عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

قراءات نقدية

قالتْ: رأيتُكَ

قالتْ: رأيتُكَ مشغولًا بأبياتي

والشِّعرُ عندكَ موصولٌ بآهاتي

ما بالُ بيتِكَ لا معنىً يُساندُهُ

كالطيرِ في الأفقِ مقصوصِ الجناحاتِ

أرى قوافيكَ قد أُرعِشنَ عن هزلٍ

والبيتُ عندكَ مثخونُ الجراحاتِ

قلتُ: اعذريني، فبوحُ الحبِّ أكتمُهُ

وعنكِ في ذا الهوى أُخفي عذاباتي

شطري وحيدٌ، فلا عجزٌ يُتمِّمُهُ

والبحرُ عنديَ مقرونٌ بحسْراتي

أُساهرُ الليلَ، لا حرفٌ يُرافقني

والصبحُ في وجلٍ يمحو كتاباتي

قولي: أحبُّكَ، تأتي شمسُنا بغَدٍ

تُعانقُ البدرَ رقصًا بين نجماتِ

هذي حروفي، بخيطِ الشمسِ مغزلُها

علّي أُذيبُ بها ثلجَ الغياباتِ

بوحي بعطرٍ لأبياتي على خجلٍ

ليسطعَ الحرفُ في عمقِ اضطراباتي

لا تسألي، وجلًا، كيف اللقاءُ بنا

فالحلمُ يمحو بنا بُعدَ المسافاتِ

إلى لقاءٍ به نشدو قصائدَنا

نُحيي مواضيَ فيضٍ للملذّاتِ

نرجو العناقَ هوًى من بعد غربتِنا

عسى العناقُ يُزيلُ اليأسَ من ذاتي

أرتِّلُ الحبَّ كالآياتِ أكتبُهُ

وأحملُ الوجدَ في أبهى ابتهالاتي

أنا يمينُ الهوى، فاقسمْ بعِشرتِنا

أن تجعلَ الحبَّ نورًا للغدِ الآتي

***

تمهيد:

(حين يمسك الشاعر بالحرف بيدٍ وبالجرح باليد الأخرى، يولد نصٌّ حواريٌّ كالمرآة؛ الأنثى تسأل عن بيوت الشعر المكسورة، والرجل يردّ بأنّ البحر الشعري غريقٌ في الحسرات. بين هذين الصوتين تمتد هذه القراءة لترصد رمزية ما خفي، وصوراً جدّدت ماء البلاغة.)

القراءة:

 بين يدينا نصٌ حواري، لكن حواره ليس حوار كلامٍ عابر، بل حوار روحين تتقاذفهما المسافات وتلمُّهما القصيدة. الشاعرة فوز حمزة تبني نصها على مشهدٍ درامي صامت، تبدأه صوت الأنثى عاتباً متأملاً، ثم يرد صوت الشاعر/العاشق. لكن ما يبدو موقفاً غزلياً ينزاح سريعاً إلى ما هو أبعد: إلى ميتافيزيقا الكتابة، حيث يصير الشعر كياناً حياً يُجرح ويُقيَّد، وبيت القصيد بيتاً للروح.

لنبدأ من "البيت"؛ هذه المفردة تحمل انزياحاً دلالياً مزدوجاً يتوهج في مركز النص. حين تقول: "ما بال بيتك لا معنىً يُسَانِدهُ / كالطيرِ في الأفقِ مقصوصِ الجناحاتِ"، فهي لا تسأل عن مسكن، بل عن بيت الشعر نفسه. البيت الشعري هنا يصور طائراً محلقاً في الأفق لكنه مبتور الأجنحة، صورة بصرية تجديدية تستعير من عالم الطير هيبة التحليق لتُلبسها للقصيدة، وفي الوقت ذاته تجرد البيت من اكتماله. هذا التصوير المركب، حيث يصبح المجرد (المعنى) كائناً عضوياً له أجنحة تُقص، هو أحد ملامح التجديد في صور الشاعرة.

وتتعمق الصورة العضوية حين يصور "البيتُ عندكَ مثخونُ الجراحاتِ". الإثخان بالجراح فعلٌ حربي يُنقل إلى جسد القصيدة، فيمنح الحرف هشاشة الجسد البشري وقدرته على النزف. هذا الانزياح في الإسناد (إسناد الجراح للبيت الشعري) يخلق استعارة مكثفة تجعل النص كياناً يتألم، مما ينقلنا من النقد الأدبي الظاهري إلى مكاشفة وجدانية عن حال المبدع.

يرد صوت الرجل العاشق معترفاً بأن تقطيع أوصاله الشعرية كان مقصوداً: "شطري وحيدٌ، فلا عجزٌ يُتمِّمُهُ / والبحرُ عنديَ مقرونٌ بحسْراتي". هنا تشتغل الرمزية العروضية: الشطر والعجز هما نصفا البيت الشعري، فإذا غاب "العجز" بقي الشطر وحيداً مبتوراً، كما أن "البحر" الشعري (الوزن) لم يعد مجرد تفعيلات موسيقية، بل صار بحراً مائياً غارقاً في الحسرات، مقروناً بالوجد لا بالتفاعيل. هذا الربط بين بنية القصيدة التقنية ونبض القلب العاشق هو إحدى لآلئ النص التي تجدد التعبير عن المعاناة الإبداعية؛ فالكتابة هنا ليست نقصاً في الموهبة، بل وفاءٌ لفرط الحب، إذ "بوحُ الحبِّ" يُكتم فيصدأ الشكل الشعري وتنكسر أوزانه.

ثم تنكشف لنا ليلة الشاعر: "أُساهرُ الليلَ، لا حرفٌ يُرافقني / والصبحُ في وجلٍ يمحو كتاباتي". الليل هنا ليس زماناً فقط، بل فضاءً وجودياً مقفراً من الحروف، والصبح مُشخصنٌ في حالة وجل، يمحو ما كُتب بوصفه رقيباً خائفاً لا مُشرقاً، انزياح عاطفي يعكس قلق المبدع الذي يشعر أن الضوء ذاته يتآمر على نصوصه. هذه الصورة تُبرز جِدَّة الطرح: الإشراق المعتاد صار محواً مذعوراً، فالمألوف الشعري (الصبح رمز الأمل) يُقلَب ليخدم رؤيةً مأساوية.

ويأتي الانفراج الرمزي عبر فعل القول: "قولي: أحبُّكَ، تأتي شمسُنا بغَدٍ / تُعانقُ البدرَ رقصاً بين نجماتِ". لا تكتفي الشاعرة بصورة اللقاء، بل ترسمه كونيّاً. الشمس والبدر في عناقٍ راقص، والمكان بين النجمات، فالعشق يتجاوز الذاتي إلى مجرَّات، في صورة بالغة الحركية والضوء، تتسق مع المنحى الصوفي الكامن في النص.

ويتصاعد هذا المنحى في صورة كتابة الحب بآلية كونية: "هذي حروفي، بخيطِ الشمسِ مغزلُها / علّي أُذيبُ بها ثلجَ الغياباتِ". الحروف تُنسَج بخيط الشمس في مغزل كوني، صورة استثنائية في بنائها تدمج ضوء النهار بفعل الغزل الأنثوي المقدس. والغاية سامية: إذابة "ثلج الغيابات"، حيث البرودة والغياب والفقد تتحول إلى مادة صلبة يُراد تذويبها بشمس الحرف. هذا التركيب البلاغي الذي يزاوج بين الملموس (الثلج) والمجرد (الغياب) يخلق ما يشبه المعادل الموضوعي لبرودة البُعد ووطأة الانتظار.

وفي الإيقاع الختامي يتكشف البعد التعبدي: "أرتِّلُ الحبَّ كالآياتِ أكتبُهُ / وأحملُ الوجدَ في أبهى ابتهالاتي / أنا يمينُ الهوى، فاقسمْ بعِشرتِنا / أن تجعلَ الحبَّ نوراً للغدِ الآتي". هنا يبلغ الانزياح ذروته: ترتيل الحب كتابةً، تحويل النص إلى آيات وجدانية، وحمل الوجد ابتهالاً. والأخطر أن الشاعرة تنتصب "يمين الهوى" وتطلب من الآخر أن "يقسم" بعشرتهما، فالحب ميثاق، والقصيدة قسم. هذا التداخل بين الشعيرة الدينية والتجربة العاطفية يخلق جمالية خاصة تتجاوز الغزل إلى ما يشبه الصلاة بالحب.

ختاماً، النص يكتب ذاته من داخل نقد الذات الشعرية. الحوار بين "هي" و"هو" ليس مجرد عتاب غرامي، بل هو حوار بين القصيدة وشاعرها، بين المعنى والجرح. فوز حمزة تقدم نصّاً تتشابك فيه الرمزية العروضية بالرمزية الوجدانية، وتُنتج انزياحات تحول المصطلح الشعري (بيت، شطر، عجز، بحر) إلى أيقونات للنفس التواقة، في إطار صور شعرية مركبة: طائر مقصوص الجناح، بيت مثخن بالجراح، ثلج الغيابات يذوب بمغزل الشمس، وبدر يُعانق الشمس بين النجوم. بهذا تؤكد أن القصيدة، حين تصدق معاناتها، تخلق أساطيرها الخاصة، وتسير على خيط الشمس من غياب مؤلم إلى نور الغد المأمول.

***

بهيج حسن مسعود

 

مقاربة أسلوبية، جمالية، هيرمينوطيقية، سيميائية، نفسية وفق النقد الاحتمالي

تندرج قصيدة "بِلا سَكِينَةٍ لا أَنَام" للشاعرة الفلسطينية نهى عمر ضمن النصوص الشعرية الحديثة التي تتجاوز البوح العاطفي المباشر إلى بناء تجربة وجودية مركّبة، تتقاطع فيها الذاتي بالجمعي، والوجداني بالتاريخي، والحلمي بالواقعي. فهي ليست مجرد قصيدة عن الأرق بوصفه حالة نفسية عابرة، بل نصٌّ ينفتح على قلق كوني عميق، تتداخل فيه أسئلة الإنسان المأزوم مع مأساة المكان المثقل بالعنف والانكسار.

تتشكّل هذه القصيدة في فضاءٍ لغويٍّ مشحون بالانزياح والتكثيف، حيث تتخذ اللغة وظيفةً مزدوجة: فهي من جهة أداة تعبير، ومن جهة أخرى بنية دلالية تُعيد تشكيل الواقع عبر الرمز والصورة. ومن هنا، فإن مقاربة هذا النص تقتضي تجاوز القراءة الانطباعية إلى قراءة تحليلية تستند إلى جملة من المناهج النقدية، تجمع بين الأسلوبي والجمالي، والسيميائي والهيرمينوطيقي، فضلًا عن الانفتاح على المنظور النفسي والاجتماعي.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن المعنى في هذا النص ليس معطًى جاهزاً، بل هو بنية احتمالية تتولّد من التفاعل بين النص والقارئ والسياق. لذلك، سيتم اعتماد ما يُعرف بـ"النقد الاحتمالي"، الذي لا يسعى إلى تثبيت معنى واحد، بل إلى استكشاف شبكة المعاني الممكنة، والكشف عن طبقات الدلالة المتعدّدة التي يختزنها النص.

وعليه، ستتناول الدراسة القصيدة من زوايا متعددة: تبدأ بتحليل بنيتها اللغوية والبلاغية، مروراً بجمالياتها الفنية ومعمارها الصوتي، وصولاً إلى أبعادها الفكرية والفلسفية، ثم سياقها التاريخي والثقافي، فبنيتها النفسية والاجتماعية، وانتهاءً بقراءتها السيميائية والتأويلية. كما ستُعنى بتفكيك الصور الحركية والانزياحات الأسلوبية، وإبراز البعد الإنساني والجمالي للنص، مع الوقوف عند ملامح الإيروتيكية الرمزية التي تتجلّى فيه.

بهذا المنظور، لا تُقرأ القصيدة بوصفها نصاً مغلقاً، بل ككيان حيٍّ متجدّد، يعيد إنتاج ذاته في كل قراءة، ويمنح القارئ إمكانية المشاركة في تشكيل معناه، في تجربة جمالية وفكرية تتجاوز حدود اللغة إلى أفق الوجود.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

النصّ يتّسم بسلامة لغوية عالية بعد التنقيح، مع حضور واضح للانزياح الأسلوبي بوصفه أداة جمالية لا خللاً بنيوياً. فالتراكيب تميل إلى التوتر الإيقاعي والتكثيف الدلالي، مثل:

"لكنَّ عصفاً من تفكيري / يجتاحني"

حيث يتحوّل "التفكير" من فعل ذهني إلى قوّة إعصارية (عصف)، وهو انزياح دلالي يضخّ الحركة في المجرد.

كما يظهر تفكيك الجملة المألوفة في:

"والروحُ من عطشٍ / إلى قلبِ العدالةِ / كالشظايا بُعثِرَتْ"

إذ تتوزع الجملة على مستويات شعورية متصاعدة، بدل البنية الخطية التقليدية.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

اللغة منسجمة مع الموضوع: القلق، الحرب، الفقد، الحب المؤجّل.

لا نجد تنافراً بين اللفظ والمعنى، بل تناغماً بين الجزالة والشفافية:

ألفاظ مثل: العصف، الشظايا، المأفون، مسعورة - تعكس العنف الخارجي

ألفاظ مثل: اللوز، العشب، الفراش - تعكس الحلم والجمال

هذا التوازن يمنح النص بعداً جدلياً بين القسوة والرهافة.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص مكتوب على تفعيلة الكامل (متفاعلن)، مع مرونة حداثية:

تكرار الأصوات الصامتة (ص، ش، ق) يعزّز الإحساس بالقسوة:

"الشظايا بُعثِرَتْ"

التكرار البنيوي:

"وأنا..." -  "وأنت..."

يولّد إيقاعاً حوارياً داخلياً

الموسيقى الداخلية قائمة على:

١- التوازي التركيبي

٢- التكرار الدلالي

٣- التقطيع الشعوري

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية للنص:

النص يتشكّل من ثلاث حركات:

القلق الداخلي (الليل - التفكير - الأرق)

الانفجار الواقعي (الحرب -التهجير / القصف)

الانفراج التخيّلي (الحب - الطبيعة - الطيران)

وهذا يعكس معماراً درامياً تصاعدياً.

٢. الرؤية الفنية

الرؤية تقوم على:

العالم  يساوي فوضى - والحب يساوي خلاص مؤجّل

وهذا ينسجم مع الفلسفة الوجودية التي ترى الإنسان ككائن ممزّق بين العبث والمعنى.

٣. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي

النص غني بالانزياحات:

استعارة الامتزاج:

"ويراك قلبي في عيون الطير"

(امتزاج الذات بالكون)

الاندماج الحسي: البصر (يراك) زائد الشعور (قلبي)

الانزياح الزمني: الانتقال من حاضر الحرب إلى زمن حلمي

الصورة الحركية

-  الصور التحوّلية

التفكير - عصف

الروح - شظايا

المدن - كائن متآكل

- التبادل الوجودي

الذات تذوب في الطبيعة

الحبيب يتحوّل إلى كيان كوني

- الحركة الديناميكية

النص قائم على أفعال:

تتسلّل، يجتاح، تبكي، يطير، نحلّق

وهذا يمنحه طاقة حركية عالية.

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

١. الموقف الفكري

النص يطرح أسئلة:

لماذا الحرب؟

أين العدالة؟

هل الحب ممكن في عالم مكسور؟

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع مع:

الفكر الإنساني (العدالة، الحرب)

الحس الصوفي (الذوبان في الآخر)

الشعر الحديث (القلق الوجودي)

٣. البنية العميقة (هيرمينوطيقا)

النص ليس عن الأرق فقط، بل عن:

فقدان المعنى في عالم منهار

الليل يساوي الوجود

الأرق يساوي الوعي

الحلم يساوي الخلاص المؤجّل

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

١. السياق

النص فلسطيني بامتياز:

القصف

التهجير

الانقسام

٢. تطوّر النوع الأدبي

ينتمي إلى:

شعر التفعيلة الحديث

مع نزعة سردية وتأملية

٣. العلاقة بالتراث

استدعاء الطبيعة (اللوز، الطير)

رمزية قريبة من الشعر الأندلسي والحديث معاً

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص مشبع بـ:

القلق

الحنين

الانكسار

التوق للحب

٢. اللاوعي

الأطياف تمثل:

ذاكرة صادمة - مكبوتات نفسية

٣. النبرة النفسية

النبرة = مزيج من:

احتجاج

حزن

أمل خافت

سادساً: الأسس السوسيولوجية

النص يعكس:

مجتمعًا مفككاً

سلطة فاشلة

إنسانًا مقهوراً

سابعاً: الأسس السيميائية

١. الرموز

الليل يساوي القلق

الطير يساوي الحرية

الحرب تساوي العبث

٢. الثنائيات

الحب - الحرب

الحلم - الواقع

الحياة - الموت

٣. الفضاءات

مغلق: (أسوار)

مفتوح: (الفضاء، النهر)

ثامناً: النقد الاحتمالي

النص بنية مفتوحة:

قد يُقرأ كقصيدة حب

أو قصيدة مقاومة

أو نص وجودي عن العبث

المعنى ليس ثابتًا، بل:

يتولّد من تفاعل القارئ مع النص

تاسعاً: الإعراب (نماذج مختارة)

"يسلبني السكينةَ فلا أنامُ"

يسلب: فعل مضارع مرفوع

النون للوقاية زائد ياء المتكلم مفعول به أول

السكينةَ: مفعول به ثانٍ

فلا: فاء السببية زائد لا نافية

أنامُ: فعل مضارع مرفوع

"والروحُ من عطشٍ كالشظايا بُعثِرَتْ"

الروحُ: مبتدأ

من عطشٍ: جار ومجرور

كالشظايا: حال

بُعثرت: فعل ماضٍ مبني للمجهول

-  "والحربُ مسعورةٌ"

الحربُ: مبتدأ

مسعورةٌ: خبر

- عاشراً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا:

شفيفة، رمزية، غير جسدية

تظهر في:

"نراقص ظلّنا"

"نهيم عاشقين"

إنها إيروتيكية روحية تقوم على الامتزاج لا الامتلاك.

- الخاتمة:

قصيدة "بلا سكينة لا أنام" نصّ شعري كثيف، يتجاوز التعبير العاطفي إلى بناء رؤية وجودية مركّبة، حيث يتصارع الداخل القَلِق مع الخارج العنيف، ويظلّ الحبّ أفقاً مفتوحاً للخلاص.

إنها قصيدة:

لغوياً: متماسكة ومشحونة بالانزياح

جمالياً: ديناميكية ومركّبة

فكرياً: عميقة ومفتوحة

تأويلياً: لا تُختزل في معنى واحد

وبهذا، تنتمي إلى النصوص التي:

لا تُقرأ مرة واحدة… بل تُعاد قراءتها بوصفها تجربة وجودية مستمرة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...............................

بِلا سَكِينَةٍ لا أَنَام

في الليلِ

أسعى للتحرّرِ—يا فؤادي—

من فجائعِ النهارِ

وممّا يجودُ به القدرْ،

لكنَّ عصفًا من تفكيري

يجتاحُني،

يسلبُني السكينةَ،

فلا أنامُ.

تتسلّلُ الأطيافُ،

تملأُ شاشةَ العقلِ،

لا يومًا تُهادنُ أو تكلُّ،

فأبقى أُكابدُ لوعتي

ممّا أراهُ وأسمعُهُ،

وكلُّ المشاهدِ تعتلي

جدرانَ وعيي،

والمشاعرُ أُرهِقَتْ.

والروحُ من عطشٍ

إلى قلبِ العدالةِ

كالشظايا بُعثِرَتْ،

وأرى المدائنَ قد تآكلَ حلوُها

مع مُرِّها،

وتناثرتْ أحجارُ عمرانٍ بها

كالريشِ في قلبِ الرياحِ العاتيةْ.

ويراكَ قلبي في عيونِ الطيرِ لامعًا،

في زهورِ اللوزِ والليمونِ

عطرٌ… ونقاءٌ،

ويداكَ تحتضنُانِ شوقَ وجدٍ ثارَ بي،

لكنَّ واقعَ حالِنا

بُعدٌ يُعذّبُنا،

ولسانٌ شائكٌ

يغتالُ أحلامًا لنا،

فالحبُّ أوّلُ خاسرٍ.

والتضحياتُ جسامُها

العشّاقُ يحملُها،

وأشجارُ الصنوبرِ شاهداتٌ

أن لا للبحرِ زُرقتهُ،

ولا للشمسِ ضحكتُها،

وغاب الدفءُ،

والأغصانُ تبكي هجرةَ الأطيارِ قسرًا،

فالعنادلُ والنوارسُ

والحساسينُ الجميلةُ هُجِّرَتْ.

وأنا هناكِ خلفَ أسوارٍ،

وأنتَ هناكَ لا تأتي،

وعهدُ لقائنا حلمٌ

ومرّاتٍ تأجّلَ رغمَنا.

والعالَمُ المأفونُ يقصفُنا

بما ملكتْ يداهُ من السلاحِ،

وما عقولٌ آثمةٌ صمّمتْ،

متَعطّشةٌ للقتلِ، للتدميرِ،

لا حيًّا ترحمُ أو جمادًا.

وأنا أُكابدُ للبقاءِ مكافِحةً،

لا غيثَ أهلٍ أو جوارٍ ينهملُ،

والحربُ مسعورةٌ،

جنونُ فعالِها،

والنارُ لا تدري مَن تُحرِقُ:

لاعبًا أم شاهدًا،

والأرضُ أنَّتْ

من جحيمٍ طالها.

يا قلبُ—يا سببَ التعاسةِ والهناءِ—

متى يفيقُ الحسُّ

أو يصحو الضميرُ

لدى زعاماتٍ

ترى في الفتكِ نصرًا لامعًا؟

هيا نعودُ إلى الخيالِ،

أراكَ قربَ النهرِ،

فوقَ العشبِ نعشقُ،

نراقصُ ظلَّنا،

وسربُ الفراشِ يطيرُ،

يعدو حولَنا،

نسمو، نحلّقُ طائرينِ،

نهيمُ عاشقينِ،

ورحبُ الفضاءِ يضمُّنا…

***

نهى عمر – فلسطين

على الرغم من تنوع الكتابة الإبداعية ووجود أكثر من نوع، إلا أن الرواية بدأت تفرض هيمنتها على بقية الأنواع، وأخذت تتطور استجابة للمتغيرات التي تحدث في المجتمعات، لذا لم تعد الرواية عنصر ترفيه فحسب، بل صارت شاهداً على أحداث تاريخية واجتماعية وسياسية، كما أن الرواية ذات الجودة العالية من حيث الشكل والمضمون أصبحت ضمن العلاجات النفسية، لأنّها توفر شبكة اجتماعية داعمة للمريض من خلال أحداثها وشخوصها وأماكنها، وكذلك اللغة، فقراءة رواية عالية الجودة قد تُغني عن زيارة طبيب نفسي وتحمي من تناول أدوية ذات مضار خطيرة على العقل والدماغ.

الروايات عالية الجودة تحّول الكوابيس إلى أحلام سعيدة، بعد أن تُحّفز هرمونات السعادة، فتخفف القلق وتزيد جرعة الثقة بالنفس، وتنير الدروب المعتمة، لأنها باختصار رحلة في عالم النفس البشرية، حيث تكشف لنا تأثير اللامرئي على المرئي.

كما يمكن للرواية الجيدة أن تُغيّر قانوناً رسمياً أو تنقل عادة اجتماعية من ضارة إلى حميدة، فعلى سبيل المثال، حققت رواية "البيت الكئيب" (Bleak House) للمؤلف تشارلز ديكنز تأثيراً كبيراً في قانون المحاكم، والإرث، وسلطّت الضوء على مسألة اللقطاء واستغناء الآباء والأمهات عنهم، وطالبت بحلول تشريعية وإنسانية في بريطانيا، ومنذ صدورها عام 1853، وإلى الآن وهي تُدّرس في الجامعات لأهميتها، فهناك العديد من المشاكل التي طرحتها مازالت موجودة في بلدان عديدة.

كذلك، قدمت رواية " صورة دوريان جراي" (The Picture of Dorian Gray) للكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد التي نُشِرت عام 1890، درساً عظيماً عن " الضمير"، وحوّلت هذا الشيء غير المرئي إلى مرئي من خلال رسم صورة جميلة جدا تبدأ بالتشّوه مع كل عمل رديء يرتكبه صاحبها إلى أن تصبح بشعة جدا. هنا يُقّدم لنا وايلد تشريحاً عن آلية اشتغال الضمير، هذا الجهاز المخفي غير الملموس.

جمعت "صورة دوريان جراي" أدب الرعب ((Gothic والخيال الفلسفي fiction) Philosophical) والأدب التعليمي (Didactic fiction)، فضلاً عن سحر أسلوبها، وطرحت مواضيع عدة، منها حلم الجمال الدائم، حيث يتم الآن في أمريكا والغرب تداول مصطلح "متلازمة دوريان جراي"(Dorian Gray Syndrome) الخاص بالتجميل، وهذا تأثير واضح للرواية، كما هو تأثيرها في بقية الأشياء، منها علم النفس، وتأثير اللغة، وسلبيات التثقيف الذاتي التي تعد مدمرة في بعض الأحيان، فدوريان بطل الرواية انحرف بشدة عن الطريق الصحيح بعد أن قرأ "الكتاب الأصفر" الذي يدعو إلى الانحراف، إلى أن واجه مصيره المأساوي.

ولا ننسى رواية " جين أير"(Jane Eyre) للكاتبة البريطانية شارلوت برونتي التي نُشِرتْ عام 1847، حيث تعد واحدة من أبرز روايات تطوير الذات، التي بقيت خالدة، يقرأها جيل بعد جيل.

تتصدر الأعمال الروائية الآن في أمريكا مبيعات الكتب لما لها من فوائد جمة من حيث رفع الوعي المعرفي، واكتشاف الذات، وتحفيز مشاعر التعاطف مع الآخرين، والتفكير في معالجة مشاكل شخصيات الرواية.

على الرغم من ارتفاع تكاليف النشر وتطور الذكاء الاصطناعي، حافظت مبيعات الكتب المطبوعة في أمريكا على قوتها في عام 2025، حيث بيع منها ما يقارب 707 ملايين نسخة، وفقًا لتقرير صحيفة نيويورك تايمز. ازدهرت مبيعات روايات الكبار، لا سيما روايات الخيال العلمي، بينما عانت الكتب غير الروائية، وانخفضت مبيعات روايات اليافعين بنسبة 12% مقارنة بالعام الماضي. في المقابل، ارتفعت مبيعات الروايات الرومانسية بشكل ملحوظ. شكلّت الكتب الورقية الغالبية العظمى من المبيعات، بينما استقرت مبيعات الكتب الإلكترونية. وافتُتح أكثر من 420 مكتبة العام الماضي، بزيادة قدرها 24% عن عام 2024.

هذه الأرقام تؤكد ازدهار صناعة النشر في أمريكا رغم وجود الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وتبرهن على وجود قراّء، والسبب يكمن في جودة التأليف وسحره.

من المؤسف أن صناعة النشر في العراق مازالت دون المستوى المطلوب على الرغم من الحرية والانفتاح وعدم وجود رقابة تُقيّد المؤلفين، حتى أن معظم الإصدارات لا تسدد ثمن كلفتها. ليس من المعقول أن تموت العادات القرائية في العراق في ظل وجود 45 مليون نسمة وعدد كبير من الجامعات والمعاهد والمدارس، ربما تمرض هذه العادات، لكنها لا تموت، وأن علاجها يكمن بوجود نصوص قابلة للقراءة. تقول الأديبة والفيلسوفة البريطانية جوان رولينغ مؤلفة هاري بوتر: " "إذا كنت لا تحب القراءة، فأنت لم تجد الكتاب المناسب بعد."

تعاني الروايات العراقية أزمة تسويق، والتسويق هنا ليس الترويج الإعلاني فقط، بل التسويق الداخلي للرواية، مثل التشويق والإثارة والأهمية والأسلوب واللغة ونوعية السرد الذي يمنح فرصة للقارئ في الانخراط في النص، أو المشاركة في أحداثه.

في منتصف عام 2025، تم إجراء استبيان في محافظتي البصرة وميسان حول أسباب عدم قراءة الرواية، شارك فيه أكثر من ألف قارئ، فجاء الملل في الدرجة الأولى، حيث شكّل نسبة 72% من بقية الأسباب، وهذا الملل ناتج عن اللغة المعقدة، غموض بلا مفاتيح، ضعف الصياغة، سرد عادي وسطحي. وأكد بعض المشاركين الذين يقرؤون روايات أجنبية رغبتهم في الحصول على سرد عراقي قابل للقراءة، فيه المتعة والتشويق والفائدة.

حقيقة، هناك روايات عراقية جيدة، لأن بعض كتّاب العراق مبدعون. ظهور ساردات عراقيات مهم جدا للساحة الروائية، مثل سمية المشتت وروايتها "ما قبل القبر قبلة" التي صدرت العام الماضي، فقد كُتبت هذه الرواية بصورة مؤثرة ومتماسكة، وناقشت موضوعاً نفسياّ شديد الخطورة يهّم كل عائلة عراقية. استخدمت المؤلفة الأسلوب الشعري في الصياغة من دون أن تؤثر سلباً في مجرى السرد. وكذلك ركز المؤلف سلمان كيوش في روايته " عرقشينة السيد" على قضايا أجتماعية وبيئية، في حين سجل الروائي والصحفي عبد الستار البيضاني معاناة العراقيين خلال فترة ما قبل 2003، ومأساة العائلة العراقية بفقد أولادها في الحروب والسجون في روايته " نوائح سومر".

أهمية الرواية

اكتشف علماء الأعصاب أن قراءة الروايات تُحسّن وظائف الدماغ. حسب موقع علم النفس اليوم (Psychology Today)، أُجريت دراسة حديثة حول فوائد قراءة الروايات للدماغ في جامعة إيموري (Emory University). ونُشرت الدراسة، تحت عنوان "الآثار قصيرة وطويلة المدى للرواية على الترابط الدماغي".

(“Short- and Long-Term Effects of a Novel on Connectivity in the Brain،")

أشار الباحثون إلى أن الانغماس في رواية يُعزز الترابط الدماغي ويُحسّن وظائف الدماغ، وأن قراءة الروايات تُحسّن قدرة القرّاءعلى التعاطف مع الآخرين وتنمية الخيال لديهم.

يقول عالم الأعصاب البروفيسور غريغوري س. بيرنز، المؤلف الرئيسي للدراسة: "تشير التغييرات العصبية التي وجدناها مرتبطة بأنظمة الإحساس الجسدي والحركة إلى أن قراءة رواية تُمكن القارئ من الانغماس في عالم بطل الرواية. إن القدرة على وضع نفسك مكان الآخرين تُحسّن فهمك لنظرية العقل."(Theory of Mind).

ويضيف الدكتور بيرنز، مدير مركز السياسات العصبية بجامعة إيموري في أتلانتا: "القصص تُشكّل حياتنا، وفي بعض الحالات تُساعد في تعريف شخصيتنا". وأضاف: "نريد أن نفهم كيف تصل القصص إلى الدماغ، وماذا تفعل به".

يُعدّ الجانب القصصي في الرواية شكلاً متعدد الأوجه من أشكال التواصل، يُفعّل نطاقاً واسعاً من مناطق الدماغ. ورغم وجود العديد من النظريات اللغوية والأدبية التي تُحدد ماهية القصة، إلا أن الأبحاث العصبية البيولوجية بدأت للتو في تحديد شبكات الدماغ النشطة أثناء معالجة القصص.

في هذه الدراسة، قاس الباحثون التغيّرات في ترابطات الدماغ في حالة الراحة قبل وبعد قراءة رواية. وقد اختار الباحثون رواية بدلاً من قصة قصيرة لأن طول الرواية وعمقها يسمحان لهم بتكرار التفاعل مع محفزات فريدة مرتبطة بها (أجزاء من الرواية) ضمن سياق تحفيزي أوسع وأكثر تحكماً، يمكن استيعابه بين فترات متعددة في فحص الدماغ.

تتيح لك قراءة رواية جيدة إطلاق العنان لخيالك. فالروايات تُنسيك همومك اليومية وتُنقلك إلى عالم خيالي يتحول إلى حقيقة في مخيلتك.

هذه المعلومات التي استخلصتها الدراسة توضح لنا أهمية قراءة الرواية، ومن قبل أهمية كتابتها.

يقول الروائي مارك هادون: " كل الكتب تتحدث، لكن الكتاب الجيد يصغي أيضًا. "

تُبرز هذه المقولة أن الأدب الاستثنائي يأخذ القرّاء إلى العمق، مما يسمح لهم بالتأمل والتساؤل والتفاعل.

الإلهام، الدافع، الموهبة، أم الشغف؟

يشّكل الإلهام 1% من العبقرية، ويشّكل الكد 99% "، قول منسوب للمخترع ورجل الأعمال الأمريكي توماس أديسون.

وفي كتابها "داء منتصف الليل، الدافع إلى الكتابة،"(The Midnight Disease Alice W. Flaherty) تقول عالمة الأعصاب والأديبة الأمريكية أليس ويفر: " يبدو أن الإجماع يعدّ الدافع مهمّاً أكثر من الموهبة في إنتاج الإبداع." وتضيف: "قد يكون للباعث الخارجي تأثير سلبي في الإبداع من خلال صرف انتباه الفرد عن المهمَّة إلى أفكارٍ تتعلق بالثواب والعقاب." في حين يرى الإغريق أن الشغف والدافع هما منبع الإبداع.

هذه الإجابات ليست كافية، لكنها تضع أقدامنا على طريق البحث والتقصي لاكتشاف الأسرار التي تختفي خلف أسوار النجاح، لذا على المختصين اكتشاف سر الطبخات اللذيذة.

 كتابة الروايات تشمل فوائد عدة، منها التطور الشخصي والصحة النفسية، ويخفف هذا النوع من التوتر، ويساعد على الاسترخاء الذهني، وزيادة الوعي الذاتي. كما تُساعد الساردين على معالجة المشاعر المعقدة، من خلال الانشغال في بناء عالم الرواية، من أماكن وشخصيات وأحداث، ويعزز بناء السرد العملية الإبداعية، ويُحسّن الذاكرة، وينّمي مهارة حل المشكلات، ويمنح فرصة كبيرة للتخطيط، وتعزز الرواية التعاطف من خلال إتاحة الفرصة للمتلقي لتجربة وجهات نظر مختلفة، وتساعد كتابة الرواية الكاتب والقارئ على فهم التجربة الإنسانية بصورة أعمق.

نستنتج مما تقدم، أن كتابة الرواية في ظل هذه الدراسات العلمية والتجارب مهمة جداً في عصر التحّول الرقمي، لأن فوائدها كثيرة للفرد والمجتمع، وعليه من الضروري أن نراجع مناهجنا الدراسية علّنا نضيف إليها شيئاَ يُحّسن مهارات الطلبة في الكتابة الإبداعية، ويعزز تفكيرهم النقدي، فزيادة جرعات الكتابة الخيالية في المدارس والجامعات يمنح الطلبة فرصة لاكتشاف ذواتهم في عالم السرد، وبالتالي نقدم لصناعة النشر مؤلفين جددا قادرين على كتابة روايات مؤثرة تخدم الفرد والمجتمع.

يقول الروائي الإسباني كارلوس زافون في روايته الشهيرة ظل الريح: " كل كتاب هنا تعيش فيه روح ما. روح من ألّفه وأرواح من قرؤوه وأرواح من عاشوا وحلموا بفضله. كل الكتب التي لا يذكرها أحد، أو التي يختفي أثرها بفعل الزمن، تعيش هنا أبداً في انتظار اليوم الذي تعود فيه إلى يدي قارئ جديد، وروح جديدة. كل كتاب هنا كان أفضل صديق لشخص ما."

قبل أن نكتب الرواية علينا طرح ثلاثة أسئلة جوهرية: ماذا نكتب؟ لماذا نكتب؟ لمن نكتب؟

***

د. عبير علي العبدلي

تتجاوز النزعة الصوفية في الأدب حدودَ الزمان والمكان، لتصبح تجربة إنسانية عميقة تبحث عن المعنى الكامن خلف ظاهر الجمود. وهي ليست مُجرَّد تأملات رُوحانية عابرة، بل هي مشروع معرفي ووجودي يسعى إلى اكتشاف الحقيقة عبر التجربة الذاتية، والتَّوَحُّدِ معَ الطبيعة، والانفصالِ عن سَطوة العالَم المادي.

في هذا السياق، يلتقي عَالَمَان متباعدان جُغرافيًّا وثقافيًّا: عالَم الصحراء عند الروائي الليبي إبراهيم الكُوني (وُلد 1948)، وعالَم الروح القلقة الباحثة عن التوازن عند الروائي السويسري من أصل ألماني هيرمان هيسه (1877- 1962/ نوبل 1946). ورغم اختلاف المرجعيات، فإنَّ كِلَيهما ينسج رؤيةً صوفية عميقة تتقاطع في جَوهرها الإنساني.

يُعَدُّ الكُوني أحد أبرز الأصوات الأدبية التي جعلتْ من الصحراء فضاءً ميتافيزيقيًّا، لا مُجرَّد خلفية جُغرافية. الصحراءُ عنده لَيست فراغًا، بل هي امتلاء بالمعنى، ولَيست قحطًا، بل هي فَيْضٌ رُوحي. إنها مُختبَر مفتوح، يختبر فيه الإنسانُ هشاشته أمام تقاطعاتِ الزمن وعناصرِ الطبيعة، ويعيد اكتشافَ ذاته مِن خِلال العُزلة والتجرُّد.

تتجلَّى النزعةُ الصوفية في أعمال الكُوني من خلال فكرة " التِّيه" التي لا تُفْهَم بوصفها ضياعًا، بل كطريق ضروري نحو المعرفة. فالشخصياتُ غالبًا ما تُدفَع إلى الهجرةِ، والفقدِ، والتخلي عن المألوف، في سبيل الوصول إلى حقيقة أعمق. وهذا التِّيه يَقُود إلى ما يُشبه الفَنَاء الصوفي، حيث تتلاشى الأنا لصالح الانصهار في الكُل. كما يَحضر مفهوم " السِّر " بقوة في كتاباته، فالكَوْنُ مليء بإشارات خفية لا تُدرَك بالعقل وحده، بل بالقلبِ والبصيرة. وهُنا تتقاطع رؤيته معَ التراثِ الصوفي، حيث المعرفة لَيستْ عِلمًا مُكْتَسَبًا، بل هي كَشْفٌ وإلهام.

في المقابل، ينطلق هيسه من سياق أوروبي مأزوم، حيث الحداثة صنعتْ إنسانًا مُمزقًا بين العقلِ والروح، وحضارةً تائهة بين المادة والمَعنى. تأتي كتاباته كرد فِعل على هذا التمزق، عبر رحلة بحث داخلي عن التوازن والانسجام.

تتجلَّى النزعة الصوفية في أعماله من خلال التركيز على التجربة الفردية العميقة، والسَّعْي نحو التَّوَحُّدِ مع الذات الحقيقية. شخصياته تعيش صِراعًا داخليًّا حادًّا، لكنَّها تجد الخلاصَ عبر التأمُّل، والانفصالِ عن القيم السطحية، والانفتاحِ على الحكمة الشرقية.

في رواياته، لا تكون الحقيقة جاهزة أو مفروضة، بل تُكشَف عبر التجربة والمعاناة. وهذا يتقاطع مع الفكرة الصوفية القائلة إنَّ الطريق إلى المعرفة يمرُّ عبر الألم والتجرُّد. كما أنَّ مفهوم الوَحْدة يحتلُّ مكانة مركزية، حيث يسعى الإنسانُ إلى تجاوز الانقسام الداخلي، والوصولِ إلى حالة مِن الانسجام الرُّوحي معَ العالَم.

رغم اختلاف البيئتَيْن الثقافيتَيْن، فإنَّ هناك تقاطعًا واضحًا بين الكُوني وهيسه في النظر إلى العالَم بوصفه لُغزًا يحتاج إلى تأويل، وفي اعتبار الرحلة الداخلية شرطًا للوصول إلى الحقيقة. كلاهما يرفض السطحية، ويبحث عن الجَوهر، ويَرى أن المُعاناة لَيست عبثًا، بل هي طريق للتَّرَقِّي.

لكنَّ الاختلاف يكمن في طبيعة المسار. الكُوني ينطلق من تُراث صوفي متجذر في الثقافة الصحراوية، حيث الطبيعة نَفْسها تُصبح مُرشدًا رُوحيًّا. أمَّا هيسه، فيبني رؤيته من خلال تفاعل معَ الفلسفات الشرقية والغربية، في محاولة لإعادة بناء الإنسان الأوروبي مِن الداخل.

تكشف تجربةُ الكُوني وهيسه أنَّ الأدب يمكن أن يكون وسيلةً للارتقاءِ الروحي، لا مُجرَّد أداة للتعبير الجَمالي. والنزعةُ الصُّوفية في أعمالهما لَيست زينةً فكرية، وإنَّما جَوهر الرؤية، ومُحرِّك السرد، وغاية الرحلة.

إنهما يُقَدِّمان نموذجَيْن مُختلفَيْن لطريق واحد، طريق البحث عن الحقيقةِ والذاتِ والمعنى. طريق يبدأ بالقلق، ويمرُّ بالتِّيه، ويَنتهي - إن انتهى - بلحظة كشف، حيث يُدرِك الإنسانُ أنَّ ما كان يبحث عنه في الخارج، كان يَسكنه مُنذ البداية.

لا تبدو النزعةُ الصوفية عند الكُوني وهيسه مُجرَّد خِيار جَمالي أو نُزوع فِكري عابر، بل هي موقف وجودي حاسم مِن العالَم، ومُحاولة حثيثة لاختراق ظاهر الأشياء نحو جَوهرها العَصِيِّ. كِلاهما، رغم اختلاف الجُغرافيا والمَرجعيات، يلتقيان عند تلك النقطة الحرجة التي يُصبح فيها الإنسانُ غريبًا عن ضجيج الواقع، وباحثًا عن معنى يتجاوز اللغةَ والمنطق. عِند الكُوني، تتجسَّد الصوفية في صمتِ الصحراء واتِّساعها، حيث يتلاشى الكائنُ في الطبيعة اللانهائية، بينما عند هيسه تتَّخذ شكلَ رحلة داخلية شاقَّة، وصِراعًا بين الذات وظلالها، حتى بُلوغ نوع مِن الصفاء.

إنَّها لَيستْ صُوفية هُروب، بل صُوفية مُواجَهة: مُواجهة الذات، والزمنِ، والفراغِ الوجودي. ومِنْ هُنا، فإنَّ أعمالهما لا تمنح أجوبةً جاهزة، وإنما تَطرح أسئلة كثيرة، حيث يبدأ القلقُ، ويتشكَّل الوَعْي. لهذا السبب، تظلُّ نُصوصهما مفتوحة، وعَصِيَّة على الاكتمال، لأنَّها تعكس تجربة إنسانية لا تنتهي، تجربة البحث المُستمر عن المَعنى في عَالَم مُتآكل، وغارق في الغُموض والسِّرِّية.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

قراءة في المجموعة القصصية الصادرة حديثًا "النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء" للروائية سعاد الراعي

تقدّم المجموعة القصصية "النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء" عالمًا سرديًا نابضًا بالحياة، مترابطًا موضوعيًا، تتخذ من الطفولة بوابةً لفهم الإنسان والمجتمع، ومن الذاكرة مسرحًا للسرد. لا تُقدَّم الطفولة هنا بوصفها مرحلة بريئة فقط، بل بوصفها مساحة صدام مبكر مع الفقر، الحرب، السلطة الأبوية، القمع الاجتماعي، والمنفى. وتستند إلى بيئة محلية ثرية بالرموز والدلالات، ويستثمر الموروث الاجتماعي بوصفه مادة حكائية قابلة لإعادة التأويل.

فمنذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام استعارة مركزية: النخلة بوصفها "عمة" حاضنة، تقابلها صورة "الأبناء الأشقياء" بما تحمله من شغب وتمرد، وهو تقابل يختزل توترًا بين الأصل والفروع، بين الحكمة المتجذرة واندفاع الجيل الجديد.

فالنخلة، بوصفها رمزًا مركزيًا: الأم، الوطن، الذاكرة، والملاذ الأخير الذي يَمنح رغم القسوة ويَغفر رغم الجحود، تتجاوز حضورها النباتي لتغدو علامة على الصبر والعطاء والذاكرة، في حين تتوزع بقية العناصر السردية حولها كدوائر دلالية متسعة.

تتحرك قصص المجموعة في فضاء يتناوب بين المدينة والريف /ولكن يغلب عليها الطابع الشعبي، حيث التفاصيل اليومية الصغيرة تتحول إلى مادة سردية كاشفة عن بنية المجتمع وعلاقاته.

تنجح الكاتبة في التقاط نبض هذا العالم عبر شخصيات تبدو مألوفة، لكنها مشحونة بدلالات إنسانية عميقة. فالأشقياء هنا ليسوا مجرد شخصيات عابثة، بل هم تمثيل لحيوية الحياة، ورغبة دائمة في كسر القوالب، حتى وإن جاءت هذه المحاولات في صيغة فوضوية أو مؤذية أحيانًا

تضم المجموعة قصصًا مستقلة متكاملة، تدور أحداثها في العراق، اليمن، فلسطين، وألمانيا، وتغطي أزمنة مختلفة، لكنها تلتقي عند محور واحد: الطفولة حين تُختبر قبل أوانها.

* أطفال يواجهون العنف الأسري باسم التربية.

* طفولة مسحوقة تحت الفقر والحرب والحصار.

* صدام الهوية بين الشرق والغرب، والمنفى والذاكرة.

* الآباء حين يحبّون لكن يجرحون، والأمهات حين يقسين بدافع الخوف.

براءة تُجبر على النضج المبكر، لكنها لا تنكسر.

على المستوى الفني، تميل النصوص إلى السرد الوصفي المشهدي، حيث تتجاور اللقطة الحسية مع التأمل الداخلي، في توازن يمنح القصص إيقاعًا هادئًا لكنه مشدود. ولا تتورط في الخطاب السياسي المباشر، لكنها تشكل شهادة إنسانية صامتة على أثر السياسة والحرب والسلطة في الجسد النفسي للطفل.

كما توظف الكاتبة الحوار بمهارة، ليس فقط لتطوير الحدث، بل لكشف البنية النفسية والاجتماعية للشخصيات. وتبرز قدرة لافتة على بناء المفارقة، إذ كثيرًا ما تنتهي القصص بلحظة دلالية مفتوحة تترك القارئ أمام أسئلة أكثر مما تقدم إجابات. فهي تطرح، في عمقها، أسئلة تتصل بالانتماء، والسلطة الرمزية للأسرة، وحدود الحرية الفردية داخل الجماعة. وهي، وإن بدت في ظاهرها مشغولة بحكايات بسيطة، إلا أنها تنجح في ملامسة قضايا أوسع تتعلق بالتحول الاجتماعي، وصراع القيم بين جيلين.

الكاتبة لا تُدين ولا تُبرّئ، بل تترك الوقائع تتكلم، وتمنح القارئ مساحة أخلاقية مفتوحة للتأمل

أما اللغة، فتتسم بمرونة تجمع بين البساطة والعمق، وتستفيد من الإيحاءات البيئية دون الوقوع في فخ المحلية المغلقة. فاللغة هنا، أدبية مكثفة، حسّاسة، واضحة، تعتمد الصورة والرمز دون تعقيد لغوي أو تجريب مُنفّر. السرد واقعي، لكنه مشحون بالشاعرية، قريب من القارئ العام دون التفريط بالعمق.

"النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء" تمثل تجربة قصصية واعية بأدواتها، وقادرة على تحويل اليومي إلى نص أدبي مشحون بالدلالة.

إنها كتابة تراهن على التفاصيل الصغيرة لتقول أشياء كبيرة، وتفتح للقارئ نافذة على عالم مألوف، لكنه يُرى هنا بعيون أكثر عمقاً وتأملاً.

- تقع المجموعة في 108 صفحة من القطع المتوسط؛

- تحتوي على عشر قصص، مع ملاحظات وتعليقات بعض الزملاء من الكتاب والنقاد؛

- قدم للمجموعة الشاعر طارق الحلفي؛

- صمم الغلاف واخرجها ونسقها طارق الحلفي؛

- تمت طباعة المجموعة في مطبعة "نحن نطبع ـ باكنانغ "/ المانيا.

**

طارق الحلفي

قبل بضعة أعوام كتبتُ موضوعاً أدبياً عن طرق تثمين الأدب والأدباء، والموضوع كان بعنوان: (وقفة وسؤال عن المقياس العادل الذي تُقاس به الأعمال الأدبية)..

لم يكن الحديث عن ظاهرة فرانتز كافكا (Franz Kafka) هو أساس الموضوع ولكنني تطرقت الى الظاهرة الكافكوية كمثال على أثر قوّة الدعاية والتفخيم والترهيب في تسويق اسم الأديب ومن ثم نتاجه الأدبي..

قبل هذه الأثناء وبعدها كنت قد علَّقت ورددت على الكثير من آراء زملاء وزميلات في مواضيع تخص كافكا نشروها في صحف ومجلات أدبية ومنابر ثقافية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي..

احاول اليوم نشر آرائي وقناعاتي وأفكاري عن أدب فرانتز كافكا مثلما قرأته وعرفته، وأنا على استعداد للحوار حول الموضوع وتقبّل النقد الأدبي الموضوعي والعلمي ضمن أجواء الاحترام وتبادل الآراء.

لدي قناعة بنيتها على أساس قراءة متأنية وخبرة أدبية خبرة شاعر وكاتب وأديب وأكاديمي مختص في الأدب العام والأدب المقارن بأن كافكا أديباً لم يكن بالمستوى الذي صنَّفته فيه الدعاية على أساس من انه أديب عالمي فذ وروائي خارق ومؤسس مدرسة في الأدب الروائي والقصصي..

درستُ رواية كافكا المعنونة ب (المحاكمة) أو (Der Prozess) في منهاج دراسة الماجستير في قسم الأدب العام والأدب المقارن في جامعة برلين الحرّة والمسماة Freie Universität Berlin، وكانت دراستنا للرواية في اللغة الألمانية وللنص الألماني الأصل..

من أول ملاحظاتي عن لغة كافكا الألمانية في هذه الرواية انها لغة فقيرة، مُهلهلة، مُملَّة، جافة، تفتقد الى التدفق والتجدد، مثلما تفتقد الى ذكاء الأديب في جعل لغته حيوية جذّابة تؤثر في القارئ وتدعوه لاكتشاف خبايا النص والابحار معه، ويأتي الى جنب فقر هذه اللغة وجدبها جمود الاسلوب الروائي وتكرار مشاهده ومواضيعه بشكل مقرف ومضجر حقاً وافتقاده الى روح الابتكار والتجديد الى الدرجة التي استحال معها النص الى نص طويل متشابه حتى ان من الممكن ترحيل مقطع من صفحة في الثلث الأول من الرواية الى صفحة في الثلث الثاني أو الثالث في الرواية ودمجها في مكان جديد دون ان يحس القارئ اذا عاد لقراءة الرواية مرَّة ثانية..

في يوم ما ـ وبينما كنت أزور احد الصالونات الأدبية في برلين ـ قرأ أحد الأدباء الألمان نصاً أدبياً له يحاكي فيه من بعيد أو قريب نصوص كافكا، وكان من تقاليد هذا الصالون ان يقرأ الأديب نصّه أو قصيدته ثم يستمع لآراء الحاضرين ويناقشهم، وحين انتهى الأديب من قراءة نصه عبَّرتُ عن رأيي الناقد للنص، وذكرت أيضاً ان كافكا نفسه لم يكن أديباً موفقاً فلغته فقيرة مملة لا ترقى الى لغة أديب، واسلوبه جامد يفتقر الى الحركة والحيوية ومشاهده مكررة..

يبدو ان رأيي كان صادماً للجمهور الحاضر فكافكا قد كُرِّس كأديب كبير ووُضع في خانة القداسة فبدأ البعض بمهاجمتي، بيد ان أديباً المانيا مثقفاً من الحضور اسكت الجمهور الغاضب حين أخبرهم بأنني لست الوحيد في هذا الرأي، فالأديب الألماني المعروف توماس مان (Thomas Mann) كان له رأي مشابه في أعمال كافكا..

وفي الحقيقة انني لم أكن أعرف رأي توماس مان بكتابات كافكا من قبل لكن رأي الزميل الأديب خفف من حدَّة الهجوم، فتوماس مان أديب كبير، والجمهور يخشى آراء الأدباء المعروفين كأدباء كبار..

أعتقد شخصياً ان كافكا المنتشر والمقروء هو من صنع صديقه تاجر الكتب ماكس برود (Max Brod) وهو صديق قريب لكافكا، وقد تجاوز على وصية كافكا الذي أوصى بعدم نشر نتاجه بعد موته، وفي اعتقادي ان وصية كافكا هذه تنم عن عدم قناعته بكتاباته الشخصية وشكوكه في مستواه الأدبي واللغوي، وهذه الشكوك في محلها تماماً.. لكن ماكس برود تاجر كتب ولديه عقلية تاجر قبل عقلية الأديب أو الشاعر، وأعتقد انه فكَّر مع معارف له في عمل موجات دعاية لكافكا قبل وبعد نشر كتبه لترويجه في عالم سوق الكتب والمكتبات، ثم أتت الى جنب هذا اسباب تاريخية سياسية تتعلق بتاريخ أوربا وأوضاع المجموعات اليهودية الأوربية التي ينتمي اليها كافكا في براغ حيث ولد وفي النمسا حيث عاش..

حُسب أدب كافكا على الأدب المهم والغامض وعلى انه أدب النخبة المثقفة التي ترتاد الصعاب، مما جعل أي مشكك فيه يتردد في اعلان شكوكه خشية اتهامه بأنه ليس من قراء النخبة أو انه ينتقد كافكا لأسباب لا تتعلق بالأدب، وقد تذهب هذه الاتهامات الى حد اتهام المنتقد الألماني أو الأوربي بالعنصرية وهذا أكثر ما يخافه الألمان والأوربيون..

هكذا تخطى كافكا الحواجز ودخل الى رحاب الجامعات وفُرضت كتبه كمناهج دراسية على مئات الآلاف من الطلبة والأكاديمين عبر العصور، وبيعت منها ملايين النسخ في مكتبات وجامعات العالم، ووصلت أرباحها الى مئات ملايين الدولارات، أو ربما المليارات اذا ما اعتبرنا ان كتب كافكا تُباع في كل أنحاء العالم وخصوصاً في اميركا وأوربا ومنذ حوالي ثمانين سنة، والى الآن!!

***

كريم الأسدي

 

ولد الاديب والفيلسوف الفرنسي البير كامو في الجزائر في 7/ نوفمبر/ 1913م، وعاش فيها حياة فقيرة بائسة يكتنفها قدر كبير من المعاناة، فلقد كان والده مجرد مزارع بسيط يعمل على إعالة أسرته، ولذا عاش كامو مع أمه وأبيه في الأحياء الفقيرة في الجزائر، ثم نكب بمقتل والده في الحرب العالمية الأولى، وقست عليه الحياة كثيرا، وتولت رعايته والدته وكانت مهنتها بسيطة، وحين تقدمت بالعمر، اضطر كامو لاحقا الى وضعها في ملجأ للعاجزين، لأنَّ وضعه المادي لم يسمح له بذلك، وقد تجسَّد ذلك في روايته الغريب، ولعله تحدث عن معاناته فيها.

درس في جامعة الجزائر، وتأثر بفلاسفة الاغريق والرومان، واطلع بوقت مبكر على الفكر الوجودي، وقد اتجه الى العمل بالصحافة والكتابة الأدبية، وأسهم مرض السل الذي أُصيب به في مزيد من معاناته وبلورة افكاره المفعمة بالحديث عن الموت، محاولا تقديم تفسير وجودي للحياة، وظل شبح الموت يطارده في فلسفته وإبداعه الأدبي، كما أنَّ الظروف القاسية زرعت بذرة التمرد لدى كامو منذ طفولته، وبدأت تجليات تمرده تظهر حتى في انتمائه السياسي، فلقد انضم الى الحزب الشيوعي، وبعد سنة تمرد عليه وانفصل عنه، وقام كامو بتغيير عبارة الكوجيتو الديكاريتية« أنا افكر إذن أنا موجود» الى « أنا متمرد إذن أنا موجود».

واقترن التمرد بالعبث، وقدما ـــ التمرد والعبث ـــ تفسيرا للعالم، وعبثية للامعنى في الحياة، إنَّ قضية العبث ــــ هنا ــــ لا ترتبط بالعالم وحده، ولا ترتبط بالإنسان وحده، وانما في طبيعة العلاقة التي تربط العالم بالإنسان.(1) لم يكن العبث لديه حالة مرضية بل هو جزء من فلسفته التي تعنى بالمواجهة بين رغبة الانسان من ناحية والعالم الذي يعيش فيه من ناحية أخرى، وقد تولد من هذه المواجهة حالة من التوتر، وهي حالة لا تدعو لديه الى الانتحار وانما تقوده الى نمط من التمرد.

وقد ألَّفَ كتبا وروايات عدة، وكان كتابه« أسطورة سيزيف » أحد أبرز الكتب الفلسفية الذي تجلت فيه ملامح التمرد والعبث، وأصبحت شخصية سيزيف الأسطورية معبرة عن العبث واللامعنى، وسيزيف شخصية اسطورية أغضب الآلهة فأصدروا عليه حكما بأنْ يعيش حياة أبدية في عمل غير مجدٍ، ألا وهو دحرجة صخرة صعودًا إلى جبل حتى تعود للتدحرج نزولا من جديد، مرارا وتكرارا، وبلا نهاية، وظل سيزيف خاضعا لقدريته دون أنْ يتمرد.

وقد تجلت ملامح هذا الفكر في أعماله الروائية مثل روايتي « الغريب » و« الطاعون » اللتين يحاول فيهنا الإنسان التمرد على اللامعنى في الحياة وتأمله لفلسفة الموت في إطار نزعته في الوجودية العابثة.

لم يعش البير كامو طويلا فلقد مات في حادث سيارة في 4 /يناير/1960م، وعثروا في معطفه على رواية غير مكتملة « الرجل الأول» الذي أراد أنْ يعود فيها إلى جذوره الجزائرية.

2

تمثل رواية الغريب للأديب والفيلسوف الوجودي إلبير كامو أحد أبرز المحطات الأدبية والفلسفية في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد استقطبت اهتمام الباحثين والنقاد لما تشتمل عليه من رؤى وجودية وعبثية تكشف عن رؤية كامو للعالم والمجتمع والإنسان.

وتحثل صورة الأم مكانة مركزية على الرغم من حضورها المحدود المباشر في السرد، وإنَّ تأمل صورة الأم يقود الى فهم طبيعة السرد وتطوره ونموه، وإنه يسهم في بلورة ملامح شخصية البطل « ميرسو» فإنها تفتح الأبواب مشرعة للإجابة عن الأسئلة العميقة حول الموت والوجود والمعنى واللامعنى واللامبالاة.

تبدا الرواية بجملة سردية مستفزة، وتحمل هذه الجملة مزيجا من اللامبالاة وعدم الاحساس العاطفي يقول بطل الرواية « اليوم ماتت أمي. أو لعلها ماتت أمس. لست أدري. وصلتني برقية من المأوى.الأم توفيت. الدفن غدا. احتراماتنا. وهذا لا يعني شيئا. ربما حدث الأمر أمس. ».(2)

إنَّ الحزن والحداد يمثلان طقسا يرتبط بمشاعر الإنسان ومدى حزنه على فقد عزيز عليه، ولكنه في الرواية ومن أول جملة فيها تدل على أنها مجرد معلومة ليس غير، يكتنفها الإبهام والضجر وعدم الشعور بأي مسؤولية، وتتحول صوة الأم من كونها رمزا إنسانيا عظيما وعاطفيا مليئا بالحب والحنان الى مجرد كونه، مرآة وصدى لبدء المأساة الوجودية العابثة، وعلى الرغم من أنه يؤكد أنَّ« ليس للمرء سوى أُم واحدة » فانه شعر بعدم ارتياح رئيسه حين طلب إجازة لمدة يومين لحضور جنازة أمه فقال لرئيسه: « إنها ليست غلطتي»(3)

إنَّ العلاقة بين « ميرسو» وأمه تفتقر الى العاطفة والحنان، فلقد أرسلها الى دار المسنين، لأنه لم يعد يملك نقودا كي يحتفظ بها ويعنى بها(4)، وإنه لم يعد لديهما ما يقولانه لبعضهما، أو على حد تعبير ميرسو« إني وأمي بلغنا مبلغا ما عاد فيه أحدنا ينتظر شيئا من الآخر، لا بل ما كنا ننتظر شيئا من أحد، وأنَّ كل واحد منها اعتاد حياته الجديدة » (5)فهو لا يكرهها وليس هناك ما يدل على حبها، ولكنه لا يجد ضرورة للبقاء معها والاستمرار في حياتيهما. يقول ميرسو« لا شك إني كنت أُحب أمي كثيرا، لكن هذا الامر لا يعني شيئا، فما من كائن سوي إلا رغب بدرجة او بأخرى في موت من يحبهم »(6)، وأنه أكد أنَّ حاجاته الجسدية عادة ما تشوش عليه عواطفه، فيوم وفاة أمه كان تعبا جدا، وكانت به حاجة الى النوم.

وعلى الرغم من ذلك فإنَّ وعي ميرسو لا تختفي فيه صورة الأم نهائيا بعد موتها وتشييع جنازتها، إذْ تتكرر صورتها في مخيلته في أثناء سجنه بعد ارتكابه جريمة القتل، تعود بوصفها صوتا داخليا كامنا في أعماق الإنسان وكأنها الحاضر/ الغائب، فهو يستدعي ذكرياته عن أمه وكيف تأقلمت في دار المسنين التي تدل في أحد أبعادها على عزلة حقيقية عن الواقع الإنساني، إنَّ آلامه الحادة هذه تتحول من شخص غائب الى وجود يعبر عن وجدان البطل، وحين يحل وقت اعدامه يسترجع ذكرى أمه ليس بشعور الأسف والأسى والحزن، وإنما بإحساس غريب يقول كانت امي تشعر انها بدأت تعيش من جديد هناك، بعد ان شعرت انها قد ماتت.

إنَّ البير كامو يضفي على صورة الأم معنى وجوديا عابثا وكأنها الانسان الذي يتصالح مع اللامعنى، ومن الجدير بالذكر أنَّ موقف ميرسو من أمه في الجنازة، وفي ألفاظه الدالة على انعدام المشاعر، يُستعمل هذا كله ضده في المحكمة، سأله القاضي هل كان يحب أمه، أجاب: « أجل مثل بقية الناس »، وهذا يعني أنَّ الأم بعد موتها لاحقت ابنها بوصفه عاقا، وكأنها تدينه اجتماعيا.

إنَّ الرواية تعرض عالمين: العالم الاعتيادي الذي يعيشه الناس جميعا، وتجسده المحكمة التي تؤكد المعاني الأخلاقية والوفاء والبر بالوالدين، وعالم ميرسو العابث الصامت الذي يخلو من كل مشاعر إنسانية، إنَّ صورة الأم في هذه الحالة تجسيد رمزي لثنائية الحياة والموت، فهي تخرج عن الإطار الإنساني العاطفي بشكله التقليدي المألوف، ويدخله كامو في مجال التفكير الوجودي العبثي، فالرواية ليست ميدانا للحب والترابط العاطفي الأسري بين الابن وامه، وخصوصا في حالة فقد الأم، بوصفها منبعا للحب والحنان والأمان، بل تتحول لدى كامو الى عزلة وصمت وتأمل في المصير الإنساني.

ويمثل الموت موضوعا مهما في الرواية إذْ يهيمن عليها منذ السطور الأولى حتى لحظات إعدام بطل الرواية« ميرسو»، وفي أثناء ذلك يتكرر صدى والدته وصدى الموت الذي أحاق بها، إنَّ الموت ليس مجرد حدث عابر بل هو علاقة عميقة في جوهر تفكير البير كامو وفي بنائه السردي، ويمثل هذا أساس التفكير الفلسفي الوجودي الذي تشتمل عليه الرواية، إذْ تُفتتح الرواية بالموت وتختتم به، لأنَّ كامو يعد الموت حقيقة مطلقة تكشف عن عبثية العالم، وتضع الانسان أمام امتحان عسير لوجوده.

ويخرج الموت من دلالته الدينية والميتافزيقية الى حقيقة باردة خالية تماما من العزاء، ولا يتجلى فيه أي ملامح للخلود، ولذلك فإنَّ كل ما يرتبط بالموت يعرض بشكل عارٍ ومباشر دون دلالات رمزية أو مجازية، إنَّ الموت لا يثير في بطل الرواية أية أحاسيس أو مشاعر، وإنَّ جنازة الأم لا تثير أي حزن أو دموع، وحين تمر الجنازة فإنها تمر ضمن أجواء الضجر، ويبدو أنَّ ميرسو لا يتفاعل مع الموت بوصفه خسار’ وجود، وإنما بوصفه حدثا حسيا ثقيل الظل.

إنها نظرة أُحادية صامتة لأنَّ إلبير كامو يعرض فلسفته الوجودية العابثة التي تعني ان هناك عالما صامتا من ناحية، وتوق الانسان الى الوصول الى معنى في زمن اختفت فيه المعاني كلها من ناحية أخرى، ولذلك فإنَّ الموت اقسى تجل لهذا الصمت الذي يكتنف العالم ولا ينجو أحد منهم مطلقا.

إنَّ حدوث الموت مجرد حدوثه يعني أنَّ القيم والمعاني كلها قابلة للسقوط والتشظي والتلاشي، ويتحول الانسان الى مجرد دمية أو آلة خالية من الأحاسيس فميرسو لا يبكي على أمه، بل ليس لديه أي احساس إزاء وفاتها، فهو يأكل ويشرب ويذهب للهو في اليوم الثاني لوفاتها مع صديقته، وحين يقتل إنسانا عربيا جزائريا لا يندم على القتل كما انه لا يطلب الصفح من المحكمة، جراء قيامة بهذه الجريمة.

ويشعر ميرسو ـــ أخيرا ـــ ان موته لا يقل اهمية او تفاهة من موت الاخرين، ويعيش ميرسو أيامه الأخيرة دون تذلل او تمرد، ويريد أنْ يوحي كامو أنَّ بطل الرواية إنما هو حر تماما، لأنَّ الحياة لا تحتمل أي معنى، كما أنَّ الاعتراف بعبثيتها يمنحه حرية وجودية مطلقة، وفي ضوء هذا لا يمكن فصل دلالة الموت في الرواية عن بنائها الفلسفي، فهو ليس موتا خاصا لفرد، وانما هو أنموذج يدل على مواقف الانسان أمام عبث الوجود.

***

د. كريم الوائلي

.........................

(1) البير كامو، الانسان الأول، ترجمة لبنى الزيدي، دار الهلال، مصر، ص 9.

(2) إلبير كامو، الغريب، ترجمة: محمد ايت حنا، منشورات الجمل، بيروت، 2014 / ص 7

(3) الرواية، ص 8

(4) الرواية، ص 103.

(5) الرواية، ص 103.

(6) الرواية، ص 77.

قراءة بلاغية نقدية في ملحمة "الجزائريادة" للشاعر عبد العزيز شبين

حين يتجرأ الشاعر: ثمةَ قصائدُ تُكتَب، وثمةَ ملاحمُ تُسكَب من صميم الدم والتراب والمعنى. وبين القصيدة والملحمة مسافةٌ لا تُقطع إلا بشاعر يحمل في قلبه أمةً بأكملها، ويرى في كلمته رسالةً لا تنتهي بانتهاء القافية. هذا ما فعله الشاعر الجزائري الكبير الدكتور عبد العزيز شبين حين أجرأ نفسه على الاشتباك مع الزمن الجزائري كله - من حجر الصوّان في الحضارات الأولى إلى دماء الثورة التحريرية - فأنجز ملحمته الكبرى «الجزائريادة» في أكثر من عشرة آلاف بيت على رويّ الهمزة، في عمل لا يُقدَّر حجمه الحقيقي إلا بالوقوف عند تضاعيف نصّه والتأمل في بنيانه من الداخل.

وحين يُوضَع هذا الديوان بين يدي ناقد، فإنه لا يواجه قصيدةً تُقرأ، بل يواجه هويةً تتكلم. ليست القراءة هنا مجرد تحليل عروضي أو تصنيف بلاغي، إنما هي محاولة للكشف عن الطاقة الدلالية الكامنة في نسيج الملحمة، والخريطة الشعرية التي رسمها شبين لجزائر عبر التاريخ، وعن الصوت الخاص الذي يُميّزه عن سابقيه في هذا الجنس الشعري الصعب.

أولاً: الاختيار الشكلي وسياسته

أ - الرهان على الملحمة

لو أحصى المرء ملاحم عربية حقيقية - لا محاكاة لها - فسيجد النص شحيحًا مقلقًا. الملحمة بوصفها جنسًا أدبيًا كانت تاريخيًا مرتبطة بحضارات بعينها: اليونانية مع هوميروس، الفارسية مع الفردوسي. أما في التراث العربي فثمة «شِعر التأريخ» والمديح الملحمي، لكن «الإلياذة» بمعناها المكثّف كانت تُعدّ من الجنس المستعار. ما فعله شبين أنه لم يستعر الجنس بل استأهله، وصبّ فيه مادةً أصيلة هي تاريخ الجزائر وروحها الأمازيغية والعربية الإسلامية في آنٍ واحد.

الاختيار الملحمي نفسه موقفٌ نقدي وحضاري: هو إعلان بأن الجزائر تستحق ملحمتها كما استحقتها الأمم العظيمة. وهذا الإعلان لا يصدر من فراغ؛ فالجزائر التي صمدت على مر التاريخ، وقدّمت في ثورتها التحريرية ما لم تقدّمه أمة حديثة تقريبًا، جديرةٌ بملحمة تُعيد صياغة وجودها في اللغة العربية قيدًا ومنطلقًا.

ب - قافية الهمزة: حين يُصبح الصوتُ رمزًا

لعلّ أول ما يُلفت النظر في «الجزائريادة» هو الإصرار على قافية الهمزة في عشرة آلاف بيت، ولا يتسرعنّ قارئٌ فيظنّ هذا ترفًا أو عبثًا شكليًا؛ فالهمزة في العربية حرفٌ ابتداءٌ، فيه شيء من الشدة والاندفاع - وهي كذلك نقطة البداية في هجاء العربية - وهي حرف المدّ حين تُمدّ، وحرف القطع حين تُوقَف. وفي هذا كله مزيةٌ دلالية تتوافق مع روح الملحمة: كلٌّ يبدأ وكلٌّ ينقطع، والصوت الجزائري يواصل حضوره مدّةً بعد مدة.

ذكّرني هذا الاختيار بالمتنبي وإصراره على قوافي بعينها كأداة موقف وليس مجرد أداة موسيقى. وشبين كذلك - وإن كان يختار طريقًا أطول وأكثر مشقةً - يجعل الهمزة قافيةً كونيةً تمتدّ من أبيات الفجر البشري الأولى في ص 111 حتى رائحة الغناء في ص 456 وما بعدها، في مسار دائري يستعيد معه رُوحَ الهمزيّات الشهيرة: البوصيري ومحمد العيد.

ثانيًا: البنية الزمنية - الديوان ديوانَ جغرافيا الأزمنة

ما يُفاجئ قارئ «»الجزائريادة أولًا هو أن الشاعر يمتلك وعيًا زمنيًا استثنائيًا. فهو لا يبدأ من الفتح الإسلامي أو من الثورة، بل يشقّ طريقه من عمق ما قبل التاريخ، من العصر الحجري القديم والحضارتين الأشولية والعاترية، ثم الحضارة القبصية، فالعهد النوميدي، فالحقبة الرومانية، فأصل البربر، فالفتح الإسلامي، وصولًا إلى دماء الثورة. هذه البنية الزمنية الطولية تجعل الملحمة أقرب إلى «التأريخ الشعري» منها إلى القصيدة ذات الزمن المنكسر.

غير أن الأمر ليس مجرد تأريخ. فشبين يُحوّل كلَّ محطة زمنية إلى رمز حاضر، أي أن الزمن في الجزائريادة لا يسير نحو الماضي هربًا بل يُستدعى إلى الحاضر دليلًا وتعزيةً وتحريضًا. حين يصف إيمدغاسن والعهد النوميدي (ص 138) يجعل التاج النوميدي يُضيء اليوم، وحين يصف ثورة يربّاص (ص 175) يجعلها مرآة التحرر الحديث. هذا ما يُميّز شاعر الملحمة عن المؤرّخ: المؤرخ يُثبّت، والشاعر يُضيء.

الزمن الدائري وليس الخطي

الأدق في قراءة بنية الزمن هنا أنها دائرية وليست خطية. فالديوان يبدأ بالبدايات الكونية، ويعود إليها كلما أراد تأكيد مشروعية الوجود الجزائري. الهمزة التي تُختم بها كل بيت هي نفسها نقطة عودة - كأن الزمن لا يذهب بل يدور، وكأن الجزائر في كل عصر تعود إلى نفس الينبوع الأصيل. والشاعر الواعي يعرف أن من يملك بداية التاريخ لا يخشى نهايته.

ثالثًا: الصورة الشعرية - من التصوير إلى التجذير

أ - الصورة الطبيعية وقيمتها الحضارية

الصورة الشعرية الطبيعية في الجزائريادة ليست زخرفةً وصفية بل هي الوسيلة الأعمق للتجذير الحضاري. حين يقول الشاعر في وصف الحضارات الأولى:

أَدَوَاتٌ تَعْدُو الطَّبِيعَةَ صُنْعًا

وَلَهَا مِنْ رُؤَى السُّوَرَى إِيحَاءُ

فهو لا يصف أداةً حجرية بل يُعلن فلسفةً: الإنسان الجزائري الأول تجاوز الطبيعة بصنيعه، وفي ذلك نبوءةٌ بكل ما سيأتي من تحرر. الصورة الطبيعية هنا ذات أبعاد ثلاثة: الأداة الحجرية (المستوى الأول)، وفعل الخلق والتشكيل (المستوى الثاني)، والرمز الحضاري الدال على مرحلة التجاوز (المستوى الثالث).

وحين يُصوّر الأمازيغ (ص 159) بقوله:

رُحَّلٌ حُفِّظُوا البِحَارَ كِتَابًا

وَالصَّحَارَى هُنَّمُ كِيسًا وَنَوَاءُ

فهنا جمعٌ بديع بين البحر والصحراء - وهما ضدّان في الوجدان العربي - إلا أن شبين يجمعهما في صورة الأمازيغي الذي يُحسن قراءة الاثنين. البحر «كتاب» والصحراء «كيس»: تصوير يُحوّل الجغرافيا إلى ثقافة ويُحوّل الترحال إلى معرفة.

ب - صورة الظلم ومفارقة النور والعتمة

أكثر الصور ثراءً وتشابكًا في الديوان هي تلك المتعلقة بالظلم والاحتلال. يقول الشاعر (ص 150-151):

احْتِلَالٌ يَسَاتِي بِسُودٍ عِجَافٍ

وَبَيَاضٌ يَمْضِي يَبِينُ الشَّقَاءُ

كَيْفَ يَغْدُو الظَّلَامُ فِيهَا خَلَاصًا

لَا يُجَلِّي نُورَ الصَّبَاحِ المَسَاءُ

في هذين البيتين تقابلٌ مزدوج: السُّود عجاف × البياض الزائف، والظلام المزعوم خلاصًا × النور الذي لا تستطيع العتمة إزاحته. وهذا المعنى — أن المحتلّ يبيع الظلام باسم النور — معنى حديث الملمح جدًا، وكأن شبين يستحضر كل تاريخ الاستعمار البشري في بيتين مركّزين. الاقتصاد في الصورة مع اتساع الدلالة: سمةٌ نادرة.

ثم تتطور الصورة فتصبح أكثر تجريدًا ومرارةً:

كُلُّ فِرْعَوْنَ لَا يُرِيدُ بِنَاءَ

إِنَّمَا الهَدْمُ مَا يُرِيدُ البَذاءُ

إسقاط «فرعون» على كل محتل - دون أن يُسمّيه - هو أسلوب النص المفتوح: الصورة تتجاوز التاريخي لتصبح كونية. وهذا من سمات الشعر الملحمي الناضج، حيث التاريخ خاص والرؤية عامة.

جـ - الصورة المدينية ووجدان المكان

الجزائريادة ملحمة مدنٍ أيضًا. والمدينة في الشعر العربي الكلاسيكي عادةً ما تكون خلفيةً لا بطلًا، أما شبين فيجعلها بطلًا حاضرًا. انظر إلى تصوير تلمسان وفاس (ص 348):

فَسَلَامُ الرُّبَى تَلِمْسَانُ أَنْدَى

أَدَبًا، مِنْكِ تُنْعِشُ الأَنْدَاءُ

بَيْنَ فَاسٍ وَأَرْضِ بَاهِيَةِ الغَرْ

بِ دِمَاءٌ زَكَّتْ فَطَابَ انْتِماءُ

الندى الذي يصف ربى تلمسان يحمل ظلالًا مزدوجة: ندى الطبيعة وندى الأدب. والأدب هنا ليس أدبَ الكتب، بل أدبُ الروح، ما تتميّز به تلمسان من رسوخ حضاري. والجمع بين فاس وتلمسان في صورة الدماء التي «زكّت» هو توحيد شعري للمغرب العربي في وجدان واحد - وهو موقف سياسي وحضاري يتبناه الشاعر عبر الصورة لا عبر الخطاب.

وتبلغ الصورة المدينية ذروتها في وادي الهواء (ص 324):

عِنْدَ وَادِيكَ قَدْ خَلَعْتُ نِعَالِي

جَذْوَةٌ مِنْكَ مَوْطِنِي تُسْتَضَاءُ

خلع النعال أمام الوادي فعلٌ في الفضاء الديني (موسى وسيناء)، لكنه هنا يتحول إلى فعل وطني: الأرض الجزائرية مقدسة بالدم والذاكرة، تستوجب خلع النعال تعظيمًا. وهذا التحويل الدلالي من المقدس الديني إلى المقدس الوطني دون إسقاط أيٍّ منهما - هو من أرقى ما يُقدّمه شبين على مستوى التخييل.

رابعًا: الإيقاع والبناء الصوتي - عندما تُصبح الموسيقى خطابًا

أ - التمديد الإيقاعي وظاهرة الشطرة الطويلة

من أبرز ما تلفت إليه القراءة المتأنية للجزائريادة أن الشاعر كثيرًا ما يلجأ إلى ظاهرة التمديد الإيقاعي: يمدّ الشطرة حتى تكاد تنكسر وزنيًا، ثم تعود إلى مسارها. هذا التمديد ليس خللًا بل استراتيجية؛ ففي المقاطع التي يصف فيها الظلم والاحتلال تجد الشطرات أطول وأكثر ثِقَلًا، كأن اللغة نفسها تتثاقل تحت عبء ما تقوله:

يَدُّ بِبِيزَنْطِيَّةٍ أَمَا أَغْلَظَتْ طُوَلا

وَعَرَّضَا وَاسْتَنْزَفَتِ الفُقَرَاءُ؟

هذا البيت حافل بالأفعال المتراصة (أَغْلَظَتْ، اسْتَنْزَفَتْ) وهو تكثيف إيقاعي يُعبّر عن ضغط الاستبداد وتراكمه. لا يحتاج الشاعر أن يقول «كان الظلم فادحًا»؛ هو يُحسسك به بتراص الأفعال وثقلها الصوتي.

ب - ظاهرة التكرار الدلالي

التكرار في «الجزائريادة» ليس تكرار الكسل بل تكرار الإلحاح. والفرق بينهما أن الأول لا يُضيف والثاني يُضاعف. حين يُكرر شبين صيغ الإضافة والتوليد (فَشُرُوقُ الأَعْيَادِ... وَقِيَامٌ مِنْ رَقْدَةٍ... فَاجْتِلَاءُ) في سياق الأمازيغ والوطن، فهو يبني هرمًا من الأفعال يُمثّل مسار التاريخ الجزائري: ظلام - صحو - مولود - احتواء. كأن الجملة الشعرية تُعيد إنتاج منطق التاريخ نفسه.

