ترجمات أدبية

ترجمات أدبية

جرت الأحداث في بلدة كبيرة من مستعمرة فرنسية، حوالي عام 1928. في بعد الظهيرة من يوم الأحد، رغبت بعض بنات مدرسة باربيه الداخلية بالخروج. تلك البنات - تلك البنات اللواتي لديهن 'أوصياء' في البلدة. وعدن أدراجهن في المساء، منتشيات بالسينما، وبحفلة الشاي في 'الباغودا'، وبالسباحة في المسبح، وبالرحلة في السيارة، وبلعبة التنس. لم يكن لي وصي. لذلك كنت أمكث مع ميلي باربيه طيلة الأسبوع وفي أيام الآحاد. وكنا نزور الحدائق النباتية. فهي بالمجان، وتسمح للآنسة باربيه أن تطلب من أمي نفقات إضافية تحت اسم "نزهات الأحد".  وكنا نحب أن نشاهد أفعى البوا وهي تبتلع دجاجات يوم الأحد. خلال أيام الأسبوع لا تتناول الأفعى وجبتها. كان يقدم لها اللحم الميت والدجاج المريض. ولكن في الآحاد كان الدجاج جيدا وحيا، لأن البقية يفضلونه بتلك الطريقة. وكنا أيضا نزور التماسيح الآسيوية. قبل عشرين عاما، تمساح آخر - عم كبير أو ربما والد أولئك الذين كانوا هناك في عام 1928 - قطع ساق ضابط في القوات الاستعمارية. قطعها من جذورها، وهكذا أفسد مستقبل هذا العسكري المسكين، الذي غامر ولمس فمه بساقه، دون أن يفهم أن التمساح إذا لعب فهو يلعب معك بدم بارد. منذئذ، تم إضافة سور حول بركة التماسيح، وبمقدور الإنسان أن يراها الآن تنعم بالأمان، نائمة بعيون نصف مغلقة وتحلم بكل جناياتها وجرائمها السابقة. كنا نحب أيضا أن نرى قرود الجيبون وهي تمارس العادة السرية، أو الفهود السود القادمة من مستنقعات المانغروف، وهي تعاني وتحترق على الأرض الإسمنتية، دون أن تنظر  من خلال السور الحديدي بوجوه الرجال المستمتعين بمعاناتها على نحو سادي، وعوضا عن ذلك تفضل رؤية دلتا الأنهار الآسيوية الخضراء التي يزيد بهاؤها بوجود القرود. وإذا وصلنا متأخرتين، نشاهد أفعى البوا نائمة على فراش من ريش الدجاج. وهكذا نقف لفترة طويلة أمام قفصها. لم يكن هناك شيء نراه، ولكننا نعلم بما حصل قبل دقيقة من الوقت، فتقف كلتانا أمام البوا، ضائعتين في زحام أفكارنا. هذا الهدوء بعد تلك الجريمة. هذه الجريمة المروعة، التي ترتكب بين الثلوج الحارة لذلك الريش، والذي يضفي لمسة حقيقية فاتنة على براءة الدجاج. جريمة بدون دم، من غير أي أثر للدم المراق، وبلا أي ندم. هذا الهدوء، بعد تلك الكارثة، يسوده سلام في غرفة الجريمة. فنرى البو ملتفة حول نفسها، سوداء، تلمع بقطر ندى أنقى من الندى المترسب على زهور الهوثورن، بشكلها الذي يأسر الإعجاب، ممتلئة ومستديرة، وناعمة لكن مدعومة بالعضلات، مثل عمود من الرخام، ثم تتدحرج فجأة بسبب الكسل والتعب، ثم تلتف أخيرا حول نفسها، قبل أن تهمل كبرياءها الثقيل، وتزحف متموجة ببطء وبقوة حلزونية، وهكذا تبتلع الدجاجة وتهضمها بيسر تتحكم به، مثلما يفعل رمل الصحراء المحترق حين يمتص الماء، شكل من أشكال تحويل المادة وهو يتحقق بهدوء إلهي. في هذا الصمت المهيب والمخيم، تدخل الدجاجة في الثعبان. وببهجة تسبب النعاس، يتدفق جسمها الأسطواني زاحفا، على شكل أنبوب طويل ومستمر. شكل لا يشبه سواه، مستدير ويسبب الحيرة، بدون قبضة مرئية على جوانبه، ومع ذلك يكون محسوسا أكثر من أي مخلب، أو يد، أو ظفر، أو قرن أو ناب، عدا أنه أعزل كالماء ولا يشبه بعريه أي نوع من بقية الأنواع. لم تهتم الآنسة باربيه بالبوا بسبب عمرها والحالة المتقدمة لعذريتها. شخصيا كان لها تأثير ملحوظ علي. أصبح مرآها شغلي الشاغل. وبما أنني أنعم بذهن نبيه ومهذب وبروح تهتم بالتفاصيل وبقلب عطوف وكبير أعتقد انها ألهمتني أن أعيد التعرف على الرب الخالق والقسمة التامة للعالم بين قوى الشر وقوى الخير، فكلاهما صفة أبدية، والتعرف على النزاع ببنهما، والذي تجده في أصل كل الأشياء. أو بالاستطراد لرفض ازدراء الجرائم وتقدير البراءة. حينما عدنا إلى المدرسة الداخلية، بأسرع مما كنت أفضل كالعادة دائما، كان بانتظارنا في غرفة نوم الآنسة باربيه كوب شاي وموزة. أكلنا بصمت. ثم ذهبنا إلى غرفتي. وبعد قليل من الوقت دعتني الآنسة باربيه إليها. لم أرد فورا. فألحت بقولها: "تعالي لحظة وشاهدي...". كنت أعقد عزمي. عليها أن تأتي لتصحبني. ولكن كنت أعود إلى غرفة نوم الآنسة باربيه. ودائما أجدها في نفس المكان، أمام نافذتها، مبتسمة، بثوب خفيف زهري، وكتفاها عاريان. فأقف قبالتها وأنظر إليها كما يفترض أن أفعل، ونتفق إذا كانت حالتها طيبة أن تأخذني لمشاهدة البوا.

قالت لي الآنسة باربيه: "كما ترين. هذا ثوب داخلي ممتاز...".

قلت: "أرى ذلك. هو ثوب داخلي فعلا. أنا أرى ذلك..".

تنهدت وقالت: "اشتريته بالأمس. أحب الثياب الداخلية الرقيقة. كلما كبرت بالعمر، زاد حبي لها...".

نصبت قامتها أمامي لأبدي إعجابي به، وخفضت نظرتها التي تفيض بالإعجاب لمرآها. كانت نصف عارية. لم تعرض نفسها هكذا أمام أحد في حياتها، باستثنائي. كان الوقت متأخرا جدا. فهي في الخامسة والسبعين من العمر، ولا يسعها أن تكشف نفسها لأي شخص آخر عداي. كانت تكشف نفسها لي في كل أرجاء المكان، ودائما بعد الظهيرة من يوم الأحد، حينما تكون جميع المقيمات في الخارج، وبعد زيارة حديقة الحيوان. وكنت أنظر إليها بقدر ما تسمح لي.

قالت: "لماذا أنا متعلقة بها هكذا. عما قريب سينفد طعامي وأجوع..".

من جسم الآنسة باربيه تفوح رائحة فظيعة.  لا يمكنك أن تخطئيها. أول مرة كشفت نفسها لي عرفت سر تلك الرائحة الفظيعة التي عمت في أرجاء المكان، وتعرفت عليها، وهي رائحة تأتي من عبير القرنفل الذي تغرق نفسها به، رائحة تجتاح الخزانة، وتختلط مع رطوبة الحمامات، والتي تلسع بعدائية وتحمل آثار روائح عشرين عاما، داخل ممرات المدرسة، وفي وقت الراحة، تتدفق كأنها تعبر من بوابات أحد السدود المفتوحة. ومن خلال بلوزة دانتيلا أسود ترتديها الآنسة باربيه، كلما سقطت بالنوم في غرفة المعيشة بعد الغداء.

"الثياب الداخلية الجيدة شيء مهم. افهمي هذا. أنا أدركت الأمر بوقت متأخر جدا".

فهمتها مباشرة. كان كل البيت يفوح برائحة الموت. العذرية المدنية للآنسة باربيه.

"لمن أعرض ثيابي الداخلية إن لم يكن عليك؟ عليك أنت التي تفهمينني؟".

"فهمت".

ناحت تقول: "لكن تأخر الوقت".

لم أرد. انتظرت لحظة، ولكن لم أتمكن من الرد.

انتظرت لحظة وأضافت: "أضعت وقتي. لأنه لم يأت أبدا...".

فتك بها ذلك الغياب، غياب الذي لم يأت أبدا. غطاها الثوب الزهري الخفيف، المدبج بدانتيلا "ثمينة"، وكأنه كفن، ونفخها كالبالون، وضغط على وسطها بالمشد. كنت الوحيدة التي كشفت لها هذا الجسم المستنزف. الأخريات ستخبرن آباءهن. بالنسبة لي، حتى لو أخبرت أمي، لن يهمها الأمر. فالآنسة باربيه قبلتني في مدرستها على سبيل المنة لأن أمي ألحت كثيرا. لن يوافق أحد في البلدة على قبول ابنة معلمة محلية خشية الإساءة لمدارسهم. لدى الآنسة باربيه قلب طيب. كنا متفاهمتين، هي وأنا. لم أنطق بكلمة. وهي لم تذكر أن والدتي كانت ترتدي نفس الثوب لعامين، وأنها ترتدي الجوارب القطنية، وأنها باعت مجوهراتها لتغطي أقساطي السنوية. وهكذا، وبما أننا لم نقابل أمي أبدا، وبما أنني لم أناقش برنامج يوم الأحد - تلك النزهات المجانية التي أصبحت مدفوعة القيمة ليوم الأحد - وبما أنني لم أكن أشتكي، أصبحت بنظر الآنسة باربيه بمكانة أعلى.

"الحمد لله أنك هنا...". 

كتمت أنفاسي. ومع ذلك كان لديها قلب طيب. انتشرت سمعتها في البلدة، وكانت مثالية على شاكلة عذرية حياتها. قلت ذلك لنفسي، وقلت لنفسي إنها عجوز. ولم يصنع ذلك أي فرق. فكتمت تنفسي.

تنهدت تقول: "يا له من وجود..".

لأنتهي من الموضوع، سأخبرها أنه رفيع المستوى، أنه ثوب داخلي رائع وبالنسبة للأخريات، قد لا يكون مهما، كما هي تظن الآن، وأنه لا يسبب الندم.. لم ترد. تنهدت بعمق وارتدت بلوزتها السوداء الدانتيلا، والتي كانت طيلة الأسبوع دليلا على الاحترام. تحركت ببطء. وعندما أكملت ارتداء أكمام بلوزتها، علمت أن الموضوع انتهى. وأنني سأعيش بسلام لمدة أسبوع. وسأعود إلى غرفة نومي. وسأجلس على الشرفة في الخارج. وسأتنفس. تتابعت هاتان المشاهدتان، زيارة حديقة الحيوان وتأملات الآنسة باربيه، وأشعلت بالضرورة في داخلي نوعا من الحماسة السلبية.

امتلأ الشارع بأشعة الشمس وألقت أشجار التمر الهندي بظلالها الضخمة على البيوت وشاحا واسعا من العبير الأخضر. مر بنا جنود من القوات الاستعمارية. ابتسمت لهم على أمل أن يميل أحدهم لي، ويأتيني، ويطلب مني أن أتبعه. لكن انتظرت هناك لفترة طويلة. أحيانا يبتسم لي جندي، ولكن لم يقترب مني أحد. وحينما يأتي المساء، أعود إلى ذلك البيت وأنا أشعر بالدوار والمرض من رائحة الندم الفاسد. هذا شيء مؤلم. لم ينجذب أي رجل لي بعد. شيء مؤلم. بلغت الثالثة عشرة، استغرقت وقتا طويلا جدا قبل أن أغادر ذلك المكان. ما أن عدت إلى غرفتي، حتى حبست نفسي فيها، وتخليت عن بلوزتي، ونظرت إلى نفسي بالمرآة. كان صدري ناعما وأبيض. وذلك هو الشيء الوحيد الذي كنت أستمتع برؤيته خلال حياتي في ذلك المنزل. خارج المنزل، استمتعت بالبوا، لكن هنا يوجد صدري. بكيت. وفكرت بجسم أمي، التي أشقت نفسها، واعتاش على تعبها أربع أولاد، وفاحت منها رائحة الفانيلا، مثل كل بوصة من أمي الملتفة بثيابها. كانت الوالدة تخبرني أنها تفضل الموت على أن تراني أعاني من طفولة مريعة مثل طفولتها، وأن تجد لي زوجا وتتفهمه، وأن أكون قادرة على عزف البيانو، وأن أتقن عدة لغات، وأن أتقن التصرف في الصالونات، لكن كانت الآنسة باربيه بوضع أفضل منها ومؤهلة لتعلمني تلك الأشياء. آمنت بوالدتي. كنت أتناول طعامي أمام الآنسة باربيه ثم أسرع بالصعود إلى غرفتي لأتفادى العودة مع بقية الطالبات. وأفكر بالبرقية التي سأرسلها في اليوم التالي للوالدة وأخبرها فيها أنني أحبها. ومع ذلك لم أرسل تلك البرقية أبدا. وهكذا مكثت في بيت الآنسة باربيه لعامين، بمحاولة للمصالحة بين ربع ما تدفعه أمي مع ظروف عذرية تلك المرأة السبعينية، حتى جاء اليوم الرائع، حينما وجدت أمي نفسها غير قادرة على المتابعة مع التكلفة الشهرية، فجاءت يدفعها اليأس، لأرافقها، وهي مقتنعة أن الانقطاع عن التعليم قد يعني البقاء معها طيلة حياتها. استمر ذلك لعامين. كل يوم أحد. ولعامين، مرة في الأسبوع، كنت أعتز أنني أول من تشاهد افتراسا عنيفا، بأطواره التي تسبب الدوار، وبتضاريسه الدقيقة، ثم الافتراس الآخر، وهذا بطيء، وبدون شكل، وأسود. كل ذلك بين عامي الثالث عشر وعامي الخامس عشر. وقد تطلب مني الأمر أن أكون موجودة في التوقيتين، كنت أشعر بالألم لأنني لا أتلقى التعليم المناسب، ولأنني "أقترب من سقوطي وسقوط أمي"، ولا سيما أنني لن أجد زوجا مناسبا، إلخ...

كانت الأفعى تفترس وتهضم الدجاجة، بينما الأسف يفترس ويهضم الآنسة باربيه، وهذان الافتراسان كان أحدهما يتبع الآخر، ويأخذ في عيني معنى جديدا، وبالضبط لأن أحدهما يلي الآخر دوما. وبما أنني كنت أواجه الأول كمشاهدة، وهو مشهد الدجاجة والبوا، اعتبرت دائما أن البوا مسؤولة بمرارة مرعبة عن العذاب الذي يجب تحمله، بخيالي، وأنا أضع نفسي بمكان الدجاجة. هذا احتمال. وبالمثل بما أنني كنت أرى الآنسة باربيه وحدها، كنت أدرك بدون شك: أن الحياة البشرية حافلة بالبؤس الثقيل، الذي لا مهرب منه، كما هي حافلة بعدم التوازن في نظام المجتمع، والأشكال المتداخلة من الهوان الناجم عن ذلك. ولكن كلا. كنت أنظر للمسألتين باستثناءات نادرة فقط، الواحد بعد الآخر، وفي نفس اليوم، ودائما بنفس الترتيب. وبسبب هذا الترتيب، مرأى الآنسة باربيه أعادني إلى ذكرى البوا، البوا الجميلة، والتي كانت برائعة النهار، وبصحة متوحشة، تفترس الدجاجة، وبالمقارنة، كانت الحادثة تجري بترتيب مدهش وبساطة ساطعة وبراعة أصلية.

تماما كما تحولت الآنسة باربيه —بعد أن رأيت البوا— إلى تجسيد للرعب المطلق؛ رعب أسود، باطني، ومخادع. لم يكن المرء يرى افتراس براءتها وهي تحدث، بل كان يرى آثارها فقط ويشم رائحتها؛ المرعبة والخبيثة، المضللة، والجبانة، وقبل كل شيء، المترعة بالغرور. كيف كان لي أن أبقى غير مبالية بتتابع هذين المشهدين اللذين ربطت بينهما بدافع قدر مجهول؟ كنت ألهث يائسة، عاجزة عن الهروب من عالم الآنسة باربيه المغلق، ذلك الوحش الليلي، ودون أن أتمكن من بلوغ العالم الذي أحسست على نحو غامض بفضل البوا، ذلك الوحش النهاري. تخيلت هذا العالم الحر والقاسي، وتصورت أنه حديقة نباتية شاسعة، وفيها وسط النافورات والبرك المنعشة، وفي ظلال أشجار التمر هندي الكثيفة التي تتخللها بقع الضوء الساطعة، تجري مبادلات جسدية لا حصر لها؛ تتراوح ببن الالتهام والهضم، مع قران يجمع بين الصخب والهدوء — ذلك الهدوء الذي يغلف الأشياء تحت الشمس وفي قلب الضوء، بهدوء وصفاء ورعشة بسيطة مذهلة.  وكنت انتظر على شرفتي، وامكث عند التقاء هذين الحدين الأخلاقيين، وأبتسم لعساكر القوات الاستعمارية الذين كانوا الرجال الوحيدين المتواجدين دوماً حول قفص البوا، لأن ذلك لم يكن يكلفهم شيئاً، هم الذين لم يكونوا يملكون أي شيء أيضاً. لذا كنت أبتسم، مثل عصفور يختبر جناحيه دون دراية، مؤمنا أن هذه هي الطريقة الصحيحة للوصول إلى الفردوس الأخضر لتلك البوا المجرمة. هكذا استطاعت تلك البوا، التي كانت ترعبني أيضا، أن تعيد لي وحدها جرأتي وجسارتي. لقد تدخلت في حياتي مثل مبدأ تربوي يطبق بانتظام، أو إذا فضلت، بدقة حاسمة تشبه "رنّة الشوكة الرنانة" حيال الرعب؛ مما جعلني لا أشعر بنفور حقيقي إلا أمام نوع معين من الرعب، يمكن وصفه بالرعب الأخلاقي: رعب الأفكار الخفية، والرذائل المستترة، وأيضا المرض غير المعترف به، وكل ما يحمل خجلا وفي عزلة. وفي المقابل، لم أشعر بالرعب تجاه القتلة مثلا؛ بل على العكس، كنت أتألم لأولئك الذين أُودعوا السجن منهم، لا من أجل كيانهم الجسدي تماما، بل من أجل طبعهم السخي المغمور الذي توقف في مساراته المهلكة. فكيف لي ألا أعزو إلى "البوا" هذا الميل الذي كان لدي للاعتراف بالجانب القاتل في الطباع، وهي التي كانت في عيني التجسيد الكامل لذلك؟ التي بدت لي جميعها كضرورة سيمفونية، لدرجة أن فقدان نوع واحد منها كان كفيلا بتشويه الكل بشكل لا يمكن إصلاحه. صرت أرتاب بالأشخاص الذين يملكون الجرأة على إطلاق أحكام على تلك الأنواع التي تعتبر "فظيعة"، وعلى الثعابين "الباردة والصامتة"، والقطط "المنافقة والقاسية"، وما إلى ذلك... فئة واحدة فقط من البشر بدت لي أنها تنتمي حقاً إلى هذا المفهوم الذي شكلته عن "النوع"، وهن بالطبع المومسات. تماما مثل القتلة، كانت المومسات (اللواتي تخيلتهن مشتتات عبر غابة العواصم الكبرى، يطاردن فرائسهن ويلتهمنها بذاك الكبرياء والتبجح اللذين يصاحبان الطبائع القدرية) يثرن في الإعجاب ذاته، وكنت أتألم لأجلهن أيضا بسبب الجهل الذي يحطن به. وعندما أعلنت أمي أنها لا تعتقد أنها ستجد من يتزوجني، مثلت "الآنسة باربيه" أمام عيني فورا، فواسيت نفسي بفكرة أنه لا يزال هناك "الماخور"، الذي ولحسن الحظ سيبقى موجوداً دائماً إذا تطلب الأمر. تخيلته كنوع من "معبد فض البكارة" حيث تذهب الفتيات اللواتي في مثل وضعي، واللواتي لم يكتب لهن الزواج، ليكشفن عن أجسادهن لغرباء، لرجال من صنفهن نفسه، وذلك بمنتهى النقاء (إذ لم أفهم الجانب التجاري للبغاء إلا لاحقا). كنوع من معبد التبجح، كان على الماخور أن يكون صامتا، لا يتحدث فيه أحد، حيث يتم ترتيب كل شيء بحيث لا يكون هناك سبب لنطق ولو كلمة واحدة؛ غمر مقدس للأسماء. وتخيلت أن الفتيات يضعن أقنعة على وجوههن للدخول إلى هناك، بلا شك لاكتساب مجهولية نوعهن، محاكاة للغياب المطلق لـ "الشخصية" لدى البوا (تلك النموذجية التي ترتدي قناعا عاريا وعذريا)، حيث يتحمل نوعهن ببراءة وحده كل مسؤولية الجريمة، تلك الجريمة التي تخرج ببساطة من الجسد كما تخرج الزهرة من النبتة. هذا الماخور، المطلي باللون الأخضر، بذات الخضرة الطبيعية التي تكتنف افتراس "البوا"، وبخضرة أشجار التمر الهندي العالية التي  تغمر شرفة يأسي بظلالها، بصفوف غرفه المتجاذبة حيث تمنح المرأة نفسها للرجال، كان يشبه نوعا من أحواض السباحة التي يذهب المرء إليها ليغتسل، ليتطهر من عذريته، وليُنزع شبح الوحدة عن جسده. يجب أن أتحدث الآن عن ذكرى من طفولتي لم تزد هذا المنظور للأمور إلا ترسيخا. حين كنت في الثامنة على ما أظن، سألني أخي، الذي كان في العاشرة، يوما أن أريه "كيف" يبدو الأمر. رفضت، فأعلن بغضب أن الفتيات "قد يمتن من عدم استخدامه، وأن إخفاءه يسبب الاختناق وأمراضا خطيرة جدا". لم أطاوعه، لكني عشت لسنوات في شكّ مضن، زاد من وطأته أني لم أفض بسري لأحد. وعندما تجلت لي "الآنسة باربيه" بحالها ذاك، رأيت فيها تأكيدا لما قاله لي أخي. صرت واثقة أن "الآنسة باربيه" لم تكن عجوزا إلا لهذا السبب، لأنها لم تكن يوما ذات نفع، لا للأطفال الذين بوسعهم الرضاعة من هناك، ولا للرجل الذي يكشف عنه. لقد كان "تآكلا للوحدة" يتجنبه المرء بلا شك عبر الكشف عن جسده. إن ما جرى استخدامه، استخدامه لأي شيء – ليكون مَحطا للأنظار مثلا – كان مصونا. ففي اللحظة التي يصبح فيها الثدي ذا نفع لرجل، حتى ولو لمجرد السماح له بالنظر إليه، وتأمل شكله واستدارته وقوامه، في اللحظة التي يشعل فيها هذا الثدي رغبة الرجل، فإنه ينجو من ذلك التحلل. ومن هنا نبع الأمل الكبير الذي علقته على "الماخور"، بوصفه المكان الأسمى لتجلي الأجساد وانكشافها. ولم تكن "البوا" لتؤكد هذا الاعتقاد بأقل من هذا الشكل الباهر. بالطبع، كانت البوا ترعبني بافتراسها، تماما كما كان يرعبني ذلك الافتراس الآخر الذي وقعت "الآنسة باربيه" فريسة له، لكن البوا لم تكن تملك إلا أن تلتهم الدجاجة بتلك الطريقة. وبالمثل، لم تكن المومسات يملكن إلا أن يكشفن عن أجسادهن. أما "الآنسة باربيه" فقد مدت بؤسها إلى حقيقة أنها تهربت من هذا القانون القاهر، وفشلت في الفهم، فشلت في – كشف – جسدها. وهكذا، انفتح العالم، ومعه حياتي، على ممر مزدوج شكل خيارا جليا: فمن جهة، كان هناك عالم "الآنسة باربيه"؛ ومن جهة أخرى، كان هناك العالم القاهر، العالم الفتاك، ذاك الذي يعتبر نوعا من القدر، وهو عالم المستقبل المشرق والمحترق، الصاخب والمنادي، ذو الجمال العسير الذي كان لزاما على المرء أن يعتاد قسوته كي يبلغه، تماما كما كان لزاما عليه أن يعتاد مشهد افتراس الأفاعي. ورأيت عالم حياتي المستقبلية يرتفع أمامي، المستقبل الوحيد الممكن لحياة ما؛ رأيته ينفتح بنغمية وطهر أفعى تنفرد طياتها، وبدا لي أنني حين أعرفه أخيرا، وف يظهر لي هكذا، في امتداد من الاستمرارية المهيبة، حيث ستقبض حياتي وتقبض من جديد، وتقاد إلى منتهاها، في نوبات من الرعب، والنشوة، بلا راحة، وبلا كلل.

***

.......................

* ترجمها إلى الإنكليزية ويل ماكموران  Will McMorran.

* مارغريت دوراس Marguerite Duras   روائية فرنسية حازت على الغونكور عن روايتها "العاشق". من أعلام الرواية الفرنسية الجديدة.

* تمت الاستعانة جزئيا ببرامج الترجمة الآلية. اقتضى التنويه.

Александр Пушкин

Зимний вечер

ترجمة: د. إسماعيل مكارم

***

مَساءٌ شتويّ

إنها العاصِفة ُ الثلجيّة ُ تحجبُ السّماءَ ببساطٍ مُعتِم،

حيثُ تشتدُّ الأعاصيرُ الثلجيّة،

تراها تارة تعوي كالوَحش ِ المُفترسْ،

تارة تبكي كأنها طِفلة،

تارة تصدِرُ الصّوتَ

مُمْسِكة بقصَلات ِ سقف ِ بيتِنا العَتيق ِ،

تارة كأنها عابر سبيل ٍ قد دَهَمَهُ الليلُ،

يَطرق شباكنا هذا المساء .

**

في هذا الكوخ المُتداعي

يلقاكَ الأسى والظلمَة.

ما بك ِ أ يا عَجوزتي

تقفين ساكتة ً قربَ النافِذة؟

ربما لشدة العاصِفةِ

أراكِ يا صَديقتي مُتعبة َ،

ربما قد أخذكِ النعاسُ

على نغم المغزل ِ بينَ يَدَيكِ .

**

يا صَديقة َ شبابي المُتعَثر، صَديقتي الخيّرة،

دعينا نشرب الخمْرَ،

دعينا نشرب، لنطرُدَ هذا الأسى، أين الكأسْ؟

فللقلبِ سَيجلب الكأسُ المَسَرّة.

غني لي عن طائر الزّمّير

كيف عاشَ بأمان، هناكَ وراءَ البَحرْ،

رددي تلك الإغنية عن تلك الصّبيةِ،

التي كانت تذهَبُ في الصّباح إلى المَنهَلْ.

**

إنها العاصِفة ُالثلجية تحجبُ السّماءَ ببساطِ مُعتِم،

حيثُ تشتدُّ الأعاصيرُ الثلجيّة،

تراها تارةً تعوي كالوَحش المُفترس،

تارةً تبكي كأنها طِفلة،

تارة تصدِرُ الصّوتَ

مُمْسِكة بقصَلات ِ سقف ِ بيتِنا العَتيق ِ*

تارة كأنها عابر سبيل قد دَهَمَهُ الليلُ،

يَطرقُ شباكنا هذا المَساءْ .

1825

***

Зимнее утро

صَباحٌ شتويّ

ما أحلى هذ الصّباح، حَيثُ الصّقيعُ والشّمسُ

لا تزالين نائمة يا صَديقتي الحَسناء،

هيا استيقظي، حان الوقتُ يا جَميلة،

إفتحي عينيكِ المُغمَضَتينِ يغمرهما الهَناء،

وانهضي لاستقبال أورورا الشّمال،*

وكوني نجمةَ الشّمال ِ الرائعة .

**

أتذكرين كيف كان المَساءُ، إذ غضبتِ العاصفة الثلجيّة،

وفي الأفقِ المعتم سادَ جوّ سَديمي

أما القمرُ فكان نقطة باهتة،

كان يلوحُ بلونِه الشاحِب من خلال ِ الغيوم السّوداء.

وكنتِ جالسة يغمركِ الحُزنُ.

والآن .. أنظري من الشباك:

**

تحت هذي السّموات ِ الزّرقاء،

تحت هذا الغطاء الجميل الرّائع

هاهو الثلجُ يشعّ بنور الشّمس،

والغابةُ بأشجارها العارية وحدها سوداءْ

أما أشجارُ الشوح، رغم الندى الثلجي، تزدادُ اخضرارا،

والنهر تحتَ الجليدِ يُرسلُ بَريقهُ الجَميل.

**

الغرفة ُ تشع بنور الكهرمان الجَميل

والموقد يكسرُ الصّمتَ

بفرقعات الحَطبِ، الذي يَشتعلْ.

أمر ممتاز أن تفكرَ وأنتَ على الأريكة !

أتدرين، هل نأمر بأن يُسخّروا لنا

الفرسَ ذات اللون الأحمر الدّاكن ِ للسير في مَركبةِ الثلج؟

**

إذ أنّ الإنزلاق على الثلج في الصّباح،

يا صديقتي يسمح لنا أن نتنزهَ

بمركبة تجرها فرسٌ غير عجول..

سَنزورُ تلك السّهول الفسيحَة،

والغاباتِ الغنية، الكثيفة،

وشاطئا عزيزا على قلبي.

1829

***

.......................

* كتبت القصيدة الأولى أثناء تواجد الشاعر ألكساندر بوشكين في منفاه الشمالي، في ضيعة ميخايلوفسكويه، في مزرعة والدته، أو في عزبة الوالدة إذا ما استعملنا التعبير المصري. في هذه الفترة كان الشاعر الروسي قد أصبح صاحب شهرة واسعة في بلاده روسيا، و كانت السلطة تراقب بحذر كل كلمة يكتبها الشاعر.

عند عودته من منفاه الجنوبي إلى العاصمة الروسية بطرس بورغ وجدت الجاندارما لديه رسالة لم تعجب السلطات، فتم نفيه من جديد، وهذه المرّة، إلى مزرعة والدته في شمال غرب روسيا – ضيعة ميخايلوفسكويه. هنا شعر الشاعر الشاب بالوحدة بعيدا عن حياة العاصمة، وعن معشر زملائه وأصدقائه.

من الجدير بالذكر إنّ تواجد الشاعر في منفاه الأخير في شمال غرب البلاد قد أنقذه من الإعتقال والسجن لمدة طويلة.نحن نعلم من التاريخ أن إنتفاضة الديسمبريين تفجرت في عام 1825 في شهر كانون الأول – ديسمبر، وكانت الجمعية السرية الشمالية هي التي نظمت هذا الإنقلاب. حدث ذلك بعد وفاة القيصر الكساندر الأول، وقبيل تنصيب نيكولاي الأول على العرش. عدد من المشاركين في الإنتفاضة قد قتل، والقسم الآخر دخل السجن ورحّل إلى سيبيريا. وكان الشاعر الكساندر بوشكين متعاطفا مع أعضاء هذه الجمعية.

مصادر وهوامش:

* في روسيا القيصرية كانت تتبع عادة صناعة القرميد الخشبي المغطى بحزم من القش او القصل لتمنع تسرب مياه المطر والثلج في فصل الشتاء، وتحجب حرارة الشمس في فصل الصيف.

أورورا هي إلهة الفجر حسب التقويم الروماني. Aurora

* تمت الترجمة من النص الروسي الأصلي. راجع

Александр Пушкин. Евгений Онегин. Стихотворения. Проза. – Москва : Эксмо. 2020 г.

للشاعر الكبير وليام شكسبير

ترجمة: د. إسماعيل مكارم إسماعيل مكارم

***

اه كم اود الرحيل الى جوار الرب، شاقة اصبحت الحياة.

ها هو الشر يسود في كل الأنحاء،

لقد اعلن حربه ضد الخير،

واصبح للساقط قول وسلطان،

ها هي الحماقة تعطينا دروسا في الأصول،

بينما نرى فاقدي الكرامة سعداء تاخذهم الغبطة.

فتحت الأبواب على مصراعيها امام الوضيع،

لا مكان عندنا للجميل وما هو رائع،

لقد امسى محاصرا، ممنوعا.

ارايتم كيف ترفع القبعات امام الكفرة، اولئك من تلاعبوا بأمور الدين.

لقد اصبح العمل الشريف في قفص الاتهام،

وقد استبيحت كل الخيرات!!!

**

سهلا علي سيكون الرحيل.

لكن كيف لي ان ارحل عمن احبته الروح.

***

تمت الترجمة عام 2014

........................

* كلام شكسبير هنا يبدو كأنه يتكلم عن ما حصل في وطني سورية في أواخر عام 2024

(بمناسبة يوم الكتاب العالمي)

بقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

في آخر يوم خميس من كل شهر تأسس مجموعة الكتاب،

تجتمع فيها الكتب لمناقشة براين.

*

"لم يعد ثمة لهو هنا،" هكذا علق (المنزل الكئيب) مكتئبا.

"لماذا لا يقرأنا؟" انتحبت (عناقيد الغضب). "ذلك يغضبني كثيرا."

قال (يوليسيس) متذمرا، في تيار من الوعي بالذات:

"انني متأكد انه اشتراني فقط ليتباهى بي امام أصدقائه،"

*

"اراهن انه لا يستطيع حتى ان يتذكر اسمي، (الأبله)،"

هكذا همهم صوت قادم من قسم الأدب الروسي.

"ذلك لأنه يتجنبك مثل (الطاعون)،" هكذا قال آخر.

"صحيح!" انطلقت صرخة بذلك. "كأنني لست موجودا."

*

"دعونا لا نفقد ثقتنا به رغم ذلك." كان ذلك (عالم رائع جديد.)

بعد شي من (الاقناع)، قرروا ان يعطوه فرصة أخيرة واحدة.

"اهدأ!" هكذا صاح (بانتظار غودو) مع (الآمال الكبيرة).

"ها هو يأتي الآن"!

*

دخل براين الغرفة، بيده تلفونه.

جلس وشاهد بضع فيديوهات عن صغار الباندا تفقد توازنها وتسقط.

بعد ساعة او نيف، بدأ البحث في غوغل عن قطط ترتدي ملابس المشاهير.

على الرف، كانت الكتب تنتظر بظهور غير مكسورة،

صمتها ينطق بالمجلدات.

***

.......................

براين بيلستن: شاعر وكاتب بريطاني من مواليد برمنغهام لعام 1970 واسمه الحقيقي بول ميليتشيب. تلقى تعليمه في جامعة ويلز وبدأ نشر قصائده على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما وعرف بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر). ظهرت له المجموعات الشعرية الآتية: (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) 2016؛ (يا أليكسا، ماذا هنالك لنتعلمه حول الحب؟) 2021؛ (50 طريقة لتسجيل هدف) 2021؛ (أيام كهذه: دليل بديل عن العام في 366 قصيدة) 2022؛ و(واذاُ فهذا هو عيد الميلاد) 2023، كما نشر رواية بعنوان (يوميات احدهم) في عام 2019. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

بقلم: الشاعر يوهانس آنيورو

ترجمة: عبد الستار نورعلي

***

خطوط الكفين

عندما يجمعهما المرء

لكي يشربَ

من الحنفيةِ

بعيداً عنْ صالةِ الجمناستيك:

حافاتٌ

من الكريستال

*

أيُّ نوعٍ

منَ المخلوقاتِ

هو الانسانُ

في الأصل؟

2

كانَ لي صديقٌ

أوصلتُهُ معي على دراجتي

منذ زمن بعيد، كانَ يُدعى ماتياس

ويُسمّي نفسهَ بالعملاق إيفيز *

ماتَ بالسرطان منذ فترة قريبة

أفكارُه وأحلامُه

اختلطتا مثل الشاي

داخل الموجات العنيفة غير المرئية

مثل ساريةٍ

مثل الصيف

وقفْتُ عند النافذة، المطر يهطل، اسماؤنا

التصقتْ بأجسادنا لكننا

لا نمتلكها، وأسماؤنا لا تمتلكنا

3

بعد أيام من منتصف الصيف

واستوكهولم قد أُخليتْ بسبب البحر

أو بسبب حلمٍ، نمشي

*

من كارولينسكا منحدرين الى كونغسان

ونجلس عند الأسد الصخريّ، نأكل البوظة

في العالم بعد القنابل النووية خيّمَ

صمتٌ مطبقٌ، تقريباً

*

لم تكن هناك حركة مرور هل تخاف من الموت كلا بالرغم منْ

أنني أريد أنْ أعيشَ، هل قلتَ حسناً يا رأس الانسان

مع شبكة معلومات عند سمكة ماكريل

أُصطيدتْ في لؤلؤة زجاجية أيُّ نوعٍ من المخلوقات

هو الانسان في الأصل؟ كانت المرة الأخيرة التي

رأيتكَ فيها، رأيتُه، رأينا بعضنا، رأيتُ نفسي، صعدنا

باتجاه المحطة الرئيسية، هناك

بمحاذاة أشعة الشمس العالية المظلمة

لمرآة الكون الحالمة

مثل حيواتنا

المزروعة غذاءً

للنور

***

...........................

* نصّ من مجموعته الشعرية (أوميغا Omega) الصادرة عام 2005:

* يوهانس آنيورو Johannes Anyuru: شاعر وروائي وكاتب سويدي. وُلِد في 23 آذار/مارس 1979 بالسويد من أبٍ أوغندي وأم سويدية، التقيا في كينيا، حيث كان والده قد لجأ اليها بعد انقلاب عيدي أمين عام 1971، إذ كان يعمل ملاحاً في سلاح الجو الأوغندي، وكانت أمه السويدية تعمل متطوعةً في إحدى منظمات تقديم المساعدات الإنسانية في كينيا. بدأ كتابة الشعر وهو على مقاعد الدراسة الإعدادية. أثار الانتباه مع صدور مجموعته الشعرية البكر (الآلهة وحدها هي الجديدة) عام 2003. ثم توالت مجموعاته الشعرية ورواياته ومؤلفاته. نال عدداً من الجوائز الأدبية.

* العملاق ايفيز: بطل لعبة الكترونية

بقلم: باتريك موديانو

ترجمة: صالح الرزوق

***

في عمر الثامنة عشرة، اهتمت والدتي بمهنة الأفلام في مدينة أنتيب، مسقط رأسها. حتى انتقلت للعمل مع شركة وقود وحصلت على حصص دراسية تعليمية، ولكن عندما أفتتح استوديو في بيكوسترات، بمبادرة من جان فانديرهايدن، دخلت من البار وحصلت على العمل. وسريعا، تشكل فريق حول فانديرهايدن، وكان يلجأ لنفس الممثلين دائما، ونفس الطاقم. وكان يشرف على الإنتاج والإخراج معا، ويصور أفلامه بسرعة قياسية. أصبح استوديو بيكوسترات خلية نحل للصحافيين ولذلك سمي "هوليوود أنتيب de Antwerpsche Hollywood"". احتلت الوالدة فيه مكان ممثلة أساسية شابة، وظهرت في أربعة أفلام لفانديرهايدن. أول اثنين، هذا الرجل ملاك وآل جانسين ضد آل بيتر، في عام 1939. والآخران، مصالحة عائلتي جانسن وبيتر، وحظ طيب يامونيك، في عام 1941. تعتبر ثلاثة من الأفلام كوميدية مشهورة، وقد جرت أحداثها في أنتيب، وكما قال أحد النقاد آنذاك، جعلت من فانديرهايدن "بانيول نهر سخيلدي"1. أما الرابع، حظ طيب يا مونيك، فقد كان فيلما موسيقيا. بعد ذلك استولت الحكومة الألمانية على شركة إنتاج فانديرهايدن، فسافرت أمي إلى برلين لعدة أسابيع، لتأدية دور بسيط في بيل أمي بإخراج ويلي فورست. في عام 1939 وقعت أمي عقدا مع مسرح أنتيب الإمبراطوري. وأدت عمل فتاة استعراض بدءا من حزيران حتى كانون الأول، واقتبس المسرح عرضا من: كلا، كلا، يا مباركة، بمشاركة أمي. ثم، منذ كانون الثاني 1940، دخلت في برنامج منوعات "النشاطات الحالية" والذي حمل عنوان "سنكون بحال أفضل". وقد كان دورها في وسط اللوحة الأخيرة. حينما كانت بنات الاستعراض الأخريات ترقصن مع مظلات الشامبرلين، صعدت أمي في سلة، ورأسها متوج بأشعة ذهبية. كانت السلة ترتفع أعلى فأعلى، ثم توقف المطر، فأغلقت المظلات. كانت أمي ترمز للشمس المشرقة التي محت بنورها كل أشباح العام القادم. ومن سلتها في الأعالي، لوحت للجمهور، والأوركسترا تعزف ألحانها. ثم أسدلت الستارة. وفي كل مرة، وعلى سبيل الطرفة، تركها الطاقم هناك في السلة، في مكان مرتفع، وفي الظلام.

سكنت الوالدة في الطابق الثاني من بيت صغير بالقرب من كواي فان دايك بنافذة تشرف على نهر سخيلدي ورصيف ريفير سايد، وكانت في نهايته الكافتيريا الكبيرة. هناك أيضا المسرح الإمبراطوري، مع غرفة تبديل الملابس حيث تزين نفسها بالمكياج في كل أمسية. وهناك بيت الأزياء والشوارع على طول الجبهة المائية، ثم المرفأ وأرصفة الميناء. وقد رأيتها وهي تعبر الزقاق بينما عربة تقعقع، وضوؤها الأصفر يلمع في الضباب. كان المساء مخيما، والسفن البخارية تطلق أبواقها. تولع حارس الخزانة في الإمبراطورية بأمي، وعرض خدماته عليها كمدير أعمال. وهو رجل بفك بارز، وعدسات كبيرة ذات إطار من العظام ولكنه بطيء الكلام. وكان في الليل يغني ويؤدي فاصلا موسيقا ويلعب دور السيدة فراشة، وذلك في ملهى ليلي داخل الحي اليوناني المزدحم بالبحارة. وحسب كلامه أن أفلام فانديرهايم، مع أنها فاتنة وكثيرة، لا توفر مستقبلا مهنيا للممثلات. قال لها: يا عزيزتي عليك أن تفكري بعمق. وتبين أنه يعرف منتجين مهمين يعزمان على تصوير فيلم، ويبحثان عن بنت تؤدي دور البطولة الثاني. ووقع اختياره على أمي لتقابلهما. وتصادف أن المنتجين هما فيليكس أوبينفيلد ووالده، المعروف للجميع باسم أوبينفيلد الأب. وكان أوبينفيلد الأب من برلين ويعمل بالمجوهرات، ولكنه هرب إلى أنتيب حينما اغتصب هتلر السلطة في ألمانيا، وتعرضت تجارة اليهود للخطر. أما الابن، فقد كان منتجا في تيرا فيلم وهو أستوديو أفلام ألماني، وحالفه الحظ بعمل في الولايات المتحدة. وقد أعجبا بأمي. حتى أنهما لم يجريا لها اختبار الشاشة، وطلبا منها ببساطة أن تقرأ مشهدا من النص. كان للفيلم عنوان إنكليزي، وهو السباحون والمحققون، وقد كتب خصيصا لبطل السباحة الأولمبية الألماني ويلي دين أودين، والذي أحب التمثيل. ومما أخبرتني به أمي علمت أن حبكة المحقق الأعرج ألهمت عدة غواصين ورقصات باليه الماء. وتوجب على والدتي أن تؤدي دور أقرب أصدقاء ويلي دين أودين. وبحوزتي العقد الذي وقعته الوالدة في ذلك اليوم. وهو من صفحتين سميكتين من ورق سماوي بعلامة مائية مع شعار أفلام أوبينفيلد في الأعلى. كان حرف أو O في أوبنفيلد كبيرا، مع تعرجات أنيقة وبخط عريض ورفيع. وداخل الحرف رسم مصغر لبوابة براندينبورغ، بنقوش ناعمة. وأفترض أن هذا تذكير للمنتجين الاثنين أنهما بالأصل من برلين. كانت أمي مرشحة مستقبلا لجني مبلغ ثابت وقدره خمسة وسبعون فرنكا بلجيكيا، تتلقاها على دفعات في بداية كل أسبوع من التصوير. وباتفاق الطرفين لا يجوز زيادة أو نقصان هذا الأجر حتى نهاية العقد، أو تمديده قبل نهاية صلاحيته. ونص الاتفاق على اعتبار الوقت اللازم للمكياج والملابس بمثابة تحضير للعمل وليس عملا فعليا. وكانت الصفحة من الأسفل مذيلة بتوقيع أمي الواضح. وعدا ذلك هناك توقيع ممهور بقلم فيليكس أوبنفيلد. التوقيع الثالث كان بيد متعجلة وعنكبوتية وتحته كلمات مطبوعة هي: السيد أوبنفيلد الأب. وكان العقد مؤرخا في 21 نيسان 1940. وفي تلك الأمسية وجها دعوة للوالدة لتتناول معهما الطعام. وحضر الدعوة رجل الخزانة، وكاتب السيناريو، هنري بوتمان، وكانت جنسيته غير مؤكدة: بلجيكي؟ إنكليزي؟ ألماني؟. ومن المفترض أن يأتي دين أودن ليقابل أمي ولكنه اعتقل في آخر دقيقة. كان الجو مرحا جدا. كان للأوبينفيلد الاثنان - وبالأخص فيليكس - تلك الميزة، أنهما في نفس الوقت قاسيان وعابثان، وهي صفة مشهورة في برلين. علق فيليكس أوبنفيلد آمالا عظيمة على الفيلم. وأبدى استوديو أمريكي اهتمامه. ألم يلح دائما أنه عليهم إطلاق سلسلة كوميدية وبوليسية من 'زاوية مرحة'؟. ثم التقطوا صورة خلال الغداء، وهي لدي، على طاولتي. الرجل ذو الشعر الأسود المسترسل هو فيليكس أوبنفيلد. والرجلان البدينان، وراءه بمسافة بسيطة: هما بوتمان ورجل الملابس. أما العجوز ذو الوجه المخادع والعينين المستديرتين والمذهلتين - فهو أوبينفيلد الأب. والبنت التي تشبه فيفيان لي هي أمي. وكانت ستظهر بمفردها حسب خطة الفيلم. لترتب غرفة نومها، وتغني لنفسها، وترد على الهاتف. وقرر فيليكس أوبينفيلد، المخرج، أن يسجل المشاهد بترتيب متسلسل. وتقرر أن يكون أول يوم للتصوير هو الجمعة 10 أيار، 1940، في استوديو سونور في بلجيكا.

