقت بيننا وبين أهل العراق ونحن من الله بمنظر، وقد قال الله سبحانه وتعالى: " ولو شاء الله ما اقتتلوا. ولكن الله يفعل ما يشاء"). (6). وعند تولية "يزيد" الخلافة قال: (الحمد لله الذي شاء صنع. من شاء أعطى ومن شاء منع ومن شاء خفض ومن شاء رفع). (7). وهذا "الوليد بن يزيد" يقول: (وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيها حتى أزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أصلاً ونهض مستقلاً بما حمل منها مثبته ولايته في سابق الزبر بالأجل المسمى خصه الله بها على خلقه). (8). أما "عبد "الملك بن مروان" فيقوم بقتل منافسه "عمرو بن سعيد" ويأمر برأسه أن يطرح إلى أنصاره من أعلي القصر، ثم يهتف عليهم الهاتف ينادي: (إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ).(9).

 إن هذا الموقف الجبري السلفي، ظفر بموقف وموافقة الفقهاء من أهل الحديث في عهد الأمويين ضد من انتصر للعقل وقضية العدل وحرية الإرادة. حيث نجده عند (عبد الله بن عمر. وجابر بن عبد الله. وأبي هريرة. وابن عباس. وانس بن مالك. وعبد الله بن أبي أوفى. وعقبة بن عامر الجهني وأقرأنهم. وقد وصوا أخلافهم بأن لا يصلوا على القدريّة ولا يصلوا جنائزهم، ولا يعودوا مرضاهم) (10). كما نجد هذا الموقف السلفي الجبري وضرورة القول به عند كل من:

1- ابن عباس، كان يقول: (عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والبدع)

2- الشعيبي، كان يقول: (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زغرفوها لك بالقول، وما حدثوك به عن أصحاب رسول الله فخذه، وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحس).

3- الوازعي، كان يقول: (قف حيث وقف القوم واسلك سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريا.

...............................

1- الطبري تاريخ الأمم والملوك– الجزء الثالث –ص301.

2- السلطة في الإسلام- عبد الجواد ياسين – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء- 1998- ص 68.

3- الأم – دار المعرفة بيروت- المجلد الرابع- ج7- ص299 .

4- ابن القيم – أعلام الموقعين- مكتبة الكليات الأزهري- ج1- ص333.ولو كان هذا خيراً ما خصصتم به دون أسلافكم). (49).

5- الشهرستاني – الملل والنحل – مكتبة السلام العالمية- ج1- ص 54

6- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين – المصدر السابق. ص132.

 7- المرجع نفسه ص 132.

8- المرجع نفسه. ص132.

9- المرجع نفسه. ص132.

10- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين – مرجع سابق- ص 133.

قراءة لغوية أدبية في ضوء رؤية الخليل بن أحمد الفراهيدي

ليس التقطيع العروضي مجرّد إجراء تقنيّ يُمارَس على جسد البيت الشعري، بل هو في جوهره فعلُ إنصاتٍ عميقٍ إلى النبض الخفيّ للغة، ومحاولةٌ لضبط ما يتفلّت من موسيقاها في قوالبَ تتيح لها أن تُدرَك وتُدرَّس وتُعاد صياغتها. ومن هنا نشأ علم العروض بوصفه علماً يقف على تخوم اللغة والموسيقى، يُقنِّن الإيقاع دون أن يقتله، ويؤطِّر الجمال دون أن يُحجِّره.

لقد أدرك الخليل بن أحمد الفراهيدي، في لحظة عبقرية فذّة، أن الشعر العربي—على امتداده الشفهيّ الطويل—لم يكن فوضى صوتية، بل كان خاضعاً لنظام دقيق من التكرارات الإيقاعية التي يمكن ردُّها إلى وحداتٍ أصغر، هي التفعيلات. ومن خلال هذه الرؤية، تحوّل السماع إلى قياس، والذوق إلى معيار، والانسياب إلى ميزان.

أولاً: التقطيع العروضي بوصفه تفكيكاً للزمن اللغوي

التقطيع في حقيقته ليس تقطيعاُ للحروف، بل تقطيعٌ للزمن؛ إذ تُقسَّم العبارة إلى مقاطع صوتية تمثّل وحدات زمنية متفاوتة الطول: متحركات وسواكن، قصاراً وطوالاً. فكلّ بيت شعري هو نسيج زمنيّ، تُحسَب فيه المدّة كما تُحسَب الدلالة.

ومن هنا، فإن قولنا إن التقطيع “أبطأ” أو “أسرع” ليس مجازاً محضاُ، بل هو توصيف دقيق لكيفية توزيع الزمن داخل السطر الشعري:

فحين تتكاثر المقاطع الطويلة (ـ)، يثقل الإيقاع، ويتحوّل إلى مشيٍ متأنٍّ أقرب إلى التأمّل.

وحين تتعاقب المقاطع القصيرة ()، يتسارع النبض، ويغدو الإيقاع راقصاً، مندفعاً، أقرب إلى الانسياب.

وهذا ما يفسّر الأثر الشعوري للبحور المختلفة؛ فليس البحر إلا تنظيماُ مخصوصاً للزمن الصوتي.

ثانياً: بين التقطيع العروضي والتقطيع البصري

إذا كان التقطيع العروضي خاضعاُ لصرامة القياس، فإن التقطيع البصري (كسر الأسطر في الشعر الحديث) ينتمي إلى مجال آخر: مجال الإيحاء والتنغيم الداخلي. غير أنّ العلاقة بينهما ليست قطيعة، بل تواشج خفيّ.

فالشاعر المعاصر—حتى وهو يكتب شعراً حرّاً—يظلّ خاضعاً، على نحوٍ لا واعٍ، لذاكرة العروض. إنه يُبطئ السطر أو يُسرّعه عبر:

توزيع الكلمات

مواضع الوقف

كثافة الأصوات

وكأنّ التقطيع البصري هو ظلٌّ حديث للتقطيع العروضي؛ أحدهما يُقاس، والآخر يُحسّ، لكن كليهما يشتغل على المادة نفسها: الزمن اللغوي.

ثالثاً: التفعيلة ميزاناُ لا قيداً

قد يُتوَهَّم أنّ التفعيلة قيدٌ يُكبِّل الشاعر، غير أنّها—في منظور الخليل—أداةُ تحرير؛ إذ تمنحه إطاراً يُحسِن من خلاله توزيع طاقته التعبيرية. فالتفعيلة ليست شكلاً جامداً، بل بنية مرنة تقبل التغيير عبر ما عُرف بالزحافات والعلل.

وهنا تتجلّى عبقرية النظام العروضي:

فهو نظامٌ مغلق في أصوله (عدد البحور محدود)

لكنه مفتوح في تطبيقاته (احتمالات الزحاف واسعة)

وبذلك يجمع بين الثبات والتحوّل، بين القانون والاحتمال.

رابعاً: الإيقاع بوصفه دلالة

لا ينفصل الوزن عن المعنى؛ فالإيقاع ليس وعاءً خارجياً، بل هو جزء من الدلالة نفسها. إن اختيار بحرٍ بطيءٍ ثقيلٍ لقولٍ حزينٍ ليس مصادفة، بل هو توافق بين البنية الصوتية والمحتوى الشعوري.

ولهذا يمكن القول:

إن البحر الطويل يشي بالامتداد والوقار

وإن الرجز يوحي بالحركة والاضطراب

وإن الرمل يحمل نبرةً وجدانية رخوة

فالتقطيع، إذن، ليس تحليلاُ لاحقاُ للنص، بل هو أحد مفاتيح بنائه من الأصل.

خامساً: رأي الخليل وإرثه

لم يترك الخليل بن أحمد الفراهيدي نصوصاً تنظيرية مطوّلة تشرح فلسفته، لكنّ عمله نفسه يكشف عن رؤية عميقة: لقد تعامل مع الشعر بوصفه نظاماً يمكن اكتشافه، لا اختراعه. فهو لم يفرض البحور على الشعر، بل استخرجها منه، كما يُستخرج القانون من الظاهرة.

وهذا ما يمنح علم العروض شرعيته:

فهو علمٌ وصفيّ في أصله (يصف ما هو موجود)

ثم صار معياريّاُ في استعماله (يُقاس عليه الجديد)

ومن هنا ينبع التوتر الخلّاق بين الإبداع والقانون: فالشاعر إمّا أن يلتزم الميزان، أو أن يكسِره عن وعي، لا عن عجز.

