عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ترجمات أدبية

قصّة قصيرة شعرية

للكاتب الروسي ميخائيل ليرمنتوف

ترجمها عن الروسية مؤمل الحطاب

***

هربَ هارون مذعورًا من ساحة المعركة،

حيثُ فاض الدمُ الشركسيُّ.

هرب أسرعَ من الظبي،

وأخفَّ من الأرنب حين يفرّ من النسر،

هُناكَ، استشهد أبوه، وإلى جانبه أخواهُ،

فداءٍ للعزّةِ والحرّيّة،

ورؤوسُهم مُلقاةٌ في غبارِ المهانة

تحتَ حوافرِ الأعداء.

دماؤهم تستصرخ تطلبُ الثأر،

لكنَّ هارون نسي واجبه وكرامته،

وأضاع في لهيبِ الحربِ

سيفهُ وبندقيّته، ثم ولّى هاربًا!

*

انقضى النهارُ، ولفَّ الضبابُ

الأودية المعتمة،

وهبّت من الشرق رياح باردةٌ،

وأطلَّ القمرُ الذهبيُّ

فوقَ صحراءِ النبيّ، هادئًا وديعًا.

وكانَ هارون متعبًا وظمآنَ،

يمسحُ الدمَ والعرقَ عن جبينه،

حتى أبصرَ من بينَ الصخور

قريتَهُ على ضوءِ القمر،

فانسابَ نحوها خفيةً لا يراهُ أحد،

يُحيط به الصمت والهدوء.

*

من بينِ كلِّ من خاضوا المعركةَ الدامية،

كانَ الوحيدَ الذي عادَ سالمًا إلى الديار.

قصدَ بيتًا يعرفه، يتلألأ منه ضوءٌ خافت

شدَّ على قلبهِ ما استطاع،

ومضى هارونُ عابرًا العتبة.

كانَ يدعو صاحبَ البيتِ سليمًا صديقًا،

غيرَ أنّ سليمًا لم يَعُدْ يتعرّفُ عليه.

كانَ طريحَ فراشِه، ينهشهُ المرضُ،

ويموتُ في صمتٍ ووحشة.

*

قالَ بصوتٍ متهدّج:

«عظيمٌ هو الله!

لقد بعثَ ملائكتَهُ النورانيّين

ليحفظوك من الأذى،

ولتبلغَ المجد!»

ثم همسَ، وقد أثقلَهُ الإعياء:

«ما الخبرُ يا هارون؟»

ورفعَ جفنيهِ الواهنين،

وفي عينيهِ ومضةُ أملٍ أخيرة.

نهض قليلًا، فدبَّت في عروقِه

دماءُ المحاربِ ساعةِ احتضاره.

*

قالَ هارونُ:

«قاتلنا يومينِ في وادٍ ضيّق،

فسقطَ أبي، وسقطَ معهُ إخوتي،

أمّا أنا، ففررتُ وحيدًا نحو الصحراء،

مطاردًا كوحشٍ جريح،

داميةً قدمايَ من صخرٍ وشوك،

أهيمُ في دروبٍ مجهولة،

وأقتفي أثرَ الذئابِ والخنازيرِ البرّيّة:

الشَّركسُ يُبادون في كلِّ مكان،

والعدوُّ يطبقُ علينا من كلِّ صوب.

فآوِني يا صديقي القديم،

وأقسمُ بنبيِّ الله،

لن أنسى صنيعكَ، ما حييتُ.

*

لكنَّ المريضَ قالَ بصوتٍ مبحوحٍ قاسٍ:

«اذهب بعيدًا، فما أنتَ إلا جبانٌ وضيع.

لا مأوى لكَ عندي،

ولا بركةَ في داري لِمَن فر من المعركة!»

فأعتراهُ الخجلُ والألم المكبوت،

واحتملَ اللومَ في صمتٍ ثقيل،

ثم خرجَ دونَ كلمةٍ،

عابرًا العتبةَ التي لم تُرحّب به.

*

وتجاوزَ بيتًا آخر، فتوقفَ لحظةً في الطريق،

هاجت في صدره ذكرياتُ الأمس،

كحلمٍ دافئٌٍ عابر، لفحَ جبينه الباردَ

بحرارةِ قبلةٍ قديمة،

فأحسَّ بدفءٍ يتسربُ إلى قلبه،

ونورٍ يضيء روحه المظلمة،

وفي عتمةِ الظلام خُيل إليه

ان عينين تتلألآن بنظرةٍ مفعمةٍ بالحبّ والرقة.

همسَ في نفسه:

«إنها تحبّني…

إنها لا تحيا إلا بي…»

*

وهمَّ أن يصعدَ إليها، لكنَّهُ سمعَ صوتًا – أنشودةً قديمة

نشيدًا من زمنِ الأبطال، فتجمّد في مكانه،

وقد أصبحَ وجهه أشدَّ شحوبًا من القمر:

يغدو القمرُ في السماء، هادئًا صامتًا،

وكان يقف فتى محاربٌ

ماضٍ إلى ساحة المعركة.

يجهّز الفارسُ بندقيته،

فتقولُ له الفتاةُ:

«يا حبيبي، كن شجاعًا،

وفوِّضْ أمركَ إلى القدَر،

وصلِّ نحو الشرق، وكن وفيًّا للنبي،

وأوفِ بالمجد والوعيد.

فمن خان قومه بخيانةٍ دامية،

ولم يهزم عدوه، يمت بلا شرف،

ولا تغسل السماء جراحه،

وتنهش الوحوش عظامه».

يغدو القمر في السماء، هادئًا، صامتًا،

وكان يقف فتى محاربٌ

ماضٍ إلى ساحة المعركة.

*

فطأطأ هارونُ رأسهِ حزينًا،

ومضى بخطى سريعة،

والدمعُ، بينَ حينٍ وآخر،

يتساقطُ من رمشهِ على صدره.

ثم أبصرَ بيتَهُ يلوحُ أمامه،

يميلُ تارة من شدة العواصف،

لكنَّهُ ما زالَ قائمًا أبيضَ الجدران.

فعادَ الأملُ إلى قلبهِ،

فهناك، بلا شك، ترتفع الصلوات الدافئة

إلى السماء من أجلِه، تلك أمه العجوز

التي تنتظر ابنها ان يعود من المعركة،

تنتظره، لكن ليس وحده!

*

فطرقَ نافذته برفقٍ قائلاً:

«يا أمّاه، افتحي!

أنا ابنُكِ الغريبُ والمسكين،

أنا هارونك، ابنكِ الأصغر عدتُ إليكِ،

من جحيم الحربِ،

سالمًا من رصاصِ الأعداء!»

*

فأجابت الأم: «أأنتَ وحدك؟»

قالَ: «وحيداً…!»

قالت: «وأينَ أبوكَ وإخوتك؟»

قال: «قُتلوا جميعًا!»

باركَ النبيُّ موتَهم،

وحملتهمُ الملائكةُ إلى الجنان!»

*

قالت: «وهل انتقمتَ لهم؟»

قالَ: «لم أستطع…!»

لكنني أسرعتُ كالسهم إلى الجبال،

تركتُ سيفي في أرضِ الأعداء،

وجئتُ إليكِ، لأمسحَ دموعكِ يا أمّاه!

*

صرخت الأم:

«اصمتْ، اصمتْ يا جاحدَ العزّة!

لو متَّ شريفاً في الميدان،

لذكرتُك بفخرٍ ورضى.

لكنّك جئتَ بالعار،

لن ألوثَ شيبتي بخزيكَ،

اذهبْ، عشْ وحيدًا،

فلستَ لي بابنٍ بعد اليوم،

بل عبدٌ وجبانٌ!»

*

سادَ الصمتُ عقبَ انفعالها،

وسكن الليلُ وما حوله،

لكنَّ اللعنات والأنين والابتهالات ،

ظلّ صداها يترددُ طويلًا،

حتى انتهت بطعنة خنجرٍ،

أنهتْ عار البائس إلى الأبد.

وعندَ الصباح،

رأتْهُ أمُّهُ صريعًا عندَ الباب،

فأعرضتْ بوجهِها عنهُ ببرودٍ،

كأنها لم تلدهُ قطّ.

*

لم يقتربْ أحدٌ من جثمانه،

ولم يحملهُ أحدٌ إلى المقبرة،

وكان كلبُهُ الوحيدُ، يلعقُ دمهُ بزمجرةٍ حزينة.

والصبيانُ يلهونَ ساخرين

بجسدهِ المسجّى على الطريق.

وهكذا، بقيتْ في قصص الجبال

حكايتهُ عبرةً وعارًا،

وسمّوهُ إلى الأبد “الهارب”.

ابتعدتْ روحُهُ عن نظرِ النبيِّ مرتعبه،

وهائمة في ظلمة الجبال.

*

وحتى اليوم، يقولونَ:

إنّ شبحَهُ يجوبُ الوديانَ،

وعندَ الفجر يجيء ويطرقُ الأبواب،

متوسلاً الدخول.

لكن حين يسمع آيات القرآن الكريم،

يفرّ مرةً أخرى، لائذًا بظلالِ الضباب

كما فر من سيف الاعداء من قبل.

***

المترجم: مؤمل الحطاب – جامعة موسكو

كاتب ومترجم وباحث في الأدب الروسي

............................

* كتبت عام 1838

* عن الشاعر ميخائيل ليرمنتوف (1814-1841): أحد أبرز أعلام الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، شاعرٌ عبقريٌّ حمل في كلماته روح التمرد والحرية. تأثر بعمقٍ بعصرٍ اتّسم بالاضطراب السياسي والفكري، فانعكس ذلك في شعره الذي جمع بين الرومانسية والحسّ الفلسفي العميق. برع في رسم ملامح النفس الإنسانية وصراعاتها، فجعل من قلمه مرآةً للروح الروسية. ورغم قِصر حياته، إذ قُتل في ريعان شبابه، فقد خلّف إرثًا أدبيًا خالدًا وضعه في مصافّ أعظم الكُتّاب والشعراء في تاريخ الأدب العالمي. من أبرز أعمال ميخائيل ليرمنتوف روايته الشهيرة: بطل من هذا الزمان.

* عن القصيدة: نُشِرت أول مرة في مجموعة أدبية بعنوان «أمس واليوم» (1846، المجلد 2، الصفحات 154 – 158)، مع بعض التحريفات التي فرضتها الرقابة آنذاك.

* المصدر

https://ilibrary.ru/text/1329/p.1/index.html

للكورية هوانغ جين - يي

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

أيها الجدول الأزرق بجانب الجبل الأخضر، لا تغتر بشدة تدفقك*

عندما يبلغ الماء البحر الفسيح، يصبح من الصعب أن يعود من حيث أتى.

لقد تلألأ القمر المكتمل والمنير فوق الجبل المهجور، ألا تأخذ من الراحة نصيبا قبل ارتحالك؟**.

***

يتخبط جاهدا في غمار المياه الهادرة، عبر نهر جارف عات.

مثل حسام يمزق جسدا أعزل، هكذا يكون الاستبسال والمثابرة في القتال.

ولكن في النهاية، لا بد للأمواج أن تغلب الصمود.

***

يا إلهي، ما الذي اقترفته يداي؟، كان ينبغي لي أن أثمن مكانته لدي بشكل أفضل.

أدرك تماما أنه لم يكن ليرحل أبدا، لو أنني فقط طلبت منه المكوث.

كبرا مني أقصيته، وها أنا اليوم أجر أذيال الندم وأدفع الثمن.

***

.......................

* بيوك غيسو (ماء الجدول الأزرق): اسم شخص من العائلة المالكة في (جوسون)، كان يتفاخر بين الرجال بكونه غير مفتون بالشاعرة الحسناء، كما فعل العديد من الرجال الذين أسرت قلوبهم، ولكنه أعجب بها، ووقع في حبها، حال رؤيتها وسماعه قصيدتها أعلاه.

** القمر المكتمل المنير (ميونغ وول): الاسم الفني المستعار للشاعرة.

- هوانغ جين - يي (1506 كايسونغ – 1560 م تقريبا): شاعرة وفنانة ترفيه (غيساينغ) كورية من عهد الملك (جونغجونغ) (1488 – 1544 م) من سلالة (جوسون). كانت حادة الذكاء وفائقة الجمال وواسعة الثقافة وملمة بآداب السلوك، وبارعة في الخط والرسم والعزف على الجيومونغو. كتبت الشعر الصيني والسيجو. ألهمت شخصيتها صناع الكثير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية وكتاب الأعمال الأدبية، مثل فيلم هوانغ جيني 1986 والمسلسل الدرامي التلفزيوني هوانغ جيني 2006 وفيلم هوانغ جيني 2007، ورواية (هوانغ جيني 2002 – ل هونغ سوك جونغ – كوريا الشمالية) الحائزة على جائزة (مانهاي) للأدب في كوريا الجنوبية عام 2004، ورواية (هوانغ جيني 2004 – ل جيون غيونغ رين). يتسم شعرها بالرقة والتلميح وتطغي عليه لوعة الحب وجياش العواطف، وقد عمت عاديات الزمن على معظمه ولم يسلم منه إلا القليل. ولها قصائد مدرجة في المناهج الدراسية لكوريا الجنوبية. مترجمة عن الإنكليزية.

ترجمها من الألمانية: منير العبيدي

***

حديقةُ الكلمات

بيتي يقعُ في حديقةِ الكلمات

هناك حيث كلُّ ورقة شجرة

حيث كل صفٍ من الأشجار كتاب

حيث كل (نجمة) في قطراتِ الندى تلتمع

حيث كل قطرةٍ نجمة،

وكل ورقةٍ مجرة

وكل شجرةٍ كون

*

هذه الحديقة تعودُ لي !

وليَ النهرُ الذي يتدفقُ عندَ الحديقة

و لي تعودُ الصبايا اللائي يسبحن في النهرِ عندَ اكتمالِ القمر

حينما الماءُ يتقاطرُ من أجسادهنّ العارية.

لي، لي وحدي يعودُ

المحّارُ على الشاطئِ

مملوءاً كان أم فارغا

وليَ البحرُ والبحيراتُ حيث انتهاء النهر.

*

كلَّ ليلةٍ ارتقي قِممَ الجبال وأتجولُ بين الوديان

جبالِ ووديانِ الزمان والمكان

*

حيثُ الموسيقى كعنصرٍ خامس

تُضفي كمالا على فتنةِ العناصر

تلك العناصرُ التي تزفُّ ليَ التهاني

وأزفُّ التهاني لها

حيث الزمانُ عقد لآلي يطوق جيدَ صبية.

*

ما هو البدءُ، ما هو المنتهى،

ما هو القديمُ، ما هو الجديد؟!!

حين تنصت الى الأصواتِ في حديقة الكلمات..

سوف تعرف ما هي الموسيقى

عندما تنصت لصوت الصبايا..

حينَ يكنّ في النهر سابحاتٍ، سوف تعرف ما هو الماء

حين تعايش الأشجارَ التي ترقصُ في محضِ عطرها

سوف تعرفُ ما هو الهواء

حين ترى انعكاسَ البدرِ على صفحة المياه

سوف تعرفُ ما هو الضوء

و حين تنامُ على العشب، سوف تعرفُ ما هي الأرض

*

إلا انك حين لا تعرف حديقة الكلمات

لن يكون بمستطاعكَ أن تعرف شيئا عن هذا العالم

 

للكوري تشو أوه - هيون

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

الغابة

هذه حياتي التي اخترتها بنفسي، وسابقى أعيشها كما أريد.

تتشكل الأودية بين الجبال، لتمهيد مسار تدفق المياه.

تتغلغل الحشرات في تجاويف اللحاء الخشن للأشجار، وتتخذ منه مأوى للتكاثر.

***

(2)

صدى صوتي

عند الظهيرة، تنساب في أرجاء الغابة صيحات طائر، وتشق سكون الطبيعة.

مع انتصاف الصباح، تتردد أصوات النوارس في أرجائي، وأنا أقف على الساحل.

متى سأكسر حاجز صوتي؟، متى سيتردد صداه؟

***

هذا الجسد الذي بداخلي

تسلقت نامسان حتى الذروة، لأكحل عيني برؤية أفول الشمس*

بدت سيول كمستنقع قاتم، يفيض بحمرة ملتهبة ومائجة.

وفيه هذا الجسد الذي بداخلي، علقة ملتصقة بورقة عدس الماء

***

..................

*  نامسان: جبل يقع في (جونغ – غو) بوسط (سيول) العاصمة. يزخر بالمعالم السياحية التي تجذب السياح من داخل وخارج البلاد.

** عدس الماء: نبات مائي ناعم قريب الشبه بحبات العدس، سريع النمو وينتشر في البرك والمستنقعات. تتغذى عليه الطيور المائية. له عدة استخدامات.

- تشو أوه - هيون (1932 ميريانغ – 2018): هو (ماناك – الاسم الديني) و(مونسان – الاسم القلمي)، شاعر كبير وراهب من مذهب زن الجبال التسعة الكوري. حاصل على جائزة (تشيونغ تشي يونغ) الأدبية. كتب السيجو والشعر التقليدي والحر. صدرت له مجموعة (من أجل النيرفانا)، ترجمة هاينز إنسو فنكل، مقدمة: كوون يونغمين، مطبعة جامعة كولومبيا 2016  التي تضمنت (108) سيجو زن. و(حكايات من المعبد: مجموعة من قصائد النثر الزينية)، ترجمة هاينز إنسو فنكل، دار كوديل للنشر 2019. ترجمت أعماله لعدة لغات.

أما ال (سيجو زن) فهو: نمط شعري، يجمع بين السيجو الكوري التقليدي (بيونغ سيجو) ومبادىء بوذية الزن الكورية (السون). ومن أشهر شعرائه: الراهب والمصلح الديني والناشط السياسي البارز (مانهاي) (هان يانغ – اون) (1879 – 1944) والراهب (هي سيم – جينغاك كوكسا) (1178 – 1234) والشاعر (كو أون) (1933 -).

* مترجمة عن الإنكليزية.

 

بقلم: أندريا كوهن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

اللجنة تبدي رأيها

أقول لأمي

انني فزت بجائزة نوبل.

*

فتقول: مجدداً؟

بأي مجال هذه المرة؟

*

انها لعبة صغيرة

نلعبها:

*

انا اتظاهر بأنني شخص مهم،

وهي تتظاهر بأنها لم تمت.

***

تسلية

وانا طفل كنت اصنع

أشياء من الطين—

*

خنزيرا لا يمكن ان يؤكل،

بغلا يرفض ان يحمل

*

أي شيء الا خنزيرا

لا يمكن ان يؤكل.

*

كانا شيئين رفيقين.

يصحب أحدهما الآخر،

*

ويصحبانني.

كنا نكتم اسرار بعضنا:

*

ما يستطيع اللحم ان يفعله بالطين،

وما يستطيع الطين ان يفعل

*

ما لا يستطيع اللحم ان يفعله.

كنت طفلا صغيرا يتخذ قرارات صغيرة

*

كنت اثير غضب الناس الكبار

كنت اسبب لهم الارتباك.

*

ارفض، ارفض.

***

......................

* أندريا كوهن: شاعرة أميركية من مواليد 1961 تلقت تعليمها في جامعة آيوا. ظهرت فصائدها في صحف ودوريات مهمة. نشرت تسع مجموعات شعرية كان آخرها بعنوان "السكر" في العام الحالي. من عناوين مجموعاتها: "عطلة رسام الخراط" 1999؛ "سباق خيول كنتاكي" 2011؛ "فراء ليس لي" 2015؛ "كل شيء" 2021؛ و"مساكن الحزن" 2024.

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: صالح الرزوق

***

رحلة قطار الأنفاق واحدة من أكثر الرحلات المتعبة التي يتحملها مايك، كان يأمل أن يفتح الباب ليدلف إلى الصالة الدافئة، ويسمع أصوات زوجته وأبنائه، ويرى القطة تهبط على السلالم ثم تتمسح به. يعمل مايك أقل من اثني عشر ساعة في اليوم، وقد مرت أساببع منذ أن عاد إلى البيت مبكرا هكذا. تعيش عاملة الخدمة في هذا البيت ومع هذه العائلة أكثر منه. فكر أن يعلن عن الأخبار لزوجته فورا، ولكن أخبرته إموجين في الصالة وبيدها كأس جن وتونك، إنها ستصعد إلى أعلى لتستحم. أخرج مايك وجبة باردة من المجمدة، وأودعها في الميكرويف. بانتظار أن تسخن، سكب لنفسه كوبا من النبيذ، ووقف بجانب النافذة الطويلة التي يرى منها الحديقة. قرر أن يبدأ القراءة ويتناول النبيذ. كانت إموجين تصر على هواية تقلل من قلقه، فقد أقلع مؤخرا عن التدخين، ولكنه أفرط بالنبيذ. كان يعتقد أنه قادر على التخلي عن بعض العادات. وبعكس أصدقائه وزملائه، كان بمقدوره السيطرة على نفسه، فهو ليس مدمنا. والآن على اعتبار أن الترتيبات المالية أصبحت خارج السيطرة، بعد صدور قرار بفصله، بدا كل شيء تقريبا- ومن ضمنه فكرة المستقبل - موضوعا مختلفا. أشعل أنوار الحديقة، نظر إلى المصطبة الجديدة حيث أقاموا في الصيف الماضي حفلة شواء، وفكر: "دفعت لأجل ذلك من وقتي، وذكائي، ومن الثقافة التي حصلت عليها بفضل الدولة". في الطرف البعيد من الحديقة يوجد كوخ للأولاد ليعزفوا فيه الموسيقا، ومجهز بتلفزيون، وطبل، ومكبرات لتوزيع الصوت. لكن توقف الأولاد عن استعماله، حتى قبل أن يبدأ بتسديد ثمنه. وخلفه يمكنك مشاهدة حمامات وغرف نوم لعائلات أخرى تشبههم كثيرا. كان موضع بيتهم في الضواحي المريحة من لندن، وهو ضيق ويتألف من خمس طوابق، وموقف سيارات على جانب الطريق، ويشرف على سهول خضراء. وكما يحب الأولاد أن يقولوا، يعيش زملاؤهم في مدرستهم في بيوت أرحب. فآباؤهم مديرو شركات أو مستشارون ماليون للاعبي كرة قدم مشهورين. لكن لدى مايك، الذي يعمل في شركة تمويل، القليل من الوقت نسبيا. ومع ذلك كان هو وإموجين يخططان بجدية تامة لمزيد من العناية بالحديقة، وكذلك بقية أنحاء البيت. وكانا يستمتعان بالعمل على ذلك معا، حتى جاءت اللحظة، في هذا القطاع المزدهر من لندن، وتوفر عدد كبير من العمال البولونيين المحترفين. يحسن معظم أصدقاء مايك وإموجين باستمرار من ممتلكاتهم. وهذا قانون طبيعي: فأنت لا تخسر النقود التي تستثمرها في بيت. وربما كان على مايك أن يكون أكثر نباهة، ويلاحظ بدء عودة البولونيين الهاربين إلى بلدهم قبل سنوات. وضع مايك صحنه على طاولة الطعام الأنيقة والبراقة، حيث يحب تناول طعام المساء، والكلام مع الأصدقاء. أما إموجين، التي لا تتعاطى حسب علمها منذ سنوات أي شيء غير عضوي، فتكون قد تناولت طعامها مع الأولاد. ويمكن مايك من مكان جلوسه رؤية الصبيين وهما يلعبان لعبة فيديو عنيفة باستعمال شاشة تلفزيون العائلة. كان طعامه طيبا فعلا: الرز ناضج، والقريدس مطاطي الملمس. كانت صحون الأولاد لا تزال ببقايا الطعام على الطاولة، وإلا لكانت الطاولة مغطاة بكتب المدرسة، وعلب الأقلام. شاهد أيضا حقيبة تدحرجت منها شبكة كرة قدم، وثلاث أوراق نقدية من فئة الـــ 20 جنيها تركتها إموجين من أجل عاملة النظافة. التقط مايك إحداها ونظر إليها عن مقربة. كيف لم ينتبه لابتسامة الموناليزا الساخرة التي تشع من وجه الملكة، بإيحاء عابث، كأنها تشفق على الجشع والزهو المتأتي من حيازة النقود؟.

كان يسعد والده أن يقول له: "يا لحظك الطيب الذي نعمت به طيلة حياتك، يا مايك" - وكان والده، الذي أتم دفع رهن البيت مؤخرا بعد تقاعده، يعتبر الديون فشلا أخلاقيا. ويقول: "عشت طفولتي في كينت. كانت هناك تسقط كل ليلة القنابل الألمانية. ولكنك لم تمر بكارثة من هذا النوع. ولم تقع جرائم قتل في العائلة. أنت أحد الذين تجنبوا مآسي القرن العشرين". إنما ليس الواحد والعشرين. كانت كلمة "أمني" تستعمل فيما بعد حقبة9/11 وترد على لسان السياسيين وعلماء النفس على الدوام. وكلما زاد تكرارها أصبح البلد يشاهد المزيد من الحراسة. وكلما ظهر رجال بسترات مشعة تحمل على ظهرها كلمة 'أمن' ، زاد شعور مايك بالخوف - ولذلك سبب مفهوم، كما تبين لاحقا. وقد تمرن مايك على إدارة قسم يضم أربعين شخصا، ثم أصبح عمله طرد الموظفين الذين يرعاهم، وفي خلال أسبوعين حزم أشياءه وطرد نفسه. نادى الصبي البالغ من العمر خمسة عشر عاما، والذي يلعب بالكومبيوتر: "احمل صحنك واغسله".

رد توم: "غسلته بالأمس".

قال مايك: "هذا صحنك".

تجاهله الولد.

قال له: "ومن فضلك أوقف تلك اللعبة. دعنا نشاهد كرة القدم أو حلقة كوميديا. أحتاج الليلة لبعض الاسترخاء".

قال الولد: "اتركني وشأني. بدأت للتو. حينما تكون هنا لا تسمح لي بأي شيء. أنت محب للسيطرة".

أجابه: "أمامك عشر دقائق ثم يجب أن تتوقف".

-"كلا. لن أفعل".

-"اذهب واهدر وقتك في غرفتك".

قال توم: "تلفزيوني معطوب. لماذا لم تصلحه كما وعدت؟. لم لا تفعل من أجلي أي شيء نافع أبدا؟".

-"قدمت لك كل ما أملك وسأفعل ذلك دائما".

-"هل أنت تمزح؟. لم تقدم لي أي شيء حتى الآن".

قفز الولد الأصغر بأربع سنوات، والذي زعم أنه أضر قدمه، نحو مايك، ووضع رأسه على كتفه. لف مايك ذراعه حول بيلي وقبله. ولكن لم يسمح الولد الأكبر لمايك أو حتى أمه بتقبيله حتى الآن. وجد مايك أن اختيار بعض زملائه لمهنة حدائقي، حتى زوال المانع، أمر ممتع. الشرط الوحيد، كما هو واضح، رأس فارغ ورغبة بتمرين العضلات. آخرون رأوا أنهم قد يضطرون للتدريس. كان مايك في الخامسة والأربعين، وبدون فكرة عما يمكن أن يفعله. وكان عليه أولا خسارة كل شيء. ربت بيلي على ظهر مايك، قائلا، ليس بدون علامة تدل على التعالي "أحيانا أحبك يا والدي. أريد دروسا بالغيتار. وأولا أريد الغيتار ومكبر الصوت مثل توم". يمكن للحياة العائلية أن تبدو فوضوية. ولكن حياتهم مرتبة على نحو رائع، مع احتساب كل ساعة منها. وكذلك الدوام في مدارس خاصة، وفيها كان ابنه، كما يذكر مايك، يتلقى حصص التنس واللغة الإسبانية والبيانو والسباحة والغناء والكاراتيه. وكانوا يترددون على السينما والمسرح ومباريات كرة القدم باستمرار. ومثل معظم أصدقائه وزملائه ديون مايك ضخمة، وتعادل تقريبا ما يكسبه في سنتين. غير أنه ينظر لها دائما - حينما يفكر بها - على أنها الشيء الوحيد المرافق له. وبنحو ما، وأحيانا في منتصف الثمانينات، لم تعد الديون مخزية، وبعد عام 1989 اتفق الجميع على أن: الرأسمالية تزدهر، ولا توجد طريقة أفضل من الحياة في ظلها، وأنت تغني وتنفق. أبعد مايك صحنه. بعد العشاء يحب أن يعتصم في غرفته ويدرس ستارفنسكي، ويستمع لمقطوعاته الواحدة بعد الأخرى، حسب ترتيب تأليفها، وهو يقرأ عن حياة الملحن. ومرة كل أسبوعين يعقد هو وأصحابه اجتماعا موسيقا، ويعزف الواحد منهم للآخر. ومؤخرا نظر نحات ضعيف من هذه العصبة مباشرة نحو مايك وأشار بتهكم إلى "طقوس النقود" وقال عن مهنته وأخلاق مكتبه إنهما "أصوليان"، لأن التعصب هو الأوفر حظا بالانتشار، والتفكير والشك معدوم. وكان لدى النحات رأي زائف ومتعال عن التخيل، الذي لا ينشط إلا في الفن. غضب مايك ولكنه لم يتمكن من التخلص من ملاحظة الرجل الملعون من رأسه، بخصوص كيف يعيش حياته. وتساءل إذا أصبح متعصبا، مثل النحات، وغير قادر على التفكير بحياة الآخرين حسب هواه. ولكنه اقتنع أن العامة تنظر إلى المصرفيين وكأنهم بلطجية، وأشرار شرسون، وهذه النظرة تعبر ببساطة عن رغبة في فصل النظام المصرفي عن بقية المجتمع، بنفس طريقة تفضيل الناس عدم التفكير بالمسالخ عندما يتناولون طعامهم. ومثل كثير من الناس يخاف مايك من طبيعة الكوارث الراهنة، ويتساءل هل هي عقاب على سنوات من المبالغة والفضول، وهي الدين الذي يتوجب دفعه بالتألم والمعاناة. ولكن كيف يجوز اعتبار عائلته مذنبة أو وضيعة، مع أن كل تطلعاتهم لا تزيد على المطالبة بتحسن مادي مطرد؟. اقترب مايك من غسالة الصحون، وضع المنظف في مكانه، وأغلق الباب، وضغط على زر البدء، ولكن أظلم عالمه. توقفت ساعة الموقد، وتحولت أرقامها البراقة إلى أربع أصفار مستديرة. وجمد الميكرويف في منتصف دورته. وتوقفت كل الأصوات، باستثناء نباح كلب في الحديقة المجاورة.

في ذلك العدم العابر لم يهتف صوت الصبي "أبي. أبي. أبي - افعل شيئا. تصرف". فتش مايك في الدرج بحثا عن مصباح يدوي، وعبر البيت وتمكن أخيرا من اتباع قوس الضوء فوق السلالم الخشبية الصاخبة وحتى القبو. ولكن زلت قدمه ذات الجوارب على السلم الزلق، وفقد موطء قدمه. للحظة توقع أنه سيسقط على ظهره وسيكسر رقبته. كم من السهل أن تسقط، وكم كان هذا يغريه - فجأة رأى أن هذا أفضل احتمال - ليموت!. قبض على الدرابزون، وثبت نفسه، والتقط أنفاسه - شم رائحة البنزين والورق المقوى - تخبط نحو أرض الإسمنت ووقف هناك تحاصره علب الطلاء، ودمى الأطفال المكسورة، ومشتريات مهملة منذ عقد كامل، وكيس من فواتير بطاقات الائتمان. هناك في نصف العتمة، ضم وأرخى قبضتيه، وتساءل إذا كان من المحتمل أنه سيثور ويجن. كان يعلم أنه سيمنع في الشركة عن رؤية من يعرف ويحب، ويتحول إلى شخص "غير مرئي". تخيل أنه سيبلغ الصحف الوطنية عن حماقة وفساد الموجودين في مكتبه، وسيخون أولئك المغفلين ضيقي العقول مثلما خانوه. وبسبب هذه الأوضاع من الفشل والعجز فكر أن يشتري علبة بترول، ويقتحم المكان، ويشعل به النار، وسيرى كيف يكون رد فعل الأوغاد. ولكن كم سيطول مقته لهم، وما هو أثر هذا المقت الطويل عليه؟. هل سيموت من السرطان؟ آمن مثل الآخرين فعليا أنه ظاهرة استثنائية، وسينجو.. في النهاية وجد القاطع الصغير الذي جعل كل شيء يعمل مجددا، جره، فانتفض كل شيء، وبدأ عالمه الفظيع بالعمل، وسمع الدمدمة والاهتزاز. بعد عودته إلى الضوء لم يقتنع أن بمقدور توم متابعة قتل الناس السود في مشهد افتراضي من العالم الثالث. لذلك صاح به: "أطفئه حالا. هذا يكفي".

-"دعني وشأني".

"من فضلك يا توم. أتوسل إليك. اذهب وأنجز وظيفتك المنزلية. العالم مكان حقير وقذر ويقوده بنات آوى والمجرمون. عليك أن تكون جاهزا، طالما يمكنك ذلك".

"اتركني وحدي. لا تكلمني ثانية أبدا".

أمسك مايك الولد وجره من كرسيه، بقميص المدرسة الأزرق. قائلا: "نفذ ما آمرك به أحيانا".

"انصرف عني. أنت عجوز شرير. أتمنى أن تموت. كنت أرغب بهذه اللعبة طيلة اليوم".

"لم أكلم والدي بهذه اللهجة أبدا".

"تقول الوالدة أنك كنت تنهره".

كان توم أطول وأقوى وأرشق من مايك. وللتسلية أحيانا يلف ذراعه حول رأس والده ويجره في أرجاء الغرفة. صاح مايك على الصبي: "أطفئه. أطفئه. أطفئه". واقتلع جهاز التحكم من يده، وألقاه على الأرض. تحرك توم من كرسيه ووخز والده، فدفعه والده من صدره إلى الخلف. تدحرج الولد وسقط على قفاه. شتم مايك ثانية وأطفأ التلفزيون.

برزت زوجته التي تتزين بالألماس والذهب حينما تكون في الغداء مع صديقاتها، ودخلت بسروال رياضي، وقميص خفيف قديم، ونظارات سميكة، وخفين أبيضين حصلت عليهما من الفندق. قالت لتوم: "هل أنت على ما يرام؟ ماذا فعل بك الآن". قال توم وهو يدلك كوعه: "أعتقد أنه كسر ذراعي".

قالت إموجين: "أبوك أحمق ومجنون".

قال مايك: "رفض أن يتوقف عن اللعب. ولم يعاملني بحب ولا احترام".

قالت: "وكيف يمكنه ذلك؟. تأخر الوقت جدا. فقد دللته وأهملته، أيها الرجل السخيف، الأحمق. والآن تتوقع أن يطيعك".

قال توم: "واقتلع زري أيضا".

قالت إموجين وهي ترمق مايك شزرا: "ومن سيخيطه ويعيده إلى مكانه؟".

كانت تعمل في مؤسسة خيرية ثلاثة أيام في الأسبوع. وبالتأكيد راتبها محدود، ولكن لديها ضمير عائلي، ويعلم مايك أنه من الضروري أن يبدو سخيا. وبعكس بعض أصدقائه، لم يكن يرغب بامرأة تعمل وتجهد نفسها كالرجل، امرأة لا تتواجد في البيت أبدا.

قال بيللي: توقف عن الجدل وأخبرني إذا ما كنا حكما سنذهب للحصول على غيتار يوم السبت".

كان مايك يتمنى لو أن بيللي لا يكبر، ويبقى في هذه المرحلة من العمر حتى الأبد. ولكن أجابه: "أعلم أنني قلت لك سنذهب".

"ولكن يجب أن أفكر بالأمر".

"كنت في فرقة عازفين. ماذا تسمى؟".

"السراويل الغريبة".

صاح توم والذي كان يكتب رسائل قصيرة بتهور: "يا له من اسم غبي لفرقة".

قال مايك: "هل اسم مجموعتك تسعة وستون. أم أنت لا تعرف ما هو".

"أعرفه. وأنت أيها الرجل المسن لم تستمع لفرقة تسعة وستين منذ سنوات. ولن تستمع ثانية".

"انتظر حتى تتزوج ولاحظ النتيجة".

قالت إموجين: "وعدت بيللي بغيتار، ومضخم صوت، ومكبر صوت، والآن عليك أن تفي بوعدك".

قال مايك: "فقط سميني رجل الوفاء بالوعود. هذا اسمي. ولكن ربما لاحظت أن هناك أزمة مالية تأخذ مفعولها".

"هاااا. اخترع أي عذر لتخذل قومك".

قال لها: "حقا-- هذا كل ما فعلته. ولكن ماذا عنك؟. ماذا تطلبين بعد ذلك؟".

قالت: "شكرا للسؤال. كنت أخبرك منذ أسابيع أنني بحاجة لحاسوب جديد".

قال: "سآتي لك بأحدث أبل ديسك توب. مع طابعة وربما أحدث نسخة آي بود. يجب أن يحصل الجميع على ما يريد حينما يريد. لم لا أكتب قائمة، كي لا أنسى طلب أحد؟".

صبت لنفسها شرابا آخر. قائلة: "على الأقل - في هذا بعض المعنى. الأمور تتحسن هنا".

شعرت أنها لم تكن تحصل "على ما تريد". وخططت للتمرن على التحليل النفسي. وهذا يحتاج على الأقل لثلاث سنوات، فوافق أن يدفع الرسوم، وأن يدعمها في فترة الدراسة. قالت له: "وبعد أن أكسب النقود، ستتحسن كل هذه العائلة". وكل ما ينفقه عليها سيكون استثمارا. ولكن عليه أن يعيد التفكير بالموضوع. وقبل هذا الانهيار، كان يأمل أن يجني ما يكفي في السنوات القليلة القادمة ليحافظ لهم على حياة آمنة. حالما نهض قالت: "غسلت الأطباق الأخرى ولكنك نسيت أن تأخذ معك هذه الصحون". جمع مايك كل الصحون، وحملها إلى المغسلة. تابعت تقول: "كما تعلم، بسبب عاداتك كان يجب أن تتزوج امرأة ذات طموح منزلي أدنى، امرأة بمعايير أدنى في كل شيء".

لم تلاحظ أنه يحب التفاصيل والترتيب كلما كبر بالعمر. ثم استعانا بمنظفة بلغارية تعمل ثلاثة أيام في الأسبوع. كانت المرأة حاملا، ولذلك تتعرق كثيرا وهي تنظف وتحمل الأشياء، وكانت تخاف من فقدان عملها وأن تحل غيرها محلها.

اعتبر ما يك وزوجته نفسيهما متساويين، ولا توجد طريقة الآن تجعل إموجين تغسل أرض المطبخ، أو تنظف دورات مياههم الأربعة أو تكنس البيت. ومنذ أن تصدعت الرأسمالية تحت ثقل تناقضاتها كما توقعت الماركسية - فلا الشيوعيون ولا المسلمون كانوا مسؤولين عن انهيارها - توجب على العائلة أن تجد بيتا أصغر، وأن تتشارك على واجبات المنزل مثل الجميع. إن لم يكن هناك رفاهية، ما هو فضل الرأسمالية إذا؟. وإن لم يكن هناك واجب أخلاقي، ولا حياة تالية، لماذا يجب أن يتبعها الناس؟.

قالت إموجين لتوم: "هيا. سنكتب وظيفتك الفرنسية في غرفتك".

قال مايك: "سأقرأ لبيللي. هل أنت جاهز أيها الصبي الصغير؟".

ما أن نظف بيللي أسنانه، وارتدى منامته، توجب عليه الاستلقاء على سريره الكبير والكلام مع رأس الولد الموجود في صدر مايك، وإلا سيهزلون ويتصارعون ويغنون أو يقرأون حتى يسقط الولد، ومايك بالعادة، في النوم. كان هذا هو الوقت الذي يستمتع به مايك من يومه أكثر من سواه. ربتت إموجين على رأس مايك قبل أن تحمل جعبة توم وكتاب اللغة الفرنسية.

قال مايك: "يا عزيزتي الأمور المقرفة موجودة في العمل".

"هل هذا شيء غير عادي؟".

"علينا أن نناقش الموضوع لاحقا".

قالت: "هل تطلب بعض الاهتمام؟".

كانت هي وتوم في طريقهما إلى أعلى، وتوم يضحك بسبب حادث مضحك جرى في المدرسة.

فقال مايك: "تجاوبي معي من فضلك يا إموجين".

قالت: "فيما بعد إن بقيت مستيقظة. أو في الغد".

"بل الليلة كما أرى".

قالت: "ربما. على كل حال حينما أكون أقل إنهاكا".

قال: "حسنا. حينما تكونين جاهزة للكلام أخبريني".

 ***

............................

* حنيف قريشي Hanif Kureishi - كاتب بريطاني من أصول باكستانية.

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 – شيفانجي (الهند)

(نبض مستعار)

أحمل على معصمي اليوم ساعة أبي، بحزامها الجلدي المتآكل

دقاتها الرتيبة نبضات مستعارة، أثبتها على جلدي

إنها لا تبالي بالوقت المهدور، بل تختبر مدى صمود الحب

***

2 – إيلا شموك (الولايات المتحدة الأمريكية)

(عريسي)

ينتصب بمهابه أمام الكنيسة، وسيما كعهده

لقد استوطن قلبي كله الذي يطير فرحا، وأنا عاجزة عن التقاط أنفاسي

يقول (أقبل)، بينما أقول (الحري بي أن أكون أنا)، صامتة في المقعد الخلفي

***

3 – يوجين تشا (الولايات المتحدة الأمريكية)

(عرافة المطبخ)

تكيل جدتي الأرز بقبضتها، دون استخدام القدح، وتعرف ما هي الكمية المطلوبة

تقلبه بملعقتها الخشبية داخل قدر الحديد الزهر، وهي تقص الحكايات

تضيف ثلاث رشات من الملح، ثم خمس، للوصول إلى النكهة المطلوبة

***

........................

* حائزة على المراكز الثلاثة الأولى في مسابقة (سيجونج) الدولية للسيجو باللغة الإنكليزية / فئة الشباب لعام 2025، والمقامة من قبل (جمعية سيجونج الثقافية) التي تم تأسيسها في (شيكاغو، إلينوي) بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2004. وتكونت هيئة التحكيم للمسابقة في الدورة المذكورة من (د. جيونغ ريول جانغ، د. سيونغ كون كيم، د. ديفيد ماكان، ود. مارك بيترسون).

علما كانت قصائد السيجو الكورية الكلاسيكية خالية من العناوين لعدة قرون بسبب طبيعتها الشفوية، وقد صنفت ودونت لاحقا بناء على اللحن والترتيب الأبجدي للسطر الأول، وصارت ذات عناوين منذ أواخر القرن ال (19) وبداية القرن ال (20)، عندما غدت منشورة ومقروءة في الصحف والمجلات والمختارات الشعرية، وذلك لمعرفة فحوى النص من قبل القراء مسبقا.

قصائد من الهند للشاعرة الهندية:

بامي ساندو

ترجمة: كريم عبد الله – العراق

***

أفكارك لي وحدي، هكذا يقول قلبي،

فبطريقةٍ ما، تظلّ أفكارك تلقاني كلَّ يوم.

*

أفكّر في ابتسامتك حين يستقرّ المساء،

وأتمنى لو كنتُ بقربك، حين يصمت العالم من حولنا.