خططت والدتي أن تصل في العاشرة والنصف صباحا، وبما أنها تعيش في أنتيب، قررت أن تستقل القطار المبكر. وقد تلقت قبل يوم واحد مقدم أجرها، فاستعملته في شراء حقيبة سفر جلدية جميلة من منتوجات إليزابيث آردين. ثم ذهبت إلى البيت في نهاية ما بعد الظهيرة، لتؤدي الأعمال المتوجبة عليها، وتتناول العشاء. بعد ذلك أوت إلى السرير. وفي حوالي الساعة الرابعة صباحا، استيقظت على صوت اعتقدت أنه الرعد. غير أنه كان أعلى - زمجرة مكتومة وطويلة. أعقبه مجيء سيارات إسعاف إلى كواي فان دايك، فمد الناس رؤوسهم من النوافذ. وأعولت صفارات التنبيه في كل المدينة. قالت الجارة من الشقة التالية، وهي ترتعش، أن سلاح الجو الألماني قصف الميناء. توقفت الضجة، وعادت أمي للنوم. في السابعة انطلق المنبه عندها. أسرعت على السلالم لتنتظر العربة، في الساحة الصغيرة، وحقيبة السفر بيدها. لكن لم تظهر العربة. وتجاوزتها حلقة من الناس، وهم يتكلمون بصوت خافت. في النهاية وجدت سيارة أجرة، وكان السائق طيلة الطريق إلى المحطة يكرر، كأنه يلقي كلمة على حشود: "انتهى أمرنا.... انتهى أمرنا... انتهى أمرنا".

كانت المحطة مزدحمة، وكل ما بوسع أمي أن تشق طريقها إلى الرصيف لتلحق بقطار بروكسل. تجمع الناس حول الجابي، بغاية الاستفسار. لكنه قال: كلا. كلا. القطار لن يغادر. وهو بانتظار التعليمات. وتناقلت شفاه الجميع نفس العبارة: 'عبر الألمان الحدود... الألمان عبروا الحدود'. وأعلن المذياع، في أخبار الساعة السادسة والنصف، أن الويرماخت2 غزا للتو بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. شعرت أمي بشخص يلمس ذراعها. التفتت - كان أوبنفيلد الأب، بقبعة قماشية سوداء. وبدون حلاقة، وكأن وجهه المخادع تقلص إلى نصف حجمه، واتسعت عيناه. عينان ضخمتان زرقاوان، في وسط رأس صغير، رأس من النوع الذي يجمعه شعب جيفارو3. وعلى الفور قادها إلى خارج المحطة وهو يقول: "علينا مقابلة فيليكس في الأستوديو - في بروكسل - لنستقل سيارة أجرة - بسرعة - سيارة أجرة".

وابتلع نصف كلماته.

لم يقبل سائق السيارة أن يذهب بهما إلى مسافة طويلة، خشية من القصف. ولكن تدبر أوبنفيلد الأب إقناع سائق آخر لقاء ورقة بمائة - فرنك. في السيارة قال أوبنفيلد الأب لأمي: "سنتقاسم الأجر". أخبرته أمي أن كل ما لديها يبلغ عشرين فرنكا.

أجاب: "حسنا. سنسوي الموضوع في الأستوديو".

ولم يتكلم إلا قليلا جدا في السيارة. وبين حين وآخر كان يستشير دفتر عناوين، وهو يفتش بشكل محموم في جيوب معطفه وسترته. ثم قال لأمي وهو يشير إلى الحقيبة الجلدية الموضوعة على ركبتيها: "أليس لديك حقيبة غيرها؟".

"حقيبة؟".

"عفوا - هذا صحيح ... الإقامة هنا..".

وهمهم بشيء غير مسموع، والتفت نحو أمي، وتابع: "لم أفكر أنهم لن يحترموا حيادية البلجيكيين".

وضغط على كل مقطع، حيا - دية - البل - جيك -يين. كان من الواضح أنه حتى ذلك اليوم تمسك بتلك الكلمتين على سبيل أمل ضعيف، وأمنية كبيرة، ولا بد أنه كررهما لنفسه مرارا وتكرارا، دون أن يصدقهما. والآن تم استبعاد ذلك، مع كل شيء آخر. الحياد البلجيكي. قادتهما السيارة إلى بروكسل ثم إلى زقاق دي تيرفورين، حيث احترقت عدة أبنية وتداعت على الأرض. وكان رجال الإطفاء يخوضون بين الأنقاض. سأل السائق ماذا جرى - الجواب قصف في حوالي الساعة الثامنة. في باحة استوديو سونور، وجدوا شاحنة وسيارة صيفية كبيرة ممتلئة بالحقائب. وعندما بلغ أوبنفيلد الأب وأمي غرفة الصوت B، كان فيليكس أوبنفيلد يلقي التعليمات على عدد من أفراد الطاقم، الذين يحزمون الكاميرات وأجهزة الإسقاط.

قال فيليكس أوبنفيلد بصوت واثق: "سنغادر إلى أمريكا".

جلست أمي على مقعد. وأخرج أوبنفيلد الأب علبة سجائر.

تابع فيليكس: "ألن تذهبي معنا؟ سنرى إن كان بمقدورنا تصوير الفيلم هناك. لن تلاقي أي مشكلة على الحدود. فأنت معك جواز سفر".

كانت خطتهما أن يصلا إلى لشبونة بأسرع ما يمكن، بعد عبور إسبانيا. وقال فيليكس أوبنفيلد إنه حصل على أوراق من القنصل البرتغالي، وهو صديق كبير له.

وعلق أوبنفيلد الأب وهو يهز رأسه: "لكن الألمان في الغد سيكونون في باريس وخلال أسبوعين سيصلون إلى لندن".

نقلت الأجهزة إلى الشاحنة. وكان هناك ثلاثة، الأوبنفيلد الاثنان وغرونباوم، وهو فني كاميرا سابق من شركة توبيس ويمكنه أن يمثل دور فيلهم الثاني، مع أنه يهودي. وكانت أمي تعرفه، لأنه قبل أسبوع، أخضعها لاختبار إضاءة من أجل اللقطات القريبة.

قال فيليكس أوبنفيلد: "اتبعني يا مارك".

وقفز في السيارة الصيفية. ضغطت أمي وأوبنفيلد الأب نفسيهما في المقعد الأمامي، بجواره، لأن المقعد الخلفي مشغول بعدة حقائب وصندوق.

ثم تمنى الطاقم لهم رحلة طيبة. قاد فيليكس أوبنفيلد السيارة بسرعة، وتبعته الشاحنة. قال أوبنفيلد الأب ثانية: "سنرى إن كنا سنصور الفيلم في أمريكا".

لم ترد أمي. كانت تشعر أنها إلى حد ما محتارة من انعطاف الأحداث. في بلايس دي بروكيري توقف فيليكس بالسيارة أمام فندق الميتروبول. فتوقفت الشاحنة أيضا.

قال: "انتظرا هنا - سأعود حالا".

وأسرع إلى الفندق جريا. ظهر بعد عدة دقائق مع زجاجتي ماء معدني وكيس كبير. وقال: "شطائر للطريق".

وحينما أوشكوا على الانطلاق، خرجت أمي من السيارة وقالت: "يجب.. يجب.. أن أبقى هنا".

نظر إليها الرجلان، مع نصف ابتسامة. ولم ينطقا بكلمة لتبديل رأيها. لا بد أنهما اعتقدا أنه ليس لديها ما تخسره. وفعلا، لماذا عليها أن تذهب؟. أبواها كانا بانتظارها في أنتيب. غادرت الشاحنة أولا. لوح لها الأوبنفيلد الاثنان تلويحة وداع. فلوحت لهما أمي أيضا. خرج فيليكس أوبنفيلد من موقف السيارات بتدوير المقود - أم أنها هبة ريح؟، لأن أوبنفيلد الأب فقد قبعته القماشية، التي تدحرجت على طول الممشى. ولكن ما قيمة قبعة. لم يكن لديهما وقت لضياع أي ثانية. التقطت أمي القبعة، وباشرت المشي، دون أن تعرف تماما إلى أين. أمام بنك "اتحاد الأرصدة" وقف طابور لانهائي من الرجال والنساء، ليسحبوا أموالهم. تابعت أمي على طول زقاق نورد حتى المحطة. وهناك وجدت نفس الفوضى، ونفس الزحام المضطرب، الذي رأته في محطة أنتيب. أخبرها الحارس أن القطار سيغادر إلى أنتيب في حوالي الثالثة بعد الظهيرة، ولكن قد لا يصل قبل وقت متأخر من الليل. في الكافتيريا غاصت في مقعد في الزاوية. تابع الناس الدخول والخروج، وكان الرجال بثياب عسكرية. سمعت شخصا يقول إنه تمت التعبئة العامة في التاسعة. ومن مذياع في نهاية الغرفة جاءت نشرة أخبار. وفي أنتيب تعرض المرفأ للقصف مرة ثانية. كان الجيش الألماني قد عبر من الحدود. واحتل الألمان روتيردام. جلست القرفصاء بقربها امرأة تعقد رباط حذاء طفل. بعض المسافرين كانوا يطلبون القهوة، آخرون يتدافعون، والبقية يجرون حقائبهم، مقطوعي الأنفاس. كان عليها أن تنتظر حتى الساعة الثالثة. شعرت بصداع خفيف. وأدركت فجأة أنها فقدت حقيبة السفر، وما تحتويها من منتجات إليزابيث آردين والنص. ربما تركتها في استوديو سونور أو في السيارة. ولكن ما حملته بيدها، ولم تلاحظه حتى تلك اللحظة، كان قبعة أوبنفيلد الأب القماشية - قبعة ذات التواءات وإطار.

***

.............................

* ترجمها إلى الإنكليزية لورين ستاين

1- بانيول: اسم مخرج أفلام بلجيكي.

2 - الويرماخت: القوات الألمانية العامة.

 3- جيفارو: شعوب لاتينية تقطع الرؤوس.

* باتريك موديانو PATRICK MODIANO روائي فرنسي حاز عام 1972 على الجائزة الأولى للأكاديمية الفرنسية، وعام 1978 جائزة الغونكور. وتوج مسيرته بجائزة نوبل عام 2014.

الشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي

ترجمة نزار سرطاوي

***

بعض الناس لا يصابون ابدًا بالجنون .

أما أنا، فأحيانًا أستلقي خلف الأريكة

لثلاثة أيامٍ أو أربعة.

وسيعثرون عليّ هناك.

يقولون يا له من ملاك، ثمّ

يسكبون النبيذَ في حلقي

ويُدلّكون صدري

ويرشونني بالزيوت.

ثم إثْر ذلك أنهض هادرًا،

مزمجرًا، أتميز من الغيظ –

ألعنهم وألعن الكون

وأقذف بهم فيتناثون فوق

بساط العشب.

حينها أحسّ بالراحة،

وأجلس لتناول الخبز المحمص والبيض،

وأدندن لحنًا قصيرًا،

وفجأة أغدو  وديعًا

مثل حوتٍ ورديٍ

مُتخَم.

بعض الناس لا يصيبهم الجنون أبدًا.

لا بدّ أنها حياة مُروِّعة حقًا

تلك التي يعيشونها.

***

.....................

Some People

Charles Bukowski

**

some people never go crazy.

me, sometimes I'll lie down behind the couch

for 3 or 4 days.

they'll find me there.

it's Cherub, they'll say, and

they pour wine down my throat

rub my chest

sprinkle me with oils.

then, I'll rise with a roar,

rant, rage -

curse them and the universe

as I send them scattering over the

lawn.

I'll feel much better,

sit down to toast and eggs,

hum a little tune,

suddenly become as lovable as a

pink

overfed whale.

some people never go crazy.

what truly horrible lives

they must lead.

***

.................

 - ولد الشاعر والروائي الأميركي تشارلز بوكوفسكي في بلدة أندرناخ الأمانية في 16 آب / أغسطس عام 1920. وحين بلغ الثالثة من عمره، هاجرت عائلته إلى لوس انجليس في ولاية كاليفورنيا، حيث عاش هناك لفترة طويلة من حياته. عاش طفولة بائسة عانى خلالها من معاملة والده القاسية. وعلى الرغم من ذلك أكمل دراسته الثانوية والتحق بكلية مدينة لوس انجليس حيث درس لمدة عامين، لكنه انقطع عن الدراسة لدى اندلاع الحرب العالمية الثانية.  

- بدأ بوكوفسكي الكتابة في سن مبكرة من حياته ونشرت أول أعماله في الأربعينيات من القرن الماضي. ثم انقطع عن الكتابة وانغمس في الشرب، وراح ينتقل من عمل إلى آخر ومن بلدة لأخرى في أنحاء الولايات المتحدة. وبعد ان قضى قرابة عشرة أعوام على ذلك الحال، عمل لدى مصلحة البريد في لوس أنجليس بصورة متقطعة حتى عام 1969.

- نشرت إعمال بوكوفسكي على نطاق واسع في مختلف المطبوعات  الأدبية الصغيرة لأكثر من ثلاثين عامًا. ومع أن هذه المطبوعات متوفرة بأعداد قليلة جدًا ويتعذر العثور عليها، فقد نجح أحد النشرين في جمع عدد كبير من القصائد والقصص القصيرة بحيث شكلت تواصلًا مع كتاباته في الثمانينيات من القرن الماضي. وقد بلغ مجموع أعماله أكثر من 60 كتابًا.

تأثرت كتابات بوكوفسكي بالأجواء الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لمدينة لوس انجليس. لذا نجد فيها تركيزًا على الحياة العادية لفقراء أمريكا، وعلى عملية الكتابة ذاتها، والكحول، والعلاقات مع النساء، وكذلك على العمل والكدح.

- توفي بوكوفسكي بسرطان الدم في 9 آذار / مارس 1994. 

بقلم: جاكلين جيانغ

ترجمة: د. عادل صالح الزبيدي

***

ان احتضر جسدي فقل لي إنك تحبني

قل لي ان العروق تحت جلدي

بمأمن داخل تابوتك.

الماهوغني والدردار الاسباني اشجاري المفضلة.

لكن بإمكانك دفني تحت شجرة النار.

سأظل احترق من الداخل ويستحيل اخمادي.

*

قل لي إنك ستشارك قصصي

مع الصغار الذين يقطفون الأزهار،

ويركضون ليعطوها الى امهاتهم وجداتهم؛

اللواتي يحتفظن بإرث الأسلاف.

*

انهم لا يزالون يتذكرونني.

سيخرج اسمي من السنتهم

ليس الا ليزحف الى داخل افواه اولئك الذين لا يستطيعون ان يتلفظوا

الأسماء المنقوشة على صليبي.

*

قل لي ان اكون هنا، معك كان يعني شيئا،

حين قلت لي إنك تحبني، كنت تعني ذلك.

في حياة اخرى، لم تنتف حتى شعرات من ذراعي.

بدلا من ذلك، اخذت زيتا وحملت رموش عينيّ الى الماء

القمر اطعمني، مارسنا الحب

وباركتك قبل ان نخلق منزلنا.

*

ان احتضر جسدي فقل لي إنك تحبني.

قل لي ان أولئك الذين في احشائي هم بمأمن، بطونهم ممتلئة

الجدران الإسمنتية ثابتة بما يكفي لحمايتهم.

لا تخبرني عن الحفارات والجرافات التي تنتظر،

مثل النسور، لتحطمني.

لا تخبرني عن العقود التي ابرمتها،

كيف ينتظر الناس كي يبنوا منازلهم فوق عظامي.

أخبرني عن الحب الذي تكنه لجسدي،

وكيف وعدت ان تؤازرني.

*

لا يمكنني ان اتخيل عالما لا اكون فيه هنا، برفقتك.

كيف سأبدو حين تكون قد فشلت؟؟

قاتل معي هنا، يا حبيبي، بينما انا ما زلت على قيد الحياة.

***

.......................

* شاعرة بورتوريكية من أصول صينية. لها مجموعة شعرية بعنوان "تموجات الماء" صدرت في عام 2023.

بقلم: الشاعرة اليابانية رين إيشيغاكي

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

هناك بيت من قصيدة

يجول في ذهني

بوضوح

ثم يتوارى سريعا

كسمكة كتبت لها النجاة

مرات لا تعود

البتة

لكن في بعض المرات

وبعد مضي عدة أيام وشهور

تعود لتتجلى أمام ناظري

على حين غرة.

و في شهر حزيران

من السنة المنصرمة

صادفت في منصة مراقبة

تحت الماء

في أوكيناوا*

سمكة بحجم سمكة ببغاء**

لقد ركزت بصرها علي

من خلف زجاج المنصة

ثم غادرت

بهدوء تام

وعاودت بعدها الظهور

و غادرت ثانية

ما هذا؟

هل هي العين التي نظرت بها إلي؟

فيما يتعلق بتلك السمكة

من بمقدوره القول

إنني لست كلمات؟!

***

.........................

* أوكيناوا: أكبر جزيرة في محافظة أوكيناوا الجنوبية المتكونة من (160) جزيرة.

** سمكة الببغاء، حريت أو حريد: سمكة تعيش حول الشعاب المرجانية، أسنانها بارزة تشبه منقار طائر الببغاء. منها أنواع كثيرة.

-  رين إيشيغاكي (1920 أكاساكا، طوكيو  – 2004): نقابية وكاتبة مقالات وشاعرة يابانية معاصرة أعتبرت من أشهر شاعرات النهضة الثقافية اليابانية وأكثرهن جرأة وموهبة. كتبت الشعر في سن مبكرة. عملت في القطاع المصرفي ونشرت قصائدها في منشوراته. عاشت وحيدة حتى مماتها. نشرت خلال 1959 – 1984 أربع مجموعات شعرية (أمامنا قدر الحساء وقدر الأرزو اللهب المشتعل الساطع 1959، لوحات الأسماء وأكثر 1968، حياتي باختصار 1979، كلمات رقيقة 1984). كتبت عن الحرب والمرأة والعمل والسعي نحو التحرر. منحت جائزة (تومورا توشيكو) وغيرها. ترجمت لها (جانين بيشمان) الحائزة على جائزة لجنة الصداقة اليابانية الأمريكية لترجمة الأدب الياباني مجموعة شعرية بعنوان (هذا الضوء المتدفق: قصائد مختارة 2022). مترجمة عن الإنكليزية.

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

ما وجدته غريبا في التقدم بالسن، ليس أنني كبرت. ليس أن شبابي في الأزمنة الماضية، وبدون أن أنتبه، قد هرم. ما فاجأني على غفلة مني، هو كيف أن الناس المنتمين، لنفس الجيل الذي أنتمي له، أصبحوا طاعنين بالعمر، وكيف أن الفتيات الرائعات والجميلات اللواتي كنت أعرفهن أصبحن الآن كبيرات بما فيه الكفاية ولديهن عدة أحفاد. وهذا محبط قليلا - حتى أنه محزن. ولكنني لم أشعر بالحزن من واقعة التقدم بالعمر. وأعتقد أن ما يجعلني حزينا حيال الفتيات اللواتي عرفتهن وتقدمن بالعمر أن ذلك يجبرني على الاعتراف، مجددا، أن أحلام فترة الشباب تلاشت إلى الأبد. بطريقة من الطريق موت حلم محزن أكثر من حلم كائن حي. هناك فتاة - أقصد امرأة كانت فتاة - وأتذكرها جيدا. ولكن لا أعرف اسمها. ومن الطبيعي أنني لا أعرف أين هي الآن، أو ماذا تفعل. ما أعرفه عنها أنها كانت في نفس المدرسة الثانوية التي أنا فيها، وكانت معي بنفس الصف (لأن الشارة المثبتة على قميصها لها نفس لون شارتي)، وكانت تحب الخنافس فعلا. كان هذا في عام 1964، في ذروة الهوس بالخنافس. كان الوقت في بواكير الخريف. وقد بدأ الفصل الدراسي الجديد وبدأ الروتين يأخذ مجراه. كانت مسرعة في الصالة المعتمة والطويلة من المبنى القديم للمدرسة، وتنورتها ترفرف. وكنت أنا الشخص الآخر الوحيد هناك. وكانت تضغط على صدرها قرصا موسيقيا كاملا LP كأنه شيء ثمين. وكان القرص هو "مع الخنافس". ويحمل صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، تمثل الخنافس الأربعة وهم في الظل تقريبا. ولسبب ما، ولا أعلم بالتأكيد لماذا، أتذكر بوضوح أنه قرص أصلي، النسخة البريطانية من الألبوم، وليس الأمريكية أو اليابانية. كانت فتاة جميلة. على الأقل، بالنسبة لي، كانت تبدو رائعة. ليست طويلة، ولها شعر أسود طويل، وساقان نحيفتان، وعبير محبب. (قد تكون ذاكرة مزيفة، لست أعلم. ربما لم يكن يفوح منها أي عبير. ولكن ذلك ما أتذكره، كما لو أنه، حينما مرت، فاح منها نحوي عطر يغوي ويفتن). وأصبحت تحت رحمة فتنتها - تلك الفتاة الجميلة المجهولة التي تضغط على صدرها "مع الخنافس". بدأ قلبي يدق، وبحثت عن أنفاسي، وبدا كأن الأصوات كلها غابت، كما لو أنني غرقت في قاع بركة. وكل ما أمكنني سماعه صوت جرس خافت يقرع، في أعماق أذني. كما لو أن أحدهم يحاول يائسا أن يرسل لي رسالة مهمة. استغرق ذلك خمسة عشر أو عشرين ثانية فقط. انتهى كل شيء قبل أن أعلم، وبقيت الرسالة الحاسمة هناك، اختفت مثل خلاصة كل الأحلام. صالة ضعيفة الإضاءة في مدرسة ثانوية، فتاة جميلة، وحفيف تنورتها يدور، "مع الخنافس". تلك هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها تلك الفتاة. في السنتين الفاصلتين بين تلك الفترة ويوم نهاية دراستي، لم نعبر من أي ممر مجددا. وهذا شيء غريب جدا إذا فكرت فيه. كانت المدرسة التي انتسبت إليها مدرسة عامة كبيرة إلى حد معقول، وتقبع على قمة هضبة في كوبي، وتضم حوالي ستمائة وخمسين تلميذا في كل صف. (كنا ندعى جيل ذروة الإنجاب، ولذلك كان هناك الكثير منا). ولم نكن نعرف بعضنا بعضا. في الحقيقة لم أعرف أو لم أميز أسماء الغالبية العظمى من أولاد المدرسة. ومع ذلك ومنذ أن بدأت الدوام يوميا في المدرسة، وكنت غالبا أمر من ذلك الممر، لفت نظري لدرجة الاستفزاز أنني لم أشاهد تلك البنت الجميلة مرة ثانية. بحثت عنها في كل مرة عبرت فيها من ذلك الممر. هل اختفت، كالدخان؟. أم أنني في ما بعد الظهيرة من الخريف المبكر لم أشاهد شخصا حقيقيا ولكن رؤية من نوع ما؟. ربما بالغت بتصورها في عقلي لحظة أن حاذى الواحد منا الآخر، إلى درجة أنني لو قابلتها فعلا مرة ثانية لن أتعرف عليها؟. (وأعتقد أن الاحتمال الأخير هو المرجح). لاحقا، تعرفت على عدد من النساء، ورافقتهن. وفي كل مرة أقابل بها امرأة جديدة أشعر كأنني أجتهد في اللاشعور على التخلص من تلك اللحظة المذهلة التي مررت بها في ممر المدرسة ضعيف الإضاءة والتي تعود إلى خريف عام 1964. ذلك الترقب الملح والصامت في قلبي، والشعور الخانق للأنفاس في صدري، والجرس الذي يقرع بهدوء في أذني. أحيانا كنت قادرا على استعادة ذلك الشعور، في أحيان غيرها لم أنجح. وفي بعض الأوقات تمكنت من القبض عليه، فقط لأتركه ينزلق من بين أصابعي. وفي كل الحالات كانت العواطف التي اندفعت حينما حصل ذلك قد عادت لتعمل مثل صمام ما اعتدت أن أقيس به كثافة أشواقي. وحينما لا أستعيد ذلك الشعور في العالم الحقيقي، أترك ذاكرتي عن تلك المشاعر لتستيقظ في داخلي بهدوء. بهذه الطريقة، أصبحت الذاكرة واحدة من أهم الأدوات العاطفية الثمينة، وأسلوبا للبقاء. مثل هرة صغيرة دافئة، التفت بنعومة في جيب معطف كبير المقاس، وأسرعت بالنوم.

إلى الخنافس الآن.

أصبح الخنافس مشهورين إلى حد الجنون لأول مرة قبل أن أشاهد تلك الفتاة بعام. وفي نيسان 1964، حصلوا على أول خمس مراتب في القائمة الأمريكية للغناء الفردي. لم تشهد الموسيقا الشعبية شيئا مثل ذلك. وهذه هي الأغنيات الخمسة الأكثر شهرة: 1 لا يمكنك أن تشتري لي الحب 2 ارقص التويست واصرخ 3 إنها تحبك 4 أريد أن أمسك بيدك 5 من فضلك أسعدني. وحصدت الأغنية المنفردة "لا يمكنك أن تشتري لي الحب" أكثر من مليوني طلب شراء وحدها، وهو ما جعلها تكسب مرتبة بلانتيوم مزدوجة قبل توزيع الإسطوانة المسجلة في الأسواق. بالطبع كان الخنافس مشهورين على نحو واسع في اليابان أيضا. افتح المذياع وستكون لديك فرصة للاستماع لأحد أغانيهم. كنت شخصيا أحب أغانيهم وأعرف الأكثر انتشارا. واطلب مني أن أغنيها وسترى أنه يمكنني ذلك. وفي البيت حينما كنت أدرس (أو أتظاهر أنني أدرس)، أترك في معظم الأوقات الراديو تلعلع. ولكن إن شئت الحقيقة لم أكن ضمن حمى عشاق الخنافس. ولم أبحث بجدية عن أغنياتهم. بالنسبة لي كان الاستماع غير متعمد، فالموسيقا الشعبية تتدفق من مكبرات الصوت الصغيرة لراديو الترانزستور باناسونيك، وتدخل من أذن لتخرج من الأخرى، دون أن تخلف أثرا. موسيقا في خلفية أيام مراهقتي ويفاعتي. ديكور موسيقي. وفي أيام المدرسة الثانوية والجامعة، لم أشتر أي إسطوانة خنافس. وكنت أميل أكثر إلى الجاز والموسيقا الكلاسيكية، وهذا ما كنت أستمع إليه إذا ركزت على هواية الموسيقا. وكنت أدخر لشراء تسجيلات الجاز، وأتابع معزوفات مايلز دافيز وثيلونيوس مونك في بارات الجاز، وأحضر حفلات الموسيقا الكلاسيكية. وقد يبدو هذا غريبا، ولكن لم أجلس للاستماع إلى "مع الخنافس" من البداية وحتى النهاية قبل أن أصبحت في منتصف الثلاثينات. ورغم أن صورة الفتاة حاملة تلك الإسطوانة LP في ممر مدرستنا لم تفارقني، لم أشعر لفترة طويلة أنني أريد أن أستمع له فعليا. لم أكن عمليا مهتما بمعرفة أي نوع من الموسيقا محفور في أخاديد قرص الفينيل الذي تمسكت به وضغطته بقوة على صدرها. حينما كنت في منتصف ثلاثيناتي، بعد الطفولة والبلوغ بوقت ملحوظ، كان أول انطباع لي عن الألبوم أنه ليس عظيما، أو على الأقل ليس من نوع الموسيقا التي تحبس الأنفاس. من بين أربع عشرة مادة في الألبوم، كان ست منها لأعمال فنانين آخرين. كانت معزوفات "من فضلك يا ساعي البريد" لمارفيليتس و"ارقص رقصة الرول على أنغام بيتهوفن" لشاك بيري جيدة، وأثرت بي حتى إلى هذا الوقت كلما استمعت إليها، ولكنها مع ذلك هي معزوفات منسوخة. ومن بين الأغاني الأصلية الثمانية ، بغض النظر عن "كل محبتي" لبول، لم أجد شيئا مدهشا. ولم يكن بينها فرديات رائعة، وبالنسبة لسمعي كان أول ألبومات الخنافس "من فضلك أسعدني" مسجلا بنفس واحد، وهو أكثرها حيوية وجاذبية. وعلى الأرجح بفضل رغبة لا تنطفئ أبداها عشاق الخنافس للأغاني الجديدة، احتل هذا الألبوم الثاني لأول مرة المركز رقم 1 في المملكة المتحدة، وهي مرتبة احتلها لواحد وعشرين أسبوعا. (في الولايات المتحدة، تبدل عنوان الألبوم إلى "قابل الخنافس" وتضمن بعض المواد المختلفة، ولكن بقي تصميم الغلاف تقريبا نفسه). وما ورطني كان خيال تلك الفتاة التي تمسكت بالألبوم وكأنه شيء ثمين. لم يسحرني لا الصورة المطبوعة على غلاف الألبوم ولا المشهد بقدر ما فعله خيالها. كانت الموسيقا موجودة بالتأكيد. ولكن هناك شيء آخر، شيء أهم بكثير. وعلى الفور لمس ذلك التابلو قلبي - مشهد روحي لا يوجد إلا هناك، في عمر حرج، ومكان حرج، وفي لحظة معينة من الوقت. بالنسبة لي لم يكن الحادث الأبرز في السنة التالية، 1965، أمر الرئيس جونسون بقصف شمال فيتنام وشن الحرب، ولا اكتشاف نوع جديد من القطط البرية في جزيرة إيريوموتي، ولكن حصولي على صديقة. كانت مثلي في السنة الأولى، ولكن لم نبدأ بالمواعدات حتى حلول العام الثاني. لتلافي أي سوء فهم، أود أن أمهد للموضوع بالقول أننس لست حسن الطلعة، ولم أكن نجما في ألعاب القوة، وعلاماتي في المدرسة أقل من المطلوب. وصوتي في الغناء ينقصه شيء ضروري أيضا، ولا أمتلك طريقة للتعامل مع الكلمات. وحينما كنت في المدرسة، وفي السنوات اللاحقة، لم يكن لدي فتيات تتزاحمن حولي. وذلك شيء من جملة أشياء يمكن أن أقر بها بشكل جازم في هذه الحياة غير الجازمة. هناك أيضا ودائما يوجد على ما يبدو فتاة بالجوار، وتكون لسبب ما منجذبة لي. لم يكن لدي فكرة عن السبب، ولكنني كنت قادرا على الاستمتاع مع تلك الفتيات ببعض الأوقات السعيدة والدافئة. وكنت صديقا جيدا مع بعضهن، وأحيانا تتطور المسألة للمرحلة التالية. والفتاة التي أتكلم عنها هنا واحدة منهن - وهي أول فتاة أقمت معها علاقة حقيقية. أول صديقة لي كانت ناعمة وفاتنة. في ذلك الصيف، رافقتها في مواعيد غرامية، بمعدل مرة في الأسبوع. وفي إحدى الأمسيات قبلتها قبلة بسيطة على كل شفتيها، ولمست صدرها من خلال حمالة ثدييها. وكانت ترتدي ثوبا أبيض بدون أكمام وكان لشعرها شذا شامبو برائحة الحمضيات. وتقريبا لم يكن لديها اهتمام بالخنافس. وكذلك لا تهوى الجاز. وكانت تحب أن تستمع للموسيقا الهادئة، ما يمكن أن تسميه موسيقا الطبقة المتوسطة - أوركسترا مانتوفاني، وبيرسي فايث، وروجير وليامز، وأندي وليامز، ونات كنغ كول، وما شاكل ذلك (في تلك الفترة لم تكن "الطبقة المتوسطة" مصطلحا مشينا على الإطلاق). وتجد أكواما من هذه الأسطوانات في بيتها - وهو ما يصنف اليوم في عداد المعزوفات التي يستساغ سماعها. في عصر ذلك اليوم، وضعت أسطوانة على القرص الدوار في غرفة معيشتها - كان لدى عائلتها جهاز ستيريو ضخم وممتاز - جلسنا على الكنبة الكبيرة والمريحة وتبادلنا القبلات. ذهبت عائلتها إلى مكان ما ولم يبق غيرنا نحن الاثنين. وبصدق في موقف مثله لا أهتم فعليا لنوع الموسيقا التي تعزف. وما أتذكره عن صيف عام 1965 هو ثوبها الأبيض، والشامبو المعطر بنكهة الحمضيات، واللمسة الخشنة لنسيج حمالة ثدييها (حمالة صدر كانت يومها أشبه بقلعة وليس مجرد ثياب داخلية)، و"معزوفة من 'مكان صيفي'" لماكس ستاين بأداء أنيق لأوركسترا بيرسي فايث. وحتى الآن كلما استمعت لــ"معزوفة من 'مكان صيفي' تتجسد تلك الكنبة في ذهني. بالصدفة وبعد عدة سنوات - كما أذكر في 1968 وحوالي نفس توقيت اغتيال روبيرت كنيدي - علق الرجل الذي كان معلم مجموعتنا، حينما كنا في نفس السنة الدراسية، حبلا فوق إفريز الباب وشنق نفسه. كان يدرسنا علوم الاجتماع. وقيل إن مشكلة إيديولوجية هي السبب في انتحاره.

مشكلة إيديولوجية؟.

لكن هذا صحيح - كان الناس في أواخر الستينات ينتحرون أحيانا لأنهم وصلوا إلى جدار إيديولوجي. غير أن ذلك لا يحصل كثيرا. في ما بعد ظهيرة ذلك اليوم كنت أنا وصديقتي نتخبط على الكنبة بحماقة، وفي الخلفية موسيقا بيرسي فايث الجميلة، حينما انتابني شعور غريب حقا وأنا أفكر أن أستاذ الاجتماعيات كان بالتدريج يقترب من درب إيديولوجي مسدود، أو بتعبير آخر، نحو تلك العقدة الضيقة والصامتة من الحبل. حتى أنني أشعر بشيء سيء حيال ذلك أحيانا. من بين كل المعلمين الذين عرفتهم، كان الأفضل. نجاحه أو عدم نجاحه موضوع آخر، ولكنه حاول دائما أن يعامل طلابه بعدل. ومع أنني لم أتكلم معه خارج الصف أبدا، أتذكره بهذا الشكل. ومثل عام 1964 تبين أن عام 1965 سنة الخنافس. فقد أطلقوا في شباط "ثمانية أيام في الأسبوع"، وفي نيسان "تذكرة للسفر"، وفي تموز "ساعدوني"، وفي أيلول "الأمس" - ووصلت كلها إلى قمة المبيعات في الولايات المتحدة. وبدا كأننا نسمع موسيقاهم تقريبا في كل الأوقات. كانت في كل مكان، تحيط بنا، مثل ورق جدران يغطي تماما كل بوصة من الجدران. وعندما لا تعزف موسيقا الخنافس، يحل محلها "(لا أحتمل عدم) الرضا" لرولنغ ستونز، أو "رجل التامبورين" لبايرد أو "فتاتي" لتيمتايشينز، أو "فقدت ذلك الشعور بالحب" لرايتيوس براذرز، أو "ساعديني يا روندا" لبيش بويز. وكان لدايانا روس ولسوبريمز أيضا نجاحات مذهلة، الواحد بعد الآخر. وهكذا انساب تيار مستمر من الموسيقا الرائعة والمرحة من مذياع ترانزستور صغير ماركة باناسونيك أمتلكه. كانت سنة ناجحة حقا في مضمار الموسيقا الشعبية الناجحة. وسمعتها تقول إن أسعد أوقات حياتنا هي الفترة التي تعني فيها الأغاني الشعبية لنا شيئا. ربما هذا صحيح. ولكن في النهاية قد لا تكون الأغاني الشعبية أي شيء غير أنها أغان شعبية. ولعل حياتنا بالإجمال مجرد أشياء تزيينية نتلفها، أو دفقة من لون عائم لا أكثر. كان بيت صديقتي قرب محطة إذاعة كوبي والتي أضبط مؤشر المذياع عليها. وأعتقد أن والدها يستورد، أو ربما، يصدر التجهيزات الطبية. لا أعرف التفاصيل. وعلى كل حال، كان يمتلك شركته، وعلى ما يبدو أنها ناجحة. وكان بيتهم في بستان صنوبريات بجوار البحر. وسمعت أنها بالأساس فيلا صيفية لرجل أعمال وأن عائلتها اشترتها وعدلت طرازها المعماري. كانت أشجار الصنوبر تخشخش مع نسمات البحر. وهو المكان المثالي للاستماع لـــ "معزوفة 'من مكان صيفي'". بعد سنوات تصادف أنني شاهدت في التلفزيون في وقت متأخر من الليل فيلم "مكان صيفي" من إنتاج عام 1959. وهو فيلم هوليوودي نموذجي عن حب الشباب، ومع ذلك كان متماسكا بما فيه الكفاية. وفي الفيلم بستان صنوبريات على شاطئ البحر، يتهادى في نسمات الصيف بالتوقيت مع فقرة البوق في أوركسترا بيرسي فايث. لفت انتباهي مشهد أشجار الصنوبريات ذاك وهي تتهادى في الريح واعتبرته استعارة تدل على رغبة الشباب الجنسية الهائجة. وربما هذا ما فهمته، وهو رأيي الشخصي المنحاز. في الفيلم تكنس رياح جنسية عاتية تروي دوناهو وساندرا دي، وبسببها، يواجهان كل أنواع المشاكل التي يزخر بها العالم الحقيقي. ويتبع سوء التفاهم المصالحة، وتزول العقبات مثل تبدد الضباب، وفي النهاية يلتقي الاثنان ويتزوجان. في هوليوود الخمسينات، تفترض النهاية السعيدة دائما الزواج - التمهيد لجو يمكن للعشيقين أن يمارسا فيه الجنس القانوني. وطبعا لم أتزوج أنا وصديقتي. كنا في المدرسة الثانوية، وكل ما قمنا به هو العناق الأخرق والتخبط على الكنبة بينما "معزوفة من ' مكان صيفي'" تعزف في الخلفية.

قالت لي ونحن على الكنبة بصوت خافت وكأنها تعترف: "هل تعرف هذا؟ أنا من النوع الغيور فعلا".

قلت لها: "حقا؟".

"أردت أن أتأكد أنك تعرف ذلك".

"حسنا".

"أحيانا تلحق بك الغيرة ضررا جسيما".

لمست بصمت شعرها. في حينها لم أكن قادرا على تخيل الغيرة الملتهبة، وماذا يسببها، وإلى ماذا تقود. وكنت مشغولا جدا بعواطفي الشخصية. ملاحظة هامشية. لاحقا تورط تروي دوناهو، ذلك النجم الوسيم الشاب، بتعاطي الكحول والمخدرات، وتوقف عن إنتاج الأفلام، وتحول إلى متشرد لبعض الوقت. وساندرا دي، أيضا، عانت من الكحول. تزوج دوناهو من الممثلة الشعبية سوزان بليشيت عام 1964، وافترقا بالطلاق بعد ثمانية شهور. وتزوجت دي من المطرب بوبي دارين في 1960، وافترقا بالطلاق في 1967. ولكن هذا ليس له علاقة على الإطلاق بقصة "مكان صيفي"، ولا بمصير صديقتي. وكان لصديقتي أخ أكبر وأخت أصغر. الأخت الصغيرة في ثاني سنة من المدرسة الإعدادية، غير أنها أطول من أختها الكبيرة ببوصتين كاملتين. ولم تكن ظريفة المظهر. عدا أنها تستعين بنظارة سميكة. وقالت لي عنها: "إن درجاتها في المدرسة جيدة فعلا". بالمناسبة أعتقد أن درجات صديقتي معتدلة أو متوسطة. على الأغلب مثلي. في إحدى المرات سمحنا لأختها الصغيرة أن ترافقنا إلى السينما. وكان لدينا سبب لذلك. الفيلم هو "صوت الموسيقا". ازدحمت الصالة، وتوجب علينا الجلوس على مقربة من الصف الأول، وأتذكر أن شريط الفيلم كان 70 مم. فيلم ملأ الشاشة العريضة، ولذلك آلم التحديق عيني. ومع ذلك أغرمت صديقتي بأغاني الفيلم. واشترت الشريط المسجل للموسيقا التصويرية LP، وكانت تستمع إليه باستمرار. أما أنا فقد كنت أفضل النسخة السحرية من "أشيائي المفضلة" لجون كولتراين، وتوقعت أن الكلام بهذا الموضوع معها لا يجدي، ولذلك لم أذكر أي شيء عنه. ولم يكن يبدو أن أختها الصغيرة تحبني كثيرا. وكلما تقابلنا ترمقني بعينين غريبتين، محرومتين من العاطفة تماما - كما لو أنها تحكم على صلاحية سمكة مجففة موجودة في مؤخرة الثلاجة. هل تؤكل أم لا. ولسبب ما، تشعرني تلك النظرة على الدوام بالذنب. وحينما تنظر إلي، يبدو أنها تتجاهل المظهر (وبالتأكيد لم يكن هناك ما يستحق المشاهدة)، وكأنه يمكنها رؤية ما بداخلي حتى أعماقي. وربما شعرت ذلك الشعور لأنه بالفعل يتراكم في قلبي الخزي والذنب. أما شقيق صديقتي فهو أكبر منها بأربع سنوات، ولذلك كان على الأقل في العشرين من عمره. ولكنها لم تقدمه لي، ولم تذكره إلا لماما. وإذا دخلنا بالصدفة في محادثة، سرعان ما تبدل الموضوع بمهارة. ويمكنني الآن أن ألاحظ أن موقفها غير طبيعي قليلا. غير أنني لم أفكر به كثيرا. وكنت غير مهتم بعائلتها. وما جذبني إليها أقرب إلى العارض الملح. وقد قابلت أخاها وتكلمت معه لأول مرة قرابة نهاية خريف عام 1965. في ذلك الأحد، ذهبت إلى بيت صديقتي لأخرج معها. قرعت الجرس مرارا وتكرارا، ولم يرد أحد. وقفت لحظة، وعاودت قرعه، ثانية وثالثة، حتى سمعت في النهاية صوتا يتململ ببطء ويأتي نحو الباب. كان الشقيق الأكبر لصديقتي. وهو أطول مني بقليل وأكثر وزنا بقليل. ليس رشيقا ولكنه أقرب لرياضي، ولسبب ما، لم يمكنه التدرب لبعض الوقت ولذلك زاد وزنه عدة أرطال، دهون مؤقتة فقط. له كتفان عريضان، ونسبيا رقبة طويلة ونحيفة. كان شعره مشوشا، ومبعثرا، كما لو أنه استيقظ لتوه. وكان يبدو قاسيا وخشنا، وكذلك كأنه تمهل على تشذيبه لما يزيد عن أسبوعين. وكان يرتدي بلوزة ذات ياقة زرقاء من نمط عمال البحر، والرقبة مفتوحة، وتجمع عرق رمادي حول الركبتين. وكان مظهره بالعكس تماما من مظهر صديقتي - فهي متأنقة ونظيفة وجاهزة دائما. طرف بعينيه أمامي لبعض الوقت، مثل حيوان بليد زحف بعد قيلولة طويلة ليكون تحت الشمس. وقبل أن أنطق بكلمة قال: "أخمن أنك... صديق سايوكو؟". ثم نظف حنجرته. وكان صوته ناعسا، ولكن شعرت بشرارة في نغمته.

قلت: "صحيح". ثم قدمت نفسي: "كان المفروض أن أتواجد هنا في الحادية عشرة".

قال: "لكن سايوكو ليست هنا حاليا".

قلت مكررا كلماته: "ليست هنا".

"خرجت إلى مكان ما. وهي ليست في البيت".

"ولكن المفروض أن آتي ونخرج معا اليوم في الحادية عشرة".

قال: "هل اتفقتما على هذا؟". ورفع نظره إلى جدار بجواره، كأنه ينظر إلى ساعة جدارية. ولم يكن هناك ساعة، فقط طلاء الجدار الأبيض. ثم مضطرا أعاد نظرته نحوي قائلا: "ربما. ولكنها في الحقيقة ليست في البيت".

لم يكن لدي فكرة عما يجب أن أفعل. وكذلك أخوها كما هو واضح. ومنحني تثاؤبة واسعة ثم حك مؤخرة رأسه. وكل أفعاله كانت بطيئة ومخططا لها. ثم قال: "لا يبدو أنه يوجد أحد في البيت الآن. حينما استيقظت منذ قليل لم أجد أحدا في البيت. لا بد أن الجميع خرجوا. ولا أعلم إلى أين".

لم أنطق بكلمة.

"ربما خرج والدي ليلعب الغولف. ولا بد أن الأختين خرجتا بحثا عن التسلية. ولكن خروج أمي أيضا غريب قليلا. فذلك لا يتكرر كثيرا".

منعت نفسي من التكهن. فهذه ليست عائلتي.

فقال: "لكن إذا وعدتك سايوكو بالتواجد، أنا متأكد أنها ستعود سريعا. لم لا تتفضل بالدخول لتنتظر؟".

قلت له: "لا أريد أن أضايقك. سأتسكع في مكان ما لبعض الوقت ثم أعود".

قال بحزم: "كلا. أنت لا تضايقني. ما يضايقني أكثر أن يرن الجرس مجددا ويتوجب علي المجيء لأفتح الباب. هيا ادخل".