خاتمة:

التقطيع العروضي ليس تمريناً مدرسياً، بل هو مفتاحٌ لفهم البنية العميقة للشعر العربي؛ إنه الطريقة التي تتحوّل بها اللغة من وسيلة تواصل إلى كيانٍ إيقاعيّ نابض. وبين البطء والسرعة، والثقل والخفّة، يتشكّل المعنى لا في الكلمات وحدها، بل في الزمن الذي تستغرقه هذه الكلمات كي تُقال.

وهكذا يظلّ إرث الخليل حيّاً: لا بوصفه قانوناُ جامدًا، بل باعتباره أفقاً يُمكّن الشاعر من أن يسمع لغته على نحوٍ أدقّ، وأن يكتبها على نحوٍ أعمق.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

من بنية الانكسار إلى أفق المعنى الاحتمالي

في أزمنةٍ تتكاثر فيها الشظايا، ويغدو المعنى ذاته مهدّداً بالانكسار، ينهض النصّ الأدبي بوصفه محاولةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من فتات الدلالة، أو على الأقلّ لإعادة ترتيب الفوضى في هيئةٍ قابلةٍ للتأويل. ومن هذا الأفق، يتقدّم نصّ الشاعر خلدون رحمة «الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ» بوصفه خطاباً شعرياً مكثّفاً، لا يكتفي بتوصيف الخراب، بل يعيد إنتاجه لغوياً ورمزياً، حتى يغدو النصّ ذاته مرآةً مكسورةً لواقعٍ مأزوم.

تنبثق أهمية هذه الدراسة من كونها تقف عند تخوم تقاطعٍ معقّد بين اللغة والوجود، بين التجربة الفردية والجماعية، وبين الحلم وانكساراته. فالنص لا يُقرأ قراءةً أحاديةً تُفضي إلى معنى جاهز، بل يستدعي مقاربةً نقديةً مركّبة، تنفتح على تعدّد المناهج، وتستجيب لطبيعته بوصفه بنيةً دلاليةً متشظية، تتجاوز حدود البلاغة التقليدية إلى أفق التأويل المفتوح.

ومن هنا، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك البنية الداخلية للنص عبر مستوياتٍ متداخلة: لغويةٍ وبلاغية، جماليةٍ وفنية، فكريةٍ وفلسفية، نفسيةٍ وسوسيولوجية، وصولاً إلى البنية السيميائية العميقة. كما تعتمد، في مقاربتها، على ما يُعرف بـ النقد الاحتمالي، الذي لا يبحث عن “المعنى الصحيح” بقدر ما يستكشف شبكة المعاني الممكنة، انطلاقاً من التفاعل الجدلي بين النص والقارئ والسياق.

إنّ هذه القراءة لا تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية للنص، بل تنطلق من وعيٍ نقديّ يرى في الأدب مجالاً لإنتاج المعنى لا لاستهلاكه، وفي القصيدة فضاءً تتجاور فيه الدلالات وتتصارع، لتكشف في نهاية المطاف عن هشاشة اليقين الإنساني، وعن قدرة اللغة، رغم كلّ شيء، على أن تكون شاهدةً على الانكسار… ومقاومةً له في آنٍ معاً.

يندرج هذا النص ضمن الكتابة الشعرية الحديثة التي تمزج بين قصيدة النثر والتكثيف الرمزي، حيث لا يُقدَّم المعنى بوصفه يقيناً مغلقاً، بل بوصفه شبكةً من الإشارات والانزياحات. ومن هنا، سنعتمد مقاربة مركّبة تجمع بين:

١- التحليل الأسلوبي واللغوي

٢- القراءة السيميائية

٣- المنظور النفسي والفلسفي

٤- النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً تأويلياً مفتوحاً.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

يتسم النص بسلامة لغوية واضحة، لكنه لا يقف عند حدود الفصاحة التقليدية، بل يتجاوزها إلى الانزياح التركيبي والدلالي:

«الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ»

تركيب يقوم على انزياح استعارِي مزدوج:

المرآة - ماء (سيولة الهوية)

الماء - قابلية التهشيم (تفكيك الإدراك)

هنا تتحول اللغة من أداة وصف إلى أداة خلق واقع بديل.

كما نلاحظ:

التوازي التركيبي:

«تقعّر المحدّب وتحدّب المقعّر»

- قلب العلاقات المنطقية يساوي تفكيك النظام الإدراكي

الجمل تتراوح بين:

تقريرية: «رأيتُ دم أحلامي مُراقاً»

استفهامية وجودية: «أليس للأحلام دم؟»

هذا التنوّع يمنح النص دينامية إيقاعية ودلالية.

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة هنا مفخّمة لكنها غير متكلّفة، وتقوم على:

ألفاظ مشحونة دلالياً: (شظايا، شرارات، عتمات، تيه)

اقتصاد لغوي مع كثافة رمزية

التوازن بين اللفظ والمعنى يظهر في:

عدم فائض لغوي

كل مفردة تؤدي وظيفة إيحائية

مثال:

«الخيبات: فؤوس مصمّمة لقطع جذور الشغف لا أغصانه»

هنا تتجلى بلاغة التحديد:

الجذر يساوي الغصن

- الخيبة تستهدف الأصل الوجودي لا المظاهر

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص لا يعتمد وزناً تقليدياً، لكنه يبني موسيقاه عبر:

التكرار:

«حلمتُ... حلمتُ»

«هنا والآن»

التوازي الصوتي:

«دم... دافق... دفنه»

جرس حرف الدال يساوي طرقات دموية

الإيقاع الداخلي:

قائم على التقطيع الدلالي لا العروضي

وهذا يخلق موسيقى نفسية أكثر منها عروضية.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص

النص يقوم على بنية تفككية متشظية:

لا سرد خطي

بل مشاهد متجاورة:

١- الحرب

٢-الحلم

٣- الخيبة

٤- الحب

الزمن:

غير خطي

يتنقل بين:

الماضي (رأيت)

الحلم

الحاضر («هنا والآن»)

- الزمن هنا نفسي لا كرونولوجي

2. الرؤية الفنية

الرؤية تقوم على:

العالم بوصفه مرآة مكسورة

الحرب يساوي تفكيك الإدراك

الحلم يساوي مقاومة رمزية

الواقع يساوي خيانة للحلم

انسجام الشكل والمضمون:

التشظي اللغوي يساوي تشظي الوجود

3. الطابع الإبداعي والانزياح

النص ينتج الدهشة عبر:

تحويل المجرد إلى محسوس:

«دم الأحلام»

تحويل القيم إلى أجساد:

الحرية كعنقاء

- هذا انزياح يُجسِّد المعنى بدل أن يصفه

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

هل الحلم ممكن في عالم محطم؟

هل العدالة وهم طبقي؟

الموقف: - نقدي، احتجاجي، وجودي

2. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

التراث الأسطوري (العنقاء)

الفكر الحداثي (تفكك المعنى)

التجربة التاريخية للحروب

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

الدلالات المضمرة:

المرآة تساوي الوعي

الماء يساوي الهوية السائلة

الدم يساوي ثمن الحلم

الشقّة تساوي عزلة الحداثة

- النص يشتغل كـ نص متعدد الطبقات

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النص ينتمي إلى:

سياق ما بعد الحروب العربية

خيبة المشروع القومي

وهو امتداد لـ:

قصيدة النثر الحديثة

خطاب الهزيمة والتمزق

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

النص مشحون بـ:

١- القلق

٢- الفقد

٣- الانكسار

2. النبرة النفسية

تتراوح بين:

احتجاج («رأيت الحرية في عيون المترفين»)

حزن حميم («شقّة بلا حبيبة»)

سادساً: الأسس الاجتماعية

النص يفضح:

التفاوت الطبقي

احتكار القيم (الحرية/العدالة)

- خطاب مضاد للسلطة الرمزية

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

المرآة - الوعي

الدم - التضحية

العنقاء - الأمل

الشقّة - العزلة الحديثة

2. الثنائيات

١- الحلم / الخيبة

٢- الحرية / الزيف

٣- الحب / الوحدة

- شبكة دلالية متقابلة

ثامناً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى في:

١- «حرب قُبلتين»

٢- «صخب قلبين»

الإيروتيكي هنا:

ليس جسدياً صرفاً

بل طاقة حياة في مواجهة الموت

- الحب يساوي مقاومة وجودية

تاسعاً: القراءة وفق النقد الاحتمالي

النص لا يمنح معنى واحداً، بل احتمالات:

