لم يكن رحيل الفنان التشكيلي الفلسطيني الكبير سليمان منصور، في الرابع والعشرين من أغسطس/آب 2026، مجرد غياب لفنان ترك وراءه عشرات اللوحات والأعمال الفنية، بل هو غياب واحد من أبرز الذين جعلوا من الفن التشكيلي الفلسطيني مساحةً لحماية الذاكرة من النسيان، ومن الصورة وسيلةً لاستعادة المكان والإنسان والتاريخ. وعلى امتداد أكثر من خمسة عقود، لم يتعامل منصور مع فلسطين باعتبارها موضوعاً فنياً فحسب، وإنما باعتبارها سؤالاً وجودياً وثقافياً وسياسياً ظل يتشكل داخل تجربته جيلاً بعد جيل. وقد أكسبته هذه المسيرة موقعاً بارزاً في الحركة التشكيلية الفلسطينية، حتى أصبح أحد حراس ذاكرتها البصرية وأحد أكثر فنانيها حضوراً في الوجدان الفلسطيني والعربي.
«جمل المحامل».. حين حمل الإنسان وطنه على كتفيه
يصعب الحديث عن سليمان منصور دون الوقوف طويلاً أمام «جمل المحامل»، تلك اللوحة التي أنجز نسختها الأولى عام 1973، وتحولت مع مرور الزمن إلى واحدة من أشهر الأيقونات البصرية في الفن الفلسطيني والعربي. غير أن قوة هذه اللوحة لا تكمن في شهرتها وحدها، بل في قدرتها النادرة على اختزال مأساة شعب كامل داخل صورة واحدة شديدة البساطة وعميقة الدلالة: رجل فلسطيني مسن يحمل مدينة القدس على ظهره، وكأن المدينة بكل تاريخها وبيوتها وقبتها وذاكرتها قد أصبحت حملاً إنسانياً لا يستطيع صاحبه أن يتخلى عنه.
كان منصور قد استلهم فكرة العمل من مشاهد العتّالين الذين كان يراهم في القدس القديمة، ومن الصور القديمة لسوق المدينة، ثم أخذت الفكرة تتبلور تدريجياً قبل أن تنجز اللوحة بصورتها المعروفة. وحين شاهد الروائي الفلسطيني إميل حبيبي العمل في معرض بالقدس، اقترح له عنوان «جمل المحامل»، وهو عنوان بدا وكأنه اكتشف المعنى الكامن في اللوحة أكثر مما أضاف إليها اسماً.
في «جمل المحامل» لا يحمل الرجل حمولة عادية؛ إنه يحمل مدينة. وهنا تحديداً تتجاوز اللوحة حدود التشكيل إلى منطقة الرمز الثقافي. فالظهر المنحني ليس علامة ضعف، بل صورة للصبر الفلسطيني؛ والحمل ليس مجرد عبء، وإنما هو الذاكرة ذاتها؛ والقدس التي تستقر فوق كتفي الرجل ليست مكاناً جغرافياً فقط، بل مركزاً للهوية والتاريخ والوجود.
و لعل العبقرية الحقيقية في العمل أن منصور لم يرسم فلسطين في صورة خطاب مباشر، وإنما جعلها تتجسد في إنسان عادي. لا بطل أسطوري هنا، ولا شخصية خارقة؛ مجرد حمّال أنهكته السنين، لكنه يواصل السير. ومن هذه المفارقة تولد قوة الصورة: الإنسان الذي يبدو مثقلاً هو ذاته الذي يحمل ما هو أثقل منه، وكأن فلسطين، رغم كل ما تعرضت له، لا تزال قادرة على مواصلة الطريق.
و قد ساهم انتشار اللوحة في شكل ملصق وبسعر زهيد في وصولها إلى البيوت الفلسطينية والمخيمات والفضاءات العامة، فتحولت من عمل فني إلى صورة شعبية واسعة التداول. وظلت مرتبطة باسم صاحبها إلى درجة أن شهرتها كادت أحياناً تحجب التنوع الكبير في تجربته. وقد أعاد منصور تنفيذها لاحقاً، بينما ظلت النسخة الأولى موضوع بحث واقتناء إلى أن تم التعرف إليها في مجموعة فنية بلندن.
لكن «جمل المحامل» لم تكن نهاية تجربة منصور، وإنما كانت بوابةً إليها. فالفنان الذي رسم فلسطين محمولة على ظهر إنسان، أمضى حياته بعد ذلك في البحث عن طرائق أخرى لحماية هذه الصورة من التلاشي.
الفن الفلسطيني.. من التعبير عن القضية إلى صناعة الوعي
ولد سليمان منصور عام 1947 في بيرزيت، وعاش طفولته بين بيرزيت وبيت جالا، ثم درس الفنون في أكاديمية بتسلئيل في القدس بين 1967 و1970. وكان بقاؤه في فلسطين، بعد التحولات التي فرضتها حرب 1967، عاملاً حاسماً في تشكيل خياراته الفنية والثقافية والسياسية. لم يعد الفن بالنسبة إليه مجالاً منفصلاً عن الواقع، بل صار جزءاً من تجربة إنسانية يعيشها الفنان يومياً، ويرى آثارها في المكان والناس والذاكرة.
ومن هنا جاء اهتمامه بالتراث الفلسطيني: الثوب، والتطريز، والمفتاح، والزيتون، والبيت القروي، والمرأة، والأرض. لم يكن استدعاء هذه المفردات نوعاً من الحنين الفولكلوري، وإنما كان محاولة لاستعادة العناصر التي تشكل هوية مجتمع مهدد بالاقتلاع والمحو. فالتراث عند منصور لم يكن ماضياً مغلقاً، بل كان لغةً للحاضر ومادةً لمقاومة النسيان.