لم يكن أمامي خيار، لذلك دخلت، فقادني إلى غرفة المعيشة. غرفة المعيشة بالكنبة التي تخبطنا عليها أنا وهي في الصيف. جلست عليها، وتراخى شقيق صديقتي في مقعد بمسندين بمواجهتي. ومجددا أطلق تثاؤبة طويلة. سألني مرة ثانية كأنه يريد أن يتأكد: "أنت صديق سايوكو، أليس كذلك؟".

أعطيته نفس الجواب السابق قائلا: "هذا صحيح".

"لست صديق يوكو؟".

نفيت بهزة من رأسي. كانت يوكو أختها الصغيرة والأطول.

سألني ونظرة فضول في عينيه: "هل تستمتع بمرافقة سايوكو؟".

لم أعرف كيف أرد، لذلك لزمت الصمت. فجمد في جلسته هناك بانتظار جوابي. في النهاية وجدت ما آمل أنها الكلمات الصحيحة فقلت: "رفقتها مسلية. نعم".

"مسلية ولكنها غير ممتعة؟".

تعثرت كلماتي وأنا أقول: "لا، ليس هذا ما أعنيه...".

قال: "لا تهتم. المتعة أو التسلية - لا فرق بين الاثنين، كما أفترض. والآن هل تناولت إفطارك؟".

"تناولته، نعم".

"سأهيئ بعض الخبز المحمص. هل أنت متأكد أنك لا تريد قطعة؟".

أجبته: "كلا. أنا على ما يرام".

"ما رأيك بقهوة؟".

"أنا على ما يرام".

كان بمقدوري تقبل بعض القهوة، ولكنني ترددت بالتورط أكثر مع عائلة صديقتي، وبالأخص أنها ليست في البيت. فوقف بدون أي كلمة وغادر الغرفة. بعد فترة سمعت قرقعة الأطباق والأكواب. انتظرت هناك على الكنبة وحدي، جالسا بظهر منتصب وبتهذيب، يداي على حضني، بانتظار عودتها من المكان الذي هي فيه. وكانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وخمس عشرة دقيقة. نقبت في ذاكرتي لأرى إذا اتفقنا فعلا على المجيء في الحادية عشرة. ولكن مهما فكرت بالموضوع أتأكد أنه التاريخ والوقت الصحيح. فقد تكلمنا بالهاتف في الليلة السابقة، وأكدت المسألة. وهي ليست من النوع الذي ينسى أو يخلف وعده. وكان شيئا غريبا أن تغادر هي وعائلتها في صباح يوم الأحد، وأن يتركوا وراءهم أخاها الأكبر وحيدا. جلست هناك بصبر محتارا من كل شيء. مر الوقت ببطء موجع. سمعت الصوت القادم أحيانا من المطبخ - فتح الصنبور، قرقعة ملعقة تحرك شيئا، صوت فتح وإغلاق خزانة. كان يبدو أن الأخ من النوع الذي يتسبب بالضجة. مهما فعل تأتي أصوات مستمرة وهذا هو حاله. لم تكن الرياح تهب في الخارج، الكلاب لا تعوي. ومثل وحل غير مرئي، زحف الصمت بإصرار في أذني وأغلقهما. وتوجب علي أن أبلع عدة مرات لأفتحهما. القليل من الموسيقا تحسن الجو. "معزوفة من 'مكان صيفي'"، "نبات الإيدلويس"، "نهر القمر" - أي شيء. لم أكن انتقائيا. أي موسيقا فقط. ولكنني لم أتمكن من لمس الاستيريو في بيت شخص آخر بدون إذن. تلفت حولي بحثا عن شيء أقرأه، ولكن لم أجد أي جريدة أو مجلة. بحثت عما يوجد في حقيبة حملتها على كتفي. تقريبا أحمل في الحقيبة دائما كتابا بغلاف ورقي للقراءة، ولكن ليس في ذلك اليوم. كنت أنا وصديقتي كلما خرجنا بموعد تعارف، نتظاهر غالبا أننا في طريقنا إلى المكتبة للدراسة، ولذلك أضع في حقيبتي كتبا مدرسية لتأكيد مزاعمي. مثل مجرم مبتدئ يرتب قرينة حمقاء. والكتاب الوحيد في حقيبتي في ذلك اليوم كان كراسا داعما لكتب المدرسة وهو "اللغة والأدب اليابانيان". سحبته مضطرا وبدأت أقلب في صفحاته. لا يمكنك أن تضعني بين القراء الذين يهتمون بالكتاب على نحو ممنهج وحاذق، ولكنني أقرب إلى النوع الذي يصعب عليه تمرير الوقت بدون شيء للقراءة. ولا أستطيع الجلوس بهدوء وصمت. وعلي دائما تقليب صفحات كتاب أو الاستماع لموسيقا، هذا أو ذاك. وإذا لم أجد كتابا بمتناول اليد، أسحب أي مطبوعة كانت. أقرأ دليل الهاتف، أو دليل تعليمات مكواة بخارية. وبالمقارنة مع ذلك النوع من مواد القراءة، يكون الكراس الداعم لكتاب اللغة اليابانية خيارا أفضل. قلبت عشوائيا في قصص ومقالات الكتاب. عدة مواد كانت لكتاب أجانب، ولكن أغلبها لكتاب يابانيين حديثين ومعروفين - راينوسوك أكوتاغاوا، جونشيرو تانيزاكي، كوبو آبي، وأمثالهم. وكانتةبعض الأسئلة تأتي في عقب كل عمل - جميع المقتطفات باستثناء عدد قليل من القصص القصيرة جدا. ومعظم هذه الأسئلة بدون معنى تماما. ورغم هذه الأسئلة عديمة المعنى من الصعب (أو من المستحيل) أن تحدد على نحو منطقي إذا كان الجواب صحيحا أو لا. وأشك أن الذي وضع الأسئلة، أيا كان، يمكنه أن يحدد. يمكنك أن تقترح أي جواب على أشياء مثل "ماذا يمكنك أن تفهم من هذه الفقرة عن موقف الكاتب من الحرب؟، أو متى وصف المؤلف لصق وخفوت القمر، وما هو نوع الأثر الرمزي المعطى؟". إذا قلت إن صفة لصق وخفوت القمر ببساطة مجرد وصف للصق وخفوت القمر، ولا يوجد وراءه معنى رمزي، لا يستطيع أحد على وجه اليقين أن يقول إن إجابتك خاطئة. بالطبع يوجد جواب معقول نسبيا، ولكن لا أعتقد أن إعطاء جواب معقول نسبيا هو الهدف من دراسة الأدب. وحسب الإمكان قتلت الوقت بمحاولة التوصل إلى جواب عن كل هذه الأسئلة. وفي معظم الحالات قفز إلى الذاكرة - في دماغي، والذي لا يزال ينمو ويتطور، وهو يكافح يوميا للوصول إلى نوع من الاستقلال النفسي - نمط من الأجوبة غير المنطقية نسبيا ولكن غير الخاطئة بالضرورة. وربما بسبب ذلك الحال أتت علاماتي في المدرسة غير مدهشة. عاد شقيق صديقتي إلى غرفة المعيشة وأنا أتابع ذلك. شعره لا يزال مبعثرا بكل الاتجاهات، ولكن ربما لأنه تناول إفطاره، لم تعد عيناه ناعستين كالسابق. وبيده كوب أبيض كبير، بصورة جانبية لطائرة ألمانية ذات جناحين من أيام الحرب العالمية الأولى، ولها مدفعان أمام المقدمة. لا بد أنه كوبه الخاص، ولم يكن بمقدوري أن أتخيل صديقتي تشرب من كوب مثله.

سألني: "هل بالفعل لا ترغب بالقهوة؟".

حركت رأسي قائلا: "كلا. أنا على ما يرام. حقا".

كانت فتات الخبز ملتصقة على بلوزته، وعلى بقع متعرقة حول ركبتيه أيضا. ربما كان جائعا وابتلع الخبز المحمص بدون انتباه للفتات الذي تناثر في كل مكان. وكما أتصور ذلك يقلق صديقتي، فهي دائما شديدة الترتيب والأناقة. وكنت شخصيا أحب أن أكون مرتبا وأنيقا، وهي صفة مشتركة بيننا وأحد أسباب انسجامنا كما أظن. رمى أخوها نظرة نحو الجدار. كانت توجد ساعة عليه، وعقرباها يشيران إلى الحادية عشرة والنصف تقريبا.

قال: "لم تعد. أليس كذلك؟ إلى أي جحيم يمكنها أن تذهب؟".

لم أنطق بكلمة للرد.

"ماذا تقرأ؟".

"ملحق توضيحي لكتاب اللغة اليابانية".

قال وهو يميل برأسه قليلا: "همم. هل يسلي؟".

"ليس تماما. ليس لدي شيء آخر للقراءة".

"هل يمكنك أن تطلعني عليه؟".

قدمت له الكتاب من فوق الطاولة المنخفضة. أخذه بيمناه وكوب القهوة بيسراه، وخشيت أن تسيل القهوة عليه، وبدا أن هذا وشيك الحدوث، لكنه لم يفعل. طرق كوبه على زجاج سطح الطاولة، وقبض على الكتاب بكلتا يديه وبدأ يقلب فيه.

سألني: "ماذا كنت تقرأ فيه؟".

"حاليا كنت أقرأ قصة 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا. هناك مقطع من القصة فقط، وليس كلها".

فكر بالموضوع وقال: "' الأقراص الدوارة' لم أقرأها أبدا. ولكن قرأت قصته 'كابا' منذ فترة طويلة. ألا ترى أن 'الأقراص الدوارة' قصة قاتمة جدا؟".

"نعم. فقد كتبها قبل موته بقليل". تناول أوكوتاغاوا جرعة زائدة حينما بلغ الخامسة والثلاثين. ويذكر الدليل الإرشادي للقراء أن "الأقراص الدوارة" نشرت بعد موته عام 1927. وكانت القصة تقريبا وصيته الأخيرة وآخر اعتراف منه.

قال أخ صديقتي: "هممم. هل تعتقد أنك مستعد لتلاوتها لي".

نظرت إليه بدهشة قائلا: "هل تعني أن أقرأها بصوت جهوري؟".

"نعم. أحببت دائما أن يقرأ لي الآخرون. ولكنني لست قارئا جيدا بنفسي".

"أنا لست قارئا جيدا بصوت مسموع".

"لا بأس. لا يتوجب عليك أن تكون قارئا متمرسا. فقط اقرأها بالترتيب، وهذا شيء جيد. أقصد لا يبدو أن لدينا شيئا آخر نفعله".

قلت له: "مع ذلك هي قصة عصابية ومقلقة جدا".

"أحيانا أحب أن أستمع لذلك النوع من القصص. كأنك تقاوم الشر بالشر".

أعاد لي الكتاب، ورفع كوب القهوة مع صورة الطائرة ذات الجناحين وصلبانها الحديدية، وأخذ رشفة. ثم غاص في كرسيه ذي المساند، بانتظار بداية القراءة. وأنهيت يوم الأحد ذاك بقراءة فقرة من "الأقراص الدوارة" لأكوتاغاوا على مسمع من شقيق صديقتي الكبير والغريب. في البداية مضطرا، ولكن سريعا تحمست للمهمة. كان في ملحق القراء المقطعان الأخيران من القصة - "الأضواء الحمر" و"الطيارة" - واكتفيت بقراءة "الطيارة". وهي من حوالي ثماني صفحات، وتنتهي بسطر ورد فيه"هل يوجد شخص لديه ما يكفي من القوة ليخنقني في نومي؟". وبعد كتابة هذا السطر قتل أكوتاغاوا نفسه. حين أنهيت القراءة لم يرجع أحد إلى البيت. لم يرن الهاتف، ولم يرفع ديك صوته في الخارج. وخيم الصمت على كل الأرجاء. أضاءت شمس الخريف غرفة المعيشة من وراء دانتيل الستائر. وشق الوقت طريقه إلى الأمام ببطء ولكن بثبات. جلس شقيق صديقتي هناك، وعقد ذراعيه، وأغلق عينيه، كأنه يحفظ في ذاكرته السطور الأخيرة التي قرأتها وهي: "ليست لدي القوة لأتابع مع الكتابة. تعجز الكلمات عن وصف ما أشعر به من ألم في هذه الحياة. هل يوجد شخص لديه ما يكفي من القوة ليخنقني في نومي؟".

سواء كنت تحب الكتابة أم لا، هناك شيء واحد واضح: هذه القصة ليست مناسبة للقراءة في يوم أحد صاف ومشمس. أغلقت الكتاب، واختلست نظرة من الساعة المعلقة على الجدار. كانت الساعة قد تخطت الثانية عشرة.

قلت: "لا بد من وجود سوء تفاهم. يجدر بي أن أنصرف كما أظن". وشرعت بالنهوض عن الكنبة. فقد نقشت أمي في ذهني منذ الطفولة أنه لا يجب أن أزعج الناس في بيوتهم إذا حان وقت تناول الطعام. وفي كل الظروف والأحوال تسلل هذا في كل كياني وأصبح عادة شرطية منعكسة.

سألني أخوها: "تكبدت عناء الطريق، ألا يحسن بك أن تنتظر ثلاثين دقيقة إضافية، وإذا لم ترجع حينها يمكنك أن تنصرف؟".

كانت كلماته جازمة لحد غريب، فجلست وأسدلت يدي في حضني ثانية. فأضاف بنغمة تدل على التأثر الصادق: "أنت ماهر جدا في القراءة الجهورية. هل أخبرك أحد بذلك؟".

نفيت بحركة من رأسي.

قال: "إن لم تفهم المضمون جيدا، لا يمكنك أن تقرأ كما فعلت معي. ولا سيما الفقرة الأخيرة. كان الأداء جيدا".

أجبته كيفما اتفق: "آه". وشعرت باحمرار في خدي قليلا. وبدا الثناء كأنه موجه إلى شخص آخر، ولذلك شعرت بعدم الراحة. ولكن الرسالة التي وصلتني تفترض أنني سأتورط معه بثلاثين دقيقة من الحوار. ويبدو أنه بحاجة لشخص يتكلم معه. وضع كلتا راحتيه أمامه متلاصقتين، كأنه يصلي، ثم فجأة قال: "ربما يكون هذا سؤالا غريبا، هل توقفت ذاكرتك على الإطلاق؟".

"توقفت؟".

"ما أتكلم عنه، أقصد، أن لا تتذكر ابتداء من نقطة وما يليها، على الإطلاق، أين كنت، أو ماذا كنت تفعل".

هززت رأسي قائلا: "لا أعتقد أنني عانيت من ذلك".

"إذا أنت تتذكر تسلسل الوقت وتفاصيل ما تفعل؟".

"إذا حصل شيء في وقت قريب، نعم، يمكنني أن أقول ذلك".

قال "هممم". وحك مؤخرة رأسه دقيقة، ثم تابع: "أفترض أن ذلك طبيعي".

انتظرته ليتابع. فقال: "حقيقة عانيت من تراجع ذاكرتي عدة مرات. مثلا توقفت عن العمل في الساعة 3 بعد الظهيرة، ولم أسترجع ذاكرتي إلا في السابعة مساء. ولم أتذكر أين كنت، أو ماذا فعلت، خلال الساعات الأربعة تلك. ولم يكن ذلك بتأثير يشبه حادثة طارئة وقعت لي. مثلا بعد ضربة على الرأس أو إذا تعتعني السكر أو ما شابه ذلك. كنت أؤدي عملي العادي وبدون سابق إنذار أغلقت الذاكرة بابها وانقطعت. ولا يمكنني أن أتنبأ متى يحدث ذلك. وليس لدي أي علامة تدل على عدد ساعات المعاناة، ولا عدد الأيام، ولا حتى أن ذاكرتي ستتلاشى".

همهمت لأقنعه أنني أتابع كلامه قائلا: "أفهمك".

"تخيل أنك سجلت سمفونية لموزارت على شريط. وكلما عزفته يقفز الصوت من وسط الحركة الثانية إلى وسط الحركة الثالثة، وما يجب أن يكون في الوسط اختفى وحسب. هذا هو الحال. حينما أقول 'اختفى' لا أعني أنه يوجد مسافة صامتة في الشريط. ولكنه ذهب فقط. هل فهمت ما أقول؟".

قلت له بنبرة مترددة: "أعتقد ذلك".

"هذا أمر غير مريح بنظر الموسيقا. ولكنه لا يضر حقا. صحيح؟. وحين يحصل في الحياة الفعلية، يسبب الألم، صدقني... هل تفهم ما أقول؟".

وافقت بهز الرأس.

"تذهب إلى الوجه المظلم من القمر وتعود خاوي الوفاض".

وافقت بحركة رأس مجددا. لم أكن متأكدا تماما أنني رأيت وجه التشابه.

فتابع: "السبب هو اضطراب وراثي، والحالات الحرجة مثلي نادرة جدا. شخص واحد من عشرة آلاف يعانون من هذا الاضطراب. وحتى أنه توجد فروقات بينهم، وهذا أمر طبيعي. في العام الأخير من المدرسة الثانوية، فحصني طبيب أعصاب في مستشفى الجامعة. وقد رافقتني والدتي إلى المستشفى".

التقط أنفاسه ثم أضاف: "بكلام آخر هي حالة يرتبك فيها سياق ذاكرتك. جزء من ذاكرتك يودع في درج خاطئ. ومن المستحيل تقريبا أن تجده ثانية، أو بالفعل هو مستحيل. هكذا فسروا لي الموضوع. أنه ليس نوعا فظيعا ومميتا من الاضطرابات، وأنت لا تفقد فيه عقلك. ولكنه يتسبب بمشاكل في الحياة اليومية. وقد أخبروني باسم هذا الاضطراب وقدموا لي دواء لأتناوله، ولكن لم تفعل الحبوب شيئا. كانت خدعة نفسية".

لزم شقيق صديقتي الصمت لحظة، وهو يراقبني باهتمام ليرى إذا فهمته. كأنه كان خارج البيت ويحدق في الداخل من النافذة. أخيرا قال: "تعرضت لهذه النوبات مرة أو اثنتين منذ عام. لم تتكرر كثيرا، ولكن الموضوع ليس في تواترها. حينما تحصل تسبب مشاكل حقيقية. وحتى لو أن ذلك النوع من فقدان الذاكرة نادر الحدوث هو مزعج جدا، ولا سيما أنك لا تعرف متى يحصل. أنت تفهمني، أليس كذلك؟"

قلت بشكل عابر: "آه ..ها". وما كان بمقدوري إلا أن أتابع حكايته السريعة والغريبة.

سمعته يتابع: "حين يحصل ذلك لي يكون مثل ذاكرة تنقطع فجأة، وخلال تلك الفترة أكون كأنني أحمل مطرقة ضخمة ومستعد لأن أحطم بها رأس شخص ما، شخص لا يعجبني. ولا يمكنك غير التعبير عن ذلك بقولك 'حسنا، هذا شيء غريب'. هل أنا محق؟".

"نعم. معك حق".

"وإذا تدخل الشرطة وقلت لهم 'خلاصة الأمر أن ذاكرتي طارت بعيدا' لن يصدقوا ذلك، أليس كذلك؟".

حركت رأسي بالنفي.

"هناك في الواقع شخصان لا أحبهما أبدا. شابان أمقتهما. والدي أحدهما. ولكن حينما أكون متيقظا لن أضرب رأس والدي بالمطرقة، هل يمكن أن أفعل ذلك؟. يمكنني التحكم بنفسي. إنما حين تغيب ذاكرتي، لا يتبقى عندي إحساس بما أفعل".

قربت رأسي قليلا، دون الإعراب عن أي رأي.

"قال الأطباء إن ذلك لا يشكل أي خطر علي في حال حصوله. حينما تختفي ذاكرتي لا يكون الأمر مثل اختطاف شخص لشخصيتي. ولكنه مثل دكتور جيكل والسيد هايد. أنا نفسي دائما. فقط الجزء المسجل يقفز من وسط الحركة الثانية إلى وسط الحركة الثالثة. ودائما أستطيع التحكم بمن أكون، وأتصرف بشكل طبيعي في معظم الحالات. موزارت لا يتحول فجأة إلى سترافنسكي. موزارت يبقى موزارت - ولكن فقط جزء يختفي في مكان ما من الدرج". وهنا لزم الصمت، وأخذ رشفة من كوب قهوته بطيارته ذات الجناحين، وتمنيت لو بمقدوري الحصول على بعض القهوة.

ثم تابع: "على الأقل هذا ما أخبرني به الطبيب. ولكن عليك أن تحذر مما يخبرك به الأطباء. حينما كنت في المدرسة الثانوية أفزعني، حينما لم أعرف ماذا أفعل، وأنه من الوارد أن أضرب زميلا في الصف بمطرقة على رأسه. أعني حينما تكون في المدرسة الثانوية أنت لا تعرف على وجه الدقة من أنت، صحيح؟. لو أضفت إلى ذلك ألم فقدان الذاكرة، لن تتحمل ذلك".

حركت رأسي بصمت. فقد يكون محقا.

تابع شقيق صديقتي كلامه قائلا: "توقفت تماما عن متابعة الدراسة لتلك الأسباب. وكلما فكرت بالموضوع زادت مخاوفي، ولم أتمكن من ترويض نفسي على الذهاب إلى المدرسة. وشرحت أمي الوضع لمعلمي، ولذلك سمحوا لي بالتغيب كثيرا، واستثنوني من الدوام، وسمحوا لي بالنجاح. وأتخيل أن المدرسة أرادت التخلص من مشكلة طالب مثلي بقدر ما تستطيع. غير أنني لم أنتسب إلى الجامعة. ولم تكن درجاتي سيئة جدا، وكان بمقدوري الانتساب إلى كلية ما، مع ذلك فقدت الثقة على الخروج. ومنذئذ أرواح بمكاني في المنزل. أو أرافق الكلب بنزهة، وسوى ذلك نادرا ما أغادر البيت. في هذه الأيام لا أشعر بالفزع أو ما شيء من هذا القبيل. وإذا هدأت الأمور قليلا أعتقد أنني قد أعود للدوام في إحدى الجامعات".

ثم لزم الصمت، واستمر صامتا. ولم يكن عندي فكرة عما أقول. وأدركت الآن لماذا لم ترغب صديقتي أبدا أن تتكلم عن أخيها.

أخيرا قال: "شكرا لأنك قرأت لي تلك القصة. 'الأقراص الدوارة' ممتازة. هي قصة كئيبة بالتأكيد، لكن لمسني شيء ما في هذا النص. هل أنت متيقن أنك لا تريد أي قهوة؟ لن يحتاج إعدادها أكثر من دقيقة".

"كلا. أنا بخير. فعلا. ومن الأفضل أن أنصرف".

رمق الساعة الجدارية ثانية. وقال: "لماذا لا تنتظر حتى الواحدة. وإذا لم يرجع أحد حتى ذلك الحين، يمكنك أن تغادر. سأكون في غرفتي في الأعلى، وتستطيع أن تجد الباب بنفسك. ولا ضرورة لأن ينتابك القلق مني".

أومأت برأسي. ثم سألني مرة أخرى: "هل مرافقة سايوكو تسلي؟".

وافقت برأسي قائلا: "إنه يسليني".

"كيف؟".

أجبته: "لا أعلم كيف يوجد لديها أمور كثيرة". وأعتقد أنه جواب صادق جدا.

قال وهو يفكر بالموضوع: "هممم. أنت تلفت انتباهي لشيء لم أكن أراه. فهي أختي الصغيرة، وبيننا رابطة دم، نفس المورثات وما شابه ذلك، ونحن نعيش معا تحت نفس السقف منذ ولادتها، ولكن لا يزال حولها أطنان من الأمور التي لا أفهمها. أنا لا أستوعبها - كيف أعبر عن رأيي؟ ماذا يجعلها تلفت النظر؟ ويريحني أنك استطعت أن تفهمها بالنيابة عني. دائما تبقى أشياء من الأفضل أن لا تحاول فهمها". ونهض من الكنبة ذات المسندين وبيده كوب القهوة وهو يقول: "على كل حال ابذل معها جهدك". ولوح بيده الحرة نحوي وغادر الغرفة.

قلت له: "شكرا".

حتى الساعة الواحدة لم تكن هناك علامة تدل على عودة أحد، توجهت بمفردي إلى الباب الأمامي، ارتديت خفي، وغادرت. تجاوزت غابة الصنوبر باتجاه المحطة، وقفزت إلى القطار، وذهبت إلى البيت. كان يوم مساء أحد خريفي يخيم عليه الهدوء على نحو غريب.

تلقيت مكالمة من صديقتي بعد الساعة 2 مساء. قالت فيها: "من المفترض أن تأتي الأحد القادم". لم أقتنع تماما، ولكنها كانت واضحة جدا حيال ذلك، ولعلها محقة. اعتذرت بدماثة لأنني زرتها قبل أسبوع من الموعد المقرر. ولم أذكر لها أنني، حين انتظرت عودتها إلى البيت، دخلت مع أخيها في حوار - ربما "حوار" ليست الكلمة الصحيحة، لأنني أساسا كنت أصغي له فقط. ورأيت أنه من الأفضل أن لا أقول لها أنني قرأت له "الأقراص الدوارة" من تأليف راينوسوك أكوتاغاوا، وأنه اعترف لي بمعاناته من نوبات مرض في الذاكرة. لو أنه لم يخبرها بتلك الأمور، لا يوجد عندي أي سبب لأخبرها أنا.

بعد ثمانية عشر عاما قابلت أخاها ثانية. كان الوقت في أواسط تشرين الأول. وحينها كنت في الخامسة والثلاثين من العمر. أعيش في طوكيو مع زوجتي. وعملي يشغلني ونادرا ما أعود إلى كوبي. وكنا في وقت متأخر من بعد الظهيرة. وأنا أصعد سفوح هضبة في شيبويا لاستعادة ساعة يد تركتها للصيانة. وكنت أشق طريقي مستغرقا بالتفكير، حينما مررت برجل فالتفت نحوي وقال لي: "عذرا". كانت له لهجة كانساي لا يخطئها السامع. توقفت، والتفت إلى الخلف، فرأيت رجلا لم أعرفه. كان يبدو أكبر مني بقليل، وأطول بقليل، ويرتدي سترة سميكة من التويد الرمادي، وبلوزة من الكشمير كريمية اللون بياقة ملتفة حول رقبته، وسروالا بنيا من القطن. كان شعره قصيرا، وببنية مشدودة كرياضي وببشرة برونزية عميقة اللون (كأنها برونز الغولف). ولكن ملامحه غير نقية ومع ذلك لا تزال جذابة. أفترض أنه وسيم. تشكل عندي إحساس أنه رجل سعيد مع زوجته. حسب ظني شخص جيد النشأة. قال: "لا أتذكر اسمك. ولكن ألم تكن صديق شقيقتي الصغيرة لبعض الوقت؟".

تأملت وجهه مجددا. إنما لم أتذكره.

قلت له: "أختك الصغيرة؟".

قال: "سايوكو. أعتقد أنكما كنتما في نفس الصف في المدرسة الثانوية".

استقرت عيناي على بقعة صغيرة من معجون البندورة على بلوزته ذات اللون الكريمي من الأمام. كان متأنقا بملبسه، وأتت تلك البقعة الصغيرة كأنها من خارج السياق. ثم انبثقت الذكرى - الأخ ذو العينين الناعستين والبلوزة الزرقاء ذات القبة المرتخية المرشوشة بفتات الخبز.

قلت له: "أتذكرك الآن. أنت أخ سايوكو الأكبر. تقابلنا مرة في بيتك، أليس كذلك؟".

"أنت على صواب. وقرأت لي 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا".

ضحكت قائلا: "يدهشني أنك عرفتني في هذا الزحام. مع أننا التقينا مرة فقط منذ فترة بعيدة".

" أنا لا أنسى الوجوه ولا أعلم لماذا. أضف لذلك لا يبدو أنك تغيرت على الإطلاق".

قلت: "أما أنت فقد تبدلت كثيرا. تبدو مختلفا جدا الآن".

قال وهو يبتسم: "حسنا - يوجد الكثير من الماء تحت الجسر. كما تعلم الأمور تعقدت معي جدا لبعض الوقت".

سألته: "وكيف أحوال سايوكو".

ألقى نظرة مضطربة على أحد الجوانب، وحبس نفسه ببطء، ثم أطلق أنفاسه كأنه يقدر كثافة الهواء حوله وقال: "عوضا عن الوقوف هنا في الشارع، لماذا لا نذهب إلى مكان ما حيث يمكننا الجلوس والكلام؟. إن لم تكن مشغولا أفضل ذلك".

قلت له: "لا يوجد عندي شيء ملح".

قال بهدوء: "سايوكو رحلت". كنا بقرب مشرب قهوة، جلسنا حول طاولة متقابلين.

"رحلت؟".

"ماتت. منذ ثلاث سنوات".

لم أرد. شعرت كأن لساني انتفخ داخل فمي. حاولت أن أبتلع اللعاب الذي تراكم، ولم أستطع. آخر مرة رأيت سايوكو كانت بعمر عشرين عاما وللتو حصلت على رخصة قيادة السيارة، وقادتنا نحن الاثنين إلى قمة جبل روكو في كوبي، على متن تويوتا كراون بيضاء ذات سقف ثابت وتعود ملكيتها لوالدها. كانت قيادتها لا تزال غريبة قليلا، ولكنها ظهرت متوهجة وهي تقود. وكما هو متوقع كان المذياع يعزف أغنية للخنافس. وأتذكرها جيدا. هي أغنية "مرحبا ووداعا". أنت تقول وداعا، وأنا أقول مرحبا. كما قلت سابقا كانت موسيقاهم حينها في كل مكان. لم أتمكن من استيعاب حقيقة موتها وأنها لم تعد موجودة في هذا العالم. ولست متيقنا كيف أعبر عن ذلك - فقد كان الأمر يبدو سرياليا جدا لي.

سألت بفم جاف: "وكيف... ماتت؟".

قال كأنه ينتقي كلماته بحذر: "انتحرت. حينما بلغت السادسة والعشرين تزوجت من زميل لها عملت معه في شركة التأمينات، وأنجبا ولدين، ثم وضعت حدا لحياتها. وكانت في الثانية والثلاثين فقط".

"تركت وراءها أطفالا".

وافق شقيق صديقتي السابقة برأسه قائلا: "الطفل الأكبر صبي، والأصغر بنت. وزوجها يعتني بهما. حتى أنني أزورهما بين حين وآخر. يا لهما من ولدين رائعين".

لا زلت أواجه المصاعب وأعاني من المتاعب الحقيقية. هل حقا أن صديقتي السابقة قتلت نفسها، وتركت وراءها ولدين صغيرين؟.

سألته: "ولماذا انتحرت؟".

هز رأسه. ثم قال: "لا أحد يعلم لماذا. لم تكن تتصرف كما لو أنها مضطربة أو كئيبة. كانت موفورة الصحة، والأمور تبدو جيدة مع زوجها، وكانت تحب طفليها. كما أنها لم تترك خلفها رسالة أو أي شيء. ولكن وصف لها طبيبها حبوبا منومة، فجمعتها وتناولتها دفعة واحدة. ولذلك يبدو أنها خططت لقتل نفسها. أرادت أن تموت، ولستة شهور راكمت الدواء بالتدريج. هذا يعني أن نهايتها ليست من جراء اندفاعة مفاجئة".

لزمت الصمت لبعض الوقت. وهكذا فعل هو. وضاع كل واحد منا في أفكاره. في ذلك اليوم، في مقهى يتربع على قمة جبل روكو، انفصلنا أنا وصديقتي. كنت أداوم في جامعة طوكيو ووقعت بغرام بنت هناك. فأتيت إلى صديقتي مباشرة واعترفت لها بذلك، فلم تنطق بكلمة، وحملت حقيبتها، ونهضت، وهرولت خارج المقهى، بدون أن تنظر إلى الخلف. توجب علي أن أركب بالعربة الفضائية من الجبل بمفردي. ولا بد أنها قادت سيارة التويوتا كراون البيضاء تلك عائدة إلى البيت. كان يوم أحد مشمس ورائع، وأتذكر أنني رأيت كل كوبي من نافذة الغوندولا. كان مشهدا مذهلا. ثم انتسبت سايوكو إلى الجامعة، وحصلت على عمل في شركة تأمينات معروفة، وتزوجت من أحد زملائها، وأنجبت ولدين، وأخفت الحبوب المنومة، وأنهت حياتها. كنت سأنفصل عنها عاجلا أو آجلا. ولكن لدي ذكريات حميمة عن السنوات التي أنفقناها معا. كانت صديقتي الأولى، وقد أحببتها حبا جما. وهي من قدم لي معلوماتي عن الجسد الأنوثي. تعرفنا على الكثير من الأشياء الجديدة معا. واشتركنا بأوقات رائعة، وهي ممكنة فقط إذا كنت في سنوات مراهقتك. من الصعب أن أقول هذا الآن، غير أنها لم تلمس الجرس الخاص ولم تلمسه أبدا ليرن في أذني. أصغيت بكل ما أمكنني من قوة، ولكنه لم يرن ولو لمرة واحدة. وهذا مدعاة للأسف. أما البنت التي تعرفت عليها في طوكيو فقد نجحت بذلك أمامي. وهذا شيء لا يمكنك أن تختاره بحريتك، وفق المنطق أو الاستعدادات. إما أن يحصل أو لا يحصل. وإذا حصل، يحصل تلقائيا، في وعيك أو في بقعة عميقة داخل روحك.

قال شقيق صديقتي السابقة: "كما تعلم لم يخطر في ذهني ولا مرة واحدة أن سايوكو قد تنتحر. لو أن كل الناس في العالم مستعدون لقتل أنفسهم كنت أعتقد - وهذا خطأ كما تبين - أنها ستبقى صامدة، حية ومعافاة. لم أستطع أن أرى أنها من النوع الواهم أو من يخفي بقعة مظلمة في داخله. بصدق كنت أتوقع أنها سطحية قليلا. لم أمنحها الكثير من الاهتمام وهذا ينسحب عليها بالنسبة لي، كما أعتقد. ربما لم نكن على نفس طول الموجة. في الواقع كنت منسجما بشكل أفضل مع أختي الأخرى. ولكن الآن أشعر كأنني ارتكبت خطأ فظيعا مع سايوكو، وهذا يؤلمني. ربما لم أعرفها حقا. ولم أفهم أي شيء فيها. وربما كنت مشغولا بحياتي الخاصة. وربما لا يمتلك شخص على شاكلتي الإمكانيات ليحافظ على حياتها، مع ذلك يجب علي أن أتفهم شيئا عنها، حتى لو أنه ليس كثيرا. الآن يصعب تحمل ذلك. كنت لامباليا جدا، ومهتما بنفسي كثيرا".

لم يكن هناك شيء أقوله. وربما لم أفهمها على الإطلاق أيضا. مثله، كنت مشغولا بحياتي الشخصية.

قال شقيق صديقتي السابقة: "في تلك القصة التي قرأتها لي، 'الأقراص الدوارة' لأكوتاغاوا، توجد فقرة عن قبطان يتنفس حينما يكون محلقا في السماء، غير أنه لا يستطيع أن يتنفس الهواء بعد عودته إلى الأرض. يسمون ذلك 'مرض الطائرة'. ولا أعلم إذا كان مرضا حقيقيا أو لا، ولكنني لا زلت أتذكر تلك السطور".

سألته: "هل تغلبت على تلك الحالة التي تغيب فيها ذاكرتك أحيانا؟". أعتقد أنني رغبت بتبديل الموضوع بعيدا عن سايوكو.

قال وهو يضيق عينيه قليلا: "آه. صحيح. ذلك شيء غريب. ولكنه تلاشى بنفس الوقت. فهو اضطراب وراثي كان يتدهور مع الوقت، كما قال الطبيب، ولكنه انتهى واختفى، كما لو أنني لم أكن أعاني منه. كأنه روح شريرة وتم طردها".

قلت له: "يسعدني سماع ذلك". وبالفعل أسعدني ذلك.

قال: "حصل ما حصل بعد لقائنا في تلك المرة بقليل. بعده لم أمر بذلك النوع من فقدان الذاكرة، ولا حتى مرة. شعرت بالهدوء، وأصبحت مستعدا لعبور نصف الطريق إلى جامعة محترمة، وللتخرج، ثم للقيام بأعباء تجارة والدي. وهناك أخذت الأمور منعطفا لعدة سنوات، والآن أعيش حياة طبيعية".

كررت: "أنا سعيد لأنني أسمع ذلك. وهذا يعني أنك لم تضطر لضرب والدك على رأسه بالمطرقة".

قال وهو يضحك بصوت مرتفع: "أنت تتذكر أشياء غبية أيضا. أليس كذلك. كما تعلم لا أحضر إلى طوكيو كثيرا للتجارة، ومن العجيب أن أصادفك هكذا في هذه المدينة العملاقة. ولا يسعني إلا أن أشعر أن شيئا جمعنا معا".

قلت له: "بالتأكيد".

"وماذا عنك؟ هل كنت تعيش كل هذا الوقت في طوكيو؟".

أخبرته: "تزوجت بعد التخرج من الجامعة مباشرة. وكنت أعيش في طوكيو منذئذ. وأكسب قوتي من الكتابة الآن".

"كاتب؟".

"نعم. إلى حد ما".

قال: "حسنا. كنت رائعا بالقراءة الجهورية. ربما ما أخبرك به سيكون عبئا عليك، ولكن أعتقد أن سايوكو دائما كانت معجبة بك وتفضلك على الجميع".

لم أرد. ولم يضف شقيق صديقتي السابقة شيئا. وهكذا ألقينا تحية الوداع. ذهبت لاستعادة ساعتي، التي تمت صيانتها، وانطلق شقيق صديقتي السابقة ببطء نحو أسفل السفوح باتجاه محطة شيبويا. وابتلع قامته بسترة التويد زحام ما بعد الظهيرة. ولم ألتق به ثانية أبدا. ولكن جمعتنا الصدفة مرة ثانية. بعد قرابة عشرين عاما بين اللقائين، في مدينتين تبعد قرابة الواحدة عن الأخرى قرابة مائة ميل، وقد جلسنا، وبيننا طاولة، لنرشف القهوة ونتكلم عن بضعة أمور. ولكنها لم تكن أشياء يحسن التحدث عنها مع القهوة. كان هناك شيء أعمق في كلامنا، شيء يبدو لنا له معنى، ويأخذ مكانه في مسيرة ووقائع حياتنا. مع ذلك لا يزال كل شيء مجرد تلميحات، وفرتها الصدفة. لم يكن هناك شيء يجمعنا بطريقة منظمة وعضوية. (سؤال: ما هي العوامل التي تتوفر في حياة هذين الرجلين ولها قيمة رمزية تظهر من خلال لقائين وحوارين؟).

لم أقابل تلك الفتاة الرائعة ثانية، أيضا، أقصد التي كانت تحمل الشريط الكامل LP " مع الخنافس" . وأحيانا أتساءل - هل لا زالت تسرع بخطواتها في ذلك الممر قليل الإضاءة في المدرسة الثانوية كما حصل عام 1964، وتنورتها ترفرف في الهواء ولها حفيف وهي تسير؟. وهل هي في السادسة عشرة حتى الآن، وتحمل غلاف الألبوم الرائع بصورة نصف مضاءة لجون وبول وجورج ورينغو، وتقبض عليه بقوة كأن حياتها تعتمد عليه.

***

.............................

* ترجمها عن اليابانية فيليب غابرييل

* نشرت في النيويوركير بتاريخ 17 شباط 2020.

هاروكي موراكامي Haruki Murakami كاتب روايات وقصص معاصر من اليابان.

 

بقلم: باتريك روزال

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

اعتقدت قصيدة انها رأت

بريق فأس او نجمة نينجا

منطلقة نحوها في الظلام.

لكن القصيدة في الحقيقة

رأت رجلا يقف في زاوية

ملوحا بيديه.

القصيدة جفلت.

القصيدة خافت.

القصيدة لم تفهم ما كان

يقوله الرجل.

لو حسبت القصيدة الرجل صنبورا،

أ كانت القصيدة قد أطلقت النار؟

لو حسبت القصيدة الرجل

قمامة مكومة بارتفاع ستة اقدام،

أكانت القصيدة فكرت مرتين؟

كل قصيدة تأتي من مكان ما

--ليس صفا طويلا

من قصائد أخرى.

أحيانا تكون القصيدة أولى

افراد اسرتها تصبح قصيدة.

القصيدة التي سحبت

سلاحا يستعمل للتظاهر هكذا

حين كانت يافعة:

القصيدة اختبأت في قبو شديد الرطوبة

خلف اريكة بطاناتها ممزقة.

القصيدة برزت وأطلقت النار على المصباح

وغربان الرسوم المتحركة على الشاشة

والأسد الذي فقد نصف حشوته.

القصيدة احتفلت بالصراخ

بأعلى ما تستطيع رئتاها.

الآن ترتدي القصيدة الملابس الداخلية

والحذاء التي ترتديها القصائد الأخرى ذاتها

كي تعرف في الشارع

أي القصائد تنتمي،

واي القصائد لا تنتمي.

أحيانا تتعلم القصيدة كيف

تتكلم القصائد الأخرى.

أحيانا تتعلم القصائد

كيف تصمت القصائد الأخرى.

القصيدة ترسل رسائل على ترددات

يحتمل ان تكون قصائد أخرى مصغية اليها.

القصيدة ليست صوت قرقعة.

طق/طقة بندقية القصيدة نادرا ما

تنتقل على الأمواج الراديوية.

القصيدة تبلغ عن اطلاقها النار بعد الواقعة.

المدينة ستعقد مؤتمرا صحفيا

وسوف يتحدث رجل

بالنيابة عن القصيدة.

القصيدة فعلتها—انزلت السلاح الجانبي

وضغطت على الزناد ست مرات.

الرجل الذي يلوح بيديه

عند الزاوية عرض على القصيدة

أصابعه العشرة كلها

لكن القصيدة لم تعدها.

رصاصة رأس واحدة كانت كافية.

القصيدة فعلتها. ولم يسمع أحد.

ماذا لو حسبت القصيدة الرجل رجلا؟

من الصعب ان تحسب اليد يدا.

ولكن القصيدة يمكن ان تحسب الأعين

رصاصات تطير بشكل مستقيم نحو عنقك

والمحفظة مسدسا حين يخيم الظلام.

صعب ان تحسب الظلام

نفخة غيمة سوداء تملأ الدماغ.

أ يمكن للقصيدة ان تتخيل نفسها رجلا؟

أ يوجد العديد من القصائد من غير أجساد؟

أ لا ترى، القصيدة فعلتها.

في الليلة الماضية،

سحبت قصيدة سلاحها وأطلقت النار

على رجل يملك عشرين دولارا في جيبه

وفراغا بين سنيه الأماميين العلويين.

لم يقدم التحقيق الرسمي أي شهود.

بعد ان تسجل القصيدة حضورها

فمن الأفضل ان لا يلقى القبض عليها وهي تغني.

حين تكون القصائد المعنية

قد سألتها الأمهات أخيرا:

ماذا حدث، ماذا فعلت

فمن المعلوم ان القصائد

سوف تجيب: انا قصيدة.

الأخطاء تحصل.

كنت أؤدي عملي فحسب.

***

باتريك روزال: شاعر أميركي فيتنامي أصدر خمس مجموعات شعرية حازت على حفاوة شعبية ونقدية ونالت جوائز عديدة. من عناوين مجموعاته: (اغنيتي الشعبية الفيتنامية الأميركية) 2006؛ (ما قبل طوفان بروكلن) 2016؛ و(الشيء الأخير) 2021.

قصائد للشاعر الروسي الكبير

سيرغي يسينين

ترجمة الدكتور إسماعيل مكارم

***

«Гой ты, Русь, моя родная…»

تـألقي يا روسيا

تألقي يا روسيا، يا بلادي الغالية

هذي بُيوتكِ الريفية كأنها أيقونات...

كم أنتِ عظيمة، لا حدودَ لكِ −

وهذا البَهاءُ الأزرق يُكحّل العينين.

**

أبدو كما العابد الزائر

أنظرُ إلى سُهولك الشاسعةِ الواسعة.

وهناك في المُنحدراتِ خلفَ السّياج

تشيخ أشجارُ الصَّفصافِ النحيلة مُصوتة.

**

هنا تلقاكَ رائحة التفاح والعسل

وفي الكنائس يلقاكَ المُخلصُ الوَديعُ

هناك من دبكة الحَلقة على المروج

يُسمَعُ صَخَبُ الرّقص ِ المَرح.

**

سَأعدو على الطريق ِالمغطى بالأعشاب

إلى مُتسعات المُروج الخضر

ومثلما الأقراط الجميلة

تلقاني ضحكاتُ الصّبايا الملاح.

**

إذا ما ناد تني الحامية ُ المُقدسة يوما:

" دع ِ العيشَ في روسيا، ولكَ العَيشُ في الجَنة "

لأجبت: " لا حاجَة للعيش بالجَنّةِ

دعوني أعيش في بلديَ روسيا ".

1914

***

Пушкину

إلى بوشكين

أقف في شارع تفيرسكوي

أقف مخاطبا ذاتي

حالماً بتلك الموهبةِ العظيمة

موهبة ذلك، الذي أصبحَ يشكل وجدانَ روسيا.

**

يا أشقر الشّعر، يا ذا الشّعر القريب من البياض(1)

يا من أصبحتَ بفضل الحكايا شبيها بالضّباب،

يا الكساندر! لقد كنت شاباً طائشا

مثلما أنا اليوم إنسانٌ شقيّ.

**

غير أنّ ذلك اللعب الجميل

لم يحجبْ عننا صورَتكَ

إذ أنك اليومَ وأنتَ مَسكوبٌ ببرونز المَجد

تهزّ رأسَكَ عزة ً وكرامة.

**

أقفُ هنا، كمن يقفُ أمامَ سر عظيم

وأقولُ مُعلناً خطابي إليكَ:

لو قدّر لي أن أحظى بمصير كمصيركَ

لكان نصيبي أن أموتَ من جرّاء السّعادة.

**

غير أن قدري – التشردُ والملاحقة

سأتابعُ غنائي هذا زمنا طويلا ...

كي تستطيع أغنيتي للسّهوب

أن تسمِعَ الناسَ يوما رنينها البرونزي.