1. قراءة سياسية

الحرب يساوي واقع تاريخي

الحرية يساوي خطاب زائف

2. قراءة نفسية

الحرب يساوي صراع داخلي

المرآة تساوي الذات المنكسرة

3. قراءة وجودية

الحلم يساوي عبث

الإنسان يساوي كائن مأزوم

4. قراءة جمالية

النص يساوي تجربة لغوية لتفكيك المعنى

- المعنى هنا نتاج تفاعل القارئ مع النص

عاشراً: قراءة لغوية صرفية ونحوية

«هشّمتْ»:

فعل ماضٍ مبني على السكون (للاتصال بالتاء)

دلالته: حدث مكتمل يساوي كارثية نهائية

«ماءَ المرآةِ»:

مضاف زائد مضاف إليه

تركيب انزياحي (إضافة غير مألوفة)

«أليس للأحلام دم؟»

استفهام إنكاري - تقريري

«الخيباتُ: فؤوسٌ»

مبتدأ وخبر بصيغة تشبيه ضمني

- البنية النحوية سليمة لكنها موظفة إبداعياً لا معيارياً

خاتمة:

يُعدّ نص «الحربُ هشّمتْ ماءَ المرآةِ» تجربة شعرية كثيفة، تتجاوز حدود التعبير إلى تفكيك بنية الواقع ذاته. إنه نصّ:

لغته منحرفة عن المألوف بوعي

ورؤيته مشبعة بالقلق الوجودي

ومعناه مفتوح على احتمالات لا تنتهي

وفي ضوء النقد الاحتمالي، لا يمكن القبض على “معناه النهائي”، لأن قوته تكمن تحديداً في استعصائه على الإغلاق، وفي قدرته على أن يُعاد توليده مع كل قراءة.

إنه نصّ لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُسكن القارئ، ويعيد تشكيل وعيه… مثل مرآةٍ مكسورة، تعكس الحقيقة في شظاياها لا في اكتمالها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

................................

الشاعر والناثر خلدون عماد رحمة:

الحربُ هشّمتْ ماء المرآةِ: تقَعّرَ المحدّبُ وتحدّبَ المُقعّرُ، انفصلت الظلال عن ملامحها والرؤوس عن أفكارها، واستحالَ الشكلُ إلى شظايا أشكالٍ من شراراتٍ وعتماتٍ وتيه.

*

رأيتُ دم أحلامي مُراقاً، دافقاً بين شقوق الخراب، يتفجّرُ كبروقٍ مدوّيةٍ في بطونِ السماء.

أليسَ للأحلامِ دمٌ؟

بلى..

أنا أسبح في دم أحلامي.

ليس للأحلام مُنتهىً فِيَّ: إنها تتفايضُ عنّي حَدّ افتضاض حدود إدراكها وتأويلها، لكنّ للخيباتِ، حين تدبّ بكامل عتادها، فعلُ النقيض الموازي لحجم الأحلام، الخيباتُ هنا: فؤوسٌ مصمّمة لقطع جذور الشغف لا أغصانه.

*

وُلِدَ الحلمُ خارج ذاته منفيّاً، مطروداً، خارج مكانه وزمانه، كأن تحلم بتحريرِ سجينٍ من زنزانة ضيقة، فتصحو على نبأ دفنه في مقبرة واسعة، أو كأن تحلم بتحرير أرضكَ من كلّ أوساخ التاريخ البشريّ، فتجد نفسك مقذوفاً إلى أرضٍ مُحررةٍ لا تشبه أرضك.

*

حلمتُ برؤية الحريّة وهي تخرج من أنفاق الظُلْمِ كعنقاءِ الأساطيرِ شامخةً، ترفع تعبَ الناس تاجاً على جبينِ الشمس، تغسلُ عيونهم بدمعها الصافي وتربّي وردها الناريّ في أرض هواجسهم.

حلمتُ بالعدالة واقعاً، أن أراها وهي تدفنُ اللغة الفاسدة، أن أراها وهي ترتدي ثوباً منسوجاً من عرق الشهداء والمظلومين والفقراء..

هنا والآن: رأيتُ الحرية والعدالة، ولكن في عيون أصحابها المُترفين، لا في عيون أهلي المظلومين.

*

مرّةً، بكيتُ، لأنني لم أجد مكاناً صالحاً للحبّ، مكاناً هادئاً، يحتملُ صخبَ قلبينِ وصرخة لهفَتِين وحربَ قُبلتين.

لكَمْ بكِيِتْ هي أيضاً، لأنها لمَحَتْ شظايا حيرتي وهي تلهث في كلّ الجهات.

هنا والآن: حصلتُ على شقّةٍ، ولكن من دون قلبها ولهفتها وقُبلتها، شقّةٌ باردةٌ بلا حبيبةٍ

شقّةٌ لا تصلحُ إلا لوحدتي.

 

يمثل توظيف الرمز والأسطورة في الشعر العربي الحديث أحد أهم ملامح تحوله الجذري عن أنماطه الكلاسيكية، إذ لم يعد الشعر مجرد تعبير مباشر عن العاطفة أو تسجيل للحدث، بل أصبح فعلا معرفيا وجماليا يسعى إلى إعادة تأويل الوجود والذات والتاريخ. وفي هذا السياق يبرز اسما أدونيس وبدر شاكر السيّاب بوصفهما من أكثر الشعراء تأثيرا في ترسيخ البعد الرمزي والأسطوري في القصيدة العربية الحديثة، كل بطريقته ورؤيته وأسئلته الوجودية والفكرية.

لقد جاء هذا التحول في زمن عربي مأزوم سياسيا وثقافيا حيث بدت اللغة المباشرة عاجزة عن احتواء حجم الانكسار والأمل في آن واحد. فكان الرمز والأسطورة بمثابة لغة بديلة قادرة على تجاوز الرقابة الخارجية والداخلية وعلى فتح النص على طبقات متعددة من الدلالة. لم يعد الشاعر يتحدث بضمير فردي فقط بل صار يستعير أصوات الآلهة القديمة والأبطال الأسطوريين والشخصيات التاريخية ليعبر عن الإنسان العربي الحديث في قلقه واغترابه وتطلعه إلى الخلاص.

السيّاب كان من أوائل من أدخلوا الأسطورة إلى بنية القصيدة العربية إدخالا عضويا مرتبطا بالتجربة الحياتية والواقع الاجتماعي. في شعره تتجاور المعاناة الشخصية مع المأساة الجماعية وتتحول الأسطورة إلى مرآة للألم الإنساني. استلهم السيّاب أساطير الخصب والموت والبعث مثل أسطورة تموز وعشتار ليعبّر عن فكرة الانبعاث بعد الخراب وعن الحلم بولادة جديدة لوطن مثقل بالجراح. لم تكن الأسطورة لديه ترفا ثقافيا أو زينة لغوية بل ضرورة فنية وفكرية فرضها الواقع القاسي الذي عاشه العراق في تلك المرحلة.

في قصائد السيّاب يتحول المطر إلى رمز مركزي يحمل دلالات متناقضة فهو علامة الخصوبة والحياة وفي الوقت ذاته شاهد على الحزن والفقد. هذا التعدد الدلالي يعكس قدرة الرمز على احتضان التناقض الإنساني وهو ما منح شعره عمقا وتأثيرا واسعين. الأسطورة هنا لا تنفصل عن البيئة المحلية بل تتداخل مع النخيل والأنهار والقرى الجنوبية لتخلق عالما شعريا يمزج الكوني بالمحلي والإنساني بالميتافيزيقي.

أما أدونيس فقد اتخذ من الرمز والأسطورة مشروعا فكريا وجماليا متكاملا يهدف إلى إعادة بناء الشعر العربي من جذوره. الأسطورة عنده ليست فقط أداة تعبير بل بنية تفكير ورؤية للعالم. استدعى أدونيس الأساطير الشرقية والغربية والشخصيات التاريخية والدينية ليعيد تفكيكها وإعادة تركيبها ضمن سياق حداثي يتحدى السائد ويطرح أسئلة كبرى حول السلطة والمعرفة والهوية والزمن. في شعره تتحول الشخصيات الأسطورية إلى أقنعة يتكلم من خلالها الشاعر لا ليحكي الماضي بل ليحاكم الحاضر ويستشرف المستقبل.