جـ - الاستفهام الخطابي وتحميله

من الأدوات الإيقاعية الأكثر حضورًا في الديوان الاستفهامُ الخطابي. وهو استفهامٌ لا يطلب إجابة بل يُوقّع موقفًا. انظر إلى:

طولا وَعَرَّضَا وَاسْتَنْزَفَتِ الفُقَرَاءُ؟

كَيْفَ رُومَا تَدْعُو إِلَى قِيَمٍ وَالـ

ـشَمْسُ لَا تَدْعُو مَا ادَّعَى الإِيذَاءُ؟

هذا الاستفهام عن موقف روما من القيم هو في الحقيقة طعنٌ مزدوج: في منطق الاستعمار، وفي دعواه حمل الحضارة. ولم يقل شبين «روما كانت كاذبة» - وهي جملة خبرية مسطّحة - بل قال ذلك في صورة استفهام يدعو المتلقي إلى أن يصل هو بنفسه إلى الحكم. وهذه من أرقى وظائف الاستفهام البلاغي.

خامسًا: المعجم الشعري - بين الأصالة والتركيب

أ - المعجم الجيولوجي والتاريخي

ما يُلفت في معجم «الجزائريادة» أنه معجمٌ متعدد المصادر لكنه متماسك الروح. فثمة معجم جيولوجي طبيعي (حجر الصوّان، الأشولي، العاتري، القبصي)، ومعجم تاريخي حضاري (النوميد، إمذغسن، ماسينيسا، روما، البيزنطيون)، ومعجم جغرافي مدني (تلمسان، وهران، فاس، وادي الهواء، سيرتا)، ومعجم ثوري وطني (الثوار، الفداء، التحرر، الشهداء).

هذا التعدد المعجمي ليس ترفًا موسوعيًا، بل هو سياسة شعرية: شبين يريد أن يقول إن الهوية الجزائرية كلٌّ لا يتجزأ، وأن الانتماء للأرض الجيولوجية لا ينفصل عن الانتماء للتاريخ الحضاري وللوجدان الثوري.

ب - توظيف الكلمة

من سمات الشاعر الملحمي الكبير أنه يُلقي بنفسه في منطقة المخاطرة اللغوية، أي يُوظّف الكلمة في غير مقامها المتوقع، أو يُركّب كلمات جديدة من عناصر قديمة. وشبين يفعل هذا حين يقول:

يَا اعتِزَازًا بِهِ الجَزَائِرُ تَسْمُو

«اعتزاز» - وهي على وزن «افتعال» من العزّ (النفاسة والإفخار) - كلمة يُعيد الشاعر توظيفها لتحمل معنى الاعتزاز والانتشاء والافتخار دفعةً واحدة. هذا التوليد يُنمّي الطاقة الدلالية للكلمة ويجعلها أكثر استيعابًا لروح الجملة.

سادسًا: الأنا الشاعرة - بين الفردي والجماعي

من المفارقات الجميلة في الجزائريادة أن الشاعر يحضر فيها بصوت جماعي في معظم الأحيان، لكنه حين يحتاج إلى اللحظة الشخصية ينزلها في مكانها تمامًا دون توتر. انظر إلى هذه الأبيات التي يتكلم فيها بضمير المتكلم المباشر (ص 354):

أَلْفُ حَرْفٍ مِنْكِ انْتَشَى إِيمَاءُ

عَبَّرَتِي بِالَّذِي اخْتَشَى هَيَّماءُ

بِاسْمِ وَادِيكِ يَا مَوَارِدَ فَخْرِي

وَحِمَى مَهْدِ لَوْحُهُ الإِيحَاءُ

أَنَا مِنْ أَصْلِ ذِي المَكَارِمِ تَاجًا

فَرْعُ مَنْ عَرَّجَتْ بِهِمْ شَمَّاءُ

الأنا هنا ليست أنا الغرور الشخصي، بل أنا الانتماء: أنا مِن هذا الأصل، أنا فرعٌ في شجرة هذه الشماء. وهذا التقديم الذاتي عبر الشجرة الحضارية هو تعريف هوية لا تعريف سيرة. الشاعر لا يُعرّف بنفسه اسمًا ومكانًا بل يُعرّفها انتماءً وجذرًا - وهو الأسلوب اللائق بصوت ملحمي يتكلم نيابةً عن أمة.

سابعًا: شبين في ميزان الموروث الملحمي

لا مناص من المقارنة حين ندرس الجزائريادة في سياق الشعر الملحمي العربي. فالبوصيري صاحب الهمزية الشهيرة اختار المديح النبوي موضوعًا ومحبة سيد الكائنات المصطفى صلى الله عليه وسلم مِحوَرًا، ومحمد العيد آل خليفة - شاعر الجزائر الأكبر - اختار الثورة والهوية الجزائرية لحظةً مضيئة. أما شبين فيجمع هذين الخيطين ويُضيف إليهما خيطًا ثالثًا: التاريخ الحضاري الطولي من أعماق ما قبل الميلاد حتى اليوم.

وإذا كانت الهمزية البوصيرية تُوحّد المسلمين عبر المديح، وكانت قصائد العيد تُوحّد الجزائريين عبر الثورة، فإن الجزائريادة تُوحّد الجزائريين عبر الذاكرة الحضارية الكاملة - وهي وحدة أعمق لأنها لا تستند إلى لحظة واحدة بل إلى مسار متكامل.

غير أن ثمة تحديًا يواجه القارئ في بعض مقاطع الجزائريادة: الكثافة المعجمية التاريخية قد تجعل بعض الأبيات أقرب إلى «شعر الموسوعة» منها إلى «شعر التجربة»، أي أن الشاعر حين يُدرج اسمًا تاريخيًا أو موقعًا جغرافيًا قد ينقل القارئ من الفضاء الشعري إلى الفضاء المعلوماتي للحظة. وهذا توتر داخلي في بنية أي ملحمة تاريخية، وشبين يُحسن التعامل معه في الغالب، لكنه يقع فيه أحيانًا كسائر شعراء الملاحم.

ثامنًا: الدلالة السياسية والرسالة الحضارية

الجزائريادة ليست شعرًا سياسيًا بالمعنى الضيق، لكنها مشحونة بالدلالة الحضارية التي تُقدّم رؤيةً واضحة لسؤال: من هم الجزائريون؟ ومن أين جاءوا؟ وما الذي يجمعهم؟

الإجابة التي يُقدّمها شبين من خلال ملحمته: الجزائريون هم خلاصة حضارات متعددة - الأمازيغية في جذورها، والإسلامية في روحها، والعربية في لسانها، والثورية في إرادتها. وهو لا يرى في هذه المكونات تناقضًا بل تضافرًا: الأمازيغية لا تنفي الإسلام والعروبة، والثورة لا تلغي التاريخ القديم.

هذه الرؤية التوفيقية الجامعة - التي يُقدّمها الشاعر شعرًا لا خطابةً - هي الرسالة الحضارية الأهم في الجزائريادة. وفي زمنٍ تُستغلّ فيه الهويات لتفريق الأمم بدل توحيدها، تأتي الجزائريادة لتُؤكّد أن الانتماءات يمكن أن تتعانق في ملحمة واحدة دون أن يُلغي أيٌّ منها الآخر.

تاسعًا: أبيات مختارة تحت المجهر

البيت الأول: الصنعة والوجود

أَدَوَاتٌ تَعْدُو الطَّبِيعَةَ صُنْعًا

وَلَهَا مِنْ رُؤَى الوَرَى إِيحَاءُ

«تَعْدُو الطبيعةَ»: الفعل «عدا» بمعنى تجاوز وتخطّى - والمتعدي هنا هو الصنعة البشرية التي تتجاوز حدود ما أعطته الطبيعة. وفي «رُؤَى الورى» (خبرات البشر) إيحاءٌ بأن لهذه الأدوات الحجرية مرتبةً في سلّم المعنى، ليست أدوات بدائية بل بذور الحضارة.

البيت الثاني: البحر والصحراء

رُحَّلٌ حُفِّظُوا البِحَارَ كِتَابًا

وَالصَّحَارَى لهم كِسًا وَثوَاءُ

الصورة ذكية ومكثفة: البحر «كتاب» (الحفظ والمعرفة)، والصحراء «كساء» (يلبسون التحديات والصعاب). والرحّال الذي يحفظ الاثنين إنسانٌ يجمع العقل والعمل، المعرفة والبقاء. «ثواء» — وهي المأوى - تُتمّم الصورة الرائعة للصحراء. بيتٌ واحد يرسم حضارة.

الشهداء والغناء

شُهَدَاءُ الخُلُودِ فِيكِ بِلَادِي

عَلَّمُونَا كَيْفَ الفِدَاءُ يَكُونُ

فَمَضَيْنَا صَحْواً هَوَاكِ نُغَنِّي

هذه الأبيات الثلاثة - رغم أن قافيتها بالواو لا الهمزة – هي الثيمة التي تتكرر بطول الملحمة - تكشف عن بُعد الأداء الصوتي: «صَحْواً هواكَ نُغنّي». الغناء بحب الجزائر العظيمة وهو موقف الشعوب التي لا تُكسَر. ولعلّ في هذه الأبيات أقوى تجلٍّ للروح الجزائرية في الديوان.

عاشرا: نموذج للرؤية الحضارية وسنن التحول التاريخي في الجزائريادة:

كُـلُّ مَـا فِي الوَرَى لَـهُ إِنْشَـاءُ

فِي وُجُـودٍ بِظِلِّـهِ مَـا تَشَـاءُ

سُنَـنُ الكَـوْنِ فِي تَغِيُّـرِ حِيـنٍ

وَاتِنّقَـالٌ بِمَـا ابْتَغَـاهُ البِنَـاءُ

بَعْـدَ أَحْجَـارٍ سَطَّرَتْ لِابْـنِ طِيـنٍ

 عُمْـرَهُ صَـارَ لِلنُحَـاسِ الوَلَـاءُ

أَفَلِلْمِحْـرَاثِ الَّـذِي مِثْـلَ سَيْـفٍ

حِيـنَ يُسْتَـوْفَى فِي الرَّغَـامِ المَضَـاءُ؟

لِلْحُسَّـامِ البُرُونزيٌّ صِفَـاتٌ

إِذْ بِـهِ كَـانَ فِي السَّبَلَـاءِ احْتِذَـاءُ

يَا سَمِينِيَّ فِي سَمَائِـكَ حُمْـرٌ

بِفِلِزَّاتِـهِ لَـهُ اسْتِـقْوَاءُ

تمثل هذه الأبيات نموذجًا للشعر التأملي ذي النزعة الحضارية، حيث تتجاوز حدود الوصف المباشر إلى استحضار حركة التاريخ الإنساني في سياق فلسفي يستند إلى فكرة سنن الكون والتطور الحضاري. فالشاعر لا يكتفي بتصوير مظاهر الحياة، بل يسعى إلى تأمل قوانين الوجود التي تحكم حركة الإنسان عبر العصور، من مرحلة البدائية الحجرية إلى مراحل التقدم المعدني، مع إبراز التوتر الدائم بين البناء والهدم، وبين الزراعة والحرب، وبين الحضارة والقوة.

ومن هنا تتبدى الأبيات بوصفها خطابًا فكريًا يعكس وعيًا تاريخيًا بحركة الإنسان في الزمان، ويؤسس لرؤية حضارية ترى أن التغير سنة كونية لا تنفصل عن إرادة الخالق، وأن أدوات الحضارة ليست محايدة، بل قد تتحول من وسائل إعمار إلى أدوات صراع.

أولًا: سنن الكون وفلسفة التغير في الرؤية الشعرية

يستهل شبين بتقرير مبدأ كوني عام، يتمثل في أن كل ما في الوجود قائم على الإنشاء والتكوين، وأن الوجود محكوم بإرادة عليا تتصرف فيه وفق سنن ثابتة. ويظهر ذلك في قوله:

 كُلُّ مَا فِي الوَرَى لَهُ إِنْشَاءُ

فِي وُجُودٍ بِظِلِّهِ مَا تَشَاءُ

شبين هنا يقرر حقيقة وجودية ذات بعد عقدي، مفادها أن الموجودات كلها حادثة مخلوقة، وأنها تتحرك في إطار نظام كوني محكم. وهذه النظرة تعكس وعيًا دينيًا وفلسفيًا يربط بين التغير الكوني وبين المشيئة الإلهية، في انسجام مع التصور الإسلامي الذي يرى الكون قائمًا على نظام السنن.

ثم يواصل شبين تأكيد هذه الفكرة من خلال إبراز التغير بوصفه قانونًا حتميًا في حركة الحياة، إذ يقول:

 سُنَنُ الكَوْنِ فِي تَغَيُّرِ حِينٍ

وَانْتِقَالٌ بِمَا ابْتَغَاهُ البِنَاءُ

وهنا تتجلى الرؤية التاريخية في النص؛ فالتغير ليس طارئًا أو عشوائيًا، بل هو انتقال من حال إلى حال وفق غاية محددة، وهو ما يجعل البناء الحضاري نتيجة طبيعية لحركة الزمن. وبذلك يربط الشاعر بين الزمن والحضارة، وبين التغير والتقدم، في إطار رؤية سننية تؤكد أن التطور جزء من نظام الكون.

ثانيًا: التحول الحضاري من العصر الحجري إلى العصر المعدني

تنتقل الأبيات بعد ذلك إلى تصوير مرحلة مفصلية في تاريخ الإنسان، هي مرحلة الانتقال من استخدام الحجر إلى استخدام المعادن، وهو تحول يمثل بداية التقدم التقني في الحضارة الإنسانية. ويتجسد ذلك في قوله:

 بَعْدَ أَحْجَارٍ سَطَّرَتْ لِابْنِ طِينٍ

عُمْرَهُ صَارَ لِلنُّحَاسِ الوَلَاءُ

ويلاحظ أن الشاعر استخدم تعبير "ابن طين" للدلالة على الإنسان، وهو تعبير ذو دلالة دينية وإنسانية، يستحضر أصل الإنسان من الطين، ويؤكد ارتباطه بالأرض والعمل. كما أن إسناد الفعل إلى الأحجار في قوله "سطّرت" يمثل استعارة بليغة، حيث جعل الأدوات الحجرية كأنها تكتب تاريخ الإنسان.

أما انتقال الولاء إلى النحاس، فهو رمز للتحول الحضاري من البدائية إلى التقنية، ومن الطبيعة الخام إلى الصناعة، وهو تحول يعكس بداية نشوء الحضارات المنظمة.

 ثالثًا: جدلية البناء والصراع في رمزية المحراث والسيف

من أبرز مظاهر العمق الفكري في هذه الأبيات تصوير العلاقة المتوترة بين أدوات البناء وأدوات الحرب، وهي علاقة تعكس طبيعة الإنسان المركبة، حيث يجمع بين النزوع إلى الإعمار والنزوع إلى الصراع. ويتجلى ذلك في قوله:

 أَفَلِلْمِحْرَاثِ الَّذِي مِثْلَ سَيْفٍ

حِينَ يُسْتَوْفَى فِي الرَّغَامِ المَضَاءُ؟

فالاستفهام هنا يحمل طابعًا تأمليًا، إذ يطرح الشاعر سؤالًا ضمنيًا عن مصير الأدوات الحضارية: هل تبقى وسيلة للزراعة والبناء، أم تتحول إلى وسيلة للقتال؟ ويعكس هذا التصوير رؤية نقدية للحضارة، مفادها أن التقدم التقني لا يضمن السلام، بل قد يزيد من قدرة الإنسان على الصراع.

ويعزز شبين هذه الفكرة بقوله

 لِلْحُسَامِ البُرُونْزِيِّ صِفَاتٌ

إِذْ بِهِ كَانَ فِي السَّبَلَاءِ احْتِذَاءُ

فالحسام البرونزي هنا يمثل ذروة التطور العسكري في مرحلة معينة من التاريخ، حيث أصبح السلاح معيارًا للقوة والنفوذ. كما أن الاقتداء بالسيف في الطرق والمسالك يشير إلى أن القوة العسكرية أصبحت وسيلة لفرض الهيمنة، وهو ما يعكس تحول الحضارة من البناء إلى الصراع.

رابعًا: رمزية المعادن والقوة في بناء الحضارة

يشير شبين إلى دور المعادن في تشكيل موازين القوة في العالم، حيث أصبحت السيطرة على الموارد المعدنية أساسًا للتفوق الحضاري. ويتجلى ذلك في قوله:

 يَا سَمِينِيَّ فِي سَمَائِكَ حُمْرٌ

بِفِلِزَّاتِهِ لَهُ اسْتِقْوَاءُ

فالفلزات هنا رمز للقوة المادية التي تقوم عليها الحضارات الحديثة، وهي تشير إلى أن امتلاك الموارد الطبيعية يمنح الأمم قدرة على التفوق والسيطرة. كما أن استخدام اللون الأحمر يوحي بدلالات متعددة، منها القوة والطاقة وربما الدم، مما يضفي على الصورة بعدًا دراميًا يعكس طبيعة الصراع الحضاري.

تكشف هذه الأبيات عن رؤية شعرية عميقة للشاعر الكبير عبد العزيز شبين تستند إلى وعي تاريخي وفلسفي بحركة الإنسان في الكون، حيث تتداخل فيها مفاهيم الخلق والتغير والتطور الحضاري. وقد نجح شبين في توظيف الرمز التاريخي والأداة الحضارية لتصوير مسيرة الإنسان من البدائية إلى التقدم، مع إبراز التوتر الدائم بين البناء والهدم، وبين الزراعة والحرب.

وتؤكد هذه الرؤية أن الحضارة ليست مجرد تراكم تقني، إنما هي اختبار أخلاقي مستمر، وأن أدوات القوة قد تتحول من وسائل إعمار إلى أدوات صراع إذا فقد الإنسان البعد القيمي الذي يوجه حركته في التاريخ. ومن ثم فإن هذا النص الملحمي يمثل نموذجًا للشعر الفكري الذي يجمع بين العمق الفلسفي والتصوير الفني، ويعكس إدراكًا واعيًا لسنن الكون وتحولات الحضارة الإنسانية.

خاتمة: الجزائريادة - صوتٌ لم يُنهِه الكتاب

عندما يُغلق المرء آخر صفحة من الجزائريادة ويُودّع آخر قافية من قوافي الهمزة، يشعر بأنه لم يقرأ كتابًا بل عاش رحلةً. رحلةٌ في الزمن الجزائري الطويل، من حجر الصوّان الأول حتى أغنية الشهداء، من تامزغا إلى وادي الهواء، من وهران إلى تلمسان وفاس.

عبد العزيز شبين لا يُقدّم لنا تاريخًا منسوخًا أو حوليات مُلحَّنة. يُقدّم وعيًا شعريًا متماسكًا يرى الجزائر كائنًا حيًا يتنفس عبر الأجيال، وكلّ جيل هو لحظة تنفس في هذا الكائن الكبير. وما تفعله الهمزة في نهاية كل بيت هو أكثر من مجرد قافية: هي همزة الوصل بين الأمس واليوم، بين الجذر والثمرة، بين الدم والمعنى.

وفي ميزان الشعر العربي، «الجزائريادة» إضافةٌ حقيقية إلى رصيد الملحمة العربية الحديثة، ليس لأنها الأطول بل لأنها الأعمق في نيّتها والأرحب في رؤيتها. فالطول وحده لا يصنع ملحمة - الرؤية هي التي تصنعها - ورؤية شبين واضحة: الجزائر أمةٌ تُلخّص التاريخ الإنساني في أرض واحدة، وكان لزامًا أن تُلخّصه في ملحمة واحدة.

ولعلّ خير ختامٍ لهذه القراءة السريعة أن نُشير إلى أن مثل هذا العمل يستحق دراسات متعددة متخصصة: دراسة في أثره التاريخي، ودراسة في شبكته المعجمية، ودراسة في موسيقاه وتحليل قافيته وشواهدها على المستوى الصوتي الدقيق. ما قدّمناه هنا قراءةٌ أولى تُضيء المسالك الكبرى في نصٍّ كبير - وللكبير حقّه وإن طال المشوار.

***

بقلم الدكتور محمود حلمي القاعود

ناقد ومؤرخ وأديب مصري

في 26 إبريل 2026م

 

دراسة بلاغية تحليلية

مقدمة: يُعدّ شعر ابن الرومي أحد أكثر النماذج ثراءً في الشعر العباسي من حيث البنية الدلالية واللغوية، إذ يتكئ على شبكة معقّدة من الانزياحات التي تتجاوز الاستعمال المألوف للغة إلى أفق إيحائي عميق. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الدراسة مفهوم الانزياح الاستدلالي والسياقي في شعره، عبر مقاربة بلاغية تحليلية تستند إلى مناهج نقدية عربية وغربية، مثل مفاهيم البلاغة العربية والأسلوبية، مع استثمار أدوات التحليل الدلالي والسيميائي.

أولًا: الإطار المفاهيمي للانزياح

يُعرَّف الانزياح (Deviation) في الدراسات الأسلوبية الحديثة بوصفه خروجًا مقصودًا عن النسق اللغوي المعياري، بهدف توليد دلالة جديدة أو تكثيف الأثر الجمالي. وقد توسّع النقاد الغربيون، مثل رومان ياكوبسون، في ربط الانزياح بوظيفة الشعر، حيث تصبح اللغة غاية في ذاتها لا مجرد وسيلة.

أما في التراث العربي، فقد تجلّى هذا المفهوم ضمنيًا في مباحث المجاز والاستعارة والعدول، كما عند عبد القاهر الجرجاني في نظريته حول النظم، التي تؤكد أن المعنى لا ينفصل عن طريقة تركيبه.

ثانيًا: الانزياح الاستدلالي في شعر ابن الرومي

يتجلّى الانزياح الاستدلالي عند ابن الرومي في قدرته على نقل الألفاظ من معانيها المباشرة إلى دلالات إيحائية مركّبة، غالبًا ما تعكس حالته النفسية القلقة.

1. توسيع الدلالة عبر الاستعارة المركّبة

في قوله:

كأنّ قلبي من الأحزان في لُجَجٍ

يغشاه موجٌ من الذكرى ويغتربُ

نلحظ انزياحًا دلاليًا يتمثل في تحويل "الحزن" إلى فضاء مائي متلاطم، حيث تتداخل التجربة النفسية مع صورة حسية، مما يخلق شبكة من الإيحاءات تتجاوز المعنى المباشر.

2. المفارقة الدلالية (Paradox)

يكثر ابن الرومي من بناء علاقات تضاد داخلية، كالجمع بين الحياة والموت في سياق واحد، مما يخلق توترًا دلاليًا:

أحيا وأمضي كالميت الذي انتبهت

عيناه، لكنّ روحَ العيش لم تعدِ

هذا الانزياح يعبّر عن اغتراب وجودي، وهو ما يتقاطع مع قراءات حديثة في النقد النفسي.

ثالثًا: الانزياح السياقي وتحولات الخطاب

يتجلى الانزياح السياقي في قدرة الشاعر على تغيير دلالة اللفظ وفق السياق، أو خلق سياقات غير متوقعة.

1. التهكّم والسخرية السوداء

اشتهر ابن الرومي بسخريته اللاذعة، حيث يُنزاح بالسياق من المدح إلى الهجاء ضمنيًا:

يُريكَ وجهًا كأنّ البدر طلعته

لكنّه في الخفا ليلٌ بلا قمرِ

هنا يتحوّل السياق من الإشادة إلى الإدانة، عبر مفارقة خفية.

2. الانزياح عبر التناص

يستدعي الشاعر أحيانًا معاني قرآنية أو تراثية، ثم يعيد توظيفها في سياق جديد، مما يخلق طبقات دلالية متعددة، وهو ما تدرسه المناهج الحديثة ضمن التناص (Intertextuality).

رابعًا: البعد النفسي والسيميائي للانزياح

يرتبط الانزياح في شعر ابن الرومي ببنيته النفسية القلقة؛ فقد عُرف بتشاؤمه وقلقه الوجودي، ما انعكس في كثافة الصور المنحرفة عن المألوف. ويمكن قراءة ذلك في ضوء السيميائيات، حيث تتحول العلامة اللغوية إلى حامل لرموز نفسية عميقة.

كما أن هذا الانزياح يحقق ما يسميه ياكوبسون بـ"الوظيفة الشعرية"، حيث يتم التركيز على الرسالة ذاتها، لا على مرجعها الخارجي فقط.

خامسًا: تنويع النماذج الشعرية

لا يقتصر الانزياح عند ابن الرومي على غرض شعري واحد، بل يتنوع:

في الرثاء: يتحول الموت إلى حضور حيّ عبر الذاكرة.

في الهجاء: تتخذ اللغة طابعًا تشريحيًا يكشف العيوب بدقة تصويرية.

في الوصف: تتحول الأشياء اليومية إلى عوالم رمزية (كالأطعمة أو الملامح الجسدية).

خاتمة

تكشف دراسة الانزياح الاستدلالي والسياقي في شعر ابن الرومي عن شاعر يمتلك حسًا لغويًا فائقًا، وقدرة على إعادة تشكيل المعنى عبر أدوات بلاغية معقدة. فليس الانزياح عنده مجرد زخرف أسلوبي، بل هو جوهر التجربة الشعرية، ووسيلة لتجسيد قلقه الوجودي ورؤيته للعالم.

وتؤكد هذه الدراسة أن شعره يظل مجالًا خصبًا للتقاطع بين التراث البلاغي العربي والمناهج النقدية الحديثة، مما يجعله نصًا مفتوحًا على قراءات لا تنضب.

***

بقلمي: ربا رباعي- الاردن

..........................

مراجع مقترحة (عربية وأجنبية)

عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز.

رومان ياكوبسون، Linguistics and Poetics.

صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته.

محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية.

كتب النقد العباسي وتحقيقات ديوان ابن الرومي.

 

ليست لفظة "ران" في العربية مجرّد فعلٍ دالٍّ على الغلبة أو التغطية، بل هي بنيةٌ دلالية كثيفة، تتقاطع فيها مستويات اللغة: من الاشتقاق الصرفي، إلى التحليل النحوي، إلى الامتداد البلاغي والعقدي في النص القرآني. وهي بهذا الاعتبار مثالٌ بليغٌ على كيفيّة تحوّل اللفظة من معنى حسّيٍّ أولي إلى مفهومٍ أخلاقيٍّ مركّب يلامس بنية الوعي الإنساني.

أولاً: في الجذر والاشتقاق من الحسّي إلى المعنوي

ينتمي الفعل ران إلى الجذر (ر ي ن)، وهو جذرٌ يفيد في أصل وضعه الغلبة والتراكم والتغطية. تقول العرب: ران الشيءُ على الشيء، إذا علاه حتى ستره. ومنه الرَّيْن: وهو الصدأ الذي يعلو الحديد، أو الغشاء الذي يطمس الصفاء.

وهذا الأصل الحسّي (الصدأ، التراكم، الغشاء) هو الذي مهّد لانتقال اللفظة إلى مجالٍ معنويٍّ أعمق، حيث صار "الرَّيْن" استعارةً عن تراكم الذنوب على القلب حتى تحجبه عن الإدراك السليم.

ثانياً: في الاستعمال القرآني، التحوّل من الفعل إلى البنية الأخلاقية.

تبلغ الكلمة ذروة كثافتها الدلالية في قوله تعالى:

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: 14)

في هذا السياق، لا يُفهم "الرَّيْن" بوصفه حدثاً مفرداً، بل بوصفه عملية تراكمية:

"ما كانوا يكسبون" يدلّ على الاستمرار والتكرار.

"ران" تفيد النتيجة النهائية لهذا التراكم: غشاءٌ كثيف يعزل القلب.

فالآية تؤسس لمفهومٍ ديناميكيّ:

الذنب ليس واقعةً عابرة، بل فعلٌ يتراكم حتى يُنتج بنيةً مغلقة للوعي.

ثالثاً: البصريون تحليل صرفي ودلالي مضبوط

ينظر النحاة البصريون وفي طليعتهم أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد إلى "ران" بوصفه فعلاً ماضياً ثلاثيّاً، يخضع لقواعد الفعل العربي من حيث التصريف والدلالة.

فهو عندهم:

فعلٌ لازم في أصله، يتعدّى بـ"على".

يدلّ على تحقّق الفعل واكتماله (باعتبار صيغته الماضية).

يحمل معنىً مجازياً منقولاً من الحسّ إلى المعنى.

ولا يخرج تحليلهم عن إطار التقعيد:

فهم يركّزون على البنية (فعل زائد جار ومجرور)،

ويرون أن الدلالة تُستمدّ من السياق لا من تغيير في طبيعة الكلمة.

رابعاً: الكوفيون توسيع أفق الدلالة

أما الكوفيون ومنهم أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني، المعروف بـ "ثعلب" (200 هـ - 291 هـ / 816 - 904 م).

وهو إمام الكوفيين في النحو واللغة، وأحد أبرز علماء العربية في القرن الثالث الهجري، وثالث ثلاثة قامت على أعمالهم مدرسة الكوفة النحوية.  فيميلون إلى قراءةٍ أوسع، لا تقف عند حدود التحليل الصرفي، بل تتجاوزه إلى الوظيفة الدلالية العميقة.

فهم لا ينكرون فعلية "ران"، لكنهم يُعطون الأولوية لما تؤدّيه في السياق:

يرون أن الفعل هنا يكاد يتحوّل إلى وصفٍ ثابت (حالٌ مستمرّة للقلب).

ويُبرزون البعد التراكمي بوصفه حالةً وجودية لا مجرد حدثٍ نحوي.

وبهذا يقتربون من فقه اللغة، حيث لا تُدرس الكلمة بمعزل عن أثرها في النفس والمعنى.

خامساً: فقهاء اللغة من الرين إلى الطبع

يتوسّع فقهاء اللغة والمفسّرون في تحليل "الرَّيْن"، فيضعونه ضمن سلّمٍ دلاليٍّ دقيق يصف حالات القلب:

الغَيْن: غشاوة خفيفة تعتري القلب.

الرَّيْن: تراكم الذنوب حتى يصير غطاءً كثيفاً.

الطَّبْع: ختمٌ نهائي يمنع النفاذ.

الخَتْم: إغلاق محكم لا يُفتح.

وهذا التدرّج يكشف أن "الرَّيْن" مرحلة وسطى:

هو نقطة التحوّل من قابلية الإصلاح إلى خطر الانغلاق.

سادساً: البنية البلاغية، اقتصاد اللفظ ووفرة المعنى

تتجلّى عبقرية العربية في هذه اللفظة من خلال:

١- الإيجاز: فعل واحد يحمل منظومة دلالية كاملة.

٢- لاستعارة: نقل مفهوم الصدأ المادي إلى فساد معنوي.

٣- التكثيف: الجمع بين الزمن (الماضي) والاستمرار (كانوا يكسبون).

فاللغة هنا لا تصف فحسب، بل تكشف آلية الانحراف.

سابعاً: في الأفق الفلسفي اللغة كتشخيص للوعي

إذا تجاوزنا حدود النحو، نجد أن "ران" تقدّم تصوراً فلسفياً عميقاً:

الوعي ليس معطًى ثابتاً، بل بنية تتشكّل بالفعل.

التكرار يُنتج طبيعة، لا مجرد عادة.

الانحراف يبدأ خفيفاً، ثم يتراكم حتى يُصبح معياراً.

وهكذا تتحوّل الكلمة إلى مفهومٍ أنطولوجيّ:

إنها تصف كيف يفقد الإنسان قدرته على رؤية الحقيقة، لا لأنه يجهلها، بل لأنه لم يعد قادراً على إدراكها.

خلاصة:

"ران" ليست مجرد فعلٍ ماضٍ في ميزان الصرف،

ولا مثالًا نحوياً يُستشهد به في باب التعدية،

بل هي:

عند البصريين: فعلٌ مضبوط البنية والدلالة،

وعند الكوفيين: حالةٌ دلالية تتجاوز حدود الفعل،

وعند فقهاء اللغة: مرحلةٌ في تدرّج انغلاق القلب،

وفي القرآن الكريم: قانونٌ أخلاقيّ يربط الفعل بنتيجته الوجودية.

إنها كلمةٌ تُثبت أن العربية لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تكشف مصائره.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تحولات المعنى في شعر بدر شاكر السياب.. مقاربة تأويلية في بنية الصورة الشعرية

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف البنية العميقة للصورة الشعرية في تجربة بدر شاكر السياب، من خلال تحليل آليات اشتغال الرمز والأسطورة داخل القصيدة الحديثة، بوصفهما ركيزتين أساسيتين في إنتاج الدلالة وتشكيل الرؤية الشعرية. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التحول الذي شهده الشعر العربي الحديث لم يكن مجرد تحول شكلي في الإيقاع أو البناء، بل هو تحول في أنماط التفكير الشعري ذاته، حيث أصبحت الصورة الشعرية مركز الثقل في العملية الإبداعية.

وقد أبرزت الدراسة أن السياب استطاع أن ينقل القصيدة من مستوى التعبير المباشر إلى أفق رمزي كثيف، تتداخل فيه التجربة الذاتية مع الموروث الأسطوري والرمزي، مما أتاح للقصيدة أن تنفتح على أبعاد إنسانية شاملة. فالأسطورة لم تعد مجرد استدعاء تراثي، بل تحولت إلى بنية دلالية حية، يعاد تشكيلها داخل النص وفق مقتضيات التجربة المعاصرة.

كما كشفت الدراسة أن توظيف الأسطورة عند السياب يرتبط بسياقين متداخلين: سياق سياسي، يتمثل في الرغبة في التعبير غير المباشر عن الواقع القمعي؛ وسياق وجودي، يعكس أزمة الذات الشاعرة في عالم فقد توازنه القيمي. ومن خلال هذا التداخل، تتحول الأسطورة إلى أداة مزدوجة الوظيفة: تخفي المعنى وتكثفه في الآن ذاته.

وقد انتهت الدراسة إلى أن الصورة الشعرية عند السياب ليست مجرد عنصر جمالي، بل هي بنية معرفية ورمزية، تتقاطع فيها مستويات متعددة من الدلالة (الأسطوري، الديني، الواقعي، النفسي)، مما يجعل القصيدة فضاءً تأويليًا مفتوحًا، يعيد إنتاج المعنى باستمرار.

إشكالية الدراسة:

تنبثق إشكالية هذه الدراسة من محاولة فهم التحول الجذري الذي عرفته بنية القصيدة العربية الحديثة، خاصة في تجربة بدر شاكر السياب، حيث لم يعد التعبير الشعري قائمًا على المباشرة والوضوح، بل أصبح يعتمد على أنساق رمزية معقدة، تتداخل فيها الأسطورة بالصورة الشعرية.

وعليه، يمكن صياغة الإشكالية المركزية على النحو الآتي:

كيف أسهم توظيف الرمز والأسطورة في إعادة تشكيل الصورة الشعرية عند السياب، وفي نقل القصيدة من مستوى التعبير الواقعي المباشر إلى أفق رمزي إنساني مفتوح؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية:

إلى أي حد تشكل الصورة الشعرية البنية المركزية في القصيدة الحديثة؟

ما طبيعة العلاقة بين الأسطورة والتجربة الذاتية في شعر السياب؟

هل يمثل توظيف الأسطورة عند السياب استعادة للماضي أم إعادة إنتاج له؟

كيف تتحول الأسطورة من حكاية تراثية إلى أداة نقدية للواقع؟

ما حدود التداخل بين الرمزي والواقعي في بناء الدلالة الشعرية؟

وتسعى الدراسة، من خلال هذه الأسئلة، إلى الكشف عن الكيفية التي يتحول بها النص الشعري إلى بنية مركبة، تتجاوز حدود اللغة المباشرة نحو أفق تأويلي متعدد.

مقدمة الدراسة:

لا تُستوعَب تجربة بدر شاكر السياب ضمن منطق التدرّج التاريخي البسيط لتطوّر الشعر العربي الحديث، بل تُقرأ بوصفها لحظةً تأسيسيةً أحدثت انزياحًا نوعيًا في بنية الوعي والرؤية الشعرية ذاتها. ففي منجزه، لا يقتصر التحوّل على تفكيك الإيقاع التقليدي أو إعادة توزيع البنية العروضية، وإنما يمتدّ إلى إعادة تشكيل علاقة اللغة بالعالم، وعلاقة الذات بالتجربة، بحيث تغدو القصيدة مجالًا كثيفًا لتوليد الدلالة، لا وعاءً لنقلها. ومن ثمّ، تنفتح الكتابة الشعرية على أفق تأويلي رحب، تتداخل فيه مستويات القول بين الذاتي والرمزي والأسطوري، في حركة بحث لا تنقطع عن معنى يتفلّت من المباشرة ويستدعي أدوات أعمق للقبض عليه.

لقد أسهم السياب في نقل القصيدة من خطاب وصفيّ تقريري إلى بنية رمزية مركّبة، تحتل فيها الصورة الشعرية موقع القلب من العملية الإبداعية؛ إذ لم تعد الصورة تابعةً للمعنى، بل صارت مُنتِجةً له، ومجالًا لتفاعل الطاقات التخييليّة والمعرفيّة في آن. بهذا المعنى، تتحوّل القصيدة إلى شبكة من الصور المتجاورة والمتراكبة، تُشيِّد دلالتها عبر التوتر بين المرئيّ واللامرئي، وبين التجربة الفردية ومخزون الذاكرة الثقافية. ومن داخل هذا الأفق، يغدو استدعاء الرمز والأسطورة فعلًا بنيويًا لا زخرفيًا، إذ ينهض بوظيفة إعادة كتابة الواقع عبر وسيط تخييلي يضاعف المعنى ويؤجّله ويكثّفه.

وإذا كانت حياة السياب قد وُسمت بالقِصر وبوطأة المعاناة الجسدية والنفسية، فإن أثره الإبداعي قد تجاوز حدود الزمن البيولوجي، ليؤسس حضورًا ممتدًا في الوعي النقدي العربي. ذلك أنّ هذه المعاناة لم تُقِم حدًّا لتجربته، بل تحوّلت داخل النص إلى طاقة دلالية خصبة، أعادت صياغة العلاقة بين الألم والخلق، وبين الانكسار وإرادة المعنى. وهنا تتبدّى خصوصية تجربته في قدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى أفق إنساني عام، بحيث يجد القارئ في نصوصه صدىً لقلق وجودي مشترك يتخطّى الجغرافيا والسياق.

إن استحضار تجربة السياب في سياق الحديث عن تحولات الشعر العربي الحديث لا يندرج في باب التأريخ فحسب، بل في صميم مساءلة الكيفية التي أعادت بها القصيدة الحديثة تعريف نفسها: لغةً، ورؤيةً، وبنيةً. فقد أسّس الشاعر لمنطق كتابيّ جديد، تتقدّم فيه الصورة بوصفها مبدأ تنظيميًا، وتغدو فيه الأسطورة جهازًا تأويليًا يعيد وصل الحاضر بالمخزون الرمزي للثقافة، دون أن يقع في استعادة ماضوية ساذجة. وبهذا، تتشكّل القصيدة عنده كفضاء تتقاطع فيه الأزمنة، وتتناسل داخله المعاني عبر انفتاح لا نهائي على القراءة.

من هنا، تنبثق أهمية هذه الدراسة من سعيها إلى تفكيك بنية الصورة الشعرية في هذا المنجز، ورصد آليات اشتغال الرمز والأسطورة في إنتاج الدلالة، بما يكشف عن التحول العميق الذي مسّ جوهر الكتابة الشعرية. فالمسألة لم تعد كيف تقول القصيدة، بل كيف تُحوِّل التجربة إلى صور قادرة على احتضان التناقض، واستيعاب القلق، وابتكار معنى يظلّ في حالة تشكّل دائم.

الصورة الشعرية وإعادة تشكيل المعنى في القصيدة الحديثة: من التمثيل إلى الكشف:

تُشكّل الصورة الشعرية في التجربة الشعرية الحديثة مركز الثقل الجمالي والدلالي الذي تتأسس حوله بنية القصيدة برمتها، إذ لم تعد مجرد عنصر تزييني أو تقنية بلاغية ثانوية، بل غدت نظامًا معرفيًا ورؤيويًا يعيد عبره الشاعر إنتاج العالم لا بوصفه معطى جاهزًا، بل بوصفه إمكانية متجددة للفهم والتأويل. فالشعر، في جوهره العميق، لا يشتغل على نقل المعنى في صورته المباشرة، بل على تفكيكه وإعادة تركيبه داخل نسيج تخييلي تتداخل فيه الحواس بالحدس، والمرئي باللامرئي، والمادي بالرمزي. ومن ثمّ، فإن الصورة الشعرية لا تُحيل إلى الواقع إحالة تقريرية، بل تتجاوزه نحو أبعاده الكامنة، حيث يصبح المعنى نفسه نتيجة عملية انبثاق داخلي تنبع من تفاعل الذات مع العالم، لا من مطابقته. وفي هذا الأفق، تتحول القصيدة إلى بنية تصويرية كلية، تتأسس على شبكة من العلاقات المتداخلة التي لا يمكن فصل عناصرها دون الإخلال بوحدتها العضوية، إذ تتآزر الصور فيما بينها لتشكّل رؤية متكاملة للعالم، قوامها الإيحاء لا التصريح، والكشف لا الوصف. ويزداد هذا التصور رسوخًا في الشعر الحديث، حيث تتراجع مركزية اللغة بوصفها نظامًا منطقيًا خطيًا، لصالح الصورة بوصفها طاقة تخييلية قادرة على اختراق حدود الدلالة المستقرة وإعادة فتحها على احتمالات متعددة للمعنى. وفي هذا السياق، يذهب أدونيس إلى أن التحول الجوهري في الكتابة الشعرية الحديثة يتمثل في انتقال مركز الثقل من الكلمة إلى الصورة، بحيث لم تعد اللغة تُنتج المعنى بقدر ما أصبحت الصورة هي التي تُعيد إنتاج اللغة داخل أفق جديد من الإدراك الجمالي، قوامه “الرؤية” بدل “القول”، و”الكشف” بدل “التمثيل”. وهكذا تغدو الصورة الشعرية بنية معرفية معقدة، لا تقتصر وظيفتها على تشكيل المادة الجمالية للنص، بل تمتد لتشمل إعادة بناء علاقة الإنسان بالعالم، عبر تحويل التجربة إلى رؤية، والرؤية إلى معنى مفتوح يتجاوز الحدود النهائية للتفسير. وبذلك، لا تعود القصيدة مجرد خطاب لغوي، بل تتحول إلى فضاء وجودي متحرك، تتجلى فيه الصورة بوصفها أفقًا لإعادة اكتشاف العالم والذات معًا في لحظة شعرية كثيفة ومفتوحة على الدهشة والمعنى في آن واحد.

وهكذا أصيحت الكتابة الشعرية الحديثة، لا تعتمد على الكلمة بوصفها وحدة دلالية مستقلة، بل أصبحت الصورة هي العنصر الأكثر قدرة على إنتاج المعنى، الأمر الذي جعل من الكتابة بالصور قانونًا بنيويًا للقصيدة المعاصرة.

الأسطورة بوصفها بنية رمزية لإعادة تشكيل الدلالة في الشعر الحديث:

تُعدّ الأسطورة في الشعر الحديث إحدى أكثر الآليات البنائية كثافة وعمقًا، إذ لم تعد تُستحضر بوصفها تراثًا حكائيًا منغلقًا ينتمي إلى زمن ماضٍ منقطع، بل تحولت إلى بنية رمزية حية قابلة لإعادة التشكيل والتأويل داخل السياق الشعري المعاصر. فهي، في جوهرها، ليست مجرد سرديات قديمة عن الآلهة والأبطال والصراعات الكونية، بل تمثل نسقًا تخييليًا عميقًا يعكس البنية اللاواعية للإنسان، ويجسد في الوقت ذاته رؤيته الوجودية للعالم في علاقتها بالولادة والموت، الخصب والجفاف، الانطفاء والانبعاث. ومن ثمّ، فإن استدعاء الأسطورة في الشعر الحديث لا يعني العودة إلى الماضي بقدر ما يعني إعادة توظيفه بوصفه طاقة دلالية مفتوحة، قادرة على تفجير المعنى داخل النص وإخراجه من حدوده المباشرة إلى فضاءات أكثر اتساعًا وعمقًا. وفي هذا الإطار، يتخذ توظيف الأسطورة عند شعراء الحداثة، ولا سيما في تجربة السياب، بعدًا بنائيًا يتجاوز الزينة الرمزية إلى كونه آلية لإنتاج الرؤية الشعرية ذاتها، حيث تتحول الأسطورة من حكاية مستقلة إلى شبكة دلالية تتداخل مع التجربة الذاتية والتاريخية للشاعر. فأسطورة “تموز” على سبيل المثال لا تُستدعى بوصفها قصة عن إله يموت ويُبعث، بل بوصفها نموذجًا رمزيًا لدورة الوجود ذاتها، حيث يغدو الموت شرطًا للخصب، والانطفاء مقدمة ضرورية للانبعاث، في انعكاس واضح لجدلية الحياة في بعدها الكوني والإنساني معًا. كما أن هذا التوظيف الأسطوري يتيح للشاعر تجاوز المباشرة التعبيرية، عبر تحويل التجربة الفردية إلى تجربة كونية تتسع لتشمل الإنسان في عموميته، بما يحمله من قلق وجودي وأسئلة مفتوحة حول المصير والمعنى. وبهذا المعنى، تصبح الأسطورة في الشعر الحديث بنيةً دينامية لا تنتمي إلى الماضي إلا بقدر ما تنفتح على الحاضر، وتُعيد إنتاجه داخل خطاب شعري قائم على الإيحاء والتكثيف والتجاوز، بحيث تتحول القصيدة إلى فضاء تتقاطع فيه الأزمنة والرؤى، وتتماهى فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية للإنسان.

الرمز الأسطوري وتحولات الدلالة: من الوسيط الرمزي التعبيري إلى إعادة بناء الرؤية الشعرية:

يُشكّل الرمز الأسطوري في الشعر الحديث، ولا سيما في تجربة السياب، آليةً بنائية ذات وظيفة جمالية وفكرية في آن واحد، إذ لا يقتصر حضوره على كونه وسيلة زخرفية أو إحالة ثقافية إلى مخزون تراثي قديم، بل يتجاوز ذلك ليصبح استراتيجية تعبيرية معقّدة تُتيح للشاعر إعادة صياغة الواقع عبر وسيط إيحائي متعدد الطبقات. فحين يلجأ السياب إلى الرمز الأسطوري، فإنه لا يستدعي الأسطورة بوصفها حكاية مكتملة المعالم، بل بوصفها بنية مفتوحة قابلة لإعادة التشكيل داخل سياق التجربة الشعرية، بما يسمح بتحويل الدلالة من معناها المباشر إلى فضاء رمزي رحب تتداخل فيه المستويات السياسية والوجودية والجمالية. وفي هذا الإطار، يغدو الرمز وسيلة لخلق مسافة بين الذات والواقع، مسافة ضرورية لإنتاج خطاب شعري يتجاوز المباشرة التي قد تُفرغ التجربة من عمقها، خاصة في سياقات القمع والتوتر التاريخي التي عاشها الشاعر، حيث يصبح القول المباشر محاصرًا، وتغدو اللغة نفسها مطالبة بإيجاد أشكال بديلة للتعبير. ومن ثمّ، فإن الأسطورة تتحول إلى وسيط رمزي تعبيري يتيح للذات الشاعرة أن تقول ما لا يمكن قوله بشكل صريح، وأن تفكك الواقع عبر إعادة تركيبه داخل شبكة رمزية كثيفة الدلالة، تتقاطع فيها الأزمنة وتتداخل فيها الطبقات السردية.

وفي هذا الأفق، تتخذ الأسطورة وظيفة بنائية تتجاوز حدود الإشارة الثقافية إلى كونها أداة لإعادة إنتاج المعنى داخل النص الشعري، بحيث تتحول القصيدة إلى فضاء مركّب تتفاعل فيه مستويات زمنية متعددة: الماضي الأسطوري بما يحمله من كثافة رمزية، والحاضر التاريخي بما يفرضه من أسئلة وجودية وسياسية، والمستقبل بوصفه أفقًا مفتوحًا على الإمكان والانتظار. ويزداد هذا التحول وضوحًا في توظيف السياب لأساطير مثل “تموز” و“عشتار”، حيث تتجلى ثنائية الموت والانبعاث بوصفها محورًا دلاليًا يعيد تشكيل التجربة الشعرية برمتها، فالموت هنا لا يُفهم بوصفه نهاية، بل بوصفه شرطًا ضروريًا لولادة جديدة، والانطفاء لا يُدرك إلا باعتباره مقدمة لانبثاق الحياة من جديد. وبهذا المعنى، تتحول التجربة الفردية للشاعر، بما تحمله من ألم ومعاناة واغتراب، إلى تجربة إنسانية شاملة تتجاوز حدود الذات لتلامس البعد الكوني للوجود. كما أن هذا التداخل بين الأسطورة والرمز الديني، ولا سيما استحضار نموذج المسيح بما يحمله من دلالات الفداء والبعث، يعمّق من كثافة الدلالة الشعرية، ويجعل من النص فضاءً تأويليًا مفتوحًا تتقاطع فيه المرجعيات الثقافية والروحية والفكرية، في انسجام يجعل من الأسطورة ليس مجرد عنصر داخل القصيدة، بل بنية مولّدة للمعنى وإعادة تشكيل للرؤية الشعرية ذاتها.

أنماط توظيف الأسطورة وتقنيات المزج بين الواقعي والأسطوري في شعر السياب:

يتأسس توظيف الأسطورة في شعر السياب على دينامية تطورية واضحة تكشف عن تحول في وظيفة الرمز من مرحلة إلى أخرى، حيث يمكن تمييز مسارين رئيسيين يعكسان طبيعة التحولات التي عرفتها تجربته الشعرية. ففي المرحلة الأولى، تحضر الأسطورة بوصفها أفقًا للتعبير عن الهمّ الجماعي والقومي، إذ تتخذ بعدًا جمعيًا يتجاوز حدود الذات الفردية، كما يتجلى ذلك في ديوان أنشودة المطر، حيث تصبح الرموز الأسطورية وسيلة لتجسيد القلق التاريخي والاجتماعي للإنسان العربي، وما يعتريه من توتر بين الانكسار والأمل. أما في المرحلة الثانية، فإن هذا الحضور الأسطوري ينزاح تدريجيًا نحو الداخل، ليغدو معبرًا عن معاناة ذاتية عميقة مرتبطة بتجربة المرض، والغربة، والشعور بالانطفاء الوجودي، بحيث تتحول الأسطورة من خطاب جمعي إلى خطاب فردي مكثف، يعكس أزمة الذات في علاقتها بالعالم وبالجسد وبالمصير. ومع ذلك، فإن القاسم المشترك بين المرحلتين يتمثل في أن السياب لا يتعامل مع الأسطورة بوصفها مادة جاهزة أو بنية مغلقة، بل بوصفها نسقًا قابلًا لإعادة التشكيل، حيث يتم تفكيك عناصرها الأصلية وإعادة تركيبها داخل سياق شعري جديد يدمج بين الذاكرة الأسطورية والتجربة المعاصرة، مما يؤدي إلى ولادة دلالة مركبة تتجاوز مصدرها الأول.

وفي هذا السياق، تتجلى إحدى أبرز سمات الشعر عند السياب في تقنية المزج بين الواقعي والأسطوري، حيث لا يعود النص الشعري قائمًا على حدود فاصلة بين العالمين، بل على تداخل عضوي يجعل من التجربة اليومية امتدادًا رمزيًا للأسطورة، ومن الأسطورة مرآة مكثفة للواقع. فالشاعر يخلق حالة من التماهي بين الذات الشاعرة والشخصيات الأسطورية أو الدينية، بحيث لا تبقى هذه الأخيرة كيانات خارجية مستقلة، بل تتحول إلى امتدادات رمزية للذات، تعبّر عنها وتعيد صياغتها في مستوى أعمق من الوعي. وبهذا المعنى، لا تشتغل الأسطورة بوصفها قناعًا منفصلًا عن الذات، بل بوصفها بنية اندماجية تتداخل فيها الحدود بين الأنا والآخر، بين التاريخ والرمز، وبين الواقعي والمتخيل. ولا يتم هذا التداخل بشكل عفوي أو اعتباطي، بل وفق رؤية فنية واعية تسعى إلى بناء صورة شعرية كلية تتجاوز التقطيع الزمني والمكاني، وتفتح النص على أفق إنساني رحب تتشابك فيه التجربة الفردية مع الذاكرة الجمعية للإنسان. ومن ثمّ، لا يكتفي السياب باستعادة الأسطورة في صورتها الأصلية، بل يعيد إنتاجها داخل بنية جديدة، قد تمتد أحيانًا إلى خلق أساطير شعرية مستمدة من الواقع ذاته، مما يجعل من القصيدة فضاءً توليديًا تتشكل فيه الدلالة باستمرار، وتتحول فيه الحدود بين الحقيقي والمتخيل إلى منطقة تفاعل خصبة ومفتوحة على الاحتمال الجمالي والمعنوي.

فمن أبرز سمات تجربة السياب قدرته على دمج الأسطورة بالواقع، بحيث لا تبقى الأسطورة مجرد إحالة ثقافية، بل تتحول إلى مكون عضوي داخل النص. فالشاعر لا يستدعي الأسطورة ليحكيها، بل ليعيد كتابتها في ضوء معاناته.

ويظهر ذلك بوضوح في استحضاره لشخصيات مثل "تموز" و"عشتار" و"المسيح"، حيث تتحول هذه الرموز إلى تجليات للذات الشاعرة، وتعكس صراعها بين الألم والأمل، وبين الموت والرغبة في الانبعاث.

الأسطورة بين الجمالية وإنتاج المعنى: من التوسيع الدلالي إلى فعل المقاومة والإبداع في شعر السياب:

تتجاوز الأسطورة في تجربة السياب كونها مجرد عنصر جمالي داخل البنية الشعرية، لتتحول إلى آلية معقدة لإنتاج الدلالة وإعادة تشكيل العلاقة بين الذات والعالم، حيث تتداخل وظائفها الجمالية مع أبعادها الفكرية والوجودية في نسيج شعري واحد. فهي تتيح أولًا توسيع أفق الدلالة الشعرية عبر تحرير الصورة من محدودية المعنى المباشر، وإدخالها في فضاء رمزي مفتوح تتعدد فيه إمكانات التأويل وتتداخل فيه الطبقات الدلالية، بحيث لا يعود النص محصورًا في معنى أحادي، بل يصبح شبكة من الإيحاءات المتحركة. كما تسهم الأسطورة في ربط التجربة الفردية للشاعر بالبُعد الإنساني العام، إذ تتحول المعاناة الخاصة إلى نموذج كوني يعكس قلق الإنسان في مختلف تجلياته، فيغدو الألم الشخصي جزءًا من سردية إنسانية أوسع تتقاطع فيها التجارب وتتشابه المصائر. وإلى جانب ذلك، تؤدي الأسطورة وظيفة نفسية عميقة تتمثل في خلق نوع من التوازن الداخلي في مواجهة قسوة الواقع، حيث تصبح بمثابة فضاء تخييلي يعيد الشاعر من خلاله ترتيب الفوضى الخارجية وفق منطق رمزي يمنحه قدرًا من الانسجام والتماسك الداخلي. وفي هذا السياق، لا تشتغل الأسطورة بوصفها زخرفًا فنيًا، بل بوصفها بنية مولّدة للمعنى، تعيد تشكيل الصورة الشعرية لتصبح فضاءً تأويليًا مفتوحًا تتداخل فيه المستويات الرمزية والوجدانية والتجريبية في آن واحد.

ومن جهة أخرى، تكتسب الأسطورة في شعر السياب بعدًا وظيفيًا يتجاوز الجماليات إلى فعل المقاومة، إذ تتحول إلى وسيلة غير مباشرة لمواجهة الواقع السياسي والاجتماعي، خاصة في ظل القيود التي تحدّ من حرية التعبير المباشر. فالشاعر يوظف الرمز الأسطوري بوصفه آلية للقول المتخفي، حيث يسمح له بإيصال مواقفه ورؤاه دون الاصطدام المباشر بسلطة الرقابة، وفي الوقت ذاته يمنحه قدرة على تعميق الدلالة وإثرائها عبر الإيحاء بدل التصريح. وهكذا تغدو الأسطورة مجالًا حيويًا للتعبير عن الرفض والتمرد، لكنها أيضًا فضاء لإعادة بناء الذات في مواجهة الانكسار، إذ يجد الشاعر فيها ملاذًا رمزيًا يعيد من خلاله صياغة تجربته الوجودية، ويمنحها شكلًا أكثر اتساقًا داخل عالم تتداخل فيه الهزيمة بالأمل، والانطفاء بإمكانية البعث. وبهذا المعنى، تتحول الأسطورة إلى أداة مزدوجة: فهي من جهة توسّع أفق المعنى وتثري البنية الجمالية للقصيدة، ومن جهة أخرى تؤسس لفعل مقاوم يعيد للشعر قدرته على مساءلة الواقع وتجاوزه، فيغدو النص الشعري فضاءً مفتوحًا على التوتر الخلاق بين الجمال والمعنى، بين الحلم والواقع، وبين الذات والعالم.

خاتمة: الأسطورة والصورة الشعرية في أفق إعادة تشكيل التجربة الإنسانية عند السياب:

تكشف تجربة بدر شاكر السياب عن تحول عميق في بنية الشعر العربي الحديث، تحول لا يقتصر على مستوى الشكل أو الأسلوب، بل يمتد إلى مستوى الرؤية الشعرية ذاتها، حيث يصبح الشعر فعلًا معرفيًا وجماليًا يعيد مساءلة العالم بدل الاكتفاء بوصفه. فقد استطاع السياب، عبر توظيفه المركب للأسطورة والرمز والصورة الشعرية، أن يؤسس لقصيدة تتجاوز حدود التعبير المباشر، لتغدو بنية دلالية كثيفة تتقاطع فيها الطبقات التاريخية بالأسطورية، والذاتية بالجمعية، والواقعية بالمتخيلة. ومن ثمّ، لم تعد القصيدة عنده مجرد انعكاس لتجربة فردية معزولة، بل تحولت إلى فضاء رحب لإعادة إنتاج المعنى داخل شبكة من العلاقات الرمزية التي تمنح التجربة الشعرية بعدًا كونيًا وإنسانيًا شاملًا.

وفي ضوء هذا التوظيف العميق للأسطورة، يتبين أن السياب لم يتعامل مع الموروث الأسطوري بوصفه مادة جاهزة أو معطى ثقافيًا ثابتًا، بل بوصفه طاقة دلالية قابلة لإعادة التشكيل داخل سياق شعري حديث، حيث يتم تفكيك البنية الأصلية للأسطورة وإعادة تركيبها بما يخدم التجربة المعاصرة. وهكذا تتحول الأسطورة من سردية مغلقة إلى بنية مفتوحة على التأويل، ومن حكاية ماضوية إلى أداة لاستنطاق الحاضر واستشراف إمكاناته. كما أن هذا الاشتغال الأسطوري لا ينفصل عن التحولات التي عرفتها الصورة الشعرية ذاتها، إذ أصبحت الصورة عند السياب بنية مركبة تستوعب التوترات الوجودية والرمزية، وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم على أسس تخييلية جديدة.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن تجربة السياب تمثل لحظة مفصلية في تطور الشعر العربي الحديث، لأنها أعادت تعريف وظيفة الشعر من مجرد تعبير جمالي إلى فعل كشف وتأويل وإعادة بناء للواقع. فقد غدت القصيدة فضاءً تأويليًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الأزمنة والرؤى، ويتداخل فيه الفردي بالجماعي، والواقعي بالأسطوري، في حركة دائمة من إنتاج المعنى وإعادة إنتاجه. ومن ثمّ، فإن القيمة العميقة لهذه التجربة لا تكمن فقط في تجديد أدوات الشعر، بل في إعادة تأسيس وعي شعري جديد يرى في اللغة والصورة والأسطورة إمكانات لا نهائية لقراءة الإنسان والعالم، وإعادة صياغة علاقتهما داخل أفق جمالي وفكري متجدد ومفتوح على الدهشة والتأويل.

 نتائج الدراسة:

أفضت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج النظرية والتحليلية، يمكن إجمالها فيما يلي:

أولًا، أثبتت الدراسة أن الصورة الشعرية تمثل النواة المركزية في بناء القصيدة الحديثة، وأنها لم تعد مجرد وسيلة للتزيين البلاغي، بل أصبحت أداة للتفكير وإنتاج المعنى، وهو ما ينسجم مع التصورات النقدية الحديثة التي ترى أن الشعر تفكير بالصور لا بالكلمات.

ثانيًا، تبين أن توظيف الأسطورة عند بدر شاكر السياب يقوم على مبدأ التحويل لا الاستنساخ، حيث يعيد الشاعر تشكيل البنية الأسطورية بما يتلاءم مع تجربته الذاتية وسياقه التاريخي، مما يمنح الأسطورة دلالات جديدة تتجاوز معناها الأصلي.

ثالثًا، كشفت الدراسة أن العلاقة بين الذاتي والأسطوري في شعر السياب هي علاقة اندماج، لا مجرد توظيف خارجي، إذ تتحول الشخصيات الأسطورية إلى امتدادات للذات الشاعرة، وتعكس صراعاتها الداخلية.

رابعًا، أظهرت النتائج أن الأسطورة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة وسيلة للترميز والإخفاء، ومن جهة أخرى أداة لتكثيف المعنى وتوسيعه، مما يجعل النص الشعري قابلاً لقراءات متعددة.

خامسًا، تبين أن حضور الأسطورة يرتبط بثيمة مركزية هي ثنائية الموت والانبعاث، والتي تعكس رؤية السياب للعالم، حيث لا يتحقق الخلاص إلا عبر المعاناة والتضحية.

سادسًا، أكدت الدراسة أن المزج بين الأسطوري والواقعي أسهم في نقل التجربة الشعرية من بعدها المحلي العراقي إلى أفق إنساني كوني، مما منح شعر السياب بعدًا عالميًا.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات العلمية والمنهجية:

أولًا، ضرورة إعادة قراءة الشعر العربي الحديث في ضوء المقاربات التأويلية التي تركز على البنى الرمزية، بدل الاقتصار على التحليل البلاغي التقليدي.

ثانيًا، الدعوة إلى توسيع الدراسات التي تربط بين الأدب والأسطورة، خاصة في سياق تحليل النصوص الحديثة، لما توفره الأسطورة من إمكانات تأويلية غنية.

ثالثًا، تشجيع المقاربات البين-تخصصية التي تجمع بين النقد الأدبي والفلسفة وعلم النفس، لفهم الأبعاد العميقة للصورة الشعرية.

رابعًا، الاهتمام بدراسة التحولات الدلالية للأسطورة داخل النصوص الأدبية، بدل التعامل معها كمرجع ثابت أو مغلق.

خامسًا، اقتراح إدماج نصوص بدر شاكر السياب ضمن مناهج التعليم، ليس فقط بوصفها نماذج شعرية، بل باعتبارها مختبرًا لتحليل العلاقة بين الأدب والواقع والتاريخ.

سادسًا، الدعوة إلى إجراء دراسات مقارنة بين السياب وشعراء آخرين (مثل أدونيس) للكشف عن تنوع أنماط توظيف الأسطورة في الشعر العربي الحديث.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

للشاعر السوري بديع صقور

الشاعر "بديع علي صقور" من سوريا - اللاذقية – مواليد 1949- يحمل إجازة في الفلسفة جامعة دمشق – 1980 – يتقن اللغة الاسبانيّة إضافة للعربيّة – مارس التعليم في سورية وللجالية السورية في تشيلي – كان عضوا في المكتب التنفيذي لنقابة المعلمين في سورية لعدة دورات – كلف رئيساً لتحرير مجلة وجريدة "بناة الأجيال" من 2001 إلى 2013- عمل عضوا للمكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب 2015- 2021- كتب ويكتب في العديد من الصحف والمجلات السوريّة والعربية – شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العربية الثقافية – ترجمت بعض أعماله إلى الاسبانيّة والفارسيّة والتركيّة.

صدر للشاعر العديد من المؤلفات في القصة والشعر والسيرة ونصوص أدبية منها:

في القصة:

1- مرفأ طائر الظهيرة. مجموعة قصصية. 2- شمال المغيب – مجموعة قصصية – 3- خريف المطر – مجموعة قصصية – طقوس الغريب – مجموعة قصصية.. وغيرها.

وفي الشعر منها:

2- الدفتر البري لأعشاب البحر – 2- شقائق الخريف – 3- جلنار البحر – 4- تحت فيء النجوم 5- يرث البحر الغبار.. وغيرها.

اخترنا له من ديوانه "مات البنفسج" بعض المقاطع من قصيدة "زهور على نوافذ الروح" أجرينا عليها الدراسة النقديّة التالية:

البنية السرديّة أو الحكائية لقصيدة " "زهور على نوافذ الروح":

كثيرة هي المآسي التي تمر بها الشعوب، ويولد بحلولها الألم والعذاب في الروح والجسد معاً، ولكن تظل أقسى هذه المآسي هي تلك التي تولدها حروب أهليّة باسم الدين، فمثل هذه الحروب التي انغرس فيها الحقد والكراهية مجاناً للمختلف في العقيدة أو المذهب أو الطائفة، حتى تحولت إلى ثارات، وفي كل مرة تتفجر فيها مثل هذه الحروب، تضيع البوصلة وينفجر صمام الأمان في حياة الفرد والمجتمع.

وها هو الشاعر السوري " بديع صقور" الذي عاش ويعيش عمق هذه المأساة، شأنه شأن معظم السوريين الذين غربوا وجاعوا وتألموا، وهم يرون شواهد قبور موتاهم قد انتشرت حتى غطت في دلالاتها مساحات كبيرة من حياتهم الماديّة والروحيّة معاً. يصف "الصقور" في قصيدته "زهور على نوافذ الروح" حالة ضياع وطن لم يعرف الأمن والاستقرار لسنين طويلة.. وطن كان في طبيعته الجغرافيّة والاجتماعيّة حديقة غناء حوت كل ما هو جميل في مكوناتها.. ولكن شهوة السلطة التي اتخذت من الدين وسيلة للحفاظ أو الحصول عليها راحت تنشر الخراب والدمار وغربة الروح والجسد وتدمير كل ما هو جميل في هذا الوطن، فكانت حرباً أهليّةً حطمت البشر والحجر معاً.

يقول الشاعر: الصقور" واصفاً حالة مأساة شعبه ووطنه: لقد (أفل الربيع.. وخبا صوت العندليب.. وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ كغيمة صيف).. لقد غابت ملاعب الطفولة البريئة في وطنه، فلم يعد الأطفال يمتطون أحصنة القصب.. ولم يعودوا يلاحقون فراشات أزهار وورود حقولهم الزاهية، لقد جرفتهم سيول الحرب، وغرق الجميع في (مائها الآسن ولم ينتشلنا أحد!.. ).. هناك في بساتين الخير والعطاء (حل العطش.. وحطت طيور الخريف.. ). التي راحت تبحث عن ما يسد جوعها في حياة اليباس.. (ياه ! كم كانت حزينة ليالي بساتين العطش؟.).. فتحت ظلال الشمس راح الناس يستجدون الغيوم المسافرة كسحابات صيف حُصًتًهْم من المطر، ليروا بها زهور أعمارهم الذابلة..  ومع حرقة الألم التي اخترقت كل مشاعر وأحاسيس الشاعر "بديع صقور" راح يناجي نفسه قائلاً: (ياه ! وكأننا نسينا أننا أكثر عطشاً، وذبولاً من عروق أشجارنا.. التي على وشك اليباس.). لقد حل الموت والفقد في وطننا، وانتشرت أرواح من قتل كأنها (زهور على نوافذ الشمس)..

إن عمق الحقد الذي دار حول هذه الأرواح الكثيرة من أبناء الشعب السوري، حول هذه الأرواح إلى طيور شاردة فقدت أمنها في قبورها التي راحت تنبش باسم الدين.. حتى أن النجوم التي تفتحت أزهارها في المساء كانت (تتأهب للبكاء!.) من شدّة المأساة.. مؤلم هو التشرد والهروب من الجوع أو الخوف أو الموت المحتوم.. فها هو الشاعر "صقور" يدردك عمق مأساة التشرد فينصح من فرض عليهم التشرد قائلاً: (قبل أن تدير وجهك وتبتعد.. تزود قليلاً من خضرة الوجوه، والجبال، والشمس، والأغاني.. قبل أن يمر عليهم خريف جديد.). وكأنه يريد القول بأن المأساة لن تنتهي فهي قدرنا الذي فرض علينا بسبب جهلنا وأنانيتنا.

البنية الفكريّة للقصيدة:

كثيرة هي المآسي التي تحل على حياة الشعوب، قد تكون طبيعيّةً كالزلازل والسيول والبراكين والجفاف والتصحر، ولكن الأكثر خطورة على حياة الطبية والمجتمع معاً، هي المآسي التي يولدها المجتمع لنفسه بسبب الفقر والجوع والتمايز الطبقي.. أو بسبب أنظمة استبداديّة تمارس ظلمها وقمعها على الشعوب. أو بسبب الخلاف في العقيدة الدينيّة أو الوضعيّة وتفريعاتها وخاصة الطائفيّة والمذهبيّة منها. فالتعصب الديني هو من يورث الحقد والكراهيّة والثأر الذي تظل جذوته تسعر لآلاف السنين في عقول وقلوب ونفوس المختلفين الذين ينتظرون دائما الفرصة، بل يخططون لها في السر للانتقام الذي أصبح وسيلة حياة عندهم.

البنية السيمائيّة لعنوان القصيدة:

من خلال تتبعنا للبنية السرديّة للقصيدة، يتبين لنا كيف جاء عنوان القصيدة " "زهور على نوافذ الروح" مطابقا في دلالاته تماما مع البنية السرديّة أو الحكائية للقصيدة. فإذا كانت البنية السرديّة والفكريّة تحكي عن حالات الضياع والتشرد والظلم واستغلال الدين، وبالتالي تلاشي كل ما هو جميل ومزهر في بنية حياة المجتمع السوري بسبب تلك الحرب الأهليّة التي امتدت عقد ونصف من الزمن، فعنوان القصيدة هو تشبيه بليغ في الحقيقة بين حياة المجتمع السوري المتآلف كحديقة زهور في كل مكونته، وبين ما يعيشه أبناء الشعب السوري اليوم من كره للمختلف، الأمر الذي أدى إلى دمار بنيته الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة وحتى السياسيّة، فعمت الفوضى واليباس واللامعقول حياة المجتمع.

"التّعبير" و"العبور" في القصيدة:

إذا كان (التّعبير) في الشعر يتمّ في يقظة الحواسّ، نتيجة لاستحضار الموجودات بهذه الحواس ذاتها، فإن (العبور) يتمّ بالرؤيا المجرّدة والتخيل أو المجاز أو الرمز، من هنا فـ (التّعبير) يقتضي يقظة الحسّ، وعند غياب هذه اليقظة، يتمّ (العبور) عبر التّخيُّل والرّؤيا المجرّدة والرمز، وهذا ما وجدناه في قصيدة " "زهور على نوافذ الروح" " للشاعر "بديع صقور" الذي اتكأ كثيراً على التخيل والرؤى المجردة والرمز في البنية السرديّة للقصيدة، حيث نجد هذه الرؤى تغطي مساحة كبيرة من هذه البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة: (خبا صوت العندليب.. وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ..) أو في قوله: (حصاني القصب.. فراشات طفولتي وأنا.. جرفتنا سيول الحرب.. غرقنا في مائها الآسن.. ولم ينتشلنا أحد! كغيمة صيف.).

هنا كما يتبين معنا، يغيب الاحساس المباشر بالأشياء عند الشاعر "صقور" ويبقى التخيل والرمز والاشارة والتلميح للأحداث التي تعبر عنها القصيدة، غارقة في خيال الشاعر وأحاسيسه المفعمة بالمأساة، لترسم من هذا الخيال عوالم لأشياء تجعل المتلقي يلهث وراء كشف أسرارها، وهذا ما منح القصيدة غموضاً في التقاط الدلالات الحقيقية للحدث سنبينه بعد قليل.

التجريد والغموض في القصيدة:

تتجسد عبقرية الشاعر "بديع صقور" من خلال قدرته على التجريد، فالفنيّة الحقيقيّة في التعبير الشعري تأتي مع الاشارة والتلميح، فالعالم فنيّاً ليس أكثر من إشارة، أي ليس في تناول الظاهرة المباشرة، بل في الاشارة إليها، أو التعبير عما هو موجود وراءها أو في جوهرها، وهذا بالضّرورة نوعٌ من التّجريد، وكأنّ الشاعر المصوِّر المبدِع، يصوِّر عبر رموزه وإشاراته وتلميحاته ما يتمناه، لكي يمحو "الصّورة" الحقيقية التي يريد البوح بها وإيصالها إلى المتلقي عبر نسيج شفّاف من المعاني لا يحيل على الواقع المباشر، بل على معناه وهذا ما يتجلى في قوله: (في بساتين العطش.. حطت طيور الخريف.. ياه! كم كانت حزينة ليالي بساتين العطش؟). أو في قوله: (تحت شمس الظلال.. نستجدي الغيوم المسافرة لتمنحنا حصتنا من المطر.. لنروي بها زهور أعمارنا الذابلة.. ياه ! وكأننا نسينا أننا أكثر عطشاً، وذبولاً من عروق أشجارنا، التي على وشك اليباس.).

هكذا نرى كيف استطاع الشاعر "صقور أن يتجاوز المباشرة في التعبير عن مأساة مجتمعه، ليعبر عن ما يراه أو يعيشه حسيّاً، بطريقة تخييليّه، فالصّورة التي عبر فيها عن عمق المأساة، لم تأت زخرفاً وشكلاً مجانيّاً، وإنّما جاءت من حيث كونها تخبّئ دلالة، وتُشير إلى معنى أعمق بكثير مما هو حسي. وبالتالي لم تكمن أهميّة الصّورة في سطحها المرئيّ، بل في كونها عتبةً لمعنى ما، وباباً يقود الناظر أو المتلقي إلى ما وراءه. أي يقوده إلى غيب أو مجرّد ما، سواء في الذّات الفرديّة أو في الطّبيعة أو المجتمع. كقول الشاعر: (أرواحهم زهور على نوافذ الشمس.. اقترب المساء، وتفتحت أزهار النجوم.. كأن النجوم كانت تتأهب للبكاء!.). أو في قوله: (قبل أن تدير وجهك وتبتعد.. تزود قليلاً من خضرة الوجوه والجبال، والشمس، والأغاني.. قبل أن يمر عليهم خريف جديد.). هذا إضافة إلى استخدام الشاعر للرمز كثيرا في القصيدة، الأمر الذي عمق في غموضها عند المتلقي. فاستخدامها لمفردات مثل: (الربيع، صوت العندليب، كغيمة صيف، حصاني القصب، فراشاة طفولتي، طيور الخريف، الغيوم المسافرة، عروق أشجارنا.. ). إن كل مفردة أو جملة هنا تحمل دلالات كنا قد أشرنا إليها من خلال السياق العام في نقدنا للبنية الحكائيّة أو السرديّة للقصيدة.

إن نص قصيدة " "زهور على نوافذ الروح" يظل عند المتلقي مفتوحاً في دلالاته، بناءً على ثقافة المتلقي ودرجة اهتمامه بمأساة مضمون النص، وعلى هذا الأساس يتفاعل المتلقي مع النّصّ ويمارس إحساساً شخصيّاً وثقافة خاصّة تُوجِّه متعته وفهمه في إطار منظور خاصّ به.

الصورة في القصيدة.

يعود الاهتمام بالصورة بوصفها أداة الشاعر التي تحكم شخصيته الفنيّة في الأداء أو التعبير من جهة، ومن جهة أخرى تعد مقياساً فنيّاً وشخصيّاً للمبدع الذي أنتجها. فهي المادة التي تتركب من اللغة بدلالاتها البلاغيّة والموسيقيّة والتخيليّة، التي تجمع بين عناصر التشبيه والاستعارة والكناية والتمثيل وحسن التعليل.

لقد شكلت الصورة عنصرًا بارزًا ومهمًّا في هذا النص الشعري، إذ لجأ الأديب "بديع صقور" إلى تغليف أفكار النص بالصور التخيليّة، المشبعة بالعبور والغموض معاً وتثبيتها في نفس وذهنية القارئ. وهذا ما أيقظ العواطف والعقل معاً عند المتلقي من لغتها التصويريّة. لقد كان الشاعر أكثر قدرة على التعبير في بوحه من التقرير. وبالتالي كلما كان الأدب تعبيريًّا كانت الصور هي التي تتشكل في ذهن القارئ أكثر. أما حين يكون الأدب تقريريًّا فإن الأفكار تطغى على الصور.

لقد جاءت الصورة عنده جزئيّة ومباشرة ومشبعة بمفردات البلاغة من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز، كما في قوله: (وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ كغيمة صيف).. (حصاني القصب.. فراشات طفولتي، وأنا جرفتنا سيول الحرب، غرقنا في مائها الآسن). أو في قوله أيضاً: (أرواحهم زهور على نوافذ الشمس.. اقترب المساء، وتفتحت أزهار النجوم.. كأن النجوم كانت تتأهب للبكاء!.). ولكون الشاعر استطاع أن يجعل من تراسل صوره حكاية أو أقصوصة قهر وظلم وفقد وغربة، فقد أَلَفَتْ هذه الصور الجزئيّة مع بعضها نسيجاً حيّاً من الدلالات المتكاملة والمترابطة ليس مع بعضها فحسب، بل ومع مكونات وخلجات الشاعر النفسيّة والفكريّة أيضا لتصبح في الغالب صوراً جديدةً من نسج جديد، يتراءى فيها عالم الشاعر الداخلي وارتباطه بعالمه الخارجي، الذي تدفقت عواطفه وأحاسيسه نحوه دون حساب من أجل الارتقاء به وتجاوز محنته.

النغم والايقاع في القصيدة:

لقد تمرد الشاعر المعاصر وخاصة شاعر قصيدة (النثر) على الوزن والقافية، ولجأ إلى التنويع في الصوت والنغم، وأصبح الاهتمام بالإيقاع الداخلي يزداد، لكونه أشمل من الوزن والقافيّة ويتعدى في الدلالة. وقد تطور الإيقاع فانتقل من نظام الصوت المتشابه، ونظام الوزن الصارم في الشعر، إلى إيقاع جديد متحرر متسامح مع نفسه، ومن ثمة صار الصوت يؤدي دوراً بالغ الأهميّة في التأثير على المتلقي، بما يحمل من خصوصيات في التنغيم والنبر والجهر والهمس عند الالقاء من جهة، ثم اعتماد الشاعر الحديث على الصورة بوصفها مطلباً يُفضي إلى موسيقى جديدة تُنغمها مشاعره وانفعالاته المرتبطة بالموقف من جهة ثانيّة، وهذا ما أعطى قيمة أكبر للإيقاع النفسي، وللنسق الكلامي، لا لصورة الوزن العروضي داخل البيت الشعري.

إن كل هذه المعطيات التي تمثله قصيدة النثر الحديثة نجدها في قصيدة " "زهور على نوافذ الروح" للشاعر "بديع صقور"، الذي استطاع عبر كل الصور الحسيّة والتخيليّة، وعمق دلالاتها وسهولة لغتها التي وظفها في النص الشعري، أن يقدم للمتلقي رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصها، (كاد) أن يعوض ما فقده النص من وزن وقافية. يقول الشاعر: (خبا صوت العندليب.. وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ كغيمة صيف). (تحت شمس الظلال.. نستجدي الغيوم المسافرة لتمنحنا حصتنا من المطر.. لنروي بها زهور أعمارنا الذابلة.).

فبهذه الانسيابيّة في تلاحق الصور التخيليّة والحسيّة بكل جماليتها ومصداقيتها، يشعر المتلقي بشفافيّة الرتم الموسيقي في هذه الصور وما تحمله من مواقف تهز وتحرك خوالج الروح والجسد معا. لقد استطاع الشاعر عبر كل هذه الصور الحسيّة والتخيليّة التي وظفها في النص الشعري، أن تمنح المتلقي من خلال ترابطها، وعمق دلالاتها وجماليّة لغتها، رتماً موسيقيّاً داخليّاً لنصه كاد أن يعوض ما فقده النص من وزن، أو موسيقى خارجيّة.