1924

***

«Мы теперь уходим понемногу…»

ها نحن نرحلُ، نرحل ...

نرحلُ إلى ذلك العالم، حيث السكينة ُوالرّحمة.

ربما يطلبُ مني القدرُ

أنّ أجمعَ حاجاتي الفانية للرحيل.

**

أيتها الأجماتُ الجميلة في غابة البتولا ! *

أنتِ أيتها الأرضُ ! وأنت أيتها السّهوبُ !

لا أستطيع أن أخفي حنيني

أمامَ مشهدِ من رَحَلوا.

**

لقد أحببتُ كثيرا في هذه الدنيا

أحببتُ كلّ ما يَغمرُ الرّوح.

سلامٌ لأشجار الحور، التي مدت أغصانها

واقفة تنظر إلى المياه الجَميلة.

**

كم خطرتْ على بالي الأفكارُ في هذه السّكينة

كم ألفتُ من الأغاني عن ذاتي،

وعلى هذه الأرض المتجهمة غمرتني السّعادة

لأني عِشتُ وتنفستُ عليها هنا.

**

تلك السعادة عانقتْ روحي من تقبيلي للنساءْ

ومن نومي على العشب، حيث الزهورُ..

أما تلك المَخلوقات من الحيوانات

فلم أقمْ بأمر يؤذي واحدا منها أبدا.

**

أعرفُ أنّ الأجمات لا تزهرُ هناك

وأعناق حبوب الجودار في الحقول لا تصدرُ حفيفا.*

لذا أمام مشهد من رحلوا

يغمرني إحساسٌ يَقشعرّ له البَدَنْ.

**

أعرف أنه في ذلك العالم

لا وجود للحقول، التي تتلوّنُ بالذهبِ أثناء الظلامْ.

من هنا فإنّ مَحبتي للناس كبيرة،

لأولئك الناس، الذين يقيمون معي على هذه الأرضْ.

1924

***

«Свищет ветер, серебряный ветер…»

ها هي الريحُ الفضيّة تصفِرُ

هاهي الرّيح الفضيّة تُصَفِرُ

ويُسمَعُ حَفيفُ الثلج كالحرير.

للمرةِ الأولى يغمرني هذا الإحساس −

ولم يَخطر هذا التفكيرُ ببالي سابقا.

**

رغم الرّطوبة الشديدة في النوافذ

فأنا لستُ نادما على شيء، ولستُ حزينا.

ورغم كلّ ما جرى فقد عَشقتُ الحَياة

أحبَبتها وكأني مازلتُ في أوّل العمر.

**

من نظرة امرأةٍ .. من إبتسامةٍ ساحرة −

تراني قلقٌ ... ما هذا القد الجَميلُ !

ومن عربة روسيةٍ تعبرُ طريقا صَعبا −

أتخيّلُ أني في تلك العربة أطيرُ بعيدا.

**

آه، يا سَعادتي... آه، أيتها الحُظوظ !

إنّ سَعادة الإنسان في محبته لأرضه.

ومن سُمِعَ بكاؤه مرة في هذه الدنيا

فهمنا أنّ الحَظ قد خانه.

**

كم نحن بحاجة إلى العيش بسهولةٍ وبساطة

راضين بكلّ شيء في هذا العالم.

لذا فإنّ الريحَ المندهشة في سَماء الغابة

نراها في ثوبها اللجيني تصيح وتصفِرُ.

1925

***

«Синий май. Заревая теплынь…»

شهرُ أيار

شهر أيار الأزرق، تندفع موجات الدفء المتوهج.

لن تدَقّ حلقة بوابة السّياج.

نبتة الشيح تمنحنا عطرها الفواح

وبطمة الشمال نائمة، يغطيها شرشفها الأبيضُ.

**

على أجنحة الشباك الخشبية

داخل الإطار، وبالستائر الناعمة

ها هو القمرُ المتهوّرُ يزركشُ

على أرض الغرفة نقوشَ الدانتِلا الجميلة.

**

غرفة الاستقبال مع أنها صغيرة

أراها نظيفة، وأنا هنا وحدي أرتاح

في هذا المساء أرى الحياة لطيفة

كأنها ذكرى صديق ٍ طيّب.

**

ها هو البستان يطلع بألوانه كالحريق

أما القمرُ فيجهدُ النفس

كأني به يريدُ أن يطال كلّ واحد مننا

الشعورُ الدافئُ من الكلمة المُؤثرة "لطيف".

**

أنا وحدي في وسط الزهور، وفي هذا المدى

على وقع أنغام هارمونيكا بشهر أيار المرح

لا أتمنى شيئا آخرَ أبدا

وأتقبلُ كلّ شيء راضيا دون تردد.

**

أجل أتقبلُ كلّ شيء .. تقدمي..

تقدمي، واظهري مع كلّ ما فيك من ألم ومسرّة

سلامٌ إليك أيتها الحَياة، التي قد انقضتْ

سلامٌ إليك أيتها البرودة الزرقاء.

1925

***

Сестре Шуре *

«Я красивых, таких не видел…»

إلى أختي شورا

ما رأيتُ هكذا جَميلات مثلك

ولكن، أتدرين أني أخفي أسَفي

غير أنّ ضَيمي هذا أبيضُ

كونك تعيشين فترة شبابي من جديد.

**

أنتِ كلمتي الزرقاءُ الجَميلة،

أنتِ الإنسانُ، الذي أحببته إلى الأبدْ.

كيفَ حال بقرتنا اليوم ؟

كيفَ تدهك ُ حُزنَ قصَل الحَشائش؟

**

أسمعُ كيف تغنينَ وتغمرني السَّعادة،

أرجوك أن تعيدي ليَ الروحَ بحلم الطفولةِ هذا.

وهل انتهى موسمُ ريابينا الحَمراء..*

وتجمعتْ أوراقها تحت شباكِنا الأبيض ؟

**

بأي العبارات تغني اليومَ أمّي مع شغلها بالكتان ؟

لقد غادرتُ الضيعة إلى الأبد،

ولكن أعرفُ أن العاصفة القرمزية

قد جمعتْ أوراقَ الشجر أمامَ السقيفة.

**

وأعرف أنّ كلبنا حزين

ها هو بدلا من المُداعبة، وبدل الدموع علينا نحن

ترينه عند البوابة يعوي حزينا لأننا تركناه

يعوي كأنّ شابا يبكي فقدانَ عروس غالية.

**

أنا لن أعودَ.. لا حاجة لذلك

لهذا لقد جاء متاخرا

مثلما الحب، مثلما الحزن، أو الفرح

وصولُ المنديل الريازاني الجميل إليكِ.

1925

***

Сестре Шуре

«Ты запой мне ту песню, что прежде…»

إلى أختي شورا

غني لي...

غني لي تلك الأغنية، التي

كانت أمّي ترددها في عمرها المُتقدم.

وأنا، غير متأسّف على الأمل الذي مات

قادرٌ أن أرددَ ذلك النغم بعدكِ.

**

أنا حقا أعرفُ ولم أنس الكلمات

لذا بإمكانك إثارة إحساسي، وتلك المشاعر

كأنني من بيتنا الغالي

أسمع ذلك الصّوتَ، وفيه تلك الرّجفات.

**

غني لي... وأنا بهذه الأغنية

فقط بهذه الأغنية، مثلك

يكفيني أن أغمضَ عيني

لأرى من جديد تلك الملامحَ الغالية.

**

غني لي... حقا إنّ سعادتي −

بكوني لست وحدي من أحبّ إلى الأبد

بوابة البستان في موسم الخريف

وأوراقَ ريابينا المتساقطة.

**

غني لي ... وأنا سأتذكرُ

ولن أكون ناسيا متجهما :

فالذكرى ستسعد ني بأن أرى

أمّي ود جاجاتها الكئيبة.

**

أنا بفضل الضّباب والندى

أحببتُ هذا القد لدى شجرة البتولا

وأحببتُ ضفائرها الذهبية

وفستانها الجميل الفضفاض.

**

لذا فالقلب مرتاح −

وبفضل الأغنية، وبفضل الخمرة

فقد بدوتِ لي أنك شجرة البتولا

الواقفة أمام شباكنا الغالي.

1925

***

«Жизнь – обман с чарующей тоскою…»

الحياة كذبٌ مزركش

ما الحياة − سوى كذب مزركش بالحنين

لذا فهي قوية، قوية جدا

كونها بيدها الخشنة

تكتب نصوصاً تحدّدُ المَصيرَ والقدَرَ.

**

أنا دائما، حين أغمض عينيّ

أقول: " إنها فقط تعرّضُ القلبَ للقلق

فالحياة – كذبٌ، غير أنّ الحياة أحيانا

تجمّلُ هذا الكذبَ بنوع من الفرحْ.

**

وَجّهْ مُحيّاكَ نحو السّماء الشائبة

وتعرّفْ على مصيرك لدى القمر

إهدأ أيها المَخلوق الفاني، لا تطلبْ

تلك الحقيقةَ.. فهي لا تلزمك".

**

جميلٌ أنك في وقت العاصفة البطمية

تفكر هكذا : ما الحياة − سوى طريق

ربما تقوم بالكذب عليك صَديقاتٌ لعاِئبُ

ربما يقوم بخيانتك فريقٌ من الأصدقاء.

**

دعوهم يداعبوني بكلمة ناعمة (2)

لتكن ألسنتهم اللئيمة − أحدّ من الشفرة

فأنا أعيشُ، ومنذ زمن مُستعدٌ

وتعودَتْ نفسي على كل أنواع القساوة.

**

هذه الأبعاد السماوية تجمّدُ روحي

لا دفءَ أبدا من نار تلك النجوم.

فمن أحبَبتهم أنا قد تخلوا عني،

ومن عشتُ لأجلهم تركوني.

**

لكني أنا المُلاحَقُ والمُضطهَدُ

أنظرُ إلى الفجر بابتسامةٍ

وأعيشُ على هذه الأرض الحبيبةِ

وأبدي شكري للحياةِ على كل شيء.

1925

***

........................

مصادر وهوامش:

1) لم يكن بوشكين أشقر الشعر، إنما كان يسينين يرى

إنعكاس الأضواء على تمثال بوشكين في شارع تفيرسكوي.

* شجرة البتولا الجميلة، هكذا يكتب إسمها، وإذا صودفت في أعمالنا دون حرف الألف - فذلك خطأ مطبعي.

* الجودار – هو نوع من الحبوب، يزرع في روسيا.

- واحدة من أخوات الشاعر. * شورا – إسم تلطيف من ألكساندرا

- ريابينا – هي ثمرة من ثمار أشجار الغابة، لونها أحمر وجميل

تسمى لدينا بالعربية – حَبة غُبيراء.

2) كان لدى الشاعر أعداء داخل أجهزة السلطة الفتية، وخارجها.

3) هذه النصوص أخذت من مجموعة أعمال سيرغي يسينين في مجلدين أشرف على جمعها وإصدارها السيد يو. ل. بروكوشيف عامي 1990-

1991 في دار النشر سوفيتسكايا روسيا.تمت أعمال الترجمة من هذه النصوص المدونة باللغة الروسية..المترجم.

......................

وجهة نظر حول أمور الترجمة:

بصدد قيام زملاء لنا بترجمة أعمال للكتاب أو الشعراء الروس من لغة ليست لغة الكاتب - أقول: نحن معشر خريجي الجامعات الروسية، الخبراء في الأدب الروسي لسنا أوصياء على الإرث الروسي في المكتبة العالمية، ولكن نظريات الترجمة تقول أن ترجمة أي نص أدبي من لغة ليست لغة الكاتب الأصلية لابد أن تنعكس سلبا على جودة النص في اللغة، التي نتوخى الترجمة إليها. في الآونة الأخيرة تكرر ظهور هكذا أعمال نقلت من الفرنسية أو الإنجليزية غابت فيها التسميات الأصلية لدى الكتاب الروس وبالنص الروسي. كيف للمحقق أو طالب الدراسات العليا، او الباحث الأستفادة من هكذا ترجمة؟ هذا هو السؤال.نحن في ترجماتنا نترك للباحث التسمية الأصلية لدى الكاتب الروسي، وبلغة هذا الكاتب. أقول ذلك كون التسمية أو (عنوان النص الأدبي الأصلي) ليس من الضروري أن تنقل حرفيا.

الشاعرة الأوكرانية آنّا أخماتوفا

ترجمة نزار سرطاوي

***

كثيرة هي الحجارة التي رُجمت بها،

حتى أنني لم اعد أخشاها أبداً،

والحفرة قد غدت برجاً راسخاً،

شاهقاً بين أبراجٍ شاهقة.

أشكر البنائين،

وأدعو لهم أن تبتعد عنهم الهموم والأحزان .

من هنا سوف أرى شروق الشمس في وقت أبكر،

هنا آخرُ شعاعٍ للشمس يغمرُه الفرح.

وعبرَ نوافذِ غرفتي

كثيراً ما تطير نسائمُ الشمال.

ومن يدي تأكل حمامةٌ حبوبَ القمح...

أما صفحتي التي لم تكتمل،

فإن اليدَ السمراءَ لعروسِ الشِّعْرِ بهدوئِها ولطفِها

السماويَّيْن، سوف تكملها.

باللطف والنور السماويَّيْن،

ستكملها يد الإلهام السمراء.

***

.........................

* ولدت الشاعرة آنا أخماتوفا في مدينة أوديسا الأوكرانية في 23 حزيران / يونيو عام 1889. في العام التالي لولادنها رحلت عائلتها شمالًا لتسكن بالقرب من مدينة سان بطرسبرج. التحقت أخماتوفا بإحدى المدارس الثانوية هناك، ثم انتقلت الى مدينة كييف (1906–1910) لتكمل دراستها هناك بعد انفصال والديها في عام 1905. بعد ذلك التحقت بجامعة كييف لدراسة القانون، لكنها لم تلبث أن تركت الجامعة وعادت إلى سان بطرسبرج لدراسة الأدب. في عام 1910 تزوجت أخماتوفا من الشاعر الروسي نيكولاي غوميليوف. وبعد ذلك بوقت قصير بدأت بنشر شعرها.  وأصبحت هي وزوجها من روّاد الحركة الأكمية التي دعت إلى الوضوح الوضوح والحِرَفية كردة فعل على على الأسلوب الفضفاض واللغة الغامضة اللذين سادا في الشعر الروسي في أواخر القرن التاسع عشر.

كان للثورة الروسية تأثيرها الكبير على حياة أخماتوفا وغوميليوف. وعلى الرغم من طلاقها منه فقد أصيبت بصدمة كبيرة عندما قام البلاشفة بإعدامه في عام 1921 بعد اتهامه بخيانة الثورة. كما أودع ابنها السجن في عام 1938، وبقي في معسكرات الاعتقال حتى وفاة ستالين.

تزوجت أخماتوفا ثانيةً وثالثةً بعد طلاقها. لكن زوجها الثالث نيكولاي بيونين سجن في عام 1949 وتوفي بعد ذلك في عام 1953 في معسكر السجن في سيبيريا. وقد تم حظر كتاباتها بصورة غير رسمية بين عامي 1925 و 1940. ثم منعت مرة أخرى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. لكنها، خلافا لكثير من معاصريها من الأدباء، لم تفكر في الرحيل إلى المنفى.

عاشت أخماتوفا حياةً قاسية عانت خلالها من الاضطهاد والحظر على يد الحكومة الستالينية التي اعتبرتها عدوًا خطيرًا. ولكن نظرًا لما كانت تتمتع به من شعبية لم يتم الاعتداء عليها مباشرة. 

في عام 1965 منحتها جامعة أكسفورد شهادة الدكتوراه الفخرية.

توفيت أخماتوفا في مدينة لينينغراد في 5 آذار / مارس عام 1966.  

للشاعر الروسي سيرغي يسينين

Сергей Есенин

ترجمة: الدكتور إسماعيل مكارم

***

Еще не высох дождь вчерашний

لا تزالُ مياهُ أمطار الأمسْ

لا تزالُ مِياهُ أمطار الأمسْ –

وعلى وريقات ِ الأعشابِ قطراتُ الماءِ الخَضراءْ !

وتلك الأراضي لا تزالُ تنتظر الفلاحة،

وها هي عشبة ُ القاقلي قد ذبُلتْ.

*

وها أنا أتسَكعُ في الطرُقاتِ بين البُرَك،

ويومُ الخريفِ هذا قاس ٍ ومُخيف.

أحدّقُ في وجوهِ الرّجال، أبحَثُ عنكْ،

يَحدوني الأملُ أن ألقى وَجهَكَ البَهيّ.

*

غير أنَّ طيفك يبدو أكثر سِرا وجَمالاً،

أراك تنظر إلى الديار البعيدة الضّبابية.

آه، أنت تفكر فقط بسَعادَتِنا

وبإخلاصي بصَداقتي مَعَك.

*

لو أنَّ الموتَ بارادة الخالق ِ

أغمضَ عَينيكَ،

أقسِمُ أني سأعدو خلفكَ في الحقل الواسِعْ،

كأني ظلكَ، رغمًا عن هذا الموتْ.

1916

***

Вьюга на 26 апреля 1912 г.

عاصفة ثلجية في 26 نيسان 1912

ماذا تريدين أيتها العاصِفة ُ الثلجيّة ؟

أسمَعُ عَويلك خلفَ الشبّاك،

أراكِ تسببينَ القلقَ لقلبيَ العَليلْ،

وتجلبينَ لي الحُزنَ والأسى.

*

امضي أيتها العاصِفة، امضي بسُرعة،

دَعيني أخلو إلى ذاتي، وأنسى،

أما تسمعينَ – فأنا أبكي،

أتوب إلى ربّي، طالباً أنْ يَغفرَ لي خطاياي.

*

دعيني في هذه الصّلاةِ الصّادقة

أجمع بينَ روحي وقواي،

إني ضيّعتُ قوةَ الرّوح ِ لدَيَّ،

بعد حين جسدي سوف يوارى في الثرى.

*

حينها يمكن لك أن تغني فوقَ قبري،

كم وَدَدتُ الآن أن ترحلي،

أو تشاركيني بهذه الصّلاةِ

لأجل ِ سَلامَة روحي.

1912

***

Брату человеку

إلى أخي الإنسان

يُؤلمُني ويَحزّ في نفسي أنْ أرى

كيفَ يَحترقُ أخي، وشقيقي الإنسانْ.

أحاول أنْ أكرَهَ أولئكَ الذين

يُعكرونَ صَفوَ حَياتِه.

*

شاهدوا كيف يكدح في ذلك الحقل،

كيف يَشقّ بسكةِ المحراث تلكَ التربَة القاسية،

واسمعوا أغانيه تلك عن مرارةِ العيش،

عندما يَمشي مُكابراً خلفَ المِحراث.

*

ربما ليس لديكم أيَّ شفقة  ورَحمَة

تجاه من يشقى ويتعَبُ خلفَ السّكة ؟

إنَّ بعضَكم يرى تلك النهاية المأساويّة ْ،

إلا أنهُ يَعبُر غير آبه بأيّ شيء.

*

إفعلْ شيئا ما لأجل الكِفاح ضدَّ هذه العُبوديّة،

الملطخة بالخمر وبالعَوَز !

أم أنكَ لا تسمع كيفَ أخوكَ يبكي هذا المَصيرَ

في أغانيه، ماشيا خلفَ السّكةِ والمِحراثْ؟

1912

***

.........................

ملاحظة: قمنا بترجمة هذه النصوص من النص الروسي الأصلي، حافظنا على حجم كل نص كما جاء في النسخة   الروسية، تبعا لأخلاقيات الترجمة.

بقلم: ألكسند بوشكين

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أسألهم أن يأتوا بقصيدة شعرٍ

ويعرضوها أمام الضوء

مثل شريحة ملونة

أو يضعوا أُذُنًا للتنصت على خَليتها

*

أقول لهم: ألقوا بفأرٍ في قلب قصيدة

وانظروا كيف يبحث عن طريق الخروج

أو يتمشّي في حجرة القصيدة

ويتحسّس الجدرانَ بحثًا عن مفتاح النور.

*

أريدُهم أن يتزلّجوا

على سطح قصيدة

ويُلوّحوا باسم الشاعر على الشاطئ

لكن كل ما يريدون فِعله

هو أن يربطوا القصيدة إلى كرسي بحبل

ويُمعنوا في تعذيبها حتى ينتزعوا منها اعترافًا.

***

....................

* يُعدّ الشاعر والروائيّ والكاتب المسرحيً الروسي ألكسندر بوشكين رائد الأدب الروسي الحديث، بل إن الكثيرين يعتبرونه أعظم شعراء روسيا. والحقيقة أن تأثيره في الأدب الروسي كان كبيرًا، وذلك أنه جمع بين الأسلوب الأدبي الرفيع واللغة العامية السائدة.

وُلد بوشكين في السادس من حزيران/ يونيو عام 1799 في عائلة من أصول أفريقية. بدأ ينشر كتاباتِه في سن المراهقة. لكنه فيما بعد راح يكتب أشعارًا تتّسِمُ بالليبرالية وتناهض السلطة. لذا أمر القيصر ألكسندر الأول بنفيه ب إلى الجنوب الروسي ين عامي 1820 و 1826.

مات بوشكين ميتةً مأساوية في 10 شباط من عام 1937 متأثرًا بجراح أصيب بها في مبارزة خاضها دفاعًا عن شرف زوجته.

كان بوشكين غزيرًا في إنتاج الأدبي. ورغم موته المبكر، فقد ترك تراثًا أدبيًا كبيرًا. من أهم أعماله: يوجين أونجين (رواية شعرية)، ،بوريس غودونوف (مسرحية) ابنة القبطان (رواية)، و ملكة البستوني وقصص أخرى (مجموعة قصصية).

قصيد طاهر بكري

تعريب سُوف عبيد

***

ورقة

هوت على الأرض

في النّزع الأخير

اِنطرحت كغابر الأيّام

لا نرغب يوما اِستذكارها

*

ورقة

مُداسة

اِتّحدت بالأديم

حسبُك أن ذلك

من أضلاعها العجاف

وقُوت الزّمن العسير

*

ورقة

في مهبّ الريح

لا تدري أين ستهوي

فهل تُولِي اِهتمامًا حقًا

عندما تخذلك شجرة

وهي جّذلى بانتظار الموسم الجديد

***

......................

Feuille

Feuille

tombée à même le sol,

jetée comme un vieux jour

qui se meurt

dont on ne veut se souvenir

Feuille

piétinée

unie à la terre pourtant

tu le sais c'est à cause

des nervures usées

à nourrir les temps difficiles

Feuille

à la merci du vent

tu ne sais où tu attérris

mais est-ce vraiment important

quand l'arbre t'abandonne

fier d'attendre la nouvelle saison

*** 

Tahar Bekri

قصائد للشاعر الروسي الكبير سيرغي يسينين

ترجمة الدكتور إسماعيل مكارم

Сергей Есенин

День ушел, убавилась черта

***

ها هو النهار قد انقضى

ها هو النهارُ قد انقضى، وقد قصُرَ الزّمن

ها أنا قد اقترَبتُ من مَوعِدِ الرّحيل من جديدْ.

تراني بحَركةِ خاتم أبيضَ

أكشفُ أسرارَ السّنين بفلاحَة الماءْ.

**

في تيار المياه الأزرق ِ لهذا العُمر

يتدفق زَبدُ الماءِ الباردِ،

ليتركَ طابَعهُ في هذا الأسر الصّامتْ

مُشكلا خطاً جَديدًا في الشفةِ المُجعّدة.

**

بعدَ مُرورِ كلِّ يوم أشعرُ أنني غريبْ

عن ذاتي، وعن من صادفتهم، بارادةِ هذهِ الحَياة.

هناكَ، عندَ حُدود الحَقل الواسع ِ

تخَلصْتُ من ظِلي، وأبعدتهُ عن نفسي.

**

وقد ابتعَدَتْ عَني كما خَلقها الخالِقْ

آخذة ً مَعَها فقط قامتي المُنكسِرَة.

رُبما هي الآن في تلك الأبعادِ، بمكان ما

تعانق بلطف ٍ رَجُلا غريباً.

**

لرُبّما قد انحنتْ نحوه برقةٍ

وأراها قد نسيَتْ أمريْ.

يبدو لي وهي تحدِّق في الظلمَةِ الكحليه

قد نغيرت لديها تجاعيدُ ثغرها والشّفتين.

**

غير أنها تعيشُ على نغم سَنواتٍ خَلتْ

كما الصّدى يَحوم خلفَ الجِبالْ.

ها أنا اليوم، بشفتيّ الزرقاوين، أقبلُ

تلك الصّورة َ المَنقوشة في السّوادْ.

1916

***

«Гляну в поле, гляну в небо…»

أنظر إلى الحقول...

أنظرُ إلى الحُقول، أنظرُ إلى السَّماء −

أرى الجَنة بهذي الحُقول، وفي ذلك القوس.

أراضينا، التي طالما انتظرت من يفلحها

أراها من جَديد مغظاة بأكوام القمح.

**

وفي مراعينا الخَصبةِ

ترعى قِطعانُ مواشينا الكثيرة،

ومن سفوح ِ جبالنا الخضرا

تتدفق جَداول المياهِ الذهبيّة.

**

آه، إني واثق – أنَّ بعدَ بؤس ِ وشقاء

ذلك الرَّجل، البسيط، الضائع

سيكون له يومٌ

تقوم أياد خيِّرة بالإهتمام بهِ.

1917

***

Письмо к сестре

رسالة إلى أختي يكاتِرينا

لقد كتبَ الكساندر عن ديلفيغ

واختار تلك السطور بعِناية، وعن الجُمجُمة*

يا له من إنسان رائع وشخص بعيد،

ولكني أعتبرهُ قريباً إلينا

كأنّه بُستانٌ تزيّنت أشجارُه بالزهور!

*

سلامٌ يا أختي...

سلامٌ إليكِ، سلامْ!

أفلاحٌ أنا، أما أنا فلاحْ؟!

كيفَ يهتمّ جَدي اليومَ

بشجراتِ الكرز عندَنا في ريازان؟

*

آه يا شجرات الكرز!

وهل غابتْ شجراتُ الكرز عن بالِك؟

ما أكثر الهموم كانت لدى والدي،

كان يُريدُ الإستعانة

بفرسِنا الشقراء الضّعيفة وبالمحراث

لاقتلاع الغلال من أرض ِ بستاننا.

*

كان أبي يريد أن يجني مواسمَ البطاطا،

بينما نحن أردنا الحفاظ على ذلك البستان،

وأخيرا انتصر رأيُ والدي، وحطمنا البستان،

نعم، حَطمناه ُ، يا قلبي!

*

ووسادتي، التي بللتها الدّموعُ لم تنسَ ذلك،

كانَ الأمرُ قبلَ سَبع ِ ...

أو ثماني سِنين.

*

إني أذكرُ جيّداً أيامَ العيد،

أذكرُ أعيادَ أيار الزاهية،

حين زهّرت بُطمة ُ الشّمال،

وتفتحَت أزهارُ شجَيرةِ الليلك،

لقد ضَمَمتُ إلى صَدري شجراتِ البتولا

واحدة واحدة،

لقد كنت نشوانا

أكثر من نهار سَماؤه زرقاءُ صافِية.

*

آه، يا شجرات البتولا،

تلك الشجراتُ كانت تقفُ كما الصّبايا الجَميلاتْ،

من لا يحب أشجارَ البتولا مثله

كالذي يقابلُ شابا فتياً، وسيما، في مطلع العمر،

ويسألُ: من هذا الجنين؟

*

يا أختاه! يا أختاه!

أقلاء همُ الأصدقاءُ بهذه الدنيا!

ربما هو الأمرُ كما لدى الجَميع،

لقد كتِبَ على جبيني :

إذا كانَ قلبُكَ الرّقيق

قد تعِبَ،

فدَعهُ يَنسَ ويَسكتْ .

*

هل تعرفين ساشا؟ *

لقد كان ساشا جيداً .

وليرمونتوف كانَ قريباً من قامته.

غيرَ أني مريضٌ...

وبأزهار شجيرة الليلك

بهذا الوقت فقط

أداوي الروحَ.

*

كم أنا حزين عليك.

سوف تبقين وحيدة،

أما أنا فمستعد للذهاب

حتى إلى المبارزة.

"طوبى لمن لم يشرب الكأسَ حتى النهاية" (1)

طوبى لمن سمع صوت المزمار ليس إلى آخر جرسة.

*

نعم... بستاننا!

ذلك البستان

لسوف يركض على عشبه

بأيام الرّبيع

أولادُكِ المُدللين.

آه!

دعيهم

يذكروا بالخير، ولو بغير مناسبة،

أنه قد عاش في هذه الدنيا

*

أناس غريبو الأطوار.

1925

***

.........................

هوامش ومصادر:

1) هنا نجد إستعارة من أشعار بوشكين.

* في مطلع قصيدة (رسالة إلى أختي) إشارة ألى الشاعر ألكساندر بوشكين، وإلى ديلفيغ - صديق بوشكين. راجع قصيدة الكساندر بوشكين (إرسالية إلى ديلفيغ) تجد تفسيرا لذكر الجمجمة. * بمتن قصيدة (رسالة إلى أختي) يسينين يذكر الشاعر بوشكين من جديد، ويسميه ساشا، وساشا هو اسم تلطيف لالكساندر. من هو ديلفيغ؟ أنطون ديلفيغ هو شاعر وناقد روسي، درس في ذات المدرسة التي تخرج منها الكساندر بوشكين، وهي مدرسة أبناء النبلاء..المترجم.

بقلم: مارتن إسبادا

ترجمة نزار سرطاوي

***

بعد الانقلاب،

ظهر الجندُ

ذات ليلةٍ في حديقة نيرودا،

وقد حملوا الفوانيس ليستجوبوا الأشجار،

وراحوا يشتمون الصخور التي تعثّروا بها.

من نافذة غرفةِ النوم،

بدوا كما لو كانوا غزاةَ الأساطيلِ الغارقة الإسبان،

وقد عادوا من البحر ليستكملوا

نهب الساحل.

*

كان الشاعرُ يُحْتَضر؛

وقد اجتاح السرطان جسدَه كالصاعقة،

وتركه يتقلب على فراشه علّه يطفئ ألسنة اللهب.

لكنْ حين اندفع الملازم مقتحمًا الطابقَ العلوي،

واجهه نيرودا بقوله:

لا يواجهك هنا إلّا خطرٌ واحد: الشعر.

جعل الملازم خوذته على صدره،

واعتذر للسيد نيرودا،

وتقوقع عائدًا إلى أسفل الدرج.

وراحت الفوانيس تتلاشى تِباعًا من بين الأشجار

*

منذ ثلاثين عامًا

ونحن نبحث

عن رُقْيةٍ أخرى

لنجعل الجندَ

يختفون من الحديقة.

...................

Martin Espada

The Soldiers in the Garden

After the coup,

the soldiers appeared

in Neruda’s garden one night,

raising lanterns to interrogate the trees,

cursing at the rocks that tripped them.

From the bedroom window

they could have been

the conquistadores of drowned galleons,

back from the sea to finish

plundering the coast.

The poet was dying;

cancer flashed through his body

and left him rolling in the bed to kill the flames.

Still, when the lieutenant stormed upstairs,

Neruda faced him and said:

There is only one danger for you here: poetry.

The lieutenant brought his helmet to his chest,

apologized to señor Neruda

and squeezed himself back down the stairs.

The lanterns dissolved one by one from the trees.

*

For thirty years

we have been searching

for another incantation

to make the solders

vanish from the garden.

***

....................

* مارتن إسبادا، المولود في نيويورك عام 1957، شاعر ومترجم وكاتب مقالات ومحرر ومحام من أصول بورتوريكية. حصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ من جامعة ويسكنسون-ماديسون، وعلى شهادة الدكتوراه الاحتراف في القانون من جامعة نورث إيستيرن في مدينة بوسطن.

في عام 1982 أصدر إسبادا كتابه الأول في الشعر السياسي بعنوان "باليرو ولد الثلج المهاجر" ثم أتبعه بجموعات شعرية عديدة. نال العديد من الجوائز وحظي بالتكريم من عدد من المؤسسات الثقافية والأكاديمية. يعمل حاليًا أستاذًا جامعيًا في قسم اللغة الانكليزية في جامعة ماساتشوسيتس أمهرست. 

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: صالح الرزوق

***

(الأوامر الأخيرة لضابط ياباني في منشوريا، خلال اللحظات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية)

استيقظ العسكري الياباني قبل 6 صباحا. كانت معظم حيوانات حديقة حيوان هسين شينغ مستيقظة. سمحت النافذة المفتوحة بدخول صراخها والنسمات التي حملت رائحتها، وهو ما أخبره بحالة الطقس بدون أن ينظر إلى الخارج. وفيما يلي نبذة عن روتينه في منشوريا: يصغي، ثم يتنفس هواء الصباح، ويجهز نفسه لكل يوم جديد. عموما يجب أن يكون اليوم مختلفا عن الأمس. يجب أن يكون مختلفا. فقد ضاع العديد من الأصوات والروائح. النمور والفهود والذئاب والدببة: تمت تصفيتها كلها، والتخلص منها، على أيدي كتيبة يابانية في بعد ظهيرة اليوم السابق لتجنب هربها حينما كانت المدينة عرضة لهجوم روسي. والآن بعد عدة ساعات من الرقاد، تبدو له تلك الساعات مثل تململ جزء من  كابوس انتابه قبل فترة طويلة. ولكنه يعلم أنه انتابه فعليا. ولا تزال أذناه تؤلمانه على نحو مقبض بسبب هدير بنادق الجنود. وهذا ليس حلما. حصل ذلك في آب عام 1945، حينما كان في مدينة هيسين شينغ في منشوريا التي تحكمها اليابان، فقد اندفع الجنود السوفييت عبر الحدود، وكانوا يقتربون على مدار الساعة. هذا واقع - شيء واقعي مثل المغسلة وفرشاة الأسنان اللتين يراهما أمامه. أعطاه صوت نفير الفيلين بعض الإحساس بالراحة. آه. نعم. الفيلان باقيان. قال البيطري لنفسه وهو يغسل وجهه: لحسن الحظ، كان للضابط الشاب المسؤول عن مهمة الأمس ما يكفي من الحساسية البشرية، ولم يدرج الفيلين في القائمة. منذ قدومه إلى منشوريا، قابل عددا من الضباط الشباب المتعصبين والمتزمتين، وكانوا من بلده، وجعله احتكاكه معهم دائما يرتجف. معظمهم كان من أبناء المزارعين الذين أمضوا سنوات شبابهم في فترة الثلاثينيات الكئيبة، مغمورين بمآسي المجاعة وجنون المشاعر القومية تطرق في جماجمهم.  يتبعون أوامر الرؤساء بدون تفكير  مهما كانت قاسية. وإذا تلقوا أمرا باسم الإمبراطور، ليحفروا نفقا في الأرض حتى البرازيل، يحملون الرفش ويباشرون العمل. بعض الناس يسمون ذلك "نقاء"، ولكن لدى البيطري كلام آخر. باعتبار أنه ابن طبيب متحضر، وتلقى علومه في جو يابان العشرينيات الليبرالي نسبيا، لم يستوعب كلام أولئك الضباط الشباب. إطلاق النار على زوج من الأفيال مهمة أسهل من حفر الأرض حتى البرازيل، لكن ملازم الأمس، ومع أنه يتكلم بلهجة ريفية بسيطة، يبدو شخصا طبيعيا بالمقارنة مع باقي الضباط. فهو مثقف على نحو أفضل، وأكثر تعقلا. وأمكن للبيطري أن يشعر بهذا من طريقة كلام الشاب، وتصرف على هذا الأساس. في كل حال لم يقتل الفيلان، وقرر البيطري أنه ربما يجب أن يكون ممتنا لذلك. وعلى الجنود أيضا أن يفرحوا لأنهم أعفوا من هذا الواجب. لكن من الممكن أن العمال الصينيين أسفوا لإلغاء المهمة، لأنه فاتهم الكثير من اللحوم والعاج. وضع البيطري ماء في الغلاية، ونقع لحيته بمنشفة حارة، وحلقها. ثم تناول إفطاره بمفرده، شاي وخبز محمص وزبدة. كانت حصص الطعام في منشوريا غير كافية، ولكن بالمقارنة مع تلك في أماكن غيرها، لا تزال سخية. وهذه أخبار طيبة له وللحيوانات. كانت الحيوانات تبدي الاشمئزاز من حصص غذائها المقننة، ولكن الوضع هنا أفضل من حديقة الحيوانات في اليابان ذاتها، فالتموين الغذائي انخفض حتى الدرك الأسفل. ولا أحد يستطيع التنبؤ بالمستقبل، ولكن حاليا، على الأقل، كل من البشر والحيوانات، معفيون من الجوع المفرط. تساءل كيف هي حال زوجته وابنته. فقد غادرتا إلى اليابان قبل أيام، وإذا سار كل شيء حسب الخطة، لا بد أن قطارهما بلغ الساحل الكوري في هذا التوقيت. هناك ستستقلان العبارة التي ستحملهما إلى اليابان. افتقد الطبيب رؤيتهما حين استيقظ في الصباح. وافتقد سماع صوتيهما المحببين وهما تعدان إفطارا. خيم على البيت هدوء أجوف. لم يعد هذا البيت مسكنه المحبب، ولا المكان الذي ينتمي له. وفي نفس الوقت، لم يعد بإمكانه أن لا يشعر بمتعة غريبة ما لأنه أصبح وحده في هذا المسكن الرسمي الفارغ. حاليا بمقدوره أن يشعر بقوة القدر العاتية تتسلل إلى عظامه وبدنه. والقدر ذاته هو المرض الفتاك الذي يعاني منه البيطري. منذ أيامه الأولى، كان لديه وعي غريب وواضح  "أنني كشخص وفرد أعيش تحت رحمة قوة خارجية". وفي معظم الأوقات كانت قوة القدر تلعب به مثل صوت رتيب وهادئ  يلون أطراف حياته فقط. ونادرا ما كان يتذكره. ولكن بين حين وآخر يميل الميزان وتتضاعف القوة المسيطرة، وتلقي به في حالة تقارب الشلل. ويعلم من التجربة أنه مهما فعل أو فكر لن يبدل الحال. ليس لأنه مخلوق سلبي، والحقيقة أنه ذو عزيمة أكثر من غيره، ودائما يحقق ما عزم عليه. وفي مهنته، كان متفوقا أيضا: فهو بيطري بمهارات استثنائية، كان مربيا لا ينال منه التعب. ولكنه بالتأكيد ليس ضارا، بالمعنى الذي يستعمله كل الناس. يضاف إلى ذلك أنه لم يشك أبدا باستقلال قراراته التي يتخذها. ودائما كان يشعر أن القدر دفعه لاتخاذ قرارات تلائم قناعاته. في بعض الأحيان بعد أن يرضى آنيا عن قرار اتخذه بإرادته الحرة، يلاحظ أن قوة خارجية حسمت الأمور مسبقا، متنكرة على نحو ذكي بشكل الإرادة الحرة. مجرد طعم ألقي في طريقه ليخدعه ويجره إلى السلوك المقرر والمقصود. وكان يشعر كأنه رئيس دولة فخري لا يزيد عمله عن وضع الخاتم الملكي على وثائق بأمر من بلاط يمسك بزمام السلطة الحقيقية في هذا المجال، مثل إمبراطور مانشوكو، هذه الإمبراطورية الدمية. والآن وبعد أن أصبح البيطري مهجورا في مسكنه في حديقة الحيوانات صار بمواجهة قدره بمفرده. والقدر، قوة القدر العاتية، تؤرجح هنا - لا جيش كوانتونغ فقط، ولكن الجيش السوفييتي، وقوات الشيوعيين الصينيين أو الكومينتانغ. أي شخص يسعه رؤية أن القدر هو المسيطر هنا، وأن الإرادة الفردية ليس لها اعتبار. والقدر هو الذي أنقذ الفيلين ودفن في اليوم السابق النمور والفهود والذئاب والدببة. ماذا سيدفن الآن، وماذا سينقذ؟. هذه أسئلة لا يمكن أن يجيب عليها أحد.

غادر البيطري مسكنه لتحضير وجبة الصباح. وافترض أن أحدا لن يأتي للعمل بعد الآن، ولكنه وجد صبيين صينيين بانتظاره في مكتبه. لم يتعرف عليهما. كانا بالثالثة عشرة والرابعة عشرة من العمر. ببشرة داكنة ونحيلين، وبعيون حيوانية متحركة. قال أحد الصبيين: "طلبوا منا مساعدتك". هز الطبيب رأسه. سألهما عن اسميهما، ولكن لم يردا. بقي وجهاهما بدون تعبير، كما لو أنهما لم يسمعا الجواب. من الواضح أنه أرسلهما العمال الصينيون الذين عملوا هنا حتى اليوم السابق. من المحتمل أن أولئك الأشخاص أنهوا أي تواصل مع اليابانيين، بانتظار النظام الجديد، ولكن افترضوا أن الأولاد لن يعاقبوا. وتم إرسال الصبيين كإشارة على النية الطيبة، والعمال يعلمون أنه لن يستطيع رعاية الحيوانات وحده. قدم البيطري لكل ولد منهما قطعتي بسكويت، ثم طلب منهما العمل على مساعدته في إطعام الحيوانات. قادا من قفص إلى قفص عربة يجرها بغل، وقدما لكل حيوان طعامه الخاص وبدلا ماء الأقفاص. أما تنظيف الأقفاص فقد كان خارج أي نقاش،  وأفضل ما أمكنهما القيام به هو رش ماء الخرطوم بسرعة لغسل الروث. بدآ العمل في الثامنة وانتهيا في العاشرة. وشعر البيطري بالإنهاك من العمل العضلي. فعاد إلى المكتب وأبلغ مدير الحديقة أن الحيوانات تلقت غذاءها. وقبيل الظهيرة، عاد الملازم الشاب إلى حديقة الحيوان يقود نفس العساكر الثماني الذين أتى بهم في اليوم السابق. بكامل عتادهم ثانية، ساروا والقرقعة المعدنية يمكن سماعها من مسافة بعيدة قبل وصولهم. كانت قمصانهم مسودة من العرق. والجنادب تصفر بين الأشجار، كما هو حالها في الأمس. ولكن اليوم لم يحضر الجنود لقتل الحيوانات. حيا الملازم المدير وقال له: "نريد أن نلم بواقع الحديقة الراهن وإمكانية استعمال العربات لنقل الحيوانات". أخبره المدير أن في الحديقة بغلا واحدا وعربة واحدة بالضبط. وأضاف: "قدمنا جرارنا الوحيد وحصانين منذ أسبوعين". هز الملازم رأسه وأعلن أنه يصادر حالا البغل والعربة، بأمر من قيادة جيش كوانتونغ.

تدخل البيطري بقوله: "انتظر لحظة. نحن بحاجة لها لإطعام الحيوانات مرتين في اليوم. كل العمال المحليين اختفوا. وبدون تلك العربة والبغل، ستجوع حيواناتنا حتى الموت. وحتى بهما نتدبر أمرنا بصعوبة".

قال الملازم بعينيه الحمراوين ووجهه المغطى بلحية خفيفة: "جميعنا نتدبر أمورنا بمشقة يا سيد. والأولوية للدفاع عن المدينة. يمكنك أن تحرر الحيوانات من أقفاصها إن لزم ذلك. فقد انتهينا من المفترسات الخطيرة. والبقية لا تشكل خطرا على الأمن. وهذه أوامر عسكرية يا سيد. وعليك أن تتصرف كما ترى أنه مناسب".

اختصر الملازم النقاش، وجعل رجاله يستولون على البغل والعربة. وبعد انصرافهم، تبادل المدير والبيطري نظرة. ثم رشف المدير من شايه، وهز رأسه، ولزم الصمت. بعد أربع ساعات، عاد الجنود مع البغل والعربة، وغطاء من القماش الرخيص الأسود يغطي المحتويات المكومة في العربة. كان البغل يلهث، والرغوة على عصابته بسبب حر ما بعد الظهيرة، وثقل الحمولة. قاد الجنود أربع رجال صينيين أمامهم بواسطة الحراب، وكان الرجال من الشباب، ربما في العشرينات، ويرتدون بذات بيسبول وأيديهم مكبلة وراء ظهورهم. وعلى وجوههم علامات زرق وسود ومن الواضح أنهم تلقوا الضرب المبرح. والعين اليمنى لأحدهم منتفخة وتقريبا مغلقة، والشفتان المتورمتان لدى آخر بقعت قميص البيسبول بلون أحمر ناصع. ولم تحمل صدور القمصان كلمات، ولكن عليها مستطيلات صغيرة حيث تم تمزيق رقعة الاسم. وكانت الأرقام المدونة على ظهورهم هي 1،4، 7 و9. لم يتمكن البيطري من تخيل لماذا، في وقت كارثي، يرتدي أربع رجال صينيين بذات بيسبول أو لماذا تعرضوا للضرب القاسي وجرتهم القوات اليابانية إلى هنا. كان المشهد يبدو كأنه شيء لا ينتمي إلى هذا العالم، أو لوحة رسمها مريض مختل عقليا. سأل الملازم مدير الحديقة إن كان لديه أي جاروفة أو رفش يمكن استعمالها. كان الضابط الشاب يبدو أكثر شحوبا وتعبا من قبل. قاده البيطري مع رجاله إلى كوخ الأدوات الموجود وراء المكتب. اختار الملازم لرجاله جاروفتين ورفشين. ثم طلب من البيطري أن يرافقه، وترك رجاله هناك، وسار إلى دغل وراء الطريق. تبعه البيطري. حيثما سار الملازم، كانت نطاطات تهرب. وفاحت رائحة العشب الصيفي في الجو. اختلط صوت الجنادب المصم للآذان مع نفير الفيلين، بين حين وآخر، ثم أصبح ذلك يبدو كأنه صوت تحذير  من مسافة بعيدة. تابع الملازم تقدمه بين الأشجار بدون كلام، حتى وجد فتحة ما في الغابة. كانت المنطقة ممهدة لبناء ساحة لصغار الحيوانات التي يمكن للأولاد أن يلعبوا معها. ولكن تأجلت الخطة بدون موعد نهائي، حينما ساء الوضع العسكري، وأخليت لتجهيز دائرة من الأرض العارية، وقد أضاءت الشمس هذا الجزء من الغابة كما لو أنها بقعة ضوء في مسرح. وقف الملازم في وسط الدائرة وتمعن في المنطقة. ثم ضرب الأرض بكعب بوطه وقال وهو يركع ويحفن قبضة من التراب: "سوف نعسكر هنا لبعض الوقت". رد البيطري بحركة تدل على الموافقة. لم يكن لديه فكرة لماذا عليهم أن يخيموا في حديقة حيوانات، وقرر أن لا يستفسر. هنا في هسين شينغ علمته التجارب أن لا يسأل عسكريا. الأسئلة لا تفيد وتغضبهم، وهم لا يقدمون أجوبة صريحة في كل حال. قال الملازم كأنه يكلم نفسه: "أولا نحفر حفرة كبيرة هنا". وقف وأخرج علبة سجائر من جيب قميصه. وضع سيجارة بين شفتيه، وقدم أخرى للطبيب، ثم أشعل الاثنتين بالثقاب. ركز كلاهما على التدخين لملء الصمت. ثم عاد الملازم ليحفر الأرض ببوطه. ورسم مخططا على الأرض، بعد ذلك محاه. وأخيرا سأل البيطري: "أين ولدت؟".