أدونيس يوظف الرمز بوصفه أداة قطيعة مع اللغة المباشرة ومع البلاغة التقليدية. لغته كثيفة ومفتوحة على التأويل وتحتاج إلى قارئ فاعل يشارك في إنتاج المعنى. الأسطورة لديه لا تمنح الخلاص بقدر ما تكشف المأزق الوجودي وتعرّي البنى الفكرية الجامدة. ومن هنا تبدو قصيدته أكثر تجريدا وأقل ارتباطا بالحدث اليومي مقارنة بالسيّاب لكنها أكثر انغماسا في الأسئلة الفلسفية والكونية.

بين السيّاب وأدونيس تتجلى مدرستان مختلفتان في توظيف الرمز والأسطورة. السيّاب ينطلق من الألم الشخصي والجماعي ليصل إلى الأسطورة بوصفها عزاء وأملا بينما ينطلق أدونيس من الأسطورة ليهدم الواقع ويعيد مساءلته جذريا. ومع ذلك يشتركان في إدراك عميق لعجز اللغة التقليدية عن التعبير عن عصر مضطرب وفي السعي إلى خلق لغة شعرية جديدة تتجاوز الوصف إلى الرؤيا.

الرمز في شعرهما ليس غموضا مقصودا لذاته بل أفقا دلاليا مفتوحا يحرر القصيدة من الأحادية ويمنحها قابلية الاستمرار والتجدد. فالقصيدة الرمزية لا تُستهلك في قراءة واحدة بل تعيد إنتاج معناها مع كل قراءة جديدة. وهذا ما يفسر بقاء شعر السيّاب وأدونيس حيا في الذاكرة النقدية والثقافية رغم تغير الأزمنة والسياقات.

أثر هذا التوظيف الرمزي والأسطوري لم يقتصر على تجربتهما الفردية بل امتد إلى أجيال لاحقة من الشعراء العرب الذين وجدوا في الأسطورة مجالا رحبا للتجريب وكسر القوالب الجاهزة. لقد أسهما في نقل الشعر من فضاء التعبير الانفعالي إلى فضاء الرؤية والتأويل ومن الصوت الفردي إلى الصوت الكوني.

من هنا، يمكن القول إن الرمز والأسطورة في شعر أدونيس والسيّاب ليسا مجرد تقنيتين بل تعبير عن وعي جديد بالشعر ووظيفته. شعر يرفض أن يكون مرآة سطحية للواقع ويسعى بدلا من ذلك إلى تعميقه وإعادة تخيله. وبين أسطورة الخصب عند السيّاب وأساطير الهدم والبناء عند أدونيس تتشكل ملامح الشعر العربي الحديث بوصفه مساحة للسؤال والاختلاف والبحث الدائم عن معنى الإنسان في عالم متغير.

ولتعميق قراءة الرمز والأسطورة في تجربة السيّاب وأدونيس لا بد من التوقف عند البعد التاريخي والفكري الذي جعل من العودة إلى الأسطورة فعلا حداثيا لا ارتدادا إلى الماضي. فالأسطورة في الشعر الحديث لم تُستدع بوصفها حكاية بدائية أو بقايا معتقدات غابرة بل بوصفها نصا إنسانيا مفتوحا يحمل أنماطا أولية من التجربة البشرية يمكن إعادة تأويلها في ضوء الحاضر. من هنا كان وعي الشاعرين بالأسطورة وعيا نقديا يعيد إنتاجها داخل بنية شعرية جديدة تتجاوز التكرار وتؤسس للاختلاف.

الأسطورة بين الوعي التاريخي والقلق الوجودي

عند السيّاب يتخذ الرمز والأسطورة بعدا تاريخيا مرتبطا بسؤال الانكسار العربي والحلم بالنهضة. فهو شاعر عاش التحولات السياسية الحادة والخيبات الكبرى وشهد التناقض بين الوعود الثورية والواقع القاسي. لذلك جاءت الأسطورة لديه محمّلة بطاقة خلاصية حتى في لحظات اليأس. فتموز الذي يموت ويبعث وعشتار التي تنزل إلى العالم السفلي ليستا مجرد رمزين جماليّين بل تعبير عن إيمان عميق بدورة الحياة وعن أمل لا ينطفئ رغم الألم. الأسطورة هنا تتماهى مع التجربة الإنسانية البسيطة وتمنحها بعدا كونيا دون أن تفقد حرارتها العاطفية.

كما أن البعد الديني والروحي في شعر السيّاب يتقاطع مع الأسطورة دون أن يذوب فيها. فهناك حس تراجيدي واضح يجعل من الرمز وسيلة لمساءلة العدالة والقدر والمعاناة البشرية. وهذا ما يمنح شعره قدرة على التأثير الوجداني المباشر رغم كثافة رموزه. القارئ لا يشعر بالاغتراب أمام النص بل يجد نفسه منخرطا في ألمه وأمله معا.

أما أدونيس فإن توظيفه للأسطورة ينطلق من قلق معرفي وفلسفي عميق. فهو شاعر ينظر إلى التاريخ بوصفه بنية قابلة للتفكيك لا مسارا مقدسا. لذلك يعيد قراءة الأساطير والرموز الدينية والتاريخية ليكشف ما فيها من سلطة وخطاب مهيمن. الأسطورة عنده ليست وعدا بالخلاص بل سؤالا مفتوحا حول معنى البداية والنهاية وحول إمكانية التجدد الحقيقي. ومن هنا تبدو قصيدته أحيانا صادمة أو عصية على الفهم السريع لأنها لا تمنح القارئ إجابات جاهزة بل تدفعه إلى الشك وإعادة التفكير.

اللغة الشعرية عند أدونيس تقوم بدور أسطوري بحد ذاتها إذ تتحول الكلمات إلى كيانات حية تتفكك وتُعاد صياغتها خارج السياق المألوف. الرمز هنا لا يحيل إلى معنى ثابت بل إلى شبكة من العلاقات والدلالات المتحركة. وهذا ما يجعل من شعره فضاء تأويليا مفتوحا يتجاوز الزمان والمكان.

اللافت أن كلا الشاعرين استخدم الأسطورة ليؤسس قطيعة مع الخطاب الشعري التقليدي لكن كل منهما اختار طريقا مختلفا. السيّاب أعاد وصل الشعر بالإنسان البسيط وبألمه اليومي عبر رمز شفاف قريب من الحس الإنساني العام بينما ذهب أدونيس إلى تعقيد التجربة الشعرية ليجعل منها مختبرا فكريا وجماليا. هذا الاختلاف لا يعني تناقضا بقدر ما يعكس تنوع إمكانات الرمز والأسطورة في التعبير عن التجربة العربية الحديثة.

إن توسعة النظر في أعمال السيّاب وأدونيس تكشف أن الرمز والأسطورة لم يكونا مجرد مرحلة عابرة في تطور الشعر العربي بل تحولا إلى أفق دائم للكتابة الحديثة. فقد أسهما في تحرير القصيدة من أسر المباشرة وفتحا أمامها فضاء كونيّا يسمح لها بالحوار مع الثقافات الأخرى دون أن تفقد خصوصيتها. ومن خلال هذا التوظيف العميق للأسطورة استطاع الشعر العربي الحديث أن يعبر عن أزمته وعن طموحه في آن واحد وأن يثبت أن الشعر ما زال قادرا على إنتاج المعنى في عالم مضطرب ومتغير.

***

د. عصام البرّام

 

يشكّل الشعر الحديث، في تحوّلاته الجمالية والفكرية، فضاءً مفتوحاً لإعادة مساءلة الإنسان في علاقته بذاته والعالم والتاريخ، حيث لم يعد النص الشعري مجرّد بناء لغوي جمالي، بل أضحى بنيةً دلالية مركّبة تتقاطع فيها أنظمة العلامات، وتتشابك داخلها الأبعاد النفسية والوجودية والسوسيولوجية. وفي هذا السياق، يبرز صوت الشاعر بلند الحيدري بوصفه أحد الأصوات الحداثية التي أسهمت في إعادة تشكيل القصيدة العربية، عبر تفكيك البنى التقليدية، والاتكاء على لغة إيحائية كثيفة، تنفتح على تعدّد التأويلات وتقاوم الانغلاق الدلالي.