وهذا ما جعل تجربته تلتقي مع المزاج الثقافي والسياسي لليسار الفلسطيني في مراحل مختلفة من تاريخ الحركة الوطنية؛ حيث كان الفن والثقافة جزءاً من مشروع أوسع لبناء الوعي، والدفاع عن الهوية، وربط التحرر السياسي بالتحرر الثقافي. والأدق أن منصور لم يكن مجرد «رسام شعارات»، بل فناناً كان يبحث عن اللغة الجمالية التي تستطيع أن تحمل الموقف من دون أن تسقط في المباشرة.
و قد تجلى ذلك بوضوح خلال الانتفاضة الأولى، عندما أسس، مع فيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني، مجموعة «نحو التجريب والإبداع». وفي مواجهة صعوبة الحصول على المواد الفنية، جرى البحث عن مواد محلية مثل الطين والحناء والقهوة، لتصبح المادة الفنية نفسها مرتبطة بالأرض الفلسطينية. وكان منصور يرى أن العمل الفني في تلك التجربة لم يعد مجرد تعبير عن السياسة، وإنما أصبح فعلاً سياسياً في ذاته.
هنا تكمن إحدى أهم إضافات منصور إلى مفهوم الفن المقاوم: المقاومة ليست بالضرورة في الموضوع الذي ترسمه اللوحة، وإنما يمكن أن تكون في المادة، واللغة، وطريقة إنتاج العمل، وفي رفض التبعية الثقافية.
ومن هذه الرؤية اتسعت تجربة منصور لتشمل الطين والخشب والمواد الطبيعية، وظهرت سلسلة «أنا إسماعيل» ابتداءً من عام 1996، في تجربة جعلت من الأرض نفسها مادة للوحة. وكأن الفنان، بعد أن رسم القدس محمولة على ظهر الإنسان، عاد ليبحث عن فلسطين داخل ترابها.
وهكذا لم يعد السؤال عنده: كيف أرسم فلسطين؟ بل أصبح السؤال الأعمق: كيف أجعل المادة نفسها شاهدة على فلسطين؟
سليمان منصور.. حارس الذاكرة في مواجهة المحو
كان منصور ينتمي إلى جيل من الفنانين والكتاب والشعراء الذين لم يكتفوا بتوثيق التجربة الفلسطينية، وإنما شاركوا في صناعة وعيها الثقافي. وقد أسهم في تأسيس رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين، وكان جزءاً من الحركة التي سعت إلى بناء بنية فنية فلسطينية قادرة على الاستمرار داخل الوطن، رغم الاحتلال والقيود ومحاولات محو الهوية.
وهنا تصبح تجربة منصور أوسع من حدود اللوحة. إنها تجربة المكان حين يتحول إلى ذاكرة، والذاكرة حين تتحول إلى صورة، والصورة حين تتحول إلى فعل مقاومة للغياب.
لقد أدرك منصور مبكراً أن الصراع على فلسطين ليس صراعاً على الأرض وحدها، وإنما هو أيضاً صراع على الرواية والصورة والرمز. لذلك حضرت القدس في أعماله لا بوصفها حجراً وعمارة فقط، وإنما بوصفها مركزاً للذاكرة. وحضرت المرأة الفلسطينية لا باعتبارها عنصراً زخرفياً، وإنما بوصفها حاملةً للهوية. وحضر الزيتون لا كمنظر طبيعي، وإنما كعلامة على التجذر والاستمرارية.
من هنا يمكن فهم القيمة الحقيقية لـ«جمل المحامل». فالرجل الذي يحمل القدس على ظهره هو، في جوهر الصورة، فلسطين التي تحمل فلسطين. وهو الفلسطيني الذي يحمل مدينته أينما ذهب؛ في المخيم والمنفى والشتات والقرية والمدينة. ولذلك استطاعت اللوحة أن تعبر الحدود، وأن تجد لنفسها مكاناً في الذاكرة العربية والعالمية، لأنها لم تعد تخص شخصاً أو مدينة بعينها؛ أصبحت صورةً مكثفة للإنسان الذي يرفض أن يفقد وطنه حتى حين يصبح الوطن نفسه حملاً ثقيلاً.
وربما لهذا السبب تحديداً لا ينبغي أن نقرأ سليمان منصور بوصفه «صاحب جمل المحامل» فقط. فاللوحة عظيمة، لكنها ليست كل منصور. خلفها فنان اشتغل على التراث والهوية والمرأة والأرض والقدس، وجرب مواد وأساليب متعددة، وأسهم في بناء الحركة التشكيلية الفلسطينية، وظل وفياً لفكرة أن الفن يستطيع أن يكون جمالاً وذاكرة وموقفاً في آن واحد.
لقد رحل سليمان منصور، لكن اللوحة لم ترحل.
وستظل صورة ذلك الرجل المنحني تحت ثقل القدس، سائراً رغم التعب، واحدة من أكثر الصور اختصاراً لفكرة فلسطينية عميقة: أن الوطن قد يصبح أثقل من أن يُحمل، لكنه يظل أخف من أن يُترك.
ولعل هذا هو المعنى الأبعد في إرث منصور: لم يكن يرسم فلسطين لكي نتذكرها فحسب، بل كان يرسمها لكي لا يستطيع النسيان أن ينتصر عليها.
***
البشير عبيد / تونس
شاعر وكاتب صحفي









































