قال له: "في كاناغاوا. في بلدة تسمى أوفيونا، قرب البحر، على بعد ساعة أو اثنتين من طوكيو".

هز الملازم رأسه.

فسأله البيطري: "وأين ولدت؟".

بدل أن يرد، ضيق الملازم عينيه وراقب الدخان يصعد من بين أصابعه، قال البيطري لنفسه: كلا. لا يجوز أن تسأل رجلا عسكريا أسئلة. هم يحبون توجيه الأسئلة، لكنهم لا يقدمون جوابا. وحرفيا لا يتكرمون عليك بذكر الوقت.

قال الملازم: "هناك يوجد استوديو أفلام".

استغرق البيطري عدة ثوان ليفهم أن الملازم يتكلم عن أوفيونا. فقال: "صحيح. استوديو كبير. لكن لم أدخله".

ألقى الملازم بقايا سيجارته على الأرض ودهسها وقال: "أتمنى أن تنجح بالعودة. طبعا عليك عبور المحيط من هنا إلى اليابان. وربما سنموت جميعا هنا". احتفظ بعينيه على الأرض وهو يتكلم قائلا: "أخبرني يا دكتور. هل تخاف من الموت؟".

قال البيطري بعد دقيقة من التفكير: "أعتقد أنه يعتمد على طريقة الموت".

رفع الملازم عينيه، ونظر إلى البيطري كما لو أن فضوله استيقظ. كان من الواضح أنه يتوقع جوابا آخر. وقال: "أنت محق. هذا يعتمد على الطريقة التي تموت بها".

لزم الاثنان الصمت لبعض الوقت. وبدا الملازم كأنه موشك على أن يغط بالنوم هناك وهو واقف. كان من الواضح أنه منهك. طار نطاط ضخم على نحو استثنائي فوقهما كعصفور واختفى في كومة أعشاب بعيدة وهو يخفق بجناحيه. نظر الملازم لساعته وقال دون أن يوجه كلامه إلى أحد: "حان الوقت". ثم قال للبيطري: "أريد منك أن تبقى جاهزا لفترة. وربما أطلب منك أن تقدم لي صنيعا". وافق البيطري بحركة من رأسه. قاد الجنود السجناء الصينيين إلى الساحة في الغابة وفكوا وثاق أيديهم. رسم الجندي دائرة كبيرة على الأرض باستعمال عصا بيسبول، ورأى البيطري أن وجودها مع العسكري مجرد لغز آخر، ثم أمر العسكري السجناء، باليابانية، أن يحفروا حفرة عميقة بمساحة الدائرة.  بالجاروفات والرفوش بدأ الأربعة وهم بثياب البيسبول الحفر وبصمت. راقبتهم نصف الكتيبة اليابانية، بينما تمدد النصف الثاني تحت الأشجار. وبدا أنهم بحاجة ماسة للنوم، وما أن سقطوا على الأرض بكامل عتادهم حتى شرعوا بالشخير. أما الجنود الأربع الذين كانوا يقظين فقد تابعوا مراقبة عمليات الحفر بجوارهم،  والبنادق بحرابها المثبتة مرتاحة على أوراكهم، ليكونوا جاهزين لاستعمالها الفوري. وتناوب الملازم والجندي على مراقبة العمل واستراق سنة من النوم تحت الأشجار. واستغرق السجناء الصينيون الأربع أقل من ساعة في حفر حفرة بعرض اثني عشر قدما، وعميقة بما يكفي، فقد وصلت حتى أعناقهم. طلب أحد الرجال الماء، باليابانية. هز الملازم رأسه، وأتى عسكري بدلو مليء بالماء. شرب الصينيون الأربع الماء من الدلو وابتلعوه بمتعة واضحة. حتى شربوا تقريبا كل الدلو. وتبقعت ثيابهم ببقع سود من الدم والطين والعرق. وأجبر الملازم اثنين من الصينيين على جر العربة لتكون فوق الحفرة. سحب الجندي الغطاء الشمعي وبرز أربع رجال أموات مكومين فوق العربة. كانوا يرتدون نفس بذات البيسبول مثل السجناء، وكانوا أيضا صينيين بشكل واضح. وبدا أن النار أطلقت عليهم، فبذاتهم مبقعة بالدم الأسود. وشرعت ذبابات ضخمة تحوم فوق الجثث. بالنظر للدم الجاف، خمن الطبيب أنهم ماتوا من حوالي أربع وعشرين ساعة. أمر الملازم الصينيين الأربع الذين حفروا الحفرة أن يلقوا الجثث فيها. وبدون كلام، بوجوه معتمة، حمل الرجال الجثامين من العربة وألقوها في الحفرة، كل ميت على حدة. وحطت كل جثة على الأرض بصوت خبطة مكتومة. كانت الأرقام على ثياب الرجال الأموات 2 و5 و6 و8. وحفظها البيطري في ذاكرته. حالما أنهى الصينيون الأربع إلقاء الجثامين في الحفرة، ربط الجنود كل رجل بشجرة قريبة. ورفع الملازم معصمه ونظر إلى ساعته بتعبير كئيب. ثم عاود النظر ببقعة في السماء، لبعض الوقت، كأنه يبحث هناك عن شيء. وبدا مثل مدير محطة يقف على الرصيف وينتظر بلا أمل قطارا متأخرا. ولكن في الحقيقة كان لا ينظر نحو أي شيء. وكان يسمح بمرور بعض الوقت. وما أن أنجز ذلك، التفت إلى المجند وأعطاه الأوامر بطعن السجناء الأربع، رقم 1 و7 و9. واختير ثلاثة جنود فاتخذوا مواقعهم أمام ثلاثة صينيين. بدا الجنود شاحبين أكثر من الرجال المزمع قتلهم. وبدا الصينيون متعبين جدا ولا يأملون بأي شيء. قدم المجند لكل منهم سيجارة، لكن رفضوها. فأعاد سجائره إلى جيب قميصه. ذهب الملازم برفقة البيطري ليقف بعيدا عن بقية الجنود. وقال: "من الأفضل أن تشاهد هذا. فهذا أسلوب آخر للموت".

وافق البيطري بحركة من رأسه. وفكر الملازم أنه لا يقول لي ذلك. ولكنه يخبر نفسه.  بصوت هادئ شرح الملازم قائلا: "إطلاق النار عليهم أبسط وأكفأ طريقة لقتلهم، ولكن لدينا أوامر أن لا نبذر رصاصة واحدة - وبالتأكيد أن لا نهدر الرصاص على قتل الصينيين. علينا أن ندخر ذخيرتنا لقتال الروس. سنطعنهم بالحراب فقط، كما أفترض، ولكن هذا ليس سهلا كما يبدو. بالمناسبة يا دكتور هل علموك كيف تستعمل الحربة في الجيش؟".

أخبره البيطري أنه فارس بيطري ولم يتلق التدريب لاستخدام الحربة.

أشار الملازم نحو جذعه فوق المعدة قائلا: "حسنا، الطريقة الناجعة لقتل رجل بالحربة هكذا: أولا تطعن بها تحت الأضلاع هنا. ثم تحرك طرفها بدائرة كبيرة وعميقة داخله لتخلط الأعضاء. ثم تطعن بها نحو الأعلى لتثقب القلب. لا يمكنك أن تودعها فيه وتتوقع منه أن يموت. نحن الجنود تلقينا هذه التدريبات. الاشتباك يدا بيد باستعمال الحراب مكانها الهجوم الليلي وهي مفخرة الجيش الإمبراطوري، ولكنها أساسا أرخص من الدبابات والطائرات والمدافع،  وطبعا يمكنك أن تتدرب، إنما في النهاية ما تطعنه هو دمية من قش، وليس كائنا بشريا. الدمية لا تنزف ولا تصرخ أو تدلق أمعاءها على الأرض. هؤلاء الجنود لم يقتلوا عمليا كائنا واحدا بتلك الطريقة. ولا أنا".

نظر الملازم إلى المجند وأعطاه الأذن. نبح المجند بالأمر للجنود الثلاث، الذين أخذوا وضعية الانتباه. ثم تقدموا نصف خطوة ولوحوا بحرابهم، وسدد كل رجل بنصله على سجين واحد. أحد الشباب (رقم 7)، زأر بلغة صينية وبدت كأنها شتيمة، وبصق بشيء من التحدي، لكن لم تصل إلى الأرض، إنما سالت على مقدمة بذة البيسبول. ومع ثاني أمر، طعن العساكر الثلاث بحرابهم الرجال الصينيين بقوة هائلة. ثم كما قال الملازم حركوا حرابهم لبتر أعضاء الرجال الداخلية، وجروا رأس الحربة نحو الأعلى. لم تكن صرخات الصينيين مرتفعة جدا، ولكنها أقرب لبكاء عميق وليس صرخات، كما لو أنهم يلفظون بقايا الأنفاس المتبقية في أجسامهم من فتحة واحدة. سحب الجنود حرابهم وتراجعوا إلى الخلف. نبح المجند بأمره ثانية، وكرر الرجال الخطوات نفسها بالضبط كالسابق، وطعنوا، وحركوا الحراب، ودفعوها نحو الأعلى، وانسحبوا. تابع البيطري بصمت مخدر، مأخوذا بإحساس أنه ينشطر لنصفين. وأصبح بنفس الوقت، القاتل والمقتول. وأمكنه أن يشعر بكل من أثر الحربة وهي تدخل في جسم الضحية، والألم المصاحب لتقطيع أوصال أعضائه.  استغرق موت الصينيين أطول مما تخيل. نزفت أجسامهم مقطعة الأوصال على الأرض كميات كبيرة من الدم. ولكن حتى وأعضاؤهم ممزقة، تابعوا التلوي قليلا لفترة ملحوظة. استعمل المجند الأول حربته لتقطيع الحبال التي أوثقت الرجال بالأشجار، ثم طلب من الجنود الذين لم يشاركوا بالإعدام أن يساعدوا في جر الجثامين المتهاوية حتى الحفرة وإلقائها فيها. وصدرت عن هذه الجثامين طرقة كامدة، حال ارتطامها، ولكن الطبيب كان مضطرا ليشعر أن الصوت مختلف عن الذي صدر من الجثامين السابقة؟ ربما لأن هذه غير ميتة تماما. ولم يتبق الآن غير السجين الصيني الذي حمل رقم 4 على قميصه. مزق الجنود الثلاث بوجوههم الشاحبة أوراقا نباتية عريضة كانت عند أقدامهم، ونظفوا بها حرابهم الملوثة بالدم. ليس الدم فقط ولكن سوائل جسم غريبة اللون وأجزاء من اللحم الملتصق بالحراب.  احتاج الرجال لعدة أوراق لتعود الحراب إلى لمعانها المعدني الأصلي. تساءل البيطري لماذا ترك الرجل الوحيد رقم 4، حيا. ولكنه لم يزمع على توجيه أسئلة. أخرج الملازم سيجارة أخرى وأشعلها. ثم عرض سيجارة على البيطري، فقبلها بصمت، وبعد أن وضعها بين شفتيه، أشعل ثقابه. لم ترتجف يده، ولكن بدا أنها فقدت الإحساس، كما لو أنها مغلفة بقفاز سميك.

قال الملازم: "كان هؤلاء الرجال طلابا في مدرسة ضباط جيش مانشوكو. ورفضوا المشاركة في الدفاع عن هسين شينغ. وقتلوا اثنين من المدربين اليابانيين ليلة أمس وحاولوا الهرب. ألقينا القبض عليهم خلال دورية ليلية، وقتلنا أربعة منهم، وأسرنا الأربعة الآخرين. ولكن هرب اثنان في الظلام". حك الملازم لحيته براحة يده وتابع: "كانوا يحاولون الفرار  ببذات البيسبول. وأعتقد أنهم توقعوا أنه سيلقى القبض عليهم كهاربين من الخدمة إذا ارتدوا البذة العسكرية. أو لعلهم كانوا خائفين مما سيفعله بهم الشيوعيون لو وقعوا بالأسر وهم ببذة مانشوكو العسكرية. عموما كل ما توجب عليهم في ثكنتهم أن يرتدوا بالإضافة لثياب الضباط بذات فريق O.C.S للبيسبول. ولذلك مزقوا الأسماء وحاولوا الفرار مرتدين هذه. ولا أعلم إن كنت تعرف، أن للمدرسة فريقا قويا. واعتادوا أن يلعبوا مباريات ودية في تايوان وكوريا. أما ذلك الشاب" وهنا تحرك الملازم نحو الرجل المربوط بالشجرة وقال: "كان كابتن الفريق ورابع أعضاء الرمي. ونعتقد أنه الذي خطط للهروب، أيضا. كما أنه قتل المدربين بالعصا. وكان المدربان يعلمان بوجود مشاكل في الثكنات ولذلك لم يوزعا الأسلحة على الضباط التلاميذ إلا في حالة الطوارئ القصوى. غير أنهما نسيا عصي البيسبول. فتهشمت جمجمة كليهما.  ولعلهما ماتا فورا. هدفان مثاليان. وهذا هو العصا". وطلب الملازم من المجند أن يأتي بالعصا إليه. ثم قدمه للبيطري. أخذه الطبيب بيديه الاثنتين ورفعه أمام وجهه، بالطريقة التي يتقدم بها اللاعب من مربع الإطلاق. كان مضربا عاديا، ليس متقن الصنع، وخشنا ومن مادة غير مصقولة. وكان ثقيلا، ومستأنسا. والقبضة سوداء متعرقة. وهو لا يبدو كمضرب استعمل مؤخرا في قتل مخلوقين. وبعد أن قدر وزنه، أعاده إلى الملازم، فأرجحه عدة مرات بمرونة، كأنه خبير.

سأل الملازم البيطري: "هل تلعب البيسبول؟".

"طيلة أيام الطفولة".

"ولكنك كبرت الآن؟".

قال البيطري : "وتوقفت عن لعبة البيسبول". وكان على وشك أن يسأل: " وماذا عنك سيادة الملازم؟" لكنه ابتلع الكلمات.

قال الملازم بصوت جاف وهو ينقر على الأرض بطرف العصا: "أمرت أن أضرب هذا الشاب حتى الموت بنفس العصا التي استعملها. العين بالعين، والسن بالسن. بيني وبينك فقط. أعتقد أن الأمر كريه. ماذا يفيدنا قتل هؤلاء الشباب؟. لم يتبق لدينا طائرات، وليس لدينا بوارج حربية، وأفضل مقاتلينا أموات. منذ أيام وحسب نوع جديد من القنابل محت كل مدينة هيروشيما في جزء من الثانية. إما سنمحى من منشوريا أو نموت، وستعود الصين للصينيين مجددا. قتلنا ما يكفي من الصينيين، وإضافة بضعة جثث للعدد لن يصنع فرقا. غير أن الأوامر هي الأوامر. أنا جندي ويجب أن أتبع الأوامر. قتلنا البارحة النمور والفهود، واليوم علينا قتل هؤلاء الرجال. لذلك خذ نظرة جيدة يا دكتور. هذه طريقة أخرى للناس كي يموتوا. أنت دكتور وربما معتاد على السكاكين والدم والأحشاء. ولكن ربما لم تشاهد شخصا يضرب حتى الموت بعصا بيسبول".

أمر الملازم المجند الأول أن يأتي باللاعب رقم 4، الرامي الرابع، ويضعه على حافة الحفرة. مجددا قيدوا يديه وراء ظهره، ثم عصبوا عينيه، وجعلوه يركع على الأرض. كان شابا طويلا متين البنية، بذراعين ضخمتين، وهما بحجم فخذي معظم الناس. ودعا الملازم عسكريا شابا، وقدم له العصا. وقال: "اقتله بهذا". وقف العسكري بانتباه، وحيا قبل استلام العصا، ولكن ما أن أخذها بيديه حتى وقف هناك كأنه مخدر. وبدا أنه غير قادر على فهم فحوى ضرب صيني حتى الموت بعصا بيسبول.

سأل الملازم العسكري اليافع: "ألم تلعب البيسبول؟".

رد العسكري بصوت مرتفع: "كلا يا سيدي. أبدا".

كانت القرية المولود فيها وهي هوكايدو، وقرية منشوريا التي نشأ فيها، فقيرتين، ولا توجد فيهما عائلة يمكنها توفير رفاهيات البيسبول أو مضربه. وأنفق صباه يلعب في الحقول، ويصطاد ذبابة النار ويلعب لعبة المبارزة والعصي الخشبية. لكنه لم يلعب البيسبول في حياته، ولم يشاهد مباراة بيسبول. وكانت هذه أول مرة يمسك فيها بمضرب. علمه الملازم كيف يمسك المضرب، وعلمه أساسيات الأرجحة. وقدم له شرحا عمليا. وزمجر من بين أسنانه المتراصفة: "هل رأيت؟. المسألة كلها في الورك. تبدأ من الأرجحة الخلفية، وتنثني من أسفل خصرك. ثم يتبعك رأس المضرب بشكل طبيعي. هل تفهم؟ إذا ركزت كثيرا على أرجحة المضرب، ستؤدي ذراعاك كل العمل وتخسر قوتك. الأرجحة تكون من الوركين".

لم يظهر أن العسكري أدرك تماما تعليمات الملازم. ولكنه تخلى عن عتاده الثقيل، كما أمر، وجرب حركات المضرب لبعض الوقت. كان الجميع يراقبه. وضع الملازم يديه على يدي العسكري لمساعدته في ضبط قبضته. كان معلما جيدا. وقبل مرور وقت طويل، حرك العسكري يديه، بشيء من التعثر، ولكنه اخترق الهواء. ما ينقص العسكري الصغير من مهارة عوضه بقوة عضلاته، فقد أنفق أيامه في أعمال المزرعة.

قال الملازم وهو يمسح عرق جبينه بقبعته: "هذا جيد. حسنا. الآن حاول أن تفعلها بحركة قوية ونظيفة. لا تدعه يعاني".

وكان يريد أن يقول فعلا: "لا أريدك أن تفعل ذلك. مثلما أنت لا تريد. بحق الجحيم من يمكنه أن يفكر بشيء أحمق كهذا؟. قتل شاب بعصا بيسبول.. ". ولكن لا يسع الضابط أن يقول شيئا كهذا لرجل في الخدمة. اقترب العسكري من خلف الصيني معصوب العينين، الراكع على الأرض. وحينما رفع عصاه، ألقت الأشعة القوية لشمس الغروب ظله الطويل والكثيف على الأرض. فكر البيطري: هذا غريب جدا. الملازم محق: لم أشاهد رجلا يقتل بعصا بيسبول. رفع العسكري الشاب عصاه عاليا لفترة طويلة. ولاحظ البيطري طرفها يرتجف. أشار الملازم برأسه للعسكري. بنفس عميق لوح العسكري بالعصا نحو الخلف، ثم ضرب العصا بكل قواه على قفا رأس الطالب الضابط الصيني. كانت ضربة بارعة ومذهلة؛ فقد أدار وركيه تماماً كما علمه الملازم، وأصابت العصا  منطقة خلف أذن الرجل مباشرة، وتابعت الضربة مسارها حتى النهاية بدقة تامة. دوى صوت تهشم مكتوم بينما كانت الجمجمة تتفتت. أما الرجل نفسه، فلم يصدر عنه أي صوت؛  واستمر  جسده معلقاً في الهواء للحظة بوضعية غريبة، ثم سقط إلى الأمام. استلقى وخده على الأرض، والدم يتدفق من إحدى أذنيه، بلا حراك. نظر الملازم إلى ساعته، بينما واصل الجندي الشاب، وهو لا يزال ممسكاً بالمضرب، النظر في الفراغ وفمه مفتوح من الصدمة. كان الملازم شخصا يؤدي مهامه بكل حذق. انتظر دقيقة كاملة. وحينما تأكد أن الصيني لا يتحرك أبدا، قال للبيطري: "هل بمقدورك أن تخدمني وتفحصه لتتأكد أن مات حقا؟".

أومأ البيطري برأسه، ثم تقدم نحو المكان الذي يرقد فيه الشاب الصيني، وجثا على ركبتيه وأزال العصابة عن عينيه. كانت عينا الرجل مفتوحتين على وسعهما، وبؤبؤا العين متجهين نحو الأعلى، ودم أحمر قان ينزف من أذنه. وقد كشف فمه المفتوح قليلا لسانه الملتوي بالداخل. وأدى أثر الضربة إلى التواء رقبته بزاوية غريبة. وسال من منخري الرجل كتلة سميكة من الدم، وترك ذلك بقعا سوداء على الأرض الجافة. شقت ذبابة كبيرة طريقها إلى داخل أحد المنخرين لتضع بيوضها. وكانت متوترة للغاية. وللتأكد فقط، أمسك البيطري معصم الرجل وتلمس نبضه. لم يكن هناك نبض حيث يفترض أن يكون. فقد أنهى الجندي الشاب حياة هذا الرجل الضخم بضربة واحدة بالمضرب، وهي في الواقع أول ضربة له على الإطلاق. نظر البيطري نحو الملازم وأومأ برأسه، مشيراً إلى أن الرجل فارق الحياة دون أدنى شك. وبعد أن أتم المهمة الموكلة إليه، نهض ببطء واستعاد قامته الطويلة، وحينها خيل إليه أن حرارة الشمس الساطعة الكنعكسة على ظهره قد ارتفعت فجأة. في تلك اللحظة بالذات، اهتز اللاعب الصيني الشاب الذي يرتدي الزي رقم 4 وجلس كأنه استيقظ لتوه تماما. وبدون أدنى شك أو تردد ــ أو هكذا بدا الأمر لمن يشاهدونه ــ أمسك بمعصم الطبيب. حدث كل ذلك في لمحة عين. لم يستطع  البيطري أن يستوعب ذلك؛ فقد كان هذا الرجل ميتًا، وهو متأكد من ذلك. ولكن الآن، وبفضل آخر قطرة من الحياة وكانت تبدو كأنها جاءت من العدم، قبض الرجل على معصم  البيطري بقوة كماشة فولاذية. وكان جفناه مفتوحين إلى أقصى حد، وحدقتاه لا تزالان شاخصتين إلى الأعلى، ثم سقط إلى الأمام في الحفرة، وجر معه الطبيب. فسقط فوقه وسمع صوت أضلاع الرجل وهي تتحطم تحت ثقل جسده. ومع ذلك، استمر اللاعب الصيني في الإمساك بمعصمه. شاهد الجنود كل ما يحدث، لكن جمدهم الذهول فلم يفعلوا أي شيء سوى الوقوف والمشاهدة. استعاد الملازم رباطة جأشه أولا، وقفز إلى الحفرة. سحب مسدسه من جرابه، ووضع فوهته على رأس الرجل الصيني، وضغط على الزناد مرتين. دوت ضربتان حادتان متداخلتان، وانفتحت فجوة سوداء كبيرة في صدغ الرجل. فتلاشت حياته تمامًا، لكنه ظل يرفض تحرير معصم الطبيب. جثا الملازم على ركبتيه، وبدأ بيد واحدة، وهو يمسك بالمسدس، عملية مضنية لفتح أصابع الجثة واحدا بعد الآخر. استلقى البيطري في الحفرة، تحيط به ثماني جثث صينية صامتة ترتدي البيسبول. وفي أعماق الحفرة، بدا صفير الجندب مختلفًا تمامًا عما هو عليه فوق سطح الأرض. بمجرد أن تحرر البيطري من قبضة الرجل الميت، سحبه الجنود مع الملازم خارج القبر. جلس البيطري القرفصاء على العشب واستنشق عدة أنفاس عميقة، ثم نظر إلى معصمه؛ كانت أصابع الرجل قد تركت خمس علامات حمراء فاقعة. وفي ظهيرة ذلك اليوم القاسي من شهر آب، شعر البيطري ببرودة تغلغلت في أعماق جسده، وفكر قائلاً: "لن أتخلص من هذا البرد أبداً". فقد حاول ذلك الرجل حقاً، وبكل جدية، أن يأخذه معه إلى هو ذاهب. أمن الملازم المسدس وأودعه بحرص في جرابه. كانت هذه هي المرة الأولى التي يطلق فيها النار على إنسان، لكنه حاول ألا يفكر في الأمر؛ فالحرب ستستمر لفترة أطول على الأقل، والناس سيواصلون الموت، وبإمكانه تأجيل التفكير العميق حتى وقت لاحق. نظف كفه اليمنى المتعرقة ببنطاله، ثم أمر الجنود الذين لم يشاركوا في  الإعدام بردم الحفرة، بينما أسراب ضخمة من الذباب بدأت بالفعل تحوم على الجثث المكومة.  تابع الجندي اليافع الوقوف بمكانه حيث كان، وهو يقبض على المضرب. بدا وكأنه لا يمكنه السماح ليديه أن تفلته. تركه الملازم والجندي الأول لشأنه. كان كأنه يراقب تلك السلسلة الغريبة من الأحداث: الصيني «الميت» الذي أمسك فجأة بمعصم البيطري، سقوطهما في القبر، تدخل الملازم لينهي الأمر، والآن ردم الجنود الآخرين للحفرة. لكنه في الحقيقة لم يكن يراقب شيئا من ذلك؛ بل يستمع إلى طائر كان في مكان ما فوق شجرة ويصدر صوتاً يشبه «كراك! كراك!» كأنه يلف نابضا. رفع الجندي بصره محاولاً تحديد مصدر الصياح، لكنه لم يجد أي أثر للطائر الذي يلف النابض، وشعر بغثيان طفيف في مؤخرة حلقه. وبينما هو يصغي للنابض الذي يدور، رأى  صوراً ممزقة تتوالى أمامه ثم تتلاشى: فبعد أن ينزع السوفييت سلاح اليابانيين، سيسلم الملازم إلى الصينيين ويعدم شنقا لأنه مسؤول  عن هذه الإعدامات. أما الجندي الأول سيموت بالطاعون في معسكر اعتقال في سيبيريا؛ وسيحتجز في كوخ للحجر الصحي ويترك هناك حتى الموت، رغم أنه في الواقع مرض من سوء التغذية فقط، ولم يصب بالطاعون، ليس قبل احتجازه في ذلك الكوخ على الأقل. أما  البيطري سيلقى حتفه في حادث بعد عام من الآن؛ وبصفته مدنياً، سيعتقله السوفييت بتهمة التعاون مع الجيش، ويرسلونه إلى معسكر آخر في سيبيريا للأعمال الشاقة، حيث سيغرقفي بئر  عميق لمناجم الفحم الحجري رفقة جنود كثيرين بعد الفيضان. وفكر الجندي الشاب والمضرب بين يديه: "وماذا عني أنا؟"، لكنه لم يستطع رؤية مستقبله، بل لم يستطع حتى استيعاب حقيقة ما يدور أمام عينيه. فأغمض عينيه، وأنصت لصياح الطائر الذي يلف النابض. وفجأة، فكر في المحيط؛ ذلك المحيط الذي رآه وهو على متن السفينة التي أتت به من اليابان إلى منشوريا قبل ثماني سنوات. لم يكن قد رأى المحيط من قبل، ولم يره منذ ذلك الحين. كان لا يزال يتذكر رائحة الهواء المالح؛ فالمحيط من أعظم الأشياء التي رآها في حياته، أكبر وأعمق من أي شيء تخيله. كان يغير لونه وشكله وتعبيراته وفقاً للوقت والمكان والطقس، الأمر الذي أثار حزنا عميقا في قلبه، وفي الوقت نفسه منحه الطمأنينة والراحة. هل سيراه مرة أخرى؟ أرخى قبضته وترك المضرب يسقط على الأرض، فأحدث صوتاً جافاً عند ارتطامه بالتراب. وبعد أن فارق المضرب يديه، شعر بزيادة طفيفة في غثيانه. واستمر الطائر الذي يلف النابض في صياحه، لكن لم يستطع أحد آخر سماعه.

***

.......................

*ترجم القصة عن اليابانية جاي روبن. ونشرتها النيويوركير في عدد 20 كانون الثاني 1997.

*تمت الاستعانة جزئيا ببرامج الذكاء الصناعي

بقلم: شيموس هيني

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أتعبُ من التقاء

الناس الرائعين،

تلك النفوسِ الوضيئةِ

التي تجعل من هذه الكرة الصغيرة،

مكانًا نتعلّق به.

أتعبُ من معرفة

إنجازاتهم

من شخصياتهم،

من تأثيرهم

على أولئك الذين التقوا بهم،

أولئك

الذين أحبوهم.

أتعب من التوصّلِ إلى هذه الاكتشافات،

من معرفة هذه

النفوس ذات المكانة العالية

حين يكون قد فاتتني

فرصةُ

أن أصافح أيديهم، أن أتبادل معهم الحديث،

أن أسمع أصواتهم

أن أشاهد مواهبهم،

بينما هم يستنشقون الهواء عينَهُ،

في المكان عينِهِ

الذي أقيم معهم فيه.

اتعبُ من العيش

ومعرفةِ تلك الحيوات

التي عاشوها

بعد أن توقفوا عن الكينونه.

أتعب.......

***

....................

I Tire

Seamus Heaney

I tire of meeting

Amazing people,

those luminous souls

that make this tiny ball,

a place to cherish.

I tire of learning of

their accomplishments

of their personalities,

of the effect they had

on those they met,

those

they loved.

I tire of making these discoveries,

of learning of these

treasured souls

when it is far too late

for me to ever have the chance

to shake their hands,

to share a word,

to hear their voice

to witness their gift,

while they draw in the same air,

in the same space that

I inhabit with them.

I tire of living

and learning of those lives

most lived

after they have ceased to be.

I tire.......

......................

ولد الشاعر والكاتب المسرحي والمترجم والمحاضر الأيرلندي اشيموس هيني في مقاطعة ديري، أيرلندة الشمالية في 13 نيسان / إبريل عام 1933 لعائلة تعمل في الزراعة.  حصل على منحة للدراسة قي كلية سانت كولمب في ديري، حيث بدأ بممارسة العمل الأكاديمي، مما مكّنه أن يعمل في جامعة كوينز في بلفاست، حيث كتب أولى مؤلفاته الشعرية. ومن هناك انطلق ليعمل استاذًا للبلاغة والخطابة في هارفارد وأستاذًا للشعر في أكسفورد.

تعتمد شهرة هيني إلى حد كبير على الموضوعات التي عالجها، والتي تتعلق بأيرلندا الشمالية الحديثة بمزارعها وريفها ومدنها التي يسودها الصراع، وبثقافتها واللغة التي يسيطر عليها الحكم الإنجليزي. فقد تناول هيني المشاكل أو الصراعات السياسية التي عصفت بالبلاد، إذ كانت كثيرًا ما تتسم بالعنف. وقد حاول الشاعر أن يرى هذه المشاكل في سياقها التاريخي من منظور إنساني .

أصدر هيني العديد من الدواوين الشعرية، منها موت رجل واقعيّ (1966)، باب نحو الظلام (1969)، الخروج شتاءً (1972)، الشمال (1979)، قصائد مختارة 1965 – 1975 (1980)، قصائد مختارة جديدة 1966 – 1987 (1990)، تخيُّل  أشياء (1991)، الضوء الكهربائي (2001)، المنطقة والدائرة (2006)، سلسلة بشرية (2010).

حصل هيني على العديد من الجوائز، وكان أهمها جائزة نوبل للآداب عام 1995.

توفيَّ هيني في أواخر شهر آب / أغسطس 2013

بقلم: فردريك نيتشه

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - شجرة الصنوبر والبرق

سامقة أنا

أكثر من الإنسان والحيوان

ناطقة أنا

و لكن دون أن يتحدث معي

أي أحد

فقط سمقت

لأترقب في أعنان

السماء

و لكن ما الذي

أترقبه؟

قريب هو بلاط

العنان

أترقب البرق

ليمرق .

***

2 - النباهة الدنيوية

لا تظل في السهول

المنبسطة

و لا ترتفع في سيرك

كثيرا

فسوف تبدو لك الدنيا

أكثر جمالا

و أنت في المنتصف .

***

3 - نغمة

هي ذي الريح

تنقر زجاج النافذة

بخفوت

و قد ارخى الليل سدوله

وهو ذا الهطف

يسجم في حجرتي

إنه حلم سعدي

طفق يفتش في فؤادي

كالريح

إنها نسمة طلعتك

تحتل فؤادي

كالهطف .

***

....................

- فردريك نيتشه: هو الفيلسوف الألماني الكبير والشاعر المبدع، صاحب مذهب (قوة الإرادة)، والقائل بأن الحياة ليست غير تنازع البقاء وبقاء الأصلح عملا بمذهب التطور، ومن أجل الوصول إلى الإنسان الأعلى .

- ولد في مدينة (روكن) في بروسيا في 15 – 10 – 1844 وترعرع في كنف أسرة متدينة، فقرأ الإنجيل حتى أسموه (القسيس الصغير) .

- تأثر ب (شوبنهور) و(بسمارك) و(ريتشارد فجنر) -

- وافاه الأجل عام 1900 . يقول عنه (ول ديورانت) في كتابه (قصة الفلسفة): (لا تجد عبقريا دفع ثمنا غاليا لعبقريته ما دفعه نيتشه)

: من كتبه -

مولد المأساة من روح الموسيقى 1872

فجر اليوم 1881

الحكمة الفرحة 1882

هكذا تكلم زرادشت 1883

ما فوق الخير والشر 1886

تاريخ تسلسل الأخلاق 1887

- ترجم القصائد عن الفارسية السيد (فريدون أرشدي / سنة – إيران) . ونشرت الترجمة في العدد (39 / 1999) من مجلة (رامان) الصادرة باللغة الكردية .

- عن (من مشكاة الشعر: قصائد مختارة) للمترجم، دار بيشوا للطباعة والنشر، أربيل – العراق 2002 .

 

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

قال الرجل: "تعرفت على كل أنواع النساء في حياتي. ولكن لم أقابل واحدة دميمة مثلك".

قال ذلك بعد أن تناولا الحلوى، وكانا بانتظار تقديم القهوة. استغرقت المرأة لحظة لتبتلع ذلك. ربما ثلاث أو أربع ثوان. جاءت عبارته فجأة، ولم تتمكن كاهو أن تفسر بالحال نواياه. وحينما كان الرجل ينطق بهذه الكلمات الفجة والمقلقة، كان يبتسم طيلة الوقت. ابتسامة لطيفة وصداقية على وجه العموم. ولم يكن فيما قال حتى أي لمسة من المرح. لم يكن يلقي طرفة، وكان جادا تماما. والطريقة الوحيدة التي توفرت لكاهو كي لا ترد عليه كانت بتناول الفوطة من حضنها، وإلقائها على الطاولة، والقبض على حقيبتها من الكرسي المجاور، والوقوف، وبدون كلمة، مغادرة المطعم. وعلى الأرجح كانت تلك هي أفضل طريقة للتعامل مع الموقف. ولكن لسبب ما لم يمكن كاهو أن تفعل ذلك. وأحد أسباب ذلك - وهو ما تبادر لذهنها لاحقا - أنها صدمت حقا. سبب آخر هو الفضول. كانت حانقة - طبعا عليها أن تغضب. وكيف لا تغضب؟ وأكثر من ذلك، أرادت أن تعلم بحق الجحيم ماذا أراد هذا الرجل أن يخبرها به. هل هي دميمة حقا؟. وهل يوجد شيء آخر وراء تلك الملاحظة؟.

وقد أضاف الرجل بعد لحظة صمت: "القول أنك أقبح امرأة لا يخلو من المبالغة. ولكنك امرأة سطحية لم أقابل مثلها، وهذا لا شك به".

ضمت كاهو شفتيها بصمت وتمعنت بوجه الرجل، وثبتت عيناها عليه.  لماذا يشعر هذا الرجل بالحاجة للتكلم بشيء من هذا النوع؟ إن كنت لا ترتاح كثيرا للامرأة المقابلة لك في موعد غرامي (وهذا اللقاء من هذا النوع)، يمكنك أن لا تكرر عقد لقاء معها. شيء بسيط. فلماذا يهينها علنا؟. ربما كان الرجل أكبر من كاهو بعشر سنوات أو قرابة ذلك، وهو أنيق، وثيابه نظيفة ومتناسقة.  لم يكن من النمط المثالي لكاهو، ولكن يبدو كأنه من عائلة جيدة. وجهه يتبدل بالضوء - وهذه أدق عبارة نصفه بها. ولو أضفت عدة بوصات لطوله يصبح مناسبا لأخذ دور ممثل. والمطعم الذي اختاره، أيضا، مرتب وبمستوى لائق، والأطباق طيبة المذاق، ومنتقاة. وهو ليس من النوع الذي يقال عنه ثرثار، غير أنه يعرف بما فيه الكفاية كيف يجعل الحوار مستمرا - أضف لذلك عدم وجود فراغات صامتة مزعجة (والأمر العجيب أنه كلما فكرت بما حصل، لا تتذكر ماذا كان موضوع الحديث). وخلال العشاء وجدت نفسها دافئة معه. عليها أن تقر بذلك. ثم فجأة -  حصل هذا. ماذا يجري هنا بالضبط؟.

قال بصوت هادئ بعد إحضار فنجاني إسبريسو إلى طاولتهما: "ربما تستغربين ذلك".  كما لو أنه بمقدوره قراءة تفكير كاهو. وضع مكعبا صغيرا من السكر في الإسبريسو وحركه بتؤدة. وأضاف: "لماذا أتناول العشاء حتى النهاية مع إنسانة أرى أنها دميمة - أو ربما يجب أن أقول، مع من لا يعجبني وجهها؟. بعد أن شربنا أول كأس نبيذ، كان علي اختصار الأمسية. إنه هدر للوقت، أليس كذلك، أن أستغرق ساعة ونصف الساعة بالتهام وجبة عشاء من ثلاث أطباق؟ ولماذا في نهاية الأمسية يجب علي أن أقول شيئا من هذا النوع؟".

تمسكت كاهو بأردان الصمت، وحملقت بوجه الرجل المقابل لها وراء الطاولة. والتقطت يداها فوطة حضنها بإحكام. 

فقال الرجل: "أعتقد أن السبب هو عدم قدرتي على تجاوز فضولي. ربما أردت أن أعرف كيف تفكر امرأة أليفة مثلك، وكيف أن الروح المنزلية تؤثر على حياتك".

تساءلت كاهو: وهل أرضيت فضولك. وبالطبع لم تسأل بصوت مرتفع.

سألها الرجل بعد أن رشف من القهوة: "وهل أرضيت فضولي؟". لم يعد هنا شك: أن باستطاعته قراءة أفكارها. مثل آكل نمل يلعق بيت النمل حتى ينظفه، بلسانه الرفيع والطويل. هز الرجل رأسه قليلا وأعاد فنجان القهوة إلى الطبق. ثم أجاب على سؤاله بقوله: "كلا. لم أرض فضولي". رفع يده، واستدعى  النادل، ودفع الفاتورة. والتفت نحو كاهو، وانحنى قليلا، وغادر المطعم مباشرة. حتى أنه لم ينظر إلى الخلف.

*

الحقيقة أن كاهو ومنذ صغرها لم تهتم بمظهرها. فالوجه الذي تراه بالمرآة لم يصدمها لا بجماله ولا بقبحه على وجه الخصوص. ولم يخيب أملها أو يبهجها. وعدم اهتمامها بوجهها يعود إلى أنها لم تشعر أن مظهرها يؤثر على حياتها بأي طريقة. أو ربما من الأفضل أن تقول أنه لم تسنح لها الفرصة لتعلم إن كان مظهرها مؤثرا. كانت طفلة، وأغرقها والداها دائما بعاطفة لا تضع بالحسبان إن كانت جميلة أم لا.

طيلة مراهقتها لم تبالي كاهو بمظهرها. ومعظم صديقاتها اعتنين بمظهرهن وحاولن استعمال خدع المكياجات التي تنصح بها الكتب، لتحسين أشكالهن. ولكنها لم تفهم ضرورة ذلك. وأنفقت وقتا قليلا أمام المرآة. وكان هدفها الوحيد أن تحتفظ بجسمها ووجهها نظيفين ومرتبين. ولم يكن ذلك مهمة عسيرة حقا. كانت تداوم في مدرسة ثانوية أهلية عامة ولديها عدد من المعجبين.  ولكن إذا صوّت الأولاد على الزميلة المفضلة، لن تربح أبدا - فهي ليست من ذلك النمط. ومع ذلك لسبب ما، في كل حصة حضرتها، كان هناك ولد أو اثنان اهتموا بها وعلنا. ولم تعرف كاهو ماذا يلفت انتباههم فيها. وحتى بعد أن أنهت دراستها الثانوية وبدأت بدراسة الفن في طوكيو، نادرا ما افتقدت الصديق المعجب. ولذلك لم تكن بحاجة للقلق عما إذا هي جذابة أم لا. وبذلك المعنى، يمكنك أن تقول إنها محظوظة. ودائما رأت أنه من المستغرب أن الصديقات الأجمل منها بكثير يقلقن من مظهرهن، وفي بعض الحالات يلجأن لعمليات تجميل أساسية. ولم تتفهم كاهو هذا.

ولذلك حينما تجاوزت بقليل عيد ميلادها السادس والعشرين وأخبرها هذا الرجل الذي لا تعرفه مسبقا بفظاظة أنها قبيحة، اضطربت على نحو عميق. وعوضا أن تصدمها كلماته، ببساطة تامة، قلقت واحتارت.

*

كانت محررتها، وهي امرأة تدعى ماشيدا، من قدمها للرجل. كانت ماشيدا تعمل في شركة نشر صغيرة في كاندا، وتنتج أساسا كتب الأطفال. وهي أكبر من كاهو بأربع سنوات، ولديها طفلان، وتحرر كتب الأطفال التي تكتبها كاهو. ولكن كتب كاهو لم تكن تبيع على نحو جيد، أنما بين تلك المهمة وعملها الحر الذي يتلخص بوضع رسوم لبعض المجلات، كانت تكسب ما يكفي لتعيش. وفي وقت موعد التعارف، كانت كاهو قد انفصلت عن رجل بعمرها، وقد رافقته قليلا طيلة عامين، وشعرت بالخيبة على نحو غير اعتيادي. وخلف الانفصال لديها طعما سيئا. وجزئيا لهذا السبب، لم تكن تتقدم بعملها. وقد لاحظت ماشيدا الوضع فرتبت اللقاء. وقالت لها: ربما أنت بحاجة لتبديل الجو وحسب.

وبعد ثلاثة أيام من لقاء كاهو مع الرجل، اتصلت بها ماشيدا.

ولم تضيع الوقت قبل أن تسأل: "كيف كان اللقاء؟".

ندت عن كاهو "همهمة" غامضة، لتتجنب سؤالا مباشرا، ثم سألت سؤالا من عندها: "ومن أي نوع من الرجال هو بأية حال؟".

قالت ماشيدا: "بصدق، لا أعرف الكثير عنه. صديق لصديق. شيء من هذا النوع. أعتقد أنه بحوالي الأربعين. ويعمل في استثمار عادي. وخلفياته جيدة، ويتقن عمله. ليس له سجل جنائي، كما أعلم. قابلته مرة وتكلمنا لعدة دقائق، واعتقدت أنه وسيم ومرح بما يكفي. قصير نوعا ما، وأعترف بذلك. ولكن توم كروز ليس طويلا، أيضا. مع أنني لم أقابل توم كروز شخصيا".

سألت كاهو: "ولكن لماذا رجل بالغ الوسامة ومرح ويتقن عمله يكلف نفسه عناء لقاء تعارف؟".

قالت ماشيدا: "ليس لديه الكثير من النساء ليخرج معهن؟. أفترض ذلك. وهو دقيق جدا، وكفؤ في مهنته، ولكن تصادف وسمعت أن شخصيته غريبة قليلا. وقررت أن لا أذكر ذلك. لأنني لم أرغب أن تنحازي ضده قبل أن تلتقي به".

كررت كاهو الكلمات: "غريب قليلا". وهزت رأسها. هل يمكن أن تسمي ذلك غرابة محدودة؟.

سألت ماشيدا: "هل تبادلتما أرقام الهواتف؟".

صمتت كاهو لحظة قبل أن تجيب. وفكرت: تبادلنا رقمي الهاتف؟. وقالت أخيرا: "كلا. لم نفعل".

*

بعد ثلاثة أيام من هذه المكالمة، كالمتها ماشيدا ثانية.

قالت: "خابرتك للكلام عن الوسيم السيد ساهارا. هل يمكننا الكلام؟".

كان ساهارا اسم الرجل الذي عقدت معه موعد تعارف.

لفظه مثل لفظ كلمة صحراء. تركت كاهو قلم الرسم ونقلت السماعة من طرفها الأيسر إلى الأيمن. وقالت: "بالتأكيد. تفضلي".

قالت ماشيدا: "خابرني ليلة أمس. قال إنه يريد أن يقابلك ثانية. ويتساءل عن إمكانية الدردشة. وكان صوته جادا".