تأتي قصيدة «بين مسافتين» لتجسّد هذا المنحى الحداثي، إذ تنبني على توتّر داخلي بين قطبي الوجود: الخوف والأمل، الحضور والغياب، العتمة والانبعاث، في صياغة شعرية تتجاوز المباشرة إلى الرمز، وتستعيض عن التقرير بالإيحاء. ومن ثمّ، فإن مقاربة هذا النص تقتضي اعتماد منظور نقدي مركّب، يستحضر تعدّد المستويات التحليلية، بدءاً من البنية اللغوية والبلاغية، مروراً بالأسس الجمالية والفنية، وصولاً إلى الأبعاد الفكرية والفلسفية، والنفسية والسيميائية، ضمن أفق منهجي ينفتح على القراءة التأويلية.

كما تنطلق هذه الدراسة من ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي لا ينظر إلى النص بوصفه حاملاً لمعنى جاهز ونهائي، بل باعتباره بنيةً مفتوحة تُنتج دلالاتها عبر تفاعل القارئ مع نسيجها اللغوي والرمزي وسياقاتها المختلفة. وعليه، فإن هذه المقاربة لا تسعى إلى تثبيت "المعنى الصحيح"، بقدر ما تهدف إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة التي يتيحها النص، والكشف عن طبقاته الدلالية العميقة.

من هنا، تأتي هذه الدراسة محاولةً لقراءة قصيدة «بين مسافتين» قراءةً تحليلية شاملة، تستنطق بنيتها اللغوية، وتفكّك نظامها الرمزي، وتستكشف أفقها الوجودي، بما يكشف عن غناها الجمالي وطاقتها التأويلية، ويضعها في سياقها الحداثي بوصفها نصاً مفتوحاً على احتمالات المعنى، ومرآةً لقلق الإنسان المعاصر وأسئلته الكبرى.

 وفق المحاور التي حدّدتها، مع الحفاظ على لغة تحليلية أكاديمية ذات نفس فلسفي وتأويلي.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

تقوم اللغة في النص على اقتصادٍ تعبيري واضح، حيث يميل الشاعر بلند الحيدري إلى الجملة القصيرة ذات الشحنة الدلالية المكثّفة. نلحظ توظيفاً لافتاً للفعل المضارع (تخيفنا، تعوِل، تظل، أسأل، يمتد، أحلم)، وهو اختيار ليس اعتباطياً، بل يؤسس لحضور الزمن المفتوح، ويكسر انغلاق الحدث في الماضي.

من حيث التراكيب، تتسم الجمل بنوع من الانزياح التركيبي، مثل:

«الليل خلف بابنا المسكرة»

حيث يُسنَد الليل إلى فضاء مادي مغلق، في استعارة مكانية تخلق توتراً بين الخارج/الداخل.

أما على مستوى الدقة، فثمة تعمّد في ترك بعض التركيبات مفتوحة أو ناقصة دلالياً:

«حكاية لم تولد»

وهو حذفٌ دلالي يفتح أفق التأويل.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير:

اللغة تميل إلى البساطة الظاهرة، لكنها مشبعة بكثافة رمزية. المفردات (الريح، الليل، الدروب، العتمة، الصندل، المبخرة) تنتمي إلى معجم وجودي/صوفي.

التوازن بين اللفظ والمعنى متحقق عبر:

عدم الزخرفة اللفظية الزائدة

توظيف المفردة في سياق إيحائي لا وصفي

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي:

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة الحرة، مع غياب القافية الموحدة، لكنها تعتمد على:

التكرار الصوتي: (ما دام لي / ولم أزل / أحلم)

الجرس الداخلي: تقارب الأصوات (م، ل، ر) يمنح النص ليونة موسيقية

التوازي التركيبي:

«مسافة تسألني… / وموعد يمتد…»

الإيقاع هنا نفسي/داخلي أكثر منه وزني، يعكس حالة التردد بين اليقين والتيه.

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية للنص:

القصيدة لا تقوم على سرد، بل على تدفق تأملي. بنيتها قائمة على:

حركة من الخارج (الريح/الليل)

إلى الداخل (العروق/الحلم)

وهذا يعكس انتقالاً من العالم الموضوعي إلى الذات.

2. الرؤية الفنية

رؤية الشاعر قائمة على التوتر بين الأمل والعدم:

الريح لن تخيفنا - موقف تحدٍّ

حكاية لم تولد - وعي بالعجز

هذا التناقض هو جوهر الرؤية.

3. الطابع الإبداعي والانزياح

يتجلّى الإبداع في صور مثل:

«أن أصير بعض صندل محترق ومبخرة»

تحوّل الذات إلى مادة طقسية (صندل/بخور) هو انزياح رمزي عميق.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري:

النص يطرح سؤال الوجود:

كيف نثبت أمام العدم؟

هل الحلم مقاومة أم وهم؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع النص مع:

١ - النزعة الوجودية (القلق، العدم)

٢ - البعد الصوفي (الاحتراق، التطهّر)

3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)

يمكن تأويل النص عبر طبقات:

١ - الريح: تهديد خارجي (تاريخ/سلطة)

٢ - الليل: اللاوعي/الخوف

٣ - الصندل المحترق: الفناء من أجل التحوّل

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. سياق النص:

ينتمي إلى سياق الحداثة الشعرية العربية، حيث القلق الوجودي بعد التحولات السياسية.

2. تطوّر النوع الأدبي

النص يقع ضمن موجة التحرر من العمود الشعري نحو التفعيلة واللغة الرمزية.

3. ارتباطه بالتراث:

١ - البخور/الصندل: رموز طقسية قديمة

٢ - العتمة/الضوء: ثنائية تراثية صوفية

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية

يسيطر:

١ - القلق

٢ - الترقّب

٣ - الرغبة في الخلاص

2. اللاوعي

يتجلّى في:

الحكاية التي لم تولد - كبت إبداعي/وجودي

الامتداد في "ألف غد" - هروب زمني

3. النبرة النفسية

نبرة مركّبة:

تحدٍّ ظاهري

هشاشة داخلية

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

الريح قد ترمز إلى:

العنف

التحولات السياسية

2. الخطاب الاجتماعي

ثمة رفض ضمني للانكسار:

«لن تخيفنا»

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

الشاعر هنا شاهد ورافض، لا مهادن.

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١ - الريح: الفوضى

٢ - الليل: الغموض/القهر

٣ - الصندل: الطهارة عبر الاحتراق

2. الثنائيات

١ - الخوف / المقاومة

٢ - العتمة / القمر

٣ - الحاضر / الغد

3. النظام الرمزي:

النص يتحرك ضمن نظام: احتراق - تطهّر - أمل مؤجّل

ثامناً: القراءة النحوية والصرفية

سيطرة الفعل المضارع: دلالة الاستمرارية

قلة الجمل الفعلية المكتملة: انفتاح المعنى

حذف الروابط أحياناً: تكثيف وإيحاء

مثال:

«حكاية لم تولد»

جملة ناقصة تُنتج فراغاً دلالياً خصباً.

تاسعاً: البعد الإيروتيكي (الرمزي)

الإيروتيكية هنا ليست جسدية، بل تحويلية/صوفية:

الاحتراق يساوي ذروة التماهي

المبخرة تساوي تصاعد الروح

إنها إيروتيكية التطهّر لا الجسد.

عاشراً: النقد الاحتمالي (قراءة مفتوحة):

وفق هذا المنهج، النص لا يقدّم معنى واحداً، بل شبكة احتمالات:

قراءة ١: وجودية

الإنسان في مواجهة العدم، يحلم ليقاوم.

قراءة ٢: سياسية

الريح تساوي سلطة قمعية

والحلم يساوي مقاومة داخلية

قراءة ٣: صوفية

الاحتراق شرط للوصول إلى النقاء.

قراءة ٤: نفسية

النص تعبير عن انقسام الذات بين الخوف والرغبة في الاستمرار.

الخاتمة:

قصيدة «بين مسافتين» نصٌّ حداثي كثيف، يقوم على:

اقتصاد لغوي مشحون بالدلالة

بنية رمزية مفتوحة

توتر بين الأمل والعدم

وهو نصّ يقاوم التفسير الأحادي، وينتمي إلى الشعر الذي لا يُقرأ مرة واحدة، بل يُعاد إنتاجه مع كل قراءة، في فضاء احتمالي لا نهائي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.........................