*

أشتاق إلى نبرة صوتك، وإلى الدفء الساكن في عينيك،

وإلى تلك التفاصيل الصغيرة فيك، التي لا يصفها أحدٌ سواي.

*

وحين أتخيّل أنني أضمّك قريبًا من قلبي،

أتمنى لو تنقضي كلُّ المسافات التي تفصل بيننا.

*

أشتاق إلى لحظةٍ واحدةٍ فقط، تكون فيها واقف بقربي،

لأشعر بحضورك الرقيق، وأنسى أعوامًا مضت.

*

لأحتويك بين ذراعيّ، وألّا أتعجّل الرحيل،

ولأسرق قبلةً حانية، وأتمنى لو أنها تبقى.

*

أحلم بقبلاتٍ ناعمة تُمنح تحت سماء المساء،

من تلك التي لا تحتاج إلى سبب، ولا تسأل: لماذا؟

*

لمسةٌ بسيطة، ونظرةٌ تطول، وقربٌ دافئٌ صادق،

أحيانًا، كلُّ ما أراده قلبي منك هو ذلك.

*

ربما أنا مفتونةٌ بك، وربما لا أملك إلا أن أهتمّ بك أكثر مما ينبغي،

فحتى مجرد التفكير فيك قد يبدو كلمسةٍ رقيقة.

*

اسمك قادرٌ على أن يغيّر مزاجي، وابتسامتك قادرةٌ على أن تغيّر يومي،

وبطريقةٍ ما، تظلّ كلُّ أفكاري القلقة تقودني نحوك.

*

فاقترب قليلًا، ودع الصمت يتكلم،

ودعني أحتضنك قليلًا، حين تعجز الكلمات عن العثور على طريقها.

*

وإذا التقت شفتاك بشفتيّ تحت النجوم الهادئة في السماء،

فدع تلك القبلة الحانية تقول كلَّ ما أشعر به حبًّا.

*

فأنا لا أحتاج إلى الأبدية لأعرف ما الذي يريده قلبي،

يكفيني قربك، وقبلاتك، وحبك...

"فأنت لي وحدي!!"

***

اكتب قلبك في كل صفحة

اكتب قلبك في كل صفحة، ودع كلَّ مقطعٍ يتنفّس،

ودع الحبر يغدو لغةً للأحلام التي تجرؤ على الإيمان بها.

*

اسكب ضحكتك، اسكب شوقك، ودع أنهارك الخفيّة تتدفّق،

وامنح صوتًا للحظاتٍ صامتة لا يعرف أسرارها إلا أصحاب الأرواح الرقيقة.

*

اكتب عن حبٍّ يتفتّح في العتمة، كوردٍ تحت المطر،

وعن ذكرياتٍ يلفّها ضوء القمر، وعن فرحٍ يتشابك مع الألم.

*

اكتب عن يدين احتضنتا يدك يومًا، وعن وداعاتٍ تركت ندبة،

وعن قلوبٍ متباعدة ما زالت متّصلةً تحت النجم الأبديّ ذاته.

*

دع أبياتك تحمل الرحمة حيث تجوب الأرواح المتعبة،

ولتكن كلُّ سطرٍ قنديلًا يهدي القلوب التائهة طريق العودة إلى الوطن.

*

اكتب عن شجاعةٍ وُلدت من رحم الحزن، وعن قوةٍ يمنحها الصمت،

وعن أجنحةٍ مكسورة تتذكّر أنها خُلقت منذ البدء لكي تحلّق.

*

دع كلماتك تحتضن الغريب الذي يبحث عن مكانٍ ينتمي إليه،

ولتكن الرحمة إيقاعك، وليكن ضميرك أغنيتك.

*

لا تكتب فقط ما تراه بعينيك، بل اكتب ما تعلّمته روحك،

فكلُّ حقيقةٍ اكتشفتها هي صفحةٌ انقلبت داخل أعماقك.

*

لا تكتب من أجل مجدٍ عابر، ولا من أجل تصفيقٍ يخبو سريعًا،

اكتب كي يترك الحبُّ عطره طويلًا، حتى بعد أن يمضي يومك الأخير.

*

دع كلَّ صفحةٍ تحفظ نبضةً من قلبك، ولتحمل كلُّ قصيدةٍ شعلة،

ولتغدُ شعريتك مرآةً انعكس فيها وجهُ الروح الإنسانية.

*

فخذ قلمك بخشوع، ودع أعمق مشاعرك تبدأ الكلام،

فأجمل السطور هي تلك التي ينساب حبرها من القلب.

*

وحين تستلقي الصفحة الأخيرة مفتوحةً أمام العالم،

فدع رسالتها الهادئة تقول:

*

(عشتُ، وأحببتُ، وحلمتُ، واهتممتُ،

وكتبتُ قلبي في كلِّ صفحة).

***

سيمفونية الأرواح

ظهرتَ دون سابق إنذار، كظلٍّ هادئٍ عند شفق المساء،

وفجأةً، تلاشت الغيوم الثقيلة من سماء فكري.

*

ودخلتَ إلى ذلك الركن السريّ الذي ظللتُ أحرسه طويلًا،

وحملتَ لحنًا رقيقًا، فحوّلتَ ليالي وحدتي إلى أغنية.

*

نظرةٌ واحدة منك أشعلت عالمي بأسره،

وأيقظت ألفَ زهرةٍ قرمزيةٍ من رغبةٍ نقية.

*

كلُّ ثانيةٍ تمضي بين ذراعيك هي مكانٌ مقدّس، كاملٌ ومثالي،

حيث تتباطأ حركة الكون المتسارعة، وينسى إيقاعه المحموم.

*

لا أدري أيُّ قوةٍ قادت خطاك إليّ،

لعلّه القدر، وهو يرسم حياتينا على خطٍّ واحد.

*

أكانت وعدًا من زمنٍ بعيد، أم شرارةً جديدةً جميلة؟

كلُّ ما أعرفه أن روحك غدت النور الذي قادني عبر العتمة.

*

لمستك الدافئة الرقيقة تبعث رجفةً في صدري،

سحرٌ جميلٌ يهدّئ أخيرًا قلبي القَلِق، ويمنحه السكينة.

*

معًا نتجوّل في الدروب المضيئة لليل،

ونحلق عاليًا نحو السماوات على جناحي هذه الرحلة المفاجئة.

*

فلتتجمع العواصف، وليزأر العالم الصاخب من فوقنا،

فلن يستطيع شيءٌ أن يهزّ الأساس العميق لحبّنا.

*

وتذوب آراء الجموع من حولنا كثلج الشتاء،

فإخلاصنا صافٍ كنقاء الأنهار وهي تجري.

*

وفي أمان ذراعيك، تنتصر أخيرًا كلُّ معاركي،

حين يلتقي طريقان منفصلان، وحيدان، ويمتزجان مع شمس الصباح.

***

بامي ساندو - الهند

.

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - يي أونسانغ: سأكتب قصيدتي أنا أيضا

فوق لجة البحر الساطعة

يحوم نورسان أو ثلاثة

تحلق وتحوم وكأنها تكتب قصيدة ما

أجهل الأبجدية التي تستخدمها

سأكتب في رحاب السماء

قصيدتي أنا أيضا

***

2 – جيونغ وان - يونغ: باكورة الربيع

بينما كنت منهمكا في تنظيف نافذتي

نافخا على زجاجها لتغبيشه ومسحه

لمحت طائرا

وهو يقطع السماء لتغدو صافية

ستزهر شجرة الماغنوليا غدا

لتبدد الغيوم، فتفقد كثافتها وألوانها الداكنة

***

...........................

- يي أونسانغ (1903 ماسان - 1982 ): كاتب ومؤرخ وشاعر كوري جنوبي رائد. جاءت قصيدة السيجو هذه في ستة أسطر كمعظم قصائد السيجو الكورية الحديثة (هيونداي سيجو) بدلا من ثلاثة أسطر في السيجو التقليدي (بيونغ سيجو)، وذلك بهدف تسهيل القراءة، بعد التحول من التلقي السمعي الغنائي إلى الإدراك البصري المقروء، مع المحافظة على الوزن والمقاطع الصوتية الأصلية والبناء الفكري الثلاثي.

- جيونغ وان - يونغ (1919 كيمتشون – 2016): مؤرخ وشاعر كوري جنوبي كبير، ساهم في إحياء وتطوير شعر السيجو في القرن العشرين، مع المحافظة على جوهره الغنائي. كتب أكثر من (1000) قصيدة سيجو. نشر عمله الأول (ريح الشمال) عام 1941. أسس مجلة (أودونغ) الأدبية عام 1947. حاصل على جائزة (غارام سيجو الأدبية) المرموقة وعلى وسام (مانهاي) للشعراء وعلى جائزة (تشوسون إلبو) عام 1962. وقد جاءت قصيدته معنونة، وهي طريقة متبعة تحت مظلة (السيجو الحديث) الذي ظهر بعد عام 1876، وتكرس بعد عام 1926، عندما أصدر المؤرخ والناشط السياسي والشاعر الرائد (تشوي نام سون – يوكدانغ) (1890 – 1957) أول مجموعة سيجو حديثة بعنوان (الهموم الدنيوية ال 108).

- مترجمتان عن الإنكليزية. 

Дмитрий Дарин

إعداد وترجمة الدكتور إسماعيل مكارم

***

Не любившая меня

تلك التي ما احبتني

متى، وأين، وفي أي فجرٍ

أو حينَ ذبول أيِّ نهار

زارني العشقُ، وكانَ سبَبَ أحزاني،

إذ عشقتُ تلك التي ما أحبتني يوماً؟

*

منذ ذلك الحين - ليلا ونهارا

يخنقني هذا الحزن الكبير.

لماذا وكيف بالمناسبة

لا يجد العشقُ صدىً لدى الآخر؟

*

عبثاً تشرق الشمسُ كلَّ يوم

عبثا يَسكبُ القمرُ

على مزارعه الواسعة

ذلك العسلَ الشبيه بالسّكر.

*

أنتَ – يا ذلك الشيطان، ذو العينين الزرقاوين،

أنتَ – يا أيها المَلاكُ الحقيقي،

سيبقى وحيدا واحدا

ذلك الذي لا يسيرُ في طريق الحب.

*

تراني اليوم لا أعرفُ

كيفَ أنظرُ إلى عَينيها،

ترى سوف أطلبُ لها اللعنة الدائمة،

أم ستبقى إلهة في خلدي طوال العمر.

*

ولكن عندما حصلتِ المعجزة،

وسَمِعتُ من قبلها كلمة – "نعم"

أدركتُ أني سوف لا ألقى السَّعادَة

معها مهما طال الزمن.

*

لا، ليسَ دائِماً هذا الحُب

وليسَ قوياً إذا جاء نتيجة إلحاح وطلب،

ها هو الشيطان غاضب، ها هو الملاكُ يبكي

بعد فهم ردي الصّامت بِ "لا".

*

لذا أيها الناس

لا تكونوا بسطاء للغاية، ولا حتى حكماء

لا تعشقوا أولئك اللواتي

ينشدن الحبَّ فقط لغرض اللعبِ واللهو.

*

تذكر لكي لا تقهر روحك،

عليك معرفة قانون الحياة –

تقدَّمْ مائة خطوةٍ لملاقاة الحَبيبْ،

ولا تتقدمْ نصفَ خطوة للركض خلفه.

2022

***

Ночная птица

لماذا تصيح أيها الطائر المجهول

لماذا تصيح أيها الطائر المجهول،

في سكون ِ الليل؟

وهل لا يأخذكَ النعاس

كما الآخرين في ليل الغابة الأخضر؟

*

أما أنا كصغير البومة لا أصرخُ في الليل،

لا فائدة من النداء، فهي لا ترد الصّوت،

تلك التي كانت ضفائرها الصّفراء

تنسابُ على كتفيها كزغب ِ سجادة فارسية.

*

إذ تألقت نجمة في ليالينا الجميلة،

طالما أرسلت شعاعها بالقرب مني،

غير أنَّ عسلَ ذلك الشّعاع الطيّب

فجأة أصبحَ كالسم الزعاف –

*

أنا بكلّ إنشداد وجاذبية عظيمة

أردتُ الندّيّةَ والتساوي بَيننا،

ولكن تلك الكلمة الجليدية الباردة "لا"

جَعلتْ جسمي مَسموماً وإلى الأبد.

*

قالوا هناك عشبة سحرية – إشربْ منقوعَها

فتصحى – هذا ما ردده البعضُ،

غير أني كنت سعيداً في تلك السّكرة،

ولم أفتشْ عن الدواء.

*

لا تناد ِ في سكون الليل – تلكَ

التي لم ترها في المنام منذ زمن ٍ .

أم ترُى طائرُ الليل المجهولُ ذاك

يَنوحُ بالقربِ مني؟

2024

***

Я тебя целую…

غزل

ها هو القمرُ يميلُ نحو الإنحسار

بينما النجومُ تلهو

إني أقبلُ شفتيكِ

وهذا الثّغر اللطيف.

*

لا يَستعجلُ هذا الصّباحُ

لإنقاذ حُبنا القديم

إني أقبلُ عينيكِ

في دفقةِ هذا اللؤلؤ البرّاق.

*

ذبُلتْ في السّماء شموعُ الخالِق

على ضوء ذلك القمر اللعوب ِ

إني أقبلُ كتفيك ِ

عبر ضبابية هذا الشال.

*

فلينكسر هذا الخجل كالقشرة،

وأرواحنا لا تعتقْ.

إني أقبلُ هذا العنقَ اللدنَ

كأنه عنق الأوزة العراقية.

*

لا يمكن للموقد الرطب أن يلتهب بقوة -

فاكشفي لي أكثر عن مفاتنكِ.

إني أقبل هذا الصدر الناعم

حيث فؤادكِ الذهبي .

*

ومن يَعشق بكل قواه

لا يمكنه إضاعة هذا الحُبْ.

إني أسكبُ نعومَة َ هذه القبلات

في راحتيك ِ الدافئتين.

2024

***

..........................

من هو دميتري دارين؟

دميتري دارين – والده الكساندر- من مواليد 1964 في مدينة لينينغراد.

ولد دميتري دارين في أسرة ضابط في البحرية السوفيتية، والدته مدرسة اللغة الروسية. مؤهلاته – الشاعر والكاتب والمؤلف المسرحي دميتري دارين حاصل على شهادة دكتوراه في علم الاقتصاد، صدرت له أكثر من عشر مجموعات في الشعر، كما له حصة كبيرة في عالم الفن، حيث تحول عدد كبير من قصائده إلى أغاني يقوم بتاديتها عدد من الفنانين الروس.دميتري دارين عضو في إتحاد كتاب روسيا، كما هو عضو في إتحاد صحفيي روسيا. لو سألنا عن توجهاته السياسية فقد كان من معارضي سياسة غورباتشوف، ومن معارضي سياسة يلتسين، لذا نجد في قصائده وشعره تلاث إتجاهات: الأول هو صدى معارك مقاومة الأعداء خلال الحرب العالمية الثانية، وهي بالنسبة للشعب الروسي – (الحرب الوطنية العظمى)، الثاني هو شعر الحب والصداقة، والثالث يعبر عن موقف الشاعر تجاه الأحداث منذ نهاية العهد السوفييتي إلى يومنا هذا. الشاعر دميتري دارين يسخر من مؤيدي الغرب، ومن أنصار الغرب، ويحرض ويدعو إلى وجود دولة مستقلة، ذات سيادة، تحافظ على تاريخ روسيا المستقل، والبعيد عن تأثير الليبرالية الغربية، والمفاهيم الغربية الغريبة على الانسان، ابن روسيا؟

لقد تعرفت على الشاعر الروسي دميتري دارين خلال حضوري المنتدى العالمي السنوي لدراسة إرث الشاعر الروسي سيرغي يسينين عام 2019. ومنذ ذلك الحين جرى بيننا تبادل آراء وتبادل رسائل، وكان لي شرف تقديمه للقارئ العربي من خلال ترجمة قصائده ونشرها في سورية والأردن وعلى صفحات (صحيفة المثقف) الغراء.

بعد عقود من الزمن سوف يتساءل القارئ العربي – ترى هل قام مترجمو الشعر الروسي، والأدب الروسي في نهاية القرن العشرين، والربع الأول من القرن الواحد وعشرين، هل قام هؤلاء بتعريف القراء العرب بنتاج الأدباء الروس المعاصرين – أبناء ذلك الزمن؟ لذا وجدنا من المنطقي ألا ينحصر نشاط المهتمين بالأدب الروسي فقط بكبار الأدباء في العصر الذهبي والعصر الفضي، بل أيضا علينا تقديم أعمال أدباء روس معاصرين.

هوامش ومصادر:

راجع كتاب الشاعر الروسي دميتري دارين

ДМИТРИ ДАРИН. ЕДУ ПО РОССИИ. Москва- « ОСИЯННАЯ РУСЬ». 2025.

تمت الترجمة من اللغة الروسية من كتاب الشاعر المهدى للمترجم مع موافقة الشاعر الروسي على ترجمة القصائد إلى العربية من قبلي.

 المترجم

للموسيقار العالمي ميكيس ثيذروداكيس

ترجمة: جمعة عبد الله

***

في صباح أغسطس (آب) قبيل الفجر

خرجت استنشق الهواء من الأرض المزهرة

رأيت فتاة تبكي بحرقة وحزن شديد

تكسر قلبي من الوجع

الفاشيون قتلوا الطفل الضاحك

كان شجاعاً وجريئاً

واثق الخطى.. ضكته العذبة

اللعنة على تلك الساعة

اللعنة على تلك اللحظة المشؤومة

ليت قتلوه بجانب القائد

برصاصة اجنبية انجليزية

من اضراب عن الطعام في السجن

لكان لي الشرف ان اخسر الطفل الضاحك

يا مالك قلبي...

حبيبي... سوف أبكيك طول العمر

لكن موتك سيشعل الشرارة

التي تدمر أعداءنا

المجد والشرف للطفل الضاحك

الذي لا تغيب عنه الضحكة الحلوة

***

............................

* هذه القصيدة كتبها ولحنها الموسيقار العالمي ميكيس ثيذوروداكيس وغنتها المطربة: ماريا فرادندوري، لتأبين شهداء انتفاضة كلية الهندسة، التي أسقطت الحكم العسكري الدكتاتوري في اليونان (1967 - 1974) .

* القصيدة تؤرخ حادثة واقعية، فقد زعمت السلطة الدكتاتورية , بأن رأس النظام الدكتاتوري العسكري، تعرض الى محاولة اغتيال فاشلة، بإلقاء قنبلة يدوية من هذا الشاب الصغير.

* رابط استماع القصيدة

https://youtu.be/svinLIidxK0?si=_bmL9XDdaVi0y4gI

........................

Περιοχή συνημμένων

Προβολή βίντεο YouTube ΜΑΡΙΑ ΦΑΡΑΝΤΟΥΡΗ & ΜΙΚΗΣ ΘΕΟΔΩΡΑΚΗΣ - Το γελαστό παιδίΠροβολή βίντεο YouTube ΜΑΡΙΑ ΦΑΡΑΝΤΟΥΡΗ & ΜΙΚΗΣ ΘΕΟΔΩΡΑΚΗΣ - Το γελαστό παιδί

بقلم: جيل ستيجمان

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

لم يُستعاد سوى عظمة واحدة. كانت عظمة يبلغ طولها حوالي أربع بوصات، ملفوفة في غلاف فقاعي واقٍ، وملساء كقطعة خشب جرفتها المياه. لم تكن ميريام تعرف من أي جزء من جسده جاءت تلك العظمة، ولم تسأل عن ذلك. كل ما عرفته هو أنها وُجدت في كمبوديا، وأن فحص الحمض النووي أثبت أنها تعود لـزوجها "لاري".

كانت عملية التنقيب طويلة وشاقة. توجب على الجهة المعنية بشؤون المفقودين في المعارك التواصل مع الحكومة الكمبودية قبل أن يتمكن فريق يضم علماء أنثروبولوجيا جنائية، وأفراداً من الجيش الأمريكي، وعلماء آثار، من الحفر في الموقع الموحل الذي تحطمت فيه مروحية "لاري" من طراز "كوبرا". كان أحدهم قد أرسل لها صورة لموقع الغابة النائي، فراودتها أحلام رأت فيها "لاري" داخل مروحيته وهي تهوي من السماء نحو الغطاء النباتي الأخضر الكثيف في الأسفل؛ أحلامٌ لم يقطع صمتها سوى صرير المعدن الملتوي وهو يدور خارجاً عن السيطرة.

أخذت ميريام تدير العظمة برفق بين كفيها. عادةً ما تُحرق الرفات، لكنها أرادت ، بعد كل هذه السنوات، شيئاً ملموساً بين يديها لتشعر بثقله؛ وقد أقنعتهم بالسماح لها بالاحتفاظ بها.

قالت: "هل يمكنني دفنه؟"

ابتسم الملازم هولكومب وقال:

"نعم، بالطبع يمكنك ذلك يا سيدة ستينسون. بعد خمسة وعشرين عاماً، يمكنك أخيراً دفن زوجك".

وعندما رأى نظرتها الجادة، تلاشت ابتسامته. مد يده نحو معصمها وقال:

"أنا آسف، لم أدرك الأمر. لقد تزوجتِ مرة أخرى الآن، بالطبع".

"ثلاث مرات أخرى. لكن ليس الآن".

كانت يده متعرقّة، لكنها لم تسحب يدها بعيداً. شعرت بالأسف تجاه الملازم هولكومب؛ فقد كان متوتراً، وهو محق في توتره ذاك. لم يكن يتجاوز الثلاثين من عمره على أقصى تقدير؛ أي أنه كان في الخامسة من عمره فقط حين أُسقطت طائرة "لاري". يا تُرى، ما الذي كانوا يظنون أنهم يفعلونه بإرسال صبي للقيام بمهمة تليق بالرجال؟

"إذن، هذا كل شيء؟"

كانت تتوقع بقايا هيكل عظمي كامل، أو جمجمة على الأقل.

مسح الملازم هولكومب بيده على شعره المقصوص قصيراً واحمرّ وجهه خجلاً؛ فما قالته لم يكن ضمن السيناريو المتوقع.

"سيُقام له حفل تأبين عسكري كامل."

أومأت ميريام برأسها شاردةً، متخيلةً نفسها تلعب دور الأرملة المكلومة في مناسبة كهذه. وتساءلت:

"مع إطلاق واحد وعشرين طلقة تحيةً له؟"

شبّك يديه فوق الطاولة، وبدا عليه الارتياح لأن الأمر قد انتهى. وقال:

"إذا كان هذا ما تريدينه."

أعادت لفّ العظمة بعناية ووضعتها مجدداً في الصندوق الكرتوني. كان المسؤولون عن ملف المفقودين قد اقترحوا عليها اصطحاب قريب أو صديق، لكنها لم تكن واثقة من ردة فعلها؛ فقد أرادت الآن أن تكون وحدها مع هذا الجزء من لاري. كانت بحاجة إلى كنيسة أو حانة، وربما كليهما.

عندما كانت تجلس في المقعد الأمامي لسيارتها، أخرجت الصورة من حقيبتها. كانت تلك آخر صورة أرسلها لاري إلى المنزل، وقد وصلت قبل أن تتلقى نبأ اعتباره مفقوداً في المعركة. كان يقف بجوار مروحيته من طراز "كوبرا" يرتدي زي القتال المخصص للأدغال، رافعاً قبضته مع إبراز إصبعه الأوسط. وكُتب على ظهر الصورة: "إلى ميريام". لم يرَ أحدٌ تلك الصورة، ولا حتى ابنتها "تيف". ولم يقرأ أحدٌ غير ميريام الرسالة التي وصلت مع الصورة؛ وهي الرسالة التي كتبها بعد أن رداعلى رسالة منها .

لا أستطيع أن أبدأ بعبارة "عزيزتي ميريام" لأنكِ لستِ كذلك. حين غادرتُ، وعدتِيني بالإخلاص. لكنكِ الآن سلبتِيني حياتي بأكثر مما فعل الجيش يوماً، لأنكِ سرقتِ روحي. لمستكِ سمٌّ زعاف. تتحدثين عن الحب، وأنتِ لا تعرفين عنه شيئاً. لا أصدق أنني هنا أقاتل من أجل عاهرات مثلكِ. لا أصدق أنكِ تحملين طفلتي، صغيرتي. لم تمنحينا حتى فرصة لنكون عائلة. إنها هي من أقاتل لأجلها.

كانت الرسائل هي الرابط الذي يجمع بينهم الثلاثة. وقد وصلت الرسالة الأخيرة بعد الإبلاغ عن فقدان لاري؛ إذ كان قلقاً بشأن القصص التي قد تسمعها "تيف". وكانت ميريام قد أطلعت "تيف" على تلك الرسالة حين بلغت العاشرة من عمرها.

إذا لم أعد، أريدكِ أن تعرفي أنني... لم أكن قاتلاً. لم أكن لأقتل طفلاً أبداً. ولهذا السبب كتبتُ لكَ هذا؛ إنها قصة حقيقية.

16 يونيو 1970

كان عليّ أن أنقل نقيباً إلى منطقة نائية عند الحدود اللاوسية، في عمق أراضي العدو؛ حيث كان من المفترض أن يلتقي ببعض عملاء وكالة الاستخبارات المركزية (CIA). كان مكاناً موحشاً ومريباً، يقع في قلب مناطق سيطرة "الفيت كونج". لم يكن المكان يشبه بأي حالٍ المواقع التي تتواجد فيها عادةً وكالة الاستخبارات؛ فقد كان منطقةً مكشوفةً تتصاعد فيها الأتربة وتدور حول المنازل. هبطنا عند أطراف قرية خالية تماماً من البشر، باستثناء امرأة وطفلة صغيرة؛ كانتا تقفان عند مدخل أحد البيوت المسقوفة بالقش. دخل النقيب إلى أحد المنازل وتركني بجوار المروحية، بينما ظلت المرأة والطفلة واقفتين تحدقان بي، وكأنهما تنتظران مني القيام بشيء ما. ثم قالت المرأة شيئاً للطفلة ، التي بدت في الخامسة من عمرها، فبدأت الطفلة تمشي نحوي ويدها مخفية خلف ظهرها. لم تكن تبتسم ولا تبدو خائفة، لكنها كانت تتقدم نحوي مباشرة.

جفَّ حلقي وشعرت بالغثيان. لقد حُذِّرنا من النساء والأطفال، وكيف أنهم قد يحملون قنابل يدوية. قبضتُ بقوة على بندقيتي وراقبتها عن كثب. واصلتْ هي التقدم حتى وقفت أمامي مباشرةً؛ كانت عيناها بنيتين واسعتين ووجهها في غاية البراءة واللطف. كانت تبتسم الآن وكأنها تخفي مفاجأة سارة، بينما تجمدتُ أنا في مكاني أمامها، واقعاً تحت سحرها. خطرت ببالي صور أولئك الرجال الذين أُعيدوا من الجبهة، وتذكرتُ جرحاً في البطن رأيته بنفسي؛ فبعضهم كان يعود أشلاءً ممزقة. لكنها كانت طفلة، ولم يسبق لي أن رأيت طفلة تنظر إليّ بتلك الطريقة.

أخرجت الفتاة يدها ببطء من خلف ظهرها وأدت لي التحية العسكرية، واضعةً أصابعها عند جبينها. ثم أطلقت ضحكة خافتة وركضت عائدةً إلى أمها. جلستُ على الأرض وبكيت؛ كان من المفترض أن أقف في وضع الاستعداد العسكري، لكنني تركت سلاحي يسقط عن كتفي.

حتى بعد مرور خمسة وعشرين عاماً، كان لا يزال بإمكان "ميريام" سماع صوت "لاري" الغاضب. كان الرجل الذي شاركته فراشها جندياً التقت به في مستشفى المحاربين القدامى، وقد فقد معظم ساقه اليسرى؛ كانت خطيبته قد هجرته، وكان يظن أن أي امرأة لن ترغب به مجدداً. حاولت هي أن تشرح لـ "لاري" كيف حدث الأمر: أنها إن لم تستطع لمس "لاري"، فقد كان بإمكانها ضم شخص آخر.

أعادت الرسالة والصورة إلى محفظتها، وعثرت على قرص مدمج لآخر حفل موسيقي أحياه "جيم موريسون" داخل صندوق التخزين في لوحة القيادة. أنزلت زجاج النوافذ لتتمكن من سماع نغمات الغيتار الجنائزية لأغنية (هذه هي النهاية)، بينما كانت تهبط ببطء عبر المنحدرات المعتمة لمبنى المواقف، متجهةً نحو خيوط ضوء الشمس المتناثرة.

**

كانت الحانة الواقعة في "الشارع السابع" هي الأقرب؛ ورغم صخبها، كانت تتمتع بجوٍ من السكينة. كانت الجدران مزينة بصور لمشاهير من عقدي الأربعينيات والخمسينيات، بينما كانت النوافذ الكبيرة تطل على ميناء سان دييجو وحركة القوارب. كانت أكبر سناً من الجميع هنا، مما جعل احتمالية الانخراط في محادثة مع الغرباء ضئيلة للغاية. وحين جلست، رمقها شابان بنظرات عابرة قبل أن يعودا لمناقشة الفروق بين خيارات الأسهم وخطط " التقاعد. وللمرة الأولى، استمتعت بكونها امرأة في منتصف العمر تبدو "غير مرئية" للآخرين؛ فقد منحها ذلك فرصة للتنصت على أحاديثهما. طلبت مشروب "مارجاريتا" مع مكعبات الثلج، وراحت ترتشفه بينما تتأمل أرجاء المكان.

كان بإمكانها دائماً العثور على قدامى المحاربين في حرب فيتنام داخل الحانات في أي وقت من اليوم. كان من السهل التقرب منهم، وكانت هي مستمعة بارعة؛ إذ كانت تسألهم عن التفاصيل الدقيقة: الكلمات الأخيرة لرفاقهم المحتضرين، وملامح الوجوه لحظة خروج الأرواح من الأجساد المهشمة. وفي النهاية، كانت تقدم لهم بطاقة عملها المطبوعة بخط مزخرف وأنيق:

"العلاج بالتدليك: لمسة الشفاء- تخصص: قدامى المحاربين"

كانت تستخدم إبهاميها القويين للضغط على الأنسجة العميقة أسفل لوح الكتف، مع توخي الحذر الشديد نظراً لأن العديد من الإصابات القديمة كانت تتركز في تلك المنطقة الحساسة من الجسم. كانت تواصل عملها نزولاً، واضعةً إبهاميها على جانبي العمود الفقري، حتى تصل إلى منطقة الأرداف. فإذا كان الضغط مناسباً تماماً، يزول الشد العضلي المؤثر على العصب الوركي، وتتدفق القصص والحكايات.

كانت قد تلقت تدريباً خاصاً في مستشفى المحاربين القدامى حول كيفية التعامل مع المشاعر المكبوتة؛ فالتدليك كان كفيلاً باستحضار أكثر الذكريات حيوية ووضوحاً. كانت تدرك المخاطر جيداً، إذ قد يفقد الرجال السيطرة على أنفسهم أو يشعرون بانفصال عن أجسادهم أثناء الجلسة، بل إن بعض المعالجين تعرضوا لهجمات من قبل عملائهم. لكنها كانت حذرة للغاية عند التعامل مع "نقاط الزناد" (trigger points) العضلية، لا سيما تلك المحيطة بالغدد الكظرية، وكانت تعرف تماماً مدى العمق المناسب للضغط على منطقة ما قبل الانتقال إلى منطقة أخرى. ولهذا، كان الرجال يثقون بها.

كانت تودّ لو كانت "تيف" ابنتها معها الآن، لكن ابنتها كانت مضطرة للعمل في ذلك اليوم، وقد أقنعت والدتها بأنها قادرة على تدبّر أمورها بمفردها. في هذه اللحظة، كانت "تيف" على الأرجح تمتطي عمود الرقص في ملهى "كيتي كات"، وتنزلق ببطء إلى الأسفل حتى تتباعد ساقاها في وضعية القرفصاء. حاولت "ميريام" تشجيعها على الالتحاق بالجامعة، لكن "تيف" كانت فتاة واقعية؛ فلماذا تذهب إلى الجامعة بينما يمكنها كسب خمسة آلاف دولار أسبوعياً من الرقص؟ كانت "ميريام" تحاول ألا تفكر فيما يدور بالضبط في أذهان الرجال وهم يشاهدون ابنتها، بينما كانت "تيف" تكتفي بالابتسام ورفع حاجبيها الجميلين كلما طُرح هذا الموضوع.

قالت "تيف" في إحدى نقاشاتهما:

"ما أفعله أقل خطورة بكثير مما تفعلينه أنتِ. لا أحد يستطيع لمسي، وإلا سينقضّ عليهم حراس الأمن فوراً".

ثم أمسكت بشعرها الطويل بقبضة يدها وربطته بشريط مطاطي لتثبته عالياً فوق رأسها.

"لكن بإمكانهم تخيّل أمور عنكِ. ويمكنهم تتبعكِ إن أرادوا ذلك حقاً".

لم تجب "تيف" لدقيقة، إذ كانت تتفحص زوجاً من الجوارب الشفافة التي تنوي ارتداءها في العمل. وقالت:

"مجرد النظر لا يضر يا أمي. وعلى أية حال، لم يحدث شيء حتى الآن".

كان الشاب الذي يجلس على يسار "ميريام" قد غادر وحلّ محله رجل أكبر سناً. بدا الوشم الباهت على ساعده أشبه بالثعبان. لم يكن يرتدي خاتم زواج. كان شعره مقصوصاً بأسلوب عسكري قصير، لكن ملابسه كانت أنيقة، وكان يحافظ على رشاقة جسده؛ ومع ذلك، كان هناك شيء من الحزن يكسو وجهه.

قالت وهي ترمقه بنظرة جانبية: "مشاة البحرية أم البحرية؟"

لم يكن الرجل من ذلك النوع الذي قد تختاره عادةً؛ فقد كانت ملامح وجهه حادة تشبه ملامح الصقر، وعيناه متهدلتين، وجلد رقبته تغطيه شبكة من التجاعيد العميقة.

قال مشيراً إلى الوشم الذي وقعت عليه عيناها:

"بحرية... حدث ذلك منذ زمن بعيد، حين كنتُ أحمق ".

ابتسمت له قائلة:

"تعلم أنه يمكنك إزالته الآن"

وبدا أنه تجاوب مع ابتسامتها. كان ساعداه المشعران أكثر سمرةً من وجهه.

ابتسم وقال:

"أجل، أعلم ذلك. يمكن للمرء أيضاً الخضوع لحقن البوتوكس وعمليات شد الوجه. لكن هذا الوشم جزء من تاريخي، فلماذا لا أبقيه؟ أنا كال".

لعقت الملح عن شفتيها ومدت يدها الحرة لمصافحته مصافحةً خفيفة وقالت:

"ميريام".

وظلت يدها الأخرى داخل حقيبتها، ممسكةً بالعظمة.

" ماذا تحملين هناك؟ مسدساً؟ هل تخافين مني؟"

أجابت بعفوية قبل أن تتمالك نفسها:

"لا، إنها عظمة. لقد حصلت عليها للتو".

هز كال رأسه وقال:

"تحمل النساء أغرب الأشياء في حقائبهن".

ثم تراجع إلى الوراء متظاهراً بالفزع:

"أليس هذا نوعاً من طقوس الفودو، أليس كذلك؟"

"لا تقلق. لقد التقيت بي في وقت غير معتاد؛ فقد تسلمتُ للتو رفات زوجي. كان طيار مروحية في فيتنام، وأُسقطت طائرته في كمبوديا قبل خمسة وعشرين عاماً".

وضع كال كأس البيرة ونظر إليها بتمعن وسأل:

" هل أحببتيه؟"

"نعم. أكثر من أي رجل عرفته بعده".

تنقلت عيناه بين ملامح وجهها ويديها. بدا غارقاً في أفكاره، وتساءلت ميريام عما إذا كانت قد ارتكبت خطأً؛ فقد اعتادت ألا تفصح عن الكثير من تفاصيل حياتها الشخصية، إذ كانت هي من تتوق لسماع قصص الآخرين. لكن كال عاد ليبتسم مجدداً.

قال: "لنذهب إلى مكان ما... مكان في الهواء الطلق حيث يمكننا التحدث".

عثرا على مقعد يطل على الميناء. تحسس "كال" ما تحت قميصه وأخرج قارورة صغيرة معلقة بسلسلة حول عنقه، وقال:

"أتفهم وضع زوجك؛ فأنا أحمل هنا بعضاً من رماد "ليندا"... لقد رحلت منذ عام الآن".

تجاهلت "ميريام" تسارع نبضها الطفيف. ألم يكن من الممكن أن يلعب القدر دوره أحياناً، فيجمع شخصين في ظروف غير معتادة، وكأن الأمر مقدّرٌ سلفاً؟ لم تكن "ميريام" ترغب في البقاء وحيدة في تلك اللحظة، بينما لم يكن موعد استراحة "تيف" قد حان بعد.

انتقلا إلى مقعد في الظل، وبدأ "كال" يتحدث بصدق وجدية:

"تعلمين، حين رأيتكِ في الداخل، أدركتُ أن بيننا قواسم مشتركة".

"حقاً؟ ظننتُ أنني أبدو في حالة سُكرٍ شديد".

لم تكن تتخيل أنها تبدو جذابة؛ فشعرها الطويل الممزوج بخصلات رمادية كان مشدوداً إلى الخلف ومصففاً على هيئة ضفيرة فرنسية قديمة الطراز. لقد توقفت عن النظر إلى صورتها ، إذ كانت تشعر بالرعب من تلاشي بروز عظام وجهها وارتخاء عضلاته التدريجي. كانت قد قررت، حين بلغت الخامسة والأربعين، أن تتقبل تقدمها في العمر بثقة وألا تلجأ إلى إجراء أية عمليات تجميل لإخفاء ذلك. لم تجد صعوبة في جذب الرجال من فئتها العمرية أو حتى الأصغر سناً؛ فقد كان من المدهش رؤية ذلك العدد الكبير من الرجال الذين يفضلون امرأة أكبر سناً لتقوم بمهمة التدليك.

مدّ "كال" ذراعه خلفها مستنداً إلى ظهر المقعد وقال:

"لنبدأ من البداية إذن. ماذا تفعلين حين لا تكونين في الحانات؟ "

أجابت:

"أنا أخصائية تدليك، ومتخصصة في علاج المحاربين القدامى".

أخرجت بطاقة عمل من حقيبتها وناولته إياها، ثم أضافت:

"أمارس تدليك الأنسجة العميقة وأعالج الإصابات القديمة"

ألقى "كال" نظرة سريعة على البطاقة ووضعها في جيب قميصه.

"لا بد أن لديكِ الكثير من الزبائن. هل سيكون لديكِ وقتٌ لي؟"

ترددت "ميريام"؛ فلطالما كانت الأمور تبدأ على هذا النحو. فبعد انتهاء زيجتها الثالثة الفاشلة، حاولت ابنتها "تيف" التحدث إليها قائلة: "أنتِ بحاجة إلى مساعدة يا أمي. واجهي الحقيقة: باستثناء أبي، أنتِ تختارين دائماً رجالاً فاشلين".

قالت:

"عليّ أن ألتقي بابنتي، كما أنني لا أحمل معي طاولة التدليك أو الزيوت".

فقال:

"لستُ بحاجة إلى أي شيء متكلف. وأنا أقيم هنا في المرسى، على متن قاربي". "إنها على بعد خمس دقائق فقط."

ضحكت ميريام، تغمرها السعادة لحداثة الموقف؛ فقد قررت اليوم أن تتبع حدسها. إنه محارب قديم، ويحمل رماد جثمان زوجته في قارورة صغيرة تتدلى حول عنقه... فما الذي يدعو للخوف إذن؟

أمسك بيدها وهما يسيران بمحاذاة الرصيف البحري، مارّين بجوار الهياكل الضخمة لسفن الرحلات البحرية، حتى وصلا إلى المرسى حيث كان قارب "كال" رابضاً. وقف بجوار قارب شراعي (من طراز "سلوب") يبلغ طوله أربعين قدماً وله هيكل أخضر، وترك لها المجال لتصعد على متنه أولاً. وضع يده على وجهها ثم مررها لأسفل نحو خصرها، وضَمَّها إليه بقوة جعلتها تشعر بملامسة القارورة لعظمة صدرها.

تبعته إلى داخل القارب؛ كانت الأجواء في الأسفل مظلمة لكنها حميمية، وبدت مألوفة لها؛ فهكذا بدأت جميع علاقاتها السابقة. كان كل ما يهمها هو أنهم يرغبون بها. ولماذا لا يمكن للعلاقات أن تنشأ مع غرباء تماماً؟

دخلا إلى المطبخ الصغير ثم تحركا نحو منطقة النوم. جلسا على حافة السرير وتشابكت أيديهما للحظات دون أن ينبسا ببنت شفة. كان القارب يتأرجح برفق ويصدر صريراً خافتاً، واستطاعت أن ترى خطاً من المياه الآسنة (المختلطة بماء البحر) يتخلله لون أزرق عبر النافذة الدائرية الصغيرة التي تعلو رأس "كال".

جثت على ركبتيها أمام "كال" وفكت أزرار قميصه، ممسدةً صدره. ثم خلعت القميص عنه وساعدته على الاستلقاء على السرير. وبينما كانت لا تزال جاثية، خلعت حذاءه ورفعت ساقيه لتستقرا فوق السرير. طلبت منه أن يستلقي على بطنه، فلاحظت وجود ندبة عند أسفل عموده الفقري. لمستها برفق وقالت:

"أخبرني عن إصابتك لأعرف كيف أتعامل معها".

"كنا نقود مروحية من طراز 'هيوي' لانتشال بعض الجرحى، وهبطنا بقوة شديدة..." "لقد سحق ذلك عدة فقرات في عمودي الفقري."

أغمضت عينيها وتركت أطراف أصابعها تتحرك بحركات دائرية فوق جسده للحظة. جثت على ركبتيها فوق السرير عند مستوى رأس "كال" ومررت يديها على طول ظهره. كان ملمس جلده يمنحها شعوراً بأن هذا هو أفضل ما يمكنها فعله في تلك اللحظة. أغمضت عينيها وراحت تحرك يديها صعوداً وهبوطاً على ظهره، مع زيادة الضغط تدريجياً في كل مرة، حتى سرت حرارة جسده إلى أطراف أصابعها. كانت هناك نتوءات في بعض المواضع، لكن الجلد كان ينبض بالحياة. كان بإمكانها التواجد مع شخص ما دون الحاجة إلى الكلام... أو الاستماع. وسرعان ما بدأ هو بالحديث، بينما راحت هي ترسم أنماطاً على ظهره، وتضغط بعمق أكبر مستخدمةً مفاصل إبهاميها القويين.

شرع يتحدث عن تجربته. كانت قد أصبحت تفهم لغة الاختصارات العسكرية: مروحيات "هيوي" (Hueys) و"سرية تشارلي" (Charlie Company)، وعرفت أن "ARVN" تشير إلى القوات النظامية الفيتنامية الجنوبية. وفي أغلب الأحيان، لم يكن المحاربون القدامى يتذكرون حتى أسماء الرجال الذين قاتلوا بجانبهم. تحدث "كال" عن تكديس جثث جنود الجيش الفيتنامي الجنوبي الملطخة بالدماء داخل المروحية، وكيف كانت سوائل الجثث تسيل وتتطاير بفعل الهواء داخل قمرة القيادة لتلطخ الجميع، وكيف ظلت تلك الرائحة عالقة به.