اللغة في القصيدة:

لقد توشحت لغة القصيدة بالسماحة والسهولة والترابط والسبك والغموض في الدلالة. والأهم أنها كانت لغةً فصيحةً بسيطةً في الظاهر، بيد أنها ليست لغة تقريريّة. إن حسن اللفظ في القصيدة حقق إلى جانب كل سماتها التي أشرنا إليها، رنتها الموسيقية اللذيذة في الأذن أيضاً، فكانت اللفظة الواحدة منسجمة مع بقية أجزاء الكلام، وهنا يكمن سر غرابة السبك وبراعة الصياغة وفن التعبير.

ملاك القول:

نحن أمام نص شعري مأساوي يجنح نحو العقل منبهاً، مثلما يجنح نحو العاطفة حزناً وقهراً على مأساة وطن أيضاً، وهذا ما يجعل المتلقي يقف كثيرا أمام كل مفردة أو عبارة وردت فيه، يبحث عن دلالات في رموزه وإشاراته وبنيته السرديّة بشكل عام. مثلما نحن أمام شاعر محترف، ومبدع في التعبير عن عمق أحاسيسه الداخليّة وخلجات هذه الأحاسيس والعقل معاَ، وبالتالي قدرته على نقل هذه الأحاسيس والمشاعر إلى المتلقي ليشاركه المأساة.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.......................

زهور على نوافذ الروح

أفل الربيع

خبا صوت العندليب

وتلاشت همساتهم على حدود الظمأ

كغيمة صيف.

2-

حصاني القصب..

فراشات طفولتي، وأنا

جرفتنا سيول الحرب،

غرقنا في مائها الآسن

ولم ينتشلنا أحد!

3-

في بساتين العطش،

حطت طيور الخريف..

ياه ! كم كانت حزينة ليالي

بساتين العطش؟.

4-

تحت شمس الظلال

نستجدي الغيوم المسافرة

لتمنحنا حصتنا من المطر،

لنروي بها زهور أعمارنا الذابلة.

ياه ! وكأننا نسينا أننا أكثر عطشاً، وذبولاً

من عروق أشجارنا، التي على وشك اليباس.

5-

أرواحهم

زهور على نوافذ الشمس..

اقترب المساء، وتفتحت أزهار النجوم.

كأن النجوم كانت تتأهب للبكاء!.

6-

قبل أن تدير وجهك وتبتعد،

تزود قليلاً من خضرة الوجوه،

والجبال، والشمس، والأغاني،

قبل أن يمر عليهم خريف جديد.

***

الشاعر بديع صقور

 

إنّ العلاقة التي تربط البنية الدلاليّة بالبنية التصوّرية، هي علاقة تأويليّة من خلال اللغة الشعريّة النصّية، وما يحمله النصّ من مؤثرات تؤدّي إلى حركة الألفاظ، ومن الطبيعي أن تحوي النصوص حركات فعليّة، بعضها تنبيهيّة وأخرى تواصليّة، تجمعهم موضوع الصلة في المساحة النصّية.

من طبيعة النصّ الشعري ومن خلال ثقله يتجاوز الواقع المحدود بصفاته، لذلك يعتمد الشاعر على القول التنبيهي والتحريضي، ويعتبر مثل هذا القول دلالة غير واضحة، وإنّما يستمدّ عمله من خلال السياقات الدلاليّة التي تتجاوز زمنيتها، فيظهر النصّ الشعري مطرزاً بإشاراته ورموزه وذلك من خلال بنائه اللغوي. إنّ النظرية التصورية ترتكز على مبدأ التصوّرات المتمثلة بالمعاني المتواجدة في ذهنية الشاعر، وهي تعود للفيلسوف الانكليزي (جون لوك) وأطلق عليها بالنظرية العقليّة. (وهذه النظرية تعتبر اللغة "وسيلة أو أداة لتوصيل الأفكار". وما يعطي تعبيراً لغوياً معنى معينا استعماله بإطراد "في التفاهم" كعلامة على فكرة معيّنة. الأفكار التي تدور في أذهاننا تملك وجوداً مستقلاً. – د. أحمد مختار – علم الدلالة – ط5 لسنة 1998م - ص 57).

نتواصل مع الشاعر العراقي طالب حسن وقصيدته (إيواءات)، حيث أنّه اعتمد التقطيع المرقّم، وهذا يعني أن تواجهنا عدّة نصوص تحت مسمّى واحد، أي أنّ الغرفة النصّية التي تحضن تلك النصوص تلوّح للمتلقي وما يقدّمه من انزياحات ورموز ودلالات واستعارات تصوّرية، صنّـفها ضمن علم التركيب النصّي.

1= النواميس المستعادة + أقاويل فقدت + بصيرتها

2= عظامك هشة + أيتها البلاد + مثل حلم قابل + للأنكسار

3= لماذا في كل موسم + تتعرين كما الأشجار + وتفتحين فخذيك لقلق + ولادة جديدة؟

إنّ بيان قيمة النصّ تأتي بالدرجة الأولى عندما يتكئ الشاعر على العجائبيّة والغرائبيّة، ويبتعد عن الواقع المباشر، ومن هنا يُدخلنا إلى فلسفة المعنى التي لا تجد اتفاقاً معيّناً بين النظريات والأطروحات المتعدّدة، لذلك تختلط في النصّ بصيغته الاندماجيّة علاقات تصويريّة بعضها تأتي من الخارج على شكل محسوس يقتحم الذات، وبعضها يكون متعلقا بالذات الحقيقيّة، والذاكرة لا تبتعد عن المتعلقات والأفكار والهواجس، كلّها لخدمة المعنى وكيفية توصيله للمتلقي. (إذن فالتصوّرات المختلفة التي تحقق نتيجة عملية واحدة، والتصوّرات التي لا ينتج عنها آثار لا معنى لها. – د. محمود فهمي زيدان – في فلسفة اللغة – ط1 لسنة 1985م، دار النهضة العربية، بيروت - ص 97).

نلاحظ أنّ الشاعر طالب حسن، يمثل البلاد بالكائن، كائن حسّي حركيّ، ومن خلال هذه التشبيهات والتصوّرات تتمركز أيقونة المعنى على نتائج معيّنة، (عظامك هشّة)، إذن نتيجة الهشاشة عدم التحرّك بالصيغة التي يتصوّرها المرء.

4 = قبل أن أعرفها + لم أكن أفهم كيف  أو لماذا + القتلة.... + والسفلة... + يتناسلون

5 = لا أستطيع التخلص + من قوائم أسماء الشهداء + فهم حتى بعد رحيلهم + لا زالوا يسقون براعم حلمي

6 = الخطأ ليس في الكرسي + ولا بالجالس عليه... + الخطأ في ذاكرة الأشجار + التي شاخت مبكرا

من خلال دلالة المفاهيم النصّية ينطلق الشاعر بأسئلة، وكلّ سؤال جواب لهذا المفهوم، فالقتلة مثلا، لا تحتاج إلى مبيّنات تدعم المفردة، بل هي ضمن المفهوم الدلالي للنصّ، أي تابعة لسياق معيّن ولا يمكننا تجزئة المفردة، وكذلك ربط هذا المفهوم بالمقطع الثاني (لا أستطيع التخلص + من قوائم أسماء الشهداء)؛ إذن العلاقة متوازنة بين القتلة وبين الشهداء. فالأولى حنطها بالاستفسار (وأراد أن ينتقص من المفردة) بينما نلاحظ أنّه جعل الثانية في إطار الاحترام (لا أستطيع التخلص/ فهم حتى بعد رحيلهم + لا زالوا يسقون براعم حلمي).

إن صورة الحياة الكائنة أمام الشاعر هي نفسها اللعبة اللغويّة التي دجّنها في منظور الدلالة اللغويّة من جهةٍ، وفي دلالة المعنى من جهة ثانية. وإنّ فكرة الوجود التي أطلقها الشاعر لا معنى لها إلا ضمن إطار التصوّرات، حيث تمتدّ المعاني عبر النصوص المقطعة والتي أراد أن تكون ضمن اللغة بالضرورة.

7 = العالم يضج بالحماقات + حتى وإن تظاهر + بالبراءة 

8 = حين تشظى وجهه في المرايا + صار يتلقى الصفعات + من بغايا الأرصفة 

9 = ذنوبهم كبيرة + أولئك الذين قنصوا الطيور + من على الأشجار + والورود من على الحدائق

تنتمي بعض المقاطع إلى القوّة الدلالية من خلال تغييرات التواصل اللغوي، مثلا هناك القوّة العقلية للتفكير، وقوّة المفردة التي تحافظ على المعنى (المفردة الذكيّة)، وقوّة الأشياء، والتي تنتمي إلى الطبيعة، وقوّة الكائن، وتنتمي إلى القوّة النفسية. تتوزّع هذه الدلائل على المعاني من جهة، وعلى قوّة الأفعال وحركتها النصّية من جهةٍ ثانية. لذلك عندما تطرق الشاعر إلى العالم، فإنّنا نعبّر عن ذلك بقوّة الملاحظة، وتعتبر الدلالة التواصليّة ذات علاقة مع قوّة الإدراك الذاتي. ومن ثمّ لم يتوقف الشاعر في مجال معيّن بل دمج بعض الأشياء من خلال قوّتها التركيبيّة في النصّ المكتوب.

10 = الذئاب التي أدمنت الافتراس + تعلمت القنص من دمى + السيرك 

11 = هكذا يمضون + لا حلم في اليد + لا جهة يشيرون + إليها..

سحر الجملة، أو الحيلة الكلاميّة التي يرافقها الانزياح أو بعض الأشياء الرمزيّة التبادليّة، كلّها تؤدّي إلى غرائبيّة اللغة، فاللغة النصّية تعتمد بصيغتها القصديّة على تغيير المعنى اللفظي، لذلك فالمعاني المكتومة، تكون دائماً خلف سياقات لغوية تخصّ النصّ ولو كانت من خارجه.

إنّ عناصر التشبيه واعتماد بعض الرموز ومنها مثلا (الذئاب، السيرك والحلم) هي مفردات أراد منها الشاعر أن يشكّل نسقاً معيناً موازياً للمعاني والتأويلات النصّية.

لقد قدّم الشاعر العراقي طالب حسن نصّاً اعتمد على شبكة من العلاقات الداخليّة والخارجيّة المتداخلة، وقد أثر المحسوس الخارجي على فطنته في الدخول إلى وحدات من المعاني وأخرى وحدات لغويّة، وحرّك الأحاسيس والتكوينات واللوازم التي تؤدّي إلى الخلق النصّي.

***

كتابة: علاء حمد

..........................

إيواءات

النواميس المستعادة

أقاويل فقدت

بصيرتها

2

عظامك هشة

أيتها البلاد

مثل حلم قابل

للأنكسار

3

لماذا في كل موسم

تتعرين كما الأشجار

وتفتحين فخذيك لقلق

ولادة جديدة؟

4

قبل أن أعرفها

لم أكن أفهم كيف أو لماذا

القتلة....

والسفلة...

يتناسلون

5

لا أستطيع التخلص

من قوائم أسماء الشهداء

فهم حتى بعد رحيلهم

لا زالوا يسقون براعم حلمي

6

الخطأ ليس في الكرسي

ولا بالجالس عليه...

الخطأ في ذاكرة الأشجار

التي شاخت مبكرا

7

العالم يضج بالحماقات

حتى وإن تظاهر

بالبراءة 

8

حين تشظى وجهه في المرايا

صار يتلقى الصفعات

من بغايا الأرصفة 

9

ذنوبهم كبيرة

أولئك الذين قنصوا الطيور

من على الأشجار

والورود من على الحدائق 

10

الذئاب التي أدمنت الافتراس

تعلمت القنص من دمى

السيرك 

11

هكذا يمضون

لا حلم في اليد

لا جهة يشيرون

إليها..

***

طالب حسن - العراق

مرابع كينونة الفاعل الذاتي

توطئة: بقي نشاط كينونة الفاعل الذاتي في إدراك أشياء الوجود الذاكراتي المتخيل في رصيد اهتمامات الشاعر بمثابة المدار البحثي التنظيري والاجرائي منذ أقدم المفاهيم المعرفية والفلسفية في شعرية توجهات الشاعر عبر نصه بوصفه الأداة التي يختزل منها وفيها الشاعر لوجود أوليات صوره وأفكاره المنشطرة بين هويته الذاتية وعلامات عوالمه الدالة سعيا للاقتراب من بواعثه المخصوصة في الذاكرة وعين اللحظة الحاضرة من حيز محمولات الذاكرة الخيالية. جاءت قصيدة الشاعر الفرنسي أرثور رامبو الموسومة بـ (الشاعر في السابعة) تجسيدا لملامح انطولوجية ــ ذاتية، عبر ربطهما بما تحمله الذاكرة من شواهد ومكونات كينونية متخيلة تلتقي فيها الذات الحلمية بما تثيره من صور وتكوينات سيكولوجية خاصة.

ــ السارد الشعري وأهواء الطفولة المنفعلة

من هنا نجد في مستهل مقاطع القصيدة الأولى ثمة مرجحات خاصة تتوزعها (الذاكرة ــ الصور ــ المتخيل) ضمن شكلية وصفية في الوحدات سردا شعريا:

.. وأغلقت الأم كتاب الدرس، وهبت ماضية

وهي فخورة.

لكنها لم تر النظرة

في العينين الزرقاوين، ولا كيف هاج الغضب

ــ تحت الجبهة العالية،

في نفرة وحشية مستسرة ــ

في طفلها روحا تثور.

إن التأكيد على المعنى الأساسي في الجمل الشعرية، هو (غضب الطفل) حيث أن شكل المعنى في هذه المقاطع لا يمكننا حصره في رأينا في مراهنة أهوائية تسلك مجالا انفعاليا من داخل وخارج الذات الموصوفة، وهذا النوع من الأداء غدا جاريا على لسان السارد الشعري إذ يمتاز بالرؤية وفيض موجهات الرقيب الشعري (.. وأغلقت الأم كتاب الدرس) لعل من الملفت إلى الانتباه أن حركية دال الأم في موجهات الجملة، مبعثها سيرورة خفية من عدم اللامبالاة التي تتعارض وسورة السخط التي تحيط بدال الطفل، فلا نعلم هل هي سيرورة مفترضة من جهة الأم الأدوارية ؟ أم إنها الهيمنة الذاتية التكرارية بإعطاء الدروس القسرية على قيد رفضية الطفل الدال ؟ أم إن هناك مستويات خاصة لهذه التراتيبية النمطية اللامتوازنة (لكنها لم تر النظرة ــ في العينين الزرقاوين، ولا كيف هاج الغضب ــ تحت الجبهة العالية) إن الراوي الشعري ها هنا يسعى نحو خلق علاقة طريفة متنافرة بين حالات الأم (و هي فخورة راضية) وبين قصدية إلتباسية تنتهي بغضب الطفل من جراء تجربة الدرس وشواغلها القسرية بوعي مقارب لآليات العنونة المركزية عبر علاقاتها اللفظية والدلالية المسكونة بروح التنافر السلبي:

في نفرة وحشية مستسرة ــ

في طفلها روحا تثور.

إذ إن الجمل الواردة أعلاه تسعى من خلالها الذات الساردة إلى خلق شكلا آخر يتجلى فيه دال الطفل في المتن النصي تجليا ذات مساحة ملتبسة في الكشف والكشوف، لذا فهي تستجيب سلبيا عبر ملفوظها المهيمن وتركيزا قصديا شديدا يقود فيه السارد حمولاته التلفظية عبر حركة الدوال وتشكيلها بالصور وبث السؤال العائد إلى فضاء الكائن الطفولي المتحرك تحت العمودي الساقط من ثريا العنونة المركزية، لذا جاءت جميع علامات التنقيط والفواصل، بذلك المصرح به عبر ضميري (الأنا الساردة ــ هو) وصولا إلى ذروة المتن النصي وتحولاته المتحركة عبر حساسية الفعل والاجراء والاقفال:

و ظل طوال اليوم يتصبب بالعرق

من فرط غيظ مطيع

ولد ذكي الفؤاد ! لكنه رغم ذلك بدا وهو يكشف عن

نفاق مرير

بأفانين من قاتم القلق.

لا شك في أن آلية عقدة الغضب لدى الطفل هي آلية هبوط إلى مستوى الملتبس بتشكيله بدلالة تواصلية الألم الذي يقود إلى منظومة أفعال آنوية في سياقها التشكيلي، لذا فإنها انفعالية ترتد بنا إلى ذلك السؤال الكبير: ما حدود حقيقة غضب الشاعر طفلا ؟ فهل هو الغضب الأزلي الذي لا بد منه لإتمام حساسيته الشعرية ؟ أم إنه الغضب المزهو المبتهج قيدا ؟.

ــ معزولية كائنية الذات وطقوس سكينة الهواجس

تنحو بنا ذاتية السارد الشعري بزمن طفله الشعري بذلك المنحى الذي يجعل من سكينة الأشياء ملاذه الإشكالي الذي يسلك إليه كقطيع أزلي تتمركز فيه آنويته كصيغة تقودها متاهة التمركز:

و في الدهاليز المزورقة بأبسطة حائلة

كان يمد لسانه، ويشد القبضتين

إلى فخذيه بقوة،

و يرى بعينين مغمضتين

بقعا من الضياء.

إن مرويات السارد ترتكز في بنيتها الدلالية على جملة غريبة من الأوصاف الشعرية إلا إنها بدت لنا من جهة ما تتعرض إلى حالة خاصة من الترميز والانزياح في الرؤية واللغة الشعرية، لذا تصبح بمقتضاها الفكرة الشعرية إلى موضوعة ملتبسة وصورا غرائبية تحيل الذوات إلى ملامح مفارقة في التكوين الدوالي والصوري: (كان يمد لسانه، ويشد القبضتين) كل هذه الصور هي من الكشف الانفعالي بثبات صيغة الأهوائية الذاتية في موصوف المعادل (الدهاليز ــ أبسطة ــ حائلة) إذ لا شك أن  (الدهاليز) ترتبط في عملية تكريس صورية المضمر والمكظوم من خيبات الذات عبر جملة التكثيف (و يرى بعينين مغمضتين) إلى ما هناك من سلسلة خاصة من الإيحاءات والإحالات المكرسة في سياق لفظي غاطس برؤى وأفكار سوداوية تتجسد على هيئة خلاصة ذاتية وحيدة (بقعا من الضياء) تنطوي هذه الجملة الأخيرة على إزاحة زمنية كفاصلة خطية تقارب حلولية الملاذ الخلاصية بوصفه بديلا حتميا عن فراغ الداخل الذاتي وتصحره وموته.

ــ الفضاء الدوالي بين الدلالة المكانية وآليات النص

إن ما نريد التوكيد عليه هنا، أن (الفضاء الدوالي) تترتب بمقتضاه الأفكار والمعاني ضمن حدود ما يتوخاه الشاعر من إيرادات خاصة في إانتاج الدلالا، لذا فالشاعر يتعامل مع حيثيات فضاءات دواله بما ينبغي تقديمه من وظائف الدلالات، ويؤخر ما ينبغي تأخيره منها وهذا الأمر ما تقتضيه معايير الشعرية التي تتعلق بلغة الخطاب الفضائي:

وانفتح باب على المساء

وحينذاك

ــ عاليا،، تحت خليج من الألأ

يتدلى من السقف، على قمة السلم ــ ابصروه

يهتف كالديك من هناك.

و بطبيعة الحال يصبح للفضاء ذلك التأويل المضمر إذ يقضي بتطرف الذات المتداخلة وصوت السارد في تقديم رؤى الفضاء ضمن الاستعدادات التي تدفع بالرؤى المتهيئة إلى ملازمة الجوهر (و انفتح باب على المساء) بصفات لا تميل لها تلقائية النفس بل إن المتعة الحقيقية له تكمن في وصفه ضمن مقاصده وصياغته بتحويل السياق المكاني إلى ظاهرة من المعنى المؤول (يتدلى من السقف) أو بجوار جملة اللاحق (أبصروه يهتف كالديك). إن ما ينبغي التأكيد عليه ها هنا لأجل إمكانية الربط التراكيزي، وهو الاستخدام للظاهرة الصوتية وهي تشكل بذاتها ذلك الاختزال في ثنائية دمجية خاصة بين صوت الدال الفاعل وصوت السارد الشعري، في الوقت الذي غدا فيه التصور الفضائي لمساحة القول بمثابة الانعطافة الزمانية بين الجهات الدوالية (باب على المساء ــ عاليا، تحت خليج من اللألأ ــ يتدلى من السقف ــ على قمة السلم) ولكن لا يمكننا بسهولة أن نزج هذه الانماذج في خالقية دلالية ما دون أن نعرف مسبقا القيمة الوظيفية من الاقتراح العنواني (الشارع في السابعة) خصوصا وإن إمكانية البوح الدوالي غدت جملة من التصورات الخارج إطار كينونة الذات المشار إليها فاعلا، لذا يستدعي الواقع البحثي منا استدراك صورة الذات الواقعة دون شعورنا بأرتباطها مع مكونات الحكي الوسائطي:

و في الشتاء

حين تتضوأ الحديقة الصغيرة

وراء البيت،من نور القمر،

ــ تغسلها كل عطور الظهيرة.

كان يصغي، مستلقيا تحت الجدار،

مختفيا في الأرض الوعيرة،

إلى صرير العرائش الجرداء.

هنا يعود الشاعر لبني تصوره في رصد الفضاء المكاني ظاهراتيا على لحظة الانبثاق الصورية التي ولدت شعورا ساذجا أوليا، وهكذا فقاعدة الرصد (و في الشتاء) تنطلق من محددات مشخصة من حالات المساحة الفضائية (حين تتضوأ الحديقة الصغيرة) والوساطة الحلمية بالمكان الأولي يشكل بذاته ذلك المحور الطبيعي الذي يؤاخي مأوى الطفولة وحضور كينونة اللحظة الأولى للأنسان في طفولته (كان يصغي، مستلقيا تحت الجدار، مختفيا في الأرض الوعيرة) فباشلار يرى أن كل ركن في البيت وكل زاوية في الحجرة، وكل بوصلة في المكان المنعزل الذي يقودنا إلى الاختباء فيه، هو ما يشكل بذاته الانطوائية على انفسنا كرمزية للعزلة والرغبة في الانزواء بوصفهما كونا آخر له دلالته.

ــ تأويل أكوان الذات وسكينة المخيلة الحلمية

1ــ المرجعية الذاتية في ضوء استقصائية الطابع الرمزي:

إن العناصر العاملية  في شواغل نمو الذات النواتية، تمثل بطبيعتها بنيات معقدة من حوافز المعارف النفسية (الحسية ــ اللاحسية) وفضلا عن ذلك فإن العنصرية العاملية للذات تمتاز بكونها متغيرة ومتمحورة حول تغايراتها في مسار أدائية المعنى:

شاخصا إلى الرؤى حتى يترنح منه البصر.

يا لقلبه الفض! إنه اختار

ــ رفاقا دون الآخرين ــ

أولئك الأطفال الأشقياء

ذوي الجباه الخلية الملساء

والعيون المعفرات، والخدود الملطخة بالطين

والأصابع التي هي كالدود

النحيلة، العليلة،

المندسة في أطمار للوحل فيها ريح.

و قد وضع الشاعر رامبو يده على الأوضاع الإشكالية بوصفها مصدر بؤس طفولة الشاعر، والشاعر لا يقف عند وصف الصفات الظاهرة من موقعية الدوال الأخرى (يا لقلبه الفض إنه اختار) وأنما يكشف عن تعقيد المفترض في هيئة خياراته الطفولية (رفاقا دون الآخرين، أولئك الأطفال الأشيقياء) فيما يستشرف أبعاد العوامل والصفات ضمن أداة ورؤية واصفة لأدق معاينات الوصف البليغ (>وي الجباه الخلية الملساء ـ والعيون المعفرات ـ والخدود الملطخة بالطين) إن عظمة الشاعر وحسية الشعر، تكمن في قدرتهما على تحريك الشعور المضمر وأثارة الأنفعال، وليس تلك الأدوات الفجة في صور القصيدة أو تلك اللغة المتحجرة التي يراها الواهمون إنها من مظاهر شعرية الحداثة الشعرية المزيفة، وشعرية النص لدى رامبو ممارسة لغوية وصفية تستخدم معادلات موضوعية تدخل من خلالها مجالات خصبة من القيمة المعادلة المشرئبة باللحظة الدراماتيكية المحملة بأقصى اشراقات وكشوفات النص الشعري.

ــ تعليق القراءة ــ

و في السابعة من سنيه

كتب قصص المغامرة عن الحياة في الصحراء الكبيرة

حيث تزهر الحرية المنفية، والغابات والبطاح.

إن الموسيقى الداخلية، من العناصر العضوية في مؤثثات الشعرية المؤثرة، وعلى هذا النحو تحملنا المقاطع شبه الأخيرة من قصيدة الشاعر نحو دلالات الأصوات الحروفية والمتناغمة مع دلالات النص العميقة المشحونة بالرؤى الانفعالية والفعلية ذات الخالقية التأملية لواقع كينوني طفولي يجسد أجلى وأسمى رؤية الذات المنكفئة على نفسها، خروجا لها نحو مرابع كينونة فضاءات المكان وفواعل زمنية الإثارة والترقب في ابعاد بوصلة استدراكات الراوي الشعري وكفاءته الايصالية المنهمكة في خطاب الفعل الشعري المعمق.

***

حيدر عبد الرضا

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة الحركة الرومانسية بوصفها ظاهرة أدبية وفكرية مركّبة، استعصت على التعريف الأحادي بسبب طبيعتها الدينامية وانفتاحها على أبعاد جمالية ونفسية وفلسفية متعددة. ورغم تباين التصورات النقدية حول ماهيتها، فإنها تلتقي في اعتبار الرومانسية ثورة على صرامة الكلاسيكية وتمردًا على هيمنة العقلانية، وانتصارًا للذات الإنسانية بما تحمله من طاقة شعورية وخيالية خلاقة.

وقد تتبعت الدراسة نشأة الرومانسية في سياقها الغربي، حيث تبلورت بوصفها استجابة لتحولات حضارية عميقة، قبل أن تنتقل إلى العالم العربي عبر قنوات متعددة، أبرزها التثاقف والتفاعل مع الغرب، وحركة الترجمة، والبعثات العلمية، وظهور الصحافة الحديثة، فضلًا عن تشكّل مدارس أدبية جديدة مثل مدرسة الديوان ومدرسة أبولو، التي أسهمت في ترسيخ هذا الاتجاه وتوطينه ضمن السياق الثقافي العربي.

كما كشفت الدراسة عن أبرز الخصائص التي وسمت الشعر الرومانسي العربي، من حيث المضمون، حيث برزت الفردية بوصفها مركزًا للتجربة، وتجلى تمجيد الذات، والحنين، والهروب إلى الطبيعة، والتعبير عن القلق الوجودي والتشاؤم، إلى جانب النزوع نحو الحرية والانعتاق. أما من حيث البنية الفنية، فقد تميز هذا الشعر بتجديد عميق شمل الصورة الشعرية، وتطوير اللغة لتغدو أكثر شفافية وإيحاءً، والعناية بالموسيقى الداخلية والخارجية، فضلًا عن التحرر من القوالب التقليدية الصارمة.

وخلصت الدراسة إلى أن الرومانسية مثّلت لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي الحديث، إذ أسهمت في تحريره من أسر الكلاسيكية، وأعادت توجيهه نحو أفق إبداعي قائم على التجربة الذاتية والابتكار الجمالي، مما مهّد لظهور أشكال شعرية أكثر حداثة وانفتاحًا.

على سبيل الافتتاح:

تندرج الحركة الرومانسية ضمن التحولات العميقة التي شهدها الوعي الإنساني في منعطف حاسم من تاريخ الفكر والأدب، حيث لم تكن مجرد مذهب فني عابر، بل مثّلت ثورة جمالية وأنطولوجية أعادت صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم. ففي أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، وجد الإنسان نفسه في قلب تحولات جذرية مست البنى الاجتماعية والسياسية والفكرية، لعل أبرزها صعود النزعة العقلانية الكلاسيكية، واتساع آثار الثورة الصناعية، وما ترتب عن ذلك من إحساس متزايد بالاغتراب والتمزق الداخلي. وفي خضم هذا السياق المأزوم، برزت الرومانسية بوصفها استجابة وجودية عميقة، سعت إلى استعادة التوازن المفقود بين العقل والعاطفة، وبين النظام والحرية، وبين الواقع والحلم.

لقد جاءت الرومانسية ثورة على صرامة الكلاسيكية التي أعلت من شأن العقل والنموذج والامتثال، وأقصت في المقابل العاطفة والخيال والتجربة الفردية. ومن هنا، أعلنت انحيازها الصريح للذات الإنسانية بوصفها مركزًا للوجود والمعنى، وجعلت من الانفعال والتخيّل مصدرين أساسيين للمعرفة الجمالية. ولم يعد الأدب، في هذا الأفق، مجرد محاكاة لنماذج موروثة، بل غدا تعبيرًا حيًا عن التجربة الداخلية، وعن القلق الوجودي، وعن التوتر الدائم بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.

وقد أسهم في بلورة هذا الاتجاه في أوروبا أعلام كبار مثل Victor Hugo (فيكتور هوغو)، وAlphonse de Lamartine (ألفونس دو لامارتين)، وAlfred de Musset (ألفريد دو موسيه)، فضلًا عن François-René de Chateaubriand (فرانسوا رينيه دو شاتوبريان)، الذين جعلوا من الأدب فضاءً رحبًا للتجربة الذاتية العميقة، متجاوزين حدود البلاغة التقليدية نحو أفق إنساني أكثر انفتاحًا وحرية.

غير أن الرومانسية، في انتقالها إلى العالم العربي، لم تكن مجرد انعكاس آلي لتجربة غربية، بل تشكّلت ضمن سياق تاريخي وثقافي خاص، تداخلت فيه عوامل متعددة، من أبرزها الاحتكاك الحضاري بالغرب منذ الحملة الفرنسية على مصر، وحركة البعثات العلمية، واتساع دائرة الترجمة، وظهور الصحافة الحديثة، فضلًا عن الأزمات السياسية والاجتماعية التي عمّقت الإحساس بالاغتراب والبحث عن الحرية. وفي هذا الإطار، وجد الشاعر العربي في الرومانسية أفقًا جديدًا للتعبير عن ذاته القلقة، وعن تمزقه بين ماضٍ مهيمن وواقع مأزوم وتطلعات مستقبلية مفتوحة.

وقد تبنّى هذا الاتجاه في الأدب العربي الحديث روّاد بارزون مثل خليل مطران، وجبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، الذين سعوا إلى تحرير الشعر من قيود المحاكاة، وإضفاء بعد إنساني وجداني عميق على التجربة الشعرية، فانتقل النص من التعبير عن الجماعة إلى التعبير عن الذات، ومن وصف الواقع إلى إعادة تخييله.

ومن ثم، فإن دراسة الحركة الرومانسية لا تقتصر على رصد خصائصها الفنية أو الموضوعية، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة خلفياتها الفلسفية وتجلياتها النفسية وأبعادها الحضارية، باعتبارها تعبيرًا مكثفًا عن أزمة الإنسان الحديث وتطلعه الدائم إلى الحرية والجمال والمعنى. إنها، بهذا المعنى، لحظة تأسيسية في تاريخ الأدب، دشّنت انتقالًا نوعيًا من أدب النموذج إلى أدب التجربة، ومن لغة جامدة إلى لغة نابضة بالحياة، ومن وعي جمعي مستقر إلى وعي فردي متوتر ومبدع.

إشكالية الدراسة:

إذا كانت الحركة الرومانسية قد مثّلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ الأدب، بما أحدثته من قطيعة مع النموذج الكلاسيكي وإعادة اعتبار للذات والعاطفة والخيال، فإن الإشكال الذي يفرض نفسه بإلحاح لا يكمن فقط في تحديد ماهيتها، بل في فهم طبيعة هذا التحول العميق الذي مسّ بنية الوعي الجمالي ذاته. ذلك أن الرومانسية، بوصفها ظاهرة متحركة ومتعددة الأبعاد، تطرح سؤالًا مركزيًا حول حدود تعريفها: هل يمكن اختزالها في مذهب أدبي محدد المعالم، أم ينبغي النظر إليها كتجربة إنسانية مفتوحة تتجاوز التصنيفات الجاهزة؟

وانطلاقًا من هذا التعقيد، تتفرع إشكالية الدراسة لتلامس جملة من الأسئلة المتداخلة: إلى أي حد يمكن اعتبار الرومانسية ثورة شاملة على الكلاسيكية، وليس مجرد رد فعل مرحلي عليها؟ وكيف أسهمت في إعادة تشكيل مفهوم الإبداع من محاكاة للنموذج إلى تعبير عن التجربة الذاتية؟ ثم كيف تمثّلها الأدب العربي: أكان انتقالها مجرد استيراد لنموذج غربي، أم تفاعلًا خلاقًا أعاد إنتاجها وفق خصوصيات السياق الثقافي والتاريخي العربي؟

وإلى جانب ذلك، تطرح الدراسة تساؤلًا جوهريًا حول طبيعة التحولات التي أحدثتها الرومانسية في بنية القصيدة العربية: هل اقتصر تأثيرها على مستوى الموضوعات، أم امتد ليشمل البنية الفنية واللغة الشعرية والرؤية الجمالية؟ وهل استطاعت هذه الحركة أن تؤسس لوعي شعري جديد، أم ظلت مرحلة انتقالية ممهّدة لظهور تيارات أكثر حداثة؟

إن هذه الأسئلة، في تداخلها وتشابكها، لا تهدف إلى تقديم أجوبة نهائية بقدر ما تسعى إلى تفكيك الظاهرة الرومانسية والكشف عن رهاناتها العميقة، باعتبارها لحظة توتر خلاق بين القديم والجديد، وبين العقل والعاطفة، وبين الواقع والحلم، وهي بذلك تمثل مدخلًا أساسيا لفهم تحولات الشعر العربي الحديث ومساراته

مدخل نظري:

تُعدّ الرومانسية من أكثر الظواهر الأدبية والفكرية تعقيدًا وإثارة للجدل في تاريخ الإبداع الإنساني، إذ لم تنشأ بوصفها مذهبًا مغلقًا أو نسقًا نظريًا مكتملًا، بقدر ما تشكّلت كتجربة حية متحركة، تعكس توتر الإنسان الحديث بين الواقع والممكن، وبين العقل والعاطفة، وبين النظام والحرية. ولهذا، فقد تضاربت الآراء في تحديد ماهيتها، واختلفت المقاربات النقدية في تأطير حدودها، غير أنّ هذه التباينات، على تعددها، تلتقي عند اعتبار الرومانسية ثورة عميقة على تصلب المذهب الكلاسيكي، الذي جعل من العقل مرجعية مطلقة، ومن الماضي نموذجًا يُحتذى، وأقصى في المقابل العاطفة والخيال والتجربة الفردية.

غير أن صعوبة تعريف الرومانسية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها قصورًا نظريًا، بل هي دليل على طبيعتها الحيوية وانفتاحها الدلالي. فهي، في جوهرها، تجربة وجودية مركبة، تتداخل فيها الأضداد: الألم والأمل، الواقع والحلم، الانكسار والتوق إلى المطلق. إنها تعبير عن ذات قلقة، تعيش التوتر بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وتسعى إلى إعادة بناء العالم انطلاقًا من رؤيتها الخاصة. ومن هنا، يمكن النظر إلى الرومانسية بوصفها فعل تحرّر مزدوج: تحرّر من سلطة النموذج، وتحرّر من هيمنة العقل الأداتي.

 إشكالية المفهوم وحدود تعريف الرومانسية:

تندرج الرومانسية ضمن المفاهيم الأدبية التي استعصت على الضبط التعريفي الدقيق، لا لقصور في المقاربات النقدية التي تناولتها، بل لكونها، في جوهرها، ظاهرة دينامية متحركة، تتجاوز حدود التصنيف الجامد وتقاوم الاختزال في نسق نظري مغلق. فهي ليست مذهبًا محدد المعالم بقدر ما هي تجربة إنسانية مفتوحة، تتقاطع فيها الأبعاد الجمالية والنفسية والفلسفية، وتتداخل فيها العاطفة بالخيال، والأسطورة بالواقع، والألم بالأمل، في بنية معقدة تعكس توتر الذات الحديثة في سعيها إلى المعنى. ومن هنا، فإن كل محاولة لتعريف الرومانسية تظل جزئية بالضرورة، لأنها تسعى إلى تثبيت ما هو بطبيعته متحوّل، وإحاطة ما يتسم بالانفلات والتجدد.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى الرومانسية بوصفها وعيًا مأزومًا بالوجود، ينبثق من شعور عميق بالانفصال عن العالم، ومن إدراك حاد للتناقض بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. إنها ليست مجرد انفعال عابر أو نزعة جمالية، بل هي موقف وجودي يعيد من خلاله الإنسان تشكيل علاقته بذاته وبالكون، عبر الانكفاء إلى الداخل، واستدعاء قوى الخيال، والبحث عن المطلق في الطبيعة والحلم واللغة. وبذلك، تتحول الرومانسية إلى فعل تحرر مزدوج: تحرر من سلطة العقل الصارم الذي قيّد الإبداع، وتحرر من هيمنة النماذج الجاهزة التي كبّلت التجربة، لتغدو الذات مركزًا للخلق، ومصدرًا للحقيقة الجمالية التي لا تُدرك إلا عبر التجربة الشعورية العميقة.

 الرومانسية بين النشأة الغربية والتشكل العربي:

انبثقت الرومانسية في أوروبا في سياق تاريخي اتسم بالتوتر والتحول، حيث جاءت كردّ فعل عميق على صرامة الكلاسيكية التي كرّست سلطة العقل والنموذج، وأخضعت الإبداع لقوانين ثابتة تحدّ من حريته. وفي مواجهة هذا الأفق المغلق، سعى الأدباء إلى تحرير التجربة الجمالية من قيودها، فدعوا إلى العودة إلى الطبيعة بوصفها مصدرًا أصيلًا للانسجام، وإلى الذات باعتبارها منبعًا للحقيقة والمعنى. وقد ارتبط هذا التحول بتحولات فكرية كبرى، جعلت من الفرد مركزًا للكون، ومن التجربة الشعورية معيارًا لإدراك العالم، الأمر الذي منح الرومانسية بعدًا فلسفيًا يتجاوز حدود الأدب إلى مساءلة الوجود الإنساني ذاته. وقد أسهم في ترسيخ هذا الاتجاه أعلام بارزون مثل Victor Hugo (فيكتور هوغو)، وAlphonse de Lamartine (ألفونس دو لامارتين)، وAlfred de Musset (ألفريد دو موسيه)، الذين نقلوا الأدب من فضاء البلاغة والمحاكاة إلى فضاء التجربة الذاتية العميقة، حيث يغدو النص تعبيرًا عن قلق الإنسان وتوقه إلى المطلق.

أما في العالم العربي، فإن الرومانسية لم تتشكل بوصفها امتدادًا آليًا للتجربة الغربية، بل جاءت نتيجة تفاعل تاريخي وثقافي معقد، انخرط فيه الأدب العربي في مسار من التحول العميق. فقد أسهم الاحتكاك الحضاري بالغرب، خاصة منذ الحملة الفرنسية على مصر، في فتح آفاق جديدة أمام الفكر العربي، تلاه نشاط ملحوظ في حركة الترجمة التي نقلت نصوصًا أدبية وفكرية أسهمت في زعزعة البنى التقليدية. كما لعبت البعثات العلمية إلى أوروبا دورًا مهمًا في نقل معارف حديثة، إلى جانب نشوء الصحافة التي شكّلت منبرًا لنشر أفكار التجديد، فضلًا عن بروز تجمعات أدبية حديثة مثل مدرسة الديوان والرابطة القلمية ومدرسة أبولو، التي تبنّت خطابًا نقديًا جديدًا يدعو إلى تحرير الشعر من قيوده.

وفي هذا السياق، برزت أسماء شعرية رائدة مثل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وخليل مطران، الذين أسهموا في إعادة تشكيل الحساسية الشعرية العربية، حيث نقلوا القصيدة من أفق المحاكاة الشكلية إلى أفق المعاناة الوجدانية، وجعلوا من الذات محورًا للتجربة، ومن اللغة أداة للتعبير عن القلق والحنين والتوق إلى الحرية. وهكذا، تبلورت الرومانسية في الأدب العربي بوصفها تجربة خاصة، أعادت إنتاج النموذج الغربي في ضوء خصوصيات الواقع العربي، وأسهمت في إحداث قطيعة نسبية مع التراث الكلاسيكي، ممهّدة بذلك لظهور أشكال أكثر حداثة وانفتاحًا في التعبير الشعري.

الخصائص الموضوعية للشعر الرومانسي:

يتأسس الشعر الرومانسي على منظومة من الخصائص الموضوعية المتشابكة التي تعكس تحولات عميقة في بنية الوعي الإنساني، وفي طبيعة العلاقة بين الذات والعالم، وبين التجربة الداخلية والخطاب الشعري. فبدل أن يكون الشعر تعبيرًا عن موضوعات خارجية ثابتة أو محاكاة لنماذج جاهزة، أصبح في التصور الرومانسي فضاءً لتجلي الذات في أبعادها الأكثر حميمية وقلقًا، حيث تتبوأ التجربة الفردية مركز الإبداع، وتتحول الذات إلى بؤرة انطلاق للرؤية الشعرية، بما يجعل النص امتدادًا مباشرًا لانفعالات الشاعر وهواجسه وتوتراته الوجودية.

وفي هذا السياق، يبرز القلق الوجودي بوصفه أحد أهم المكونات الدلالية للرؤية الرومانسية، إذ يعكس إحساس الإنسان العميق بالاغتراب داخل عالم لا ينسجم مع طموحاته الداخلية، عالم تتسع فيه الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. ومن هذا الإحساس يتولد نزوع دائم نحو الهروب إلى الطبيعة، التي لا تُستدعى في الشعر الرومانسي بوصفها خلفية وصفية محايدة، بل تتحول إلى كيان حيّ وملاذ روحي يعيد للذات توازنها المفقود، ويمنحها إمكانية التأمل والصفاء في مواجهة صخب الواقع وضغوطه.

كما يتجلى في هذا الشعر تمجيد الألم بوصفه تجربة وجودية ذات قيمة جمالية ومعرفية في آن واحد، حيث لا يُنظر إلى المعاناة باعتبارها انكسارًا سلبيًا فحسب، بل باعتبارها شرطًا من شروط الوعي العميق بالذات والعالم، ومدخلًا إلى إدراك التوترات التي تحكم الوجود الإنساني. وفي السياق ذاته، يتعزز النزوع إلى الحرية بوصفه قيمة مركزية، لا تقتصر على بعدها الفردي المرتبط بتحرر الذات من القيود الداخلية والخارجية، بل تمتد لتشمل بعدًا إنسانيًا أوسع يتطلع إلى عالم أكثر عدلًا ومساواة وكرامة.

وتتداخل هذه الأبعاد جميعها مع ظاهرة الغموض الشعوري، الذي لا يُفهم بوصفه نقصًا في وضوح الفكرة، بل باعتباره نتيجة طبيعية لهيمنة الانفعال على الفكر، حيث تتقدم التجربة الشعورية على البناء المنطقي الصارم، فيغدو التعبير الشعري أكثر انفتاحًا على الإيحاء والتأويل، وأقل خضوعًا للتحديد العقلي المباشر. وهكذا، تتشكل الخصائص الموضوعية للشعر الرومانسي بوصفها شبكة دلالية متكاملة، تعكس انتقال الشعر من وظيفة التمثيل الخارجي إلى وظيفة الكشف الداخلي، ومن خطاب العالم إلى خطاب الذات في عمقها الوجودي والإنساني.

 الخصائص الفنية وتحولات الشكل في الشعر الرومانسي:

لم تقتصر الرومانسية على إعادة تشكيل المضامين الشعرية أو إعادة توجيه التجربة الإبداعية نحو الذات، بل امتد أثرها ليطال البنية الفنية ذاتها، محدثةً انقلابًا عميقًا في شكل القصيدة العربية وأدواتها التعبيرية. فقد انتقل الشعر، في ظل هذا التحول، من كونه بناءً تقليديًا محكومًا بقواعد صارمة وقوالب جاهزة، إلى فضاء أكثر انفتاحًا ومرونة، يسمح بتدفق التجربة الشعورية بكل ما تحمله من توتر واندفاع وحرية داخلية.

وفي هذا السياق، تحررت الصورة الشعرية من منطق التكرار والمحاكاة، وتجاوزت القوالب البلاغية الموروثة لتغدو أكثر ابتكارًا وجرأة، حيث لم تعد مجرد وسيلة للتزيين أو التوضيح، بل أصبحت أداة للكشف والتجلي، تعكس العالم الداخلي للشاعر بقدر ما تعيد تشكيل العالم الخارجي وفق رؤيته الخاصة. وبالموازاة مع هذا التحول، شهدت اللغة الشعرية بدورها تطورًا نوعيًا، إذ تخلّت عن التعقيد الزخرفي لصالح لغة أكثر شفافية وإيحاءً، قريبة من الحس الإنساني اليومي، لكنها في الوقت ذاته مشحونة بطاقة وجدانية عميقة تمنحها قدرة على الإيحاء والتكثيف بدل التصريح المباشر.

أما على مستوى الموسيقى الشعرية، فقد تميز الشعر الرومانسي بتنوع إيقاعاته وتعدد مصادر نغمته، حيث لم تعد الموسيقى الخارجية وحدها، المرتبطة بالأوزان والقوافي، هي المحدد الأساسي للجمال الصوتي، بل برزت إلى جانبها موسيقى داخلية نابعة من انسجام الألفاظ وتجاوبها وتراسل دلالاتها، مما أضفى على النص الشعري طابعًا انسيابيًا يعكس حركة الشعور وتقلّباته. وفي الوقت ذاته، لم تعد الرؤية الشعرية أحادية الاتجاه، بل أصبحت مركبة ومفتوحة على التناقض، إذ تتأرجح بين التشاؤم والأمل، وبين الانكسار والتمرد، وبين الإحساس بالاغتراب والتوق إلى الخلاص، بما يعكس طبيعة التجربة الرومانسية القائمة على التوتر الدائم وعدم الاستقرار.

وهكذا، فإن التحولات الفنية التي أحدثتها الرومانسية لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل كانت إعادة تأسيس شاملة لمفهوم الشعر ذاته، حيث غدا النص الشعري كائنًا حيًا نابضًا بالتجربة، يتجاوز حدود البناء الهندسي المغلق ليصبح فضاءً مفتوحًا لتجليات الذات في أعمق أبعادها الإنسانية والجمالية.

نتائج الدراسة:

خلصت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج التي تؤكد أن الرومانسية ليست مجرد مذهب أدبي محدود في زمانه أو خصائصه، بل هي في جوهرها تحول عميق في بنية الوعي الإنساني وطريقة إدراكه للعالم، إذ انتقلت بالتفكير الأدبي من الاهتمام بالموضوع الخارجي إلى التركيز على الذات بوصفها مصدرًا للتجربة والمعنى، ومن هيمنة العقل والمنطق إلى اتساع فضاء العاطفة والخيال بوصفهما أداة أعمق لفهم الوجود وتفسير تناقضاته. وقد تبين من خلال التحليل أن ما يُظن من غموض في تحديد مفهوم الرومانسية لا يعود إلى قصور نظري، بل يعكس ثراء هذا التيار وتعدد تجلياته وانفتاحه على مستويات مختلفة من التعبير الإنساني والجمالي، الأمر الذي يجعل كل محاولة لتعريفه تعريفًا نهائيًا محاولة اختزالية لا تفي بطبيعته المركبة.

كما أظهرت الدراسة أن انتقال الرومانسية إلى الأدب العربي لم يكن مجرد عملية استنساخ أو تقليد للنموذج الغربي، بل كان فعل تفاعل ثقافي وإبداعي خلاق، أعاد فيه الأدباء العرب تشكيل هذا التيار وفق خصوصياتهم التاريخية والاجتماعية، مما أفرز تجربة رومانسية عربية ذات ملامح مميزة، تتداخل فيها المؤثرات الوافدة مع الحساسية المحلية. وفي هذا السياق، كشفت النتائج أن الشعر الرومانسي العربي كان في عمقه تعبيرًا عن أزمة الذات العربية في مرحلة تاريخية مضطربة، اتسمت بتفكك البنى التقليدية، وضغط الاستعمار، واتساع الإحساس بالاغتراب واللااستقرار، وهو ما انعكس في خطاب شعري مثقل بالحنين والقلق والتوتر الوجودي.

ومن جهة أخرى، بينت الدراسة أن الطبيعة في التصور الرومانسي لم تعد مجرد فضاء وصفي أو خلفية جمالية، بل تحولت إلى كيان حيّ يتفاعل مع الذات الإنسانية ويوازيها في التعبير عن حالاتها الداخلية، بما يجعلها امتدادًا رمزيًا للشعور الإنساني. كما أكدت النتائج أن الرومانسية أسهمت إسهامًا حاسمًا في تجديد اللغة الشعرية، حيث دفعتها نحو مزيد من المرونة والشفافية والإيحاء، وجعلتها أكثر قدرة على احتضان التجربة الوجدانية بكل كثافتها وتعقيدها.

وفي السياق ذاته، أبرزت الدراسة أن النزعة التشاؤمية التي طبعت جانبًا من التجربة الرومانسية لا ينبغي فهمها بوصفها موقفًا سلبيًا من الحياة، بل باعتبارها تعبيرًا عن وعي عميق بمأساة الوجود الإنساني وتعقيداته، حيث يتجاور الألم مع البحث عن المعنى، والانكسار مع التوق إلى التجاوز. كما انتهت الدراسة إلى أن الرومانسية، في بعدها الأوسع، تمثل لحظة تأسيسية في تاريخ الشعر الحديث، إذ أسهمت في إعادة مركزية الذات داخل الخطاب الشعري، وكشفت عن أزمة الإنسان الحديث واغترابه، وأحدثت تحولات جوهرية في اللغة والصورة والإيقاع، ممهّدة بذلك لظهور الحساسية الحداثية في الشعر العربي، دون أن تكون مجرد تقليد للغرب، بل بوصفها تفاعلًا إبداعيًا أعاد إنتاج المفاهيم في سياق ثقافي جديد.

توصيات الدراسة:

تخلص هذه الدراسة إلى جملة من التوصيات العلمية والمنهجية التي من شأنها تعميق الفهم النقدي للحركة الرومانسية وإعادة توظيفها في سياقات بحثية وتربوية أكثر انفتاحًا وخصوبة، وذلك من خلال ضرورة إعادة قراءة هذا التيار الأدبي في ضوء المناهج النقدية الحديثة، بما في ذلك التحليل النفسي والتفكيكية والسيميائيات، لما توفره هذه المقاربات من أدوات قادرة على الكشف عن البنيات العميقة للنصوص الرومانسية وتفكيك تمثلات الذات والعالم داخلها. كما توصي الدراسة بتعزيز الدراسات المقارنة بين التجربة الرومانسية في بعدها الغربي ونظيرتها في الأدب العربي، من أجل إبراز نقاط التلاقي والاختلاف، والكشف عن مدى قدرة الثقافة العربية على إعادة إنتاج هذا التيار في سياقها الخاص دون الوقوع في الاستنساخ أو الذوبان.

وفي السياق ذاته، تؤكد الدراسة على أهمية إدماج النصوص الرومانسية في المناهج التعليمية إدماجًا أكثر عمقًا وتحليلًا، لا يقتصر على العرض التاريخي أو التوصيف السطحي، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك بنياتها الجمالية والفكرية، لما تحمله هذه النصوص من قيم إنسانية وجمالية قادرة على تنمية الحس الذوقي والوعي النقدي لدى المتعلمين. كما تدعو إلى العناية بتحقيق أعمال الشعراء الرومانسيين العرب ونشرها في طبعات علمية محققة ودقيقة، تضمن الحفاظ على النصوص الأصلية وتيسير دراستها للباحثين والمهتمين.

ومن جهة أخرى، توصي الدراسة بتوسيع دائرة البحث في تأثير الرومانسية على التيارات الأدبية اللاحقة، خاصة الواقعية والرمزية والحداثية، باعتبار أن هذه التيارات لم تنشأ في فراغ، بل تفاعلت بشكل مباشر أو غير مباشر مع المنجز الرومانسي على مستوى الرؤية الفنية واللغة والتصور الجمالي. كما تشدد على أهمية التعمق في دراسة البعد الفلسفي للرومانسية، وربطه بإشكالات كبرى من قبيل الحرية، والوجود، والمعنى، والاغتراب، لما لهذه الأبعاد من قدرة على إغناء الفهم النظري لهذا التيار وتجاوز قراءته الشكلية إلى قراءته بوصفه رؤية شاملة للإنسان والعالم.

وأخيرًا، توصي الدراسة بضرورة توسيع البحث في العلاقة الجدلية بين الرومانسية والحداثة، باعتبار أن الأولى شكّلت أرضية تمهيدية لعدد من التحولات التي ستتبلور لاحقًا في الشعر الحديث، سواء على مستوى تفكيك البنية التقليدية أو على مستوى تعميق مركزية الذات. كما تدعو إلى تشجيع الجهود الأكاديمية الهادفة إلى تحقيق النصوص الرومانسية ونشرها علميًا وفق معايير دقيقة، بما يضمن إعادة إحياء هذا التراث الأدبي وإتاحته للأجيال الباحثة في سياق علمي رصين.

على سبيل الختام:

وفي ختام هذه الدراسة يتضح أن الحركة الرومانسية لم تكن مجرد مرحلة أدبية عابرة أو نزعة جمالية محدودة في زمن معين، بل كانت في عمقها لحظة تحول نوعي في الوعي الإنساني، أعادت صياغة علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، في سياق تاريخي اتسم بتصاعد هيمنة العقلانية الصارمة وتنامي التحولات المادية التي كادت أن تُفرغ التجربة الإنسانية من بعدها الروحي والوجداني. فقد جاءت الرومانسية لتستعيد للإنسان صوته الداخلي، ولتمنح العاطفة شرعية التعبير، ولتُعيد للخيال مكانته بوصفه قوة فاعلة في تشكيل المعنى، لا مجرد أداة تزيينية ثانوية في الخطاب الأدبي.

ومن هذا المنظور، أسهمت الرومانسية في تحرير الإبداع من سلطة النماذج الجاهزة والقواعد المعيارية الصارمة التي كرستها الكلاسيكية، ففتحت أمامه أفقًا واسعًا من التجريب والتجدد، حيث أصبح النص الشعري فضاءً رحبًا لتجليات الذات بكل توتراتها وقلقها وتطلعاتها. ولم تعد القصيدة مجرد بناء شكلي محكوم بالامتثال، بل تحولت إلى كائن حيّ ينبض بالتجربة الإنسانية في أعمق مستوياتها، بين الألم والأمل، وبين الانكسار والتجاوز.

أما في السياق العربي، فإن الرومانسية لم تكن مجرد امتداد للنموذج الغربي أو تقليدًا له، بل كانت عملية إعادة تشكل وتكيّف داخل سياق ثقافي وتاريخي خاص، حيث تفاعلت مع قضايا الإنسان العربي وهمومه الوجودية والاجتماعية في ظل التحولات السياسية والاحتكاك الحضاري بالغرب. وقد أسهم هذا التفاعل في بلورة وعي شعري جديد، أعاد الاعتبار للذات الفردية، ووسّع من أفق التعبير الجمالي، ومهّد لانتقال تدريجي من أنماط التقليد إلى آفاق الحداثة الشعرية.

وعليه، يمكن النظر إلى الرومانسية بوصفها جسرًا حضاريًا بالغ الأهمية، انتقلت عبره القصيدة العربية من طور الاتباع والمحاكاة إلى طور الإبداع والتجديد، ومن مركزية الجماعة إلى مركزية الذات، ومن الثبات النسبي إلى التحول الدائم. كما أن أهميتها لا تكمن فقط في ما أحدثته من تغييرات شكلية أو موضوعاتية، بل في كونها أسست لرؤية جديدة للأدب باعتباره تعبيرًا عن التجربة الإنسانية في بعدها الوجودي العميق.

وهكذا، تظل الرومانسية تجربة إنسانية مفتوحة على الدوام، لا تُختزل في إطار تاريخي مغلق، بل تتجدد بتجدد أسئلة الإنسان ذاته، لأنها تقوم على التوتر الدائم بين الواقع والحلم، وبين المعاناة والتجاوز، وبين الصمت والبوح. ومن ثم، فإن قيمتها الكبرى تكمن في كونها لحظة تأسيسية في مسار الوعي الأدبي الحديث، أكدت أن الأدب ليس مجرد انعكاس للعالم، بل هو محاولة مستمرة لإعادة خلقه وإعادة فهمه في ضوء التجربة الإنسانية المتغيرة.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

تنطلق هذه المقاربة من رؤية نقدية ترى أنّ الكتابة الشعرية فعل اقتحام لا فعل خمول وسكون، ومغامرة جمالية تتجاوز حدود القول المألوف إلى أفق الكشف والتجلي؛ فالشعر هنا ليس تمثيلا للعالم بقدر ما هو إعادة خلق له عبر ذات تتشكل وهي تكتب، وتنكشف وهي تغامر في مجاهل اللغة والرؤيا. ومن ثم تغدو المغامرة الشعرية مسارا وجوديا وجماليا في آن واحد، تختبر فيه الذات قدرتها على خلخلة الثابت، ومساءلة اليقين، وابتكار صيغ تعبيرية تعيد ترتيب علاقتها بذاتها والعالم. وفي ضوء ذلك يظهر مفهوم تجلي الذات بوصفه لحظة انبثاق داخلي تتجاوز فيها الذات حدودها المعطاة، لتغدو كيانا متحولا، يتشكل عبر اللغة. إنها ذات تقدم نفسها بوصفها أثرا يتكون داخل التجربة الشعرية، إذ تتداخل الرؤيا بالانفعال، والوعي بالحدس، والصوت بالصمت. ومن هنا تسعى هذه المقاربة إلى تتبع الكيفية التي تتحول فيها المغامرة الشعرية إلى أفق لتجلي الذات، بوصفه صيرورة مفتوحة على الاحتمال، والاختلاف.

تحتكر مجموعة (طفل شقي) لمروان الدليمي خصائص شعرية، تتيح لنفسها فضاء تجريبيا في اللغة والخيال، يتسم بروح المغامرة والانزياح، للتعبير عن الذات بوصفها مركزا للتموضع الشعري، ويقودنا نحو أفق جمالي مفتوح. إذ تبدو المجموعة وكأنّها تنحاز إلى جوهر الشعر بوصفه فعلَ مغامرةٍ لغويّةٍ واشتغالًا تخييليًا ينهض على الانزياح، وتكثيف الدلالة، وتحرير العبارة من مألوفها التداولي. ومن ثمّ، تُقدِّم النصوص ذاتًا شعريّةً متحوّلةً، تتّخذ من اللغة مجالًا للتموضع، ومن الخيال أداةً لإعادة تشكيل العالم. هكذا تنفتح القصائد على أفقٍ جماليٍّ رحب، تُصاغ فيه التجربة بوصفها بحثًا دائمًا عن معنى الوجود، وعن إمكانات القول الشعري حين يتجاوز حدوده المألوفة. وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه المقاربة إلى قراءة مجموعة (طفل شقي) الصادر عن دار الشؤون الثقافية – بغداد، ط1، 2024. في ضوء خصائصها الشعريّة، وتمثّلاتها اللغويّة والتخييليّة، بوصفها تجربةً تجريبيّةً تنحاز إلى المغامرة الجماليّة، وتؤسّس لرؤيةٍ شعريّةٍ تنفتح على احتمالات الدلالة وتعدّد آفاق التأويل.

تجلّت ملامح التمرد في مفارقة غنية بالدلالات في العتبة النصية الأولى (العنوان)،  فـ(الطفل) علامة تقود إلى البراءة والانفتاح على العالم بعيون نقيّة، ولكن حين يُقرَن بـ(الشقي)، يصبح تمثيلا للرفض الفطري، وبهذا المعنى، فإن الذات الشاعر تنصّب ذاتها مركزا متحركا يسعى لفهم العالم، عبر تشظياته اليومية الصغيرة، ومكابداته الحسيّة والروحية التي تفيض من الداخل:

ألقي نظرة أخيرة على فهرس اللايقين/ لعلي أستنسخ عناوين ملائكة/ تعودت أن تخبئ مشاعرها خلف رموش اصطناعية/ كانت أحلامها على الدوام أن لا تكون خطوة نائية/ تنتهي بها إلى سلة المهملات/ وهذا لا يحدث إطلاقا/ لولا العمل على تراكم الأشياء على ضفاف العتمة/ كما لو أنها أرقام في صحيفة تهتم بمبتدئين سود/ يتعاقبون على سرد تخميناتهم حول ضبابية الأشياء/ واحدا بعد الآخر." (المجموعة: 8).

في هذا المقطع الشعري، تتضح الذات عبر مسار باطني، مولّد للصور والدلالات، فتظهر بوصفها وعيا قلقا يتشكل في مرايا اللايقين. وما التعبير الشعري (ألقي نظرة أخيرة) إلا لحظة انعطاف تأملية تنظر فيها الذات إلى أرشيفها الداخلي (فهرس اللايقين) الذي يغدو استعارة لذاكرة مثقلة بالاحتمال، وعبر صورة شعرية تمثّلت في (ملائكة تخبئ مشاعرها خلف رموش اصطناعية). وهنا تتجلى الذات في نقاء داخلي يقابله قناع خارجي، ما يدل على تشظي ما تخفي الذات في جوهرها وآليات تمويهها. ثم تتعمق هذه التجليات عبر هاجس الإقصاء ، فتعلن الذات خوفها من التهميش والعدم، ساعية إلى تثبيت معنى لوجودها في عالم مهدد بالمحو. وتنعكس الذات وعيا مثقلا ببقايا التجربة، فتعيش زمنا نفسيا راكدا، تراقب العالم وهو يتحول إلى مادة باردة؛ أي إلى واقع منزوع الحيوية. أما الذين يسردون تخميناتهم حول ضبابية الأشياء فهم إسقاط رمزي لحالة الذات نفسها، إذ تتبدى وعيا يحاول الوصول إلى يقين، ولكن لا يصل، ويبقى يواصل الدوران في فضاء الاحتمال. هكذا تتجلى الذات في النص بوصفها كينونة قلقة، متشظية، تبحث عن معناها وسط العتمة، وتعيد تشكيل وجودها عبر الكتابة بوصفها فعلا لمقاومة المحو وتثبيت الأثر. وهذا واضح في الاشتغال على تفكيك اللغة اليومية وتحويلها إلى وسيلة لاكتشاف التوترات الكامنة في الوجود، مستفيدا من قدرة قصيدة النثر على التدليل، وتوليد دلالات تتغاير مع كل قراءة. فـ"في الشعر، تختزن القصيدةُ دلالتها في منطقها الخاص، وبنائها، ووحدتها، وفي بلاغة الصياغات، وما في لغة القصيدة من توتّرات صُورية، وتوازنات إيقاعية، ومطابقات، وتكرار، وتعيينات، تعكسها ضمائر التلفّظ أو الماورات والوصف، وسوى ذلك ممّا يقوم باكتشافه القارئ، الذي يتولّى تنظيم المقروء وبناء الدلالة". (الصكر، حاتم، 2004، ص19).

ولا تخلو قصائد المجموعة من الإحالات إلى القلق الوجودي، إذ تتجلى مفردات اليومي والاغتراب والشيئية بوصفها سمات ما بعد الحداثة. ولكن الذات الشاعرة لا تذهب باتجاه خطاب تشاؤمي سطحي، وإنما توظف هذه العناصر لتبني فضاء شعريا قلقا، يعكس تآكل يقينيات الإنسان المعاصر، ويشخّص ميله إلى تضمين مفردات الحروب والمآسي، ولكن من منظور ذاتي، يقدّم الحدث الشعري بوصفه تجربة حسّية لا وعظا اجتماعيا:

"وأنت تعد ندوب الأمس/ خرجت سالما من أشباح ليلك/ فكيف درأت رماد محطات لا تستحق التفاتة منك؟ / وكيف سهوت عن أرصفة تأجل وصولها إليك؟ /  دون اكتراث كتبت انسلالك من رعب/ تصدعت أيامك من هشاشته/ ستقول ذاتك لذاتك: الحشود لا يهمها سوى دفع السراب". (المجموعة: 11).

وهنا تنتقل الذات من مركز البوح المباشر إلى فضاء المحاورة مع نفسها، إذ يتجلى الوعي في لحظة انقسام تأملي، تتحول فيها الـ(أنا) إلى مخاطب. فالاستهلال النصي يشير إلى فعل إحصاء باطني، تستعيد فيه الذات آثارها بوصفها علامات هوية، وكأن الندوب نص خفي تقاربه الذات لتفهم ما صارت إليه. غير أن التحول إلى ضمير المخاطب (وأنت) لا يعني حضور آخر حقيقي، وإنما يمثل انشطار الأنا إلى ذات ناظرة وذات منظورة، ذات تراقب وذات تُراقب، وبذلك تتخذ الكتابة شكل مساءلة داخلي. وتتجلى الذات وهي ناجية من خوفها الخاص، فالليل فضاء نفسي تتأثث فيه أشباح القلق، والخروج منه لحظة وعي تتأملها الذات من خارجها عبر ضمير المخاطب، كأنها تراقب نجاتها بوعي مزدوج. ثم تتعمق هذه المحاورة في السؤالين المتتاليين، لتتحول الذات إلى موضوع للاستجواب، ويغدو المخاطب هو الـ(أنا) ذاتها وهي تعيد تفكيك اختياراتها، فتبدو المحطات والأرصفة استعارات لمراحل مؤجلة أو معطلة في مسار الكينونة. وتنغلق الدائرة على حوار داخلي صريح، وتنقسم الذات إلى قائل ومستمع، وتصل إلى معرفة مرة، وهي أنّ العالم الخارجي محكوم بالوهم، والحشود قوة عمياء لا ترى سوى سرابها، وما فعل الكتابة إلا شكل من أشكال استعادة الكينونة، فتتحوَّل القضايا الكبرى إلى تجارب ذاتية صغيرة وعميقة، مثل نظرة في المرآة، أو رغبات مؤجلة، أو خيبات متلاحقة:

 (في مرآتي/ تركت وجها يشبهني كثيرا. (المجموعة:16).

(باتت رغبة مؤجلة أن تجلس فوق  صخرة تشبه غيمة/ وأنت تطلّ على ذلك النهر المستجير بدفء المدينة القديمة. (المجموعة: 23).

(في الخيبات المتلاحقة لنساء عاشقات. (المجموعة: 26)،

 فضلا عن الذكريات، والجلوس في الحدائق العامة، ولحظات الرعب، وانتظارات غودو....، وهذه التفاصيل وغيرها جاءت في معمار تشكيلي، أكسبها خصوصيتها الجمالية في حراك تغايري، يتجاذبه بعدان متشابكان داخل نسيجها البنيوي، ولا سيما على المستويين اللغوي والتصويري، هما البعد الدلالي، والبعد السردي (ينظر: الصكر، 2019، ص11.) ومن أهم الموضوعات التي تكررت في المجموعة موضوعة الطفولة المهدورة أو البراءة المسحوقة. ولا يخفى أن العنوان (طفل شقي) يحمل في طياته إحالة مزدوجة إلى الداخل الفردي وإلى الذاكرة الجمعية، فثمة طفل في داخل الذات الشاعرة لم يُتح له أن يكبر في عالم متصالح مع نفسه، وثمة طفولة تعرضت للخذلان والانكسار:

 "ذبل مثل وردة / ذاك الفضول الطفولي في معرفة شكل السيارة التي يقودها الله/ وأي طريق يؤدي إلى البيت الذي يقطنه الضباب/ ولماذا يغادر الآباء فجأة" (طفل شقي ص23)

تقدم الذات الشاعرة هذا المقطع في صورة بلاغية حساسة، وهي تشبيه مباشر يحيل إلى انطفاء أو اضمحلال شيء ما كان مزهرا، ربما ذبول وجداني أو معرفي، ويمثل تراجع رغبة الاكتشاف، بسبب صدمة أو فقد ما. والفضول الطفولي هو المحرك الأول للخيال، فالطفل يريد أن يعرف كل شيء، فينشغل في معرفة الأشكال والطرق،وهذه الصور ينبغي أن يُنظر إليها بوصفها تجليات لخيال طفل يُسقِط أدوات الفهم البسيطة على أسئلة (الغياب). وهو لا يعرف هذا الغياب إلا عبر الحضور ( السيارة، الطريق، البيت، الضباب). وهنا تنتقل القصيدة من الخيال إلى الواقع بتقانات المفارقة، والتوتر الشعوري، واللغة المجازية ، والتكثيف الدلالي. وعبر السؤال الذي فجّر كل تلك الصور السابقة، مغادرة الآباء – سواء بالموت، أو الهجر، أو الغياب المعنوي – لحظة لا يستطيع الطفل أن يفهمها؛ لذلك يستعين بخياله كي ينسج له إجابة. وهذا يعكس في الوقت ذاته احتجاجا داخليا صامتا، فلا يسأل الطفل الله مباشرة، بل يتخيل مركبة يقودها، ومسكنا يكتنفه الغموض، وهو يتوسل إلى الكون أن يفسر رحيل الآباء عبر أدوات خياله المحدودة. لكنه يصطدم بجدار الغياب الصلد، فيذبل فضوله كما تذبل وردة.

ويتكرر موضوعا الفقد والانكسار، ولكن دون نبرة رثائية، إذ يتم الاشتغال عليهما بوصفهما شروخا وجودية، وعلامات على تشقق المعنى، لا بوصفهما مواقف وجدانية نهائية، وهنا يمكننا القول: إن الذات الشاعرة لا تكتب الـ(مراثي) بقدر ما تكتب (الأسئلة الشعرية) حول كيف يمكن للذات أن تستمر في الحياة على الرغم من هذا العطب المتراكم:

"ايتها الحياه المكتظة بالطرقات المطمئنة/ أخذتنا أحذية الغرباء إلى حيث اصبحنا حفاة/ وما من سبيل يقودنا إلى ملائكة ينتظرون أمام الأبواب" (المجموعة: 31).

يشتغل هذا المقطع الشعري على المفارقة بطريقة دقيقة ومقصودة، لاسيما في توظيف عبارة (الطرقات المطمئنة) التي تبدو لأول وهلة باعثة للسكينة، لكنها سرعان ما تنقلب دلاليا لتؤسس لانعدام الأمان والتيه، مما يمنح النص شحنة شعرية ودلالية تقوم على الخذلان والاغتراب وسقوط اليقين. وهنا تنقلب الدلالة، فالطرقات التي بدت مطمئنة كانت خادعة، والطمأنينة كانت سطحية أو مموّهة، ولا تنتمي إلى الذات بل إلى سلطة خارجية (أحذية الغرباء) وهي تُرمز إلى القوى القهرية، الاستعمار، المنفى، القمع. والمفارقة في كلمة (مطمئنة) تعمّق الخيبة الوجودية في النص، فهي تهيئ القارئ لجو من الراحة، ثم تسلبه إياها. وهذا التوظيف الواعي للمفارقة يخلق توترا شعوريا ووجوديا، يجعل القارئ شريكا في التجربة، من الإيهام بالأمان إلى الاصطدام بالفقد.

ويستمر الشاعر في رسم تجلّي الذات، متسلّحًا بوعي دقيق بضمير الـ(أنا)، محولًا صراعاته الداخلية إلى لوحات لغوية تفيض بالانكسار والحنين، فتتحول التجربة الفردية إلى فضاء شعري عام، إذ يتداخل الزمني النفسي مع المكاني الرمزي، ويصبح كل شعور، مهما بدا شخصيًا، مرآة لانكسارات الإنسان في مواجهة ذاته والعالم. إن تحويل ضمير الـ(أنا) من صيغة الظاهر إلى المستتر تقانة لإظهار الصراع بين الداخل والخارج، وما يُخفى وما يُعلن، فتحقق النصوص بذلك حالة من التواطؤ مع القارئ، الذي يشارك الشاعر في الكشف عن أعمق مشاعره وأفكاره:

"ساعة تستدير هواجسي ناحية إنهاك مقبل/ لا أملك ما يكفي من ضوء / حتى أقتحم عتمة خساراتي/ ولا الذي ستمضي إليه من أبواب لم تطرقها/ على الرغم من أني / مسترسل معها /بأقنعة لها رائحة العشب/ لست مهتماً / سواء كنت أحيا مثل عن عندليب/ أو مثل شجرة عذبها النعاس في غابة موحشة". (المجموعة: 34-35).

وهنا يتجلّى حضور الذات الشاعرة عبر استحضار انكساراتها وهواجسها الداخلية، فالضمير المستتر (أنا) يُبرز موقف الشاعر من عالمه النفسي، حيث يبوح بالعجز أمام (عتمة خساراته) وعدم كفاية (الضوء) لاختراقها، وهو تصوير مباشر لصراع الذات مع الظلام الداخلي والأزمات. الحركة بين الضمير والمكان الرمزي تعكس بحث الذات عن المعنى أو الخلاص، لكنها تصطدم بالمجهول. وما استخدام التعبير الشعري (أقنعة لها رائحة العشب) إلا إشارة إلى محاولة الذات التستّر أو التماهي مع محيطها، في حين تظهر المقارنة بين حياة عندليب وحياة شجرة عذبها النعاس، انفتاح الذات على كل احتمالات الوجود، من الحرية المطلقة إلى الخمول والاغتراب.

ويستمر الشاعر في تقديم تجربة شعرية ناضجة، تنتمي إلى جيل يرفض القوالب الجاهزة، ويؤمن بأن الشعر هو الشكل الأكثر قدرة على التعبير عن تعقيدات الذات والواقع، ولكنّ  الشاعر في هذه المجموعة لا يكتب من أجل النقاء النوعي، وإنما من أجل الانغماس في التداخل النوعي بوصفه شكلا من أشكال التجنيس:

"هل باتت الطريق اقرب مما ينبغي اليك/ فأصبحت تشم رائحه ملوك تشققت محابسهم/ وهم ينفخون طيلة الليل في ناياتهم؟/ لم يعد حلما بعيد المنال/ أن تمسك الهواء بكفيك/ أن تعود بشخابيط الطفولة لتجمع شظايا أشجار تشبه وجهك/ أن تستنشق هواء بلون البنفسج على ذاك الجسر العتيق/ وأنت كما لو انك قنديل يبعث رسائل لصيادين ينامون في قواربهم/ ويحسبونها احضان عشيقاتهم/ من بعد أن خذلهم الانتظار" (المجموعة: 41-42)

يقدم هذا المقطع نموذجا ثريا ومكثّفا من التداخل السردي بالشعري، ويقع بوضوح ضمن نطاق النصوص عابرة النوعية، إذ يتعمد الاشتغال على التداخل النوعي بوصفه مشروعا جماليا ورؤيويا، فيأخذ من التداخل السردي/ الشعري بنية شعرية لكنّه لا ينقطع عن السرد، بل يستدعي آليات السرد من حيث التدفق الزمني والانتقال المشهدي، فنلاحظ افتتاح سردي موارب، تجلّى في سؤال سردي تأملي، يفتتح النص بالحيرة والانتظار، وينطوي على توتر سردي يفتح أفقا لحكاية غير مكتملة، وما تتابع الصور ذات الطابع الحكائي الرمزي في (ملوك تشققت محابسهم)، و(ينفخون طيلة الليل في ناياتهم)، إلا إيحاء بماضٍ ملكي منحلّ، أو سردية انكسار السلطة. وحتى ضمير المخاطب يؤدي وظيفة سردية داخلية، فيخاطب الذات في لحظة عبور أو صحو، فتتحول لحظة التأمل إلى مشهديّة سردية مشوّشة، قائمة على استعارة مركّبة تسرد أكثر مما تصف، فما روي لم يُرو بتقنيات السرد التقليدية، وإنما عبر لغة شعرية مشبعة بالترميز والتكثيف من دون أن تفقد قدرتها على تصوير فضاء سردي داخلي، تُصبح فيه اللغة ذاتها حقلا للمراوغة والاختبار. إنه نص لا يُطمئن القارئ بل يقلقه، وهذا جوهر الكتابة العابرة التي تؤمن بأن التداخل النوعي أداة لخلخلة الثابت وتوليد المعنى.

ويتكرر انتقال الضمير من الـ(أنا) إلى الـ(أنت) في قصيدة (قنينة من زجاج في مياه الأطلسي) بوصفه آلية أسلوبية تكشف انقسام الذات وتحوّلها من مركز القول إلى موضوع له، إذ  تتخلى الـ(أنا) عن يقينها لتعيد تشكيل حضورها عبر مخاطبة الآخر الذي ليس سوى مرآتها العميقة. وبهذا الانتقال تتوتر البنية الخطابية بين بوح داخلي واستدعاء حواري، فينشأ فضاء تأويلي تتحرك فيه الذات بين الاعتراف والتشيؤ، وبين الرغبة في التماهي والخشية من الانكشاف، مما يجعل الضمير أداة لإنتاج المعنى:

"تتراجع منكسرا إلى الخلف كندبة سوداء/ بعيدا عن خرائط اليقظة/ محشورا في زاوية الوقت الهارب منك أنّى شاء". (المجموعة: 43)

ولكن سرعان ما ينقلب الضمير ذاته إلى الـ(نحن)، فتغادر الذات عزلتها الفردية لتدخل أفقا جمعيا يتسع لتعدد الأصوات وتشابك التجارب، فلا تعود الـ(أنا) مركزا مغلقا للقول، وإنما نواة تتكاثر داخلها الذوات الممكنة. إن هذا التحول لا يشي بذوبان كامل في الجماعة بقدر ما يكشف رغبة في الاحتماء بضمير مشترك يخفف وطأة الانقسام، ويعيد توزيع عبء التجربة على أفق أوسع من الوجود. وبهذا يغدو الانتقال من الـ(أنا) إلى الـ(أنت) ثم إلى الـ(نحن) مسارا حركيا لتشكل الذات، تتدرج فيه من البوح الفردي إلى المخاطبة ثم إلى التشارك، فتتأسس بنية خطابية تتناوب فيها العزلة والتواصل، والانكفاء والانفتاح، بما يجعل الضمائر علامات على صيرورة الذات لا على ثباتها:

" السماء منذ ألف عام تقطن هنا/ فلماذا تاهت عنّا ولم تعد تحتفي بنا ولا بالورد في حدائقنا؟/ لماذا قصائد اللوعة أعجوبة أشعارنا؟/ ربما نجلس على الدكة الخطأ/ أو أن للصورة وجها آخر". (المجموعة: 45).

ونخلص في نهاية المقاربة إلى تناوب تجلي الذات في مغامرات مروان الشعرية بين الـ(أنا) والـ(أنت) والـ(نحن)، بوصفه حركة داخلية لا تستقر على هوية واحدة، وإنما تواصل عبورها في دروب الكشف والتشكل؛ ففي كل تحول ضميري تعيد الذات اختبار حدودها، وتعيد صياغة علاقتها بذاتها والآخر والعالم، فتغدو المغامرة الشعرية فضاء تتولد فيه الذوات الممكنة، بوصفها كينونات في طور الصيرورة. ومن ثم يتأكد لنا أن المغامرة الشعرية مسار تتجلى فيه الذات وهي تتخلق داخل اللغة، وتغامر في تفكيك يقينها، لتبلغ عبر هذا التوتر الخلاق لحظة حضورها المتجدد، ويصبح الشعر نفسه مجالا لاكتشاف الذات وهي تعبر احتمالاتها المفتوحة بلا نهاية.

***

د. جاسم خلف الياس

.............................

1.  حلم الفراشة (الإيقاع الداخلي والخصائص النصية في قصيدة الشعر) د. حاتم الصكر، وزارة الثقافة اليمنية، 2004م.

2.  غواية التجريب، دراسة في التجريب الشعري عند جيل السبعينات في العراق، مناف جلال الموسوي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2012.

3.  الثمرة المُحَرَّمة، مقدِّمات نظرية وتطبيقات في قراءة قصيدة النثر). حاتم الصكر، سلسلة نقد1، شبكة أطياف الثّقافيّة للدراسات والترجمة والنشر، ط1، 2019م.