لم يمكن كاهو أن تكبت شهقة، وتمسكت لحظة بالصمت. يريد أن يراني ثانية ليتمكن كلانا من تبادل الكلام؟ لم تصدق كاهو ما تسمع.

قالت ماشيدا باهتمام: "كاهو - شان. هل تسمعينني؟".

قالت كاهو: "نعم أنا أسمعك".

"يبدو أنه معجب بك. فماذا أقول له؟".

أملى عليها الحس البديهي أن ترفض. فهو في النهاية لم يذكر غير أشياء فظيعة وأمام وجهها مباشرة. فلماذا عليها رؤية هذا النوع من الأشخاص ثانية؟. ولكن لم تتخذ قرارا في هذه اللحظة. وتداخلت الشكوك في دماغها، وازدحمت كلها معا. فسألت ماشيدا: "هل يمكنني التفكير بالأمر. وسأرد عليك لاحقا".

*

قررت كاهو أن تلتقي بساهارا مرة إضافية، في يوم السبت بعد الظهيرة. واتفقا على اللقاء خلال النهار، لفترة قصيرة، بدون تقديم طعام أو كحول، في مكان يمكنهما الكلام فيه بهدوء، مع وجود آخرين حولهما بالجوار - وتلك كانت شروط كاهو، وقد نقلتها ماشيدا له. ولكنها علقت بقولها: "شروط غريبة للقاء المرة الثانية. أنت حذرة جدا".

قالت كاهو: "أفترض ذلك".

قالت ماشيدا: "لن تضعي في حقيبة يدك مفتاحا إنكليزيا أو أي شيء من هذا النوع. صحيح؟". وضحكت بسرور.

فكرت كاهو: لن يكون ذلك فكرة سيئة.

*

آخر مرة التقيا كان مظهر ساهارا يبدو فيها كأنه عائد من العمل إلى البيت، ببذة داكنة رائعة وربطة عنق، ولكنه في هذه المرة ارتدى ثيابا عادية تناسب عطلة الأسبوع - جاكيت من الجلد السميك، وجينز ضيق، وبوط عمل متهالك. مع نظارة شمسية مدسوسة في جيب صدر القميص. مظهر أناقة تامة. وصلت كاهو بعد التوقيت المقرر بقليل، وحينما وصلت إلى بهو الفندق كان ساهارا هناك، يكتب رسالة قصيرة لشخص ما. وحينما رأى كاهو، صعدت ابتسامة خفيفة على شفتيه وأغلق غطاء الهاتف الجلدي. وكانت على كرسي بجانبه خوذة سائق دراجة. قال ساهارا: "أنا أقود بي إم دبليو 1800cc. ومن بين كل البي إم دبليو لديها قوة فائقة على الحركة المرنة والمحرك يشخر بصوت قوي ورائع".

لم تقل كاهو شيئا. ودمدمت بصمت لنفسها: أنا لا أهتم بمركبتك - سواء دراجة بي إم دبليو، أو دراجة بثلاث دواليب، أو عربة يجرها ثور.

أضاف ساهارا: "أراهن أنك لست مهتمة إطلاقا بالدراجات، ولكن أردت أن أذكرها على كل حال، لمعلوماتك فقط F.Y.I" فكرت كاهو مجددا: هذا الشاب يعرف كيف يقرأ أفكاري.

جاء النادل فطلبت قهوة. وطلب ساهارا البابونج. ثم سألها: "بالمناسبة، هل ذهبت إلى أستراليا؟".

هزت كاهو رأسها. لم تذهب إلى أستراليا.

سألها ساهارا وهو يصنع مروحة في الهواء بكلتا يديه: "وهل تحبين العناكب؟ أراكنيدس؟ النوع الذي له ثماني أرجل؟".

لم ترد كاهو. فهي تكره العناكب أكثر من أي شيء، ولكنها لم تفضل أن تذكر ذلك.

قال ساهارا: "حينما ذهبت إلى أستراليا، رأيت عنكبوتا بحجم قفاز بيسبول. مجرد النظر إليه سبب لي الرعب. جعلني أرتجف. ولكن السكان المحليين يرحبون بهم في بيوتهم. هل تعلمين لماذا؟".

لزمت كاهو الصمت.

"لأنها ليلية وتأكل الصراصير. هي ما يمكن أن نقول عنه حشرات مفيدة ومساعدة. تخيلي عناكب تأكل الصراصير. دائما أدهشني كم هي بنية السلسلة الغذائية ذكية ورائعة".

جاءت القهوة وشاي الأعشاب، ولبعض الوقت جلس كلاهما أمام المشروبين بدون كلام.

قال ساهارا بعد عدة دقائق بنبرة رسمية: "أتصور أنك وجدت ذلك عجيبا. وقد أردت أن أراك ثانية هكذا".

لم ترد كاهو. ولم تجرؤ أن ترد.

فقال ساهارا: "ويجب أن أقول لك إنني مندهش حتما أنك وافقت على رؤيتي مجددا. أشعر بالامتنان، ولكنني مندهش لأنك وافقت بعد ما قلته من كلام وقح. كلا - ما قلته يتجاوز الوقاحة. كان إهانة لا تغتفر تضر بكرامة المرأة. حينما أقول ذلك للنساء، معظمهن لا يوافقن على تجديد اللقاء. وهو شيء متوقع حقا".

معظمهن - كررت كاهو كلماته في ذهنها. فقد صدمها ذلك.

ثم تكلمت لأول مرة قائلة: " معظمهن؟. هذا يعني أنك قلت نفس الشيء لكل من قابلت من النساء؟ أنت تقول...".

بسهولة اعترف ساهارا: "بالضبط. أخبر كل النساء اللواتي ألتقي بهن بالضبط ما قلته لك: 'لم أشاهد أي امرأة قبيحة مثلك'. وبالعادة حينما نستمتع بالعشاء وتكون الحلوى قد قدمت للتو. في هذا المجال التوقيت يحدد كل شيء".

سألت كاهو بصوت جاف: "لكن لماذا؟ لماذا عليك أن تفعل شيئا كذلك؟ لم أفهمك. أنت تجرح الآخرين بدون سبب. تنفق الوقت والنقود فقط لجرح الآخرين؟".

حرك ساهارا رأسه قليلا وقال: "لماذا - هذا هو السؤال الحقيقي؟. ولكن الشرح معقد. لذلك لماذا لا نتكلم عن أثر مثل هذه الأقوال. ما يفاجئني دائما هو رد فعل النساء اللواتي أكلمهن بهذا الكلام. ربما تعتقدين بعد النطق بتلك الكلمات بوجوههن، معظمهن تشتعلن بالغضب، أو بالضحك الساخر. هناك نساء من ذاك النوع. ولكن ليس كثيرات حقا. ومعظم النساء... تشعرن بالإهانة. وبعمق ولفترة طويلة. وفي بعض الحالات، تنطقن بشيء غريب. شيء يصعب فهمه". ساد الصمت لفترة. وبعد بعض الوقت، بددته كاهو قائلة: "وأنت تقر أنك تستمتع برؤية ردود الأفعال هذه؟".

"كلا. لا أستمتع به. ولكنني أجده غريبا فقط. كيف أن نساء جميلات على نحو واضح، أو على الأقل فوق المعدل كثيرا، ويقال لهن علنا أنهن قبيحات، تنتبهن على نحو ملحوظ أو تشعرن بالإهانة".

ببطء بردت القهوة التي لم تلمسها كاهو، وببخارها الذي يعلوها. ثم قالت بحزم: "أعتقد أنك مريض".

أومأ ساهارا قائلا: "أظن ذلك. ربما أنت على حق. ربما أنا مريض. لا أعذر نفسي على أي شيء، ولكن بعين المريض يبدو العالم أشد مرضا. صحيح؟ - في هذه الأيام الناس ينتقدن بشدة المظهر. ومعظم الناس ينتقدن بصوت مرتفع مسابقات الجمال. ذكر كلمة 'نساء قبيحات' في العلن تسبب الضرب. ولكن تفحصي التلفزيون والمجلات. هي حافلة بالإعلانات عن مواد التجميل، وعمليات التجميل، ومساجات السبا. ومهما نظرت بالأمر، يبدو أن المعايير مزدوجة لدرجة مضحكة وبلا معنى حقا؟".

اعترضت كاهو. فقال ساهارا: "نعم. أنت محقة. أنا مريض. هذه حقيقة لا تنكر. ولكن أن أكون مريضا أمر ممتع، وهذا يتوقف على زاوية النظر. المرضى لهم مكان خاص لا يرتاح له غير المرضى. مثل ديزني لاند للمضطربين نفسيا. ولحسن الحظ لي أيضا. ولدي الوقت والنقود لأستمتع بذلك المكان".

وقفت كاهو بدون كلام. حان وقت وضع حد لهذا. فهي ليست جاهزة للكلام مع هذا الرجل بعد الآن.

قال ساهارا لكاهو وهي تقف هناك: "انتظري ثانية. هل يمكنك منحي القليل من وقتك؟. لن أحتاج لفترة طويلة. خمس دقائق تكفي. أود منك أن تنتظري وتسمعيني".

ترددت كاهو لفترة وجيزة، ثم احتلت مقعدها ثانية. لم تكن تريد ذلك، ولكن كان هناك شيء في صوت الرجل ورأت أنه يصعب عليها مقاومته.

قال ساهارا: "ما أردت قوله لك أن ردة فعلك تختلف عن غيرك. حينما أهنتك بتلك الكلمات الفظبعة، لم تفزعي، ولم تردي بغضب، ولم تضحكي بتهكم، ولم يظهر أنك متضررة بها. ولم تسمحي لهذه العواطف المؤسفة أن تستولي عليك، واكتفيت بالنظر لي بإمعان. كما لو أنك تدرسين بكتريا تحت ميكروسكوب. وأنت الوحيدة التي تصرفت بتلك الطريقة. وقد تأثرت بها. وفكرت، لماذا لا تشعر هذه المرأة بالإهانة؟ ولو كان هناك شيء ما يجرحها بعمق، حسنا، إذا، فما هو؟".

قالت كاهو: "إذا أنت تتصرف هكذا. ترتب لهذه اللقاءات المقررة، مرارا وتكرارا، فقط لترى ردود فعل النساء؟. هل هذا هو الموضوع؟".

خفض الرجل رأسه قائلا: "لم يكن هناك كثيرات. فقط حينما تقدم الفرصة نفسها. لم ألجأ لتطبيق مواعيد أو أي شيء. الأمور المبسطة جدا مضجرة. معارفي يقدمونني، ولا أقابل غير نساء بخلفيات أعرفها. قديمات الطراز، ولقاءات يرتبها طرف ثالث  omiai-type  هي الأفضل. التعارف بطرق المدرسة القديمة. وجدت ذلك مثيرا".

قالت كاهو: "ثم تهين المرأة؟".

لم يرد ساهارا. وبصعوبة منحها ابتسامة سرعان ما تلاشت. ثم مد يديه أمام صدره، وتأملهما قليلا. كما لو أنه يفتش عن أي تبدل في خطوط راحتيه. ثم قال ونظره إلى أعلى: "كنت أتساءل إذا ما كنت توافقين على الركوب معي على الدراجة. فقد أتيت بخوذة إضافية من أجلك. والطقس اليوم جيد، وبوسعنا الاستمتاع بالتجوال. سجل العداد أنني تجاوزت خمسة آلاف كيلومتر، ومحرك بي إم دبليو غير الأفقي والذي أعتز به جاهز لدرجة مثالية".

بدأ هياج لا ينكره أحد يغلي في داخل كاهو. مرت فترة طويلة منذ شعرت بهذا الغضب. أو ربما هذه هي أول مرة. يمكننا الاستمتاع بالتجوال؟ بحق الجحيم بماذا يفكر؟. قالت كاهو محتفظة بعواطفها لنفسها، وبصوت هادئ بقدر الإمكان: "سأتجاوز ذلك. هل تعرف الشيء رقم 1 الذي سأطلبه حالا؟".

هز ساهارا رأسه. وسألها: "وماذا يكون؟".

"أن تترك مسافة بيني وبينك. مسافة قليلة. لتتمكن من تنظيف هذه القذارة التي أحملها".

قال ساهارا: "مفهوم. فعلا. أعتقد لسوء حظي أنه يجب أن أيأس من التجوال والعبث معك في هذه المرة. ولكن ما رأيك؟. هل تعتقدين أن الاحتفاظ بمسافة عني ستنفع؟".

"ماذا تعني؟".

بكى ولد في مكان ما. نظر الرجل بذلك الاتجاه، ثم عاد بنظره إلى كاهو. وقال: "ستفهمين بعد قليل. ما أن أهتم بشخص لا أفلته بسهولة. وربما يدهشك هذا، ولكننا أنا وأنت غير متباعدين جدا بمعيار المسافة. اسمعيني. الناس لا يتملصون من حلقات السلسلة. مهما حاولوا أن لا يروها، وحتى إذا لم يريدوا أن يلمسوها.  ابتلاع شيء وأن يبتلعك شيء وجهان لنفس قطعة النقود. وجه وقفا. رصيد وديون. هذا هو حال العالم. وأعتقد أنه ربما نلتقي ثانية في مكان ما.

*

فكرت كاهو: يجب أن لا أقابل هذا الرجل ثانية. كانت متأكدة من هذا وهي تغادر بسرعة باتجاه الباب. كان علي أن أخبر ماشيدا بكل وضوح عن قراري حينما اتصلت بي في تلك المرة، وأقول لها: "كلا. شكرا. لن أقابل هذا الشخص مجددا". ولكنه الفضول. الفضول قادني إلى هنا. أعتقد أنني أردت أن أجد  هدف هذا الرجل بحق السماء. ماذا يريد. أعتقد أنني أردت أن أعرف ذلك. ولكن كان ذلك خطأ. استعمل الفضول كطعم خدعني به بمهارة، مثل أفعال العنكبوت. مر تيار بارد بعمودها الفقري. وفكرت: يجب أن أذهب إلى مكان دافئ. كانت الرغبة قوية جدا. جزيرة في الجنوب، بشاطئ أبيض. أستلقي هناك، وأغمض عيني، وأغلق ذهني، وأترك ضوء الشمس يغمرني.

*

مرت عدة أسابيع. أرادت كاهو بالطبع أن تطرد من ذهنها أي فكرة عن ذلك الرجل، ساهارا، بقدر ما تستطيع. وأن تغسل هذا الجزء المجدب، والذي لا علاقة له بحياتها، وتودعه في مكان لا تراه مجددا على الإطلاق. ولكن وهي تعمل على طاولتها في الليل، كان وجه الرجل يستيقظ في ذهنها فجأة. مبتسما ومتأملا بدون أي سبب محدد في أصابعه الطويلة والرقيقة. بدأت تنفق المزيد من الوقت أمام المرآة، أكثر من قبل. كانت تقف أمام مرآة الحمام، وتتفحص بحرص تفاصيل وجهها، كأنها تتأكد من شخصيتها. وخطر لها أنها غير مهتمة بأي شيء من ذلك. هذا هو وجهها بالتأكيد، ولكنها لا ترى أي شيء يؤكد أن هذا هو وجهها. حتى أنها أصبحت تحسد رفيقاتها اللواتي أجرين عمليات تجميل. هن تعلمن - أو على الأقل تعتقدن أنهن تعلمن - أي جزء من وجوههن، تبدل بالجراحة، لتصبحن أجمل، وأكثر رضا عن مظهرهن. ولم تتمكن من أن لا تفكر: ربما تنتقم حياتي بذكاء مني. وحينما يحين الوقت، ربما تسترد حياتي ببساطة ما تدين لي به. رصيد وديون. كانت كاهو تفهم ذلك، ولو أنها لم تقابل الرجل، ساهارا، لما فكرت بهذه الطريقة. وقالت لنفسها:  ربما كان ينتظر بصبر، ولفترة طويلة، أن تظهر أمامه. مثل عنكبوت عملاق ينتظر فريسته في الظلام.

*

أحيانا تمر دراجة نارية في الشارع بجانب شقتها، في وقت متأخر من الليل، حينما يكون الجميع نياما. وكلما سمعت الهدير الجاف والمنخفض، دقات المحرك، يرتجف جسمها قليلا. وتضيق أنفاسها، ويسيل عرق بارد تحت إبطيها. قال لها الرجل: "أتيت معي بخوذة إضافية". تصورت نفسها تركب على مؤخرة تلك الدراجة البي إم دبليو. وتخيلت إلى أين يمكن أن تأخذها تلك المركبة القوية. أي نوع من الأمكنة ستأخذني إليها؟.

وقال لها الرجل: "بمعايير المسافة نحن، أنا وأنت، لسنا متباعدين".

*

بعد ست شهور من اللقاء الغريب ذاك، كتبت كاهو قصة أطفال جديدة. في إحدى الليالي، كانت تحلم أنها في قعر بحر عميق، وحينما استيقظت شعرت كما لو أنها أصبحت فجأة على السطح، طافية من أسفل البحر.  ذهبت مباشرة إلى طاولتها وكتبت قصة. لم تستغرق طويلا لتنتهي منها. كانت القصة عن فتاة تبحث عن وجهها. في لحظة ما، فقدت البنت وجهها. سرقه أحدهم وهي نائمة. وتوجب عليها أن تفعل شيئا لتسترده. ولم يمكنها أن تتذكر على الإطلاق كيف كان وجهها يبدو. حتى أنها لم تعرف إذا كان وجها جميلا أو دميما، مستديرا أم نحيفا. سألت والديها وأخوتها ولسبب ما لم يتذكر أحد نوع وجهها. أو بالأحرى لم يرغب أحد أن يخبرها بالحقيقة. فقررت الفتاة أن تخرج وحدها برحلة تفتيش عن الوجه. ولبعض الوقت وجدت وجها مناسبا، فثبتته حيث يجب أن يكون مكان وجهها. من دون وجه من أي شكل، سيجدها الناس الذين تقابلهم في طريقها غريبة. تجولت الفتاة في كل أنحاء المعمورة. صعدت الجبال العالية، عبرت الأنهار العميقة، مشت في الصحارى الواسعة، وتمكنت من شق طريقها عبر الأدغال المتوحشة. وكانت متأكدة أنها إذا مرت بوجهها ستعرفه حالا. قالت لنفسها: ما دام هذا هاما جدا لوجودها. وأثناء سفرها، قابلت العديد من الناس. وحصلت على مختلف أنواع التجارب العجيبة. وتقريبا دهسها قطيع من الفيلة، وهاجمها عنكبوت أسود عملاق، وركلتها جياد برية. مرت فترة طويلة، وهي تتجول في كل مكان، وفحصت وجوها لا تحصى في طريقها، ومع ذلك لم تجد وجهها. ما رأته دائما وجوه الأخرين. ولم تعرف ماذا تفعل. وقبل أن تقرر تحولت من فتاة إلى امرأة بالغة. هل يستحيل عليها رؤية وجهها ثانية؟. وسقطت في براثن اليأس. وحين كانت جالسة على قمة خليج في الشمال، وهي تبكي بيأس تام، ظهر رجل طويل وشاب بمعطف من الفرو، وجلس بقربها.  طار شعرها الطويل قليلا في ريح البحر. تأمل الشاب وجهها، وابتسم ابتسامة واسعة، وقال لها: "لم أشاهد امرأة بوجه جميل مثل وجهك". ثم أصبح الوجه الذي اختارته وجهها الحقيقي. كل أشكال التجارب وكل أنواع العواطف والأفكار، اندمجت معا لتشكل وجهها. هذا هو وجهها، وجهها وحدها. وتزوجت من الرجل الشاب، وعاشا بفرح في المنطقة الشمالية. لسبب ما - ولم تتأكد كاهو من السبب - بدا لها هذا الكتاب وكأنه أشعل شرارة شيء في قلوب الأطفال، ولا سيما الفتيات البالغات سن مراهقة مبكرة. وتابع هؤلاء القراء الصغار بشوق مغامرات وتجارب الفتاة وهي تنطلق في العالم الواسع بحثا عن وجهها. وفي النهاية حينما وجدت الفتاة وجهها، واكتشفت السلام الداخلي، تنفس القراء الصعداء. كان الأسلوب بسيطا، ورافقه صور رمزية توضيحية، رسمتها كاهو بلون الكروم.

وأتت تلك الحكاية - الكتابة والصور - لكاهو بنوع من الشفاء العاطفي أيضا. وأدركت: يمكنني أن أعيش في هذا العالم كما أنا، كما أنا فقط. لا شيء يدعو للخوف. والحلم الذي شاهدته في قعر البحر علمها ذلك. وتضاءل الاضطراب الذي شعرت به، في وسط الليل. ومع أنه لم يمكنها الإقرار بذلك فقد تلاشى تماما. وباع الكتاب على نحو ثابت، وشاع على الألسن، وحصل على قراءات جيدة في الصحيفة. فاهتمت ماشيدا به.

قالت لها: "أعتقد أن كتاب الأطفال هذا أصبح من لائحة المبيعات المفضلة لفترة طويلة. وقد تشكل عندي هذا الإحساس. أسلوبه مختلف كليا عن بقية كتبك، وهو ما أدهشني أول الأمر. ولكن أتساءل من أين أتيت بفكرته؟".

ردت كاهو بعد أن فكرت بالموضوع لدقيقة: "في مكان معتم وعميق جدا". 

***

....................

* ترجمها عن اللغة اليابانية فيليب غابرييل.

* نشرت القصة في النيويوركير. عدد 8 تموز 2024.

 

بقلم: أدا جعفري

ترجمة: نزار سرطاوي

***

لا، ليست هذه قرىً مفجوعة

فما يزال بعض الناس يعيشون هنا

إنهم أولئك الذين لا يسمحون أبدًا

لوجع الجمود أن يتسلل إلى السوق

ثمة بضعةُ أحلامٍ هنا

تتنفس

أحلامٍ غضّةٍ، لو اطّلعت عليها لملأتك رعبًا

السقوفُ والأبوابُ التي تومئُ إلى الجنة

لا وزنَ لها هنا

القُبّعات التي تشي بالثراء لا قيمة لها هنا

كم يبلغ عديدهم

أولئك النزيهون الذين لا أسماء لهم

الذين يسعون إلى حياة تأتي بلا استئذان

إنّهم أولئك الذين يسعون

إلى كتابةِ ما يعتمل في قلوبهم المُتعَبة

بأسلوبهم الخاص

يُحرّرون أشعةَ النور الوفيرة

من سجنها

***

....................

تعتبر الأديبة الباكسانية أدا جعفري أول شاعرة ذات شأن تكتب باللغة الأوردية. لذا يُطلق عليها "سيدة الشعر الأوردي الأولى".

اشتهرت آدا بالشعر المسمى "غزل"، وهو لونٌ قريب من شعر الغزل العربي. ويميل عمومًا إلى الرومانسية. وقد تميزت كتابتها بالحياد في مسألة الجندرية. لكن أعمالها تناولت مواضيع نسوية كالتمييز ضد المرأة والتعامل معها بصورة لا إنسانية، وكأنها مجرد جسدٍ للمتعة. وقد عبرت من خلال شعرها عن شخصية الأنثى بصورة لافتة تركت صدى قويًّا لدى شاعرات الباكستان.

صدرت لها ست مجموعات شعرية وكتاب عن سيرتها الذاتية، بالإضافة إلى العديد من الأبحاث.

نالت عددًا من الجوائز من اتحاد الكتّاب الباكستانيين وحكومة باكستان، وكذلك من الجمعيات الأدبية في أميركا الشمالية وأوروبا.

بقلم: زهرة نجاح

ترجمة: نزار سرطاوي

***

المحالُّ التجاريةُ هي ذاتُها، العامرةٌ بالثقافة،

الطرقات المزدانة بالتاريخ.

بأيدٍ ممدودة

ورؤوس مَحْنيّة

في الزوايا تقف الأشجارُ ذاتُها.

في دفق الأضواءِ المتلألئة

تتردَّد همهماتُ مدينةٍ

كنّا نعيش فيها ذات يوم.

كنتُ أحسُّ بالقلق والاضطراب،

وكان عقلُكَ ساكنًا، وكنتَ راضيًا،

ضائعًا برفقةِ ذاتِك.

وإذْ كنت أنا مُصفّدةً بالتزاماتٍ صامتة،

رحتُ أشقُّ طريقي عبرَ

غابةِ الوحدة.

ودون أن أتنبّه، تهاوت

المدينة فوقي،

بيتًا من ورق،

يتهاوي عند أدنىِ حركة.

لملمتُ شتاتَ نفسي،

وفررتُ من هنا.

*

بعد طولِ غياب

رجعتُ

إلى المدينة ذاتِها.

إلى الطرقاتِ ذاتِها التي كنتُ أذرَعُها

والحدائقِ ذاتِها التي كنتُ أسترخي في رحابها

عاداتُكُ غدتْ جزءًا مني.

عقلي ينعمُ بالسلام، أشعر بالرضا،

ضائعةً في صحبةِ ذاتي.

*

الرحلةُ بمعيةِ الآخرين

لها ثمنُها

بخلاف الدروبِ البسيطةِ المتشعبة.

***

.........................

* زهرة نجاح شاعرة وكاتبة سيناريو باكستانية برزت في خمسينيات القرن العشرين كواحدةٍ من الأصوات النسائية الرائدة في الأدب الأوردي الحديث في وقتٍ كان المشهد الأدبي فيه مقتصرًا على الرجال.

وُلدت زهرة في حيدر آباد بالهند عام 1936، وهاجرت إلى باكستان خلال التقسيم عام 1947. وكانت تنتمي إلى أسرة ذات اهتمامات أدبية وثقافية. فوالدها كان مُحبًّا للشعر، وشقيقتها الكبرى، ثريا باجيا، كاتبة، وأحد أشقائها، أنور مقصود، كاتبًا ساخرًا وخطيبًا مفوّهًا. وقد تزوجت من ماجد علي، الذي كان شغوفًا بالشعر الصوفي.

ألّفت زهرة العديد من المسلسلات التلفزيونية، وصدرت لها أربع مجموعات شعرية ونالت العديد من الجوائز.

تميّزت زهرة بأسلوبها السلس وبالعمق الوجداني، حيث تناولت في كتاباتها مواضيع الحب والانفصال والعائلة والتجارب النسائية.

تقيم زهرة في العاصمة الباكستانية كراتشي، حيث تعيش حياة هادئة، وتركز جهودها على الشعر والأدب. وعلى الرغم من حياتها البسيطة، إذ لا تستخدم الموبايل أو البريد الإلكتروني، توجّه لها الدعوات لحضور المناسبات الأدبية، كما تشاركفي مبادرات السلام.

بقلم: هاروكي موراكامي

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

حينما بلغت الخامسة عشرة، ماتت أختي الصغيرة. حدث ذلك فجأة. وهي في الثانية عشرة، وفي الصف الأول من المدرسة الإعدادية. فقد كانت مولودة بعجز خلقي في القلب، ولكن منذ آخر جراحة، وهي في الصفوف العليا من المدرسة الابتدائية، لم تظهر عليها الأعراض، وشعرت عائلتنا بالثقة، وتمسكنا بأمل ضعيف أن حياتها ستتواصل بدون أحداث. غير أنه في أيار من ذلك العام، أصبحت دقات قلبها غير منتظمة، وكانت حالتها تسوء بالأخص حين تستلقي، وعانت من عدم النوم في الليل عدة مرات. خضعت لفحوصات في مستشفى الجامعة، ولكن مهما كانت الفحوص مفصلة لم يلاحظ الأطباء أي تبدل في حالتها الفيزيائية. فالمشكلة الأساسية تم علاجها ظاهريا بالجراحات، ووقع الأطباء بالحيرة. قال لها طبيبها: "تجنبي التمارين المجهدة واتبعي روتينا منتظما، وستستقر أمورك سريعا". وربما هذا كل ما أمكنه أن يقول. وكتب لها وصفة من عدة أدوية. ولكن اضطراب قلبها لم يخف. جلست أمامها على طاولة الطعام وكنت أسترق النظر مرارا من صدرها وأتخيل القلب الذي في داخله. كان صدرها قد بدأ بالنمو على شكل ملحوظ. ولكن داخل هذا الصدر كان قلب أختي عليلا. وحتى المختص لم يتمكن من تحديد المشكلة. وهذه الحقيقة وحدها جعلت دماغي باضطراب دائم. أنفقت أيام مراهقتي بحالة من القلق، مع الخوف من إمكانية فقدان أختي الصغيرة في أي لحظة. طلب مني والداي أن أعتني بها، باعتبار أن جسمها ضعيف. وحينما كنا في نفس المدرسة الابتدائية، احتفظت بعيني عليها. وإن لزم الأمر كنت جاهزا للمخاطرة بحياتي لحمايتها، وحماية قلبها الصغير. ولكن لم تسنح الفرصة. كانت في أحد الأيام في طريقها من المدرسة إلى البيت حينما انهارت. فقدت الوعي وهي تصعد السلالم في محطة سيبو شينجوكو، وأسرعت بها الإسعاف إلى أقرب غرفة طوارئ. وحينما سمعت بالخبر، جريت إلى المستشفى، ولكن خلال الوقت اللازم لوصولي كان قلبها قد توقف. كل ذلك حصل بطرفة عين. في صباح ذلك اليوم تناولنا الإفطار معا، وودعت كل منا الأخرى عند الباب الأمامي، أنا توجهت إلى المدرسة الثانوية، وهي ذهبت إلى الإعدادية. ولم أشاهدها لاحقا إلا وقلبها يمتنع عن التنفس. كانت عيناها الواسعتان مغلقتين إلى الأبد، وفمهما مفتوحان قليلا، وكأنها على وشك أن تقول شيئا.

ثم رأيتها فيما بعد وهي في التابوت. مرتدية ثوبها المخملي الأسود المفضل، مع لمسة مساحيق تجميل، وكان شعرها ممشطا بأناقة، وكانت ترتدي حذاءها الجلدي الأسود، وممددة، وجهها نحو الأعلى في تابوت متواضع الحجم. وكان للثوب ياقة بيضاء مطرزة، ويبدو بياضها غير طبيعي للناظر. وهي مستلقية هناك، كانت تبدو نائمة بسلام. وعلى ما يظهر لو حركتها قليلا تستيقظ. ولكن هذا وهم. حركها كما تشاء - لن تنهض ثانية أبدا. لم أرغب أن يحشر جسم أختي الصغيرة في ذلك الصندوق الضيق والخانق. وشعرت أنه يجب تسجية جسمها ليرتاح في مجال أوسع. في وسط المرج، على سبيل المثال. وسنزورها صامتين، ونشق طريقنا عبر العشب الأخضر الغزير ونحن نمضي. وستنوح الرياح ببطء بين الأعشاب، وستصفر الحشرات وتغرد الطيور من حولها. وستملأ الهواء رائحة الزهور البرية، وتنتشر حبات الطلع. وعندما يهبط الليل، ستلوح نقاط مضيئة لا تعد ولا تحصى في السماء، وهي النجوم الفضية. لكن في الصباح ستتشكل قطرات الندى على أنصال العشب بفعل إشراق الشمس، وستلمع كالجواهر. ومع ذلك في الحقيقة تمت تعبئتها ونقلها بعيدا بتابوت سخيف. وكانت الزينة الوحيدة حول تابوتها زهورا بيضاء لا تدعو للتفاؤل، وقد قطعت وحشرت في فازات. وكان في الغرفة الضيقة إضاءة فلوريسانت محرومة من اللون. وجاء من مكبر صوت صغير مثبت بالسقف موسيقا أورغن صناعي متوتر. ولم أتمكن من الصمود حتى رؤية حرقها. وعندما تم إغلاق غطاء التابوت وقفله، غادرت الغرفة. ويئست حينما وضعت عائلتي عظامها داخل علبة باحتفال طقوسي. غادرت إلى باحة المحرقة وبكيت بصمت ولنفسي. وخلال حياتها القصيرة جدا، لم أقدم المساعدة لأختي الصغيرة على الإطلاق، وهي فكرة طالما عذبت جوارحي. بعد وفاة أختي، تبدلت عائلتنا. أصبح الوالد أكثر عزلة، وأمي أكثر عصبية وتسرعا. أما أنا فقد احتفظت بشكل أساسي بأسلوب حياتي الدائم. انتسبت إلى نادي تسلق الجبال في المدرسة، وأصبحت مشغولا، وحينما لم أكن أفعل ذلك بدأت بالرسم الزيتي. ونصحني معلم الفنون أن أجد مدربا جيدا لأدرس الرسم. وحينما حضرت أخيرا حصص الفن أصبح اهتمامي حقيقيا. توقعت أنني أحاول أن أشغل نفسي كي لا أفكر بأختي الميتة. احتفظ والداي لفترة طويلة - لست متيقنا من عدد سنواتها - بغرفتها كما كانت بالضبط. كتب دراسية وكتب إرشاد مدرسية، أقلام، ممحايات، ودبابيس ورق مكومة على الطاولة، ملاءات، أغطية، ووسائد على سريرها، بيجاماتها المغسولة والمطوية، بذة مدرستها الإعدادية معلقة في الخزانة - وكلها لم تلمسها يد. التقويم على الجدار ويحمل ملاحظات عن خططها المبرمجة بخطها الناعم. وكان التقويم متوقفا في اليوم الذي توفيت به، كما لو أن الزمن تجمد كالجليد الصلب عند تلك النقطة. وشعرت كأن الباب يمكن أن ينفتح في أية لحظة لتدخل منه. وحينما لا يكون أحد في البيت، أدخل أحيانا إلى غرفتها، وأجلس بهدوء على السرير المرتب بأناقة، وأتلفت حولي. ولكنني لم ألمس أي شيء. لم أود أن أحرك، ولو بدرجة قليلة، أيا من الأشياء الصامتة المتروكة وراءها، لأنها المؤشر على أن أختي كانت في يوم من الأيام بين الأحياء. ومرارا حاولت أن أتخيل نوع الحياة التي ستعيشها أختي لو أنها لم تمت وهي بالثانية عشرة. ولكن لا توجد طريقة لمعرفة ذلك. لم يكن يمكنني تخيل صورة حياتي، ولذلك لم تكن عندي أي فكرة عن شكل مستقبل حياتها. ولكنني أعرف لو أنها لم تكن تعاني من مشكلة مع أحد صمامات القلب لكبرت وأصبحت إنسانة بالغة جذابة وقادرة. وأنا متيقن أن العديد من الرجال سيحبونها، وسيحضنونها بين أذرعهم. ولكن لم أتخيل أي شيء من ذلك بالتفصيل. وبالنسبة لي، كانت أختي الصغيرة إلى الأبد. أصغر مني بثلاث سنوات، وتحتاج لحمايتي. ولبعض الوقت بعد موتها، رسمت صورها مرات ومرات. وأعدت إنتاج ذاكرتي عن وجهها في دفاتر الرسم ومن عدة زوايا، كي لا أنساها. ليس لأنني كنت على وشك أن أنسى وجهها. فهو موجود، ويتململ، في ذهني حتى يوم مماتي. ما كنت أبحث عنه أن لا أنسى الوجه الذي أتذكره كما كان في آخر لحظة قبل موتها. ولأفعل ذلك، كان علي أن أمنحه شكلا بواسطة الرسم. وكنت حينها بالخامسة عشرة، وكان هناك الكثير جدا مما لا أعرفه عن الذاكرة، والرسم، وتدفق الزمن. ولكن كنت متيقنا من شيء واحد أنني بحاجة لإجراء يضمن لي الاحتفاظ بسجل دقيق عنها في ذاكرتي. ولكن إذا أهملت الأمر سيختفي. مهما كانت الذاكرة حية، ومهما قويت سلطة الزمن. وأعرف ذلك بالغريزة. كنت أجلس في غرفتها على سريرها، وأرسمها. حاولت أن أرسمها على ورق أبيض مستفيدا من هيئتها كما أراها بذهني. ولكن كنت بلا خبرة، وبلا المهارات الفنية المطلوبة، ولذلك لم يكن عملا سهلا. كنت أرسم، وأمزق عملي، أرسم وأمزق بلا نهاية. وعندما أنظر الآن إلى الرسوم التي احتفظت بها (ولا زلت أحافظ على دفاتر الرسم العائدة لتلك الفترة)، يمكنني أن أرى أنها ممتلئة بإحساس أصيل بالفجيعة. ربما هي غير ناضجة فنيا، ولكنها نتيجة جهد صادق، كانت روحي تحاول إيقاظ روح أختي. وكلما نظرت إلى تلك التخطيطات كنت أبكي. رسمت رسومات لا تحصى منذئذ، ولكن أي صورة لم تدفعني للانفجار بالدموع. ترك موت أختي أثرا آخر علي: أطلق شرارة كلوستروفوبيا حادة. منذ أن رأيتها موضوعة في ذلك التابوت الصغير المزدحم، وبعد إغلاق الغطاء وإحكام رتاجه، ونقله إلى المحرقة، لم أعد قادرا على الدخول في أمكنة مغلقة وضيقة. ولفترة طويلة، لم أتمكن من استعمال المصاعد. كنت أقف أمام المصعد، وكل ما يمكنني التفكير به، أنه قد ينهار تلقائيا من جراء هزة أرضية، وأنا محجوز في داخل ذلك المكان المحدود. ويكفي التفكير بذلك لتوليد إحساس مروع بالفزع. لم تظهر هذه الأعراض فور وفاة أختي. ولكنها احتاجت لثلاث سنوات كي تطفو على السطح. بعد الشروع بدراسة الفن تعرضت لموجة رعب لأول مرة، وحينها كنت أعمل جزئيا مع شركة نقليات. كنت مساعد سائق شاحنة مغلقة، تحمل الصناديق وتذهب بها، وفي إحدى المرات حجزت نفسي بالخطأ في شاحنة فارغة. يومها انتهى وقت العمل، ونسي السائق أن يتفقد الشاحنة، وأغلق الباب الخلفي من الخارج. ومرت ساعتان ونصف الساعة قبل فتح الباب لأزحف وأخرج منه. وطيلة وقت الاحتجاز كنت في مكان مغلق وشديد الإظلام.لم تكن شاحنة مبردة أو ما شابه ذلك، ولذلك كانت مزودة بثقوب ليتسرب منها الهواء. لو فكرت بالأمر بهدوء، لعلمت أنني لن أختنق. ومع ذلك أحكم خوف فظيع قبضته علي. كان هناك الكثير من الأوكسجين، ولكن مهما تنفست بعمق لم أكن جاهزا لاستنشاقه. وأصبح تنفسي أكثر كللا وبدأت أتنفس بسرعة. ثم شعرت بالدوار. قلت لنفسي: "حسنا. اهدأ. ستتمكن من الخروج حالا. ومن المستحيل أن تختنق هنا". ولكن لم ينفع المنطق. لم يكن في ذهني غير أختي، محشورة في تابوت ضيق ومحمولة إلى المحرقة. وبسبب الخوف طرقت على جدران الشاحنة. وكانت في باحة سيارات الشركة، والموظفون أنهوا يوم عملهم، وانصرفوا إلى بيوتهم. ولم يلاحظ أحد غيابي. طرقت كالمجنون، ولا يبدو أنني بلغت سمع أحد. وأدركت، إن خانني الحظ، أنني قد أستمر محجوزا هناك حتى الصباح. وشعرت حيال هذه الفكرة كما لو أن كل عضلاتي على وشك أن تنهار وتتفكك. ثم سمع رجل الأمن الليلي في واحدة من جولاته على موقف السيارات الضجيج الذي تسببت به، وحرر قفل الباب. وحينما لاحظ مبلغ اهتياجي وتعبي، مددني على سرير في غرفة استراحة الشركة، وقدم لي فنجان شاي. لا أعرف كم استلقيت هناك. ولكن في النهاية انتظمت أنفاسي ثانية. واقترب الفجر، فشكرت الحارس واستقليت أول قطار في ذلك اليوم لأعود إلى البيت. وتسللت إلى سريري الخاص واستلقيت هناك، وأنا أرتعش كالمجنون لفترة طويلة. ومنذ تلك اللحظة، تسبب لي ركوب المصاعد بنفس الخوف. لا بد أن الحادث أيقظ المخاوف التي تتململ في داخلي. ولدي القليل من الشكوك أنها كانت من ذكريات أختي الميتة. ولم أكن أعاني من المصاعد فقط ولكن من أي مجال مغلق. ولم يعد بمقدوري مشاهدة أفلام تعرض مشاهد عن الغواصات والدبابات. وأن أتخيل نفسي أنني محجوز في مساحات محدودة مثلها - أتخيلها فقط - جعلني غير قادر على التنفس. وغالبا ما كنت أنهض وأغادر الصالة. ولذلك نادرا ما ذهبت إلى مشاهدة الأفلام برفقة أي شخص. وعندما كنت بالثالثة عشرة وأختي بالعاشرة، سافر كلانا منفردين إلى منطقة ياماناشي في عطلة الصيف. كان شقيق الوالدة يعمل في مخبر بحوث في جامعة ياماناشي، فمكثنا لديه. وتلك هي أول رحلة نقوم بها نحن الصغيران بمفردنا. كانت أختي حينها بحالة جيدة، ولذلك سمح لنا والدانا بالسفر دون مرافقة. كان خالنا عازبا (ولا يزال أعزب، حتى الآن)، وقد بلغ الثلاثين للتو، على ما أظن. وكان مجاله بحوث الجينات (ولا يزال)، وهو هادئ وحالم، ولكنه شخص منفتح، ومستقيم. ويحب القراءة ويعرف كل شيء عن الطبيعة. ويستمتع بالمشي في الجبال أكثر من سواها، وكما قال، لهذا السبب قبل بعمل جامعي في جبال ياماناشي الريفية. وقد أحببت أنا وأختي خالنا كثيرا. ركبنا متن قطار سريع في محطة شينجوكو والحقائب على ظهورنا، متجهين إلى ماتسوموتو، وهبطنا منه في كوفو. جاء خالنا ليستقبلنا في محطة كوفو. كان طويلا بشكل مدهش، ولذلك تعرفنا عليه مباشرة حتى في المحطة المزدحمة. كان يستأجر بيتا صغيرا في كوفو ويتقاسمه مع صديق من أصدقائه، وكان شريكه غائبا، ولذلك حصلنا على غرفة خاصة بنا لننام فيها. مكثنا في ذلك البيت لمدة أسبوع. وتقريبا كنا نخرج يوميا بنزهة مع خالنا لنتجول في الجبال القريبة. وخلالها علمنا أسماء كل أنواع الزهور والحشرات. وكنا نستمتع بذكريات ذلك الصيف. في أحد الأيام ابتعدنا أكثر من المعتاد وزرنا كهف الرياح القريب من جبل فيوجي. وهو أكبر كهف من بين عدد كبير من كهوف الريح المحيطة بجبل فيوجي. أخبرنا خالنا كيف تشكلت هذه الكهوف. كانت منحوتة من البازلت، وقال: لذلك لا تسمع في داخلها أي صدى إلا بصعوبة. وحتى في الصيف تبقى الحرارة منخفضة. في الماضي كان الناس يخزنون في الكهوف الجليد الذي حصلوا عليه في الشتاء. وشرح لنا الفرق بين نوعين من الكهوف: فوكيتسو وهو الأكبر واتساعه يسمح للناس بالدخول فيه، و كازا -انا، الأصغر والذي لا يمكن للناس أن يدخلوا إليه. والكلمتان هما قراءة بالتبادل لحروف صينية واحدة، تعني "ريح" و"حفرة". توقعنا أن خالنا يعرف كل شيء. في كهف الرياح الكبير، عليك أن تدفع رسم دخول وتدخل. ولم يرافقنا خالي لزيارته. فقد شاهده مرارا، عدا أنه طويل جدا وسقف الكهف منخفض جدا ويسبب له آلام الظهر. قال: "لكنه ليس خطيرا. ويمكنكما الذهاب. وسأنتظر عند الباب وأقرأ كتابا". عند المدخل قدم الحارس لكل منا مصباحا يدويا واعتمرنا بخوذتين صفراوين. كانت توجد مصابيح في سقف الكهف ومع ذلك كان داخله مظلما جدا. وكلما تعمقنا في الكهف، انخفض السقف. ولهذا السبب لا غرابة أن خالنا الطويل بقي وراءنا. أشعلت أنا وأختي الصغيرة المصباحين وأضأنا موقع أقدامنا ونحن نتابع. كنا في منتصف الصيف - الحرارة بلغت في الخارج تسعين درجة فهرنهايت. كان داخل الكهف باردا، ودون الخمسين. تبعنا نصيحة خالنا، وارتدى كلانا دراعات قوية أتينا بها معنا. قبضت أختي على يدي بإحكام، إما لأنها تطلب حمايتي أو لأمر آخر. أنها تأمل أن تحميني (أو ربما لم ترغب أن نفترق وفقط). وكانت تلك اليد الصغيرة والدافئة طيلة وقت تواجدنا في الكهف بيدي. وكان الزوار الآخرون الوحيدون زوجا بأواسط العمر. ولكنهما غادرا حالا، وبقينا نحن كلانا فحسب.

اسم أختي الصغيرة كوميشي، ولكن كل أفراد العائلة يدعونها كومي. أما صديقاتها فينادونها ميشي أو ميشان. وحسب علمي لا يناديها أحد باسمها الكامل، كوميشي. وهي بنت صغيرة ونحيفة. لها شعر أسود بدون تجاعيد، ومقصوص بأناقة حتى كتفيها. وعيناها واسعتان بالنسبة لمساحة وجهها (بمقلتين كبيرتين)، وهو ما جعلها تشبه كائنا خرافيا. وفي ذلك اليوم كانت ترتدي قميصا أبيض بدون ياقة، وجينزا باهت اللون، وخفين زهريين. بعد أن تابعنا طريقنا إلى عمق الكهف، اكتشفت أختي كهفا صغيرا جانبيا متفرعا قليلا عن الممر المقرر. كانت فتحته مختفية في ظل الصخور. اهتمت أختي كثيرا بذلك الكهف الصغير. سألتني: "ألا تعتقد أنه يشبه وجار أرنب أليس؟". كانت أختي من أشد المعجبات بكتاب "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول. لا أعلم كم مرة أجبرتني على تلاوة ذلك الكتاب لها. على الأقل مائة مرة. كانت قادرة على القراءة منذ صغرها، ولكنها أرادت أن أقرأه لها بصوت مسموع. وهي تحفظ القصة عن ظهر قلب، ومع ذلك كلما قرأتها لها تشعر بالتشويق. والفقرة المفضلة لديها هي القريدس الراقص. وحتى الآن أتذكر تلك الفقرة، كلمة بكلمة.