بين مسافتين

الريح لن تخيفنا

ان أعولت

أو ولولت مزمجره

والليل خلف بابنا المسكره

يظل أرضنا مقمره

ما دام لي عبر دروب أمسي المبعثره

مسافة تسألني عن موعد

وموعد يمتد في ألف غد

ما دام لي

في كل عرق في يدي المسمره

حكاية لم تولد

ولم أزل في عتمها المؤبد

أحلم ان أصير بعض صندل

محترق

ومبخره

 

في تخوم الشعر الذي يتجاوز حدود القول إلى مساءلة الوجود، تقف قصيدة "لوح سومري" للشاعر جمال مصطفى بوصفها نصّاً كثيفاً ينهض على تقاطع اللغة بالتاريخ، والأسطورة بالفكر، والذات بالكون. ليست هذه القصيدة مجرّد استعادة لزمن سومري غابر، بل هي محاولة لإعادة كتابة الأصل: أصل الحرف، وأصل المعنى، وأصل الإنسان وهو يخطّ وجوده على "لوح" الذاكرة الكونية.

تنفتح هذه القصيدة على أفق تأويلي رحب، حيث تتجاور فيها طبقات دلالية متعددة، من الميثولوجي المستلهم من إرث ملحمة جلجامش إلى التأمل الفلسفي في ماهية الخلق والوعي، مروراً ببنية لغوية مشحونة بالانزياح والجمال التركيبي. ومن هنا، فإن مقاربة هذا النص لا يمكن أن تظل أسيرة منهج واحد، بل تقتضي انفتاحاً نقدياً مركّباً يستحضر التحليل اللغوي والبلاغي، والتفكيك السيميائي، والتأويل الهيرمينوطيقي، فضلاً عن استثمار آفاق النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية دلالية مفتوحة لا تستقر على معنى نهائي.

إن هذه الدراسة تسعى إلى تفكيك البنية العميقة لقصيدة "لوح سومري"، عبر تتبّع معمارها اللغوي والصوتي، واستكشاف أنساقها الرمزية، والكشف عن أبعادها الفكرية والنفسية، ضمن سياقها التاريخي والثقافي. كما تحاول الوقوف عند طاقتها الإبداعية في توليد الدهشة، وقدرتها على إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان واللغة والكون، بوصفها علاقة جدلية تتجاوز التمثيل إلى الخلق.

وعليه، فإن هذه القراءة لا تدّعي القبض على "المعنى الصحيح" للنص، بقدر ما تنخرط في استكشاف شبكة معانيه الممكنة، حيث يصبح النص فضاءً للتفاعل، لا موضوعاً للاستهلاك، وحيث يغدو القارئ شريكاً في إنتاج الدلالة، لا متلقياً سلبياً لها. من هنا، تتأسس هذه الدراسة على وعي نقدي يرى في الشعر فعلاً مفتوحاً، وفي التأويل مساراً لا ينتهي.

لذا فإنّ قصيدة "لوح سومري" للشاعر جمال مصطفى تمثّل نصّاً شعرياً كثيفاً، يتقاطع فيه الأسطوري بالتاريخي، واللغوي بالميتافيزيقي، ضمن معمار لغوي متين ورؤية تأويلية مفتوحة.

سنقارب النص وفق منهج مركّب: أسلوبي–بنيوي–هرمينوطيقي– سيميائي، مع توظيف النقد الاحتمالي بوصفه أفقاً قرائياً يحرّر المعنى من أحاديته.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية:

1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب:

النصّ يقوم على لغة فصيحة رفيعة، ذات جذور تراثية عميقة، مع توظيف معجم سومري–أسطوري:

ألفاظ مثل: جلجامش، إنكيدو، الطوطم، الكاهن، اللوح.

تركيب نحوي محكم يعتمد الجمل الفعلية ذات الامتداد الدلالي

الانزياح اللغوي

يتجلّى في:

التركيب:

"ومن أمم الحروف انداح عقل"

- إسناد الفعل "انداح" إلى "عقل" مجازياً يخلق انفتاحاً دلالياً.

الاشتقاق الرمزي:

تحويل الحرف إلى كائن حضاري.

١- جمال الصياغة

٢- التكثيف دون إغلاق

٣- تراكب الصور دون تفكك

٤- توازن بين الإيحاء والتقرير

2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

النص يحقق:

انسجاماً بين اللفظ والمعنى

لغة تناسب موضوعه الحضاري–الميتافيزيقي

مثال:

"تشطّرت الخيال: خيال خوف"

تقابل دلالي بين الخيال بوصفه خصباً والخوف بوصفه انكماشاً.

3. الإيقاع والمعمار الصوتي

١- البحر: قريب من البسيط مع انزياحات

٢- القافية: متحرّكة، غير جامدة (ـيّا غالبًا)

الموسيقى الداخلية

التكرار:

"ومن أمم الحروف..." (بداية ونهاية) - بنية دائرية

الجناس: "وجود لا وجود له"

التدوير الصوتي: يمنح النص تدفقاً شبيهاً بالمياه (رمز الفرات)

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

1. البنية الفنية:

النص ليس سردياً خطياً، بل:

لوح فسيفسائي

مقاطع تتجاور زمنياً: (الأسطورة – الحاضر – الرؤيا)

المعمار الشعري

تصاعد من: الحرف - الأسطورة - الذات - الكون

2. الرؤية الفنية:

رؤية الشاعر:

الإنسان كائن أسطوري–لغوي

الحضارة تبدأ من الكتابة (اللوح)

- انسجام عميق بين الشكل (اللغة الكثيفة) والمضمون (التاريخ المكثف)

3. الطابع الإبداعي:

قدرة عالية على توليد الدهشة

مزج غير مألوف: (الميثولوجيا زائد الفلسفة زائد اللغة)

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

من نحن؟

هل الحضارة كتابة أم وعي؟

هل الآلهة صناعة بشرية؟

2. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

١- ملحمة جلجامش

٢- الفكر الأسطوري

٣- التأمل الفلسفي الوجودي

3. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

النص متعدد الطبقات:

١- سطح: تاريخ سومر

٢- عمق: الإنسان الباحث عن المعنى

٣- أعمق: اللغة بوصفها أصل الوجود

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

1. السياق

استدعاء سومر:

ليس تاريخاً فقط

بل مرآة للحاضر

2. تطور النوع الأدبي

النص:

ينتمي إلى قصيدة الحداثة العربية

يتجاوز العمود إلى قصيدة الرؤيا

3. التفاعل مع التراث:

١- الأسطورة: جلجامش، إنكيدو

٢- الدين: النبي، الإله

٣- الطقس: الطوطم

خامساً: الأسس النفسية

1. البنية الشعورية:

النص مشبع بـ:

١- القلق الوجودي

٢- الحيرة

٣- البحث

2. تحليل الذات:

الشاعر:

ذات منقسمة بين:

١- العقل

٢- المخيلة

3. النبرة النفسية

تأرجح بين:

١- النشوة (الرؤيا)

٢- القلق (اللايقين)

سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية

1. علاقة النص بالواقع

نقد مبطن:

١- السلطة

٢- الدين المؤدلج

٣- الأسطورة كأداة هيمنة

2. الخطاب الاجتماعي

تفكيك:

١- الكاهن

٢- النبي

٣- الإله المصنوع

3. الشاعر كفاعل اجتماعي

ليس راوياً فقط

بل ناقد حضاري

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

١- اللوح: الذاكرة

٢- الماء: الحياة/اللاوعي

٣- الحرف: الخلق

2. الثنائيات

١- الحياة / الموت

٢- الحضور / الغياب

٣- الحقيقة / الوهم

3. النظام الرمزي:

النص شبكة من العلامات:

كل عنصر يحيل إلى آخر - بنية دلالية مفتوحة

ثامناً: الأسس المنهجية

١- وضوح المنهج المركب

٢- تحليل قائم على النص

٣- تجنب الانطباعية

تاسعاً: الأسس الإنسانية والجمالية العليا

١- تمجيد الإنسان

٢- الاحتفاء بالمعرفة

٣- انفتاح تأويلي واسع

عاشراً: البعد الإيروتيكي

يتجلّى بصورة رمزية لا مباشرة:

"وسومر قبل ذا كانت سريراً وأنثى"

الدلالة

الأرض تساوي أنثى

الحضارة تساوي فعل خصب

- الإيروتيكي هنا:

ليس جسدياً بل كوسمولوجي (كوني–خلقي).