لا يمكن النظر إلى صورة المرأة المتمردة في رواية موسم الهجرة إلى الشمال إلا عبر ثلاثة أبعاد رئيسة، الأول: يُعنى بتحديد مفهوم التمرد، والثاني: يتصل بالصراع الحضاري بين الشرق والغرب، والثالث: يتحدد في استكشاف صورة المرأة داخل النص الروائي وما تشمله من أحداث وتحولات، إذ يُعبر التمرد عن أحد أشكال التحدي والرفض للأطر السلطوية أو الأنظمة السياسية والاجتماعية أو الفكرية القائمة، وهو فعل يستمد قوته من موقف احتجاجي قد يكون موجهًا ضد الظلم أو التهميش أو العبثية في النظام القائم. والانسان المتمرد بحسب البير كامو هو الذي يقول (لا)، ويأخذ لديه منحى فلسفيا، لان حركة التمرد " تستند الى رفض قاطع لتعدٍ لا يطاق والى تعبين مبهم بوجود حق صالح " (1). والتمرد رد فعل طبيعي على اللامعنى والعبث في الوجود، او هو " رفض لكل ما يوجه له من فعل او مقاومة، اذ يجد ان تلك الافعال، او الاقوال لا تتفق مع ما يحمله من افكار واتجاهات ومبادئ خاصة "(2)

ويعبر الصراع الحضاري بين الشرق والغرب عن حالة من التفاعل المعقد والتوتر الناتج عن الفروق الجذرية بين نظامين ثقافيين متباينين، فالشرق يجسد القيم المرتبطة بالروحانية والتقاليد والتلاحم الاجتماعي والمبادئ المستمدة من الدين والأخلاق، ويعكس الغرب تركيزًا على الفردية، والعلمانية والتقدم التكنولوجي والعلمي، مع ميل نحو الهيمنة والسيطرة، وهذا الصراع لا يقتصر على التضارب في القيم الحضارية، بل يتعدى ذلك ليبرز اختلافات عميقة في النظرة الشاملة للعالم بين الجانبين، وهذا الموضوع ليس جديدًا، إذ يمتد عبر العصور التاريخية، بدءًا من الفتوحات الإسلامية والحروب الصليبية إلى مراحل النفوذ الغربي في البلدان العربية والإسلامية.

وتحكي رواية موسم الهجرة الى الشمال قصة مصطفى سعيد، وهو شاب عربي سوداني يذهب إلى لندن لإتمام دراسته، وهناك يدخل في علاقات مع نساء أوروبيات، معتقدًا أن تلك العلاقات تمثل انتقامًا للشرق الذي غزته أوروبا، ومن ضمنها بلده السودان، ويرى أن الانتقام يتجسد في العلاقة الجسدية مع المرأة الغربية، غير أن تلك العلاقات لم تكن بعيدة عن تعقيدات الصراع الحضاري. هذا الصراع بلغ ذروته عندما يُقدم مصطفى سعيد على قتل زوجته الأوروبية "جين مورس"، التي تجسد رمزية الحضارة الغربية، مما أدى إلى محاكمته وسجنه لمدة سبع سنوات وبعد انقضاء مدة سجنه، يعود مصطفى سعيد إلى قرية سودانية نائية ويعيش حياة تبدو عادية، إذ يتزوج من حسنة بنت محمود، وهي فتاة سودانية. لكن سرعان ما تتمرد حسنة على الأعراف والتقاليد الاجتماعية القديمة، بعد اختفاء زوجها المفاجئ أو وفاته، لتصبح رمزًا للرفض والبحث عن التحرر من القيود البالية.

وتتجلى صورة المرأة الغربية، زوج مصطفى سعيد في لندن (جين مورس) بشكل مختلف عن المرأة الشرقية زوج مصطفى سعيد في السودان (حسنة بنت محمود)، إذ تمثل المرأة الغربية رموز الحرية الفكرية والجسدية والانفتاح الثقافي، وفي الوقت نفسه تُعتبر مصدر إغواء وجاذبية للوافدين إليها، رغم ما يحملونه من هويات ثقافية وروحية متنوعة، وفي المقابل، تجسد المرأة العربية القيم المحافظة والتقاليد الشرقية، إذ تتسم بالتدين والطاعة، وتعيش وفق ما يفرضه عليها المناخ الثقافي والاجتماعي من تقاليد دينية واجتماعية.

تُعد جين مورس واحدة من الشخصيات المحورية التي تلعب دورًا معقدًا ومتعدد الأبعاد في سرد رواية موسم الهجرة إلى الشمال، فهي تمثل الغرب بكل تناقضاته وأبعاده، إذ تقف في مواجهة الشرق الذي يتجسد في شخصية مصطفى سعيد، هذه العلاقة ليست مجرد علاقة عابرة أو ثانوية ضمن سياق الرواية، بل إنها تتجاوز ذلك لتصبح رمزًا للصراع العميق بين عالمين متغايرين: الشرق والغرب، والمستعمِر والمستعمَر، وحتى الذكر والأنثى ضمن شبكات معقدة من القوة والرغبة والسيطرة، (3)وحين قدم مصطفى سعيد للمحاكمة اثر قتله جين مورس فانه كان يتحدث مع نفسه " انني اسمع في المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجنة وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ ارض القدس، البواخر مخرت عرض النيل اول مره تحمل المدافع لا الخبز، وسكك الحديد انشئت اصلا لنقل الجنود وقد انشئت المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم بلغتهم " (4)

يبرز الكاتب عبر شخصية جين مورس صورة مُكثفة لصراعات الهويات الثقافية والنفسية التي تحاكي إرث الاستعمار وتأثيراته، وهي لا تظهر كشخصية خاضعة كما هو الحال مع نساء غربيات أخريات وقعن تحت تأثير إغواء مصطفى سعيد مثل آن همند وشيلا غرينود وازيبلا سيمور، بل تتميز بقدرتها على تحدي المعادلة التقليدية التي حاول أن يرسمها مصطفى، فهي تتحول إلى شخصية متحكمة، تعكس الأدوار لتأخذ بزمام العلاقة، وتصبح هي القوة الدافعة وراء صراع الإرادة بينهما، هذا التحول المتبادل يجعل العلاقة بينهما ميدانًا لمواجهة شرسة، إذ يسعى كل منهما لإثبات سيطرته وإخضاع الآخر بأي وسيلة كانت.

كانت الحرب بينهما مستمرة مؤكدا " كانت الحرب تنتهي بهزيمتي دائما، اصفعها فتصفعني وتنشب أظافرها في وجهي ويتفجر في كيانها بركان من العنف، فتكسر كل ما تطاله يدها من اوراق، وتمزق الكتب والاوراق، كل معركه تنتهي بتمزيق كتاب مهم او حرق بحث اضعت فيه اسابيع كامله "(5) وتمثل هذه الديناميكية بين مصطفى سعيد وجين مورس نقطة تحول حاسمة في السرد؛ فهي تعكس بصورة واضحة تلك المواجهة الرمزية التي تلامس عمق العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، على الرغم من محاولات مصطفى المستمرة لتوظيف قوته وسحره النفسي والجسدي لإخضاع النساء الغربيات، تبدو جين استثناءً صادماً ومقلقاً له، فهي تثير فيه مشاعر غامضة مع خليط من الرغبة والتحدي الذين يضعانه أمام سيناريو مختلف تمامًا، في النهاية، تتبلور العلاقة بينهما كصراع وجودي تتحكم فيه الرغبة المستمرة لكل طرف في إثبات ذاته وفرض إرادته على الآخر، مما يجعل هذه المواجهة رمزًا للأبعاد المعقدة التي يمكن أن تأخذها صراعات القوى بين الثقافات والجنسين عبر السياقات التاريخية والاجتماعي.

كانت العلاقة بينهما قائمة على الكراهية والإقصاء شكلاً ومضموناً، كانت تنظر إلى مصطفى سعيد والى بشاعته، حتى انها لم تر في حياتها وجها بشعا كوجهه(6)، ولم تتردد يوماً في التعبير عن كرهها له حتى الموت، كانت تصفه بالثور الهمجي أو الوحشي، بينما كان هو يتبعها بلا توقف ويلاحقها بدون كلل، حتى أرهقها في مطاردته، وفي لحظة من الإنهاك، طلبت منه أن يتزوجها،(7) وهو ما حدث بالفعل، لكن الزواج كان شكلياً بلا أي عمق حقيقي، على الجانب الآخر، لم يكن الأمر مختلفاً كثيراً، كانت هي الأخرى تتعمد مطاردته، وتظهر في كل مناسبة اجتماعية يشارك فيها، وكأنها تستمتع بإذلاله أمام الجميع، في إحدى المرات، خلال إحدى الحفلات، طلب منها مصطفى سعيد أن ترقص معه، لكنها رفضت بسخرية لاذعة وأخبرته أنها لن ترقص معه حتى لو كان الرجل الوحيد في العالم، تحول الموقف حينها إلى مشادة علنية، انتهت بصفعها أمام الحضور، فركلته بساقها وعضت ذراعه بأسنان كأنها اسنان لبوة (8)، وصفها مصطفى سعيد بأنها ماجنة في القول والفعل، ورغم ذلك، وجد نفسه في حالة متناقضة من الحب والكراهية تجاهها، وكأنه واقع تحت تأثير قوة لا يستطيع مقاومتها، كان يردد مراراً أنه يكرهها ويقسم بأنه سيقتلها يوماً ما، يقول: بينما كانت هي تبادله الكراهية بالحدة نفسها، وتؤكد أنها تكرهه حتى الموت (9). وفي احدى الليالي قال لها وهو يحمل السكين في يده " سأقتلك نظرت الى السكين نظرة بدت كأن فيها لهفه، وقالت ها هو صدري مكشوف أمامك أغرس السكين في صدري " (10)

كانت تستلب كل شيء منه، وهي في غرفه نومه طلبت منه زهريه ثمينة ومخطوطا نادرا ثمينا ومصلاة من حرير اصفهان، كانت تقول تعطيني هذه وتأخذني، كان يوافق على كل شيء، وكان يهمس مع نفسه لو طلبت مني حياتي في تلك اللحظة ثمنا لقايضتها اياها، فهشمت الزهرية وداستها بقدميها حتى تحولت الى فتات، ومزقت المخطوط القديم النادر، وملات فمها بقطع الورق ومضغتها، واخذت المصلاة ورمتها في نار المدفأة، ووقفت متلذذه الى النار، لكنه لم ينل منها شيئا، يقول وفجاه احسست بركة عنيفة بين فخذي ولما افقت من غيبوبة، وجدتها قد اختفت(11)، ويكشف هذا عن علاقة الحضارة الغربية بالحضارات الاخرى ومنها الحضارة العربية الاسلامية، وقد فطن الى ذلك جورج طرابيشي ؛ يقول: " ان الحضارة الغربية لا تسلم نفسها لطالبها الاتي من الشرق او الجنوب الا إذا خلعته من تاريخه، وقطعته من ماضيه، وجردته من تراثه.. ان الحضارة الغربية لا تقوم الا على اشلاء الحضارات الاخرى"(12).

وفي اللقاء الأخير بينهما، انتظرته في غرفة نومه " وهي ــ غرفة نومه ــ "2 مقبرة تطل على حديقة "(13) المكان الذي تحول إلى ساحة للصراع والمواجهة النهائية، كانت اللحظة تحمل تناقضاً عجيباً بين تفاعل جسدي عنيف وحميمية مشحونة بالرغبة المشتركة في القتل، يقول " رفعت الخنجر ببطء فتابعت حده بعينيها ـ لبثت تنظر الى حد الخنجر بخليط من الدهشة والخوف والشبق ثم امسكت الخنجر وقبلته.. ووضعت الخنجر…. وضغطت ببطء، ببطء،.. قالت بألم يا حبيبي طننت انك لن تفعل هذا ابدا.. وضغطت الخنجر بصدري حتى غاب كله في صدرها (14)، في لحظة بدا فيها كأن الشوق والرغبة المتوحشة بالقتل كانا سيدَي الموقف بين القاتل والمقتول.(15)

العلاقة بين مصطفى وجين تخرج عن الإطار التقليدي للحب، لتأخذ منحى يعكس طابعًا ساديًا/مازوشيًا، جين تجد متعة في إذلال مصطفى، مما يدفعه إلى التعلق المرضي بها، هذه العلاقة تكشف عن اضطراب عميق في شخصية مصطفى، الذي اعتاد أداء دور المسيطر، ليجد نفسه الآن عاجزًا أمام امرأة تمثل تحديًا مزدوجًا له على المستويين الاستعماري والثقافي، هذا الانقلاب في الأدوار يعمّق شعوره بالعجز ويزيد من هوسه بها، إلى أن تصل الأحداث إلى ذروتها في الليلة التي يقتلها فيها، لحظة قتل جين مورس على يد مصطفى سعيد تمثل الذروة الحاسمة للصراع النفسي والثقافي الذي يسيطر على الرواية، تبدو هذه اللحظة كمحاولة يائسة من مصطفى سعيد، ليس لتحطيم المرأة التي أفلتت من سيطرته فحسب، وإنما كل أوهامه بشأن إمكانية مواجهة الغرب والانتقام منه باستخدام أدواته ذاتها. وبهذا فان مصطفى سعيد حين قتل جين مورس يكون قد " قتل الوجدان الاوربي المعقد الذي يعلن كراهيته واحتقاره لافريقيا "(16).

اما حَسنة بنت محمود فهي واحدة من أكثر الشخصيات المحورية والرمزية تمثيلًا في الرواية، إذ تعكس بعمق معاناة المرأة في ظل الأطر الاجتماعية التقليدية، وتجسد صراعًا داخليًا وخارجيًا مزدوجًا يتأرجح بين القمع الذكوري السائد في المجتمع السوداني التقليدي ومحاولات التحرر من هذا التضييق عبر فعل جذري يتمثل في رفض الهيمنة ومواجهة الوضع الراهن بأقصى أشكاله.

تزوجت حسنة بنت محمود، ذلك الإنسان المثقف، مصطفى سعيد، الذي سخر حياته لتحقيق إنجازات ذات معنى وصنع حياة مليئة بالطموح. عاش مصطفى في أوروبا لفترة طويلة، إذ استطاع الحصول على أعلى الشهادات العلمية، وتخصص في دراسة الاقتصاد ودرّسه في أرقى جامعاتها مستندًا إلى منهجيات علمية دقيقة. لم تكن تجربته الأكاديمية والمهنية هذه مجرد إنجازات شخصية فحسب، بل إنها تركت بصمتها العميقة في تشكيل وعي زوجته السودانية، إذ أثرت فيها نظرتها إلى الحياة ورفعت من مستواها في الوعي بعد زواجها من مصطفى سعيد، عاشت حسنة تحولًا هائلًا في ذهنها وشخصيتها. " لقد تغيرت حسنة بنت محمود بعد زواجها من مصطفى سعيد كل النسوان تتغير بعد الزواج لكنها هي خصوصا تغيرت تغيرا لا يوصف"(17) كانت هذه التغيرات عميقة ومؤثرة، لأنها لم تكن مجرد تغييرات اعتيادية بل انعكاسًا مختلفة عن بيئتها القرَوية. فالحياة في القرية، التي كانت غارقة تحت وطأة قيود التخلف الاجتماعي، تحكمها تقاليد صارمة ونظام انعكس على الأدوار الثابتة بين الرجال والنساء. في هذا النظام القديم " المراه للرجل والرجل رجل حتى لو بلغ ارذل العمر " (18).

وإذا كان "ود الريس"، الذي يعد الزوج المنتظر لحسنة بعد وفاة زوجها، " يبدل النساء كما يبدل الحمير "(19)، فإن تصرفاته واقواله: تؤكد استمرار سطوة المفاهيم التقليدية وإصرار المجتمع على تطبيقها بلا استثناء. كان يقول بكل عنجهية، إن طموحه في الزواج بحسنة هو حق مكتسب،

" ابوها قبل واخوتها قبلوا والكلام الفارغ الذي تتعلمونه في المدارس لا يسير عندنا هذا البلد فيه الرجال قوامون على النساء "(20) تمثلت رؤيته للزواج بأنها فرصة لا يجب أن تضيع، قائلاً " لن اتزوج غيرها ستقبلني وانفها صاغر هل تظن انها ملكه او اميره الارامل في هذا البلد اكثر من جوع البطن تحمد الله انها وجدت رجلا مثلي "(21)، لكن حسنة بنت محمود، على الرغم من ضغط المجتمع وأعرافه الصارمة، وقفت في مواجهة هذه التحولات بشجاعة نادرة. صرحت بصوت قاطع رفضها القاطع للزواج من "ود الريس"، مؤكدة: " بعد مصطفى سعيد لن ادخل على رجل " (22) وأعلنت بكل حزم أنه إذا أجبرت على إقامة علاقة زواج جديدة بعد مصطفى، فهي ستلجأ إلى أقصى حدٍّ،" واذا اجبروني على الزواج فاني سأقتله واقتل نفسي "(23) كانت بذلك تعبر عن رفضها للاستسلام لمنظومة تهدد كيانها الشخصي وتفرض عليها التبعية دون احترام إرادتها وحريتها.

يجد هذا الصراع ذروته عندما تُجبر حَسنة على الزواج من ود الريس، ذلك الرجل العجوز الذي يُفرض عليها رغم إرادتها بعد اختفاء زوجها الأول، مصطفى سعيد.. ما يزيد الأمر مأساوية هو سلوك والدها القاسي تجاهها، إذ يُظهر عنفًا جسديًا ولفظيًا واضحًا بغية إجبارها على القبول بالزواج. " ابوها شتمها وضربها، وقال لها: تتزوجينه رغم انفك "(24) هذا الموقف يكشف عن طبيعة القمع المنهجي الذي تمارسه البُنى الأسرية والاجتماعية ضد النساء، حيث تدفع الضحية في نهاية المطاف إلى خيارين أحلاهما مر: إما الاستسلام الكامل أو التمرد المدمّر.

وبعد أن يتم زواجها من ود الريس، تبدأ معاناتها في مستويات أخرى؛ إذ تتحول حياتها إلى سلسلة من الانتهاكات المتواصلة والمتجسدة في الاعتداءات الليلية والإذلال اليومي، لتصبح رهينة لعلاقة تقوم على القهر وإهدار الكرامة" اقامت عنده أسبوعين لا تكلمه ولا يكلمها "(25) في غرفة ود الريس القصيرة المطلة على الشارع "(26) وفي لحظة مفصلية من الرواية، تصل حَسنة إلى قرار مدوٍ يتجاوز كل الحدود التقليدية للصمت أو الهروب. تقدم على قتل ود الريس ثم تختار الانتحار.

كان المشهد مريعا، كلاهما شبه عار، كان ثوبها ممزقا، كانت مخدوشة في كل جزء من جسمها، وكان ود الريس مطعونا باكثر من عشر طعنات نافذة في بطنه وصدره،، كانت حسنة مستلقية على ظهرها والسكين مغروز في قلبها، فمها مفتوح وعيناها تبحلقان كأنها حية وود الريس لسانه مدلدل بين فكيه وذراعه مرفوعة في الهواء.(27)

هذه وسيلة للتعبير عن رفض قطعي وشامل لهذا النظام الاجتماعي الجائر الذي نزع عنها أبسط مظاهر الإنسانية. يبرز فعلها الأخير كصرخة احتجاج جارفة تتحدى التعريفات النمطية لدور المرأة وتعري الأبعاد الأكثر ظُلمًا وثقلاً للنظام الأبوي الذي أسلبها حقها الطبيعي في الحياة الكريمة.

قتل حسنة لود الريس لا يعد مجرد جريمة عادية، بل هو عمل رمزي يعيد تعريف مفهوم "القوة" في مجتمع تغلب عليه الهيمنة الذكورية. الفعل يجسد انتقامًا من نظام اجتماعي يحصر دور المرأة في جسد مستسلم، ويجعلها وسيلة لإشباع رغبات الرجل. انتحارها عقب ارتكاب الجريمة يعبر عن رفض جذري للاستمرار في حياة تنتقص من كرامتها، وبهذا فإن حسنة بنت محمود " قتلت التقاليد التي تعودت ان تجعل من المرأة شيئا من المتاع المادي، وليست " انسانة " ذات عاطفة خاصة مستقلة "(28)

يمكن تحليل شخصية حَسنة ضمن الثنائية الرمزية في الرواية، حيث يعكس الرجل (ود الريس) التقاليد الراسخة والمتهالكة، بينما تمثل هي الشوق إلى الحياة الكريمة، إلا أن هذا يتعرض للقمع تحت قوة النظام الأبوي المسيطر، نهايتها المأساوية تسلط الضوء على استحالة التغيير في إطار بنية اجتماعية مغلقة، لكنها في الوقت ذاته تترك تأثيرًا عميقًا على الراوي والمجتمع، كمحفز قوي يثير التساؤلات حول مفاهيم العدالة

ويظهر الموت عنصرا رئيسا ومؤثرا في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، عبر شخصيتي جين مورس وحسنة بنت محمود، إذ تنتهي حياتاهما بطريقة درامية وعنيفة بفعل القتل العمد ويرتبط كل من هذين الموتين بالعلاقة الجنسية والرغبة في التحرر والهرب من الذات أو الآخر عن طريق القتل، تلقى جين مورس حتفها في لحظة مشبعة برغبة جامحة نحو الانتحار وهي بين ذراعي مصطفى سعيد، وكأنها تخوض رحلة نحو عشق مطلق وتمرد على الأعراف، يبدو أنها تسعى من خلال موتها إلى دفع خصمها وعشيقها نحو هاوية الموت التي تمكن من الإفلات منه في أثناء محاكمته، ان الموت ـــ هنا ـــ ليس مجرد حدث مادي عادي أو نهاية لحياة شخصية ما؛ بل يمتد ليأخذ أبعادًا رمزية تنطوي على دلالات حضارية وثقافية عميقة. ففي حالة وفاة جين مورس، التي تمثل رمزًا للحضارة الغربية، يتم توظيف الموت وسيلة للتعبير عن أفول الحقبة الاستعمارية التي اعتمدت على فرض هيمنتها بالقوة على الشعوب والأمم الأخرى. هذه الوفاة تُشير إلى انهيار نموذج حضاري متغطرس كان يسعى بكل وسيلة إلى إثبات تفوقه.

أما حسنة بنت محمود، فقد وجدت نفسها مجبرة على الزواج من ود الريس نتيجة لضغوط عائلية قاسية، رغم رفضها القاطع لهذا الزواج الذي يعبر عن قيم بدائية وتخلف اجتماعي، واتخذت قراراً حاسماً بقتل زوجها والانتحار، إذ تعد هذا الفعل هو السبيل الوحيد لتحرير ذاتها والتمرد على الظروف القاهرة المحيطة بها. ويمثل موت حسنة بنت محمود صراعًا ثقافيًا واجتماعيًا من منظور آخر، حيث يعكس مأزق المرأة العربية التي تجد نفسها محاصرة بين قسوة التقاليد البالية والممارسات الظالمة التي تفرض الزواج بالإكراه، وبين تطلعها المشروع للتحرر من قيود قديمة لا تتماشى مع الشرائع العقلية والأخلاقية. هذا الصراع العنيف بين الثبات على موروثات اجتماعية قاسية والرغبة في التحرر منها يصور تعقيدات الواقع الذي تعيشه المرأة، ليصبح الموت هنا رمزًا لمأساة هوية اجتماعية تسعى جاهدة للخروج من عباءة الماضي.

عانت حسنة بنت محمود من العنف النفسي بسبب تسلط ثقافة ذكورية تتسم بالتخلف، حيث دفعتها الظروف الاجتماعية للزواج من ود الريس، الذي يُعد واحدًا من أبرز رموز النظام الأبوي المتحجر، يسعى هذا النظام إلى تقليص دور المرأة وتحويلها إلى مجرد عنصر هامشي داخل المجتمع، فارضًا عليها الامتثال لقوانينه الصارمة والقاسية.

وعلى عكس جريمة قتل جين مورس التي جرت بتنسيق مشترك مع مصطفى سعيد، نجد أن حسنة بنت محمود تحدّت التقاليد البالية بقرار فردي، حيث كان رفضها للزواج نابعا من إرادتها الشخصية وليس باتفاق مسبق، من جانب آخر، خضعت جريمة قتل جين مورس لمحاكمة قادت إلى إدانة القاتل بالسجن لعدة سنوات، بينما تم دفن جثتي ود الريس وحسنة بنت محمود في صمت تام، مع محاولة التستر على الجريمة وإخفاء معالمها.

***

د. كريم الوائلي

.......................

(1) البير كامو، الانسان المتمرد، ترجمة: نهاد رضا، منشورات عويدات، بيروت ــ باريس، 1983، ص 18.

(2) ولاء اسعد عبد الجواد، المرأة وهاجس التمرد في الرواية المصرية المعاصرة، رواية دارا انموذجا، مجلة العلوم الانسانية والاجتماعية، المجلد 5، العدد 1 يناير، 2024، ص 142.

(3) ينظر: كريم الوائلي، موسم الهجرة الى الشمال، مجلة الجامعة، جامعة الموصل، 1978.

(4) الطيب صالح، موسم الهجرة الى الشمال، دار العودة، بيروت، 1981، ص 97 ــ 98.

(5) نفسه، ص 163.

(6) ينظر نفسه، ص 34.

(7) ينظر: نفسه، ص 37.

(8) ينظر: نفسه، ص 157.

(9) ينظر: نفسه، ص 161.

(10) نفسه، ص 161.

(11) نفسه، ص 159.

(12) جورج طرابيشي، الاعمال النقدية الكاملة، مدارك للنشر، بيروت، 2013، 1/548.

(13) الطيب صالح، موسم الهجرة الى الشمال، ص 161.

(14) نفسه، ص 166.

(15) تكرر ذكر الخنجر مرات عدة في متن رواية موسم الهجرة الى الشمال، فهل كان يذكر بصورة غير مباشرة، بالخجر او السيف العربي، هذا اللقاء الحضاري لقاء دموي حاد عنيف، ومصطفى سعيد يتنبه إلى أهمية السلاح.. وهي رغبة لا شعورية في العودة إلى السيف الذي كان وما زال رمزاً للقوة.. واللقاء بين الحضارتين سبقته لحضات تألّم. ثم كان اللقاء الدموي العنيف. اعترف كل منهما بحبه للآخر، واجتمع الماضي والحاضر والمستقبل في نقطة واحدة، ينظر: كريم الوائلي، موسم الهجرة الى الشمال، مجلة الموصل، جامعة الموصل 1978.

(16) رجاء النقاش، الطيب صالح عبقرية روائية جديدة، ضمن كتاب: الطيب صالح عبقري الرواية العربية، دار العودة، بيروت، ص 92.

(17) الطيب صالح، موسم الهجرة الى الشمال، ص 102.

(18) نفسه.

(19) نفسه، ص 99.

(20) نفسه، ص 100ــ 101.

(21) نفسه، ص 100.

(22) نفسه، ص 99.

(23) نفسه.

(24) نفسه، 123.

(25) نفسه، ص 124.

(26) نفسه، ص 128.

(27) نفسه، ص 128.

(28) رجاء النقاش، الطيب صالح عبقرية روائية جديدة، ضمن كتاب: الطيب صالح عبقري الرواية العربية، ص91 ـ 92.

 

يُعَدُّ الأمل من أعمق القيم الإنسانية وأكثرها قُدرة على مقاومة العدم واليأس، فهو القوة الخفية التي تدفع الإنسانَ إلى التمسك بالحياة رغم قسوتها، وتمنحه القُدرةَ على التغيير والتجاوز.

وقد تجلَّى هذا الأمل في الأدب العربي والعالمي على حَد سَواء، وبرزَ بشكل لافت في تجربة الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي (1909 - 1934)، والشاعر الإنجليزي بيرسي بيش شيلي (1792 - 1822). حيث التقيا - رغم اختلاف الزمان والمكان- في رؤية شِعرية تؤمن بأنَّ الظلام لا يُمكن أن يستمر، وأنَّ الفجر آتٍ لا مَحَالة.

عاش الشابي في فترة عصيبة من تاريخ العالَم العربي، حيث كانت تونس ترزح تحت وطأة الاستعمار، وكان الشعورُ العام مُشبعًا بالإحباطِ والانكسار. ومعَ ذلك، لَم يستسلم الشابي لهذا الواقع، بل جعله مُنطلقًا لثورة شِعرية قائمة على الأملِ والإرادة، وأكَّدَ أنَّ الأمل لَيس حالة سَلْبية مِن الانتظار، بل هو فِعْل إرادي واعٍ يفرض التغييرَ. فالأملُ عند الشابي مُرتبط بالإرادة، والإرادةُ مُرتبطة بالفِعل، والفِعْلُ هو الذي يَصنع المُستقبلَ.

أمَّا شيلي، فقد عاش في أوروبا خلال فترة التحولات الكُبرى التي أعقبت الثورة الفرنسية، حيث سادتْ أفكار الحرية والعدالة والمُساواة، لكنها اصطدمتْ بواقع سياسي مضطرب. كان شيلي شاعرًا رومانسيًّا ثائرًا، يؤمن بأن الإنسان قادر على إعادة تشكيل العالَم، ويؤمن كذلك بِدَورة الحياة وتجددها. وشِعْرُه يعكس رؤية فلسفية تَرى أن المُعاناة لَيستْ نهاية، بل مرحلة تَسبق التحوُّل. والأملُ عنده ينبع من الطبيعة، وتعاقبِ الفصول، واليقينِ بأن التغيير قانون كَوني لا يمكن إيقافه.

عِند التأمُّل في التجربتين، نجد أنَّ كِلَيهما ينطلق من معاناة واقعية، لكنه يرفض الاستسلامَ لها. الشابي يرى الأملَ في قوةِ الشعوبِ وقُدرتها على كسر القيود، بَينما يَرى شيلي الأملَ في الطبيعة وقوانينها التي تضمن التجدُّد. ومع ذلك، يلتقيان في نقطة جَوهرية: الأملُ لَيس وهمًا، بل حقيقة يُمكن إدراكها عبر الإيمانِ والعمل.

كما أن اللغة الشعرية لدى الشاعرَيْن تلعب دَورًا مُهِمًّا في ترسيخ هذا الأمل. الشابي يستخدم لغةً حماسية مباشرة تخاطب الجماهير، وتدعو إلى النهوض والثورة، بَينما يميل شيلي إلى الرمزية والصورِ الطبيعية التي تُوحي بالتحوُّلِ والانبعاث. وعلى الرغم من هذا الاختلاف الأسلوبي، فإن الرسالة واحدة: لا دوام لليأس، ولا بقاء للظلام.

إنَّ أهمية الأملِ المتجدد لا تكمن فقط في كَونه موضوعًا شِعريًّا، بل في كَونه قوة تغيير حقيقية. فقدْ أثَّرت أشعارُ الشابي في الحركات الوطنية العربية، وأصبحتْ مصدرَ إلهام للأجيال، كما ألهمتْ أعمال شيلي العديد من المفكرين والثوار في أوروبا. وهذا يدلُّ على أن الكلمة الصادقة قادرة على تجاوز حدود اللغة والثقافة، لتصل إلى الإنسان في كُلِّ مكان.

استخدمَ الشاعران عناصر رمزية مؤثرة، مع اختلاف الدَّلالة:

أ - الفجر / الصباح. دَلالته عند الشابي: انقشاع ظُلمة الاستعمار والجهل، وعِند شيلي: يقظة الوعي البشري وبداية عصر التنوير.

ب- الرياح / العواصف. دَلالته عند الشابي: قوة الهدم التي تسبق بناء الذات الجديدة، وعِند شيلي: المُحرِّك الذي ينشر بذورَ التغيير في أصقاع الأرض.

ج - الربيع. دَلالته عند الشابي: عَودة الحياة للروح القَومية والجَمَالية، وعِند شيلي: الانتصار النهائي للحياة على الجمود.

وفي عالَمنا اليوم، حيث تتكرر الأزمات، وتتعاظم التحديات، تظلُّ رسالة الشابي وشيلي أكثر حُضورًا من أي وقت مضى. فالأملُ الذي حاولا صُنْعَه لَيس سذاجة أو تجاهلًا للواقع، بل هو موقف شجاع يُواجه الواقعَ، ويَسعى لتغييره. إنَّه دَعوة إلى الإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز المِحَن، والتمسكِ بالحُلْمِ مهما بدا بعيدًا.

والأملُ عند الشابي وشيلي هو جوهر التجربة الإنسانية، وهو الرابط الذي يجمع بين الثقافات المختلفة. إنَّه النُّور الذي يُضيء دربَ الإنسان في أحلك الظروف، والقوة التي تدفعه إلى الاستمرار، وبَين صرخةِ الشابي وحُلْمِ شيلي، يتجدد الأمل، وتستمر الحياة.

الشابي جعل الأملَ فِعل مُقاوَمة مُباشرًا، ومُرتبطًا بواقع تاريخي ضاغط، إذْ يتولد مِن مُعاناة شعب تحت الاستعمار، ويتحوَّل إلى طاقة تحريضية تؤمن بقدرة الإرادة على تغيير المَسارِ والمصيرِ، كما يتجلَّى في نبرته الحماسية الواضحة، وإيمانِه الحاسم بانتصار الحياة.

أمَّا شيلي، فينطلق من أفق رومانسي فلسفي، حيث الأمل لَيس صرخة مُواجهة بِقَدْرِ ما هو تأمُّل في قوانين الوجود وتحوُّلاتِ الطبيعة. إنَّه أمل يتشكل عبر الجَمال والتجدُّد الكَوني، ويعتمد على فكرة أن الألم يَحمل بذورَ التغيير، كما يَظهر في رمزيته العالية ولغته الحالمة التي تربط بين الإنسانِ والطبيعة في دَورة مُستمرة مِن المَوت والانبعاث.

والشابي يختصر المسافة بين الأمل والفِعل، فيجعله أداة تغيير فَوري، بينما يَتركه شيلي يمتدُّ في الزمن كقانون كَوني بطيء لكنَّه حتمي.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تفكيك الجغرافيا الرمزية وبنية القمع في خطاب الجسد

تنهض قصة "الجهة الخامسة" للكاتب رسلان عودة بوصفها نصاً سردياً يتجاوز حدوده الحكائية المباشرة، ليتحوّل إلى بنية دلالية مفتوحة، تتقاطع فيها السلطة بالجسد، والمقدّس بالمدنّس، والحرية بالقمع. إنها قصة بسيطة في ظاهرها—رجل يبحث عن مكان لقضاء حاجته—غير أنّها في عمقها نصّ كينونيّ احتجاجيّ يعرّي بنية المجتمع حين تتحوّل الجهات إلى محظورات، والوجود إلى مطاردة.

أولاً: ملخص مركز للنص

تدور القصة حول شخصية الراوي الذي يترجل من الحافلة في منطقة نائية، بدافع حاجة بيولوجية ملحّة. يحاول أن يقضي حاجته، لكنّه يُمنع في كل مرة من قبل قوى مختلفة:

رجل يحرّمه بدعوى "قصر المبجّل"

فلاح يتهمه بالإساءة إلى مقام ديني

رجل آخر يمنعه بدعوى "القبلة"

جماعة سياسية تتهمه بمعاداة الحزب

وأخيراً يواجه صنماً رمزياً

تنتهي القصة بانفلات الجسد من كل القيود، حين يخلع الراوي ثيابه جزئياً، ويقضي حاجته متحدياً الجميع، في مشهد يحمل دلالة تحررية عميقة.

ثانياً: تحليل البنية السردية

١. الحدث والحبكة:

الحبكة تقوم على تكرار حدث واحد (محاولة قضاء الحاجة) ضمن سياقات مختلفة، وهو ما يمنح النص طابعاً دائرياً تصاعدياً.

البداية: حاجة طبيعية

الوسط: سلسلة من المنع والقمع

العقدة: استحالة تحقيق الفعل البسيط

الذروة: إدراك تعدد "الجهات الممنوعة"

الحل: التمرّد الجسدي

٢. التفكيك البنيوي:

البنية تقوم على:

تكرار - اختلاف: نفس الفعل، مبررات مختلفة

تصاعد القمع: من فردي إلى جماعي

تفكك المعنى: تعدد المرجعيات (دينية، سياسية، اجتماعية)

ثالثاً: تحليل الشخصيات: (نفس-رمزي)

١. الراوي (الذات)

يمثل الإنسان الطبيعي في صراعه مع منظومات القمع.

وفق منظور معظم علماء النفس وعلى رأسهم عالم النفس السويسري كارل يونغ، يمكن اعتباره:

تمثيلاً لـ"الأنا" في مواجهة "الظل" الجمعي (القمع الاجتماعي)

٢. الشخصيات الأخرى:

رجل القصر: سلطة سياسية

الفلاح- المزار: سلطة دينية شعبية

صاحب السبحة: سلطة فقهية

جماعة الحزب: سلطة أيديولوجية

الصنم: سلطة رمزية مطلقة (الأيديولوجيا المتحجرة)

جميعهم تمثلات لـ"الأنا العليا القمعية" التي تفرض حدوداً على الجسد.

رابعاً: الزمن والمكان: لم يغفل الأديب رسلان عودة الزمن والمكان لأهميتهما

١. الزمن

زمن خطي ظاهري

لكنه زمن نفسي متوتر، يتمدد مع اشتداد الحاجة، تتخلله استرجاعات (الطفولة)

٢. المكان:

المكان هنا ليس جغرافياً فقط، بل خريطة قمع:

كل جهة تساوي سلطة

الفضاء المفتوح يتحول إلى فضاء مغلق رمزياً

خامساً: اللغة والأسلوب:

١. اللغة

لغة النص:

حية، ساخرة، مشحونة

تمزج بين الفصيح والدارج أحياناً

تعتمد على المفارقة

٢. الصور

مثل:

"أعصر فخذيَّ ببعضهما وأتلوى كأنني في مخاض"

صورة تحوّل الفعل البيولوجي إلى تجربة وجودية.

٣. الإيقاع

إيقاع متسارع

يعكس التوتر الداخلي

يتصاعد مع تصاعد القمع

سادساً: الرموز والدلالات

١. "الجهات"

ليست جغرافية، بل:

الدين

السياسة

المجتمع

الأيديولوجيا

(الخامسة): الحرية - الذات

٢. الجسد

يمثل: ١- الحقيقة الأولى، ٢- الطبيعة

ما لا يمكن قمعه نهائياً

٣. البول (الماء)

رمز: التطهير، الانفجار، التحرر

سابعاً: توظيف المناهج النقدية

١. المنهج البنيوي

يكشف: تكرار البنية، العلاقات بين العناصر، نظام التضاد (حرية-قمع)

٢. المنهج النفسي

النص يعكس:

صراع الأنا مع السلطة الجمعية

انبثاق "الظل" في صورة القامعين

لحظة التحرر = تكامل نفسي

من جهة المقاربة الهيرمينوطيقية (التأويلية) فالنص بوصفه انفتاحاً دلالياً. في المنظور الهيرمينوطيقي، لا يُختزل النص في معناه الظاهر، بل يُفهم بوصفه بنية مفتوحة على تعددية التأويل. وقصة "الجهة الخامسة" تقدم نفسها منذ البداية كـ"لغز تأويلي":

"ألحَّ نداء الطبيعة على طبيعتي..."

هذه الجملة لا تحيل فقط إلى حاجة جسدية، بل إلى نداء كينوني، حيث "الطبيعة" هنا تتجاوز البيولوجي لتغدو استعارة عن الأصل الإنساني غير المروَّض.

وتأويل "الجهات" بوصفها أنساق معنى

الجهات الأربع في النص ليست جغرافية، بل أنظمة تأويل مغلقة:

جهة القصر: تأويل سياسي للوجود

جهة المزار: تأويل ديني شعبي

جهة القبلة: تأويل ديني تقنيني

جهة الحزب: تأويل أيديولوجي

كل جهة تمثل نظاماً يفرض معنى واحداً للعالم، ويرفض أي انحراف عنه.

أما "الجهة الخامسة"، فهي:

أفق تأويلي متمرّد، يرفض الانغلاق، ويعيد المعنى إلى أصله: الجسد.

٣. المنهج التفكيكي:

النص يهدم:

ثنائية المقدس- المدنس

الشرعية- الانحراف

النظام - الفوضى

ثامناً: البعد الفلسفي

القصة تطرح سؤالاً وجودياً:

هل يمكن للإنسان أن يعيش طبيعته في عالمٍ مُؤدلج؟

هي نقد لـ:

١-تسييس الجسد

٢- تقديس القمع

٣- تحويل الحياة إلى محظورات

وتنتمي إلى أفق:

الوجودية (الحرية الفردية)

ما بعد الحداثة (تفكيك السلطة)

تاسعاً: جدلية الثنائيات

١- الجسد - السلطة

٢- الحرية - القمع

٣- الطبيعة - الثقافة

٤- الفرد - الجماعة

٥- المقدس - المدنس

النص لا يحل هذه الثنائيات، بل يفجّرها.

عاشراً: خاتمة تقييمية

تنجح قصة "الجهة الخامسة" في أن تكون نصاً سردياً مكثفاً يحمل طاقة رمزية عالية، حيث تتحول واقعة بسيطة إلى مأساة وجودية ساخرة. إنّها قصة عن:

إنسانٍ حاصرته الجهات الأربع… فاخترع الخامسة: التمرّد.

اللغة مشحونة، البنية متماسكة، والدلالة عميقة.

وقد استطاع الكاتب أن يكتب نصاً يعرّي الواقع دون خطاب مباشر، معتمداً على جسدٍ يقول ما تعجز عنه الأيديولوجيات.

في "الجهة الخامسة"، لا يبحث البطل عن مكانٍ ليقضي حاجته، بل عن مكانٍ، ليكون إنساناً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.......................

الجهة الخامسة

1- ألحَّ نداء الطبيعة على طبيعتي، فطلبتُ من سائق الحافلة أن ينزلني على الطريق في هذه المنطقة النائية، فالمسافة المتبقية إلى قريتي ليست بالبعيدة.. ومن غضب القدر أن جعل هذه القرية على حزام المدينة، فلا هي تمدنت، والمدينة تريفت.

هرولتُ مسرعاً إلى أسفل الإسفلت ويداي تفكَّان حزام بنطالي.. أدرتُ وجهي للريح عملاً بوصية الأعرابي لابنه، هممتُ بنزع سحَّاب نافذة الحشمة، لكنَّ يداً ضربت كتفي وبصوت غاضب قال صاحبها قبل أن أراه:

- ألا تعلم بأن قصر المبجل أمامك يا مواطن؟..

أتلفتُ حولي، أحرف بصري إليه مغمض العينين خجلاً وأنا أتحول إلى آلة شفط:

- والله لا علم لي!.. ثم أن القصر يا هذا، هناك على جبل يخاصر المدينة؛ بيني وبين أسواره مسافة مسير يوم لحمار أعرج.. وما سمعتُ يوماً، وأنا ابن هذه الديرة أن أحداً مرَّ بقرب السور قاصداً أو تائهاً وعاد إلى بيته!..

صاح الغضب في صوته: أنا لست هذا، يا نكرة!. أقسم بالمبجل العظيم، لولا أن فتحة سروالك سبقت كلامك؛ ما كنتَ لتعودَ إلى بيتك يا بعر الإبل!.. مسحتُ عصير الرعب عن جبيني وهو يرفع يده عن مسدسه: اغرب عن وجهي يا أهبل..

2- شرَّقتُ، أتهبلُ مهرولاً حتى وجدتني ألهثُ بين رجمين من أحجار بيض وسود، وما إن وصلتْ أصابعي إلى قفل السحَّاب حتى نادى عليَّ من بعيد فلاح أصلع الرأس، طويل الذقن، ترك المحراث وركض نحوي:

- قاتلك الله أيها الماجن الكافر.. كان هذا سلامه عليَّ، ثم أردف كأنه شرطي البلدية

- أتفعلها في وجه سيدنا ومولانا قدَّس الله سره.. ألم ترَ قبة المزار الخضراء يا بني آدم؟!.

صاح منادياً سيده ومولاه أن يسخطني قرداً.. كلباً.. ثوراً يفلح له أرض الوقف..

اعتذرتُ ويدي تخفي بعضاً مني وهو لا يهتم، فأخبرته بجهلي بوجود أي مقام في هذا الاتجاه.. قلت وظهري له: لكنني يا عبد المزار، رأيت قبل قليل كلباً رفع قائمته الخلفية لمستوى ظهره، وفعلها بذات الاتجاه!

تركته يبربر ويحكي ما أفهمه وما لا أفهمه، فحالتي لا تسمح لي بالفهم كثيراً!.. تمنيتُ لو أصبح ثوراً لأقضي حاجتي أينما أريد.. هربتُ بعيداً عنه، أهرول عكس الاتجاه، أبحث في السهل

الفسيح وفي ثنيات التلال الجرداء، (أتفركش) بخطاي ساقاً على ساقٍ، وقدماً تتعثر بأختها، أحصر مائي وأكز على أسناني.. أغني وأخلط العتابا بالدلعونا! هكذا سمعت مرة أن إشغال الذاكرة يخفف من عناد الحاجات الملحة.

3 - جال بصري هذه المرة بحذر في الجهات كلها.. لم ألحظ أحداً.. تنفستُ الصعداءَ وزفير مائي المكتوم يخنق أحشائي، فأعصر فخذيَّ ببعضهما وأتلوى كأنني في مخاض.. أجرُّ بأصابعي المرتجفة السحاب إلى نصفه، لكن وجهاً بشع الملامح لرجل غريب الهندام يرفع سرواله ضيق الساقين، وفوقه ثوب كأنه مريول عاملة جلي الصحون في مطعم المدينة.. برز لي من جانبي الأيمن وبيده سبحة بطوله، نهرني واتهمني بالكفر والإلحاد مرة أخرى، استفسرت منه عن السبب! فأجاب:

الآن أيقنت بكفرك.. رجل بمثل سنك لا يعرف يمينه من شماله؟!.. والله لا يفعلها باتجاه القبلة إلا شيطان.. ارحل من هنا قبل أن ينزل غضبي وغضب الله عليك.

(قلت في نفسي: ليت غضب الله ينزل!..) أدرت وجهي عنه ونظرت إلى المكان الذي سأهرب إليه، نسيتُ لبرهة تلاطم الموج في أسفل بطني على رجم صاحب السُبحة بأحجار لا تصل إليَّ.

تفكَّرتُ بالجهات الثلاث الممنوعة وتذكرت أيام الطفولة حين كنا نرشق ماءنا جماعة ونحن لا نعرف الشرق من الغرب.. نصطف إلى جانب بعضنا البعض والدنيا غروب، نتحدى من منا يصل ماؤه أبعد من الآخر؟.. وكثيراً ما كنا نرسم نجوماً ودوائر واسعات ونحن ندور في مكاننا مثل ذبابة هوَت عليها كف جدي.. لا تهمنا جهة ولا نهتم لعابر طريق.. نضحك ملء أفواهنا ونصفق للرابح فينا، إلَّا برهوم ابن الفرَّان كان يقف على بعد خطوات منا خجولاً مكتئباً، فهو لا يشاركنا لأن (الصفوري) لم يختنه بعد!.. مرة واحدة ربحتُ بعد أن شربت كثيراً وحصرتُ الماء في جسدي لساعة اللقاء والتحدي!.

4 - اتجهتُ إلى الجهة الرابعة وأنا أتساءل: لا يُعقل أن يكون في هذه الجهة ما يمنع تلبية نداء الطبيعة؟!.

جثوتُ على ركبتيَ كي لا يراني أحد، وأنا الذي اعتاد على فعلها واقفاً، فما زال صوت أمي في رأسي حين وبختني ذات مرة، وكنا في البرية والموسم حصاد.. يومها أخذتُ القرفصاء بعيداً عنها، فصاحت بي: قف يا (بنوتة).. لا تفعلها مثل البنات!.

سحل بنطالي الذي لم يعد يطيق خصري إلى ما فوق الركبتين بقليل، زفرت نفساً طويلاً مع بدء انهيار السد.. لكن أحداً رفعني من كتفي ورماني أرضاً، كانوا أكثر من شخص.. قال واحد منهم وكان بعيداً:

- ارموه في حفرة النفايات.. هناك أسفل التلة السوداء.

توقف شلال السد فجأة، وكأن للجسد كوابحَ قطارٍ سريع!؟

لم أهتم لسحلهم إياي بقدر ما كنت مهتماً برفع بنطالي وستر ما تحته.. سألت صاحب الشارب الكثيف عن سبب طردي؟ فرد الرجل البعيد:

- ألم ترَ هناك لهيب شعلة حزب الكادحين، أيها البورجوازي العميل؟.

أذكر أنني رأيتُ في المدينة؛ تمثالاً أسود لرجل يرتدي شروالاً وفي قبضة يده شعلة كئيبة فوق رأسه، لا تُضيء!.

نكزني لأصحو من ذاكرتي المعتمة قائلاً:

- من أرسلك؟.

أصرخ مع كلِّ ركلة ورفسة: لا علم لي.. أبي فلاح وأنا طالب جامعي، أعمل عتالاً أمام الفنادق!. لو كنت أعلم لوقفتُ على بابكم شاكياً!؟.

زحفتُ إلى أبعد من ظل جبل، أترنح متثاقلاً، أتهجَّى الجهات الممنوعة.. لم أعد قادراً على معاندة تصريف السموم من جسدي.. ركضتُ إلى رأس التلة على أربع؛ كتيسِ صاحب عيون المها!.. انتصبتُ على طولي..

فانتصبَ أمامي صنم بطول شجرة سرو هرمة، يرفع يده، يُحيي مدينةً أعلى ما فيها يصل إلى ركبتيه.. سألت سحابة عابرة: هل لغير الأشجار من أحدٍ يعلو فوقها؟!

أتلفت حولي وأدور حول قاعدة الصنم العملاق.. كلهم تركوا الجهات كلها، وجاؤوا إليَّ يتراكضون، عرفوا أنني كافر ملعون لا أعبد ما يعبدون!.. وعرفتُ الآن بعد شك أن خمس جهات لهذا البلد؟! ضاقت بي الجهات، فخلعتُ عني نصفي المبلول، وتركتهم يركضون ورائي حافياً نصف عارٍ، ومائي الأصفر المخنوق يركض أمامي حراً طليقاً..

ينظرون إليَّ بوقاحة.. أرمقهم بدمع الخلاص.. ومع آخر قطرة أصابتني الرجفة إياها فلكأن للجسد رقصةَ خلاصٍ بعد انحباس!؟..

***

رسلان عوده

كانون ثاني2020

 

في البدء، لا يكون الشعرُ قولًا، بل ارتعاشًا في صمت الوجود؛ ولا تكون اللغة أداةً للتسمية، بل معبرًا للانكشاف. ذلك أنّ كل محاولة لفهم الشعر خارج أفقه الميتافيزيقي إنما تُقزِّمُه إلى مجرد زخرفةٍ لفظية، أو لعبةٍ بلاغية، بينما هو—في جوهره—فعلُ كشفٍ كينونيّ، تنفلت فيه الذات من حدودها، وتغدو اللغةُ مرآةً لما لا يُرى.

إنّ الميتافيزيقا، بما هي مساءلةٌ لما وراء الظاهر، لا تنشد اليقين بقدر ما تُفجّرُه. فهي، وإن بدت في ظاهرها نسقًا يؤسّس للثبات، تنقلب في عمقها إلى قوة تقويضٍ لكل يقينٍ متخشّب. ومن هنا، فإنّ التقاءها بالشعر ليس التقاءَ نظامين، بل تصادُمُ حريّتين: حرية الفكر في مساءلة المطلق، وحرية اللغة في خلخلة المعنى. وفي هذا التصادُم، يولد الشعر لا بوصفه معرفة، بل بوصفه احتراقًا في المعرفة.

الشعر، إذن، ليس خطابًا يُقال، بل تجربةٌ تُعاش؛ وليس تمثيلًا للوجود، بل انخراطٌ فيه. إنه لا يصف العالم كما هو، بل يكشفه كما يمكن أن يكون، أو كما يتجلّى في لحظة انكسار البداهة. ومن هنا، فإنّ الشعر لا ينتمي إلى منطق الهوية، بل إلى منطق الاختلاف؛ لا يطمئن إلى المعنى، بل يجاوره في قلقٍ دائم، كأنّه يسكن الحافة بين الحضور والغياب، بين القول والصمت.

ولعلّ أعظم ما ينجزه الشعر هو أنّه يُعيد للغة براءتها الأولى؛ تلك البراءة التي تسبق التحديد، وتقاوم التشييء. فاللغة في الشعر لا تُستخدم، بل تُعاد ولادتها. الكلمة لا تشير إلى شيء، بل تُصبح هي الشيء، أو بالأحرى: تُصبح أثرًا له، ظلًّا يتردّد في فضاءٍ من الإمكان. وهنا، يتحوّل المجاز من زينةٍ بلاغية إلى ضرورةٍ أنطولوجية، لأنّ الحقيقة لا تُقال إلا بانحرافها، ولا تُدرك إلا بانزياحها.

في هذا الأفق، يغدو الشعر ضربًا من الإنصات الوجودي؛ إنصاتٌ لما يتوارى خلف ضجيج المعنى، لما يتخفّى في كثافة التجربة. الجمال ليس ما يظهر، بل ما يلمع في لحظة اختفائه؛ ليس ما يُمتلك، بل ما يُفلت. ولذلك، فإنّ القصيدة لا تُقرأ، بل تُسكن؛ لا تُفهم، بل تُحسّ كرجفةٍ في الكيان، كأنّها تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، لا عبر المفهوم، بل عبر الأثر.

وإذا كانت الفلسفة تسعى إلى القبض على المعنى، فإنّ الشعر يُفلتُه؛ وإذا كانت الفلسفة تبني، فإنّ الشعر يُصدّع—لا من أجل الهدم، بل من أجل فتح شقوقٍ في جدار الواقع، يتسرّب منها ضوء الكينونة. وهكذا، لا يكون الشعر نقيضًا للفلسفة، بل امتدادًا لها في أفقٍ يتجاوز المفهوم نحو التجلّي؛ حيث لا يعود المعنى فكرةً، بل تجربة.

إنّ التفكير شعريًا هو أن نقبل باللااكتمال، أن نُقيم في السؤال لا في الجواب، أن نُصغي لما لا يُقال بقدر ما يُقال. فالكينونة، في جوهرها، لا تُفصح عن ذاتها دفعةً واحدة، بل تلمّح، وتنسحب، وتتركنا في حالة ترقّبٍ دائم. ومن هنا، فإنّ الشعر لا يمنحنا الحقيقة، بل يُدرّبنا على احتمالها؛ لا يكشفها كمعطى، بل كأفق.

وفي الختام، يمكن القول إنّ الشعر، حين يُستعاد في أفقه الميتافيزيقي، لا يعود فنًا من فنون القول، بل نمطًا من أنماط الوجود؛ طريقةً في السكن داخل العالم، لا بوصفه موضوعًا للمعرفة، بل بوصفه لغزًا للمعايشة. إنّه دعوةٌ إلى أن نرى ما وراء ما نرى، وأن نسمع ما يتوارى في صمت الأشياء، وأن نُدرك—في لحظة خاطفة—أنّ الجمال الحقيقي ليس فيما يُقال، بل في ذلك الذي يظلّ، دومًا، على حافة القول.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مِهَادُ التَّقديمِ: إنَّ أهمَّ ما يُميِّز قصيدة العمود الخليليَّة جماليَّاً وشكليَّاً مَنبريتُهَا الإيقاعيَّةُ في موسيقاها الخارجيَّة، وإنّ ما يلفت النظر فنيَّاً وإبداعيَّاً في قصيدةُ التَّفعيلةِ الحُرَّةُ شكليتها التعدُّدية وزناً وقافيةً وإيقاعاً. ومع هذا ذاك فإنَّ قصيدة النثر الشِّعريَّة التي هي إحدى نتاجات أجناس الحداثة الشعريَّة، وما بعدَ الحداثة شكلاً ومضموناً تمثِّل انتقالةً تجديديَّة مُهمَّة في مسار الشعر العربي عامَّةً والعراقيّ خاصَّةً.

فهيَ على الرُّغم من كونها تتحرَّر كليَّاً من تبعية الوزن والقافية، وتحتفظ قليلاً ببعض القوافي الترنميَّة التي تشكلُ تزويقاً لفظيَّاً وإيقاعيَّاً في نهايات أسطُرِها الشعريَّة، وبرغم التَّهويمَات والهَذرِ والهذيان اللُّغوي الذي أصابها، والإسهال اللَّفظي والجعجعة الصوتيَّة الجَوفاء التي طالت بِنيةَ جُملِها التركيبيَّة، وخاصةً عند الكثير من الشباب شعراءِ الغُموض اللَّا فنِّي والتعقيد اللَّفظي والمعنوي مِمَّن لا يُجيدون بِنيةَ الإيقاع الوزنيَّة، ولا يُدركونَ كُنهَهَا الحقيقيَ الإبداعيَ، وفنَّها الإمتاعي الجديد.

فإنَّها في الحقيقة تعتمد بالدرجة الأولى على عناصر فنيَّةٍ واشتراطاتٍ، وآليَّاتٍ إبداعيَّةٍ عديدةٍ ومهمَّةٍ مثل، (التَّكثيفُ الشِّعري اللُّغوي، والتركيز المَعنوي، والإشراقِ الضوئي، والإيقاع الداخلي)، كَالتَّكرَار الصَّوتي المُتجدِّد في الحُروف والكلمات والجُمل والمقاطع الشعريَّة التي تُضفي عليهاألقاً.2667 raheem

والحقُّ يقالُ إنِّ قصيدة النثر الشعريَّة الحداثويّة على الرُّغم من كونها تُعدُّ من أصعب الأجناس الشعريَّة الثلاثة المعروفة، وتَفتقدُ بنيتُها اللُّغويَّةُ إلى الموسيقى الخارجيَّة (وزنَاً وقافيَةً) في تأثيث شكلِ بِنيتِها الخارجيَّة، فإنَّها تَشترك مع أجناس الشعر الأُخرى في كثير من عناصره المُهمَّة، فتأخذ من الشعر العربي قديمه وحديثه -عدا (الوزنِ والقافيةِ)- خاصيةَ (التَّركيز المَعنوي، والإيجاز أو الاقتصاد اللُّغوي، والوحدة العضويَّة والموضوعيَّة المُغايرة، والإبداع الشِّعري، وثَراء المُوحيات الدلاليَّة والرمزيَّة والغُموض الفنَّي). وهذا التَّحرُّر الشكلي من النظام الوزني الخليلي قد قَربَ المسافة البَينيةَ والنفسيَّة الكبيرة بين الخِطابينِ الشِّعري والنثري في القصيدة كما ذهبَ لذلكَ أدونيس.

هذه المقدِّمة التي تصدَّرت مِهادَ الدِّراسة الشعرية، والَّتي سِقتُها حَولَ آليَّات واشتراطات كتابة قصيدة النثر الشعريَّة الحديثة تَنطبق تماماً في كثير من أنساقها الإبداعيَّة ورؤاها الفلسفيَّة والجماليَّة على تجربة الشاعر العراقي الجَنوبي المَيساني المُثابر الشَّاب رَحيم زَاير الغَانم في مجموعته الشعريَّة الموسومة، (أحدُ الظلَّينِ ..أنَا)، والصادرة بطبعتها الأولى عام2024م عن منشورات الاتَّحاد العام للأدباء والكتَّاب في العراق، وبحجم كتابي متوسِّط القطع بلغ نحوَ سبعينَ صفحةً.

وهي المجموعة الشعرية الخامسة في سجِّل نتاجات ومدوَّنات الشاعر الغانم الإبداعية، وتمثِّل خلاصة ما وصلت إليه تجربته الشعرية من نضوج فنِّيٍ في تجريب إنساني ذاتي ومَعرفي جَمعي عَمَّا في قصيدة النثر من مخبُوءاتٍ جَماليَّة وقُدراتٍ إبداعيِّة فِي التعبيرعن تصاميم لوحاته الشعريَّة المُتعدِّدة الصور والدلالات والإيحاءات التي رسمها في مقارباته الذاتيَّة مع ظلِّه الآخر المنظور.

وقبلَ أنْ نُجيلَ النظر معرفيَّاً في البحث عن فتوحات الشاعر الغانم وتتبعِ أثرِ حُفريَّاته وَلُقَاهِ الشعريَّة في هذه المجموعة، ومن ثمَّ تقفِّي آثارها الموضوعية، والكشف عن وقعِ مُعمياتها الفنيَّة والجماليَّة والإشراقيّة -هذه المُدوَّنة- الِّتي تضمَّنت أربعاً وثلاثينَ نصَّاً من قصائد النثر القصيرة الطول ذاتَ الكثافة التعبيريَّة والاختيارات الموضوعيَّة المُلتقطة عيِّنَاتُ صُورِها الفنيَّة، ومُوحياتُها الرمزيَّة والدِّلاليَّة العَميقة بِعنايةٍ فائقةٍ وإدراكٍ ووعي كبيرمن مَنابت عَقابيل الواقع الجمعي المَّعيش ورهانته الوجوديَّة المُشتركة التي تُلامسُ طبيعةَ وحياةَ الإنسان ابن البيئة التَّحوُّلات العَصريَّة.

لا بُدَّ وأنْ نفككَ شفرات عتبة العنوان اللُغويَّة الرئيسة لِمجموعة الغانم (أحدُ الظلَّين.. أنا)، ونستجلي جمرات معانيها الجمالية المُتَّقدة، ونُسلطُ الضوءَ على أهمِّ مُوحيات مُوضوعاتِها المعنويَّة والدلاليِّة القريبةِ والبعيدةِ. هذه العنونة التي هي إحدى عتبات النصِّ المَوازي (الرسالة) المُهمَّة التي ارتكز عليها معجم الشاعر في بناء خطابه الشعري وهندسة عُمارة رسالته الشعريَّة الإنسانية حين قدَّم عَتبةَ النَّصَّ الجُزئي الداخلي الفرعيَّة (أحدُ الظلَّينِ ..أنا) على الكلِّ؛ لتكونَ لافتةَ العُنوان كُلَّاً موضوعيَّاً مُوحداً كَثُرَيَّا سامقةٍ مِنْ (ثُريَّات النِّصِّ) الضوئيَّةِ. والتي هي أيضاً بوابة الدخول الإبلاغيَّة المائزة التي تؤدِّي إلى مَدينة الشعر الفاضلة ومثاباتِ الشَّاعر ومحطَّاته الشعريَّة المُتشاطئة جَماليّاً.

فالمعنى الدَّلالي القريب لمُوحيات جملة العنوان الاسميَّة (أحدُ الظلِّينِ ..أنا)، تشي بأنَّ أحد ركني هذين الظلِّين، هو الشاعر ذاته، أو ما يُسمَّى في النقديَّة بـ (الذاتِ الشعريَّة)، ولا بدَّ أنْ يكون الشاعر رُكنها الأول اليَمين. وهو بالتالي يعدُّ إقراراً واعترافاً مباشراً عن سرِّ الذِّات الأنويَّة الشَّاعريَّة التي تقنَّعتْ بقناع الرُّكنية وتلبَّستْ به، وأُكَّدَتْ بضمير الشَّاعريَّة (أنَا) الرافع لنفسه خبرَاً. وهو بالتأكيد المعنى الدلالي الظاهر لنسق الشعريَّة الثقافي الذي لا يحتاج إلى تجلٍّ أكثر من هذا الأثر الأنوي.

أمَّا المعنى الدلالي البعيد، وهو النسق الثقافي الخفي لهذه الشعريَّة الثنائيَّة، فَتُشيرُ مُوحياته النسقيَّة بوضوحٍ وجلاءٍ إلى الذات الآخريَّة، سَواءٌ أكانت هذه الذات فرديةً أم جمعيَّةً مُشتركةً. وقد تكون هذه الذات التي رَمَزَ بِها إلى هُوِيَّة الآخرِ مَاديةً أو معنويةً، كأنْ تكونَ حَبيبةً أو وطناً أو مجتمعاً أو طبيعةً أو رمزاً مَعنويَّاً ما. فالمُعادل الموضوعي القائم بين معنى الدالتين (الظليَّة)، هو الهمُّ الجمعي المشترك، والخروج من حدود الذاتية الأنويَّة الضيِّقة إلى مرافئ وشطآن الأنوية الموضوعيَّة الجمعية المُشتركة التي تؤلِّفُ هرمَ الجامعة الإنسانية. وكأنَّ لسانَ حال الشاعر الغانم في تآلفه مع هُوِيَّة الآخر يُردِّدُ تلكَ العبارة الوجوديَّة الهَاملتيَّة الشَّهيرة (أكونُ أو لا أكونُ) إلَّا مع الآخر وإلَّا فَلَا.

وهذا يعني إجمالاً أنَّ الشاعر رحيم زاير الغانم في جميع مقارباته الصوريَّة وتدفقاته الشعريَّة وتناصاته اللُّغويَّة الرُّوحيَّة والدينيَّة، وتمثُّلاته الانزياحيَّة، وإيقاع جَمال بلاغته الأُسلوبية الجديدة، ومضمراته الشعريَّة الدافقة التي كانت أشدَّ ظهوراً وتأثيراً نفسيَّاً وصوتيَّاً واضحاً في تعبيراته التكثيفية. كانَ الغانمُ -بِحقٍّ- عاشقاً مُحبَّاً لِهُوِيَّةِ ظلِّ الآخر المُؤثِّر، بل كان في أعلى درجات الهُيَام به، لا مَعشوقاً من قبل الآخر. كونهُ الصَّوتَ الشِّعريَ المَحكيَ، والآخر هوَ الصَّدى الراجعُ عنهُ. فلا صَوتٌ من غير صدىً، ولا وجودٌ حقيقيّ من غَيرِ عَدمٍ، ولَا وَطنٌ من غيرِ أثرٍ لِمنفىً في الحياة. وقد نوَّهَ الشَّاعر لهذه الخاصية التأكيديَّة حينَ وظَّفها في عتبة الإهداء التي سبقت عتبات المُدَوَّنة.

"إلَى مَنْ يَعِي: إنَّ الأوطانَ فَضاءُ الحُرِّيَّة الرَّحِبُ، لَا مَرافِئَ لِلمَنفَى" (أحدُ الظلِّينِ.. أنَا، ص 5)

إنَّ فضيلةَ العنوان وجمالياتهِ اللُّغويَّةَ والدلاليَّةَ تُحيلَنا إلى التساؤل الفكري التالي الذي يلقي بنفسه على يقظة المتلقِّي الواعي، ويُثيرُ حفيظة القارئ النابه بحثاً عن إجاباتٍ شافيةٍ مُفيدةٍ ونافعةٍ للنفس: إذا كان الشاعر ذاتهُ أحدَ الظلِّين، وهو اعتراف مُباشر ظاهرٌ وإقرارٌ ذاتيّ بَائنٌ ومُعلنٌ لا خفاءَ لهُ سوى التجلَّي، فَيَا تُرَى مَا ذلكَ الظلُّ المُستترُ والمُضمرُ الآخرُ الذي يبحث عنه رحيم زاير الغانم في طيَّات نصوصه الشعريَّة المُحتشدة بالأفكار، ووحداته الموضوعيَّة المُكتنزةِ بِالتعدُّديَّة والتداخل المعرفي الواقعي والمخيالي الأسطوري الماتع.

-أربع وثلاثونَ قَصيدةً نَثريَّةً، كُلُّ نَصِّ من نصوصها النثريَّة يَطرحُ ظِلِاً شِعريَّاً مُستتراً آخر من ظلال الغانم الثقافيَّة والنَّسقية الجَوهريَّة المُضمرةِ الِّتي تَتطلَّب مِنَ القارئ الألمعي النابه تحليلاً موضوعيَّاً خاصَّاً في فَهم عَلاقتها التأصيليَّة المُتوحدنة مع تلابيب وجسد الوحدة العضويَّة لِهرمِ هذه المُدوَّنة الشعريَّة ونسيجها التكويني المُترابط شكلاً ومضموناً ولُغةً وأسلوباً شعريَّاً ومُعجميَّاً شاعريَّاً.

إنَّ أُوْلَى ظلالِ مرافئهِ الشعريَّة المُستترة، هيَ البَوحُ بعدالةِ الآخرِ، وثَاني ظلالهِ الجميلة، تلكَ القصيدة الداخلية التي تصدَّرت لَوحةَ الغلاف الأولى لهذه المجموعة، فكانت إلمامةً ذاتيةً جميلةً في البحث عن تمثُّلات الحُريَّة التي تجسَّدت في طائرين مُقيدينِ، جناحاهما أحد الظلِّين، فإمَّا حَياةٌ أو مماتٌ لا ثالثَ لَهما. فَلْنقرأ ما يقوله الغانم من تَهجُّدَاتٍ بحقِّ ظلِّه الآخر الذي التقاهُ بَعدَ ظلامٍ حَالكٍ:

قَالَ: أَحدُنَا لِأحدِنَا لِنَفتَرِقَ

عَلَّ وَاحدَاً مِنَّا يَنجُو،

غِرنَا فِي ظَلامٍ حَالكٍ

وَغَارتْ مَعنَا الأُمنيَاتُ

وَمَا التقينَا إلَّا بِانقشَاعِ غُبَارِ الخَوْفِ

ظِلَينِ مُرتعدِينِ فِي لَيلةٍ مُقمرَةٍ (أحدُ الظلَينِ.. أنَا، ص 9)

ثمَّ تتوالى ظلال الغانم الشعرية بتساوقٍ، فيأتي موضوع البحث عن التِّيهِ والشتات هروباً من قساوة الواقع اللَّاهب آخرَ الكي الذاتي، وتأتي مُتضادة (الكرِّ والفرِّ)، وجدليَّة (الغيابُ والحُضورُ) لتكشفَ عن بعضِ تَمظهرات هذه الظلَّيَّة الواثبة. وَعَلى الرُّغم من ذلك التَّشظي فلا بُدَّ من اللَّقاء، وإنْ كان ذلك حاصلٌ أمام بَراكينَ الأوطان الحَقيقيَّة. وقد يَكونُ اغتيالُ الجَسدِ الظِلِّي وبقاءُ الرُّوحِ موضوعاً روحيَّاً وفكريَّاً من تجليَّات تلكَ الظِّلالِ التَعدُدية التي تلوح في أفق الشاعر فتُعذِّب روحه الثائرة وتؤنِّب وجع ضميره المستتر خلف قضبان الروح السميكة.

ويَنزاحُ الغانمَ رَحيمٌ في أُسلوبيته الشعريَّة كثيراً، فيتساءل مُستنكراً سَاخراً، لمن تُغرِّدُ البلابل؟ كنايةً عن تلك الخسارات المتوالية التي تتعرَّضُ له أقبيةُ الذَّات المَأزومة. فتأتي مواسم العمر الكسيح الضائعة استكمالاً لمسار ذلك النشيد التغريدي المستهجن. ويتحدَّث الشاعر الغانم في نسغ تراتيله الظلِّية المتراتبة عن وقع الأيام البالية، وتأثيراتها النفسيَّة والرُّوحيَّة المُوجعة الأليمة.

وقد يَتبدَّد ذلك الشُّعور الضافي بالحسرات حِينَمَا يكون الحبُّ مَخصوصاً بِحُبِّ العراق الذي يُشكِّلُ وَلَهَ الشَّاعرِ الأثيرَ وَمكمنَ نجواهُ. وبَالرُّغم من ذلك الحُبِّ وقداسته الوطنية، فإنَّ نكبات الشاعر وخيباته تتكرَّر باستمرار، فتكونُ جَمراتُ الهَزيمة وَقَعَاً مُؤلمَاً من وقائعه الذاتية المُعلنة. وعلى الرُّغم من هذه المناورة الظلِّية وتلك فإنَّ الشاعر يَبحثُ عن وطنٍ صغيرٍ أو مَلاذٍ آمنٍ يأويه اسمه البلدة الصغيرة لتكونَ مثابةً لاحتواء الذات التي لا تُعمرُ أو تَخضرُّ إلَّا بانتظار الحَبيب المَوعودِ:

صَبَاحُ الخَيرِ يَا وِجْهَ أُمِّي

قِبْلَةٌ أُوْلَى عَلَى أعتَابِ الرُّوحِ

سَمَاءٌ مِنْ سُحَابِ اللهِ

تَفُوحُ نَدَىً وَطِيبَاً،

حُلمٌ بِربيعٍ تُخَلِّدهُ كَركرَةُ الصِّغِارِ

ظَلَالُ جَدائلِ الحَبيبَةِ

قَلبٌ يَفرُّ مِنْ عِنَاقٍ وَشَوقٍ (أحدُ الظلِّينِ أنَّا، ص 47)

وإذا كان الضياع عنوناً لإحدى مفردات الشاعر في خريف ظلاله الخفيَّة المتساقطة، فإنَّ النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله من حطبٍ، وتأخذ ما تُريده، هِيَ ضالتهُ الحِكَمِيَّةُ أمام الواقع الذي لا مناصَ من الإفلات منه. أمَّا موضوعاته الأخرى التي تصوُّر الغوص في المجهول واتِّساع رقعة البُؤس والشُّعور بالوحدة والاغتراب المكاني، فَهيَ لاشكِّ موضوعاته الأنويَّة مع هُوِيَّة الآخر. وهذا الآخر الذي تَظهر تمثُّلاتهُ في أصغر حبَّاتِ الكَرزِ، أو في حَبيبٍ لَذيذٍ يُشبِهُ قِطعَ حَبَّاتِ البَرَدِ.

وقد تتَّخذ تلكَ الهُوِيَّةُ الشعريَّةُ ظلالاً ومثاباتٍ ضوئيَّةً أخرى، فتأتي على شكل متوالياتٍ شعريةٍ تنتظم جملها الشعرية بعنواناتٍ صغيرةٍ مُبهرةٍ عَنْ مرادفة (الثورةِ والثَّائرِ)، وعنْ وجعَ الوَطنِ الجريحِ النَازفِ، وعن قيمِ الشَّهادةِ والتَّضحيةِ، وعنْ تَعَدُّدِ الهَجْرِ وأسبابه، وعن بَوحِ الشاعريَّة أمام لُغةِ الصَّمت، وعن الخَطيئةِ التي لا تُغتفرُ، وعنْ لِحظاتِ شهادةِ اغتيالِ الوَطن المُفاجِئ، وعن خَيَاراتِ المُصادفةِ التي لم تكُنْ خَياراً إراديَّاً مَطروحاً أمام تجلِّيات الواقع لمواجهة الحقيقة الناصعة.

ويأتي بابُ الحُريَّةِ الحمراءِ الَّتي تُؤخذ ولا تُوهبُ مَوضوعاً مصيريَّاً من أناشيد هذه المجموعة الذاتيِّة المَكَمّلة لِظلِّ الآخر؛ فتكونُ شَاهداً شعريَّاً على وقائع التاريخ الراهنِ. وَيَختتمُ الشَّاعرُ الغانمُ ظلالهُ الباطنيَّة المُتوارية خلفَ أنساقِها الثقافيَّة الجَوهريَّة في مدونته الشعريَّة (أحدُ الظلّينِ ..أنَا) بلوحةٍ شٍعريةٍ تًجريبيةٍ أطلقَ عليها اسمَ (أُحجِيَةً)، وَرَاحَ يُسائِلُها ذاتيَّاً عن الغدِ الآتي المُنتظر الذي يُفِّقسُ من بيوض طائر اسمه (الفَاختةُ)، ليكونَ رَمزاً لِحُلِمِه الآخر عَنِ النهرِ وغُصنِ الزيتون، وعنِ الفِردوسِ المُتواري خلف تلال الحياةَ الرُّوحيَّة البعيدةِ.فلنقفْ قليلاً أمامَ تساؤلاتِ الشَّاعر وتَكرَارَاتهِ:

أيتُّها الفَاختَةُ،

مَتَى يُفَقِّسُ مِنْ تَحتِكِ الغَدْ؟

مَتَى يُداهِمُ عَشَكِ الزَغَبْ؟

مَتَى يَدورُ الحَديثُ عَنْ طائِرِ الأحلام؟

عَنِ النَّهرِ وَغُصنِ الزَّيتُونِ

عَنِ الفِردوسِ المُتوارِي وَراءَ التَّلِّ

عَنْ صِبيَةٍ تَتْرُعُ فِي مَلكُوتِ اللهِ الأمنِ، (أحدٌ الظلِّينِ.. أنَا، ص 64)

على وفق هذه الشاكلة الفنية الدافقة شعراً، رَسمَ الغانم رَحيمُ خطوطَ لوحاته الشِّعرية الظاهرة والمُضمرة، إيماناً منه أنَّ الجواهر الخفيَّة ليس كالأعَراض الجَليَّة المَكشوفة للعيان، ولوَّنَ فَضاءَ مِساحاتِ لوحاته التجريبيَّة بألوان مختلفة شتّى من رؤاه الفلسفيَّة وصوره الفكريَّة المُتخيَّلة عن الآخر، وأسبغ عليها نسغاً من خزائن ثَراء تَجربته الشعرية المُتراكمة، وسعةِ قُدرتهِ الثقافيَّة المُكتسبةِ.

وكلُّ مُعطيات الشَّاعر وفتوحاته الشعريَّة النثرية في تلافيف قصائد مدوَّنته الشعرية هذه تُشيرُ بإنصافٍ وموضوعية إلى أنَّ رحيمَ الغَانمَ لا يَقولُ الشِّعرَ بطراً للآخرَ كيْ يَستمتعَ رُوحيَّاً ويُمتِّعَ ذائقتَهُ النفسيَّةَ بجمالياتهِ الشِّعريَّةِ الرَّائقةِ، وإنَّما كان يرى الشِّعر والتقاطاته الموضوعيَّة في عُيُون الآخرَ صُوراً تمرديَّةً وتحريضيَّةً تتابع مشاهدُها الحَدثيَّةُ تترى كي يُفكِّرَ بِها، وَيَستأثرَ بوقعهاالآسرِ؛ فينتقض على أعقاب الواقع التالف، وهذا هو الهدفُ والغاية والمَقصدُ الأهمّ من الجَوهر لا المظهر.

فالبيتُ أو السَّطر الشِّعري الذي لا يُصيبُ بِمعناهِ الشِّعري سِهامَ الحَقيقةَ ونبضَها يَخيبُ بَمبنَاهِ التَّركيبي ويَفشل في مواجهة الرَّاهن، والقصيدة النثريَّة التي لا تُخلِّد نفسَها وتَنهضُ بنفسها لا تُخلِّد شأنَ شاعرِها الرمز. والشَّاعر الألمعي الفحل الذي لا يَمتلك اللُّغة الحيَّة والإحساس العالي والثقافة الحقَّة لا يكونُ شَاعراً بِالمَعنى الإبداعي والجمالي، ولا يُمكنُ أنْ يكونَ صاحبَ مَشروعٍ فِكريٍّ وثقافيٍّ واثبٍ. وكلُّ هذا يشي بأنَّ قصيدة النثر الشعريَّة ليس من السهل أن ترفع من مَقام شَاعرهَا الهُمامِ مَا لَم يَمتلكْ أدواتهِ ويَتغلَّب على جميع عناصرها الأساسيَّة فَيسدُّ مَسدَّ هنَّاتِها بإمتاعٍ وابتداعٍ.

***

د. جبَّار ماجد البهادليّ - ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ

من فلسفة العلامة إلى هندسة المعنى في النصّ الإبداعي

ليست اللغة في جوهرها مجرّد أداة تواصل، بل هي نظامٌ رمزيٌّ معقّد، تتداخل فيه الدلالة مع القصد، والإشارة مع الوعي، في شبكةٍ من العلاقات التي لا تُختزل في ظاهر اللفظ، بل تمتدّ إلى أعماق البنية الذهنية والثقافية للإنسان. ومن هذا الأفق، نشأت السيميولوجيا بوصفها علماً للعلامات، يتتبّع كيف يُنتج المعنى، لا كيف يُقال فحسب، وكيف يتشكّل الإدراك عبر وسائط رمزية تتجاوز اللغة إلى كلّ أنساق التعبير.