قلت لها: "مع ذلك لا توجد أرانب".

قالت: "غير أنني سأمد رأسي فيه قليلا".

قلت: "خذي حذرك".

كانت فتحة ضيقة حقا (أقرب لكازانا بتعبير خالي)، ولكن تمكنت أختي من التسلل عبرها بدون مشاكل. وأصبح معظمها في الداخل، وبقي الجزء السفلي من ساقيها في الخارج. ولاحظت أنها أشعلت مصباحها في داخل الوجار. ثم ببطء انسحبت إلى الخارج، وأخبرتني: "إنه عميق فعلا من الخلف. والأرض تنحدر بشدة. مثل وجار أرنب أليس. أنا مزمعة على تفقد نهاياته الأخيرة".

قلت: "كلا. لا تفعلي ذلك. هذا خطير جدا".

"حسنا. أنا صغيرة ويمكنني الخروج بسلام ".

تخلصت من دراعتها، واحتفظت بارتداء قميصها الخفيف، ومدت يدها لي بالجاكيت مع الخوذة. وقبل أن أحتج بكلمة واحدة، ضغطت نفسها في الكهف، والمصباح في يدها. وخلال لحظة اختفت.

مر وقت طويل، ولم تخرج. ولم يمكنني سماع أي صوت. ناديت في الحفرة: "كومي. كومي! هل أنت على ما يرام؟".

لم ترد بأي جواب. امتص الظلام صوتي بدون صدى. وبدأت بالقلق. لربما علقت في الحفرة، ولم يمكنها التحرك إلى الأمام أو الخلف. وربما تعرضت لنوبة هناك وفقدت وعيها. ولو حصل ذلك لن يكون بمقدوري مساعدتها. كل أشكال السيناريوهات المفزعة تسابقت في رأسي، وشعرت بالاختناق من العتمة المحيطة بي. إذا اختفت أختي حقا في الحفرة، ولم ترجع إلى هذا العالم، كيف سأشرح ذلك لوالدي؟. هل أجري وأخبر خالي، الذي ينتظر خارج المدخل؟. أم أجلس بمكاني بانتظار ظهورها؟. قبعت وأنا أحملق بالحفرة. ولكن حزمة نور مصباحي لم تذهب بعيدا. كانت حفرة ضيقة، مغمورة بالظلام. ناديت ثانية: "كومي". ما من إجابة. ناديت بصوت أعلى: "كومي". أيضا بدون جواب. ارتعشت حتى العظام من موجة هواء بارد. ربما فقدت أختي إلى الأبد. ربما ابتلعها وجار أليس، وأصبحت في عالم السلحفاة الساخرة، أو القطة المتبسمة، أوملكة القلوب. مكان لا ينطبق عليه المنطق. وفكرت: لم يكن علينا أن نأتي إلى هنا. في النهاية عادت أختي. لم تخرج كالسابق بنصفها السفلي وزحفت بدءا من رأسها. برز شعرها الأسود من الحفرة أولا، ثم كتفاها وذراعاها، وأخيرا خفاها الزهريان. وقفت أمامي، بدون أي كلمة، وتمطت، وأخذت نفسا عميقا وبطيئا، ونفضت التراب عن جينزها. مددت يدي ورتبت لها شعرها المبعثر. على ما يبدو هناك تراب وغبار وشوائب أخرى لم أشاهدها تماما في الضوء الضعيف داخل الكهف، والآن هي ملتصقة بقميصها الأبيض الخفيف. وضعت عليها الدراعة، وقدمت لها الخوذة الصفراء. وقلت وأنا أجرها وأحضنها: "لم أتوقع أن تعودي".

"هل قلقت؟".

"كثيرا".

قبضت على يدي بإحكام. وقالت بصوت منفعل: "تمكنت من ضغط نفسي في الجزء الضيق، وتوغلت فيه، وفجأة أصبح منخفضا، ومنذ تلك النقطة أصبح على شاكلة غرفة صغيرة. غرفة مستديرة، كالكرة. السقف دائري، والجدران دائرية، والأرض أيضا. وهناك صمت شديد، شديد، ولو فتشت كل العالم لن تجد أي مكان صامت مثله. كأنني في قاع المحيط، في حفرة عميقة. أطفأت المصباح، فساد الظلام، ولكن لم أشعر بالرعب أو الوحدة. تلك الغرفة كانت مكانا خاصا لا يسمح فيه إلا لي فقط. غرفة لي وحسب. ولا أحد يستطيع أن يصلها. ولا حتى أنت تستطيع الدخول كذلك". "لأنني ضخم الحجم".

مدت أختي الصغيرة رأسها قائلة: "حسنا. أنت أكبر من أن تدخل. وما يدهشني بذلك المكان حقا أنه مظلم أكثر من أي شيء آخر. مظلم جدا حتى أنك حينما تغلق المصباح تشعر كأنك موشك على القبض على العتمة بيديك. كأن جسمك يتمزق ويتلاشى بالتدريج. ولكن لأنه مظلم لا يسعك أن ترى ما يحصل. ولا تعلم إذا كنت لا تزال تحتفظ بجسمك أم لا. ولنقل حتى إذا اختفى كامل جسمي، سأبقى هناك. مثل قهقهة القطة الضاحكة التي تستمر ولو اختفت القطة. عجيب جدا. أليس كذلك؟. ولكن حينما كنت هناك لم أتوقع أن ذلك عجيب على الإطلاق. أريد أن أنتظر هناك إلى الأبد. ولكن توقعت أنك ستقلق. لذلك خرجت".

قلت لها: "دعينا نخرج من هنا". كانت منفعلة جدا ويبدو كأنها ستتابع الكلام دون توقف، وكان علي أن أضع نهاية لذلك. فقلت لها: "لا يمكنني أن أتنفس هنا كما يجب".

سألتني بتلهف: "هل أنت على ما يرام؟".

"أنا على ما يرام. أريد أن أخرج فقط".

تماسكنا بالأيدي وتوجهنا إلى المخرج.

قالت أختي بصوت ضعيف لا يسمعه أحد ونحن نمشي: "هل تعلم أن أليس موجودة فعلا. هي ليست محض اختلاق. ولكنها حقيقية. والقط البري مارش، وهاتير المجنون، والقط الضاحك، وجنود بطاقات اللعب - كلهم حقيقيون".

قلت: "ربما".

خرجنا من كهف الريح، عائدين إلى العالم المشرق الحقيقي. كانت هناك طبقة رقيقة من الغيوم في السماء في تلك الأمسية، ولكنني تذكرت كم كانت الشمس تبدو ساطعة جدا. كان صفير الجداجد يعلو، مثل زعيق مرتفع يغرق فيه كل شيء آخر. وكان خالي جالسا على مقعد قرب المدخل، مندمجا مع كتابه. وحينما شاهدنا، ابتسم ووقف.

بعد عامين ماتت أختي. وسجيت في تابوت ضيق وأحرقت. كنت بالخامسة عشرة، وهي بالثانية عشرة. وحينما كانت تحترق نأيت بنفسي عن بقية العائلة، وجلست على مقعد في باحة الفرن، وتذكرت ما حصل في كهف الريح ذاك: ثقل الوقت وأنا أنتظر خروج أختي الصغيرة، كثافة العتمة التي تغلفني، البرد القارس الذي شعرت به. وشعرها الأسود البارز من الحفرة، ثم كتفاها. وكل التراب والغبار العشوائي الملتصق بقميصها الأبيض الخفيف. في ذلك الوقت، واتتني فكرة: ربما قبل أن يعلن الطبيب في المستشفى موتها رسميا بعد الحادثة بسنتين، ضاعت منها حياتها وهي في أعماق الكهف. وفي النهاية اقتنعت بالفكرة. أنها ضاعت تماما في ذلك الكهف، وغادرت هذا العالم، ولكنني وعلى سببل الخطأ فكرت أنها لا تزال حية، وأنا أرافقها على متن القطار عائدين إلى طوكيو، ممسكا يدها بقوة. فقد عشنا كأخ وأخت لسنتين إضافيتين. ولكنها لم تكن سوى فترة مباركة عائمة. بعد سنتين، زحف الموت من ذلك الكهف ليقبض على روح أختي. وكأنما حان وقتها، وأصبح من الضروري أن ندفع لقاء ما وهب لنا، وجاء المالك الحقيقي ليسترد ما كان له. بعد سنين، حينما كبرت وأصبحت بالغا، أدركت أن ما قالته لي أختي بصوت هادئ في كهف الريح ذاك كان حقيقيا. أليس موجودة فعليا في العالم الحقيقي.

القط مارش، وهاتير المجنون، والقطة الضاحكة - كلها مخلوقات لها وجود حقيقي.

***

........................

* ترجمها عن اليابانية فيليب غابرييل Philip Gabriel

* هاروكي موراكامي Haruki Murakami روائي ياباني.

 

الشاعرة الباكستانية عِشرت عَفرين

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أجساد ذهبية،

الصبايا اللواتي يكدحن في الحقول

تحولن إلى اللون الرمادي في لهيب الصيف

*

في الليل يغمرهنَّ الندى والصقيع

وفي وقت الظهيرة تلفحهنّ الشمس المشتعلة

*

هؤلاء الصبايا مختلفات

إنّهُنّ أجمل

من الصبايا الجالسات فوق المقعد الرخامي

تُكلَل رؤوسَهنَّ براعم الياسمين

ويمضغن الورود

والهستيريا حين يلمحن الألوان اللاهبة

*

الصبايا اللواتي يحصدن الشمس في الحقل

يقفن على عتبةِ حياةٍ جديدة

– تمامًا كما أولئك الأخريات –

لكن عيونهنَّ لم تبحث يومًا عن المرايا:

هؤلاء الصبايا لا يعرفن دفءَ الورود

أو لمسةَ العطر الحارقة

ملابسُهنّ تفوح منها رائحة الخردل الأخضر

وفي عيونِهنّ لمعةُ لوزات القطن.

***

.......................

تعتبر الشاعرة الباكستانية عِشرت عِفرين الناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة، واحدة من أهم الأصوات الشعرية في اللغة الأوردية. ولعلّها تتماهى شعريًا مع الشاعرين الباكستانيين، محمد إقبال وفايز أحمد فايز. فهي تستخدم أسلوبهما التقليدي الرصين، وتعكسه في دعوتها إلى الفردية التقدمية والتمرد على التقاليد الاجتماعية الأبوية.

ولدت عِشرت في عام 1951، ونشرت أول أشعارها وعمرها 14 عامًا. وداومت بعد ذلك على الكتابة والنشر في الصحف الباكستانية والهندية. ثم عملت محررة مساعدة في مجلة أواز التي أسستها الشاعرة فهميدة رياض وفي مؤسسات إعلامية أخرى.

تزوجت عِشرت عام 1985 من محامٍ هندي، وهاجرًا إلى الولايات المتحدة عام 1990، ويقيمان حاليًا في مدينة تكساس بولاية هيوستن. وتعمل حاليًا محاضرة في برناج خاص باللغة الأوردية في جامعة تكساس في أوستن.

أصدرت عِشرت ديوانين شعريين، كما نشرت أشعارها في العديد من الأنثولوجيات الشعرية وترجمت إلى عدة لغات. وقد فازت بالعديد من الجوائز.

الشاعرة الهندية أمريتا بريتام

ترجمة نزار سرطاوي

***

ثمة الكثير من المعاصرين –

لكن "ذاتي" ليست معاصرةً لي.

*

ولادتي بدون "ذاتي"

كانت قُربانًا مُشَوّهًا في طبق الصدقات

لحظةً من لحمٍ بشري مسجونٍ في لحم بشري.

*

وحين تَرِدُ على رأس هذا اللسان اللحميّ

كلمةٌ، تقتل نفسَه.

وإن نجا من قتل نفسه،

يهبط الكلمة إلى الورق، حيث تُرتَكبُ جريمةُ قتل.

*

رصاصة –

إذا أصابتني في هانوي

تصيبني ثانيةً في براغ.

*

يطفو القليل من الدخان،

وتموت "ذاتي" مثل طفلٍ في الشهر الثامن.

فهل ستكون "ذاتي" ذاتَ يومٍ معاصرةً لي؟

***

......................

تعتبر الشاعرة والروائية أمريتا بريتام أول أديبة بنجابية بارزة، وأهم شاعرة في اللغة البنجابية في القرن العشرين ومن أشهر رموز الأدب النسوي في الهند. كتبت باللغتين البنجابية والهندية، وحظيت بحب واحترام الجانبين الباكستاني والهندي في إقليم البنجاب. نالت العديد من الجوائز تقديرًا لإبداعها الشعري والأدبي. وقد صدر لها ما يزيد عن 100 كتاب تنوعت بين الشعر والقصة والسيرة والمقالة.

ولدت أمريتا في 31 آب / أغسطس، عام 1919 . بدأت تكتب الشعر في سن مبكرة، وصدر ديوانها الأول "أمواج خالدة" عام 1936، وكان عمرها آنذاك 16 عامًا. وفي ذلك العام تزوجت من محرر صحفي يدعى بريتام سنغ، وكانت مخطوبة له منذ طفولتها. ومنذ ذلك الحين أصبح اسمها أمريتا بريتام.

نزعت أمريتا في قصائدها الأولى إلى الرومانسية، لكنها في ما بعد انجذبت إلى حركة "الكُتّاب التقدميين" التي نشأت قبل انفصال باكستان عن الهند عام 1947. وقد عاشت أمريتا تجربة الانفصال المريرة تلك وشهدت المذابح التي راح ضحيتها أكثر من مليون إنسان من المسلمين والسيخ والهندوس. وظلت التجربة تؤرقها في السنوات اللاحقة بعد أن رحلت إلى مدينة نيودلهي الهندية.

في عام 1960 انفصلت أمريتا عن زوجها بعد تجربة زوجية فاشلة امتدت قرابة ربع قرن، وذلك بعد أن وقعت في حب الشاعر ساهر لودهيانفي (1921 – 1980). لكن حين دخلت حياتَه امرأةٌ أخرى وجدت أمريتا عزاءها في علاقة جديدة مع الفنان والكاتب الشهير إمروز، الذي قضت معه السنوات الأربعين الأخيرة من حياتها.

توفيت أمريتا في 31 تشرين الأول / أكتوبر، عام 2005 بعد صراع طويل من المرض.    

بقلم: أولغا براغينا

ترجمة: د. صالح الرزوق

***

في الحديقة النباتية يوم السبت رأيت شابا

ظريفا وفكرت أنه بمقدوري أن أمشي بقربه

ولكن الآن لا يمكنني ذلك طبعا.

لأنه في داخلي مادة مضادة تقلب

كل شيء. وتجعل الداخل إلى الخارج

لم أكن أعرف عن ماذا أتحدث

ولا أعرف بأي وجه من الوجوه ماذا أصنع

في هذه الحديقة

حسنا الجو هنا ساحر جدا الهواء منعش والماغنوليا

تزهر يجب أن أمشي يجب

أن ألتقط الصور

ويجب أن أكرر أننا أحياء رغم

كل شيء ويمكننا أن نحب

ولكن نظريا لأن هذه المادة بلا

مضاد -

حسنا أنا معتادة على الركوب حتى وسط البلدة

دون سماع أجراس غارات الهواء

وأنا معتادة على سماع قصص يرويها

لاجئون من خيرسون عند موقف الحافلات

وأنا معتادة أن أعتقد: هذه مدينتي هل يمكن أن هذه

مدينتي وهي حقيقية

وأنها ليست مشيدة كرمى للحرب.

***

.....................

* ترجمتها عن الروسية أولغا زلبيربورغ - عن أنومالوس بريس

* أولغا براغينا Olga Bragina  كاتبة أوكرانية. من مواليد كييف 1982. من أعمالها مجموعة استمارات 2011، إسقاط الاسم 2012، أضواء خلفية 2018.

الشاعرة الباكستانية فهميدة رياض

ترجمة: نزار سرطاوي

***

عبقُ ياسمينتي اللطيف

يطفو فوق النسيم

يداعب يد الريح

إذ يمضي باحثًا عنك.

*

عبقُ ياسمينتي اللطيف

التفّ حول رسغيَّ،

ذراعيّ، عُنقي.

نسج سلاسل من القيود حولي.

*

هو ذا يتوارى في الليل الضبابيّ.

يسري في البرد المظلم.

يهسهس عبر الغابةِ الكثيفة،

إذ يمضي باحثًا عنك.

***

......................

فهميدة رياض شاعرة وكاتبة أردية باكستانية عُرفت باتجاهها النسوي وبمعارضتها للسلطة.

ولدت فهميدة في 1945 في ميروت، بولاية أوتار براديش في الهند، وذلك قبل التقسيم. بعد انتقال والدها إلى السند – استقرت عائلتها في حيدر آباد الباكستانية. توفي والدها عندما كانت في الرابعة من عمرها، فتولت والدتها تربيتها. وبعد إتمام تعليمها، عملت مذيعةً في إذاعة باكستان. وبعد التخرج سافرت إلى بريطانيا. وهناك عملت مذيعةً لدى قسم اللغة الأردنية في البي بي سي.

بدأت الكتابة في سن مبكرة، وأدارت مطبوعة أردية خاصة بها بعنوان "آواز". لكن "آواز" أوقِفت لاحقًا بسبب كتاباتها الثورية التي تحمل وجهة نظر ليبرالية تجاه السلطات الحاكمة آنذاك. ولذا اضطرت إلى الفرار إلى الهند، حيث قضت ما يقرب من سبع سنوات في المنفى. 

شغلت فهميدا منصب المدير العام للمؤسسة الوطنية للكتاب، وعضوًا في مجلس قاموس اللغة الأردية. وقد ألّفت العديد من الكتب وأصدرت عددًا من المجموعات الشعرية. كذلك تَرجَمت المثنوي لمولانا جلال الدين الرومي من الفارسية إلى الأردية.

توفيت فهميدا في أواخر عام 2018.

الشاعرة الباكستانية بروين شاكر

ترجمة نزار سرطاوي

***

منتصف ليلِ سنواتي العابرة...

هل طرقَ أحدهم مصراعيِ الباب الأبكمين

أم أصابني الذعرُ في حلم؟

*

ما بيت الحب هذا؟

صخورٌ مرعبةٌ تتناثر من تحته،

نوافذ ما تفتأ ترتجف.

لعل الرهبة تكمن في أعماقي

أكثر من أي مكان هناك.

فَزَعي من وسامته،

ذهولي أمام عقله،

خوفي من رقصة الهُجران الجامح

أمام عينيه اللتين تلاحقانني...

مجرد تظاهر

*

لا أتمنى أن أقول: "ها هو ذا".

لِم أضيّع ما جنيت

في سنين:

الحياة الحرّة وعقلي المتحرر؟

أعلم أنني إذا وقعت في يديه

سيُحوّلني في لمح البصر إلى ذبابة.

حبيسة بين جدران رغباته،

وسأنسى أنني قد عرفت من قبلُ

مباهج النور والنسيم والعِطر.

*

نعم، أنا سعيدة أن أظلّ فراشة:

حتى وإن كانت ضرورات الحياة تتآمر عليّ

فإنّ أجنحتي على الأقل لم تزل سليمةً لم يمسسها أذى.

***

....................

تحتل الشاعرة الباكستانية بروين شاكر مكانة بارزة في الشعر الباكستاني الحديث، ويعتبرها الكثير من النقاد أهم شاعرات اللغة الأوردية على مر العصور. كما تعتبر واحدة من أبرز رائدات الحركة النسائية الباكستانية والمدافعات عن حقوق المرأة.  

ولدت بروين في 24 تشرين الثاني / نوفمبر 1952. بدأت الكتابة في سن مبكرة، فكتبت الشعر والنثر، وكانت لها مساهمات في أعمدة بعض الصحف تحت اسم مستعار هو "بينا."

بدأت بروين تكتب الشعر والنثر في سن مبكرة. وكانت لها مساهمات في أعمدة بعض الصحف تحت اسم مستعار هو "بينا." صدرت مجموعتها الشعرية الأولى "العبق" عام 1976، ونالت إعجاب القراء. بعد ذلك صدرت لها أربع مجموعات: "آذريون المستنقعات" (1980)، "مناجاة" (1990)، "إنكار" (1990)، "حافة المرآة." كما صدر لها كتاب يضم مقالاتها الصحفية بعنوان "زاوية الرؤية." كذلك صدرت أعمالها الشعرية في مجلد بعنوان "البدر" (1994). وقد حظيت أعمالها بتقدير كبير. إذ فازت مجموعتها الشعرية الأولى بجائزة آدمجي. ولاحقًا مُنحتْ جائزة "مفخرة الاداء،" التي تعتبر واحدة من أرفع الجوائز في باكستان.

تزوجت بروين من طبيب باكستاني يدعى نصير علي، ورزقا بطفل واحد. لكن زواجهما لم يدم طويلًا وانتهى بالطلاق.

في 25 كانون الأول / ديسمبر 1994، اصطدمت سيارة بروين في طريقها إلى العمل بحافلة ركاب، وأدى ذلك الحادث المروع إلى وفاتها.

الشاعرة الإيرانية فروغ فرخُزاد

ترجمة: نزار سرطاوي

***

أحسُّ بالحزن،

أحسُّ بالأسى.

*

أمضي إلى الخارجِ وأروحُ أفركُ أصابعي الباردة

على محارةِ الليلِ الصامتِ الملساء.

أرى أضواءَ التواصلِ كُلَّها مُعتِمة،

والمساراتِ التي تربطنا معًا كلَّها مسدودة.

*

لن يُعَرفّني أحدٌ إلى الشمس،

لن يأخذني أحدٌ للقاء الحمائم.

*

خلّوا رحلةَ الطيران في بالكم،

فقد يموتُ العصفور.

***

...................

تعتبر الشاعرة فروغ فرخُزاد (1935 – 1967) من أشهر شاعرات وشعراء إيران وأعظمهم تأثيرًا في القرن العشرين. فقد أسهمت إسهامًا كبيرًا في تطوير الثقافة الشعبية الإيرانية، ولعبت دورًا بارزًا في نقل الشعر الإيراني إلى الحداثة. تميزت بشجاعتها النادرة في تجاوز المحرمات الثقافية، وهذا ما منح شعرها فرادةً وتميّزًا.  كذلك عملت في الإخراج السينمائي، فكانت رائدة في الموجة الجديدة للسينما الإيرانية.

صدرت لها أربعة دواوين: الأسير  (1952)، جدار (1956)، عصيان (1958)، ولادة أخرى (1964). كما أخرجت فيلمًا وثائقيًا قصيرًا بعنوان "البيت أسود" (1962). وبعد وفاتها. ثم أصدرت بعده ديوانها الرابع ولادة أخرى (1964). وبعد وفاتها ديوانها الخامس:  لنؤمنْ ببداية الفصل البارد.

توفيت فرخُزاد في 14 كانون ثاني / يناير عام 1967 في حادث سيرٍ مريع. فقد انحرفت بسيارتها لتتجنب مركبة قادمة باتجاهها، فارتطمت بجدار. وقضت متأثرة بجراح بليغة في الرأس، ودفنت في مقبرة ظاهر الدولة في طهران. 

Samai Atoot : Two Poems

Samai Atoot

Translated by Nizar Sartawi

***

1-  A Space of Weariness

A space of weariness…

Roots driving

their feet,

their soles,

their strings

into the flesh.

Here I am

a rope of thorns

On this earth I had

a house that vanished

when I cast it

in firewood.

**

A Soothsayer

A soothsayer –

and yet she knows us not!

She only reads us in coffee cups,

but when she lays eyes on us,

she doesn’t know who we are…!

She sets for us

a place

bereft of memory,

then leaves us dead

with no address!

......................

قصيدتان

سامية العطعوط*

***

1. فَضاءٌ مِنْ تَعَب

فضاءٌ مِنْ تَعَب

جذورٌ تضربُ

أقدامَها

نعالَها

أوتارَها

في الجَسَدْ

هذا أنا

حبلٌ مِنْ مَسَد

ولي في الأرضِ

بيتٌ تلاشى

حينَ أودعتُهُ

الحَطَب

**

2. عَرّافّة

عَرّافةٌ

وَتَجْهَلُنا!

تَقرأُنا في الفنجانِ

وإذْ تَرانا

لا تَعرفُِنا.. !

تُعّدُ لَنا

مَكاناً

بِلا ذاكِرَة

وتَتْرُكُنا قَتْلى

بِلا عنوان...!

***

...................

* أديبة أردنية

 

بقلم: شارل بودلير

ترجمة: سوران محمد

***

قريباً سنغمز أنفسنا في ظلال باردة،

وستزول كل ظهيرة صيفية خلابة.

أسمع مسبقا دويّ جذوع الأشجار الميتة في الأسفل

تتساقط على حصاة الرصف والعشب.

*

سيرجع إليّ الشتاء كله:

سخرية، كراهية، ارتجاف، رعب، مشقة وسيئة،

ومنفيّ، كالشمس، إلى سجن قطبي،

ستتحجر روحي فى كتلة من الجليد الأحمر.

*

أرتجف وأنا أستمع إلى جذوع شجرة تتحطم وتصطدم:

الأصداء خافتة كطبول الجلادين.

عقلي كحصن يستسلم ببطء

لعواصف تصدم وتضرب بلاهوادة.

*

يبدو لي، وأنا أتأرجح أمام هذه الصدمات، أن أحدهم

يثبت مسامير نعش على عجل في مكان ما.

لمن؟ -- كان الصيف بالأمس؛ والآن هو الخريف

لا تزال أصداء الرحيل تتردد في الهواء.

***

............................

نبذة عن حياة الشاعر و نتاجاته:

شارل بودلير شاعر وناقد فرنسي. ١٨٢١-١٨٦٧  بدأ كتابة قصائده النثرية عام 1857 عقب نشر ديوانه أزهار الشر، الذي أثار جدلاً واسعاً عند نشره بسبب جرأة موضوعاته وتناوله للجانب المظلم من الحياة الحديثة، مدفوعا بالرغبة في شكل شعري يمكنه استيعاب العديد من تناقضات الحياة اليومية في المدن الكبري حتي يقتنص في شباكه الوجه النسبي الهارب للجمال، وجد بودلير ضالته فيما كتبه الوزيوس بيرتيران من پالادات نثرية مستوحاة من ترجمات البالادات الاسكتلندية والألمانية الي الفرنسية. والبالاد هو النص الذي يشبه الموال القصصي في العربية وهو الشكل الذي استوحاه وردزورث وكوليريدج في ثورتهما علي جمود الكلاسيكية.

وفي عام 1861 بدأ بودلير في محاولة لتدقيق اقتراحه الجمالي وتنفيذه، فكتب هذه القصائد التي تمثل المدينة أهم ملامحها، وتعتبر معينا لا ينضب من النماذج والأحلام.

يعتبر بودلير من أبرز شعراء القرن التاسع عشر ومن رموز الحداثة في العالم. ولقد كان شعر بودلير متقدما على شعر زمنه، فلم يفهم جيدا ولم يعطى حقه الا بعد وفاته سنة ١٨٧٦عن عمر ناهز ٤٦ عاما.

وكان الشاعر شارل بودلير يري ان الحياة الباريسية غنية بالموضوعات الشعرية الرائعة، وهي القصائد التي أضيفت إلي أزهار الشر في طبعته الثانية عام 1861 تحت عنوان لوحات باريسية.

لم ينشر ديوان سأم باريس في حياة بودلير، وهو الديوان الذي لم يتحمس له غوستاف لانسون وسانت ـ بيف، هذا الديوان الذي اثر تأثيرا عارما في الأجيال اللاحقة.

Poemhunter  /   المصدر

Samai Atoot

Translated by Nizar Sartawi

***

Starfish

The starfish I caught

did not light up

our darkness

but did light up my path

to you…

***

Fog Street

Like distant lamps

in the Fog Street,

we’re mere strangers

dispersed by life...

***

Mirrors

In my dream I see her as my cave

She sees me as her mirror!

Walls rise between us

and the dream loses

its mirrors!

***

A Bow

Truth has a glowing sun

and I have a sky

that has no light,

nor a bow to bend

over my corpse

and scatter colors upon it

or teach me

how to bow

***

......................

سامية العطعوط

أربع قصائد

***

نَجمةُ البَحْر

لم تضئ نجمةُ البحرِ التي اصطدتُها،

عتمتَنا

لكنّها أنارَتْ دربي إليك..

***

شارعُ الضَباب

كَضوءِ المَصابيحِ البَعيدةِ

في شارعِ الضبابِ

أغرابٌ نحنُ

تُشتّتنا الحَياة...

***

مرايا

أراها في الحلمِ لي كهفاً

تراني لها مرآة..!

تقفزُ جُدرانٌ ما بَيننا

يفقدُ الحُلُمُ

مَراياه!!!

***

انحناءَة

للحقيقةِ شمسٌ تَتَوهّج

ولي سماءٌ

بِلا ضِياء

بلا قوسٍ يَنْحني

فوقَ جثّتي

ينثرُ الألْوانَ ...

أو يُعلّمُني

كيفَ يكونُ

الانحِناء

***

شاعرة وقاصة أردنية

بقلم: جينا بيريولت

ترجمة: د. محمد غنيم

***

أخذتني أمي معها إلى تلك الحفلة لأن عيد ميلادي الثالث عشر كان بعدها بيومٍ واحد فقط، وقالت إننا نستطيع تخيلها كحفلة لي، حفلة عيد ميلاد لا يعرفها إلا نحن الاثنتان. ابتعدتُ عن أمي والأصدقاء الذين يحتضنونها، وخرجتُ وحدي إلى الغرف التي كان فيها الغرباء. كلما رفعتُ بصري، التقيتُ بنظرة، ولم يكلمني أحد مازحًا كما يفعلون مع طفل، وعندما اقترب الرجال مني، عاملوني بنوع من المعرفة، كما لو كنتُ غارقة في التجارب التي تخيلتها فحسب.

أستطيع أن أتخيل نفسي في ذاكرتي كما لو كنت أراقب فتاة أخرى من زاوية غرفة: كيف بدت في ثوب أخضر باهت يلتصق بالثديين الصغيرين والوركين المستديرين، لم يعد قماشًا مجعدًا أو مطويًا، ولا قماشًا مستقلاً بذاته، بل كان من النوع الذي يطاوع الجسد الفتي الذي كان قد بدأ للتو يعلن عن نفسه، أو رغبته، أو إرادته. وأستطيع أن أرى كيف التفت لتُغوي بنظرتها الجانبية، شعرها الأشقر قصيرًا حتى كتفيها، بلا ضفائر، ولا مشابك شعر، ويمكنني أن أسمع جزءًا من صوتها، صوتًا يتغير كصوت صبي، لكن صوتها يتغير بدافع الترقب، ليس مرتفعًا ومترددًا كصوت الطفل.

بقيتُ أنا وأمي منفصلتين. أتذكر أنني رأيتها وسط مجموعة الضيوف في غرفة أخرى بعيدة، وأتذكر أنني رغبت في أن أكون معها، لأنها، كما في طفولتي، كانت تحميني من الأشخاص الذين يربكونني، وأتذكر أيضًا أنني كنت سعيدة بتلك المسافة بيننا. وبينما تُصدر أساورها رنينًا على معصميها، كانت تُلقي التحية على المضيفة وعلى النساء وتثني على ذكاء الرجال وحكمتهم، فتُسحر الجميع.

وصل والدي متأخرًا إلى الحفلة. كنا نتشابك الأيدي ونتجول في المكان، نتناول المقبلات ونشرب ما يُقدم لنا في أكواب كثيرة ترن، وعندما شبعنا، ليس فقط من الطعام والشراب، بل من الأصوات الصاخبة ونوبات الضحك، وجدنا غرفةً خاليةً من أي أحد. جلسنا على أريكة عتيقة، ظننتُ أنها ثمينة جدًا لدرجة لا ينبغي الجلوس عليها، أريكة مخملية زرقاء داكنة، منحنية كالهلال، لكننا جلسنا هناك، ربتنا على بطوننا، وتنهدت تنهيدات طويلة من فرط المتعة. دخلت الشابة بخجل، كما لو كانت تطلب معروفًا من أشخاص لم يروها من قبل. بدت غير مستقرة على قدميها، وخمنت أن ذلك بسبب المشروبات التي تناولتها. جلست على الطرف الآخر من الأريكة، وعلى الجانب الآخر من والدي، ثم عرفت أنها لحقت بنا.

قال لها: "هذه ماري، ابنتي"

لكن كلامه كان بمثابة تحذير لا تعريف، ولم يذكر لي اسمها.

سألها: "كيف حالكِ؟"

فقالت: "أنت تعرف كيف حالي."

عند ذلك التفت والدي إليّ قائلاً، وكان في كلامه نبرة الأمر لا الرجاء: "ماري، هل ستذهبين؟ أين أمك؟"

لكنه لم يكن شخصيةً قويةً لتأمر. كان في حلقه خشونةٌ كسعالٍ مُكبوت، وعيناه مُرتعشتان. إن فقد سلطة الأب في تلك اللحظة، فقد اكتسب سلطةً أخرى، وهي سلطة الرجل الذي اكتسب خبرةً تفوق معرفة عائلته. ما كان يعرفه عن حياته ولم تكن عائلته تعرفه بدا لي وكأنه يمنحني تجاربي الخاصة التي لا تُحكى. كان الأمر كما لو أنه منحني حريةً مطلقةً في التعامل مع العالم.

لم أستطع النهوض وتركهما. ظننتُ أنني قد أفعل، لكنني لم أستطع.

لم تنتظرني حتى أرحل. قالت له بصوت خافت، ونظرتها الجانبية على يدها وهي تمسح مخمل الأريكة:

"أريد أن أسألك إن كنتَ قد أتيتَ لرؤيتي يومًا.ابتعدتُ حتى ترى عندما تأتي أنني لم أكن أنتظرك، لكن بعد أن انتقلتُ تمنيت لو بقيتُ في نفس المكان وواصلتُ الانتظار."

لم تعد تلك الشابة الخائفة التي تخشى والدي. بل كانت امرأة فاتنة، بفخذين كبيرين تحت فستانها الحريري الوردي. وعندما أدرك والدي أنني رأيتها كما رآها في الماضي، ولا بد أنه لا يزال يراها في الحاضر، نهض وابتعد عنا.

جلستُ معها لبضع دقائق، دون أن أنطق بكلمة، كما لو كنت مع صديقة أفصحت لي عن سرّها. كانت تداعب الأريكة، وتتحرك يدها في دوائر صغيرة نحو المكان الفارغ الذي كان والدي يجلس فيه.

عندما تركتها، لم أتبع والدي. أردتُ أن أجد أمي، بدلًا من ذلك، وأن أضمّها بين ذراعي طلبًا للمغفرة. شعرتُ أنني لن أستطيع النظر في عيني أمي لفترة طويلة، ولم يكن ذلك لأنني أعلم أنها تعرضت للخيانة ولم أستطع إخبارها. فبعد اكتشافي لأبي وتلك المرأة، لم أكن قد فكّرتُ فيها.

كان الضيوف يتدفّقون جماعاتٍ نحو البيانو الكبير، حيث كان الفنان يجلس ليعزف. انضممتُ إليهم، فإذا بي أُدفَع إلى الأمام قريبًا منه، شابٌّ بشعرٍ فضيّ ناعم وابتسامةٍ تكشف عن أسنانٍ صغيرة. سمعتُ أنه ابن عمّ المضيفة، مغنيٌ ذاع صيته في النوادي الليلية والحفلات الكبيرة. كانت ربطة عنقه السوداء تتمايل وهو يتبادل أطراف الحديث مع الضيوف المتجمّعين حول البيانو.

كانت الأغنية التي غناها - بصوته المتقلب كوجهه، يرتجف في لحظة، ثم يهدأ في أخرى - تدور حول ازدياد عجز العشاق عن التعبير عن رغباتهم. كان هناك خلل ما في حياة العشاق في نهاية كل مقطع، ثم كان يدق على المفاتيح ليؤكد على مآسيهم العبثية.

كانوا جميعًا متلاصقين، ثلاثة منهم في حلقة حول البيانو، وكانوا جميعًا يضحكون على كل هزيمة للحبيبين. كانت عيونهم مغمضة بشدة من شدة الضحك، أو تسبح جانبًا، وكان أحدهم يضع سيجارته بين شفتيه ليجذب الدخان جفنيه. كانوا يُشيحون بنظرهم عن أعين الآخرين.

كانت أمي بين الحشد. رأيتها على البيانو، وجهها محصور بين وجهين آخرين. كانت تُحرك عينيها وتتطقطق بلسانها وتضحك، كغيرها ممن حولها، شعرتُ بفيض من الحب والاهتمام بها. كانت تحظى بدعمٍ كبير، ولكن مهما اجتمع الناس على ذلك البيانو وفي كل مكانٍ آخر للتقليل من شأن العشاق، كنتُ أعلم أن كل المحاولات ستنتهي بالفشل.

***

.......................

الكاتبة: وُلدت جينا بيريولت/Gina Berriault في كاليفورنيا لأبوين مهاجرين يهود من روسيا. خلال مسيرتها الأدبية الطويلة، ألّفت أربع روايات وثلاث مجموعات قصصية، ونالت جوائز مرموقة، منها زمالة جوجنهايم، وجائزة بوشكارت، والعديد من جوائز أو. هنري. وحظيت بإعجاب واسع كواحدة من أعظم كاتبات القصة القصيرة الأمريكيات، وحققت نجاحًا تجاريًا في أواخر حياتها مع مجموعة "نساء في أسرّتهنّ" التي حازت على جائزة بن/فولكنر، وجائزة دائرة نقاد الكتاب الوطنية، وجائزة مؤسسة ريا. ومن بين هذه المجموعة، قصة "المرأة ذات الفستان الوردي". توفيت بيريولت في منزلها عام 1999.

* نقلا عن جريدة أخبار الأدب المصرية بتاريخ 30 نوفمبر 2025.

بقلم: ناظم حكمت

ترجمة: نزار سرطاوي

***

الإنسانية العظيمة هي التي تسافر على سطح السفينة

تركب في الدرجة الثالثة في القطار

تسير مشيًا على الأقدام فوق الجسر

الإنسانية العظيمة.

*

تذهب الإنسانية العظيمة إلى العمل في الثامنة

تتزوج في العشرين

تموت في الأربعين

الإنسانية العظيمة.

*

ثمّة ما يكفي من الخبز للجميع خَلا الإنسانية العظيمة

الأمر نفسه بالنسبة للأرزّ

للسكر

للقماش

للكتب

هناك ما يكفي للجميع خلا الإنسانية العظيمة.

*

الانسانية العظيمة ليس لا ظلَّ لها فوق ترابها

لا مصباحَ في طريقها

لا زجاجَ في نافذتها

لكن الإنسانية العظيمة لديها أمل

ليست ثمّة من يقدر أن يعيش بدون أمل.

***

...........................

* يُعدّ ناظم حكمت أول شاعر تركي حديث. ولد عام 1902 في سالونيك التي كانت في ذلك الوقت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية لكنها الآن تابعة لليونان. كان والده موظفًا في وزارة الخارجية. ولعلّ جده ناظم الذي كان شاعراً هو الذي وجهه نحو الشعر. وقد صدرت مجموعة ناظم الشعرية الأولى وهو السابعة عشر من عمره.

في تلك الفترة الزمن احتل الحلفاء وطنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فغادر ناظم مسقط رأسه في إسطنبول للالتحاق بالجامعة في موسكو. وهناك تواصل مع العديد من الكتاب والفنانين، الذين كانوا من مختلف أنحاء العالم.

في عام 1924عاد إلى تركيا بعد الاستقلال. وبدأ ينشر أشعاره ومقالاته في الصحف اليسارية وغيرها من المنشورات. غير أن ميوله اليسارية جلبت عليه الكثير من المتاعب، مما اضطره إلى العودة إلى روسيا، حيث تابع الكتابة دون الخضوع للرقابة.

في عام 1928 صدر في تركيا عفو عام، وهذا ما شجع ناظم على العودة إلى بلاده. وخلال السنوات العشر التالية ، نشر تسعة كتب شعرية منها خمس مجموعات من القصائد بالإضافة إلى أربعة قصائد مطولة أصدر كلّاَ منها في كتاب منفصل.

تعاملت الدولة التركية من ناظم بالكثير من الشكّ والعداء، ولعلّ هذا ما جعل الشعب ينظر إليه باعتباره بطلاً. وكان من بين مؤلفاته عمل بارز يدور حول أسلوب الحياة الذي التي يتمتع به رجال بلاده ونساؤها من أهل المناطق الريفية كما في البلدات والمدن، وجاء الكتاب تحت عنوان مناظر طبيعية من بلدي. ويعتبر واحداً من الأعمال الأدبية الوطنية التركية العظيمة.

تعاظمت الضغوط السياسية على ناظم مرة أخرى. إذ لم يكن تطرفه موضع ترحيب في تركيا. وكثيرا ما كان يوصف بالشيوعي الرومانسي أو الثوري رومانسي. لكن وجهات نظره كانت مخالفة للأحزاب السياسية الحاكمة في وطنه، وكثيرا ما كان يتم اعتقاله بسبب ذلك، فقضى الكثير من أيام حياته في السجن أو في المنفى حتى عام 1951، حيث غادر وطنه مرة أخرى ، ولم يعد إليه أبدًا. فقد عاش من ذلك الحين وحتى وفاته في الاتحاد السوفيتي وأجزاء متفرقة من أوروبا الشرقية.

كان ناظم متحمساً للشيوعية المثالية، وكان الجمهور يستقبل قصائده الوطنية بصورة إيجابية. إلا أنه في الفترة ألأخيرة تأثر بشكل كبير بالمدرسة المستقبلية الروسية في موسكو. وراح يتخلى عن الأشكال "التقليدية" للكتابة. وقد وحاول أن "ينزع الشعرية" عن الشعر.

كان ناظم يكتب باللغة التركية ولكن الكثير من أعماله ترجمت إلى الإنجليزية وإلى العديد من اللغات. وقد تعرض لأزمة قلبية وتوفي في موسكو عام 1963.

أنطون تشيخوف

ترجمة: نزار سرطاوي

***

ذات مساءٍ لطيف كان موظّفٌ حكومي لا يَقلُّ عن المساء لطفًا يُدعى إيفان دميتريتش تشيرفياكوف يجلس في الصف الثاني من الأكشاك مُحدّقًا من خلال نظّارته الخاصّة بالمسرح يشاهد أوبرا "أجراس كورنفيل". راح يطيلٌّ النظر وهو يحسّ أنه في ذروة النعيم. ولكن فجأةً.. وفي القصص كثيرا ما تصادفِ المرءَ عبارةُ "لكن فجأة". والمؤلفون مُحِقّون: فالحياة مليئة بالمفاجآت! لكنْ فجأة تغضّنَ وجهه، واختفت عيناه، وتوقفت أنفاسه.. انتزع النظّارة عن عينيه وانحنى و.. "أتشي !!" وعطس، كما يمكنك أن تتخيّل. ليس من المستهجن أن يعطسَ أحدٌ في أي مكان. الفلاحون يعطسون وكذلك أمناء الشرطة وحتّى المستشارون السِريّون أحيانًا. الرجال جميعًا يعطسون. لم يرتبك تشيرفياكوف على الإطلاق. مسح وجهَه بمنديله، وأجال النظر حوله، مثل أي رجل مهذّب ليرى ما إذا كان قد أزعج أحدًا بسبب عطاسه. ولكن بعد ذلك استولى عليه الارتباك. فقد رأى رجلاً عجَوزًا يجلس أمامه في الصف الأول من الأكشاك يمسح رأسَه الأصلعَ وعنقَه بقفّازِه بعناية ويغمغم شيئًا بينه وبين نفسه. عرف تشيرفياكوف الرجلَ العجوز، بريزالوف، الذي كان مديرًا عامًّا يعمل في وزارة النقل.

قال تشيرفياكوف في نفسه: "لقد رششته". هو ليس رئيس قسمي، لكنّ الأمرَ يظلُّ مُحرجًا. ينبغي أن أعتذر".

تنحنحَ تشيرفياكوف وانحنى بجسمِه كلِّه إلى الأمام، وهمس في أذن المدير العام.

"المعذرة يا صاحب السعادة. لقد رشَشْتك عن غير قصد.."

"لا يهمّ، لا يهمّ."

"بحق السماء سامحني، أنا.. أنا لم أقصد ذلك."

"أوه، رجاءً اجلس! دعني أستمع!"

شعر تشيرفياكوف بالحرج، ابتسم بغباء، وراح يحملق بالمنصة. كان يحملق بها، لكنه لم يعد يُحسّ بالبهجة. بدأ القلق يساوره. وفي فترة الاستراحة صعد إلى بريزالوف وسار بجانبه وتمتم وقد تغلب على حيائه:

"لقد رششتك، يا صاحب السعادة، سامحني.. كما ترى.. لم أفعل ذلك كي.."

"أوه، هذا يكفي.. لقد نسيتُ الأمر، وأنت لا تتوقف عن الحديث عنه!" قال المدير العام وهو يحرك شفته السفلى وقد نَفِد صبره.

قال تشيرفياكوف في نفسه وهو ينظر بعين الريبة إلى المدير العام: "لقد نسيَ، لكن ثمّةَ ضوءٌ شيطانيٌ في عينه. وهو لا يريد أن يتحدث. يتعيّن عليّ أن أشرحَ له.. أني حقًّا لم أتعمّد.. أنّ هذا هو قانون الطبيعة، وإلا فإنه سيظنّ أني قصدت أن أبصق عليه. لا يظنُّ ذلك الآن، لكنه سيظّن ذلك لاحقًا!"

عند عودة تشيرفياكوف إلى البيت، أخبر زوجته عن مخالفته للأخلاق الحميدة. وقد صدمه أن زوجتَه لم تأخذ الحادثة على محمل الجدّ. أحسّت بشئٍ من الوَجَل، لكن عندما علمت أن بريزالوف في قسم مختلف، اطمأنت.