"وماذا عن هذا؟"

تساءلت "ميريام" وهي تمرر إبهامها برفق حول الندبة الموجودة في أسفل ظهر "كال".

قال:

"حدث ذلك في الوقت نفسه. لقد تعرضنا لانفجار صاروخي أصاب إحدى مراوح المروحية." "لقد كان هبوطي عنيفاً، وكدتُ لا أنجو منه."

تحسست الفقرات بحذر ، فأضاف:

" لقد وضعوا لي مسماراً تثبيتياً هناك الآن."

كانت مقصورة القارب الصغيرة تفوح برائحة أبخرة البنزين وزيت الطهي. نظرت نحو السلم المؤدي إلى السطح، حيث كانت خيوط ضوء الشمس تتسلل لتكشف الزوايا المظلمة. خشيت أن تُذكّره تلك الأبخرة والضوء بروائح المعركة وبأضواء المروحيات الكاشفة الحادة التي كانت تمشط المنطقة في مهمات "البحث والتدمير". كانت تترقب علامات الخطر، كسرعة النبض والتعرق وتصاعد القلق ، التي قد تشير إلى أنه يعيش أجواء المعركة فعلياً، أو أنه فقد السيطرة على جسده. وأخيراً، هدأ؛ لقد روى القصة، لكنه لم يعش تفاصيلها المؤلمة مجدداً.

أدارته نحوها ونظرت في عينيه؛ لم ترَ فيهما سوى الحزن. أيقنت أن بإمكانهما الاستمرار. رفع ذراعيه وداعب فخذيها، ثم دفعت يداه تنورتها للأعلى وانتقلتا إلى قميصها.

"أظن أنك مستعدٌ للجزء التالي"،

قالت ذلك وهي تداعب باطن فخذيه وبطنه، ثم تصعد بحركةٍ متجهةٍ للخارج نحو عنقه، وتُثبّت راحتيها على عينيه للحظة.

بعد ذلك، استلقت بجانبه وهي تداعب رأسه. سرعان ما غطّ في النوم؛ وكان جلد عنقه يتحرك صعوداً وهبوطاً مع أنفاسه. سكن القارب الآن في هدوء ما بعد الظهيرة، وخارج كوى القارب، كانت بقع ضوئية صغيرة تتراقص على سطح الماء. نهضت وقد غمرها الانبهار وصعدت الدرج. لم تكن تقصد أن يحدث هذا؛ لم تكن تقصد ذلك أبداً، ولا حتى في المرة الأولى.

**

عندما دخلت "ميريام" إلى نادي "كيتي كات"، رأت "تيف" ممتطيةً عمود الرقص أمام طاولة يجلس حولها رجال في منتصف العمر يرتدون بدلات رسمية. وبينما انحنى أحدهم ليرى المشهد عن كثب، ركلت "تيف" الهواء فوق رأسه وانزلقت بجسدها لتؤدي حركة "السبليت" (الانقسام الكامل للساقين) ببراعة تامة. رفعت ذراعيها فوق رأسها لتتخذ وضعيةً تذكرتها "ميريام" بوضوحٍ باهت من باليه "بحيرة البجع"، التي كانت "تيف" قد أدّت رقصتها في المدرسة الثانوية. كانت لا تزال تبدو أنيقة، حتى في هذا المكان؛ فقد أبرزت الأضواء القوية ملامح وجهها الرقيقة التي زادها جمالاً شعرها البني الداكن. ومن الجانب، وبسبب رفعها لذقنها للأعلى، بدت وقفتها تنم عن تحدٍّ وكبرياء، بينما كان البريق يتلألأ على صدرها.

ارتدت "تيف" رداءً من قماش "الرايون" قدمه لها حارس الأمن المدعو "بيدرو"، وجلست على الكرسي المقابل لـ "ميريام" واضعةً ساقاً فوق الأخرى. فكت دبابيس شعرها ومررت أصابعها فيه؛ ولو كانت ترتدي ملابس كاملة، لكان من الممكن أن تبدو كسيدة أعمال تتناول الغداء. قالت:

"ما الذي أخّركِ كل هذا الوقت؟ لقد كنتُ بانتظاركِ منذ فترة طويلة".

"كان السبب هو الاجتماع؛ فقد استغرق وقتاً أطول قليلاً".

"هل أحضرتِيها معكِ؟"

"إنها هنا".

أخرجت "ميريام" العظمة من حقيبتها، فتراجعت "تيف" إلى الخلف.

قالت "تيف" وهي تلقي نظرة سريعة حول الغرفة:

"لا يبدو الأمر صائباً يا أمي... ليس هنا".

"ألا ترغبين في رؤية جزءٍ منه؟"

"لقد رأيته. ورأيتُ الصور. وعرفتُ حقيقته من الرسائل التي أرسلها إليكِ، ومن تلك التي أرسلها إليّ".

مالت "تيف" بجسدها نحو الأمام لتلمس معصم "ميريام". انزلق الرداء مفتوحاً ليكشف عن ساقيها الملساوين.

"هل ستكونين بخير؟"

أومأت ميريام برأسها: "نعم، سأكون بخير".

"هل ستذهبين مباشرة إلى المنزل وتنتظرينني؟ لم يتبقَّ لدي سوى جلسة واحدة وسأعود".

"وأنا كذلك؛ لدي عميل واحد فقط بعد ظهر اليوم".

نظرت إليها تيف بتمعن وسألت:

"هل تحققتِ من هويته أولاً؟"

"بالطبع، فقد أحالته إليّ مستشفى المحاربين القدامى".

ذهبت تيف لتصليح مكياجها في الحمام، وعندما خرجت اتجهت مباشرة إلى بقعة ضوء على الأرضية. تشبثت بالعمود المعدني بركبتها ورفعت عينيها فوق الحشود نحو نقطة عالية على الجدار. أمسكت العمود بكلتا يديها وأخذت تدور حول نفسها ورأسها مائل إلى الخلف.

بقيت ميريام لتشاهدها؛ فهي لم تكن تحب عادةً رؤية ابنتها وهي تؤدي هذا العرض. كانت نظرات الرجال الموجهة إلى جسد تيف تثير خوفها. كان رجال ذوو عضلات ضخمة يصطفون بمحاذاة الجدران، يراقبون وجوه الزبائن؛ فإذا اقترب أحدهم لمسافة تقل عن عشرة أقدام من النساء، يخرج الحارس من الظلال ويمنع اقترابه.

غالباً ما كان الزبائن يبدون كرجال أعمال محافظين يتحدثون عن العقود والصفقات، وعادة ما كانوا يكتفون بإلقاء نظرات عابرة على الفتيات وهن يؤدين حركاتهن حول الأعمدة. لكنها كانت تدرك أن هناك آخرين يصبّون كامل تركيزهم على فتاة واحدة؛ خاصة إذ كانوا يأتون كل يوم ليجلسوا بمفردهم، ولا تصدر عنهم أي حركة سوى رفع الزجاجة إلى شفاههم.

عندما مرت ميريام بطاولات الرجال وهي في طريقها للخروج، رأت اثنين منهم لم تفارق نظراتهما جسد تيف؛ كانا يجلسان في صمت وسكون، وأيديهما مستقرة على مشروباتهما. لم تبدُ تيف منتبهة لذلك، وعندما التفتت ميريام لتنظر خلفها، كانت تيف تستند إلى العمود وعيناها مغمضتان.

لقد حاولت ألا تؤثر على ابنتها، وحاولت إبقاء ما حدث مع لاري سراً، لكن تيف كانت تبدو دائماً حذرة في تعاملها مع الرجال؛ وعلى حد علم ميريام، لم تكن لابنتها أي علاقات غرامية من قبل. كانت تنظر إلى كل زوج من أزواج ميريام ببرودٍ واستسلام، مدركةً أن الزواج ليس إلا تسلية مؤقتة.

**

قادت ميريام سيارتها إلى عنوان في كيرني ميسا، وتوقفت عند منزلٍ متواضعٍ كانت دراجة هارلي متوقفةً في مدخله. بدا العشب والشجيرات المحيطة به مُقَصَّةً حديثًا. لم يُحِلَ إيرل إليها من قِبَل إدارة شؤون المحاربين القدامى، بل من قِبَل سينثيا، وهي مدلكة أخرى. قالت سينثيا إن إيرل يرغب في جلسات ريكي، وميريام تجيدها. يجب توخي الحذر الشديد عند استخدام الريكي، وعدم تطبيقه على شخصٍ يعاني من مشاكل نفسية أو اكتئاب، نظرًا لتأثيراته العميقة على المشاعر. لم يتسنَّ لها الوقت لفحص إيرل، لكن سينثيا قالت إنه طبيعي. تعمل سينثيا في إدارة شؤون المحاربين القدامى، وقالت إن خدمات الصحة النفسية لم تُعالجه قط. ألقت طاولة التدليك المحمولة على كتفها، وأخذت حقيبة الزيوت.

وقف عند المدخل وأشار لها بالدخول دون أن يُعرِّفها بنفسه. قال:

"مرحباً. يمكنكِ تجهيز أغراضكِ هنا"

ثم قادها عبر الممر إلى غرفة نوم إضافية. كان نحيل البنية ومفتول العضلات، ويربط وشاحاً حول أعلى رأسه على طراز "الهيبيز" القدامى؛ ربما ليخفي بقعة الصلع في رأسه. لم يعجبها أسلوبه المباغت في التعامل. وبينما كان يخلع ملابسه، أخذت تتأمل المكان بتمعن أكبر؛ كان الممر مزيناً بصور له وهو يقف بجوار دراجات نارية وطائرات صغيرة ومروحيات.

وعندما عادت إلى الغرفة، وجدته عارياً ومستلقياً فوق الملاءة، مكشوف الجسد تماماً. وحين مدت يدها لتسحب الملاءة وتغطيه، أمسك بذراعها.

"لست بحاجة لأن أكون مغطى. لا أريد أن تعيق الملاءة الأمر."

"لا. لا يمكن أن تسير الأمور هكذا. عليّ أن أغطي جسدك؛ فجلسات 'الريكي' تُجرى عادةً بالملابس الكاملة."

"حسناً، لقد غيرت رأيي. لم أعد أرغب في 'الريكي'. أريد تدليكاً كاملاً للجزء الأمامي من الجسد."

قالت وهي تدير ظهرها له:

"أنا لا أقدم هذا النوع من التدليك. سأضطر للمغادرة."

اعتدل "إيرل" في جلسته على الطاولة وسأل:

"ماذا تعنين؟ ظننتُ أنكِ تمارسين كل أنواع التدليك؟"

"ليس مع الجميع. وليس معك."

"ما المشكلة فيّ؟ ظننتُ أنكِ تحبين العمل مع المحاربين القدامى؟ أنتِ تقولين إنكِ تقدمين تدليكاً علاجياً، لذا تعالي هنا والمسيني."

"لا. أنا لا أفعل ذلك. لم أعد أفعل ذلك مع أي شخص."

نبض عرقٌ في صدغها؛ وضعت أصابعها على نقطة الضغط تلك وتراجعت خارجةً من الغرفة. كان "إيرل" قد نزل عن الطاولة ومد يده نحو ذراعها، لكنها استدارت مبتعدةً قبل أن يتمكن من الإمساك بها.

صرخ قائلاً:

"من تظنين نفسكِ؟"

وأضاف بينما كانت تسرع عبر الممر نحو الباب الأمامي.

"تأتين إلى منزلي ثم تخبرني أنك لا تفعلين هذا؟"

أخرج لسانه ساخراً ومستفزاً لها.

قادت سيارتها في دوائر لمدة ساعة محاولةً العثور على مخرج من متاهة المنازل تلك. كان الموضع الذي أمسكها منه بقوة على ذراعها يبدو ساخناً ومصاباً بكدمة.

**

كانت "تيف" تقف عند الباب باكيةً حين عادت "ميريام" إلى المنزل. كانت هناك رسالة من "كال" يطلب فيها موعداً آخر.

"استمعي لهذا يا أمي. لماذا يتحدث عن مدى روعة ملمس جسد المرأة؟"

كان الغضب يطغى على حزن "تيف"، ومع ذلك كانت الدموع تنهمر على وجنتيها.

"إن أمر العلاج هذا الذي تظنين أنك تمارسينه ، ذلك التواصل مع الروح ، ليس سوى غطاء زائف وهراء محض."

مسحت "ميريام" الرسالة، وشعرت بالارتياح لعدم وجود رسالة من "إيرل".

"يعاني كال ألماً شديداً؛ لدرجة أنه يحمل رماد جثمان زوجته في قارورة صغيرة حول عنقه."

"هل تدركين حجم الألم الذي أشعر به وأنا أراكِ تمرين بهذا الموقف مراراً وتكراراً؟"

تذكرت "ميريام" نظرات الرجال المحدقة بجسد "تيف".

"أتعلمين أنني أقلق عليكِ أيضاً. لكنكِ تصرين على الاستمرار. أفكر فيكِ كل يوم."

"هناك فرق كبير بين عملي وعملك. لا أحد يستطيع لمسي. لا أريد أن تكون لي أي علاقة بهؤلاء الرجال في النادي. لا أرغب في الخروج معهم." "إنها مجرد وظيفة."

تحركت ميريام خلف "تيف" وأرشدتها برفق لتجلس على الكرسي. قاومت "تيف" في البداية، لكن ميريام راحت تدلك كتفيها بلطف حتى استرخت عضلاتها، فانحنى جسد "تيف" إلى الأمام وانسدل شعرها حول وجهها. فكّرت ميريام وهي تتأمل انحناءة عنق ابنتها المكشوف: "يا له من بياضٍ ونقاء".

وعندما لم تعد تشعر بأي توتر في جسد "تيف"، أخرجت ميريام العظمة من غلافها ووضعتها في كف ابنتها وقالت:

"خذي، المسِي هذه".

حدقت "تيف" في العظمة للحظة ثم وضعتها على وجنتها وسألت:

"ماذا سنفعل بها الآن؟"

"هناك مكان أريد أن أريكِ إياه؛ مكان اعتدتُ الذهاب إليه بصحبة والدكِ".

كانت المنارة تقع عند طرف شبه الجزيرة. في صباها، اعتادت ميريام المجيء إلى هنا مع والدتها وتتخيل أنها ابنة حارس المنارة، تساعده في الحفاظ على سلامة البحارة. صعدت ميريام مع "تيف" عبر السلم الحلزوني نحو البرج المحاط بالزجاج، حيث توجد العدسة التي يبلغ ارتفاعها خمسة أقدام.

قالت ميريام:

"ظننا أن هذا المكان سيكون مثالياً لتكوين أسرة".

ردت "تيف":

"لا أستطيع تخيّل ذلك؛ فالمكان موحش وكئيب للغاية".

"لكنه كان مكاناً تتسم فيه الحياة بالوضوح والقدرة على التنبؤ... وله أهمية أيضاً".

استدارت "تيف" مبتعدةً عن النوافذ وقالت:

"إنه مكان كئيب. كنت سأغادر مع ساعي البريد عند أول فرصة".

ردّت الأخرى: "هنا ما هو أكثر مما تظنين".

فقالت "تيف": "إذن، أريني ذلك".

غادرتا المنارة وسارتا نحو جرفٍ صخري يطل على رذاذ الماء المتصاعد من فوهة طبيعية في الصخر. كانت تأخذ "تيف" إلى هذا المكان أحياناً لمشاهدة الحيتان؛ ففي فصل الربيع، يمكن رؤيتها وهي تهاجر بالقرب من الشاطئ، وأحياناً يمكن رصد أعمدة الرذاذ التي تطلقها. كان البحر هادئاً.

انتقلتا إلى الحديقة وجلستا على مقعد، بحيث كان ظهراهما مواجهاً للجدران المطلية باللون الأبيض للمنارة، والتي كانت تعكس وهج الضوء بقوة. كانت نباتات الفلفل الحلو والفاصوليا والكوسا تنمو في أحواض زراعية مُعتنى بها جيداً.

قالت "تيف":

"أظن أن حياتي كانت ستختلف لو أنه بقي على قيد الحياة".

فأجابتها:

"وحياتي أيضاً".

"لماذا كان يحب هذا المكان كثيراً؟"

"لا أعرف بالضبط. كان والدكِ كتومًا ومتحفظاً، وكان يحب فكرة القدرة على رؤية العالم، وفي الوقت نفسه، البقاء بمعزل عنه".

"إذن، ينبغي أن ندفنه في المكان الذي أراد أن يكون فيه".

عثرتا على حفرة صغيرة بجوار المنارة، بعيداً عن الممر. وضعت "ميريام" العظمة ودفعتها لتغطيها بالتراب الناعم. وبينما كانت "تيف" في الحمام، ألقت "ميريام" صورة "لاري" ورسالته في سلة المهملات.

كان بإمكانهما العودة إلى المنزل الآن. ربما تكون هناك رسالة من "إيرل"، وكانت ترغب في حذفها؛ فلو سمعتها "تيف"، لشعرت بالقلق ولطالبت بتفسير.

(انتهت)

***

....................

الكاتبة :جيل ستيجمان / Jill Stegman تعيش جيل ستيجمان على الساحل الأوسط لكاليفورنيا، حيث حيث كانت تدرّس في مدرسة ثانوية( متقاعدة الآن) . حصلت جيل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة (M.F.A.) من جامعة "باسيفيك"، ونشرت قصصاً قصيرة ومقالات في دوريات أدبية متنوعة مثل "Isotope" و"Eclectica" و"South Dakota Review"

بقلم: إيفان بونين

ترجمة: د. جودت هوشيار عن الروسية

***

حين وصلتُ إلى موسكو، نزلتُ خلسةً في فندق صغير متوارٍ في أحد الأزقة القريبة من أربات، وعشتُ حياةً مضنية، منعزلًا عن الناس، لا أنتظر إلا موعدًا بعد موعد معها. لم تأتِ إليّ خلال تلك الأيام إلا ثلاث مرات، وكانت في كل مرة تدخل مسرعة وهي تقول:

لن أبقى إلا دقيقة واحدة... -

كانت شاحبةً شحوبًا جميلًا، شحوبَ امرأةٍ عاشقةٍ مضطربة، وكان صوتها يرتجف وينقطع. وكانت طريقتها في إلقاء مظلتها كيفما اتفق، ثم الإسراع إلى رفع حجابها الشفاف واحتضاني، تهزني بمزيج من الشفقة والافتتان. كانت تقول:

- يبدو لي انه يشك بوجود شيء ما، بل ربما يعلم شيئًا ما... ربما قرأ صدفة احدى رسائلك، أو عثر على مفتاح مكتبي... اعتقد انه لا يتورع - وهو ما عليه من قسوة واعتداد بالنفس عن القيام بأي شيء. ذات مرة قال لي دون مواربة:" لن يعوقني شيء عن الدفاع عن شرفي، شرف الزوج والضابط " وهو الآن، لسبب ما، يراقب حرفيًا كل خطوة أخطوها.. ولكي تنجح خطتنا ينبغي أن اكون حذرة للغاية. لقد وافق الآن على السماح لي بالسفر، فقد أوحيت له انني ساموت اذا لم ار الجنوب والبحر. ولكن بحق السماء، كن صبورًا.

كانت خطتنا جريئة: أن نستقل القطار نفسه إلى ساحل القوقاز، ثم نقيم هناك ثلاثة أو أربعة أسابيع في مكان ناءٍ، يكاد يكون موحشًا تمامًا. كنت أعرف ذلك الساحل؛ فقد عشت ذات مرة فترةً بالقرب من سوتشي، شابًا وحيدًا، وما زلت أتذكر طوال حياتي تلك الأمسيات الخريفية بين أشجار السرو السوداء، وعلى شاطئ الأمواج الباردة الرمادية

وشحب وجهها عندما قلتُ: "والآن سأكون هناك معكِ، في غابة الجبل، على شاطئ البحر الاستوائي...". لم نكن نصدق أن خطتنا ستتحقق حتى اللحظة الأخيرة؛ فقد بدا لنا ذلك ضربًا من السعادة العظيمة التي يصعب تصديقها.

في موسكو كانت الأمطار الباردة تهطل، وكان يبدو أن الصيف قد مضى ولن يعود. كانت الشوارع موحلة قاتمة، تلمع مبتلةً وسوداء تحت المظلات المفتوحة للمارة، وتحت الأسقف المرتفعة المرتجفة لعربات الأجرة التي كانت تهتز وهي تمضي مسرعة.

وكان المساء مظلمًا بغيضًا حين توجهتُ إلى محطة القطار، وكان كل شيء في داخلي ينكمش من القلق والبرد. ركضت عبر المحطة وعلى الرصيف، خافضًا قبعتي فوق عينيّ، ودافنًا وجهي في ياقة معطفي.

في مقصورة صغيرة من الدرجة الأولى التي كنت قد حجزتها مسبقاً، كان المطر ينهمر بغزارة على السقف. أنزلت ستارة النافذة على الفور، وما أن مسح الحمال يده المبللة على مئزره الأبيض، واخذ البقشيش وخرج، حتى اقفلت الباب بالمفتاح، ثم ازحت الستارة قليلا وجمدت في مكاني، لا أحوّل عيني عن الحشد المتنوع من الناس الذين كانوا يتنقلون ذهابًا وإيابًا بمحاذاة العربات، يحملون أمتعتهم في الضوء المعتم لمصابيح المحطة.

كنا قد اتفقنا على أن أصل إلى المحطة في أبكر وقت ممكن، وأن تصل هي في آخر لحظة ممكنة، حتى لا ألتقي بها أو به على الرصيف. كان ينبغي أن يكونا قد وصلا الآن. واصلتُ التحديق بقلق أشد... لكنهما لم يظهرا. دق جرس التنبيه الثاني، فاشتد بي الخوف: هل تأخرت؟ أم أنه، في اللحظة الأخيرة، منعها فجأة من السفر؟..

لكنني، في اللحظة التالية، فوجئت بقامته الطويلة، وقبعته العسكرية، ومعطفه الضيق، وبيده المغطاة بقفاز من جلد الشامواه، وهو يمشي بخطوات واسعة ممسكًا بذراعها. ابتعدت عن النافذة مترنحا وهويتُ في زاوية الأريكة.

وكانت إلى جوارنا عربة من الدرجة الثانية. وتخيلته يدخل إليها معها، بتلك العناية التي يتسم بها، ويلتفت حوله ليتأكد من أن الحمّال قد أحسن ترتيب أمتعتها، ثم يخلع قفازه، وينزع قبعته، ويقبّلها ويرسم عليها إشارة الصليب. دوّى جرس التنبيه الثالث فأفقدني صوابي، وما إن تحرك القطار حتى أصابني ذهول تام. راح القطار يبتعد، يتمايل ويتأرجح، ثم استقام سيره وأخذ يندفع بأقصى سرعته. أما المحصّل، الذي أوصلها إليّ ونقل أمتعتها، فقد دسستُ في يده المرتجفة من يدي الباردة كالجليد ورقةً نقدية من فئة عشرة روبلات

حين دخلت لم تقبلني حتى، بل ابتسمت على نحو يثير الشفقة وقالت وهي تهم بالجلوس على الأريكة وتنزع قبعتها وتفكّ مشبكها عن شعرها:

- لم أستطع أن أتناول الغداء إطلاقًا. كنت أظن أنني لن أحتمل أداء هذا الدور الرهيب حتى النهاية. وأنا عطشى جدًا. أعطني بعض النارزان(1)، وكانت تلك المرة الأولى التي تخاطبني فيها بقولها "أنتَ" على نحو حميم..

- أنا على يقين من أنه سيلحق بي. لقد أعطيته عنوانين: غيلينجيك وغاغرا. وهكذا، سيصل إلى غيلينجيك بعد ثلاثة أو أربعة أيام... لكن لا بأس به، فالموت أهون من هذه العذابات.

في الصباح، حين خرجت إلى الممر، كان غارقًا في ضوء الشمس وخانق الحرارة، وكانت تنبعث من دورات المياه رائحة الصابون والكولونيا وكل ما تفوح به رائحة عربة قطار مكتظة بالمسافرين في الصباح.

وخلف النوافذ المعتمة من الغبار، الساخنة من وهج الشمس، كان يمتد سهلٌ محروقٌ مستوٍ لا نهاية له؛ وتبدو طرق عريضة مغبرة، وعربات تجرّها الثيران، وتلوح من حين إلى آخر أكشاك السكك الحديدية، تتناثر حولها في حدائقها الصغيرة دوائر صفراء من دوّار الشمس، وبينها أزهار الختمية القرمزية. ثم انفتح أمام العين فضاء لا حدود له من السهول العارية، تتناثر فيها التلال الترابية القديمة ومدافن الموتى، وتحت شمس جافة لا تُطاق، وسماء تشبه سحابة من الغبار، ثم بدأت تلوح في الأفق أشباح الجبال الأولى.

من غيلينجيك وغاغرا، أرسلت إليه بطاقة بريدية من كل مدينة، وكتبت له أنها لم تكن تعرف بعد أين ستستقر.

ثم هبطنا بمحاذاة الساحل متجهين جنوباً. وجدنا مكاناً بدائياً، تغطيه غابات الدلب، والشجيرات المزهرة، والأشجار ذات الخشب الأحمر، وأشجار الماغنوليا والرمان، تتخللها نخيل مروحية الأوراق، وتنتصب بينها أشجار السرو السوداء..

كنت أستيقظ باكراً، وبينما كانت هي لا تزال نائمة، وقبل موعد الشاي الذي كنا نشربه نحو السابعة، أخرج متوغلاً بين التلال إلى أعماق الغابات. كانت الشمس الحارة قد اشتدت، صافية ومشرقة باعثة على البهجة. وفي الغابات كان ضباب عطري أزرق لازوردي يلمع وينتشر ثم يذوب، وخلف القمم الحرجية البعيدة، كان البياض الأبدي للجبال المكللة بالثلوج يتلألأ.

وفي طريق عودتي كنت أعبر سوق قريتنا، الحارّ تفوح منه رائحة الروث المحترق الخارج من المداخن. كانت التجارة تغلي فيه، والمكان يضيق بالناس وبالخيل المَطِيّة والحمير. ففي الصباح كان يتوافد إلى السوق جمع غفير من أبناء الجبال المنتمين إلى قوميات مختلفة. كانت النساء الشركسيات يتحركن برشاقة، مرتديات أثواباً سوداء طويلة تلامس الأرض وأحذية حمراء ذات نعال لينة، وقد لففن رؤوسهن بأقمشة سوداء، تومض من بين ثناياها -التي تشبه ملابس الحداد- نظرات سريعة تشبه نظرات الطيور.

ثم كنا نتوجه إلى الشاطئ، الذي كان دائماً خالياً تماماً، فنستحم ونستلقي تحت الشمس حتى موعد الإفطار. وبعد الإفطارــ وكان يتألف كله من السمك المشوي على الجمر، والنبيذ الأبيض، والجوز والفواكه ــ كنا نمضي في الظلال الحارة لكوخنا ذي السقف القرميدي، فيما تتسلل عبر مصاريع النوافذ المتقابلة أشرطة من الضوء الحار البهيج.

وحين تخف وطأة الحر ونفتح النافذة، كان جزء من البحر، الظاهر منها بين أشجار السرو القائمة على المنحدر تحتنا، يبدو بلون البنفسج، ويمتد ساكناً مستوياً إلى حد يجعل المرء يظن أن لا نهاية لهذا السكون، وهذا الجمال..

وكثيراً ما كانت تتكدس وراء البحر، عند الغروب، سحب عجيبة؛ وكانت تتوهج في بهاء أخاذ، حتى إنها كانت تستلقي أحياناً على الأريكة الخشبية، وتغطي وجهها بوشاح من الشاش، ثم تبكي: «بعد أسبوعين أو ثلاثة فقط... وسنعود إلى موسكو!

كانت الليالي دافئة حالكة السواد، وفي الظلمة السوداء كانت الحشرات المضيئة تسبح وتتلألأ وتشع بضوء بلون التوباز، فيما كانت ضفادع الأشجار ترن كأنها أجراس زجاجية صغيرة. وحين تعتاد العين الظلام، كانت النجوم وقمم الجبال تبرز في الأعالي، وتتضح معالم الأشجار التي لم نلحظها نهارًا فوق القرية. وطوال الليل، كان يتردد صدى قرعٍ مكتومٍ لطبلٍ ونحيبٍ عميقٍ وموحشٍ -ومفعمٍ بسعادة يائسة في آن واحد- وكأنه جزء من أغنية أبدية لا تنتهي، كل ذلك كان يتصاعد من الحانة القريبة. وعلى مسافة غير بعيدة منا، في وادٍ ساحلي ينحدر من الغابة نحو البحر، كان جدول صغير شفاف يقفز سريعاً فوق مجراه الحجري. ما اروع ما كان يتراقص ويفورلمعانه في تلك الساعة الآسرة عندما كان البدر يحدق من وراء الجبال والغابات مثل كائن عجيب. وأحياناً، في الليل، كانت غيوم مخيفة تهبط من الجبال، وتندلع عاصفة هوجاء، وفي السواد الجنائزي الصاخب للغابات كانت تنفتح بين حين وآخر هاويات خضراء ساحرة، بينما كانت ضربات الرعد البدائية، كأنها من عصور ما قبل التاريخ، تشق أعالي السماء. عندها كانت فراخ النسور تستيقظ في الغابات وتطلق مواءها، وكان النمر يزأر،... وكانت الـ"تشيكالكي"، وهي حيوانات برية صغيرة، تطلق نباحها. وفي إحدى المرات هرعت قطيع كامل منها إلى نافذتنا المضيئة؛ فهي كانت تتجمع دائماً قرب مساكن البشر في مثل هذه الليالي. فتحنا النافذة وأخذنا ننظر إليها من علٍ، بينما وقفت هي تحت المطر اللامع المنهمر، تنبح وتطلب أن ندخلها إلينا... وكانت هي تبكي فرحاً وهي تنظر إليها.

كان يبحث عنها في غيلينجيك، وفي غاغرا، وفي سوتشي. وفي اليوم التالي لوصوله إلى سوتشي، نزل صباحاً إلى البحر وسبح، ثم حلق ذقنه، وارتدى ملابس داخلية نظيفة وسترة بيضاء ناصعة، وتناول إفطاره في فندقِه، على شرفة المطعم. شرب زجاجة من الشمبانيا، واحتسى القهوة مع الشارتروز، ثم دخّن سيجاراً على مهل.

وعندما عاد إلى غرفته، تمدد على الأريكة وأطلق النار على صدغيه من مسدسين.

12 تشرين الثاني/نوفمبر 1937

***

...................

(1) - نارزان هي مياه معدنية طبيعية (تجمع بين الخصائص العلاجية ومواصفات مياه المائدة) تُستخرج من آبار في منطقة كيسلوفودسك- المترجم

للشاعر البرتغالي: فرناندو بيسوا(1)

ترجمها عن البرتغالية: جميل حسين الساعدي(2)

***

تحليل ذاتي

الشاعر مزوّر

يزوّرُ ببراعة تامّة

لدرجة أنّهُ

يزوّرُ حتى ذلك الشعورَ

الذي يحسُّ بهِ حقّا كألم

**

أمــا من يقرؤونَ ما يكتبهُ

فإنّهم لا يشعرونَ بالألمين المنفصلين

اللذين كابدهما

بل يشعرون فقط بالالم

الذي لم يكابدوه

**

وهكذا

وبينما ينصرف الإنتباه

يمضي قطارنا الميكانيكي

الذي نسميه القلب

***

 .........................

القصيدة بالبرتغالية

O poeta é um fingidor

Finge tão  completamente

Que chega a finger que é dor

A dor que devras sente.

*

E os que leem o que escreve,

Na dor lida sentem bem,

Não as duas que ele teve,

Mas só a que eles não têm(1).

***

.........................3292 jamil

القصيدة الثانية: عوليس (3)

الأسطورة هي العدم

الذي هو كلّ شيـئ

الشمس ذاتها التي تفتح الآفاق

أسطـــــورةٌ صامتةُ ٌ ومتألقة

جسدُ الإلــه ميّتٌ وعارٍ وحــيّ ٌ

***

من وصلَ الــى هنا

استمرَّ في الوجـــودِ عبـر العدم

وكفانا عدم وجوده ذاك

إذْ بامتناعــــهِ عن المجـئ

جاءَ رغم ذلك

وخلقنــــــــا

***

هكـــــذا تنحدر الأسطورة

إلى أرض الواقع

وتنفذُ فيه ملقّحة إيّــاهْ

وفي الأسفل تموتُ الحيا ة

ذلك النصف من العدم

***

.....................

القصيدة بالبرتغالية:

O mito é o nada que é tudo

O mesmo söl que abre os céus

E um mito brilhante e mudo –

O corpo morto de Deus,

Vivo e desnudo.

*

Este, que aqui aportou,

Foi por não ser existindo.

Sem existir nos bastou.

Por não ter vindo foi vindo

E nos criou.

*

Assim a lenda se escorre

A entrar na realidade.

E a fecundá- la decorre.

Em baixo, a vida, metade

De nada, morro3293 jamil

(1) انطونيو فرناندو نوغيرا دي سيابرا بيسوا( 13 يونيو 1888ـ30 نوفمبر 1935 ) شاعر وكاتب وناقد ادبين ومترجم وفيلسوف برتغالي، يوثف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وواحد من اعظم شعراء اللغة البرتغالية، كما انه كتب وترجم من اللغة الانكليزية والفرنسية

(2) (مع الترجمة ضمنت بيتين من الشعر باللغتين البرتغالية والعربية علقت بهما على صورة التقطت لي في لشبونة)

(3) عوليس أو (أوديسيوس) هو ملك إيثاكا الاسطوري وبطل ملحمتي الالياذة والأوديسة للشاعر اليوناني هوميروس

التقطت لي صورة في لشبونة عاصمة البرتغال فطلبت مني المرأة التي صورتني ان اعلق على الصورة وكان في اسفل الصورة رسمان للمكتشف البرتغالي فاسكوديجاما  ولاعب كرة القدم الشهير اورلاندو فقلت في البرتغالية

A imagem em que os tempos se unem,

Onde passado e presente se abraçam

Ai, Vasco da Gama

Estende me a mão,

E o Orlando caminha ao meu Lado

ثم صغت التعليق بالعربية شعرا فقلت:

يا صورةً جُمــعَ الزمانُ بها *** وتعانقَ الماضي مع العصــرِ

فإذا بديجـــــاما يصافحنــي *** وإذا بأورلاندو معــي يجري

بقلم: أرافيند أديغا

ترجمة: صالح الرزوق

***

تعتبر محطة بطارية مدفع السلطان، التي تراها في الطريق المتجه إلى قرية سولت ماركيت "سوق الملح"، واحدة من أضخم العلامات السياحية في كيتور. أسرع نحو قبة المقام البيضاء، وتحت أحد إبطيه كرسي خشبي قابل للطي، وتحت الثاني حقيبة حمراء يحفظ بها ألبوم صوره، وسبع زجاجات تمتلئ بحبوب بيض. حينما بلغ المقام، مشى على طول الجدار، ولم يبذل أي انتباه لطابور المتسولين الطويل المحاذي للجدار: المجذومون الجالسون على رقع، الرجال الذين بترت أذرعهم وسيقانهم، الرجال المقعدون في الكراسي المتحركة، والرجال الذين ضمدوا عيونهم، ومخلوق بعضدين بنيين صغيرين، مثل زعانف الفقمة، كانا في مكان ذراعيه، ساق عادية متبقية، وكتلة طرية بنية مكان ساقه الثانية، كأنه حيوان مصعوق بالكهرباء، مع عينين مسمرتين وسوداوين تناسبان وضعه وكان يهتف: "الله، الللله، الله، الللله". تجاوز هذا الموكب البشري المؤسف، ومر من خلف المقام. ثم تابع من بين الباعة الجوالين الجالسين القرفصاء على الأرض بطابور طويل يبلغ نصف ميل. مر على صفوف بضائع تتراوح بين أحذية الأطفال، وحمالات الصدر، والقمصان الخفيفة التي تحمل شعار "نيويورك المدينة العابثة"، ونظارات شمسية مقلدة من ماركة راي بان، وأحذية نايك مقلدة، وأحذية أديداس مقلدة، وأكوام من صحف الأوردو والمالايالام. لمح فتحة بين بائعين غشاشين، بائع أحذية وآخر بائع حمالات صدر متجول. وهناك فتح طاولته، ومد عليها قطعة ورق أسود لماع ذات حروف مذهبة براقة. والكلمات المذهبة هي: راتناكارا شيتي، الدعوة خاصة، المؤتمر الآسيوي الرابع عن السيكسولوجي، فندق قصر نيو هيل توب، نيدلهي، نيسان 12-14، 1987. بدأ الشباب الذين جاؤوا إلى الصلاة في المقام، أو لأكل كباب لحم الخرفان في أحد المطاعم الإسلامية، أو ببساطة لمشاهدة البحر، بالتحلق في نصف دائرة حول راتنا، ومراقبته وهو يضع على الطاولة ألبوم صور بلون أصفر داكن، وزجاجات الحبوب البيض السبعة. وباستعراض بطيء، أعاد ترتيب الزجاجات، كما لو أنه يتوجب عليها أن تكون بأوضاع منضبطة ليبدأ عمله. والحقيقة أنه كان ينتظر المزيد من المشاهدين. ثم جاؤوا. ووقفوا بأزواج أو منفردين، وأصبح حشد الشباب يبدو مثل ستون هنج بشري، بعضهم وضع يديه على كتف صديقه، وبعضم وقف وحيدا، والقليل منهم أقعى على الأرض، مثل صخور متساقطة. وفجأة بدأ راتنا بالكلام. جاء الشباب مسرعين، وتضاعف الزحام، إلى أن أصبح كل اثنين أو ثلاثة أشخاص وراء بعضهم البعض، وتوجب على من هم في الخلف أن يقفوا على رؤوس أصابعهم ليكسبوا لمحة من طرف عالم الجنس الذي فتح ألبومه، وسمح للشباب برؤية الصور المحفوظة في الجيوب البلاستيكية. شهق المشاهدون. أشار راتنا إلى صوره وتكلم عن الشذوذ والدعارة. ووصف عواقب الخطيئة: وأشار إلى خط حركة الجراثيم الجنسية في الجسم، وهو يلمس حلمتيه، وعينيه، ثم منخريه، وفي الختام أغلق عينيه. تسلقت الشمس السماء، وأصبحت قبة المقام البيضاء أنصع. تقارب الشباب حول نصف الدائرة، وبذلوا جهدهم للاقتراب من الصور الفوتوغرافية. ثم أقدم راتنا على فعلته: أغلق الدفتر، ورفع بكلتا يديه زجاجة الحبوب البيضاء، وشرع بهز الحبوب وهو يقول: "مع كل زجاجة من الحبوب تتلقى شهادة اعتماد من حكيم بهاغوانداس من دارياغانج بدلهي. وهذا الرجل طبيب متمرس، تعلم في مصر، ووظف علومه لصناعة حبوب بيض عظيمة تشفي كل أوجاعكم. كلفة كل زجاجة أربع روبيات وخمسون بيسة فقط!. نعم هذا كل ما تدفعه لغسل ذنوبك وكسب فرصة ثانية في هذه الحياة. أربع روبيات وخمسون بيسة".

في المساء صعد في حافلة 43B وهو ميت من التعب، ومعه حقيبته الحمراء، وطاولته المطوية. كانت الحافلة مزدحمة في هذه الساعة. تمسك بحزام يتدلى من السقف وكان يتنفس ببطء. عد حتى الرقم 10، لاستعادة قوته، ثم دس إحدى يديه في الحقيبة الحمراء، وأخرج أربع بروشورات خضراء، وعلى غلاف كل منها صورة ثلاث جرذان كبيرة. رفع البروشورات عاليا بيد واحدة، بأسلوب مقامر يرفع بطاقاته، وتكلم بأعلى صوت ممكن يقول: "سيداتي وسادتي!. كلكم يعلم أننا نعيش في سباق جرذان، الوظائف قليلة، واستمارات التوظيف المقدمة كثيرة. كيف سيعيش أبناؤكم، وكيف سيؤمنون وظائف مثل التي تنعمون بها أنتم؟. فالحياة في هذا اليوم وهذا العمر سباق جرذان حقيقي. في هذا الدفتر فقط ستجدون الآلاف من المعلومات العامة المفيدة، مرتبة بشكل سؤال وجواب، ويحتاجها أبناؤكم وبناتكم ليعبروا امتحان الوظائف المدنية، امتحان المصارف، وامتحان الشرطة، وغيرها من الوظائف التي تحتاج للنجاح في سباق الجرذان. على سبيل المثال..". التقط أنفاسه بسرعة وتابع: "لإمبراطورية المغول عاصمتان: كانت دلهي إحداهما. ما هي الأخرى؟. أربع مدن رئيسية شيدت في أوروبا على ضفاف نهر واحد. ما اسم ذلك النهر. من كان أول ملك حكم ألمانيا؟. ما هي عملة أنغولا؟ مدينة أوروبية واحدة كانت عاصمة ثلاث إمبراطوريات مختلفة. ما اسم المدينة؟. تورط رجلان في اغتيال المهاتما غاندي. أحدهما ناثورام غودسي. ما اسم الرجل الآخر. ما ارتفاع برج إيفل بالمتر؟". وهو يرفع الكتيبات بيمناه، ترنح إلى الأمام، وتمالك نفسه حينما قفزت الحافلة من فوق حفرة في الطريق. طلب راكب واحد الكتيب، ومد يده بروبية. تراجع راتنا، وانتظر بجانب باب الخروج، وعندما أبطأت الحافلة حركتها، خفض رأسه للمفتش بعلامة شكر صامتة، وغادر. ذهب إلى بيته، علق قميصه على خطاف بجوار الباب، ركل الباب ليفتحه، ودخل وهو يحك إبطه وشعر صدره. جلس على كرسي، زفر بقوة وصاح: "يا كريشنا، يا كريشنا"، ثم مد ساقيه، ومع أن بناته كن في المطبخ، أدركن فورا أنه جاء - فقد اندلعت في البيت رائحة قدمين عطنة وخانقة مثل طلقة مدفع للتحذير. أفلتن مجلاتهم النسائية، وأسرعن لأداء عملهن. وكانت الزوجة تقرقع بالأطباق والقدور. بعد أن دخن لفافة تندو ثانية، وارتاح جسده بشكل واضح، وجدت الشجاعة لتقترب منه وهي تقول: "قال المنجم إنه سيأتي في التاسعة".

-"آه".

شغل المذياع، ثم وضعه على فخذه، وربت براحته على فخذه الثاني، متتبعا اللحن الموسيقي، وهو يدمدم بشكل متواصل، وينشد الكلمات التي يتعرف عليها.

همست: "إنه هنا". أشعل المذياع، حالما دخل المنجم إلى الغرفة، وطوى راحتيه بالتحية الهندية. جلس على الكرسي، والتقط قميصه، الذي علقته زوجته لأجله على خطاف بجوار قميصه السابق نفسه. انتظرت زوجته والبنات في المطبخ، فعرض المنجم على راتنا صور الصبيان. فتح ألبومه، والذي يحتوي على صور بالأبيض والأسود، وتأمل الوجوه صبيا بعد آخر، وكانوا يبادلونه النظر من بورتريهات عابسة وموتورة. لمس راتنا إحداها بإبهامه. فسحبها الفلكي من الألبوم.