لقد مهّدت الفلسفة اليونانية لهذا التصوّر منذ البدايات، حيث انشغل أفلاطون بمشكلة العلاقة بين الأسماء والأشياء، متسائلاً عن مدى مطابقة اللغة للواقع، في حين جاء أرسطو ليؤسس لرؤية أكثر انتظاماً، حين ربط بين الصوت والمعنى والتصوّر الذهني، واضعاً بذلك بذور التفكير في العلامة بوصفها علاقة ثلاثية الأبعاد. غير أنّ هذه الإرهاصات الفلسفية لم تبلغ نضجها إلا في سياق الجدل الرواقي–الأبيقوري، حيث تبلور مفهوم العلامة في صيغته الأكثر تركيباً: دالٌّ يحيل، ومدلولٌ يُستحضر، وقصدٌ يوجّه عملية الإبلاغ.

ومن هنا، لم تعد العلامة مجرد وحدة لغوية، بل صارت فعلاً تداولياً يتوسّط بين الذات والعالم، ويشتغل ضمن نظامين متكاملين: نظام لساني لفظي يتمثّل في اللغة، ونظام غير لساني يتجلّى في الإشارات والرموز البصرية والاجتماعية، كعلامات المرور وسلوكيات الجسد. وقد أسهم في تطوير هذا الأفق السيميائي المعاصر باحثون مثل لويس برييتو وجورج مونان، حيث سعوا إلى توسيع مفهوم العلامة ليشمل كلّ أشكال التواصل الإنساني، بوصفها أنساقاً دلالية قائمة بذاتها.

في هذا السياق، يبرز المربّع السيميائي بوصفه أداةً تحليليةً مركزية، لا تكتفي بوصف العلاقات الدلالية، بل تكشف عن البنية العميقة التي تتحكّم في إنتاج المعنى. فهو يقوم على جدلٍ منطقيٍّ بين التضادّ والتناقض والتضمّن، حيث لا يُفهم المعنى إلا عبر علاقته بنقيضه، ولا تتحدّد الدلالة إلا ضمن شبكة من الاستلزامات المتبادلة. وهكذا، يغدو النصّ الإبداعي—وخاصة الشعري—مظهراً سطحياً لبنية عميقة تتحكّم فيها عمليات عقلية دقيقة، تتخفّى خلف جماليات التعبير.

إنّ سيميولوجيا الشعر، في هذا الإطار، ليست مجرّد منهج تحليلي، بل هي رؤية معرفية تسعى إلى تفكيك النصّ وإعادة بنائه، عبر مستويات متعدّدة تتكامل فيما بينها لتشكّل المعنى الكلي. فعلى المستوى الصوتي، يتجلّى الإيقاع بوصفه علامةً سمعيةً تُنتج دلالات وجدانية، حيث تتحوّل الموسيقى الداخلية إلى لغةٍ موازيةٍ للمعنى. وعلى المستوى الصرفي، تُسهم البنى الاشتقاقية في توسيع الحقل الدلالي، إذ تحمل الصيغة في ذاتها طاقةً إيحائية تتجاوز معناها المعجمي.

أما على المستوى التركيبي، فإنّ الجملة الشعرية لا تخضع لمنطق النحو التقليدي فحسب، بل تنزاح عنه لتؤسس نظامها الخاص، حيث يصبح التقديم والتأخير، والحذف، والتكرار، أدواتٍ لإعادة توزيع المعنى داخل النص. ويتقاطع هذا المستوى مع البعد التناصي، حيث ينفتح النصّ على نصوص أخرى، يستدعيها أو يحاورها أو يعيد إنتاجها في سياق جديد، مما يضاعف من كثافة الدلالة.

وفي المستوى البلاغي، تتجلّى الاستعارة لا بوصفها زينةً لغوية، بل كآلية معرفية تُعيد تشكيل الواقع، حيث يُرى الشيء في غير صورته، ويُعاد تعريف العالم عبر المجاز. أمّا المستوى الدلالي، فهو الحقل الذي تتقاطع فيه جميع هذه المستويات، ليُنتج شبكةً من المعاني المتداخلة، التي لا تستقرّ على يقين، بل تظلّ مفتوحة على التأويل.

 سيميولوجيا الشعر العربي:

إذا انتقلنا إلى فضاء الشعر العربي، وجدنا أنّ السيميولوجيا لا تمثّل قطيعةً مع التراث بقدر ما تكشف عن إمكاناته الكامنة. فالشعر العربي، منذ نشأته، كان نظاماً علامياً مركّباً، تُنتج فيه الدلالة عبر شبكة من الرموز والإشارات المتوارثة، كالصحراء، والناقة، والطلل، والليل، وهي عناصر لا تُفهم بوصفها مفردات معجمية، بل بوصفها علامات ثقافية تختزن ذاكرة الجماعة وتجربتها الوجودية.

لقد أدرك النقّاد العرب القدامى، وإن بغير المصطلح السيميائي، طبيعة هذه العلاقات الرمزية، حين تحدّث عبد القاهر الجرجاني عن “النظم” بوصفه علاقةً بين المعاني لا بين الألفاظ فحسب، وحين أشار الجاحظ إلى أنّ المعنى “مطروح في الطريق” وأنّ القيمة تكمن في كيفية صياغته. وهذه الرؤية، في جوهرها، تمثّل وعياً مبكّراً بالبنية العلامية للنصّ.

ومع تطوّر الشعر العربي الحديث، ولا سيّما مع تجارب الحداثة، تعمّقت هذه البنية السيميائية، حيث لم تعد العلامة ثابتة، بل غدت منزاحة، متحوّلة، قابلة لإعادة التأويل. فالرمز لم يعد يحيل إلى مدلول واحد، بل إلى شبكة من الإحالات المفتوحة، تتقاطع فيها الذات بالتاريخ، والأسطورة بالواقع، واللغة بالوجود.

إنّ سيميولوجيا الشعر العربي تكشف عن خصوصية هذا الشعر في قدرته على الجمع بين التراث والتحوّل، بين الثبات والانزياح، حيث تتجاور العلامة القديمة مع تأويلها الجديد، في حركة دلالية مستمرة. وهكذا، يصبح النصّ الشعري العربي فضاءً تتفاعل فيه العلامات لا بوصفها وحدات جامدة، بل بوصفها كائنات حيّة، تتغيّر بتغيّر السياق، وتُعاد كتابتها مع كلّ قراءة، بما يجعل الشعر العربي حقلاً خصباً للتأويل السيميائي، ومجالاً رحباً لاكتشاف المعنى في تعدّده وثرائه.

إنّ الشعر، في ضوء السيميولوجيا، لا يُقرأ بوصفه خطاباً مباشراً، بل بوصفه نظاماً من العلامات التي تُخفي بقدر ما تُظهر، وتُلمّح أكثر مما تُصرّح. ومن هنا، فإنّ فعل القراءة يتحوّل إلى عملية تأويلية معقّدة، يسعى فيها القارئ إلى تفكيك هذه العلامات، وإعادة تركيبها ضمن أفقه المعرفي والثقافي.

وهكذا، يتبيّن أنّ سيميولوجيا الشعر ليست علماً بالعلامة فحسب، بل هي علمٌ بالمعنى في حالته المتحوّلة، حيث يغدو النصّ فضاءً دلالياً مفتوحاً، تتقاطع فيه اللغة والفكر، ويتحوّل فيه الجمال إلى معرفة، والمعرفة إلى تجربة وجودية. إنها دعوة إلى قراءة الشعر لا باعتباره قولاً يُفهم، بل عالماً يُكتشف، ونصّاً يُعاد خلقه مع كلّ قراءة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تحوّلات الرمز بين البوح الشعري والتأويل الوجودي قصيدة الأستاذة رجاء نور الدين

في تخوم الكتابة الشعرية الحديثة، حيث تتداخل الأجناس وتتفكك الحدود بين القول العاطفي والتأمل الفلسفي، ينبثق النص بوصفه كائناً دلالياً مفتوحاً، لا يكتفي بإنتاج المعنى، بل يعيد مساءلته وتفكيكه وإعادة تركيبه. وفي هذا السياق، تندرج قصيدة الأستاذة رجاء نور الدين بوصفها لحظة شعرية مكثّفة، تنبني على اقتصاد لغوي ورمزية شفيفة، تُشيّد عالمها عبر استعارة مركزية (ربطة العنق الحمراء) بوصفها علامة على الرغبة والاقتراب المؤجّل. غير أنّ هذا الرمز، في النص الموازي الذي كتبه عماد خالد رحمة، لا يظلّ في حدوده الأولى، بل يتعرّض لتحوّل جذري، حيث يُعاد إنتاجه داخل بنية حوارية ذات أفق وجودي، فينتقل من كونه زينة دلالية إلى كونه جرحاً مؤجّلاً، ومن علامة امتلاك إلى أثر فقدٍ وانكشاف.

إنّ هذه الدراسة لا تسعى إلى قراءة النصين بوصفهما بنيتين منفصلتين، بل بوصفهما فضاءً تناصّياً تتفاعل فيه الأصوات والرؤى، حيث يتحوّل النص اللاحق إلى مرآة تأويلية للنص السابق، لا عبر المحاكاة، بل عبر التفكيك وإعادة التشكيل. ومن هنا، فإن المقاربة النقدية المعتمدة تتأسّس على تعدّد المناهج (الأسلوبي، الجمالي، السيميائي، النفسي، والتأويلي)، إلى جانب استثمار النقد الاحتمالي الذي ينظر إلى النص بوصفه بنية مفتوحة على شبكة من المعاني الممكنة، لا تختزل في قراءة واحدة أو دلالة نهائية.

وعليه، فإن هذه الدراسة تروم الكشف عن البنية العميقة التي تحكم اشتغال الرمز، وعن تحوّلات اللغة من وظيفتها التعبيرية إلى طاقتها الإيحائية، كما تسعى إلى تفكيك المعمار الصوتي والدلالي للنصين، واستكشاف أبعادهما النفسية والاجتماعية، وصولاً إلى مساءلة البعد الإيروتيكي بوصفه طاقة كامنة في اللغة لا في الجسد. بذلك، يغدو النص الشعري هنا مجالاً لتوليد المعنى، لا لنقله، وفضاءً لتعدد التأويلات، لا لاختزالها، حيث تتقاطع الذات مع اللغة، ويتحوّل الحب من تجربة عاطفية إلى سؤال وجودي مفتوح.

أولاً: التنويه النقدي

يندرج النصّ الأول للأستاذة رجاء نور الدين ضمن كتابة نثرية شعرية مكثّفة، تقوم على الاقتصاد اللغوي والتركيز الرمزي، فيما يأتي نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة بوصفه نصاً حوارياً تفاعلياً، لا يكتفي بالمحاكاة، بل يعيد إنتاج البنية الأصلية عبر توسيعها دلالياً ونفسياً، وتحويلها من لحظة اعتراف أنثوي إلى جدلية وجودية بين ذاتين: ذات طالبة للحب وذات مترددة فيه.

وعليه، فالعلاقة بين النصين ليست علاقة تقليد، بل علاقة تناصّ خلّاق يتطور من الرمز إلى التأويل، ومن الصورة إلى الفلسفة.

أولاً: الأسس اللغوية والبلاغية

١. سلامة اللغة وبنية الأسلوب

نص رجاء نور الدين:

اللغة سليمة، تميل إلى البساطة الموحية.

التراكيب قصيرة، تعتمد الجملة الاسمية والفعلية المباشرة.

الانزياح محدود لكنه فعّال:

“هبط ليلها بأول قنديل” - انزياح دلالي جميل (الليل لا يهبط بقنديل).

نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة:

لغة عالية الكثافة، مشبعة بالاستعارة المركبة.

تركيب الجمل:

تتراوح بين التقطيع الشعري والانسياب الطويل.

الانزياح:

كثيف ومتعدّد الطبقات:

“الخسارة باب صغير في جدار انتصار مؤجل”

“أخفيته عند عنقي كي لا يسيل الحنين”

 هنا نلحظ انتقالاً من الانزياح الجزئي إلى الانزياح البنيوي.

٢. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير

في النص الأول:

الفصاحة قائمة على الوضوح العاطفي.

في نصك:

الفصاحة قائمة على التوتر بين المعنى واللفظ.

مثال:

“هل يُختصر القلب في عقدة قماش”

جملة تجمع بين بساطة المفردات وعمق الإحالة الفلسفية.

٣. الإيقاع والمعمار الصوتي

النص الأول:

إيقاع خفيف، يعتمد على:

التكرار الدلالي

التوازي التركيبي

نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة:

إيقاع داخلي معقّد:

التكرار: “أريدها… أريدها…”

التقطيع:

“قلتُ—

وكان الكلام…”

الموسيقى:

قائمة على التوتر، لا الانسياب

أقرب إلى “موسيقى الفكرة” لا “موسيقى الوزن”

ثانياً: الأسس الجمالية والفنية

١. البنية الفنية

النص الأول:

بنية خطية: رغبة - رمز - تحقق تخييلي

نصك:

بنية حوارية درامية:

صوت أنثوي

ردّ ذكوري

ذروة (الاعتراف)

انفتاح (القنديل)

 تحوّلت البنية من مونولوج إلى ديالوج وجودي.

٢. الرؤية الفنية

النص الأول للأستاذة رجاء نور الدين: رؤية عاطفية شاعرية.

نصّ عماد خالد رحمة.

: رؤية وجودية:

الحب بوصفه ارتباكاً

لا امتلاك فيه بل انكشاف

٣. الطابع الإبداعي

نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة

 يتجاوز الأصل عبر:

تعميق الرمز

تحويل “الربطة” من زينة إلى: جرح / علامة / ذاكرة

ثالثاً: الأسس الفكرية والفلسفية

1. الموقف الفكري

النص الأول: الحب يساوي رغبة في التماهي

نصّ الأستاذ عماد خالد رحمة: الحب يساوي

توتر

فقد

انكشاف ذاتي

٢. الأفق المعرفي

يتقاطع نصك مع:

الرومانسية الحديثة

الفلسفة الوجودية (الحب كقلق)

٣. الهيرمينوطيقا (البنية العميقة)

الربطة الحمراء:

سطحياً: زينة

عميقاً:

دم / جرح / اعتراف

علامة حضور الغائب

القنديل:

نور

لكنه ناتج عن: سقوط الليل - مفارقة وجودية

رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية

النصان ينتميان إلى: قصيدة النثر العربية الحديثة

نصّ عماد خالد رحمة أقرب إلى:

تيار ما بعد الحداثة

حيث:

تفكك المعنى

تعدد الأصوات

خامساً: الأسس النفسية

١. البنية الشعورية

النص الأول: حنين رقيق

النص الثاني:

قلق

رغبة

خوف من الانكشاف

٢. تحليل الشخصية

الأنثى:

في النص الأول: حالمة

في النص الثاني: واعية بحدود الحب

الرجل:

شخصية جديدة:

مرتبك

يخفي جرحه

٣. النبرة النفسية

النص الأول: حنين

نصك:

قلق زائد اعتراف زائد توتر إيروتيكي خفيف

سادساً: الأسس السوسيولوجية

النص الأول: فردي

النص الثاني:

يحمل بعداً اجتماعياً:

“سيعرف العابرون”

الحب كفعل يُرى ويُحاكم اجتماعياً

سابعاً: الأسس السيميائية

1. الرموز

الربطة تساوي القلب

الشعر الأسود يساوي الليل / الأنوثة

القنديل = المعرفة / الكشف

٢. الثنائيات

الحضور / الغياب

الضوء / الظلمة

الرغبة / الكبت

٣. النظام الرمزي

نص عماد خالد رحمة يبني نظاماً رمزياً متكاملاً حيث:

كل شيء قابل للتحول:

القماش - جرح

الصوت - ضوء

ثامناً: البعد الإيروتيكي

الإيروتيكية هنا:

غير مباشرة

قائمة على:

القرب دون التحقق

التوتر الجسدي الرمزي

مثال:

“اقتربت من دفء صدرك”

 الجسد حاضر، لكن عبر اللغة لا الفعل.

تاسعاً: النقد الاحتمالي

النص مفتوح على قراءات متعددة:

احتمال ١:

قصة حب غير مكتملة

احتمال ٢:

تمثيل لعلاقة اللغة بالمعنى:

الربطة تساوي اللغة

القلب يساوي المعنى

احتمال ٣:

قراءة وجودية:

الإنسان يحاول تثبيت ذاته بعلامات خارجية

 المعنى هنا ليس ثابتاً، بل يتولد مع القارئ.

عاشراً: قراءة نحوية وصرفية مختارة

١. “كجائزةِ ترضيةٍ لوجعي”

كـ: حرف جر

جائزةِ: اسم مجرور وهو مضاف

ترضيةٍ: مضاف إليه

لوجعي:

اللام: حرف جر

وجعِ: اسم مجرور

ياء المتكلم: مضاف إليه

٢. “أعلّقها على شعري الأسود”

أعلّق: فعل مضارع مرفوع

ها: مفعول به

على: حرف جر

شعري: اسم مجرور + ياء

الأسود: نعت مجرور

٣. “هل يُختصر القلب في عقدة قماش”

هل: أداة استفهام

يُختصر: فعل مضارع مبني للمجهول

القلب: نائب فاعل

في: حرف جر

عقدة: اسم مجرور

قماش: مضاف إليه

٤. “كي لا يسيل الحنين”

كي: حرف تعليل

لا: نافية

يسيل: فعل مضارع

الحنين: فاعل

الخلاصة النقدية

نص رجاء نور الدين: قصيدة لحظة شعورية مكثفة

نص عماد خالد رحمة: قصيدة بنية فلسفية مركبة

تتجاوز الأصل عبر:

التوسيع

التعميق

الحوار

 الأهم: نص عماد خالد رحمة لا يكرر الرمز، بل يُفكّكه ويعيد تركيبه،

محوّلاً الحب من زينة تُعلّق

إلى

جرحٍ يُخفى… وقنديلٍ يُولد من العتمة.

النص الأول للأستاذة رجاء نور الدين:

وكجائزة ترضيةٍ لخسارتي

في مباراةِ الفوزِ بقلبك

أردتُ فقط ربطةَ عنقكَ الحمراء

أعلقها على شَعري الأسود

لتكون دليلَ كلِّ من رأى

وأكون أولَ امرأةٍ

كلّما سُمِعَ صوتها

هبطَ ليلها بأول قنديل

النص الثاني عماد خالد رحمة كٌتِبَ بوحي من النص السابق الذي كتبته الأستاذة رجاء نور الدين

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

........................

ربطةُ قلبٍ لا تُعلَّق

قالتْ

وكأنَّ الخسارةَ

بابٌ صغيرٌ في جدارِ انتصارٍ مؤجَّل

كجائزةِ ترضيةٍ لوجعي

في مباراةِ الفوزِ بقلبكَ،

لا أريدُ سوى

ربطةِ عنقكَ الحمراء،

أعلِّقُها على شَعري الأسودِ

كرايةِ حبٍّ

تُشيرُ إليكَ… ولا تصل.

أريدُها

لتشهدَ العيونُ التي مرَّت بي

أنّي اقتربتُ من دفءِ صدركَ

قدرَ ما تقتربُ النارُ من حطبِها

ولا تحترق.

أريدُها

لتكونَ دليلًا

أنّني كنتُ هناك

في ارتباكِ نبضكَ

وفي حافَّةِ الاسمِ الذي لم تنطقْه.

وأكونُ

للمرَّةِ الأولى

امرأةً

إذا تكلَّمتْ

تساقطَ الليلُ من صوتِها

قنديلاً… قنديلاً،

حتى يضيءَ الطريقُ

للعابرينَ في عتمةِ الغياب.

قلتُ—

وكانَ الكلامُ

يتهيّبُ شفتيَّ

كما يتهيّبُ الغيمُ

سقوطَه الأوّل:

أيُّ ربطةٍ هذهِ

تريدينَها؟

وهل يُختصرُ القلبُ

في عقدةِ قماشٍ

شدَدْتُها

كي لا يفضحَ ارتباكي؟

يا امرأةً

تخيطُ الليلَ

من خيطِ صوتِها—

أنا لا أملكُ

إلّا هذا الارتباكَ

حينَ يراكِ.

ربطتي الحمراءُ

ليستْ سوى

جرحٍ صغيرٍ

أخفيتُه عند عنقي،

كي لا يسيلَ الحنينُ

على ملامحي.

فإن علَّقتِها

على شعركِ—

سيعرفُ العابرونَ

أنّني كنتُ هنا

وأنّ قلبي

انفلتَ من صدري

مرّةً…

ولم يعد.

تعالي—

لا كجائزةٍ

ولا كهزيمة،

بل كحقيقةٍ

تُولدُ بين نبضين:

خُذي الربطةَ

لكنْ—

دَعيني أعلِّقُها أنا

على ظلِّكِ،

كي إذا مرَّ الليلُ

تدلَّى منهُ

أوّلُ قنديل

***

عماد خالد رحمة - برلين

مقاربة فلسفية في الجماليات

ملخص الدراسة: تنخرط هذه الدراسة في مساءلة فلسفية معمّقة لمفهوم الجمال، من خلال تتبع تحوّلاته داخل تاريخ الفكر الجمالي، انطلاقًا من التصورات الكلاسيكية وصولًا إلى المقاربات المعاصرة. وقد انبنت على فرضية مركزية مفادها أن الجمال لا يُختزل في تعريف ثابت أو خاصية جاهزة، بل يتشكّل بوصفه بناءً فكريًا وتاريخيًا يعكس تحولات الوعي الإنساني في علاقته بالعالم.

وفي هذا السياق، استحضرت الدراسة التصور الميتافيزيقي للجمال عند أفلاطون، حيث يُفهم الجمال كحقيقة مفارقة تنتمي إلى عالم المثل، في مقابل تقليص قيمة الفن باعتباره محاكاة لواقع ناقص. غير أن هذا الأفق سرعان ما تعرّض لإعادة نظر مع أرسطو، الذي أعاد تأهيل الفن بوصفه فعلًا تخييليًا كاشفًا عن الممكن الإنساني، لا مجرد انعكاس للواقع. ومع الفلسفة الحديثة، دشّن إيمانويل كانط تحولًا حاسمًا، حين جعل من الجمال تجربة حكم ذاتي ذات طابع كوني، قائمة على متعة خالصة تتجاوز المنفعة والمفهوم.

وفي امتداد لهذا المسار، أبرزت الدراسة كيف نقل جيرار جينيت الجمال إلى مستوى البنية السردية، حيث يغدو العمل الفني نظامًا دلاليًا يُنتج المعنى عبر تنظيمه الداخلي، لا عبر مطابقته للواقع. كما كشفت عن الأفق الظاهراتي-التخيلي عند غاستون باشلار، الذي جعل من الصورة الشعرية والخيال مصدرًا أصيلًا للجمال، قبل أن تبلغ الجماليات بعدًا تحرريًا مع أدونيس، حيث يُفهم الجمال بوصفه فعل انزياح وخلق يعيد تشكيل اللغة والعالم.

وخلصت الدراسة إلى أن الجمال، في ضوء هذه التحولات، لم يعد يُفهم كمعطى ثابت، بل كأفق مفتوح للتأويل، يتقاطع فيه الحسّي بالعقلي، والذاتي بالكوني، والبنيوي بالتخيلي. ومن ثم، فإن الفن لا يقتصر على تمثيل الواقع، بل يضطلع بوظيفة أعمق تتمثل في إعادة بنائه وتأويله، بما يجعل الجمال تجربة وجودية مركّبة تعكس قدرة الإنسان على تجاوز المعطى نحو الممكن.

على سبيل الافتتاح:

لم تعد الجماليات في الفكر الفلسفي المعاصر مجرد حقل نظري معني بتحديد ماهية الجميل أو تصنيف الفنون، بل أضحت فضاءً معرفيًا مركبًا تتقاطع فيه أسئلة الوجود والإدراك واللغة والتجربة الإنسانية. فالجمال، في أبعاده العميقة، لم يعد يُختزل في كونه خاصية من خصائص الأشياء أو أثرًا حسيًا عابرًا، بل غدا بنية دلالية وثقافية ونفسية تتداخل فيها الذات مع العالم، والخيال مع الواقع، واللغة مع التجربة. من هذا المنطلق، تكتسب الجماليات طابعها الإشكالي، إذ لا تتحدد موضوعاتها بشكل نهائي، بل تنفتح باستمرار على إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعالم عبر الفن، وهو ما يجعلها مجالًا لتقاطع الفلسفة مع النقد الأدبي والأنثروبولوجيا وعلم النفس الثقافي.

وإذا كان تاريخ الجماليات قد ارتبط في بداياته بمحاولة تأسيس تصور ميتافيزيقي للجمال، كما هو الحال عند أفلاطون الذي ربط الجمال بعالم المثل بوصفه حقيقة مطلقة تتجاوز الحسّ (Plato, trans. 2007)، فإن هذا التصور لم يلبث أن تعرض لتحولات عميقة أعادت صياغة موقع الفن ووظيفته. فقد انتقل التفكير مع أرسطو إلى اعتبار الفن فعلًا تخييليًا يشتغل على الممكن لا على الواقعي فقط (Aristotle, 1996)، ثم مع إيمانويل كانط إلى تأسيس الحكم الجمالي بوصفه تجربة ذاتية ذات طابع كوني (Kant, 2000)، قبل أن يتخذ مع جيرار جينيت بعدًا بنيويًا يرى الجمال في تنظيم الخطاب (Genette, 1980). وفي امتداد معاصر، تعمق هذا التحول مع غاستون باشلار الذي جعل من الخيال الشعري مصدرًا لتوليد المعنى الجمالي (Bachelard, 1964)، ومع أدونيس الذي ربط الجمال بالفعل الإبداعي القائم على الانزياح والتجاوز (Adonis, 1985).

وعليه، فإن هذا البحث لا يسعى إلى تقديم تعريف جاهز للجمال، بقدر ما يهدف إلى تتبع مسارات تشكّله وتحولاته داخل الفكر الفلسفي، انطلاقًا من فرضية مفادها أن الجمال ليس معطى ثابتًا، بل بناء تاريخي وفكري يتغير بتغير أنماط التفكير في الإنسان والعالم. ومن هنا تنبثق أهمية هذا العمل، بوصفه محاولة لربط الجماليات بسؤال أعمق: كيف يعيد الإنسان تشكيل العالم عبر الفن؟ وهو سؤال يضع الجمال في قلب التجربة الوجودية لا في هامشها.

إشكالية البحث

ينبني هذا البحث على إشكالية مركزية تتعلق بطبيعة التحول الذي عرفه مفهوم الجمال عبر التاريخ الفلسفي، ويمكن صياغتها على النحو التالي: كيف انتقل الجمال من كونه حقيقة مفارقة تُدرك بالعقل، إلى كونه تجربة ذاتية، ثم إلى بنية لغوية وسردية، وصولًا إلى كونه فعلًا تخييليًا وشعريًا يعيد إنتاج العالم؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة المتداخلة التي لا يمكن فصلها عن سياقها النظري، من قبيل: هل الفن مجرد محاكاة للواقع أم إعادة خلق له؟ وهل الجمال خاصية موضوعية أم تجربة إدراكية ذاتية؟ ثم ما الدور الذي تلعبه اللغة والسرد في إنتاج المعنى الجمالي؟ وكيف يسهم الخيال في تجاوز حدود الواقع نحو أفق شعري أكثر رحابة؟ إن هذه الأسئلة، في ترابطها، تكشف أن الجماليات ليست علمًا بالمعنى الضيق، بل تفكيرًا فلسفيًا مفتوحًا على تعدد المقاربات، وهو ما أشار إليه كانط حين اعتبر أن الحكم الجمالي لا يقوم على مفاهيم محددة، بل على “شعور بالمتعة الخالصة” (Kant, 2000).

الجمال بين الحقيقة والمحاكاة: أفلاطون وأرسطو

يُعدّ تصور أفلاطون نقطة الانطلاق الأساسية في تاريخ الجماليات، حيث ارتبط الجمال لديه بنظام ميتافيزيقي قائم على التمييز بين عالمين: عالم المثل، الذي يمثل الحقيقة المطلقة والثابتة، والعالم المحسوس، الذي لا يعدو أن يكون انعكاسًا ناقصًا لتلك الحقيقة. ضمن هذا التصور، يصبح الجمال الحقيقي مفارقًا للحس، ولا يمكن إدراكه إلا عبر التأمل العقلي، في حين تظل الأشياء الجميلة مجرد ظلال أو تجليات جزئية لذلك المثال الأعلى. وقد عبّر أفلاطون عن هذا التصور في “أمثولة الكهف” حيث يظهر العالم المحسوس بوصفه عالم الظلال (Plato, trans. 2007).

ومن هنا ينبثق الموقف النقدي من الفن، إذ يُنظر إليه بوصفه محاكاة لعالم هو نفسه محاكاة، مما يجعله بعيدًا عن الحقيقة ومفتقرًا إلى القيمة المعرفية. فالفنان، في هذا السياق، لا ينتج معرفة، بل يعيد إنتاج المظهر، وهو ما يجعل الفن، بحسب أفلاطون، عرضة للتضليل والانفعال غير العقلاني.

غير أن هذا الموقف، على الرغم من صرامته، لا يمكن فهمه بمعزل عن رهانه الفلسفي العميق، الذي يتمثل في الدفاع عن الحقيقة ضد مظاهر الوهم. ومع ذلك، فإن هذا التصور سيُقابل بتحول نوعي مع أرسطو، الذي سيعيد الاعتبار للفن من خلال إعادة تعريف المحاكاة ذاتها. فالمحاكاة عند أرسطو ليست تقليدًا سطحيًا، بل فعلًا تخييليًا يعيد تنظيم الواقع وفق منطق الاحتمال والضرورة، حيث يرى أن “الشعر أكثر فلسفية من التاريخ لأنه يتحدث عن الكلي” (Aristotle, 1996).

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم التطهير (الكاثارسيس) بوصفه لحظة مركزية في التجربة الجمالية، حيث لا يكتفي المتلقي بمشاهدة العمل الفني، بل ينخرط فيه وجدانيًا، ليعيش تجربة انفعالية تنتهي بتوازن نفسي ومعرفي. وهكذا، يتحول الفن من كونه نسخة ناقصة عن الواقع إلى كونه أداة لفهمه وإعادة تشكيله، مما يفتح المجال أمام تصور جديد للجمال بوصفه تجربة مركبة تجمع بين الإدراك والانفعال.

من الموضوع إلى الذات: كانط وتحول الحكم الجمالي

يمثل انتقال الجماليات إلى الفلسفة الحديثة، مع إيمانويل كانط، لحظة حاسمة في تاريخ التفكير الجمالي، حيث لم يعد السؤال منصبًا على ماهية الجمال في ذاته، بل على كيفية إدراكه والحكم عليه. فالحكم الجمالي، في نظر كانط، ليس حكمًا معرفيًا يستند إلى مفاهيم، ولا حكمًا أخلاقيًا يرتبط بالقيم، بل هو حكم خاص يقوم على الشعور بالمتعة الناتجة عن انسجام حر بين المخيلة والفهم.

وقد عبّر كانط عن ذلك بقوله إن الجميل هو “ما يبعث على المتعة دون مفهوم” (Kant, 2000)، وهو تعريف يكشف عن طبيعة الجمال بوصفه تجربة غير قابلة للاختزال في مفاهيم عقلية. غير أن هذا الحكم، رغم طابعه الذاتي، لا ينغلق داخل حدود الفرد، بل يحمل ادعاءً ضمنيًا بالكونية، إذ يفترض أن ما يُحسّ بوصفه جميلًا ينبغي أن يُحس كذلك من قبل الآخرين.

إن هذا التحول يعكس انتقال الجمال من كونه خاصية في الأشياء إلى كونه تجربة تعيشها الذات، مما يفتح المجال أمام تعددية في التذوق دون السقوط في نسبية مطلقة، وهو ما يجعل الجماليات الكانطية لحظة تأسيسية في الفكر الجمالي الحديث.

الجمال كبنية: جيرار جينيت وتحليل الخطاب السردي

مع تطور النقد الأدبي، خاصة في القرن العشرين، لم يعد الجمال مرتبطًا فقط بالمحتوى أو الموضوع، بل بطريقة تنظيمه داخل النص. وفي هذا السياق، يقدم جيرار جينيت تصورًا بنيويًا يرى أن العمل الأدبي يُفهم من خلال بنيته السردية، لا من خلال موضوعه فقط. فالسرد، بما يتضمنه من زمن وتبئير وصوت، لا ينقل الواقع كما هو، بل يعيد تشكيله وفق نظام دلالي معقد (Genette, 1980).

إن هذا التحول من “ماذا يُقال” إلى “كيف يُقال” يعكس انتقال الجماليات إلى مستوى جديد، حيث يصبح الجمال نتاجًا للعلاقات الداخلية داخل النص، لا مجرد انعكاس لواقع خارجي. ومن هنا، فإن العمل الفني لا يُقاس بمدى مطابقته للواقع، بل بقدرته على إنتاج المعنى عبر بنيته، وهو ما يجعل التحليل السردي أداة أساسية لفهم الجمال الأدبي.

جماليات الخيال: باشلار وأدونيس

يبلغ التفكير الجمالي أفقًا أكثر عمقًا مع غاستون باشلار، الذي يجعل من الخيال محورًا أساسيًا لفهم الجمال. ففي كتابه جماليات المكان، يؤكد أن “البيت هو كوننا الأول”، وأن الفضاءات التي نعيشها تحمل شحنات وجدانية عميقة (Bachelard, 1964). فالصورة الشعرية ليست انعكاسًا للواقع، بل خلق جديد للمعنى ينبثق من أعماق التجربة الإنسانية.

أما أدونيس، فيدفع هذا التصور إلى أفق أكثر راديكالية، حيث يرى أن الشعر ليس تمثيلًا للعالم، بل إعادة خلق له عبر اللغة. فالجمال، في نظره، يتحقق من خلال الانزياح وكسر المألوف، وهو ما يجعل الإبداع فعلًا تحرريًا بامتياز (Adonis, 1985). إن الجمال هنا لا يُقاس بالانسجام، بل بقدرته على إحداث الدهشة وإعادة تشكيل الرؤية.

خاتمة

يُظهر هذا المسار التحليلي أن الجماليات ليست علمًا ثابتًا، بل حقلًا متحولًا يعكس تطور الوعي الإنساني. فمن الجمال بوصفه حقيقة مفارقة عند أفلاطون، إلى الفن بوصفه إعادة خلق عند أرسطو، إلى الجمال كتجربة ذاتية عند كانط، إلى البنية السردية عند جينيت، ثم إلى الخيال الشعري عند باشلار وأدونيس، يتضح أن الجمال ليس معطى جاهزًا، بل أفق مفتوح لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والعالم.

إن الفن، في نهاية المطاف، لا يعكس الواقع فحسب، بل يعيد تشكيله، ويمنح الإنسان القدرة على تجاوزه، ليصبح الجمال بذلك ليس مجرد قيمة، بل تجربة وجودية عميقة تتقاطع فيها الذات مع العالم، والخيال مع الحقيقة.

نتائج الدراسة

تكشف هذه الدراسة، من خلال تتبعها لتطور مفهوم الجمال عبر محطات فلسفية متعددة، أن الجماليات لم تكن يومًا مفهومًا ثابتًا أو منغلقًا، بل شكلت مجالًا ديناميكيًا يعكس تحولات الوعي الإنساني وأنماط إدراكه للعالم. فقد بيّن تحليل تصور أفلاطون أن الجمال ارتبط في بداياته بأفق ميتافيزيقي مفارق، حيث تم فهمه بوصفه حقيقة مطلقة قائمة في عالم المثل، مما أدى إلى تقليص قيمة الفن باعتباره محاكاة لعالم أدنى من الحقيقة. غير أن هذا الموقف، رغم طابعه الإقصائي للفن، أسس لإشكالية مركزية ستظل حاضرة في تاريخ الجماليات، وهي العلاقة بين الحقيقة والتمثيل.

وقد أظهرت الدراسة أن هذا التصور شهد تحولًا نوعيًا مع أرسطو، الذي أعاد الاعتبار للفن من خلال توسيع مفهوم المحاكاة، لتصبح فعلًا تخييليًا قادرًا على الكشف عن الممكن والإنساني، لا مجرد تقليد للواقع. وبذلك، انتقل الفن من الهامش إلى المركز، وأصبح أداة للمعرفة والانفعال في آن واحد، مما منح الجمال بعدًا إنسانيًا وتجريبيًا.

كما خلصت الدراسة إلى أن التحول الأكثر عمقًا تحقق مع إيمانويل كانط، حيث لم يعد الجمال خاصية في الأشياء، بل تجربة إدراكية تعيشها الذات، قائمة على حكم جمالي يجمع بين الذاتية والكونية. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف الجمال بوصفه تجربة حرة ومنفصلة عن المنفعة، مما أسس لمرحلة جديدة في التفكير الجمالي.

وفي سياق موازٍ، بيّنت الدراسة أن التحليل البنيوي مع جيرار جينيت قد نقل الجمال من مستوى الإدراك إلى مستوى البنية، حيث أصبح العمل الفني يُفهم من خلال تنظيمه الداخلي، لا من خلال مطابقته للواقع. وهنا، تحوّل الجمال إلى نتاج للعلاقات السردية، مما يعكس انتقال الجماليات إلى أفق لغوي- دلالي.

أما في المقاربات المعاصرة، فقد أظهرت الدراسة أن غاستون باشلار قد أعاد توجيه التفكير الجمالي نحو الخيال، حيث يصبح الجمال تجربة داخلية مرتبطة بالصورة الشعرية والذاكرة والفضاء الحميمي، في حين ذهب أدونيس إلى أبعد من ذلك، حين ربط الجمال بالفعل الإبداعي القائم على الانزياح والتجاوز، معتبرًا أن الجمال يتحقق في كسر المألوف وإعادة تشكيل اللغة.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الدراسة أثبتت أن مفهوم الجمال قد انتقل عبر مسار معقد من:

حقيقة مفارقة إلى محاكاة إبداعية إلى تجربة ذاتية إلى بنية سردية إلى خيال شعري إلى فعل تحرري.

وهو ما يؤكد أن الجمال ليس معطى جاهزًا، بل سيرورة فكرية وثقافية مفتوحة.

التوصيات

في ضوء النتائج المتوصل إليها، يمكن اقتراح مجموعة من التوصيات التي تسعى إلى تطوير البحث في مجال الجماليات وتعميق فهمه:

أولًا، ضرورة تجاوز المقاربات الاختزالية التي تحصر الجمال في بعد واحد، سواء كان ميتافيزيقيًا أو ذاتيًا أو بنيويًا، والعمل على تبني مقاربة تكاملية تأخذ بعين الاعتبار تداخل الأبعاد الفلسفية والنقدية والتخييلية، بما يعكس تعقيد الظاهرة الجمالية.

ثانيًا، الدعوة إلى إعادة الاعتبار للخيال بوصفه عنصرًا مركزيًا في إنتاج المعنى الجمالي، على نحو ما بيّنه باشلار، وذلك من خلال إدماجه في الدراسات النقدية والفلسفية، بدل الاقتصار على التحليل العقلاني أو البنيوي.

ثالثًا، تشجيع البحث في الجماليات العربية المعاصرة، خاصة في ضوء أطروحات أدونيس، من أجل بلورة تصور جمالي ينبع من خصوصية الثقافة العربية، دون الانفصال عن الأفق الكوني للفكر الجمالي.

رابعًا، توسيع مجال الدراسات الجمالية ليشمل تحليل الخطاب الأدبي والفني من منظور سردي وبنيوي، كما عند جينيت، بما يسمح بفهم أعمق لآليات إنتاج المعنى داخل النصوص.

خامسًا، ضرورة الربط بين الجماليات والتجربة الإنسانية اليومية، بحيث لا يُنظر إلى الفن بوصفه مجالًا منفصلًا عن الواقع، بل كوسيلة لإعادة فهمه وتجاوزه، وهو ما ينسجم مع التصورات الحديثة التي ترى في الفن فعلًا تأويليًا وإبداعيًا.

وأخيرًا، يوصي البحث بفتح آفاق جديدة لدراسة الجماليات في تقاطعها مع مجالات أخرى، مثل علم النفس، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية، بما يعزز فهم الجمال كظاهرة إنسانية شاملة.

***

د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ

..........................

لائحة المصادر والمراجع

Plato. (2007). The Republic. Oxford University Press.

Aristotle. (1996). Poetics. Penguin Classics.

Kant, I. (2000). Critique of Judgment. Cambridge University Press.

Genette, G. (1980). Narrative Discourse. Cornell University Press.

Bachelard, G. (1964). The Poetics of Space. Beacon Press.

Adonis. (1985). Introduction to Arab Poetics. University of Texas Press.

الأستاذة الدكتورة "آمنة ناجي الموشكي" تعمل موجهة تربويّة، ورئيسة لعدّة منتديات وروابط منها: منتدى الرابطة القلمية الثقافيّة – والرابطة العالمية للدفاع عن اللغة العربيّة فرع اليمن – وعضو الاتحاد الدولي للأدباء والشعراء العرب – وعضو اللجنة الوطنية للمرأة – محاضرة في أدب الطفل – شاعرة وأديبة – منحت العديد من شهادة الدكتوراه الفخريّة والجوائز والأوسمة – صدر لها ديوان شعري بعنوان: عبرات شاعرة الوطن. ولها مئات القصائد التي نشرت في العديد من الصحف والمجلات اليمنيّة والمواقع الالكترونية العربيّة.

البنية السرديّة أو الحكائية لقصيدة "ما أبشع الظلم":

يبدو أن الشاعر (أبو الطيب المتنبي) لم يكن مخطئا عندما قال:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد... ذا عفة فلعلة لا يظلم.

بل كان مصيبا كل الاصابة فيما قال، فالظلم كما يرى الشاعر هو من أهم سمات وخصائص علاقتنا الاجتماعيّة بكل مفرداتها الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، فهو يقع على الفرد مثلما يقع على المجتمع والدول أيضاً. وهذا الظلم بكل ما يحمل من مآسي استطاعت الشاعرة اليمنيّة "آمنة الموشكي" أن تصوره في قصيدة رائعة سمتها "ما أبشع الظلم". فها هي تفتتح قصيدتها بقوله: (عين تموت وعين مالها آمل.. والعين بالعين والآلام تكتمل.) فهي تريد القول هنا بأن الظلم عندما يحل لا يستثنى منه أحد، بل يتحول الظلم إلى شكل من أشكال الفعل والرد الفعل، حتى يصبح الجميع يمارسه على الجميع ليحل أخيراً الألم ويسكن كل فرد دون استثناء.

وأما الظلمة من العابثين بأرواح العباد، فتراهم كما تقول الشاعرة: (بلا عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل.. صم وبكم وفي أكبادهم حمم.. تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجلاً محروماً من أمه والأب.. ليس به روح وقد غاب عن دنياه يرتحل..). هنا نجد متاهة العنف كيف تمارس على الجميع فلا يسلم منها لا أب ولا أم ولا طفل.

نعم هو الظلم بكل بشاعته وقسوته.. هو العذاب الذي سلط على من عاش وكأنه (مأسوراً خلف السور يشتعل).. في الوقت الذي ترى فيه نتيجة حصار الموت كما ترى الشاعرة (أكبادنا من شظايا القهر.. يعصرها قهر أشد من الإخوان إذ خذلوا).

لقد سدّتُ الآفاق وغاب الأمل في الخلاص ولم يبق إلا الله وحده قارب النجاة الذي ترفع له الأصوات بالدعاء للخلاص من المأساة، والذل والجور والقهر والمرض، لأناس شربوا كأس المنايا بدموع تحرق القلب والمقلتين معاً حيث تقول الشاعرة "الموشكي:

(يا (غارة الله) هيا حرري دولاً.. بالذل تقتات سم الجور والعلل.. أبناؤها من لظى نيرانها شربوا كأس المنايا بدمع أحرق

المقل...). ورغم كل المقاومة التي يبديها المظلومون بصمت، والمشبعة بأمنيات الخلاص من عذابهم، إلا أن هذه المقاومة ظلت أضغاث أحلام (في جوفها زلل.. وحلم يرقب الأجل.).

لقد غاب من يقاوم الظلم، وما عاد فيه روح تنقذ من أحاط به الظلم والهلاك من الضعفاء والمساكين حيث تقول الشاعرة: (غابوا وما عاد فيهم روح تنقذنا...مما نعاني ولا من حل يحتمل). ولم يبق إلا الله قد فوض الأمر له بكل عجزنا: (يارب قد مزقت كل الحبال وما.. عادت تقينا وما عدنا لها أمل...فأمنن علينا بحبل منك يوثقنا يا مالك الملك أنت الواحد الأزل.).

البعد الاجتماعي في القصيدة:

إنّ الأديب الحقيقي الملتزم بواقعه الاجتماعي، شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً، لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها، لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب الواقعي يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه، فهو في كينونته ظاهرة اجتماعيّة بامتياز، تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو أيضاً يشكل جزءاً من تراث هذه الأمّة في مرحلة اجتماعيّة معيّنة عبر التاريخ، أي هو جزء من ماضيها ومؤسس بالضرورة لمستقبلها أيضاً...هو الطاقة الابداعيّة التي تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، وبناءً على كل ذلك هو صورة المجتمع. فليس دوره مقتصراً على تصوير الواقع وقضاياه فحسب، بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات هذا التخلف. ولم تكن الشاعرة المبدعة الدكتورة "آمنة الموشكي" بعيدةً في تصوراتها وأحاسيسها وفكرها وهمومها عن هم الوطن والمواطن بشكل خاص، وعن الهم الإنساني بشكل عام. وهذا ما وجدناه في بنية القصيدة حيث تقول: (تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجل... محروم من أمه والأب ليس به روح وقد غاب عن دنياه

يرتحل...ما أبشع الظلم ما أقسى العذاب على... من عاش مأسوراً خلف السور يشتعل..)

البعد الفني والجمالي للقصيدة:

البنية الدلاليّة أو السيمائيّة لعنوان القصيدة:

يظل العنوان في سياقه العام يشكل المفتاح الدلالي لأي عمل أدبي شعراً كان أو قصة أو رواية، وعنوان قصيدة الشاعرة "آمنة الموشكي" (ما أبشع الظلم)، جاء في حقيقته وبنيته الدلاليّة مطابقاً تماما لمضمون القصيدة، وقد بينا ذلك من خلال عرضنا للبنية السرديّة أو الحكائيّة للقصيدة.

الصورة في النص الشعري:

تظل اللغة في نحوها وبلاغتها ومحسناتها البديعيّة، كالترادف، والطباق، والمقابلة، والتقديم والتأخير، والتورية، وكثرة الانزياحات اللغويّة، والصور البيانيّة كالتشبيه والاستعارة والكنايّة، وتراكيب جملها، أداةً للتصوير الأدبي في الشعر. والشعر من الفنون الجميلة، له غاية جماليّة وفكريّة هي التأثير في المتلقي. والشاعر يصل لهذه الغاية عند جعل اللغة التي يستخدمها أكثر تأثيراً من خلال استخدامه للمفردات اللغويّة بطريقة إبداعيّة، تختلف عن الاستخدام العادي أو المعياري لها في حالة التداول اليومي المباشر بين الأفراد والجماعات. إن الشعر فن ينتهي إلى غايته الجماليّة والتوصيليّة عن طريق اللغة التي يشكل منها الشاعر عالمه الشعري. فالشعر كما يقول أحد النقاد هو(تفكير بالصور). أي إن الصورة هي أساس بناء الشعر.

إن الشاعر بوساطة التصوير الشعري، يقوم بعمليّة التخطي والتجاوز للمعني الإدراكي المباشر للأشياء، أي هو يقوم بإلغاء العلاقة الأصليّة الحقيقيّة الموجودة بين الدال والمدلول، محاولاً خلق علاقة جديدة بصور ذهنيّة مجازيّة، ورغم أنها متخيلة إلا أنها تشكل علاقة تظل مرتبطة في الواقع، فلا شيء يفرخ مجرداً حتى الوهم.

لقد استطاعت الشاعر "آمنة الموشكي"، أن تصور واقعها الاجتماعي عبر صور ذات حمولة فكريّة وعاطفيّة أو وجدانيّة عالية، جسدت المعنى المتخيل في نصها كمصورة فوتوغرافية، امتازت صورها بالوضوح أمام المتلقي الذي راح يتمتع بجماليّة هذه الصورة التي اعتمدت فيها الشاعرة التجسيد أو التشخيص والتجريد والمشابهة. تقول:

(والعابثون بأرواح العباد بلا عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل...)... (صم وبكم وفي أكبادهم حمم.. تغلي فتقتل طفلاً باكياً وجل)... (أكبادنا من شظايا القهر يعصرها قهر أشد من الإخوان إذ خذلوا)... (أين الأجلاء في دنيا ممزقة بين الأسى والجفا تقتاتها الحيل؟.).

هكذا نرى أن الصورة الشعريّة بكل دلالاتها في هذا النص، لم تأت بها الشاعرة " الموشكي" للتزيين والزخرفة اللفظيّة، وإنما جاءت تعبيراً أصيلاً أملته ظروف إحساسها بالظلم في كل تجلياته والذي ترك آثاره على حالتها النفسيّة والشعوريّة معاً، لذلك كانت الصور حاملاً أميناً لمشاعر الشاعرة وتُرجماناً لنفسية الشاعرة، ولصدق أحاسيسها وعواطفها.

اللغة في القصيدة:

جاءت اللغة في القصيدة سهلةً، واضحةً، سمحةً، ناصعةً، وفصيحة، ومسبوكة الألفاظ، منسجمة مع بعضها في بنية القصيدة وخالية من البشاعة. فجودة السبك وبراعة صياغته وتسلسل عبارته وتخير ألفاظه وإصابتها لمعناها، كانت وراء سر فن التعبير في هذا النص الشعري. هذا وتتجلى رهافة وجماليّة لغة الشاعرة "آمنة الموشكي" في قولها:

(عين تموت وعين مالها آمل.. والعين بالعين والآلام تكتمل.) أو في قولها:( والعابثون بأرواح العباد بلا عين ترى.. أو بدمع الرفق تكتحل.). وفي قولها: (أبناؤها من لظى نيرانها شربوا

كأس المنايا بدمع أحرق المقل).

الموسيقى في القصيدة:

رغم وجود فرق بسيط بين وزن القصيدة المتعلق بعروضها وقافيتها، وهو ما يسمى بالموسيقى الخارجيّة، وبين الايقاع في القصيدة الذي يسمى بالموسيقى الداخليّة، التي تتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل من النبر أو الصوت الداخلي للنص الناجم عن الحالة النفسيّة والشعوريّة وحتى الحالة الفيزيولوجيّة للشاعر التي تتطابق وتتناغم الحروف والكلمات وتنسجم مع الوحدة الموسيقيّة العامة، ومع تأكيدنا على هذا الفرق بين موسيقى الخارج والداخل، إلا أن الشاعر الحديث المتمكن من حرفته يستطيع أن يلغي تلك الفروقات الطفيفة ليجعل من موسيقى قصيدته رتماً واحداً متجانساً في مكوناته.

إن الشاعرة "الموشكي) التي بنت موسيقا قصيدتها على البحر (البسيط) بكل جمال موسيقاه القائمة على الوزن والقافية، غير أنها استطاعت وبجدارة أن تخلق موسيقا داخليّة لنصها الشعري من خلال، تناغم الحروف، وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها، وبالترابط ما بين المعنى والمبنى، حيث جاء الصوت أخيرا يحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي. تقول الشاعرة "آمنة الموشكي":

(أكبادنا من شظايا القهر يعصرها..قهر أشد من الإخوان إذ خذلوا). أو في بوح رتمها الحزين حيث تقول: (عين تموت وعين مالها آمل..والعين بالعين والآلام تكتمل.. والعابثون بأرواح العباد بلا.. عين ترى أو بدمع الرفق تكتحل.).

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.............................

ما أبشع الظلم

عين تموت وعين مالها

آمل

والعين بالعين والآلام

تكتمل

والعابثون بأرواح العباد

بلا

عين ترى أو بدمع الرفق

تكتحل

صم وبكم وفي أكبادهم

حمم

تغلي فتقتل طفلاً باكياً

وجل

محروم من أمه والأب

ليس به

روح وقد غاب عن دنياه

يرتحل

ما أبشع الظلم ما أقسى

العذاب على

من عاش مأسوراً خلف

السور يشتعل

أكبادنا من شظايا القهر

يعصرها

قهر أشد من الإخوان إذ

خذلوا

يا غارة الله هيا حرري

دولاً

بالذل تقتات سم الجور

والعلل

أبناؤها من لظى نيرانها

شربوا

كأس المنايا بدمع أحرق

المقل

ثاروا بصمت في دور

معتقة

بالأمنيات التي في

جوفها الزلل

أعمارهم من سنين الشح

واقفة

ما بين خوفهم وحلم

يرقب الأجل

أين الأجلاء في دنيا

ممزقة

بين الأسى والجفا تقتاتها

الحيل؟.

غابوا وما عاد فيها روح

تنقذنا

مما نعاني ولا من حل

يحتمل

يارب قد مزقت كل

الحبال وما

عادت تقينا وما عدنا لها

أمل

فأمنن علينا بحبل منك

يوثقنا

يا مالك الملك أنت

الواحد الأزل.

***

د. آمنة الموشكي

مقاربة تحليلية تأويلية في ضوء شرفات الشوق ونبضاتي

مقدّمة: يمثّل الدكتور خالد الفهد مياس (مواليد 1963م) نموذجًا للشاعر الأكاديمي الذي تتقاطع في تجربته المعرفة العَروضية والنقدية مع الحسّ الوجداني والالتزام الجمالي. فهو أستاذ في اللغة العربية، وباحث في الإيقاع الشعري، إلى جانب كونه شاعرًا يمتلك مشروعًا نصّيًا واضح المعالم، يتجلّى في دواوينه، ولا سيما شرفات الشوق (2007) ونبضاتي.

إنّ هذه الدراسة تنطلق من زاوية تحليلية تأويلية تسعى إلى استنطاق البنية النصية عند مياس، بوصفها بنيةً تتشابك فيها العلامة الصوتية بالصورة الرمزية، ويتفاعل فيها الذاتيّ بالوجوديّ، ضمن أفق جمالي يستثمر التراث دون أن يقع في أسر محاكاته.

أولًا: الإيقاع بوصفه بنية دلالية

لا يقف الإيقاع في شعر مياس عند حدود الوزن الخليلي أو انتظام القافية، بل يتجاوزهما إلى ما يمكن تسميته بـ«الإيقاع الدلالي»، أي الإيقاع الذي يتولّد من تكرار المفردة، ومن الحقول الصوتية، ومن تواتر الأفعال ذات الطابع السمعي.

يقول في شرفات الشوق:

«وتبقى الحروفُ تدلُّ عليك

وتعزفُ لحنَ الرجوعِ الأخير

تحنُّ إليك

ونبضُ القصيدةِ لحنٌ بديع

يئنُّ ويبكي على مقلتيك…»

إنّ الحقول المعجمية هنا (الحروف، تعزف، لحن، يئنّ) تؤسّس شبكة صوتية تجعل النصّ حدثًا سمعيًّا قبل أن يكون خطابًا لغويًّا. فالفعل «تعزف» يُحوِّل الحروف إلى كيان موسيقي، بينما «يئنّ» ينقل الصوت من بعده الجمالي إلى بعده الوجداني، فيتداخل السمعي بالانفعالي.

ومن منظور بنيوي–دلالي، فإنّ هذا التنامي الصوتي يُنتج ما يسمّيه النقد الحديث بـ«المعنى المتولّد» (Emergent Meaning)، حيث لا يتشكّل المعنى من المفردة المفردة، بل من حركتها الإيقاعية داخل النسق.

إنّ الإيقاع هنا ليس إطارًا شكليًا، بل بنية تؤدي وظيفة وجودية: فالحروف «تدلّ»، أي أنّ الصوت يصبح طريقًا إلى الحضور. وبذلك تتحول اللغة إلى وسيط استدعائي يعوّض غياب الآخر عبر استدامة العلامة.

ثانيًا: الصورة الشعرية بين الحسيّ والرمزي

تتسم الصورة عند مياس بتركيبها الجدلي بين الحسّ والرمز. فهو لا يكتفي بتصوير المشهد، بل يُحمّله كثافة دلالية تتجاوز المحسوس إلى أفق وجودي. في قوله:

«تحنُّ إليك

ونبضُ القصيدةِ لحنٌ بديع

يئنُّ ويبكي على مقلتيك…»

تتجاور «القصيدة» بوصفها كيانًا مجرّدًا مع «المقلتين» بوصفهما عنصرًا جسديًا ملموسًا. وهنا يتشكل ما يمكن تسميته «التجسيد الرمزي»؛ إذ تصبح القصيدة جسدًا نابضًا، وتتحول العين إلى وعاء للذاكرة.

إنّ الدمج بين البعدين يُنتج صورة مركبة، تتجاوز البلاغة التقليدية إلى ما أشار إليه W.J.T. Mitchell في حديثه عن «فاعلية الصورة»؛ فالصورة لا تمثّل المعنى فحسب، بل تُنتجه وتطلبه وتعيد تشكيله.

وبذلك يغدو النصّ فضاءً تتقاطع فيه العلامات، حيث تتوالد الدلالة من احتكاك الصوت بالجسد، والذكرى بالحنين.

ثالثًا: جدلية الحضور والغياب وبنية الذاكرة

يبرز في شعر مياس موتيف الحضور/الغياب بوصفه محورًا دلاليًا ثابتًا، يتجلّى في نصوص الرثاء أو الخطاب الموجّه إلى الشهيد:

«…ألا أيُّها الشهيد

رحلتَ… وشعرك باقٍ

ونبضُك راقٍ…»

يقوم هذا المقطع على مفارقة وجودية: الرحيل الجسدي مقابل البقاء الرمزي. فالفعل «رحلت» يحيل إلى الفناء، بينما «باقٍ» و«راقٍ» يؤسسان استمرارية العلامة.

من منظور تأويلي، يمكن قراءة النصّ في ضوء مفهوم «البقاء الدلالي»، حيث تبقى الذات حيّة من خلال خطابها. فالقصيدة تتحول إلى وثيقة وجود، ويغدو الشعر حارس الهوية ضد العدم.

وهنا تتقاطع التجربة الذاتية مع البعد القومي؛ إذ إنّ الشهيد لا يُستدعى بوصفه فردًا فقط، بل رمزًا للذاكرة الجمعية. وبذلك يكتسب النصّ بعدًا أنطولوجيًا يتجاوز لحظة الرثاء إلى سؤال البقاء.

رابعًا: اللغة بوصفها وعيًا بالعلامة

إنّ الخلفية الأكاديمية لمياس، ولا سيما في مجال العروض والإيقاع الشعري، تتبدّى في وعيه العميق بوظيفة الكلمة. فاللغة لديه ليست حاملة للمعنى فحسب، بل هي موضوع اشتغال جمالي.

إنّ توظيفه مفردات مثل «الحروف»، «اللحن»، «النبض»، «النفس» يدلّ على إدراكه للطبيعة المزدوجة للعلامة: فهي صوت ودلالة في آنٍ واحد.

ومن منظور سيميائي، تتجاوز الكلمة معناها القاموسي لتغدو علامة مفتوحة، قابلة لإعادة التأويل بحسب سياقها.

وهذا ما يمنح نصوصه طابعًا تفاعليًا؛ إذ لا يُقدَّم المعنى جاهزًا، بل يُستثار القارئ للمشاركة في بنائه. وهنا يتحقق ما يسميه النقد التأويلي «أفق التلقي»، حيث يلتقي النصّ بذات القارئ في عملية إنتاج مشترك للمعنى.

خامسًا: شعرية الحزن والحنين كأفق وجودي

يمثل الحزن في شعر مياس طاقةً شعريةً لا تنحصر في البكاء على الفقد، بل تتخذ بعدًا تأمليًا. فالحنين ليس مجرد عاطفة، بل رؤية إلى الزمن بوصفه انكسارًا دائمًا بين ما كان وما سيكون.

في كثير من نصوصه، يتحوّل الوجدان الفردي إلى سؤال كوني عن الهوية والذاكرة. وهنا يتقاطع شعره مع ما يُعرف بـ«الشعرية الوجودية»، التي تجعل من الألم نقطة انطلاق نحو الكشف عن معنى الوجود.

إنّ الحزن عنده ليس ضعفًا، بل فعل مقاومة؛ إذ يحفظ الذاكرة من التلاشي، ويصوغ للإنسان حضورًا رمزيًا في مواجهة العدم.

خاتمة

تكشف القراءة التحليلية التأويلية لشعر الدكتور خالد الفهد مياس عن تجربة شعرية متماسكة البنية، واعية بأدواتها الإيقاعية واللغوية، ومشحونة بطاقة رمزية تنفتح على أسئلة الوجود والهوية والذاكرة.

فالإيقاع عنده ليس زينة شكلية، بل أداة دلالية؛ والصورة ليست زخرفًا بل بنية تفكير؛ واللغة ليست وعاءً بل كيانًا حيًا يولّد المعنى.

إنّ نصوصه، كما في شرفات الشوق ونبضاتي، تقدّم نموذجًا للشعر الذي يجمع بين أصالة التشكيل وعمق الرؤية، ويستحقّ أن يُقرأ في ضوء مناهج النقد البنيوي والتأويلي والسيميائي الحديثة، لما ينطوي عليه من ثراء دلالي وجمالي.

***

بقلمي ربى رباعي/الاردن

..................

المراجع

- مياس، خالد الفهد. شرفات الشوق. عمّان: 2007.

- مياس، خالد الفهد. نبضاتي. عمّان.

- مياس، خالد الفهد. العروض والإيقاع الشعري (دراسة نقدية

الحدث الروائي يعتمد على منصات رمزية وفكرية متنوعة التعبير، وتكوين الصياغة التعبيرية بشكل بليغ في المعنى والمغزى، وكذلك على أنواع مختلفة من التناص، في براعة الابتكار في الصياغة الحديثة في سياق الحدث وتكوينه، براعة في الانزياح من عمق التاريخ القديم، وجره الى متطلبات المرحلة الحالية، وواقع الحياة الفعلي، اي انها براعة في خلق صياغة التناص ونسجه بصياغة حديثة في التعبير، والرؤية الفكرية الناضجة والمدركة لواقع الحال، من سورة أهل الكهف، الى الموروثات التاريخية والشعبية والفنية، لتصب هذه المكونات أو المنصات في الحدث الفكري الدال على احداث واقعنا ومجرياته الحالية، اي اننا ازاء سيميائية (علم الدلالة والاشارة) بشكل واسع الأفق والتعبير، رغم ان الحدث الروائي وشخصياته تتحدث عن العصر العباسي، ولكن دلالته تدل على الواقع الحديث في زمانه ومكانه، هي بغداد المدورة ومحافظة ذي قار، التي شهدت أحداث عاصفة من درامية الصراع الدموي في الفترة الاخيرة، التي اتخذت شكل العنف الدموي والقتل الموت الطائش والمجاني، في المواجهة الحادة بين شباب مثقف وواعي يدرك حقوقية متطلباته المشروعة، في العيش الكريم وحياة آمنة ومستقرة، في ظل تحقيق العدالة الاجتماعية، وحياة بلا عنف وإرهاب، نجد آلة القتل والموت باسلحة حديثة وفتاكة ومتطورة حديثاً، وليس اسلحة العصر العباسي، السيوف والرماح والنبال، وتناص اهل الكهف ليس في صيغته الدينية المذكورة، ولكن بصيغة حديثة، نفسية وسيكولوجية، اي الخروج عن صومعة الصمت والتقوقع الى النهوض والمطالبة والرفض، وحالة التذمر من البطش والتنكيل ضد الناس الابرياء، لا تستند الى قانون ونظام وشريعة، بل تنتمي الى العنف المفرط من اجهزة النظام الطاغي، الذي يعتمد على القوة القمعية من الشرطة أو العسس، في مواجهة الغليان الشعبي في مطالبه العادلة، في مواجهة الشباب المتمرد، الذي يصر على مواصلة مطالبه المشروعة، رغم الارهاب والبطش، الحدث الروائي يعتمد على حكايات يرويها الحكواتي، يسردها في المجالس والمقاهي، تقول، بأن هناك شبان سبعة بدو مع كلبهم الثامن، يخرجون من صومعة الكهف ويواجهون القتل من قبل العسس، واحداً تلو الآخر حتى كلبهم الوفي والحارس الامين، لم يسلم من القتل والموت، هؤلاء الشبان السبعة، هم طلبة العلم والفكر والدراسة، مسالمين لا يحملون إلا الخير والفكر الحر، واسمائهم هي عنوان الجمال في البشر والطبيعة، بما اكمل الله من خلق من جمال، الذي يفيد البلد والناس بالخير، في خصب ثمارهم الجميلة، وتبدأ اسماء الشبان السبعة حسب ترتيب خلق الكون والبشر في رقم سبعة، واسمائهم (جميل. حلو. نور. ضياء. نهار. قداح. ريحان وكلبهم الثامن الجميل ذو الشعر الابيض). هؤلاء الشبان السبعة، كل يوم يخرج واحد منهم من الكهف الى الخارج الى السوق والمدينة (بغداد المدورة) لطلب الخبز والماء، يصحب الكلب الوفي معه، لكنه يتعرض للقتل والموت من قبل الشرطة أو العسس، وفي اليوم التالي تنشر الجريدة المحلية خبراً، بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة ربما تعود لشاب بدوي، والشرطة تجري تحقيقات لمعرفة أسباب القتل، ولكي تعرف على البيانات الكاملة، هذه الصيغة ذكر الحدث المأساوي، تتكرر مع كل شاب من هؤلاء الشبان السبعة، يواجه مطاردة الشرطة او العسس حتى تتمكن من قتله أو قطع رأسه، و تتنصل من جريمة القتل والاتهام، البعد الرمزي والفكري في خروج الشبان السبعة من الكهف، الى طلب الطعام والماء، يعني مطالبة الباب بالعيش الكريم وحياة مستقرة وآمنة بدون عنف وارهاب، تعني هذه الدلالة الرمزية، بأن الصراع بين الخير والشر هو ازلي منذ العصور القديمة الى عصرنا الحاضر، الصراع بين الجمال والقبح مستمر ويدور ويتشكل بأوجه وصفات مختلفة ومتنوعة، الصراع بين الفكر الحر النبيل، وعقلية الإرهاب والقتل تظل حية وقائمة وتشتد اكثر عنفاً في كل زمن، مثلما نجده في واقعنا الحاضر، قوائم وركائز الصراع القائم حالياً بين العدل والباطل، الأول يملك العقل والوعي والإدراك والمحاججة والحوار، والثاني يملك لغة السلاح الفتاك، ولكن عندما يوجد ظلم وحرمان توجد ردة فعل بالرفض والتمرد والمقاومة بشكل طبيعي، وعلمتنا تجارب التاريخ، بأن اصحاب العلم والفكر التنويري والحر، هم ضحية الانظمة الطاغية، وعلمنا التاريخ والقديم، الكثير من شهداء الحق والكلمة الحرة، فهم مطاردون نصيبهم الاعتقال والسجن والموت من الشرطة المغولية (خرجت مفرزة العسس من بناية المكتبة المركزية يتقدمهم آمرهم المقدم، فيما هم يكبلون ايدي الشبان السبعة ويغطون رؤسهم بأكياس قماشية سوداء، لا يرى منها شيئاً، وقد وضع كل عسس يده الاخرى على رأس شاب من الشبان السبعة فأحناه، واحنى ظهره، واركبوهم العربة الخشبية وسارت بهم نحو مركز بغداد المدورة) ص35، هذا مغزى الصراع من اجل الحرية المفقودة الطريق، ليس سهلاً، بل معبداً بالدماء والشهداء، التضيحية من اجل الوطن والمثل والمبادئ العليا، تتطلب جهداً وكفاحاً متواصلاً، بجمع صفوف الشعب في كتلة موحدة في الصمود والمقاومة، لذا فأن هؤلاء الشبان السبعة يمثلون كل اطياف الوطن ونسيجه ولحمته الوطنية الجامعة، يمثلون صورة البلد المشرقة والمضيئة، امام الظلام الطغاة، هؤلاء الشبان يمثلون القيم السامية، وصادقون في جهادهم البطولي، بأقدام وثبات، رغم البطش والتنكيل، تضحية الشباب من اجل قضية نبيلة جامعة، هي اروع صور الفداء والتضحية للبلاد.

- كيف تم قتل الشبان السبعة؟؟

1- الشاب نور: يخرج من الكهف وينزل الى سوق المدينة، برفقة الكلب الوفي، لشراء الحاجات الاساسية، الطعام والماء، كأنه يطالب بحقوقه الاساسية في العيش الكريم، الخبز والحرية والسلام، وينزل الى شوارع بغداد المدورة، بغداد الحديثة من الاسمنت والشوارع المبلطة، وحركة السيارات والمارة، لكنه يواجه العسس في منع شراء رغباته، وتطارده في سياراتهم، حتى دهسته وارتدته قتيلاً، وفي اليوم التالي: تنشر الجريدة المحلية خبراً، مفاده، بأن الشرطة عثرت على جثة مجهولة لشاب بدوي في احد الشوارع، وتجري التحريات والتحقيقات اللازمة لمعرفة أسباب الموت، ومعرفة البيانات الكاملة.

2 - الشاب جميل: يتذمر من حالة الناس في محاصرة الحياة وخنقها، ويحزن مع رفاقه بخسارة صديقهم نور، في دهسه في سيارة العسس، رغم انه شاب مسالم طالب العلم والدراسة، لقد غادر (جميل) المكتبة المركزية الى المدينة، كأنه غادرها الى المجهول ولن يعود.. بقية الشبان يحذرون (جميل) من العسس، أن يكون حذراً، لان اجراءات الارهاب صارمة بالقتل والعنف، وجعلوا المدينة في حالة خوف ورعب، وتساءل مع نفسه (هل هناك أزمة بين الناس والشرطة؟ أم أن كلمة أزمة كبيرة على هذه العلاقة؟ أم أنها كانت ملائمة لتوصيف هذه العلاقة؟ ربما كانت هي كذلك) ص73، واوقفه المارة في اخباره عن مصير صاحبه، فقالوا (اذا كنت تبحث عن صاحبك فقد دهسته سيارة، ومات، وجثته في مركز البلدة) ص74. وفجأة سمع لغطاً مدوياً كأنه كالرعد القاصف، وفجأة توقف كل شيء، برصاصة طائشة اخترقت ملابسه وجلده واستقرت في قلبه، ليسقط قتيلاً يسبح في دمائه، وهو يلفظ انفاسه الاخيرة، هكذا بكل بساطة قتل الشاب (نور) بسلاح الشرطة المسدس، وليس بسلاح السيف والرمح والنبال، وفي اليوم التالي: نشرت جريدة المحلية خبراً، بأن (الشرطة عثرت على جثة شاب متوفى، يعتقد بأنه شاب بدوي، والتحقيقات مستمرة لمعرفة البيانات الكاملة) ص80.

3 - الشاب حلو: يخرج من الكهف الى مكتبة المدينة، وهو في حالة حزن عن فقدان أصحابه (نور وجميل) بالموت المجاني، رغم أنهما كرس حياتهما للعلم والدراسة والفكر ولكل شيء جميل في البشر والطبيعة، في صفاتهم الصدق والنزاهة، وقول الحقيقة والحق، لكن الحياة تطارد كلمن يحمل في قلبه جميل، وكل منْ يطالب بالحق والحقيقة ويقولبحسرة (- أهكذا كتب عليناان ننهي حياتنا، ونحن نودع بعضنا البعض؟) ص80.، أهكذا تكون الحياة رخيصة بلا ثمن، كأن لا قيمة لحياة.، وجد نفسه محاصراً من قوات العسس، تراجع الى الوراء، حاول التخلص من محاصرتهم، لكن طاردوه حتى فتكوا به بقطع رأسه أمام عيون الناس، سقط على الأرض يسبح في بركة من الدماء، وسط احتجاج الناس لهذه الوحشية الدموية (- الله أكبر، لقد قتل حلو، هذا الذي احلى من عسل نحل البرسيم الصافي وكان ذكياً في درس الفلسفة، فكيف يموت؟ ولماذا يموت؟ وعلى أي شيءٍ يموت؟) ص88.. وفي اليوم التالي كالعادة، نشرت الجريدة المحلية، خبراً مفاده، بأن الشرطة عثرت على جثة شاب يعتقد انه بدوي مقطوع الرأس، وان التحقيقات جارية على قدم وساق لمعرفة الأسباب والبيانات الكاملة.

هكذا تدور نوائب الموت تخطف الشبان السبعة بالموت المجاني، حتى لم يسلم كلبهم من الموت، كأنها عملية مسح آثار الجرائم التي ارتكبتها قوات العسس و والتنصل منها، بالتلفيق الكاذب والمتعمد، بهذا الصراع الدموي العنيف، امتلئت ثلاجة الطب العدلي بجثث الشبان (كانت جثث الشباب المتوفين مكدسة في ثلاجة الموتى كوديعة) ص109. ولكن رغم العنف الدموي، فأن الشباب يواصلون التحدي والمقاومة، لأنهم يؤمنون بقضيتهم العادلة، هي قضية الناس والبلاد، وهتافهم المركزي (بالروح بالدم نفديك يا عراق) ص117. وان يكون العراق للعراقيين وليس لغيرهم، وان الحرية المفقودة طريقها صعباً (لم يكن طريق الحرية سهلاً يسيراً) ص134. ولكن الحياة تتجدد وتحيا من رمادها.

***

جمعة عبد الله

من الواقعية الاجتماعية إلى القلق الوجودي وتفكك الذات السردية

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى تحليل رواية الشحاذ لنجيب محفوظ بوصفها نصًا مفصليا في تطور المشروع الروائي العربي، حيث تمثل انتقالا من الواقعية الاجتماعية إلى أفق رمزي ووجودي يعيد مساءلة الذات والوجود والمعنى. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن الرواية لا تكتفي بتمثيل الواقع، بل تعمل على تفكيك بنياته العميقة من خلال إعادة تشكيل الوعي الإنساني في سياق تاريخي مأزوم يتسم بانهيار اليقينيات الكبرى وصعود القلق الوجودي.

اعتمدت الدراسة مقاربة سيميولوجية وسردية متعددة المرجعيات، استندت إلى تصورات جيرار جينيت حول الزمن السردي، وغاستون باشلار حول شعرية المكان، وفيليب هامون حول الشخصية، وتزفيتان تودوروف حول تعدد الأصوات. وقد أظهرت النتائج أن شخصية عمر الحمزاوي تمثل نموذجا للذات المأزومة التي تعكس تفكك المشروع الثوري وتحول الإنسان من الفعل الجماعي إلى القلق الفردي.

كما أبرز التحليل أن الفضاء الروائي يتأسس على ثنائية الانغلاق والانفتاح بوصفها تعبيرًا عن أزمة الوعي، وأن الزمن السردي يتخذ بنية متكسرة تعكس انهيار الاستمرارية النفسية والتاريخية. وتخلص الدراسة إلى أن الشحاذ ليست مجرد رواية عن أزمة فرد، بل نص يعكس تحولات حضارية عميقة في الوعي العربي، ويؤسس لانتقال الرواية من الواقعية الاجتماعية إلى الرمزية الوجودية.

مدخل عام: نجيب محفوظ ونحول المشروع الروائي:

يحتل نجيب محفوظ موقعا تأسيسيا في مسار تشكّل الرواية العربية الحديثة، لا بوصفه مجرد كاتب غزير الإنتاج، بل باعتباره صاحب مشروع سردي متكامل أعاد من خلاله تعريف وظيفة الرواية ذاتها، إذ نقلها من مستوى التمثيل الواقعي المباشر إلى أفق تأملي يجعل منها أداة مساءلة للإنسان العربي في علاقته بذاته وتاريخه ومصيره. ففي المراحل الأولى من تجربته، انشغل محفوظ بتصوير البنية الاجتماعية وتحليل تناقضاتها ضمن منظور واقعي، غير أنه ما لبث أن تجاوز هذا الأفق نحو ما يمكن تسميته بالواقعية الرمزية، حيث لم يعد الواقع يُقدَّم كما هو، بل يعاد بناؤه داخل نص تتشابك فيه الأبعاد النفسية والفكرية والوجودية. وفي هذا الإطار تبرز رواية الشحاذ بوصفها منعطفا حاسما في هذا التحول، إذ تنتقل من رصد اختلالات المجتمع إلى تفكيك أزمة الذات، ومن تحليل البنية الطبقية إلى مساءلة الوعي الفردي في لحظة تاريخية مشبعة بالقلق والانكسار.

إن هذا التحول الجوهري في مشروع نجيب محفوظ لا يمكن استيعابه إلا في ضوء التحولات التي عرفها الخطاب السردي الحديث، وهو ما أشار إليه جيرار جينيت حين اعتبر أن السرد لم يعد يقوم على تعاقب زمني خطي للأحداث، بل على إعادة تشكيل الزمن بوصفه بنية دلالية تخضع لمنطق الوعي الداخلي للشخصية (Genette, 1972). ومن ثم، فإن ما نلاحظه في الشحاذ ليس مجرد تتابع حكائي، بل تشظي في التجربة الزمنية، حيث يتداخل الزمن النفسي بالزمن التاريخي، ويتحول السرد إلى فضاء تأملي تتقاطع فيه الاسترجاعات والاستباقات والانقطاعات، بما يعكس حالة الاضطراب الوجودي التي يعيشها البطل. وهكذا، يغدو النص المحفوظي في هذه المرحلة مختبرا سرديا يعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم، ويجعل من الرواية مجالًا لإنتاج المعنى لا لنقله، وهو ما يؤكد أن مشروع محفوظ لم يكن مجرد تطور تقني، بل تحوّل إبستمولوجي عميق في فهم الأدب ووظيفته.

الشخصية المركزية: أزمة الوعي وتشظي الهوية عند عمر الحمزاوي:

تتأسس رواية الشحاذ لـنجيب محفوظ على بناء شخصية محورية تُعد من أكثر النماذج تعقيدًا في السرد العربي الحديث، وهي شخصية "عمر الحمزاوي" التي لا يمكن اختزالها في بعدها الحكائي البسيط، بل ينبغي قراءتها بوصفها بنية دلالية مكثفة تعكس أزمة الوعي في سياق تاريخي مأزوم. فهذه الشخصية لا تتحرك داخل الرواية باعتبارها فاعلا سرديا يؤدي وظيفة تقليدية، بل كذات متصدعة تتجسد فيها تحولات الإنسان العربي في مرحلة ما بعد انهيار المشاريع الكبرى، حيث تتقاطع خيبات السياسة مع انكسارات الذات، ويتحول الماضي من مصدر للمعنى إلى عبء ثقيل يفاقم الإحساس بالتيه.

إن ما يمنح عمر الحمزاوي هذا العمق الإشكالي هو كونه يعيش حالة انقسام داخلي حاد، تتجاذبه قوتان متعارضتان: ذاكرة نضالية مثقلة بقيم الالتزام الجماعي والإيمان بالتغيير، وواقع حاضر يتسم بالفراغ واللاجدوى والانزلاق نحو البحث عن خلاص فردي هش، يتجلى في علاقاته المرتبكة بالحب والجسد والمعنى. ومن ثم، تتشكل داخل النص ثنائية مركزية تحكم دينامية الشخصية، قوامها التوتر بين الشعور بالذنب بوصفه صدى للماضي، والرغبة في التحرر بوصفها محاولة للانفلات من هذا الماضي، وهو توتر لا يُفضي إلى حسم بقدر ما يعمّق حالة التردد والقلق.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم عمر الحمزاوي من خلال ما طرحه فيليب هامون حول مفهوم  " الشخصية الإشكالية"، حيث لا تبنى الشخصية ككيان ثابت ومستقر، بل كفضاء دلالي مفتوح تتصارع داخله القيم والدوافع والتمثلات (Hamon, 1977). فالبطل هنا ليس مجرد حامل للأحداث، بل هو ذاته موضوع السرد ومحوره، تتشظى داخله الأزمنة وتتداخل، ويتحول إلى مرآة تعكس تفكك الهوية الحديثة التي فقدت انسجامها الداخلي. ومن هذا المنظور، لا يعود مسار الشخصية خطيا أو تصاعديا، بل يصبح سلسلة من التراجعات والانكسارات التي تكشف عجز الذات عن تحقيق التوازن بين ماضيها الثوري وحاضرها المنهك.