قالت: "مع ذلك، فمن الأفضل لك أن تذهبَ وتعتذر، وإلا سيظنُّ أنك لا تعرف كيف تتصرف بصورةٍ لائقة في الأماكن العامة".

"هو ذاك! لقد اعتذرت بالفعل، لكنه تعامل مع الأمر بطريقةٍ غريبة.. لم يقل كلمة منطقية واحدة. لم يكن ثمّةَ وقتٌ للتحدث حسب الأصول".

في اليوم التالي، ارتدى تشيرفياكوف بدلةً جديدة وحلق شعره وذهب إلى مكتب بريزالوف ليشرح الأمر. دخل إلى غرفة استقبال المدير العام ورأى هناك عددًا من مُقدّمي الالتماسات وكان بينهم المدير العام نفسه، وقد شرع في مقابلتهم. بعد مقابلة عددٍ من مقدمي الالتماسات، رفع المدير العام عينيه ونظر إلى تشيرفياكوف.

"بالأمس في أركاديا، إن كنت تتذكر يا صاحب السعادة،" بدأ تشيرفياكوف، "عطست و.."

"ما هذا الهراء.. إنه فوق الاحتمال!" ثم قال المدير العام مخاطبًا مقدم الالتماس التالي: "ماذا يمكنني أن أفعل لك"،

"لن يتكلم"، قال تشرفياكوف في نفسه وقد أعتراه الشحوب. "هذا يعني أنه غاضب.. لا، لا يمكن أن يظل الأمر هكذا.. سأشرح له".

عندما أنهى الجنرال حديثه مع آخِر المُراجعين واستدار متجهًا نحو مكتبه الداخلي، تقدّم تشيرفياكوف خطوةً نحوه وتمتم:

"يا صاحب السعادة! إن جاز لي أن أزعج سعادتك، فهذا ببساطة نابعٌ من شعور بالأسف!.. لم يكن عن قصد، إن تكرّمتَ وصدقتني".

بدا الضيق على وجه المدير العام ولوّح بيده.

قال وهو يغلق الباب خلفه: "ما هذا؟ أنت ببساطة تسخر مني أيها السيد".

"أين السخرية في ذلك؟" فكّر تشيرفياكوف، "ليس هناك شيء من هذا القبيل! إنه مدير، لكنه غير قادر على الفهم. إذا كان الأمر كذلك، فلن أعتذر لهذا المُدّعي بعد الآن! فليأخذه الشيطان. سأكتب إليه رسالة، لكنني لن أذهب. لا والله، لن أذهب".

هذا ما دار في خَلَد تشيرفياكوف وهو في طريقه إلى البيت. لم يكتب رسالةً للمدير، راح يفكر ويفكر ولم يستطع أن يُؤلّف تلك الرسالة. كان لا بدّ له أن يذهب في اليوم التالي ليشرح الأمر بنفسه.

تمتم عندما رفع الجنرال عينيه المستفسرتين نحوه: "لقد غامرتُ بإزعاج سعادتك بالأمس، لا لكي أسخر، كما تفضّلت بالقول. كنت أعتذر عن رشّك بالعُطاس.. لم أفكّر بالسخرية منك حتى في الحلم. وهل أجرؤ على السخرية منك. إن اعتدنا على السخرية فلن يبقى هناك احترام للناس، سيكون هناك.."

"أخرج من هنا!" صرخ المدير العام، وتحوّل لونه بغتةً إلى الأرجواني، وراح بدنه كلّه يرتعش".

"ماذا؟" سأل تشيرفياكوف بصوت خافت.

"أخرج من هنا!" كرّرَ المدير العام وهو يضرب الارض بقدمه.

بدا أنّ شيئًا ما راح ينهار في أعماق تشيرفياكوف. لم يرَ شيئًا ولم يسمع شيئًا،. سار متمايلًا نحو الباب، وخرج إلى الشارع، ومضى مترنحًّا.. وصل إلى البيت بصورةٍ آليّة، ودون أن يخلعَ بدلته، استلقى على الأريكة ومات.

***

...............

نبذة عن الكاتب

يعتبر أنطون بافلوفيتش تشيخوف، المولود في تاغانروغ في جنوب روسيا في عام 1860، أحد كبار كُتّاب المسرح والقصة القصيرة في روسيا. كتب 17 عملًا مسرحيًا وأكثر من 500 قصة قصيرة، ورواية واحدة وسبع روايات قصيرة حظيت أربعٌ منها على الأقل بشهرة عالمية، وهي: "نورس البحر" (1895)، "العم فانيا" (1899)، "الشقيقات الثلاث" (1900)، "بستان الكرز" (1903). أما أعماله غير الأدبية فاقتصرت على عملين، أحدهما في أدبالرحلات، والثاني كتاب مذكرات. 1904 توفي في أحد فنادق مدينة بادِنْ وايلر في ألمانيا. ونُقل جثمانه إلى موسكو، حيث دفن هناك.

 

من الأدب الكردي

بقلم: شيركو بيكس

ترجمة: بنيامين يوخنا دانيال

***

1 - الساعة

عندما آتيك

تنجو الساعة

من يد الزمن

و تقدم نفسها ..

و عندما نجلس معا

تقبع الساعة في يد الزمن

و تؤخر نفسها !!

***

2 - المدية

في بيروت*

خطفت المدية

حلقا ..

لانه أبى أن يشاركها

حفلتها الدموية

لانه أبى

أن يكون مسنا!!

***

.......................

* إشارة إلى الحرب الأهلية اللبنانية 1975 – 1990 

شيركو بيكس: شاعر وأديب كردي بارز. يكتب بالكردية والعربية، أبصر النور سنة 1940 في السليمانية – العراق. نذر نفسه لمذبح الشعر منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضيز

صدرت له في عام 1968أولى مجاميعه الشعرية، وكانت بعنوان (ضياء القصائد). ثم أصدر مجموعته الشعرية الثانية المسماة (هودج البكاء) عام 1969

من أعماله:

(كاوة الحداد – مسرحية شعرية) 1971

(أنا باللهب أرتوي) 1973

(الغزالة – مسرحية شعرية) 1978

(الغبش) 1978

(أنشودتان جبليتان) 1980

(الشيخ والبحر – ترجمة لرواية أرنست ميلر همنغواي) 1982

* عن (من الشعر الكردي الحديث: باقة قصائد) للمترجم، دار نشر كريستال، أربيل – العراق 2001 .

بقلم: لارا واس

ترجمة: صالح الرزوق

***

اقتنعت أن جدران الشقق في نيويورك رقيقة عمدا، حتى أن الحياة، مهما كانت رديئة، تبدو مثل تجربة احتفالية. في الساعتين الأخيرتين، ارتجف الجدار المجاور لطاولة ميل بضربات ملحة، كما لو أن أحدهم يعلق صورة على الطرف الآخر، ولكن المسمار يسقط، فيحمله ويعاود الكرة. كانت هذه سوزي شريكتها في المسكن. ولم تكن تعلق صورة على مسمار، ولكنها بين يدي صديقها الجديد كايل. طبعا لا تسميه سوزي بهذا الاسم. وهي لا تقول عما تفعل إنه جنس. وتسميه ممارسة الحب. التقت سوزي مع كايل مثل أي إنسان آخر، بواسطة التطبيقات. وكان حبا من أول نظرة. وهذا ما قالت عنه. أرادت ميل أن تسأل: أي نظرة؟ مرآه الرائع والمبالغ به كما يبدو في صورة ملفه، أم النسخة البليدة والحقيقية منه؟ لكنها احتفظت بهذه الفكرة لنفسها. كانت المشكلة، أن كل شخص يقوم بعمل ما في هذه الأيام. وشريكة ميل في الغرفة تمارس الحب. أما صديقتها المقربة ديانا فتنجب الأطفال. حسنا، ليس تماما، ولكنها على هذا الطريق. في آخر عطلة أسبوعية، حينما التقتا في بار قريب خارج أسوار الجامعة وترتادانه دائما، والآن سمعت به ميل، فجرت ديانا الأخبار أمامها قائلة: إنها ستتزوج ستيف. فقد تقدم إليها في أمسية ذكرى مرور سنتين على العلاقة. وهي أيضا ذكرى مرور سنتين على ليلة اقتراب ستيف من ميل في بار الجامعة وتقديم شراب لها، لكن ميل رفضت شرابه قائلة: لا. شكرا. فهي لم تكن تشعر بالعطش، أما صديقتها ديانا فأكدت امتنانها وقبلت ضيافته.

وحين كانت تخابرها أمها كل أحد لتسأل إذا ما كانت تستعيد ذكرياتها. فترد ميل: من يريد أن يتذكر إذا كان يجني النقود؟. وتضحك كلتاهما لأنها إذا كسبت النقود، لن تشارك على شقتها مهووسة بالجنس، وواهمة ومنحرفة تجمع المحنطات بالقرب من قطار رقم واحد الذي لا يتوقف عن الهدير. وإذا تابعت أمها الموضوع، تخترع ميل شيئا، وبالعادة مزيجا من الأشياء المتخيلة، وأشياء رأتها تحدث لأشخاص من حولها، وادعت بتلك الطريقة أنها قابلت بواسطة الإنترنت رجلا يدعى كايل، واعتقدت أنه حب من أول نظرة، لتكتشف بعدها حالما قابلته شخصيا أنها غير قادرة على غض نظرها عن أنفه المحني. بالفعل لكايل أنف ضخم مع عظمة كبيرة. هذا صحيح، وتخلي سوزي عن صديقها بأنفه الضخم لميل هو أقل ما يمكن أن تفعله بعد تلك الليالي المتعبة التي تخللها تعليق الصور. وربما كانت الضجة المستمرة هي التي أهابت بميل أن تقول نعم، حينما رتبت لها ديانا موعدا مع أحد أصدقاء مدرسة ستيف القدماء، وكان قد عاد مؤخرا إلى نيويورك بعد أن عاش لبعض الوقت على الساحل الغربي. قالت ديانا: إنه شاب رائع. وعلمت ميل أن هذا يعني أنه مضجر أو بشع، ولكنها أملت أن لا يصدق ذلك. وكانت قد تعلمت من جدتها الألمانية مقولة ألمانية. وهي كالتالي "الرائعة هي الأخت الأصغر لمقرفة" أو هل كانت تقول الأخ الأصغر لمقرف؟. توفيت جدتها قبل خمس سنوات، ولذلك لم تكن ميل تتكلم الألمانية، ولذلك ليس لديها طريقة لتتأكد بها. ولكنها تفترض أن الموضوع غير مهم. وأضافت ديانا: أنه أيضا لديه سيارة. وربما من الطيب أن تغادر المدينة لبعض الوقت. ولم تعترض ميل على المسألة. لساعتين وهي تكتب لصديق ستيف - تبين أن اسمه جايك. بدآ بتبادل الرسائل قرابة الوقت الذي بدأت به سوزي وكايل ممارسة الجنس.

أولا أراد أن يعرف بماذا تفكر. أرادت أن تقول: أموت من الضجر. كل دقيقة أفقد من نفسي القليل. لكن كتبت: أغسل. جعلت الإنترنت المواعيد الغرامية بلا عواطف إلى حد مقلق. يمكنها أن تلتقي بهذا الشخص ذاته، وعلى الأقل يمكنهما لاحقا التظاهر أن اللقاء طبيعي. كما لو أنهما ليسا يائسين كبيرين ضاع عمراهما في مرحلة النضج، ولم يقع اختيار أحد عليهما، وهذا فشل ذريع - كانا آخر من يقع الاختيار عليه ليكون في فريق حصة اللياقة البدنية.

ولكن. كلا في هذه الأيام عليك أن تراسل قبل أن تغادر مخبأك. ولتتأكد أنك "منسجم". أو لتتأكد أن الآخر ليس مجرما. وكانت ميل تشك أنه لا يسعها الجزم بأحد الحالتين بعد حفنة من الرسائل. كيف يكتب المجرم رسائله النصية؟.

سألها جايك: متى يكون لديها وقت فراغ ليلتقيا.

فكرت ميل بالموضوع. متى يكون لديها فراغ من أجل لقاء؟ فتحت تطبيق الروزنامة في هاتفها. رأت أمامها صفا من مقابلات عمل، ومواعيد طبيب، ومواعيد غداء مع صديقات. وكلها مرتبة مثل طابور من عساكر صغار من القصدير.

تتابع إيقاع ارتطام الجسدين المتعانقين وهز الجدار.

ما رأيك الآن حالا؟.

وصل في الموعد المحدد. في الحقيقة قبل دقيقتين. كانت ميل تنتظر في الخارج أمام بناء شقتها منذ عشر دقائق لأنها لم ترغب أن تغامر بدعوته إلى الداخل. انتابها البرد. ولم ترد أن تضع قبعة حتى لا تشوش تصفيفة شعرها، والآن لا يمكنها أن تشعر بأذنيها. توقف بسيارة قديمة مضعضعة والصدأ يزحف على أبوابها والمرآة الجانبية مثبتة بشريط لاصق. ولم يكن من السهل أن تقرر هل لونها بني أم بنفسجي بسبب ضوء الشارع الخافت. ارتجفت ميل بعد صوت قرقعة مرتفع، ثم أدركت أن المحرك ينفخ. وفكرت أن تستدير وتعود إلى غرفتها، ولكن فكرة الإصغاء لأوبرا سوزي وكايل جعلها تتردد، ثم تأخر وقت الانسحاب.

قال جايك: لا بد أن نيل العجوز ستتذمر من هذا الشخص الذي يخرج من السيارة.

صححت ميل له بقولها: اسمي ميل. وهو اختصار ميلاني.

- آه. لا نعم. أعلم. كنت أشير للسيارة. نيل هي السيارة. تيمنا باسم نيللي الذي ورد ذكره في "بيت صغير في البراري". هل تعرفينه؟.

قالت ميل: ليس تماما. أعتقد أنه سمى سيارته تيمنا بأوبريت شعبي؟.

قال جايك وهو يدور حول المقدمة وضوء المصابيح المرتفع يغسل خياله: متذمر باستمرار. وجع في المؤخرة. هذا هو نمط شخصيته. النوع الذي نحب أن نكره. أو نكره أن نحب؟. لست متأكدا.

حينما اقترب منها، مالت ميل لأجل عناق سريع، لكن ابتعد جايك ليفتح لها الباب.

سلوك قديم الطراز. سيد مع أل التعريف (وردت في الأصل: A gentleman with a capital G ) وتقريبا كادت ميل أن تضحك.

قالت: شكرا. وصعدت إلى السيارة. ازدحمت على رف السيارة الأمامي أغلفة الطعام السريع، وجعلت طيات عميقة في جلد المقاعد الكراسي تبدو مثل وجوه هرمة. وكان للهواء عطر مطر خفيف ذكرها بارتداء ثياب مبتلة لفترة طويلة. قفز جايك إلى السيارة من الطرف الآخر. ولأول مرة أخذت ميل منه نظرة كافية. لم يكن دميما. عيناه مدفونتان قليلا في عمق المحجرين، ونمش واضح يغطي أنفه مثل السمسم. وعدا ذلك ليست له ملامح وجه لافتة قد تفاقم من كراهيتها له في أحد الأيام. كانت ديانا محقة، على الأقل فيما يتعلق بمرآه. فهو يبدو مرضيا. قال جايك حينما قرقع المحرك وهو يدور: آسف لهذه الفوضى. كان علي أن أنظفها. ولكن ما ترينه كان نتيجة التعجل العفوي.

قالت ميل: أنا بنت فطرية.

ولا تعرف لماذا ادعت ذلك. فهي بدون هذه الصفة ولو بمقدار ذرة. ثم قالت: أنت توفر لشراء سيارة جديدة؟ وأشارت إلى القطع النقدية المبعثرة تحت كاحل بوطها. على الأقل وجدت المئات منها على الأقل موزعة على مفرش الأرضية، سنتات وأرباع دولارات وعشر سنتات، وكلها من نحاس وفضة تبرق بظلال مختلفة.

- كلا. كلا. كنت أضع المعادن الزائدة في كوب. ولكنه فاض بالصدفة. فتركتها كما هي. تخيلت أنها تبدو مثل قاع بئر الأمنيات. ولذلك والآن كلما وقع بيدي قطعة نقود ألقيها في هذا البئر.

ضحكت ميل. ثم كبتت ضحكتها وقالت: آه. هل أنت جاد.

- نعم، هل تريدين أن تفكري بأمنية؟.

- أعتقد أنني هكذا بحالة طيبة.

- متأكدة؟ ماذا لو نجحت الفكرة؟.

- لن تنجح.

- لن تعرفي إن لم تحاولي.

تفحصته ميل بنظرها، لتتأكد أنها ليست برفقة أحد طلابها. كان طلابها يرددون مثل هذه الأقاويل، طيلة الوقت، وينشدون شعارات يقتبسونها من روبي كوار مثل قولها "التطور يبدأ بخطوة واحدة". وقولها "الأفضل لك أن تتخبط وتتعثر من أن تقف جامدا". و"إن لم تحاول هذا يعني أنك خسرت الرهان". أقوال مأثورة فارغة. تفاهات. وقد سمعتها ميل كلها. وكانت وراء التخلف عن دروسها بحجة الأسباب النبيلة مثل الاحتجاج على تبدل المناخ واللامساواة بين الجنسين وصناعة التاريخ. وأحيانا تشعر بالدافع لتقول لهم: التاريخ الوحيد الذي يصنعونه هو تاريخ الزحام في ساعة الذروة. في الأسبوع الماضي سألتها إحدى طالباتها، وهي بنت بوجه منتظم لدرجة مقلقة، برأي ميل لا يجوز أن تكون البنت جميلة وذكية بنفس الوقت - سألتها أمام كل الصف: ما رأيها بما يجري في غزة؟. أجابت ميل: فظيع وبدلت الموضوع. الحقيقة أنها لا تعرف ماذا يجري في غزة. ولا ماذا يجري في أوكرانيا أو سوريا أو اليمن، باستثناء أن شيئا يحصل، وهو غير محبب. أنفقت ميل يوميا ساعات وهي تقرأ الأخبار لأجل مشروع بحثها الرسمي عن ردة الفعل الدولية على وباء كوفيد 19. ولكنها لا تزال عالقة في حصاد عام 2020. ولم يسعها أن تغطي أخبار هذه الأيام أيضا.

قال جايك: وإذا؟.

- وإذا ماذا؟.

- ماذا عن تلك الأمنية؟.

وببساطة تحول جايك إلى امرأة مسنة عقدت شعرها من الخلف فوق رقبتها بشكل كعكة مشدودة، وكأن ميل ترافق أمها بعد موعد مدبر. ماذا لو لم نتسرع بهذه الأمور؟ ماذا لو تبادلنا الزيارات في عطلة الأسبوع؟ ما رأيك بالتوفير؟ ما رأيك بالمواعيد المدبرة، هل من جديد؟. ماذا عن تجميد بويضاتك - لتكوني واثقة من نفسك؟. لم تسألها أمها السؤال الأخير، ولكن ميل متأكدة أنها ستفعل، عاجلا أم آجلا.

أجابت: ليس لدي نقود معدنية. وتوقعت أن هذا سينهي الموضوع.

أجاب جايك: أنت محظوظة. لدي نقود لم ألق بها من قبل. وهي كلها لك. وفتش في جيب معطفه، ويده على المقود، وأخرج قطعا معدنية. نظرت ميل إلى النقود التي في يده. ثلاث سنتات، وقطعة من عشر سنتات، وربعان. ألقى جايك العشرة على الأرض أمام مقعدها. وقال: انظري. الأمر بسيط.

تناولت ميل سنتا. إذا كان هذا سيسكته، ما الضرر منه. كان سنتا يحمل صورة لنكولن في ذكراه، وصورة إبراهام لنكولن على الوجه الأمامي، تحت عبارة: بالله نحن نؤمن.

قال جايك: عظيم. فكري بأمنية.

ألقت ميل القطعة. وسقطت على السجاد بين كعبيها بدون صوت.

- سعيد؟

- جدا.

- تهانينا. درجة أولى لهذا الحماس.

وحان الآن دور جايك للضحك. تابعا على طول جسر جورج واشنطن. في الظلام يستحيل أن تؤكد أين ينتهي الهدسون وأين تبدأ السماء. وكانت أعمدة النور على الضفة المقابلة تبدو مثل اليعاسيب. سألت ميل أين يذهبان. قال جايك: إن كانت تريد أن تعرف، عليها أن تفكر بأمنية ثانية. قالت: إذا لا أريد أن أعرف. فقال جايك: جيد. لأنه يريد أن يتركها مفاجأة. وضع شريطا في المسجلة. لا تستطيع ميل أن تتذكر آخر مرة ركبت سيارة تتوفر فيها مسجلة أشرطة كاسيت حقيقية، ربما كان أشد ما يقلقها في الماضي أن تتأكد من وجود شريط مناسب في السيارة لطريق العودة من الجامعة إلى البيت. وتعرفت على الأغنية في الحال. هاري شابن. القطة في المهد. بدأ جايك بالغناء. عرفت ميل الكلمات لكنها لم تشاركه الغناء. ليس لأنها مغنية سيئة، ولكن لأنهما ليسا طفلين، ولا حتى صديقين، وعلى كل حال، لم تكن تغني في السيارة حين تكون برفقة ديانا أيضا. ولذلك التفتت نحو النافذة وانتظرت الأغنية حتى تنتهي. ثم باشرا بالدخول في الكلام الإجباري - بدءا بالطبع من عمليهما. ولأن جايك بدأ بالسؤال باشرت ميل أولا. أخبرته أنها تدرس السياسة لطلاب المرحلة الأولى. قال جايك: إن هذا شيء محترم، فهو لا يمكنه التدريس. ويخاف من الأماكن العامة ويشغل نفسه بالشطائر في أنفاق القطار. ولذلك تحول إلى فنان بصري. سألته ميل عن الفن الذي يمتهنه. قال في معظم الأوقات لا يعرف بالضبط. ويطلب منه أخوه دائما أن يعمل بالوساطة العقارية. فهي المكان المناسب لجني النقود. وسألته ميل إن كان أخوه أصغر أم أكبر منه بالعمر. أجاب جايك بل أكبر. قالت له ميل إنها نشأت في بيت من طفل واحد، ولكن أمها مثل أختها لأن والدها رحل وهي صغيرة جدا. فرد جايك أنه يحلم أن يكون ابنا وحيدا، ولدرجة كان يتمنى فيها وقوع حادث مؤسف لشقيقه. قالت ميل هذا شيء فظيع. ووافقها جايك. فأضافت إنها كانت تحب أن يكون برفقتها إنسان يشاركها اللعب كلما ذهبت أمها إلى العمل. هز جايك رأسه. العشب دائما أشد خضارا (الناس تفضل الحالة المعاكسة). وفكرت ميل: كلا. العشب دوما ميت.

قال فجأة: لقد وصلنا. وأوقف السيارة وأطفأ المحرك وهو يقعقع كشأنه دوما. لم تشاهد ميل شيئا. كما لو أن جايك تغلغل في نفق عميق وأطفأ كل الأنوار. قال: هيا بنا.

ترددت ميل. دار جايك حول السيارة وفتح بابها. وقال: أعدك لن أقتلك.

قالت وهي تخرج: إذا صدق وعدك.

ضربت وجهها المكشوف ريح باردة. كانا في مكان مرتفع حتما، أو قرب الماء، أو الاثنين. أخذ جايك يدها وقادها عبر الباحة نحو ممر يغطيه الحصى وكان يتعرج داخل إحدى الغابات. تسلل الدفء إلى يده، وهو يحميها من الهواء. كانت هناك في نهاية أصابعه انتفاخات صغيرة. قال إنه يتعين عليه أحيانا أن يحمل أشياء من أجل تماثيله. فأجابت إنها لا تهتم للأمر. وصلا إلى مكان مفتوح. لا يزال الضوء غائم، لكن الآن لم تكن ميل بحاجة له لترى. على مبعدة، وعبر الماء، لمعت أضواء نيويورك على المياه كأنها خيط من الجواهر المعلقة على الأفق. وعكسها الهدسون بشكل متحرك ومكسور، كما لو أن ناطحات السحاب تذوب ببطء في النهر. اتخذ ميل خطوة نحو الأمام، ثم أخرى، وقدمت نفسها على نحو غريب أمام أضواء المدينة البعيدة عنها. قال جايك وهو يجر ظهرها: احذري. وحينها فقط لاحظت أنهما يقفان على حافة منحدر.

سألت: أين نحن؟.

- تسمى الأعمدة. برد شديد. أليس كذلك؟ - دعينا نجلس هنا.

جلس جايك على صخرة ذات سطح ناعم غير مريح، كما لو أنها منحوتة لتكون مقعدا مزدوجا. وتساءلت ميل كم فتاة جاء بهن إلى هنا من قبل. مد يده في جيبه، وأمكن ميل أن ترى، أنه مرت سنوات قليلة، لكن كل شيء حصل في هذه البقعة - جايك يمد يده إلى جيبه ليخرج خاتما. لكن ميل لا تريد الخاتم. وهي متأكدة لو جرت الأمور على نحو مقبول، وإذا تابعا بانسجام، ستنتهي اللعبة، أليس كذلك؟. الهدف من هذا. الالتزام. الوعد. حتى نهاية النهاية وإلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد - حتى يضجر أحدهما (أو كلاهما) من العلاقة، وبعد شهور وشهور من النصائح الزوجية، ثم يقرران أنه من الأفضل لهما أن ينهيا الموضوع ويذهب كل منهما بطريقه.

قال جايك: هل يزعجك التدخين.

بدل الخاتم، أخرج علبة سجائر. لم ترد. فأشعل سيجارة. لم يكن يزعجها التدخين. في الحقيقة، والشكر لأفلام هوليود القديمة، تجد في ذلك أمرا مثيرا للغرائز. ما لا يمكنها أن تتعايش معه هو فكرة موت الناس قبلها. ولأنها امرأة وجايك رجل، فرص موته قبلها أعلى إحصائيا. ولتجعل الأمور أسوأ، كانت تعدو فقد اشتركت بالماراثون لعام. وقرأت في إحدى المرات أن من يعدو بانتظام يعيش بالمعدل ثلاث سنوات إضافية. وهو ما جعلها تقلع عن الجري.

سألها جايك: والآن أخبريني ماذا تمنيت؟.

- ماذا تمنيت؟.

- حين كنا في السيارة، ومعك النقود المعدنية.

كبتت ميل تنهيدة. ليس مجددا. وسألته: ألا يجلب هذا الكلام الحظ السيء؟.

قال جايك: بالتأكيد ستستثني سيدة الأمنيات صاحب سيارة بئر الأمنيات.

- طبعا.

- إذا؟ ورفع جايك حاجبيه كما لو أنها ماري بوبينز، وهي على وشك أن تخرج من حقيبة البساط السحري مفاجأة بمستوى المعجزات. كذبت ميل وقالت: قدمت أنا وزميلة لي ورقة بحث إلى أحد المؤتمرات. وتمنيت لو تقبل.

لم يكن هناك بحث، ولا أمنية، ولكن لسبب ما لم ترغب أن تخيب ظن جايك.

سألها: أي مؤتمر؟.

كذبت ميل مجددا: آه. مؤتمر بحوث. ولمزيد من المصداقية اخترعت اسم مؤتمر شاركت به في العام الماضي، وهو APSA.

قال جايك: رائع. حظا موفقا. وأخذ نفسا من سيجارته، وسجلت ميل في ذهنها ملاحظة، إذا التقت به ثانية بعد هذه الليلة، ستضطر لأن تقول في السياق إنهم، للأسف، لم يقبلوا البحث.

سألته: وماذا عنك؟.

قال جايك على سبيل الطرفة: لن أشارك في مؤتمر بالعلوم السياسية، ولا حتى على جثتي.

ابتسمت ميل. تعلم ماذا أقصد.

- أمنيتي؟

- نعم.

- لأكون صادقا معك لم أفكر بأمنية.

- ماذا؟.

- فعليا لا أومن بذلك، لا التمني ولا ما شابه.

- ولكن... أنت قلت في السيارة. لا أحد يعلم إن لم يجرب؟.

- لا نعلم إن لم نجرب. ولكن لا أحد يعلم حتى لو جرب أيضا. صحيح؟.

قالت ميل: في الحقيقة لست متأكدة أنني أفهمك.

- المسألة لا علاقة لها بالإيمان. وهي مجرد إلقاء قطعة نقود. هل لكلامي معنى.

فكرت ميل هل كان لكلامه معنى. في نفس الوقت تابع جايك قائلا: أعتقد أن هذا هو سبب رغبتي بالقدوم إلى هنا أحيانا. وتذكري أنني أكثر من واحد بين ثمانية ملايين. ويمكنني أن أبتعد في أي وقت. كما تعلمين؟.

حدقت به ميل، وحمل جايك السيجارة إلى فمه، وأخذ نفسا. تخيلت الدخان وهو يتحرك في أسفل بلعومه، ويمر من القصبات، ويستقر في الحويصلات الإسفنجية من رئتيه. سيكون تشييع جايك أسوأ يوم في حياتها. النعش، والزهور، والبنت الصغيرة التي تبكي. أو ربما البنت الأكبر، هذا يعتمد على فترة حياته. سيعزفون القطة في المهد في طريق الخروج من الكنيسة لأنها أغنيتهم. وبعد المراسم: تبدأ، من أشخاص لا يعرفون جايك جيدا، نغمة "التأسف" و"لا يسعني أن أتخيل" و"أخبريني حينما تحتاجين إلى شيء".

وقد يحصل العكس وترحل هي أولا. قد تصدمها سيارة غدا، صحيح؟ وسبق لميل أن أوشكت أن تسقط من حافة السفح. مالت وضغطت بشفتيها على شفتيه. تذوقت طعم التبغ والموت. تراجع جايك. هووهو، ماذا تفعلين؟.

قالت ميل: أنوي أن ألقي قطعة نقدية. وحاولت أن تقبله ثانية. لكنه ابتعد.

- تلقين قطعة نقود؟.

- رمزيا. ألم نأتي إلى هنا لأجل ذلك؟

- لا. أقصد نعم. إذا سارت الأمور على ما يرام.

- أليست كذلك؟

- أليس ماذا؟

- على ما يرام.

- آه. نعم. لكن كيف أعبر عن هذا؟ كنت، إم، آمل أن أتعرف عليك قليلا أولا.

- أنت تعلم أنني أحب هاري شابن وأدرس الفلسفة وأنا ابنة وحيدة.

- أنا متأكد أن هذا ليس كل ما يجب أن أعرف.

- وماذا لو أنه كل شيء؟.

- أنا متأكد أنه ليس كل شيء.

- وكذلك أعاني من تقرن في الجلد، وهو جلد ميت متراكم، ولا سيما في القدمين، وأحيانا أكذب بخصوص حياتي لأجد ما أخبر به أمي، ولا يهمني ما يجري في غزة.

- أنت مضحكة.

ابتلعت ميل بقسوة. وقالت: أعتقد يمكنك أن تعود بي إلى البيت الآن.

احتج جايك. لأنه لم ينافق مععا هذا لا يعني أنه عليهما أن يعودا.

أصرت ميل. فهي متعبة.

أطفأ جايك سيجارته على الصخرة، وارتفع الدخان بينهما. قاد السيارة معظم الطريق وهما صامتان. ميل تحدق من النافذة. وحينما عبرا من جسر جورج واشنطن، لاحت المدينة الواسعة ثانية. تخيلت أن البشر يبدون هكذا للنمل. قبيحون، وعمالقة، ويكبرون بالتدريج قبل أن يقضمهم المجهول. سأل جايك حالما ابتعدا عن الجسر: ومتى سأراك لاحقا؟.

قالت ميل: لن نلتقي. كانت تعلم كيف سينتهي الموضوع، وشاهدت كل شيء يجري، ثم شكرا، لا ضرورة للشكر.

- هيا. لم لا؟ كانت الأمسية جيدة حتى... لم أقصد استفزازك. ومتأسف إذا فعلت.

- الأمر ليس كذلك.

- ماذا هو إذا؟

- له علاقة بالسيارة.

- السيارة؟.

- نعم.

- ما خطب السيارة؟

- انظر إليها.

- ها أنا أنظر.

- يا لها من فوضى.

- وإذا؟

- أنت لا تعتني بها.

- ولكنها سيارة.

- بالضبط.

توقف أمام مسكنها في نفس البقعة التي حملها منها قبل ساعة فقط. شكرها على الأمسية. خرجت ميل، وبالصدفة ركلت إحدى قطع النقود. تقدمت في الممر إلى شقتها، ولكن ابتلع صوت خطواتها قعقعة المحرك وهو يدور من ورائها. كانت الغرفة من الداخل هادئة. على الأقل توقفت سوزي وكايل عن ممارسة الجنس أو الحب أو أي شيء من هذا القبيل. تفحصت ميل هاتفها. كانت قد فاتتها مكالمة من ديانا. ربما أرادت أن تسألها عن رأيها، حول شيء له علاقة بالعرس، مثل أي نوع الأفضل: بطاقات المناسبة من طراز كلاسيكي وتقليدي أم فني ومضحك؟. والأهم هل الأفضل من نوع DIY (صممه بنفسك) أم من نوع الطلبات المعدلة؟ وقررت ميل أن بإمكانها الانتظار حتى الصباح. معظم المشاغل بمقدورها أن تنتظر. لا تبدأ حصة تدريس ميل قبل العاشرة. ولكنها نهضت في السابعة. كانت بحاجة لأن تعجل بالجري قبل أن تواجه رواد التاريخ. حينئذ يمكنها على الأقل أن تقول لنفسها، حسنا، أنت تصنعين التاريخ، ولكن من قام بالجري هنا في هذا الصباح وتحدى متاعب خمسة أميال؟. جرت شمالا على طول الهدسون، كان جسر جورج واشنطن يتضخم مع كل خطوة. وفي الخلف، على الجانب الآخر من النهر، توجد الأعمدة. والآن هي مجزأة إلى شرائح بسبب هيكل الجسر. وحاولت أن تتذكر شكل المدينة من بعيد، لتنعش الصورة في خيالها، حبل من المجوهرات على عرض الأفق، والأضواء تذوب في الماء. كل ما تراه الآن فوضى من المعادن والإسمنت والسيارات. فكرت: مشهد النملة، وخفضت نظرتها إلى الرصيف. تباطأت، ثم توقفت وتمطت. وضعت يديها على السور، ومدت ذراعيها باستقامة وتراجعت إلى الوراء، خفضت نصفها الأعلى، حتى أصبح مستويا كالطاولة. ضغطت بكعبيها على الرصيف، وشدت ربلتي ساقيها وشعرت بالألم المعهود. ثم شاهدته، فقط على بعد بوصات من خلف قدميها: سنت، خامل، ملوث بالتراب، ولا يبهج الروح. كان أسفله نحو الأعلى، وتعرفت ميل على الخطوط الباهتة لتمثال لنكولن التذكاري. تلفتت حولها، كأنها تريد أن ترى الشخص الذي ألقاه، وسيكون أي شخص يفتقد إلى قطعة نقود ناشزة. لم تجد أحدا حولها باستثناء رجل ببذة، ويرافق كلبه. رفعت ميل قدما إلى الأعلى خلف ظهرها، وقبضت على كاحلها بيدها، ثم تمطت بجانبها الأيسر، وكررت ذلك بيمينها. فحصت المنطقة مجددا، ولم تجد أي شخص مهتما بالبحث عن نقوده. وبحذر شخص يعود إلى عادة قديمة بعد العديد من السنوات، حملت السنت، دسته في جيبها، وتابعت الجري.

***

........................

* لارا واس Lara Waas كاتبة قصة أمريكية. تترجم عن اللغة الألمانية. حصلت على مؤهلها العلمي من ميونيخ في ألمانيا. وعملت بتدريس اللغة الإنكليزية في غواتيمالا.

 

بقلم: أنطون تشيخوف

ترجمة: نزار سرطاوي

***

يَعبُر أوشوميلوف رئيسُ الشرطة السوقَ بمعطفه الجديد، وقد تأبطّ طردًا. يتبعه شرطيٌ أُحمرُ الشعر يحمل بين يديه بعضًا من الفاكهة المُصادَرَة. يَسودُ الصمت في الجوار. ليس ثمّة أحدٌ في السوق. أبوابُ ونوافذُ المحلاتِ التجارية والحاناتِ المفتوحة بدت وكأنها أفواهُ فاغرةٌ جائعة. لم يكن ثمّةَ أحدٌ في الجوار، ولا حتى متسوّل.

فجأة سمع أوشوميلوف شخصًا يصرخ. "إذًن أنت تعضُّ أيها الوحشُ اللعين! ليس مسموحًا للكلاب أن تعضّ في هذه الأيام. توقفْ! آهـ، آهـ!"

سُمِع نباحُ كلب. نظر شوميلوف ناحيةَ الصوت فرأى كلبًا أعرجَ بثلاثِ أرجل يعدو خارجًا من ساحة الأخشاب، يطارده رجلٌ يرتدي قميصًا أبيضَ بأزرار مفكوكة. كان الرجل يسير في إثْرِ الكلب. وفجأة تعثّر، لكنه عندما سقط وثبَ إلى الأمام وقبضَ على الكلبِ من ساقه الخلفية. سُمع نباحُ الكلب مرةً أخرى، وسُمِع الصراخ كذلك. أطلّت وجوهٌ يبدو عليها النعاس من نوافذ المحلات التجارية. وفي التوّ تجمع حشدٌ من الناس عند ساحة الأخشاب كما لو كانوا قد طلعوا من باطن الأرض.

قال الشرطي: "يبدو أنه شِجارٌ يا سيدي."

استدار أوشوميلوف وراح يخطو سريعًا نحو الحشد. على مقربةٍ من بوابة ساحة الأخشاب رأى الرجلَ ذا القميص الأبيض مفكوكِ الأزرار يحملُ يدَه اليمنى ويرفع أمام الحشد إصبعًا تنزف دمًا. بدا على وجهه الثَمِل تعبيرٌ كأنما كان يقول: "انتظرْ! سأجعلك تدفع ثمنَ هذا، أيها الشرّير!" عرف أوشوميلوف الرجل. إنه خريوكين، صائغ الذهب. وسطَ الحشد كان المجرمُ الذي تسبب بالمشكلة كلِّها يُقعي مرتعشًا من رأسه إلى أخمص قدميه، وقد مدّ رجليه الأماميتين – جروٌ أبيضُ بأنفٍ مُدبّب، وقد علت ظهرَه بقعةٌ صفراء، وبدت في عينيه الدامعتين تعابيرُ البؤس والهلع.

سأل أوشوميلوف وهو يشق طريقه وسط الحشد: "ما الامر؟ لِمَ أنت هنا؟ ماذا حدث لإصبعك؟ من الذي كان يصرخ؟"

قال خريوكين: "كنت أسير في طريقي يا سيدي، وادعًا كالحَمَل. لم أمسسْ أي إنسانٍ أو أي شيءٍ حين عضّ هذا الوحش الملعون إصبعي على حين غرة. استميحك عذرًا يا سيدي. أنا رجلٌ عامل. عليّ أن أقوم بعملٍ في غاية الدقّة، ولا بد لأحد أن يدفع لي، إذ أنني لن أتمكن من استعمال هذا الإصبع، ربما لمدة أسبوع! ليس في القانون يا سيدي ما يَنصّ على ضرورة تَحَمُّل الكلاب التي تعضّ. إذا سُمح لها بالعضّ فلن تكون للحياةُ التي نعيشها أية قيمة. "

همهم أوشوميلوف وهو يحرك حاجبيه إلى الأعلى وإلى الأسفل. "لمن يعود هذا الكلب؟ لن أدعَ هذه المسألة تمرُّ هكذا ببساطة! سأعَلّمُكم أيها الناس ألّا تتركوا كلابَكم سائبة! لقد حان الوقت لفعلِ شيءٍ بشأن أولئك الذين لا يلتزمون بالقوانين. سأعاقب صاحبَ الكلب. سأريه من أنا!" التفت إلى الشرطي. «يلديرين! أريدك أن تعرف صاحب الكلب وأن تُعِدَّ تقريرًا. سيُعْدَم الكلبُ دون إبطاء. لعلّه كلبٌ مجنون ٌعلى أيةِ حال. من هو صاحب الكلب؟"

قال أحدهم في الحشد: "إنه يشبه كلبَ الجنرال."

"الجنرال؟ آهـ! يلدرين، اخلع عني معطفي. الطقس حارٌ بصورةٍ رهيبة! سينزل المطر على الأغلب..." التفت إلى الصائغ ثم أردف: "هناك أمرٌ لا أفهمه يا خريوكين. كيف لهذا الكلب أن يعضَّك؟ فهو لا يقدر أن يصل إلى أصابعك. إنه كلبٌ صغيرٌ وأنت رجلٌ ضخم. لعلّك جرحت إصبعَك بمسمار، ثم خطرت ببالك فكرةُ الكلب والآن تحاول الحصول على بعض المال. أنا أعرف أمثالك أيها الغشاش الوغد!"

"لقد وكز وجهَ الكلب بسيجارة. ولهذا هاجمه الكلب وعضه يا سيدي."

"هذا افتراء! أنت لم ترني افعل ذلك، فَلِمَ تكذب؟ إن حضْرَتَهُ رجلٌ حكيمٌ يعرف من يقول الحقيقةَ ومن يكذب. إن كنتُ أكذب، فلندعِ المحكمة تقرر. القانون يقول إننا جميعًا في هذه الأيام متساوون. لديّ أخٌ في الشرطة. دعني أخبرك."

"توقفا عن الجدل."

قال الشرطي متفكّرًا: "لا، هذا ليس كلبَ الجنرال. ليس عند الجنرال كلاب مثل هذا. كلابه مختلفة."

"هل أنت واثقٌ من ذلك؟"

"نعم سيدي، كلّ الثقة."

"أنا نفسي أعرف ذلك أيضًا. الجنرال عنده كلاب من سلالة باهظة الثمن، أما هذا الكلب! فليس له شَعرٌ ولا شكل. لِمَ يقتني الناس كلابًا كهذا؟ هل تدري ما الذي سيحدث لو أن مثل هذا الكلب ظهر في بطرسبورغ أو موسكو؟ لن يعبأَ أحدٌ بالقانون وسيُخْنَق الكلب على الفور! أنت ضحيةٌ يا خريوكين، وقد عانيتَ كثيرًا. لن أدعَ هذه المسألة تمر هكذا ببساطة! لا بدّ أن أُلقِّنَ المالكَ درسًا!"

كان الشرطي يفكر بصوتٍ عالٍ: "ربما يكونُ كلبَ الجنرال على الرغم ذلك. قبل ايامٍ رأيت كلبًا مثلَه في ساحة بيت الجنرال."

قال صوتٌ من الحشد: "بالطبع إنه مِلك للجنرال."

"يلدرين، ساعدني في ارتداء معطفي. الطقس بارد. الريح تشتدّ. وأنا أرتعد من البرد. خذ الكلبَ إلى مقرّ الجنرال وتحرَّ عن الأمر هناك. قل إنني وجدته وأرسلته. وأخبرهم ألا يتركوا الكلبَ في الشارع. فهو على الأغلب كلبٌ باهظ الثمن، وإذا ما راح كلُ وغدٍ يكِزُه بسيجارة فسيحلُّ به الدمار عمّا قريب. الكلب مخلوقٌ رهيف. وأنت أيها الغبي أنزِلْ يدك! لا تريني إصبعك التافه هذا مرة أخرى. الخطأ خطأك.ها قد حضر طبّاخ الجنرال. فلْنسألْه. مرحبًا يا بروخور. تعال إلى هنا لحظة! انظر، هل هذا الكلب لك؟"

"أي كلب؟... لم يسبق أن كان لدينا كلبٌ كهذا أبدًا!"

قال أوشوميلوف: "لا داعي لإضاعة الوقت في السؤال. "إنه كلب ضالّ. ليس هناك ما يقال غير ذلك. إذا قلتُ إنه كلبٌ ضالّ، فهو كلبٌ ضال! لسوف يُعْدَم"

أردف بروخور: "إنه ليس كلبنا، بل يعود إلى شقيق الجنرال الذي وصل من موسكو قبل أيام. فسيّدي لا يحب هذا النوعَ من الكلاب، لكن شقيقه يحبها."

"إذًن وصل شقيقه؟" سأل أوشوميلوف وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة البهجة. "تصوّروا! ولم أكن أعلم بذلك! هل هو هنا في زيارةٍ أخرى"

"نعم سيدي، في زيارة."

"حسنا. لم أعرف بذلك أبدًا... إذًن تقول إنه كلبُه؟ رائع، كم أنا سعيد. خذه! يا له من كلبٍ صغير مليءٍ بالحيوية، كلبٍ صغيرٍ خفيفِ الحركة ينقضّ على إصبع هذا الرجل! ها ها ها ها. لِمَ ترتجف يا صغيري؟ رررر... رررر... هذا الرجل شرّير."

نادى بروخور على الكلب واصطحبه معه. ضحك الحشدُ على كريوكين.

قال أوشوميلوف متوعّدًا: "ستقع في يدي ذات يوم"، ولفَّ نفسه بمعطفه، وتابع سيره عبر السوق.

***

............................

يعتبر أنطون بافلوفيتش تشيخوف،  المولود في تاغانروغ في جنوب روسيا في عام 1860، أحد كبار كُتّاب المسرح والقصة القصيرة في روسيا. كتب 17 عملًا مسرحيًا وأكثر من 500 قصة قصيرة، ورواية واحدة وسبع روايات قصيرة  حظيت أربعٌ منها على الأقل بشهرة عالمية، وهي: نورس البحر (1895)، العم فانيا (1899)، الشقيقات الثلاث (1900)، بستان الكرز (1903). أما أعماله غير الأدبية فاقتصرت على عملين، أحدهما في أدب الرحلات، والثاني كتاب مذكرات. 1904 توفي في أحد فنادق مدينة بادِنْ وايلر في ألمانيا. ونُقل جثمانه إلى موسكو، حيث دفن هناك.

الصفحة 1 من 6

في نصوص اليوم