الحادي عشر: النقد الاحتمالي (قراءة متعددة المعنى)

1. المعنى ليس ثابتاً

النص يتيح قراءات:

قراءة ١: حضارية

سومر تساوي بداية الإنسان

قراءة ٢: لغوية

الحرف يساوي أصل الوجود

قراءة ٣: نفسية

النص يساوي رحلة داخل الذات

قراءة ٤: صوفية

الاتحاد بالكون عبر اللغة

2. شبكة المعاني:

كل رمز:

يولّد احتمالات

لا ينغلق على تفسير

ثاني عشر: قراءة لغوية (صرفاً ونحواً)

1. الصرف

كثافة الاشتقاق:

(تسامى، تجلى، تفرد…) - ديناميكية الفعل

2. النحو

الجمل الفعلية: - حركة واستمرار

التقديم والتأخير: - إبراز دلالي

مثال:

"ومن أمم الحروف انداح عقل"

تقديم الجار والمجرور يساوي توسيع أفق المعنى

خاتمة:

"لوح سومري" نصّ:

يتجاوز كونه قصيدة

ليصبح مشروعاً أنطولوجيًا للغة والإنسان

إنه:

نص مفتوح

متعدد الطبقات

يعيد إنتاج نفسه مع كل قراءة

وبذلك يحقّق جوهر الشعر الحقيقي:

أن يكون سؤالاً لا جواباً،

وأفقاً لا حدًاً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.................................