هكذا تتجاوز شخصية عمر الحمزاوي حدود التمثيل الفردي لتغدو تجسيدًا رمزيًا لجيل كامل وجد نفسه في مواجهة فراغ وجودي عميق، حيث لم تعد الأطر الجماعية قادرة على احتواء تطلعاته، ولم يتمكن، في المقابل، من بناء بديل فردي متماسك. وبذلك، تتحول هذه الشخصية إلى بؤرة دلالية تكشف عن مأزق الإنسان الحديث في السياق العربي، مأزق يتجلى في فقدان المعنى، وتشظي الهوية، واستمرار البحث القلق عن يقين مفقود.

المكان: جدلية الانغلاق والانفتاح بوصفها تمثيلًا لأزمة الذات

لا يشتغل المكان في رواية الشحاذ لدى نجيب محفوظ بوصفه مجرد إطار جغرافي محايد تدور فيه الأحداث، بل يتحول إلى بنية دلالية عميقة تعكس توتر الذات وتشظيها، حيث يتأسس الفضاء الروائي على ثنائية حادة بين الانغلاق والانفتاح، بين الداخل الضيق والخارج المترامي. فالمكان المغلق، المتمثل في الغرفة أو الشقة، لا يقدَّم كمأوى أو فضاء للألفة، بل كحيز خانق تتكثف فيه مشاعر القلق والاختناق، ويغدو امتدادا مباشرا لحالة الانحباس النفسي التي يعيشها عمر الحمزاوي، إذ تتحول الجدران إلى حدود رمزية تعكس عجز الذات عن الانفلات من أزمتها. في المقابل، يبدو الفضاء المفتوح كالشارع أو الفضاء الخارجي حاملًا لإيحاءات التحرر والانعتاق، غير أن هذا الانفتاح يظل نسبيا ومؤقتًا، إذ لا يفضي إلى خلاص حقيقي، بل يظل حركة دائرية داخل أفق القلق ذاته، وكأن الذات، حتى وهي تغادر المكان المغلق، تظل سجينة توترها الداخلي.

ومن هذا المنظور، يتجاوز المكان وظيفته التقليدية ليصبح مرآة نفسية تعكس دينامية الانقسام الداخلي، وهو ما ينسجم مع التصور الذي بلوره غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان، حيث يؤكد أن الفضاء في الأدب ليس معطى خارجيًا، بل "امتداد للخيال والذاكرة والقلق" (Bachelard, 1957). وبهذا المعنى، فإن توزيع الأمكنة في الرواية لا يخضع لمنطق واقعي صرف، بل لمنطق نفسي ورمزي، يجعل من الانتقال بين الداخل والخارج ترجمة سردية لحركة الذات بين الانكماش والرغبة في الانفلات. غير أن هذه الحركة لا تبلغ أبدا نقطة توازن، بل تكشف عن مأزق أعمق يتمثل في استحالة التوفيق بين الحاجة إلى الانغلاق بوصفه حماية، والرغبة في الانفتاح بوصفه تحررا.

هكذا يغدو المكان في النص المحفوظي عنصرًا فاعلا في إنتاج الدلالة، لا خلفية صامتة للأحداث، إذ يسهم في تعرية البنية الوجودية المضطربة للشخصية، ويكشف أن أزمة عمر الحمزاوي ليست فقط أزمة فكر أو موقف، بل أزمة وجود تتجسد حتى في علاقته بالفضاء الذي يسكنه، حيث يتحول العالم الخارجي والداخلي معا إلى فضاء واحد تتردد فيه أصداء القلق نفسه.

الزمن: بنية متكسرة وإعادة تشكيل الوعي السردي:

لا يتحدد الزمن في هذا المقطع من الشحاذ لدى نجيب محفوظ وفق منطق خطي تقليدي يقوم على تعاقب الأحداث وتسلسلها، بل يتخذ شكلا مركبًا ومتشظيًا يجعل منه بنية دلالية كاشفة عن اضطراب الوعي ذاته. فالسرد هنا لا ينمو عبر تدرج زمني منتظم، وإنما يتأسس على تقنيات التقطيع والاسترجاع والاستباق، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، ويتقاطع الزمن النفسي مع الزمن التاريخي، في بنية تعكس اهتزاز الإحساس بالاستمرارية. وهذا ما ينسجم مع التصور الذي بلوره جيرار جينيت حين أكد أن الزمن السردي لم يعد مجرد إطار تنظيمي للأحداث، بل أصبح عنصرًا بنيويًا يعاد تشكيله وفق منطق الوعي الداخلي للشخصية (Genette, 1972).

إن هذا التشظي الزمني يكشف عن انهيار التجربة الزمنية بوصفها مسارًا متصلًا، إذ تتحول حياة عمر الحمزاوي إلى سلسلة من اللحظات المنفصلة التي لا يجمعها رابط سببي واضح، بل يوحدها شعور عميق بالقلق واللايقين. فالماضي لا يعود بوصفه ذكرى مستقرة، بل كعبء ضاغط يتسلل عبر الاسترجاع، والحاضر لا يُعاش بوصفه لحظة مكتملة، بل كحالة عابرة مشوبة بالتوتر، أما المستقبل فيظل معلقًا في أفق احتمالي غامض. ومن هنا، يغدو الزمن انعكاسا مباشرا لحالة التمزق الداخلي، حيث تتشظى الذات كما يتشظى إدراكها للزمن.

ويمكن داخل هذا البناء تمييز مستويين زمنيين متداخلين: أولهما زمن تاريخي يحيل إلى سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية وما رافقه من تحولات سياسية واجتماعية كبرى، وهو زمن يُلقي بظلاله على الشخصيات ويؤطر أزماتها؛ وثانيهما زمن نفسي ذاتي، يتشكل من تدفقات الوعي وتقلباته، ويعكس اضطراب الشخصية وتذبذبها بين ماضيها الثوري وحاضرها المأزوم. غير أن هذين المستويين لا يوجدان بشكل منفصل، بل يتداخلان ليشكلا شبكة زمنية معقدة تجعل من الزمن ذاته أداة لإنتاج المعنى، لا مجرد خلفية للأحداث.

هكذا يتحول الزمن في النص من عنصر محايد إلى فاعل دلالي يكشف عن طبيعة الأزمة الوجودية التي يعيشها البطل، حيث لا يعود السرد وسيلة لتمثيل الواقع، بل يصبح فضاءً لإعادة تشكيل التجربة الإنسانية في بعدها الأكثر هشاشة وتوترًا، بما يؤكد أن تفكك الزمن هو في جوهره تعبير عن تفكك الوعي نفسه.

الشخصية بوصفها علامة سيميولوجية وشبكة دلالية للصراع القيمي:

لا يمكن مقاربة الشخصيات في رواية الشحاذ لدى نجيب محفوظ بوصفها مجرد كائنات نفسية أو أفرادًا يحاكون الواقع، بل ينبغي النظر إليها ضمن أفق سيميولوجي يجعل منها علامات دلالية تتحرك داخل شبكة من العلاقات النصية المتشابكة. فالشخصية، وفق التصور الذي بلوره فيليب هامون، ليست معطى جاهزًا أو هوية ثابتة، بل بناء نصي يتحدد من خلال موقعه داخل البنية السردية وعلاقته بباقي العناصر، وهو ما يجعلها حاملة لدلالات تتجاوز بعدها الفردي لتغدو تمثيلًا لصراعات فكرية واجتماعية أعمق (Hamon, 1977).

انطلاقًا من هذا المنظور، تتوزع شخصيات الرواية وفق نظام رمزي دقيق يكشف عن توتر القيم داخل المجتمع العربي في لحظة تاريخية حرجة. فشخصية عمر الحمزاوي لا تُقرأ فقط كبطل مأزوم، بل كعلامة على انهيار المشروع الثوري وتفكك الإيمان بالتحولات الجماعية، حيث يتحول من مناضل يحمل أفقًا تغييريًا إلى ذات مترددة غارقة في الشك والبحث الفردي العقيم. وفي مقابل هذا الانهيار، تبرز شخصية عثمان خليل بوصفها تجسيدًا للضمير الثوري الصلب، إذ تمثل استمرارية الإيمان بالمبادئ رغم القمع والسجن، وكأنها تُعيد إلى النص إمكانية المعنى الذي فقده البطل، دون أن تنجح في إنقاذه فعليًا. أما مصطفى المنياوي، فيتخذ بعدًا رمزيًا مغايرًا، حيث يعكس انحراف الوعي الثقافي نحو السطحية والانتهازية، ويتحول إلى صورة للثقافة حين تفقد رسالتها التنويرية وتستسلم لمنطق الاستهلاك والتفاهة.

وفي خضم هذا التوتر، تحضر بثينة بوصفها علامة مضادة، تمثل أفقًا جماليًا وإنسانيًا جديدًا، حيث تلتقي فيها قيم العلم والفن، لتجسد إمكانية ولادة وعي بديل يتجاوز انكسارات الجيل السابق. وبهذا التوزيع، لا تعود الشخصيات عناصر متجاورة داخل السرد، بل تتحول إلى شبكة رمزية متكاملة، تتقاطع فيها الدلالات لتشكّل خريطة للصراع القيمي داخل المجتمع، حيث يتواجه الماضي الثوري مع الحاضر المنهك، والالتزام مع الانتهازية، واليأس مع إمكان الأمل.

هكذا ينجح محفوظ في تحويل الشخصية من مجرد أداة حكائية إلى جهاز دلالي معقد، يجعل من الرواية فضاءً لتجسيد الأفكار في هيئة بشرية، ويمنح النص عمقًا سيميولوجيًا يكشف أن الصراع الحقيقي لا يجري فقط بين الشخصيات، بل داخل البنية القيمية التي تمثلها.

الأبعاد الاجتماعية والسياسية والفكرية: من تفكك البنية إلى أزمة المعنى:

لا يقف نص الشحاذ عند حدود تصوير أزمة فردية معزولة، بل ينفتح على أفق أوسع يكشف من خلاله عن اختلال عميق في البنية الاجتماعية والسياسية والفكرية، بحيث تغدو أزمة الذات امتدادًا مباشرًا لأزمة المجتمع في كليته. فمن الناحية الاجتماعية، يبرز النص ملامح تفكك الروابط الأسرية وتآكل قيم الانتماء، حيث يعيش عمر الحمزاوي حالة اغتراب داخل فضائه العائلي ذاته، فلا تعود الأسرة إطارًا للحماية والتواصل، بل تتحول إلى فضاء صامت تتآكل فيه العلاقات لصالح شعور دائم بالانفصال الداخلي. ومن ثم، فإن العزلة التي يعيشها البطل ليست اختيارًا فرديًا خالصًا، بل نتيجة بنية اجتماعية فقدت قدرتها على الاحتواء.

ويتعمق هذا الاختلال من خلال تمثيل وضعية المرأة، التي تظهر في النص بين قطبين متناقضين: التشييء والاستغلال من جهة، وإمكانية الخلاص الجمالي والإنساني من جهة أخرى. فالمرأة لا تُقدَّم ككائن مستقل، بل كعلامة على خلل أعمق في بنية المجتمع، حيث تُختزل أحيانًا في وظيفة جسدية أو اجتماعية، في حين تبرز في لحظات أخرى—كما في شخصية بثينة—بوصفها أفقًا لإعادة التوازن. وبهذا المعنى، لا يشتغل محفوظ على نقد مباشر، بل يبني نسقًا رمزيًا يجعل من وضع المرأة مرآة لاختلال القيم في المجتمع ككل.

غير أن هذا البعد الاجتماعي لا ينفصل عن سياقه السياسي، إذ يحمل النص في عمقه آثار خيبة المشروع الأيديولوجي الذي ارتبط بأحلام التغيير الثوري، خاصة في سياق التحولات الاشتراكية وما رافقها من توترات. فشخصية عمر الحمزاوي، التي كانت في الماضي جزءًا من هذا الحلم، تجد نفسها وقد انفصلت عنه، في تجسيد واضح لانهيار الوعود الكبرى وتحولها إلى مجرد ذكرى مثقلة بالخيبة. كما تحضر في خلفية النص إشارات إلى القمع السياسي والاعتقال والخوف من السلطة، وهو ما يعكس مناخًا عامًا مشحونًا بالتوتر بين الفرد والدولة، غير أن السياسة هنا لا تُطرح كموضوع مباشر، بل كقوة خفية تعيد تشكيل الوعي الفردي وتؤثر في علاقته بذاته وبالعالم.

ومن داخل هذا التشابك الاجتماعي والسياسي، ينبثق البعد الفكري والديني بوصفه المركز الحقيقي للأزمة، حيث يتحول السؤال عن الله والمعنى والسعادة إلى جوهر القلق الوجودي الذي يعيشه البطل. فهذه الأسئلة لا تُطرح بوصفها تأملات نظرية، بل كحاجة داخلية ملحّة ناتجة عن انهيار اليقين، بحيث يغدو غياب المرجع الروحي سببًا مباشرًا في تفكك الذات. ومن هنا، يتحول البحث عن “النشوة” إلى محاولة تعويضية عن فقدان المعنى الكلي للحياة، في دلالة على عجز البدائل الحسية عن ملء الفراغ الوجودي. وبذلك، لا يقدم النص الدين كخطاب وعظي، بل كإشكالية عميقة ترتبط بأزمة الإنسان الحديث في علاقته باليقين.

ويتجلى هذا الاضطراب على المستوى السردي من خلال ما أشار إليه تزفيتان تودوروف حول “تعدد الأصوات”، حيث لا يخضع النص لصوت واحد مهيمن، بل ينفتح على تعددية خطابية تتجسد في الحوار الداخلي والخارجي (Todorov, 1969). غير أن هذا التعدد لا يؤدي إلى إثراء المعنى بقدر ما يكشف عن تفككه، إذ يصبح الحوار ذاته عاجزًا عن إنتاج يقين نهائي، ويتحول إلى فضاء يعكس ارتباك الفكر وتشتت الرؤية. فاللغة هنا لا تؤسس التواصل، بل تكشف عن حدوده، مما يعمّق الإحساس باللااستقرار المعرفي والوجودي.

وفي المحصلة، يتجاوز النص هذه المستويات جميعها ليؤسس لبعد وجودي عميق، حيث لا تعود القضايا الاجتماعية أو السياسية هي المركز، بل يصبح السؤال عن المعنى ذاته هو المحور الأساس. وهذا التحول يعكس انتقال محفوظ من الواقعي إلى الوجودي، حيث لم يعد الإنسان يبحث فقط عن تغيير واقعه الخارجي، بل عن تبرير وجوده الداخلي في عالم فقد انسجامه. ومن ثم، تتقاطع الرواية مع فلسفات القلق الوجودي التي ترى في الإنسان كائنًا في حالة بحث دائم، غير قادر على بلوغ يقين نهائي، وهو ما يجعل من الشحاذ نصًا لا يقدّم أجوبة، بل يفتح أفقًا من الأسئلة التي تعكس عمق الأزمة الإنسانية في العصر الحديث.

على سبيل الختام: نحو فهم أزمة الإنسان في "الشحاذ" وآفاق القراءة النقدية:

يُفضي هذا التحليل إلى أن رواية الشحاذ لـنجيب محفوظ لا تُقرأ بوصفها نصًا حكائيًا يعيد تمثيل الواقع، بل باعتبارها مشروعًا فكريًا وجماليًا يعيد مساءلة الإنسان في لحظة تاريخية مأزومة، حيث تتقاطع التحولات الاجتماعية والسياسية مع الانكسارات النفسية والفكرية. فالأزمة التي يجسدها عمر الحمزاوي لا تنحصر في حدود تجربته الفردية، بل تمتد لتغدو تعبيرًا عن تحوّل حضاري أوسع، يتجلى في انهيار اليقينيات الكبرى التي كانت تؤطر وعي الإنسان، وصعود قلق وجودي يجعل من البحث عن المعنى مهمة مفتوحة بلا أفق حاسم. ومن ثم، ينجح محفوظ في نقل الرواية من مستوى الحكاية إلى مستوى التفكير، حيث تتداخل الأبعاد النفسية والسياسية والاجتماعية والدينية في نسيج واحد، يجعل النص فضاءً ديناميًا لإنتاج الأسئلة أكثر من كونه حقلًا لتقديم الأجوبة.

وقد أفضت الدراسة إلى جملة من النتائج الأساسية، لعل أبرزها أن الشحاذ تمثل لحظة انتقال نوعي في المشروع السردي المحفوظي، حيث يتحول الاهتمام من تصوير البنية الاجتماعية إلى تفكيك البنية الداخلية للذات، ومن رصد الصراع الطبقي إلى مساءلة المعنى الوجودي للحياة. كما بيّنت أن عناصر السرد—من شخصية وزمن ومكان—لا تؤدي وظائف وصفية محايدة، بل تتحول إلى بنى دلالية منتجة للمعنى، تعكس في تفاعلها حالة التشظي التي تطبع التجربة الإنسانية الحديثة. وأظهرت الدراسة كذلك أن الشخصية المركزية ليست بطلًا تقليديًا، بل “علامة” سيميولوجية تختزل أزمة جيل كامل، وأن تفكك الزمن وتوتر الفضاء السردي ليسا مجرد تقنيات فنية، بل تجليات عميقة لاضطراب الوعي وفقدان الانسجام الداخلي.

وانطلاقًا من هذه النتائج، يمكن اقتراح جملة من التوصيات التي من شأنها تعميق فهم هذا النص وأمثاله داخل الأدب العربي الحديث. أولًا، ضرورة إعادة قراءة أعمال نجيب محفوظ ضمن أفقها الكلي بوصفها مشروعًا سرديًا متكاملًا، بدل مقاربتها بشكل تجزيئي يعزل النصوص عن سياقها التطوري. ثانيًا، توسيع اعتماد المقاربات السيميولوجية والسردية والفلسفية—كما عند جيرار جينيت وغاستون باشلار وتزفيتان تودوروف—لما تتيحه من أدوات قادرة على تفكيك البنى العميقة للنصوص الروائية. ثالثًا، تشجيع الدراسات المقارنة التي تربط بين الأدب العربي والتحولات الفكرية العالمية، بما يسمح بفهم أعمق لتموقع الرواية العربية داخل السياق الإنساني العام.

وبهذا المعنى، تظل الشحاذ نصًا مفتوحًا على تأويلات متعددة، لا يقدّم خلاصات نهائية بقدر ما يؤسس لأسئلة كبرى حول الإنسان والمعنى والوجود، وهو ما يمنحها قيمتها بوصفها نصًا تأسيسيًا في مسار الانتقال من الواقعية الاجتماعية إلى أفق رمزي-وجودي أكثر تعقيدًا وعمقًا في الرواية العربية الحديثة.

بقلم د. منير محقق: كاتب وناقظ وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقظ وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

............

لائحة المراجع والمصادر:

نجيب محفوظ. (1965). الشحاذ. القاهرة: دار الشروق.

بحراوي، حسن. (1990). بنية الشكل الروائي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

مرتاض، عبد الملك. (1998). في نظرية الرواية. الكويت: عالم المعرفة.

فضل، صلاح. (1998). نظرية البنائية في النقد الأدبي. القاهرة: دار الشروق.

يقطين، سعيد. (1997). تحليل الخطاب الروائي. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

Genette, G. (1972). Figures III: Discours du récit. Paris: Seuil.

Bachelard, G. (1957). La poétique de l’espace. Paris: PUF.

Hamon, P. (1977). “Pour un statut sémiologique du personnage”. Poétique, n° 29.

Todorov, T. (1969). Grammaire du Décaméron. The Hague: Mouton.

تفكيكُ البنية الدراماتورجيّة في مونودراما "رئيسة التحرير" للدكتور عزيز جبر الساعدي

يبلغُ النصُّ المونودراميُّ نضجَهُ الأجناسيَّ حين يتحوّلُ من حكايةٍ فرديّةٍ إلى حقلِ توتّرٍ أنطولوجيٍّ يتقاطعُ فيه الصوتُ بالصمت، والجسدُ بالفراغ. في مونودراما "رئيسةُ التحرير"، قَدَّم الدكتور المثمر وجوداً أنيقاً عزيز جبر الساعدي نصاً يُراوغُ التصنيفَ الجاهز؛ فهو "مونودراما شعريّة بصوتين". يُشكِّلُ هذا التوصيفُ مفارقةً بنيويّة - أي تناقضاً داخلياً يُنتجُه التركيبُ العضويُّ للنصّ - تستدعي التأمّل. تتأسسُ المونودراما كلاسيكياً على خطابِ ذاتٍ واحدةٍ منفردة، غير أنّ الساعدي يشقُّ هذه الذاتَ شقاً مسرحياً واعياً عبر صوتين رئيسين: الصوتُ الأوّلُ هو الممثّلُ الذي يحتلُّ الخشبةَ ويتناوبُ أداؤه بين قناعَيْن (هي / هو)، والصوتُ الثاني هو الراوي المتسلّلُ من خلف الكواليس بوصفه ضميراً ميتامسرحياً - أي وعياً داخلَ العرضِ يكشفُ للمتفرّجِ الطبيعةَ اللعبيّةَ للمسرحِ - يُعلِّقُ على الحدثِ من مسافةٍ جماليّةٍ محسوبة.

تأسّست بنيةُ الشخصيّة المزدوجةِ هنا على ما يمكن تسميتُه "انشطارَ الأنا الدراميّة"، أي انقسامَ الذاتِ الواحدةِ إلى قوّتين متصارعتين داخلَ جسدٍ واحدٍ على الخشبة. يغدو الممثّلُ فضاءً جسدياً تتصارعُ داخلَهُ سلطتان: سلطةُ الكتابةِ المتمثّلةُ في "هو" (الكاتبُ المتمسّكُ بحريةِ الكلمة)، وسلطةُ المؤسّسةِ المتمثّلةُ في "هي" (رئيسةُ التحريرِ التي تختصرُ العالمَ في أوامر). يجري التحوُّلُ الجسديُّ بين القناعين عبر تبدُّلٍ في الإيقاعِ الصوتيِّ والنبرةِ والإيماءة، مبتعداً عن الاستعانةِ بالإكسسواراتِ الخارجيّة. يُحيلُ هذا الأداءُ مباشرةً إلى تقنية "الجسد بوصفه نصاً" - أي تحوّلَ جسدِ الممثّلِ نفسِهِ إلى حاملٍ للدلالةِ ومُنتجٍ لها - وهي التقنيةُ التي كرّسها غروتوفسكي في مسرحِه الفقير. تقفُ الخشبةُ عاريةً مكتفيةً بطاولةٍ وكرسيٍّ وكومةِ أوراقٍ وقلم؛ أدواتٌ تتحوّلُ من وجودٍ مادّيٍّ صِرفٍ إلى حواملَ لاستعاراتٍ وجوديّةٍ عميقة.

وظَّفَ الساعدي السينوغرافيا الضوئيّة - أي هندسةَ الفضاءِ البصريِّ على الخشبةِ عبر الإضاءةِ وحدَها كبديلٍ عن العمارةِ والديكور - لبناءِ العرض. فالإضاءةُ هي التي "تصنعُ الأمكنة… والذاكرة" وفقاً للإرشادِ المسرحيِّ - تلك التعليماتُ التي يُدوِّنُها المؤلّفُ بين قوسين لتوجيهِ المخرجِ والممثّلِ - في الاستهلال. يُمثّلُ هذا التصريحُ بياناً جمالياً يكشفُ ذهنيّةَ فضاءِ العرض؛ فخيطُ الضوءِ في المشهدِ الأوّلِ يُنجبُ الشخصيّة، والإضاءةُ الحادّةُ في المشهدِ الثالثِ تُعلنُ ولادةَ السلطة، بينما يختزلُ الضوءُ الضيّقُ في المشهدِ الأخيرِ العالمَ في بؤرةِ وداعٍ بين كاتبٍ وقلمِه. تتوازى هذه الدلالةُ البصريّةُ مع مفهومِ "العلامة المسرحيّة المركّبة" عند بافيس - أي المعنى الناتجِ عن تشابُكِ الضوءِ والصمتِ والحركةِ والصوتِ معاً في لحظةٍ أدائيّةٍ واحدة.

احتلَّ الراوي موقعاً إشكالياً في البنية؛ فقد كان أقرب إلى "ضميرِ النصّ" المتكلّمِ من منطقةِ ما-بعد-الحدث، متجاوزاً وظيفةَ الكورسِ الإغريقيِّ أو الساردِ التقليديّ البريختي. حين يقولُ الراوي: "كانت تخجلُ من الضوء…"، فإنّه يُمارسُ "الاستباقَ التأويليّ" - أي تلميحَ السردِ إلى مآلِ الشخصيّةِ استباقياً، مانحاً المتلقّي بوصلةَ قراءةٍ مبكّرة. يُحدثُ هذا الفعلُ شرخاً في التوقّع الدراميّ، كابحاً الاندماجَ العاطفيَّ الكامل، ومُبقياً المتفرّجَ في حالةِ يقظةٍ تأويليّةٍ دائمة. تُقاربُ هذه الآليّةُ التغريبَ البريختيَّ - أي جعلَ المألوفِ غريباً لاستفزازِ العقلِ - معتمدةً على أدواتٍ شعريّةٍ خالصة.

على المستوى الثيماتيّ، شيَّد النصُّ جدليّةً ثلاثيّة: الكلمةُ في مواجهةِ السلطة، والذاتُ في مواجهةِ الدور، والصمتُ في مواجهةِ الكلام. يُمثّلُ "هو" الكتابةَ بوصفها فعلَ حرّيةٍ وجوديّة، فيما تُمثّلُ "هي" المؤسّسةَ الساعيةَ لتحويلِ الإبداعِ إلى وظيفة. تكمنُ المفارقةُ العميقةُ في سكنى كليهما داخلَ الجسدِ ذاتِه، جاعلاً الصراعَ صراعاً باطنياً للذاتِ مع أقنعتِها؛ وهو جوهرُ المونودراما في أرقى تجلّياتها. عبارةُ "كنتُ أنا الإيقاع" تُعلنُ انهيارَ العقدِ الرمزيِّ بين المبدعِ والمؤسّسة؛ مؤكّدةً أسبقيّةَ النبضِ الإبداعيِّ على القوالبِ الجاهزة.

بلغَ المشهدُ الأخير - "موتُ الحبر" - ذروةً مضادّة - أي لحظةَ الانفراجِ الهادئةِ المعاكسةِ للانفجارِ الدراميِّ المتوقّعِ - حاملةً ثقلاً استثنائياً. ينتهي الحوارُ الحميمُ بين الكاتبِ وقلمِه بدفعِ القلمِ بعيداً ببطء. يحملُ هذا الفعلُ الجسديُّ البسيطُ ثقلاً سيميائياً - أي دلالياً يتجاوزُ ظاهرَ الحركةِ إلى شبكةِ المعاني الرمزيّة - هائلاً. تُجسّدُ هذه اللحظةُ "الموتَ المسرحيَّ"؛ موتَ الوظيفةِ الرمزيّةِ للكتابةِ والفعلِ المانحِ للشخصيّةِ مبرّرَ وجودِها على الخشبة. تُنجزُ العبارةُ الختاميّةُ مفارقةً وجوديّة - تناقضاً ظاهرياً مُبطّناً بحقيقةٍ أعمق - مُعيدةً تعريفَ الصمتِ بوصفه أعلى أشكالِ البلاغة. يُعلنُ الكاتبُ نهايتَه صوناً لخلودِه، متوقّفاً إدراكاً منه لانعدامِ جدوى المحاولةِ في عالمٍ مستهلك، ومستدعياً موقفاً عبثياً يؤكّدُ أزمةَ التعبيرِ بصمتٍ بليغ.

تشتغلُ لغةُ الساعدي في هذا النصِّ بمنطقِ الشعرِ مبتعدةً عن الحوارِ الدراميِّ التقليديّ؛ الجملُ قصيرةٌ مبتورة، وما بعدها من مسافات تتكاثرُ كعلاماتِ تنفُّسٍ مسرحيٍّ - فراغاتٌ زمنيّةٌ مقصودةٌ تمنحُ الممثّلَ مساحةً لملءِ الصمتِ بالجسدِ والنظرةِ عوضاً عن الكلام. تمظهرت هذه الصياغةُ البليغة في كتابةً واعيةً بالركح - أي بفضاءِ الأداءِ الحيِّ وشروطِه وإيقاعاته - مُميّزةً الدراماتورجيَّ - المُفكِّرَ بالنصِّ والعرضِ معاً - عن الأديبِ المكتفي بجماليّاتِ الورقة. يُعيدُ هذا النصُّ التفاوضَ مع حدودِ الجنسِ المسرحيِّ متسلّحاً بالشعريّةِ وقابليّةِ التجسيدِ الركحيّ، شاطراً الممثّلَ الواحدَ إلى ذواتٍ متصارعةٍ ضمن وحدةِ الرؤية، ومُحوّلاً الخشبةَ العاريةَ إلى فضاءٍ مُشبعٍ بالدلالاتِ عبر اقتصادٍ صارمٍ في العلاماتِ المسرحيّة. تغدو المونودراما هنا، بفضلِ الوعيِ التأليفيِّ المزدوجِ، شكلاً مسرحياً شديدَ الفاعليّةِ في تعريةِ الإنسانِ أمامَ ذاتِه، تحديداً في تلك اللحظةِ الفاصلةِ بين فعلِ الكتابةِ وفعلِ الصمت.

جمالياً، وظّف النص السينوغرافيا الضوئيّة - أي هندسةَ الفضاءِ البصريّ بالضوءِ وحدَهُ - كأداةِ كشفٍ داخليّ، مانحةً العلامةَ الواحدةَ كثافةً دلاليّةً عالية. يُعيدُ نص "رئيسة التحرير" تفكيكَ علاقةِ الإنسانِ بالسلطةِ واللغةِ عبرَ تحوّلاتٍ صوتيّةٍ وجسديّةٍ دقيقة، مُبقياً بابَ التأويلِ مُشرَعاً على أسئلةٍ أخلاقيّةٍ تخصُّ ثمنَ الصعودِ ومصيرَ صانعيه.

***

بقلم: كاظم أبو جويدة

جدلُ الإشارة والعَلَم في تراث النحو العربي

ليست “المعرفة” في الدرس النحوي مجرد تصنيفٍ شكليّ للأسماء، بل هي بناءٌ دلاليّ يكشف عن صلة اللفظ بالعالم، وعن كيفية حضور الشيء في الوعي: أهو حاضرٌ بالعين، أم مُستدعى بالقلب، أم مُشارٌ إليه بوساطةٍ تجمع الحسّ والتجريد؟ ومن هنا، نشأ الخلاف العميق بين المدرستين البصرية والكوفيّة في مراتب المعارف، لا بوصفه تبايناً في التقعيد فحسب، بل باعتباره اختلافاً في فلسفة الإدراك اللغوي.

أولاً: مفهوم “المعرفة” وحدودها

عرّف النحاة “المعرفة” بأنها ما دلّ على معيَّنٍ معروفٍ في الذهن أو الخارج، مقابل النكرة التي تدل على الشيوع والإبهام. غير أنّ هذا “التعيين” ليس درجةً واحدة؛ فالمعرفة تتفاوت بحسب قوّة الدلالة على المعيَّن، وبحسب وسيط الإدراك: أهو حسّيّ مباشر، أم ذهنيّ مستحضر، أم سياقيّ مُنشأ؟

ثانياً: مذهب البصريين – العَلَم ذروةُ التعيين

يرى البصريون، وفي طليعتهم سيبويه، أنّ أعرف المعارف هو اسم العَلَم؛ لأنّه يدلّ على فردٍ بعينه بلا واسطةٍ إضافية ولا قرينةٍ مُلحِقة. فقولنا: الخليل يُحيل مباشرةً إلى شخصية محدّدة لا يشاركها غيرها في هذا اللفظ.

ويؤكّد هذا الاتجاه المبرّد، إذ يجعل العَلَم في قمة الهرم المعرفي، لأنّ دلالته مُعيِّنة بذاتها، لا تحتاج إلى سياقٍ يُتمّها. فالعَلَم – في نظرهم – هو الاسم الذي استقلّ بالتعيين، واكتفى بذاته عن كلّ مُكمِّل.

ثالثاً: مذهب الكوفيين – الإشارة أبلغُ حضوراً

أمّا الكوفيون، وعلى رأسهم الكسائي والفراء، فيذهبون إلى أنّ أعرف المعارف هو اسم الإشارة: هذا، هذه، هذان…، لأنّه يدلّ على المعيَّن دلالةً حسّيّةً مباشرة، مقرونةً بالإشارة العيانية.

فالقول: هذا الرجل لا يكتفي بالتسمية، بل يُحيل إلى حاضرٍ مُشارٍ إليه، تُدركه العين ويثبّته السياق. ومن ثمّ، فاسم الإشارة عندهم يجمع بين:

التعيين الذهني

والتعيين الحسّي

وهنا ينبثق احتجاجهم الشهير:

المعروف بطريقتين (العين والقلب) أعرفُ ممّا يُعرف بطريقةٍ واحدة (القلب وحده).

رابعاً: بين ثعلب والمبرّد – تقاطعُ الرأيين

يمثّل ثعلب (أبو العباس) صوتاً كوفيّاً يميل إلى تقديم اسم الإشارة، تأسيسًا على قوّة حضوره الحسّي، غير أنّه – كغيره من أئمة العربية – لم يُنكر مكانة العَلَم، بل رأى أنّ التفاوت بينهما تفاوتُ درجاتٍ لا تضادّ.

أمّا المبرّد، فظلّ وفيّاً للمنظور البصري، معتبراً أنّ العَلَم أبلغُ في التعيين لأنه لا يفتقر إلى قرينةٍ خارجة، في حين أنّ اسم الإشارة قد يحتاج إلى سياقٍ يُحدِّد المشار إليه إن التبس المقام.

خامساً: المعرفة بين العين والقلب – تأويلٌ فلسفي

يمكن قراءة هذا الخلاف في ضوء ثنائيةٍ أعمق: العين والقلب.

حين نقول: نعرف الخليل بن أحمد الفراهيدي، فإنّ معرفتنا به قلبية/ذهنية؛ إذ نستحضره عبر الذاكرة والتاريخ، لا عبر الحضور الحسيّ.

أمّا حين نقول: هذا الرجل، فنحن نعرفه بالعين والقلب معاً؛ نراه ونُعيّنه في اللحظة ذاتها.

وعلى هذا الأساس، بنى الكوفيون تفضيلهم:

المعرفة المركّبة (حسّ زائد ذهن) أبلغُ من المعرفة الذهنية الصِّرفة.

لكنّ البصريين يردّون بأنّ ثبات التعيين واستقلاله أولى من قوّة الحضور العارض؛ فالعَلَم يبقى مُحدِّداً وإن غاب صاحبه، بينما اسم الإشارة يزول تعيينه بزوال المقام.

سادساً: أثرُ الخلاف في بناء الدرس اللغوي

ليس مصادفةً أن تبدأ كتب النحو بباب أسماء الإشارة؛ ففي ذلك إيماءٌ إلى أنّ اللغة تنطلق من الإشارة إلى العالم قبل تسميته، ومن الحضور قبل التجريد. غير أنّ استقرار الدلالة لا يتمّ إلا بالعَلَم، حيث تنتقل اللغة من “هذا” إلى “من هو هذا”.

وقد أشار ابن جني إلى أنّ اللغة نظامٌ متحرّك، تتفاعل فيه الوسائط الدلالية، فلا يُحسم التفاضل فيها إلا بالنظر إلى السياق والاستعمال، لا إلى التقعيد المجرد.

خاتمة:

إنّ الخلاف بين البصريين والكوفيين في مراتب المعارف ليس خلافاً في ترتيبٍ مدرسيّ، بل هو جدلٌ في طبيعة المعرفة ذاتها:

أهي حضورٌ حسّيّ مباشر؟

أم تعيينٌ ذهنيّ مستقل؟

وبين “هذا” و“الخليل” يتشكّل وعيُ اللغة بالعالم:

من الإشارة التي تُري، إلى التسمية التي تُثبّت.

وهكذا، تظلّ العربية – في عمقها – ساحةً يلتقي فيها الحسّ بالعقل، والعين بالقلب، في محاولةٍ دائمةٍ لإحكام القبض على المعنى.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

خلال فترة ليست بالطويلة أثبتت السيدة الأديبة سعاد الراعي حضورها ووجودها كاتبة في حقل الرواية والقصّة القصيرة، فما تكتبه أجده مميزا من حيث اللغة والأسلوب، والفكر أيضا، فلغتها صافية مرنة، وأسلوبها جيد غير مباشر، والقضايا التي تناقشها في أعمالها تخص مشاكل مهمة يعاني منها المجتمع العراقي والمجتمعات العربية بشكل عام، بتعبير آخر الكاتبة تتطرق في أعمالها الأدبيّة إلى مواضيع حساسة تخص الإنسان المعاصر وتصف أحاسيسه ومواقفه بدقّة متناهية.

والكتاب الذي بين يدي الآن عنوانه "من مذكّرات أستاذة" يتألّف من 133 صفحة كتب مقدمته الدكتور الأديب عادل حنظل، وهي مقدمة رصينة أوفت الكتاب بعض حقّه، ولا عجب في ذلك فالدكتور عادل حنظل يملك بالإضافة إلى كونه قاصا وشاعرا حِسّا نقديا لا يغبط حقّا لأيّ نص أدبيّ.

قصص الكتاب:

القصة الأولى عنوانها "إن شاء الله يا أستاذة" تعالج الكاتبة فيها موضوع التطرف الديني والتعصب الذي نعاني منه الآن وهي -القصة- عن طالب في معهد يرفض حضور محاضرات الأستاذة لأنها غير محجبة، مرونة البطلة الأستاذة وتحجّر الطالب ولعلّه يلين في آخر المطاف. .

القصة الثانية "ذاكرة في ظلال الغياب" تعالج موضوع الاغتراب والغربة والمهجر وهي القصة التي استوقفتني أكثر من مرّة بصفتها تهتمّ بموضوع المهجر والهجرة والاغتراب وهو الموضوع الذي خصّصت له حيزا واسعا من رواياتي وقصصي وأعمالي الشعريّة، فلم يعد المهجر عنوانا ومحطة لشعر الحنين والتغنّي بجمال الوطن بل هو الآن تفاعل بين مهاجر ومجتمع جديد هذا التفاعل امتدّ إلى الأعمال القصصية والروائية فمعظم الروائيين في الخارج لجأووا إلى ذاكرتهم ليستقوا منها روايات قد تكون جميلة جدا وغفلوا عن تفاعل وانفعال المهاجر الحالي واندماجه بالمجتمع الجديد. إنّ قصة "ذاكرة في ظلال الغياب" تتحدث عن أستاذة جامعية في قسم الاقتصاد وتلميذتها من العراق كلتاهما تعيشان في بلد ليس بلدهما والقصة على وفق هذا المدلول تجعل من المكان هو البطل الحقيقي، الأستاذة الجامعية تغادر بلدها الأصلي، والطالبة تترك بلدها، فتلتقيان في بلد ثالث يمكن أن نطلق عليه بلد الأمان ثمّ يطلع علينا مكان آخر ينبثق من الأمكنة الثلاثة ألا وهو مكان المصحّة الذي يعيش في أذهاننا. الأستاذة تصاب بمرض الزهايمر فينقلها ابنها أو أولادها من بيتها إلى دار العجزة.

المصحة تساوي بلد المنفى.. لقد بأنا بالرحلة إلى المنفى وانتهينا بمنفى صغير. مجتمع لايفهم فيها أي نزيل الآخرين.

يبدو أن المهجر حسب الواقع الذي نعيشه يلاحقنا بصورة أخرى ناعمة فلا نستطيع أن نفلت منها حيث يمحو جميع الأمكنة ويخلق فينا نحن المكان الذي يريده هو والذي نعيه ولا نعيه، وخير دليل على قولنا تصوّر الأستاذة "أنّها وزوجها كانا بالأمس في حفلة بهيجة حضرها البروفيسور كروكوف والرفيق يوري وآخرون" مع أن من ذكرتهم كلهم في عداد الموتى. إنّه المكان الذي تخلقه ذاكرة ممسوحة لا تملك إلا اللغة واللغة في علم النفس والطب هي مهارة مثل مهارة السباحة وسياقة السيارة لايفقدها من يصاب بفقدان الذاكرة بسبب حادث أو من يفقد ذاكرته لكبر السنّ، فالقصة تعزف على ذاكرة المكان أو المكان الأخير ا-المصحّة- الذي اختصر جميع الأمكنة السابقة وامتد بنعومته العنيفة إلى الزمان فروّضه على وفق هواه.

القصة الثالثة عنوانها "عندما يكون الفكر ثالثهم" تحكي عن اعتراض طالب على أستاذته وتبين تعصب التلميذ وسماحة المرأة وهي مثل القصة الأولى تخصّ تحجر فكر الرجال بما يقابله من تسامح وحرية بتعفف من قبل المرأة، هناك في القصة الأولى الطالب يرفض الحضور لكون أستاذته غير محجبة وهنا الطالب يتحدث عن الحلال والحرام وحرية المرأة في العمل .

القصة الرابعة جاءت بعنوان (حلم لم يولد) وهي تعالج موضوعا اجتماعيا يتمثّل بعدة محاور أو موضوعات، المحور الأوّل هو الحب، فتاة تحبّ شخصا مُطلَّقا، والمحور الثالث، الرجل يحبها من دون أن يخبرها أنّه عقيم لا ينجب ميؤوس من حالته، القضية الثالثة المعاناة أو الشعور بالنقص من قبل الرجل والمعاناة التي تحسها الزوجة بسبب رغبتها في الأمومة والإنجاب.

القصة الرابعة (في حضرة الأستاذة) تتحدّث عن طالب يعجب أو يحبّ أستاذته فيأتي مبكرا كلّ صباح ليضع لها على الطاولة وردة حمراء، والمدهش في هذه القصة هو شخصية المرأة فقد عرفنا من خلال روايات الكاتبة وقصصها أنّ شخصية المرأة تكون قوية حين تحاور وتساجل ذوي النزعات الدينية الذين ابتلينا بهم، أما هذه القصة فتعالج موضوع الحب من طرف واحد، اختارت الوردة الحمراء لأنها رمز عالميّ للحبّ بين حبيب وحبيبته، لكن قوة المدرّسة تظهر حين تعتزّ بمركزها التدريسي فتحذر الطلبة والطالبات من أنْ ليس هناك عواطف في مجال العلم، وإنّها لن تقبل بأيّ وضع سوى السلوك الواقعي.

أمّا هشام فيبدو في قصة (عقدة كاتب) متعجرفا على الرغم من كونه زوجا لأستاذة جامعية في علم الاجتماع ولا يقف بوجه عجرفته وغروره إلا امرأة كاتبة تكتب القصص فحاول أن يجرح مشاعرها خلال توقيعها لآخر كتاب طبعته لكنها تعرف كيف تعامله باحتقار . القصة تشير إلى زيف الكتّاب وقوة المرأة ووثوقها من نفسها.

وفي قصة (الماضي يطرق بابنا) نطالع موضوعا يخص الصدق في العلاقة الزوجيّة.

فكرة القصة تتمحور حول حبّ قديم يعيشه الزوج لكنْ لظروف ما ينتهي هذا الحب، وعندما تعود الفتاة بعد سنوات وهي من أقاربه إلى الاتصال به تحدث بينه وبين زوجته انتقالة أشبه ما تكون بفترة نقاهة من مرض قديم اختفى وظهرت آثاره عليه. القصة لا تعني الخيانة لأنّه هو نفسه صارح زوجته بالأمر، لكن المرأة القوية الزوجة المتماسكة لاترغب في أن ترى على زوجها آثار مرض قديم، ولو مجرد آثار، فتكون تلك اللحظات-لحظات المكاشفة- بمثابة تيار جديد يمسح سنين طويلة، تقول في نهاية القصة (وفي تلك الليلة، لم نغلق باب امرأة من الماضي فحسب، بل ثبّتنا حدود الحاضر، وأعدنا تعريف الوفاء لا بوصفه شعوراعابرا، بل اختيارا واعيا، يعاد اتخاذه كلَّ يوم)

أما بطلة قصة (طيف على حدود العالم) فتستعرض محورين، الأول قضية اللجوء وعقباتها وصعوبتها، وقضية اغتصاب اللاجئات وهن في الطريق إلى بلدان الأمان. بطلة القصة تعرضت لاغتصاب بشع. ماتت أمها في الغابة بسبب البرد، ووصلت إلى المانيا مكسورة مهانة تحمل في أحشائها جنينا، فتقابل الكاتبة وترجوها أن تصبح مترجمتها. قد تبدو البطلة مكسورة في المشهد لكنها لاتخضع للهزيمة بل تحاول أن تقاوم الشرور في هذا العالم وتستقل بنفسها. إنها تسعى للتغلّب على هزيمتها وذلك يعني منهى الشجاعة.

القصة الأخيرة (الدرس الأخير) تناقش قضيّة المثلية حسبما . طالبة تحبّ أستاذتها فتحاول الأستاذة أن تستوعب الصدمة، وتفسر الحب باتجاه صحيح غير أن الطالبة تصر على أنه حب من نوع آخر. ربما هي القصة الوحيدة من المجموعة تعالج موضوعا نراه نحن الشرقيين شاذا إذ أن المثلية لا تعد في أوروبا شذوذا ولا عارا أو مرضا. القصة تنتهي نهاية سلبية وهي إن الطالبة في الأخير لم تستطع مقاومة حبها للأستاذة التي تجاهلتها فتترك المدرسة إلى غير رجعة.

هناك من يرى أنّ هذه المواضيع – مواضيع المثلية وما شاكلها- من المحظورات في الدول العربية من قبل المجتمعات والحكومات، لكنني يجب أن أتذكر قول أحد المدرسين الدنماركيين حين قال يجب أن نعمل على أن تكون الأمور واضحة عندنا ظاهرة. عندكم في الشرق كثير من الممنوعات تُعَدُّ من المحرمات لكننا لانمنعها فنعرفها جيدا ولا نخفيها. لا نتستر عليها. .

خلاصة القول إنّي قرأت في هذا الكتاب قصصا جميلة استوعبتْ بدقة وأسلوب رصين مشاكل أبطالها وما يفكرون به ويحلمون .

***

قصي الشيخ عسكر

 

من الشحاذ إلى قشتمر والحرافيش

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى تحليل البنية الفكرية والجمالية في ثلاثية سردية ممتدة داخل مشروع نجيب محفوظ الروائي، تتمثل في روايات "الشحاذ" و"قشتمر" و"الحرافيش"، من خلال مقاربة تُركز على تطور الوعي الإنساني من الفرد المأزوم وجوديًا إلى الجماعة المتماسكة بالذاكرة، وصولًا إلى البنية التاريخية للصراع الاجتماعي. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن محفوظ لا يقدم روايات منفصلة، بل يبني رؤية سردية متكاملة تجعل من الإنسان محورًا لتحولات المكان والزمن والشخصية. وقد تم توظيف مقاربات نظرية مستمدة من باشلار وتودوروف وجينيت وهامون لتفسير هذه التحولات. وتخلص الدراسة إلى أن المشروع المحفوظي يعيد صياغة سؤال الإنسان في علاقته بالمعنى والسلطة والتاريخ، دون تقديم إجابات نهائية، بل عبر فتح النص على احتمالات تأويلية متعددة.

نص الدراسة:

منذ اللحظة التي يتأمل فيها القارئ عالم نجيب محفوظ الروائي، لا يعود بإمكانه أن يتعامل مع نصوصه بوصفها أعمالًا منفصلة، بل بوصفها مشروعًا سرديًا ممتدًا يعيد عبره الكاتب تشكيل سؤال الإنسان في علاقته بالذات والمجتمع والتاريخ. فالرواية عند محفوظ ليست حكاية تُروى، بل بنية فكرية تتراكم عبرها التحولات، بدءًا من القلق الوجودي الفردي في "الشحاذ"، مرورًا بالذاكرة الجماعية والحميمية اليومية في "قشتمر"، وصولًا إلى البنية الأسطورية للصراع الاجتماعي في "الحرافيش". هذا الامتداد يكشف عن منطق داخلي يحكم مشروعه الروائي، يقوم على تحويل الإنسان من ذات متصدعة إلى ذاكرة جماعية، ثم إلى كائن تاريخي محكوم بدورات الصراع.

في "الشحاذ" يتجسد الإنسان في صورة المثقف المأزوم الذي فقد يقيناته القديمة بعد التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، ليجد نفسه في حالة بحث دائم عن معنى للحياة. هذا البحث لا يتعلق بالوجود المادي، بل بالمعنى الوجودي الذي يربط الفرد بذاته وبالعالم. إن عمر الحمزاوي ليس مجرد شخصية روائية، بل هو نموذج للإنسان العربي الحديث في لحظة انكسار القيم الكبرى، حيث تتداخل الأسئلة النفسية مع الدينية والسياسية في بنية واحدة من القلق المستمر.

غير أن هذا القلق لا يبقى محصورًا في الفرد، بل يتسع في "قشتمر" ليأخذ شكل الذاكرة الجماعية. فالمقهى يتحول إلى فضاء رمزي للصداقة والاستمرارية، حيث يصبح اللقاء اليومي فعل مقاومة ضد الزمن. هنا ينتقل محفوظ من تفكيك الذات الفردية إلى بناء جماعة صغيرة تحتمي بالروابط الإنسانية في مواجهة التفكك العام. ومع ذلك، فإن هذا التوازن يظل هشًا، لأن الزمن يواصل عمله في إعادة تشكيل المصائر.

أما في "الحرافيش" فإن البناء السردي يأخذ بعدًا أكثر تركيبًا، حيث تتحول الحارة إلى نموذج كوني للصراع الاجتماعي والتاريخي. لم يعد الإنسان هنا فردًا يبحث عن ذاته أو جماعة تحتمي بذاكرتها، بل أصبح جزءًا من دورة تاريخية تتكرر فيها أنماط السلطة والتمرد. الزمن لم يعد خطيًا بل دائريًا، يعيد إنتاج نفسه في أشكال متجددة من الظلم والعدل، مما يعكس رؤية فلسفية تعتبر التاريخ بنية مفتوحة على التكرار لا على التقدم الخطي.

إن هذا التحول من الفرد إلى الجماعة إلى التاريخ يكشف عن مركزية المكان والزمن والشخصية في المشروع المحفوظي. فالمكان يتحول من فضاء نفسي في "الشحاذ" إلى فضاء حميمي في "قشتمر" ثم إلى فضاء صراعي في "الحرافيش"، بينما يتحول الزمن من قلق داخلي إلى ذاكرة ممتدة ثم إلى دورة تاريخية مغلقة. أما الشخصية فتنتقل من ذات مأزومة إلى رمز جماعي ثم إلى نموذج تاريخي.

نتائج الدراسة:

خلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، أهمها أن نجيب محفوظ لا يكتب روايات مستقلة بل مشروعًا سرديًا متكاملًا يعيد من خلاله صياغة سؤال الإنسان في العصر الحديث. كما تبين أن التحول من "الشحاذ" إلى "قشتمر" إلى "الحرافيش" يعكس تطورًا في بنية الوعي من الفردي إلى الجماعي إلى التاريخي. وأظهرت الدراسة كذلك أن المكان والزمن والشخصية ليست عناصر وصفية في السرد المحفوظي، بل هي بنى دلالية تنتج المعنى وتعيد تشكيله.

كما أكدت النتائج أن القلق الوجودي في "الشحاذ" يتحول إلى ذاكرة مقاومة في "قشتمر" ثم إلى وعي تاريخي مأزوم في "الحرافيش"، مما يجعل المشروع الروائي لمحفوظ مشروعًا في فهم تحولات الإنسان العربي الحديث.

التوصيات:

توصي الدراسة بضرورة إعادة قراءة أعمال نجيب محفوظ في إطارها الكلي وليس بشكل تجزيئي، مع التركيز على البنية الفكرية المشتركة بين رواياته. كما توصي بتوسيع استخدام المقاربات السيميولوجية والفلسفية في تحليل الرواية العربية الحديثة، لما لها من قدرة على كشف البنية العميقة للنصوص. وتدعو أيضًا إلى إدراج أعمال محفوظ ضمن دراسات مقارنة تربط بين الأدب والفكر والتاريخ لفهم أعمق لتحولات الوعي العربي.

***

د. منير محقق

.....................

المراجع:

Bachelard, G. (1957). La poétique de l’espace. F.

Genette, G. (1972). Figures III. Seeuil.

Hamon, P. (1977). Pour un statut sémiologique du personnage. Poétique. Todorov, T. (1969)Grammaire du Décaméron.

وكَشْفُها للمُعَوِّقات والمَخاطر التي هدّدَت وتُهدّدُ تلاحمَ وتطوّرَ مجتمعنا الفلسطيني

"الفراديس الملغومة" رواية الكاتبة نسب أديب حسين الصادرة حديثا عن "دار طباق للنشر والتوزيع" رام الله 2026

الزمن: من 5.3.2017 حتى 7.12.2017

المكان: مدينة القدس العربية ومدن وقرى عربية في الضفة الغربية وداخل حدود 1948.

الفراديس جمع فِرْدَوْس وهي الجنّة (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (المؤمنون 11). وأرض فلسطين هي جنّة الله على الأرض فيها عاش الأنبياء والرّسل، وفي القدس قبر المسيح ومَسْرى الرسول.

لكن الكاتبة لم تجد الرّاحة والأمان في جنّة الله على الأرض وإنما الاضطراب والقلق والصّراع والظلم، وكأنّ ما قُدِّر لسكان هذه البلاد التي عُرِفَت:

 بــــــــ "بلد السّلام" أن لا يعيشوا بهدوء وسلام، وإنّما في خوف وترقّب للأسوأ الآتي.

وببلد الأنبياء وموطن الرسالات السّماوية ومَبْعثها، فكانوا سببَ الخلافات والصّراعات والحروب الدّامية.

وببلاد الخيرات والعسَل والحليب فكانت بلد النّزاعات وسَفك الدّماء.

صحيح يعيشون في فراديس الرّب التي يحسدُنا عليها الآخرون، ولكنّها فَراديس ملغومة قد تنفجر في كل لحظة.

"الفراديس الملغومة" ليست رواية بمفهومها الكلاسيكي، بشخصيّاتها الرئيسية والثانوية، وبقصّتها المركزية ومُلحقاتها من القصص الجانبية، ولا رواية بحلّتها الحديثة المُتغيّرة من كاتب لآخر، ولا بالتّفنّن في سَبْك العبارات واختيار المفردات ورسم المشاهد المتأرجحة ما بين الواقع والخيال والمعقول واللا معقول، وإنّما هي نصّ ما بين النَّفَس الروائي والمَلحمي، يتقاسم الأدوار فيه العديد من الشخصيات، كلّهم أناس عاديّون بتصرّفاتهم وعلاقاتهم وكلامهم ولغتهم ومشاكلهم وحياتهم اليومية.

عدد الشخصيّات الفاعلة إحدى عشرة شخصية في السنة الأخيرة من دراستهم الجامعية، سبع طالبات وأربعة طلاب إضافة إلى كمال طالب جامعة وجورج الدليل السياحي من القدس وعمّار الصحفي من غزة.

توزيع الشخصيات حسب أماكن سكناهم وانتمائهم الديني:

جوليا: من قرية إقرث المُهجّرة، تسكن في قرية الرامة - مسيحية كاثوليكية

 رَنْد: من قرية كفر ياسيف – درزية

عائشة: من مدينة باقة الغربية – مسلمة

ريماس: تسكن في مدينة حيفا – مسلمة

محمد: يسكن في قرية بدوية غير معترف بها – مسلم

ريم: لاجئة تسكن في مخيم الأمعري – مسلمة

ياسين: يسكن في مدينة الخليل - مسلم

حمزة: يسكن في مدينة طول كرم – مسلم

قيس: صاحب مكتبة في القدس، يسكن في شقة مستأجرة في كفر عقب – مسلم

سُلاف: تسكن في منطقة سلوان في القدس – مسلمة

جورج: دليل سياحي من القدس – مسيحي روم أورثوذكس

عمّار: صحفي من غزة - مسلم

كمال: من بيت جن طالب جامعي – درزي

ينقسمون إلى ستة من عرب الداخل وأربعة من الضفة الغربية وواحد من القدس وواحدة من سلوان (محاذاة القدس) وواحد من غزة.

وكان المطلوب جمع عشرة طلاب من عرب 1948 يدرسون في الجامعة العبرية في القدس وعشرة طلاب من جامعة القدس العربية وأبو ديس في لقاءات مشتركة تعمل عليه طالبة دكتوراة في العلوم الاجتماعية في جامعة لندن تدعى سائدة، حضرت إلى الوطن لمدة شهرين في سبيل العمل المَيداني لإجراء مقابلات وجمع استبيانات عن تأثير الجدار الذي أقامته السلطات الإسرائيلية لفصل الضفة الغربية عن أراضي 1948 على نفسيّات الشباب، والاحتلال على هويّة الشباب الفلسطيني، كما أنّها ستفحص تأثيرات تَعارف الطلاب على بعضهم البعض، وإن كان سيُؤدّي إلى علاقات بينهم، وسيُؤثر على نظرة الواحد للآخر.

التّوزيع كان على خمسة فصول واثنين وخمسين مشهدا، والمشهد الثالث والخمسون كان لدُرّة الأمكنة مدينة القدس. كلّ فصل بمشاهده يَحكي مرحلة مهمّة من حياة الشخصيات.

في الفصل الأول

كان التّعارف بين الجميع في مناسبات وصُدَف واجتماعات مختلفة، خاصّة في اللقاء الأوّل في رام الله الذي ضمّ الجميع، كلّ واحد أسهب في الحديث وتعريف الآخرين بنفسه، وحدثت تفاهمات واستلطافات، وحتى بداية بوادر علاقات حبّ بين البعض.

في الفصل الثاني

توطّدت العلاقات بين البعض: جوليا وجورج، عائشة وحمزة، محمد وسلاف، وزاد تعلّق ياسين بريم. ولكن بعض المشاكل بدأت تطفو وتُعكِّر العلاقة والجوّ العام عند البعض مثل مشكلة قيس وزوجته، وانفصال رند عن خطيبها.

في الفصل الثالث

قَويَت العلاقات بين المجموعة كلّها، ولكن ظهرت بعض المُنغّصات مثل طلاق قيس من زوجته، وكشف محمد عن إصابته بمرض كرون الخطير.

في الفصل الرابع

تتأزم الأجواء السياسية في القدس بسبب إعلان الرئيس الأمريكي رونالد ترامب قراره بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس منتصف شهر أيار 2017، ويزيد توتّر العلاقات بين أفراد المجموعة على أثر مقتل شرطيين من أبناء الطائفة الدرزية في باحة المسجد الأقصى على يد شابين من أم الفحم، ومشاركة بعض الشخصيات العربية في تشييعهما، وتُلقي بتأثيراتها على بعض من أفراد المجموعة، كما ويعود الحديث عن تجَنّد الدروز والبدو في الجيش الإسرائيلي، ويشعر محمد البدوي بالضيق والحَرَج في حواره مع أصدقاء له، وتتضايق رند كثيرا مع اقتراب سفرها للولايات المتحدة. وبالفعل تسافر وتترك البلاد.

في الفصل الخامس

تتطوّر الأحداث بشكل سلبي وخطير، محمد يخسر في المحكمة ويصدر القرار بمصادرة أرضهم، فيشعر بانتهاء حلمه ببيت وحياة جميلة تمنّاها، فيعتزل الناس والحياة ويختار حياته مع قطيع الماعز. حمزة يُقتل على يد مستوطن وهو عائد بسيارته إلى بيته في طول كرم فتحزن عائشة وتعتزل أهل بيتها ثم تقرر العودة إلى القدس لفترة التمرين. رند تقطع علاقتها بماهر، صديقها اللبناني في الولايات المتحدة لاختلافهما في المفاهيم والتّقاليد والسّلوكيات. وتُتابع دراستها في الجامعة لنيل اللقب الثاني، ولكنّها تظلّ على تواصل مع زميلاتها وزملائها من الجامعة في القدس.

تميّز "الفراديس الملغومة"

ما ميّز الروايات الفلسطينية، سواء التي صدرت في الخارج أم في الضفة الغربية وغزة أو لدى عرب الداخل 1948 أنّها تناولت مشاكل وهموم وطموحات وانتكاسات وطَرْد وتشريد وظلم ومُعاناة واستغلال ومُلاحقات كانت من نصيب الفلسطيني أينما وُجِد. وفي "الفراديس الملغومة" تعمل الكاتبة نسب حسين على تقديم صورة بانورامية للمآسي والمَظالم والمشاكل التي تُواجه الإنسان الفلسطيني في حياته العامّة، ومواجهته للمُحتل الإسرائيلي ومُضايقاته، وكذلك المشاكل والصّراعات والخلافات التي تُفَتِّت المجتمع الفلسطيني على المُستويَين الخاصّ والعام بإثارة الخلافات السياسية والثقافيّة والاجتماعية والدينية والطبقية التي تُذكي الحساسيّات وتُؤدّي لتمزيق أواصر العلاقة بين أبناء الشعب الواحد.

ولهذا اهتمت الكاتبة أنْ تكون شخصياتُها من الطبقة المتعلمة، طلاب جامعة في سنة دراستهم الأخيرة، جمعتهم مدينة القدس، مُوزّعين على مناطق مُتباعدة من البلاد، وينتمون لمعتقدات دينيّة ولمَفاهيم اجتماعية مختلفة. وهذا كلّه ضمن ظروف الاحتلال والمُواجهات اليومية.

قد تبدو بعض الاختلافات بسيطة، ولكنها سرعان ما تكشف عن تراكمات عميقة ومُتجذّرة في النّفسيّات ممّا تجعلها قابلة للتّفجّر والتّدمير وتجاهل كلّ أواصر القُرْبى والتّقارب والحياة المشتركة والمصير الواحد.

الاختلاف الطبقي

كان من مُخلَّفات نكبة عام 1948، إضافة إلى طَرْد وتشريد مُعظم الشعب الفلسطيني، أنْ قامت السلطاتُ الإسرائيليّة بتهجير ونَقْل سكان العشرات من القرى العربية التي بقي سكانها ضمن حدود دولة إسرائيل إلى قرى أخرى ليعيشوا لاجئين في وطنهم، ممّا كان يُثيرُ الكثيرَ من الحَساسيّات، وأحيانا الصّدامات بين سكان هذه القرى والمُهجَّرين إليها. ويتحمّل أبناء القرى المُهَّجَرة قسوةَ تعامل أبناء القرى الأصلانيين وتَعاليهم عليهم والنظر إليهم كلاجئين يفتقدون لكلّ الحقوق، فجوليا تقول:

-أنا من قرية "إقرث" الواقعة على الحدود الفلسطينية اللبنانية، وقد هُجِّر أجدادي منها إلى قرية "الرامة" وتمّ تفجير بيوت القرية عام 1952 وبقيت الكنيسة والمقبرة فقط، ويُسمَحُ لنا بالعودة أمواتا لنُدْفَن هناك. ورغم أنّني ووالداي وُلدنا في الرامة لكننا نشعر أحيانا بتعامل يُشعرنا أننا لسنا من سكان القرية الأصليين، ولا أُنكر أننا نسعى في كل حين للتأكيد أننا من "إقرث" لئلّا ننسى حقَّنا" (ص54)

-وهذا التّباعد من سكان القرى الأصلانيين كان يؤدّي إلى رفض إقامة العلاقات الاجتماعية أو التزاوج مع أبناء القرى المهجّرة، ولا يختلف عن تعامل أبناء العائلات بترفّع وتَعالٍ مع أبناء العائلات الفقيرة من الفلاحين والناس العاديين.

فأم ياسين رفضت زواج ابنتها من شاب من عرب النّعيم تعرّفت عليه في الجامعة، والسبب أنّه فلاح ليس من مستواهم الاجتماعي. وعندما سألها ياسين مُظهرا موافقته على هذا الزواج جحظت عينا أمه وهي تقول له بحدّة:

-"هل توافق أن تزوِّج شقيقتك لفلاح؟" وتابعت بغضب:

-فلاحوش دين مالْهُمْش، وبيتك تْدَخِّلْوهمْش، وبنتَك تَعطيهُمش. أتُريد أنْ تَسْخر عمّاتُك وخالتُك منّا كلّ العمر؟ أخبرتُك كي تأتي وتُقْنعها للعُدول عن رأيها، قبل أنْ يصل الخبر والدك ويكون ردّه قاسيا عليها. هذه الزّيجة لن تتمّ". (ص41/42)

وسمع ياسين صوت والده، واستعدّ لمُواجهة معركة جديدة، معركة عدم تقبّلنا لبعضنا، وأفكارنا المُسبقة عن بعض. وتساءل:

-تُرى لو ابتسم لي القدر ووقعنا أنا وريم في الهوى هل سيتحتّم عليَّ مواجهة ذات المعركة؟ هل من الأفضل أن أسألهم الآن إنْ كان مسموحا أنْ أرتبط بفتاة من مخيّم إذا حدث ووقعنا في الحبّ؟ كي أعرف كيف أوجّه مشاعري؟

وتابع بألم: ياه هذا سبب آخر للرّحيل من هذه البلد، إذا كان البيض الذين استعبَدوا الأفارقة، صاروا يتزوّجون دون مشاكل، ألم يحن الوقت أنْ نتعامل نحن مع بعضنا بتسامح؟ (ص45)

ولم يقتصر تَعال ونُفور ورفْض البعض من أبناء العائلات من عرب 1948 تجاه أبناء القرى الأخرى الذين لجأوا أو رُحِّلوا إلى هذه القرية أو تلك عام النكبة، بل تعدّاه إلى سكان الضفة الغربية، وقطاع غزّة، والجولان السوري. فعائشة ابنة "باقة الغربية" رفض والدُها زواجها من حمزة المُقيم في "طول كرم" بحجّة أنّ التّواصل ما بين باقة الغربية وطول كرم سيكون صعبا وقد ينقطع كليا، وحمزة نفسه كان متردّدا في علاقته

بعائشة ويسأل نفسه:

-هل سيقبل والداها أن ترتبط بضفّاوي تتحكّم الحواجز بكل تحرّك لهما. وهل سنستطيع أن نعيش معا براحة وهدوء بال؟ (ص151)

وحتى صديقه ياسين ابن مدينة "الخليل" سأله مُستغربا عندما أخبره بحبه لعائشة:

-عائشة الصبيّة المُتدينة بجلباب؟ لكنّها من عرب إسرائيل؟ وهذه العبارة التي ستقولها لك أمّك حين تصدمها ذات يوم بأنّك ترغب في الزواج بفتاة من الداخل(ص151/152)

كذلك سلاف ابنة " سلوان - القدس" سألت عائشة:

- ماذا عن أهلك؟ هل سيوافقون أن ترتبطي بشاب من الضفّة؟ أما أنا فوالدي كان سيتخوّف ويُفكر أكثر في الموضوع لو أخبرته أني سأتزوّج من الضفة. (ص255)

وعائشة تسأل نفسها بعد مرور ستة أيام على قَتْل المُستوطن لحبيبها حمزة ورفض والدها زواجها منه:

-أعود للتفكير بأبي وكلّ ما حصل، هل يُعقل أن يصير مُتفهِّما بعد أن مات حمزة؟ أن يعتذر، ويمنع دموعه، ويطلب أنْ أسامحه؟ هل أستطيع أنْ أسامحه؟ لا! لستُ قادرة الآن، أنا أَغْلي غضبا وحزنا، ولولا المُهدّئات التي أتناولها منذ ذلك اليوم، ربّما لجُننتُ. حتى الله، الذي أصلّي لأجله الآن، لا أفهمه، لماذا فعل هذا أبي؟ لماذا لم يكشف المَخفي لأبي، ليوافق على زواجي بحمزة قبل أن يموت، بل لماذا مات حمزة؟ (358-359).

ومثل عائشة كثيرات من الفتيات في كثير من القرى العربية في الجليل والمثلث اللاتي أحبَبن شبابا من القرى التي هُجِّر سُكانها وسَكنوا في قراهن، رفض أهلهن زواجَهن من هؤلاء الشباب بحجّة أنه غريب، وقد يعود إلى بلدته. ويكون السبب الحقيقي أنهم ينظرون إليه من عَلٍ، وكأنه وأهله لاجئون فقراء مساكين ليسوا في المستوى الاجتماعي المطلوب.

الاختلاف الديني

وقد سبّب الاختلاف الديني الكثير من الحروب على مرّ التاريخ، وأهمّها الحروب الصليبيّة التي دفعت لها الحاجيّات الاقتصادية والطّمع بثروات وأسواق الشعوب، ولكنها تخفّت مُتزيّنة بشعار "إنقاذ قبر المسيح من الكُفّار". ومحاكم التفتيش في أوروبا، والحرب بين البروتستانت والكاثوليك في إنكلترا. والنّزاعات الطائفية والدينية، وما كانت ولا تزال تجلبه من مجازر ومآس وتدمير وتهجير وسَلب، وما شهدناه في سنوات الربيع العربي وما فعلته المنظماتُ الدينية المُتشدّدة مثل "القاعدة وداعش والنّصرة" ولا تزال في بلادنا العربية خاصّة سوريا والعراق والسودان.

نجد هذا الموقف المُتشدّد من جوليا المسيحيّة الكاثوليكية المُهجََّرَة من قريتها "إقرث" إلى قرية "الرامة" حيث تُقيم الآن، التي اشترطت على خطيبها جورج المسيحي الروم أرثوذكسي ابن مدينة القدس أنّ مَراسيم الزواج يجب أن تكون في كنيسة إقرث. وكادت جوليا تقطع علاقتها بجورج يوم حاول اقناعها بإجراء مراسيم الزواج في القدس في زواج أورثوذكسي نزولا عند رغبة أمّه. "فبينما كانا يسيران في جولة ممتعة في القدس مقابل قبّة الصّخرة سألها متظاهرا بالبراءة:

- هل ستقبلين أن يكون عرسُنا هنا والكنائس هنا جميلة؟

حاولتْ أنْ تفهم قصدَه وسألتُه:

-هل تقصد بأنّك تريد أنْ نُقيم الإكليل هنا وليس في إقرث؟

وأبعدَت ذراعَه وجسَدَه عنها، ووقفت وقالت بصوت مخنوق، إنّها تريد العودة للبيت. حاول التّراجع بدهاء. وتابعت قولها:

-جملتك هذه تدلّ أنّك بعيدٌ عنّي.. أبعد ممّا كنتُ أتصوّر بكثير!

 وبدأت بالسير مُبتعدة. حاول تهدئتها طالبا منها المُناقشة في الموضوع، فقالت:

-الموضوع ليس للنقاش. أخبرتك منذ بداية علاقتنا أنّ هذا الأمر شرط أساسي بالنسبة لي. ولن أكون مستعدّة لأيّ تنازل في هذا الشأن. وإنْ كان غير مقبول عليك فلنفترق من البداية. وأنت وافقتَ وقلتَ ليس لديك مشكلة. هل تتذكّر ما قلتَ عن الدين والأديان وقتها؟ ما الذي حصل الآن ليعود لك الانتماء الأورثوذكسي فجأة؟ فأجابها:

-ليس عندي، وإنّما عند والدتي.

وقالت له عندما وصلا لمكان سَكَنها:

-التسوية لن تجدها عندي.. ابحثها مع أمّك، وإنْ تعسّر الأمر أخبرني، كي أسوّيه نهائيّا.

 وهذا ذكّرني بما كُنّا نسمعه من أهالينا في قرية "الرامة" وغيرها ما كان يُردِّدُه بعضُ المُتَعصّبين من الكاثوليك: "زَوِّجْ بِنْتَك للدّرزي ولا تْزَوِّجْها للرّومي"

وعائشة تعترف بصعوبة تقبّلها السّكن مع شريكات من أديان أخرى في مساكن الطلبة في القدس في الأشهر الأولى لدراستها في الجامعة والسبب أنّها عاشت في بيئة دينيّة محافظة في بلدتها باقة الغربية ولم تختلط مع أديان أو توجّهات أخرى. (ص59)

الخلاف على الانتماء والهويّة، والتَّخوين ورَفْض الآخر

وهذه القضيّة تُعتَبر من القضايا المهمّة التي شغلت جماهيرَنا العربية هنا في الدّاخل وحتى العربية عامّة. وأعني الخلاف على هوية أبناء الطائفة الدرزية وانتمائهم القومي وتجنّدهم في الجيش الإسرائيلي بفرض قانون التجنيد الإجباري عليهم من قبل الحكومة الإسرائيلية عام 1956. وتكفيرهم بتهمة الارتداد عن الإسلام، وكانت فتوى محمد بن تيمية (1263-1328) هي الأقسى والمُؤثّرة والمُنتشرة بين عموم المسلمين السُّنّة.

هذا النّفور والرّفض والتّخوين والتَّكفير لاحق الدروز ولا يزال، وساعد على الجَفاء وحتى ضعف التّواصل والتّعاون، واستغلّته الحكومات الإسرائيلية وشجَّعته بسياسة "فرّق تسد" التي انتهجتها في تعاملها مع الجماهير العربية، كما ساعد عليه أيضا تجاهلُ القيادات العربية والطبقاتُ الثقافية والمتعلمة في الدّاخل، والحكوماتُ العربية، والأحداثُ المؤسفة التي حدثت في العالم العربي وظهورُ الفئات المتطرّفة مثل "القاعدة وداعش والنُّصرة".

رَنْد الفتاة الدرزية ابنة قرية "كفر ياسيف" عانت من صغرها من طلاق والديها واحتضان جدّها لأمها لهم. فنشأت كباقي فتيات العائلة تلتزم بالعادات والتقاليد والمفاهيم الدينية وخُطبَت لماجد، جندي في حرَس الحدود يعمل في القدس. التحاق رند بالجامعة العبرية في القدس، وزمالتها وتعرّفها وسَكَنها مع طالبات وطلاب عرب، والتعرّف على سكان القدس العرب والارتباط بصَداقات، جعلها تنكشف على أفكار ومَفاهيم وعادات غير التي تَعوّدتها في أسرتها وبلدتها. ومع المدّة بدأت تشعر بانتمائها الثقافي والقومي لهؤلاء الناس حتى أصبح انتماؤها الفلسطيني والعربي هو الغالب عليها مع تمسّكها بمُعتقدها الديني كدرزية مُؤمنة ومُلتزمة. وهذا الوعي والانتماء بدأ يُبعدها عن خطيبها ويؤكِّدُ لها استحالةَ الحياة معه لكونه جنديّا يحمل أفكارا لا تقبلُها ولا يمكنها التّعايشُ مع ما يُؤمن ويعمل به.

واجهت رند في بداية دراستها الجامعية وسَكنها في مَساكن الطلبة بعضَ النّفور من بعض الزميلات والمَعارف العرب، وفي سفرها مع الزميلات للقاء المُخَطّط له مع طلاب من الضفة في رام الله كانت قلقة وتسأل نفسَها " لا أعلم كيف ستتَقَبَّلني الشابات والشبّان من الضّفة؟ قد يكون بعضُهم يلتقي للمرّة الأولى بشخص درزي، قد يحملون الكثير من الأفكار المُسْبَقة السّلبية عنّا.. هل سأجدني في قاعة محاكمة ينهالون عليَّ بالاتّهامات والأسئلة؟ (ص46).

وترى أمامها على الجدار الفاصل المُحاذي لحاجز قلنديا لوحة عليها رسم الرئيس ياسر عرفات ومروان البرغوثي، وقد أعجبتها هذه اللوحة منذ زيارتها الأولى لرام الله، وأصبح حاجز قلنديا يرتبط بها. وخاطبت نفسها "أجدني أنظر إليهما وفي داخلي بعضُ الاعتذار، فقط منذ ثلاثة أعوام بدأت أفهم أنَّ هذين الشخصين ليسا عَدُوَّين، وأرى الوجهَ الآخر لهما وللفلسطينيين، شعور غريب بالضّيق يُداخلني كلّما فكّرتُ في هذا" (ص46-47) وتذكّرت مقولة ريماس لها:

-عندما تكفّين عن الشعور أنك غريبة وغير منتمية لمجموعة ما، فلن تبقي كذلك! وحاولتْ أن تتناسى الحواجز النّفسيّة التي بينها وبينهم، وأن تنظر للقاء على أنّه لقاء عادي.

تدريجيّا قلّ توتّرها كلّما ازداد عدد الحضور، وشعرتْ بأجواء إيجابيّة ومُريحة بين الجميع، بدت على وجوههم الطيّبة. (ص48)

وبعد الجلوس بشكل دائري استعدادا لبداية اللقاء خفق قلب رند بشدّة وتخيّلت النظرات التي ستنصبّ عليها إن عرفوا أنّها درزيّة؟ (ص49) لكن وجود طالب جامعة درزي من قرية بيت جن اسمه كمال خفّف عنها الثّقل وأثار الكثير من الرّاحة والطمأنينة في داخلها. وقد عرّف كمال بنفسه، وأنه رفض الخدمة الاجبارية في الجيش الإسرائيلي، ولوحق وسُجن، وتحدّث عن "لجنة المبادرة الدرزية" المُعارضة لتَجَنُّد الشباب الدروز في الجيش ونشاط والده فيها.

وعندما طُلب من رند أن تُعرِّف على نفسها فاجأت الجميع بجرأتها في حديثها عن أسرتها وعيشها في بيت جدّها لأمّها بعد طلاق والديها، وكيف كانت الأسرة تشعر بانتماء أكبر لإسرائيل واثنين من أخوالها يعملان في الشرطة الإسرائيلية، وأن ابن عمّ أمها قُتل في حرب لبنان عام 1982 وخطيبها جندي في حرس الحدود. (ص53)

وكانت صدمة حمزة عندما بدأ ياسين ابن مدينة الخليل باستعراض قصّة رند ليس لكونها درزية، بل أنّ خطيبها السّابق كان جنديا وقد يكون قد قتل أحد أبناء شعبه، وأنَّ المتحدّث عنها هو ياسين الذي تعرّض إلى مواجهة مع جندي درزي صفَعَه صَفْعة قويّة أسقطته أرضا وجعلته ينقُم على الدروز. وعندما انتهى ياسين من الكلام عن رند كانت الصدمة ظاهرة على الجميع من التّحوّل الذي حصل في هويّة رند بعد تعرّفها على الصبايا في السّكن. ومن سؤال طالب اسمه يزيد: - اعذروني، لكني لا أفهم لماذا لدى الدروز هذا الانتماء لإسرائيل؟

وكان جواب الطالب كمال من بيت جن الواضح" لماذا تُعمّمُ؟ ها أنا نموذج للرّفض أمامك هنا. التجنيد فُرض علينا عام 1956، بقبول من 16 شخصيّة مُتعاونة، فيما وُقِّعَت عريضة من قبل 1500 من الطائفة يرفضونه، ولم ينجحوا لأنها كانت سياسات مُعدّة من أجل تفريقنا، رافقتها سياسات كثيرة متتالية. كانت سياسات مُعَدّة من أجل تفريقنا. كان عدد الدروز عام 1956 حوالي 16 ألف نسمة وبالكاد كان من أبنائها في الخمسينات عشرة طلاب جامعيين، وأبناء الطوائف العربية الأخرى والحزب الشيوعي لم يمدّوا يدا مساندة ضدّ أسرلتها.

 وهنا تدخل حمزة مُوجِّها كلامَه لرند:

-كل الاحترام يا أختي، وأهلا وسهلا بك بيننا. أنا سعيد جدا أنك حظيت بالفرصة لتُدركي هويّتك، وسعَيْتِ إليها رغم الثمن الذي أظنّه لم يكن سهلا عليك. (ص61)

كان من نتيجة التّحوّل في هويّة رند وشعورها القويّ بانتمائها الفلسطيني والعربي أن قرّرت الانفصال عن خطيبها جندي حرس الحدود، والاختلاف مع ابن خالها الذي تنازل عن حلمه بالدراسة الجامعية واختار البقاء في الجيش لما يضمن له من دَخْل ماديّ عال وتقاعد مُبكّر وكثير من المُغريات. وعندما اتهمته بأنه بكونه جنديّا سيظلم أبناء شعبه ويجلب العار والسُّمعة السيئة للطائفة، دافع عن نفسه بقوله:

-أنا لا أظلم أحدا، ولم أطلق رصاصة واحدة على أحد، بل على العكس أساعد عندما أستطيع هذا.