قال راتنا بعد لحظة صمت: "هذا الولد يبدو مناسبا. كيف يكسب الأب قوت يومه؟".

- "يمتلك متجرا للألعاب النارية في شارع كار. تجارته ناجحة جدا. والولد وريثه".

تعجب راتنا برضا صادق وقال: "تجارته مجرد خطوة إلى الأمام في سباق الجرذان. وأن تكون بائعا يعني أنك في طريق مسدود".

أسقطت زوجته شيئا في المطبخ، ثم سعلت، ثم أسقطت شيئا آخر.

صاح: "ماذا يجري؟".

قال صوت ضعيف شيئا عن "المنظار".

رد راتنا: "اخرسي". ومد الصورة نحو المطبخ قائلا: "لدي ثلاث بنات للزواج وهذه العاهرة الملعونة تعتقد أن بوسعي أن أختار؟". وألقى الصورة في حضن المنجم.

رسم المنجم شارة x خلف الصورة. وقال: "يتوقع والدا الصبي شيئا. إشارة".

- "الدوطة". ذكر راتنا الكلمة الشريرة باسمها الصحيح وبصوت ناعم. وأردف: "رائع. وفرت النقود لأجل هذه البنت".

ثم زفر وأضاف: "ولكن الله وحده يعلم كيف سأتدبر دوطة لأجل الاثنتين المتبقيتين".

صر على أسنانه بحنق، والتفت نحو المطبخ وأطلق صرخة عظيمة.

في يوم الاثنين التالي، ظهر فريق الصبي. واضطرت الفتاة الأصغر للتنقل بصينية تحمل أكوابا من عصير الليمون، بحضور راتنا وزوجته الجالسين في غرفة الزوار. غطى وجه روكميني طبقة بيضاء سميكة من مسحوق جونسون للأطفال، وتخلل شعرها جدائل من الياسمين، ولاحقا ضربت على أوتار فينا لتنشد أغنية دينية، وهي تنظر من النافذة إلى شيء بعيد. كان والد عريس المستقبل، تاجر المفرقعات، جالسا على فراش أمام روكميني مباشرة. كان رجلا عملاقا بقميص أبيض وسارونج قطني أبيض، وشعر غزير ينمو على أذنيه بشكل خصل لماعة وفضية. حرك رأسه مع إيقاع الأغنية التي تعزفها روكميني. واعتبر راتنا ذلك إشارة طيبة. أما حماة المستقبل، وهي مخلوقة أخرى ببشرة سمراء، فقد كانت تنظر فيما حولها، نحو السقف وزوايا البيت. وكان لعريس الأيام القادمة لون بشرة والده الخفيفة وسماته، ولكنه أصغر كثيرا من أبيه أو أمه، ويبدو أقرب إلى حيوان منزل في العائلة ولا يشبه ابنا محترما فيها. وفي منتصف الأغنية مال وهمس في أذن والده المشعرتين بكلام ما. هز التاجر رأسه. نهض الولد وانصرف. رفع الوالد أصبعه الصغيرة وعرضها على الحاضرين في الغرفة. ضحك الجميع. عاد الولد، وجلس في موضع بين أبيه البدين وأمه البدينة. جاءت البنتان الأصغر بصينية ثانية من عصير الليمون، فأخذ تاجر المفرقعات البدين وزوجته كأسين، وكما لو أنه يقلدهما أخذ الصبي كأسا ورشف منها. وحالما لمس السائل شفتيه، ربت على والده وهمس ثانية في أذنه المشعرة. في هذه المرة قطب العجوز وجهه، ولكن ركض الولد خارجا. وربما ليصرف نظر الآخرين عن ابنه، سأل بصوت رنان: "هل لديك يا صاحبي الطيب لفافة تبغ؟". بحث راتنا في المطبخ عن علبة لفافاته، وشاهد من خلال شبك النافذة العريس المنتظر يتبول بعصبية على جذع شجرة أشوكا كانت في الباحة الخلفية. فكر وهو يعبس: يا له من شاب عصابي. وأردف: ولكن هذا شيء طبيعي. وشعر بعاطفة قليلة حيال هذا الشاب الذي سيصبح جزءا من عائلته عما قريب. كل الرجال يكونون عصبيين قبل زفافهم. ويبدو أن الصبي انتهى من تبوله، فقد نفض عضوه، وابتعد عن الشجرة. ولكن بدل أن يتابع، وقف جامدا. بعد دقيقة رفع رأسه إلى الخلف وبحث عن هواء للتنفس، مثل رجل يغرق.

عاد رجل ترتيبات الزواج في المساء لينقل عن تاجر المفرقعات أنه معجب بغناء روكميني. وأخبر راتنا: "حدد الموعد فورا. خلال شهر، سيبدأ إيجار صالات الزفاف بــ". ونحى راحتيه بحركة نحو الأعلى. هز راتنا رأسه. ولكن بدا شاردا.

في الصباح التالي، ركب الحافلة إلى شارع أمبريلا، وتجاوز مستودعات الأثاث والمراوح، حتى وجد متجر المفرقعات. كان الرجل البدين ذو الإذنين المشعرتبن جالسا على مقعد مرتفع، أمام جدار تغطيه صواريخ وقنابل ورقية، كأنه وكيل رب النار والحرب. وكان عريس الغد في المتجر أيضا، ولكنه على الأرض، ويلعق أطراف أصابعه، ويقلب صفحات السجلات. ركل الرجل البدين ابنه ركلة خفيفة قائلا: "سيكون هذا الرجل حماك، ألن ترحب به؟". وابتسم لراتنا وتابع: "هذا الولد خجول". شرب راتنا الشاي، وتكلم مع الرجل البدين، ولم يرفع عينه عن الولد طيلة الوقت. ثم قال له: "تعال معي يا بني. لدي سؤال خاص لك".

مشى الاثنان على الطريق، دون أن يقولا كلمة، حتى بلغا شجرة بانيان تنمو بجوار معبد هانومان. أشار راتنا أنه عليهما أن يجلسا في ظل الشجرة. وأراد أن يمنح الصبي ظهره لحركة المرور، وكانا يتأملان المعبد. لبعض الوقت ترك راتنا الشاب يتكلم، ولم يفعل أي شيء سوى ملاحظة عينيه، وأذنيه، وأنفه، وفمه، ورقبته. وفجأة قبض على معصم الشاب وقال: "أين وجدت هذه العاهرة التي عاشرتها؟". أراد الولد أن ينهض، ولكن ضاعف راتنا الضغط على معصمه، ليشير أنه لا يوجد مجال للهرب. التفت الصبي بوجهه نحو الطريق، كأنه يطلب العون. زاد راتنا مقدار الضغط على معصمه وقال: "أين عاشرتها؟ بجانب الطريق، أم في فندق، أو خلف مبنى؟". ولف معصمه بقسوة.

صاح الولد: "بجانب الطريق". ثم التفت إلى راتنا، بوجه يوشك أن ينفجر بالدموع. وتابع: "كيف عرفت؟".

أغلق راتنا عينيه. زفر. أفلت معصم الصبي وقال: "عاهرة سواق شاحنات". لطم رأس الولد، فبدأ يعول قائلا وهو يلجم عويله: -"عاشرتها مرة فقط".

-"مرة واحدة تكفي. هل يحرقك حينما تتبول".

-"نعم. يحرقني".

-"مع غثيان؟".

سأل الولد عن معنى الكلمة الإنكليزية وقال: "نعم" حينما فهمها.

-"وماذا أيضا؟".

-"أشعر بشيء كبير وصلب ككرة من المطاط الصلب ببن ساقي طيلة الوقت. ثم النعاس وأحيانا الدوار".

-"هل تنتصب؟".

-"نعم. لا".

-"أخبرني كيف يبدو عضوك. هل هو أسود؟. هل هو أحمر؟ هل تورمت شفتا عضوك".

بعد نصف ساعة، كان الرجلان تحت شجرة البانيان، بمواجهة المعبد.

طوى الشاب راحتيه قائلا: "أتوسل إليك.. أتوسل إليك". هز راتنا رأسه قائلا: "يجب أن ألغي الزفاف، ماذا يمكنني غير ذلك الآن؟. كيف يسعني أن أسمح لابنتي أن تصاب بهذا المرض أيضا؟".

حدق الصبي بالأرض ولم يرفع عينه عنها، كأنه فقد ببساطة كل وسائل الرجاء. لمعت قطرة رطوبة على أرنبة أنفه كالفضة وقال بهدوء: "سأنتقم منك". مسح راتنا يدين بقفا سارونجه وسأل: "كيف؟".

-"سأقول إن البنت نامت مع شخص ما. وسأقول إنها ليست عذراء. ولذلك توجب عليك إلغاء الزفاف". بحركة سريعة، قبض راتنا على رأس الولد، ودفعه نحو الخلف، وتركه هكذا مدة دقيقة، ثم لطمه بالشجرة. ونهض وبصق على الولد قائلا: "أقسم بالإله الجالس في المعبد أمامنا، سأقتلك بيدي لو فعلت ذلك".

مرت ثلاثة شهور أو ما قارب ذلك. في صباح أحد الأيام كان عائدا إلى مكانه وراء القبة البيضاء، وهو يصبح برجال قلقين واقفين مثل صخور ستون هنج، رأى وجها جعل قلبه يتوقف. بعد ذلك بعد أن انتهى من كلامه، شاهد الوجه ثانية، أمامه.

فح بصوته: "ماذا تريد؟ تأخر الوقت جدا. بناتي متزوجات الآن. لماذا أتيت إلى هنا؟".

طوى راتنا طاولته تحت ذراعه، وألقى أدويته في حقيبته الحمراء، وتحرك بسرعة. تبعته خطوات متعجلة. لهث الصبي - ابن تاجر المفرقعات - وهو يتكلم قائلا: "الأمور تسوء كل يوم. لا أستطيع التبول بدون أن يحرقني عضوي بشدة. عليك أن تنجدني بشيء ما. عليك أن تعطيني حبوبك".

شحذ راتنا أسنانه قائلا: "لقد ارتكبت الخطيئة أيها القذر. وجالست عاهرة. والآن تدفع ثمن ذلك".

أسرع بمشيته، وزاد من سرعته، ثم اختفى وقع الخطوات، وأصبح وحيدا. لكن في الأمسية التالية، شاهد الوجه ثانية: ثم تبعته الخطوات المتعجلة طيلة الطريق، حتى موقف الحافلة. وقال له الصوت مرارا وتكرارا: "أغثني". لكن راتنا لم يلتفت. صعد على متن الحافلة. وحينما لاحت له معالم الحصن المظلم من بعيد، أبطأت الحافلة وتوقفت. فغادرها. وغادرها معه شخص ما. مشى. شخص آخر مشى وراءه. استدار راتنا وقبض على متعقبه من ياقته ليقول: "ألم أخبرك أن تتركني وحدي؟ ماذا دهاك؟". دفع الولد يد راتنا، ورتب ياقته، وهمس: "أغثني. أعتقد أنني أموت. أنقذني".

-"انظر لي. لا يمكنني. لن يشفى أي شاب بأي شيء أبيعه. ألم تفهم؟". مرت لحظة صمت، ثم همس الصبي: "ولكنك شاركت بمؤتمر الجنس.. اللافتة الإنكليزية تقول ذلك...".

رفع راتنا يده إلى السماء وهو يقول: "وجدت تلك اللافتة على الأرض".

-"ولكن حكيم بهاغوانداس في دلهي..".

"حكيم بهاغوانداس في مؤخرتي. تلك حبات سكر أبيض أشتريها بالجملة من صيدلية في كاروار، ثم تملأها لي ابنتي بالزجاجات، وتلصق عليها اللصاقات في بيتي". ولإثبات وجهة نظره، فتح الكيس الجلدي، وفتح زجاجة، ونثر الحبات على الأرض، كأنه يزرع البذور في التراب. وتابع: "إنها لا تنفع. ليس لدي شيء لك يا بني".

جلس الولد. التقط حبة بيضاء من التراب، وابتلعها. وركع على أربعته، وفتش في الوحل الأسود عن الحبوب البيض، وشرع بابتلاعها باهتياج مع أي تربة التصقت بها.

-"هل أنت أحمق؟".

ركع راتنا، وهز الولد بقوة، وكرر سؤاله عدة مرات. ثم أخيرا شاهد عيني الصبي. كان قد لحق بهما التبدل بعد آخر لقاء بينهما، كانتا دامعتين وحمراوين، وكأنهما مخلل نوع من أنواع الخضار. وكل الشعيرات الدموية جاحظة ومنتفخة. بقي راتنا مستيقظا لعدة ساعات في تلك الليلة. وهو يتلوى في سريره، حتى أقلق زوجته. وناجى الولد، الذي كان يبدو أنه في مكان ما بجوار سريره. في مساء اليوم التالي، استقل الحافلة إلى المدينة، عائدا إلى شارع أمبريلا. وعندما بلغ متجر المفرقعات وقف بعيدا، بذراعين معقودين، حتى شاهده الصبي. ترافقا بالمشي صامتين لبعض الوقت، حتى وصلا إلى منصة عصير قصب السكر. حالما دارت الآلات وتشرذم القصب الخام، قال راتنا: "اذهب إلى المستشفى. سيساعدونك".

-"لا أستطيع الذهاب إلى المستشفى. فهم يعرفونني. وسيخبرون والدي".

كان لدى راتنا وجهة نظر عن ذلك العملاق بخصلات شعره الأبيض التي تخرج من أذنيه، وهو يجلس أمام ترسانته من الألعاب النارية وقنابل الورق.

في اليوم اللاحق، بينما راتنا يطوي طاولته وحقيبته، شاهد خيالا على الأرض أمامه. دار حول الضريح، وتجاوز طابور الحجاج الطويل الذين يصلّون في الضريح، وتخطى صفوف المجذومين، ومر بالرجل ذي الساق الواحدة، وكان يستلقي على الأرض، وهو يرتعش بوركيه وينشد: "الله. االلله. الله. االلله".

نظر إلى أعلى نحو القبة البيضاء وحدق لحظة. ثم هبط إلى البحر، تبعه الظل. امتد جدار حجري حول أطراف الأرض، وضع قدمه اليمنى عليه، ونظر إلى البحر. كانت الأمواج تتدفق بعنف، وببن حين وآخر تتحطم المياه بقوة على الجدار، وترتفع رغوة سميكة في الهواء ثم تنتشر، مثل ذيل طاووس يأتي من البحر. التفت راتنا وقال: "أي خيار بيدي؟. إن لم أبع تلك الحبوب البيضاء كيف يمكنني تدبير زواج ابنتي؟".

تجنب الصبي نظراته، وحدق بالأرض، ونقل كتلته بصعوبة. لحق الرجلان بالحافلة رقم 5، وذهبا بها مسافة طويلة إلى قلب المدينة، وغادراها قرب أنجيل توكيز (مكلمي الملائكة). حمل الصبي الطاولة الخشبية، وبحث راتنا في كل الطريق الرئيسي، حتى وجد لوحة كبيرة تحمل صور زوجات وأزواج واقفين معا بثياب الزفاف وكتب عليها:

العيادة السعيدة

استشارات اختصاصية

الدكتور إم في كاماث بكالوريوس طب (ميسور)، شهادة متقدمة بالجراحة (الله آباد)، دبلوم متقدم في الجراحة (ميسور)، ماجستير عليا في الجراحة (كالكوتا)، شهادة بالمحاسبة (فاراناسي)، النتائج مضمونة.

همس راتنا في أذن الصبي: "هل ترى هذه الحروف بعد اسمه؟. هذا الرجل يناسبك. فهو السيكسولوجي الحقيقي".

في غرفة الانتظار، شاهد نصف كوكبة من الرجال القلقين والمتعبين الجالسين على الكراسي، وزوجين في إحدى الزوايا. جلس راتنا والصبي بين الرجال العازبين والزوجين. نظر راتنا للرجال بفضول. تجنب الجميع نظرته. كان هؤلاء نفس الرجال الذين تعاملوا معه - لكنهم بنسخ أكبر وأشد حزنا. رجال قضم المرض التناسلي في أعماقهم، مع أنهن رجموه بزجاجة بعد زجاجة من الحبوب البيضاء، ولكن بدون تحسن - وبلغوا الآن نهاية رحلة طويلة تقود إلى اليأس، ومن موقعه عند الضريح، وعبر خط طويل من الغشاشين، إلى عيادة هذا الطبيب، ليخبرهم بالحقيقة أخيرا. دخل الرجال المتعبون الواحد بعد الآخر إلى غرفة الطبيب، فأغلق الباب خلفهم. نظر راتنا للزوجين، وفكر - على الأقل هما غير وحيدين في هذه المحنة. على الأقل كل منهما لديه شريكه. ثم نهض الرجل ليرى الطبيب، وانتظرت المرأة في مكانها. دخلت لاحقا، بعد أن غادر الرجل. بالتأكيد هما ليس زوجا وزوجة، قال راتنا لنفسه. حينما يصاب الرجل بهذا المرض، هذا المرض الجنسي، يصبح كل رجل في هذا الكون بمفرده.

سأله الطبيب: "وما علاقتك بالمريض؟".

احتلا مقعديهما، أخيرا، أمام طاولة الاستشارة. كان على الجدار وراء الطبيب مخطط ضخم يصور مقطعا عرضيا لجهاز البول المذكر وأعضاء التناسل، نظر راتنا به لحظة، ثم قال: "عمه".

بعد فحص أعضاء الصبي، تحرك الطبيب إلى مغسلة يعلوها مرآة، جر حبلا، فبعث الحياة في أنبوب مضيء فوق المرآة. ترك الماء ينساب في المغسلة، ثم غرغر وبصق، وأغلق الضوء فوق المغسلة. أدى أعمال خدمة في عيادته - مسح زاوية المغسلة براحته، ثم أغلق غطاء نافذة، وألقى نظرة على وضع سلة النفايات الخضراء البلاستيكية. حينما لم يتبق لديه شيء يفعله، عاد إلى طاولته، ونظر إلى قدميه، وتنفس لبعض الوقت. ثم قال: "ذهبت كليتاه".

-"ذهبت؟".

كرر الطبيب: "ذهبت".

والتفت إلى الصبي، وكان يرتعش بكل قوته، حتى أن مقعده بدأ يتحرك. وسأله: "هل أنت مثلي جنسيا؟".

غطى الولد وجهه بيديه. رد راتنا بالنيابة عنه: "انظر. أصيب بالمرض من عاهرة، ولا توجد خطيئة بذلك. هو ليس شابا غير طبيعي. هو فقط غير خبير بهذا العالم الذي نعيش فيه".

هز الطبيب رأسه. التفت، نحو صورة جهاز التناسل الذكري التي وراءه، ووضع أصبعه على الكليتين، وقال: "ذهبتا".

في اليوم التالي عاد راتنا والصبي معا في السادسة صباحا إلى محطة الحافلات، لركوب الحافلة إلى مانيبال، ليريا إن كان هناك في كلية الطب طبيب جيد يمكنه مساعدتهما. كان رجل بسارونج أزرق يجلس على المقعد في المحطة، وأخبرهما أن حافلة مانيبال تتأخر دوما لدقائق، ربما 15 دقيقة، ربما 30، وربما أكثر. قال الرجل: "كل شيء ينهار في هذا البلد منذ مقتل السيدة غاندي"، وركل الهواء بساقيه بشكل مرح وتابع: "الحافلات تتأخر. القطارات تتأخر. كل شيء عرضة للانهيار. علينا تسليم هذا البلد للبريطانيين أو المسلمين أو الروس أو أي شعب آخر، ها أنا أقولها لك. ليس من خصالنا أن نكون سادة نقرر مصيرنا. ها أنا أقولها لك".

وتأخر أيضا في طريق العودة. وتوجب على كليهما الوقوف وسط الزحام الشديد العائد إلى كيتور لما يزيد على ساعة، حتى شغر مقعدان متجاوران بقربهما. انزلق راتنا على مقعد النافذة وأشار للصبي ليجلس بجواره وقال مبتسما: "نحن محظوظان بالنظر لامتلاء الحافلة". وبرفق فصل يده عن يد الصبي. فهم الصبي أيضا. هز رأسه. وأخرج محفظته، وألقى في حضن راتنا خمس روبيات ورقية، الواحد بعد الآخر.

-"ما هذه؟".

-"قلت إنك تريد شيئا مقابل مساعدتي".

دس راتنا النقود الورقية في جيب قميص الصبي قائلا: "لا تأخذ موقفا الآن. حتى الآن أنا أساعدك، ولكن ماذا كسبت من ذلك؟. هذه معونة عامة خالصة من ناحيتي، تذكر ذلك. نحن لسنا أقارب: وليس بيننا رابطة دم".

لم يرد الولد.

فقال: "انظر!. لا يمكنني أن أرافقك وأنت تنتقل من طبيب إلى آخر. لدي بناتي للزواج. ولا أعلم من أين أجمع لهن الدوطات".

التفت الولد، ودفن وجهه في عظم ترقوة راتنا وانخرط بالنواح. لمست شفتاه ترقوة راتنا، فالتصق بها. حدق بهما الركاب، واحتار راتنا جدا ولم ينطق بحرف. استغرقا ساعة قبل أن تظهر في الأفق معالم الحصن الأسود. غادر الرجل والصبي الحافلة معا. شاهد راتنا وراء الحصن المضلع الأسود القبة البيضاء، وبلغ مسامعه سياط الكائنات المبتورة الأطراف وهي تنشد بأشواق محزنة. وضع لفافة في فمه، وضرب عود ثقاب وأخذ نفسا عميقا وقال للصبي: "هيا بنا. إنه مشوار طويل من هنا إلى بيتي".

***

..................

* أرافيند أديغا Aravind Adiga: كاتب هندي. يعمل بالصحافة في مومباي. حاز على البوكر عن روايته الأولى "النمر الأبيض". القصة مترجمة من كتابه "بين اغتيالين".

بقلم: كورت كلينغر - Kurt Klinger

1928 ـ 2003

ترجمة: قاسم طلاع

***

أنا أملك

أسرار الظل.

أحمل أثمارا

كبرت وصرت عجوزا.

ثم جاءت النار.

سمعت قصفا مدويا

سقط من السماء

أحرقت القرية،

آلاف من الرجال....

النساء.... والأطفال.

*

وقفت مثل راقص في مهرجان

عند دبابة محروقة

بين جثث متناثرة.

*

الأرض تصدعت .

جذوري تصرخ.

كل من يرفع الذراع

ويلمسني،

يقتل روح رماد أوراقي.

ثم جاء الجنود

وعلقوا خائنا بعد خائن

علي.

قطعوا الجثث.

*

اذهب.

ماذا تنتظر.

فأنت ترى كيف أعيش.

*

كلمة قيصر

أتيت، رأيت، انتصرت .

هل من الضرورة أن نكون هناك، كي ننتصر...؟

ارض هي ارض للجيوش.

ارض هي ارض للحرائق.

ارض هي ارض للعساكر.

ارض هي ارض للمجازر.

ارض هي ارض للحرائق.

وهنا أنتصر... هل من المفروض أن يبقى أيضا...؟

*

الحرب هي حرب للحكام.

الحرب هي حرب للجنود.

الحرب هي حرب ضد الأطفال.

الحرب هي حرب ضد النساء.

الحرب هي حرب بين البلدان.

الحرب.... هي الحرب للحكام.

*

لو كان قد رأى، هل كان من الممكن أن ينتصر...؟

*

موت هو موت للمنتصر.

موت هو موت للجنود.

موت هو الموت للشعوب.

موت هو موت لنا جميعا.

القتل هو قتل لكل حاكم.

تعال وأنظر، كيف انتصرت!

أتيت، رأيت، انتصرت.

***

.........................

* كورت كلينغر: كتب الشعر والنص المسرحي (دراما) إضافة إلى التمثيلية الإذاعية وكذلك الترجمة.

ولد كورت كلينغر في اليوم الحادي عشر من شهر تموز عام 1928 في مدينة لينز عاصمة مقاطعة النمسا العليا.

في عام 1953 بدأ الدراسة غي جامعة فيننا فرع المسرح، علوم اللغة الألمانية والفلسفة وحصل على شهادة " الدكتورات في الفلسفة ". عمل مسئولا في اختيار النصوص المسرحية (Dramaturg) منذ عام 1955 في مسارح مختلفة داخل وخارج النمسا (لينز، غراس، ديزلدورف، فرانكفورت (ألمانيا)، زيورخ (سويسرا) حتى عام 1978 بعدها تفرغ للعمل الأدبي واختير نائبا للجمعية النمساوية للأدب حتى عام 1993 وكان رئيس تحرير المجلة الشهرية " أدب ونقد " (1979 ـ 1991).

توفى كورت كلينغر في اليوم الثالث والعشرين من شهر نيسان عام 2003.

أول عمل أدبي صدر له كان ديوان شعر صدر عام 1951 " انسجام من الدم ". إلا أن شهرته بدأت عندما كتب تمثيلية (دراما) " أديسوس يجب أن يرحل ثانية " عام 1954، التي منح على ضوءها جائزة الدولة النمساوية. في عام 1956 صدر له ديوانه الثاني " ضيف على الأرض " وبعد ثلاثة سنوات من صدور هذا الديوان، صدر له الكتاب الثالث " خيط القدر " ويضم نصوص شعر ونثر ومسرح والجدير بالإشارة هنا فقد ترجمت له إلى اللغة الاسبانية بعض من دواوينه (الجدار، رؤوس الأسود، قفزة زمنية، السفينة العامرة).

* قام بترجمة النصوص المسرحية عن الفرنسية (مسرحية أربيلا التي نالت استحسان النقاد عند عرضها على المسـرح) والايطالية إضافة عن الانكليزية (بعض من مسرحيات شكسبير).

بقلم: جورج سفيري

ترجمة: جمعة عبد الله

***

بمناسبة مرور 52 عاماً على وفاة شاعر اليونان الكبير جورج سفيري (1900-1971).

الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1963

***

كان يوماً جميلاً في "سونيا"*

يبشر باطلالة الربيع مجدداً

بضع أوراق خضراء تزهر بين الصخور الصدئة

التربة الحمراء وشجيرات النبات الشوكي

تظهر ابرها الطويلة

وازهارها الصفراء

في الافق البعيد تظهر الاعمدة القديمة

والحان القيثارة تصدح باصدائها باستمرار

فجأة صمت

ما الذي يمكن أن يذكرني بـ"الارديايوس"**

وكلمة في أفلاطون ضائعة في الذاكرة، وفي أخاديد العقل

اسم الشجرة الصفراء

لم يتغير مع الزمن

في المساء انتشر الخبر المتقطع

يقول:

ربطوه من يديه

طرحوه أرضاً

سلخوه عارياً

مزقوه اربا اربا

رموه في الطريق كالخرقة البالية

***

...................

* سونيا: مدينة في ضواحي أثينا.

** الارديايوس: احد الحكام الطغاة يقال: حينما هبط الى العالم السفلي، دفع ثمن جرائمه.

They were shouting “Democracy – Freedom.” They were echoing the poet’s voice against the Junta. According to the Associated Press، the funeral of the poet Seferis marked the first opportunity for 250،000 Greeks to march and express their opposition to the Junta regime without fear. Following the fall of the Junta on July 22، 1974، and the restoration of democracy، all Junta officials were put on trial and received extremely severe sentences.

* مثل هذا اليوم: 22 - 9 - 1971. توفي الشاعر اليوناني جورج سفيري -Γιωργος Σεφερης) من مواقفه البطولية، وقف بصلابة ضد حكم العسكر في اليونان -1967 - 1974 / وحين سقط حكم العسكر، قدموا الى المحاكمة وحكم عليهم بالأحكام القاسية) في أشعاره وخطاباته الجماهيرية الثورية، التي تنادي بإسقاط الدكتاتورية، حضر في تشيع جنازته، جموع غفيرة كالبحر الهائج، يقدر عددهم حسب وكالة أسوشيتد برس، حوالي 250 الف يوناني. اهتفوا: الديموقراطية. الحرية.

بقلم: حنيف قريشي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

"دائما تحتاج القبلة إلى شخصين".

ر. ل. ستيفنسون "من: اعتذار للكسالى".

جاءت إليه في ساعة متأخرة من يوم الأربعاء، للجنس فقط، ولذلك انتظرت السيارة في الخارج. منذ أربع شهور مضت رشحها أحدهم له للعمل، ولكن لم يكن لديه عمل مناسب لها. حتى أنه لا يكسب أي أجر الآن. لم يتكلما كثيرا عن أي شيء، وامتد بينهما الصمت والذي مكنهما من تبادل النظر. ولم يرغب أي منهما بالانسحاب، وكان هناك شيء يتحرك بينهما، فقد وقفا معا، ثم تمددا بجانب الطاولة، بدون كلام. في نفس الوقت من الأسبوع القادم كانت أمام الباب. تعريا فورا. ثم غادرت، بدون أن تنام، ولكنه شعر أن النعاس غلبها قبل أن تقرر وتوقظ نفسها. تداركت نفسها بسرعة من غير أي اعتذار، وانصرفت ولم تنظر إلى الخلف. ولم يكن لديه فكرة أين تعيش، أو من أين جاءت. لكنها اليوم لم تأتي إلى البيت، وتوجهت مباشرة إلى القبو الذي لم يتمكن من تأثيثه، وهناك ألقى شراشف وأغطية على السجادة. ولم يشربا ولم يعزفا الموسيقا، وبالكاد كان الواحد منهما يرى الآخر. كان عرضا صامتا في هذه الغرفة، حيث كل شيء، كما يبدو، مسموح إلا الوضوح. فقد تزايدت ديونه في العمل. وما بقي عرضة للاقتطاع، ولا أحد غيره يعرف ذلك. كان يفقد قبضته القوية على الأشياء، وهل هذا يهم؟. لماذا يجب أن يكون قويا، مع أنه شيء حرج وحدي وممكن. وشعر في أحد الأيام على نحو مختلف، أنه لن يتمكن من استعادة شعوره الماضي. في معظم أوقات حياته، ولا سيما في المدرسة، كان ناجحا، أو على الطريق إلى مكان ما اسمه النجاح. ومثل معظم الناس كان يخاف من أن يصبح مكشوفا، غير أنه بعكس معظم الناس من المحتمل أنه كان كذلك. كانت لديه شقة صغيرة، وسيارة قديمة، ومشاعر متواضعة. وعانى من خسارات ثانوية. واليوم يفتقد للتحسن المعهود، أو للإحساس أن أحواله الجيدة تنمو على قدم وساق، إن لم تحقق له السعادة الكاملة، وهذا يقوده يوميا إلى مستقبل مزدهر وواضح. لكنه لم يتكهن بكل هذا الكم من العذاب العشوائي. وكان يأتي بأولاده من المدرسة في ثلاثة أيام من الأسبوع، يطعمهم، ثم يعود بهم إلى البيت، الذي أنفق عليه معظم نقوده، والذي حرمته زوجته الآن من دخوله. وفي يوم الجمعة يتناول وجبة منتصف اليوم مع صديقه الوحيد. بعد ذلك يذهبان إلى بار أسود تعجبه فيه الموسيقا. والرجال هناك في الغالب الأعم في أواسط ثلاثيناتهم، حياتهم عبارة عن ألغاز غامضة بنظره، ويبدو أنهم يجلسون ليلة بإثر ليلة من غير أي علامة تدل على السخط، وهم يقلبون نظرهم بالنساء وببعضهم البعض. وكان يحسدهم على هذا، ويتساءل إن كانت حيواتهم نقية وصافية من القلق، سواء وصلوا إلى حالة من الزهد والاستقرار، أو أنها حالة من اليأس العميق التي ينضجون بها. وفي يوم مجيء هذه المرأة يستحم لمدة ساعة. لكنه لا يتذكر اسمها، وهي لم تنطق اسمه. وتناديه كلما دعت الحاجة "يا رجل". وقريبا ستصل. وها هو يستلقي هناك يفكر بحظه البالغ الذي مكنه من توفير ترتيبات لا تكلف شيئا. قبل خمس سنوات، ترك الزوجة، التي لم يعرف كيف تزوجها، من أجل امرأة أخرى، والتي هجرته لاحقا بدون أي سبب. ومن يومها دخلت حياته أخريات. ولكن حالما تقتربن يتراجع، دون أن يستوعب السبب. لم تكن زوجته تتكلم. إذا ردت على الهاتف وسمعت صوته، تنادي الأولاد، هؤلاء الوسطاء الذين يكبرون بين أحقاد عاجزة عن التحرك. فهي امرأة ناجحة، ولكن وجدت في العام المنصرم، أنها عاجزة عن مغادرة سريرها. ولم تطلب المساعدة، وتوجب على الأولاد رعايتها. وكانوا يميلون للاعتقاد أنه هو من تسبب بذلك. وبدأ يعتقد أنه قادر على جر امرأة إلى الجنون، ولاحظ أن هذا الاعتقاد يدغدغ قلبه. والآن يمر بهذه الحالة غير المفهومة. في البداية يهاجم أحدهما الآخر بحماسة إنسان في وسط العمر، ثم يستلقيان في الظلام، حتى تلتهب الرغبة مجددا، وهو كل ما لديهما. ورأى أن يستغل الفرصة بقدر ما يستطيع. وبعد أن تنصرف يستمني، ويفكر بها فعلا، ويطبع كل شيء في ذهنه ليكون خيالها جاهزا: هي مستلقية على بطنها، وهو على ظهرها الشبيه بالزورق، رأسه مدفون دائما في شعرها الأسود. ويفكر بخصلات شعرها الأسود المحيط بفرجها، ويكون مبتلا بالعرق، ويشبه تسريحة أنيقة. وهو يتجول لاحقا في بيته شعر بالرضا وعدم الاكتفاء بوقت واحد، وكره نفسه لأنه لم يعرف لماذا شعر بذلك - قيده غموض ذهنه، وأربكته صعوبة فهم أسباب هذا السلوك البشري الغريب، ولماذا يمنع أحد هذين الطرفين المتناقضين المرء من تحقيق شيء لا يسعى إليه. لا شك أن ذلك يشكل شبكة من الأوهام، ولكن هل هو أحمق؟. عموما هو بحاجة لمزيد من الحماقة، وليس في أيام الأربعاء فقط؟. وعلى ما يبدو بدأ في الأسابيع التالية ينتابه شعور معين. وكان المكان الذي يستلقيان فيه تحت مستوى الشارع، وتقريبا تحت الأرض - جحر فأرة في العالم - وكانت تطلب منه أن يبدل وضعية استلقائه فيه. وأرادت أن يلمسها من مواضع أخرى في جسدها. وعلمته كيف يمكن لأحدهما أن ينسكب على الآخر. كان شيء استفزازي يحصل في هذه الغرفة، ويتكرر كل أسبوع. لم يعرف ما هو. مع أنه غير متأكد أنها ستأتي. وغير واثق أنها لن تخذله، كما أنه لم يثق بأي امرأة غيرها. كانت تفاجئه كل أسبوع، حتى تساءل ماذا يمكنه أن يوقفها عن ذلك. ثم حان يوم الأربعاء في إحدى المرات ولم تقف سيارة الأجرة. انتظر أمام النافذة بثوبه المنزلي وخفيه لثلاث ساعات، في الساعة الأولى شعر كأنه كازانوفا، في الثانية كأنه طفل بانتظار أمه، وفي الثالثة كأنه رجل كهل. هل هي مريضة، أم أنها برفقة زوجها؟. استلقى على الأرض حيث كانت تستلقي بالعادة، وهو محموم بالرغبة والاشتياق، حتى شعر لاحقا بشيء في الغرفة، مثل عمود معلق في الهواء، فجلس وصرخ على خياله. افترض أنه مخمور. بالنسبة له نقص السيئات يعتبر جريمة بحد ذاتها. أما أسباب ذلك فقد أشارت لها زوجته. ولم يمنعها هذا أن تحيا على نفقته. لبعض الوقت حاول أن يكون رجلا تستطيع أن تعتمد عليه. كان يبكي في كل مناسبة، ويستأنس بالحيوانات أينما وجدها. وحاول أن لا يرفع من صوته، ولكن بالنسبة لها كان "من المريح" أن يصبح شرسا. وسريعا أدرك أي شخصية يفترض أن يكونها.

لقد ضاع كلاهما. وكره أن يعود إلى البيت. واحتفظ بفمه مغلقا، خشية من النتائج. وهو ما جعلها تبحث بحنق عن طريقة لاستفزازه. ثم أقلقه أن شيئا ما حدث لهذه المرأة الجديدة، ولم تكن لديه طريقة ليعرفه. أي جرح أو يأس جعلها تريد هذا فقط؟. جاءت في الأسبوع التالي، ووقفت أمام الباب، معطفها مغلق، وتبتسم، وكانت في بواكير ثلاثيناتها، أصغر منه بحوالي خمس عشرة سنة. ربما لديها عشيق أو زوج، وربما كانت عاطلة عن العمل. أو لعلها تتوهم الحب، أو أنها ستتزوج في الأسبوع الآتي. ولكنها رقيقة. كيف خسر ما كان يفعله برفقتها. في الصباح التالي هبط إلى الأسفل، وشم رائحتها من الشراشف. اكتمل يومه بها، كائنا من تكون. ووجد نفسه يفكر بها دوما، متسائلا عن المزيج الغريب للنكران والتقارب الذي بينهما. إذا كان الجنس هو أسلوب تعارف ولقاء الناس، ماذا يعرف عنها؟. يمكنه أن يرسم شكلا خياليا لجسمها، كما هو حال الأيام المبكرة في العشق، حينما يمكن إسقاط أي حلم وأي رغبة على الشخص، حتى توقظك الحقيقة وتعيد ترتيبه. وأنت غير متأكد أنه جميل، كما لو أن كل شيء أدركته تأخذه من متعة التخيل الخالص والصافي. يمكن للشهوة أن تقدم لها المزيد من الرضا بالمقارنة مع الواقع. ولكنها بدأت تجعله يتساءل، وفي إحدى الليالي حينما لمسها، وشعر بها، أحبها أكثر من أي شيء آخر - إذا كان الحب هو فقدان الذات في الآخر، نعم، هذا يعني أنه يحبها - وبدأ يريد التأكد من الأفكار التي تتراكم يوميا بدون أي شكل مرئي. بعد العديد من السنوات في هذه الحياة، يمكن للثقافة العالية، واللغات المتخيلة، أن تنفعه، كالكتب والصحف التي قرأها، ولكن هل يمكن أنه قادر على الحب فقط مع رفيقة غريبة صامتة تشاركه غرفة معتمة؟. وها هو يرفض الآن فكرة الكلام، لأنه لا يستطيع تقبل المزيد من خيبات الأمل. لا يجب أن يفسد مساءاتهما المثالية أي شيء. أنت تطلب الجنس والوقت الطيب، وقد حصلت عليهما. غير أنه يأتي بالعادة مع الموهبة الطليقة - شيء مثلك، شخص من نوعك. ترتيباتهما على ما يبدو تتقدم، تقترب مما يرغب به الناس، الأفضل وبدون الأسوأ، وبلا شروط - وبالأخص حينما يفكر، كما يفعل باستمرار، بالروح التي ضيعها هو وزوجته، وقتلاها، وبالسنوات التي لجآ فيها إلى الانتقام القانوني والمالي. كان يفكر غالبا بالليلة التي غادر فيها.

 *

ساعدته المرأة التي يقابلها حاليا بقتل المخاوف، التي يحملها دائما، والتي تجعله يشعر أن ذاته الرومنسية مسحوقة. كان يشعر أنه خطير، غير أنه يريد أن يستيقظ ويشعر بالحب. بالنعومة. ويحلم أنه يفتح بابا، ليرى الشخص الذي يحبه واقفا خلفه. يمكن لهذا الحنين أن يتمكن منه في الحفلات، وفي المطاعم، وفي بيوت الأصدقاء وفي الشوارع. جلس قبالة امرأة في القطار. برفقتها يمكن استعادة الماضي. تبعها. عبرت الشارع. فعل مثلها. أوشكت أن تشعر بالخوف. قبض على ذراعها وصاح: "كلا. كلا. أنا لست من ذلك النوع". وأسرع بالجري. لم يكن يعرف كيف يتقرب من الآخرين، ولكن النفور منهم مرهق. الآن لا يريد الخروج، فمن هناك ليهتم به؟. ولكن وقته في البيت يفترس نفسه، وهو يقتات على وعيه الشخصي. ويتضور من الجوع للحب. خزي العزلة، شعور نتن. هناك القليل من المخلوقات التي نستهين بها أكثر من رجال بغريزة قوية وهم في أواسط العمر، والغريزة تجدد نفسها يوميا، وتعود مثل مرض متكرر، وتصرخ: نريد المزيد من الحياة، المزيد منها. في الليل يجلس في العلية وينظر في علبة رسائل قديمة كتبتها له النساء. وفيها الكثير من وصف السهوب. تجلس النساء في المقاهي وتشرب القهوة الجيدة، تأكلن الدراق على الشرفة، وتراقبن الثلج. وتسمو الأحاسيس على مدار اليوم. يريد أن يكون جاهزا للتوبيخ. من السهل أن تتصور أن "التأنيب" و"العقوبات" تأتي بالرضا العميق. ولكن ماذا يرضيه؟. كما لو أن مسننات حياته انفصلت عن الآلية التي تدفعه إلى الأمام. حينما يرى ما يعذب الناس الآخرين، لا يمكنه فهم عدم معرفتهم أنه لا يوجد شيء يستحق الرغبة. أراد العودة إلى الحالة العادية وبعيون جديدة. وأراد أن يلعب لعبة جديدة: أن يضع قائمة بما لاحظه اليوم، وأن يضيف إليها رغباته، وأسباب ندمه، ورضاه، إن وجدت. وهكذا لا تمر حياتك قبل أن تلاحظها. ولكنه في أيام الأربعاء كان يطلب ويحتاج للمدهش والفائق. استلقى على جانبه بقربها، الفمان مفتوحان، وساقاها تلتفان حوله. وكلما دعت الضرورة يتقلبان للمحافظة على مستوى الدفء الوثير. يمكنه فقط تحديد مزاجها من خلال أسلوبها في ممارسة الحب. أحيانا تقبض عليه وحسب. أو أنها تتمدد، وتقدم له رقبتها وحنجرتها ليقبلهما. فتح عينيه وشاهدها تراقبه. مر وقت طويل منذ أن نظر إليه شخص بمثل هذا الانتباه. وتضاعف أمله بشعوره الجديد: الفضول. كان يفكر أن يشهر علاقتهما في العالم. أراد أن يرى الآخرين وهم يشاهدونها، وأن يراه الآخرون وهما معا، على سبيل التأكيد. هناك الكثير من الحب الذي يمكن أن يتكلم معه. لعدة أسابيع قرر أن يتكلم خلال ممارسة الحب، وفي كل مرة يخبر نفسه أنه في هذه المرة ستخرج الكلمات. "علينا أن نتكلم"، جملة حضرها، وحولها لتصبح "هل تريدين الكلام؟" ثم لخصها بكلمة "نتكلم؟". على كل حال أسعد هذه المرأة وبوضوح امتناعه عن الكلام. من غيرها بوسعه أن يسعده بهذا الأسلوب؟. هل سيخرب الوضوح تفاهمهما، وهل لديهما مفردات بديلة للعناق؟. خرجت الكلمات مشوهة، ولكن من يستطيع أن يشوه قبلة؟. كان يجب أن يتخيل باستمرار ضرورة اتخاذ خطوة عملية، والتفكير بشيء ما عليه أن يحصل، فالصداقة، كالقطارات، يجب أن تقصد مكانا ما. وبدأ يفكر أن ما يجري في هذه الغرفة عبارة عن أمنية مجردة. نسيان ما يحبه في العالم، والتفكير بالوجود كشيء ثانوي، جعلها أنملة بعد أنملة، تذكره بشيء يستحق الحياة. وعلى ما يبدو أنه في كل حياته يبحث عن الجنس. وهو غير متأكد لماذا، ولكنه خمن أنه من المهم أن يريد ذلك. والآن بعد أن حصل على ذلك، لا يبدو أنه يكفي. ولكن ما أهمية ذلك؟. وما دامت هناك رغبة يوجد نبضات قلب، أنت حي، أن تريد يعني أن تتجاوز نفسك، وتدخل في العالم، أنملة بعد أنملة.