لوح سومري

الشاعر: جمال مصطفى

وَمِـن اُمَـم ِ الـحـروفِ انـداح ِ عـقــلٌ

بـسُــلّــَـمُــهــا تَــصـاعَــدَ أبـجَــديّـا

*

وكـانَ كـتـابُـهـا طــيـنـاً طـريّـا

لـيـبـقـى الـلــوحُ لَــوْحــا ً سـومَــريّـا

*

فـجَــدّي قـال لـي: مـا نـحـن إلّا

مِـن الـسـفـن ِ الـتي هـبـطَــتْ عَــشـيّـا

*

وعـنـدَ الـصُـبْـح ِ صـارَ الـنـاسُ نـاسا ً

وأضـحـى الـوحـشُ فـيـهــمْ آدَمِـيّـا

*

ولــكــنَّ الـيـقـيـنَ وقــدْ أفــاقـتْ

عــقـولٌ تَـجْـتَــلـيـه ِ بَـدا عَـصِـيّـا

*

مُـحَــيِّــرة ٌ، أقــولُ وقـالَ جَــدّي

نُـخَــوِّضُ فـي الـتي بَـعْــدَ اللـتَـيّـا

*

وتـحـمـلـنـا الـبـسـيـطـةُ، أيّـُ بـيْـت ٍ

بِـبَـحْـرِ الـكـونِ يَـسـبَـحُ كــوْكــبِـيّـا

*

فـيَـسـعـى مِـن ذوي الألـبــابِ فـيـهـا

وتُــوعَــدَ بـالـسُـعـاة ِ غَـدا ً بَـهـيّـا

*

تَـعــالـى الـهـابـطـون إلـى سـمـاهُـمْ

ومـا عـادَ الـذي اعـلـولـى جـلِـيّـا

*

عـلـى عَـربـات ِ آلِـهَـة ٍ وضَـوْء ٍ

مـقـاديـرٌ مِـن الـقَـدَر ِ الـمُـهَـيّـا

*

تَـصَـدَّعَـتْ الـمَـرايـا، امـتَـدَّ بَـوْنٌ

مِـن الـمـا بَـيـن بَـيْـنـاً بَـرزخِـيّـا

*

وغَـامَـتْ قـامـةٌ لَـمّـا تَـوارَتْ

وكـانَـتْ بَـيـنَـنـا جَـسَـداً وزِيّـا

*

تُـحـاذيـهـا الـحـقـيـقـةُ وهْـيَ وَهْـمٌ

وتَـجْـمَـحُ بـالـرُؤى وعـداً سَـخِـيّـا

*

مُـبـجَّـلـة ٌ، تُـسـاقُ لـهـا الأضـاحـي

مُـكَـلَّـلَـة ٌ جَـلالاً سـرْمَـديّـا

*

إذا نُـحِـتَـتْ عـلـى حَـجَـر ٍ تَـسـامَـى

غـدا وثَـنـاً يُـقَـدَّسُ مَـعْـبَـدِيّـا

*

تَـشَـطَّـرَتْ الـخـيـالَ: خـيـالَ خَـوْف ٍ

وحـيـنـاً مـا خـيـالا ً مَـخْـمَـلِـيّـا

*

مَـضـى جِـلْـجـامِـشٌ في الـبَـحْـثِ عَـنـهـا

وظَـلَّ الـسِـرُّ فَـوّاحـاً، خَـفِـيّـا

*

بِـمَـشْـحـوفٍ تَـوَغَّـلَ في مِـيـاه ٍ

وغَـابَ الـسـومَـريّـُ سِـوى الـمُـحَـيّـا

*

صَـبـوحـاً، فـوق سَـطـحِ الـمـاءِ يَـبـدو

قـريـبـاً مَـرّةً ـ ـ ـ أُخـرى قَـصِـيّـا

*

تُـودِّعُـهُ شُـمـوعٌ قـد أضـاءتْ

غـريـقـاً، في مِـيـاهِ الـهَـوْر ِ، حَـيّـا

*

وكَـرَّتْ سُـبْـحَـةُ الإيـغـالِ سِـحْـراً

وتَـنـجـيـمـاً وطَـقـساً طـوطَـمِـيّـا

*

أآلِـهـةٌ ؟ إذنْ لا بُـدَّ مِـن أنْ

نُـغَـربِـلَـهـا لِـنَـعْـرِفَ أوَّلِـيّـا

*

فـقـدْ شَـبَّ الـضَـمـيـرُ عـلى مِـثـال ٍ

عَـلا حـتـى اسْـتَـوى رَبّـاً عَـلِـيّـا

*

تَـكَـهَّـنَ كـاهِـنـاً بَـعْـضٌ وبَـعْـضٌ

تَـفَـرَّدَ رائِـيـاً فَـغَـدا نَـبِـيّـا

*

أرانـي إذ أرى اللاشيءَ شَـيْـئـاً

ومَـوتَ الـشَـيءِ مَـوتـاً خُـلَّـبِـيّـا

*

كَـسـومَـرَ جَـذْوَتـي تَـغْـفـو وتَـصْـحـو

يُـهَـدهِـدُهـا الـتَـنـاوبُ مَـوسِـمِـيّـا

*

وإنَّ الأرضَ كـامِـلَـةً مَـجـالٌ

لـهـا مِـن تَـحْـتِـهـا جُـعِـلَـتْ سَـريّـا

*

يُـديـرُ شُـؤونَـهـا إنْـسٌ وجِـنٌّ

فَـتَـصْـفـو حِـكْـمَـةً وتَـشـوبُ غَـيّـا

*

وسـومَـرُ قَـبْـلَ ذا كـانَـتْ سَـريـراً

وأنـثـى: ضَـيْـفُـهـا ازْدَرَعَ الـمَـنِـيّـا

*

مُـلَـطَّـخَـةٌ شَـراشِـفُـهـا بِـحِـبْـر ٍ

مِـن الـمـاضـي، تَـسَـوَّفَ أُخْـرَوِيّـا

*

هِـيَ الآنَ الـهَـنـاكَ وأمـسِ كـانَـتْ

هُـنـا، لَـيْـسَـتْ حَـفـائِـرَ أو حُـلِـيّـا

*

ولـكـنْ مـا يُـشـاغِـفُـنـا سُـؤالاً

ويَـتـرُكُ صَـمْـتَـهُ فِـيـنـا دَوِيّـا

*

بِـأَكْـوانِ الـمُـخَـيِّـلَـةِ انْـفِـلاقـاً

بِـكـأسِ اللهِ مُـتـرَعَـةً حُـمَـيّـا

*

بِـمـا نَـفَـدَتْ، أَتَـنـفَـدُ؟ وهـو بـاق ٍ

فَـقِـيـراً رَهـنَ حَـيْـرَتِـهِ ثَـريّـا

*

تُـذَهِّـبُـهُ شُـمـوسٌ سـاهِـرَاتٌ

عـلـى تَـلـويـنِـهِ قَـدَراً ذَكِـيّـا

*

 لِـحِـفْـظِ الـلـوحِ يـا هـذا طُـقـوسٌ

وأقْـدَسُـهـا جُـنـوحُـكَ أَريَـحِـيّـا

*

إلـى تَـعـشـيـقِ مُـنْـعِـشَـةٍ بِـأُخْـرى

وألّا تَـنـبَـري ـ ـ ـ ـ إلّا حَـريّـا

*

فَـسـومَـرُ، سـارِقُ النِّـيـرانِ مِـنـهـا

إذنْ قـابِـسْ ولا تَـخـرُجْ خَـلِـيّـا

*

خُـذِ الـفَـلَـكَ الـمُـدَوَّنَ فـي رَقِـيـمٍ

خُـذِ الـفُـلْـكَ الـمُـطَـوَّفَ أَوْحَـدِيّـا

*

وخُـذْ مـاءَ الـقَـصـيـدَةِ مِـن فُـراتٍ

تَـفَـرْدَسَ ثُـمَّ شَـرَّقَ كَـوثَـريّـا

*

فَـمِـن ألِـفٍ تُـعَـبِّـدُهـا صِـراطـاً

إلـى يـاء ٍ تُـغَـرِّدُهـا رَوِيّـا

*

وسـومَـرُ لِـصُّـهـا أبَـداً إِلَـهٌ

يَـخِـرُّ أمـامَـهُ مَـلِـكٌ جِـثِـيّـا

*

بِـشـومَـركَ الـجَـديـدَةِ شـومَـريٌّ

وشـومَـرُ نَـسْـخُ سـومَـرَ مَـعْـدِنِـيّـا

*

وتِـلـكَ مَـثـانَـةُ الأرْبـابِ يـا مـا

طَـغـى طُـوفـانُـهُـمْ فِـيـهـا عَـتِـيّـا

*

وصُـفْـرَتُـهـا مِـن الـذَّهَـبِ اعـتِـلالاً

وداءُ الـروحِ أَفْـتَـكُ عَـسْـجَـدِيّـا

*

فَـكَـمْ إيـلٍ وإيـل ٍ، كُـلُّ إيـل ٍ

بِـسـومَـرَ قَـدْ أَتـى شَـيْـئـاً فَـريّـا

*

سِـوى (لائِـيـلَ) لَـمّـا ذابَ فِـيـهـا

وصـارَ بِـحُـبِّـهـا بَـشَـراً سَـوِيّـا

*

وثَـمَّـةَ مِـثْـلَ إنـكِـيـدو بُـزوغـاً

تُـغَـيِّـبُـهُ بَـراءَتُـهُ فَـتِـيّـا

*

أرى عَـرَبـاتِ آلِـهَـةٍ غُـبـاراً

يَـرِيـنُ عـلى الـمَـرايـا نَـرجِـسِـيّـا

*

تَـبَـلْـبَـلْـنـا بِـبـابِـلَ ـ ـ ـ بـاءَ سِـحْـرٌ

مِـن الـرُؤيـا ـ بِـلا أَمَـلٍ ـ شَـقِـيّـا

*

لَـغـا لَـغْـواً لِـسـانٌ سـارَ فِـيـهـا

فَـكَـمْ لُـغَـةٍ وقَـدْ كـانَـتْ لُـغَـيّـا

*

وَمِـن اُمَـم ِ الـحُـروفِ انْـداحَ عَـقْـلٌ

بِـسُـلَّـمِـهـا تَـصـاعَـدَ أبْـجَـدِيّـا

*

وقَـدْ شَـبَّ الَّـذي عَـن طَـوْقِ مَـن قَـدْ

تَـحَـكَّـمَ فـي مَـصـائِـرِهِ قَـوِيّـا

*

أنـا الآنَ الـمَـلِـيـكُ، ازرَقَّ بَـيْـتِـي

فَـأَرضِـيَ قَـريَـةٌ، لا بَـلْ قُـرَيّـا

*

أرى مِـن حَـوْلِـهـا كَـوْنـاً تَـأَبّـى

ومَـنْ غَـيْـري يُـلَـيِّـنُـهُ أَبِـيّـا

*

إلـى لَـمَـعـانِ مَـعـنـى كُـلِّ مَـعْـنـى

هَـفَـوتُ وقَـدْ تَـلَألَـأ فَـرقَـدِيّـا

*

تَـثـامَـلَ بـي شُـمـولٌ مِـن شَـمـولٍ

وراحُ الـراحِ يَـعْـبَـقُ عَـبْـقَـريّـا

*

رَأيـتُ كَـ(لا أرى) مَـسَـحَـتْ جَـبـيـنـي

غُـيَـيْـمَـةُ غَـفْـوَةٍ في حِـجْـرِ رَيّـا

*

وخَـلْـعِـيَ حُـلَّـةً بَـلِـيَـتْ وضـاقَـتْ

لِـأَسْـطَـعَ عـاريـاً، أَيْ جَـوهَـريّـا

*

وعَـنْ سِـرِّ الـخُـلـودِ كَـأَنَّ عُـشْـبـاً

تَـفـاوَحَ هـا هُـنـا فـاقطِـفْ شَـذِيّـا

*

تُـخَـبِّـئُ زهـرَةُ الـخَـشْـخـاشِ سِـرّاً

أَيُـفْـتَـرَعُ الـمُـخَـبَّـأُ قَـنَّـبِـيّـا ؟

*

كَـأَنَّ بِـهـا جَـوابـاً عَـن سُـؤالٍ

وكَـيْ لا تَـعْـبُـرَ الـدُّنْـيـا غَـبِـيّـا

*

مُـخَـيِّـلَـةٌ يُـجَـنِّـحُـهـا جُـنـونٌ

تَـرى قَـفَـصـاً لـهـا الـعـقـلَ الـنَّـقِـيّـا

*

عـلـى عُـشّـاقِـهـا وقْـفٌ إذا مـا الـ

مُـخَـيِّـلَـةُ اسْـتَـبَـاتَـكَ، فَـكُـنْ سَـبِـيّـا

*

وقُـلْ: فَـتْـحٌ عـلى الـرائِـي مُـبـيـنٌ

وسَـبِّـحْ بـاسْـمِ نِـعْـمَـتِـهـا تَـقِـيّـا:

*

سَـلاسِـلُ مِـن جِـبـالِ الـمـاسِ عِـنـدي

ويَـحْـسَـبُـنـي مُـغَـفَّـلُـهُـمْ دَعِـيّـا

*

وحَـوْلَ الـمـاسِ نـورٌ خَـلـفَ نـورٍ

وفـي الأنـوارِ يَـخـفِـقُ أنْـوَريّـا

*

وجُـودٌ لا وجُـودَ لَـهُ ولَـكِـنْ

تَـدَفَّـقَ فَـهـوَ يَـعْـرُجُ لَـوْلَـبِـيّـا

*

جِـيـادُ الـحَـدْسِ قَـبْـلَ الـضَّـوْءِ جـاءَتْ

صَـهِـيـلاً شَـقَّ يـاءَ اللـيْـلِ: هَـيّـا

*

إلى الأُمِّ (الـكَـبِـيـرَةِ) تِـهْـتُ عَـنـهـا

وهـا عـادَتْ مُـضَـيِّـعَـتِـي صَـبِـيّـا

*

كَـأَنَّ الـكَـوْنَ: حـالِـمَـةٌ وريـشٌ

مِـن الـرَّغَـبـاتِ يَـخْـدُمُـهـا وَفِـيّـا

*

لَـكَـمْ عَـصَـفَـتْ بـهـا الـحَـيْـرَاتُ تَـتـرى

وكَـمْ شُـغِـفَـتْ مُـحـالاً أَبْـعَـدِيّـا

*

تُـؤازِلُ آزِلَ الآزالِ نَـشْـراً

تُـؤابِـدُ آبِـدَ الآبـادِ طَـيّـا

*

وكُـلُّ الأرضِ سـومَـرُ، أَلـفُ جِـيـل ٍ

وجِـيـلٌ . يـا سُـؤالاً مَـلـحَـمِـيّـا

*

يَـدُقُّ عـلى الـصَّـوامِـتِ دامِـسـاتٍ

ويَـجْـتَـرِحُ الإجـابَـةَ أَلْـمَـعِـيّـا

*

بِـداءِ الـتَّـوْقِ مُـعْـتَـلّاً تَـداوى

مِـن الأشْـواقِ بِـالأشْـواقِ كَـيّـا

*

بِـعَـيْـنِ تَـعـاقُـبِ الأشـياءِ طُـرّاً

عـلـى الـرُّؤيـا انْـثِـيـالاً أُرحَـبِـيّـا

*

لِـتَـصـعَـدَ غَـيْـمَـةٌ مِـن لازَوَرْدٍ

إذا انْـفَـجَـرَتْ حُـدوسٌ رُؤيَـوِيّـا