وازدادت حدّة العداء للدروز على أثر مقتل شرطيين درزيين عند أحد مداخل المسجد الأقصى على يد ثلاثة شباب من أم الفحم هم قُتِلوا أيضا. حتى أنّ رند بدأت تلاحظ تغيّرا في تصرّف بعض الزميلات بقولهن: هي جماعتك عملوا هيك. (ص260) فهن يشملن الجميع، وبدأت رند تخاف الدخول إلى القدس لاكتشاف أحد أنّها درزية فيُعْتَدى عليها. وتتذكر يوم كانت في رحلة مع مجموعتها من الزميلات والزملاء في مدينة نابلس وفقدت الاتصال بهم ولم تهتد إليهم وفكّرت بأن تذهب إلى بقالة قريبة لطلب المساعدة، ثم توقّفت وتساءلت:

-لكن ماذا لو.. عرفوا من لهجتي أنّي درزية؟ كيف سيتعاملون معي؟ هل سيُحمّلونني وِزْرَ ما فعله الجنود الدروز؟

وكبر خوفها وقرأت الفاتحة لتهدأ، وأخذت تنادي نفسها:

-رند مِنْ أنتِ؟ هل أنتِ إسرائيلية أم فلسطينيّة؟ هيّا قولي لي مِنْ أنتِ؟

وتُفكّر بتردّد: هل أنا فلسطينيّة؟ هل حقًّا أشعر بهذا؟ ألستُ هنا بين أبناء شعبي؟ ألستُ أشعر بالرّاحة والسّعادة كلّما تعرّفتُ على مزيد من الأصدقاء من الضفّة الغربية؟ إذا ما الذي يُقلقني؟ (ص226)

وتلتقي رند بمحمد بعد ابتعاده عن صلاح في طريقه إلى الصيدلية لشراء الدواء، تبادلا الحديث حول الأوضاع وما دار بينه وبين صلاح من جدال، ثم قالت رند لمحمد عمّا بدأت تشعر به من تصرّف بعض الزميلات على أثر أحداث الأقصى ومَقْتل الشرطيين:

-الإسرائيليون وضعوا علم الدروز على بلدية نتانيا وغيرها من البلديات، ولا يدّخرون طريقة ليُظهروا كم يُحبّون الدروز ولا تسأل عن الفتنة عندنا. وما يتداولون على وسائل التّواصل. وفي زيارتي الأخيرة للبيت رأيت ولمستُ شعورَ الدروز أنّهم مظلومون، ويعتقدون أنّ شباب أم الفحم جاءوا ليقتلوا شرطيين درزيين يقفان لحماية الأقصى. تصوّر يا محمد أنّهم يفكرون هكذا. ويعتبرون أنّ الشرطيين يقومان بعملهما بسلام ويحرسان المكان. وقالت لمحمد إنّ الصبايا يفكّرون بالتّوجّه اليوم إلى البلدة القديمة للرباط هناك، وحضور صلاة المغرب، وأنّها تخشى إنْ رافقتهن وسمع أحد هناك من أهل القدس أنها درزية أن تتعرّض لاعتداء.

فطمأنها محمد: ما هذا الكلام يا رند؟ سأذهب معكن لا تقلقي وسأخبر قيس ليكون بانتظارنا. (ص261).

وتذكر رند ساعة كانت تجلس مع زميلاتها قُرب باب الأسباط في موقع الرّباط فترة هبة البوّابات في القدس، ومرّ شرطيّان فسمعت صديقة زميلتها سلاف تهمس: درزي! فنبّهتها سلاف: بالمناسبة رند درزية، وها هي معنا.. فسارعت صديقتها لتعتذر: أنا آسفة لا أقصد. وقالت لها رند: هذان الشرطيان ليسا درزيين. فأجابتها: لكنّ أحدهما أشقر ويبدو درزيّا! فابتسمت رند ساخرة وقالت:

-ومَن قال إنّ كل الدروز شُقر؟ المعظم ليسوا كذلك. وليس كل مَنْ تحدّث العربية من الشرطة والجنود درزيّا. هناك من جميع الطوائف وهناك مستعربين من اليهود. فردّت صديقة سلاف:

-أنا آسفة، لكثرة ما تعرّضنا من مواقف في القدس، صرنا نقول تلقائيّا عن كل جندي عربي إنه درزي، وخاصّة الآن مع توتّر الوضع. (ص271)

ويروي قيس قصة علاقته بالضابط الدرزي الذي كان يُنبههم ليكونوا على حذر قبل وقوع أي حدث، فكان يقترب منه ويقول له: ابعد بدنا نضرب. (ص268).

ولم يسلم البدو من تُهمة الخيانة

وكما الدروز لم يسلم البدو من تهمة الخيانة بسبب خدمتهم في الجيش تطوّعا. فعندما اشتدّ العداء للدروز على أثر مقتل الشرطيين الدرزيين على يد ثلاثة شباب من أم الفحم قُتلوا هم أيضا قال صلاح بحدّة:

-الدروز خَوَن. فأجابه محمد:

-لا تُعمّم ليس موقف الدروز واحدا، هناك دروز وطنيون وشخصيات معروفة، وشبّان يرفضون الخدمة في الجيش ويعانون الأمرّين من كل ما يحصل.

فكان جواب صلاح قاسيا: أعذرني يا محمد، لكن لا أستغرب أن تتحدّث عن الدروز وتُدافع عنهم لأنك بدويّ، فالكثير من البدو في الجيش، كلاكما في نفس الوضع. تصوّر يوم أمس عندما أذّن المؤذن للصلاة، وإذا بنا نرى جنديّا يصلي على مسافة غير بعيدة منّا، وكان بدويّا من النقب.

وتذكّر محمد عندما كان في جولة مع المجموعة داخل أسوار القدس كيف رأى قريبا من باب الأسباط جنديّا يُصلي، وكيف أشار نحوه وقال لقيس وجورج ومصعب: أنظروا ماذا أرى؟ هل فاتته صلاة العصر؟ فيُصلّيها الآن ونحن نُشارف على المغرب؟ فقال قيس مُعقِّبا: هذا الجندي الإسرائيلي من بدو الجنوب من بئر السبع، وأحيانا تكون له الفرصة بأن يصلّي في ذات وقت الصلاة إنْ لم يكن مشغولا بمراقبتنا. ألم أقل لك إنّ البلد مفصومة؟ (ص269).

واستاء محمد من كلام صلاح الذي استمرّ قائلا: مُعظم توجّه البدو متعاون مع الدولة ويتبرّعون للخدمة بالجيش، بينما الدروز الخدمة إجباريّة، والمصيبة مع البدو أنّهم مسلمون سنيّون، أي أنّ الشّعور أسوأ تجاه هذا التّصادم. 

أثاره صلاح بكلامه لكنّه تماسك وقال له:

-هل تعلم حضرتك كيف تقوم الدولة اليوم بالضحك على شباب البدو واستمالتهم؟ وكيف عملت على غسل عقولهم هم والدروز في المدارس واستغلال كل فرصة ممكنة؟ أين باقي المسلمين من كلّ هذا؟ لماذا لم يقوموا بعمل مناهض للتوعية ومُساندة الوطنيين من الأقليّات في نضالهم؟ أتعلم لماذا؟ لأنّ معظمنا يعيش لترقّب أخطاء الآخر، وحين يقع الخطأ تصدح الأصوات بالتذنيب والتّخوين؟ ها هي ظاهرة الخدمة الوطنيّة تستقطب الفتيات العربيات على اختلاف الديانات، وتنتشر دون أصوات رادعة، سنرى في المستقبل ماذا سيقول أمثالك عندما تتحوّل إلى ظاهرة؟ ولماذا اختار شباب مدينة أم الفحم القيام بالعملية أمام باب المسجد، وإقحام المسجد في مسألة خطيرة كهذه؟ أنت وأمثالك جالسون لبيع كلام عاطفي دون التفكير العقلاني والتّصرّف حسبه، هل تعلم أنّ كلّ هذا الحديث فقط يؤدّي لزرع الفتنة بيننا. (ص258-259).

والتقى محمد عند زيارته لقريته بسالم ابن عمّته الجندي في الجيش الذي فاتحه بالكلام: عَمْ بَفَكّر أمضي "كيباع" مع الجيش. وهناك وعد بالحصول على قسائم بناء للجنود.

فعلّق محمد: مهما فعلتَ ستبقى في نظرهم عربيا، أدنى منهم.

فأجابه سالم: يعني هم العرب بحترمونا كثير؟ بدك تقولي ما بتحسّ إنهم بنظرولنا إحْنا البدو أقلّ قيمة منهم. أصلا لمّا واحد فيهم بحاول يقلّل بقيمة الثاني بقول له "يا بدوي".

فقال محمد: أنت فخور إنّك بدوي، ما بهمّك حَدا مِن هالنَّوْعيّات المريضة اللي بتحكي هيك، بعدين عم بتحكي هُمّي، ما كلنا عرب، يعني إحنا أجانب؟

فأجابه سالم: بس إحنا قوميّتنا بدو، والتّعامل معنا غير عنهم، وين عايش أنت؟

فقال محمد بتحدّ: ومين حَدّد القوميّة وكتبها بهوياتنا؟ يعني حضرتك بدوي وبطّلت عربي، والدرزي درزي وبطّل عربي؟ والإسلام والمسيحيّة هُمّي العرب، هاي غير إنّه في دعاية كمان إنّه المسيحيين آراميين ومش عرب، آه! معناه بس المسلمين السّنّة بالبلد هم العرب، طيّب شو دينّا إحنا، مش مسلمين سُنّة يعني؟ (ص209-211).

مفهوم الوطن والصّراع على البيت والأرض

منذ تفجّر الصّراع على الوطن بين اليهود والعرب اجتهد زعماء الحركة الصهيونية في تأكيد حقّ اليهود بفلسطين اعتمادا على وعد الله لهم في العهد القديم "التوراة". ورغم تحقيق اليهود لحلمهم بإقامة الدولة واعتراف دول العالم بها وتهجير معظم الفلسطينيين خارج الوطن، وقسم كبير من الباقين هُجّروا إلى قرى أخرى، ودُمّرت قراهم وصودرت أرضهم. وأنّ الكثير من القرى العربية، وخاصة البدوية لم يُعترَف بها فحُرمت من كل الحقوق التي تُؤَمّن للإنسان الظروف المَعيشية اللازمة.  الّا أنّ الصّراع يزداد حدّة بتمسك الفلسطيني بحقّه في وطنه وبيته ممّا يجعل المُواجهة لا تهدأ ووصلت أوجَها في مُواجهات يوم الأرض في الثلاثين من آذار 1976.

قوانين عديدة صدرت وطُبِّقَت منذ قيام الدولة مثل قانون "الحاضر الغائب" وقانون "تركيز الأراضي" تَحرم العربي من أرضه أو تُقاسمه عليها بمختلف الحجج. فمحمد البدوي الذي يسكن قرية غير مُعتَرف بها يُعاني من ظروف المعيشة البائسة، حيث لا تحظى بلدته بأي مساعدات حكومية، ويُمنع السكان من القيام بأيّ تصليحات ونشاطات لتوفير حياة أفضل للسكان، حتى أنّ الكثير من الشباب يفكّرون بترك البلدة والهجرة. ومحمد ينتظر قرار المحكمة بخصوص قطعة الأرض التي يملكها ويُسمّيها "الجنة" وتدّعي الدولة بأحقيّتها بها، ويربط كل مستقبله وحياته بقرار المحكمة حتى إذا صدر القرار بملكية الدولة للأرض انهار محمد:

-"أشعر بأني أختنق.. بل مُقَيَّد.. بل أشعر أني سأنفجر. جنّتي لم تعُد لي. أنظر إلى كلّ شيء حولي ولا أصدّق.. أنّ الأرض لم تعُد لي. سأجن.. سأنفجر.. منذ يومين لم أنطق بأيّ كلمة.. لا أنجح حتى في البكاء. "(ص327) فقدتُ كلّ شيء مع فقد الأرض، ماضي ومستقبلي، رحل ما تبقّى من أحلامي. وماذا تبقى منّي بهذا الجسد المريض؟ ما فائدة الحياة؟ لماذا عليَّ أن أستمر وأعيش؟ أستجمع أنفاسي وأصرخ بكل قوتي: لماذا نسيتني يا الله؟" (ص329)

واعتزلَ الحياة والناس وقطعَ علاقتَه بسلاف:

-"منذ فقدتُ الأرض وانفصلتُ عن سلاف، لا أحمل جوّالا، وبلا تواصل مع العالم الخارجي. إلّا في ساعات المساء أعتني بالماشية، أعزف لها، وأحيانا تمرّ أكثر من ساعتين وأنا مُستلق على الأرض أتأمّل السماء"" (ص376).

وكما محمد أيضا سُلاف ابنة "سلوان" في القدس فقدت نصف بيتها واحتلّ المستوطنون نصفَ غرف البيت وحتى غرفتها التي كانت تنام فيها بحجّة أن الدار يجب أن تُقسَم بين والد سلاف وأخيه، ولأن الأخ يعيش بعيدا عن الوطن فقانون "الحاضر الغائب، أملاك الغائبين" يُعطي ملكية نصيبه من البيت ومن كل ما تركه الأب بعد موته للدولة، وكل ذلك باسم القانون. وهكذا فقدت أسرة سلاف نصف بيتها وشاركتهم أسرة يهودية استوطنت نصف البيت". (ص62-63) و (ص102)  وتقول سلاف:

-عندنا هنا في القدس قصص المصادرة والهدم والاستيلاء يومية، فحي البستان في بلدي سلوان كلّها مُعرَّضة للمصادرة، ويعيش فيه نحو ألفي شخص ستُهدَم بيوتهم ويفقدون ذكرياتهم ويتشرّدون، وما سبب المصادرة؟ إقامة حديقة توراتيّة حيث كان الملك سليمان يتمشى وزوجته". (ص346).

وكثيرا ما كانت تجري عمليات غش من قبل سماسرة اشتروا أرضا للمستوطنين وطردوا أصحابها العرب منها (ص102). كما وصدرت عدّة أوامر هدم لبيوت غير مرخّصة في الداخل، أي ليس فقط في القدس. (ص263)

إشكاليّة مفهوم الوطن

أذكر ادّعاء أحد الكتّاب اليهود (لا أذكر اسمه) قبل سنوات بعيدة أنّ الشاعرة فدوى طوقان ترى في مدينة نابلس وطنها وليس في فلسطين كلّها، وحجّته أنها تتحدّث عن مدينتها نابلس فقط. بينما اليهودي يشعر ويعتبر كلّ البلاد وطنه، وأينما أقام فهو في وطنه، فإذا سكن سنوات في تل أبيب وانتقل إلى كريات شمونة مثلا، قد لا تُعجبه المعيشة فيها، ولكنّه يظلّ يشعر أنه في وطنه سواء كان في الجليل أو النقب أو المركز. بعكس العربي الذي ينحصر الوطن عنده في بلدته وحيّه.

أستعيد هذه المقولة بعد قراءتي لكلمات جوليا المُصرّة على عَقْد حفل إكليلها على جورج في بلدتها التي هجِّرت منها "إقرث" وليس في قرية "الرامة" حيث تُقيم وأسرتها فهي تقول مخاطبة زميلتها ريماس:

-مسألة موقع الإكليل ليست موضوعا للنقاش عندي، هي أملي الوحيد بالشعور بالانتماء والوطن.

هذا الكلام يُفْهَم منه أنّ جوليا تعتبر قريتها إقرث هي الوطن وهي الانتماء، أمّا وجودها في الرامة أو أيّ بلدة أخرى فيُشْعرها بالغربة وعدم الانتماء وفقدان الراحة ورفض القبول واستحالته.. وكان سؤال ريماس لها تحدّيا:

-جوليا ما هو الوطن في رأيك يا صديقتي؟

شعرت جوليا بارتباك، وفكّرت بمعنى الوطن. ما هو الوطن؟ هل هو المكان الذي ولدنا فيه؟ أم مكان تربطنا به ذاكرة وثقافة؟ هل هو كلاهما أم غير ذلك؟

وأجابت بنفسها: أرى أنّ الوطن هو حيثما لديّ أصدقاء وأماكن تربطني بهم، وذكريات أصنعها بوجودي معهم. بسبب هذه العلاقة، ترونني سعيدة سواء في حيفا أو القدس أو رام الله، لأنني لا أتوقّف مثلك لأحصر أفعالا معيّنة لأماكن معيّنة، ولا أقف على الأطلال. ألا تعتقدين أنّك أنت مَنْ صنعت الغربة بينك وبين الرامة؟ لم تُحاولي أن تندمجي لتشعري أنّها قريتك، والآن لك فرصة مع القدس أيضا، ما المشكلة أن تنتمي لإقرث والرامة والقدس؟ ألن يكون الأمر جميلا؟

مضايقات الجنود والمستوطنين

منذ هزيمة الجيوش العربية في حزيران 1967 واحتلال الجيش الإسرائيلي لكامل الوطن الفلسطيني إضافة إلى سيناء المصرية والجولان السوري يُعاني السكان، وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة من ظلم وتعسّف جنود الاحتلال ومُضايقات وتحرّشات المجموعات الاستيطانية التي عملت ولا تزال على طرد السكان من أماكن سكناهم والاستيلاء على بيوتهم وأراضيهم بهدف تكريس الاستيطان اليهودي لهذه البلاد التي يدَّعون بأنّها هبة الله ووعده لهم كما جاء في العهد القديم.

فياسين صُفع من قبل جندي ألقاه أرضا، وابن خال قيس قُتل وبعد عناء طويل سلّموا جثمانه وفرضوا على أهله دفنه في ساعة متأخرة من الليل بهدوء وبحضور ثلاثين شخصا فقط. والجنود يُضايقون الناس في الشوارع، وعلى الحواجز، وفي الأقصى، ويعتدون عليهم في الكثير من المرّات. ويقول قيس لرند الموجودة في الولايات المتحدة التي تسأله عن الحالة في البلدة القديمة عبر الهاتف:

-اليوم ظهرا في تجمّعنا أنا وأبناء حارة باب حطّة والسّعديّة عند باب العمود، كان معنا حفّار القبور، يُصغي لأحاديثنا، وطلب أنْ نُخبرَه مُسبقا قبل أنْ نستشهد، كي يُجهِّز نفسَه ولا نضغطه في الوقت.

وسألته سلاف: هل تتكلّم ساخرا أم بجديّة؟ قال: كلاهما معا، هو فعلا قال لنا هذا، لكن هل يضمن أيٌّ منّا في أيّ لحظة يُمكن أن يستشهد؟ أليس من المحتمل الآن أنْ يُجَنَّ أحد الجنود الذين حولنا في أبراج المُراقبة، ويُطلق الرّصاص علينا جميعا؟ نحن في هذا البلد نعيش مع الموت بخطٍّ متوازٍ، قبل يومين كان من المحتمل أن أصير شهيدا بسبب عطسة. (ص392)

 والمستوطنون يُمْعنون في ملاحقة الناس في بيوتهم وأراضيهم وأماكن عملهم، والمَسّ بهم وإجبارهم على التّخلّي عن أراضيهم وحتى ترك بيوتهم والرّحيل. إضافة إلى الاعتداء الجسدي وحتى القتل كما حدث وقتلوا حمزة وهو عائد بسيارته إلى بيته ومدينته طول كرم. وكل هذا ينضاف إلى القوانين الجائرة وقرارات المحاكم الظالمة التي دائما يكون الفلسطيني فيها الخاسر.

وكان الوضع في قطاع غزة أصعب فعمّار ابن خان يونس يقول عبر سكايب: عشتُ ثلاثة حروب، أقساها كانت حرب 2014، فقد عملت مع وكالة إعلام عربية بعد إتمام دراستي الجامعية في الإعلام، وهكذا رأيت بعيني قبل انتهاء الحرب بيومين فقدتُ ثلاثة من أعزّ الناس عليَّ صديقين وأبي بسكتة قلبية في لحظة قصف مبنى قريب من بيتنا. (ص55) ويصف عمّار مشاعره ومشاهداته وانفعالاته وغبطته وحزنه وفرحه وتعلّقه بكلّ ما يراه ويتعرّف عليه في زيارته لرام الله والتقائه بالطالبات والطلاب الجامعيين في اللقاء المهم. ويُقارن بصمت حزين كل ذلك مع حياته في غزة حيث الحصار الشديد من المحتل والبؤس، والفقر، والسجن، والتعذيب، والقتل، والحرب. (ص156-166)

إهمال الجماهير العربية في الدّاخل

 وتَرْكها تحت رحمة عصابات الاجرام، وللنزاعات المختلفة التي تُمزِّق المجتمع وتجعل كلّ فرد عرضة للاستباحة والاعتداء وحتى القتل، وذلك بتغاضي السلطات والشرطة عن هؤلاء الذين يعيثون فسادا في المجتمع، وعدم القبض عليهم وإيداعهم في السجون. فريماس تقول:

-نظريا هناك مساواة، لكن فعليا تظهر الفروق في عدّة مسائل فمثلا مخصّصات الميزانيّات. البلدان العربية تتلقّى ميزانيّات أقل بكثير من البلدان اليهوديّة. وإذا تعرّض يهوديّ لاعتداء تكتشف الشرطة المُعتدي ولو اختفى تحت سابع أرض، أمّا العرب فيُقتَل أكثر من مئة في العام الواحد ويبقى قاتلوهم مجهولين.

وتابعت رند قائلة:

-هذا عدا السرقات وإطلاق الرصاص والقنابل في الكثير من البلدان، دون أيّ حماية أو تدخّل من الشرطة. فالسلطات بدأت تغضّ الطرف عن مسألة تهريب المخدرات وبيع الأسلحة، لا تعرف بأي لحظة تُقتَل برصاصة طائشة، الكل يخاف من الكلّ ومَن ينطق بما يعرف سيُقتَل هو أو أحد أفراد عائلته. وهناك فترات نخشى فيها أن نتجوَّل في القرية بعد الساعة التاسعة مساء. (ص 168)

وقضية مصادرة الأراضي والعمل على تهجير العديد من سكان القرى خاصة البدوية وفي النقب، والاستيلاء على الكثير من الأراضي والبيوت بتفعيل قانون الحاضر الغائب، وحق الدولة في الاستيلاء عن أملاك الشخص الذي لم يُسَجَّل أسمه سنة قيام الدولة عام 1948 لكونه خارج البلاد أو متغيّبا عن بيته أو ولد ويُقيم خارج البلاد.

فمحمد ابن قرية بدوية غير مُعتَرَف بها، تُحرَم من كل الميزانيات الحكومية ومن المساعدات لتحسين الحالة المعيشية بكل نواحيها، كانت صدمته كبيرة بعد أن صدر قرار المحكمة بمصادرة أرضه التي حلم ييناء بيته عليها، كيف اتصل بمحبوبته سلاف وقال بصوت تخنقه الفاجعة:

-ضاعت الأرض يا سلاف. وضاع كلّ شيء.

وأقفل الهاتف وغاب واختفى تماما وقطع علاقته بكل الناس والعالم. (ص336)

 وكما التضييق على البلدات العربية، والتّجاهل لضائقة السكان فيها، ورفض توسيع مسطح القرى ممّا يدفع الكثيرين إلى بناء بيوتهم بدون الحصول على رخصة البناء، وهذا يؤدي إلى قيام السلطات في الكثير من الحالات، بهدم البيت وفرض الرسوم الباهظة على صاحب البيت.

وظلت قضايا تُشغل الناس كثيرا تطرّقتْ إليها الشخصيات مثل:

الحلم بالتّحرر من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية الذي يبدو حلما بعيدا، وقد يكون مستحيلا بتغوّل الاستيطان، وتهجير الناس، والاستيلاء على الأرض، وإقامة المستوطنات التي تُمزّق الضفة الغربية. (173)

الانقسام بين حماس وفتح ممّا أدّى إلى العداء الشديد بينهما، وانفصلت غزة عن الضفة، ولم تعد الوحدة الفلسطينية قائمة مما يُعيق العمل، ويُبعد تحقيق التّحرّر والاستقلال. (ص173-175)

الحواجز التي تفصل بين المدن والقرى في الضفة الغربية وتُصَعِّب على السكان في تنقلاتهم، وتفرض عليهم الحصول على التّصاريح لدخول الضفة الغربية أو الخروج منها.

شخصيّات اختيرَت بذكاء

العدد الكبير من الشخصيات التي تتوحّد وتتساوى في أنها من الشباب في العشرينيات من العمر، طلاب وطالبات جامعة في سنتهم الدراسية الأخيرة للقب الجامعي الأوّل، من أُسَر متوسطة في مستوى معيشيّ جيّد مع استقلاليّة كل شخصيّة واختلافها في مكان السَّكَن والانتماء الديني والفكري والمَفاهيم الاجتماعية من عادات وتقاليد وسلوكيات، أعطت للنصّ التَّأرجُحَ في تعريفه ما بين الرواية والمَلحمة بمفهومها المُتواضع. فهذه الشخصيات بما اتّصفت كلّ منها، قدّمت لنا صورة بانورامية متكاملة لشعبنا الفلسطيني في كل أماكن تواجده، والمهم أيضا أنّها أطلعتنا على التّحوّل الذي ساهم فيه هذا الجيل من الشباب والصبايا المتعلّم الذي تَعرَّف على مَواضع الضَّعف والتَّفتّت والخلاف والتّباعد وحتى العداء، وعمل على رأب التَّصدّعات وتأليف القلوب وتوحيد الجهود وتقريب الأفكار ممّا يساعد على إزالة الحواجز فتنتَفي الشكوك وتزول البغضاء ويتقبّل الواحدُ الآخر بمحبّة وتفهّم واقتناع ببناء وطن واحد للجميع.

هذه الشخصيّاتُ ساعةَ تركتْ بيوتَها وأُسَرَها كانت تحملُ كلَّ الموروثات التي كبُرت عليها وآمنت بها. وعندما وصلت إلى مدينة القدس ورحاب الجامعة ومَساكن الطَّلَبة وجدت نفسَها في وضع جديد من حيث السّكن وشريك المسكن وزميل الدراسة، والمفاهيم المختلفة، وأحيانا المرفوضة، والغريبة.

فعائشة المُحَجّبة ابنة باقة الغربية التي جاءت من أسرة مسلمة مُتديِّنة تحدّثت عن نفسها بصراحة في اللقَاء الذي تمّ في رام الله:

-التجربة الأولى لي لظهور هويّتي الفلسطينيّة كانت عندما بدأ الإسرائيليون ببناء الجدار الفاصل في منطقتنا، وفُصلنا عن باقة الشرقية في مناطق 1967. والحَدَث الآخر الذي أعتبره مهما في تعاملي مع هويّتي، وهو تطوّر قُدرتي على تقبّل وجهات النظر وأساليب الحياة التي تختلف عني. وهذا حصل مع انتقالي للسكن الجامعي في القدس، والشَّراكة في السَّكَن مع شريكات من أديان وبلدان مختلفة، الأمر الذي كان صعبا جدا عليّ في البداية، خصوصا أنني حتى حضوري للدراسة في القدس، كنت قد عشتُ فقط وسط بيئتي الدينيّة المُحافظة دون فرصة للاختلاط مع أديان أو توجّهات أخرى. تجربتي الشخصيّة في السَّكن الجامعي والتي دفعتني للانتقال إلى مراحل مختلفة من التفكير والتقبّل، جعلتني أرى الأمور بمنظار أوسع وأفهم التّعدديَّة سواء الدينية أو الفكرية التي في مجتمعنا، وأهمية تقبّلنا لبعضنا في سبيل التّغلّب على الكثير من الفِتَن التي تُثار بيننا وتَهدف لإضعافنا. (ص 58-59)

 وقد صارحَت حمزة عندما سألها عن صديقاتها في السَّكن وإنْ كانت على وفاق معهن فأجابت:

-لم يكن الأمر سهلا في البداية، وكانت هناك بعض المشاكل، خصوصا أنّني كنتُ الوحيدة بينهن القادمة من مكان غير مُختَلط دينيّا، فثلاثتهن من قرى أو مدن مختلطة، لذلك لم يبدُ الموضوعُ غريبا بالنسبة إليهن مثلي.

وسألها: لماذا رضيتِ بالسَّكن معهن؟

فقالت: في العام الأول سجّلتُ مُتأخرة للسكن الجامعي، وكان هذا الخَيار الوحيد، مع وعود بالانتقال إلى شقّة أخرى. ورويدا رويدا بدأتُ أعتادُ وتذكرتُ قولَه تعالى "ولو شاء ربّك لجعلكم أمّة واحدة". تعلَّمتُ أنْ أستفيدَ من هذه التجربة لأتعرّفَ على أشخاص مختلفين عن بيئتي من أبناء شعبي. (ص130)

وفي حديث طويل بعد أشهر، ومَقْتَل حبيبها حمزة تُصارحُ عائشة صديقتَها رند قائلة:

- هل أعترف لك بأمر؟ صرتُ أشكّ بإيماني.. أسأل الله كثيرا: لماذا حصل ذلك كلّه؟ وأنا أعرف أنّ هذا حرام، لكنني لا أقدر أنْ أكبت نفسي. ألا ترين أنّ كلّ ما يحصل لنا غريب.. طيلة حياتي وأنا مؤمنة وأقوم بواجباتي الدينيّة، وأنا التي كنتُ أعترض على تصرّفات ريماس، بل وأحيانا على جوليا. وانظري إلى مصيرينا، ها أنا فقدتُ مَنْ أحبُّ إلى الأبد، وأنتِ بسبب إيمانك وتوجّهك المُحافظ كذلك فقدتِ مَن تُحبّين، ونحن وحيدتان، بينما هما تسير حياتُهما بيُسْر، تزوَّجتا وتعيشان بهدوء وسلاسة كذلك في حياتهما العمليّة. لقد فقدتُ ثقتي بنفسي وبتوجّهاتي تماما! أسأل نفسي كثيرا بماذا أخطأتُ حتى أنال هذا العقاب القاسي. وتُتابع:

-رند! لا أعلم إنْ أخبرتك ريماس؟ اتّصلتُ بها واعتذرتُ لها عن كلّ ما بدر منّي تجاهها من قسوة في العام الأوّل لسَكَننا معا، كنتُ أنظرُ إليها أنّها زنديقة. أمّا جوليا فكنتُ أتماسك في تصرّفي معها لأنّها ليست مسلمة، لكنني كذلك لم أكنْ مُرتاحة للكثير من تصرّفاتها، وأعتذر منك أيضا على السّجالات التي خُضّتها مَعكِ حول عقيدتك. حاليا أشعر أنّ مفهوم الصّح والخطأ مُختلط عليّ، لم أعد أملكُ الثّقة للحُكم على أيّ شيء. (ص384)

وحتى ياسين ابن مدينة الخليل المحافظة يعترف أنه كبر وهو مُتشدّد في اعتقاده الدينيّ وانضم لتنظيم "الإخوان المسلمين"، وطورد وضُرب واعتُقل، وفي السجن وجد نفسه وسط مجموعات مختلفة من السّجناء المُنتمين إلى مختلف التيّارات السياسية مما جعله يتعرّف على أفكار وتوجّهات مختلفة:

- "حين أُخرِجْتُ من الحبس الانفرادي للقسم الآخر كان لي نصيب أنْ أُوَسّع قراءاتي ومعارفي وألتقي بأسرى من اتجاهات سياسية وفكريّة لم أقربها من قبل. خرجتُ من الأَسْرِ شخصا برُؤية نَقْديّة، وتصوّرات لتغييرات لتوجّهات الجماعة هنا، لكن الأمر قوبل بالرفض ممّا دفعني لإعلان انسحابي " (ص288)

وبعد خروجه من السجن اكتشف ياسين عوالم جديدة جعلته ينسحبُ من تنظيم "الإخوان المسلمين وحماس" ويستقل بآرائه ويحاول الانخراط في الحياة والتعرّف على الغير، حتى أنّه وقع في حبّ ريم من النظرة الأولى (ص31). ويعترف بتعلّقه بها:

- "فجأة يلوح وجهُ ريم في مخيّلتي، أشعر بانتعاش في صدري وأنا أتذكّرُ أنني سأراها بعد ثلاثة أيام، أعترف أنني لأوّل مرّة أُعْجَبُ بفتاة بهذه السرعة" (ص44-45)،

وكان تعرّفه على رند مُهما جدا لانتمائها للطائفة الدرزية التي كان يقف منها موقفا عدائيّا خاصّة بعد تصادمه مع جندي درزي صفعه على وجهه، وكذلك موقفه من عائشة بكونها مواطنة إسرائيلية حيث استغرب أن يُفكّر حمزة ابن طول كرم بالزواج منها. (ص152) فياسين أصبح إنسانا مُغايرا منفتحا مُتقبِّلا للغير وحاضنا له.

ويتساءل: إذا كان البيضُ الذين استعبَدوا الأفارقة صاروا يتزوّجون دون مشاكل، ألَم يحن الوقت أن نتعامل نحن مع بعضنا بتسامح؟ (ص45)

ومثلهما رند ابنة قرية كفر ياسيف المُنتمية لأسرة درزية روت قصّتها في لقاء رام الله بجرأة. قالت:

-حتى قبل ثلاث سنوات من اليوم كنتُ أُعرِّف نفسي أنّني فتاة درزية عربية إسرائيليّة.

وتحدّثت عن بداية دراستها في الجامعة، والسَّكن مع طالبات من انتماءات أخرى واختلاف الأفكار والعادات وصعوبة التوافق، وخوفها من التجوّل وحيدة في القدس واكتشاف كونها درزية. حتى أنها فكّرت عدم المشاركة في اللقاء الطلابي الذي تقرّر في رام الله خوف عدم تقبّلها من طلاب الضفة الغربية لكونها درزية. ولكنها فوجئت بتَفَهّم الجميع لها والتّرحيب بها حتى أنّ ياسين ابن مدينة الخليل تحدّث عنها ضمن مجموعتهما في اللقاء، وهي تحدّثت عنه. كذلك استطاعت أن تكون الزميلة المركزية حيث لاقت الاهتمام والمَحبّة والصّداقة من الجميع.

هذا ما ترك أثره على رند وزاد من مشاعر انتمائها الفلسطيني ورفضها التّوجّه الإسرائيلي لخطيبها وبيت جدّها، ووجدت أنّه من المُستحيل أنْ تستطيع الحياة مع جنديّ في حرس الحدود، فانفصلت عنه، وأخذت تُفكّر بالسفر إلى الولايات المتحدة حيث يعيش عمّها. وبالفعل سافرت، لكنّها ظلّت على تواصل وعلاقات قويّة مع كل زميلات وزملاء الدراسة الجامعية.

المكان وخاصّة القدس، والمَركزيّة التي احتلّها في بلورة الشخصيّات وصَقْلها

كان واضحا أثرُ المكان الذي عاشت فيه كلّ شخصيّة على تكوِّنها ومَفاهيمها وسلوكيّاتها. فبينما رأينا تَحَكّم العادات والتّقاليد والأفكار والمُعتَقَد الدّيني عند عائشة وياسين ورند، لمسنا التّحرّر في التّصرّف والكلام واللباس وسرعة تَقَبُّل الغير عند ريماس ابنة مدينة حيفا، والتّفهُّم والتّسامح والقُبول للغير عند سلاف ومحمد وحمزة وجورج وجوليا لسَكنهم في مدن وقرى ومناطق منفتحة على الغير، ولهم علاقات اجتماعية، واقتصادية، وعملية مختلفة، ومتشابكة.

أثرُ المكان يبقى قويّا على بلورة وتَكوّن ووَعي كلّ من الشخصيّات في مراحل حياته الأولى كما ظهر ذلك بشدّة في تمسّك جوليا وإصرارها على إجراء مراسيم إكليلها في كنيسة قريتها المدمّرة "إقرث"، وياسين في توجّهه الديني وانضمامه للإخوان المسلمين وحماس، وعائشة في تردّدها ورفضها لزميلاتها في الأشهر الأولى من دراستها الجامعية، ورند في تقوقعها في درزيّتها وتمسكها بإيمانها خاصة عندما تقوم بزيارة لمقام النبي الخضر القريب من منزها.

وشهدنا التّحوّل الكبير الذي حدث على ياسين عندما اختلط بالغير وتعرّف على رفاقِ سجن من تنظيمات مختلفة وأفكار جديدة، وبعد خروجه من السجن حيث اندمج في الحياة العامّة وتعرّف على طالبات وطلاب جامعة مُتنوّعي المُعتقد الديني ومكان السَّكن يحملون مفاهيم مغايرة وعادات غريبة عليه. ومثل ياسين حدث لعائشة التي وجدت نفسَها بعد أشهر تتقبّل زميلاتها وتتَعايش مع مفاهيمهن وعاداتهن وسلوكهن وحديثهن حتى أنّها مع المدّة أصبحت واحدةً منهن، وخرجت من قوقعتها وأحبّت وعشقت وتمرّدت وغضبت حتى أنها شكّت بإيمانها وبكل ما كانت تلتزم به. ومثلها جوليا تحرّرت من تعلّقها بإقرث وبدأتْ تشعرُ وترى في كلّ موقع من البلاد وطنَها، وهكذا رند، خروجها من بيتها وحيّها وبلدتها، وحياتها في الجامعة مع زميلات وزملاء من القدس والضفة الغربية إضافة إلى المُقيمين في الجليل والمثلث، ومشاركتها في مختلف النشاطات السياسية والاجتماعية أخرجتها من شرنقتها الدرزيّة وعادت بإيمان صادق لانتمائها العربي الفلسطيني.

وكان لمدينة القدس التي يصفها قيس "دُرّة من دُرر المدن العربية" ويرى أنّ الأمة العربية  لا تستحقّها" (ص349) أثرُها وفَعاليّتُها في بلورة شخصية وأفكار وسلوكيّات الجميع حيث صهرتهم في بوتقة واحدة، وجَمَعتهم في مختلف الفَعاليّات والنّضالات والأحداث التي شهدتها القدس وشاركوا فيها، وخاصّة في باب العامود والأقصى.

والأمكنة التي انتمت اليها الشخصيّات بما فيها القدس حيث التقوا وتعارفوا وناضلوا ودرسوا في جامعاتها لم تبق مُجرّد مكان وُلِدَ الواحدُ منهم وكبُرَ فيه، بل أصبحت مُنصهرة في كيانهم وعقليتهم ومَشاعرهم، لا يذكرونها كأمكنة عاشوا فيها لفترة في شريط عابر لماض بعيد أو قريب، وإنّما أمكنَة تأخذُهم إليها، عايشتهم وحفظت قصصَهم وأسرارَهم حتى إذا ما عاد إليها أحدُهم واستثارها بمُداعبة الزمن البعيد واستذكار ما كان له في هذه الأمكنه، انتفضت هذه الأمكنة كأمٍّ عاد إليها ابنُها البعيد فتُحيي فيه كلَّ الماضي، وتُستعاد كلّ الأحداث والقصص والأشخاص الذين كانوا معه، فيذكر صديقا بَعُدَ، وقريبا فُقِد، وحبيبة هَجَرت، وبيتا هُدم، فترتسم البسمات، وتسيل الدموع، وتُمَدّ الأيدي للعناق، وتُسمَع التَّنهدات، وتتكشّف الأماكن التي اعتقدناها جامدة لا تحفظ أثرا ولا تصدُق مع أحد، ولا تذرف دمعا على ابتعاد وافتقاد مَن عايشها ورعاها ، تتكشف لنا بأنّها لم تتركنا، ولم تُغادر أرواحنا، وظلّت تعيش معنا، وترافقنا في تنقلاتنا بصَمْت وصَبْر وحبّ حتى تكون لحظة تحريكنا لها وإيقاظها من سباتها فتنتفض بكل حيويّتها لتأخذنا إليها وتُعيدنا لتلك الأيام والسنين والحياة اُلتي حُرمنا ولا نزال نَحِنُّ إليها.

وهذا ما لمسناه وعشناه مع جوليا وعلاقتها ببلدتها إقرث ورَنْد وارتباطها بحيّها وبلدتها كفر ياسيف ومقام النبي الخضر ومحمد والتصاقه بأرضه التي رأى فيها جنّته على الأرض ولم يتحمّل صدمة مُصادرتها وفَقْده لها حتى أنّه قطع علاقته بكل العالم وبأعزّ الناس عليه، محبوبته سلاف. وفي علاقة وارتباط الجميع، كل ببيته وبلدته وأرضه، وخاصة بمدينة القدس وشوارعها ومواقعها وحاراتها ومساجدها وكنائسها وناسها التي أصبحت مُكَوِّنا أساسيّا من وجودهم واهتمامهم. فغدت هذه الأماكن شريكا ملازما ووفيّا للشخصيّات، لها دورُها وأثرُها وفاعليتُها في صُنْع الأحداث وسيرورتها. فالتّلاحم اكتمل بين الشخصيات والأمكنة، فكما الشخصيّات أيضا الأمكنة، وبالذات القدس أصبحت ترى وجودَها وتكاملَها واستمراريتها لا يكون إلّا بهذا التّلاحم مع أبنائها الذين يفتدونها بأرواحهم. فبلاطها يُردّد صدى خطاهم، وأزقّتها صدى كلامهم، ومصابيحها ترسم ظلالهم. (ص396)

جماليّة النّصّ

 أعود لأذكّرَ بما قلتُ في بداية كلامي:

"الفراديس الملغومة" ليست رواية بمفهومها الكلاسيكي، وبشخصيّاتها الرئيسية والثانوية، وبقصّتها المركزية ومُلحقاتها من القصص الجانبية، ولا رواية بحلّتها الحديثة المُتغيّرة من كاتب لآخر، ولا بالتّفنّن في سَبْك العبارات واختيار المُفردات ورسْم المشاهد المتأرجحة ما بين الواقع والخيال والمعقول واللا معقول، وإنّما هي نصّ ما بين النَّفَس الروائيّ والمَلحميّ، يتقاسم الأدوارَ فيه العديدُ من الشخصيات، كلّهم أناس عاديّون بتصرّفاتهم وعلاقاتهم وكلامهم ولغتهم ومشاكلهم وحياتهم اليومية.

فقد اهتمّت الكاتبة في سرديّاتها المُتشعبة أن تُحافظ على اللغة السّهلة المفهومة القريبة من لغة كلّ إنسان، فلا تنساق وراء التّعقيد في صياغة العبارة، ولا الإغراب والإعجاز في اختيار المفردات، ولا اللغة الشاعرية والتّحليق بعيدا عن الواقع. كما اهتمّت أن تحافظ على استقلاليّة كل شخصية في تفاعلها وتطوّرها وتقبّلها ورفضها، وكانت تدع كل شخصية تختار الضمير الذي تريده، فتارة تختار ضمير المتكلم وأخرى ضمير الغائب ومرّة أسلوب الحوار، ومراث تُؤثر الصّمت وتنطلق باستحضار ماض بعيد وأشخاص عايشتهم فيختلط الماضي بالحاضر وينطلق للمستقبل أحيانا كثيرة. والأزمنة تتداخل وتتباعد، ولا خطّ أفقيّ يأخذ بالقارئ من البداية حتى النهاية رغم أنّ الزمن يبدو وكأنّه مُحدّد من قبل الكاتبة بكتابة تاريخ اليوم والشهر والسنة، ولكنها تأخذ بالقارئ إلى أحداث وأمكنة وأزمنة متفاوتة، وليس ذكر اليوم والشهر والسنة في بداية المشهد إلّا لتحديد زمن الكتابة للنصّ.

خاتمة تُبشِّر بالبدابة

المشهد الثالث والخمسون هو الخاتمة المُبشِّرة بالبداية، هو مشهد القدس دُرّة دُرر المدن كما وصفها قيس، فكما كانت المُوحدة، وأزالت كل الفروق بينهم، هكذا هي في المشهد الأخير تعود لتحضنهم كلّهم وقد جاءوا لنُصرتها وحمايتها بالمشاركة في الوقفة والاحتجاج على قرار ترامب رئيس الولايات المتحدة بقراره في نَقْل سفارة بلاده من تل أبيب إليها.

وبينما كان ياسين يُقبّل أرض القدس ويُردّد: أخيرا أنا في القدس. وكل الأحباء حوله يقفون صامتين، وإذ بدأوا بالسَّير شعروا ببلاط القدس يُردّد صدى خطاهم، وأزقّتها صدى كلامهم، ومصابيحها ترسم ظلالهم. والقدس فرحة سعيدة تبتسم وتُهلّل: لم أكن وحدي هذا المساء. (ص396)

***

د. نبيه القاسم

https://nabih-alkasem.com/

باستنطاق العدم وتقويض اليقين في نص (المصباح المظلم) للشاعر المصري المبدع محمد أبو عيد

المصباح المظلم

غيمة رماد ...

أمطار مظلمة...

النهار يحتاج إلى مصباح!

ابتلع آلاف السنين...

ومازال عارياً بلا طريق!؟

الأيام التي جمعتها أقدامه في مراياه

ليس فيها غير ذكرى وعدة أكوام من الوهم!

القناع الأليف داخل الدوامة

يقرأ شيئاً من مجهول نعرفه!

في أية عيون انتحرت الدموع النظيفة ؟

غضضت الطرف؛ لم يكن لي سوى ذلك!

زهرة الندم...

ذات البساتين والأضواء المطيرة

أراها تجلس على باب الخراب؛ ممزقة الأغصان

تتسول من الأحجار رعشة ماء!

ماتت على ذراع الجذر الناعس ...

الكوكب ينزف غباراً باردا

ارتدينا النوافذ الثقيلة

بنفيخ النايات أشعلنا الصمت

وتطوفنا حول المدفأة!

زهرة الغفلة عطرها أعمى

العائدون من الجفاف

أغرقوا المشهد في سؤال عقيم

في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف؟!!

صلاة الأوهام؛ لن تعيد القميص إلى وجه الأرض

لسنا أنبياء؛ لا نملك عصفاً في العروق

لم يكن بخوراً هذا الذي أيقظنا به الابتهالات

كانت خمرة خطيرة الأهواء والألوان

على الحبلين؛ مارسنا كل طقوس الرقص

ارتعش الجذر؛ اهتزت كل الأغصان

تساقطت أوراق شجرتنا مدينة مدينة

دون أدنى شك

لن نجد ظلاً يواري عرايانا

كل من سقط بمحض إرادته

ليس له من السماء منحة ضوء

المصباح في كف أعمى

لا يمحو شخابيط الظلام

مقدمة منهجية رؤيوية:

إن الولوج إلى فضاء نص "المصباح المظلم" هو محاولة لترميم شتات الوعي الإنساني الذي بات يعاني من "تآكل اليقينيات"

 إن هذا النص لم يبرز استعاراته فقط لكنه يضعنا أمام "أنتولوجيا الفشل" عندما يتحول الوجود إلى سلسلة من الانكسارات المتلاحقة التي تبدأ من الرماد وتنتهي بالعمى

فلو تمعنا بالنص نراه ينبثق من أفق تأويلي مركّب يستند إلى تقاطع المنهج التفكيكي مع الرؤية الوجودية لينفتح من خلال ذلك على الحسّ الفينومينولوجي حينها تتحوّل لغة الناص إلى مجال كشف إلى جانب التعبيرية وتتأسس القراءة هنا على استحضار تصوّر الكينونة عند (مارتن هايدغر) حيث الوجود ينكشف عبر القلق والتصدّع وعلى منطق الاختلاف والإرجاء عند (جاك دريدا)

إذ أنّ المعنى يظلّ منزاحاً مؤجّلاً وعلى التوتر العبثي عند (ألبير كامو) بحيث الإنسان يواجه كوناً منزوع الغاية وبهذا يغدو النص فضاء لتنازع الدلالات بحيث العلامة تتحرّك داخل شبكة من الإشارات المفتوحة

إذاً فالنص ينتمي إلى (شعرية الانكشاف) أو (الوجودية المتشائمة) فلقد تعامل الشاعر القدير مع لغته بحرفية لإبراز ملامحها فلم يعتمدها كتشخيص لحالة الوعي المحاصر

فالمنهج المتبّنى هنا هو "الظاهراتية الوجودية" بحيث يُنظر إلى العالم كحالة شعورية تتشكل من خلال "الوعي المأزوم"

 فالقصيدة بمعناها ترفض الاستقرار الدلالي وتعتمد "تفتيت الصورة" كآلية للتعبير عن تفتت الذات

الدلالة العنوانية

(المفتاح النصي):

يبقى العنوان هو "نواة تناقضية" بامتياز لدى شاعرنا

ف​دلالة المصباح هنا: تمثل في الفلسفة الغربية والشرقية رمز (العقل) (الأنوار) و(الهداية) و(المعرفة)

وأما دلالة المظلم:

فهي نفي للوظيفة الوجودية للمصباح

إذاً كنهج فلسفي فإن العنوان يتبنى "العدمية المعرفية" فنحن أمام حالة "عجز الآلة" عن أداء وظيفتها

فهو يُعلن مسبقاً أن "الأدوات" التي نمتلكها لفهم العالم (منطق- عقل- دين) قد فسدت وفقدت قدرتها على الإضاءة

فقيمة المفارقة أنطولوجياً

لل"المصباح المظلم" حين نلمسها كتركيب هي تؤسس منذ البدء لإنقلاب القيم بحيث النور يفقد يقينيته ويتحوّل إلى حامل للعتمة وهذه المفارقة تتجاوب مع تصور (دريدا) حول تقويض الثنائيات حيث أن النور ماعاد ذاك المركز الثابت إنما أصبح جزءاً من لعبة الاختلاف ومن زاوية (هايدغر) يمكن النظر إلى العنوان كعلامة على انحجاب الكينونة حين ذلك فإن أدوات الكشف ذاتها تدخل في دائرة الانطفاء

القراءة التحليلية الشمولية

 في (البنية- -والنحو- والسياق)

فلو نظرنا ​للمقطع الأول:

فإننا نحيله إلى "التأسيس العدمي"

كما في ​(غيمة رماد... أمطار مظلمة... النهار يحتاج إلى مصباح!)

أما عندما نحيله نحوياً:

 فالبدء كان بنكرة (غيمة- أمطار) لذلك فهذا يفيد "التعميم" والغموض ومع غياب الفعل في الصدر الأول تتحول الجملة إلى "صورة ثابتة"

وعن تشريحه سياقياً: ف"النهار" هو (الوضوح المطلق)

ومع ذلك يفتقر إلى المصباح (الوسيط)

فكيف يكون هذا ؟! من هنا تكمن المفارقة البنيوية إذا كان النهار يحتاج مصباحاً فهذا يعني أن الشمس (الحقيقة/المطلق) قد غابت أو فقدت دلالتها

أما لو إلتفتنا إلى دلالة الرماد:

فإن الرماد هو النتيجة النهائية للاحتراق

فالبداية ليست "بداية" لكنها "نهاية"

فالشاعر بالتأكيد كان يعني ذلك فلقد نحى نحو تفكك النظام الكوني

كما في:

 "غيمة رماد.. أمطار مظلمة.. النهار يحتاج إلى مصباح"

لتشتغل هذه البداية على هدم البنية الطبيعية للعالم

 فالغيمة التي يفترض أن تحمل ماء الحياة ترتبط بالرماد أثر الاحتراق

 فيما الأمطار تفقد خصوبتها لذلك يتبدّى هنا ما أشار إليه (كامو) من عبثية العالم بحيث العناصر التي تمنح الحياة تنقلب إلى نقيضها النهار في ذروته الضوئية يغدو محتاجاً كأن الوجود قد فقد توازنه

إذاً تتضح الحرفية العالية في النسيج البنيوي حين ننظر إلى اعتماد الشاعر على "الجملة الاسمية" في مستهل النص حيث "غيمة رماد" و"أمطار مظلمة"

فهذا التشكيل النحوي لم يكن اختياراً عفوياً إنما هو اختيار فلسفي يهدف إلى "تجميد الزمن" فالجملة الاسمية توحي بالثبات والدوام والرسوخ مما يعطي انطباعاً بأن هذه المأساة ماهي بالحدث العابر لكنها حالة وجودية أبدية

 هي واقع ثابت لا يزول

 وإن انتقاله بعد ذلك إلى الفعل "ابتلع آلاف السنين" يكسر هذا السكون ليحوله إلى "ديناميكية التهام" بحيث يصبح الزمن كائناً مفترساً يبتلع التاريخ وتظل الذات "عارية" وهذا العري النحوي (جاءت مفردة "عارياً" حالاً من ضمير مستتر) هو عري من المعنى

 عري من الغطاء الوجودي مما يضع القارئ أمام حقيقة أننا نعيش في "خواءٍ تاريخي"

أما لو استقرأنا المقطع الثاني: فإننا نسقط عليه (الزمن والافتراس) في جملة: ​"ابتلع آلاف السنين... ومازال عارياً بلا طريق!؟"

أما عن تحليله بنيوياً:

 فالفعل "ابتلع" يسند لفاعل مضمر (الزمن/العدم)

وقيمته النحوية:

"عارياً" حال من ضمير مستتر تقديره (هو)

 فالعري هنا لم يكن حسياً إنما هو "عري وجودي"

وعن "أكوام من الوهم" فهو تركيب إضافي يقلب المادي (أكوام) إلى تجريدي (وهم) مما يبرز "ثقل العدم" على كاهل الذات

إضافة نلمح الزمنية والعدم:

 أي الامتلاء الذي يقود إلى الفراغ

ونلمسه في:

"ابتلع آلاف السنين.. ومازال عارياً بلا طريق"

إن الزمن بالنص يتحول إلى قوة استهلاك

 غير أن هذا التراكم يقود إلى انكشاف في ضوء رؤية (هايدغر) بما معناه بأنه يمكن قراءة هذا العراء كحالة انكشاف الكائن أمام ذاته

إذ أن الزمن لم يمنح المعنى لكنه يكشف هشاشته

ف"أكوام من الوهم" تحيل إلى تفكك الذاكرة بما ينسجم مع طرح (دريدا) حول عدم استقرار المرجع حيث الماضي نفسه يصبح بناءً لغوياً متصدعاً

وما نستشفّ معناه في المقطع الثالث:

​"القناع الأليف داخل الدوامة / يقرأ شيئاً من مجهول نعرفه!"

وكدلالة فلسفية: نرى أن "القناع الأليف" استعارة للمألوف الذي نرتديه (الاجتماعي- الثقافي)

​ونلمح ذاك التناقض السياقي في "مجهول نعرفه"

 فهنا بنية تناقضية تعبر عن "القلق الوجودي" نحن نعرف حقيقة وجودنا (أننا لا شيء) لكننا نجهلها (نرفض الاعتراف بها)

ف"القناع الأليف داخل الدوامة"

كي تحضرنا هنا رؤية (فريدريك نيتشه) حول الأقنعة بحيث الهوية تُبنى عبر التكرار والتخفي

 والألفة تمنح القناع شرعية فيما الدوامة تشير إلى غياب مركز ثابت

 والذات حينها تتحرك داخل تعددية لا تستقر

فجملة "مجهول نعرفه" هي عبارة تنتمي إلى منطق الاختلاف حيث المعرفة لا تبلغ يقينها إنما تظلّ على حافة الإدراك

ونستدل بتمعننا:

"في أية عيون انتحرت الدموع النظيفة"

بأنه من خلال هذه الصورة التي تقترب من تصور (جان بول سارتر) حول الحرية المأزومة أن الفعل حتى في أنقى حالاته يتحول إلى اختيار مؤلم

فالدموع التي ترتبط عادة بالتطهير تنقلب إلى فعل تدميري مما يعكس تصدّع البنية الأخلاقية

أما ماتستنطقه دلالياً جملة زهرة الندم:

فمن خلالها تتبدى جمالية التلاشي

في "تتسول من الأحجار رعشة ماء"

إن الصورة هنا تنفتح على أفق عبثي يذكّر بتأملات (إميل سيوران) بحيث الرغبة تتجه نحو المستحيل

نحو مادة فاقدة للحياة

ومن هنا تتجسد ذروة الانكسار بحيث الحياة تطلب نفسها من العدم

وهنا نمنح التأويل في:

"ماتت على ذراع الجذر الناعس" بترسّيخ فكرة عجز الأصل وكأن المنبع ذاته دخل في سبات وجودي

أما عندما نعيد إنتاج ما معناه دلالياً في المقطع الرابع عن: زهرة الندم فهنا نمعن في (أنسنة الجماد) وهذا يحسب للشاعر المبدع القادر على إرسال وقع الجملة في إحالة مدهشة كما في:

 ​"زهرة الندم... / ذات البساتين والأضواء المطيرة / أراها تجلس على باب الخراب"

​وحين نسترسل في التحليل النحوي:

فإن إسناد فعل "تجلس"

لـ "زهرة" هو (استعارة مكنية)

فلقد تأصلت ​بنية عميقة حين: "زهرة الندم"

تجاور "باب الخراب"

إذ نلاحظ

التضاد بين "الزهرة

/البساتين" دلالة على (الحياة)

و"الخراب/الأحجار" دلالة على (الموت)

فالتناص هنا يشير إلى "عقم" المحاولة فالندم إذاً لا يثمر في أرض الجفاف

ومانفتحه دلالياً على التأويل أيضاً في المقطع الخامس:

في ​"الكوكب ينزف غباراً باردا / ارتدينا النوافذ الثقيلة / بنفيخ النايات أشعلنا الصمت"

​نجد أن "ينزف غباراً" صورة سريالية تعكس "تفسخ المادة"

و​بنية الفعل "ارتدينا" (نا الفاعلين) تعبر عن المسؤولية الجماعية

 "نفيخ النايات أشعلنا الصمت"

هنا تتبلور المفارقة في

إشعال الصمت" والتي تعبر عن محاولة يائسة لصناعة معنى في عالم أصم

ومانقرأه قراءة رمزية في المقطع السادس هو:

نقد الميتافيزيقا (قميص يوسف)

فنرى:

​"في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف ؟!! / صلاة الأوهام؛ لن تعيد القميص إلى وجه الأرض"

ف​نستشف كتحليل بنيوي الانتقال من الصورة الشعرية إلى "الاستفهام الإنكاري"

وحين نفكك جملة "قميص يوسف" فهي رمز للمقدس والنجاة وإن وضع "قميص يوسف" في "صلاة الأوهام" هو فعل "تفكيكي" جريء بحيث تُسحب القداسة من الرمز وتُوضع في سياق العدم المعاصر وهنا تتمظهر حرفية الشاعر العالية في إحالاته الرمزية وإسقاطاته المجازية الملفتة

فالخلاصة النحوية نراها تتبدى واضحة في:

"لن تعيد" هنا (أداة النفي المطلق) فالقرار هنا نهائي:

 أي الرموز الدينية لا تقدم حلولاً لأزمة وجودية علمانية

وكما أخذنا الناص البارع إلى استنباط مانشير إليه

بالإنغلاق الجمعي: أي ارتداء العالم

"ارتدينا النوافذ الثقيلة"

فالصورة تحمل بعداً (هايدغرياً) حيث السكن في العالم يتحول إلى انغلاق

إلى لبس للحدود - النوافذ التي يفترض أن تفتح تغدو جداراً إضافياً بما يعمّق العزلة

ونمعن في التناص وإعادة تفريغ الرمز

"في أية ابتهالات يختبئ قميص يوسف"

ونحاول الإشتغال على تأويلية الرمز الديني الذي نرى بأنه يُعاد تأويله ضمن أفق جديد قريب من قراءة (بول ريكور) بحيث الرمز يحمل فائض معنى

 غير أن النص يفرّغ هذا الفائض فيتحول القميص إلى أثر مفقود وتغدو الصلاة عاجزة عن استعادته

 والمعجزة تنسحب تاركة خلفها سؤالاً مفتوحاً

إذاً لو دققنا بعمق أكثر كمعالجة سياقية للصورة الشعرية فهي تنطلق من تفكيك الرموز التراثية وهو ما يبرز نضج الشاعر شعرياً وقدرته على تجاوز التناص السطحي حين يطرح"قميص يوسف" فهو لا يستدع القصة الدينية في سياقها الإيماني إنما يستدعيها في سياق "سوسيولوجيا الوهم" إن السؤال "في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف؟" يحول الرمز من "بشارة" إلى مساءلة" فهو أي الناص هنا يسقط قداسة الرمز ويضعه في ميزان الخيبة المعاصرة مؤكداً أن "صلاة الأوهام" لا تملك سلطة التغيير وهذا التوظيف هو "تفكيك" حداثي بامتياز بحيث تتحول الأيقونات الثقافية إلى شواهد على عجزنا فتصير "الأغصان الممزقة" و"زهرة الندم" استعارات لحالة "العقم الإبداعي" الذي تعانيه الذات البشرية حين تجد نفسها مطوقة بجفاف الروح

ونفكك حدثية الطقس العبثي والسقوط التدريجي في:

"على الحبلين مارسنا كل طقوس الرقص"

فهنا الصورة تستدعي هشاشة التوازن حين الفعل يتم فوق فراغ -الطقس بدلاً من أن يمنح معنى يتحول إلى تكرار مهدد بالسقوط في انسجام مع العبث (الكاموي)

وفي "تساقطت أوراق شجرتنا مدينة مدينة"

فالشجرة نقرأها هنا

كرمز للحياة الجمعية وهي تفقد تماسكها تدريجياً في صورة تفكك حضاري ممتد

أما عن العمى باعتباره استعارة معرفية

"المصباح في كف أعمى"

نجد من خلال هذا بأن المفارقة القصوى تتكثف فأداة الكشف تقع في يد فاقد القدرة على الإدراك وهنا تتجلى أزمة المعرفة في أقصى صورها "لا يمحو شخابيط الظلام"

فالظلام يتحول إلى كتابة إلى أثر راسخ والمصباح يعجز عن محوه بما يعمّق الإحساس بسيطرة العتمة

وعن المقطع الأخير يتجلى هنا العجز المطلق:

​"المصباح في كف أعمى / لا يمحو شخابيط الظلام."​ حين نقرأ بروية فإننا نقترب من: العودة إلى "المصباح" (العنوان)

المصباح موجود لكن "الحامل" أعمى

​ومفردة "شخابيط" هي مفردة عامية/بسيطة تكسر حدة اللغة الفصيحة وهنا تلعب القصدية من قبل الشاعر القدير ليبرز "ضآلة الظلام" وعبثيته فهو لم يكن ذاك الظلام المهيب لكنه "شخابيط" لا قيمة لها ومع ذلك نحن عاجزون عن مسحها

إن هذا النص في بنيته الكلية ليس قصيدة لكنه "بيان وجودي" لقد استطاع الشاعر في هذا النص أن يحقق "وحدة العضوية" فكل فقرة هي لبنة في جدار القلق الذي بناه فلغته تمتاز بـ "التوتر الحاد" فالشاعر لم يصف العالم إنما إنفعل به واختياره للمفردات (رماد- خراب - جفاف - قميص

 - شخابيط) يشكل معجماً يسمى"معجم الانكسار" فالنهج السياقي الذي اتبعه في النص ينم عن وعي فائق باللغة بحيث لا توجد كلمة تائهة أو حشو زائد

الجملة عنده هي "وحدة طاقة" تبدأ بانفجار (غيمة رماد) وتنتهي بتلاشٍ (شخابيط الظلام)

لغة هي وثيقة إدانة لكل اليقينيات الزائفة التي نعيشها إنه نص "فيلسوف" لأنه لا يسأل "كيف؟" إنما يسأل "لماذا؟"

وبصمتٍ فجيعٍ لا يجد جواباً تاركاً القارئ في مواجهة المصباح المظلم

وفي خاتمة النص تكتمل الرؤية الفلسفية فالمصباح الذي بدأنا به كعنوان ينتهي وقد صار في "كف أعمى" هذه هي النقطة التي يلتقي فيها البنيوي بالفلسفي بحيث تنغلق الدائرة على نفسها مؤكدة أن المصير هو "الظلام"

إن خاتمة النص هنا لم تكن نهاية للقصيدة لكنها "حكمٌ على الواقع" حكم بالعدمية التي لم تتوظف من باب العبث الفراغي إنما من باب "الصدق الوجودي" الذي يرفض خداع النفس

إن هذا النص يمثل تجربة إنسانية متكاملة يبرز فيها تمكن الشاعر من أدواته ليس فقط في انتقاء المفردات لكن في قدرته الفائقة على حبك "خيوط المعنى" بحيث لا يمكن استخراج فكرة دون أن يتداعى النسيج كاملاً وهي سمة نادرة تدل على وعي عميق بضرورات البناء الشعري الحداثي بحيث تصبح اللغة هي الوجود والوجود هو القصيدة والقصيدة هنا هي"صرخة واعية" في وجه عالم يصر على البقاء في "المصباح المظلم"

فالنص منظومة شعرية عالية الاشتغال حين اللغة ترتقي إلى مستوى يمكن نعته بـ"اللغة الكينونية التأويلية" لغة تتجاوز حدود الوصف لتغدو أداة حفر في طبقات الوجود وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم ضمن أفق متوتر مفتوح على القلق والأسئلة

البنية تكشف عن وعي حاد بمسارات الدلالة كما نوهنا بحيث كل مفردة موضوعة ضمن شبكة دقيقة من العلاقات تتيح لها أن تتوالد دلالياً وتنتج فائضاً من المعنى فالصور لا تأتي للإستعراض لكنها تستنبط كأدوات تفكير تشتغل على تفكيك الواقع وإعادة بنائه

والنهج السياقي يتدرج من الكوني إلى الذاتي ومن الطبيعي إلى الرمزي في حركة انسيابية محكمة تكشف عن شاعر يمتلك قدرة عالية على ضبط الإيقاع الداخلي للنص وعلى قيادة اللغة نحو تخومها القصوى هذا الاشتغال يمنح النص طابعه الفلسفي بحيث أن الشعر يتحول إلى ممارسة تأملية عميقة

فلقد أبهرتنا اللغة التي تتسم بكثافة نادرة وبقدرة على إنتاج المفارقة دون افتعال مما يجعلها لغة مشبعة بطاقة دلالية عالية يمكن إحالتها أيضاً إلى ما يمكن تسميته: "شعرية الانكشاف المعتم" حيث العتمة غير حاجبة للرؤية لكنها تعيد صياغتها وتمنحها عمقاً يتجاوز السطح

بهذا يتأكد حضور الشاعر ضمن أفق حداثي واعٍ يشتغل على تفكيك البنى الجاهزة ويعيد إنتاج اللغة كذات حية نابضة قادرة على ملامسة جوهر الكينونة وإعادة طرح الأسئلة الكبرى بصيغة شعرية تتقاطع فيها الفلسفة مع الجمال في أعلى تجلياتهما

بورك هذا القلم

مودتي والتحايا

***

مرشدة جاويش

 

يقوم البناء السردي لرواية " خروج من الشرنقة " للروائية التونسية بثينة طراد على عناصر ومقومات الحكي الأساسية والمعروفة، من شخوص، وأحداث، ومكان، وحوار ووصف... مع إضافة متغيرات على مستوى تعدد الرواة، وتناوبهم على الحكي، وتنويع أساليب السرد، وتقاطع مهام الشخصيات من تطويق للحدث، واستحضار وتعالق في الالتفاف حول ما يحيط به، ويؤثر على نسق وسيرورة مجرياته، مما يكسر رتابة السرد، ويحد من دفق استطراداته وتفاصيله.

ولعل ما يميز الرواية هو وفرة الشخوص، وكثرة الأحداث، وتعدد الرواة، إلا أن هناك شخصيات محددة هي التي أسهمت، وتحكمت في دفة تسيير الوقائع، ورسم مجرياتها ؛ ويبقى الحدث الأبرز منصب حول موضوع المرأة داخل وسط أسري يكبلها بقيود مواضعات لا تراعي إمكاناتها وقدراتها الشخصية، وتحد من حريتها الفردية، وتجهز على كل رغباتها الوجدانية، ومؤهلاتها المعرفية، وهو ما أثر على شخصية ثريا، وصديقاتها نور، وفاتن، وإشراق اللواتي تناوبن على رواية قصصهن، كاشفات على ما يوحدهن من معاناة، وما يجمعهن من هدف يختزله التمرد على نمط حياة أسرية واجتماعية لا تؤمن بإمكاناتهن الذاتية، وحقوقهن القائمة على مبدأ الحرية والاختيار. وكان لمُكوّن الشخصية حضور بارز ولافت في الرواية، وبالأخص ثريا ففي فصولها الثلاث عشرة لم يخل من حضورها سوى الفصل الثاني في انزياح عن خطية السرد، الذي لم تحضر فيه كشخصية محورية، لتبرز شخصيات مثل بسمة / نوارة، والأم خديجة، وابنتها زينب، وأم بسمة، وأختها الصغرى، وشقيقها الأكبر، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد الذي تساعده في تسيير أمور المتجر الوحيد بالقرية الذي خلفه والدها المتوفى، وأمها التي تهتم بشؤون البيت موازاة مع نسج الزرابي، وتربية الدجاج وبيع البيض، لتتماهى شخصية بسمة / نوارة مع شخصية ثريا في العديد من المواقف والوقائع، ويسهم الجد عبد المجيد بحكايته إلى جانب باقي الرواة الذين تناوبوا على سرد قصصهم في الفصول الأخيرة من الرواية كفاتن، وإشراق، ونور وثريا التي تظل محور الشخصيات التي تمسك بزمام الحكي وخيوطه، والتي تدور حولها أحداثه ووقائعه انطلاقا من محيطها الأسري، وطبيعة، وتنوع علاقتها بأفراده ؛ من زوج وأبناء، إلى تماهي هذه العلاقة ببسمة / نوارة خارج إيقاع خطية السرد ومجرياته، وصديقاتها نور، وفاتن وإشراق، فضلا عن شخصيات أخرى ارتبطت ببسمة مثل والديها، وأختها الصغرى، وأخيها الأكبر، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد لتظل ثريا المسيطرة على جل فصول الرواية وتفاصيلها منذ الفصل الأول الذي دشنته بوقوفها قبالة المرآة متأملة وجهها، وما صاحب ذلك من إحساس بما طرأ عليه من تغييرات: " ونظرت في المرآة وجدت شخصا آخر لا تعرفه غريبا عنها... " ص11، وما انتابها من استغراب تمثل في اصطدامها بوجه آخر غريب عنها ؛ كسته التجاعيد، وخفت توهج نظراته: " شخصا في العقد الخامس من عمره شعر فضي وتضاريس متنوعة تغطي كامل جسمها، مع وجه لعب به الزمن وملأه بالأخاديد وعيون منطفئة يسكنها الظلام والتيه " ص 11، إلى الفصل الثالث عشر والأخير والذي تضمن قصتها التي روتها بنفسها إتماما وتتويجا لرواية صديقاتها، تواليا، قصص حياتهن الزوجية بالخصوص فلا تتردد عن سرد حلمها الأخير لنوارة التي طلبت منها ذلك ذات تجلّ وتمظهر: " ـ هو حلم غريب، شعرت بأنني أسقط من أحد المرتفعات. وجدت نفسي بين أناس يحملون داخل صدورهم قلوبا ثقيلة كثقل الجبال، عكسنا تماما، نحن قلوبنا خفيفة كالفراش. " ص342. ومن أهم الأحداث التي تضمنتها الرواية، والمرتبطة ب ثريا حين تعرضت لانهيار عصبي ونفسي: " لم تتحمل المسكينة كل ذلك الضغط المسلط عليها والذي فاق قدرتها، فانهارت كالجرف على الأرضية وأغمي عليها. " ص19، مما جعلها تدخل في نوم امتد لثلاثة أيام والذي أشاع موجة من الخوف والهلع في نفوس أبنائها إلى أن طمأنهم الطبيب على حالتها بعد أن فحصها وسأله ابنها سفيان: " أخبره أنها بصحة جيدة وأن كل الذي تمر به عابرا وستتحسن قريبا بعد أخذها للعلاج اللازم... " ص48، كما أوصاهم بعرضها على أخصائي نفسي: " ثم أكد عليه عرضها على مختص نفسي لفهم الحالة ولمعرفة أسبابها، وحبذا أن يكون ذلك في أقرب وقت ممكن. " ص48. وعند زيارتها للطبيب النفسي كشفت الكثير من تفاصيل معاناتها قبل أن تتخذ قرار التمرد على وضع أغرقها في دوامة إهمال ذاتها وخدمة الآخرين: " لقد مرت مدة لا بأس بها وأنا على هاته الحالة، وها أنا في العقد الخامس من عمري وما زلت أنازع الرغبة في تحرير نفسي... أنا زوجة وأم مستميتة في أداء الدور المنوط بعهدتي. شديدة الحرص بأن لا أقصر في واجباتي تجاه البيت وكل أفراد الأسرة... كنت نسيت أن هناك شخصا آخر تستحق مني الرعاية والعناية... شخص آخر كان عليه أن يكون من أول أولوياتي... هذا الكائن المنسي هو أنا... " ص129، ثم مافتئت تتدارك الوضع لتعمل وتعمد بإصرار على الانتقال من حياة الرضوخ والخنوع إلى حياة مغايرة تهتم فيها بذاتها، وتوفر لها ما تستحق وتتطلب من سبل عيش أكثر انفتاحا وتحررا واتساعا، وقد أُعْجِب الطبيب بوعيها بحالتها، من خلال رؤيتها وتطلعها لحياة جديدة مختلفة عن تلك عاشتها لفترة طويلة حين أقر بذلك: " حقا إن دواءك بين يديك فمثلما شخصت العلة سارعي بتشخيص الدواء ثم القيام بخطوات فعالة، ما تريدينه موجود بداخلك، فقط ركزي على نفسك وستجدين تلك اللؤلؤة المفقودة التي تبحثين عنها... " ص138، لتمر زيارتها للطبيب النفسي بيسر وسلاسة بعيدا عن أي صعوبات أو تعقيدات بما أبدته وعبرت عنه من تفهم لوضعها النفسي بالخصوص، وما رسمته من خطط تغيير نابع من رغبة راسخة وقوية. وفي سياق ما تعيشه من إرهاصات تحول ولجت مكتبة زوجها التي ألهمها فضاؤها كتابة شعر مستوحى مما تمربه الثقافة من أوضاع مزرية، ثم فتحت كتابا ل تشيخوف على صفحة مطوية لقصة " المغفلة "، وهي قصة خادمة اعتبرت ضعيفة وهو عكس ما رأته ثريا كما صرحت بذلك: " بالنسبة لي فإن قراءتي مختلفة تماما فما رأيته أن " يوليا " لم تكن ضعيفة ولا مغفلة، وأيضا لم تكن خائفة وخانعة، بل كانت مستوعبة تماما الوضع والظروف والبيئة والثقافة التي تعيش داخلها، وأن ذلك الذي تراءى للقارئ ضعفا، إنما هو ضعف الحق الذي غاب في قلوب الطبقة الأرستقراطية وضعف القوانين التي تحمي الأشخاص وضعف الوحدة في الأفراد المستضعفين للمطالبة بحقوقهم مع غياب الضمير إن الصمت لا يعني دائما الخنوع. " ص150، مما حفزها للتفاعل والتجاوب مع هذه القصة: " جعلتها هاته القصة تفكر مليا في وضعها...فقد أسقطتها على حياتها وعلى حياة الكثير من النساء. " 154. هذا التغيير هبت رياحه لاجتراح أفق مواجهة غير مسبوقة مع زوجها: "ارتفعت درجة صوتها وقالت: ـ نعم غاضبة... أنا غاضبة ومغتاظة، منذ أن علمت بوعكتي كم مرة اتصلت بي...؟... ألهذه الدرجة صرت لا أعني لك شيئا ولا أستحق بعض مكالمات......؟ ص164، فتصدع بقرارها على التحول في علاقتها معه بدرجة أولى، ومع أفراد أسرتها بدرجة ثانية: " سأعيش لنفسي بعد الآن... سأصبح أنانية... نعم أنانية ولو لمرة واحدة في حياتي... سأتعلم ذلك... أجل سأتعلم كيف أصبح أنانية !؟ " ص 164، وشرعت فعلا في تغيير مجرى حياتها باتخاذ قرارات فردية وشخصية في الخروج وحدها لتختلي بنفسها، وهو سلوك أثار استغراب زوجها: " لم يصدق زوجها ذلك. استغرب أن تقدم زوجته على مثل ذلك وأن تذهب بمفردها إلى تلك الأماكن. فسألها إن كانت صحبة إحدى الأصدقاء، فأجابته أنها قد قالت له أنها أرادت أن تختلي بنفسها وأنها لوحدها. اقترح عليها بأن يلتحق بها ويمضيان اليوم معا، رفضت وأعلمته أنها تهم بالعودة للمنزل. " ص174، فتتوج خرجاتها الفردية برحلة جماعية رفقة صديقاتها أيام الدراسة ( نور، وإشراق، وفاتن ) وتقترح نور عليهن الحديث عن حياتهن بعد الانتهاء من مرحلة الدراسة ؛ ف إشراق اشتغلت كأستاذة للغة العربية، تزوجت وأنجبت طفلين ثم تطلقت... أما فاتن فقد أصبحت طبيبة أطفال ولم تتزوج، وثريا أول من تزوجت بعد أن انقطعت عن الدراسة مبكرا وهي أم لثلاثة أبناء، ونور التي تخرجت من الجامعة كمحاسبة وتشتغل هي وزوجها في مصنع للملابس الجاهزة. وكانت وجهتهن السياحية مدينة جبلية ساحلية تطل على البحر من اليمين، وعلى بحيرة بين الجبال وسط الغابة من اليسار حيث قضين أوقاتا جميلة تمتعن فيها بسحر الطبيعة وجمالها، وقمن برحلات في محيطها الخلاب، وما يتميز به من تنوع في المناظر والفضاءات، لتشرع بعدها كل واحدة منهن في سرد وقائع حياتها. فقصة فاتن تلخصت في إنهاء علاقة جمعتها مع أحد زملائها بكلية الطب بعد أن تخلى عنها وارتبط بفتاة من اختيار والدته حسب ادعائه، فتفرغت لعملها كطبيبة أطفال منفتحة مؤخرا على طلب زواج من رجل خمسيني مطلق له مركز محترم إلا أن الموضوع ظل معلقا بسبب والدتها التي تعيش معها ووالده الذي لا يمكن أن يتخلى عنه بحكم أنه ابنه الوحيد. تليها قصة إشراق التي تزوجت بعد إنهاء دراستها العليا برجل نرجسي قررت طلب الطلاق منه إلا أن ذلك لم يؤثر على حياتها الأسرية بخصوص الأولاد: " ـ لقد فكرنا مليا قبل الطلاق وقررنا ألا يكون طلاقا على حساب الأولاد، سيكون فقط انفصالنا نحن الاثنين وليس تحطيما لعلاقتنا الاجتماعية ولا لأولادنا فهما أثمن شيء لدينا... " ص255، أما نور فقد كانت تشتغل رفقة زوجها في مصنع للألبسة الجاهزة، إلا أن المشكل الذي واجههما فتمثل في عدم الإنجاب الذي كان من جانب الزوج، ولم تخبره بذلك في بداية الأمر، وما عاشاه بسبب ذلك من مشاكل من قِبَل عائلته، فقررا تبني توأمين ( ذكر وأنثى )، إلى أن علمت بإصابتها بمرض خبيث في الدم، وأن حظوظ التعافي منه كبيرة مادام في بدايته وما خلفه ذلك من أثر على صديقاتها اللائي تمنين لها الشفاء. وكان الختم بقصة ثريا والتي لخصتها في دوافع العمل على تغيير نمط حياتها المتمثلة فيما طوقها من عزلة ورتابة ورضوخ وخنوع لالتزامات الأسرة، وما يترتب عنه من إرضاء لأفرادها حفاظا على نظام عيش وحياة تقوم على الهدوء والطمأنينة، ملخصة ذلك في قولها: " كم هو جميل أن يحرر الإنسان نفسه وروحه ويطلقها في سماء الحياة بأجنحة ينسجها بنفسه " ص327. وما دام أن ثريا تعتبر الشخصية المحورية التي تدور حولها جل الوقائع والأحداث، بل تمسك بخيوطها الأساسية، فقد ارتأينا أن نتطرق باختصار لأهم علاقاتها بباقي الشخوص، وفي مقدمتهم زوجها الذي تمردت على ما يربطها به من وشائج تقوم على مهادنة وقبول تحول إلى استسلام وخنوع، فرغم تقديره لها إلا أن ذلك لم يكن كافيا بحيث لم يكن يقنع رغباتها فيما هو وجداني وعاطفي، ويكتفي بما هو مادي: " هي تعلم أيضا أنه يحبها ويوفر لها كل وسائل الراحة ولا يبخل عليها بشيء... فقد كان يقدم لها مشاعره في شكل أشياء مادية في الوقت الذي كانت تتمنى أن يكون لها أذنا تسمعها وحضنا يحتوي قلقها وحزنها وكتفا تضع عليه رأسها حين تعبها... ويهتم بها كشخصية مستقلة ولها كيانها وذاتها وليس ذلك التملك والحب الأناني الذي يجبرها على إلغاء ذاتها لإرضائه... " ص55، هذا الزوج الذي كرس كل وقته وجهده للعمل: " العمل الذي يأخذ الاهتمام والنصيب الأكبر لديه... " ص155، مما يفضي إلى إهمال مسؤولياته غير المادية تجاه زوجته بالخصوص، وأولاده إلى حد ما: " وقد كان في كل مرة يهرب ويفلت كالزئبق متعللا بضرورة تأمين مستقبل أفضل للعائلة... هي ترى أنه لا قيمة للمستقبل إذا خسر الإنسان حاضره وفوت الاستمتاع بأوقاته مع أولاده كذلك زوجته التي تشعر بالغربة تجاهه، أما هو فهوسه بتأمين مستقبل مريح جعله يضحي بحاضره... " ص155، كلها عوامل وأسباب دفعتها إلى الوقوف في وجهه راكبة غمار التحدي، مقررة العيش لنفسها، وأن تصير أنانية مهما كلفها ذلك: " سأعيش لنفسي بعد الآن... سأصبح أنانية... سأتعلم كيف أصبح أنانية !؟ أقسم أنني لن أتراجع ولن أتنازل عن حقي هذه المرة... " ص164، لترسم مسارا خاصا بها من خلال ما قامت به من خرجات بمفردها، إلى المشاركة في رحلة مع صديقاتها دون أن تعبأ بملاحظات زوجها واستفساراته مما أرغمه على الإذعان لقراراتها لما لمسه فيها من إصرار على تغيير علاقاتها معه بالخصوص. ومن أبرز العلاقات أيضا التي جمعتها ب بسمة / نوارة عبر تقاطع نفسي ووجداني غير محدد الملامح والمعالم ؛ ابتداء من الفصل الثاني الذي كسر هيمنة ثريا على مجريات السرد ومشهدياته، حيث برزت شخصيات من قبيل بسمة / نوارة، وصديقتها ريم وجدها عبد المجيد الذي تناوب في الحكي مع ثريا وصديقاتها بقصته الأسطورية عن الفتاة التي اختفت في حوض الحمام ليلة زفافها، وما نسج حولها من حكايات، وقصتها مع الجن الأحمر الذي سيخطفها وسيبقيها تحت الأرض، وما انتاب العريس من ردود أفعال صادرة عن شدة انفعال وغيظ وتذمر بسبب اختفاء العروس. وقد أبدت بسمة / نوارة اهتماما ومتابعة كبيرة لقصص الجد عبد المجيد التي تمزج بين الغيب والخيال. وقد كانت تظهر في العديد من المواقف في حياة ثريا كما حدث في سياق النصائح التى قدمها لها الطبيب النفسي بحيث تقاطعت مع نفس النصائح التي أدلت بها نوارة: " ثم قدم لي بعض النصائح التي شوشت تفكيري... كانت نفسها التي قدمتها لي نوارة وكأنه يعيد كلماتها أو ربما هي من كانت تعلم ماذا سيقول لي الطبيب ؟ " ص138، فيفتح جسرا للتماهي بين ثريا ونوارة عبر زيارتها للطبيب، وحضورها في موقف استبقت فيه نصائحه فغدت وكأنها هي التي أملتها عليه وزودته بها، لتغدو هي المسيطرة على تفكيرها، والممسكة بزمامه: " احتلت نوارة النصيب الأكبر من تفكيري. لقد كان أمر تلك المرأة لغزا حيث شخصت حالتي أكثر من الطبيب ذاته وكأنها تقول لي أن الطريقة الوحيدة للراحة أن تتصالحي مع نفسك ومع محيطك وأن تعيشي الحاضر بدون ماض يسحبك إلى الوراء أو مستقبل يجرك إلى الأمام داخل موجة من القلق والهموم. " ص139، ليتضح مدى التأثير الذي يحيطها به حضور نوارة عبر مختلف التجليات والتمظهرات خصوصا المتعلقة منها بوضعيتها الصحية، لتسألها في آخر الرواية أن تحكي ما شاهدته من أحلام في نومها: " وأضافت نوارة قائلة: ـ أين ذهبت بأحلامك هذه المرة ؟...هيا أتحفينا. " ص342.