***

..................

* حنيف قريشي Hanif Kureishi: كاتب بريطاني من أصول باكستانية. من أهم أعماله رواية "بوذا الضواحي".

 

شمشون يتنبأ من غزة بحريق فيلادلفيا

بقلم: لوسيل كليفتن

مهداة الى رامونا أفريقيا، احدى الناجيتين

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

سيكون الأمر شعرُك يا رامونا افريقيا

سيأتون من اجلك

سيأتون لك بحريق

سيفرغون عينيك من كل شي تحبينه

سيتجعد شعرك ويهسهس فوق كتفك

سيأمرونك بالتخلي عن الأمر

ان فعلت فسوف تهدمين المعبد

وان لم تفعلي فسيهدمونه هم

***

....................

* لوسيل كليفتن (1936-2010) شاعرة أميركية من مواليد مدينة نيويورك. يتميز شعرها باحتفائه بالتراث الأميركي الأفريقي، وبتناول قضايا المرأة وحقوقها ومساواتها مع التركيز على الجسد الأنثوي. نشرت أول مجموعة شعرية لها بعنوان (زمن حسن) عام 1969 أدرجتها صحيفة نيويورك تايمز ضمن قائمها لأفضل عشرة كتب لذلك العام. نشرت بعد ذلك مجموعتها الثانية بعنوان (أخبار جيدة عن الأرض) عام 1972 ثم (امرأة عادية) في 1974 توالت بعدها مجاميعها الشعرية التي كان آخرها بعنوان (أصوات) عام 2008، فضلا عن تأليفها مجموعات قصصية عديدة وكتبا في أدب الأطفال. حازت كليفتن على جوائز عديدة ورشحت مرتين لنيل جائزة البوليتزر. كتبت الشاعرة هذه القصيدة إثر الحادثة المأساوية التي وقعت في 13 مايو 1985، حين اسقطت شرطة مدينة فيلادلفيا قنبلة من طائرة مروحية على منزل تعتصم فيه جماعة راديكالية أفرو-أمريكية تُدعى- MOVE- تنادي بالعودة إلى الطبيعة ونبذ التكنولوجيا وتميز أعضاؤها بشعرهم المضفور على طريقة الأميركيين السود، مما أدى إلى مقتل 11 شخصاً وتدمير حي كامل. كان اسم احدى الناجيتين من الحريق "رامونا افريقيا."

قصة: فلامينيا أوكامبو

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

من المؤكد أن فرانك سوليني قد لاحظها فور دخولها الغرفة. كانت شقراء، ممتلئة الجسم، وطويلة القامة، وتتمتع بذلك النوع من الجمال الذي يفرض الإغواء. اعتقد أن هناك شيئاً غريباً وغير مريح فيها. فمن المستحيل أن يشعر أي كائن بشري بالراحة وهو يرتدي تلك الملابس الضيقة. كانت تتجول في الحفل وهي تحمل شرابها وكأنها ستتركه يسقط في أي لحظة لتعَبها من إمساكه. وربما كان هذا بسبب حذائها ذي الكعب العالي. ومع ذلك، كانت تمشي باستقامة شديدة، مثل راقصة أو امرأة تمارس التمارين الرياضية بكثرة؛ أو ببساطة مثل تلك النساء اللواتي، يتعرين أمام المرآة، يقلن لأنفسهن: "أوه، لدي ثديان جميلان."

حين قُدّمت إيزابيل ديفوازين إليه، وبقدر ما لاحظ لكنتها الفرنسية وهي تقول "سررت بلقائك"، أدرك تلك الحالة الخاصة بالأشخاص ضعاف البصر ممن لا يرتدون نظارات أو عدسات لاصقة، وكأنها في حالة ضياع دائم.

لم يكن فرانك سوليني يحب النساء الفرنسيات قط. فقد وجد أنهن مهتمات بمظهرهن أكثر من اللازم، ويحاولن الظهور بمظهر غير المباليات. كما أنهن عصبيات للغاية، مع الإصرار على عدم الاعتراف بذلك. بالطبع، لم يلتقِ بالكثير منهن لدرجة تمنح ملاحظاته صفة التعميم، لكن اللواتي التقى بهن كن يشتركن في تلك السمات.

في المرآة التي كانت أمامه مباشرة، استعاد طمأنينته بصورته الخاصة. كان رجلاً وسيماً، سمساراً ناجحاً، وعزباً مرغوباً، ويستحق جائزة من ذوي الستة أرقام، ممن يحبون حصد نتائج عالية في العلاقات العاطفية القصيرة والمكثفة. كانت النساء الواقعات في الحب مثيرات دائماً عندما كنّ ما زلن يرغبن في الإرضاء دون إشعار الرجال بالذنب. لماذا كان ينظر إلى إيزابيل ديفوازين بهذا القدر الشديد من التركيز؟ لقد كان يتجنب عادة التواصل البصري مع النساء اللواتي لا يعنيهن. لقد كانت أكبر سناً من ذوقه. وفي غضون ذلك، كانت تنظر حولها كما ينظر الناس في الحفلات، بحثاً عن المتعة التي تتجنبهم. وفجأة، غمزت له. ولكن ما إن حدث ذلك حتى بدأ يشك فوراً فيما إذا كان قد حدث بالفعل. ربما كانت تعاني من تشنج عصبي، فغمزت دون أن تعتذر. والأرجح أنها لم تغمز له؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك، لكانت قد انتظرت ردة فعله.

كان يتحدث إلى أحد معارفه المهتمين إلى حد ما عن حقيقة أن جميع النزاعات الكامنة محكوم عليها بالانفجار، ونسي إيزابيل ديفوازين، ولأنه نسيها للتو، عادت وأمسكت بذراعه، وقالت، "شيري، دعنا نذهب إلى المنزل".

دون أن ينطق بكلمة واحدة، ودون أي رغبة في قول أي كلمة، تبعها. لم يكن لِيُغويها، لكنها إن كانت هي المُغوية، فهو جاهزو مستعد.

استوقفت سيارة أجرة، وأعطت السائق عنوانها، وشرعت تتحدث بلا توقف وكأنها زوجته. استغرق منه الأمر بعض الوقت ليدرك ذلك، لكنها نادته بيتر، وسألته عن الوقت الذي أخبرت فيه مربية الأطفال أنهما سيعودان فيه، وعما إذا كان يحمل المفاتيح. نظر إليها عاجزاً عن النطق بكلمة واحدة. فكر: ماذا لو كانت هذه المرأة مجنونة؟

قالت: "كان هناك هذا الرجل الوسيم للغاية، سمسار، وأنا لا أطيق السماسرة، لقد كان مَملاً بحق. أنت تعرف ذلك النوع الذي يجعل الفتيات يفقدن صوابهن لدرجة أنهن بحاجة إلى إرشادات للمواعدة، خوفاً منهن على أخطائهن الخاصة. يا له من أمر فظيع! قبل مواعدة رجل كهذا، أُفضل أن أترهبن."

ثم بدأت تتحدث عن أشخاص آخرين في الحفل، ولكن بطريقة مليئة بالنميمة تكفي لإحراج أي شخص يحاول ترك انطباع جيد لدى الغرباء. على سبيل المثال، الكاتب الذي كان يُغوي السمراء ذات العينين الحادتين، بينما كانت زوجته الحامل تحدق فى ظهره.

في موعد غرامي أول، كان سيجد إيزابيل ديفوازين لا تطاق، لكنه بدا كمن تعرض للتنويم المغناطيسي جراء هذا الوضع الغريب: امرأة تأخذه إلى منزلها دون أن ينطق بكلمة واحدة وكأنها زوجته منذ سنوات عديدة. شيء واحد هو أن تأخذ السترة الخطأ، لكن الأمر مختلف تماماً أن تأخذ الزوج الخطأ. كما راح يتساءل من عسى يكون ذلك السمسار الوسيم ؟ أكان هو ذلك السمسار؟ لقد جعلته غرابة كافة الأسئلة المتزاحمة في عقله يقرر تجنب الكلام. ومن سيلتزم الصمت ويراقب الأمور وهي تتكشف.

قالت: "إذن لقد قررت أن تكون الرجل الصامت؛ لا أعرف لماذا، فلم يحدث بيننا أي شجار. متى كانت المرة الأخيرة التي صمت فيها، وكم استمر ذلك الصمت؟"

توقفت عن الكلام كما لو كان دورها أن تصمت، وربتت على يده بلطف ونظرت من النافذة. هنا كان يلعب دور الزوج، وهو رجل في الثلاثينيات من عمره لم يواعد أي امرأة أبدًا لأكثر من ستة أشهر لأنه كان خائفًا من معرفتها جيدًا، أو خوفًا من فقدان الحرية لأعادة اكتشاف نفسه .

قالت، وهي تلتفت إليه فجأة، "لقد لاحظت أنك تنظر إلي بعينين شهوانيتين، هل هذا يعني ..."

وقامت بحركة بيدها بما يعني الإيلاج الجنسي. لم يرد. . كان يخشى أن يكسر صوته ذلك السحر. لم يستطع فرانك سوليني تصديق حظه. كان على وشك ممارسة الجنس مع امرأة دون الحاجة حتى لمخاطبتها، ودون الخوض في كل تلك الأوضاع والأكاذيب الخاصة بالإغواء، ودون إعطاء أو طلب أي شيء في المقابل، وأفضل ما في الأمر كله: من دون تبعات لاحقة. وما إن يفي الزوج المزيف بواجباته الزوجية، حتى يغادر دون حتى توديع بـ "ليلة سعيدة" وكأنه ذاهب لتنظيف أسنان بالفرشاة.

قربت شفتيها من شفتيه استعداداً لتقبيله، لكنها غيرت رأيها في اللحظة الأخيرة لاهتمامها بأفكار ملحة أخرى، وبدأت تنظر من النافذة مرة أخرى.

وفي المصعد، وبينما كانت تتأمل حقيبة لوي فيتون الخاصة بها، علقت متثائبة: "حين أنظر إليها، أشعر بملل شديد لدرجة تجعلني أرغب في النوم أو الإصابة بنزلة برد." وما إن دخلت منزلها حتى ركلت حذائها بعيداً، وتذمرت من تلك الملابس الضيقة التي أجبرتها على التصرف مثل أختها التوأم، وشرعت في خلع ملابسها بنفس الطريقة الخالية من الجنس التي رأى نساء أُخريات يخلعن بهن ملابسهن بعد ممارسة الحب.

ما كان لأي زوج أن يدخل منزله وينظر إليه وكأنه يراه للمرة الأولى. أو أن ينظر لزوجته بالطريقة نفسها وللمرة الأولى.

ثم ظهرت فتاة صغيرة وجميلة للغاية، جليسة الأطفال، قالت إنها في عجلة من أمرها وغادرت دون حتى أن تنظر إليهما، ربما شعوراً بالحرج لضبطها إيزابيل ديفوازين وهي تخلع ملابسها. وحين مرت بالقرب منه، نظرت إليه بحيرة طفيفة، لكنها ليست كبيرة، تلك الحيرة المعتادة عند رؤية رجل حلق شعره محولاً إياه من طويل إلى قصير.

وحين غادرت الفتاة، سألته إيزابيل ديفوازين، وهي ترتدي ملابس داخلية سوداء اللون الآن، بصوت متفاجئ:

"لماذا تنظر إليّ هكذا؟ ألم ترَ ثدييّ من قبل؟"

وعند ذلك أنزلت حمالة صدرها وهي تضحك لتعرضهما عليه. بالتأكيد أنه قد رأى ثديين أصغر سناً وأجمل منها.

مشت في ملابسها الداخلية، واختفت خلف الباب. كان من المستحيل على فرانك سوليني ألا يقارن مستوى العلاقة التي حققها خلال مواعدته التي استمرت ستة أشهر مع العلاقة المألوفة والودية والحميمة التي أقامها مع شخص غريب تمامًا. هل فهم ما يعنيه ذلك؟ كم سنة كان ينام مع زوجته؟ في هذه الأثناء، كان يفتح الأبواب، يبحث عن الخزانة، أو الحمام، أو الغرفة التي يمكن أن يجد فيها البيجامة . والمثير للدهشة أنه تجنب أيضًا النظر عن كثب إلى الأشياء، خوفًا من اكتشاف أنه كان أكثر رهابًا من الحميمية مما كان يعتقد. لماذا بدلاً من البحث عن البيجامات، لم يقل لها، "اسمعي، هناك سوء فهم رهيب هناك. أنت تعتقدين أنني زوجك ولكني لست كذلك. إذا لعبت الدور لفترة، فهذا لأنني أحببت فكرة النوم معك، لكنها الآن تذهب بعيدًا بعض الشيء، ألا تعتقدين ذلك؟ " لكن بدلاً من قول ذلك، ظل يبحث عن بيجاما. ثم خطر بباله أن الزوج ربما كان معتاداً على النوم بالتى شيرت . لقد أثارته فكرة تقمص هذا الدور، ورعبه في الوقت ذاته الوهم الذي يمثله. على الرغم من نجاحه وكل شيء، كان رجلاً مهذباً. وفي مكان ما، داخل قانون محفور على حجر خفي، كان يعلم أن ما يفعله يمثل خداعاً لا يُقارن. لكن الأوان قد فات بالفعل: لقد كان يرغب بها، ومثل الكثيرين ممن يرتكبون المعاصي بلا ندم - على الأقل أثناء ارتكابهم لها - فقد طرح جانباً سبل التفكير السليم.

رأى على مكتب رسائل بريدية موجهة إلى بيتر أوكونور. ولهذا السبب ظلت إيزابيل تتحدث بالإنجليزية. لم يكن هناك أي سيد ديفوازين، وهو، فرانك سوليني، كان يبحث عن بيجاما بيتر أوكونور. لكنه وجد عوضاً عن ذلك غرفتهما "المشتركة"، وفكر في أنه لليلة واحدة، يمكنه النوم ببنطال نوم قصير (بوكسر). ثم تساءل عن نوع السراويل الداخلية القصيرة التي يرتديها بيتر أوكونور، أم لعله يرتدي سراويل داخلية ضيقة (سليب) كالرجال الراغبين في أن تكون خصاهم محتواة ومضغوطة. من الأفضل الانتظار عارياً بهيئة زوج مستعد للغرق في النوم، ولكن على أي جانب من السرير؟ الأيسر، أم الأيمن؟ لقد قرأ في مكان ما أن الرجال عادة ما ينامون على الجانب الأقرب لباب الخروج.

لكى يكون فى أمان، أطفأ الأنوار. غطى نفسه بالملاءة، شعر بالارتياح من رائحتها النظيفة. كانت الشقة فوضوية بعض الشيء، وكان مسروراً لعدم عثوره على ملابس داخلية متسخة أو واقي ذكري مستعمل متدلٍ من نبتة منزلية داخلية. لقد أصبح الآن أبًا وليس لديه أي فكرة عما يبدو عليه أطفاله، أو كم ربما كان لديه منهم. دخلت إيزابيل إلى الغرفة، عارية هي الأخرى، لكنه لم يستطع رؤيتها تحت ضوء الممر لأنها أطفأته.

كانت بالفعل إلى جانبه، وجسدها الدافئ والأملس قريب منه، ضاغطة بساقها اليسرى فوق ساقه، وبذراعها اليسرى فوق جذعه، وحين استمتع، ويا لمفاجأته، بهذا التلامس أكثر مما ينبغي، انتابته صورة نافرة تكاد تكون مقرفة لبشرتين، لجسدين يذوبان في بعضهما البعض. ماذا لو عجز فجأة عن الاستجابة لما تتوقعه من زوجها؟ ألن يثير ذلك أزمة زوجية تبقيهما طوال الليل يتحدثان بلا انقطاع؟ تخيلها وهي تتكلم بلا سيطرة وتبكي، بينما يؤدي هو دور الأبكم، منتظراً، ومأمولاً، ومخادعاً.

قالت بنبرة مرحة: "كما تعلم، عليك الرد على رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بعاشقي السيبراني. إنه يتلقى لسانى داخل فمه، ويمرر يديه على فخذي، ولا أعلم حتى ماذا بعد. سيتعين علينا وضع حد لذلك. لقد أجبت اليوم عن بعض الأشياء العاطفية الابتذالية باللغة الفرنسية، ولكن من فضلك، إنها لعبتك وليست لعبتي، لذا أجب عنه، أجب بأن زوجك اكتشف رسائلك الإلكترونية وسيتعين عليك مقاطعتها. لا أريد إيذاء أحد. أحياناً أشعر بالذنب حتى. أنائم أنت؟"

ودون انتظار إجابته، بدأت تقبل عنقه، ويا لها من تقبيلات مثيرة، هادئة وشرهة في آن واحد. لم يستطع التركيز جيداً، حتى وإن كان يستمتع بها. أكان هو، فرانك سوليني، في فراش زوج يتظاهر بأنه امرأة على الإنترنت؟ لماذا لم تصعقها هذه الفكرة؟ لكن لم يلبث أن تراءى له أنه إن لم يكن تلامس جلده وتلك القبلات في كل أنحاء جسده قد أيقظت شكوكها - ألا تستطيع تمييز جذع آخر، وفخذين أخريين - فإن مُداعبة أعضائه التناسلية ستُعطيها الدليل القاطع على أنه ليس زوجها.

قالت: "حسنًا، ما الذي سنلعبه الليلة؟"، ودون انتظار إجابته، أردفت: "ما رأيك ببعض انحرافات السادو ميزو (السادية والمازوخية)؟ من يفعل ماذا اليوم؟ إن لم يكن لديك مانع، فأنا في مزاج مازوخي." لقد كانت هذه امرأة لا تكن الكثير من الاحترام للانحرافات الجنسية. "كيف ستبدأ؟ كما يقول الفرنسيين: صفعة احتياطًا'." حسنًا، يبدو أن الأمر لا يثير أي اهتمام لديك." ثم قررت أنه ربما لم يكن في مزاج سادي، بل في مزاج مازوخي. قالت: "ليس الأمر أنني تخليت عن ممارسة الحب بحب، وأننا ما نحن عليه وما سنكون عليه، ولكن عندما تكون صامتًا، فأنت لست في مزاج محب." ثم مصت أحد أصابعها ثم الآخر، وأصدرت أصواتًا عالية بفمها، ومن خلال الظلال تخيل الرغبة في عينيها. الرغبة التي لم يستطع رؤيتها لأنه كان مستلقيًا على بطنه كما أمرته. كان فرجها، من بين جميع الأماكن، مستقرًا على الجزء الخلفي من ركبتيه. لم تبدأ أي امرأة قط ممارسة الحب معه بهذه الطريقة. راودته رغبة في القول: "مهلاً، أنا مصاب بالبواسير"، ولكن فقط على سبيل المزاح، لكسر الجليد بين الغرباء، لأن الحقيقة هي أن شعور الترقب، ومهما بدا غير قابل للتفسير بالنسبة له، كان ممتعاً بالفعل. لكنها تخلت بعد ذلك عن الوضع الذي اتخذته وجعلته ينقلب مرة أخرى، ليرقد على ظهوره الآن.

" لا، آسفة، لستُ في مزاجٍ مناسب. في النهاية، نحن آباء عاديون، نحضر اجتماعات أولياء الأمور ونجري نقاشات أخلاقية حول الصواب والخطأ. بالطبع، إذا توسّلتَ إليّ قليلاً..."

كان له أن يتوسل إليها، يترجاها أن تفعل بجسده أي نزوة تخطر بباله، لكنه كان خائفاً للغاية من سماع صوته. فضلاً عن ذلك، لم يمنح أي امرأة من قبل خيال امتلاك جسده.

"إذن لا تتوسل. أرجوك، توقف عن لعبة الصمت. أنت تعلم أنني أكرهها. حسنًا، لنمارس الجنس"

أبعدت جسدها عنه، متى سيتبادلان القبلة الأولى؟   والآن لم يتلامس سوى أعضائهما التناسلية، أما بقية جسديهما فكانت تشكل حرف V. حرف V رمز النصر، كما فكر، حرف V رمز الشراسة. وبينما كان يشق طريقه داخلها، في تلك الوضعية الغريبة التي لم يجربها من قبل، دون أي تلامس سوى تلامس أعضائهما التناسلية، انفتح الباب، وسمع صوت صبي صغير يغني: "ارقص قليلاً، مارس الحب قليلاً، انزل الليلة، انزل الليلة..."

على الفور، وإن كان لا يزال داخلها، أصبحت إيزابيل ديفوازين أمًا حنونة. غطت جسديها في الوقت المناسب، لكنها الآن، بنبرة أمومية رقيقة، قالت:

"حبيبي، ارجع إلى سريركِ، نحن نتحدث فقط هنا."

"لا أستطيع النوم. راودني كابوس سيء. حلمت أن أبي لم يكن هنا."

"أنت تراه، ها هو ذا."

وحینها دون أي ندم، وكأن شيئاً لم يحدث البتة بينهما في الساعة الماضية، سمحت إيزابيل ديفوازين، وبشكل يكاد يكون متعجلاً، لجنسه الشره أن يرحل وحيداً وميئوساً منه في سرير غريب. أخذت قميص نومها من تحت الوسادة، ومن الوسادة الأخرى أخذت بيجامة زوجها، وأعطته إياها، ودفعت جسده تقريبًا إلى الجانب الآخر من السرير لتفسح لابنها الحبيب مكانًا، وقالت بهدوء:

"تعال حبيبي، حالما تغفو سآخذك إلى سريرك"

ودون أي اعتبار لانتصاب والده، قفز الحبيب إلى السرير واستقر بينهما.

"تصبح على خير يا حبيبي، ما زال أمامنا غدٌ"

كانت تلك آخر كلمات إيزابيل ديفوازين لزوجها قبل أن تغط هي وابنها في النوم. للحظة، تساءل أين الزوج الحقيقي، وتساءل إن كان مثل هذا الزوج موجودًا أصلًا، أم أن كل شيء كان من نسج خيال إيزابيل ديفوازين المريض. قبل أن ينهض من فراشه، تخيّل، بعاطفته الجياشة، مدى قوة قبلتهما الأولى لو حدثت. تمنى لو كان معها مجددًا، وأن يمارس معها الحب كما كان يفعل فرانك سوليني، لا كما كان يفعل بيتر أوكونور. لقد أزعجه الحدس غير المعتاد بأنها لن تحب ذلك. ثم نظر إلى الأم وابنها بحنو يكاد يكون رقيقاً، لكن سرعان ما قمع ذلك الشعور. كان الحنان هو الفخ.

(انتهت)

***

.....................

الكاتبة: فلامينيا أوكامبو/ Flaminia Ocampo: تكمل دراسة الماجستير في الفنون الجميلة في الكتابة الإبداعية في المدرسة الجديدة. وهي تعيش في مدينة نيويورك. (هذه كل المعلومات عن الكاتبة)

قصة: مارك مازر

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

في الصباح، كما لو كان اتفاقًا غير مقصود، تظاهرنا بأنني لم أدفع يوجين عن سريري حين أيقظني بقبلة فرنسية أثناء الليل، وما إن اغتسلنا وارتدينا ملابسنا (ولحسن الحظ، لم يبدُ أنه يتفحّصني بنظراته) حتى نزلنا بصخبٍ على الدرج إلى قاعة الإفطار في الفندق.

لقد اكتشفت على الفور فتاة ذات شعر أشقر طويل وأنف صغير ونظارات سميكة مؤطرة بصدف السلحفاة تجلس بمفردها تحتسي القهوة وتقرأ صحيفة هيرالد تريبيون الدولية. باستثناء لباسها القطني البسيط، بدت وكأنها طالبة جامعية أمريكية نموذجية. تبادلنا نحن الثلاثة النظرات لكننا لم نتحدث، وبمجرد أن بدأنا أنا ويوجين تناول الطعام، أخذت جريدتها وغادرت المكان.

عدم ذكر "حادثة" الليلة السابقة جعل من الصعب على أنا ويوجين أن نجد أي موضوع نتحدث عنه، وشعرت بالارتياح عندما مسح شعره "الأفرو" الشاهق،، وقال إنه سيقابلني لاحقًا وذهب للبحث عن محل للحلاقة.

بعد الانتهاء من قهوتي عدت إلى غرفتنا وبدأت فى قراءة رواية الحرب والسلام. ولكن بعد أربعة أيام فقط من المذاكرة المكثفة للامتحانات النهائية، كنتُ أشعر بضيق شديد من القراءة، فخرجتُ في نزهة. رأيتُ صحيفة "إنترناشونال هيرالد تريبيون" في كشك بيع الصحف، فاشتريتُ نسخة، وجلستُ على مقعد في الحديقة، وقرأتُ آخر الأخبار عن إسرائيل وفيتنام. وتابعتُ أخبار فريق "ريد سوكس" الذي - ويا لسوء حظي أنني كنتُ أتجول في أوروبا لمدة ثلاثة أشهر - كان ينافس بقوة على لقب الدوري عام 1967. فجأةً سمعتُ صوتًا بلكنة من الغرب الأوسط يقول "معذرةً". رفعتُ رأسي وتعرفتُ على الشقراء ذات الأنف الصغير. قالت:

- آسفة على إزعاجك، لكنني لاحظتك أثناء الإفطار ويمكنني أن أقول إنك أمريكية.

رفعتُ حاجبيّ وكأنني أقول: ومن أنتِ لتتكلمي؟ ثم دعوتها للجلوس. شرعت في شرح كيف كانت في الجامعة الأمريكية في بيروت تُنهي سنتها الدراسية الثالثة في الخارج عندما بدأ القتال بين إسرائيل والعرب، وكيف أن إدارة الجامعة، خوفًا من قصف الإسرائيليين للبنان، منحتها خمس دقائق فقط لحزم أمتعتها قبل أن تُركبها على متن أول رحلة متاحة للمغادرة... كانت قد أمضت في أمستردام أقل من اثنتي عشرة ساعة..

قلت:

- مرعب، متى ستذهبين إلى الوطن؟

- نهاية أغسطس.

- أليس قبل ذلك؟

- سيأتى صديقي من الولايات المتحدة في يوليو. كنا نخطط منذ البداية لزيارة أوروبا معًا ثم العودة إلى الوطن لقضاء سنتنا الدراسية الأخيرة.

- يبدو أن الأسوأ قد انتهى. وقريباً جداً سيكون لبنان ذكرى بعيدة.

قالت:

- أبداً! الشرق الأوسط جزء مني الآن. إنها السرعة التي حدث بها كل شيء، لم أودعه، وقد تركت كل أشيائي ورائي - لكن دعينا من ذلك الآن... أخبريني، من أين أنت؟

- بوسطن... لقد أنهيت للتو عامي الأول في جامعة هارفارد. أو بالأحرى، عامي الأول في هارفارد هو الذي أنهى حياتي..

- هل رسبت؟

- لا أعرف بعد، لكنني أشك في ذلك. إلا إذا ارتكبت خطأً فادحًا، فستحصلين على تقدير مقبول... من أين أنت؟

- أثينا، أوهايو.

- إلى أي مدرسة كنت تذهبين؟

- أوهايو ويسليان .

- مدرس المدرسة الثانوية المفضل لدي ذهب إلى هناك.

- حسنًا، هذا مطمئن.

- لماذا؟

- دوج وأنا سنتزوج بعد التخرج. ثم سأعمل في التدريس وأساعده في إكمال دراسته في كلية الطب.

- ما اسمك؟

- بيكي. واسمك؟

- بول.

- اسم مسيحي جميل.

قلت:

- ليس بالضبط مهلًا، هل لديكِ أي خطط لليوم؟

- ليس حقًا. أظن أنني سأتجول فقط. لدي جولة تسوق لشراء الملابس.

- هل من شركة معينة؟

قالت:

- بالتأكيد، لكن ماذا عن صديقك؟

- يوجين ذهب لحلاقة شعره. ومع حجم شعره الأفريقى، سيستغرق الأمر وقتًا طويلاً.

ضحكت:

- إنه شيء ضخم، لكنه أحد أفضل الزنوج الذين رأيتهم على الإطلاق.

قلت:

- لم أنظر إليه حقًا بهذه الطريقة.

تجولنا في أنحاء الحديقة وأعجبنا بمشاتل الزهور، ثم نزلنا إلى الشوارع نتأمل المباني القديمة الضيقة والجسور والمراكب على القنوات.

- هل يذهب يوجين إلى هارفارد أيضًا؟

- هناك التقينا- في اختبارات أداء كرة السلة.

- كرة السلة! رفاقك ضخام القامة ولكنك لست طويلة القامة.

- لاحظى أنني قلت" الاختبارات ". لقد تم استبعاده؛ أما أنا فقد انضممتُ للفريق... بصعوبة بالغة. ولديّ مؤخرة مليئة بالشظايا كدليل على ذلك

- لا بد أن يكون هذا مضحكا.

قلت، مشيرة إلى الواقي الذكري المستعمل الذي يطفو فوق الماء:

- أجل، إنه مثل ذلك تقريبًا.

- لن ترى ذلك في بيروت أبدًا. الحياة هناك أكثر تزمتًا.

- حقًا؟

- نعم، مثل رفيقتي في السكن لم تسمع حتى عن العادة السرية.

حاولتُ التظاهر بالهدوء، لكنني في الحقيقة كنتُ مندهشًة. لم أسمع أبدًا تلك الكلمة على لسان رجل، ما بالك بالأنثى، وحقيقة أنها استخدمتها بطريقة جعلتني أعتقد أن بيكي الصغيرة النحيفة منحلة وربما شبقة للغاية.

سألت:

- هل لي أن أدعوكِ لتناول الغداء؟

- دفع الحساب على الطريقة الهولندية؟

ضحكت:

- لا، في الحقيقة على الطريقة اليهودية.

وجدنا مقهى كان عبارة عن بار أكثر منه مطعم. كنت أرغب في البحث عن شيء أجمل، لكنها أصرت على أنه جيد بما فيه الكفاية، وأنها لا تريدني أن أنفق ثروة. طلبت (شىء مخصوص)، الذي اتضح أنه لحم بقري نيء مفروم. لقد شعرت بالرضا وأردت إعادتها، لكنها قالت إنها كانت شريحة لحم مقطرة وجربتها. لم أستطع تحمل مشاهدتها وهي تأكل، لذلك استمرت بالطبع في إغاظتي، متظاهرة أن اللحم كان ألذ شيء تضعه في فمها على الإطلاق.

طلبت (يوسماجتر)، وعلى الرغم من أنني جعلت بيكي تضحك من الطريقة التي لفظت بها الكلمة، لم أكن مغرمة بلحم الخنزير،ودفعته جانبًا ولم أتناول سوى الخبز والبيض المقلي.

على أمل إنقاذ وجبتنا طلبت كوبين من الشوكولاتة الساخنة. كانت المشروبات لذيذة - ساخنة ودسمة وحلوة - وكان من الجيد رؤية بيكي تضحك وتشعر بالاسترخاء، لكنني بدأت أشعر بالقلق من أن يوجين قد يكون في انتظارى وأخبرتها أنني بحاجة إلى التحقق مرة أخرى في الفندق. لم تكن تريد أن تكون بمفردها وسألت عما إذا كان بإمكانها أن تأتي معى. تفاديت بيكي رتلا متواصلا من الدراجات والمركبات بينما كنا نسرع عبر الشارع، أمسكت بيكى بيدي ولم تتركها حتى وصلنا إلى غرفتي. لم يكن يوجين موجودًا ولكنه ترك رسالة تفيد بأنه سيعود في وقت متأخر بعد الظهر.

قالت بيكي:

- رفة جميلة. غرفتي صغيرة جدًا، بحجم خزانة ملابس، لكن فيها راديو يلتقط محطات موسيقى الروك الإنجليزية.

- هل سمعت أي أغاني جيدة؟

- كانت هناك أغنية عن فتاة اسمها لوسي.

- ألم تسمعى أغنية الرقيب بيبر من قبل؟

- لم أستمع إلى موسيقى الروك أند رول تقريبًا طوال فترة وجودي في لبنان..

- أشعر وكأنني تحت تأثير المخدر بمجرد سماع أغاني البيتلز في رأسي.

- هل تتناولين المخدرات؟

- ليست مخدرات... مجرد المارجونا وأحيانًا القليل من الحشيش. في المدرسة الآن، الجميع يفعل ذلك.

- هيا بنا نستمع إلى بعض الموسيقى.

تبعتها في الطابق العلوي إلى غرفتها، التي كانت صغيرة كما قالت، وبما أنه لم يكن هناك كراسي جلست تلقائيًا بجانبها على السرير. مدت ذراعها نحو عتبة النافذة العريضة للغاية التي كانت بمثابة طاولة ليلية وشغلت الراديو، ولكن لم يصدر منه سوى وشيش التيار الكهربائى.

قالت وهي تمسك بعلبة من سجائر روثمان:

- لقد اشتغل الليلة الماضية، هل تريدين سيجارة؟

- لا أدخن.

أشعلت سيجارتها، وأخذت نفسا طويلًا، وبينما هي في الزفير قالت مازحة:

- باستثناء إدمانك المخدرات.

- أوه، كفى، لستُ مدمنة. لم أشترِ أغراضي بنفسي قط..

- كيف يكون الإحساس؟

- عندما تكونين تحت تأثير المخدر... تشعرين بالاسترخاء، وتصبح جميع حواسك أكثر حدة - تبدو الموسيقى أفضل، ومذاق الطعام ألذ، وستلاحظين مدى روعة بعض الأشياء...

- أهذا كل شيء؟

- حسنًا، بالنسبة لي أحيانًا، يكون الأمر أشبه بمنشط جنسي..

- لك أنت فقط؟

- لا أعرف. ليس هذا من الأمور التي أتحدث عنها مع أحد.

- ولكنك تتحدثين معي؟

أخذت نفسا آخر وفجرت حلقة دخان كثيفة وكبيرة. أضافت

- أظن... يعني، لقد فعلت ذلك للتو، أليس كذلك؟

أطفأت السيجارة في منفضة سجائر، ووضعت نظارتها على الحافة،وقبلتني برفق على شفتي عدة مرات، ثم عانقتني، وأدخلت لسانها في فمي.بذلت قصارى جهدى لإخراج رائحة غدائها ولسان يوجين من ذهني أثناء التقبيل، ولكن سرعان ما كنت أنا وبيكي نستلقى هناك.

قالت:

- لم أمارس الحب منذ أكثر من عام.

اعترفت:

- أنت تربحين.. بالنسبة لي، مرت ستة أشهر فقط.

ضحكت، وقفت، تخلصت من حذائها الأزرق بلا كعب، خلعت فستانها ووضعته بعناية على الأرض .

قالت:

- الفستان الوحيد الذي أحضرته معي. لا أريد أن يتجعد.

وبعد ذلك، كانت ترتدي فقط سراويل بيضاء وحمالة صدر بيضاء، عادت إلى الفراش ورقدت بجانبي.

قالت معتذرة، وهي تحرك رأسها على الوسادة حتى تتمكن من النظر في عينيّ:

-  أعرف أنهما صغيران.

قلت مازحة:

- ما الضرر في صدر صغير بين صديقتين؟؟

بدت ضحكتها ممتنة، وربما حتى حنونة، وشعرت بذلك الشعور بالرضا الذي غالبًا ما ينتابني بعد تمريرة رائعة لزميلة لي في الفريق. قبلتها عدة مرات وبدأت أداعبها. أطلقت أنينًا خفيفًا. ولأنني لست خبيرة بأصوات الحب، لم أعرف إن كانت تُعبّر عن سعادتها أم تطلب مني التوقف، لذا وضعت يدي على بطنها.

قالت:

- لا تتوقفى.

- ظننتُ أنك بدأت تُعيد النظر في قرارك.

- لماذا علي ذلك؟ أنا متأكدة من أن دوج لم يكن قديساً أثناء غيابي.

بعد أن انتهينا، أشعلت بيكي سيجارة روثمان واستلقت على ذراعي. بدا شعر إبطي الداكن كقلنسوة يهودية صغيرة فوق رأسها الأشقر.  قالت:

- تبدين متوترة .

- أنا قلقة بعض الشيء من أن تحملي

قالت:

- لن أفعل، لقد جاءتنى للتو الدورة الشهرية

- أنت لا تؤمنى بسوء الحظ؟

- أنت يا بول قلقة. أنا منتظمة مثل الساعة.

بدأت أشعر وكأن ذراعي تشبه الدبابيس والإبر، لذا قمت بنقلها من تحتها. جلست بيكي وأطفأت سيجارتها. قالت:

- أنا أموت لأستحم.

- أنا أيضا لم أستحم ولو مرة واحدة منذ وصولي إلى أمستردام.

مسحت أنفها وقالت:

- تمام.

شعرت بالحرج ويجب أن ألقي نظرة عليه. انحنت وأعطتني قبلة مطمئنة على وجنتي. قالت:

- اذهبى، سأقابلك في غرفتك عندما أنتهي.

- ثم العشاء؟

أجابت:

- بالتأكيد.

وبينما كنت أسير خارجة من الغرفة صرخت قائلة:

- ادعُى يوجين ؛ أعتقد أنه سيكون ممتعًا للغاية.

وجدت يوجين مستلقيًا على سريره يقرأ دليل هيا نذهب إلى أوروبا. كان طول شعره حوالي ربع بوصة. كان الخبز والجبن والفاكهة وبعض زجاجات النبيذ مكدسة فوق المكتب.

قلت، وأنا أجلس على حافة سريري:

- يبدو أنك حظيت بيوم مثمر.

- لقد سلخوني!

- يبدو شعرك رائعا. لم تعد مجرد جبل من الشعر.

- لم يكن الحلاق انجليزيا ومن الواضح أنه لم يقص قط "أفرو" من قبل.

- هل تعرف تلك الشقراء الصغيرة التي رأيناها في الإفطار؟

- لا... ولكن أراهن أنك تفعلين ذلك.

أغلق كتابه ووضعه على صدره.

- ما هو شعورك حيال خروجنا نحن الثلاثة؟

قال:

- لقد شعرت بالارتياح. اعتقدت أني وأنا قد نسير في طريقنا المنفصل.

- يجب أن أقول، لا أستطيع أن أصدق ما فعلته الليلة الماضية.

قال:

- آسف، لم أستطع أبدًا معرفة كيفية إخبارك.

- ولكن كيف يمكنك أن تكون متأكدا؟ لقد قضيت نصف حياتك في مدرسة دينية كاثوليكية.

- أراهن أنك لم تكونى مع فتاة من قبل.

- أنا أعرف كيف أشعر... وبتخيلاتي.

- إذن ما كان يجب أن تصبحى صديقتي.

- وكأنك لم تكن أبدًا صديقا مع فتاة تثيرك...

- الأمر مختلف. ستعرف الفتاة أن الجنس قد يكون على الورق.

- هل هذا خطأي أنت ساذج للغاية؟

- إذا كنت تهتم بي حقًا، فستتحكم في نفسك...

فجأة، صمت تمامًا

سأل:

- ماذا؟

- هذا سيء حقًا. أبدو وكأن صديقي القديم يجادل معي حول الجنس... انظر، الشيء الرئيسي هو، لا أريد أن أكون حذرًة طوال الوقت.

- لن تفعلى، أعدك.

- هذا بالضبط ما كنت أقوله. وأنا أصدق ذلك حقًا. لكن في موعدنا التالي، ما زلت أحاول ارتداء سراويل ساندرا.

- لماذا لا نعطى الأمر بعض الوقت؟ إذا كنت تشعرين بالسوء، يمكننا دائمًا الانفصال.

قلت بسرعة حسنًا وأنا أصافح يده، كما لو أن أداء هذه الطقوس الرجولية سيضمن بطريقة ما أننا سنكون صديقين فقط، وبالتالي من المهم جدًا تأخيره.

قلت:

- أشعر وكأنني خنزيرة أنا ذاهبة لأخذ حمام.

جمعت ملابسي الداخلية وجواربي وقميصي الأزرق وبنطلون سبور بيج ومنشفة ومجموعة أدوات الزينة وركضت في القاعة إلى حوض الاستحمام. عندما عدت، كان يوجين قد ارتدى ملابسه وكان هو وبيكي جالسين القرفصاء على الأرض، يشربان من نفس زجاجة النبيذ مع الخبز والجبن والفاكهة أمامهما.

قال يوجين:

- أوه أرى الوجه الشاحب لإحدى القبائل الضائعة.

قلت، وأنا رافعة يدي:

- كيف؟

أوضحت بيكي، وهى تسلم لي الزجاجة:

- بفمك مباشرة.

أخذت رشفة كما لو كنت أشرب الجعة والحلاوة جعلتني أسعل

قال يوجين:

- الوجه الشاحب كان مانيشويتز.

أخذت بيكي الزجاجة بينما كنت أقوم بتسليك حلقي وجلست، وبينما كنت أضحك على الطريقة التي كان يوجين يمزق بها الخبز بسكين جيبه متعدد الشفرات، رأيتها تبتسم في اتجاهي، وهي تسحب حافة الزجاجة بشكل استفزازي. جشع، أمسكت بالخبز وبدأت في تقطيع القطع، تاركة يوجين يقطع الجبن بسكينه. انتزعت بيكي قطعة من الجبن، ووضعتها بين قطعتين من الخبز وبعد أن قالت "لذيذ" للقضة الأولى سألت يوجين عما إذا كان قد رأى شيئًا مثيرًا للاهتمام خلال النهار.

قال:

- الكثير من الأماكن القذرة، أشك في أنك مهتمة بها... لكنني ذهبت إلى متحف.

سألته، وهى تمضغ رزمة من الخبز والجبن:

- أى متحف؟

- متحف ريكسموزيوم... وآه، كنتُ أنوي إخباركما، توجد لوحة لرامبرانت هناك، صورة شخصية له كالرسول بولس. أُقسم أن رامبرانت يبدو وكأن لديه سلفًا أسود البشرة

قلت:

- اعتقدت أنك ستقول إنه يشبهني.

- لا. يشبه الرجل فى فيلم الطائر اليهودى.

- كيف ذلك؟

. يده على صدر العروس -

قالت بيكي:

- هذا بالتأكيد يبدو مثلك. ربما كان ذلك الرجل جدّك الأكبر.

قلت:

- مضحك جدا. أتعلمين، يوجين يعتقد أن أي شخص لديه موهبة فيه دم أسود. في الواقع، لقد أصبح أصوليا للغاية لدرجة أنه بدأ يعتقد أنه أسود بنفسه.

ابتلع يوجين بسرعة ما كان يمضغه. ثم قال:

- بمناسبة الحديث عن ذلك اكتشفت ملهى ليليًا يعزف موسيقى السول.

صاحت بيكي:

- أوه، أريد أن أذهب. لم أرقص طوال العام.

أخرج يوجين من حقيبته غليونًا وقطعة صغيرة من الحشيش ملفوفة في ورق فضي و قال فى حماس:

- من الأفضل أن ندخن غليون السلام أولاً.

ألقت بيكي نظرة خاطفة على عانتي ورفعت حاجبيها بسرعة عدة مرات.

قلت ليوجين:

- لننتظر حتى نعود، وبعد أن ساهمنا جميعًا في ترتيب بقية الطعام، تبعتُ أنا وبيكي، مثل هنديين صغيرين، زعيمنا في الليل..

كان الملهى "مكانًا نظيفًا وجيد الإضاءة" (على حد قول همنجواي، مؤلفي المفضل في ذلك الوقت)، ذا مظهر عصري بأرضية رقص متوسطة الحجم محاطة بطاولات وكراس مطلية بالكروم. أصر يوجين على دفع ثمن الجولة الأولى من المشروبات - كوبا ليبريس - "كانت الكولا ثقيلة جدًا"، كما اشتكى، ولأنه لم يستطع تحمل سماع موسيقى الروك أند رول الأوروبية بدون كحول، فقد دفع كأسه جانبًا، وخطا نحو الدي جي، وأقنع القائم عليه بالعثور على بعض موسيقى السول، وشرع في تقديم عرض بينما بدت بيكي وحشد من البيض ذوي الركب المتصلبة مثيرين للسخرية وهم يحاولون تقليده

عندما عاد يوجين وبيكي إلى الطاولة، صفقتُ لهما تصفيقًا قصيرًا ثم طلبت بعضًا من هاينكينز المثلج الذي استهلكاه على الفور. فجأة، دخل شاب، ربما في أوائل العشرينات من عمره، الملهى الليلي لجمع تبرعات لإسرائيل. غير مصدقة، التفتت بيكي إليّ وإلى يوجين وقالت:

- مال لإسرائيل! نعم، صحيح، ليشتروا المزيد من القنابل ويقتلوا المزيد من العرب .

اقترحت بهدوء:

- ربما يكون من أجل الدواء.

إن كان أي شخص يحتاج المال للدواء، فليس اليهود بالتأكيد. -

قلت:

- الكل يعاني في الحرب.

الكل يعاني عندما يسرق اليهود الارض ويطردون العرب من منازلهم.-

مما قرأته... -

لم تتركني بيكي أنهي كلامي، واصلت:

- أعلم.قتل هتلر ستة ملايين والعرب الفقراء هم من يدفعون ثمن ذلك.

قال يوجين لبيكي مباشرة:

- هذا هو الحال فقط، ألا تعتقدين ذلك؟ ألمانيا، إسرائيل، واتس... في مكان ما، بطريقة ما، دائمًا هناك من يدفع لليهود.

أشرتُ بإصبعي نحو يوجين:

- هذا يعد بى. أس ( معاداة السامية ). وأنت تعرف ذلك.

قال:

- يا يسوع، خذى الأمور ببساطة كنتُ فقط أمزح.

أمسك يوجين بيد بيكي وركض مباشرة إلى حلقة الرقص. في لحظة ذهب يوجين للقيام برقصة  بوجالو، أحاطت به بيكي وحشد من المشجعين المبتهجين، بينما كنت أتجه ببطء عائدة إلى الفندق وأنا أُعيد مجددًا وبإلحاح مناقشة الجدال؛ ولكن بقدر ما كنتُ مشغولة البال، كان لديّ حضور ذهني كافٍ للانطلاق إلى صيدلية وشراء أول علبة واقيات ذكرية لي من صيدلي، ومن حسن الحظ، لم يكن يشبه والدي الصيدلي أبدًا.

عندما رجع يوجين وبيكي وجداني مستلقيًة على سريري، أحدق في السقف عابسًة

قال يوجين:

- كنا قلقين عليك.

جلست بيكي بجانبي بينما كان يوجين يقف بجانب النافذة يحاول فتح زجاجة من النبيذ.

قالت:

- انظرى، لست غاضبة منك بسبب ما تعتقدينه، فلماذا تغضبي مني بسبب ما أعتقده؟

- لأن وجود وجهة نظر مختلفة شىء، وإهانة الأشخاص الذين يرون الأشياء بشكل مختلف شىءآخر.

لم أهِنْك. -

معاداة السامية متأصلة فيك لدرجة أنك لا تدركينها. -

- الآن من الذي يقوم بالإهانة؟ انظرى، ليس لدي أي شيء ضد اليهود. أعتقد فقط أن الصهيونية عنصرية وإمبريالية.وكذلك فعل بريجنيف وماو وكاسترو وناصر وهو تشي مينه.

قبل أن تتاح الفرصة لبيكي للرد، حذرها يوجين من آخر الغرفة:

- من الأفضل أن تعطيها الكلمة الأخيرة وإلا ستتجادلان طوال الليل.

صرت بيكي على أسنانها وهزت قبضتها في وجهي بطريقة جدية وهزلية في آنٍ معًا.

توجهت إلى يوجين مستنكرة:

- إذن ليس لأنني قد أكون على صواب؟ أنا شديد العناد لدرجة لا تستحق الجدال معها، أليس كذلك؟

توقف يوجين عن محاولة فتح الزجاجة بسكينه.

قال وهو ينظر إلى الأعلى:

- بول، أنت مصابة بجنون العظمة لدرجة أنك لا تستطيعين تقبل مناقشة عقلانية معك الآن.

قلت:

- هذا غير صحيح.

... فقط دع الأمر يمر، يا رجل-

فجأة، تشمّم يوجين الهواء حوله وكأنه كلب صيد يتتبع أثر وحش بري.

زأر بمرح:

- هذه الغرفة كريهة الرائحة. إنها إما بسبب الجوارب المتسخة أو جبنة قديمة للغاية.

فتح النافذة، وأخذ نفسا هائلا، ثم استخدم الخزانة كمنضدة عمل وبدأ في تقطيع الحشيش بسكينه.

كانت بيكي لا تزال تضحك من أداء يوجين السخيف.

قلت لها:

- إذن قولى لي، لماذا لا توجد دولتان؟ واحدة لليهود وأخرى للعرب. هذا ما أوصت به الأمم المتحدة قبل عشرين عامًا. قبل بن جوريون. رفض العرب. أليس كذلك؟ أفضل من حرب وراء حرب؟

قالت:

- أوه، هيا، دعينا نتوقف عن الجدال، سنظل ندور في حلقة مفرغة.

طلبت من يوجين أن يأتي ويجلس بجانبها على سريري، وهو ما فعله، وقام بإعطائها الغليون.

استنشقت بيكي وزفرت وكأنها تدخن التبغ.

قال يوجين:

- احبسيه لفترة أطول.

أخذت نفسا آخر، وفعلتها بشكل صحيح هذه المرة، وسلمتني االغليون. أخذت نفسا طويلًا ومررته إلى يوجين. الآن أصبح الكاهن، ولم يعد هنديًا، قال " تصحبك السلامة" ولهث عدة مرات وهو يستنشق تيارًا من الدخان دون أن يتنفس. لقد تجنبت نظراته بغضب.

بينما كنا نشعر بالانتشاء، سعلنا وهدأنا حناجرنا من نفس زجاجة النبيذ، لكن لم يتحدث أحد حتى انطفأت النار، وقبلتني بيكي وقالت: " بعد ظهر اليوم كان لطيفًا جدًا." بدت كلماتها بعيدة فلم أفهم معناها على الفور، ولكن بمجرد أن استوعبتها، تخلّيت عن كل ادعاء بالمقاومة الشرسة وفرّجت شفتيّ.

على الأرجح افترض يوجين أن بيكي وأنا نريد الخصوصية، فوضع الغليون على طاولة السرير وحاول الوقوف، لكنها أقنعته بالاستلقاء ثمّ انزوت في المساحة الضيقة التي تفصل بيننا.

تمنيتُ فى سري أن يُبادر يوجين بالتقرّب منها أو على الأقل أن يستجيب لمحاولاتها. لعلّ شيئًا سحريًا يحدث يُثير اهتمامه بالفتيات ويُعيد علاقتي به إلى مسارها الصحيح. لكنّه ظلّ مستلقيًا بلا حراك، بنفس نظرة اليأس التي لاحظتها عليه عندما طُرد من فريق كرة السلة.

انقلبت بيكي على جانبها الأيمن، ثمّ وضعت يوجين على جانبه والتصقت به. وبنفس الطريقة، التصقتُ بها، واحتضنّا بعضنا كجراء حديثي الولادة، وغفونا نحن الثلاثة.

***

.......................

المؤلف: مارك مازر. يقول مارك مازر، "أنا مواطن من بوسطن، لدي شهادات من جامعة هارفارد وكلية سيمونز، وشهادة في الكتابة الإبداعية من جامعة كنت في كانتربري. لقد عملت في مجال الصحة العقلية لمدة خمسة وعشرين عامًا تقريبًا، و بدأت كتابة القصص الخيالية في عام 1998 أثناء إقامتي في إنجلترا. نشرت قصصي القصيرة فى مجلة بارشيمنت (جامعة يورك، تورنتو، كندا)، ومن قبل مجلات الإنترنت التالية: سينوتاف، واحة سايبر، ومجلة سيركل، وايلد تشايلد، وغيرها.

بقلم: إيما كلاين

ترجمة: صالح الرزوق

***

قالت ماري: "لا يوجد أشياء كثيرة في البيت. آسفة".

تلفتت كايلا ونفضت كتفيها: "حتى أنني لست جائعة".

جهزت ماري الطاولة، ووضعت أواني فيستاوير(1) في أمكنتها بجانب فوط قماشية مشرشرة. وأكلوا بيتزا مطهية بالميكرويف.

قال دينيس خليل ماري بانشراح وهو يأخذ أوراق السبانخ من علبة بلاستيكية ويكومها على الببتزا: "علينا أن نجد شيئا طازجا قليلا". وبدا أنه مسرور بعبثه. أكلت كايلا السبانخ، وقضمت عدة لقمات من القشرة. صبت ماري لكايلا المزيد من الماء.

وحينما طلبت كايلا البيرة شاهدت ماري ودينيس يتبادلان النظر.

قالت ماري: "بالتأكيد يا عزيزتي. هل لدينا بيرة يا دينيس؟ ربما في ثلاجة المرآب".

وشربت كايلا كأسين على وجبة آخر اليوم، ثم ثالثة على الشرفة خارج جدران البيت، وساقاها مضمومتان في الغطاء الكبير الذي أخذته من غرفة ابن ماري. جعلت الباحة الخلفية غير المنظمة كل شيء تبدو أكثر من شيء مزيف: في الأسفل خط أفق المدينة، ثم النجوم. كان الجو فظيعا في عمق هذا الوادي. كان بإمكانها أن تحاول المشي بقرب الطريق مجددا، بجوار سور الجيران، ولكن قد تلاحظها ماري وتعلق بكلمة. أمكنها الشعور بدينيس وماري وهما يراقبانها من داخل المطبخ، متتبعتين لمعان شاشتها. ماذا سوف تفعلان، هل ستقتنصان هاتفها منها؟. بحثت عن اسم رافي، ثم بحثت عن اسمها. ظهرت الأرقام. يا له من كابوس حسابي، حينما تتضاعف النتائج ثلاث مرات بنزق، وكم هو غريب أن ترى اسمها بهذا الشكل، والصفحات تنقلب الواحدة بإثر الأخرى، وتظهر وسط لغات أجنبية، وهي تحوم فوق صور وجه رافي المألوف.

 **

قبل يوم الثلاثاء لم يشاهد أحد كايلا، بقي منها مجرد صفحة قديمة لجمع التبرعات من الطلبة لتحرير التيبت، ومنتدى إلكتروني يديره ابنة خال ثانية مع صور من لم شمل عائلة قديم، حيث كانت كايلا المراهقة بفم مليء بأسلاك تقويم الأسنان، وفي يدها صحن ورقي مثقل بالشواء. اتصلت أمها بابنة الخال وطلبت منها إزالة الصور، ولكن حينها كانت قد دخلت عمليا في الذاكرة الدائمة للإنترنت (جمار الإنترنت). هل هناك أي أخبار؟. نقبوا عن سور كايلا المختبئة وراء رافي وجيسيكا، وبيدها يد هنري الصغيرة. رافي المحتشم وبالجينز، المحاط بالنساء والأولاد. كانت الصور الوحيدة التي جمعت كايلا مع رافي. ذلك أمر غريب، أليس كذلك؟. صادفت صورة - تظهر فيها على ما يرام. سروال جينز ما كانت تحبه، ولكن رأت أنه ليس جذابا كما تخيلته. احتفظت بالصورة في هاتفها كي تتمكن من تكبيرها لاحقا. أغلقت كايلا نتائج البحث، وسمحت باستعادة رسائلها القصيرة. استراحة عابرة ثانية يمكنها أن تعتقد فيها أن القوى الكونية تجر شيئا من رافي باتجاهها. كانت تعلم أنه قبل أن يكتمل التحميل لن يتبقى أي شيء يهم.

 **

"هل تحتاجين لشيء يا عزيزتي؟".

وقفت ماري في باب الشرفة، مثل شبح أسود فقط. وقالت: "سأشعل لك النور. ولكن في الواقع لا يوجد مصباح هنا".

كانت ماري شريكة أمها في السكن الجامعي، وحاليا هي مشرفة على مشاكل المخدرات والكحول. أرادت أم كايلا منها أن تعود إلى بيتها - قالت سأشتري لك تذكرة طيارة، ثم هبطت الصور على بيت مزرعتها في كولورادو سبرنغز.

انتظرت كايلا. اتصلت أمها بماري، شريكتها في سكن الجامعة، ماري، كانت الشاهدة على عرس البيت الصغير، عرس تبعه الطلاق السريع. كان من السهل أن نتصور كيف تفكر ماري عن كايلا. ربما تعتقد أنها نفايات. فكايلا تبلغ أربعا وعشرين عاما، وها نحن هنا الآن. فكرت ماري ربما هذه هي نتيجة غياب الأب، وانهماك الأم بالعمل. ولكن كيف بمقدور كايلا أن تشرح الموضوع؟. شعرت أن هذا صحيح، الميزان الصحيح للأشياء. توقعت كايلا دائما أن يحدث لها شيء من هذا القبيل. قالت كايلا بصوت يبدو مهذبا جدا: "أنا بخير".

قالت ماري: "نحن على وشك مشاهدة هذا الفلم التسجيلي. عن أول مربية صقور في منغوليا". صمتت. وعندما ام ترد كايلا تابعت: "من المفترض أن يكون جيدا جدا".

ماري، بقميصها الكتاني الفضفاض، وحذائها أوكسفورد الفضي، كانت نوعا من النساء الكبيرات اللواتي تقول عنهن الشابات دائما أنهن يرغبن بأن يحذو حذوهن. ماري ذات البيت الكبير في الوادي، وبخشبه السبعيني غير الملموس. ربما سمحت لابنها المراهق أن يناديها باسمها الأول. أدركت كايلا أن ماري إنسانة لطيفة ولكنها لم تكن مقتنعة تماما. فقد كانت ماري تثير أعصابها.

قالت كايلا: "بالفعل أنا متعبة جدا. سأذهب إلى السرير حالا".

هل أرادت ماري أن تقول شيئا آخر؟. بالتأكيد تقريبا.

قالت كايلا: "شكرا ثانية لأنك سمحت لي بالبقاء. سأحاول أن أنام".

قالت ماري: "بكل سرور". وترددت. ترددت. ربما جمعت أطرافها لتلقي حكمة قوية، آية مخمورين سابقة. قبل أن تتمكن من الكلام، ابتسمت لها كايلا، ابتسامة محترف. أدهش ذلك ماري، واستغلت كايلا تلك اللحظة لتحمل بيرتها وهاتفها، وأن تتخطى ماري، وتشق طريقها إلى غرفة النوم. لف ابن ماري بابه بشريط لاحق تحسبا، وألصق عليه لافتة: خطر: ابتعد. لصاقة ترمز لنشاط نووي. نعم. نعم. قالت كايلا لنفسها: وصلنا إلى ذلك. أنت صغير قذر ملوث.

 **

كان ابن ماري مع ابنه في عطلة المدرسة، وحاولت ماري بشكل واضح أن تجعل الغرفة مرتبة: تركت لكايلا رزمة من المناشف الطازجة، وقطعة صابون صغيرة للفنادق، وأفضل المقالات الأمريكية، لعام 1993 على طاولة بجانب السرير. ومع ذلك كانت رائحتها كالمراهقات، تفوح منها عطور أولد سبايس، ومطريات رخيصة عادية، وأدوات رياضية غير نظيفة مهملة في الخزانة. استلقت كايلا على السرير المرتب. وصور التزلج على الماء موزعة على كل الجدران وتبرز صور رجال بحلمات وردية ولون برونزي، وهم على الألواح في وسط أمواج عملاقة وتقريبا شفافة. كانت الصور تقريبا عارية وزرقاء اللون.

لم يصل شيء من رافي. ماذا تفعل غير أن تتابع وجودك؟. إحساس غير واقعي يتداخل مع كل ثانية، رعب غير سلبي على وجه الإطلاق. وجدت نفسها تختبر الكلمات، وتتخيل كيف تصف إحساسها لرافي إذا اتصل بها. شعر بالزهو لهذه العبارة، كان الأمر كأنني مقتلعة من حياتي الشخصية. قالت بصمت بالغ لنفسها، ودق قلبها بإيقاع أسرع. شيء دراماتيكي. ما دامت نائمة، تشعر أنها بحالة ممتازة، ما دام هناك خيار لتجنب الأمور - ولا يزال لديها القليل من حبوب رافي المنومة، وقد وصفت له تحت اسم آخر. أخرجت كيس زيبلوك من حقيبتها وسحبت منه حلويات سوناتا وقضمت قطعة مرة. الأفضل أن تغلفها، وتحتفظ ببعضها لوقت آخر. غمست أصبعا رطبة في الكيس ليلتصق بها الفتات، ثم يئست، وابتلعت النصف الثاني مع آخر رشفة من البيرة. لم يكن هناك مهم لتبحث عنه في سحابات ابن ماري - العلب مغلقة بإحكام، قمصتن خفيفة من مخيمات صيفية مختلفة، خصوصياتها مختلة نفسية وباضطراد - مخيم نجم روك، مخيم نجم تصميم. علبة سيغار مليئة بالقطع النقدية وزوج من الأزرار المصنوعة من حروف آلة الطباعة، كتاب سنوي كتبت فيه البنات فقط. قلبت في الكتاب السنوي: ظهر أن الولد ذهب إلى مدرسة حيث تعلم الجميع عادة تناول وصفات الأمفيتامين عوضا عن غيرها. رسالة قوية المعنى من معلم احتل صفحة كاملة في النهاية. وانتابها الشك أن الصبي كلف نفسه قراءة ذلك. جلست على طرف السرير المفرد - كان يتحرك بغرابة، وربما كان السبب هو السوناتا وإيقاعها، وتأثيرها على أفكارها التي ذهبت باتجاه بطيء، وبلوغ النهاية التي شرعت بالتباطؤ.

ماكس: أنا فخور بك جدا وكل ما أنجزته في هذا العام. ألا يمكنك أن تنتظر لتشاهد ما سوف تفعله في هذا العالم!. أنت شخص متميز جدا - لا تنس ذلك. أمكنها أن تسمع، من غرفة المعيشة، صوت الفيلم التسجيلي، وارتفاع وتيرة الموسيقا المغولية والتي تأخذ منحى ملحا. يمكنها أن تكون أي شيء كانت ماري تمزقه الآن، مهزومة أمام مرأى صقر محلق أو لقطة مقربة ليدي رجل مسن، والريح تعصف بالسهل المغولي. تعرفت كايلا على فتاة في الجامعة وعي متبناة من منغوليا. كان اسمها دي دي، وكل ما تذكره كايلا أنها تميل للاستحمام والستائر مفتوحة، وأنها ترتب وجهها في المغسلة، وتترك وراءها شذرات من ذرات ناعمة فوق المرآة. أين دي دي الآن؟.

تعبت كايلا. عليها أن تنهض وتطفئ النور، وتتخلص من عدساتها اللاصقة، ثم حمالة صدرها. لا تتحرك. هل تتذكرها دي دي؟ هل سمعت الأخبار؟. فكرت كايلا بسرها: أنت إنسانة متميزة جدا. إنسانة. متميزة. جدا.

 **

كان دينيس هو الذي نقلها. فكايلا لا تمتلك سيارة خاصة بها، واتكلت على ما لدى رافي وجيسيكا. وهذه إحدى الأمور المقلقة حيال العمل، السيارة، مع أنها تبدو الآن شيئا بمنتهى الغباء أمر آخر ربط حياتها بأولئك الناس. راقبت كايلا دينيس بقترب بالفولفو - توجب عليه أن يقترب من بين صور المدخل الرئيسي. توقف عند البوابة، وانتظر أن يفتح له. كان يرتدي صدارة تآكلت أطرافها بسبب التقادم، وهي صدارة صوفية مطرزة بشعار شركة فيتامين. بدا حيوانا حزينا ومرهقا، وهو يمر من بين البوابات الأمنية، شعرت كايلا، لبرهة، أنها اقترفت شيئا فظيعا. أن تستدعي شخصا مثل دينيس إلى مكان مثل هذا. ولأسباب كهذه. لكن لم تكن فظيعة حقا، أليس كذلك؟. الحياة طويلة، قالت لنفسها، وهي تفتح باب السيارة. الناس يرددون هذا الكلام دائما، الحياة طويلة.

قال دينيس: "هل هذا كل ما لديك؟".

"نعم".

حقيبة يد واحدة، وحقيبة ظهرها. أخذت كل شيء، حتى القرطين التي قدمتهما لها جيسيكا، والثوب لا تزال عليه لصاقته. محتويات حقائب الهدايا اللامتناهية، عطر ومواد تجميل، الكثير من المطريات، أدوات التجميل، أشياء تبحث عنها كايلا في الإنترنت، حتى تجد سعر اامبيع المحدد، وتضيف الأرقام حنى تشعر بالقليل من السكر. لا تشعر كايلا بالذنب، ليس بعد. هل ستشعر على الإطلاق؟. كانو كاميرات المراقبة تسجل دخولها في سيارة دينيس. هل ستشاهد جيسيكا هذا المشهد؟ هل سيشاهده رافي؟ حاولت أن تحتفظ بابتسامة معتدلة على زجهها، تحسبا للظروف

 **

في المقابلة قابلت جيسيكا لأول مرة، بعد أن وافقت المؤسسة عليها. جاءت جيسيكا متأخرة، وجلست وراء الطاولة. شردت جيسيكا: وعلقت قلادتها ببلوزتها الفضفاضة.

"هل يمكنك فقط.." قالت جيسيكا وأشارت إلى كايلا، فاقتربت منها، وحررت القفل، وحاولت أن لا تتمسك به كي لا تترهل البلوزة. انحنت قرب وجه جيسيكا: بشرتها لوحتها الشمس قليلا، شعرها بنفس اللون تقريبا، وكل معالمها ناعمة ومتناسقة وبصعوبة نحت كايلا نظرها عنها، مستغرقة بجمال جيسيكا الباهر. شعرت كايلا بالتمادي الفضولي - كم أهدرت من وقت لتصبح جميلة، مع أنه من الواضح، حاليا، استحالة ذلك. الاقتناع راحة تقريبا. قالت كايلا "ها هو" وأعادت العقد إلى مكانه، ولونه بلون بيرة الجذور. لمست جيسيكا السلسلة بدون تركيز، وابتسمت لها قائلة: "أنت حلوة".

 **

 آخر الأخبار أن رسائل وافي القصيرة متصلة بآي باد الأولاد، وهكذا اكتشفتها جيسيكا، وكان من المدهش أن تتخيل مصدر المعلومات، وكيف وجدت هذه الحقائق طريقها للنور. ولأن ذلك كان صحيحا، أهملت كارلا الكتابة إلى رافي، في النهاية، وإذا صدف ورد عليها بأوقات نادرة، ستعلم جيسيكا على الفور بما يجري. كانت لعبة هنري المفضلة بالآي باد قد أخذت مكانها في مطعم افتراضي ما حيث يمكنك تحضير الهات دوغ (النقانق)، والهامبورغر، والساعة تدق حتى تبلغ الزيرو. حاولت كايلا أن تلعب لها مرة، لكنها أغرقت قميصها بالعرق، فقد جعلتها مضطربة ومستثارة جدا. كان البورغر يحترق، وآلة الصودا تعطل. وكان الزبائن يستشيطون من الغضب ويغادرون. أخذ هنري منها الآي باد بصبر بالغ.

قال لها: "هي بسيطة. لا تلتقطي النقود مباشرة. وهكذا يتوفر لك مزيد من الوقت".

سألته: "لكن أليس الهدف كسب الكثير من النقود؟".

قال هنري وكان يشعر بالأسف عليها: "هكذا سيسرع الوقت. إنها خدعة".

 **

 في عيد ميلاده الثامن قدمت كايلا إلى هنري آلة تكربن الماء، وكتابا كانت تحبه في طفولتها. كانت تقرأه بصوت جهوري بينما هنري يحملق بالسقف. ويبدو أنه أعجب بالكتاب، ولكن أدهشتها اانهاية، فهي لا تتذكر أن العجوز مات بعنف، وأن اليتيم كبر ولم يكن سعيدا جدا. في الأماسي بعد ذهاب مدبرة المنزل وتواجد هنري في المدرسة، يرق الهواء كما يبدو. كان غريبا أن تتجول بين الغرف، وتفتح الخزائن. تلمس الثياب المعلقة، وسراويل رافي، والبلوزات المطوية في الورق. كانت فتاة ذكية. درست تاريخ الفن. وأول حصة لها، حينما أطفأ الأستاذ هونيسون النور وجلسوا جميعا في للظلام - كانوا ثمانية عشر، ومعظمهم لا زالوا أطفالا، لا زالوا أولادا ناموا طيلة أعمارهم في بيوتهم. ثم هدر جهاز الإسقاط، وحامت على الشاشة بقع من ضوء ولون، وكربعات جميلة. وحينذاك شعرت أنه نوع من السحر، حينما كان هذا الشعور الذهني لا يسبب الارتباك. كم يبدو الأمر غامضا أحيانا - فقد كانت في وقت ما مهتمة أو قادرة على إنهاء الأوراق بما يكفي. جيوتو وما تبقى من نصوص دي فورغين (2) في لوحاته الجدارية. تحديات رودين لأهداف الأيقونات المثبتة في التفكير الكلاسيكي، أجسام مايكل أنجلو على اعتبار أنها وعاء لمشيئة الرب. كان الأمر كما لو أنها في السابق تكلمت لغة أخرى بطلاقة، ولكن نسيتها الآن.

قبل أن يتناول هنري الغداء، حصل على عجينة زيت السمك بشكل نجوم، كانت كايلا تحبها أيضا - واحدة له واثنتان لها. وكانت مغطاة بالسكر ولكن يفترض أن تتجاهل ذلك، وتركز على دهن السمك الذي ينفخ في رأسك ويجعله ورديا وذكيا. بالنسبة للغداء، جهزت كايلا شطائر جبنة مشوية، بخبز أسمر، مع شرائح التفاح. أكلا في الخارج، مستعينين بورق التنشيف. بعد الطعام، استلقيا تحت الشمس صامتين، وكان هنري لا يزال بثوب السباحة، وكايلا بثياب من قطعة واحدة مع الحرص على أن لا يكون مدعاة للإثارة الجنسية. في إحدى المرات جر رافي بذة السباحة من بين فخذيها جانبا ليضع أصبعا محدبة في داخلها. هل كان ذلك ثاني أو ثالث مرة؟ تخيلت كايلا أنها شخص من نوع يسجل تفاصيل على هذه الشاكلة في المفكرة. وكان لديها الكثير من ذلك: أراد رافي أن يغفو وهو يضع أحد ذراعيه فوق رأسه. كان لرافي ندوب على ظهره بسبب حب شباب يعود لأيام المراهقة، ولكنه أخبرها أنها ناجمة عن حادث تعرض له خلال تسلق الصخور. من الغريب كيف أن هذه الحقائق كانت تعني للآخرين شيئا، أيضا، لأغراب لا يعرفونه. لو فتشته ستجد كل شيء هناك - تحسسه، طوله التقريبي، صوره في شبابه. تظاهرت أنها لم تشاهد أي شيء من ذلك. كان ذلك دائما بينهما، التظاهر بعدم المعرفة. لا بد أنها ثالث مرة، حادثة بذة السباحة. كانت للملاءات على سرير بيت البركة رائحة تشبه الطلاء الواقي من الشمس. وضع رافي يده عليها تحت الملاءة، وعيناه مغلقتان. نظرت كايلا إلى وجهه الأنيق المهدئ - كان لمسه أمرا غريبا دائما، مثل لمس ذكريات شخص ما.

سألته: "كيف بدأت التمثيل؟". كان صوتها مخدرا وخفيضا، ولم يكن أحدهما مستيقظا تماما.

قال رافي: "كنت في الواقع شابا جدا". كان هناك ممثل زائر من مدرسة الفنون وجاء ليؤدي دورا في هذه الحصة، كما أخبرها.

قال: "عليك أن تتذكر. هذه آيوا، في كانون الثاني". كان ذلك قبل أن تقرأ كل مقالاته - روى رافي القصة بتأثير عميق، وافترضت أنها أسرارية نوعا ما، شيء ثمين خرجت من أعماقه السيكوباثية. من الواضح أن الممثل الزائر فتح كل نوافذ قاعة الصف، ربما ليهيئ مستوى مناسبا للدراما، وكان الهواء المثلج يتدفق وهو يذرع المكان بخطواته أمام المقاعد وينشد هاملت.

قال رافي: "فعليا. عصف بدماغي".

قالت وهي تتصور رافي بطفولته متأثرا بصفات البالغين: "ظريف".

في إحدى الأمسيات في وجبة العشاء، علقت قطعة من الطعام بين أسنانه - ومنحها مرآه قلقا إيروتيكيا تقريبا حتى مدت جيسيكا في النهاية يدها وانتزعتها. لم تتمكن من تفسير هذا. كرهته كايلا وأحبته في نفس الوقت، وربما جزء من الأسباب كان غباؤه. ولاحقا قرأت قصة هاملت تقريبا كلمة بكلمة وفي العديد من المقابلات المختلفة.

 **

غاب رافي بعيدا حوالي شهر، ليصور على مسافة تفصله عنا ثماني ساعات، ولكن ما أن بلغ هنري عطلة الشتاء، جاء هو وجيسيكا بالطيارة لمقابلته، وجاءت كايلا أيضا، تضاعف أجرها. كانت غرفتها في الفندق قريبة من الجماعة والتجهيزات. وخارج النافذة، ووراء جدران الفندق البيضاء، كانت شاحنات الغازولين تذهب وتأتي في الشوارع الترابية. بعد وصولهم بالكاد نظر رافي إليها. قالت لنفسها: هذا يصنع معنى. كانت جيسيكا دائما موجودة، أو مساعد طبيب ما يحمل اللاسلكي ويبدو أنه "يدعو" رافي للجلوس. لم تتم "دعوة" رافي ليقوم بأمور من المفترض أن يقوم بها. في عشاء الممثلين، قرص حلمتيها، بقوة، وذلك وهما في الممر الخلفي للمطعم، وكانت أنفاسه تفوح برائحة البيرة المحلية، المنكهة بثمار الكولا والأفسنتين. ضحكت حينها، مع أن الندل على ما يبدو لاحظوا، برفقة على الأقل أحد المنتجين، وتأكيد ذلك تقطيب وجهه. ولم ينفردا في الحقيقة غير مرة. أرسلت جيسيكا كايلا إلى غرفتهم لتأتي بالواقي الشمسي لهنري. فتحت باب الغرفة، واستعملت بطاقة جيسيكا، فوجدت رافي، يشاهد مباراة ملاكمة في التلفزيون، والستائر مسدلة. قالت وهي موشكة أن تقبله: "هاي، أنت". ارتبك وهو يقبلها بشفتين مطبقتين. هل احمر وجهه؟. كان شيئا غريبا. ثم مارسا الجنس، بسرعة، ثوبها مرفوع إلى الأعلى، وأغطية السرير مرتبة إلا قليلا. ذهبت إلى ااحمام لتنظف نفسها، وحاذرت أن لا تجرف ورق التواليت. وحافظت على حذرها. هناك الواقي الشمسي على الرف. لدى عودتها إلى غرفة النوم، والواقي الشمس في يدها، كان رافي مندمجا بالتلفزيون، وجهه فارغ، وأغطية السرير ممهدة، كما لو أن شيئا لم يحصل على الإطلاق.

 **

حان موعد يوم عطلة كايلا. رافقت جيسيكا هنري إلى بلدة جبلية في فترة ما بعد الظهيرة. غفت كايلا في غرفة باردة، تحت شبكة البعوض التي جعلت كل شيء يبدو وكأنه مكفن بالبخار. شعرت في أول بضعة أيام أنها بحالة جيدة، ولكنها تأخرت بالاستجابة لـ اللقاحات المطلوبة، أصبح بياض عينيها حليبيا، وتسربت الأحلام إلى حياتها في اليقظة. شربت ماء القوارير طيلة اليوم، ومع ذلك كان بولها بلون بني غير طبيعي، وكان كثيفا وله رائحة الكبريت.

استيقظت من الغفوة مخدرة وحارة، وحروقها الشمسية تؤلم. الطبيب المعالج قال لها أن تواصل شرب الماء، وأن تحترس من التفكير الضبابي. هل كان هذا التفكير الضبابي، هو الشبح المتوهج باغز باني (3) في غرفة الفندق؟.

قال: أنت فتاة جميلة.

باغز يقول هذه الأشياء ولا يحرك فمه. كانت أفكارا تسقط من ذهنه مباشرة نحو كايلا، تتراقص في الفضاء الفاصل بينهما. أحيانا كان يتنحنح من جانب إلى آخر، حركة بطيئة لحذاء رقيق. كل شيء يفعله بطيء. باغز باني. ابتسمت في السرير. لا يوجد مكان آخر ليتواجد فيه باغز. وهو لا يقول هذا عمليا بكلمات متتالية، ولكنها فهمته، كانت للعاطفة موجودة في عينيه الكبيرتين العائمتين - وسيبقى معها في غرفة الفندق هذه طيلة اليوم. إذا كان هذا ما تريد.

يجب أن أذهب لرؤية رافي، ألا تعتقد ذلك؟. قالت هذا أو فكرت بهذا.

طرف باغز بعينيه وقال: لا أعلم. هل هذا ما ترغبين به؟. كان باغز ذكيا جدا.

يجب أن أذهب. حاولت أن تأتي بفكرة أخرى من ذهنها الملتهب. علي أن أذهب. يجب أن أرى رافي.

انحنى باغز قليلا - انحناءة بطيئة وسائلة. وقال: إن كان هذا ما تحتاجين له.

 **

بدلت كايلا ملابسها بثوب وشربت عصير الأناناس والفودكا في بار الفندق. كانوا يصورون عند السفح في ذلك اليوم، وهو مكان قريب يمكن لكايلا أن تبلغه مشيا بعشر دقائق عبر الكثبان الرملية المليئة ببرغش الرمل وبراز الجياد. تسرب العرق من ثوبها حينما وصلت إلى مكان العمل. كان الجميع واقفين هناك. أومأ لها رافي ولكنها لم تذهب لتحييه. كان يبدو كئيبا. وكانوا قد جعلوا حاجبيه شديدي السواد. وكانوا كالمهرجين. بما يبدون على ما يرام على الشاشة. وأمكنها أن تقول إنه متحسس، وجائع، وقلق، ويحتاج لحمام، ولشراب. شعرت مقدما أن رافي سيسعل، حتى قبل أن يحك أنفه. هل يعرف هذا الشعور؟. هذا المستوى من التناغم الدقيق والسيكوباثي تقريبا مع شخص آخر؟.

سأل أحد عمال الإضاءة: لماذا توقفوا؟.

بالكاد تعرف عليها ثم قال: وجدوا شيئا في البوابة.

- آه. البوابة؟.

دقق الشاب النظر حتى منتصف المسافة، وهز كتفيه. هل كانت تتخيل أنه متوتر؟. كلا. الطاقم لا يود أن يكلمها بعد الآن. وهذه هي أول إشارة. لدى الناس غريزة حيوانية للسلطة، ويمكنهم الإحساس أن نفعها في نهايته. استقرت كايلا على كرسي تحت مظلة مؤقتة خارج الخط. غسلت الشمس كل شيء ولذلك بدت خطاطة، غير تامة. وجعلت حروق الشمس جلدها يشعر بالضيق. حكت كاحلها، برقة. لو أنها احترقت بالشمس فقط، سيكون للأمر عاديا، ولكنها تورمت، أيضا، والدليل هذه اللدغات المحمرة والمنتفخة. حكت بكاحلها الكاحل الآخر. بلطف، بلطف. لم يكن يبدو أن شيئا يحصل، ولكن كان الجميع مشدودين. كان مدقق النص يحل الكلمات المتقاطعة بهاتفه. أرادت من فتاة المكياج أن تسرع وتضع على جبين رافي منديلا ورقيا. استسلم لها بصبر واسع. في النهاية كان ممثلا جيدا. أبعدت كايلا ثوبها عن إبطيها، ولكن بلا جدوى - القماش سيتبقع، طبعا سيتبقع.

 **

التصوير الحقيقي كان بعيدا جدا عن خيمة كايلا، ولم تسمع شيئا. راقبت رافي يقول شيئا، وراقبته يرفع رأسه نحو السماء. أعادوا المشهد ثانية. أي مشهد كان هذا؟. كانت بانتظارهم لتصوير المشاهد الافتتاحية. أخبرها المخرج، أثناء العشاء حينما كان الجميع دمثين معها، وحينما كان من الواضح أنها تعاشر رافي، أن تنتظر ذلك. قال: "بعض المخرجين يصورونها مباشرة. منذ البداية. ولكن الممثلين لم يجهزوا بعد كما ترين. إذا انتظرت طويلا جدا يكره الجميع بعضهم البعض، فهم يودون أن ينتهوا منها. مثل السنة الأخيرة في المدرسة. حينها ينسجم الشخص مع شخصيته ويظهرها".

كان هذا ثاني فيلم للمهرج فقط. وقدم له الأستوديو مبالغ طائلة. كان يبدو كأنه بعمر عشرين عاما. وتابع إلقاء النكات عن نفسه، وأنه لا يعرف كيف يقوم بعمله توقف التصوير ثانية. كان رافي يقترب منها. تمطت ووقفت على قدميها. كان يتعرق، ووجهه أحمر.

قال لها: "أنت تجلسين في مجال نظري. لا يمكنني أداء المشهد إذا رفعت بصري ورأيتك هناك".

قالت: "أنا لست أمامك". أمكنها الشعور بفتاة المكياج ترمقهما.

 قال رافي: "لا تعتقدين أنك قبالتي. ولكن هذا خط نظري. تلك هي الفكرة. هو ما أراه. وليس ما ترينه أنت. ماذا ترين الآن. ماذا أرى أنا. أنا أراك".

- "حسنا".

اتسعت عيناه، وأوشك أن يقول شيئا، ثم ظهر أنه تراخى.

-"لماذا لا تذهبين للسباحة في بركة الفندق؟ وتحصلين على غداء؟".

قالت: "نعم". كان صوتها ضعيفا.

"تلك فكرة جيدة".

كانت تعلم أن رافي لا يريدها أن تشارك بالمشهد. وهي لن تفعل. ابتسمت إلى اللاشيء، نحو للأفق الفارغ. كانت الأرض فقيرة وغير جميلة، ليس كما تخيلتها أبدا. في الحقيقة كانت هذه أول مرة لها خارج البلاد

 **

لم تفارق كايلا ماري لثلاثة أيام. في المرة الوحيدة التي قصدت فيها المتجر، التقط شخص ما صورها وهي تملأ سيارة ماري بالبنزين في طريق العودة. كانت كايلا في الصور ترتدي لباس الطيران وتبدو شقية. شفتاها رقيقتان، وشعرها نحاسي ومغسول بإفراط. ولم تكن جميلة مثل جيسيكا. كان ذلك الكلام واضحا على ألسنة الناس، ولم تكن كايلا لا تعرف أيضا أنه صحيح، ولكنها لم تعلم ماذا جعل الناس حانقين منها جدا، ومستفزين للغاية شخصيا. توفر لكايلا مقابلة بالتلفزيون. كان هذا تعويضا جعلها تشرب ماء الفيتامين حينما ظهرت علنا في مناسبة تالية. مقابلة في البلاي بوي، أيضا، ولكن من الواضح أنهم لم يكونوا يصورون مشاهد التعري.

نقرت ماري برشاقة على إطار الباب.

"هل أنت بحالة طيبة؟".

جلست كايلا وقالت: " أنا بخير". ثم وضعت هاتفها على السرير، وشاشته نحو الأسفل.

قالت ماري: "أنا ودينيس ذاهبان الليلة إلى عشاء مع أصدقاء. عليك أن تأتي معنا".

قالت كايلا: "آه. لا بأس. حقا. يمكنني أن أنتظر هنا".

قالت ماري: "يجب أن لا تكوني وحيدة. سأشعر بالارتباك. كأنك في الفخ".

"ولكن لا بأس".

غضنت ماري جبينها، وقطبت فمها. وقالت: "ستتحسنين. هم أناس طيبون. وهي تختبر وصفة لكتاب الطبخ، أما هو فيدرس في مدرسة شرقية. سنكون جماعة منسجمة".

 أسعدت كلمة نعم ماري، كان دينيس منحنيا، أيضا، حينما تكوموا في السيارة، حتى هذه الخطط الثانوية تختزله. تدفق ببريق وردي، وكما قميص الغولف القصيران يتدليان بعد كوعيه. قادت ماري على طول طرقات الوادي الضيقة، ودينيس بجانبها على المقعد، وأحد ذراعيه حول ماري. فقد تزوج من قبل - هل كان له أولاد؟ كايلا لا تعلم. كان يبدو موجودا في مدار ماري فقط، الخليل يقطف الليمون من الباحة الخلفية ويأتي بها إلى الحفلة. واصلا النظر إلى كايلا من خلال المرآة الأمامية. كانت تجلس في المقعد الخلفي بجانب حقيبة التسوق الممتلئة بالليمون، وزجاجة نبيذ أحمر. كانت كايلا تلبس الثوب الذي قدمته لها جيسيكا، وقميص ابن ماري، وشعرها معقود بشكل ذيل حصان بسيط. كان نسيج الثوب جيدا، مزيج من الكتان والحرير، وبلون الإسفلت - تلمست النسيج، الذي تدل على ركبتيها، بتكاسل. كانت جيسيكا لطيفة معها. ولكن لم يمنحها أحد في الحفلة اهتماما ملموسا.