وقد اعتمدت الرواية في بنائها السردي على العناصر المعروفة من حوار خارجي: " وسألته عن القصة فرد قائلا: ـ لن أروي لك هذه الأسطورة. سألته عن السبب، فأجابني: ـ ستكرهين الحمام وستخافين منه... " ص32، والداخلي (المونولوغ ): " ثم سألت نفسها: هل الكائنات الموجودة على هذه المجرة يشعرون بقيمة هذه النعمة ؟ " ص26، واسترجاع: " أخذتها الذكريات إلى سنوات زواجها الأولى، وكيف كانا لا يستطيعان تحمل البعد عن بعضهما البعض... " ص160، ووصف كما جاء في وصفها للأم خديجة: " وهي امرأة في العقد السادس من عمرها، لها جسم ممتلئ، قصيرة القامة، بيضاء البشرة وجهها مستدير... ولها عينان ناعستان يتوسطهما وشم أخضر فوق خطوط غائرة... كما كان فمها صغيرا بشفتين رقيقتين يحيط به زوج من التجاعيد العميقة... " ص27، ووصف الجد عبد المجيد: " كان الجد عبد المجيد قد تجاوز عقده السابع، وكان فوضويا وأشعث وكانت عيناه غائرتين جدا... امتلأ كل خط من خطوط تجاعيده بغبار رمادي... " ص31. كما تميزت لغة الرواية بانزياح عن خطها الواقعي إلى لغة ذات طابع رومانسي رهيف وجذاب: " وتنطلق نحو التلة التي خلف المنزل لتراقب طلوع الشمس وكيف تبزغ من وراء الجبال متقدمة شيئا فشيئا تتهادى ناشرة النور حولها باعثة الحياة في الأرجاء لتبدأ سمفونية الحياة بالعزف... صياح الديكة... زقزقة العصافير... ثغاء الخراف والأغنام مع خوار قطعان البقر وهي متجهة نحو المراعي الشاسعة والغضة... " ص26، فتتآلف عناصر الطبيعة مشكلة مشهدا لبزوغ الشمس من خلف الجبال، وجوقة يتناغم فيها صياح الديكة بشدو الطيور، بثغاء الخرفان والشياه، بخوار البقر فتطرب لوقعها الآذان، وتنشرح النفوس.

فأمام وفرة شخوص الرواية، وتعدد أحداثها، وتنوع سياقاتها لم تسعفنا الإمكانات المتاحة لمقاربتها بشكل مستفيض وشامل إلا أنه لابد من الإشارة أخيرا إلى تميز إيقاعها السردي بتوالي الاستطرادات والتفاصيل التي اقتضتها طبيعة بعض المستجدات، وما أفرزته من تحولات ومتغيرات.

***

عبد النبي بزاز

 

تقنيع الوجوه وسبر الكينونة

الذئب:

ما نهشت أنيابه لحما

غير جثته

و لا داست أرجله شبرا

غير جبهته

عواؤه صدى الأشواق

في لجج الأبد

نواجذه بريق

يستفز الموتى

في ليل الكمد

أنفه مهووس بأشذاء الوطن

عيناه جمرتان في الصقيع

كلابهم تلاحقه شروقا

وحتى الهزيع.

الأرنب:

واصل منامك هانئا

و آنعم بأطياف المنى

إلزم مكانك ههنا

نم وآستعد في الحلم

أمجادا خلت

إرفع لواء البارحة

إعرض عن الإعصار

إن دوى

لا آهة في الصدر

ترسلها

و لا دمعا يراق.

الجمل:

صبورا يظل ولو حرموه طعامه

صبورا يظل ولو إمتطى الفاسقون سنامه

صبورا وإن صلبوا الشوق في مقلتيه

و غالوا مرامه

و هاذي الصحاري التي لم يجبها سواه

تجدد مهما قست حلمه

و تذكي لدى كل فجر هيامه

و لكن إذا آغتيل فيه رغاء

يهز الدجى ويقيم القيامة.

التقديم: نشر هذا القصيد في مجلة الحياة الثقافية التي تصدر عن وزارة الشؤون الثقافية بتونس، العدد109  / نوفمبر 1999، ص 89 ، قصيد " ما لم يقله بيدبا "، بعنوانها المبني على النفي، نص مخاتل مغر بقدرات يستدعي الماضي، يفلت منه إلى آفاق قصية يؤسس في رحمها المختلف ليدهش ويباده. ستستنفر القصيدة كل الجوارح وتذكي الحدس وتلهب شعلة العقل والمعرفة حتى نستقبل عناصرها ومفرداتها. إتصلت القصيدة بعالم الحيوان الرحب إتصالا تقصده الشاعر وتعمده، فآنتقى منه ثلاثة حيوانات هي الذئب والأرنب والجمل دون أن يكون هناك رابط يجمعها سوى ذات الشاعر التي تلج تلك العوالم لتعيد صياغتها من جديد بما يتيحه الطقس الشعري من وسائل ورؤى فنية.

1 – تماهي الجسدي بالشعري

في المقطع الأول ينهض القول الشعري منشدا إلى ماهية الكائنات لينتشلها من التشيؤ والموت حين ترتكس في الإجترار وتترهل بفعل المألوف والمعتاد. منذ السطر الأول تتوالى الألفاظ التي تحيل إلى جوهر الكائن / الذئب " نهش " " أنياب " " جثة ". تتكثف حينئذ الإحالة على كل ما هو جسدي. ولعل ذلك ما يمنح القصيدة بعدها الحداثي. يرتد الجسدي على الجسدي نفسه ليحده في حركة دائرية تعود من حيث بدأت، من خلال أسلوب الحصر " ما...غير "، " لا...سوى " مثلما يكون القول الشعري فعلا لازما لا يتجاوز ذاته يقول الشاعر:

ما نهشت أنيابه لحما

غير جثته

ولا داست أرجله شبرا

غير جبهته.( 89)

إنه جسد متوحش لم تفعل فيه الثقافة بعد فعلها. إنه الكائن المتحفز دوما لإشباع غرائزه، فهو صورة للطبيعة في توحشها، إنه إنشداد الشاعر إلى لحظة البدء حيث مازالت الكينونة بكرا لم تمسسها الحضارة، التي ما إنفكت تصوغ الوجود الحيواني / الإنساني وفق معارف ومعتقدات وفنون وقوانين يستبطنها الإنسان في مجتمع ما، يقول الشاعر:

عواؤه صدى الأشواق

في لجج الأبد

نواجذه بريق

يستفز الموتى

في ليل الكمد ( ص 89)

صورة الثقافة في هذا المقطع صورة سلبية، لأنها مضادة للطبيعة في نزوعها المتوهج نحو الإنفلات من كل ما هو مؤسسة / نظام وقوانين. إنها ذلك السيل الجارف نحو تنميط المجتمع/ الوطن وفق رؤية إيديولوجية تظل إحدى صور القمع الكابح للحرية والإختلاف. إنه تدجين لتلك الإنطلاقة الأولى في عفويتها وبراءتها. ولكن الذات التي لا تنظر إلى الوجود على كونه لعنة حلت بها وإنما تراه مغامرة تخوضها بكل مسؤولية وشجاعة لا تني تعمل على نحت كيانها بآستمرار وفق شروط تضعها بنفسها لنفسها دون وصاية من جهاز ثقافي تنتجه المؤسسة. يقول الشاعر:

أنفه مهووس

بأشذاء الوطن

عيناه جمرتان في الصقيع

كلابهم مازالت تلاحقه

شروقا

و حتى الهزيع ( ص 89 )

2 – قلب الماهية/ مأساة الكائن

يدهشك المقطع الثاني بهيمنة أساليب الأنشاء التي طبعته بطابعها، فآستقام مشهدا قد إنقلبت فيه صورة الكائن/ الأرنب رأسا على عقب. لقد إستطاع الشاعر أن ينشئء بفضل مسوغات القول الشعري خطابا مضادا لما رسخته الحكاية الشعبية في ملفوظها الشفاهي المتداول. إننا إزاء كائن جديد قد نحته طقس القصيدة، فآستوى قائما بماهيته الجديدة. إنه مسخ مس جوهر الكائن دون أن ينال من شكله. تخترق صيغ الأمر وصيغة النفي تراكيب المقطع الثاني ووحداته لتسمه بسمة العجز عن الفعل: واصل منامك/ إلزم مكانك/ إعرض لا آهة.../ لا دمعا...إن الذات التي أنهكها إمتلاؤها بنفسها حد الغرور، ركنت للموجود تجتره، حتى فقدت خصائصها المميزة، ليتحول ما كان طارئا في حياتها إلى ثابت يتلون به جوهرها. يقول الشاعر:

واصل منامك هانئا

و آنعم بأطياف المنى(ص 89)

من سجلات القول التي آثر الشاعر اللجوء إليها في هذا المقطع لتعميق أبعاد الخطاب المضاد، سجل يحيل على الإستكانة والحلم والماضي: أطياف المنى / نم.../ الحلم / أمجاد خلت.../ البارحة. لقد إستعصى على الكائن الذي وهنت عزائمه وتفتت إرادته أن يستجمع قواه لينهض من جديد، فآنقلبت حركة الجسد المتوثب – تلك الطاقة المتمحضة دوما للفعل- إلى حركة حبيسة داخل الذات تستعذب في منامها ما تجود به الذاكرة من أمجاد الماضي حتى تنسى هزائم الحاضر ونكباته. يقول الشاعر:

إلزم مكانك ههنا

نم وآستعد في الحلم

أمجادا خلت (ص 89)

إننا إزاء كائن موسوم بالزيف قد فقد كل علاقة حميمة بالوجود، إعترت حواسه حالة من الذهان تغيب فيها الذات عن عالمها المحسوس. إنها مأساة الكائن الذي لا يقدر على الإضطلاع بمسؤولية الوجود، فيحتمي بشعارات الماضي، إنه الفرار من خوض الصراع، يقول الشاعر:

إرفع لواء البارحة

إعرض عن الإعصار إن دوى

لا آهة في الصدر ترسلها

و لا دمعا يراق.( ص 89)

3 – إستبطان الكائن: الهدوء/ الثورة

للمقطع الثالث والأخير نزوع إستبطاني، فالجمل – الكائن الذي إتصف إتصافا شديدا بالصبر. غاص الشاعر في كينونته يسبر أغوارها، حتى إختلطت صفة الصبر بجوهره فأصبحت السمة المميزة له، يعرف بها وتعرف به. فصيغة المبالغة – صبور التي تصدرت كل وحدة معنوية. أصبحت الماهية التي سبقت وجود الكائن، لا تختبرها التجربة بقدرما تؤكدها. لقد لامست هذه التجارب الجانب البيولوجي: "صبورا يظل ولو حرموه طعامه"، ثم الجانب الأخلاقي: " صبورا يظل ولو يمتطي الفاسقون سنامه "، كما لامست الجانب الوجداني: صبورا...و إن صلبوا الشوق في مقلتيه وغالوا مرامه. رغم قسوة الطبيعة: " الصحاري...قست " وتقلباتها: " أمطرتها...العواصف تعوي " تظل ماهية الكائن ثابتة، صامدة متناغمة مع محيطها تستمد القدرة على إستشراف الآتي عبر الحلم والقدرة على تغذية الوجدان وهزه. يقول الشاعر:

و هاذي الصحاري التي

لم يجبها سواه

تجدد مهما قست

حلمه

و تذكي لدى كل فجر

هيامه. (ص 89)

إلا أن الوحدة الأخيرة في هذا المقطع تضع حدا لتلك الجوهرانية الثابتة والتي تقصد الشاعر إيهامنا بديمومتها وإستحالة تبدلها. تقف أداة الإستدراك " لكن " على رأس هذه الوحدة مصحوبة بأداة الشرط " إذا "، فتتلاشى تبعا لذلك تلك الطاقة الجبارة على الصبر والتحمل لتنقلب إلى ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر. إن تحليل مضمون جملة الشرط ودلالتها يكشف لنا سبب هذا الانقلاب فيكون العنف الذي إصطبغ به جواب الشرط حينئذ مشروعا. الكائن إذ يتكلم يسمع حفيف نفسه، لأن المسافة بين الفم والأذن قريبة جدا، فيكون الحضور الكامل للذات مع الذات من خلال الصوت والكلام الشفهي. ويكون الوعي بالحميمية الداخلية. ولكن حين يمنع الكائن من الكلام – الرغاء- فذلك يعني فقدانه للإحساس بالإمتلاء / إمتلاء المعنى والحضور الكامل، إنه يعني الاطلالة على الخواء والفراغ، إنها فظاعة الإحساس بالرعب ينتفض لأجلها الكائن أيما إنتفاضة، يقول الشاعر:

و لكن إذا إغتيل فيه رغاء

يهز الدجى

و يقيم القيامة (ص 89)

ملاحظات أخيرة:

تمحضت قصيدة " ما لم يقله بيدبا " لإضفاء المعنى على بعض المخلوقات من خلال سبر كينونتها، والشعر أقدر الفنون على ذالك. فالإنسان كما يقول الأنتروبولوجيون قد يحتمل شظف العيش وكل ألوان الحرمان، لكنه لا يحتمل غياب المعنى.هنا تكمن أهمية الشعر في إضفاء المعنى على الوجود، ولا عجب أن تكون القصيدة حينئذ ضوءا ينبجس من رحم اللغة الشعرية ليضيء الإنساني في الإنسان عبر الحيوان. فلم يعد الحيوان في رؤية الشاعر مجرد قناع يمكن الكاتب كما في القديم من ممارسة النقد السياسي والإجتماعي تحت ستار من الحيطة والحذر، بل أصبح القناع وسيلة فنية ورؤية جمالية، يعرفه عبد الوهاب البياتي بقوله: " والقناع هو الإسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر نفسه متجردا من ذاتيه، أي أن يعمد الشاعر إلى خلق وجود مستقل عن ذاته وبذلك يبتعد عن حدود الغنائية والرومانسية. " (1) لقد أضحت الحيوانات بمقتضى هذه الرؤية – الأرنب، الذئب والجمل – ورغم ما تأصل ما تشيعه من دلالات ومعاني في القصص والأمثال الشعبية، كائنات تسنى للشاعر أن يرصدها وهي تخوض تجارب وجودية مختلفة ليكتشف ما يصيب كينونتها من تصدع وتبدل وإنقلاب ضمن رؤية شعرية تغير مفهوم الشعر مع تغير كل مقطع من مقاطع القصيدة، فالشعر في المقطع الخاص بالذئب مثول في جوهر الموجودات ومجاورة دائمة لكيانها ( 2 )، وفي المقطع الخاص بالأرنب تحويل لماهية الكائن، فيكون وسيلة لتحرير رؤيتنا للأشياء من المألوف والمعتاد، وفي المقطع الخاص بالجمل يكون الشعر تكريسا للمختلف عبر صياغة رؤية جديدة لكائن/ رمز قد إستهلكه الاستعمال اليومي حد الإهتراء فإذا الشعر مبادهة ودهشة

***

رمضان بن رمضان

.......................

الهوامش:

1 – ديوان عبد الوهاب البياتي، المجلد الثاني، تجربتي الشعرية، دار العودة، بيروت، 1979، صص 37 – 38.

2 – محمد لطفي اليوسفي، لحظة المكاشفة الشعرية، الدار التونسية للنشر، تونس، 1992، ص 273.

في قصص "عاشقات الحمام وعشاقهن" لِلقاصّة رجاء الجابري

عَرَفت القصة القصيرة، منذ نشأتها الحديثة، تحولات كبرى جعلتها أكثر الأجناس السردية قدرة على التقاط التوتر الإنساني في لحظته المكثفة. فقد انتقلت من الحكاية ذات النبرة التقليدية إلى بنية تقوم على الاقتصاد اللغوي، والمفاجأة، والاقتصاد في الحدث، والاشتغال على الدلالة أكثر من الحكاية المباشرة. وفي مسار تطورها العالمي، غدت القصة الحديثة أقرب إلى مختبر لغوي ونفسي، تتجاور فيه الواقعية مع الرمزية، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى علامات دالة على اختلالات كبرى في العالم والذات.

انفتحت مجموعة «عاشقات الحمام وعشاقهن» الصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع/ بغداد على كتابةٍ تشتغل من داخل التشظي، وتعيد ترتيب عناصر السرد بحيث يغدو الاسم علامة، والمكان سؤالًا، والغياب بنيةً، والحبّ شكلًا من أشكال التوتر الوجودي. ولا يقتصر حضور العنوان على قصته المفردة، بل يتسع ليصير خيطًا جامعًا يسري في المجموعة كلها، حتى يبدو الحمام فيها كائنًا رمزيًا معلّقًا بين الألفة والانفلات، بين الرسالة والضياع، بين العودة والارتحال.

ويستحضر هذا المنحى ما أشار إليه تزفيتان تودوروف حين رأى أن الأدب لا يقدّم معرفة جاهزة بقدر ما يفتح أفقًا جديدًا للفهم، وأن الغريب الفني يكمن في الالتباس نفسه. فالجابري لا تبني قصصها على يقينٍ سردي، بل على اهتزازٍ محسوب يجعل القارئ في منطقة بين التفسير والتأويل. ويقارب هذا البناء ما عبّر عنه ميخائيل باختين حين أكد أن "الحقيقة تولد في مجال الحوار بين الأصوات المتعددة"، لأن النص هنا لا ينغلق على صوت واحد، بل يتشكل من توتر الأصوات وتجاور المواقع. أما رولان بارت فقد لخص شرط الكتابة الحديثة في أن "النص هو نسيج من الاقتباسات، من المراجع، من الثقافات"، ومن ثمّ تبدو هذه المجموعة نصًا يطلب قارئًا شريكًا لا مستهلكًا، قارئًا يلتقط الفراغات بقدر ما يلتقط الجمل. ويضيء أمبيرتو إيكو هذا المسار حين يجعل "النص المفتوح مجالًا للتعدد والاحتمال، لا بنية مغلقة على معنى واحد".2658 rajaa

ارتقت القصة الأولى في المجموعة "السيدة والفتى" مسارات السرد الناضج بوصفها نقدًا جذريًا للخطاب المجتمعي حول النجاح الأكاديمي. الفتى الذي أخفق في دخول كلية الطب يظهر مجروحًا في كرامته، فتواجهه السيدة الخمسينية بخطابٍ ينقل الفشل من خانة الانكسار إلى خانة إعادة التقييم "العيب ليس فيك بل في أفكار المجتمع المعطل عضوياً ونفسياً" هنا تتحول المواساة إلى نقد اجتماعي، ويتحول الطب من رمز الامتياز إلى واحد من مجالات الخلق الإنساني إلى جانب الهندسة والزراعة والاقتصاد. وتغدو الأمومة، في هذا المقطع، شكلًا من أشكال إعادة تأويل الذات، لا مجرد تعزية عابرة.

أشرقت في قصّة "تأهيل بيت الحكمة" مفارقة دقيقة بين الهشاشة الأولى والتشييد الذاتي. رفاه لا تُقدَّم بوصفها مهندسة مكتملة، بل بوصفها ذاتًا تتعرض للامتهان قبل أن تعيد ترتيب موقعها داخل المؤسسة. يشي النص بعنف مهني واجتماعي يطاول المرأة من جهة الهيئة واللغة والجسد، غير أن السرد يلتقط لحظة التحول حين تستبدل رفاه الانفعال بوعيٍ تنظيمي. ومن دلالة التفاصيل أن سوء فهمها لتقبيل فاروق المولى يد الوزير يكشف محدودية معرفتها بشبكة السلطة والقرابة، قبل أن ينقلب الخطأ نفسه إلى بابٍ لفهم أعمق: فـ"تأهيل بيت الحكمة" لا يعني ترميم المكان وحده، بل تهذيب الإنسان، وهندسة الوعي، وإعادة صوغ العلاقة بين المعرفة والسلطة.

طلّت قصة "خالدة خالد" من زاوية مقاومة البيروقراطية باسم الماء. خالدة لا تكتب رسائلها الكاشفة عن انحسار الماء في النهر إلى الوزراء والمنظمات الدولية عبثًا، بل تمارس مقاومة خطابية تُبقي دجلة حاضرًا بوصفه كائنًا حيًا لا ملفًا إداريًا. وعندما تهطل الأمطار وتمتلئ الروافد، فإن تمزيق الرسائل وإلقاءها في الماء لا يجيء باعتباره استسلامًا، بل احتفاءً بعودة الطبيعة إلى سلطتها. هنا ينهض النهر بوصفه ذاكرةً حيّة، ويغدو العشق معرفةً بيئية وسياسية في آن.

كما برز في "رواية سادسة" أقصى درجات الجنوح الشمولي. فالحوار حول خلق "كون ثالث" بين الكونين السالب والموجب، أو حول تضخم القمر وتصغير الكواكب، يخلخل المنطق الأرسطي ويستبدله بمختبرٍ تخييلي يختبر الحدود القصوى للمعقول. ثم ينفتح النص على عالم مثالي بثلاثة رجال فقط دون وجود امرأة، مع روبوتات وطابقين ونهرين وجسر وسد، في مشهد يفضح حلم السيطرة حين يتصل بالهندسة والاقتصاد والنبوة والاحتيال معًا. وتأتي النهاية التي تكشف أن الصديقين شبحان لكاتبين ميتين لتعيد النص إلى وعيه الميتاسردي؛ فالأكوان هنا ليست حقائق، بل صيغ تخييل تتجاور فيها السخرية والاختبار والجنون.

انفتحت قصة "جيهان... جوان" على مسارٍ يبدأ بالشعر وينتهي بالفاجعة. المقطوعتان الشعريتان الافتتاحيتان لجيهان وجوان ترفعان العلاقة إلى مستوى لغوي كثيف، حيث الماء والتين والطين والملح والنار عناصر في تكوين الحب. ثم تتسلل هشاشة العالم إلى الجسد واللغة، فينفتح النص على منطق الاستهلاك والدين والسرقة، قبل أن يبلغ العنف ذروته تحت جسر الأحرار وموت متوقع لجيهان وجوان، وعندما لا يبقى منهما إلا المقطوعتان المحفوظتان على فلاشة USB، يتجلى هنا الحب بوصفه أثرًا لغويًا لا يفنى، بينما تكشف الصحافة عن عجزها حين تحاول تغطية الفاجعة بدل مواجهتها. هنا يشتغل النص على التناص بين العاطفة والخبر، وعلى المفارقة بين العيش والموت، وعلى تحوّل الجسد إلى ملف يستغل من الآخرين الذين هم الجحيم كما قال سارتر.

انكشف في "حفيف وأختها" اضطراب زمني يجاور الذاكرة بالذهان. الزمن لا يسير في خطٍّ مستقيم، بل يتشظى بين الوداع والاختلال والشيخوخة. تدخل حفيف إلى المشهد بوصفها كائنًا يربك اليقين، ثم تنقلب إلى امرأة في التسعين تستدعي الحلم، وتُذكَّر من أختها بأنها لم تتزوج أصلًا وأنها محظوظة جدا بانفلاتها من التاريخ وعقم مداعبته لأحلامنا. بهذا المعنى، لا تروي القصة سيرة فردية فقط، بل تصوغ استعارة عن ذاتٍ عالقة في طبقات من الالتباس، وعن وطنٍ يخرج من العدّ كما يخرج من المساءلة.

نهضت قصة "الطابق الثالث" على عزلة الفنان بوصفها محورًا للانكسار. غني فرات يعيش داخل عمارة عادية ظاهريًا، غير أن صراخه يكشف توترًا داخليًا يتصل بالذاكرة الفنية وبالحب وبخذلان التاريخ. الطابق الثالث لا يعود فضاء سكن، بل موضع قلق، فيما تفتح الإحالات إلى ليزا الترك وإسماعيل فتاح الترك وتضحيات الفنانين العراقيين بابًا على تاريخٍ جماليٍّ مثخن بالخسارة. وعندما يصل غني فرات إلى صفحة عام 2004، ينهار أمام كتاب تاريخ الفن، فيتجسد الخراب بوصفه خبرة شخصية وجماعية في آن.

لاحت "بنفسجة الروح" من خلال ثنائية العطر والسلطة. رياحين امرأة صنعت ذاتها بين الموهبة والمعرفة والإرث، ثم وجدَت مشروعها المهني داخل اختبار أخلاقي حين عاد رافد من جهة الاقتصاد والجسد معًا. المشتل هنا ليس مكانًا للعمل فقط، بل حقلًا رمزيًا لقياس العلاقة بين الكرامة والهيمنة. وتتجسد المفارقة في عبارتي "بنفسجة بلا عطر" و"بنفسجة برية"؛ الأولى تشير إلى خسارة الذات حين ترضخ، والثانية إلى بقاء الحرية خارج شروط السوق. لذلك تتجاوز القصة حكاية عاطفية إلى مساءلةٍ للنفوذ والاحتكار وفساد المال.

وفي إشراق آخر نضج في "تبللت ثياب الجد" مسار يعتمد على تشكيل الكائن بدل وصفه. العلاقة بين الخطيب وخطيبته تبدو، في عمقها، إعادة سبك للذات. والبيت الكبير، بغرفه وبستانه وطبقاته، يتحول إلى فضاء تربوي قاسٍ تُصاغ فيه الشخصية عبر المنع والإغراء والتأديب. يكتسب الطعام والماء والكيّ صفة العلامة، ويغدو النضج فعلًا يتشكل تحت الضغط. لذلك تنتهي القصة إلى معنى يتجاوز الزواج بوصفه عقدًا اجتماعيًا، ليقترب من الخلق الثاني، حيث تصنع الخطيبة الخطيب بقدر ما يصنعها.

من جانب ملهم تمظهر في قصة "ريقها" تشابه بين الرغبة والشفاء، وبين الحيوان والإنسان. الببغاء لا يظهر كطائر أليف فحسب، بل كمرآة لابنة البطل، وقرين للغته الداخلية. والعطش هنا ليس عرضًا جسديًا فقط، بل علامة على هشاشة الكائن حين يختل توازنه. ثم ينفتح النص على الخلفية التاريخية حين يُكشف أن الرجل عسكري سابق اقتنى الببغاء في لحظة حربٍ وطنية وانسحابٍ واختلال. وهكذا يتحول الطائر إلى أثرٍ من الابنة، وشاهد على الزمن، واستعارة عن أبٍ يوزع حنانه بين الجسد المريض والطائر المتعب.

وأخيرا بلغ تكثيف الرؤى ومسؤولية الخطاب السردي في "عاشقات الحمام وعشاقهن" الذروة الرمزية للمجموعة كلها. فالحمام، بوصفه علامة ثقافية للروح والسلام والحرية، ينقلب إلى كائنٍ معلق بين الألفة والضياع، بين العودة والارتحال. وحين يقول العاشق: "صرت حمامتي الرابعة والسبعين"، تنفلت العبارة من معناها المباشر إلى استعارة عن العدّ والاحتفاظ والتعيين. والخيط الأزرق ثم الأحمر على ساق الحمامة لا يظلان زينة، بل يصيران أثرًا للذاكرة والوفاء. ويأتي الوعد المؤجل: "سأخبرك في اللقاء اللاحق أمام حمام النساء" ليؤكد أن اللغة تحفظ ما لم يحدث بقدر ما تعلن ما سيحدث. ثم يتحول البيت من موضع للحب إلى ساحة تدريب عسكري ثم إلى مشفى للأمراض النفسية، فتُمحى الذاكرة ويُعاد استعمال المكان. ومن هنا تبدو تربية حمام الزاجل فعل مقاومة رمزي ضد انقطاع الرسالة وسقوط الأثر.

وتتصل هذه القصص جميعًا في أن الحوار فيها يشتغل بوصفه بنية دلالية لا مجرد تبادل كلامي. فالشخصيات تُكتب في منطقة بين الاعتراف والتخفي، بين القول والصمت، بين الرغبة في القبض على العالم وعجز اللغة عن الإمساك به. لذلك تبدو المجموعة أقرب إلى نص مفتوح، يرفض المركز الواحد، ويمنح التعدد حقه في التشكل، ويجعل من التفتت نفسه طريقة في بناء المعنى.

خاتمة

نهضت مجموعة «عاشقات الحمام وعشاقهن» للكاتبة رجاء الجابري على بناء سردي يشتغل على التمزّق والانزياح وتفكيك المركز وإعادة توزيع المعنى داخل حيوات تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تنكشف بوصفها حيوات مشروخة، محكومة بالغياب وبأثر ما لا يكتمل. فقد تبدّى في هذه المجموعة انتماء واضح إلى أفق القصة الحديثة وجنوحها ما بعد الحداثوي، إذ استثمرت أدواتها في بناء عالمٍ نصيّ تتجاور فيه العلامة والصدمة، والذاكرة والخراب، والحميم والملتبس، وتتداخل فيه المستويات الواقعية بالخيالية حتى تنهار الحدود بين الذات والموضوع. لا تقدّم المجموعة شخصياتٍ مستقرة أو حبكاتٍ مغلقة، بل تضع القارئ داخل شبكة من الأصوات واللقطات والحوارات القصيرة التي تؤدي وظيفة كشف التوتر أكثر مما تؤدي وظيفة الإخبار؛ فالحوار فيها يأتي بوصفه أداةً لتشظية المعنى وإظهار ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله. وقد نجحت الجابري في أن تصوغ من التفاصيل الصغيرة كثافةً دلالية عالية، وأن تجعل من المكان والاسم والجسد والحمام والغياب عناصر في معمار سردي واحد ينأى عن السرد التقليدي ليغوص في التفكيك البنائي والتجربة الوجودية معاً. ومن ثمّ، فإن قيمة المجموعة تكمن في قدرتها على تحويل التجربة الإنسانية إلى كتابةٍ تشتغل على الأثر، وتراهن على الإيحاء، وتبقي المعنى في حركة مستمرة. هذه الكتابة التي ترفض الاكتمال وتختار التشظي والغموض المتعمّد وتستثمر في الفراغ، هي التي تمنح النص فرادته وتجعله يلامس القارئ في منطقة الهشاشة والبحث عن المعنى في عالمٍ لا يكتمل يقينه.

***

بقلم الكاتب: كاظم أبو جويدة

في جدل الصوت والمعنى بين البصريين والكوفيين وفقهاء العربية

ليست اللغةُ العربيةُ كياناً صلداً تُحدِّده حدودُ الاصطلاح وحدها، بل هي كائنٌ حيٌّ نابض، تتجاور فيه الأصواتُ والمعاني في شبكةٍ من التراسل الخفيّ، حتى ليغدو اللفظُ معبراً إلى غيره، والمعنى ظلّاً لمعانٍ أخرى تتجاوره وتتشابك معه. ومن هنا تنبثق فكرة "تثاقُب الألفاظ" كما تلوح في أفق التحليل اللغوي عند ابن جني، حيث لا يعود اللفظُ وحدةً منغلقة، بل نافذةً يتسرّب منها إلى غيرها صوتاً ودلالةً.

أولًا: في ماهية التثاقب اللغوي

التثاقب، في جوهره، هو تداخلٌ إيحائيّ بين البنى الصوتية والدلالية، بحيث تتقارب الألفاظ لتقارب مخارجها أو صفاتها، فتتداعى معانيها على نحوٍ يُشبه التواشج العضوي. وقد ألمح ابن جني في الخصائص إلى أن تقارب الحروف يستدعي تقارب المعاني، وأن في العربية ميلاً فطرياً إلى أن تُشاكل الأصواتُ الدلالاتِ، حتى كأن اللغة تُعيد إنتاج العالم في نظامٍ صوتيّ.

وهذا التداخل ليس من قبيل المصادفة العمياء، بل هو انتظام خفيّ يربط بين:

جرْس الحرف وقيمته الإيحائية

وبنية الكلمة ومجالها الدلالي

وحركة الاشتقاق واتساع المعنى

ثانيًا: البصريون ومنطق الصرامة النظامية

يميل نحاة البصرة، وفي طليعتهم سيبويه، إلى إحكام النظام اللغوي وردّ الظواهر إلى أصولٍ مضبوطة. فاللغة عندهم تقوم على:

القياس

والاطراد

وتحكيم القواعد العامة

ومن ثمّ، فإنهم يتحفظون على توسيع فكرة التثاقب إلى حدّ يجعل من التقارب الصوتي دليلاً كافياً على التقارب الدلالي. فالعلاقة بين اللفظ والمعنى – في نظرهم – يغلب عليها الطابع الاصطلاحي، وإن لم يُنكروا بعض الإيحاءات الصوتية.

غير أن هذا التحفّظ لا ينفي إدراكهم لظواهر مثل:

الإبدال

والإعلال

وتقارب المخارج

وهي ظواهر تومئ – من حيث لا يقصدون دائماً – إلى نوعٍ من التثاقب الخفيّ.

ثالثاً: الكوفيون وانفتاح الرواية اللغوية

أما نحاة الكوفة، مثل الكسائي والفراء، فقد اتّسم منهجهم بمرونةٍ أوسع، إذ اعتمدوا على:

السماع

وتعدّد اللهجات

وقبول الشاذّ بوصفه شاهداً

وهذا المنحى يفسح المجال لتقبّل فكرة التثاقب، لأن:

تعدّد الصيغ واختلاف الأبنية لا يُفسَّر دائماً بالقياس، بل بعلائق دلالية وصوتية متداخلة.

فالكوفيون، وإن لم يصوغوا النظرية بصيغة فلسفية، قد مارسوها ضمناً حين أقرّوا بتجاور الألفاظ ذات الجذور المتقاربة صوتياً ودلالياً.

رابعاً: فقهاء اللغة ونزعة الكشف عن العلل

يبلغ مفهوم التثاقب ذروته عند فقهاء اللغة، الذين سعوا إلى استكناه العلائق الباطنية بين الألفاظ والمعاني. ففي أعمال ابن فارس، ولا سيما في كتابه مقاييس اللغة، نجد محاولةً لإرجاع الألفاظ إلى أصول معنوية جامعة، وكأن كل جذرٍ هو نواةٌ دلالية تتفرّع منها المعاني.

كما يتجلّى هذا الوعي بوضوح عند عبد القاهر الجرجاني، الذي رأى أن المعنى لا يقوم في اللفظ منفرداً، بل في نَظْمه وعلاقاته، مما يفتح الباب لفهم اللغة بوصفها بنيةً علائقية، يتجاور فيها اللفظ مع غيره في شبكةٍ من التراسل.

خامساً: بين الاصطلاح والطبيعة: أفق فلسفي

ينتهي بنا النظر إلى أن مسألة تثاقب الألفاظ تُعيد طرح السؤال القديم:

هل اللغة اصطلاحٌ محض، أم لها جذور في الطبيعة؟

البصريون يميلون إلى الاصطلاح المنضبط

الكوفيون يفسحون المجال لـ التنوّع والتداخل

وفقهاء اللغة يقتربون من القول بـ حكمة باطنة في اللغة

وفي هذا التباين تتجلّى العربية لا كأداة تواصل فحسب، بل كـ نظام رمزيّ عميق، تتقاطع فيه:

الفيزيقا الصوتية

والأنطولوجيا الدلالية

والذائقة الجمالية

خاتمة:

إن "تثاقب الألفاظ" ليس مجرّد ملاحظة لغوية، بل هو مفتاحٌ لفهم الروح الداخلية للغة العربية، حيث لا تنفصل الأصوات عن المعاني، ولا تستقلّ الكلمات عن سياقاتها العلائقية. إنه إعلانٌ ضمنيّ بأن اللغة ليست بناءً ميكانيكياً، بل نسيجٌ حيّ، تتخلّله مسارب خفية من التفاعل والتوليد، بحيث يظلّ المعنى دائماً في حالة انبثاق، واللفظ في حالة عبور.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

ملخص الدراسة: تندرج هذه الدراسة ضمن الحقول النقدية المعاصرة التي سعت إلى إعادة النظر في طبيعة النص الأدبي، من خلال مقاربة مفهوم التناص بوصفه آلية مركزية في إنتاج المعنى، ومنطلقًا لفهم دينامية الكتابة الحديثة. وتنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن النص لا يُبنى في عزلة، بل يتشكل داخل شبكة معقدة من العلاقات النصية التي تعكس تفاعل الذاكرة الثقافية مع لحظة الإبداع.

وقد اعتمدت الدراسة مقاربة نظرية تحليلية، استحضرت التصورات المؤسسة لهذا المفهوم، كما بلورها ميخائيل باختين من خلال مفهوم الحوارية، الذي ينظر إلى الخطاب بوصفه فضاءً لتعدد الأصوات، إلى جانب جوليا كريستيفا التي صاغت مفهوم التناص باعتباره تقاطعًا للنصوص وامتصاصًا لها. كما استأنست الدراسة بإسهامات رولان بارت، خاصة أطروحته حول "موت المؤلف"، التي نقلت مركز الثقل من الكاتب إلى النص والقارئ.

وقد سعت الدراسة إلى تتبع تحولات مفهوم التناص من جذوره اللغوية إلى تبلوره الاصطلاحي، مرورًا بتمثلاته في النقدين العربي والغربي، وصولًا إلى تجلياته التطبيقية في الشعر العربي الحديث، من خلال تحليل قصيدة “ريتا والبندقية” للشاعر محمود درويش.

وخلصت الدراسة إلى أن التناص لا يمثل مجرد تداخل نصوصي، بل يشكل بنية عميقة في تشكيل النص، تقوم على إعادة إنتاج المعنى عبر آليات التحويل والتفاعل، بما يمنح النص انفتاحًا تأويليًا ودينامية دلالية متجددة.

على سبيل الافتتاح:

تُعدّ ظاهرة التناص من أبرز الإشكاليات النقدية التي استأثرت باهتمام الدارسين في الحقول الأدبية المعاصرة، لما تنطوي عليه من تعقيد مفهومي وتعدد في المقاربات النظرية والتطبيقية. فقد أصبحت هذه الظاهرة محورًا تتقاطع عنده جهود النقاد العرب والغربيين على حد سواء، كما غدت أداة تحليلية فاعلة لفهم آليات اشتغال النصوص الأدبية، والكشف عن ديناميات إنتاجها وتلقيها.

ولا يقتصر التناص على كونه مجرد تداخل نصوصي سطحي، بل يتجاوز ذلك ليشكّل بنية عميقة تقوم على استحضار النصوص السابقة، وتحويلها، وإعادة توظيفها داخل نسيج جديد، بما يحقق تفاعلاً خلاقًا بين الماضي والحاضر. ومن هذا المنطلق، لم يعد الإبداع الأدبي فعلًا منفصلاً أو منغلقًا، بل أضحى نتاج شبكة معقدة من العلاقات النصية التي تضمن استمرارية المعنى وتجدد الدلالة.

وانطلاقًا من هذا التصور، يتجه هذا البحث إلى استكشاف تجليات التناص في الشعر العربي الحديث، من خلال الوقوف على أنماطه ووظائفه، والكشف عن الكيفية التي يوظف بها الشاعر هذه الآلية الأسلوبية توظيفًا يوازن بين الإبداع والأمانة الأدبية، متجنبًا الانزلاق إلى مظاهر الانتحال أو التقليد المذموم.

ويثير هذا الطرح إشكالية مركزية مفادها:

كيف استطاع الشاعر الحديث استثمار التناص بوصفه أداة إبداعية، دون الإخلال بقيم الأصالة والابتكار؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر إلى التناص بوصفه عملية تفاعلية مزدوجة، لا يكتفي فيها النص اللاحق بالاقتباس من النصوص السابقة، بل يعيد إنتاجها وتأويلها، بما يمنحها دلالات جديدة لم تكن متاحة في سياقاتها الأصلية. وهكذا يغدو التناص تجسيدًا لعلاقة جدلية بين الامتداد والتجاوز، بين الوفاء للتراث والانفتاح على آفاق الإبداع.

 مقدمة:

شهدت الدراسات النقدية، خاصة خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، تحولات عميقة مست بنية النص الأدبي، حيث لم يعد النص يُنظر إليه بوصفه كيانًا مستقلاً، بل باعتباره فضاءً تتقاطع داخله نصوص متعددة، تتفاعل فيما بينها عبر آليات الحضور والغياب، والتداخل والامتصاص. وفي هذا السياق، برز التناص كأحد المفاهيم المركزية التي أعادت تشكيل فهمنا لطبيعة الإبداع الأدبي، من خلال نقله من دائرة الانغلاق إلى أفق التفاعل والانفتاح.

ويتمحور موضوع هذا البحث حول تجليات التناص في الشعر العربي الحديث، مع اتخاذ تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش نموذجًا للدراسة، بوصفه أحد أبرز الأصوات الشعرية التي استطاعت أن تعيد صياغة العلاقة بين الذاتي والجماعي، وبين الجمالي والسياسي. ويكتسب اختيار قصيدته “ريتا والبندقية” دلالته الخاصة، لكونها تمثل نصًا شعريًا غنيًا بالتقاطعات الدلالية والرمزية، حيث يتداخل الحب بالصراع، ويتحول الخاص إلى تعبير عن مأساة جماعية.

ولا يمكن تناول تجربة محمود درويش بمعزل عن موقعه في الشعر العربي الحديث، إذ يُنظر إليه بوصفه شاعر الأرض والهوية، كما يُعد في الآن ذاته شاعر الحب والإنسان، حيث استطاع أن يمنح التجربة العاطفية بعدًا وجوديًا، يتجاوز الفردي إلى الكوني، وأن يجعل من المرأة في نصوصه رمزًا مركبًا يتقاطع فيه الجمالي بالسياسي، والذاتي بالوطني. ومن ثم، فإن شعره يشكل مجالًا خصبًا لدراسة التناص، لما ينطوي عليه من ثراء مرجعي وتعدد في المستويات الدلالية.

وقد اعتمد البحث مقاربة تحليلية تسعى إلى تتبع تطور مفهوم التناص عبر محطاته التاريخية، بدءًا من جذوره في النقد القديم، مرورًا بتبلوره في الدراسات الغربية الحديثة، وصولًا إلى تجلياته في التجربة الشعرية الحديثة. كما يهدف إلى الكشف عن أنماط التناص ومستوياته داخل النص الشعري، سواء على المستوى الدلالي أو الإيقاعي أو الرمزي.

وينقسم البحث إلى ثلاثة محاور أساسية:

يُعنى المحور الأول بتتبع نشأة مفهوم التناص وتطوره،

بينما يركز المحور الثاني على تصورات النقاد العرب والغربيين لهذه الظاهرة،

في حين يُخصص المحور الثالث لدراسة تمظهرات التناص في قصيدة “ريتا والبندقية”، من خلال تحليل تطبيقي يكشف عن آليات اشتغال النص وتعدد مستوياته الدلالية.

ولا تخلو هذه الدراسة من صعوبات، لعل من أبرزها ندرة الدراسات المتخصصة في التناص الشعري مقارنة بوفرتها في المجال السردي، غير أن ذلك لم يمنع من محاولة تقديم قراءة تحليلية تسهم في إغناء هذا الحقل المعرفي.

وفي الختام، يطمح هذا البحث إلى الإسهام، ولو بقدر يسير، في تعميق الوعي بظاهرة التناص، وإبراز دورها في تجديد الخطاب الشعري، والكشف عن الكيفية التي يتحول بها النص الشعري، في تجربة محمود درويش، إلى فضاء تتقاطع فيه الأصوات والمرجعيات، في كتابة شعرية تجمع بين الجمال والمأساة.

المبحث الأول: تحولات نظرية التناص وأسسها المفهومية

 التناص: من الجذر اللغوي إلى التحديد الاصطلاحي

ينفتح مفهوم التناص، في أبعاده الأولى، على جذور لغوية عربية تُحيل إلى معاني الرفع والإظهار والتداخل، وهي دلالات تكتسب أهميتها حين تُستعاد في سياقها النقدي الحديث، حيث يصبح التناص تعبيرًا عن تراكب النصوص وتفاعلها داخل بنية واحدة. فكما يدل الازدحام في اللغة على تقارب الأجسام وتداخلها، فإن التناص يعكس ازدحام النصوص داخل فضاء دلالي مشترك.

غير أن هذا الامتداد اللغوي، على أهميته، لا يكفي لتحديد المفهوم في سياقه النقدي الحديث، إذ انتقل التناص إلى حقل الاصطلاح بوصفه مفهومًا إجرائيًا يعبّر عن تعالق النصوص وتفاعلها عبر آليات الامتصاص والتحويل وإعادة الإنتاج. فالنص، وفق هذا التصور، لا يُبنى من فراغ، بل يتشكل من خلال شبكة معقدة من الإحالات النصية التي تستدعي نصوصًا سابقة أو معاصرة، فتدمجها في بنيته الجديدة.

وقد تبلور هذا المفهوم بشكل أكثر وضوحًا مع الدراسات اللسانية والسيميائية الحديثة، حيث أصبح التناص يُفهم باعتباره بنية علائقية تجعل من كل نص نقطة تقاطع لعدد لا نهائي من النصوص، في عملية مستمرة من إعادة التشكيل الدلالي.

 نشأة المفهوم وتطوره في النقد الحديث

يرتبط التأسيس النظري لمفهوم التناص ارتباطًا وثيقًا بأعمال المفكر الروسي ميخائيل باختين، الذي قدّم تصورًا حواريًا للغة، مؤكدًا أن كل خطاب هو في جوهره استجابة لخطابات سابقة، وتمهيد لخطابات لاحقة. ومن هنا، لم يعد النص كيانًا مغلقًا، بل أصبح فضاءً حواريًا تتقاطع فيه أصوات متعددة.

وقد وجدت هذه الفكرة امتدادها وتطويرها عند الباحثة الفرنسية جوليا كريستيفا، التي صاغت مصطلح التناص في صورته الحديثة، معتبرة أن كل نص هو "فسيفساء من الاقتباسات"، وأنه يقوم على امتصاص نصوص أخرى وتحويلها. وبهذا المعنى، يتحول النص إلى بنية دينامية تتجاوز حدودها الذاتية لتدخل في شبكة لا نهائية من العلاقات النصية.

كما أسهم رولان بارت في تعميق هذا التصور، حين اعتبر أن النص ليس وحدة مغلقة، بل هو نسيج من الإحالات، وأن الكتابة ليست خلقًا من عدم، بل إعادة توزيع للغة داخل فضاء ثقافي مشترك. وهكذا، أصبح التناص تعبيرًا عن لا نهائية المعنى، وعن انفتاح النص على قراءات متعددة.

 التناص بوصفه بنية تفاعلية:

إذا كان التناص يُحيل إلى حضور نصوص داخل نص آخر، فإن هذا الحضور لا يكون بالضرورة مباشرًا أو ظاهرًا، بل قد يتخذ أشكالًا متعددة، تتراوح بين الاقتباس الصريح والإيحاء الضمني. ومن هنا، يمكن النظر إلى التناص بوصفه عملية تحويلية يعيد فيها المبدع تشكيل النصوص المستحضرة، وفق رؤيته الخاصة وسياقه الإبداعي.

ولا يمكن فهم هذه العملية بمعزل عن ذاكرة المبدع الثقافية، التي تختزن نصوصًا متعددة، يعاد استدعاؤها بشكل واعٍ أو غير واعٍ أثناء عملية الكتابة. فالنص، في هذا السياق، يصبح نتيجة لتفاعل معقد بين الذاكرة واللغة، بين الحاضر والماضي، بين الذات والآخر.

ومن هذا المنظور، لا يعود التناص مجرد تقنية أسلوبية، بل يغدو آلية معرفية وجمالية تسهم في إنتاج الدلالة، وتمنح النص عمقه التأويلي. إذ إن تعدد الإحالات النصية يفتح المجال أمام القارئ لتأويلات متعددة، تبعًا لمرجعياته الثقافية وقدرته على تفكيك هذه الشبكة النصية.

 أنماط التناص ومستوياته:

تتعدد أشكال التناص تبعًا لطبيعة العلاقة التي تربط النصوص فيما بينها، ويمكن التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسة:

التناص المباشر: حيث يظهر النص المستحضر بشكل واضح، من خلال الاقتباس أو الاستشهاد.

التناص الضمني: ويتجلى في الإيحاءات والظلال الدلالية التي تستدعي نصوصًا أخرى دون التصريح بها.

التناص التحويلي: حيث يتم إعادة إنتاج النصوص السابقة داخل بنية جديدة، بما يغير من دلالاتها الأصلية.

وتكشف هذه الأنماط عن أن التناص ليس مجرد تكرار، بل هو فعل إبداعي يقوم على إعادة تشكيل المعنى، وإدماجه في سياق جديد يمنحه أبعادًا مختلفة.

 على سبيل ختام المبحث الأول:

يتضح من خلال هذا العرض أن التناص يمثل تحولًا نوعيًا في فهمنا للنص الأدبي، إذ لم يعد النص يُنظر إليه بوصفه نتاجًا فرديًا خالصًا، بل باعتباره ثمرة تفاعل مستمر بين نصوص متعددة. ومن هنا، يغدو الإبداع الأدبي فعلًا مركبًا، يجمع بين الامتداد والتجديد، بين الذاكرة والابتكار.

المبحث الثاني: التناص في منظور النقاد: من التأصيل التراثي إلى التنظير الحديث

على سبيل التمهيد:

لم يظهر مفهوم التناص في صورته الراهنة دفعة واحدة، بل تبلور عبر مسار تاريخي طويل، انتقل فيه من إشارات ضمنية في النقد القديم إلى بناء نظري متكامل في النقد الحديث. ومن ثم، فإن فهم التناص يقتضي الوقوف عند تمثلاته المختلفة لدى النقاد، سواء في التراث العربي أو في الفكر الغربي المعاصر، للكشف عن أوجه التقاطع والاختلاف بين هذه التصورات.

 التناص في النقد العربي القديم: من السرقات إلى الوعي بالتداخل النصي:

على الرغم من حداثة مصطلح التناص، فإن جذوره تمتد عميقًا في التراث النقدي العربي، حيث انشغل النقاد القدامى بقضية السرقات الأدبية، بوصفها إشكالًا نقديًا وأخلاقيًا في آن واحد. وقد سعى هؤلاء النقاد إلى ضبط العلاقة بين النصوص، وتمييز حدود الأخذ المشروع من غير المشروع.

ويبرز في هذا السياق اسم عبد القاهر الجرجاني، الذي لم ينظر إلى التداخل النصي بوصفه سرقة بالمعنى السطحي، بل بوصفه عملية تركيب وإعادة بناء، حيث تتحدد قيمة النص في طريقة تنظيمه للعلاقات بين الألفاظ والمعاني، لا في مجرد استعارته لها. وهكذا، انتقل التفكير النقدي من محاكمة النصوص إلى فهم بنيتها الداخلية.

كما أسهم أبو هلال العسكري في بلورة هذا التصور، حين أكد أن الأخذ من السابقين ليس عيبًا في ذاته، بل يصبح مقبولًا إذا أعيدت صياغته في قالب جديد يضفي عليه قيمة جمالية مضافة. وهو ما يقترب، في جوهره، من مفهوم التناص الحديث القائم على التحويل والإبداع.

ومن هنا، يمكن القول إن النقد العربي القديم، رغم اعتماده مصطلحات مثل "السرقة" و"الأخذ"، كان واعيًا و بشكل ضمني، بظاهرة تداخل النصوص، لكنه تناولها من زاوية معيارية أخلاقية أكثر منها تحليلية.

التناص في النقد العربي الحديث: إعادة قراءة التراث في ضوء المفاهيم الجديدة:

مع انفتاح النقد العربي على المناهج الغربية الحديثة، أعيدت قراءة التراث النقدي العربي في ضوء مفهوم التناص، حيث سعى النقاد إلى تجاوز النظرة الأخلاقية الضيقة، واستبدالها برؤية تحليلية ترى في التناص آلية إنتاجية للنص.

ويعد محمد مفتاح من أبرز النقاد الذين أسهموا في ترسيخ هذا الاتجاه، إذ اعتبر أن التناص ليس ظاهرة عرضية، بل شرطًا أساسيًا في كل عملية إبداعية، لأن النص يتشكل من خلال تفاعل الكاتب مع مخزونه الثقافي. كما أكد على أن فهم التناص يتطلب إشراك القارئ، باعتباره طرفًا فاعلًا في كشف العلاقات النصية.

وقد عمل النقاد العرب المحدثون على إقامة جسور بين المفاهيم التراثية كالاقتباس والتضمين والمعارضة، ومفهوم التناص، معتبرين أن هذه المصطلحات تمثل أشكالًا مبكرة لما أصبح يعرف اليوم بالتناص. وهكذا، لم يعد التراث مجالًا منفصلًا، بل أصبح جزءًا من شبكة القراءة الحديثة.

 التناص في النقد الغربي: من الحوارية إلى التعالق النصي:

بلغ مفهوم التناص درجة عالية من النضج في النقد الغربي، حيث ارتبط بتطور الدراسات اللسانية والسيميائية. وقد شكلت أفكار ميخائيل باختين نقطة الانطلاق، من خلال مفهوم 'الحوارية"، الذي يرى أن كل خطاب يتحدد بعلاقته بخطابات أخرى.

ثم جاءت جوليا كريستيفا لتبلور هذا التصور في مصطلح "التناص"، مؤكدة أن النص ليس وحدة مستقلة، بل هو تقاطع لعدة نصوص. وقد أعادت صياغة العلاقة بين النصوص بوصفها علاقة امتصاص وتحويل.

أما جيرار جنيت، فقد وسّع هذا المفهوم من خلال نظريته في "التعالي النصي"، حيث ميز بين عدة أشكال من العلاقات النصية، مثل التناص، والمناص، والنص اللاحق، مما أضفى على المفهوم طابعًا منهجيًا دقيقًا.

في حين ذهب رولان بارت إلى أبعد من ذلك، حين أعلن "موت المؤلف"، معتبرًا أن النص هو نتاج تفاعل لغوي وثقافي، وأن القارئ هو من يمنحه معناه عبر تفكيك شبكة الإحالات التي يتضمنها.

مقارنة نقدية: بين التصورين العربي والغربي:

تكشف المقارنة بين النقدين العربي والغربي عن مجموعة من الملاحظات الأساسية:

أن النقد العربي القديم أدرك ظاهرة التداخل النصي، لكنه تعامل معها بمنطق أخلاقي معياري.

بينما نظر النقد الغربي إلى التناص بوصفه بنية معرفية وجمالية، تتجاوز مسألة الأصالة إلى مسألة الإنتاج الدلالي.

وقد حاول النقد العربي الحديث التوفيق بين هذين التصورين، عبر إعادة قراءة التراث في ضوء المناهج الحديثة.

ومن هنا، يمكن القول إن التناص يمثل نقطة التقاء بين الثقافات النقدية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن اختلاف في زوايا النظر، بين من يركز على “الأصل” ومن يركز على “العلاقة”.

على سبيل خلاصة المبحث الثاني:

يتبين أن التناص ليس مجرد مفهوم نقدي عابر، بل هو إطار نظري شامل أعاد تشكيل فهمنا للنص الأدبي، من خلال نقله من دائرة الانغلاق إلى فضاء الانفتاح والتفاعل. كما أن تعدد المقاربات النقدية لهذا المفهوم يعكس غناه ومرونته، وقدرته على استيعاب مختلف أشكال الإبداع.

المبحث الثالث: التناص في الشعر العربي الحديث: قراءة تطبيقية في قصيدة "ريتا والبندقية"

تمهيد:

ليس النص الأدبي صوتًا واحدًا كما يبدو للوهلة الأولى، بل هو في حقيقته مجموعة خفية من الأصوات، تتداخل فيها ذاكرة اللغة مع تاريخ الثقافة، وتتشابك داخلها نصوص سابقة، تُعيد الظهور في هيئة جديدة. فهل يكتب الشاعر نصه حقًا، أم أن النصوص هي التي تكتب نفسها من خلاله؟

في هذا الأفق، لا يعود الإبداع الأدبي فعلًا فرديًا معزولًا، بل يتحول إلى ممارسة معقدة تستند إلى تفاعل مستمر بين نصوص متعددة، تتجاور وتتقاطع وتتداخل، في ما يُعرف اليوم بمفهوم "التناص" وهنا، يغدو النص فضاءً مفتوحًا، لا يكتفي بإنتاج المعنى، بل يعيد إنتاجه باستمرار، عبر استدعاء الذاكرة الثقافية وإعادة تشكيلها داخل سياق جديد.

ولعل تجربة الشاعر محمود درويش، خاصة في قصيدته ريتا والبندقية، تمثل نموذجًا مكثفًا لهذه الدينامية، حيث يتقاطع الحب مع الصراع، والذاتي مع الجماعي، في نصٍّ يفيض بالإحالات والدلالات. هنا، لا يعود التناص مجرد تقنية، بل يصبح قدرًا شعريًا، يكتب من خلاله النص نفسه داخل شبكة لا نهائية من العلاقات.

من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى استكشاف التناص بوصفه أفقًا نظريًا وجماليًا، يتيح لنا فهم الكيفية التي يتشكل بها النص الأدبي، ليس بوصفه بداية، بل بوصفه استمرارًا… ليس بوصفه صوتًا، بل بوصفه صدىً يتردد عبر الزمن.

 من التنظير إلى الممارسة النصية

إذا كان التناص قد تبلور كمفهوم نظري في الدراسات النقدية الحديثة، فإن أهميته الحقيقية تتجلى في قدرته على تفسير كيفية اشتغال النصوص الأدبية في بعدها التطبيقي. ومن هذا المنطلق، تمثل تجربة محمود درويش مجالًا خصبًا للكشف عن آليات التناص، نظرًا لغنى نصوصه وتعدد مرجعياتها الثقافية والتاريخية والرمزية.

وتُعد قصيدة “ريتا والبندقية” نموذجًا دالًا على هذا التفاعل، حيث تتقاطع فيها مستويات متعددة من التناص، تُسهم في بناء نص شعري مكثف بالدلالات، يجمع بين الذاتي والوطني، بين العاطفي والسياسي.

  التناص العاطفي والسياسي: جدلية الحب والصراع:

تقوم القصيدة على بنية تناصية مزدوجة، حيث يتداخل الخطاب العاطفي مع الخطاب السياسي، في علاقة جدلية تعكس مأساة الإنسان الفلسطيني. فـ"ريتا" لا تمثل مجرد حبيبة، بل تتحول إلى رمز مركب، يُحيل إلى الآخر/العدو، في سياق صراع وجودي.

وهنا، يتجلى التناص بوصفه إعادة إنتاج لثنائية قديمة في الأدب الإنساني: الحب المستحيل، لكن درويش يعيد توظيفها داخل سياق سياسي معاصر، مما يمنحها أبعادًا جديدة تتجاوز بعدها الفردي.

التناص الرمزي: من الخاص إلى الكوني:

تعتمد القصيدة على شبكة من الرموز التي تتجاوز دلالتها المباشرة، حيث تتحول "البندقية" إلى رمز للعنف والصراع، في مقابل "ريتا" التي تمثل البراءة المفقودة أو الحلم المستحيل.

هذا التوتر الرمزي يعكس تناصًا ضمنيًا مع أدبيات الصراع والحروب، حيث يُعاد إنتاج ثنائية الحب/الموت في سياق حديث، مما يمنح النص بعدًا كونيًا يتجاوز خصوصيته المحلية.

التناص الثقافي: استدعاء الذاكرة الجمعية:

ينفتح النص على مرجعيات ثقافية متعددة، تتجلى في استدعاء صور وتجارب إنسانية مشتركة، مما يجعل القصيدة قابلة للقراءة في أكثر من سياق. وهنا، يظهر التناص بوصفه استثمارًا للذاكرة الجماعية، التي يعيد الشاعر تشكيلها داخل رؤيته الخاصة.

ولا يتم هذا الاستدعاء بشكل مباشر، بل عبر إشارات ضمنية، تتطلب من القارئ تفعيل مخزونه الثقافي لفك شفراتها، وهو ما ينسجم مع تصور رولان بارت لدور القارئ في إنتاج المعنى.

من تعدد الأصوات إلى وحدة النص:

على الرغم من تعدد مستويات التناص داخل القصيدة، فإن النص يحافظ على وحدته الداخلية، من خلال انسجام إيقاعي ودلالي دقيق. فالتناص هنا لا يؤدي إلى تفكيك النص، بل يسهم في بنائه، عبر دمج عناصر مختلفة داخل رؤية شعرية موحدة.

وهذا ما يعكس وعيًا شعريًا عميقًا، يجعل من التناص أداة للإبداع، لا مجرد استحضار للنصوص.

على سبيل ختام المبحث الثالث:

تكشف قراءة "ريتا والبندقية" أن التناص في الشعر العربي الحديث لا يقتصر على استدعاء نصوص سابقة، بل يتجلى بوصفه عملية تحويلية معقدة، يعيد من خلالها الشاعر إنتاج المعنى داخل سياق جديد. وهو ما يجعل النص فضاءً مفتوحًا للتأويل، تتداخل فيه الأصوات، وتتجدد دلالاته مع كل قراءة.

خاتمة: التناص بوصفه هندسة خفية للنص:

إذا كان التناص قد ظهر في البداية بوصفه مفهومًا إجرائيًا لتحليل العلاقات بين النصوص، فإن ما تكشفه هذه الدراسة هو أنه يتجاوز هذا الإطار ليغدو بنية عميقة تحكم اشتغال النص الأدبي من الداخل، وتعيد تشكيل علاقتنا بفعل الكتابة ذاته.

فالنص، في ضوء ما سبق، لم يعد كيانًا مغلقًا أو مكتفيًا بذاته، بل أصبح فضاءً تتقاطع داخله أنماط متعددة من التناص، تتوزع بين مستويات دلالية وجمالية متداخلة، تشكل في مجموعها ما يمكن تسميته " بـالهندسة الخفية للنص".

 تمظهرات التناص: تعدد المصادر وغنى الدلالة:

لقد أبان التحليل النظري عن تعدد تمظهرات التناص، حيث يتخذ أشكالًا مختلفة، لكل منها وظيفته الخاصة داخل البنية النصية:

التناص الديني: الذي يستمد قوته من استحضار النصوص المقدسة، بما تحمله من حمولة رمزية وروحية، تُضفي على النص عمقًا دلاليًا، وتمنحه سلطة تأويلية تتجاوز المعنى المباشر.

التناص الأسطوري: الذي يوظف الرموز الكونية الكبرى، ليمنح التجربة الأدبية بعدًا إنسانيًا شاملًا، ويُخرجها من حدودها الزمنية الضيقة إلى أفق كوني مفتوح.

التناص الأدبي: الذي يقوم على الحوار مع التراث الشعري والنثري، حيث يعيد النص استحضار صور وأساليب سابقة، لكنه لا يكررها، بل يعيد إنتاجها داخل رؤية جديدة.

التناص التاريخي والسياسي: الذي يستثمر وقائع الماضي ورموزه، لإعادة قراءة الحاضر، وكشف أزماته، في إطار رؤية نقدية تتجاوز المباشر إلى الرمزي.

إن هذا التعدد لا يعكس تشتتًا في النص، بل على العكس، يكشف عن غناه، وعن قدرته على استيعاب مستويات متعددة من المعنى.

 من تعدد التناص إلى وحدة النص:

على الرغم من تنوع مصادر التناص، فإن النص لا يتحول إلى مجرد فسيفساء مفككة، بل ينجح، عبر آليات فنية دقيقة، في تحقيق نوع من الوحدة الداخلية، حيث تنصهر هذه العناصر المختلفة داخل بنية متماسكة.

وهنا تتجلى براعة المبدع، لا في استحضار النصوص، بل في كيفية دمجها وإعادة توظيفها، بحيث تصبح جزءًا من نسيج النص، لا عناصر دخيلة عليه. ومن ثم، فإن التناص لا يؤدي إلى تفكيك النص، بل إلى تعميقه، وإغنائه دلاليًا وجماليًا.

 التناص بين الذاكرة والإبداع:

تكشف الدراسة أن التناص يقوم على علاقة جدلية بين الذاكرة الثقافية والإبداع، حيث لا يكتفي النص باستعادة الماضي، بل يعيد إنتاجه داخل سياق جديد. وهنا، يتحول التراث من عبء إلى طاقة إبداعية، ومن مرجع ثابت إلى مادة قابلة للتحويل.

وبهذا المعنى، يغدو التناص تعبيرًا عن استمرارية الإبداع، وعن تلك الحركة الدائمة التي تربط بين النصوص عبر الزمن، في سيرورة لا تنتهي من التفاعل والتجدد.

 نتائج الدراسة:

في ضوء ما سبق، يمكن إجمال نتائج الدراسة في ما يلي:

التناص يمثل بنية مركزية في النص الأدبي، وليس مجرد تقنية أسلوبية.

الإبداع الأدبي يقوم على التحويل وإعادة الإنتاج، لا على القطيعة مع الماضي.

تعدد أنماط التناص يسهم في إثراء النص وتكثيف دلالته.

التناص يفتح النص على تعددية التأويل، ويمنحه دينامية مستمرة.

العلاقة بين التراث والحداثة هي علاقة تفاعل لا تناقض.

 توصيات الدراسة:

انطلاقًا من هذه النتائج، توصي الدراسة بما يلي:

ضرورة تعميق البحث في التناص، خاصة في مجاله التطبيقي داخل الشعر العربي.

إعادة قراءة التراث النقدي العربي في ضوء المفاهيم الحديثة، للكشف عن استمراريته.

تطوير المناهج النقدية بما يسمح باستيعاب التحولات المعاصرة في فهم النص.

إدماج مفهوم التناص في المناهج التعليمية، لتنمية مهارات القراءة التحليلية.

تشجيع الدراسات التي تجمع بين البعد النظري والتطبيقي في تحليل النصوص.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ

 

جدلية العاطفة والوطن في قصيدة "رسائل إلى محمود درويش – الرسالة 13" للشاعرة ناديا نواصر

تندرج هذه القصيدة ضمن أفق شعري تفاعلي يستدعي ظلال تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، لا بوصفه مرجعاً أسلوبياً فحسب، بل بوصفه بنية رمزية مُؤسِّسة لخطاب شعري يتأرجح بين الذاتي والجمعي، بين الإيروسي والوطني، بين الجسد والأرض. ومن ثمّ، فإن مقاربة هذا النص تقتضي توظيف مقاربات متعددة: أسلوبية، سيميائية، نفسية، وتفكيكية، بما يسمح بالكشف عن بنية التوتر الدلالي التي تحكم النص.

إننا أمام نص لا يقول ذاته بقدر ما ينفتح على احتمالات لا نهائية من المعنى، حيث تتقاطع العلامات، وتتصدّع الثنائيات، ويتحوّل الخطاب إلى حقل تأويلي مفتوح، وفق مفهوم "النص الكاتِب".

أولاً: البنية الأسلوبية واللغوية – لغة الانزياح والتشظي

تتأسس البنية اللغوية في القصيدة على تراكيب انفعالية متوترة، يغلب عليها الطابع الإنشائي، خاصة الاستفهام:

"فكيف أغني صباح بلادي"

"فكيف أصلي لعينيك"

"كيف أقاوم هذا الضباب الكثيف"

هذا التكرار ليس مجرد تكرار بلاغي، بل هو تفجير دلالي للقلق الوجودي، حيث يتحول السؤال إلى بنية حجاجية داخلية تكشف عن عجز الذات عن التوفيق بين قطبين: الحب والوطن.

أما على مستوى المعجم، فنلحظ حقولًا دلالية متقابلة:

حقل الحب/الأنثى: (ريتا، عينيك، الياسمين، الربيع، الهمس…)

حقل الوطن/المأساة: (فلسطين، الجرح، الجياع، الثكالى، الخيام…)

وهذا التقابل المعجمي يُنتج انزياحاً دلالياً يُحوّل اللغة من وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة رمزية كثيفة.

ثانياً: البنية الرمزية والسيميائية – ريتا بوصفها علامة

تُستدعى "ريتا" هنا بوصفها علامة سيميائية مركّبة، تتجاوز حضورها العاطفي إلى تمثيل "الآخر"، أو "الذات المؤجلة"، أو حتى "الحياة الممكنة".

"وأكتب شعراً جميلا لريتا"

لكن هذا الجمال يتصدّع أمام حضور فلسطين:

"ولكن فلسطين للقلب أقرب"

هنا تتفكك العلامة، وتدخل في صراع مع علامة أخرى (فلسطين)، لتُنتج ما يمكن تسميته بـالازدواج الرمزي، حيث لا يعود المعنى مستقراً، بل يتأرجح بين قطبين.

الريح، الجرح، الياسمين، الخيام… كلها علامات تُسهم في بناء شبكة دلالية مفتوحة، تتجاوز المباشر إلى الإيحائي.

ثالثاً: الإيقاع والموسيقى – بين التفعيلة والنبض الداخلي

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة، لكنها تعتمد أساساً على:

الإيقاع الداخلي (التكرار، التوازي، التضاد)

الموسيقى النفسية الناتجة عن الانفعال

نلاحظ مثلًا:

"ولكن… ولكن… ولكن…"

هذا التكرار يُحدث إيقاعًاً تقابلياً يعكس الصراع الداخلي.

كما أن التوازي التركيبي:

"لصوتك… ولكن صوت الجياع"

"لهمسك… ولكن صراخ الثكالى"

يُنتج إيقاعاً جدلياً، يُجسّد الانقسام النفسي.

رابعاً: البنية النفسية – انشطار الذات بين الإيروس والتضحية

وفق قراءة نفسية، يمكن القول إن القصيدة تُجسّد صراعاً بين الأنيما (الأنثى الداخلية) والوطن بوصفه "الأب الرمزي".

"نحن نقيضان"

هذا الاعتراف يكشف عن انشطار في البنية النفسية، حيث تعجز الذات عن تحقيق التكامل.

الحنين هنا ليس عاطفة، بل هو ألم وجودي:

"يعصر قلبي الحنين إليك، فلسطين أولى"

إنه انتقال من الحب الفردي إلى حب جمعي تضحيّ، حيث تُستبدل الأنثى بالوطن، لا اختياراً، بل قسراً.

خامساً: القراءة التفكيكية – تقويض الثنائيات

من منظور تفكيكي (دريدا)، تنهار الثنائيات التي يقوم عليها النص:

حب / وطن

ريتا / فلسطين

الجمال / الألم

إذ لا تنتصر ثنائية على أخرى، بل تتداخل وتُقوّض بعضها:

"ورائحة الأرض أطيب"

مقابل

"لجسمك رائحة الياسمين"

هنا لا يُلغى أحد القطبين، بل يُعاد تأويله داخل شبكة من الاختلافات.

سادساً: النقد الاحتمالي والنص اللانهائي

وفق مفهوم "النص المفتوح"، يمكن قراءة القصيدة بوصفها:

نصاً عن فلسطين

أو نصاً عن الخيانة العاطفية

أو نصاً عن استحالة الاختيار

أو حتى نصاً عن فشل اللغة في التعبير.

إنها بنية احتمالية لا نهائية، حيث كل قراءة تُنتج نصاً جديداً.

بل يمكن القول إن "ريتا" ليست امرأة، بل استعارة لكل ما هو قابل للفقد، وأن "فلسطين" ليست جغرافيا، بل أفق أخلاقي.

سابعاً: تحليل نماذج دلالية

النموذج الأول:

"تمر الرياح على الجرح تنثر ملحاً وتمضي"

صورة تجمع بين:

١- الطبيعة (الريح)

٢- الألم (الجرح)

٣- القسوة (الملح)

إنها صورة تراجيدية مكثفة، تُجسّد عبثية الألم.

النموذج الثاني:

"ولكن صوت الجياع أهم"

تحوّل من الجمالي إلى الأخلاقي، حيث يُلغى الصوت الفردي لصالح صوت الجماعة.

خاتمة:

تكشف هذه القصيدة عن وعي شعري مأزوم، يتأرجح بين نداء القلب ونداء الأرض، بين الرغبة والتضحية، بين الجمال والواجب. وهي بذلك تُعيد إنتاج الإشكالية الدرويشية في سياق جديد، حيث لا يكون الوطن بديلاً عن الحب، بل مأزقاً وجودياً يبتلع كل إمكانات الفرح.

إنها قصيدة عن استحالة التوفيق، وعن إنسان يُجبر على أن يكون أكثر من ذاته، وأقل من حلمه.

في محصّلة هذه القراءة المتعدّدة المناهج، تتجلّى قصيدة "رسائل إلى محمود درويش – الرسالة 13" للشاعرة الجزائرية ناديا نواصر بوصفها نصّاً شعرياً مأزوماً بالمعنى الوجودي العميق، حيث لا يُختزل الصراع في ثنائية الحب والوطن، بل يتجاوزها إلى محنة الكائن في مواجهة اختيارات لا تقبل التوفيق. إن الذات الشاعرة هنا لا تعيش مجرد انقسام عاطفي، بل تعاني تشظّياً أنطولوجياً يجعل من كل اختيار خسارة مؤجَّلة.

لقد كشفت البنية الأسلوبية عن لغة مشحونة بالانزياح والتوتر، فيما أبانت المقاربة السيميائية عن رموز متنازعة تُنتج دلالات غير مستقرة، في حين عرّت القراءة النفسية عمق الانشطار الداخلي، وفضحت المقاربة التفكيكية هشاشة الثنائيات التي يتكئ عليها النص. أما على مستوى التأويل، فقد بدا النص مفتوحاً على احتمالات لا نهائية، بما يجعله نصاً متجدّداً بتجدّد قرّائه.

وعليه، فإن هذه القصيدة لا تُقرأ بوصفها خطاباً عاطفياً أو وطنياً فحسب، بل بوصفها بنية معرفية وشعورية مركّبة، تُعيد مساءلة مفاهيم الحب، والانتماء، والتضحية، ضمن أفق إنساني يتجاوز المحلي إلى الكوني. إنها قصيدة تُعلن، في عمقها، أن الإنسان قد يُجبر أحياناً على أن يُحبّ ما يُؤلمه، وأن يُضحّي بما يُنقذه، وأن يعيش في منطقة بين-بين، حيث لا خلاص كامل ولا فقدان كامل، بل توتر دائم هو جوهر الوجود ذاته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

رسائل إلى محمود درويش

الرسالة 13

ناديا نواصر

مصابٌ بضربٍ من الخيبةِ العربية

مصابٌ بجرحي

إلى آخرِ الجرحِ

يا آخرَ الأبجدية

فكيف أُغنّي صباحَ بلادي

وأكتبُ شعرًا جميلًا لريتا

برائحةِ الصندلِ الزكيّة؟

وكيف أُخاتلُ خطوي الجريءَ

إلى النهرِ أُقصُّ

على الريحِ أحلامَنا الضائعةَ؟

تمرُّ الرياحُ على الجرحِ

تنثرُ ملحًا وتمضي...

وتفتحُ بابًا لقهرِ الزمنِ

فكيف أُصلّي لعينيكِ؟

كيف أقاومُ هذا الضبابَ الكثيفَ

وأُقنعُ ريتا بأننا حبيبانِ؟

نحن نقيضانِ،

يجمعُنا الحبُّ، ثم تُفرّقُنا الأمنياتُ

وكيف أكونُ حبيبًا لغيرِ البلادِ؟

فمهما يُحاصرني الشوقُ

يعصرُ قلبي الحنينُ إليكِ—

فلسطينُ أولى

لجسمكِ رائحةُ الياسمينِ،

ورائحةُ الأرضِ أطيبُ

لروحكِ في الروحِ قُربُ الوريدِ،

ولكن فلسطينَ للقلبِ أقربُ

لعينيكِ لونُ الربيعِ،

ولكن عيونَ البلادِ

أحلى وأحلى، وفي الحسنِ أعجبُ

لصوتكِ عزفُ المساءِ،

ولكن صوتَ الجياعِ أهمُّ

لهمسكِ بالليلِ سحرٌ غريبٌ،

ولكن صراخَ الثكالى في الجرحِ أغربُ

لليلكِ عمرُ الأغاني الجميلةِ،

وطعمُكِ فاكهةُ العمرِ،

لكنَّ طعمَ الخواءِ

وجوعَ الصغارِ،

وطعمَ العراءِ لشعبي الأبيِّ،

وطعمَ الليالي ببردِ الخيامِ

في الروحِ أقسى

ومن فرطِ حزني

فروحي إلى الموتِ أقربُ

مصابٌ بهذا النداءِ المقدّسِ

فلا تسأليني إلى أين أمضي

وكيف انتهينا

برغم العناقِ وكوبِ الشرابِ

ورائحةِ الياسمين؟!