كانوا جميعا أكبر بالسن مشغولين بشؤون حياتهم، وبأولاد يخرجون ويدخلون كالسهم، أحدهم يلهو بغيتار صغير، والآخر يعد بالفرنسية بصوت مرتفع. كانت هذه أول مرة تفكر بها كايلا كما يلي - بالطبع يوجد آخرون في العالم لا يهتمون برافي أو جيسيكا. كان الطعام على الطاولة جاهزا، والضيوف يحومون بأطباقهم. في الردهة مرت بجماعة تتخلص من بقايا شرابهم وتلقيه في أصيص للنباتات. لكنها لم تعرفهم. في الخارج كان الجو أفضل. كانت البركة راكدة، وتشع ببريق يفيض منه الضوء. لم يكن هناك أحد. كانت الهضاب كتلة معتمة، وأحيانا يتخللها بيوت. أممن كايلا أن تشم رائحة الأرض الباردة، والأعشاب المتراصة التي تحيط بالبركة، وصوت النافورة التي لا تراها. جلست القرفصاء لتغمس يدها: كانت حرارة الماء مثل حرارة الهواء. جلست كايلا متقاطعة الساقين، وكأسها في حضنها. تفحصت رسائلها القصيرة. كانت الأخيرات من جيسيكا منذ أسبوعين، وكلها داعمة. نظرت في مخزون صورها، صور عامة لرافي، بذراعين متقاطعين. لم تشاهدها من قبل، كم يبدو منزعجا، محبطا، محاصرا بجيسيكا وكايلا وهنري، أشخاص يحتاجون لأشياء يمتلكها. هنري المسكين. بكتفيه الصغيرين وشعره المصفف. وبوجهه المفتوح والمتطلب. أنهت ما تبقى من نبيذها. فتح شخص ما الباب. كانت ابنة المضيفين. صوفي أو صوفيا.

قالت كايلا: "هاي". قرفصت صوفي ولكن لم تجلس. أمكن لكايلا أن تشم أنفاسها الطفولية اللاذعة.

سألت صوفي: "هل تشعرين بالبرد؟".

قالت كايلا: "لا. ليس بعد".

لزما الهدوء للحظة طويلة. كان الصمت رائعا. بدت صوفي أصغر من هنري. ولمنخريها محيط طفولي مخاطي.

أخيرا سألت كايلا: "في أي صف أنت؟".

"الثاني".

"جيد".

هزت صوفي منكبيها، هزة بالغين، وشرعت بالنهوض.

لمست كايلا إحدى ركبتي صوفي قائلة: "إلى أين ذاهبة؟". تنحنحت الفتاة أثناء التلامس ولكن لم تكن منزعجة.

"غرفتي".

"هل يمكن أن أرافقك؟".

هزت صوفي منكبيها ثانية.

 **

كانت غرفة صوفي غير مرتبة، وفانوس بشكل نجمة يتدلى فوق السرير. أشارت صوفي إلى دميتين على هيئة باربي، كانتا عاريتين ومكشوفتين لكن تحت منشفة ورقية، وأصابعهما ملتحمة وبينها أخاديد قليلا. قالت صوفي وهي تشير إلى رف كتب: "جهزت هذا البيت لهم". رف يحمل صندوق رزمة إسعافات بجوار باربي المستلقية على أحد جانبيها بثوب ضيق ولماع.

قالت صوفي: "هذه غرف الحفلة. انظري". ضغطت على زر موجود في سلسلة مفاتيح بشكل زهرة بلاستيكية وبدأت تدور عبر أضواء مختلفة ملونة. قالت: "انتظري". وأسرعت لتطفئ ضوء فوق الرأس. وقفت كايلا وصوفي بصمت، وخلفهما ضجيج الحفلة، بينما غرفة صوفي تتدرج كن الأحمر فالأصفر ثم التركواز.

قالت كايلا: "إنها جميلة".

كانت صوفي من النوع التجاري. قالت: "أعلم".

ضغطت لإطفاء الزهرة البلاستيكية، وأعادت إضاءة ضوء السقف. حينما لم تنطق كايلا بأي شيء، شغلت الفتاة نفسها بصندوق في الزاوية. سحبت قناعا ورقيا ورفعته نحو وجهها، قناع الجراحة ويفترض أن تضعه لمنع الأمراض التنفسية SARS  وعلمت كايلا أنها ستتركه هكذا هناك حتى تقول لها شيئا.

قالت كايلا: " ما هذا؟".

قالت صوفي: "أحتاج له. فأنا أعاني من الكلوستروفوبيا".

قالت كايلا: "نعم. كان علي حتى أن أستعمله في المدرسة".

"أنت تمزحين".

سمحت كايلا بانخفاض القناع وابتسمت.

قالت كايلا: "مع ذلك هي طرفة جيدة".

جلست كايلا على حافة سرير صوفي. كانت الشراشف نظيفة على ما يبدو ويأتي منها برودة القطن النفيس. نقلت صوفي الباربي من رف إلى آخر، وهي تهمس لنفسها. كان من السهل على كايلا أن تتخلى عن صندلها. وأخفت ساقيها العاريتين تحت الشراشف، ورفعتهما فوق قامتها. قالت صوفي: "هل ازمعت على النوم؟".

"كلا. أشعر بالبرد".

قالت صوفي بصوت مشرق: "أنت مريضة وأنا ممرضة". في الحقيقة أنا أميرة، ولكن اضطررت لأكون ممرضة".

"هممم".

"أنت ابنتي. وأنت بغاية المرض".

قالت كايلا بعينين مغلقتين: "ربما سأموت".

سمعت كايلا صوت تخبط صوفي في الغرفة، وصوت سحابات وعلب. فتحت عينيها حينما شعرت بشيء طري يضغط على فمها. كانت كعكة من القماش، منقطة بسكر من القماش.

قالت صوفي: "وجدتها في الغابة. عليك أن تأكليها". وكان لصوتها نبرة مخيفة وخافتة.

قالت كايلا: "شكرا". فتحت فمها وتذوقت الخليط القماشي.

قالت صوفي: "أعتقد أنك نجحت".

قالت كايلا: "لا أعلم. أعتقد يجب أن أرتاح قليلا".

قالت صوفي: "حسنا يا عزيزتي". وربتت على خدها بلطف. كان أمرا رائعا. شعرت كايلا، وعيناها مغلقتان، أن الفتاة تلقي على وجهها فوطة ورقية، أصبحت الفوطة حارة بسبب أنفاس كايلا. وارتاحت حينما سمعت حركة صوفي في الغرفة، وأن تشم رائحة فمها.

 **

"كايلا".

قبل أن تفتح عينيها، اعتقدت أن الصوت يعود للبروفيسور هانيسون. لماذا ارتاحت لذلك؟. كان يعلم أنها هنا. طرفت بعينيها كثيرا وابتسمت. جاء ليراها. تمنى أن تكون على ما يرام.

"كايلا".

فتحت كايلا عينيها. كان دينيس، دينيس بقميصه الشبيه بالبلوزة، وبساعده المغطى بالشعر. قال دينيس: "عليك أن تنهضي. ماري تبحث عنك. كانت قلقة. نحن عائدان إلى البيت". نظرت كايلا إلى ما وراء دينيس، ولكن كانت صوفي قد انصرفت. والغرفة فارغة.

قال دينيس: "هيا بنا". وتابع النظر إلى الباب. أراد أن يرحل. شعرت كايلا أنها غريبة. وكانت تحلم. قالت: "أين صوفي؟".

-"حان وقت الانصراف. هيا بنا. لنتحرك". طرفت نحوه من مكانها بجوار الوسادة.

قال دينيس وهو يجر الغطاء: "تعالي يا كايلا". كان ثوب كايلا قد ارتفع وظهرت ثيابها الداخلية.

قال: "يا للمسيح". وألقى الأغطية فوقها. كان وجهه أحمر.

قالت كايلا وهي تنهض: "آسفة". جرت ثوبها إلى الأسفل. وبحثت عن صندلها.

-"وأنت؟".

أدهشتها نبرة صوته - حينما رمقته، تعمد أن ينظر إلى الأرض. شعرت كايلا بالغرفة التي كانت حولها، وصندلها الرخيص في يدها. قالت: "أنا لا أشعر بالعار، إن كان هذا ما تفكر به".

بدأ دينيس يضحك، ولكنه بدا مرهقا. وقال وهو يفرك عينيه: "يا للمسيح. أنت فتاة رائعة".

وأضاف: "أعلم أنك إنسانة شريفة".

السخط الذي انتابها بعدئذ، كان أقرب للبغضاء - "ربما أنا لست كذلك".

ابتلت عينا دينيس، وغلبهما الألم. قال: "طبعا أنت كذلك. أنت أكثر من هذا الشيء وحده". مسح دينيس وجه كايلا، وعينيها، وفمها، وأمكنها أن تقول إنه يرى ما يريد، وأنه يجد التأكيد على القصة التبريرية التي أقنع نفسه بها عنها. كان مظهر دينيس حزينا وبلغ أرذل العمر. وذات يوم، وهذه حقيقة، ستبلغ أرذل العمر مثله أيضا. وسيفنى جسدها. سيغيب وجهها. وماذا بعد؟. هي تعلم، مسبقا، أنها لن تتمكن من التعامل مع ذلك على نحو مقبول.

كانت فتاة متعبة وسخيفة. وليست جيدة في أي شأن. المسألة أنها كانت تعرف من قبل رودين، وشارتر. كل ذلك ذهب وتلاشى. هل هناك عالم تعود فيه إلى تلك الأشياء؟. لم تكن لبقة بما فيه الكفاية، حقا. وحتى فيما بعد. كسولة وتبحث عن طرق مختصرة. كانت أطروحتها تتعفن في مكتبة جامعتها، وهي مائة صفحة من العذاب عن طرد جواكيم من المعبد. ولم تتقن اختيار الهوامش وحجم الحرف حتى جهزت بصعوبة بالغة عدد الصفحات المطلوب. وفكرت هل يفكر البروفيسور هونيسون بي ولو على نحو بائس؟. قادت دينيس كايلا في آخر لحظات الحفلة، نحو الباب الأمامي. في أي موقع وجد الكعكة في طريقه؟ قدمها لها، ملفوفة في فوطة. ربما شعر بالسقوط. هزت كايلا رأسها. بدأ دينيس يقول شيئا، ثم أوقف نفسه. هز منكبيه وقضم لقمة من الكعكة ولاكها بشهية. نظر في هاتفه.

قال دينيس: "ماري تأتي بالسيارة. وهكذا بمقدورنا أن ننتظر هنا". امتلأ فمه، وتجاهل تساقط الفتافيت أمامه، والتصاقها بأسنانه. حينما شاهد دينيس كايلا تراقبه، عاد إليه وعيه. أنهى الكعكة بلقمة وواحدة، ونظف شفتيه بالفوطة. على الأقل أقلع عن فكرة إلقاء المحاضرات عليها. لإقناعها أن هناك عظة ما في كل ذلك. العالم لا يعمل هكذا، وليست مأساة محدودة أن دينيس لا يعرف ذلك حتى الآن؟. ابتسمت كايلا وابتلعت بطنها، فقط تحسبا - من يعلم هذا؟. ربما هناك مصور يختبئ هناك في الظلام، شخص ما يراقبها، شخص تبعها حتى هنا، شخص ما ينتظرها بصبر حتى تظهر.

***

.......................

هوامش:

1- أطباق مصنوعة من البورسلان.

2- مؤرخ إيطالي وأرشبيشوب جنوا.

3- شخصية كرتونية اخترعتها وورنير براذيرز في الثلاثينات.

* إيما كلاين  Emma Cline: كاتبة أمريكية معاصرة. من أهم أعمالها: سويسراتي 2026، المرشحة للبوكر في لندن، وتتكلم عن الموت الرحيم في سويسرا. أما القصة فهي من مجموعتها "أبي" الصادرة عام 2020 عن راندوم هاوس.

من الأدب الكردي:

لطيف هلمت.. ثلاث قصائد

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - الشاعر

أصغت سمعي للمياه

كانت ترنم للضفاف

أصغت سمعي للأطيار

كانت تغرد للسرح

أصغت سمعي للسرح

كانت تغني للربيع

أصغت السمع للربيع

كان يشدو للشاعر

وحين يممت وجهي شطر

الشاعر

ألفيته يذوب

قطرة

تلو قطرة

ويصير نارا..!

***

2 - النجمة

لقد آبت كل الأنجم

المهاجرة

و حطت على زجاج

الشبابيك

و وكرت

باستثناء نجمتي

أين أبحث؟

أية قرى؟

أية روابي؟

و أية أطرقة؟

أخشى أن تضيع

نجمتي

كما ضاعت

أمي!!

***

3 - الموت

كل الناس يموتون

بعضهم بالداء

و بعضهم الآخر

من الوجل

بعضهم بحوادث

سير

و بعضهم الآخر

من الفرح

بعضهم بالجوع

و بعضهم الآخر

بفيضان

بعضهم بطلقة

نارية

و بعضهم الآخر

في غيهب السجن

بعضهم في الوغى

بعضهم الآخر

بالسم

أما أنا

فالذي يقتلني

هو هواك

أيها الوطن..!

***

......................

* نشرت الترجمة في مجلة (كاروان – القافلة) العراقية، عدد (5 / شباط 1983).

بقلم: وليم كارلوس وليمز

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

الخميس

كان لدي حلم - مثل الآخرين

ولم يفض الى شيء،

لذلك أبقى الآن غير مبال

بأقدام مغروسة في الأرض

وارفع نظري الى السماء -

اشعر بملابسي تلفني،

وثقل جسدي فوق حذائي،

حافة قبعتي، الهواء يمر داخلا وخارجا

من انفي - واقرر ان لا احلم بعد الآن.

***

...................

وليم كارلوس وليمز (1883-1963) شاعر وروائي وكاتب مقالات ومؤلف مسرحي اميركي من مواليد رذرفورد بولاية نيوجيرسي. درس الطب في جامعة بنسلفانيا حيث التقى ازرا باوند ووقع تحت تأثير افكاره حول الحداثة والصورية. يعد وليمز أحد اهم اقطاب الحداثة الأدبية في اميركا خلال النصف الأول من القرن العشرين الى جانب باوند واليوت على الرغم من اختلافه مع بعض افكارهما وخصوصا حول الاستخدام المفرط للإحالات والاقتباس والتضمين في الشعر وحول الصورة وبعض ميزات اللغة الشعرية وموضوعات الشعر. تتميز اعمال وليمز بالطابع المحلي لتفاصيل الحياة اليومية الاميركية بتنوعها الثقافي والاجتماعي والعرقي.

بقلم: فيلهلم بوش - (Wilhelm Busch)

ترجمة: انور شكر حمود

***

العصفور المرح

حَطَّ عُصفُور على الغِراء*،

يُرَفرِف عاجِزًا، يَبغي الخَلاص.

تَسَلَّق نَحوه هِرٌّ أَسْوَد،

بِمَخالِبَ جـارِحَة وعُيُون تَتَوَهَّج

تَسَلَّقَ الشَّجَرَةَ وَكان يَعْلُو وَيَعْلُو

يَقْتَرِبُ مِن العُصفُور المِسكِين أَكثَر وأَكثَر

يُفَكِّر العُصفُورُ: مادامَ الأَمرُ هَكَذا

وَمادامَ الهِر سيفترسني لا مَحالَة

فَلَن أُضِيع الوَقت جُزافًا

سَأُنشِدُ اللَّحنَ قَلِيلًا

واغَرِّد بِمَرَح كَما سَبَق...

إِنَّهُ العُصفُور المَرِح!

***

...................

* الغراء مادة لاصقة تستخدم للصق الاشياء.

* هاينريش كريستيان فيلهلم بوش (Wilhelm Busch) (14 أبريل 1832 – 9 يناير 1908)  رسامًا وشاعرًا ألمانيًا، واشتهر برسوماته التي كانت مصحوبة بأبيات شعرية ساخرة وحكيمة.. نشر قصصاً مصورة ذات ابتكار جامح ولا تزال تحظى بتأثير كبير حتى يومنا هذا.

بقلم: جاكوب هوكس

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

تأخر الطالب كاسيوس بالتخرج ثم انضم إلينا. كان أسطورة. متخصص بالرياضيات وبطول ست أقدام وعرض بوصة، يضع نظارة بإطار رفيع ويرد شعره عن وجهه كلما تكلم. جاءت به روزاليند من الشارع. كنا نعيش في بلدة صغيرة قبالة غولدين غيت، على طريق هضبة تنتهي بغابة، عند منعطف خليج سان فرانسيسكو، حينما يلتف حول قاعدة البلدة، وحيث شريط من الشوارع السوداء تنحدر إلى الأسفل بشكل حلزوني وتفصل ما بيننا وبين الماء. كانت روزاليند تراقب من مكانها في الباحة الأمامية كل سيارة تتسلق الهضبة وتدلي بتعليقات مناسبة. تقول: "تلك سوزان بلاكفيلد. تبدو بوجهها كأنها كانت في نفق للرياح. إن كنت مسنا، ما المشكلة أن تبدو مسنا؟".

فيقول هيكتور: "هذا هو الكلام". ويمد يديه ويكشر والسيجارة بين أسنانه.

ثم جاء كاسيوس يمشي على الهضبة، وكان يبدو مثل طالب من مدرسة ثانوية في فترة 1960، بقميص بوليستر مزرر وبهيئة تشبه إكابود كرين (1) وبحزام يربط به كتبه. قالت لي روزاليند: "هذا ثالث يوم له على التوالي".

رفعت رأسي وشاهدت كاسيوس بين أعمدة السور.

قالت له روزاليند: "أنت. أنت".

توقف كاسيوس.

"تعال واشرب معنا".

تلفت كاسيوس بالاتجاهين.

فقالت روزاليند: "تعال حالا".

هبط كاسيوس عن الرصيف. قالت له روزاليند وهي تفتح البوابة: "مظهرك ليس سيئا. مع ذلك يجب أن لا تمشي هكذا".

كانت روزاليند زوجتي وحب حياتي، وتعيش في نهاية الشارع. تدخن لفائف من النوع المحفوظ في علب بلاستيكية بيضاء والتي تضعها بين أسنانك. وهذا نوع من الولع المثير للأعصاب الذي لا يناسب غير الشخصيات الجذابة. عموما لا زلنا صديقين. وهي تعيش حتى الآن مع فتاة، تعمل في قسم بيع الجبنة في السوبر ماركت. ولذلك هي تسكن في هذه المحلة. كنت في الثانية والثلاثين من العمر، وحاولت أن أضع في ذهني فكرة أنني محظوظ لأنني أعيش في شمال كاليفورنيا، حيث الخريف يحل والسماء لماعة زرقاء وأوراق أشجار التين مصفرة. في يوم ما سنموت جميعا. ماذا بعد؟. أي اتصال أفضل من لا شيء على الإطلاق. والألم أفضل من الفراغ. كانت باحتي الأمامية مكانا لتجمع الرجال، وروزاليند. وهيكتور هو العضو الأول المؤسس. رجل يعمل في الرخام. ولديه عائلة في مكسيكو ويعيش هنا بمفرده. ومع أنه يربي الأطفال، كان بالأساس أعزب طيلة حياته. وهذا ما يرتاح له. حصل على عمله الأول في هذا البلد، وكان في قطع قصب السكر في فلوريدا وهو بعمر خمسة عشر عاما، ومن حينها يعيش بمفرده أو حصرا برفقة رجال آخرين. ولكن حبه الأساسي الشطرنج. وكان شريكه في الشطرنج رجلا صينيا اسمه لينغ، ويعمل في تجارة الرخام أيضا. هناك شرفة متهالكة في مقدمة بيتي، يتواجهان فيها مساء مع زجاجة تكيلا. ومع أنهما صديقان حميمان يتظاهران بكره الواحد للآخر. يلقي كل منهما كلمات عنصرية لا يفهما غير رجل أحدهما.

"ماذا قلت لي؟".

"ماذا؟".

"قلت شيئا ما".

"ماذا؟".

"هذا ما أسألك عنه؟".

من جهتي حضرت مساحة لزرع الخضار في الباحة الأمامية، وكانت روزاليند تقف هناك وهي تدخن اللفائف وتهين الجميع بأسلوب طيب الطباع. أما عنايتها الشخصية بالصحة فهي هامشية. حينما تنهي تدخين لفافة، تحمل العقب، وتلقي به على الأرض. لاحقا ألتقطه. وهي لا تطبخ. ومع ذلك تتصرف كأنها أمنا جميعا. جعلت روزاليند من نفسها إنسانة لا غنى عنها، ببساطة لأنها أكثر موهبة من أي شخص آخر. كانت تشرب وتأكل وتدخن بسرعة مدهشة، ولها قوام رائع. عيناها كبيرتان وجميلتان. وبسهولة فائقة تحل بسرعة الكلمات المتقاطعة يوم الأحد والتي تعمل أنت عليها ليوم كامل. وكانت تعمل في الإعلان، حيث تتجول في الصالة وهي تنفخ اللفائف وتسخر من الناس، ثم تخترع شعارا سوف يكرره التلفزيون لخمس سنوات. حينما قابلت روزاليند، كانت فتاة من ميشيغان ببراءة بلورات الثلج. ولكنها الآن متورطة بمغامرات جنسية. وكانت تخبرنا عن مغامراتها المقرفة والجنسية. وخلال جلساتنا المسائية في الحديقة، تذرع الباحة بخطواتها، وهي تدخن، بينما أنا أركع على ركبتي وأحفر، في حين يلعب هيكتور ولينغ الشطرنج. وهذه مقولة لروزاليند خلال نوبة تأمل: "هذا هو الهدف من الجلد - ليغسل. من المدهش أنه، ضمن نطاق معقول، يمكنك أن تضع أي شيء تريده عليك، ثم تزيله بدون أن يؤثر على طريقة أداء جسمك. وهذا صحيح حتى بالنسبة لداخل فمك. أو عانتك، أو مؤخرتك. القليل من المايونيز لن يجعل طحالك يفسد. وطبعا أقصد المايونيز رمزيا...".

بالرغم من كل هذا، كنا نعاملها بالاهتمام الذي نحتفظ به عموما للجدات. كنا نحترم نصيحتها. لفت هيكتور ولينغ الانتباه لنقلاتهما الخيالية في استراتيجية الشطرنج وهما يميلان إلى الخلف في كرسييهما قائلين: "ها". ثم ينظران إذا ما كانت روزاليند قد لاحظت ذلك. ولكن لم يخامرهما فكرة الحصول على سروالها. نحن حقيرون، بالتأكيد، ولكننا نتحرك في مستوى مختلف هنا، مستوى يكون فيه الجنس دائما مادة للكلام، بدون تحويله إلى أفعال - مستوى لا يدخل الجنس فيه بيننا. وهذا شيء عقيم لكنه محرر. ما أن تتخلى عن فكرة النوم مع إحداهن، يمكنك أن تقول لها أشياء لا تخطر ببالك في بقية الظروف. انظر إلى هؤلاء الناس في هذه الباحة: نحن رجال، سلسلة من الجزر ومن جنس واحد. هيكتور بلغ الثالثة والستين. ولديه ابنة بعمر خمسة وثلاثين عاما وهي معلمة مدرسة في مكسيكو سيتي ولم تكن تعيش معه أبدا. والاجتماع بالبغايا أكثر تواترا بالنسبة له من مخابرة زوجته بالهاتف. ينظر لينغ إلى الأرض ويهز رأسه كلما تكلم عن زوجته. فهو يحبها ومع ذلك يصفها تقريبا وكأنها تمثال مشخصن من البورسلان ويعود لقرن آخر. ولأسباب تشعر أنها دينية، ولكن من الواضح أنها ليست كذلك، لم يمارسا الجنس لما يزيد على عقد. ورغم ذلك بقي مخلصا لها. يقول: "أحيانا أشعر أن خصيتي ستنفجران".

فنضحك.

فيرد: "لا يوجد شيء مضحك في ذلك".

مثل كل الأبطال التراجيديين كانت روزاليند تتبع دورها الخاص بها. فهي أم وابنة. وهي امرأة، تحاول أن تحزر ماذا يعني أن تكون امرأة. وتعرض أمامنا تفاصيل هذا البحث، والذي يوفر لنا رؤية للخلف. هناك بيننا فكرة مشتركة وصامتة مفادها أننا في رحلة نحو حياة أخرى، وسنكون فيها مجهزين لمعرفة أنفسنا وماذا نريد. ولكنني لا أريد أن أذهب إلى أي مكان. ما لدي غير ما أريد، وما زلت أخشى أن أفقده. أصبح كاسيوس منتظما بحضوره. وتبين أنه جنوبي. وهو من ضواحي ممفيس، ويعزف على الغيتار في وقت فراغه. ولم تمر فترة طويلة قبل أن يأتي بغيتار غيبسون في الأماسي ويجلس على الشرفة الأمامية، ليبدأ بالنقر والغناء بصوت مرتفع وحزين ينتمي إلى حقبة أخرى. كان أبواه متورطين بتجارة المخدرات، وتم فصله عنهما بأمر الدولة في طفولته، ليترعرع في بيت لتربية الصبيان. وجاء إلى هنا لدراسة الذكاء الصناعي في ستانفورد. ولم يكن يشرب، ورفض العروض بلعب الشطرنج، وفضل الجلوس على الشرفة ومحادثة هيكتور ولينغ ومراقبة دخان روزاليند. واعتادت روزاليند أن تناديه كاش.

كانت تقول: "يا للمسيح. متأكدة يا راي أننا نجذب الناس المتميزين إلى هنا؟".

قلت لها: "بالفعل".

جلس كلانا على الشرفة وظهرانا نحو البيت، ونحن ننظر إلى الأسفل نحو ضوء الغروب الذي يتنقل على عرض الخليج. انتهى كاسيوس للتو من أغنية وطفونا في جنة من هواء المساء والصمت الكريستالي، وكل منا غارق في أفكاره، مع أننا ننظر إلى نفس المشهد.

قالت روزاليند: "إذا توجب عليك أن تعيد كل شيء، ماذا تعيد بشكل مختلف؟".

قلت: "هذا سؤال منك ولكن لا يمكن تخيله".

قالت: "وإذا؟".

"إذا كان علي أن أعيد كل شيء ثانية، سأكون والدك وليس زوجك".

قالت روزاليند: "لا أمانع لو كنت ابنتك".

"سأكون عاشقا لك، حتى لو أنك ابنتي".

قالت روزاليند: "أعتقد أن هذا شائع".

كيف فقدت روزاليند؟ أم عليها أن تبدأ من هذا؟ حين قابلتها، كنت أطير في الأعالي ولم تفهم أنها خارج جماعتي. لم نناقش الحب الواحد. بدأنا نعيش في المدينة وبعد سنتين أتيت إلى هنا. وبالنظر لما حصل أدهشني أنني كنت أفضل التنقل دوما. كنت أشرب كثيرا. وأحببت المدينة. عملت في المطاعم وبعد ذلك كنت أسهر في الخارج حتى الساعات الأولى من الصباح. لذلك لا توجد مقاييس محدودة لاتخاذ القرار، وتدبرت الحفاظ على هذا المزاج سليما بعد الخروج إلى هنا. وكان يقودني أحد أصدقائي بالسيارة إلى البيت في الصباح، وهو يطلق النفير أمام غولدن غيت عند شروق الشمس. وكنت أحتل المقعد الخلفي، ولساني في أذن أحد الأشخاص، ثم أتخبط لأغادر السيارة أمام بيتي وأنا أضحك، وكنت أدخل وأسقط على السرير بجانب روزاليند، بينما لا أزال في ثيابي.

قالت لي في أحد الصباحات: "أين كنت؟".

تخرجت روزاليند من المدرسة ولم تتابع إلى الجامعة وباشرت حياة العمل مع المؤسسة. كانت بالغة، ولديها حياة لا أعرف عنها أي شيء.

قلت: "ماذا تعنين؟".

قالت: "ليلة أمس أم هذا الصباح - أين كنت؟".

قلت: "في الخارج. أعمل كما أظن. كما هو الحال دائما".

"هل تدرك يا راي أننا متزوجان؟".

"طبعا أدرك".

قالت: "كنت أحبك".

قلت: "وأنا أحببتك أيضا. انتظري".

كانت مستلقية وظهرها ناحيتي. كنت أشم الكوكائين وأشرب وتذكرت إحساسي أنني حاولت سحبت ذهني من بئر عميق لأستعمله في تكهن ماذا يجري لي، ولكن كان ذلك ثقيلا ولا يمكن رفعه إلى الضوء. كنت بالثلاثين من العمر. ومر على زواجنا أنا وروزالين عامان، ولم يخامرني الشعور بمرور الوقت. كان الأمر كما لو أن كل علاقتي مكونة من فترة أربع وعشرين ساعة يتيمة، وتكرر نفسها مرارا وتكرارا. ولكن ذلك غير صحيح. فالعالم يتحرك إلى الأمام بدوني.

قلت: "هل تريدين مني أن أتبع برنامجا صارما".

"أي نوع من البرامج؟".

قلت: "لا أعلم".

حينما استيقظت كانت قد رحلت. بعد ذلك كنت أعود إلى البيت من العمل وأستلقي في السرير بانتظار شروق الشمس، ثم أنهض وأذهب إلى المستودع، وأجلس في بيتي الفارغ وأشرب القهوة، وأنا أجري بعيني على أخبار اليوم. كنت غير معتاد على غرف بيتي. كنت غريبا على المشهد المرئي من الشرفة.

اعتدت الجلوس على الشرفة في الليل، لأنظر إلى النجوم البراقة وفم الخليج الأسود والمستوي. المساء حولنا رائع. ولكن كانت السماء تبدو بلون قرمزي حزين إذا راقبتها وحدك. بدأت أعتني بالحديقة، وسريعا ما أصبحت همي الوحيد بالإضافة إلى عملي. الاحتفاظ بيدي مشغولتين يساعدني بطريقة لا ينجح بها أي شيء آخر. أصبحت الباحة الأمامية مجالا للنظر. وكان الناس يتوقفون ويتكلمون عنها. وهكذا قابلت هيكتور.

قال هيكتور وهو في طريقه في أحد الأيام: "لديك هناك شيطان عابث يعمل في حديقتك".

وقبل أن يبدأ بإنفاق أمسياته هنا، اعتاد أن يبتاع اثنتي عشرة علبة من دوس إكويس ثم يجلس على شرفته، ليشرب ويستمع إلى التلفزيون من خلال الغربال الواقي للباب.

قلت: "شكرا".

"أنت من النوع المهتم بالطبيعة". كان هيكتور يضع علب البيرة على ألواح السور.

قلت: "لا. فقط أمرر الوقت".

"زوجتك هربت أليس كذلك؟".

قلت له: "هذا صحيح".

قال هيكتور: "كانت جميلة". التفت ونظر إلى الطرف الشرقي من السماء كأنه يراها هناك وأضاف: "أعني ذلك. فقد رأيتها. وأنا لا أخترع الكلام. كان لديها ما تريد".

وفتح البوابة وأجلس نفسه على الدرجة الأمامية وقال: "بيرة؟".

قلت: "لا شكرا". وقررت أنه لا يزعجني وجوده، ولكن لن أتوقف عن العناية بالحديقة لأجله أيضا.

"في هذه الحال أعتقد أنني سأشرب اثنتين. هل تلعب الشطرنج؟".

قلت: "لا".

في الليلة التالية، حياني هيكتور وفتح البوابة ودخل. بعد أسابيع، جاء لينغ برفقته. وتركه هيكتور هناك وذهب إلى بيته ليأتي برقعة شطرنجه.

قال لينغ: "أخبرني هيكتور أن زوجتك تركتك".

قلت: "صحيح".

"أنت رجل محظوظ".

وضحكنا معا.

عادت روزاليند بعد حوالي عام. توقفت شاحنة نقليات على بعد عدة بيوت منا في الشارع. توقفت عن العمل ونظرت لأراها وهي تخرج من بار السائق. كانت تدخن واحدة من لفافاتها - عادة لم تفارقها منذ أن ابتعدت عني - كانت ترتدي الجينز وقميصا مقلما بالأبيض والأسود مع منديل مربوط حول رأسها. كانت نحيلة ومتعبة كما لم أشاهدها من قبل.

قال هيكتور: "هيي. تلك زوجة راي السابقة هناك".

قال لينغ: "هل هي؟". ونهض لينظر، وهو يميل على دعامات الشرفة وتابع: "إنها جميلة".

قال هيكتور: "أخبرتك بذلك. يبدو كأنها ستسكن هنا. هل سترحب بها يا راي أم ماذا؟".

كنت واقفا ويداي ترتاحان على البوابة، وأحدق بالشارع. كانت حياتي عمليا مثل قارب في الضباب. والآن هذا. الشيء الوحيد والمزعج أن تدرك أنه لديك امرأة تحبها وتعاملها مثل كلبة. حينما رأيت روزاليند تغادر شاحنة النقليات، توقعت أنني أحلم. عبرت الشارع ووقفت أنظر إليها.

قالت: "ماذا؟".

قلت: "آسف. خيل لي أنني في حلم".

قالت روزاليند: "لم أتعمد ذلك. أعني أردت أن أعيش في المدينة، ولكن ليس بالضرورة في هذا الشارع. إنما ليس لديك خيارات هنا. هل يمكنك أن تنتقي؟".

قلت: "هل تريدين أن تأتي لشرب البيرة. أنا لا أشرب، ولكن يوجد رجلان عجوزان على شرفتي الآن ويلعبان الشطرنج ويخمران كل ليلة".

"أنت لا تشرب؟".

عبرنا الشارع ثم فتحت لها البوابة.

قلت: "ماذا جرى للفتاة الضاحكة؟".

"لا تفتح هذا الموضوع. ليكن لقاء بيرة ومودة".

قلت: "حسنا".

فتحت علبة بيرة وقدمتها إليها.

قالت: "إذا. أنت حقا لا تشرب؟".

قال هيكتور: "هذا صحيح. لم يشرب طيلة وقت وجودنا هنا. ولم يمارس الجنس مع أي كانت أيضا. اسأليه".

نظرت روزاليند نحوي. ثم أبعدت عقب لفافتها ورمته على الأرض وجهزت لفافة أخرى في الحامل وأشعلتها. وقالت: "حديقة ممتازة".

كان كاسيوس أصغرنا، وأصغر من روزاليند. ورأيت في ذلك علامة جيدة، ولكنها أرعبتني. بحث روزاليند عن حياة جديدة تمركزت أساسا على فكرة المزيد من التحكم الذي اعتادت عليه - وسمعتها تقول: كنت دكتاتورة غير ذكية - وكانت تنظر إلى كاسيوس كأم بعين، وكشريك جنسي بعين. وكاسيوس، مثل بقيتنا، عاشق. وأول مرة تنظر فيها نظرة بعيدة ترى قلبك المفطور مرميا هناك، وتشعر بمزيد من الألم وربما أكثر من لحظة انكساره. التوقعات تركز على الكثير من الوفرة والحياة. أعلم أنني مخطئ، ولا أنفي ذلك. وأسحب الكثير من الآراء لو تمكنت.

قالت روزاليند في إحدى الأمسيات: "حسنا. تعال معي يا كاش".

نظرت إليها. نظرت هي إلى كاسيوس. وكاسيوس نظر نحوي.

قلت: "لا تنظر لي".

وقفت روزاليند في داخل الباب فقط. ووقف كاسيوس عند قوس الشرفة ثم تقدم وأخذ يدها. وغاب كلاهما في البيت.

قلت للينغ: "اسمح لي بشرب الزجاجة". التفت لينغ إلى التكيلا بقرب هيكتور واحتفظ بزجاجة على الأرض قرب كرسيه وهو يلعب الشطرنج. وقال: "لا أستطيع".

قال هيكتور: "أعطه الزجاجة. فهو ليس ولدا".

وأنا أرتجف، أخذت التكيلا وشربت جرعة كبيرة من الزجاجة، ووقفت هناك أنظر إلى المشهد. أود أن أخبرك أنني شعرت بكهرباء يتدفق منها في داخلي، فارتخيت وجرعت جرعة أخرى، فحملتني بعيدا إلى حالة ذهنية مختلفة، وأمكنني رؤية الجانب الطيب مني ومن بقية الناس. ولكن ليست هذه هي الحقيقة.

***

........................

 1- بطل قصة أسطورة سليبي هولو لواشنطن أيرفينغ.

*الترجمة عن مجلة ناراتيف الأمريكية.

 * جاكوب هوكس Jacob Hawkes: كاتب أمريكي. يعمل بالزراعة وتقطير النبيذ.

بقلم: / بين ليرنر

ترجمة: صالح الرزوق

***

في وقت مبكر من العلاج، قررنا أن لا تقرأ كتابتي. لو صدرت عنك ردة فعل قوية حيال كتابتي، مهما كان نوعها، قد تؤثر على علاقتي معك، ولكن إذا كنت غير مبالية تقريبا، سأشعر بقلة القيمة، وسوء الفهم، والرفض. من زاوية ما ردة فعلك قد يكون مبالغا بها أو غير كافية، ودائما اشتبهت أن مشاعرك تجاه كتابتي، مهما بذلت من جهد للتستر عليها، ترشح من أسئلتك، ومن صمتك، ونصائحك. وما يضاعف من كل هذه المشاكل أن كتبي تشمل موضوعات في السيرة، ونسخا معدلة ومؤثرة من خبراتي وصدماتي ومخاوفي ورغباتي المتعارضة  (دائما أريد الكثير جدا والنذر اليسير). من ذلك إذا كتبت رواية عن كرومويل أو عن غرباء، ولكن لأن أبطالي يشبهونني، كيف يمكنني أن أعلم أنك تخلطين بيننا؟.

دائما كنت تؤكدين أنك لا تعتقدين أن قراءة كتاباتي ستؤثر عليك مهما كانت علاقتك بي، ومع ذلك طالما تساءلت هل أثرت بك، وأيها اكتفت بميزاتها الخاصة. إلى جانب ذلك، قلت أكثر من مرة، المهم أنني آتي إلى عملنا بــ  "المادة الخام"، وهي مزيج من العواطف والرغبات والمثبطات الموجودة وراء كتاباتي. وهذا أفضل من قراءتك لمحاولاتي المعدلة وهي تبحث عن الاكتمال. (هل ذلك هو الحال الراهن؟).

لم نستغرق وقتا طويلا لنتفق أن هذه البنية من الشعور - الإحساس أن كل شيء كثير جدا أو قليل جدا، وأن الخيارات الوحيدة هي مقاربة حميمة غامرة أو هجران، وأنه بمقدورك الالتحام بالشخص أو  أن يرفضك الآخرون - تميز عدة علاقات لي، ولا سيما مع النساء. تابعنا هذا إلى خبرات الطفولة، وبالأخص، طبعا، مع أمي. تذكرت أنني صرخت وأنا أفحص رفوفك خلال أول استشارة، وهي واحدة من ثلاث لنحدد إن كنا "متماثلين على نحو جيد" قائلا: "هل قرأت كتابة أمي؟". (حين سمعت نفسي أسأل هذا السؤال، فكرت بكتاب الأطفال الكلاسيكي الذي أحبه أبنائي وفيه يدور العصفور الصغير ويسأل بقية الحيوانات - والعديد من الأشياء غير العاقلة - "هل أنت أمي؟". كم أكره ذلك الكتاب).  أجبت:  ماذا يعني لك إن قرأت أو لم أقرأ كتاباتها؟.

حينما رشحك لي صديق أحد الأصدقاء، وكلاهما روائي، بحثت عنك في غوغل وعلمت أنك بريطانية، وتلقيت تدريباتك في الفيستوك، وأنك كاتبة، أيضا. ضمت صفحتك في الويب قائمة من عدة قصص قصيرة وأعمالا "غير روائية". ولكن قررت أن لا أقرأها. ثم فكرت: سأستسلم في النهاية. وسيغلبني الفضول في لحظة ما، لأنه لا يمكنني تمالك نفسي، وهكذا قررت أنه يجب مسبقا أن أبدأ بالعملية، فقط لأتأكد أنه لا يوجد شيء واضح يقلل من مستوى كتابتك. كنت أعرف عددا من الأشخاص الأذكياء، ولكنهم كتاب سيئون. ومن الممكن لمحللة نفسية ماهرة أن تنتمي إلى هذا النوع، وشعرت إذا كانت كتابتك رديئة سيستحيل علي أن أثق بك. في إحدى الليالي، بينما شارلوت نائمة بجواري، فتحت إحدى مقالاتك بجهاز الهاتف سرا. ما فعلت لا يمكن التعبير عنه لا بكلمة "قراءة" ولا "اطلاع". كنت أنظر إلى اللغة وأحاول حماية نفسي منها. حاولت الارتباط بهذه الأشياء التي قمت بها (وأصبحت متاحة للجميع) من مسافة بعيدة على أمل أنها لن تتجاوز العتبة التي تجعل علاقتنا مستحيلة. كانت المقالة منشورة في مجلة تسمى "ثلاث عشرة طريقة". وهي عن تعقيدات الحمل في زمن الإغلاق، ورأيت فقرة طويلة عن الحساسين. لم تجذبني جملك ولم تنفرني. كان نثرا جيدا بما فيه الكفاية  (الطريقة التي يتكلم بها وينيكوت عن "أم طيبة"). قررت أن أحدد موعدا، ولكنني اضطربت قليلا حيال محللة نفسية تنشر مثل هذه الكتابة الشخصية على الإنترنت، حيث يمكن لمرضاها العثور عليها. خلال أول استشارة، وبعد أن شرحت لها المشكلة - كما كنت أفهمها حينها - التي أحضرتني إلى العلاج، وبعد أن سألتها إن كنت قرأت والدتي، سألت إن كنت ملمة بــ"عملي"، وتركت حول الكلمة وقفات بالكاد ملحوظة لتنم عن شيء من الرهبة. وطبعا كان جوابك سؤالا عن طبيعة شعوري إن كنت ملمة أم لا، وكيف أرى مقدار تأثير ذلك على العلاج، وهل سيكون القرار بالمتابعة. قلت إنني أشعر شعورا ممتازا إن كنت تقرأين أو قرأت قصائدي، ولكنني مرتبك فيما يتعلق بالروايات. ثم قلت لأنني لا أحمل أي شعور حيال الذات باستثناء كتاباتي، إن إقصاءها عن العلاج يبدو غريبا، ويدعو لليأس، وغير نافع. لن أظهر "بكل ذاتي"، سأتخذ شكل كليشيه. (قرأتني أم لم تقرأني: كارثة في الحالتين). لزمت الصمت لدقيقة طويلة. ربما كنت تقررين إذا كنت ستجيبين على سؤالي بسؤال آخر، ثم قلت: "قرأت بعض شعرك، ولكنني لم أقرأ سردك".

اعتقدت أن ذلك هو الجواب الممكن الذي أريده، ولكن خجلت من إخبارك أنني شعرت بالرفض، أو على الأقل بالخيبة - ولهذا السبب أخبرك هنا. وفكرت أن عالمة نفس بعمري تقريبا وتهتم بالأدب وتعيش في نيويورك، لا بد أن تقرأ على الأقل واحدة من رواياتي. ولا بد أنه كان لدي شعور مبالغ به حيال انتشار سمعتي الأدبية. ولكن كان لديك كتب لأصدقائي والمنافسين لي وقد رأيتها على الرف بين المراجع المتخصصة بالتحليل النفسي. وبدا من غير اللائق لي أنك لم تحاولي على  الأقل قراءة أحد كتبي النثرية. "لم أقرأ سردك أبدا" تعني بالضرورة "وجدت سردك غير مقروء". وبالتأكيد باشرت بالاطلاع على إحدى قصصي في هذه المجلة - وهي بين المجلات الموجودة في غرفة الانتظار - ثم قمت بتجاهلها؟.

سألتها إذا اتفقنا على العمل معا، هل ستقرأين المزيد من كتابتي، القديمة والقادمة؟. هل ستصبح موضوعا للنقاش، فقد توجه على نحو ما علاجي؟.

قلت هذا أمر سنناقشه مع الوقت، شيء يمكننا "الانشغال به"، ويمكننا اكتشاف ما يعنيه لي ما قرأته وما لم تقرأه من أعمالي (وهذا لا يتضمن الاقتباسات الاستثنائية التي تتكلم عنها). بالتأكيد أنت لا تريد قراءة المزيد من تلك الحوارات مسبقا، وحينما تصادف كتابتي في مجلة خلال الانتظار سوف "تصرف نظرك" عنها. (وأشك أنك فعليا تستعملين عبارة "تصرف نظرك"، ولكنني أتذكر فعليا أنك استعملتها، وتفهمت أن ما أتذكره أكثر من سواه هو خطأ غالبا، وما يكشفها هو طريقة الواقع المتعالي للأخطاء العميقة. وشرحت لي أنك لا تمتلكين نظرية عامة عن ما يجب على المحللة النفسية أن تقرأ أو لا تقرأ من كتابة مريضها: "وهذا شيء يجب التعامل معه على أساس كل حالة على حدة".

أزعجني هذا الكلام عن "كل حالة على حدة". ليس في التو واللحظة، ولكن وأنا على متن القطار F المتجه إلى البيت. بالعادة على متن قطار F يبدأ شيء ذكرته بإزعاجي، وأشعر أن لديك عدة كتاب بصفة مرضى، وكل واحد منهم "حالة" خاصة. ربما مرضاك بشكل أساسي من الكتاب، وربما أنت متعمقة في الشريحة الأدبية، وهذا يضر بعلاجنا، ويجعله مستحيلا، ولأن معظم ما أحتاج لمواجهته ناجم عن اضطراب وحيرة من الحدود، وهو اضطراب تتبعه جزئيا إلى المحيط الذي كبرت فيه: والداي كانا محللين نفسيين، وكل أصدقائهما كانوا محللين، والجميع لجأوا إلى العلاج على يد أصدقائهم أو أعدائهم أو أساتذتهم. وبدايات إحساسي بالعلاج النفسي كان نفوذا لحد الإزعاج، ولم يمسك أحد بالإطار، ليحمي الجانب الخطأ من التلامس (كنت طفلا لا يسمح بلمس الطعام المميز وهو في طبقه، وهذه محاولة  ضعيفة للتسيد)، ولهذا السبب أنا الآن، في أواخر أربعيناتي، أخضع فعليا للعلاج النفسي. أنا بأمس الحاجة لك لتمسكي الإطار، بتعبير آخر، لتعلميني كيف أمسك الإطار، ولكن وأنا على متن القطار F خلصت إلى أنك ربما تعالجين العديد من الشعراء والروائيين، ونحن نعرف بعضنا البعض، أو على الأقل عن بعضنا البعض، ونتكلم عن بعضنا البعض، ونلوث علاج بعضنا البعض، وأنا أعتقد أن علاقة المحللة النفسية بمريضها ترشح حتما إلى علاقتها بمريضها التالي. حينما فاتحتك بالموضوع في الاستشارة التالية، كيف أن الكلام عن "كل حالة على حدة" جعلتني أهتم لأن مهنتك تشمل الكثير من الكتاب، والكثير من التقاطعات واحتمال التلوث، أكدت لي أن أيا من مرضاك لا يعرفني شخصيا -- ولكن كيف يمكن التأكد؟. أن أسألهم نوع من اختراق الحدود -- وإذا عملنا في النهاية معا، لن تقبلي أي شخص كانت لي معه علاقة قوية. أنت تفهمين أن ذلك سيقلل من جدية علاجي، ولا سيما أن موضوع الحدود، كما هو واضح، شديد الأهمية و محدد جدا بالنسبة لي وبطرق سوف نكتشفها. لكن تم التأكيد مجددا. على متن F شعرت بالضيق. شيء غير مريح - غير مريح أبدا أن ترفضي العمل مع أي شخص يمكن أن أعرفه، أو يمكن أن يعرفني، غير مريح جدا أن تضبطي أسلوبك لتحميني من هذا القلق. اعتبرت ذلك اعترافا علنيا، أنه من الممكن أن يتسرب كلامهم ويؤثر في علاجي، لو كانت لي علاقة مع مريض آخر من مرضاك. والأسوأ أنني كنت أخشى (لحد الجنون) أن استعدادك لقطع وعد قد يكشف أنك استثمرت فيني أكثر مما يجب. ربما تقرأين كتب والدتي وبالتأكيد يعنيك كثيرا أنك رغبت، بوعي أو بلا وعي، أن أكون مريضا لديك؟. أو ربما كرهت كتبها وأردت أن تعاقبيها من خلالي؟. أو ربما قرأت من كتاباتي أكثر مما اعترفت لي به، وأعجبت بها، أو كرهت قراءتها، ولديك رغبة بتبديل أسلوبك كي تضعيني في الفخ لأنني هدف علاجك التطهيري - علاجك التطهيري يخمدني، كان لمسة غير مناسبة، كأنك تشاهدين الكثير ممن سيصبحون كتابا. في الحالتين، كان كارثة.

الاستشارة الثالثة: أعربت عن قلقي من أن قراراتك عن من يمكن أن أراه بغرض حمايتي لا يحتمل. شرحت لي، بنجاح تقريبا وأنت تكتمين ابتسامتك، أنك كنت تحددين سياسة عامة لا تقبلين بموجبها مرضى يعرفون بعضهم البعض.  وذكرت أن هذا القلق بسبب القراءة أو عدم القراءة، الكثير أو القليل، التلوث، اللمسة السيئة، والاحتفاظ بالإطار، وهكذا، هي أشياء يمكنك مساعدتي بها، المساعدة في التحقق والتعامل معها. وذكرت أيضا أن ردود الأفعال القوية هذه وأشكال المقاومة التي أمر بها نتيجة لطريقة الانهماك في العلاج قد تساعد في الحقيقة على نحو جيد خلال عملنا المشترك. فعليا وربما نحن انهمكنا؟. وبعد ذلك قررت الاعتراف أنني اطلعت على بعض كتاباتك (دون الانغماس معها)، ولكن لم أتمكن من الاعتراف. هل تذكرين (تذكرين طبعا) كيف اعتقدت أنني أخبرتك عن أوعيتي الدموية وجذورها،  واحتمال تمدد الأوعية في نقطة اتصالها بالقلب، وهو شيء اكتشفته بالصدفة قبل خمس عشرة سنة من كوني مريضك، وكيف صدمني وأزعجني أنك لا تبالين بحالتي الطبية. أتذكر قولك: "هذه أول مرة أسمع عن ذلك، هل يمكن أن نتمهل ونعود ثانية إلى البداية؟".

في هذه اللحظة، أكون قد زرتك طيلة عام تقريبا، واقتنعت أنني كونت هذا التاربخ الطبي بوقت مبكر ولكنك فشلت في الاحتفاظ به. في الحقيقة لم أذكره أبدا. وهذا جزئيا إشارة إلى مدى قبولي لإصرار  طبيب القلبية، بسبب استقرار أوعيتي عبر سنوات، أن حاجتي لتدخل جراحي يقل، ناهيك عن احتمال الموت بسبب جفاف الأوعية. وأعتقد الآن أن قلقي نجم أيضا من كتابة رواية كان فيها المرض الوعائي مركزيا (واحتمال الموت أو إجراء عملية قلب مفتوح). ولذلك قلت لي إنك لم تقرأي رواياتي، ولكن يجب أن أشعر في مكان ما أنك قرأت رواياتي، ومن تلك الخيالات استنتجت حقائق مركزية عني، وهكذا، طبقا لمنطق سحري ومشوه، فشلت في تذكر ظرفي القلبي الغامض، ويبنى على ذلك بالتزامن تناسي حياتي وأدبي، وهو أمر محزن وعدمي. ربما بالوعي الباطن تسترت على هذه المعلومات الطبية، لأتمكن من عرض هذه النسخة الخاصة من الهجران - أتستر عليها حتى يخبرني طبيب القلبية أن هناك اختبارات جديدة يمكنها المساعدة في تمييز الأمراض الأورطية الخطيرة من الحالات المجهولة وغالبا الحميدة، وعليه ربما أقدم أيضا على إجراء الاختبارات لتهدئة ذهني. بالنظر إلى القياسات المستقرة خلال عدد من السنوات، شعرت أن النتائج مطمئنة، ولكنني كنت قلقا، وذكرت الاختبارات لك، وتبين أنها أول مرة أثرت أيا من هذه الموضوعات. على كل حال كل ما عليهم فعله هو أخذ عينات من بطانة الخد، وبغضون أسبوعين سينعم ذهني بالراحة. تمزق ذهني خلال أسبوعين. أنت تعرفين التفاصيل. ولا يتوجب علي شرحها هنا. ويكفينا القول أن النتائج كانت تعني، بالإضافة إلى أمور أخرى، أن وعائي بالتأكيد تقريبا سوف يتدهور أكثر، ومهما كان الأمر كنت في ذروة خطر احتمال تمزقه ولو بحدود صغيرة وثابتة (مستقرة حتى لا تكون كذلك وفجأة). بضوء هذه المعلومات، طلب طبيب القلبية صورة جديدة، محورية مقطعية وبالمرنان المغناطيسي للمقارنة، ليس الإيكو القلبي ثنائي الأبعاد. واكتشفوا أن كل التقديرات السابقة قللت من الحقيقة كثيرا، وكنت أتجول لخمس عشرة سنة بعجز أورطي كبير يتجاوز كثيرا عتبة العمل الجراحي - وما كنت أخشى حدوثه في المستقبل كان حاضري منذ وقت بعيد. وهكذا شعرت بالانهيار نتيجة كل هذه الاختبارات، وهذا الوصف المرعب لنسيج أوعيتي.

ستوقفينني هنا قائلة: تابعت مهام الأبوة على نحو جيد، حتى في أسوأ اللحظات. تدبرت تنظيم مواعيد لا تنتهي مع أطباء الأشعة والقلبية والجراحين، وكسبت جماعة رائعة من المؤيدين، وهكذا.  تريدين مني أن أقول حتى في هذه القصة التي لا يمكنك قراءتها (على الأقل بدون الإضرار بعلاجي، وإنهاء عقدنا) لم أتعرض للانهيار النهائي. رغم معاناتي ونوبات الاضطراب العقلي. لم ألق نفسي أمام قطار F، مع أنني أتخيل باستمرار أنني أقف أمامه وهو يدخل المحطة في ويست فورث، ليبدو الأمر كأنه حادث، أو كما لو أن أحدهم دفعني. ما أن حصلت على النتيجة من عينة بطانة الخد، تبدل عملنا معا. توقفنا عن استكشاف الرغبات المتضاربة وأصولها، نسختي من إيروس وثاناتوس، وطموحاتي وميولي بخصوص اغتيال الذات، وشكاياتي من الزواج ("شارلوت لم تحترم عملي!").  ميولي لسؤال البشر والأشياء "هل أنتم أمي؟". حيرتي حول العلاج النفسي ذاته، إلخ. كلا. العلاج النفسي الآن يتعلق بكيفية واحتمال متابعة حياتي في غضون الساعات المقبلة القليلة، وأن يمر الليل وأنا على قيد الحياة. في جلسة سبقت حصولي على نتيجة الاختبار، تكلمنا عن صعوبة البكاء بالنسبة لي، وكيف أنني بالتأكيد لست قادرا على البكاء في التحليل النفسي، وربما لن أتمكن من ذلك على الإطلاق. وفي الجلسة التي أعقبتها - وفي العديد من الجلسات اللاحقة - كنت أبكي وأنا أتلوى وأرتجف. أتذكر الكثير من هذا بصيغة الغائب، وأمكنني رؤية نفسي أتوسل إليك من خلال نعيبي كي تؤكدي لي أنني هنا لأتمكن من رؤية أبنائي يكبرون، وقد فعلت ذلك. اشتقت لمشاكلي القديمة، ولكنها تنتمي لعالم آخر. بالتأكيد أنا الآن غير قادر نهائيا على تذكر ما يتعلق  برعاية شيء ما مهما كان تافها، مثل إن كنت قرأت كتبي أو لم تقرأيها. وأعتقد أنك وقفت معي  ببساطة -لماذا أقول ببساطة - من خلال استعدادك لتقبل الموضوع، وبمشاهدة وتقبل كل أحزاني ومخاوفي، وبمرافقتك لي، ومساعدتك لي لأشعر أنني أنعم بالرفقة بدون أن تفقدي رباطة جأشك حينما كنت أعترف. مع أن لونك أحيانا تبدل، ووجهك احمر حيال تطرفي، ولكن بقيت تعابيرك في باقي الحالات ثابتة. في ذلك الوقت كنا لا نرى أنفسنا عدة مرات في الأسبوع فقط، ولكن أيضا جعلتني أكتب لك كل صباح، وهو شيء لم أتخيل أنني سأفعله. وكنت أقتلع نفسي من السرير وأحمل معي مضادات بيتا(1) وأكتب لك رسالة يأس وكنت تردين في خلال ساعة، وتكتبين شيئا بسيطا وداعما. قائلة: "سمعت كم أنت يائس وكيف تشعر. ولكن توجد كل الأسباب لتتفاءل، وبإمكاني تقديم الأمل لك الآن وحالا، حتى إذا كنت لا تستطيع الوصول إليه. سأراك في العيادة يوم الثلاثاء، ويمكنك للاتصال بي عند الحاجة لتكلمني قبل ذلك الموعد".  ولا أعرف لماذا ساعدتني هذه الرسائل، باعتقادي أنها ساعدتني، على الأقل بمقدار محدود. والقليل من المساعدة في مثل هذه اللحظات يعادل شيئا كثيرا. ما أن تحدد موعد الجراحة، حتى بدأت بالاستقرار. أن يكون لديك خطة واضحة يبلور كل شيء، ساعد ذلك على أن أتكلم أنا وشارلوت، بهدوء، مع الأولاد، ولم يكونوا خائفين كما خشيت، فقد تمكنوا من كبح خوفهم وتجاهله، وساعدني أيضا أنني شعرت بكامل مهارات وحب "طاقمي" من الأطباء، والأصدقاء، والعائلة.  بدأت أحظى ببعض الدقائق كلما راقبت الرياح وهي تدخل بين الأوراق، وأحيانا أشعر لدقائق، بزوال العذاب. تعاملت مع بيروقراطية التأمين والجامعات. وتمكنت من تقليب مسودات مقالتين كتبتهما حينما كنت قادرا على الكتابة. بحثت عن نشاطات في المستقبل البعيد كما لو أنه يوجد نشاط ما. ورتبت وصيتي ووثائقي المالية. وتأكدت أنني أضحك بوجود الأولاد على المائدة في الغداء. وتأكدت من تناول الغداء. ومحيت مسودات ومعظم مراسلاتي الإلكترونية والتي تصدمني الآن لأنها ذات ميول انتحارية. وأخبرت كل من أحبه بمقدار حبي له. كنت خائفا من الموت أو أن لا أشفى وأرعبني كثافة وصدقية كآبتي التي غالبا ما تعقب جراحة قلبية هامة، ظرف يشبه ما بعد الموت والمعروف ببلوز القلب (2)، ولكن في آخر جلسة وقبل الجراحة، حينما قلت حتى لو مررت بمثل هذه الكآبة، ستساعدينني أنت و"طاقمي"  بالخروج منها. وأعتقد أنني صدقتك. وقلت إنه عاجلا سأصبح على الجانب الآخر من هذا، وسأكتب عنه. وأتذكر قولك أنني سأكتب عنه "بلغة جميلة"، ولكن ليس لديك طريقة لتعرفي إن كنت قادرا على كتابة نثر جميل ورشيق. في الساعة المقررة، فتحوا صدري، وضعوني على جهاز بديل، حاصروا قلبي، وبتروا امتداد الوعاء المريض، ولكن حافظوا على الصمام الأصلي، وربطوه ببديل صناعي، تتفرع منه الآن الشرايين التاجية، ثم وصلوا البديل بالأبهر الصاعد وأعادوا قلبي للعمل، وأغلقوا صدري. شيء من هذا النوع. بعد أسبوعين ونصف من الجراحة، كتبت مقالة عن محنتي. ونشرت فورا تقريبا في هذه المجلة. حمل غلاف العدد الذي نشرها صورة لقلب بشري، واعتقدت أنها، ولا زلت أعتقد، صورة قلبي. أشعر بالاعتزاز لهذا العمل، بدون علامات تنصيص ساخرة: كانت تبدو حقيقية، مهما كان معنى ذلك،  وشعرت كأنها تصل بسرعة مطردة، وكانت مع الحياة، وهي جزء من بقائي وشفائي، وتثبت أنني لا أشكو من نقص معرفي دائم في آلة الوسائط (حاليا لست متأكدا تماما)، وتثبت أنني لا أزال (أو لأول مرة؟) قادرا على التمتع بحياتي مع اللغة. في خيالي كتابة ونشر عمل هو دفاع ضد بلوز القلب.  واصلنا جلساتنا في الأسبوع الثاني من شفائي، وعالجنا "الصدمة المنضبطة" للجراحة بالهاتف لأنني كنت أتألم ومرهقا وغير قادر على امتطاء F، ولكن بعد سبع أسابيع عاد جسدي المتغير إلى مكتبك بجوار ويست فورث، ووجدت نفسي أحمل نسخة من المجلة، غطاء أمان صغير تصنعه الكلمات. وأنا أعود إلى العالم بحذر، غالبا ما أقرأ مجددا المقال كما لو أنني أبرهن لنفسي حقيقة ما مررت به، وحقيقة أنني على قيد الحياة. كنت جزءا من فرانك أوهارا - "قلبي في / جيبي، وهو قصيدة لبيير ريفيردي" - وجزءا من ذلك الشاب في "الجبل السحري" الذي يحمل صورة إكس لصدره في كل الأوقات، ليعرضها على الجميع، وهو يقول، لا أستطيع أن أعتقد أنهم لمسوني هناك. (أتذكر هذه الشخصية بقوة، ولذلك ربما اخترعته). في نقطة ما أدركت أنني قادم إلى عيادتك وقطعة من قلبي في حقيبة صغيرة لأنني أود أن أقدمها لك. وكان شعوري يختلف عما ناقشناه قبل وقت طويل من التشخيص والصدمة، ويختلف عن شعري ورواياتي. هذا عمل غير سردي - حتى لو أنني اخترعت بعض الشخصيات المتماسكة - وهذا وصف للعناية التي تلقيتها والمرونة التي أملت أنها واضحة، وكانت لا تزال توثق تجربة كان لك فيها دور. ورأيت أنه يسهل علي الكلام عن ذلك في جلسة واحدة - عللت ذلك أن برهانا أكبر يمكن لرغبتي أن توفره لك لا يعتبر مشكلة. ولم أشعر أن قراءتك له قد تكون أمرا كبيرا جدا أو صغيرا جدا. ولم أهتم بمتابعة ردة فعلك. أردت فقط أن  أشاركك بهذا العمل الذي أعتقد أنه استوعب معاناتي، والتي يمكن استيعابها. وربما، كما أرى، أن هذا الشعور الواضح والهادئ يتضمن بعض التطور؟. وربما، بهذه الطريقة البسيطة، هزمت مفهوم ما هو كثير جدا أو قليل جدا؟.

لم تقولي لي "كلا، لن أقرأها أبدا"، ولكنك قلت إنه علينا تخفيف سرعة الأمور: "علينا أن نأخذ وقتنا بالكلام عن بعض التجارب الحياتية وليس طريقة عرضها وتمثيلها"،  وهذا فرق لست متأكدا أنني قادر على شرحه فعلا. "دعينا نتكلم عما يعني هذا". وحقيقة أنني لم أنظر إلى ترددك على أنه رفض - ولا حتى على متن F بعد الجلسة - يؤكد لي إحساسي أنه عليك قراءة هذا العمل في نهاية المطاف،  كما تغلبت بوضوح، على الأقل في هذه الحالة، على حالتي العصابية بخصوص علاقتك مع كتاباتي. مرت عدة جلسات بدون أن أذكر قطعة قلبي مجددا، مع أنها كانت دائما ملفوفة في حقيبتي. غني عن القول هناك العديد من الأشياء الأخرى التي يجب الكلام حولها لو وضعت باعتبارك ما مررت به، وما جرى. الآن أراك مرات أقل في الأسبوع، ولم أعد أرغب بالموت في مسيرتي، كنت قادرا على المزيد من التفكير والمشاعر المختلفة. ولكن مع مرور الجلسات، بدأت أشعر، بالضبط لأنني أشعر بنوع من النضج تجاه قطعة قلبي، أنه ليس من العدل أو أنه ليس من العدالة الإلهية أن ترفضيها، وبرفضك المقالة - ومع أننا لم نناقشها مجددا - ألا ترفضين الاعتراف بتحسني؟.

في إحدى الليالي، حينما كانت شارلوت نائمة بجواري، أدركت بلحظة خاطفة، وبقوة الإيحاء: يجب أن لا أطلب الإذن كما لو أنني طفل. يجب أن أقدم لك المجلة فقط. ويمكنك قراءتها أو عدم ذلك، ويمكننا الكلام حولها وعدم الكلام، ولكن أردت أن أعطيها لك، نقطة آخر السطر. وبالتأكيد يجب أن تقري أن ملكية القرار لي، فأنا أؤدي عملي في المؤسسة، وهو شيء،طالما ناقشناه. وفي الحقيقة من الممكن أن هذا بالضبط ما انتويت بترددك أن تصلي إليه - الظرف الذي يتعين علي أن أضطر للتصرف خلاله بدون تلكؤ، أن أعطيها لك ثم أنسحب. احتجت أن أكون على مستوى المناسبة، التي ساعدت في تحضيرها لي. نويت أن أفعل ذلك فورا حالما أدخل إلى مكتبك في موعدنا التالي. وأن يكون أول شيء أقوم به وأنا أجلس،  ولكن لديك برنامج من الأسئلة لي، ثم نجد أنفسنا نتكلم عن أمور أخرى، وهكذا تتبخر من العيادة، ثم حينما ينتهي وقتنا أجد نفسي وأنا أمد يدي إلى الحقيبة. فتحت فمي لأبلغك بفصاحة قراري ولكن سمعت نفسي أهمهم شيئا عن تحسني وأنا أنهض عن الكرسي. لم أقترب منك من قبل، كان المخرج على يمين مجلسي. ولكن الآن فجأة - فجأة وببطء- زحفت نحوك مثل فرانكشتاين، مثل فرانكشتاين أوهارا وقلبه في يده وليس في جيبه، هذا الوحش الذي تم إيجاد قلبه مؤخرا وأعيد تشغيله. بدون قصد تذكرت كل الأنابيب والأسلاك التي ربطت بها في المستشفى، وتصورت أنها كانت تتبعني  وأنا أتحرك نحوك مثل قاتل بالفأس، حاملا فأسا تحمل صورة قلبي، معتديا على فضائك الخاص، معتديا على فضاءات عديدة، قاذفا المؤسسة بالشتائم القذرة، وشاتما الملكية. شيء، بدأ بالحركة ولم أجد القوة لإيقافه، أردت الهروب من المكتب ولكن عجزت عن تغيير مساري. لم يكن هناك شيء أفعله، سوى تقريب المسافة بيننا، لأعطيك قطعة قلبي أو أرميك به، ولكن في النهاية وأنا أقترب - مرت ثوان فقط، وشعرت كأنني استغرقت دقائق، وكأنما أدنو منك خلال سبعة وأربعين عاما - رفعت كلتا يديك، وراحتاك نحوي. تجمدت. توقفت في مساري ميتا كما يقال. الدم يخفق في أذني. بقيت تعابيرك هادئة، ولكن احمر وجهك. قلت لي: "دعنا ننتظر ونتكلم عن الموضوع يوم الجمعة. من فضلك تريث الآن". قلت: حسنا. طبعا. وهربت.

لم نتكلم في الموضوع يوم الجمعة، أو في الجلسة التالية، ولا خلال عدة أسابيع، ولكن وجدت نفسي أفكر أنني صنعت مشهدا، وأنا أتخبط نحوك مع نهاية الجلسة، والاضطراب يغمرني بشأن ما فعلت، وافترضت أن صمتك يقصد تحريك هذه الأفكار. يمكنني رؤية عدد التصرفات "المعبرة"، والتي تقطع فكرة مفادها أنني أنظر بدون عقد لقراءتك (أو عدمها) في قطعة قلبي، ثم تساءلت إن لم تصنعي بعض العقد حين رفضت قبوله بهدوء حينما أتيحت لك الفرصة أول مرة - وهو رفض، بين أمور أخرى، لبلوغي الجانب الآخر من الجراحة، ولتري كيف حولت المعاناة إلى كتابة. إن كان دنوي منك ومعي المجلة مسألة كبيرة، فقد ساقني إلى ذلك عدم استلامك لها أولا، وهي مسألة تافهة. في ذلك الوقت كنت أحاول أن أكتب قصة جديدة، قصة لا علاقة لها بقلبي - على الرغم من أنه ما من شيء لا يمس القلب— ولكن كلما حاولت الشروع في العمل، وجدت نفسي أرفع بصري عن الصفحة أو الشاشة، مشتتا بصورة راحتيك المرفوعتين: كنت تمنعينني—تمنعينني من مواصلة الحياة والعمل رغما عن التشخيص. نعم، حسنا، كنا بحاجة إلى إعادة النقاش حول القراءة أو عدمها، وربما كان علي تفسير سبب اقترابي منك بتلك الطريقة الفوضوية، ولكن بالتأكيد كان عليك أنت أيضا تقديم بعض المراجعة الذاتية: ألا يمكن أنك، من خلال عدم قدرتك على استقبال "قطعة القلب" [المقالة]، تعبرين عن مقاومتك اللاواعية لعلاجي، ولتبادلاتنا؟ ألا يعبر ذلك عن ارتيابك بفكرة التبادل نفسها، تجاه ما يسمح لي بإعطائه، وتجاه ما يمكنك أنت أخذه؟ ربما كنت ترسلين لي دون وعي رسالة مفادها: "لا يمكنني تحمل الأمر".

ولهذا السبب، عندما عدت أخيرا إلى موضوع محاولتي الفاشلة في إعطائك المقالة، صغتها بطريقة ربما لم تكن محايدة تماما؛ حيث قلت في إحدى الجلسات، وكأنني أنا المعالج وأنت المريضة المتمردة: "أفكر أنه يجب علينا إعادة النظر في رفضك لقبول مقالتي"، وهو ما جعلك تضحكين.

"تضحكين" كلمة مبالغ بها؛ لقد أصدرت صوتا، صوتا بريطانيا خالصا، اعتبرته ضحكة مبتورة، ضحكة كتمت بنجاح شبه تام، رغما عن أنني أرجح أنه أشبه بصوت إقرار، صوت ينم عن مفاجأة خفيفة ممزوجة بالاهتمام، لكنه كان على الأقل قريبا من الضحك. مرت برهة قبل أن تقولي أي شيء، ثم سألت: "لماذا تريدني أن أقرأ المقالة؟"

وجدت هذا السؤال—بساطته وسذاجته المتعمدة—مستفزا للغاية. هل أصبت بفقدان الذاكرة؟ كيف يمكن لأمر كهذا أن يتطلب مزيدا من الشرح، ناهيك عن البدء من نقطة الصفر؟ لقد سقطت، ورأيت ذلك، وساعدتني، فقد خضعت لعملية قلب مفتوح، أتذكرين؟ هل كنت بحاجة لرؤية ندبة عملية استئصال عظم القفص؟ جروح خروج أنابيب الصدر؟ هل تحتاجين مني أن أفك أزرار قميصي هنا الآن وأريك إياها؟ لقد دخلت غرفة العمليات على قدمي ونجوت من الجراحة، وكتبت كل ذلك، ودونته في خضم الألم واضطراب نبضات القلب؛ كانت قطعة القلب جزءا مني، وكانت الكتابة الجزء الأفضل في، وكانت كتابتها جزءا من تماثلي للشفاء، وكل شخص في "طاقمي" الطبي قرأها، إلى آخر ذلك. لكن كل ما قلته هو:"ماذا تعنين بـ 'لماذا أريدك أن تقرئيها؟'".

"أعني ذلك تماما: لماذا يهمك أن أقرأ هذه القطعة بالذات؟ أن نعدل اتفاقنا؟".

"هذا الأمر مختلف". أعتقد أن حديثي عن العلاج يميل إلى الاختصار، على العكس تماما من كتابتي.

"هل يمكنك أن تخبرني مجددا لماذا هو مختلف—لماذا يختلف، مثلا، عن إعطائي نسخة من روايتك الجديدة؟".

"تريدين مني أن أكرر كل الأسباب؟ أولا، إنها قصيرة، وهي نص واقعي (غير خيالي)".

"قل المزيد عن سبب أهمية كونها نصاً واقعياً؟"

"لكننا تحدثنا بالفعل في كل هذا".

"حدث أكثر من مرة أنك تظن أنك أخبرتني بشيء أو شرحت لي شيئا بينما لم تفعل ذلك في الواقع. ثم تشعر بالخذلان والإهمال عندما لا أستحضره في ذهني. وأنا لا أريد أن أضع افتراضات هنا. لذلك أعتقد أن الأمر يستحق—".

"إنها تسجيلية. أريدك أن تعرفي كيف كان الشعور".

"ولكن يمكنك أن تخبرني كيف كان الشعور. والمشاعر التي تظهر وأنت تخبرني قد تكون أكثر أهمية من قراءتي لمقالتك، حيث قمت بصياغتها وتكوينها بالفعل".

"لماذا لا يمكن أن يكون الأمران معا؟ لماذا لا يمكنك قبول هذه الكتابة وفي الوقت نفسه نتحدث؟"

"أنا مهتمة بكلمة 'قبول' هذه. ما يمكنني قبوله منك، ولكن أيضا، ربما، عمليتك الخاصة في قبول حقيقة كل الـ—"

"ليس عليكِ حتى قراءتها، كنت أريدك فقط أن تأخذيها، لتكون لديك حرية الاختيار".

"ماذا سيحصل لكَ إذا أخذتها وقبلتها، لكنني لم أقرأها؟ لم أستخدم خيار القراءة؟"

"إنها لفتة".

"وأنا أقترح أن نفكك معنى هذه اللفتة".

"أشعر أن الافتراض كله خاطئ هنا. لماذا يقع عبء الشرح علي لأبرر رغبتي في مشاركة شيء هام بهذا الوضوح؟ أليس العبء عليك لتشرحي— لماذا لا يقع العبء عليك لتقولي—" شعرت بوجهي ترتفع حرارته.

"هل ترى نفسك عبئاً علي؟ أن هناك حدا لما يمكنني تحمله؟"

"لا". نعم. "لا يوجد شيء يمكن أن تقوله في جلساتنا أكثر من طاقتي". كانت تلك الجملة أكثر من طاقتي وتحملي. "ما أضغط عليه وأحاول فهمه هو فكرة أن كتابتك يجب أن تحول بين—"

"حسناً، لننس الأمر".

"ما هو 'الأمر' الذي ننساه؟"

"أنني أردت أن—" لقد أربكتني. بدأت أتفحص رفوف كتبك وكأن شيئا هناك قد يساعدني.

"لا أعرف لماذا أصبحت عاطفيا هكذا. أظن أنني أردت فقط—"وهنا فرضت صمتا كان هو صوت "الإطار" نفسه [إطار الجلسة العلاجية

البني والرمادي في الشتاء، وكيف ظننت أنها يجب أن تهاجر، بينما هي في الواقع هنا طوال الوقت؛ إنها تبدل ريشها وتغير لونها في الربيع، وتحول لونها الموسمي شديد للغاية، لذلك كنت تنتظرين عودة طيور الحسون بينما كانت موجودة بالفعل.تقول المقالة إن لديك فناء خلفيا صغيرا، لذا أفترض أنك تعيشين في بروكلين، ربما بالقرب من مقبرة "غرين-وود" أو "بروسبكت بارك"، بالنظر إلى حركة الطيور التي تصفينها. أم أن هذا حصل عندما كنت تعيشين في لندن؟ لم أصادف عبارة "سقوط الطيور المغردة" من قبل. في المرة الأولى كنت أتصفح جملك فقط، لأرى ما إذا كانت جيدة بما يكفي، ولكن الآن من الصعب ألا أسقط نفسي داخل مبناك، ألا أحلق فوق أحد تلك الهياكل المعدنية المنحنية للشرفات في الشارع الثالث والعشرين، مثلا، وأنظر إلى الألعاب المتناثرة على السجادة البيضاء والكتب على رفوفك والإطارات على جدرانك. (رؤية لوحة فرانكنثالر المطبوعة). من الصعب ألا أفتح الثلاجة، الخزائن، وصيدلية الأدوية، لأرى كيف تعيشين، ما الذي يدور داخل بيتك وجسدك، أن أعرف أكثر من اللازم. من الغريب أن لديك نفس اللعبة المتحركة التي تدور ببطء فوق سرير الأطفال—تلك الصور الظلية للطيور بألوان دافئة—والتي كانت لدينا في غرفة أطفالنا. فقد وضعناها في الشارع في أحد فصول الربيع؛ ربما التقطتها أنت.ثم يمر زوجك ويخترقني تماما. يضع سماعات في أذنيه، وأظن أنه يتحدث الكورية، يبدو قلقا، يرتدي كمامة KN95 سوداء ويغادر الشقة على عجل. أتساءل ماذا يوجد في حقيبته، ما هي وسائل الراحة الصغيرة التي طلبت منه إحضارها. هل تعرفين ذلك الشعور عندما يمر شخص ما عبر حضورك المائي (الشفاف) في حلم اليقظة الصغير أثناء القراءة، أو الإمعان في القراءة؟ لم أكن متأكدا من أن هذا يمكن أن يحدث حتى الآن بعد أن أصبح شرياني الأبهر من البلاستيك، لكنه يحدث. لا أعرف ما إذا كنت في ذلك الوقت الطويل قد توقفت عن القراءة أم أنني حجزت ما قرأته: أنك أنجبتِ أثناء فترة الإغلاق التام (الحظر) وأن طفلتك كانت بحاجة إلى جراحة. والمغزى هنا هو أن المشكلة تتعلق بالقلب. ربما ثقب فيه؟ لدى زميل شارلوت طفل خضع لعلاج ذلك بعد أشهر قليلة من ولادته. ولكن إذا كانوا قد أجروا العملية على الفور، فلا بد أن الأمور كانت حرجة، خاصة بالنظر إلى أن المستشفيات مكتظة ومستنزفة. تكتبين أنهم أخبروك أن رئتيها كانتا بحجم حبتي برقوق، وأن قلبها كان بحجم حبة جوز (قلب طائر الحسون بحجم حبة عدس)؛ لم تحددي ما كان عليهم فعله، ربما لحماية خصوصيتها المستقبلية أو خصوصيتك، ربما لم يكن الأمر يتعلق بالقلب على الإطلاق، ربما كانوا يفرغون السوائل بإبرة فحسب، وهو أمر روتيني، ولكن في مخيلتي القصصية، العملية هي عملية قلب مفتوح. وحتى لو كنت في غرفة العمليات لفترة وجيزة—حيث يعزفون موسيقى التشيلو الهادئة—فإنني لن أنظر، ولن أتنفس فوق أي شيء، لعدم وجود خطر بالتلوث. يمكنني التمييز بيننا؛ هي ليست ابنتي، وأنا لست ابنك. في نهاية مقالتك، تبدو الأمور على ما يرام: طفلة صغيرة تغمغم وتساعدك في وضع بذور "النيجر" في المغذية. لكنني أفكر في لون بشرتك، المرات القليلة التي تغير فيها عندما وصفت كل ما كنت متأكدا من أنه سيحدث بشكل خاطئ في جراحتي، كل الأضرار الدائمة التي خشيتها، عندما عددت كل كارثة محتملة في حالة الذعر التي عشتها. أتذكر كيف كان عليك في ذلك اليوم، قبل أن أقترب منك ومعي المجلة، أن تتحدثي معي بشأن جدولة المواعيد. ربما كان عليك أخذ ابنتك لإجراء الفحوصات والأشعة؟ أحيانا يتسبب الجهد المبذول لمنع الأشياء من التلامس في تمدد الأوعية الدموية الصغيرة في الوجه. لكنني لا أعرف، ولست بحاجة إلى أن أعرف. لقد جئت لأفهم إيماءاتك على نحو مختلف، لقد أوقفتني براحتيك قائلة: "من فضلك تريث الآن" - يا له من كلام جميل. أوقفتني كي أتابع. ولكنني تركتها على متن القطار.

***

.........................

* منشورة في نيويوركير، عدد 29 حزيران 2026.

هوامش المترجم:

1 مثبطات الأدرينالين.

2 الكآبة القلبية.

* بين ليرنر Ben Lerner - كاتب أمريكي معاصر. حاز على جائزة جورج أورويل في الرواية السياسية عن كتابه "نقوش".

قصيدة هايبون معاصرة

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

ركنت سيارتي تحت المنحدر، ومشيت صعودا على طريق صعب المسالك بين أشجار الكينا العالية (1)، انقطع تغريد الطيور فجأة بمجرد مروري من خلالها، وعاد بعد ذلك عند اجتيازها. على أعتاب القمة، ألتقطت أنغاما عذبة هادئة، إنهم أصدقائي في ذلك المكان، في المنزل ذو الجدران الثلاثة فقط (2). ثمة إبريق شاي يغلي على جمر ظاهر، والعديد من الأكواب هنا وهناك. ما من كهرباء، أو ماء جار بالقرب من ذلك الموقع. وهناك زمبيل منسوج يدويا، ممتلىء بحبات المانجو الطازجة، وحوله بعض الحبات المتساقطة. يتقدم رفاقي لاستقبالي وإلقاء التحية تحت سعف النخيل، أنزل حذائي وأدخل لكي أنضم إليهم.

وقت الظهيرة –

ثمة شمعدانات

محملة بالشموع الملونة

نغني بعد تناولنا الشاي ومبادلة الحديث، ويعزف بعضهم على الآلات الموسيقية. مع أنني لا أملك من موهبة غير نبرة صوتي، غير أن فيها الكفاية.

ترقص حافية القدمين

على الأرض الترابية

وهي تعزف على مزمار البان (3)

***

......................

(1) – الكينا، القنقينة، السنكونا: نبات مزهر ينتشر في غابات الأنديز الاستوائية في غرب أمريكا الجنوبية. منه أنواع عديدة. له استخدامات كثيرة.

(2) – المنزل ذو الجدران الثلاثة: هو البيت المكشوف، ويكون مفتوحا من جهة ومحاطا بالجدران من الجهات الثلاث الباقية.

( 3) – مزمار البان، مزمار الراعي: آلة موسيقية قديمة جدا، يرتبط اسمها بالإله اليوناني (بان). واسع الإنتشار في جبال الأنديز ورومانيا.

- ناتالي بوكلاند: شاعرة هايكو وهايبون وسينريو غزيرة الإنتاج، ولدت في ويلز بالمملكة المتحدة وانتقلت للعيش في أستراليا عام 1969. كان جدها راعيا للشاعر (ويليام بتلر ييتس). بدأت بكتابة الشعر في سن مبكرة. نشرت عدة مجموعات شعرية، ومنها (شظايا وأحلام). وردت قصائد لها في مجموعات شعرية مشتركة، مثل (الحياة غالبا ما تكون صامتة) و(قصائد من أستراليا والهند) و(تحت نفس القمر). حاصلة على جائزة جمعية الشعر النيوزيلندية وغيرها. ترجمنا ونشرنا لها العديد من قصائد الهايكو. تكتب الشعر التقليدي أيضا، ومن أشهر قصائدها (في مدينتي، بجانب الطريق، تالف، نساء مسنات يعزفن في الشوارع، قوة ضئيلة، مهاجر، رؤيتهم، الاستيقاظ)، وأيضا قصيدة (ممشى في لندن) التي نقدم في أدناه ترجمتها:

ممشى في لندن

أمشي على ممر المشاة

القذر،

متجنبة براز

الكلاب،

وصحيفة قذرة

والقيء المتخثر.

يندي الهواء الصيفي الرطب

وجهي،

وأشعر بخشونة

على لساني،

 أتساءل: أين هي الشمس 

التي نعرفها؟

تفتقر هذه المدينة الكبيرة

للدفء،

إلا دفىء يد  صغيرة لأحدهم،

ممسكة بيدي

على أمل

أن أدله

إلى طريق عودته

لبيته

سالما.

شعر: لطيف هلمت

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

(1) – المزامير

الأشجار لا تبرح أماكنها

وإن قطعت

إذ انها سرعان ما تنمو

من جديد

أو سرعان ما

تلفظ أنفاسها..

المحب قريب الشبه بالشجرة

إنه قتيل هواه..

أنا الآخر

و إن لم أكن شجرة

لكنني آثرت الموت

في وطني

لأن كل ما أنشده:

أن تكون للزهور البرية

ولأغاني مزامير

رعاة كويستان*

رائحة صبابتي..

***

(2) – اسم

لست الشاعر الذي يروم ترك

بصمات شفتيه

و بنانه

على شفاه

جميع الفتيات..

كل ما أنشده:

أن يكون اسمي

على شفاه جميع

الأطفال

و أن تكون لجذور

السنديان

رائحة مهجتي

***

(3) – الريح

عندما تذوب الريح

الثلوج

تصيرها فيضانا..

وعندما يذوب العشق

فؤادي

يصيره شمسا..

***

....................

* كويستان: المناطق الجبلية الباردة.

- نشرت الترجمة في جريدة (العراق) العراقية، العدد (4406) في 8 تموز 1990.

بقلم: مايا انجلو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

تعال وكن حبيبي

الطريق الخارجي ملئ بالعربات الكبيرة المتجهة سريعا نحو المجهول

والناس يدخنون أي شي يحترق

بعض الناس يطوون حياتهم حول كأس كوكتيل

وتجلس انت متسائلا

الى اين ستلتجئ.

لقد فهمت.

تعال. وكن حبيبي.

*

بعض الأنبياء يقولون ان العالم سينتهي غدا

لكن آخرين يقولون ان لدينا أسبوعا او اسبوعين

الصحيفة تعج بكل أنواع الرعب المتفتق

وانت تجلس متسائلا

ماذا ستفعل.

تعال. وكن حبيبي.

***

.................

مايا انجلو: شاعرة وكاتبة مذكرات وممثلة من مواليد سانت لويس بولاية ميزوري الأميركية عام 1928. بدأت النشر أواسط ستينيات القرن الماضي حيث نشرت أول مجموعة شعرية بعنوان (أعطني شربة ماء باردة قبل أن أموت) تلتها بعد ذلك عدة مجموعات منها (هيا تجمعوا باسمي)، (غناء ورقص ومرح مثل عيد الميلاد)، (قلب امرأة)، (كل أطفال الرب بحاجة إلى أحذية للسفر) وآخرها بعنوان (أغنيات تقذف نحو السماء) عام 2007. كما نشرت خمس سير ذاتية بعناوين مختلفة كان أولها وأكثرها شهرة (أدري لماذا يغرد الطير المحبوس في قفصه). نالت مايا أنجلو عشرات الجوائز والشهادات الفخرية كما رشحت أعمالها لأبرز وأشهر الجوائز الأدبية مثل جائزة البوليتزر وجائزة الدولة.

في نصوص اليوم